Полный текст (2 217 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الْمعبر عَنْهَا فِي اصْطِلَاح الْقَوْم بالإنسان الْكَبِير فَكَانَت الْمَلَائِكَة كالقوى الروحانية والحسية الَّتِي هِيَ النشأة الإنسانية قَالَ الشَّارِح الإِمَام عبد الرَّزَّاق بن أبي الْغَنَائِم الفاسي رَحمَه الله تَعَالَى فَكَانَت القوى الروحانية النفسانية مَلَائِكَة وجود الْإِنْسَان لِأَن قوى الْعَالم اجْتمعت فِيهِ بأسرها فالإنسان عَالم صَغِير والعالم إِنْسَان كَبِير بِوُجُود الْإِنْسَان فِيهِ لِأَن أحدية جَمِيع الْمَوْجُود الَّتِي ناسب بهَا الْعَالم الحضرة الإلهية لم تُوجد فِي جَمِيع أَجْزَائِهِ إِلَّا فِي الْإِنْسَان وَكَانَ الْإِنْسَان مُخْتَصرا من الحضرة الإلهية وَلِهَذَا قَالَ إِن الله خلق آدم على صورته وَيُسمى هَذَا الْمَذْكُور إنْسَانا وَخَلِيفَة فَأَما الإنسانية فَلِأَن نشأته تحوي الْحَقَائِق كلهَا وَجَمِيع مَرَاتِب الْوُجُود العلوية والسفلية بأحدية الْجمع الَّذِي ناسب بهَا حَقِيقَة الْحَقَائِق وَهِي الجمعية الْمَذْكُورَة إِذْ لَا شَيْء فِي النشأتين إِلَّا وَهُوَ مَوْجُود فِيهِ أَي لَا مرتبَة فِي الْوُجُود إِلَّا وَشَيْء مِنْهَا فِيهِ فَنَاسَبَ الْكل وَأنس بِهِ فَسمى إنْسَانا لِأَنَّهُ عَالم صَغِير والعالم يُسمى إنْسَانا كَبِيرا بِاعْتِبَار آخر وَهُوَ أَنه يلْحق بِمَنْزِلَة مَا إِنْسَان الْعين من الْعين الَّذِي بِهِ يكون النّظر وَهُوَ الْمعبر عَنهُ بالبصر لِأَن الله تَعَالَى نظر بِهِ إِلَى الْخلق فَرَحِمهمْ فَلهَذَا سمى إنْسَانا أَيْضا فتم الْعَالم ووجوده بمظهريته لأسمائه تَعَالَى كلهَا قَالَ الشَّيْخ فَهُوَ من الْعَالم كقص الْخَاتم من الْخَاتم وَهُوَ مَحل النقش والعلامة الَّتِي يخْتم الْملك بهَا خزائنه وَشبه الْعَالم بالخاتم لِأَنَّهُ خلقه وَمن حَيْثُ إِن الْإِنْسَان من جملَة أَجزَاء الْعَالم انتقش بنقوش الْعُلُوم الَّتِي فِي الحضرة الإلهية وَحمل سر أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وَختم بِهِ الْعَالم بأسره فشبهه بالفص من الْخَاتم وَسَماهُ خَليفَة لأجل هَذَا لِأَن نقش اسْمه الْأَعْظَم وَهُوَ الذَّات مَعَ الْأَسْمَاء كلهَا منقوش فِي قلبه الَّذِي هُوَ فص الْخَاتم فيحفظ بِهِ خزانَة الْعَالم بِجَمِيعِ مَا فِيهِ على النظام الْمَعْلُوم والنسق المضبوط لِأَنَّهُ الْحَافِظ خلقه لِأَن الْإِنْسَان الْكَامِل هُوَ الْحَافِظ خلق الله بالحكمة الأحدية والواحدية لأسمائه الْبَالِغَة الَّتِي هِيَ نقش قلبه وَهِي الْعَدَالَة أَعنِي صُورَة الْوحدَة فِي عَالم الْكَثْرَة الَّذِي هُوَ خزانَة القوابل والآلات كلهَا كَمَا يحفظ الْخَتْم الخزائن مَا دَامَ ختم الْملك عَلَيْهَا لَا يَجْسُر أحد على فتحهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ فَلَا يزَال الْعَالم مَحْفُوظًا مَا دَامَ فِيهِ هَذَا الْإِنْسَان الْكَامِل وَلَو لم يكن آدم كَذَلِك لم يكن خَليفَة لِأَن الْخَلِيفَة يجب أَن يعلم مُرَاد المتخلف وَينفذ أمره وَلَو
стр. 72
لم يعلم بِجَمِيعِ صِفَاته لم يُمكنهُ إِنْفَاذ أمره وَإِن لم يكن فِيهِ جَمِيع مَا تطلبه الرعايا من الْأَسْمَاء الَّتِي يَرث الْحق بهَا جَمِيع من فِي الْعَالم من النَّاس وَالدَّوَاب والأنعام وَغَيرهَا فَلَيْسَ بخليفة عَلَيْهِم فَمَا صحت الْخلَافَة إِلَّا للْإنْسَان الْكَامِل فاستحقاق آدم الْخلَافَة إِنَّمَا يكون بالصورتين إنْشَاء صورته الظَّاهِرَة من حقائق الْعَالم وَصورته الباطنية قَالَ الشَّارِح قدس سره حَيْثُ جمع فِيهِ الْحَقَائِق الكونية فَلم يبْق فِي صور الْعَالم وَقواهُ شَيْء إِلَّا وَفِيه نَظِيره وإنشاء صورته الْبَاطِنَة على صورته تَعَالَى فانه سميع بَصِير عَالم فَيكون متصفاً بِالصِّفَاتِ الإلهية متسمياً بأسمائه وَلذَلِك قَالَ كنت سَمعه وبصره مَا قَالَ كنت عينه وَأذنه فَفرق بَين الصُّورَتَيْنِ صُورَة الْعَالم وَصُورَة الْحق وكما كَانَ الْحق فِي آدم ظَاهرا بصورته كَذَلِك فِي كل مَوْجُود لَكِن لَيْسَ لشَيْء من الْعَالم مَجْمُوع مَا للخليفة فَإِن قلت فَمَا معنى قَول النَّبِي
خلق الله آدم على صورته وَهَذَا يَقْتَضِي التجسيم فَالْجَوَاب أَن الْهَاء فِي صورته رَاجِعَة إِلَى آدم ردا على من يَقُول كَانَ آدم عَظِيم الجثة طَوِيل الْقَامَة رَأسه قريب من السَّمَاء كَمَا فِي بعض الْأَخْبَار فَكَانَ الْمَعْنى أَن الله خلقه على الصُّورَة الَّتِي قبض عَلَيْهَا لم تَتَغَيَّر بِزِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَوجه ثَان وَهُوَ أَن هَذَا الْكَلَام خرج على سَبَب مَعْرُوف لِأَن الزُّهْرِيّ روى عَن الْحسن أَنه كَانَ يَقُول مر رَسُول الله
بِرَجُل من الْأَنْصَار وَهُوَ يضْرب وَجه غُلَام لَهُ وَهُوَ يَقُول قبح الله وَجهك وَوجه من تشبه فَقَالَ النَّبِي
بئْسَمَا قلت فَإِن الله خلق آدم على صورته يَعْنِي صُورَة الْمَضْرُوب وَذكر السَّيِّد المرتضى ﵁ فِي التَّنْزِيه جواباتٍ أخر لَا نطول بذكرها وَمَا أَوْمَأ إِلَيْهِ الشَّيْخ قدس سره أدق طَريقَة وَأحسن معنى وَمن تَأمل غرائب خلقَة آدم وَمَا احتوت عَلَيْهِ من إحكام التَّرْكِيب على مَا ذكره المشرحون علم أَن بارئه وَاحِد لَا ثَانِي لَهُ // (من المتقارب) //
(وَفِي كلّ شيءٍ لَهُ آيةٌ ... تدلُّ على أنّه واحدُ)
стр. 73
ودفنت حَوَّاء إِلَى جَانب آدم رَأسهَا إِلَى رَأسه ورجلاها عِنْد رجلَيْهِ قلت كَذَا ذكر عَن وهب وَأكْثر الروَاة على أَنَّهَا دفنت بجدة بِالْمحل الْمَعْرُوف بهَا قابيل عَلَيْهِ اللَّعْنَة كَانَ آخر هَلَاك نَسْله فِي زمن الطوفان وَكَانُوا أَعدَاء لأَوْلَاد شِيث ﵇ وَلم يبْق الطوفان مِنْهُم أحدا زَوجته إقليميا أُخْته وَكَانَ أكبر أَوْلَاده شوهل رزقه الله من الْجمال وَالْحسن مَا لم يرْزق أحدا من ولد آدم وَكَذَا توءمته وَاسْمهَا نوهة وَكَانَ تسلم جَمِيع أُمُور أَبِيه وَذَلِكَ أَن قابيل لما قتل أَخَاهُ دَعَا عَلَيْهِ آدم وحواء فذهل عقله فَكَانَ لَا يعي قولا وَلَا يفقه شَيْئا فتلاعب بِهِ إِبْلِيس وَقَالَ لَهُ إِن أَبَاك آدم وأمك حَوَّاء قد مَاتَا وَمَا بَقِي من يقوم مقَامه والرأي أَن تغزو أَخَاك وَمن مَعَه قبل أَن يغزوكم فَلم يبْق لَك مِنْهُ مَخَافَة وَلَا سِيمَا ومعنا عنق بنت أَبِيك آدم وَقد علمت قوتها وَطَاعَة الْجِنّ لَهَا بِمَا مَعهَا من السحر فَأرْسل قابيل ابْنه شوهل وَأمره بِطَاعَة إِبْلِيس فِيمَا يُشِير إِلَيْهِ فِي قتال شِيث ثمَّ أرسل إِلَى عنق فبادرت إِلَيْهِ بالمردة وَلم يكن سلَاح إِلَّا السكاكين على مِثَال الَّتِي ذبح بهَا آدم قربانه فَأَخَذُوهَا وشدوا أزرهم وَسَارُوا نَحْو شِيث وَأوحى الله إِلَى شِيث يُعلمهُ ووعده بالنصر عَلَيْهِم فَجمع شِيث إخْوَته وبنيه فأعدوا لَهُم وَأخذُوا عصيهم وسكاكينهم وجلسوا ينتظرون حَتَّى قرب بَنو قابيل وإبليس ومردته وَهُوَ الْملك على الْجِنّ وعنق الْمُقدمَة على المردة والسحرة فَأمر شِيث بِالْخرُوجِ إِلَيْهِم فشدوا عَلَيْهِم أزرهم وَأخذُوا مديهم بأيمانهم وعصيهم وَخَرجُوا إِلَى ملتقاهم وَكَانَ أول قتال جرى بَين بني آدم مِمَّا يَلِي الطَّائِف وَأخرج شِيث الصُّحُف وتوسل إِلَى الله بهَا وَإِخْوَته يُؤمنُونَ على دُعَائِهِ وبرزت بَنو قابيل لِلْقِتَالِ وشبت الْحَرْب بَينهم وشيث كَارِه وَأنزل الله عَلَيْهِ النَّصْر وَكلما عملت السَّحَرَة شَيْئا أبْطلهُ الله تَعَالَى فَلَمَّا صَار وَقت الظّهْر توسل شِيث إِلَى الله تَعَالَى بأنوار مُحَمَّد
فَأمر الله جِبْرِيل أَن ينزل وَمَعَهُ من الْمَلَائِكَة مدد فَلَمَّا رأى إِبْلِيس ذَلِك قَالَ لمردته اتْرُكُوا بني آدم بَعضهم لبَعض فَلَا قدرَة لكم على الْمَلَائِكَة ثمَّ غاص فِي الأَرْض هَارِبا وَبَنوهُ خَلفه وَقتلت الْمَلَائِكَة مِنْهُم بحرابها مَا لَا يُحْصى وَانْهَزَمَ ولد قابيل لانهزام الْجِنّ وَقتل مِنْهُم الْمُؤْمِنُونَ خلقا كثيرا وهرب الْبَاقُونَ
стр. 74
وَعرض شِيث على الأسرى الْإِيمَان فَأَبَوا فَأمر بِقَتْلِهِم وَلم يبْق مِنْهُم أحدا ورد الله كيد إِبْلِيس فِي نَحره وَغلب جند الله وَرجع شوهل وَقد خلص من الْقَتْل إِلَى أَبِيه بِمن سلم مَعَه وأعلمه بِمن قتل من أَوْلَاده فَحزن قابيل وَمَات أسفا وحزناً وحسرةً وندامة كَمَا أعلمهُ الْملك فَلَمَّا هلك قابيل فَرح إِبْلِيس بِمَوْتِهِ وَكَانَ قد اختفى مِنْهُ لِئَلَّا يوبخه على رَأْيه ومشورته وهربه وَعلم أَنه بِمَوْتِهِ يتَمَكَّن من بنيه فأظهر الْحزن وَقَالَ لَا تدفنوه وَأَنا أصنع لكم تمثالاً من الْحِجَارَة فأدخلوه فِيهِ واجعلوه فِي بَيت من بُيُوتكُمْ فَإِذا أَرَادَ أحدكُم إِن يرَاهُ إِلَيْهِ وَيسلم عَلَيْهِ فتكونون كأنكم لم تفقدوه حِيلَة واستدراجاً مِنْهُ لعبادة الْأَصْنَام فنحت لَهُم حجرا من البلور وصور فِيهِ صورته وَجعله مجوفاً قطعتين تلتصق إِحْدَاهمَا فِي الْأُخْرَى وَأمرهمْ أَن يدخلوه فِي ذَلِك التمثال وَأمر أَلا يدْخل عَلَيْهِ أحد إِلَّا بِأَمْر شوهل وَأَن كل من يدْخل إِلَيْهِ يسْجد لَهُ ثَلَاث سَجدَات وَيقبل يَده وَجعله عيداً فِي كل سنة مثل الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَإِذا كَانَ ذَلِك الْيَوْم يدْخلُونَ أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا وَقد رفع غشاؤه وَهُوَ من وَرَاء البلور كَأَنَّهُ حَيّ وَإِذا خلا بِهِ شوهل يخاطبه إِبْلِيس على لِسَان الصَّنَم فيظن شوهل أَنه قابيل وَلَا يكلم سواهُ ووكل إِبْلِيس بالصنم مارداً يسمع حوائج من يدْخل إِلَيْهِ فَيَجِيء بهَا إِلَى إِبْلِيس يَوْمًا بِيَوْم فَإِذا كَانَ اللَّيْل أرَاهُ فِي مَنَامه مَا يفعل فِي الَّذِي أَرَادَ استدراجاً لكفرهم وهم لَا يَشْعُرُونَ فبقوا على ذَلِك مُدَّة وَقد بلغ إِبْلِيس مِنْهُم مُرَاده وَقد روينَا عَن مُحَمَّد بن مُوسَى المتَوَكل عَن عبد الله بن جَعْفَر عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى عَن الْحسن بن مَحْجُوب عَن مُحَمَّد بن النُّعْمَان الْأَحول عَن يزِيد بن مُعَاوِيَة قَالَ سَمِعت أَبَا جَعْفَر يَقُول فِي مَسْجِد النَّبِي
إِن إِبْلِيس اللعين أول مَا صور صُورَة على مِثَال آدم ليفتن بِهِ النَّاس ويضلهم عَن عبَادَة الله تَعَالَى وَكَانَ ود فِي ولد قابيل وَكَانَ خَليفَة قابيل على وَلَده وعَلى من بحضرتهم فِي سفح الْجَبَل يعظمونه ويسودونه فَلَمَّا أَن مَاتَ جزع عَلَيْهِ إخْوَته وَخلف عَلَيْهِم ابْنا يُقَال لَهُ سواع فَلم يغن غناء أَبِيه مِنْهُم فَأَتَاهُم إِبْلِيس فِي صُورَة شيخ فَقَالَ قد بَلغنِي مَا أصبْتُم بِهِ من موت ود عظيمكم فَهَل لكم أَن أصور لكم على مِثَال ود صُورَة تستريحون إِلَيْهَا وتأنسون بهَا فَقَالُوا افْعَل فَعمد الْخَبيث إِلَى الآنك فأذابه
стр. 75
حَتَّى صَار مثل المَاء ثمَّ صور لَهُم صُورَة مثل ود فِي بَيته فتدافعوا على الصُّورَة يلثمونها ويضعون خدودهم عَلَيْهَا ويسجدون إِلَيْهَا وَأحب سواع أَن يكون التَّعْظِيم وَالسُّجُود لَهُ فَوَثَبَ على صُورَة ود فحكها حَتَّى لم يدع مِنْهَا شَيْئا وهموا بقتل سواع فوعظهم وَقَالَ أَنا أقوم لكم بِمَا كَانَ يقوم بِهِ ود وَأَنا ابْنه فَإِن قتلتموني لم يكن لكم رَئِيس فمالوا إِلَى سواع بالتعظيم وَالطَّاعَة ثمَّ لم يلبث سواع أَن مَاتَ وَخلف ابْنا يُقَال لَهُ يَغُوث فجزعوا على سواع فَأَتَاهُم إِبْلِيس وَقَالَ أَنا الَّذِي صورت لكم صُورَة ود فَهَل لكم أَن أجعَل لكم مِثَال سواع على وَجه لَا يَسْتَطِيع أحد ان يُغَيِّرهُ قَالُوا فافعل فَعمد إِلَى عود من شجر الْخلاف فنجره ونصبه لَهُم فِي منزل سواع وَإِنَّمَا سمى ذَلِك الْعود خلافًا لِأَن إِبْلِيس عمل مِنْهُ صُورَة سواع على خلاف صُورَة ود فسجدوا لَهُ وعظموه وَقَالُوا ليغوث مَا نأمنك على هَذَا الصَّنَم أَن تكيده كَمَا كَاد أَبوك مِثَال ود فوضعوا على الْبَيْت حراساً وحجاباً ثمَّ كَانُوا يأْتونَ الصَّنَم فِي يَوْم وَاحِد ويعظمونه أَشد مِمَّا كَانُوا يعظمون سواعاً فَلَمَّا رآى ذَلِك يَغُوث قتل الحراس والحجاب لَيْلًا وَجعل الصَّنَم رميماً فَلَمَّا بَلغهُمْ ذَلِك اقْبَلُوا ليقتلوه فتوارها مِنْهُم فطلبوه ورأسوه وعظموه ثمَّ مَاتَ وَخلف ابْنا يُقَال لَهُ يعوق فَأَتَاهُم إِبْلِيس فَقَالَ قد بَلغنِي موت يَغُوث وَأَنا جَاعل لكم مِثَاله فِي شَيْء لَا يقدر أحد أَن يُغَيِّرهُ قَالُوا فافعل فَعمد الْخَبيث إِلَى حجر جزع أَبيض فنقره بالحديد حَتَّى صور لَهُم مِثَال يَغُوث فعظموه أَشد مِمَّا مضى وبنوا عَلَيْهِ بَيْتا من الْحجر وتبايعوا أَلا يفتحوا بَاب ذَلِك الْبَيْت إِلَّا فِي رَأس كل سنة وَسميت الْبيعَة حِينَئِذٍ لأَنهم تبايعوا وتعاقدوا عَلَيْهِ فَاشْتَدَّ ذَلِك على يعوق فَعمد إِلَى ريطة وحلفاء فألقاها فِي الْحَائِط بالنَّار لَيْلًا فَأصْبح الْقَوْم وَقد احْتَرَقَ الْبَيْت والصنم والحرس وَارْفض الصَّنَم ملقى فجزعوا وهموا بقتل يعوق فَقَالَ لَهُم إِن قتلتم رئيسكم فَسدتْ أُمُوركُم فَلم يلبث أَن مَاتَ يعوق وَخلف ابْنا يُقَال لَهُ نسر فَأَتَاهُم إِبْلِيس فَقَالَ لَهُم بَلغنِي موت عظيمكم فَأَنا جَاعل لكم مِثَال يعوق فِي شَيْء لَا يبْلى فَقَالُوا افْعَل فَعمد إِلَى الذَّهَب وأوقد عَلَيْهِ النَّار حَتَّى صَار كَالْمَاءِ وَعمل مِثَالا من الطين على صُورَة يعوق ثمَّ أفرغ الذَّهَب فِيهِ ثمَّ نَصبه لَهُم فِي ديرهم وَاشْتَدَّ ذَلِك على نسر وَلم يقدر على دُخُول ذَلِك الدَّيْر فانحاز عَنْهُم فِي قَرْيَة قريبَة من إخْوَته يعْبدُونَ نسراً وَالْآخرُونَ يعْبدُونَ الصَّنَم حَتَّى مَاتَ نسر وَظَهَرت نبوة
стр. 76
إِدْرِيس ﵇ فَبَلغهُ حَال الْقَوْم وَأَنَّهُمْ يعْبدُونَ صنماً على مِثَال يعوق وَأَن نسراً كَانَ يعبد من دون الله فَسَار إِلَيْهِم بِمن مَعَه حَتَّى نزل مَدِينَة نسر وهم فِيهَا وَهَزَمَهُمْ وَقتل من قتل وهرب من هرب فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَاد وَأمر بالصنم فَحمل وَألقى فِي الْبَحْر فاتخذت كل فرقة مِنْهُم صنماً وسموها بأسمائها فَلم يزَالُوا بعد ذَلِك قرنا بعد قرن لَا يعْرفُونَ إِلَّا تِلْكَ الْأَسْمَاء ثمَّ ظَهرت بنوة نوح ﵇ فَدَعَاهُمْ إِلَى عبَادَة الله تَعَالَى وَحده وَترك مَا كَانُوا يعْبدُونَ من الْأَصْنَام فَقَالَ بَعضهم ﴿لَا تذرن آلِهَتكُم وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ ويعوق ونسرا﴾ نوح ٢٣ فعلى هَذَا كَانَت بسب أَوْلَاد قابيل لعنة الله عبَادَة الْأَصْنَام وَفِي الْعِلَل أَن أصل عبَادَة النيرَان قابيل لَعنه الله فَإِنَّهُ لما لم يتَقَبَّل الله مِنْهُ قربانه أَتَاهُ إِبْلِيس وَقَالَ لَهُ إِنَّمَا قبلت النَّار قرْبَان أَخِيك لِأَنَّهُ يَعْبُدهَا فَقَالَ وَأَنا أعبد نَارا أُخْرَى فَبنى بيُوت النَّار وَلم يَرث مِنْهُ وَلَده إِلَّا عبَادَة النيرَان وَهُوَ أول من بنى للنار بيُوت وَعَن ابْن بابويه عَن مُحَمَّد بن عَليّ ماجيلويه عَن مُحَمَّد بن يحيى الْعَطَّار عَن الْحُسَيْن بن الْحسن بن أبان عَن ابْن أرومة عَن عمر بن عُثْمَان عَن العبقري عَن أَسْبَاط عَن رجل حَدثهُ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن أَن طاوساً قَالَ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أول دم وَقع على وَجه الأَرْض دم هابيل حِين قَتله قابيل وَهُوَ يَوْمئِذٍ قتل ربع النَّاس فَقَالَ زين العابدين لَيْسَ كَمَا قَالَ إِن أول دم وَقع على الأَرْض دم حَوَّاء حِين حَاضَت يَوْمئِذٍ فَقتل سدس النَّاس كَانَ يَوْمئِذٍ آدم وحواء وقابيل وهابيل وأختاهما بنتين كَانَتَا ثمَّ قَالَ هَل تَدْرُونَ مَا صنع بقابيل فَقَالَ الْقَوْم لَا نَدْرِي فَقَالَ وكل الله بِهِ ملكَيْنِ يطلعانه مَعَ الشَّمْس إِذا طلعت ويغربان بِهِ إِذا غربت وينضحانه بِالْمَاءِ الْحَار فِي حر الشَّمْس حَتَّى تقوم السَّاعَة وَبِهَذَا الْإِسْنَاد عَن ابْن أرومة عَن الْحسن بن عَليّ عَن ابْن أبي بكير عَن أبي جَعْفَر إِن بِالْمَدِينَةِ لرجلاً أَتَى الْمَكَان الَّذِي فِيهِ ابْن آدم فَرَآهُ معقولاً مَعَ عشرَة موكلين بِهِ يستقبلون بِوَجْهِهِ الشَّمْس حَيْثُ مَا دارت فِي الصَّيف ويوقدون حوله النَّار فَإِذا كَانَ الشتَاء يصبون عَلَيْهِ المَاء الْبَارِد وَكلما هلك رجل من الْعشْرَة
стр. 77
أخرج أهل الْقرْيَة رجلا فَقَالَ لَهُ يَا عبد الله مَا قصتك لأي شَيْء ابْتليت بِهَذَا فَقَالَ لقد سَأَلتنِي عَن مَسْأَلَة مَا سَأَلَني أحد عَنْهَا قبلك أَنْت أَكيس النَّاس وَإنَّك لأحمق النَّاس وَبِهَذَا الْإِسْنَاد عَن ابْن أرومة عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن حَمَّاد بن عُثْمَان عَن أبي عبد الله قَالَ كَانَت الوحوش وَالطير وَالسِّبَاع وكل شَيْء خلقه الله مختلطاً بعضه بِبَعْض فَلَمَّا قتل ابْن آدم أَخَاهُ نفرت وفزعت فَذَهَبت كل شَيْء إِلَى شكله هابيل صَاحب القربان الْمَقْتُول زوج أُخْت قابيل لَعنه الله وَكَانَ آدم ﵇ قسم مَاله بَينهمَا فَجعل هابيل راعي غنم وَجعل قابيل حراثاً وَكَانَ آدم أَمر بتابوت ثمَّ جعل فِيهِ علمه والأسماء وَالْوَصِيَّة ثمَّ دَفعه إِلَى وَصِيَّة شِيث وَقَالَ إِذا حضرتك الْوَفَاة وأحسست بذلك من نَفسك فالتمس خير ولدك وَأَكْثَرهم لَك صُحْبَة وأفضلهم فأوص إِلَيْهِ بِمَا أوصيت بِهِ إِلَيْك وَلما مَاتَ آدم وحواء طمع إِبْلِيس فِي بَينهمَا وَجَاء إِلَى شِيث فَسلم عَلَيْهِ وَكَلمه كلَاما أظهر فِيهِ النَّدَم على فعله بِأَبِيهِ وَأمه مَا فعل وَأَن يكون عونه على أَوْلَاد قابيل فلعنه شِيث وطرده وتهدده بِأَن يَدْعُو عَلَيْهِ وَإِن كَانَ منْظرًا فَخرج إِبْلِيس آيساً مِنْهُ وَقَامَ شِيث فِي بنيه وَإِخْوَته خَطِيبًا وأعلمهم مَا أَرَادَ إِبْلِيس وحذرهم مِنْهُ وَمن أَوْلَاد قابيل قَالَ فَإِنَّهُم أعداؤكم فِي الدّين فَجعل بَعضهم يحذر
стр. 78
بَعْضًا من مُخَالطَة بني قابيل كَمَا تقدم ذكر ذَلِك فَلَمَّا يُبِيح لَهُم أيس إِبْلِيس من شِيث رَجَعَ إِلَى قابيل وزين لَهُ أَلا يمْنَع ذكرا من إخْوَته وَبَنَات أَخِيه ليكْثر النَّسْل وَأَن يبيحهم شركَة الْوَاحِد والاثنين وَالثَّلَاثَة فِي الْوَاحِدَة وَلَا يمنعهُم مُرَادهم فَقبل قابيل قَوْله واشتركت الْجَمَاعَة فِي الْوَاحِدَة وَمَا من ولد إِلَّا وإبليس فِيهِ شركَة وَكَانَ لإبليس أَوْلَاد فاختلطوا مَعَهم وتربوا جَمِيعًا وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى وشيث هُوَ الَّذِي بنى الْكَعْبَة بالطين وَالْحِجَارَة على مَحل خيمة آدم الَّتِي كَانَت من الْجنَّة وَأنزل الله عَلَيْهِ خمسين صحيفَة لخمس لَيَال خلون من رَمَضَان وَكَانَ مُدَّة عمره تِسْعمائَة واثنتي عشرَة سنة وَكَانَت تنزل صحيفَة بعد صحيفَة بِالْأَمر بعد الْأَمر وأعلمه أَن عِنْد انْقِضَاء نُزُولهَا يكون انْقِضَاء عمره وَأَن آخر صحيفَة الْوَصِيَّة لوَلَده
стр. 79
أنوش فَلَمَّا اسْتَوْفَاهُ علم أَن عمره قد نفذ وَلما حَضرته الْوَفَاة أوحى الله إِلَيْهِ أَن يستودع التابوت وَالِاسْم الْأَعْظَم ابْنه أنوش وَمَعْنَاهُ الصَّادِق ابْن نزلة فَأحْضرهُ وَسلم إِلَيْهِ التابوت وعهود الْأَنْبِيَاء وَأمره بِمثل مَا كَانَ أمره بِهِ آدم بِهِ من وضع النُّور المحمدي فِي أطهر النِّسَاء وَقَالَ إِن أدْركْت نبوة نوح فَسلم إِلَيْهِ الْعلم والتابوت فَأَقَامَ أنوش بعد شِيث بِكُل مَا أَمر بِهِ أَبوهُ شِيث وَتزَوج نعم وَكَانَت من أشبه النِّسَاء بحواء فَلَمَّا بنى بهَا حملت بِالنورِ ففرح أنوش وَولدت لَهُ قينان والنور فِي وَجهه كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّي وَأَوْلَاد قابيل فِي تمردهم قد لَقِي مِنْهُم أنوش تعباً كثيرا ثمَّ مَاتَ أنوش وَله من الْعُمر تِسْعمائَة وَخَمْسُونَ سنة وَله إخْوَة وَبَنَات انقرضوا جَمِيعًا وقينان صَاحب النُّور مَحْفُوظ من إِبْلِيس وَجُنُوده تزيد أنواره فِي كل يَوْم وَبَرَكَاته على بني أَبِيه وأعمامه وهم فِي جِهَاد مَعَ بني قابيل أفْضى الْملك فيهم إِلَى ابْنه طهمورث ثمَّ قَامَ قينان وَمَعْنَاهُ المستولي فَقَامَ مقَام أَبِيه وَتزَوج عيطول وَولد لَهُ مهيائيل وَمَعْنَاهُ الممدوح وَلما كبر وَعلمه أَبوهُ أنوش الصُّحُف الَّتِي لِأَبِيهِ آدم وشيث وَجَمِيع مَا علمه أَبوهُ من قبل فَخرج أفْصح أهل زَمَانه وأشجعهم وأكملهم براعةً وفضلاً والنور المحمدي فِي وَجهه يزْدَاد كل يَوْم إشراقاً حَتَّى صَار لَهُ خَمْسُونَ سنة وَظهر ملك عوج بن عنق فطغى وأفسد فِي الأَرْض وَاشْتَدَّ الْأَمر وَتزَوج عيطول فولد لَهُ مِنْهَا مهيائيل بن قينان بن أنوش وَلما حضرت الْوَفَاة قينان مَاتَ فِي تموز وعمره تِسْعمائَة وَعِشْرُونَ سنة فَقَامَ بِالْأَمر بعده ابْنه مهيائيل بن قينان بن أنوش بن شِيث بن آدم ﵊ وَتَوَلَّى النّظر فِي أَمر بني آدم بعد أَبِيه وعاش ثَمَانمِائَة سنة وخمساً وَتِسْعين سنة هُوَ أول من بنى المدن واستخرج الْمَعَادِن وَبنى مَدِينَة بابل ثمَّ ولد لمهيائيل يرد وَيُقَال يارد وَمَعْنَاهُ الضَّابِط فَقَامَ مقَام أَبِيه وَفِي زَمَنه عملت الْأَصْنَام وَرجع من رَجَعَ عَن الْإِسْلَام من أَوْلَاد شِيث مَعَ أَوْلَاد قابيل ثمَّ ولد ليرد أَخْنُوخ بِهَمْزَة وحذفها وَالْمَشْهُور أَنه بخائين معجمتين وَقيل الأولى حاء مُهْملَة وَهُوَ النَّبِي إِدْرِيس ﵇ وَهُوَ هرمس الهرامس المثلث بِالنُّبُوَّةِ وَالْحكمَة وَالْملك أمه ادينا بنت ابيال سمى إِدْرِيس لِكَثْرَة درسه
стр. 80
صحف آدم وشيث وَالْجُمْهُور على أَنه أول نَبِي بعث بعد آدم بِمِائَتي سنة وَنزل عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ صحيفَة وَهُوَ أول من خاط الثِّيَاب ولبسها وَكَانُوا من قبل يلبسُونَ جُلُود الْبَقر فَأرْسلهُ الله إِلَى قومه وَبني أَبِيه وَبني قابيل وَهُوَ أول من خطّ بالقلم وَهُوَ الَّذِي بنى الأهرام بِمصْر وَقيل بناهما دومع بن الزبان ابْن فِرْعَوْن يُوسُف وَقيل سوريد وَقيل غير ذَلِك وعَلى ذكر الأهرام قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَمن عجائب الهرمين أَن سمك كل وَاحِد مِنْهُمَا أَرْبَعمِائَة ذِرَاع وهما من الرخام والمرمر مَكْتُوب فيهمَا أَنا بنيتهما بملكي فَمن يَدعِي قُوَّة فِي ملكه فليهدمهما فَإِن الْهدم أيسر من الْبناء وَكَانَ الْمَأْمُون العباسي لما دخل الديار المصرية أَرَادَ هدمهما فَلم يقدر على ذَلِك فاجتهد وَأنْفق أَمْوَالًا عَظِيمَة حَتَّى فتح فِي أَحدهمَا طَاقَة صَغِيرَة فَوجدَ خلف الطَّاقَة من الْأَمْوَال قدر الَّذِي أنفقهُ وكتاباً فِيهِ قد علمنَا أَنَّك تَأتي فِي عصر كَذَا وتروم الْهدم وَلَا تَسْتَطِيع أَكثر من ذَلِك فَجعلنَا لَك مَا أنفقت فَلَا تتعب فَأَنْشد الْمَأْمُون فِي ذَلِك // (من الْكَامِل) //
(أَنظُر إِلَى الهرمين واسمَع مِنْهُمَا ... مَا يرويان عَن الزّمان الغَابرِ)
(لَو ينطقان لخبَّرانا بالّذي ... فَعَل الزمانُ بأَولٍ وبآخرِ)
وَهِي عدَّة أهرام إِلَّا إِن أكبرها هرمان اثْنَان وَقد ذكرتهما الشُّعَرَاء قَدِيما وحديثاً فِي موارد الْوَعْظ تَارَة والغزل أُخْرَى وَغَيرهمَا قَالَ أَبُو الطّيب // (من الْكَامِل) //
(أَين الّذي الهَرَمانِ من بُنيانِهِ ... مَا قومهُ مَا يومُهُ مَا المَصرع)
(تتخلَّفُ الآثارُ عَن سكَّانها ... حينا فيدركُهاَ الفناءُ فتَتْبعُ)
وَقَالَ آخر // (من الزّجر) //
(مصرُ الّتي من حُسنها ... قد قيل فِيهَا إِرَمُ)
(لمّا جَفَت عُشَّاقها ... بدا عَلَيْهَا الهَرم)
وَقَالَ آخر وَفِيه تورية ظريفة // (من الْبَسِيط) //
(قَالُوا علا نيلُ مصر فِي زِيَادَته ... حتّى لقد بَلغَ الأهرامَ حينَ طَما)
стр. 81
(فقلتُ هَذَا عجيبٌ فِي دياركمُ ... أَنَّ ابنَ ستَّةَ عشرٍ يبلُغُ الهرَما)
وَأحسن مَا سَمِعت فِي وصفهما قَول عمَارَة اليمني شَاعِر الدولة العبيدية حَيْثُ يَقُول // (من الطَّوِيل) //
(خليليَّ مَا تَحت السّماء بنيَّةٌ ... تماثلُ فِي إتقانها هَرمي مصرِ)
(بناءٌ يخَاف الدّهر مِنْهُ وكلُّ مَا ... على ظاهرِ الدّنيا يخافُ من الدهرِ)
(تنزَّهَ طرفِي فِي بديعِ بنائها ... وَلم يتنزَّه فِي المُرادِ بهَا فِكري)
رَجَعَ وَعَن جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد الباقر إِذا دخلت الْكُوفَة فَائت مَسْجِد السهلة فصل واسأل الله حَاجَتك لدينك ودنياك فَإِن مَسْجِد السهلة بَيت إِدْرِيس ﵇ الَّذِي كَانَ يخيط فِيهِ وَيُصلي وَمن دَعَا فِيهِ بِمَا أحب قضى الله لَهُ حَوَائِجه وأجير من مَكْرُوه الدُّنْيَا قَالَ فِي تَارِيخ الْخَمِيس وَفِي لباب التَّأْوِيل لما ولد لإدريس ابْنه متوشلخ وَمضى من عمره ثَلَاثمِائَة وَخمْس وَسِتُّونَ سنة رفع إِلَى السَّمَاء قَالَ تَعَالَى ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ مَرْيَم ٥٧ كَانَ رَفعه إِلَى السَّمَاء الرَّابِعَة على مَا قَالَه كَعْب الْأَحْبَار وَغَيره أَنه سَار ذَات يَوْم فِي حَاجَة فَأَصَابَهُ حر الشَّمْس فَقَالَ يَا رب إِنِّي مشيت يَوْمًا فَكيف من يحملهَا على خَمْسمِائَة عَام فِي يَوْم وَاحِد اللَّهُمَّ خفف عَنهُ من حرهَا وثقلها فَأصْبح الْملك وَوجد من خفَّة الشَّمْس وحرها مَا لَا يعْهَد فَسَأَلَ الله عَن سَبَب ذَلِك فَقَالَ تَعَالَى عَبدِي إِدْرِيس سَأَلَني أَن أخفف عَنْك حملهَا وحرها وثقلها فأجبته فَقَالَ يَا رب اجْمَعْ بيني وَبَينه وَاجعَل بيني وَبَينه خلة فَأذن لَهُ حَتَّى أَتَى إِلَى إِدْرِيس فَقَالَ لَهُ اشفع لي إِلَى ملك الْمَوْت ليؤخر أَجلي فأزداد شكرا وَعبادَة فَقَالَ الْملك لَا يُؤَخر الله نفسا إِذا جَاءَ أجلهَا وَأَنا مكلمه فرفعه إِلَى السَّمَاء وَوَضعه عِنْد مطلع الشَّمْس ثمَّ أَتَى إِلَى ملك الْمَوْت فَقَالَ لَهُ لي إِلَيْك حَاجَة صديق لي من بني آدم يستشفع بِي إِلَيْك لتؤخر أَجله فَقَالَ ملك الْمَوْت لَيْسَ ذَلِك إِلَيّ وَلَكِن إِن أَحْبَبْت أعلمته بأجله فَيقدم لنَفسِهِ قَالَ نعم فَنظر فِي ديوانه فَقَالَ إِنَّك كَلَّمتنِي فِي إِنْسَان مَا أرَاهُ يَمُوت أبدا قَالَ فَكيف ذَلِك قَالَ لَا
стр. 82
أَجِدهُ يَمُوت إِلَّا عِنْد مطلع الشَّمْس قَالَ الْملك أَنا أَتَيْتُك وَتركته هُنَاكَ قَالَ انْطلق فَمَا أَرَاك تَجدهُ إِلَّا مَيتا فَانْطَلق الْملك فَوَجَدَهُ مَيتا وَقَالَ وهب كَانَ يرفع لإدريس كل يَوْم من الْعِبَادَة مثل مَا يرفع لجَمِيع أهل الأَرْض فَعجب مِنْهُ الْمَلَائِكَة وحبب إِلَيْهِم واشتاق ملك الْمَوْت إِلَى لقيَاهُ فاستأن ربه فَأذن لَهُ فَأَتَاهُ زَائِرًا فَقَالَ لَهُ إِدْرِيس يَا ملك الْمَوْت أذقني الْمَوْت ورد عَليّ روحي بعد ذَلِك لأجتهد فِي الْعِبَادَة فَقَالَ لَهُ لَو علمت كرب الْمَوْت لما تمنيته فَقَالَ لِأَزْدَادَ بذلك جدا إِلَى جدي فَقَالَ لَهُ ملك الْمَوْت الْمَوْت والحياة بِإِذن الله فسل رَبك مَا تريده فَأوحى الله إِلَيْهِ نوله مَا طلب وهون عَلَيْهِ ذَلِك فَإِذا بلغت روحه خياشيمه وَعَيْنَيْهِ فَلَا تنزعها واتركه سَاعَة وَاحِدَة ثمَّ أعد روحه إِلَى جسده فَاسْتقْبل نزع روحه فِي سَاعَة وَاحِدَة بِرِفْق حَتَّى بلغ بهَا خياشيمه وَعَيْنَيْهِ فَصَارَ بِمَنْزِلَة الْمَيِّت سَاعَة فذاق الْمَوْت ثمَّ أطلق روحه إِلَى جسده وَبَقِي يَوْمه وَلَيْلَته لَا يقدر أَن يَتَحَرَّك وَولده متوشلخ وَجَمِيع قومه يَبْكُونَ وَقد أيسوا مِنْهُ ثمَّ أَفَاق وَقد أوهنه ذَلِك فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام زَارَهُ ملك الْمَوْت وَكَانَت الْمَلَائِكَة من زمن آدم ﵇ تجَالس مؤمني بني آدم وتخالطهم وتصافحهم وتكلمهم إِلَى زمن نوح لصلاح الزَّمَان وَأَهله وَذكر فِي كتاب حقيبة الْأَسْرَار وجهينة الْأَخْبَار أَن الْملك الْمُوكل بالشمس لما اسْتَأْذن ربه فِي زِيَارَة إِدْرِيس فهبط عَلَيْهِ قَالَ لإدريس يَا نَبِي الله هَبَطت لأكافئك فسلني حَاجَتك فَسَأَلَهُ أَن يعرفهُ الْفلك ودورانه ومنازل الشَّمْس وَالْقَمَر ومطالعها وَمَغَارِبهَا وسيرها ولبثها وحسابها فَقَالَ سَوف أَسْتَأْذن رَبِّي فَأمره الله أَن يُعلمهُ جَمِيع ذَلِك ويطلعه على سره فَلذَلِك كَانَ إِدْرِيس أعلم أهل الأَرْض بالنجوم وجريان الأفلاك وَوضع كتبا كتبهَا بِيَدِهِ وَهُوَ أول من اتخذ الْآلَات لجَرَيَان الأفلاك وَقدر السَّاعَات والدقائق والدرج وَمَا هُوَ أدق من ذَلِك من الثواني والثوالث وَإِلَى الْآن من كتبه لمع فِي أَيدي النَّاس ثمَّ إِن إِدْرِيس سَأَلَ ملك الشَّمْس عَن أَجله فَقَالَ لَهُ الْملك مَالِي بذلك من علم فَسَأَلَ لَهُ ملك الْمَوْت عَن أَجله إِلَى آخر مَا تقدم ذكره عَن تَارِيخ الْخَمِيس فَلَمَّا أَفَاق قَالَ لَهُ يَا ملك الْمَوْت أدخلني النَّار لِأَزْدَادَ رهبة فَفعل بِإِذن ربه
стр. 83
ثمَّ قَالَ أدخلني الْجنَّة فَفعل بِإِذن ربه ثمَّ قَالَ لَهُ اخْرُج لتعود إِلَى مقرك فَتعلق بشجرة وَقَالَ لَا أخرج فَبعث الله إِلَيْهِمَا ملكا حكما فَقَالَ لَهُ ملك الْمَوْت بِحَضْرَة مَالك أَلا تخرج قَالَ لَا قَالَ وَلم قَالَ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ آل عمرَان ١٨٥ وَقد ذقته وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن مِنكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا﴾ مَرْيَم ٧١ وَقد وردتها وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا هُم مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ الْحجر ٤٨ فلست بِخَارِج فَأوحى الله إِلَى ملك الْمَوْت بإذني دخل وبإذني لَا يخرج انْتهى فَائِدَة أَرْبَعَة من الْأَنْبِيَاء أَحيَاء اثْنَان فِي السَّمَاء إِدْرِيس وَعِيسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَاثْنَانِ فِي الأَرْض الْخضر وإلياس على القَوْل بنبوته متوشلخ خلف أَبَاهُ إِدْرِيس بعد رَفعه سالكاً طَرِيقه وعاش سِتّمائَة وَسِتِّينَ سنة وَقد تزوج وَولد لمك وَلم يزل متوشلخ يدبر أَمر الله تَعَالَى ويستحفظ مَا استودع على منهاج آبَائِهِ يهدي إِلَيّ الْحق وَإِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم وَنهى عَن صُحْبَة بني قابيل فخالفه من قومه جمَاعَة أضاعوا الدّين فلقي مِنْهُم تعباً عَظِيما وَلما رفع إِدْرِيس طمع إِبْلِيس فِي الْمُؤمنِينَ فأطاعوه وتأهب متوشلخ لِلْحَجِّ وتخلف عَنهُ من كَانَ فِي قلبه مرض فَلَمَّا أَخذ فِي الْمَنَاسِك أقبل إِبْلِيس إِلَى بني قابيل فَقَالَ لَهُم إِن إِدْرِيس مَاتَ ومتوشلخ لَا رجال مَعَه إِلَّا قَلِيل فَإِن أردتم أَخذ الثأر ونصرة آلِهَتكُم فَهَذَا الْيَوْم الَّذِي كنت أعدكم بِهِ فَاجْتمعُوا إِلَى ملكهم ماهيل بن جاشم فَقَالُوا أَيهَا الْملك قد علمت مَا قد أسره أَوْلَاد شِيث وَمَا اقْتُلُوهُ من آبَائِنَا وإخواننا وَكُنَّا نهابهم لمقام إِدْرِيس والآن ابْنه متوشلخ غُلَام غر لَا معرفَة لَهُ بالحروب وَهُوَ غَائِب عَن ديار بني أَبِيه فِي مَكَّة ودياره خَالِيَة فِيهَا ذراريه وَأَهله مَعَ من اسر مِنْهَا فَلَو سرت بِنَا إِلَيْهِم لأخذ الثأر واستنقذت الأسرى فاستعبدنا ذَرَارِيهمْ كَمَا فعلوا بِنَا فَسمع ماهيل كَلَامهم وأطمعته نَفسه فِيمَا قَالُوا وتأهبوا للمسير فَجَاءَهُمْ إِبْلِيس فِي صُورَة شيخ كَبِير السن فَاجْتمعُوا يسألونه كم لَهُ من الْعُمر فَزعم أَنه من ولد قابيل تفرد فِي بعض الجزائر فعظموه وسألهم فعرفوه بعزمهم فَبكى على كبر سنه وَقَالَ فَمن يتَوَلَّى الْآن على أَمر شِيث فَقَالُوا غُلَام لَا معرفَة لَهُ بِالْحَرْبِ اسْمه متوشلخ بن إِدْرِيس قَالَ سَمِعت بِهِ فَمَا فعل قَالُوا مَاتَ
стр. 84
يَعْنِي إِدْرِيس وَبَقِي مَعَه طَائِفَة قَليلَة وَالْبَاقُونَ مَعنا وَقد سَارُوا ليحجوا وَتركُوا من سبوا منا فِي منَازِل إِدْرِيس فَرَأَيْنَا أَن ننتهز الفرصة ونفعل بهم مَا فعلوا بِنَا قَالَ لَهُم نعم مَا رَأَيْتُمْ وَلَكِن مَا يؤمنكم إِن يسمع متلوشخ بذلك فيكر رَاجعا وَيُقَاتل عَن أهاليه الْقِتَال الشَّديد وَإِنِّي أرى لكم رَأيا إِن قبلتم نصحي فَقَالُوا لَهُ قل نسْمع قَالَ من الرَّأْي أَن تتفرقوا فرْقَتَيْن وتجعلوا أبطالكم وَمن تَتَّقُون بِهِ فِي الَّذين يَسِيرُونَ إِلَى الْحرم فيشغلون متوشلخ عَن الْمَجِيء إِلَى أَهله وتسير الْفرْقَة الْأُخْرَى لأخذ الذَّرَارِي فَلَيْسَ عِنْدهم من يمْنَع فصدقوه وانتخبوا الْأَبْطَال لمَكَّة وملكهم ماهيل فِي أوائلهم وَقدم ابْنه مخوائيل على الْفرْقَة الْأُخْرَى وَأمره بِالْمَسِيرِ إِلَى منَازِل الْمُؤمنِينَ بسبي وَيضْرب وَلَا يطلع أحدا على أمره وَسَار ماهيل إِلَى مَكَّة وَابْنه مخوائيل إِلَى الذَّرَارِي ومتوشلخ لما فرغ من مَنَاسِكه رأى فِي مَنَامه كَأَن الأَرْض صَارَت نَارا من حَولهمْ مضرمة وانه كلما أَرَادَ الْخُرُوج مِنْهَا لم يجد سَبِيلا غير أَنَّهَا لَا ضَرَر عَلَيْهِ مِنْهَا فَأخْبرهُ الْمُؤمنِينَ فَسَأَلُوهُ تَأْوِيلهَا فَقَالَ سنلقي أمرا يصدنا فِي طريقنا عَن قصدنا وتضيق الأَرْض بِنَا إِلَّا أَنِّي أَرْجُو الْفرج من الله تَعَالَى فَقَالُوا فوضنا أمرنَا إِلَى الله تَعَالَى واستعنا بِهِ فَمَا سَارُوا إِلَّا قَلِيلا حَتَّى أشرفوا على ماهيل فِي بني قابيل بِمَجْمُوع عَظِيمَة فَقَالَ متوشلخ هَذَا وَالله تَأْوِيل رُؤْيَايَ فَمَا أَنْتُم فاعلون قَالُوا لَيْسَ إِلَّا قِتَالهمْ حَتَّى يحكم الله بَيْننَا فنزلوا بإزائهم ذَلِك الْيَوْم وَبَاتُوا فَفِي الصُّبْح زحف ماهيل بِأَصْحَابِهِ إِلَى متوشلخ فضعفت أنفس الْمُؤمنِينَ فَقَالَ متوشلخ لَا تنظروا إِلَى كثرتهم وقلتكم فَإِن الله يخذلهم وينصركم فَقَالُوا إِنَّهُم جَاءُونَا على أهبة وعدة وَنحن حجاج على غير أهبة فَقَالَ اصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَن الله لم يزل ناصركم وناصر آبائكم بذلك وَعدكُم وَهُوَ لَا يخلف الميعاد وابتدرهم بَنو قابيل بِالْقِتَالِ فاقتتلا قتالاً شَدِيدا إِلَى اللَّيْل فحال الظلام بَينهم وَقتل من أَوْلَاد قابيل عَالم كثير وَلم يتقل من أَصْحَاب متوشلخ غير رجل وَاحِد فَقَالَ متوشلخ ألم أخْبركُم أَن الله ناصركم وَألقى الله فِي قلب ماهيل وَقَومه الرعب وَقَالَ بَعضهم لبَعض قد علمْتُم مَا كَانَ منا بالْأَمْس مَعَ هَذِه الشرذمة القليلة الْعدَد وَالْعدَد ونخاف إِن شب الْحَرْب بَيْننَا أَن تكون علينا الدائرة فيفنونا وَإِن انهزمنا كَانَ عاراً علينا ويلحقون بإخواننا فِي دِيَارهمْ فينالون مِنْهُم مُرَادهم فَقَالَ ماهيل
стр. 85
لَيْسَ لنا إِلَّا الْقِتَال إِلَى أَن نعلم أَن إِخْوَاننَا وصلوا إِلَى مطلوبهم وَكَانَ شيعمة ملك الْجِنّ الْمُؤمن حج تِلْكَ السّنة مَعَ متوشلخ وَطَائِفَة من الْجِنّ الْمُؤمنِينَ فَلَمَّا كَانَ صباح ذَلِك الْيَوْم إِذا هم بِابْن أخي شيعمة واسْمه سهلب جَاءَهُ صَارِخًا وَأخْبرهمْ بِمَا جرى من مخوائيل بن ماهيل على الذَّرَارِي والأهل وَأَنه تَركهم فِي أضيق حَال فَلَمَّا سَمعه شيعمة صَاح صَيْحَة عَظِيمَة فِي بنيه وَقَومه وَمن مَعَه فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ يَا وَيحكم أعينوني وأعينوا أصحابكم ثمَّ سَار فِي قومه إِلَى منَازِل الْمُؤمنِينَ مغيثاً فَلَمَّا رَآهُ إِبْلِيس خافه وانزوى عَنهُ وَأما متوشلخ فَإِنَّهُ لما أعلمهُ شيعمة بِمَا جرى على قومه بَكَى بكاء شَدِيدا وضج بِالدُّعَاءِ إِلَى الله مَعَ الْمُؤمنِينَ وَقَالَ إِن الدُّعَاء خير نَافِع وَقد حيل بَيْننَا وَبَين قَومنَا وَلم يبْق لنا غير الدُّعَاء إِلَى الله تَعَالَى فَقَالَ متوشلخ نعم مَا رَأَيْتُمْ وأشرتم ثمَّ جمع قومه وتوسل إِلَى الله تَعَالَى بِمُحَمد
وساعدهم سَائِر الْمَخْلُوقَات وَالْمَلَائِكَة وَالسَّمَوَات كل يسْأَل فِي هَلَاك أعدائهم بني قابيل فهبط جِبْرِيل فِي مَلأ من الْمَلَائِكَة فِي أَيْديهم الحراب وَقد أحط أَصْحَاب ماهيل بذراري الْمُؤمنِينَ وإبليس يَقُول لَا مَانع لَهُم سوى شيعمة وَنحن لَهُ فَلَمَّا رأى إِبْلِيس الْمَلَائِكَة هرب ولحقه بعده جنده فَأمر جِبْرِيل بقتل من لحقوه مِنْهُم فصاح جِبْرِيل فيهم صَيْحَة عَظِيمَة وَقَعُوا على وُجُوههم مِنْهَا صعقين فَمَاتَ مِنْهُم الثُّلُث ومسخ الله الثُّلُث الثَّانِي فيلة فَهُوَ أول مسخ وَقع فِي بني آدم وَالثلث الثَّالِث صعقوا فَلَمَّا أفاقوا نظرُوا إِلَى الفيلة ففزعوا وَلم يَكُونُوا رأوها قبل ذَلِك فَوَلوا منهزمين إِلَى دِيَارهمْ فاتبعتهم الفيلة حسداً لَهُم إِذْ مسخوا دونهم فقتلت أَكثر من بَقِي مِنْهُم وَرجع الْبَاقُونَ إِلَى مَنَازِلهمْ فَلَمَّا رَآهُمْ الَّذين تخلفوا مِنْهُم ارتاعوا وَلم يعلمُوا كَيفَ الْخَبَر فَاقْتَحَمت عَلَيْهِم الفيلة الْبيُوت وَكسرت كل مَا مرت بِهِ فظنهم المقيمون فِي الديار وحوشا فمانعوهم عَن الدُّخُول فحميت صُدُور الفيلة فَكَانَ الْفِيل يقتل وَلَده وأخاه وَزَوجته وأباه ويعلوهم بِرجلِهِ وَيَأْخُذ الْوَاحِد مِنْهُم بمشفره
стр. 86
فيرفعه إِلَى الْهَوَاء ثمَّ يلقيه إِلَى الأَرْض وَلم يزَالُوا كَذَلِك أَيَّامًا حَتَّى وصل إِلَيْهِم من كَانُوا شاهدوا مسخهم فأعلموهم الْخَبَر وَقَالُوا نَحن بَقِيَّة الثُّلُث الثَّالِث الَّذين نَجوا من الْمَوْت وَالْمَسْخ وأكثرنا هلك جوعا وعطشاً فصدقوهم وَقصد كل فيل منزله وَاجْتمعَ أَهله حوله يَبْكُونَ والفيلة تضرب الأَرْض بأنفسها وَأما ماهيل فَإِنَّهُ قلق قلقاً عَظِيما وَطَالَ عَلَيْهِ مصابرته لمتوشلخ ليمسكه عَن اللحاق بقَوْمه وَأرْسل رجلا ليَأْتِيه بِخَبَر ابْنه مخوائيل الَّذِي أرْسلهُ لذراري الْمُؤمنِينَ فِي مَنَازِلهمْ ومتوشلخ لَا يعلم بِمَا جرى وَأرْسل إِلَيْهِ أَوْلَاد شيعمة بِمَا حل بمخوائيل بن ماهيل فَلَمَّا جَاءَهُ البشير كبر الْمُؤْمِنُونَ تَكْبِيرَة وَاحِدَة ارتاع مِنْهَا ماهيل وَمن مَعَه وَلم يعلمُوا مَا الْخَبَر فَجَاءَهُ الرَّسُول وَأخْبرهُ بالمسخ والهلاك وانقلاب البَاقِينَ إِلَى الديار بعد أَن مَاتَ أَكْثَرهم جوعا وعطشاً فخافوا أَن يحل بهم مثل ذَلِك فَوَلوا على أَعْقَابهم هاربين فَتَبِعهُمْ متوشلخ وَقتل مِنْهُم خلقا كثيرا وَأخذ أَمْوَالهم وسلاحهم وتقطعوا فِي الأَرْض فهلكوا وَوصل أقلهم إِلَى أَهْليهمْ فلقيتهم الفيلة فأنكروها وَقَالُوا كَيفَ يكونُونَ إِخْوَاننَا وَمَا هم إِلَّا من وَحش الْبر جَاءُوا يُرِيدُونَ دِيَارنَا لما غبنا عَنْهُم ثمَّ ناوشوهم الْحَرْب والفيلة تخضع لَهُم لَعَلَّهُم يراجعون بصائرهم ويعرفون أَنهم مِنْهُم فَأَبَوا إِلَّا هلاكهم فَلَمَّا رَأَتْ الفيلة ذَلِك تضافروا عَلَيْهِم فَقتلُوا أَكْثَرهم وَأَقَامُوا ثَلَاثَة أَيَّام يقتتلون قد سلط الله بَعضهم على بعض وَلَا يقتل فيل وَاحِد حَتَّى يقتل جمَاعَة مِنْهُم حَتَّى تفانوا وَقتلت الفيلة عَن آخرهَا وَلما هَلَكُوا فَرح إِبْلِيس بذلك وَبلغ مِنْهُم مُرَاده وَلم يَجْسُر أَن يتَعَرَّض للْمُؤْمِنين خوفًا أَن تحل بِهِ نقمة من الله وَلم يكن بعد ذَلِك بَينهم قتال وَلَا حَرْب إِلَى أَن جَاءَ الطوفان فأهلكهم الله بكفرهم وَرجع متوشلخ بِمن مَعَه من الْمُؤمنِينَ إِلَى دِيَارهمْ سَالِمين منصورين فَرَأَوْا أَهَالِيهمْ على حَال السَّلامَة فانعزل بِمن مَعَه من الْمُؤمنِينَ إِلَى دِيَارهمْ سَالِمين منصورين إِلَى جبل يُقَال لَهُ راسخ وَكَانَ جبلا حصيناً كثير الشّجر والخيرات فاتخذوه مسكنا وَتركُوا المدن الَّتِي كَانُوا فِيهَا وأعرضوا عَن التَّعَرُّض لمن بَقِي من ولد قابيل وانبث ولد قابيل فِي الأَرْض وانتشروا إِلَى الْبَحْر مِمَّا يَلِي الشمَال والجنوب وعبدوا الْأَصْنَام ونكحوا الْأُمَّهَات وَالْأَخَوَات وَالْبَنَات وإبليس يعدهم ويمنيهم وَمَا
стр. 87
يعدهم الشَّيْطَان إِلَّا غرُورًا وَلم تزل هَذِه أفعالهم إِلَى زمن نوح ﵇ وَلما استوطن متوشلخ الْجَبَل أنفذ وَصِيَّة أَبِيه إِدْرِيس وخطب شلجم بنت جندل وَكَانَت من أَوْلَاد شِيث وَكَانَت أجمل النِّسَاء وأكملهن عقلا وفضلاً فَدخل عَلَيْهَا واعملها بِالنورِ المحمدي وَأقَام مَعهَا مُدَّة وَولد لَهُ أَوْلَاد كَثِيرَة والنور لم ينْقل من وَجهه فَتزَوج بعْدهَا صَدُوقًا أُخْتهَا فَلم ينْتَقل النُّور إِلَيْهَا وَلم يزل يتَزَوَّج امْرَأَة بعد أُخْرَى إِلَى خمس عشرَة امْرَأَة مَا مِنْهُنَّ إِلَّا ويرزق أَوْلَادًا مِنْهَا فأسمك عَن التَّزْوِيج لينْظر مَا يكون وَكَانَ لَهُ ابْن عَم قد قتل قتال فِي إِدْرِيس لبني قابيل وَله ابْنه صَبِيه رباهها إِدْرِيس وَعلمهَا الْكتب وكتبتها وكفلها بعد إِدْرِيس متوشلخ وَاسْمهَا شملة فرأته وَمَا هم عَلَيْهِ من الْهم لأجل حبس النُّور فَسَأَلته فأعلمها فَقَالَت يَا ابْن الْعم إِذا أَرَادَ الله نقل النُّور عَنْك اخْتَار لَهُ من بَنَات عمك فَلَا تغتم فَألْقى الله فِي قلبه أَنَّهَا هِيَ فَقَالَ لَهَا يَا شملة هَل لَك أَن تَكُونِي أَنْت الَّتِي أرجوها لهَذَا النُّور فخجلت وَوَلَّتْ مستحية فأحضر جمَاعَة من وُجُوه قومه وخطبها وَتَزَوجهَا فَحملت مِنْهُ من أول لَيْلَة وأصبحت والنور فِي غرتها فَسجدَ لله شكرا وبشرها بذلك فَفَرِحت وتممت أشهرها فَولدت غُلَاما والنور فِي جَبهته فَسَماهُ لمك ورباه أحسن تربية وَعلمه الْكِتَابَة والصحف وَبَانَتْ عَلَيْهِ دَلَائِل السؤدد حَتَّى إِذا بلغ من الْعُمر أَرْبَعِينَ سنة حضرت متوشلخ الْمنية خَمْسمِائَة سنة إِلَّا اثْنَي عشر فأقعده بَين يَدَيْهِ وأوصاه بِوَصِيَّة أَبِيه وعهد إِلَيْهِ فِي النُّور وَأخذ عَلَيْهِ الْمِيثَاق إِلَّا يعضه إِلَّا فِي أطهر النِّسَاء من بني أَبِيه وأعمامه فَأخذ ذَلِك لمك بِالْقبُولِ وَضمن ذَلِك لَهُ من نَفسه وَمَات متوشلخ فسلك بِهِ لمك مَسْلَك آبَائِهِ وأجداده فِي التغسيل والتكفين وَالصَّلَاة عَلَيْهِ وَدَفنه سنة من تقدم آبَائِهِ عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ فِي بَحر الْأَنْسَاب لمك بلام مَفْتُوحَة وَمِيم سَاكِنة وكاف وَقيل اسْمه لامك وَكَانَ رجلا أشقر قد أعْطى قُوَّة وبطشاً فَتزَوج امْرَأَة يُقَال لَهَا فيسوس بنت بركائيل وَقيل إِنَّه خرج يَوْمًا إِلَى الْبَريَّة فَإِذا بِامْرَأَة فِي نِهَايَة الْجمال ترعى غنما فَسَأَلَهَا عَن اسْمهَا فَقَالَت أَنا فيسوس بنت الحيد بن عتويل بن لامك بن قابيل بن آدم ﵇ فَقَالَ لَهَا كم سنك فَقَالَت مائَة سنة وَعشر سِنِين وَكَانَت تبلغ الْمَرْأَة مِائَتي سنة فَمضى إِلَى أَبِيهَا وَتزَوج بهَا وَلما تمت أشهرها
стр. 88
وضعت غُلَاما والنور فِي جَبهته فَسَماهُ نوحًا وَفَرح بِهِ فَرحا شَدِيدا وَكَانَ لمك يضْرب بِيَدِهِ إِلَى أعظم شَجَرَة فيقلعها من أَصْلهَا وَأَقْبل بعد دفن أَبِيه متوشلخ على درس الصُّحُف وَالْعَمَل بِمَا فِيهَا وَوعظ قومه وهم أقل من مائَة واحتاجوا إِلَى أَوْلَاد قابيل وَكَانَ الرجل مِنْهُم ينزل إِلَى أَوْلَاد أَبِيه فيعطفون عَلَيْهِ ويأمرونه بِالدُّخُولِ فِي دينهم وَالنُّزُول من الْجَبَل فيأبى الْمُؤْمِنُونَ وَيَقُولُونَ إِن كُنْتُم ترعون الرَّحِم بَيْننَا فافعلوا وَلَا تردونا عَن دين آبَائِنَا ولمك ينهاهم عَن ذَلِك فَيَقُولُونَ إِنَّا جِيَاع فَيَقُول لَو لم تخضعوا لهَؤُلَاء الْمُرْتَدين مِنْكُم لرزقكم الله كم يرْزق الطير فَاصْبِرُوا تؤجروا وَلما ولد نوح ﵇ رأى إِبْلِيس لَيْلَة وِلَادَته الْمَلَائِكَة نزلت من السَّمَاء ودارت بِالْجَبَلِ فَعلم أَن نور رَسُول الله
انْتقل فَسَأَلَ فَقيل إِن لمك رزق ولدا والنور انْتقل إِلَيْهِ فطمع أَن يصل إِلَيْهِ فَلم يقدر فَجعل يعْطف على كل من ارْتَدَّ من ولد أَبِيه وَبني قابيل كيداً مِنْهُ وَكَانَ بَنو قابيل قد أنسوا من الْجَبَل حَتَّى لم يبْق بَيت من الْمُؤمنِينَ بِهِ إِلَّا دخله بَنو قابيل وَكلما عرضوا على لمك النُّزُول إِلَى مَنَازِلهمْ أبي وَنَفر خوفًا على ابْنه نوح وَكَانَ يخفيه عَنْهُم وَلَا يظهره وَأدْخلهُ إِلَى مغارة فِي الْجَبَل وَأمه مَعَه والصحف الَّتِي لِآبَائِهِ عِنْدهَا احتفاظاً بهَا واحترازاً على مَا فِيهَا من إِبْلِيس وَبني قابيل وَعلمه أَبوهُ لمك جَمِيع مَا علمه أَبوهُ متوشلخ وأوصاه بِوَصِيَّة آبَائِهِ وَأخذ عَلَيْهِ الْعهْدَة والميثاق كَمَا أَخذه عَلَيْهِ أَبوهُ واجتهد نوح فِي الْعِبَادَة فِي تِلْكَ المغارة وَلَا يتْركهُ أَبوهُ يخرج مِنْهَا وَلَا أحدا يدْخل عَلَيْهِ فَلَمَّا بلغ من الْعُمر خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة مرض أَبوهُ لمك فَلَمَّا أحس بِالْمَوْتِ جدد الْوَصِيَّة وحذره إِبْلِيس وَبني قابيل وَسلمهُ الِاسْم الْأَعْظَم والتابوت ومواريث الْأَنْبِيَاء وَمَات وعمره تِسْعمائَة وتسع وَسَبْعُونَ سنة وَفِي مروج الذَّهَب تِسْعمائَة وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ سنة فَقَامَ بِالْأَمر بعده نوح ﵊ وَهُوَ أول أولي الْعَزْم وَشَيخ الْمُرْسلين وَالْأَب الثَّانِي وَصَاحب الْفلك وآدَم الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا عقب إِلَّا مِنْهُ وَله إخْوَة درجوا جَمِيعًا والعقب من نوح وَحده
стр. 89
ولد ﵇ بعد موت آدم فِي الْألف الأولى وَبعث فِي الْألف الثَّانِيَة وَهُوَ ابْن أَرْبَعمِائَة سنة ولبث فِي قومه ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَاّ خَمْسِينَ عَاماً﴾ كَمَا فِي الْآيَة الشَّرِيفَة العنكبوت ١٤ واسْمه قبل عبد الْأَعْلَى وَإِنَّمَا سمي نوحًا لِأَنَّهُ بَكَى على قومه خَمْسمِائَة عَام وَفِي رِوَايَة اسْمه عبد الْملك وَفِي أُخْرَى عبد الْغفار وَفِي أُخْرَى عبد الْجَبَّار وَهُوَ أول نَبِي بعد إِدْرِيس وَكَانَ نجاراً ألهمه الله ذَلِك فَعمل أبواباً لِأَنَّهُ خَافَ على الصُّحُف من بني قابيل فَعمل بَابا على المغارة الَّتِي هِيَ فِيهَا وأوثقه وقفل عَلَيْهِ احتفاظاً بهَا وَكَانَ لَا يَأْخُذ على النجارة أجرا وَكَانَ بَنو قابيل يعْرفُونَ مَحَله ويعظمونه وَإِذا أَرَادَ أحد مِنْهُم الْجُلُوس عِنْده انتهره وَإِذا جلس إِلَيْهِ أحد من قومه الْمُرْتَدين وعظه وَكَانَ مَعْرُوفا بَينهم وَعَن وهب إِن نوحًا كَانَ إِلَى الأدمة مَا هُوَ دَقِيق الْوَجْه رَأسه طَوِيل عَظِيم الْعَينَيْنِ دَقِيق السَّاقَيْن كثير لحم الفخذين ضخم السُّرَّة طَوِيل اللِّحْيَة عريضاً طَويلا جسيماً فَبَعثه الله وَهُوَ ابْن أَرْبَعمِائَة سنة وَخمسين سنة فَلبث فيهم الْمدَّة الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن يَدعُوهُم إِلَى الله تَعَالَى فَلَا يزدادون إِلَّا طغياناً وَمضى ثَلَاثَة قُرُون من قومه فَكَانَ الرجل يَأْتِي بِابْنِهِ وَهُوَ صَغِير فيوقفه على رَأس نوح ﵇ وَيَقُول لَهُ يَا بني إِن بقيت بعدِي فَلَا تُطِع هَذَا ثمَّ لما دعاهم سرا فَلم يُجِيبُوهُ أيده الله بِروح الْقُدس وَأمره بِإِظْهَار الدعْوَة وَالْملك يَوْمئِذٍ فِي بني راسب وَأهل مَمْلَكَته وعوج بن عنق وَقيل كَانَ لَهُم ملك يُقَال لَهُ درمسيل بن عوبيل بن لامك بن جنح بن قابيل وَكَانَ جباراً عاتياً يعبد هُوَ وَقَومه الْأَصْنَام قوم إِدْرِيس الْخَمْسَة ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر ثمَّ كَثُرُوا حَتَّى صَار لَهُم ألف صنم وَسَبْعمائة صنم فَدَعَاهُمْ نوح عَلَانيَة فَلم يُجِيبُوهُ فَلم يزل يَدعُوهُم تِسْعمائَة سنة وَخمسين كلما مر مِنْهُم قرن اتبعهُ قرن على مَذْهَب آبَائِهِم وآمن بِهِ بعض ولد شِيث فَقَالُوا لَهُ أنؤمن لَك واتبعك الأرذلون يُعَيِّرُونَهُ بقلة الْأَمْوَال وَأَنَّهُمْ لَا عز لَهُم وَلَا سُلْطَان ثمَّ إِنَّه نزل إِلَى بني قابيل من الْجَبَل فِي يَوْم عيد لَهُم وهم عكوف على أصنامهم فَوقف على نشز عَال من الأَرْض يشرف عَلَيْهِم وَوضع إصبعه فِي أُذُنَيْهِ وَرفع صَوته
стр. 90
وَكَانَ جَهورِي الصَّوْت فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَلَا معبود سواهُ ﴿اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ الْآيَة نوح ٣ ٤ يَا قوم إِنِّي مُرْسل إِلَيْكُم فَإِن اسْتَقَمْتُمْ استقام أَمركُم وَإِن أعرضتم أَتَاكُم وعيده حَتَّى لم يبْق أحد مِنْكُم على وَجه الأَرْض ويدخلنكم النَّار وَبئسَ الْمصير وَمَا قلت لكم هَذَا إِلَّا بِأَمْر رَبِّي فَإِن تقبلُوا ترشدوا وَإِن تَتَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم عَظِيم فَوَقَعت الْأَصْنَام على وجوهها فَآمن كل من كَانَ مُؤمنا على عهد أَبِيه لمك وَقيل أول من آمن امْرَأَة اسْمهَا عَمُود فَتَزَوجهَا وأولدها ساماً وياماً وحاماً ثمَّ امْرَأَة من قومه اسْمهَا وَاهِلَة فأولدها يافث وكنعان ثمَّ ارْتَدَّت وعادت إِلَى دينهَا الأول وَلما رَأَوْا مَا حل بالأصنام وَثبُوا إِلَيْهِ وَقَالُوا إِنَّا لنراك فِي ضلال مُبين أما رضيت بالمشاركة حَتَّى تَدعِي أَنَّك رَسُول الله إِلَيْنَا وَنحن نعلم أَنَّك فِي الطَّرِيقَة الْمَحْمُود مُنْذُ كنت صَغِيرا وَقد اعتراك جُنُون ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ الْآيَات الْمُؤْمِنُونَ ٢٥ فسبوه وهموا بِهِ فَمنع دونه الْمُؤْمِنُونَ وَأخذت الحمية أَقَاربه فِي النّسَب فخاف الرؤساء أَن تقع بَينهم فتْنَة فَتَرَكُوهُ فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن اصبر عَلَيْهِم فَرجع نوح إِلَى مَوْضِعه وَبَقِي قومه الَّذين ارْتَدُّوا يَقُولُونَ مَا نَعْرِف نوحًا مُنْذُ نَشأ إِلَّا صَادِقا وَإِنَّا نظن أَن الَّذِي جَاءَ بِهِ حق فسحبهم بَنو قابيل على وُجُوههم وأعلموا الدرمسيل وَهُوَ ملكهم بِمَا قَالُوهُ فَقَالَ إِن نوحًا من أشرف قومه حسباً وَأكْرمهمْ أما وَأَبا وَقَومه وَإِن دخلُوا فِي دينكُمْ لَا يرضون بأذيته وأخاف أَن تتفرق كلمتكم وَيَقَع بأسكم بَيْنكُم ونوح لَا خوف عَلَيْكُم مِنْهُ فَاصْبِرُوا عَلَيْهِ وداروا أَهله فَأَجَابُوهُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وَكَانَت شَرِيعَته التَّوْحِيد وخلع الأنداد والفطرة وَالصَّلَاة وَصِيَام شهر رَمَضَان وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر فَأرْسل إِلَيْهِ الْملك رجلا اسْمه العملس وَكَانَ فصيحاً فَاضلا فِي جمَاعَة من الرؤساء فَقَالَ لَهُ يَا نوح أَنا رَسُول وناصح لَك أَلا تتعرض إِلَى سبّ آلِهَتهم وتسفيه أحلامهم فقد صَبَرُوا عَلَيْك وحملوك على الْجُنُون وَقد أغريب الضُّعَفَاء وآباؤك كَانُوا أقوى مِنْك بَأْسا وَكَانُوا يعدونهم الْعَذَاب فَمَا أَصَابَهُم شَيْء وماتوا أعزاء فاتركهم وَأَنت وَدينك فَقَالَ لَهُ نوح أما قَوْمك الَّذين مَاتُوا وَلم يصبهم شَيْء فَإِنِّي لم أدركهم (إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَاّ
стр. 91
عَلَى رَبّي﴾ الشُّعَرَاء ١١٣ وَأما الَّذين معي ف ﴿مَا أَنَاْ بِطَارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ الْآيَة الشُّعَرَاء ١١٤ فَقَالَ لَهُ يَا نوح إِن كنت قلت هَذَا لفقرك فنجمع لَك مَالا ونقدمك علينا فَقَالَ ﴿وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا على رب الْعَالمين﴾ الشُّعَرَاء ١٠٩ فَقَالُوا ﴿لَئِن لم تَنْتَهِ يَا نوح لَتكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ الشُّعَرَاء ١١٦ فَقَالَ توكلت على الله رَبِّي وربكم وَلست براجع عَمَّا دعوتكم إِلَيْهِ لَيْلًا وَنَهَارًا سرا وجهاراً حَتَّى يحكم الله بيني وَبَيْنكُم وَهُوَ خير الْحَاكِمين ثمَّ تَركهم وَانْصَرف ثمَّ عَاد إِلَيْهِم بعد مُدَّة فِي عيد آخر ووقف على نشز عَال وَفعل بهم مثل الأول فَقَالُوا ﴿يَا نوح قد جادلتنا فَأَكْثَرت جدالنا﴾ الْآيَة إِلَى ﴿الصَّادِقين﴾ هود ٣٢ وَإِن أَبيت قتلناك وَمَا زَالَ يَدعُوهُم فيكذبونه ويضربونه إِلَى إِن مَاتَ الجيل الأول وَنَشَأ أبناؤهم على ذَلِك وانقرض الجيل الثَّانِي وَجَاء الجيل الثَّالِث ونوح يعْذر وينذر فَلَمَّا طَال الْأَمر قَالُوا يَا نوح أما لميعادك من آخر وَجَاء رجل مِنْهُم وَابْنه على عَاتِقه فَقَالَ لِابْنِهِ إِن عِشْت بعدِي فَلَا تسمع من هَذَا الْمَجْنُون فَقَالَ الصَّبِي أنزلني عَن عاتقك فأنزله فَأخذ الصَّبِي حجرا وَضرب بِهِ رَأس نوح ﵇ فَشَجَّهُ وسال دَمه فَصَبر واحتسب وَكَانُوا يعْجبُونَ من شدَّة صبره وَفِي بعض الْأَيَّام ضربوه وداسوا بَطْنه فَلَمَّا أَفَاق لم يقدر على النهوض فَشَكا إِلَى ربه فَأوحى إِلَيْهِ أَن يَدْعُو عَلَيْهِم بعد أَن ضربوه أوجع ضرب وخنقوه حَتَّى غشي عَلَيْهِ وتركوه كالميت فَقَالَ اللَّهُمَّ أَنْت الْعَالم بِمَا يفعل بِي عِبَادك اللَّهُمَّ اهدهم وصبرني عَلَيْهِم فَأوحى الله إِلَيْهِ إِنَّه لم يبْق فِي أصلاب الرِّجَال مُؤمن وَلَا مُؤمنَة وَإنَّهُ لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن فَلَا تبتئس بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ أَي لَا تحزن عَلَيْهِم فَقَالَ إِنَّمَا كنت أَصْبِر طَمَعا فِي إِيمَانهم فَإِذا كَانَ سبق القَوْل بِأَنَّهُم لن يُؤمنُوا رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا فَلَمَّا سمع قومه دعاءه خَافُوا إِجَابَة الدعْوَة وَقَالُوا تدعوا علينا وَأَنت بَين أظهرنَا إِذا كَانَ هَذَا مِنْك فَاخْرُج عَنَّا وَلَا تجاورنا لَا أَنْت وَلَا من مَعَك فَقَالَ إِن آمنتم بِاللَّه سَأَلته الرِّضَا عَنْكُم وَالْعَفو عَمَّا سلف وَإِن أَبَيْتُم لَيْسَ لكم عِنْدِي إِلَّا الدُّعَاء فضربوه حَتَّى كسروا رجله الْيُمْنَى وضربوا الَّذين مَعَه حَتَّى وَقَعُوا كالموتى مصرعين وجروا بأرجلهم وَلم يزَالُوا ثَلَاثَة أَيَّام لَا يَسْتَطِيعُونَ حَرَكَة
стр. 92
وَفِي ربيع الْأَبْرَار للزمخشري روى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس كَانَ نوح يضْرب فِي قومه ثمَّ يلف فِي الْبَلَد ثمَّ يلقِي فِي بَيته فيرون أَنه مَاتَ فَيخرج فيدعوهم إِلَى الله فَلَمَّا قَامَ نوح قَالَ إِنَّه قد أوحى إِلَيّ أَنه ينزل بكم الْقَحْط ويعقم نِسَاؤُكُمْ وَقد أجل الله لكم أَََجَلًا لَا يزِيد وَلَا ينقص وَإنَّهُ بعد أَرْبَعِينَ سنة من يومكم هَذَا يأتيكم الطوفان مَاء يغرقكم ويغرق الأَرْض كلهَا حَتَّى لَا يبْقى مِنْكُم أحدا فَلَا تلوموا إِلَّا أَنفسكُم فَقَالُوا قد سمعنَا هَذَا مِنْك من قديم الزَّمَان وزدت الْيَوْم زِيَادَة مَا سَمعهَا مِنْك آبَاؤُنَا وَهِي ضربك أَََجَلًا أَرْبَعِينَ سنة فَإِن آمنا بك وأطعنا وَإِلَّا جَاءَنَا طوفان مَاء من السَّمَاء فأغرقنا وَجَمِيع من فِي الأَرْض إِلَّا من آمن بك وَإِنَّا ننتظرك إِلَى هَذَا الْأَجَل فَإِذا تمت أَرْبَعُونَ سنة وَلم نر شَيْئا حل لنا قَتلك فَانْصَرف عَنْهُم فَأمره الله أَن يغْرس شَجَرَة فغرسها فعظمت وَذَهَبت كل مَذْهَب ثمَّ أمره أَن يقطعهَا بعد مَا غرسها بِأَرْبَعِينَ سنة فيتخذ مِنْهَا سفينة روى الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سعيد بِإِسْنَادِهِ أَنه غرس الساج وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَت الحواريون لعيسى بن مَرْيَم لَو أَحييت لنا رجلا شهد السَّفِينَة فحدثنا عَنْهَا فَأتى كثيباً من تُرَاب فَأخذ كفا مِنْهُ وَقَالَ هَذَا قبر حام ابْن نوح ﵇ فَضرب الْكَثِيب بعصاه وَقَالَ قُم بِإِذن الله فَإِذا هُوَ قَائِم ينفض التُّرَاب عَنهُ رَأسه وَقد شَاب فَقَالَ لَهُ عِيسَى ﵇ هَكَذَا هَلَكت قَالَ لَا مت وَأَنا شَاب ولكنني ظَنَنْت أَنَّهَا السَّاعَة فشبت قَالَ حَدثنَا عَن السَّفِينَة فَقَالَ كَانَ طولهَا ألف ذِرَاع ومائتي ذِرَاع وعرضها سِتّمائَة ذِرَاع وَكَانَت ثَلَاث طَبَقَات طبقَة فِيهَا الدَّوَابّ والوحوش وطبقة فِيهَا الْإِنْس وطبقة فِيهَا الطير وَعلمه جِبْرِيل كَيفَ يديرها وَجعل يقطع الْخشب وَيضْرب الْحَدِيد ويهيئ مُدَّة الْفلك من القار وَغَيره وَأمره أَن يطليها بالقار من داخلها وخارجها وَتمّ عَملهَا فِي سنتَيْن وشاركه فِي عَملهَا سَام وَحَام وَيَافث ويام وَكَانَ كلما عمل شَيْئا أفْسدهُ قومه لَيْلًا فَدَعَا عَلَيْهِم فَابْتَلَاهُمْ الله بالعشا فَكَانُوا لَا يرَوْنَ شَيْئا
стр. 93
وَفِي تَارِيخ الْخَمِيس وحياة الْحَيَوَان قَالَ نوح يَا رب أَمرتنِي أَن أصنع الْفلك ولي أَيَّام فِي صناعتها كل مَا صَنعته بِالنَّهَارِ يُفْسِدهُ قومِي بِاللَّيْلِ فَأوحى الله إِلَيْهِ يَا نوح خُذ كَلْبا يحرسها بِاللَّيْلِ وَفِي الْكَشَّاف لما كَانَ نوح يقطع الْخشب وَيضْرب الْحَدِيد ويهيئ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْفلك من القير وَغَيره جعل قومه يَمرونَ عَلَيْهِ فِي عمله وَيَقُولُونَ يَا نوح صرت نجاراً بعد النُّبُوَّة وَكَانُوا يأْتونَ لَيْلًا لما يعمله نَهَارا فيفسدونه فيسخرون مِنْهُ وَيَقُولُونَ تتَّخذ بَيْتا تسير بِهِ على المَاء فَأَيْنَ المَاء الَّذِي يحمل هَذَا الْبَيْت لقد خرف نوح فَيَقُول ﴿إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ الْآيَة هود ٣٨ وَلم يزل هَذَا دأبه حَتَّى فرغ فَجَاءَت على شكل لم ير مثله وَقَومه يخرجُون إِلَيْهَا أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا يتعجبون ثمَّ أوحى الله إِلَيْهِ عِنْدَمَا بَقِي من الْأَرْبَعين السّنة سَبْعَة أَيَّام أَن يُنَادي بالسُّرْيَانيَّة أَن يجْتَمع إِلَيْهِ جَمِيع الْحَيَوَان فَلم يبْق حَيَوَان إِلَّا حضر مَا خلا الفأر والسنور فَإِنَّهُمَا لم يخلقا بعد وَإِنَّمَا خلقا فِي السَّفِينَة كَمَا يذكر على الْأَثر فَحمل فِيهَا من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ فَلَمَّا شكا إِلَيْهِ أهل السَّفِينَة سرقين الدَّوَابّ بعد أَن ركبُوا فِيهَا مسح جبين الْخِنْزِير فعطس فَسقط من أَنفه زوج فأر فَأتى على السرقين ثمَّ شكوا إِلَيْهِ أَذَى الفأر فَمسح بَين عَيْني الْأسد فعطس فَسقط من أَنفه زوج فأر فَأتى على السرقين ثمَّ شكوا إِلَيْهِ أَذَى الفأر فَمسح بَين عَيْني الْأسد فعطس فَسقط من أَنفه زوج سنور فاختفى الفأر وَفِي تَفْسِير الْهَرَوِيّ أَنه لم يحمل الْحَيَّة وَالْعَقْرَب حَتَّى ضمنا أَنَّهُمَا لن يضرا أحدا ذكر نوحًا ﵇ فَمن قَرَأَ ﴿سَلام على نوح فِي الْعَالمين﴾ الصافات ٧٩ عِنْد خوف ضررهما لن يضراه وَلم يحمل نوح ﵇ إِلَّا مَا يتوالد ويبيض أما مَا يتَوَلَّد من الطين من الحشرات كالبق والبعوض وَمَا يتَوَلَّد من العفونات كالدود والذباب فَلم يحمل مِنْهَا شَيْئا وَأمر الله الرِّيَاح الْأَرْبَع أَن تحْشر إِلَى نوح جَمِيع مَا يحمل فِي السَّفِينَة فَأَقْبَلت الْمَخْلُوقَات أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا حَتَّى وقفت على أَمَام الْفلك فَقَالَ قومه هَذِه زِيَادَة فِي السحر وَجعل يضْرب بِيَدِهِ على الزَّوْجَيْنِ فَتَقَع يمناه على الذّكر ويسراه على الْأُنْثَى
стр. 94
حَتَّى أكمل الْعدَد وَانْصَرف الْبَاقُونَ فِي اللَّيْل هَذَا فِي أول يَوْم من السَّبْعَة الْأَيَّام الْبَاقِيَة من الْأَرْبَعين سنة الْمَوْعُود بِالْعَذَابِ بعد مضيها وَفِي الْيَوْم الثَّانِي حشرت إِلَيْهِ الوحوش فَأخذ من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ كالحيوانات فِي الْيَوْم الأول وَقَومه ينظرُونَ ويتعجبون من تزاحم الوحوش عَلَيْهِ إِلَى آخر النَّهَار وَفِي الْيَوْم الثَّالِث أَتَت الْبَهَائِم وَفِي الْيَوْم الرَّابِع أَمر بِحمْل النَّبَات الَّذِي يقتات بِهِ بَنو آدم وَمن جَمِيع الشّجر والحبوب وقوت جَمِيع مَا فِي السَّفِينَة وَأمره الله أَن يضع تابوتاً من شجر الشمشار فَيحمل فِيهِ جَسَد آدم ﵇ ويجعله حاجزاً فِي الْفلك بَين الرجل وَالنِّسَاء فِي الطَّبَقَة الأولى وَجعل السبَاع وَالدَّوَاب فِي الطَّبَقَة السُّفْلى وَألقى الله الْحمى على الْأسد فاشتغل بِنَفسِهِ عَن الدَّوَابّ وَجعل الطير والوحوش فِي الثَّانِيَة وأطبق عَلَيْهَا وَجعل الْعليا لبني آدم وَقَالَ فِي مروج الذَّهَب أول مَا حمل نوح ﵇ من الطير الدرة وَآخر مَا حمل الْحمار فَتَلَكَّأَ وَدخل صَدره وَتعلق إِبْلِيس بِذَنبِهِ فَجعل نوح ﵇ يَقُول وَيحك ادخل فينكص حَتَّى قَالَ ادخل وَلَو كَانَ الشَّيْطَان مَعَك تحمله زلت على لِسَانه فَلَمَّا قَالَ ذَلِك خلى الشَّيْطَان سَبيله فَدخل وَدخل مَعَه فَقَالَ نوح مَا أدْخلك يَا عَدو الله فَقَالَ ألم تقل ادخل وَلَو كَانَ الشَّيْطَان مَعَك فَقَالَ اخْرُج يَا عَدو الله عني فَقَالَ لَا بُد لَك أَن تحملنِي فَكَانَ على مَا يَزْعمُونَ على ظهر السَّفِينَة وَنهى نوح ﵇ أَن يَقع ذكر على أنثاه فغشى الْكَلْب الكلبة فوشى بهما الهر فَأنْكر فَدَعَا نوح ربه إِن كَانَ الهر صَادِقا أَن يمسك ذكر الْكَلْب فِي الكلبة فَفعل فأمسكته الكلبة فَشَكا الْكَلْب إِلَى نوح فضيحة الهر إِيَّاه فَدَعَا نوح على الهر فافتضح بالصراخ قَالَ فِي حقيبة الْأَسْرَار وَلما كَانَ الْيَوْم السَّابِع آخر الميعاد أوحى الله إِلَيْهِ أَن يركب السَّفِينَة إِذا فار التَّنور بِالْمَاءِ وَهُوَ التَّنور الَّذِي فِي بَيت ابْنك سَام فجَاء نوح إِلَى بَيت ابْنه فَقَالَ لزوجة ابْنه وَاسْمهَا رَحْمَة وَكَانَت أحب نسَاء بنيه وَهِي تخبز خبْزًا يرَوْنَ أَن يحملوه فِي السَّفِينَة يَا رَحْمَة إِن آيَة الطوفان من هَذَا التَّنور
стр. 95
فَإِذا رَأَيْت المَاء فار مِنْهُ فأسرعي إِلَى الْفلك وَكَانَ التَّنور من حجر أسود وَرثهُ نوح من أَبِيه وَورثه أَبوهُ من جده من لدن آدم ﵇ وَكَانَت حَوَّاء تخبز فِيهِ وَكَانُوا يتوارثونه تبركاً بِهِ وَكَانَ من عمل آدم ﵇ وَقيل كَانَ فِي دَار نوح ﵇ يَعْنِي ورده من أَرض الشَّام وَلما أصبح فِي الْيَوْم السَّابِع وَلم يبْق لَهُ شَيْء يحْتَاج إِلَيْهِ وَإِن رَحْمَة فرغت من خبزها وَهِي تخرج آخر رغيف وَالنَّار يضرم جمرها إِذْ بدرها المَاء من تَحت الْحجر وبقدرة الله تَعَالَى فار وَلم يدْخل نوح السَّفِينَة كل مَا أَرَادَ فَأَخْبَرته ابْنَته أَن التَّنور فار فَقَامَ ﵇ إِلَى المَاء فختمه فَوقف حَتَّى أَدخل السَّفِينَة مَا أَرَادَ ثمَّ فض الْخَتْم وكشف الطَّبَق ففار المَاء وفاض فَقَالَ نوح ﵇ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم هلك وَالله قومِي فَأوحى الله إِلَيْهِ لَا تحزن على هلاكهم فاركب الْفلك وَمن مَعَك من الْمُؤمنِينَ وَمَا آمن مَعَه إِلَّا قَلِيل ثَمَانُون نفسا مِنْهُم أَوْلَاده الثَّلَاثَة سَام وَحَام وَيَافث وَالأَصَح أَن أَوْلَاده زِيَادَة على الثَّمَانِينَ لما سَيَأْتِي فأسرع نوح إِلَى منزل رَحْمَة فَإِذا المَاء قد مَلأ الْمنزل وَيخرج من أبوابه كالنهر وَله غليان ونشيش مَا يمر بِشَيْء إِلَّا أغرقه وَأحرقهُ فأسرع إِلَى الْفلك ونادى بِالْمُؤْمِنِينَ النجَاة النجَاة وَقَومه يتعجبون من استعجاله فِي الرّكُوب وَإِذا الصُّرَاخ فِي بُيُوتهم وأسواقهم واضطربت النَّاس وَارْتَفَعت الزمات وَالْمَاء يتزايد ويغلي ونوح على بَاب الْفلك قد شمر عَن ساعديه وَأخذ المجذاف ليدفع بِهِ السَّفِينَة فِي المَاء والمؤمنون يَبْكُونَ من هول مَا عاينوا وَكَانَ دُخُول السَّفِينَة لعشر مضين من رَجَب فَدخل الْفلك وغطاه عَلَيْهِ وعَلى من مَعَه وَفتح الله أَبْوَاب السَّمَاء بالمطر من غير سَحَاب فَنزل بعير كيل وطغى على الْخزَّان وأخرجت الأَرْض ماءها وانفجرت الْجبَال كل نقطة من السَّمَاء عين فِي الأَرْض فَكَانَ نبع من تَحت أَقْدَامهم وحوانيتهم وَبُيُوتهمْ وَلَا يَقع على بَيت إِلَّا
стр. 96
هدمة وَلَا على شَيْء إِلَّا أحرقه وَلَوْلَا أَن الله أمره أَلا يضر السَّفِينَة لأحرقها بحرارته وملوحته وَوَقع الصُّرَاخ وغدوا إِلَى نوح فَإِذا هُوَ وَمن مَعَه فِي السَّفِينَة والمطر يفتح خنادق وَلَا يُصِيب السَّفِينَة ونوح وَأَوْلَاده يَبْكُونَ على قَومهمْ وخوفاً من الْعَذَاب وَالْمَلَائِكَة تَقول لَهُم لَا تبكوا بعدا للْقَوْم الظَّالِمين وَركب ملكهم واسْمه الدرمسيل كَمَا تقدم فِي عبيده وحشمه نَحْو السَّفِينَة فَأحرق المَاء أَرجُلهم وَقد انقلبت الأَرْض بالصراخ وَرَأى المَاء لَا يُصِيب السَّفِينَة فصح عِنْده أَنه أَمر الله تَعَالَى وتفرق من كَانَ حوله من النَّاس وهم يُنَادُونَهُ أَيهَا الْملك قتل المَاء أكثرنا فَنَادَى يَا نوح مَا هَذَا فَقَالَ يَا عَدو الله وَلم يكن قَالَ لَهُ ذَلِك أبدا لِأَنَّهُ كَانَ يرفق بِهِ ويداريه هَذَا الَّذِي كنت أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ يكلمهُ إِذْ نبع المَاء من تَحت حوافر فرسه فولى هَارِبا وَلم يُؤمن فغرق فِي مَوْضِعه وأمهل الله عَلَيْهِم بَقِيَّة يومهم وطفت السَّفِينَة على وَجه المَاء فأطبقها وهم ينظرُونَ إِلَيْهِ فتسنموا الْجبَال والروابي وَلم يكن فيهم صبي إِلَّا وَاحِد كَانَت أمه تحبه حبا شَدِيدا فَخرجت بِهِ إِلَى الْجَبَل حَتَّى بلغت ثلثه فبلغها المَاء فَصَعدت إِلَى ثُلثَيْهِ فبلغها المَاء فاستوت على الْجَبَل فَلَمَّا بلغ المَاء رقبَتهَا رفعته بِيَدِهَا حَتَّى ذهب بهم المَاء فَلَو رحم الله مِنْهُم أحدا لرحم تِلْكَ الْمَرْأَة ودعا نوح ابْنه كنعان وَقيل اسْمه يام فَأبى وَقَالَ سآوي إِلَى جبل يعصمني من المَاء يَعْنِي بِهِ النجف جبلا لم يكن على وَجه الأَرْض أعظم مِنْهُ ارتفاعاً فَأوحى الله إِلَيْهِ أيعتصم بك منى فتقطع الْجَبَل وَصَارَ رملاً دَقِيقًا وانخفض مَكَانَهُ فَصَارَ بعد أَن نضب المَاء بحراً فَسمى ذَلِك الْبَحْر نى ثمَّ جف بعد ذَلِك فَقيل ني جف فخففه النَّاس نجف كَذَا أوردهُ فِي الْعِلَل صَاحب مروج الذَّهَب الْعَلامَة المَسْعُودِيّ وَلما ركب نوح السَّفِينَة وَمن مَعَه من الْكُوفَة قَالَ ﴿ارْكَبُواْ فِيهَا بِسم الله مجْراهَا وَمرْسَاهَا﴾ هود ٤١ فَقيل إِن المَاء ارْتَفع على أَعلَى جبل فِي الأَرْض أَرْبَعِينَ ذِرَاعا ووكل الله بالسفينة سبعين ملكا يحفظونها ودوى المَاء كالرعد القاصف والسفينة تشقه شقاً عنيفاً ونوح يُنَادي الْعَفو الْعَفو يَا الله وأظلم الجو وَأَتَاهُ جِبْرِيل بلؤلؤة تطلع من مشرق السَّفِينَة فيعلمون بهَا الشرق والغرب والقبلة وَالشمَال وتمشى فِي سقف السَّفِينَة طول النَّهَار لمعْرِفَة السَّاعَات فَإِذا وصلت إِلَى
стр. 97
الْمغرب طفىء نورها وَتصير لَيْلًا على هَيْئَة الْقَمَر فِي زِيَادَته ونقصانه أول الشَّهْر هِلَال وتزداد حَتَّى تصير بَدْرًا ثمَّ تنقص كَذَلِك حَتَّى تصير هلالاً وَلم تزل السَّفِينَة تَطوف الأَرْض إِلَى مَوضِع الْكَعْبَة فطافت أسبوعاً ثمَّ عَادَتْ إِلَى جدة وَطلبت الْحَبَشَة ثمَّ عَادَتْ إِلَى الرّوم إِلَى جبال الأَرْض المقدسة جَارِيَة لَا تفتر شَرق الأَرْض وغربها إِلَى مُدَّة سِتَّة أشهر روى أَن نوحًا ﵇ نَام فِي السَّفِينَة فَهبت ريح فَانْكَشَفَتْ عَوْرَته فَضَحِك حام وَيَافث فزجرهما سَام وستره فانتبه وَسَأَلَ سَام فَأخْبرهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ غير مَا فِي صلب حام حَتَّى لَا يُولد لَهُ إِلَّا السودَان وَغير مَا فِي صلب يافث وَاجعَل ذريتهما خولاً لذرية سَام فَجَمِيع السودَان والحبش والهند والسند من حام وَجَمِيع التّرْك والصين والصقالبة ويأجوج وَمَأْجُوج من يافث ابْن نوح وَجَمِيع الْعَرَب والعجم وَالروم وَفَارِس من سَام بن نوح ﵇ ثمَّ إِن المَاء بعد سِتَّة أشهر جعل ينقص فَأول مَا ظهر جبل أبي قبيس بِمَكَّة فَأوحى الله إِلَى الْجبَال إِنِّي مرسٍ على أحدكُم السَّفِينَة فتطاولت وشمخت إِلَّا الجودى جبل بالموصل كَانَ من أكبر الْجبَال وأعلاها فتواضع لله وَقَالَ أَنا أقل من أَن ترسوا السَّفِينَة عَليّ فَأمر الله الْمَلَائِكَة بوضعها عَلَيْهِ عَاشر الْمحرم وَيُقَال إِن الجودى من جبال الْجنَّة ثمَّ إِن الأَرْض بلعت ماءها وَأَرَادَ مَاء السَّمَاء النُّزُول مَعَه فَأَبت الأَرْض فَصَارَ بحاراً وأنهاراً وَهُوَ المروى عَن أهل الْبَيْت وَفِي كتاب الْوَصِيَّة صَار بحراً حول الدُّنْيَا فماء الْبَحْر الْمَوْجُود الْآن من بَقِيَّة ذَلِك المَاء وَهُوَ مَاء سخط ألم تره يغرق فَيهْلك إِلَى الْآن وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى فأرست على الجودى شهرا إِلَّا أَنهم لم يعرفوا على أَي شَيْء أرست وانجاب السَّحَاب وطلعت الشَّمْس وَفتح نوح بَاب السَّفِينَة فَدخل الضَّوْء وَبَان فِي السَّمَاء قَوس قزَح فَكَانَ ذَلِك آيَة بَينه وَبَين الله تَعَالَى أَنه أَمَان من الْغَرق قيل كَانَ عَلَيْهِ وتر وَسَهْم فَنزع الْوتر والسهم عَلامَة للأمان فَكبر نوح وَمن
стр. 98
مَعَه وانفضت الطُّيُور وتحركت الوحوش فَأرْسل نوح ﵇ الْغُرَاب لينْظر هَل بَقِي من المَاء على وَجه الأَرْض شَيْء واستنظره سَبْعَة أَيَّام فَلم يعد واشتغل بِأَكْل جيفة دَابَّة غرقت بالطوفان وَنسي مَا توجه إِلَيْهِ فلعنه نوح ﵇ وَقَالَ اللَّهُمَّ قتر رزقه وبغضه إِلَى بني آدم وَقَيده فِي مَشْيه وَحشِي لَا يسْتَأْنس مبغوض فِي بني آدم ثمَّ بعث الْحَمَامَة وانتظرها فَلم تَجِد فِي الأَرْض قراراً فوقفت على شَجَرَة الزَّيْتُون بِأَرْض سبأ وحملت ورقة زيتون بمنقارها وَرجعت إِلَيْهِ ثمَّ بعثها بعد أَيَّام فَأَتَت وَادي الْحرم فَأول مَا نضب المَاء عَن مَوضِع الْكَعْبَة فخضبت رِجْلَيْهَا وتطوقت بطينتها وَكَانَت حَمْرَاء فَرَجَعت فِي أسْرع وَقت فَقَالَت يَا نَبِي الله قد نضب المَاء عَن الأَرْض وَقيل إِنَّهَا انْطَلَقت إِلَى الْمشرق وَالْمغْرب وعادت مسرعة وَقَالَت يَا نَبِي الله هَلَكت الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَأما المَاء فَلم أر إِلَّا بِبِلَاد الْهِنْد وَلم يبْق على وَجه الأَرْض إِلَّا الزَّيْتُون فَإِنَّهُ أَخْضَر لم يتَغَيَّر فَبَارك فِي شجر الزَّيْتُون ودعا للحمامة اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا أبرك الطُّيُور وأزكاها وآنسها ببني آدم وأكثرها فراخا وَجَمعهَا بطوق عوضا عَن هَذَا الطين الْأَحْمَر واخضب رِجْلَيْهَا فَاسْتَجَاب الله دعاءه وفيهَا يَقُول الشَّاعِر من قصيدة // (من الوافر) //
(فأرسَلَها نبيُّ الله نوحٌ ... لتنظرَ هَل عفَا ربُّ السماءِ)
(فآَبَت وهيَ قد صُبغت بماءٍ ... وَفِي أعناقِها طينُ البَراَءِ)
(وَفِي منقارها ورقٌ قليلٌ ... أَقامَتهُ على صدْقِ الوفاءِ)
(فأكرمَها رسولُ اللهِ نوحٌ ... وأكثَر فِي المَقالةِ بالدُّعاءِ)
(وطوَّقها وسَروَلَها إلهٌ ... تَعَالَى ربُّنا ذُو الكبرياءِ)
(فكُن لله خالقنا مُطيعًا ... فجنَّةُ ربّنا للأتقياءِ)
ذكرت بقوله وطوقها وسرولها قَول الشَّاعِر فِيهَا // (من الْخَفِيف) //
(زَعَمُوا أنَّ للحمامةِ حُزنا ... فأَراها فِي الحُزن ليستْ هُنالك)
(خضَبت كفَّها وطوَّقت الجيدَ وغنَّتْ وَمَا الحزين كَذَلِك ... )
وَأقَام نوح ﵇ ينْتَظر الْأَمر من ربه ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَقد اخضر الْجَبَل وَنبت العشب فَأوحى الله إِلَيْهِ ﴿اهبط بِسَلام مِنَّا﴾ الْآيَة هود ٤٨ فَنزل
стр. 99
من السَّفِينَة بِمن مَعَه فَرَأى الْعِظَام قد تَفَرَّقت من المَاء الْحَار فهاله ذَلِك وَاشْتَدَّ حزنه فَأوحى الله إِلَيْهِ هَذَا أثر دعوتك أما إِنِّي آلَيْت على نَفسِي أَلا أعذب خلقي بِمثل هَذَا أبدا وَأمره بِأَكْل الْعِنَب الْأَبْيَض فَأَكله فَأذْهب الله عَنهُ الْحزن وَكَانَ ذَلِك لخاصية فِيهِ وَنزل نوح فِي الأَرْض وَمَعَهُ ثَمَانُون نفسا من ذكر وَأُنْثَى غير أَوْلَاده الثَّلَاثَة سَام وَحَام وَيَافث فَسمى ذَلِك الْمحل قَرْيَة الثَّمَانِينَ وَهِي قَرْيَة من نواحي جَزِيرَة ابْن عمر عِنْد الجودى فَهِيَ أول قَرْيَة بنيت بعد الطوفان سميت بِعَدَد الَّذين خَرجُوا من السَّفِينَة وإليها ينْسب الإِمَام أَبُو الْقَاسِم عمر بن ثَابت الثمانيني النَّحْوِيّ قَالَ فِي معالم التَّنْزِيل وَعقد نوح فِي وسط الْجَامِع قبَّة فَأدْخل إِلَيْهَا أَهله وَولده وَالْمُؤمنِينَ إِلَى أَن مصر الْأَمْصَار وأسكن أَوْلَاده الْبلدَانِ فسميت الْكُوفَة قبَّة الْإِسْلَام بِسَبَب تِلْكَ الْقبَّة ثمَّ إِن نوحًا اسْتخْلف ابْنه يافث وَأخذ ساماً وحجا وَأخذ مَعَه الرُّكْن وَالْمقَام وأودعاه جبل أبي قبيس وَلما رَجَعَ قسم الأَرْض بَين بنيه الثَّلَاثَة فَأعْطى حاماً الْمغرب والسواحل وَأعْطى يافث الْمشرق إِلَى مطلع الشَّمْس وَأعْطى ساماً الشَّام واليمن وَلما صَار لسام أَرْبَعمِائَة سنة انْتقل النُّور المحمدي إِلَى زَوجته فَلَمَّا كملت أشهرها رزقت أرفخشد فَأحْسن تَرْبِيَته وَأوحى الله إِلَى نوح إِن نبوتك قد انْقَضتْ فَاجْعَلْ الِاسْم الْأَعْظَم ومواريث الْأَنْبِيَاء عِنْد سَام فَإِنِّي لَا أترك الأَرْض بِغَيْر عَالم يكون حجَّة لي على خلقي وَبشر الْمُؤمنِينَ بِأَن الله سيفرج عَنْهُم بِنَبِي اسْمه هود يهْلك من كفر بِهِ بِالرِّيحِ فَمن أدْركهُ فليؤمن بِهِ فَدَعَا ساماً وَسلم إِلَيْهِ مَوَارِيث الْأَنْبِيَاء وَأمره وَنَهَاهُ وروى عَن سعد بن عبد الله عَن ابْن إِبْرَاهِيم بن هَاشم عَن عَليّ بن الحكم عَن بعض أَصْحَاب أهل الْبَيْت عَن أبي عبد الله قَالَ عَاشَ نوح ألفي سنة وَخَمْسمِائة عَام ثمَّ جَاءَهُ ملك الْمَوْت وَهُوَ فِي الشَّمْس فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك فَرد نوح ﵇ وَقَالَ مَا جَاءَ بك قَالَ جِئْت لأقبض روحك قَالَ فَدَعْنِي أَدخل من الشَّمْس إِلَى الظل فَقَالَ لَهُ نعم فتحول فَقبض روحه فجهزه ابْنه كَمَا أوصاه وَصلى عَلَيْهِ هُوَ وَإِخْوَته ودفنوه فِي الْموضع الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَالَ بعض المؤرخين
стр. 100
دفن بحضرموت وَقيل بِمَكَّة وروى أَن قَبره بِظهْر الْكُوفَة قَالَ فِي الْأنس الْجَلِيل تَارِيخ الْقُدس والخليل إِن قَبره بكرك نوح وَبَين نوح وآدَم عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام عشرَة آبَاء وَمن السنين ألفا سنة ومائتان وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ وَكَانَ أقل أَعمار قوم نوح ثَلَاثمِائَة سنة قَالَ المَسْعُودِيّ فِي المروج إِن عقب من كَانَ مَعَ نوح فِي السَّفِينَة دثر بالوباء فنسل الخليقة مِنْهُ وَحده يَعْنِي من أبنائه الثَّلَاثَة سَام وَحَام وَيَافث قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ الصافات ٧٧ فَهُوَ أَبُو الْأَنْبِيَاء وَكَانَت رسَالَته عَامَّة وَلما قبض قَامَ بعده ابْنه سَام بِأَمْر الله تَعَالَى وآمن بِهِ شيعَة نوح ﵇ وَلما انْقَضتْ أَيَّامه أوحى الله إِلَيْهِ أَن يستودع الِاسْم الْأَعْظَم وميراث الْأَنْبِيَاء ابْنه أرفخشد فَدَعَاهُ وَأوصى إِلَيْهِ بِمَا أوصاه بِهِ نوح ﵇ وَمَات وعمره سِتّمائَة سنة وَله من الْأَوْلَاد إرم وأرفخشد وفلوج وياشور وَالْأسود وَغَيرهم وَمن ذُرِّيَّة سَام النَّبِي صَالح ﵇ وَهُوَ صَالح بن عبيد بن عَابِر بن إرم ابْن سَام وَمن ذُريَّته أَصْبَهَان بن فلوج بن سَام وَمن ذُريَّته فَارس ونبط ابْنا ياشور بن سَام وَمِنْهُم عَاص وَعبيد ابْنا عوص بن إرم بن سَام وَمِنْهُم بوان بن إيران بن الْأسود بن سَام وَهُوَ صَاحب الشّعب شعب بوان وَهُوَ عدَّة قرى ومياه مُتَّصِلَة وَعَلَيْهَا الْأَشْجَار حَتَّى غطت تِلْكَ الْقرى فَلَا يَرَاهَا الْإِنْسَان حَتَّى يدخلهَا قَالَ أَبُو الطّيب أَحْمد بن الْحُسَيْن المتنبي فِيهِ // (من الوافر) //
(مَغَابي الشِّعْبِ طيبا فِي المَغَابي ... بمنزلةِ الربيعِ من الزمانِ)
وَقَالَ آخر // (من الرجز) //
(شِعْبُ بَوَّانَ قرارُ الذاهبِ ... فثَمَّ تُكفى راحةُ النَّوائبِ)
стр. 101
وَقَالَ آخر // (من الطَّوِيل) //
(إِذا أَشرفَ المكروبُ من رأسِ تَلعَةٍ ... على شِعبِ بوَّانَ استراحَ من الكَربِ)
وَهُوَ أحد جنان الدُّنْيَا الْأَرْبَعَة غوطة دمشق ونهر الأُبلة وصفد سَمَرْقَنْد وَشعب بوان وَمِنْهُم كرمان بِالْفَتْح وَالْكَسْر بن فلوج بن سَام وَمِنْهُم لُقْمَان الْحَكِيم بن عَاد الْأُخْرَى ابْن شَدَّاد باني إرم ذَات الْعِمَاد أخي شَدِيد بن عَاد الأولى بن عوص بن إرم بن سَام وَأما يافث بن نوح فَلهُ من الْأَوْلَاد بوبان ويأجوج وَمَأْجُوج وناويل والخزر والفرنج والصقالبة وقبرس وقسطنطين وكرم وكرد وتاريس وكادي إِلَى اثْنَيْنِ وَعشْرين قَبيلَة خرج من هَذِه الْقَبَائِل ثَمَانمِائَة قَبيلَة خرج مِنْهَا أُمَم لَا تعد وَلَا تحصى اسْتَخْلَفَهُ أَبوهُ نوح على الْمُؤمنِينَ لما أَخذ بيد ابْنه سَام وَتوجه إِلَى الْكَعْبَة وَختم السَّفِينَة وأوصاه بهَا وَقَالَ لَهُ يَا بني اسْتَوْصِ بأخيك حام وَوَلِهَ بعض أمورك وَأحسن إِلَيْهِ فَقَالَ سَام يَا أَبَت لَا أقطع أمرا دونه فشكره نوح ﵇ على ذَلِك وَجعل لَهُ الْمشرق ودعا لَهُ بِأَن يكون الْملك فِي وَلَده وَحَضَرت يافث الْوَفَاة فأوصى إِلَى أَخِيه سَام ببنيه فَمَاتَ وَدَفنه سَام وَحَام وحزنا عَلَيْهِ وَكَانَ عمره خَمْسمِائَة وَخمسين سنة وَأما حام فَقَالَ وهب بن مُنَبّه كَانَ رجلا أَبيض حسن الصُّورَة وَالْوَجْه فَغير الله لَونه وألوان ذُريَّته بدعوة أَبِيه نوح ﵇ عَلَيْهِ فَمِنْهُ جَمِيع السودَان من النّوبَة والبربر والزنج والحبشة والقبط وَمن ذُريَّته مصر بن بيصر بن حام وَهُوَ الَّذِي سميت الْبِلَاد الْمَعْرُوفَة مصر باسمه وَمن ذُريَّته أَيْضا الْهِنْد والسند ابْنا حام وَكَيْفِيَّة دُعَاء نوح ﵇ عَلَيْهِ أَن قَالَ مَلْعُون حام عبيد لإخوته ثمَّ قَالَ مبارك سَام وَيكثر الله يافثاً فِي مسكن سَام وَفِي كتاب المبتدا قَالَ عبد الله بن سَلام إِن حاماً لم يطَأ زَوجته لِأَن أَبَاهُ قَالَ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ غير مَا فِي صلب حام حَتَّى لَا يُولد لَهُ إِلَّا السودَان مُدَّة حَيَاة نوح خوفًا من دَعوته حَتَّى مَاتَ فطال ذَلِك عَلَيْهِ ثمَّ إِنَّه جَامع زَوجته فَلَمَّا حملت ولدت لَهُ غُلَاما أسودا وَمَعَهُ جَارِيَة سَوْدَاء فَسمى الْغُلَام كوشاً فَلَمَّا رأى سوادهما فزع وَجَاء إخْوَته وَقَالَ إِنِّي رَأَيْت خلقا لم أر مثله فَسَأَلت زَوْجَتي لَا يكون قربهَا
стр. 102
شَيْطَان فَقَالَت مَا قربني أحد غَيْرك فَقَالَا لَهُ هَذِه دَعْوَة أَبِيك نوح فَاغْتَمَّ لذَلِك ثمَّ أمسك عَن وَطئهَا دهراً طَويلا ثمَّ وَاقعهَا فَحملت وَولدت وَلدين أسودين فهم حام أَن يجب نَفسه فمنعاه ثمَّ طَال عَلَيْهِ الْأَمر ثمَّ وَاقعهَا فَولدت غُلَاما وَجَارِيَة أسودين فَسمى الْغُلَام كنعان ثمَّ مَاتَ حام وَأوصى إِلَى سَام فدفنه إِلَى جَانب أَخِيه يافث وَكَانَ عمره حِينَئِذٍ خَمْسمِائَة وَسبعين سنة وَمن ذُرِّيَّة حام جَمِيع السودَان وَالْحَبْس كَمَا تقدم والهند والسند وهما ابْنا يرقن بن يقضن بن حام قَالَ الْعَلامَة المَسْعُودِيّ فِي المروج يُقَال إِن هَذَا الِاسْم يَعْنِي الْهِنْد مَأْخُوذ من التهنيد وَهُوَ لُغَة سلب الْعقل من الْمحبَّة والعشق والهوى قد هندته النِّسَاء فَهُوَ مهند أَي سلبته عقله وَلذَلِك كثر فِي النِّسَاء اسْم هِنْد ثمَّ استطرد فَقَالَ وَيُقَال إِن أهل بلد الْهِنْد أَكثر الْبلدَانِ جهلا بِالدّينِ وأصحها عقلا فِي أُمُور الدُّنْيَا مثل الْحساب والصنائع وهم ابتدعوا الْجَبْر والمقابلة ونصبوا الأحرف التِّسْعَة وَمِنْهُم صصه وَاضع الشطرنج وقصة تمنيه على الْملك فِي مُقَابلَة وَضعه لَهُ بالتضعيف أعجب من وَضعه قلت فِي ذكرى وُرُود حَدِيث فِيهَا هُوَ الْهِنْد بِلَاد الله الْغَفْلَة عَن ذكر الله أَو كَمَا قَالَ
قَالَ المَسْعُودِيّ ويحكى أَن الزِّنَى وَالْفساد بِبَلَد الْهِنْد أَكثر مِنْهُ من كل بلد من بلدان الدُّنْيَا لقَوْل الفلاسفة إِن شَهْوَة النِّكَاح إِنَّمَا تكون أَكْثَرهَا فِيمَا يقطعهُ الخاتن والخافضة من ذكر الْغُلَام وَفرج الْجَارِيَة فَلَمَّا كَانَت الْهِنْد لَا تستعمله لَا فِي الذّكر وَلَا فِي الْأُنْثَى كثر عِنْدهم الزِّنَى لِكَثْرَة الشبق فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَة وَكَذَلِكَ كل بلد حَاله فِي ترك الْخِتَان حَال الْهِنْد وَلَيْسَ فِي الْهِنْد شَيْء من النّخل وَلَا من الْكَرم وَلَا يعرفونهما إِلَّا بِالْوَصْفِ أَو يجلب إِلَيْهَا وَمن جهل أهل الْهِنْد أَن أحدهم يَبِيع رَأس نَفسه فيقطعه بِيَدِهِ على أَن يعود حَيا بعد ثَلَاثَة أَيَّام وَمن ذَلِك أَن أحدهم يطْرَح نَفسه فِي النَّار بِحَضْرَة أَبِيه وأخيه وَابْنه وأقاربه فَلَا يمنعهُ مِنْهُم أحد ويغبطونه على ذَلِك ويحمدونه وعجائب من مثل هَذِه
стр. 103
الْأَفْعَال تأباها الْبَهَائِم وتفر إِلَى الْحَيَاة خوفًا من الْمَوْت ذكر هَذَا أَبُو الْفَتْح أَحْمد بن الْمطرف فِي كتاب التَّرْتِيب فَلت وَرَأَيْت فِي مروج الذَّهَب مَا نَصه الْهِنْد تعذب أَنْفسهَا بالنَّار وَقد تيقنت أَن مَا ينالها من النعم فِي الْمُسْتَقْبل مُؤَجّلا هُوَ مَا أسلفته وعذبت بِهِ أَنْفسهَا فِي هَذِه الدَّار معجلا وَمِنْهُم من يسير إِلَى الْملك فيستأذنه فِي إحراقه نَفسه ثمَّ يدار بِهِ فِي الْأَسْوَاق وَقد أججت لَهُ نَار عَظِيمَة وَقد وكل بهَا نَاس لإيقادها فيسير فِي الْأَسْوَاق والشوارع قدامه الطبول والصنوج وعَلى بدنه أَنْوَاع من الْحَرِير قد مزقها على جسده وَحَوله إخْوَته وَأَهله وقرابته وعَلى رَأسه إكليل من الريحان وَقد قشر جلدَة رَأسه الْعليا وَقد وضع مَكَانهَا الْجَمْر وَقد عمل عَلَيْهِ الكبريت والسندروس فيسير وهامته تحترق وروائح دماغه تفوح وَهُوَ يتبختر ويمضغ التنبل وَحب الفوفل إِلَى أَن يَنْتَهِي على تِلْكَ الْحَالة إِلَى النَّار وَقد صَارَت كَالتَّلِّ الْعَظِيم قَالَ وَلَقَد حضرت بِبِلَاد من الْهِنْد يُقَال لَهَا صيمور فَرَأَيْت فَتى من فتيانهم وَقد طيف بِهِ على مَا ذكرنَا فَلَمَّا دنا من النَّار أَخذ الخنجر فَوَضعه على فُؤَاده فشقه ثمَّ أَدخل يَده الشمَال فَقبض على كبده فجذب مِنْهَا قِطْعَة وَهُوَ يتَكَلَّم قُم قطعهَا بالخنجر وَدفعهَا إِلَى بعض إخوانه تهاوناً بِالْمَوْتِ وَلَذَّة بالنقلة ثمَّ أَهْوى بِنَفسِهِ فِي النَّار فسبحان مقسم الْعُقُول لَا إِلَه غَيره أَقُول ذكرت بقول المَسْعُودِيّ الْهِنْد تعذب أَنْفسهَا إِلَى آخر مَا ذكره قَول القَاضِي نَاصح الدّين أبي بكر أَحْمد بن الأرجاني قَاضِي تستر الشَّاعِر الْمَشْهُور فِي وصف الشمعة حَيْثُ يَقُول // (من الْبَسِيط) //
(صفراءُ هنديَّةٌ فِي اللونِ إِن نُعتَتْ ... والقدُّ والدينِ إِن أَتمَمْتَ تشبيهَا)
(فالهندُ تقتلُ بالنيرانِ أَنْفسهَا ... وَعِنْدهَا أنّها إذْ ذَاك تُحييها)
وَهَذَانِ البيتان لَهُ من قصيدة يمدح بهَا قَاضِي الْقُضَاة بِفَارِس طَاهِر بن مُحَمَّد صدرها بِوَصْف الشمعة بِمَا لم يسْبق إِلَى مثله فِي سالف الْأَعْصَار وَلم يشق لَهُ إِلَى غابر الزَّمن غُبَار وَهِي طَوِيلَة مَشْهُورَة
стр. 104
قَالَ وَمن قلَّة عُقُولهمْ وسفاهة أحلامهم المغالاة فِي اللّعب بالشطرنج بِمَا فِيهِ ذهَاب المَال بل النَّفس والأغلب على استعمالهم اتِّخَاذه من العاج يجْعَلُونَ كل قِطْعَة كالشبر فِي عرض ذَلِك وَإِذا لعبوا بهَا قَامَ الْوَاحِد على قومه والأغلب عَلَيْهِم فِي اللّعب الْقمَار على الثِّيَاب وَالْمَال والجواهر وَرُبمَا نفذ مَا عِنْد أحدهم فيلعب على قطع عُضْو من أَعْضَائِهِ وَيجْعَل إِلَى جَانِبه قدرا صَغِيرا من النّحاس على نَار فَحم فِيهَا دهن لحم أَحْمَر فيغلي ذَلِك الدّهن وَهُوَ دهن مدمل للجرح ماسك للدم فَإِذا قمر وَقطعت أعضاؤه وَاحِدًا بعد وَاحِد غمس يَده فِي ذَلِك الدّهن فاندمل ثمَّ عَاد إِلَى اللّعب وَرُبمَا توجه عَلَيْهِ اللّعب فِي قطع جَمِيع أَصَابِعه وكفه وذراعه وزنده وكل ذَلِك يسْتَعْمل لَهُ الكي بذلك الدّهن وَهُوَ دهن أَحْمَر عَجِيب يعْمل من أخلاط وعقاقير بِأَرْض الْهِنْد قَالَ وَمَا ذَكرْنَاهُ عَنْهُم مستفيض عَن فعلهم ثمَّ قَالَ والهند تتَّخذ الفيلة وتتناتج فِي أَرضهم وَلها بهَا آفَة عَظِيمَة من حَيَوَان يعرف بالزبرق وَهُوَ دَابَّة أَصْغَر من الفهد أَحْمَر ذُو زغب لَهُ عينان براقتان عَجِيب سريع الوثبة يبلغ فِي وثبته الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ وَالْخمسين ذِرَاعا وَأكْثر فَإِذا أشرف على الفيلة رش عَلَيْهَا بَوْله بِذَنبِهِ فيحرقها وَرُبمَا لحق الْإِنْسَان فَقتله وَرُبمَا تعلق الْخَائِف من النَّاس مِنْهَا بأكبر مَا يكون من شجر الساج فَإِذا عجز عَنهُ لطىء بِالْأَرْضِ ووثب فَإِن لم يلْحق فِي وثبته رش بَوْله إِلَى أَعلَى الشَّجَرَة فَإِذا لم يصبهُ وضع رَأسه فِي الأَرْض وَصَاح صياحاً عجيباً غيظاً فَيخرج من فِيهِ قطع دم وَيَمُوت من سَاعَته وَأي مَوضِع من الشَّجَرَة أَصَابَهُ شَيْء من بَوْله أحرقه ومرارة هَذَا الْحَيَوَان ومذاكيره سم سَاعَة تدخره الْمُلُوك وتسقي بِهِ السِّلَاح فَيقْتل من أدنى جراحه من سَاعَته ومذاكيره كمذاكير كلاب المَاء الَّتِي يخرج مِنْهَا الجندبادستر وكلب المَاء هَذَا أَيْضا مَشْهُور عِنْد الصيادلة بِبِلَاد الْهِنْد وَهُوَ فَارسي
стр. 105
مُعرب وَإِنَّمَا هُوَ كند وَتَفْسِيره الخصية وَالدَّابَّة الْمُتَقَدّم ذكرهَا وَهِي الزبرق لَا تأوي إِلَى مَوضِع يكون فِيهِ النوشان وَهُوَ الكركدن وتهرب مِنْهُ كَمَا يهرب مِنْهَا الْفِيل سُبْحَانَ الله أبدان مسلطة على أبدان والفيلة تهرب من السنور وَلَا تقف لَهَا أَلْبَتَّة وَلَو ضربت وَقد أخذت مُلُوك ملوكاً بتخلية السنانير بَين أَيدي الفيلة فَفرُّوا وكسروا والفيلة لَا تنْتج وَلَا تتوالد إِلَّا بِأَرْض الزنج والهند وتتخذ الزنج الدرق من جلده وَأذنه وخرطومه أَنفه ويوصل بِهِ الطَّعَام وَالشرَاب إِلَى جَوْفه وَهُوَ شَيْء بَين الغضروف وَاللَّحم والعصب وَبِه يُقَاتل وَمِنْه يَصِيح وكل حَيَوَان ذِي لِسَان فَأصل لِسَانه إِلَى دَاخل وطرفه إِلَى خَارج إِلَّا الْفِيل فبالعكس والهند تزْعم أَنه لَوْلَا ذَلِك لتكلم إِذا كلم لحدة فطنته وَقد قيل أحذق الْحَيَوَانَات وأفطنها بعد بني آدم القرد والفيل وَقد أهْدى للمتوكل العباسي قرد صائغ وفيل خياط ذكر هَذَا الْعَلامَة السُّيُوطِيّ وَيظْهر من جباه الفيلة ورءوسها عرق كالمسك وَالطّيب تراعي ذَلِك الطّيب أهل الْهِنْد فِي الْقَلِيل من الزَّمَان الَّذِي يكون فِيهِ فتأخذه وَتحمل عَلَيْهِ بعض أدهان طيبَة فَيكون أغْلى طيبها والمستظرف عِنْدهَا الَّذِي يَسْتَعْمِلهُ الْمُلُوك والخواص لضروب من الْمَنَافِع مِنْهَا طيب الرَّائِحَة الَّتِي تفوق سَائِر الروائح الطّيبَة وَمِنْهَا مَا يُؤثر فِي الْإِنْسَان عِنْد شمه من ظُهُور الشبق فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء والطرب والنشاط والأريحية وَكثير من فتاك الْهِنْد تستعمله عِنْد اللِّقَاء فِي الحروب لِأَنَّهُ يشجع الْقلب وَيُقَوِّي النَّفس ويحث على الْإِقْدَام وَأكْثر مَا يظْهر هَذَا الْعرق من الفيلة عِنْد اغتلامها وهيجانها وَإِذا كَانَ ذَلِك مِنْهَا تهرب سواسها ورعاتها عَنْهَا وَلَا تفرق بَين من تعرف وَبَين غَيره من النَّاس وَظُهُور هَذَا الْعرق مِنْهَا فِي وَقت من السّنة لَا دَائِما وَإِذا واجه الكركدن حَال هيجانه لَا يهرب من الكركدن بل يهرب مِنْهُ الكركدن حِينَئِذٍ لِأَن الْفِيل عِنْد ذَلِك سَكرَان لَا يعقل وَلَا يُمَيّز وَإِذا ند عَنهُ ذَلِك الْفَصْل واسترجع عَاد إِلَى بَلَده على
стр. 106
مسيرَة شهر أَو أَكثر وَهُوَ فِي سكره فَيبقى عليلاً نَحْو مُدَّة هيجانه وَلَا يكون هَذَا الْعرق إِلَّا فِي الفحول من الفيلة وَذَوي الجرأة والإقدام مِنْهَا ثمَّ قَالَ وَأما السَّنَد فَإِنَّهُم جيل معروفون فِي بِلَادهمْ يُقَال سَنَد فلَان إِلَى الْجَبَل إِذا ارْتَفع سموا بذلك لارْتِفَاع فِي أَرضهم والسند كالرابية من الأَرْض وَالْجمع سنود وأسناد والإسناد مصدر أسندت الحَدِيث إِلَى فلَان أَي رفته إِلَيْهِ وَيُقَال للناقة الموثقة الْخلق سناد والسناد عيب من عُيُوب القوافي فَرجع فَقَامَ أرفخشد مقَام أَبِيه سَام أحسن قيام وَتزَوج فولد لَهُ شالغ بشين مُعْجمَة وَألف وَلَام مَفْتُوحَة وغين مُعْجمَة وَيُقَال بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَمَعْنَاهُ الْوَكِيل أمه شبروما بنت سيدوك فاستودعه أَبوهُ أرفخشد النُّور وَالْحكمَة ومواريث الْأَنْبِيَاء وَمَات أرفخشد وَمَعْنَاهُ مِصْبَاح مضيء وَله من الْعُمر أَرْبَعمِائَة سنة وَخمْس وَسِتُّونَ سنة فَقَامَ بِأَمْر أَبِيه والمؤمنون مَعَه قَلِيلُونَ لِأَن إِبْلِيس جعل يغوي بني آدم لما مَاتَ أرفخشد بِكُل طَرِيق وَإِذا نزل وَاحِد من بني سَام إِلَى بني يافث وَحَام وَرَأى مَا هم فِيهِ من اللَّذَّات وَالشرَاب وَالزِّنَا وأنواع الطَّرب افْتتن بذلك فهجروا بِلَادهمْ وتتبعوا الْقَوْم وَصَارَ الرجل يجذب من بني أَبِيه وهم كل يَوْم ينقصُونَ وَتمّ لإبليس مُرَاده وَلم يبْق من شالغ إِلَّا قَلِيل من بني أَبِيه لَا طَاقَة لَهُم ببني يافث وَحَام وَاشْتَدَّ كفرهم أَكثر مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ بَنو قابيل اللعين إِلَّا أَنهم لَا يتقاتلون وَلَا يَغْزُو بَعضهم بَعْضًا وَلَا يتَعَرَّض كافرهم لمؤمنهم واختطوا الأَرْض وملئوها عرضا وطولاً وَشَكتْ الأَرْض إِلَى الله مِنْهُم وَتزَوج شالغ وَولد لَهُ عَابِر وَهُوَ هود ﵇ وَمعنى شالغ الرَّسُول وشالغ وَبَنُو أَبِيه قد سكنوا الْموضع الَّذِي نزل فِيهِ نوح لِئَلَّا يضايقوا بني حام وَيَافث وَقد رَضوا مِنْهُم بالمتاركة وَكَانَ بَنو يافث قدمُوا عَلَيْهِم رجلا مِنْهُم وملكوه اسْمه خامر بن يافث وَكثر بغيهم وإبليس نكر بَعضهم على بعض وَلم يزَالُوا على ذَلِك طول عمر شالغ إِلَى أَن حَضرته الْوَفَاة فَأمر أَن يستودع الِاسْم الْأَعْظَم وَالْحكم والنور ابْنه عَابِر وَهُوَ هود النَّبِي ﵇ فَدَعَا وَأوصى إِلَيْهِ وَأخذ عَلَيْهِ الْعَهْد فِي النُّور المحمدي وَقبض شالغ وعمره أَرْبَعمِائَة سنة فسلك بِهِ مَسْلَك آبَائِهِ وَدَفنه إِلَى جَانب أَبِيه فاضطربوا بعد
стр. 107
موت شالخ وتباغضوا وَفِي زَمَنه ملك عَاد بن عوص بن إرم بن سَام بن نوح الَّذِي تنْسب إِلَيْهِ الْقَبِيلَة كَانَ رجلا خياراً شَدِيد الْخلق يعبد الْقَمَر رأى من صلبه أَرْبَعَة آلَاف ولد مِنْهُم شَدِيد وَشَدَّاد وعلوان وَكَانَت بِلَاده مُتَّصِلَة بِالْيمن وَهِي بِلَاد الْأَحْقَاف وسنجار وَالدَّم والدهناء ويبرين إِلَى عمان وحضرموت وَكَانَ يُقَال الْعقبَة عَاد كَمَا يُقَال لبني تَمِيم تَمِيم ثمَّ يُقَال للأولين مِنْهُم عَاد الأولى وإرم تَسْمِيَة لَهُم باسم جدهم وَلمن بعدهمْ عَاد الْأَخِيرَة قَالَ تَعَالَى ﴿وانه اهلك عَاد الأُولَى﴾ النَّجْم ٥٠ وَكَانُوا أعْطوا من الْخلق وَالْقُوَّة مالم يُعْط أحد من بني آدم قبلهم وَلَا بعدهمْ وَلذَلِك تجبروا فسموا جبارين واحتقروا من سواهُم من الْخلق من ولد يافث وَحَام وهم الَّذين ملكوا سَائِر الأقاليم وَكَانَ على أَوْلَاد سَام بِبَابِل كيومرث بن أميم بن لاوذ بن سَام بن نوح وَهُوَ أول ملك بِبَابِل وَقسم عَاد الأَرْض بَين ولديه شَدِيد وَشَدَّاد فَهَلَك شَدِيد وَكَانَ أظلم وأطغى من أَبِيه عَاد وَمَات عَاد وَله من الْعُمر ألف وَمِائَتَا سنة فَرجع الْملك إِلَى شَدَّاد بن عَاد وَقوم هَذَا هم عَاد الثَّانِيَة وهم الَّذين قَالُوا ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ فصلت ١٥ روى أَن الرجل مِنْهُم كَانَ يحمل الصَّخْرَة على الْحَيّ فيهلكهم وَكَانَ طول الرجل مِنْهُم مائَة وَعشْرين ذِرَاعا بذراعهم وَعرضه سِتُّونَ ذِرَاعا وَكَانَ أحدهم يضْرب الْجَبَل الصَّغِير فيقطعه وَكَانُوا يسلخون الْعمد من الْجبَال فيجعلون طول العملد مثل طول الْجَبَل الَّذِي يسلخونه من أَسْفَله إِلَى أَعْلَاهُ ثمَّ ينصبون الْعمد فيبنون فَوْقهَا الْقُصُور وَأَرَادَ شَدَّاد ملك الأَرْض كلهَا فَوجه إِلَى بني يافث وَبني حام وَبَقِيَّة بني سَام من أهل بَيته وَقَومه ثَلَاثَة نفر مَعَ كل وَاحِد مِنْهُم عشرَة آلَاف من الْجَبَابِرَة من ولد عَاد وَوجه إِلَى أَوْلَاد سَام الَّذين بِبَابِل ابْن أَخِيه الضَّحَّاك بن علوان بن عَاد وَهُوَ الَّذِي تسميه الْعَجم ايراسف وَلما جَاءَهُم هرب مِنْهُ ملكهم جمشيد لعلمه أَن لَا طَاقَة لَهُ بِقِتَال الْجَبَابِرَة الَّذين مَعَه فَطَلَبه الضَّحَّاك حَتَّى ظفر بِهِ فامتلخ أمعاءه ونشره بمنشار وَملك أرضه ومملكته وَمِنْهُم كَانَت الْجَبَابِرَة بِالشَّام الَّذين يُقَال لَهُم الكنعانيون وَوجه إِلَى ديار حام ابْن عَمه الْوَلِيد بن عمليق وَبِه سمى العمالقة وَهُوَ ابْن دومع ابْن عوص بن إرم بن سَام بن نوح وَكَانَ على بني حام ملكة يُقَال لَهَا بطريا أُخْت
стр. 108
حوريا الَّتِي بنى لَهَا جُبَير المؤتفكي العملاقي مَدِينَة الْإسْكَنْدَريَّة فوصل الْوَلِيد بن عمليق إِلَيْهَا وَاسْتولى وَغلب على ملكهَا وقتلها وَملك مصر وَعمر عمرا طَويلا وَهُوَ الَّذِي بنى الأهرام على أحد الْأَقْوَال وَلما مَاتَ ولي مصر ابْنه الريان بن الْوَلِيد بن عمليق وَوجه إِلَى ولد يافث ابْن أَخِيه غَانِم بن علوان أَخا الضَّحَّاك بن علوان وَكَانَ ملك يافث قبراسيات بن ترك بن يافث بن نوح فغلبه غَانِم وَاسْتولى على ملكه وأرضه وَلم يزل شَدَّاد ملكا إِلَى أَن بنى الْمَدِينَة وأخذته الصَّيْحَة عِنْد إِرَادَة دُخُولهَا فَتَوَلّى بعده رجل يُقَال لَهُ الخلجان بن عتيد آخر عَاد بن عوص بن إرم بن سَام بن نوح وانتقلوا من دِيَارهمْ إِلَى الْأَحْقَاف من عمان إِلَى حَضرمَوْت فَزعًا مِمَّا أصَاب قَومهمْ من الصَّيْحَة وقصة بِنَاء الْمَدِينَة وصفهَا مَذْكُور مَشْهُور لَا نطول بِذكرِهِ قَالَ ابْن بابويه وجدت فِي كتاب المعمر بن عُثْمَان أَنه ذكر عَن هِشَام بن سعيد الرّحال قَالَ وجدنَا بالإسكندرية حجرا مَكْتُوبًا فِيهِ أَنا شَدَّاد بن عَاد وَأَنا الَّذِي شيدت الْعِمَاد الَّتِي لم يخلق مثلهَا فِي الْبِلَاد وجندت الأجناد وسددت بساعدي السوَاد فبنيتها إِذْ لَا شيب وَلَا موت وَإِذا الْحِجَارَة مثل الطين فِي اللين وكنزت كنزاً فِي الْبَحْر لم يُخرجهُ أحد حَتَّى أمة مُحَمَّد
ثمَّ تزوج شالخ مرْجَانَة وَقيل معلب بنت عوليم فَولدت لَهُ عَابِر بِعَين مُهْملَة وباء مُوَحدَة مَفْتُوحَة وَكَانَ أشبه ولد آدم بِآدَم فَلَمَّا وَضعته سَمِعت النداء والأصوات من كل مَكَان هَذَا نور مُحَمَّد
يكسر كل صنم وَيقتل كل من طَغى وَكفر فَخرج عَابِر أكمل قومه جمالاً وَقد أرسل بنبوة خَاصَّة وَمن حَدِيثه أَنه لماء أهلك الله شداداً وغيبت عَنْهُم الْمَدِينَة وطلبوها فَلم يجدوها ولوا عَلَيْهِم أَخا عَاد واسْمه الخلجان بن عوص بن إرم بن سَام بن نوح كَمَا تقدم وانتقلوا من تِلْكَ الديار فَزعًا مِمَّا أصَاب قَومهمْ إِلَى الْأَحْقَاف والأحقاف رمال مَا بَين عمان إِلَى حَضرمَوْت وَمضى لَهُم سنُون لَا يدينون بدين وَلَا يعْرفُونَ الله وملكوا الأَرْض كلهَا وقهروا أَهلهَا بقوتهم وَبَقِي الْوُلَاة الثَّلَاثَة الْمُتَقَدّم ذكرهم مَعَ من مَعَهم بِمصْر وَغَيرهَا كَمَا هم قد ملكوا الْبِلَاد بعد شَدَّاد وقطن هَؤُلَاءِ بالأحقاف وَكَانُوا إِحْدَى عشرَة قَبيلَة العتود والجلود وصداء
стр. 109
ودقل وزمر وشود وزمل وَحمد والصمود وجاهد ومناف فَجَاءَهُمْ إِبْلِيس فِي صُورَة شيخ يرتعد وَزعم أَنه من أَوْلَاد شِيث وَأَنه كَانَ على سيف الْبَحْر مِمَّا يَلِي جدة قد انْفَرد لعبادة ربه وسألهم مَا الَّذِي وأقعكم إِلَى هَذِه الْأَحْقَاف والرمل وَغَيرهَا أخصب وَأحسن فحدثوه حَدِيث هَلَاك عَاد وَالْمَدينَة فَضَحِك وَقَالَ هَل سَمِعْتُمْ أحدا فِي الأَرْض لَا رب لَهُ قَالُوا لَا قَالَ لَو كَانَ مَعَه رب يبعده وَيسْجد لَهُ مَا أَصَابَهُ شَيْء كَمَا كَانَ مَعَ آبَائِهِ الْأَوَّلين وَهَا هُوَ معي يحفظني ويرعاني وَأخرج لَهُم صنماً لطيفاً من الذَّهَب الْأَحْمَر عَيناهُ من الْيَاقُوت الْأَزْرَق فَوَضعه وَسجد لَهُ وَقد وكل ماردا كلما سجد لَهُ قَالَ لَهُ المارد ارْفَعْ رَأسك وسلني مَا بدا لَك فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك قَالُوا هَذَا هُوَ الْحق وَنحن لَا إِلَه لنا وسنشاور ملكنا الخلجان فنحت لَهُم إِبْلِيس حجرا وَأمرهمْ أَن يبنوا لَهُ بَيْتا ويمنعوه فِيهِ فَفَعَلُوا ووكل بِهِ مارداً وَقَالَ لَهُم اجعلوا هَذَا الْيَوْم عيداً تذبحون عِنْده وتتقربون إِلَيْهِ بالقرابين يخاطبكم بِجَمِيعِ مَا تُرِيدُونَ فسجدوا لَهُ فخاطبهم المارد بقوله يَا أهل عَاد لَو كَانَ هَذَا الْفِعْل مِنْكُم قَدِيما مَا كنت أهلكت ملككم شَدَّاد والآن قد عَفَوْت عَنْكُم فاستقيموا على عبادتي أؤمنكم من كل سوء وأخصب بِلَادكُمْ وَسَماهُ لَهُم الهناة فَصَارَ صنم الخلجان وَهُوَ أول صنم اتخدته عَاد فاتخذت كل قَبيلَة مِنْهُم صنماً سموهُ باسم سيد قبيلتهم وَلم يزَالُوا كَذَلِك عاكفين على عبَادَة الْأَصْنَام حَتَّى أذن الله فِي هلاكهم ثمَّ إِن الله جعل يُتَابع لهود المنامات حَتَّى إِذا أعلمهُ فِي نَومه أَنه مرسله إِلَى قومه وَقد ألهمه عِبَادَته وَشرح صَدره لقبُول ذَلِك وَبلغ أَرْبَعِينَ سنة أرسل الله إِلَيْهِ جِبْرِيل فَقَالَ لَهُ إِن الله أَرْسلنِي إِلَيْك بأنك الَّذِي ألهمك بَين قَوْمك توحيده واختارك لرسالته فاشدد حيازيمك وَانْطَلق إِلَى عَاد قَوْمك برسالة رَبك فأنذرهم بآياته وخوفهم عِقَابه فَقَالَ هود السّمع وَالطَّاعَة لأمر رَبِّي ثمَّ قَامَ فَشد وَسطه وَأخذ عَصَاهُ فِي يَده وأتى قومه فِي ناديهم وأبلغهم رسَالَته وَأَنْذرهُمْ عَذَابه وَأَن يعبدوا الله وَلَا يشركوا بِهِ شَيْئا وَأَن يرفضوا هَذِه الْأَصْنَام الَّتِي اتَّخَذُوهَا الهة
стр. 110
وَقَالَ لَهُم ﴿يَا قوم اعبدوا اللَّهَ مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُم إِلَّا مفترون يَا قوم لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَاّ على الَّذِي فطرني أَفلا تعقلون وَيَا قوم اسْتَغْفرُوا ربكُم﴾ إِلَى قَوْله ﴿صِرَاط مُسْتَقِيمٍ﴾ الْآيَات هود ٥٠ ٥٦ قَالَ بعض الْأَعْلَام فَكَذبُوهُ وَقَالُوا ﴿قَالُواْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تكن من الواعظين﴾ الشُّعَرَاء ١٣٦ ثمَّ إِنَّهُم بطشوا بِهِ وخنقوه وتركوه كالميت فَبَقيَ يَوْمه وَلَيْلَته مغشياً عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ رب قد علمت مَا فعل بِي قومِي ثمَّ أعَاد عَلَيْهِم القَوْل فَقَالُوا يَا هود اترك عَنَّا مَا تَقول فَإِن بطشنا بك الثَّانِيَة نسيت الأولى فَقَالَ ارْجعُوا إِلَى الله وتوبوا إِلَيْهِ وَأوحى الله إِلَيْهِ يَا هود قد أبلغت بِهِ فَارْجِع عَنْهُم يَوْمك ذَلِك فَإِن لَهُم وقتا آخذهم فِيهِ أَخذ عَزِيز مقتدر ثمَّ لما رأى قومه وعظه وتحذيره آمن رُؤَسَاء قبيلته ففت فِي أَعْضَاء سائرها فَجعل الله يهْدِيهم بقوله حَتَّى حصل مَعَه ثَلَاث قبائل فَأمره الله بمحاربتهم فحاربهم فَكَانَت الْحَرْب بَينهم سجالاً وَلما رَأَوْا أَن لَا طَاقَة لَهُم بقتاله وَمن مَعَه أَجمعُوا أَن يستغيثوا بعوج بن عنق على هود وَمن مَعَه فيكفيهم أمره فأجابهم وأتى فَأوحى الله إِلَى هود إِنِّي مخفيك أَنْت وَمن مَعَك عَن أَعينهم فَلَا يرونك تقَاتلهمْ كَمَا تحب وهم لَا يصلونَ إِلَيْك فَأعْلم هود الْمُؤمنِينَ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَإِذ انجر الْكَلَام إِلَى ذكر عوج بن عنق فلنذكره وَأمه قَالَ فِي القامون عوج ابْن عنق ولد فِي منزل آدم ﵇ وعاش إِلَى زمن مُوسَى ويحكى عَن خلقه شناعة انْتهى وَأمه عنق بنت آدم لصلبه وَقيل اسْمهَا عنَاق بِأَلف قبل الْقَاف وَهِي أول بغي على وَجه الأَرْض من ولد آدم وعملت السحر وجاهرت بِالْمَعَاصِي وَخلق الله لَهَا عشْرين إصبعاً فِي كل يَد طول كل إِصْبَع ذراعان بذراعها فِي كل إِصْبَع ظفران حديدان كالمنجلين العظيمين وَكَانَت مساحة مجلسها من الأَرْض جريباً فَلَمَّا بَغت خلق الله لَهَا أسوداً كالفيلة وذئاباً كَالْإِبِلِ ونسوراً كالحمر فسلطهم عَلَيْهَا فَقَتَلُوهَا وأكلوها وَفِي كتاب المبتدا أَن حَوَّاء حملت بعنق وَحدهَا فِي بطن وَلم تحمل ولدا وَاحِدًا إِلَّا شِيث وَهَذِه المشؤمة فرأت فِي منامها كَأَن حَيَّة لَهَا رَأس عَظِيم خرجت
следующие страницы →