Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
وَقَالَ الشَّاعِر // (من الْخَفِيف) //
(أطْيَبُ الأطيباتَ قتْلُ الأَعادِي ... واخْتيَالٌ عَلى مُتُونِ الجَيادِ)
(وَأَيادٍ تَحْبُو بِهنَّ كَرِيمًا ... إِنَّ عندَ الكَريمِ تزكُو الأَيَادِي)
)
ورسولٌ يَأْتِي بِوَعْدِ حبِيبٍ ... وَحَبِيبٌ يَأُتِي بِلَا مِيعَادِ)
وَقل الآخر // (من الْخَفِيف) //
(أَطْيبُ الطْيبَاتَِأمْرٌ ونهْىٌ ... لَا يُرَدَّانِ فِي الأمورِ الجِسَامِ)
(وامتطاءُ الخُيُولِ فِي كَنَفِ الأَمنِ ... بِغَيْرَ الإِقدامِ والإِحجامِ)
(وَسماع الصَّهِيلِ فِي لجبِ المَوكبِ ... تحتَ اللِّوَاءِ والأعلامِ)
وَقَالَ الآخر // (من الْخَفِيف) //
(أَطيبُ الأطيباتِ طيبُ الزمانِ ... وندامَى المُنعَّمَاتِ الغَوانِي)
(واحتساءُ العُقارِ فِي غُرَّةِ الصُّبْحِ ... على شَدْوِ مَاهِرَاتِ القِيَانِ)
(وأَمَانٌ مِن الهُمُومِ وَمَالٌ ... لَيْسَ يُفْنِيهِ نَائِبُ الحَدَثَانِ)
وَلَقَد خرج بِنَا الاستطراد إِلَى غير المرد فنعود فَنَقُول وَقدم زِيَاد ابْن أَبِيه على مُعَاوِيَة فَلَمَّا طَال بِهِ الْمجْلس حَدثهُ بِحَدِيث فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة كذبت فَقَالَ زِيَاد مهلَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فوَاللَّه مَا حللت للْكَلَام حبوة إِلَّا على بيعَة الصدْق وَلم أكذب وحياة الْكَذِب عِنْدِي موت الْمُرُوءَة فاستحياه مُعَاوِيَة وَقَالَ يغْفر الله لَك يَا أخي فَكَأَنِّي أرى بك حَرْب بن أُميَّة فِي جميل شميه وكرم أخلاقه وَحكى عَن مُعَاوِيَة أَنه قعد للنَّاس فِي يَوْم عيد وَوضعت الموائد وَبدر الدَّرَاهِم للجوائز والصلات فجَاء رجل فَقعدَ على كيس دَنَانِير وَالنَّاس يَأْكُلُون فصاح بِهِ الخدم تنحَ فَلَيْسَ لَك هَذَا بِموضع فَقَالَ مُعَاوِيَة دعوا الرجُلَ يجلس حَيْثُ أحبَّ فَأخذ الْكيس وَقَامَ فَلم يَجْسُر أحد أَن يدنو مِنْهُ فَقَالَ الخدم إِنَّه قد نقص من المَال كيس فَقَالَ مُعَاوِيَة أَنا صَاحبه وَهُوَ مَحْسُوب لكم
стр. 1192
ويحكي عَن مُعَاوِيَة بَيْنَمَا هُوَ يسير وشرحبيل بن لسمراء يسايره إِذْ راثَتْ فرس شُرَحْبِيل فساءه ذَلِك فَقَالَ مُعَاوِيَة يَا أَبَا يزِيد إِنَّه يُقَال إِن الهامة إِذا عظمتْ دلتْ على وفور الدِّمَاغ وَصِحَّة الْعقل قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا هامتي فَإِنَّهَا عَظِيمَة وعقلي ضَعِيف نَاقص فَتَبَسَّمَ مُعَاوِيَة وَقَالَ كَيفَ ذَاك لله أَنْت قَالَ لإعلافي دَابَّتي مكوكين من شعير فَتَبَسَّمَ مُعَاوِيَة أَيْضا وَحمله على فرس من مراكبه قَالَ صَاحب كتاب المحاسن والمساوئ قيل لمعوية من رَأَيْت شَرّ النَّاس فَقَالَ عَلْقَمَة بن وَائِل الْحَضْرَمِيّ قدم على رَسُول الله
فَأمرنِي ن أَنطلق بِهِ إِلَى رجل من الْأَنْصَار أنزلهُ عَلَيْهِ فَانْطَلَقت مَعَه وَهُوَ على نَاقَته وَأَنا مشي فِي سَاعَة شَدِيدَة الْحر وَلَيْسَ برجلي حذاء فَقلت احملني يَا عَم من هَذَا الْحر فَإِنَّهُ لَيْسَ على حذاء قَالَ لست من أرْدف الْمُلُوك قلت أَنا مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان قَالَ قد سَمِعت رَسُول الله
يَقُول ذَلِك فَقلت ألق إِلَيّ نعليك قَالَ لَا تقلهما قدمك وَلَكِن امش فِي ظلّ نَاقَتي وَكَفاك بذلك شرفاً وَإِن الظل لَك كثير قَالَ مُعَاوِيَة فَمَا مرَ بِي مثل ذَلِك الْيَوْم ثمَّ أدْرك سلطاني فَلم أؤاخذه بذلك بل أجلسته على سَرِيرِي هَذَا وقضيت حَوَائِجه انْتهى كَانَ صعصعة بن صوحان وَأَخُوهُ زيد وَقيل يزِيد بن صوحان وَكِلَاهُمَا شيعَة عَليّ من الفصحاء البلغاء دخل صعصعة على مُعَاوِيَة فَسَأَلَهُ مَا السؤدد فِيكُم قَالَ إطْعَام الطَّعَام ولين الْكَلَام وبذل النوال وكف النَّفس عَن السُّؤَال والتودد للصَّغِير وَالْكَبِير وَأَن يكون النَّاس عنْدك شرعا ثمَّ قَالَ مَا الْمُرُوءَة والسيادة قَالَ أَخَوان اجْتمعَا فَإِن لقيا قهرا وَإِن كَانَ بَينهمَا قَلِيل وصاحبهما جليل محتاجان إِلَى صِيَانة ونزاهة ودماثة وفراهة قَالَ فَهَل تحفظ فِي ذَلِك شَيْئا قَالَ نعم أما سَمِعت قَول مرّة بنِ ذهل الشَّيْبَانِيّ حَيْثُ يَقُول // (من الْكَامِل) //
(إنَّ السِّادة والمُرُوءَةَ عُلِّقَا ... حَيْثُ السِّمَاكُ من السماءِ الأعزلُ)
(وَإذَل تَقابلَ يجريانِ لغايةٍ ... عَثر الهَجِيْنُ وأَسْلَمَتْهُ الأَرْجُلُ)
стр. 1193
(ونجَا الصريحُ مَعَ الغِياثِ مُعوَّدًا ... قربَ الجيادِ ولمْ يجِئْهُ الأَفْكلُ)
قَالَ مُعَاوِيَة لَو أَن رجلا ضرب آَباط الْإِبِل شرقاً وغرباً لفائدة هَذِه الأبيات مَا عفته ثمَّ قَالَ لَهُ فَمن الْحَلِيم قَالَ من ملك غَضَبه فَلم يَجْعَل وَأوحى إِلَيْهِ بِحَق أَو بَاطِل فَلم يقبل ذَلِك الْحَلِيم يَا مُعَاوِيَة ثمَّ قَالَ لَهُ فَمن الْفَارِس فِيكُم الشجاع حد لي فِيهِ حَداً أسمعهُ مِنْك فَإنَّك تضع الْأَشْيَاء موَاضعهَا يَابْنَ صوحان قَالَ الْفَارِس من قصر أَجله فِي نَفسه وضغم عَن أمله بضرسه وَكَانَت الْحَرْب عَلَيْهِ يَوْمه أَهْون من أمسه ذَلِك الْفَارِس إِذا أوقدت الْحَرْب وَاشْتَدَّ بالأنفس الكرب وتداعوا للنزال وتسارعوا لِلْقِتَالِ وتخالسوا المهَج واقتحموا بِالسُّيُوفِ اللجج قَالَ مُعَاوِيَة زِدْنِي قَالَ نعم الْفَارِس كثير الحذر يردد النّظر يلْتَفت بِقَلْبِه وَلَا يُدِير خَرَزَات صلبه قَالَ أَحْسَنت يَا بن صوحان فَهَل فِي مثل هَذِه الصّفة من شعر قَالَ نعم لزهير بن جناب الْكَلْبِيّ قَوْله // (من الْخَفِيف) //
(فارسٌ يَكْلأُ الصَّحَابَة مِنْهُ ... بِحُسَامٍ يمرُّ مَرَّ الحرِيقِ)
(لَا تَرَاهُ يَوْمَ الوَغَى فِي مَجَالٍ ... يُغْفِلُ الضَّرْبَ لَا وَلَا فِي المَضِيقِ)
(مَنْ يَرَاهُ يَخَلْهُ فِي الحربِ يَومًا ... أَنه تَائِهٌ مُضِلُّ الطَّرِيقِ)
وَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة أَحْسَنت كل الحسُن يَا بن صوحان وَمن حسن سياسات مُعَاوِيَة أَن رجلا من أهل الْكُوفَة قدم دمشق على بعير لَهُ بعد منصرفهم من صفّين فَتعلق بِهِ رجل من أهل دمشق وَقَالَ هَذِه نَاقَتي أخذت مني
стр. 1194
بصفين فَرفع أَمرهمَا إِلَى مُعَاوِيَة فَأَقَامَ الدِّمَشْقِي خمسين رجلا يشْهدُونَ أَنَّهَا نَاقَته فَقضى مُعَاوِيَة على الْكُوفِي وَأمره بِتَسْلِيم النَّاقة فَقَالَ الْكُوفِي أصلحك الله إِنَّمَا هُوَ جمل وَلَيْسَ بِنَاقَة فَقَالَ مُعَاوِيَة هَذَا حكم مضى ودس إِلَى الْكُوفِي من أحضرهُ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَن ثمن بعيره فَدفع إِلَيْهِ ضعف ثمنه وبره وَأحسن إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ أبلغ عليا أَنِّي أقاتله بِمِائَة ألف مَا فيهم من يفرق بَين النَّاقة والجمل وَلَقَد بلغ من طاعتهم لَهُ أَنه صلى بهم عِنْد مسيره إِلَى صفّين الْجُمُعَة يَوْم الْأَرْبَعَاء وأعاروه رُءُوسهم عِنْد الْقِتَال وجملوه بهَا هَكَذَا ذكره المَسْعُودِيّ فِي مروجه ثمَّ انْتهى بهم الْحَال إِلَى أَن جعلُوا لَعنَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وكرم الله وَجهه سُنَة ينشأ عَلَيْهَا صَغِيرهمْ وَيهْلك عَلَيْهَا كَبِيرهمْ أَقُول انْظُر إِلَى هَذَا النَّقْل من المَسْعُودِيّ هَل يخرج إِلَّا من قلب مبغض وَيدخل إِلَّا فِي أذن مبغض سبما صلَاته بهم الْجُمُعَة يَوْم الْأَرْبَعَاء أَي معنى فِيهِ لَهُ هَب أَن مَا عداهُ على تَقْدِير صِحَّته لَهُ غَرَض فِيهِ وَأما نِسْبَة الصَّلَاة فَلَيْسَ الْقَصْد بهَا إِلَّا نسبته إِلَى الاستخفاف بِالدّينِ والتلاعب بعماده الَّتِي هِيَ أعظَمُ رُكْنه المكين وَقد علمت أ، المَسْعُودِيّ هُوَ من هُوَ وَإِذا كَانَ اعْتِقَادهم فِي الشَّيْخَيْنِ وحاشاهما ارتدادهما وهما من هما فَمَا ظَنك بسواهما وَذكر بعض الإخباريين أَنه قَالَ لرجل من هَل الشَّام من زعمائهم وَهل الرَّأْي مِنْهُم من أَبُو تُرَاب هَذَا الَّذِي يلعنه الإِمَام على الْمِنْبَر فَقَالَ الشَّامي أرَاهُ إِمَّا لِصُّاً من لصوص الْقَيْن أَو من قطاع الطَّرِيق وَحكى الجاحظ أَنه قَالَ لرجل من أهل الشَّام وَهُوَ يُرِيد الْحَج وَقد ذكر لَهُ الْبَيْت الشريف يَا أخي إِذا أَتَيْته فَمن يكلمني مِنْهُ وَقَالَ أَيْضا إِنَّه أخبرهُ صديق لَهُ أَنه قَالَ لَهُ رجل وَقد سَمعه يُصَلِّي على مُحَمَّد
مَا تَقول فِي مُحَمَّد هَذَا أربنا هُوَ وَذكر ثُمَامَة بن أَشْرَس قَالَ كنت ماراً بِالسوقِ بِبَغْدَاد فَإِذا رجل يَبِيع كحلا ويصفه أَنه ينجح لكل دَاء فِي الْعين فَنَظَرت إِلَى عَيْنَيْهِ فَإِذا وَاحِدَة برشاء
стр. 1195
وَالْأُخْرَى موكوسة فَقلت لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ أَو هَاهُنَا اشتكيت عَيْني يَا أبله إِنَّمَا اشتكيتها بِمصْر فَقَالَ أَصْحَابه صدق صدق قَالَ المَسْعُودِيّ وَذكر لي بعض إخْوَانِي من أهل الْعلم قَالَ كُنَّا نقعد فنتذاكر أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وعلياً وَمُعَاوِيَة وَنَذْكُر مَا يذكرهُ أهل الْعلم وَكَانَ قوم من النَّاس مِنْهُم ينظرُونَ إِلَيْنَا فَقَالَ لي بَعضهم وَكَانَ أظرفهم وأعقلهم وأكبرهم لحية كم تطنبون فِي عَليّ وَمُعَاوِيَة وَفُلَان وَفُلَان فَقلت لَهُ وَمَا تَقول أَنْت فِي ذَلِك فَقَالَ من تُرِيدُ قلت عَليّ مَا تَقول فِيهِ قَالَ أَلَيْسَ هُوَ أَبَا فَاطِمَة قلت وَمن كَانَت فَاطِمَة قَالَ امْرَأَة النَّبِي
بنت عَائِشَة أُخْت مُعَاوِيَة قلت فَمَا كَانَ من قصَّة عَليّ قَالَ قتل فِي غزَاة حنين مَعَ النَّبِي
وَفِي الطيوريات عَن سُلَيْمَان المَخْزُومِي قَالَ أذن مُعَاوِيَة للنَّاس إِذْنا عَاما فَلَمَّا أحتفل بِالْمَجْلِسِ قَالَ أنشدوني ثَلَاثَة أَبْيَات لرجل من الْعَرَب كل بَيت مِنْهَا قَائِم بِمَعْنَاهُ فَسَكَتُوا ثمَّ طلع عبد الله بن الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ مُعَاوِيَة أَنْشدني ثَلَاثَة أَبْيَات لرجل من الْعَرَب كل بَيت قَائِم بِمَعْنَاهُ قَالَ بثلاثمائة ألف قَالَ أَو تَسَاوِي قَالَ أَنْت بِالْخِيَارِ فَأَنت واف كَاف قَالَ هَات فأنشده للأفوه الأودي // (من الوافر) //
(بَلَوْتُ الناسَ قرنا بعد قرْنٍ ... فلمْ أَرَ غَيْرَ ختالٍ وقَالِي)
فَقَالَ مُعَاوِيَة صدقت هيه فَقَالَ // (من الوافر) //
(وَذُقْتُ مَرَارَة الأَشْيَاءِ طُرًّا ... فَمَا طعْمٌ أَمَرّ مِن السُّؤالِ)
قَالَ صدقت هيه فَقَالَ // (من الوافر) //
(وَلمْ أَرَ فِي الخُطُوبِ أَشَدَّ وَقعا ... وَأَصْعبَ مِن مُعَادَاةِ الرِّجَالِ)
قَالَ مُعَاوِيَة صدقت ثمَّ أَمر لَهُ بثلاثمائة ألف
стр. 1196
قَالَ الْعَلامَة الدَّمِيرِيّ فِي حَيَاة الحيون الْكُبْرَى لما تزوَج مُعَاوِيَة مَيْسُونُ بنت بَحْدَل الْكَلْبِيَّة أم يزِيد بن مُعَاوِيَة واتصلت بِهِ وَكَانَت ذَات جمال باهر وَحسن غامر وأعجب بهَا مُعَاوِيَة وهيأ لَهَا قصرَاً مشرفاً على الغوطة وزينه بأنواع الزخارف وَوضع فِيهِ من الْأَوَانِي الْفضة وَالذَّهَب مَا يضاهيه وَنقل إِلَيْهِ من الديباج الرُّومِي الملون والفرش مَا هُوَ لَائِق بِهِ ثمَّ أسكنها مَعَ وصائف لَهَا كأمثال الْحور الْعين فَلبِست يَوْمًا أَفْخَر ثِيَابهَا وتطيبتْ وتزينَتْ بِمَا أعدَ لَهَا من الْحلِيّ والجواهر الَّتِي لَا يُوجد مثلهَا ثمَّ جَلَست فِي روشنها وحولها الوصائف ونظرَتْ إِلَى الغوطة وأشجارها وأنهارها وتجاوب الطير فِي أوكارها واشتمَّتِ الأزهارَ والرياحينَ والنُوَّارَ فتذكرت نجداً وحنَّتْ إِلَى أترابها وأناسها وَذكرت مسْقط رَأسهَا فَبَكَتْ وتنهدت فَقَالَ لَهَا بعض حظاياها مَا يبكيك وَأَنت فِي ملك يضاهي ملك بلقيس فتنفست الصعداء ثمَّ أنشدت // (من والوافر) //
(لبَيْتٌ تَخْفُقُ الأَرْوَاحُ فِيهِ ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قصرٍ مُنِيفِ)
(وَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عَيْني ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لبسِ الشُّفوفِ)
(وأَكل كسيرةٍ فِي ظلِّ بَيْتِي ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أكلِ الرَّغيفِ)
(وأصواتُ الرياحِ بكلِّ فَجٍّ ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نقرِ الدُّفوفِ)
(وكلْبٌ ينبحُ الطُّرَّاقَ دوني ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قِطٍّ أَلُوفِ)
(وَبَكْرُ يتبعُ الأظعَانَ صَعْبٌ ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ بَعْلٍ زفُوفِ)
(وخرق مِنْ بني عَمي نحِيفٌ ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عِلْجٍ عَنُوفِ)
فَلَمَّا دخل معاوبة عَرفته الحظية بِمَا قَالَت وَقيل إِنَّه سَمعهَا وَهِي تنشد ذَلِك فَقَالَ مَا رضيتْ بنت بَحْدَل حَتَّى جَعَلتني علجاً عنوفاً هِيَ طَالِق ثَلَاثًا مروها فلتأخذ جَمِيع مَا فِي الْقصر فَهُوَ لَهَا ثمَّ سيره إِلَى أَهلهَا بِنَجْد وَكَانَت إِذْ ذَاك حاملَا بِيَزِيد فولدته بالبادية وأرصعته سنتَيْن وليتها لم تَلد وَلم ترْضع ثمَّ أَخذه مُعَاوِيَة مِنْهَا بعد ذَلِك وَذكر الْعَلامَة أَبُو الْقَاسِم الحريري فِي درة الغوص أَن عبيد بن شرية الجرهمي عَاشَ ثَلَاثمِائَة سنة وَأدْركَ الْإِسْلَام فَأسلم وَدخل على مُعَاوِيَة بِالشَّام وَهُوَ خَليفَة فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة حَدثنِي بِأَعْجَب مَا رَأَيْت فَقَالَ مَرَرْت بِقوم يدفنون مَيتا لَهُم فَلم
стр. 1197
انْتَهَيْت إِلَيْهِ اغرورقت عَيناهُ بالدموع فتمثلت بقول الشَّاعِر من // (الْبَسِيط) //
(ياَ قَلْبُ إنكَ من أسماءَ مغرورُ ... فاذْكُرْ ولنْ يَنْفَعَنْكَ اليَوْمَ تذكيرُ)
(قَدْ بُحْتَ بالحُبِّ مَا تُخْفِيهِ مِنْ أَحَدٍ ... حَتَّى جَرَتْ لَكَ أطْلَاقٌ مَحَاضِيرُ)
(فَلَسْتَ تَدْرِي وَمَا تَدْرِي أَعَاجِلُهَا ... أدنَى لِرُشْدِكَ ذَا أَمْ فِيهِ تَأْخِيرُ)
(فَاسْتَقْدِرِ الله خَيْرًا ورأضَيَنَّ بِهِ ... فَبَيْنَمَا العُسْرُ إذْ دَارَتْ مياسيرُ)
(وبينما المرءُ فِي الأحْيَاءِ مغتبطٌ ... إذْ قَدْ هَوَى الرَّمْسَ تَغْفُوهُ الأعَاصِيرُ)
(يَبْكِي الغَرِيبُ عَلَيْهِ لَيْسَ يَعْرِفُهُ ... وَذُو قَرَابَتِهِ فِي الحَيِّ مَسْرُورُ)
فَقَالَ لي شخص أتعرفُ مَن يَقُول هَذِه الأبيات قلت لَا وَالله إِلَّا أَنِّي أرويها مُنْذُ زمَان فَقَالَ وَالَّذِي يُحلَفُ بِهِ إِن قَائِلهَا هُوَ صاحبنا الَّذِي دفناه السَّاعَة وَأَنت الغريبُ الَّذِي يبكي عَلَيْهِ وَلَيْسَ يعرفهُ وَهَذَا الَّذِي خرج من قَبره أَمَسُّ النَّاس بِهِ رحما وَهُوَ أسرهُم بِمَوْتِهِ كَمَا وصف فتعجب مُعَاوِيَة من هَذَا الِاتِّفَاق الْغَرِيب وَوَصله بِمَال عَظِيم وَذكر أَن أَبَا الْأسود الديلِي من شيعَة عَليّ دخل على مُعَاوِيَة خَالِيا فتحادثا طَويلا فحبق أَبُو الْأسود فَقَالَ لمعاوية إِنَّهَا فلتة فاكتمها عَليّ فَقَالَ مُعَاوِيَة أفعل ذَلِك فَلَمَّا خرج من عِنْده دخل على مُعَاوِيَة عَمْرو بن الْعَاصِ فَأخْبرهُ عَن ضرطة أبي الْأسود ثمَّ خرج عَمْرو فلقي أَبَا الْأسود بِالسوقِ فَقَالَ لَهُ مَا فعلت ضرطتك يَا أَبَا الْأسود فَقَالَ أَبُو الْأسود كل ذِي جَوف ضروط ثمَّ غَدا على مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ إِن امْرأ لم يُؤمن على ضرطة حقيق ألَا يُؤمن على إمرة الْمُؤمنِينَ قَالَ الْعَلامَة الذَّهَبِيّ فِي دوَل الْإِسْلَام عِنْد ذكر عبيد الله بن زِيَاد الْمَعْرُوف أَبوهُ بِزِيَاد ابْن أَبِيه عِنْد النَّاس وَعند بني أُميَّة بِزِيَاد بن أبي سُفْيَان روى عَن مُعَاوِيَة أَنه كتب إِلَى زِيَاد أوفد عَليّ ابْنك عبيد الله فَفعل فَمَا سَأَلَهُ مُعَاوِيَة عَن شَيْء إِلَّا أنفذه فِيهِ حَتَّى سَأَلَهُ عَن الشّعْر فَلم يعرف مِنْهُ شَيْئا فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة مَا مَنعك من رِوَايَة الشّعْر قَالَ كرهت أَن أجمع كَلَام الله وَكَلَام الشَّيْطَان فِي صَدْرِي فَقَالَ اغرب وَالله لقَد وضعتُ رِجَلي فِي الركاب يَوْم صفّين مرَارًا مَا يَمْنعنِي من الْعَزِيمَة أبياتَ ابْن الإطنابة حَيْثُ يَقُول من // (الوافر) //
(أَبَتْ لِي عِفَّتِي وَأَبَى حَيَائِي ... وأَخْذِي الحمْدَ بالثَّمَنِ الرَّبيحِ)
стр. 1198
(وَإعْطَائِي على الإعدامِ مَالِي ... وإِقْدَامِي عَلَى البَطَلِ المُشِيحِ)
(وَقَوْلِي كُلَّما جَشأَتْ وطَاشَتْ ... مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحي)
وَكتب إِلَى أَبِيه فَرَوَاهُ الشّعْر فَمَا سقط عَلَيْهِ مِنْهُ بعدُ شَيْء قلت وَإِنَّمَا ذكرتها هَهُنَا لتعلقها بِمُعَاوِيَة إِذْ الْكَلَام فِيهِ هُنَا قَالَ مُعَاوِيَة يَوْمًا على الْمِنْبَر أَيهَا النَّاس إِن الله فضل قُريْشًا بِثَلَاث فَقَالَ لنَبيه ﴿وَأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ الشُّعَرَاء ٢١٤ وَنحن عشريته الأقربون وَقَالَ ﴿وَإنَّهُ لذكر لَك ولقومك﴾ الزخرف ٤٤ وَنحن قومه وَقَالَ ﴿لإيلافِ قُرَيشٍ﴾ قُرَيْش ١ وَنحن قُرَيْش فَقَالَ لَهُ رجل من الْأَنْصَار على رسلك يَا مُعَاوِيَة فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وكذبَ بِه قَومُكَ وَهُو اَلحق﴾ الْأَنْعَام ٦٦ وَأَنْتُم قومه وَقَالَ ﴿وَلمَا ضرِبَ ابنُ مَريَمَ مَثَلا إِذَا قَومك مِنهُ يصدُّون﴾ الزخرف ٥٧ وَأَنْتُم قومه وَقَالَ ﴿وَقَالَ اَلرسول يَا رب إِن قومِي اتَّخذُوا هَذَا القرءان مَهْجُورًا﴾ الْفرْقَان ٣٠ وَأَنْتُم قومه ثَلَاث بِثَلَاث وَلَو زدتنا لزدناك قَالَ سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن حسان بن ثَابت دخل رَهْط من الْأَنْصَار على مُعَاوِيَة فقّال لَهُم يَا معشر الْأَنْصَار قُرَيْش خير لكم مِنْكُم لَهُم فَإِن يكن ذَلِك لقتلَى أُحُد فقد نلتم يَوْم بدر وَإِن تكن للأثرة فوَاللَّه مَا جعلتم إِلَى صلتكم سَبِيلا خذلتم عُثْمَان يَوْم الدَّار وقتلتم أنصاره يَوْم الْجمل وصليتم بِالْأَمر يَوْم صفّين فَقَالَ رجل مِنْهُم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أما قَوْلك عَن قَتْلَى أحد فَإِن قتيلنا شَهِيد وحينا فائز وَأما قَوْلك الأثرة فَإِن رَسُول الله
أمرنَا بِالصبرِ عَلَيْهَا وَأما قَوْلك إِنَّا خذلنا عُثْمَان يَوْم الدَّار فإِنِ الْأَمر فِي عُثْمَان إِلَّا جَفَلَى وَأما قَوْلك إِنَّا قتلنَا أنصاره يَوْم الْجمل فَذَاك مَا لَا نعتذر مِنْهُ وَأما قَوْلك إِنَّا صلينَا الْأَمر يَوْم صفّين فَإنَّا كُنَّا مَعَ رجل لم نأله خيرا فَإِن لمتنا فَرب ملوم لَا ذَنْب لَهُ مَا مددت لنا شبْرًا من عذر إِلَّا مددنا لَك باعاً من خير وَإنَّك جدير بِأَن تستصفي قُلُوبنَا من كدرها بفَضلِ حلمك فَقَالَ أفعلُ وكرامة ثمَّ أَدْنَاهُم وأجزل حباءهم كَذَا فِي المحاسن للبيهقي وَعَن مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ قَالَ دخلت بكارة الْهِلَالِيَّة على مُعَاوِيَة وَكَانَت قد كَبرت وَغشيَ على بصرها وضعفت قوتها فَسلمت وَجَلَست فَرد عَلَيْهَا مُعَاوِيَة السَّلَام
стр. 1199
وَقل لَهَا كَيفَ أَنْت يَا خَالَة قَالَت بِخَير يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ غَيرَكِ الدهْرُ قَالَت هُوَ كَذَا من عَاشَ كبر وَمن مَاتَ قبر فَقَالَ عَمْرو بن لعاص هِيَ القائلة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من // (الْكَامِل) //
(يَا زَيْدُ دُونَكَ فَاحْتَفِرْ فِي أرْضِنَا ... سَيْفًا حُسَامًا فِي التُّرابِ دَفِينَا)
(قَدْ كُنْتُ أخبوه لِيَوْمِ مُلمَّةٍ ... وَاليَوْم أَبْرَزَهُ الزَّمَانُ مَصُُونا)
فَقَالَ مَرْوَان هِيَ وَالله القائلة أَيْضا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من // (الْكَامِل) //
(أَتُرَى ابْنَ هِنْدٍ للخِلَافةِ مَالِكًا ... هَيْهَاتَ ذَاكَ وَإِنْ أراهُ بَعِيدُ)
(منَّتْكَ نَفْسُكَ فِي الخَلَاءِ ضَلَالَةً ... أَقْوَال عَمْرٍ ووَالشَّقيُّ سَعِيدُ)
وَقَالَ سعيد بن الْعَاصِ هِيَ وَالله القائلة أيضَاً من // (الْكَامِل) //
(قَدْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَمُوتَ ولَا أَرَى ... فَوْقَ المَنابِرِ مِنْ أُمَيَّةَ خاطِبا)
(أَلله أَخَّرَ مُدَّتِي فَتَطَاوَلَتْ ... حَتَّى رأَيْتُ مِنَ الزَّمَانِ عَجَائِبَا)
فَقَالَت يَا مُعَاوِيَة إِن هَؤُلَاءِ جمَاعَة حَسَنَة وَأَنا وَالله القائلة هَذَا جَمِيعه وَمَا خَفِي عَنْك أَكثر فَضَحِك مُعَاوِيَة وَقَالَ لَهَا لَيْسَ يمنعنا ذَلِك من أَدَاء حَقك وَقَضَاء حوائجك فَمَا كَانَ لَك من حَاجَة فأبديها قلت أما فِي الْمجْلس فَلَا وانصرفت فَأرْسل خلفهَا واسترضاها وَأَعْطَاهَا عشرَة آلَاف دِرْهَم وَعَن سهل التَّيْمِيّ قَالَ حج مُعَاوِيَة فَسَأَلَ عَن امْرَأَة من بني كنَانَة يقل لَهَا دارمة الحجازية الكنانية فأخبروه بسلامتها فَأمر بإحضارها فَلَمَّا حضرت وَكَانَت سَوْدَاء فَقَالَ لَهَا كَيفَ أَنْت يابنة حام قَالَت لست بابنة حام إِنَّمَا أَنا امْرَأَة من بني كنَانَة قَالَ أَتَدْرِينَ لم أرْسلت إِلَيْك قَالَت لَا يعلم الْغَيْب إِلَّا الله قَالَ أردْت ن أَسأَلك لم أَحْبَبْت عليا وأبغضتني وواليتِه وعاديتِني قَالَت أَحْبَبْت عليا لعدله فِي الرّعية وقسمته بِالسَّوِيَّةِ وأبغضتك لِقِتَالِك من هُوَ أولى بالخلافة مِنْك وطلبك مَا لَيْسَ بِحَق لَك وواليت عليا لما عقد لَهُ رَسُول الله
من الْولَايَة ولحبه الْمَسَاكِين وإعظامه لأهل الدّين وعاديتك بسفك الدِّمَاء وجورك فِي الْقَضَاء وحكمك بالهوى فَقَالَ لَهَا مُعَاوِيَة ورأيتِ عليا قَالَت نعم قَالَ كَيفَ رأيتِه قَالَت رَأَيْته مَا فتنه الملكُ الَّذِي فتنك وَلم تشغله النِّعْمَة الَّتِي شغلتك قَالَ فَهَل سَمِعت من كَلَامه شَيْئا قَالَت نعم كَانَ كَلَامه يجلو الْقُلُوب من
стр. 1200
الْعَمى كَمَا يجلو الْقَيْن الصدى قَالَ فَهَل لَك من حَاجَة قَالَت نعم أَعْطِنِي مائَة نَاقَة حَمْرَاء فِيهَا فحولها ورعاها قَالَ فَم تصنعين بهَا قَالَت أغذي بلبنها الصغار وأستحي وأكتسب بهَا المكارم وَأصْلح بهَا بَين العشائر قَالَ فَإِذا دفعتها لَك أكون عنْدك فِي منزلَة عَليّ قَالَت لَا وَالله فَقَالَ مُعَاوِيَة // (من الطَّوِيل) //)
إِذَا لمْ أَجُدْ بِالحِلْمِ مِنِّي عليْكُمُ ... فَمَنْ ذَا الَّذِي بَعْدِي يُؤَمَّلُ لِلْحِلْمِ)
)
خُذِيَها هَنِيئًا واذْكُرِي فِعْلَ ماجدٍ ... جَزَاكِ عَلَى حرْبِ العداوةِ بِالسِّلْمِ)
ثمَّ قَالَ لَهَا وَالله لَو كَانَ عَليّ حَيا مَا أَعْطَاك مِنْهَا نَاقَة قَالَت لَا وَالله وَلَا وَبرَة لأَنها من مَال الْمُسلمين واستأذنت أم الْبَراء بنت صَفْوَان على مُعَاوِيَة فَأذن لَهَا فدخلتْ وسلمت وَكَانَ عَلَيْهَا ثَلَاثَة دروع تسحب خلفهَا ثمَّ جَلَست فَقَالَ لَهَا كَيفَ أَنْت يابنة صَفْوَان قَالَت كسلت بعد نشاط وضعفت بعد قُوَّة فَقَالَ شتَان بَين لسَانك الْيَوْم وَبَين قَوْلك // (من الْكَامِل) //
(يَا زَيْدُ دُونَكَ صَارِمًا ذَا رَوْنَقٍ ... عَضْبِ المحزة لَيْسَ بالخَوَّارِ)
(أسرجْ جَوادَكَ مُسْرعًا ومُشَمِّرًا ... للحَرْبِ غَيْر معوّدٍ لِفِرَارِ)
(أَجِبِ الإِمامَ وَذبَّ تَحْتَ لوائِهِ ... وَالْقَ العَدْوَّ بِصَارِمٍ بتَّارِ)
(يَا اليتني أَصْبحْتُ غَيْرَ قعيدةٍ ... فَأذبَّ عَنْهُ عَسَاكِرَ الفُجَّارِ)
قَالَت قد كَانَ ذَلِك وَلَكِن عَفا الله عَمَّا سلف وَمن عَاد فينتقم الله مِنْهُ قَالَ هَيْهَات أما وَالله لَو عَاد لعدتِ وَلكنه اخترم قَالَت أجل وَالله إِنِّي على بَيِّنَة من رَبِّي وَهدى من أَمْرِي فَقَالَ بعض جُلَسَائِهِ وَهِي القائلة ترثي عليا // (من الْكَامِل) //
(ياَ لَلرِّجَالِ لهوْلِ عُظْمِ مُصِيبَةٍ ... حلَّتْ فَلَيْسَ مُصَابها بالحَائِلِ)
(ألشَّمْسُ كاسفَةٌ لِفَقْدِ إِمَامِنَا
خَيْرِ الخلائِقِ والإمَامِ العَادِلِ)
(صِهْرَ النبيِّ لقَدْ نَفَذْتَ فؤَادنا ... وَالحَقُّ أَصْبَحَ خَاضِعًا للبَاطِلِ)
فَقَالَ لَهَا مُعَاوِيَة قَاتلك الله مَا أبقيت لنا من قَول ثمَّ خرجت فَبعث لَهَا مُعَاوِيَة بجائزة سنية وأخباره بِمثل ذَلِك كَثِيرَة شهيرة
стр. 1201
قيل ذكر أَنه جلس يَوْمًا فِي مجْلِس كَانَ لَهُ بِدِمَشْق وَكَانَ ذَلِك الْمجْلس مفتح الجوانب يدْخل مِنْهُ النسيم من سَائِر جهاته فَبَيْنَمَا هُوَ جَالس ينظر وَكَانَ يَوْمًا شَدِيد الْحر لَا نسيم فِيهِ وَكَانَ وسط النَّهَار إِذْ نظر إِلَى رجل يمشي نَحوه وَهُوَ يتلظى من حر الرمضاء ويحجل فِي مشيته رَاجِلا حافياً فَتَأَمّله وَقَالَ لجلسائه هَل خلق الله رجلا أَشْقَى مِمَّن يحْتَاج إِلَى الْحَرَكَة فِي مثل هَذِه السَّاعَة فَقَالَ بَعضهم لَعَلَّه يقْصد أَمِير الْمُؤمنِينَ فأوصى حَاجِبه إِن طلبني هَذَا الْأَعرَابِي فَلَا تَمنعهُ من الدُّخُول عَليّ فَكَانَ كَذَلِك فَأدْخلهُ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة مِمَّن الرجل فَقَالَ من تَمِيم قَالَ مَا الَّذِي جَاءَ بك فِي هَذَا الْوَقْت قَالَ جِئْت شكيا وَبِك مستجيراً قَالَ مِمَّن قَالَ من مروانَ بنِ الحكمِ بِمَا ملك وَأنْشد من // (الطَّوِيل) //
(مُعَاوِيَ يَا ذَا الحِلْمِ والجودِ والفَضْلِ ... وَيَا ذَا النَّدي والعِلْمِ وَالرُّشْدِ والنُّبْلِ)
(أَتيتُكَ لمَّا ضَاقَ فِي الأرْضِ مَذْهَبِي ... فَيَا غَوْثُ لَا تَقْطَعْ رَجَائِي مِنَ العَدْلِ)
(وَجُدْ لِي بِإِنْصَافٍ مِنَ الجَائِرِ الَّذِي ... بَلَانِي بِشَيءِ كانَ أَيْسَرُهُ قَتْلِي)
(سَبَانِيَ سُعْدَى وانبَرى لخُصُومَتِي ... وَجَارَ وَلم يَعْدِلْ وَغَاصَبَنِي أَهْلِي)
(وَهَمَّ بقتلى غيْرَ أَنَّ منِيَّتِي ... تَنَاءَتْ وَلم أسْتَكْمِلِ الرِّزْقَ مِنَْأجْلِي)
فَلَمَّا سمع مُعَاوِيَة إنشاده وَالنَّار تتوقد من فِيهِ قَالَ مهلا يَا أَخا الْعَرَب اذكر قصتك وأبِن عَن أَمرك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَت لي زَوْجَة وَكنت لَهَا محباً وَبهَا كلفَاً وَكَانَت لي صرمة من إبل نستعين بهَا على قيام حَالي فأصابتنا سنة سنتَاءُ حطمَة شَدِيدَة أذهبتِ الْخُف والحافر فَبَقيت لَا أملك شَيْئا فَلَمَّا ذهب مَا بيَدي بقيت مهاناً ثقيلا على النَّاس فَلَمَّا علم أَبوهَا مَا بِي من سوء الْحَال أَخذهَا مني وحجرني وطردني وَأَغْلظ عَليّ فَأتيت إِلَى عاملك مَرْوَان راجيَاً لنصرته فَلَمَّا أحضر أَبَاهَا سَأَلَهُ عَن حَالي فَقَالَ مَا أعرفهُ قبل الْيَوْم فَقلت أصلح الله أَمِير إِن رَأَى أَن يحضرها ويسألها عَن قَول أَبِيهَا فَلْيفْعَل فَبعث خلفهَا فأحضرها فَلَمَّا حضرت بَين يَدَيْهِ وقعَتْ مِنْهُ موقع الْإِعْجَاب فَصَارَ لي خصما وَعلي منكرَاً وَأظْهر لي الْغَضَب وَبعث بِي إِلَى السجْن فَبَقيت كأنني خَرَرْت من السَّمَاء واستهوت بِي الرّيح فِي مَكَان سحيق ثمَّ قَالَ لأَبِيهَا هَل لَك أَن تزَوجهَا مني على ألف دِينَار وَعشرَة آلَاف دِرْهَم لَك وَأَنا ضمن لَك خلاصها من هَذَا الْأَعرَابِي فَرغب أَبوهَا
стр. 1202
فِي المَال وأجابه إِلَى ذَلِك فَلَمَّا كَانَ من الْغَد بعث إِلَيّ وأحضرني وَنظر إِلَيّ كالأسد الغضبان وَقَالَ يَا أَعْرَابِي طلق سعدى فَقلت لَا فَسلط عَليّ جمَاعَة من غلمانه فأخذوني يعذبوني أنوع الْعَذَاب فَلم أجد بُداً من طَلاقهَا فأعادني إِلَى السجْن فَمَكثت فِيهِ إِلَى ن انْقَضتْ عدتهَا فَتَزَوجهَا وَدخل بهَا وأطلقني وَقد أَتَيْتُك مستجيراً إِلَيْك ملتجئاً وَأنْشد // (من المجتث) //
(فِي القَلْبِ مِنِّيَ نَارُ ... وَالنَّارُ فِيها اسْتِعَارُ)
(وَالجسْمُ مِنِّى سَقِيمٌ ... فِيهِ الطَّبِيبُ يَحَارُ)
(وَفِي فؤادِيَ جَمْرٌ ... والْجَمرُ فِيهِ شَرارُ)
(والعيْن تنهلُّ دمعاً ... فَدَمْعُهَا مِدْرَارُ)
(وَلَيْسَ إِلَاّ بِربِّي ... ثُمَّ الأَمِيرِ انْتِصَارُ)
ثمَّ اضْطربَ واصطكت لحياه وَصَارَ مغشيا عَلَيْهِ وَأخذ يتلوى كالحية المقتولة فَلم سمع كَلَامه مُعَاوِيَة وإنشاده قَالَ تعدى وظلم بن الحكم فِي حُدُود الدّين واجترأ على حرم الْمُسلمين ثمَّ قَالَ وَالله يَا أَعْرَابِي لقد أتيتني بِحَدِيث لم أسمع بِمثلِهِ ثمَّ دَعَا بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس وَكتب إِلَى مَرْوَان بن الحكم قد بَلغنِي أَنَّك ظلمت واعتديت وَيَنْبَغِي لمن كَانَ والياً أَن يكف بَصَره عَن شهواته ثمَّ كتب إِلَيْهِ بعد كَلَام فَقَالَ // (من الْبَسِيط) //
(وَلِيتَ ويْحَك أمرا لَسْت تُدْرِكُهُ ... فَاسْتَغْفِرِ اللَّه مِنْ فِعْلِ امريٍء زَاني)
(وَقَدْ أَتَانَا الفَتَى الْمِسْكِينُ مُنْتَحِبًا ... يَشْكُو إِلَيْنَا بِبَثٍّ ثُمَّ أَحْزَانِ)
(أُعْطِي الإِلَهَ يَمِينًا لَا أُكَفِّرُهَا ... نعَمْ وأَبْرأُ من دينيِ وَدَيَّانِي)
(إِن أَنْتَ خالَفْتنِي فِيمَا كَتَبْتُ بِهِ ... لأَجْعَلَنَّكَ لَحْمًا بَيْن عقْبَانِ)
(طَلِّقْ سُعَاد وعَجِّلْهَا مُجَهَّزَةً ... مَعَ الكُمَيْتِ ومَعْ نَصْرِ بن ذبيانِ)
ثمَّ طوى الْكتاب وطبعه بِخَاتمِهِ واستدعى بالكميت وَنصر بن ذبيان وَكَانَ يستنهضهما للمهمات لأمانتهما فأخذا الْكتاب وقدما الْمَدِينَة وأسلما الْكتاب إِلَى مَرْوَان فَجعل يقْرَأ ويرتعد ويبكي وَأخْبر سعدى وَطَلقهَا وجهزها وصحبها الرّجلَانِ وَكتب إِلَى مُعَاوِيَة فصلا يَقُول فِيهِ // (من الْبَسِيط) //
стр. 1203
(لَا تعجَلنَّ أميرَ المؤمنينَ فقَدْ ... أوْفى بنذْرِكَ فِي رفْقٍ وإِحسانِ)
(وَمَا أَتَيْتُ حَرَامًا حينَ أعجبني ... فكَيْفَ أُدْعَى بإِسْمِ الخائِنِ الزانيِ)
(أُُعْذُرْ فإنَّكَ لَو أبصَرْتَها لَجَرتْ ... مِنْكَ الأمانِي على تِمْثَالِ إنسانِ)
(وسَوْفَ تَأْتِيكَ شَمْسٌ لَيْسَ يَعْدِلُهَا ... عِنْد الحقيقةِ مِنْ إِنْسٍ وَلَا جَانِ)
وَختم الْكتاب وَدفعه إِلَى الرسولين وَسلم إِلَيْهِمَا الْجَارِيَة فوصلوا إِلَى مُعَاوِيَة فَقَرَأَ الْكتاب ثمَّ قَالَ لقد أحسن فِي الطَّاعَة ثمَّ أَمر بإحضار الْجَارِيَة فَلَمَّا رَآهَا رأى صُورَة لم ير مثلهَا فخاطبها فَوَجَدَهَا فصيحة اللِّسَان عذبة الْمنطق فَقَالَ عَلَي بالأعرابي فَأتى بِهِ وَهُوَ على غَايَة من سوء الْحَال فَقَالَ يَا أَعْرَابِي هَل لَك عَنْهَا من سلو وأعيضك عَنهُ ثَلَاث جوَار نهد أَبْكَارًا مَعَ كل جَارِيَة ألف دِينَار وَأقسم لَك من بَيت لمَال فِي كل سنة مَا يَكْفِيك فَقل الْأَعرَابِي استجرت بعدلك من مَرْوَان فبمن أستجير من جورك ثمَّ أنْشد من // (الْبَسِيط) //
(لَا تجْعَلنِّي جَزَاكَ اللَّه مِنْ ملِكٍ ... كَالمُسْتَجِيرِ مِنَ الرَّمْضَا إِلَى النَّارِ)
(أُرْدُدْ سُعَادَ عَلَى حرَّانَ مُكْتَئِبٍ ... يُمْسي ويُصْبح فِي هَمٍّ وَتَذْكَارِ)
(أَطْلِقْ وثَاقي ولَا تَبْخَلْ عَلَيَّ بهَا ... فإِنْ فَعلْتَ فإِني غيْرُ كَفَّارِ)
وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أَعْطَيْتنِي مَا حوته الْخلَافَة مَا أَخَذته دون سعاد وَأَنْشَأَ يَقُول من // (الطَّوِيل) //
(أَبَي القلبُ إِلَاّ حُبَّ سُعْدَى وبُغِّضَتْ ... إِلَيَّ نساءٌ مَا لَهُنَّ ذُنُوبُ)
فَقَالَ مُعَاوِيَة يَا أَعْرَابِي إِنَّك مقرّ أَنَّك طَلقتهَا ومروان طَلقهَا وَنحن نخيرها فَإِن اخْتَارَتْ سواك زوجناها قَالَ افْعَل فَقَالَ مُعَاوِيَة مَا تَقُولِينَ أَيّمَا أحبُّ إِلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي عِزهِ وشرفه وسلطانه أَو مَرْوَان بن الحكم فِي عسفه وجوره أَو هَذَا الْأَعرَابِي فِي جوعه وَفَقره فأنشدت من // (الْبَسِيط) //
(هَذَا وَإِنْ كَانَ فِي جُوعٍ وإِضْرارِ ... أَعَزُّ عِنْدِيَ مِنْ قَوْمِي ومِنْ جارِي)
(وَصَاحِبِ التَّاجِ أَو مرْوَانَ عامِلِهِ ... وَكُلِّ ذِي دِرْهَمٍ عِنْدِي وَدِينارِ)
ثمَّ قالتَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا أَنا بخاذلته لحادثة الزَّمَان وَلَا لغدرة الْأَيَّام فَإِن لي مَعَه صُحْبَة قديمَة لَا تُنْسَى ومحبة لَا تبلَى فَأَنا أَحَق من صَبر مَعَه فِي الضراء كَمَا تنعمت مَعَه فِي السَّرَّاء فَعجب مُعَاوِيَة من عقلهَا ومروءتها وموافاتها
стр. 1204
وَأمر لَهَا بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وردهَا إِلَى الْأَعرَابِي بِعقد صَحِيح انْتَهَت قَالَ ابْن سعد فِي الطَّبَقَات افتخر الْحسن بن عَليّ فِي مجْلِس مُعَاوِيَة فَقَالَ أَنا ابْن مَاء السَّمَاء وعروق الثرى وَابْن من سَاد أهل الدُّنْيَا بالحسب الثاقب والشرف الْفَائِق والقدم السَّابِق أَن ابْن من لرضاه رَضِي الرَّحْمَن ثمَّ رد وَجهه للخصم فَقَالَ هَل لَك أَب كَأبي أَو قديم كقديمي فَإِن تَقُلْ لَا تُغْلَبْ وَإِن تقل نعم تكذب فَقَالَ الْخصم لَا تَصْدِيقًا لِقَوْلِك فَقَالَ سيدنَا الْحسن من // (الْكَامِل) //
(أَلْحَقُّ أَبْلَجُ لَا تَزِيغُ سَبِيلُهُ ... والحقُّ تَعْرِفُهُ أَولُو الأَلْبَابِ)
وَقَالَ مُعَاوِيَة يومَاً وَعِنْده أَشْرَاف النَّاس من قُرَيْش وَغَيرهم أخبروني بأكرم لناس أَبَا وَأما وَعَما وعمَّة وخالَا وَخَالَة وجدا وجدةَ فَقَامَ مَالك بن العجلان وَأَوْمَأَ إِلَى الْحسن فَقَالَ هَا هُوَ ذَا ابْن عَليّ بن أبي طَالب وَأمه فَاطِمَة بنت رَسُول الله
وَعَمه جَعْفَر الطيار وَعَمَّته أم هَانِئ بنت أبي طَالب وخاله لقاسم ابْن رَسُول الله
وجده رَسُول الله وجدته خَدِيجَة بنت خويلد فَسكت الْقَوْم ونهض الْحسن فَقَامَ رجل من بني سهم فأنبَ ابْن العجلان على مقَالَته فَقَالَ ابْن العجلان مَا قلتُ إِلَّا حقُّاً وَمَا أحد من النَّاس يطْلب مرضات مَخْلُوق بِمَعْصِيَة الْخَالِق إِلَّا لم يُعْطه الله أمْنِيته فِي دُنْيَاهُ وَلم يخْتم لَهُ إِلَّا بالشقاء فِي أخراه بَنو هَاشم أرواكم عوداً وأوراكم زنداً كَذَلِك يَا مُعَاوِيَة فَقَالَ اللَّهُمَّ نعم
(عهد مُعَاوِيَة لِابْنِهِ يزِيد بالخلافة)
ذكر ابْن الْجَوْزِيّ بِسَنَدِهِ قَالَ قَدِمَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة على مُعَاوِيَة فَشَكا إِلَيْهِ الضعْف واستعفاه فأعفاه وَأَرَادَ أَن يولي سعيد بن الْعَاصِ وَقَالَ أصحب الْمُغيرَة للْمُغِيرَة إِن مُعَاوِيَة قلاك فَقَالَ لَهُم رويدا ونهض إِلَى يزِيد وَعرض لَهُ الْبيعَة وَقَالَ ذهب أَعْيَان الصَّحَابَة وكبراء قُرَيْش وذَوُو أسنانهم وَإِنَّمَا بَقِي أبناؤهم وَأَنت مني أفضلهم وَأَحْسَنهمْ رَأيا وسياسة وَمَا أَدْرِي مَا أيمنع أَمِير الْمُؤمنِينَ من العَقْدِ لَك فأَدْلَى ذَلِك يزِيد إِلَى أَبِيه فاستدعاه وفاوضه فِي ذَلِك فَقَالَ قد رَأَيْت مَا كَانَ من الِاخْتِلَاف وَسَفك الدِّمَاء بعد عُثْمَان وَفِي يزِيد ابْنك خلف فاعقد لَهُ يكون كهفاً للنَّاس بعْدك فَلَا يكون فتْنَة وَلَا سفك للدماء وَأَنا أكفيك لكوفة وَيَكْفِيك زِيَاد
стр. 1205
الْبَصْرَة فَرد مُعَاوِيَة الْمُغيرَة إِلَى الْكُوفَة وَأمره أَن يعْمل فِي بيعَة يزِيد فَقدم الْكُوفَة وَذكر من يرجع إِلَيْهِ من شيعَة بني أُميَّة فَأَجَابُوا وأوفد مِنْهُم جمَاعَة مَعَ ابْنه مُوسَى ابْن الْمُغيرَة فدعوا مُعَاوِيَة إِلَى بيعَة يزِيد فَقَالَ وَقد رضيتموه قَالُوا نعم نَحن وَمن وَرَاءَنَا فَقَالَ نَنْظُر مَا قدمتم لَهُ وَيَقْضِي الله أمره والأناة خير من العجلة ثمَّ كتب إِلَى زِيَاد يستشيره فنكر زِيَاد ذَلِك وَأعظم أَن يُكَاتب فِيهِ واستدعى عبد الله بن كَعْب النميري وَكَانَت لَهُ صحابة وَله بِهِ ثِقَة وَقَالَ لَهُ دعوتك لأمر اتهمت عَلَيْهِ بطُون الصحُفِ إِن مُعَاوِيَة كتب إِلَى أَن أجمع النَّاس على بيعَة يزِيد وَهُوَ يتخوف نفرة النَّاس ويرجو مطابقتهم ويستشيرني وعلاقة أَمر الْإِسْلَام وضمانه عَظِيم وَيزِيد صَاحب رسلة وتهاون فِيمَا أولع بِهِ من الصَّيْد فالق مُعَاوِيَة مُؤديا عني وَأخْبرهُ عَن فعلات يزِيد وَقل لَهُ رويدك بِالْأَمر فقمن أَن يتم لَك مَا تُرِيدُ وَلَا تعجل فَقَالَ لَهُ عبيد الله بن كَعْب لَا تفْسد على مُعَاوِيَة رَأْيه وَلَا تمقت إِلَيْهِ ابْنه وَأَنا ألْقى يزِيد فِي سر من مُعَاوِيَة فَأخْبرهُ عَنْك بِكِتَاب مُعَاوِيَة إِلَيْك يستشيرك فِي بيعَته وَأَنَّك تتخوف خلاف النَّاس لما ينقمون عَلَيْك وَأَنَّك ترى لَهُ ترك مَا ينقمون عَلَيْهِ لتستحكم الْحجَّة على النَّاس ويسهل الْأَمر وَفِي ذَلِك نصح يزِيد ورضا مُعَاوِيَة والسلامة عَن دَرك الْأمة فَقَالَ لَهُ زِيَاد لقد رميت الْأَمر بحجره اشخص علَى بركَة الله وَكتب زِيَاد إِلَى مُعَاوِيَة يَأْمُرهُ بالتؤدة وَألا يعجل فَقبل ذَلِك مُعَاوِيَة وَبلغ عبيد الله بن كَعْب وَصِيَّة زِيَاد إِلَى يزِيد فَكف عَن كثير مِمَّا كَانَ يصنع فَلَمَّا مَاتَ زِيَاد اعتزم مُعَاوِيَة على الْعَهْد ليزِيد وَقَرَأَ كِتَابه على النَّاس باستخلافه يزِيد إِن حدث بِهِ حدث المَوت فيزيد ولي عَهده فاستوثق لَهُ النَّاس على الْبيعَة ليزِيد غير خَمْسَة نفر الْحُسَيْن بن عَليّ وَابْن عمر وَابْن الزبير وَابْن عَبَّاس وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر فحج مُعَاوِيَة سنة إِحْدَى وَخمسين فَلَمَّا قدم مَكَّة بعث عَن الْحُسَيْن وَقَالَ يَا بن أخي قد استوثق النَّاس لهَذَا الْأَمر غير خَمْسَة نفر أَنْت تقودهم فَمَا إربك إِلَى هَذَا الْخلاف قَالَ الْحُسَيْن أرسل إِلَيْهِم فَإِن بَايعُوا فَأَنا مِنْهُم وَلَا تعجل
стр. 1206
عَليّ فعاهده مُعَاوِيَة على الكتمان ثمَّ بعث عَن ابْن الزبير فَأَجَابَهُ بِمثل مَا أجَاب الْحُسَيْن وَطَلَبه الْعَهْد فَأبى وَخرج ثمَّ بعث عَن ابْن عمر فَأَجَابَهُ بِمثل كَلَامهمَا وألان لَهُ القَوْل بعض اللين بِأَن قَالَ أَخَاف أَن أدع الْأمة كالضأن لَا راعي لَهَا فَقَالَ لَهُ ابْن عمر أُبَايِعك على أَنِّي أَدخل بعْدك فِيمَا تَجْتَمِع عَلَيْهِ الْأمة فوَاللَّه لَو اجْتَمعُوا بعْدك على عبد حبشِي لدخلتُ مَعَهم وَخرج فأغلق بَابه وَلم يَأْذَن لأحد ثمَّ بعث مُعَاوِيَة عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق فَقَالَ لَهُ بأية يَد أَو رجل تُقدِمُ على معصيتي فَقَالَ عبد الرَّحْمَن أَرْجُو أَن يكون ذَلِك خيرا لي فَقَالَ مُعَاوِيَة وَالله لقد هممتُ أَن أَقْتلك قَالَ عبد الرَّحْمَن لَو فعلت لأخذك الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلم يذكر ابْن عَبَّاس وَقد ذكر فِي كَيْفيَّة هَذَا الحَدِيث طَرِيق غير هَذَا ذكره الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخه دوَل الْإِسْلَام أَحْبَبْت إِيرَاده لاشْتِمَاله على زِيَادَة علم وَنَصه روى النُّعْمَان بن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ عَن ذكْوَان مولى عَائِشَة قَالَ لما أجمع مُعَاوِيَة على أَن يُبَايع لِابْنِهِ يزِيد حج فَقدم مَكَّة فِي نَحْو من ألف رجل فَلَمَّا دنا من الْمَدِينَة خرج ابْن عمر وَابْن الزبير وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر فَلَمَّا قدم مُعَاوِيَة الْمَدِينَة صعد الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ ذكر ابْنه يزِيد فَقَالَ من أَحَق بِهَذَا الْأَمر مِنْهُ ثمَّ ارتحل فَقدم مَكَّة فَقضى طَوَافه وَدخل منزله فَبعث إِلَى ابْن عمر فَتشهد وَقَالَ أما بعد يَا بن عمر إِنَّك كنت تُحَدِّثنِي أَنَّك لَا تحب تبيت لَيْلَة سَوْدَاء لَيْسَ عَلَيْك فِيهَا أَمِير وَأَنا أحذرك أَن تشق عَصا الْمُسلمين أَو تسْعَى فِي فَسَاد ذَات بَينهم فَقَامَ ابْن عمر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أما بعد فَإنَّك كَانَت قبلك خلفاء لَهُم أَبنَاء لَيْسَ ابْنك بِخَير من أبنائهم فَلم يرَوا فِي أبنائهم مَا رَأَيْت فِي ابْنك وَلَكنهُمْ اخْتَارُوا للْمُسلمين حَيْثُ علمُوا الْخِيَار وَإنَّك تحذرني أَن أشق عَصا الْمُسلمين وَلم أكن لأَفْعَل إِنَّمَا أَنا رجل من الْمُسلمين فَإِذا اجْتَمعُوا على أَمر فَإِنَّمَا أَنا رجل مِنْهُم فَقَالَ مُعَاوِيَة يَرْحَمك الله فَخرج ابْن عمر ثمَّ أرسل إِلَى ابْن أبي بكر فَتشهد ثمَّ أَخذ فِي الْكَلَام فَقطع عبد الرَّحْمَن عَلَيْهِ كَلَامه فَقَالَ إِنَّك وَالله لَوَدِدْت
стр. 1207
أَنا وكلناك فِي أَمر ابْنك إِلَى الله وَإِنَّا وَالله لَا نَفْعل وَالله لتردن هَذَا الْأَمر شُورَى فِي الْمُسلمين أَو لنردنها عَلَيْهِ جَذَعَة ثمَّ وثب وَمضى فَقَالَ مُعَاوِيَة اللَّهُمَّ اكفنيه بِمَا شِئْت ثمَّ قَالَ على رسلكَ أَيهَا الرجلُ لَا تشرفن على أهل الشَّام فَإِنِّي أَخَاف أَن يسبقوني بِنَفْسِك حَتَّى أخبر الْعَشِيرَة أَنَّك قد بَايَعت ثمَّ كن علَى مَا بدا لَك من أَمرك ثمَّ أرسل إِلَى ابْن الزبير فَقَالَ يَا بن الزبير إِنَّمَا أَنْت ثَعْلَب رواغ كلما خرج من جُحر دخل آخر وَإنَّك عَمَدت إِلَى هذَيْن الرجلَيْن فنفخت فِي مناخيرهما وحملتهما على غر رأيهما فَقَالَ ابْن الزبير إِن كنت قد مللت الْإِمَارَة فَاعْتَزلهَا وهلم ابْنك فلنبايعه أَرَأَيْت إِذا بَايعنَا ابْنك مَعَك لأيكما نسْمع ونطيع لَا نجمع الْبيعَة لَكمَا أبدا ثمَّ رَاح وَصعد مُعَاوِيَة الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ إِنَّا وجدنَا أَحَادِيث النَّاس ذَات عوار زَعَمُوا أَن ابْن عمر وَابْن أبي بكر وَابْن الزبير لم يبايعوا يزيدَ وَقد سمعُوا وأطاعوا وَبَايَعُوا فَقَالَ أهل الشَّام وَالله لَا نرضى حَتَّى يبايعوا على رُءُوس الأشهاد وَإِلَّا ضربنا أَعْنَاقهم فَقَالَا مُعَاوِيَة سُبْحَانَ الله مَا أسْرع النَّاس إِلَى قُرَيْش بِالشَّرِّ لَا أسمع هَذِه الْمقَالة من أحد مِنْكُم بعد الْيَوْم ثمَّ نزل فَقَالَ النَّاس بَايع ابْن عمر وَابْن الزبير وَابْن أبي بكر وهم يَقُولُونَ لَا وَالله مَا بَايعنَا فَيَقُول النَّاس بلَى وارتحل مُعَاوِيَة فلحق بِالشَّام وَقَالَ جوَيْرِية بن أَسمَاء سمعتُ أشياخَ المدينةِ يحدثُونَ أَن مُعَاوِيَة لما رَحل عَن مر دَاخِلا مَكَّة قَالَ لصَاحب حرسه لَا تدع أحدا يسير معي إِلَّا من حَملته أَنا فَخرج يسير وَحده حَتَّى إِذا كَانَ وسط الْأَرَاك لقِيه الْحُسَيْن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ فَوقف وَقَالَ مرْحَبًا وَأهلا بِابْن ابْنة رَسُول الله
وَسيد شباب الْمُسلمين دَابَّة لأبي عبد الله يركبهَا فَأتى ببرذون فتحول عَلَيْهِ ثمَّ طلع عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر فَقَالَ مُعَاوِيَة مرْحَبًا وَأهلا بشيخ قُرَيْش وسيدها وَابْن صديق الْأمة دَابَّة لأبي مُحَمَّد فَأتى ببرذون فَركب ثمَّ طلع ابْن عمر فَقَالَ مرْحَبًا
стр. 1208
وَأهلا بِصَاحِب رَسُول الله
وَابْن الْفَارُوق فَدَعَا لَهُ بِدَابَّة فركبها ثمَّ طلع ابْن الزبير فَقَالَ مرْحَبًا بِابْن حوارِي رَسُول الله
وَابْن عمَّة رَسُول الله
ثمَّ دَعَا بِدَابَّة فركبها ثمَّ أقبل مُعَاوِيَة يسير بَينهم لَا يسايره غَيرهم حَتَّى دخل مَكَّة ثمَّ كَانُوا أول دَاخل عَلَيْهِ وَآخر خَارج وَلَيْسَ لَهُم صباح إِلَّا وَلَهُم حباء وكرامة وَلَا تعرَّض لَهُم بِذكر شَيْء حَتَّى قضى نُسكه وترحلت أثقاله وَقرب مسيره فَأقبل بعض الْقَوْم على بعض فَقَالَ أَيهَا الْقَوْم لَا تخدعوا إِنَّه وَالله مَا صنع بكم مَا صنع لِحُبِّكُمْ وَلَا لكرامتكم وَلَا صنعه إِلَّا لما يُرِيد فأعدوا لَهُ جَوَابا فَأَقْبَلُوا على الْحُسَيْن فَقَالُوا أَنْت يَا أَبَا عبد الله فَقَالَ وَفِيكُمْ شيخ قُرَيْش وسيدها هُوَ أَحَق بالْكلَام فَقَالُوا لعبد الرَّحْمَن يَا أَبَا مُحَمَّد قَالَ لست هُنَاكَ وَفِيكُمْ صَاحب رَسُول الله
وَسيد الْمُسلمين فَقَالُوا لِابْنِ عمر أَنْت قَالَ لست بصاحبكم وَلَكِن ولوا الْكَلَام ابْن الزبير قَالَ نعم إِن أعطيتموني عهودكم أَلا تخالفوني كفيتكم الرجل قَالُوا ذَاك لَك قَالَ فَأذن لَهُم مُعَاوِيَة فَدَخَلُوا فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ قد علمْتُم مسيري فِيكُم وصلتي لأرحامكم وصفحي عَنْكُم وَيزِيد أخوكم وَابْن عمكم وَأحسن النَّاس فِيكُم رَأيا وَإِنَّمَا أردْت أَن تقدموه باسم الْخلَافَة وتكونون أَنْتُم الَّذين تنزعون وتؤمرون وتقسمون فَسَكَتُوا فَقَالَ أَلا تُجِيبُونِي فَسَكَتُوا فَأقبل على ابْن الزبير فَقَالَ هَات يَا ابْن الزبير فَإنَّك لعمري صاحبُ خطْبَة الْقَوْم قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ نخيرك ثَلَاث خِصَال أَيهَا مَا أخذت فَهُوَ لَك قَالَ لله أَبوك اعرضهُن قَالَ إِن شِئْت اصْنَع مَا صنع رَسُول الله
وَإِن شِئْت اصْنَع مَا صنع أَبُو بكر وَإِن شِئْت اصْنَع مَا صنع عمر قَالَ مُعَاوِيَة مَا صَنَعُوا قَالَ ابْن الزبير قبض رَسُول الله
وَلم يعْهَد عَهده وَلم يسْتَخْلف أحدا فارتضى الْمُسلمُونَ أَبَا بكر فَقَالَ مُعَاوِيَة إِنَّه لَيْسَ فِيكُم الْيَوْم مثل أبي بكر فَإِن أَبَا بكر رجل تقطع دونه الْأَعْنَاق وَإِنِّي لست آمن عَلَيْكُم الِاخْتِلَاف قَالَ ابْن الزبير صدقت وَالله مَا تحب أَن تدعنا فَاصْنَعْ مَا صنع أَبُو بكر قَالَ مُعَاوِيَة لله أَبوك مَا صنع أَبُو بكر
стр. 1209
قَالَ عهد إِلَى رجل من قاصية قُرَيْش لَيْسَ من رهطه فاستخلفه فَإِن شِئْت أَن تنظر أَي الرجل من قُرَيْش لَيْسَ من بني عبد شمس فترضى بِهِ قَالَ مُعَاوِيَة فالثالثة مَا هِيَ قَالَ تصنع مَا صنع عمر قَالَ وَمَا صنع قَالَ جعل الْأَمر شُورَى فِي سِتَّة لَيْسَ فيهم أحد من وَلَده وَلَا من بني أَبِيه وَلَا من رهطه قَالَ مُعَاوِيَة فَهَل عنْدك غير هَذَا قَالَ لَا قَالَ فَأنْتم قَالُوا وَنحن أَيْضا فَقَالَ أما إِنِّي قد أَحْبَبْت أَن أتقدم إِلَيْكُم أَنه قد أعذر من أنذر وَأَنه كَانَ يقوم الْقَائِم مِنْكُم إِلَيّ فيكذبني على رُءُوس النَّاس فأحتمل ذَلِك لَهُ وَإِنِّي قَائِم بنقالة إِن صدقت فِي صدقي وَإِن كذبت فلي كذبي وَإِنِّي أقسم بِاللَّه لَئِن رد على إِنْسَان مِنْكُم كلمة فِي مقَامي هَذَا لَا ترجع إِلَيْهِ كَلمته حَتَّى يسْبق إِلى رَأسه فَلَا يَرعَيَن رجل إِلَّا على نَفسه ثمَّ دَعَا صَاحب حرسه فَقَالَ أقِم على رَأس كل رجل من هَؤُلَاءِ رجلَيْنِ فَإِن ذهب رجل يرد على كلمة فِي مقَامي هَذَا فليضرب عُنُقه ثمَّ خرج وَخَرجُوا مَعَه حَتَّى رقي الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ إِن هَؤُلَاءِ الرَّهْط سادة الْمُسلمين وخيارهم لَا يُستبد بِأَمْر دونهم وَلَا يقْضى أَمر إِلَّا عَن مشورتهم وَإِنَّهُم قد رَضوا وَبَايَعُوا ليزِيد ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ من بعده فَبَايعُوا باسم الله قَالَ فَضربُوا على يَده بالمبايعة ثمَّ جلس على رواحله وَانْصَرف النَّاس
(وَفَاة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان)
ذكر غير وَاحِد أَنه لما ثقل فِي الضعْف وتحدث النَّاس أَنه الْمَوْت قَالَ لأَهله احشوا عَيْني إثمداً وأوسعوا رَأْسِي دهناً فَفَعَلُوا وبرقوا وَجهه بالدهن ثمَّ مهدوا لَهُ مَجْلِسا وأسندوه فَأذن للنَّاس فَدَخَلُوا وسلموا عَلَيْهِ قيَاما فَلَمَّا خَرجُوا من عِنْده أنْشد قَائِلا من // (الْكَامِل) //
(وَتَجَلُّدِي للِشَّامِيِينَ أُرِيهِمُ ... أَنَّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ)
فَسَمعهُ رجل من العلويين فَأَجَابَهُ يَقُول من // (الْكَامِل) //
(وَإِذَا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا ... أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ)
стр. 1210
وَكَانَ قد خطب النَّاس قبل مَوته فَقَالَ إِنِّي كزرع مستحصد وَقد طَالَتْ إمارتي عَلَيْكُم حَتَّى مللتكم ومللتموني وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي وَلنْ يأتيكم بعدِي إِلَّا من أَنا خير مِنْهُ كَمَا كَانَ من قبلي خيرَاً منى وَقد قيل من أحب لِقَاء الله أَحب الله لقاءه اللَّهُمَّ إِنِّي قد أحببتُ لقاءك فأحبب لقائي وَبَارك لي فِيهِ فَلم يمض قَلِيل حَتَّى ابْتَدَأَ بِهِ مَرضه فَدَعَا ابْنه يزِيد وَقَالَ يَا بني إِنِّي قد كفيتك الرحلة ووطأت لَك الْأُمُور وأخضعت لَك رِقَاب الْعَرَب وجمعت لَك مَا لم يجمع أحد وَإِنِّي أَخَاف عَلَيْك أَن ينازعك هَذَا الْأَمر الَّذِي استتب لَك إِلَّا أَرْبَعَة نفر من قُرَيْش الْحُسَيْن بن عَليّ وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن الزبير وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر فَأَما ابْن عمر فَرجل قد وقذته الْعِبَادَة وَإِذا لم يبْق غَيره بَايَعَك وَأما الْحُسَيْن فَإِن أهل الْعرَاق لن يَدعُوهُ حَتَّى يخرجوه فَإِن خرج عَلَيْك فظفرت بِهِ فاصفح عَنهُ فَإِن لَهُ رحما ماسة وَحقا عَظِيما وَأما ابْن أبي بكر فَإِن رَأْي أَصْحَابه صَنَعُوا شَيْئا صنع مثله وَلَيْسَ لَهُ همة إِلَّا فِي النِّسَاء وَأما الَّذِي يجثم لَك جثوم الْأسد ويراوغك روغان الثَّعْلَب فَإِذا أمكنته فرْصَة وثب فَذَاك ابْن الزبير فَإِن هُوَ فعلهَا بك وَقد فزت عَلَيْهِ فَقَطعه إرباً إرباً هَذَا حَدِيث الطَّبَرِيّ عَن هِشَام وَله عَن هِشَام من طَرِيق آخر قَالَ لما حضرت مُعَاوِيَة الْوَفَاة سنة سِتِّينَ كَانَ يزِيد غَائِبا بِبَيْت الْمُقَدّس فَدَعَا بِالضحاكِ بن قيس الفِهري وَكَانَ صَاحب شرطته وَمُسلم بن عقبَة المري فَقَالَ أبلغا يزِيد وصيتي انْظُر أهل الْحجاز فَإِنَّهُم أصلك وَأكْرم من قدم عَلَيْك مِنْهُم وتعاهد من غَابَ وَانْظُر أهل الْعرَاق فَإِن سألوك أَن تعزل عَنْهُم كل يَوْم عَاملا فافعل فَإِن عزل عَامل أخف من أَن يشهر عَلَيْك مائَة ألف سيف وَانْظُر أهل الشَّام فليكونوا بطاتنك وعيبتك وَإِن رَابَك شَيْء من عَدوك فانتصر بهم فَإِذا أصبْتُم فاردد أهل الشَّام إِلَى بِلَادهمْ فَإِنَّهُم إِن أَقَامُوا بِغَيْر بِلَادهمْ تَغَيَّرت أَخْلَاقهم وَلست أَخَاف عَلَيْك من قُرَيْش إِلَّا ثَلَاثَة وَلم يذكر فِي هَذَا الطَّرِيق عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر فنقص ذكره من الْأَرْبَعَة السَّابِق ذكرهم
стр. 1211
وَقَالَ فِي ابْن عمر قد وقذه الدّين فَلَيْسَ بملتمس شَيْئا قبلك وَقَالَ فِي الْحُسَيْن وَلَو أَنِّي صَاحبه عَفَوْت عَنهُ وَأَنا أَرْجُو أَن يكفيكه الله بِمن قتل أَبَاهُ وخذل أَخَاهُ وَقَالَ فِي ابْن الزبير إِذا شخص إِلَيْك فالبد لَهُ إِلَّا يلْتَمس مِنْك صلحا فاقبل واحقن دِمَاء قَوْمك مَا اسْتَطَعْت وَكَانَت وَفَاة مُعَاوِيَة منتصف رَجَب سنة سِتِّينَ وَقيل جُمَادَى الْآخِرَة لتسْع عشرَة سنة وَأشهر من ولَايَته وَكَانَ على خَاتمه عبد الله بن حُصَيْن الْحِمْيَرِي وَهُوَ أول من اتخذ ديوَان الْخَاتم وَكَانَ سَببه أَنه أَمر لعَمْرو بن الزبير بِمِائَة ألف دِرْهَم وَكتب بذلك كتابا إِلَى زِيَاد بالعراق ففض عَمْرو الْكتاب وصير الْمِائَة مِائَتَيْنِ فَلَمَّا رفع زِيَاد حسابه أنكر مُعَاوِيَة وَأخذ عمرَاً بردهَا وحبسه فأدَّاهَا عَنهُ أَخُوهُ عبد الله بن الزبير فأحدث عِنْد ذَلِك ديوَان الْخَاتم
(صفة مُعَاوِيَة)
كَانَ رجلا أَبيض جميلا إِذا ضحك انقلبت شفته الْعليا وَكَانَ يخضب بالصفرة قَالَ أَبُو عبد رب الدِّمَشْقِي رَأَيْت مُعَاوِيَة يصفر لحيته كَأَنَّهَا الذَّهَب وَعَن إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن قارظ قَالَ سَمِعت مُعَاوِيَة على مِنْبَر الْمَدِينَة يَقُول أَيْن فقهاؤكم يَا أهل الْمَدِينَة سَمِعت رَسُول الله
ينْهَى عَن هَذِه الْقِصَّة ثمَّ وَضعهَا على رَأسه أَو خَدّه فَلم أر على عروس وَلَا على غَيرهَا أبهَى مِنْهَا على مُعَاوِيَة
(ذكر مناقبه)
ذكر الْمفضل الْغلابِي أَن زيد بن ثَابت كَانَ كَاتب وَحي رَسُول الله
وَكَانَ مُعَاوِيَة كَاتبه فِيمَا بَينه وَبَين الْعَرَب كَذَا قَالَ
стр. 1212
وَقد صَحَّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كنت أَلعَب فدعاني رَسُول الله
وَقَالَ ادْع لي مُعَاوِيَة وَكَانَ يكْتب الْوَحْي وَقَالَ مُعَاوِيَة بن صَالح عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة سَمِعت رَسُول الله
وَهُوَ يَدْعُونَا إِلَى السّحُور هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاء الْمُبَارك ثمَّ سمعته يَقُول اللَّهُمَّ علم مُعَاوِيَة الْكتاب والحساب وقه الْعَذَاب رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وروى عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي عميرَة الْمُزنِيّ وَكَانَ من أَصْحَاب النَّبِي
أَن النَّبِي
قَالَ لمعاوية اللَّهُمَّ علمه الْكتاب والحساب وقه الْعَذَاب وروى عبد الرَّحْمَن بن أبي عميرَة أَيْضا يَقُول سَمِعت رَسُول الله
يَقُول لمعاوية اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هاديَاً مهدياً واهده واهد بِهِ رَوَاهُ الْوَلِيد بن مُسلم وَأَبُو مسْهر عَن سعيد نَحوه وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن الذهلي عَن أبي مسْهر وروى نعيم بن حَمَّاد بِسَنَدِهِ عَن يُونُس بن ميسرَة عَن عبد اللَه بن بسر أَن رَسُول الله
اسْتَأْذن أَبَا بكر وَعمر فِي أَمر فَقَالَ أشيرا عَلَي فَقَالَا الله وَرَسُوله أعلم فَقَالَ ادْعُوَا مُعَاوِيَة وأحضراه أمركما فَإِنَّهُ قوي أَمِين وروى عَن وَحشِي بن حَرْب بن وَحشِي عَن أَبِيه عَن جده قَالَ أردفَ رَسُول الله
مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان خَلفه فَقَالَ مَا يليني مِنْك قَالَ بَطْني قَالَ اللَّهُمَّ املأه علما وَقَالَ خَليفَة جمع عمر لمعاوية الشَّام كُله ثمَّ أقره عُثْمَان
стр. 1213
وَقَالَ مُسلم بن جُنْدُب عَن أسلم مولى عمر قَالَ قدم علينا مُعَاوِيَة وَهُوَ أَبَضُّ النَّاس وأجملهم فحج مَعَ عمر وَكَانَ عمر ينظر إِلَيْهِ فيعجب لَهُ ثمَّ يضع إصبعه على مَتنه ويرفعها عَن مثل الشرَاك وَيَقُول بخ بخ نَحن إِذن خير النَّاس أَن جمع لنا خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَقَالَ مُعَاوِيَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ سأحدثك إِنَّا بِأَرْض الحمامات والريف فَقَالَ لَهُ عمر سأحدثك مَا بك إلطافك نَفسك بأطيب الطَّعَام وتضحيك حَتَّى تضرب الشَّمْس منكبيك وذوو الْحَاجَات وَرَاء الْبَاب قَالَ أسلم فَلَمَّا جِئْنَا ذَا طوى أخرج مُعَاوِيَة حلَّة فلبسها فَوجدَ عمر مِنْهَا رَائِحَة طيبَة فَقَالَ عمر يعمد أحدكُم يخرج حَاجا تَفِلا حَتَّى إِذا جَاءَ أعظم بلدان الله أخرج ثوبيه كَأَنَّهُمَا كَانَا فِي الطّيب فيلبسهما فَقَالَ مُعَاوِيَة إِنَّمَا لبستهما لأَدخُلَ فيهمَا على عشيرتي وَالله لقد بَلغنِي أذاك هَهُنَا وبالشام الله يعلم أَنِّي لقد عرفت الْحيَاء فِيهِ وَنزع مُعَاوِيَة الثَّوْبَيْنِ وَلبس ثوبيه اللَّذين أحرم فيهمَا وَقَالَ أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي كَانَ عمر إِذا نظر إِلَى مُعَاوِيَة قَالَ هَذَا كسْرَى الْعَرَب وَقَالَ مُجَاهِد عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ قَالَ لَا تكْرهُوا إمرة مُعَاوِيَة فَإِنَّكُم لَو فقدتموه رَأَيْتُمْ الرُّءُوس تندر عَن كواهلها وروى عَلْقَمَة بن أبي عَلْقَمَة عَن أمه قَالَت قدم مُعَاوِيَة الْمَدِينَة فَأرْسل إِلَى عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن أرسلي إِلي بأنجانية رَسُول الله
وشعره فَأرْسلت بذلك معي أحملهُ فَأخذ الأنبجانية فلبسها وَغسل الشّعْر بِمَاء فَشرب مِنْهُ وأفاض على جلده
стр. 1214
وروى أَبُو بكر الْهُذلِيّ عَن الشّعبِيّ قَالَ لما قدم مُعَاوِيَة الْمَدِينَة عَام الْجَمَاعَة يَعْنِي عَام أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة تَلَقَّتْهُ رجال قُرَيْش فَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي أعز نصرك وَأَعْلَى أَمرك فَمَا رد عَلَيْهِم جَوَابا حَتَّى دخل الْمَدِينَة فعلا الْمِنْبَر ثمَّ حمد الله وَقَالَ أما بعد فَإِنِّي وَالله مَا وليت أَمركُم إِلَّا وَأَنا أعلم أَنكُمْ لَا تسرون بولايتي وَلَا تحبونها وَإِنِّي لعالم بِمَا فِي نفوسكم وَلَكِنِّي خالستكم بسيفي هَذَا مخالسة وَلَقَد رمت على عمل ابْن أبي قُحَافَة فَلم أَجدهَا تقوم بذلك وأردتها على عمل عمر فَكَانَت عَنهُ أَشد نفوراً وحاولتها على مثل سنياتِ عُثْمَان فَأَبت عَليّ وَأَيْنَ مثل هَؤُلَاءِ هَيْهَات أَن يدْرك أحد فَضلهمْ من بعدهمْ غير أَنِّي سلكت بهَا طَرِيقا لي فِيهِ مَنْفَعَة وَلكم فِيهِ مثل ذَلِك وَلكُل فِيهِ مؤاكلة حَسَنَة ومشاربة جميلَة وَمَا استقامت السِّيرَة وَحسنت الطَّاعَة فَإِن لم تجدوني خَيركُمْ فَأَنا خير لكم وَالله لَا أحمل السَّيْف على من لَا سيف مَعَه وَمهما تقدم مِمَّا قد علمتموه فقد جعلته دبر أُذُنِي وَإِن لم تجدوني أقوم بحقكم كُله فارضوا مني بِبَعْضِه فَإِنَّهَا لقائبة قوبها وَإِن السَّيْل إِذا جَاءَ تترى وَإِن قل أغْنى وَإِيَّاكُم والفتنة فَلَا تهموا بهَا فَإِنَّهَا تفْسد الْمَعيشَة وتكدر النِّعْمَة وتورث الاستئصال وَأَسْتَغْفِر الله لي وَلكم وَنزل قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي دوَل الْإِسْلَام قَالَ جندل بن والق وَغَيره
حَدثنَا مُحَمَّد ابْن بشر حَدثنَا مجَالد عَن أبي الوداك عَن أبي سعيد قَالَ قَالَ رَسُول الله
إِذا رَأَيْتُمْ مُعَاوِيَة على منبري فَاقْتُلُوهُ مجَالد ضَعِيف وَقد رَوَاهُ النَّاس عَن عَليّ بن زيد بن جدعَان وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ عَن أبي نَضرة عَن أبي سعيد فَذكره وروى عَن أبي بكر بن دَاوُد قَالَ هُوَ مُعَاوِيَة بن تابوه رَأس الْمُنَافِقين حلف أَن
стр. 1215
يتغوَط فَوق الْمِنْبَر الشريف وَقَالَ بسر بن سعيد عَن سعد بن أبي وَقاص قَالَ مَا رأيتُ أحدا بعد عُثْمَان أقضَى بِحَق من صَاحب هَذَا الْبَاب يَعْنِي مُعَاوِيَة وَعَن أبي بكر بن أبي مَرْيَم عَن ثَابت مولى أبي سُفْيَان أَنه سمع مُعَاوِيَة يخطُبُ وَيَقُول إِنِّي لست بِخَيْرِكُمْ وَإِن فِيكُم من هُوَ خير مني عبد الله بن عمر وَعبد الله ابْن عَمْرو وَغَيرهمَا من الأفاضل وَلَكِنِّي حسبت أَن أكونَ أَنْكَاكم فِي عَدوكُمْ وأنفعكم ولَايَة وَأَحْسَنُكُمْ خلقا قَالَ همام بن مُنَبّه سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول مَا رأيتُ رجلا كَانَ أخلق للْملك من مُعَاوِيَة كَانَ النَّاس يردون مِنْهُ على أرجاء وادِ رحب لم يكن بالضيق الْحصْر العصعص المتعصب يَعْنِي ابْن الزبير وَقَالَ أَبُو أَيُّوب عَن أبي قلَابَة إِن كَعْب الْأَحْبَار قَالَ لن يملك هَذِه الْأمة أحد مل ملك مُعَاوِيَة قلت صدق كَعْب فِيمَا قَالَه فَإِن مُعَاوِيَة بَقِي خَليفَة عشْرين سنة لَا ينازعه أحد الْأَمر فِي الأَرْض جَمِيعًا بِخِلَاف عبد الْملك بن مَرْوَان وَأبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَهَارُون الرشيد وَغَيرهم فَإِنَّهُم كَانَ لَهُم مُخَالف وَخرج عَن حكمهم بعضْ الممالك وروى ضمام بن إِسْمَاعِيل قَالَ سَمِعت أَبَا قبيل حييّ بن هَانِئ يخبر عَن مُعَاوِيَة وَصعد الْمِنْبَر يَوْم جُمُعَة فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِن المَال مالنا والفيء فيئنا من شِئْنَا أعطينا وَمن شِئْنَا منعنَا فَلم يجبهُ أحد فَلَمَّا كَانَت الْجُمُعَة الْأُخْرَى قَالَ مثل ذَلِك فَلم يجبهُ أحد فَلَمَّا كَانَت الْجُمُعَة الثَّالِثَة قَالَ مثل ذَلِك فَقَامَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ كلا إِنَّمَا المَال مالنا والفيء فيئنا من حَال بَيْننَا وَبَينه حكمناه إِلَى الله
стр. 1216
بأسيافنا فَنزل مُعَاوِيَة وَأرْسل إِلَى الرجل فَأدْخل عَلَيْهِ فَقَالَ الْقَوْم هلك فَفتح مُعَاوِيَة الْأَبْوَاب وَدخل النَّاس فوجدوا الرجل مَعَه على السرير فَقَالَ مُعَاوِيَة إِن هَذَا أحياني أَحْيَاهُ الله سَمِعت رَسُول الله
يَقُول سَيكون أَئِمَّة من بعدِي يَقُولُونَ فَلَا يرد عَلَيْهِم قَوْلهم يتقاحمون فِي النَّار تَقَاحم القردة وَإِنِّي تَكَلَّمت فَلم يرد عَليّ أحد فَخَشِيت أَن أكون مِنْهُم ثمَّ تَكَلَّمت الْجُمُعَة الثَّانِيَة فَلم يرد على أحد فَقلت فِي نَفسِي إِنِّي من الْقَوْم ثمَّ تَكَلَّمت هَذِه الْجُمُعَة الثَّالِثَة فَقَامَ هَذَا فَرد عليَ فأحياني أَحْيَاهُ الله فرجوت أَن يخرجني الله مِنْهُم فَأعْطَاهُ وَأَجَازَهُ وروى عَن خَالِد بن معدان قَالَ وَفد الْمِقْدَام بن معدي كرب وَعمر بن الْأسود وَرجل من بني أَسد لَهُ صُحْبَة على مُعَاوِيَة فَقَالَ مُعَاوِيَة للمقدام توفّي الْحسن فَاسْتَرْجع فَقَالَ مُعَاوِيَة أتراها مُصِيبَة قَالَ الْمِقْدَام وَلم لَا وَقد وَضعه رَسُول الله
فِي حجره وَقَالَ هَذَا مني وحسين من عَليّ ثمَّ قَالَ مُعَاوِيَة للأسدي مَا تَقول أَنْت قَالَ جَمْرَة أطفئَت فَقَالَ الْمِقْدَام أنْشدك الله هَل سَمِعت رَسُول الله
ينْهَى عَن لبس الذَّهَب وَالْحَرِير وَعَن جُلُود السبَاع وَالرُّكُوب عَلَيْهَا قَالَ نعم قَالَ فوَاللَّه لقد رَأَيْت هَذَا كُله فِي بَيْتك يَا مُعَاوِيَة فَقَالَ مُعَاوِيَة عرفت أَنِّي لَا أنجو مِنْك وَكَانَ يضْرب الْمثل بحلم مُعَاوِيَة وَقد أفرد ابْن أبي الدُّنْيَا وَأَبُو بكر بن أبي عَاصِم تصنيفاً مُسْتقِلّا فِي حلم مُعَاوِيَة فَقَالَ إِن رجلا شارط آخر على أَن يضْرب مُعَاوِيَة كَفاً فَلَمَّا فعله الْتفت إِلَيْهِ مُعَاوِيَة وَقَالَ اذْهَبْ إِلَى صَاحبك وَخذ شرطك وَلَا تعد لمثلهَا ثمَّ إِن هَذَا الرجل شارط آخر على مثلهَا فِي يزِيد فَلَمَّا فعله أَمر بِقطع يَدَيْهِ فَقَالَ الرجل إِن كَانَ لَا بُد فَوَاحِدَة فَقَالَ يزِيد وَاحِدَة للضرب وَالْأُخْرَى للشّرط فَقَالَ لَهُ الرجل غَرني حلم مُعَاوِيَة يَا يزِيد فَقَالَ يزِيد تِلْكَ أمة قد خلت
стр. 1217
وَعَن قبيصَة بن جَابر قَالَ صَحِبت مُعَاوِيَة فَمَا رأيتُ رجلا أثقل حلماً وَلَا أَبْطَأَ جهلا وَلَا أبعد أَنَاة مِنْهُ وَقَالَ جرير عَن مُغيرَة قَالَ أرسل الْحسن بن عَليّ وَعبد الله بن جَعْفَر إِلَى مُعَاوِيَة يسألانه فَبعث إِلَيْهِمَا بِمِائَة ألف دِينَار فَبلغ ذَلِك عليا فَقَالَ لَهما أَلا تستحيان من رجل نطعن فِيهِ غدْوَة وَعَشِيَّة تسألانه المَال قَالَا لِأَنَّك حرمتنا وجاد لنا وَقَالَ مَالك كَانَ معاويةُ ينتف الشيب كَذَا وَكَذَا سنة وَكَانَ يخرج إِلَى الصَّلَاة وَرِدَاؤُهُ يحمل وَرَاءه فَإِذا دخل للصَّلَاة جعل عَلَيْهِ وَذَلِكَ من الْكبر وَذكر غَيره أَن مُعَاوِيَة أَصَابَته اللقوة قبل أَن يَمُوت وَكَانَ اطلع فِي بِئْر عَادِية فِي الْأَبْوَاء لما حج فأصابته اللقوة يَعْنِي بَطل نصفه وَعَن الشّعبِيّ قَالَ أول من خطب النَّاس قَاعِدا معاويةُ وَذَلِكَ حِين كَثُرَ شحمه وَعظم بَطْنه وَعَن ابْن سِيرِين أصَاب مُعَاوِيَة لقُوَّة فَاتخذ لحفاً خفافاً تلقى عَلَيْهِ فَلَا يلبث أَن يتَأَذَّى بهَا فَإِذا أخذت عَنهُ يسْأَل أَن ترد عَلَيْهِ فَقَالَ قبحك الله من دَار مكثت فِيك عشْرين سنة أميرَاً وَعشْرين سنة خَليفَة ثمَّ صرت إِلَى مَا أرى وروى عبد الْأَعْلَى بن مَيْمُون بن مهْرَان عَن أَبِيه أَن مُعَاوِيَة قَالَ فِي مَرضه كنت أوضئ رَسُول الله
يَوْمًا فَنزع قَمِيصه وكسانيه فَرَفَعته وخبأت قلامة أَظْفَاره فِي قَارُورَة فَإِذا مت فَجعلُوا الْقَمِيص على جلدي واسحقوا تِلْكَ القلامة واجعلوها فِي عَيْني فَعَسَى الله أَن يرحمني ببركتها وَقَالَ أَبُو عمر بن الْعَلَاء لما حضرت مُعَاوِيَة الْوَفَاة أنْشد من // (الطَّوِيل) //
(هُوَ المَوْتَ لَا يُنْجَى مِنَ المَوْتِ وَالّذِي ... تُجَاوِزُ بَعْدَ المَوْتِ أَدْهى وَأَفْظَعُ)
стр. 1218
اللَّهُمَّ أقل العثرة واعف عَن الزلة وَتجَاوز بِحِلْمِك عَن جهل من لم يرج غَيْرك فَمَا وَرَاءَك مَذْهَب قَالَ أَبُو مسْهر صلى عَلَيْهِ الضَّحَّاك بت قيس الفِهري وَدفن بِدِمَشْق بَين بَاب الْجَابِيَة وَالْبَاب الصَّغِير قَالَ الْعَلامَة المَسْعُودِيّ وقبره يزار إِلَى الْآن عَلَيْهِ بَيت مَبْنِيّ يفتح كل اثْنَيْنِ وخميس وَله من الْعُمر ثَمَانُون وَقيل تسعون وَكَانَ أَمِيرا وَخَلِيفَة أربعينَ سنةَ مِنْهَا أَربع سِنِين فِي خلَافَة عمر ﵁
(بيعَة يزِيد بن مُعَاوِيَة)
قد مضَى أَن مُعَاوِيَة جعل ابْنه ولي عَهده وأكره النَّاس على ذَلِك فَلَمَّا توفّي لم يدْخل فِي طَاعَة يزِيد بن الْحُسَيْن بن عَليّ وَلَا عبد الله بن الزبير وَلَا من يشايعهما قَالَ أَبُو مسْهر حَدثنَا خَالِد بن يزِيد حَدثنِي سعيد بن حُرَيْث قَالَ لما كَانَت الْغَدَاة الَّتِي توفّي لَيْلَتهَا مُعَاوِيَة فزع النَّاس إِلَى الْمَسْجِد وَلم يكن قبله خَليفَة بِالشَّام غَيره فَكنت فِيمَن أَتَى الْمَسْجِد فَلَمَّا الاتفع النَّهَار وهم يَبْكُونَ فِي الخظراء وَابْنه يزِيد غَائِب وَبعث إِلَيْهِ الْبَرِيد وَهُوَ ولي عهد وَكَانَ بجوارين وَكَانَ نَائِبه على دمشق الضَّحَّاك بن قيس الفِهري فَدفن مُعَاوِيَة فَلَمَّا كَانَ بعد أُسْبُوع بلغنَا أَن ابْن الزبير خرج بِالْمَدِينَةِ وَحَارب وَكَانَ مُعَاوِيَة قد غشي عَلَيْهِ مرّة فَركب بِمَوْتِهِ الركْبَان فَلَمَّا بلغ ذَلِك ابْن الزبير خرج فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة صلى بِنَا الضَّحَّاك ثمَّ قَالَ تعلمُونَ أَن خليفتكم يزِيد قدم وَنحن غَدا متلقوه فَلَمَّا صلى الصُّبْح ركب فَرَكبْنَا مَعَه فَسَار فِي ثنية الْعقَاب فَإِذا بأثقال يزِيد ثمَّ سرنا قَلِيلا فَإِذا بِيَزِيد فِي ركب مَعَه أَخْوَاله من بني كلب وَهُوَ
стр. 1219
عَليّ بخْتِي لَهُ رَحل وريطة مثنية فِي عُنُقه لَيْسَ عَلَيْهِ سيف وَلَا عِمَامَة وَقد كَانَ ضخماً سميناً قد كثر شعره وشعث فَأقبل النَّاس يسلمُونَ عَلَيْهِ ويعزونه وَهُوَ ترى فِيهِ الكآبة والحزن وخفض الصَّوْت وَالنَّاس يعيبون ذَلِك مِنْهُ وَيَقُولُونَ هَذَا الْأَعرَابِي الْأُمِّي ولي أَمر النَّاس وَالله سَائل عَنهُ قسار فَقُلْنَا يدْخل من بَاب توما فَلم يدْخل وَمضى إِلَى بَاب شَرْقي فَلم يدْخل مِنْهُ وَأَجَازَهُ ثمَّ أجَاز بَاب كيسَان إِلَى بَاب الصَّغِير فَلَمَّا وافاه أَنَاخَ وَنزل وَمَشى الضَّحَّاك بَين يَدَيْهِ إِلَى قبر مُعَاوِيَة فصففنا خَلفه وَكبر أَرْبعا فَلَمَّا خرج من الْمَقَابِر أَتَى ببغلة فركبها إِلَى الخضراء ثمَّ نُودي الصَّلَاة جمَاعَة لصَلَاة الظّهْر فاغتسل وَلبس ثيابًا نفيسةَ ثمَّ جلس على الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَذكر موت أَبِيه وَقَالَ إِنَّه كَانَ يغزيكم الْبَحْر وَالْبر وَلست حاولا أحدا الْمُسلمين فِي الْبَحْر وَإنَّهُ كَانَ يشتيكم بِأَرْض الرّوم وَلست مشتياً أحدا بهَا وَإنَّهُ كَانَ يخرج لكم الْعَطاء ثَلَاثَة وَأَنا أجمعه لكم كُله قَالَ فافترقوا وَمَا يفضلون عَلَيْهِ أحدَاً وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي مَرْيَم عَن عَطِيَّة بن قيس قَالَ خطب مُعَاوِيَة فَقَالَ اللَّهُمَّ إِن كنت إِنَّمَا عهِدت ليزِيد لما رَأَيْت من فَضله فَبَلغهُ مَا أملت وأعنه وَأَن كنت إِنَّمَا حَملَنِي على ذَلِك حب الْوَالِد لوَلَده وَأَنه لَيْسَ بِأَهْل فاقبضه قبل أَن يبلغ ذَلِك قَالَ حميد بن عبد الرَّحْمَن دَخَلنَا على بشير وَكَانَ صحابياً فَقُلْنَا اسْتخْلف يزِيد فَقَالَ يَقُولُونَ أَن يزِيد لَيْسَ بِخَير أمة مُحَمَّد
وَأَنا أَقُول ذَلِك وَلَكِن لِأَن يجمع الله أمة مُحَمَّد أحب إِلَيّ من أَن يتفرق كَذَا فِي الذَّهَبِيّ بُويِعَ يزِيد بعد موت أَبِيه وعَلى الْمَدِينَة الْوَلِيد بن عتبَة بن أبي سُفْيَان وعَلى مَكَّة عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الشهير بالأشدق وعَلى الْبَصْرَة عبيد الله بن زِيَاد وعَلى
стр. 1220
الْكُوفَة النُّعْمَان بن بشير وَلم يكن هم يزِيد إِلَّا بيعَة النَّفر الَّذِي أَبَوا على مُعَاوِيَة بيعَته فَكتب يزِيد إِلَى الْوَلِيد بن عتبَة بِمَوْت مُعَاوِيَة وَأَن يَأْخُذ حُسَيْنًا بن عمر وَابْن الزبير بالبيعة من غير رخصَة فَلَمَّا أَتَى الْوَلِيد نعى مُعَاوِيَة استدعى مَرْوَان بن الحكم وَكَانَ منقطعَاً عَنهُ بِمَا كَانَ يبلغهُ عَنهُ فَلَمَّا قَرَأَ مَرْوَان الْكتاب بنعي مُعَاوِيَة اسْترْجع وترحَم فَاسْتَشَارَهُ الْوَلِيد فِي أَمر أُولَئِكَ النَّفر فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَن يحضرهم لوقته فَإِن بَايعُوا وَإِلَّا قَتلهمْ قبل أَن يعلمُوا بِمَوْت مُعَاوِيَة فيثب كل رجل مِنْهُم فِي نَاحيَة إِلَّا ابْن عمر فَإِنَّهُ لَا يحبُ الْقِتَال وَلَا يحب الْولَايَة إِلَّا أَن يرفع إِلَيْهِ الْأَمر فَبعث الْوَلِيد لوقته عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان وَهُوَ غُلَام حدث فجَاء إِلَى الْحُسَيْن وَابْن الزبير فِي الْمَسْجِد فِي سَاعَة لم يَكُنِ الْوَلِيد يجلس فِيهَا للنَّاس وَقَالَ أجيباً الْأَمِير فَقَالَا انْصَرف الْآن نأتيه ثمَّ حدسا فِيمَا بعث إِلَيْهِمَا فَلم يَعْدُوَا مَا وَقع وَجمع الْحُسَيْن فتيانه وَأهل بَيته وَسَار إِلَيْهِ وأجلسهم بِالْبَابِ وَقَالَ إِن دعوتكم أَو سَمِعْتُمْ صوتي عَالِيا فادخلوا بأجمعكم ثمَّ دخل فَسلم ومروان عِنْده فشكرهما الْوَلِيد على الصِّلَة بعد القطيعة ودعا لَهما بصلاح ذَات الْبَين فَأَقْرَأهُ الْوَلِيد الْكتاب بنعي مُعَاوِيَة وَدعَاهُ إِلَى الْبيعَة فَاسْتَرْجع وترحم قَالَ مثلي لَا يُبَايع سِرُّاً وَلَا يَكْتَفِي بهَا مني فَإِذا ظَهرت للنَّاس ودعوتهم كَانَ أمرنَا وَاحِدًا وَكنت أول مُجيب فَقَالَ الْوَلِيد وَكَانَ يحب المسالمة انْصَرف يَا أَبَا عبد الله وَقَالَ مَرْوَان للوليد لَا تقدر مِنْهُ على مثلهَا أبدا حَتَّى تكْثر القتلَى بَيْنك وَبَينه ألزمهُ الْبيعَة وَإِلَّا اضْرِب عُنُقه فَوَثَبَ الْحُسَيْن وَقَالَ أَنْت تقتلني أَو هُوَ كذبت وَالله فَانْصَرف إِلَى منزله يتهادَى بَين موَالِيه وَهُوَ يَقُول // (من الْخَفِيف) //
(لَا ذَعَرْتُ السَّوَامَ فِي فَلَقِ الصُّبْحِ ... مُغِيرًا وَلَا ذَعَرْتُ يَزِيدَا)
(يَوْمَ أعْطى مَخَافَةَ القَتْلِ ضَيْمًا ... وَالمَنَايَا صدَدْنَيِي أَنْ أَحِيدَا)
وَأخذ مَرْوَان فِي عذل الْوَلِيد فَقَالَ يَا مَرْوَان وَالله مَا أحب أَن لي مَا طلعَت عَلَيْهِ الشَّمْس من مَال الدُّنْيَا وملكها وَأَنِّي قتلت الْحُسَيْن أَن قَالَ لَا أبايع
стр. 1221
وَأما ابْن الزبير فَإِنَّهُ اختفى فِي دَاره وَجمع أَصْحَابه وألح الْوَلِيد فِي طلبه وَبعث موَالِيه فَشَتَمُوهُ وتهددوه وَأَقَامُوا بِبَابِهِ فِي طلبه فَبعث ابْن الزبير أَخَاهُ جعفراً يلاطف الْوَلِيد ويشكو مَا أَصَابَهُ من الذعر ويعده بالحضور من الْغَدَاة وَأَن يصرف رسله من بَابه فَبعث إِلَيْهِم وَانْصَرفُوا وَخرج ابْن الزبير من ليلته مَعَ أَخِيه جَعْفَر وَحدهمَا وأخذا طَرِيق الْفَرْع إِلَى مَكَّة فسرح الْوَلِيد الرِّجَال فِي طلبه فَلم يدركوه وَرَجَعُوا وتشاغل بذلك عَن الْحُسَيْن سائِرَ يَوْمه ثمَّ أرسل إِلَى الْحُسَيْن يَدعُوهُ فَقَالَ الْحُسَيْن أَصْبحُوا وَتَروْنَ ونَرَى وَسَار فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة ببنيه وَبني أَخِيه إِلَّا مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَكَانَ قد نصحه وَقَالَ تَنَح عَن يزِيد وَعَن الْأَمْصَار مَا اسْتَطَعْت وَابعث دعاتك إِلَى النَّاس فَإِن أجابوك فاحمد الله وَإِن اجْتَمعُوا على غَيْرك فَلم ينقص بذلك دينك وَلَا عقلك وَلم تذْهب بِهِ مروءتك وَلَا فضلك وَأَنا أَخَاف أَن تأني مصرَاً أَو قوما فيختلفون عَلَيْك فَتكون لأوّل الأسنة فَإِذا خير الْأمة نفسا وَأَبا أضيعها دمنا وأذلها أصلا قَالَ لَهُ الْحُسَيْن فَإِنِّي ذَاهِب قَالَ لَهُ انْزِلْ مَكَّة فَإِن اطمأنت بك الدَّار فبسبيل ذَلِك وَإِن نأت بك لحقت بالرمال وشعاب الْجبَال وَمن بلد إِلَى بلد حَتَّى تنظر مصير أَمر النَّاس وتعرف الرَّأْي فَقَالَ يَا أخي نصحتَ وأشفقتَ فلحق بِمَكَّة وَبعث الْوَلِيد إِلَى ابْن عمر ليبايع فَقَالَ إِذا بَايع النَّاس وَقيل إِن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس كَانَا بِمَكَّة ورجعا إِلَى الْمَدِينَة فلقيا الْحُسَيْن وَابْن الزبير فأخبراهما بِمَوْت مُعَاوِيَة وبيعة يزِيد فَقَالَ ابْن عمر لَا نفرق جمَاعَة الْمُسلمين وقَدِمَ هُوَ وَابْن عَبَّاس الْمَدِينَة وَبَايِعًا عِنْد بيعَة النَّاس وَلنَا دخل ابْن الزبير مَكَّة وَعَلَيْهَا عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الشهير بالأشدق كَمَا تقدم ذكره قَالَ أَنا عَائِد بِالْبَيْتِ وَلم يكن يُصَلِّي وَلَا يفِيض مَعَهم وَيقف هُوَ وَأَصْحَابه نَاحيَة وَلما بلغ يزِيد صَنِيع الْوَلِيد بن عتبَة بِأَمْر أُولَئِكَ النَّفر وتوانيه فِي أَمرهم عَزله عَن الْمَدِينَة وولاها عَمْرو بن سعيد فَقَدمهَا فِي رَمَضَان وَاسْتعْمل على شرطته عَمْرو ابْن الزبير بِالْمَدِينَةِ لما كَانَ بَينه وَبَين أَخِيه عبد الله بن الزبير من الْبغضَاء قَالَ الْعَلامَة ابْن خلدون وَولى يزِيد بن مُعَاوِيَة عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الْمَدِينَة وَمَكَّة والموسم والطائف فَقدم إِلَى الْمَدِينَة سنة سِتِّينَ فِي رَمَضَان قبيل
стр. 1222
الْعَتَمَة فصلى الْعَتَمَة بِالنَّاسِ وَقَرَأَ ﴿لَم يَكنُ﴾ الْبَيِّنَة ١ و ﴿إذَا زُلزِلتَ الأَرضُ﴾ الزلزلة ١ فَلَمَّا أصبح خرج على النَّاس وَعَلِيهِ قَمِيص أَحْمَر وعمامة حَمْرَاء فَصَعدَ الْمِنْبَر فَرَمَاهُ النَّاس بِأَبْصَارِهِمْ فَقَالَ يَا أهل الْمَدِينَة مَا لكم ترموننا بأبصاركم كأنكم تُرِيدُونَ تقروننا سُيُوفكُمْ أنسيتم مَا فَعلْتُمْ أما لَو انتقم مِنْكُم فِي الأولى مَا عدتم إِلَى الثَّانِيَة أغركم إِذْ قتلتم عُثْمَان فوجدتم صَابِرًا حَلِيمًا وإمامَاً مواتياً فَذهب غَضَبه وَذَهَبت أذاته فاغنموا أَنفسكُم فقد وَلِيكُم إِمَام بالشباب المقتبل الْبعيد الأمل وَقد اعتدل جِسْمه وَاشْتَدَّ عظمه وَرمى الدَّهْر ببصربه واستقبله بأسره فَهُوَ إِن عض نهش وَإِن وطئ فرش لَا يقلقله الْحَصَى وَلَا تقرع لَهُ الْعَصَا فرعف وَهُوَ يتَكَلَّم على الْمِنْبَر فَألْقى رجل إِلَيْهِ عِمَامَة فَمسح بهَا فَقَالَ رجل من خثعم دم على الْمِنْبَر من عِمَامَة فتْنَة عَمت وَعلا ذكرهَا وَرب الْكَعْبَة ثمَّ خرج عَمْرو بن سعيد إِلَى مَكَّة فَقَدمهَا قبل التَّرويَة بِيَوْم وَخرج الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقبل لعَمْرو خرج الْحُسَيْن فَقَالَ اركبوا كُل بعير بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فِي طلبه قَالَ وَكَانَ النَّاس يتعجبون من قَوْله فطلبوه فَلم يدركوه فَكَانَت الْفِتْنَة الْمَشْهُورَة انْتهى ذكر ذَلِك فِي ذكر العيافة والزجر والطيرة وأحضر نَفرا من شيعَة ابْن الزبير بِالْمَدِينَةِ فضربهم من الْأَرْبَعين إِلَى الْخمسين إِلَى السِّتين مِنْهُم الْمُنْذر بن الزبير وَابْنه مُحَمَّد وَعبد الرَّحْمَن بن الْأسود بن عبد يَغُوث وَعُثْمَان بن عبد الله بن حكم بن حزَام وَمُحَمّد بن عمار بن يَاسر وَغَيرهم ثمَّ جهز الْبعُوث إِلَى مَكَّة سَبْعمِائة وَنَحْوهَا وَقَالَ لعَمْرو بن الزبير من نبعث إِلَى أَخِيك فَقَالَ لَا تَجِد رجلا أبلى لَهُ مني فَجهز مَعَه سَبْعمِائة مقَاتل وعذل مَرْوَان بن الحكم عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ فِي غَزْوَة مَكَّة وَقَالَ لَهُ اتَّقِ الله وَلَا تحل حرمه فَقَالَ وَالله لنغزرنه فِي جَوف الْكَعْبَة وَجَاء أَبُو شُرَيْح الْخُزَاعِيّ إِلَى عَمْرو بن سعيد فَقَالَ لَهُ سَمِعت رَسُول الله
يَقُول إِنَّمَا أذن لي بِالْقِتَالِ فِيهَا سَاعَة من النَّهَار ثمَّ عَادَتْ كحرمتها بالْأَمْس
стр. 1223
فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن سعيد نَحن أعلم بحرمتها مِنْك أَيهَا الشَّيْخ وَيُقَال إِن الْجَيْش كَانَ عدته ألفَى مقَاتل وعَلى مقدمته أنيس بن عُمَيْر الْأَسْلَمِيّ فَلَمَّا قاربوا مَكَّة نزل أنيس بِذِي طوى وَنزل عَمْرو بِالْأَبْطح وَبعث إِلَى أَخِيه عبد الله أَن بر يَمِين يزِيد فَإِنَّهُ حلف أَلا يقبل بيعَته إِلَّا أَن يُؤْتى بِهِ فِي جَامِعَة فَلَا تضرب النَّاس بَعضهم بِبَعْض فَإنَّك فِي بلد حرَام فَأرْسل عبد الله بن الزبير من اجْتمع مَعَه من أهل مَكَّة مَعَ عبد الله بن صَفْوَان بن أُميَّة فهزموا أنيسا بِذِي طوى وَقتل أنيس فِي الْهَزِيمَة وتخلف عَن عَمْرو بن الزبير أَصْحَابه فَدخل دَار ابْن عَلْقَمَة وَأَجَارَهُ وَقَالَ لِأَخِيهِ عبد الله بن الزبير قد أجرته فَأنْكر ذَلِك عَلَيْهِ وَأَجَازَ جواره وَقيل إِنَّه لم يجز جواره وضربه بِكُل من ضربه عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ بِالْمَدِينَةِ من جماعته وحسبه بسجن عَارِم وَمَات تَحت السِّيَاط
(توجه الْحُسَيْن بن عَليّ إِلَى الْكُوفَة واستشهاده بكربلاء)
لما خرج الْحُسَيْن من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة لقِيه عبد الله بن مُطِيع وَسَأَلَهُ أَيْن تُرِيدُ فَقَالَ مَكَّة وأستخير الله فِيمَا بعد فنصحه أَلا يقرب الْكُوفَة وَذكره قَتلهمْ أَبَاهُ وخذلانهم أَخَاهُ وَأَن يُقيم بِمَكَّة لَا يُفَارق الْحرم حَتَّى يتداعى إِلَيْهِ النَّاس وَرجع عَنهُ وَنزل الْحُسَيْن بِمَكَّة فَأَقَامَ النَّاس يَخْتَلِفُونَ إِلَيْهِ وَابْن الزبير فِي جَانب الْكَعْبَة يُصَلِّي وَيَطوف عَامَّة النَّهَار وَيَأْتِي الْحُسَيْن فِيمَن يَأْتِيهِ وَعلم أَن أهل الْحجاز لَا يلتفتون إِلَيْهِ مَعَ الْحُسَيْن وَلما بلغ أهل الْكُوفَة بيعَة يزِيد ولحاق الْحُسَيْن بِمَكَّة اجْتمعت أهالي الْكُوفَة والشيعة فِي منزل سُلَيْمَان بن صُرَدَ الْخُزَاعِيّ وَكَتَبُوا إِلَيْهِ إِنَّا حبسنا أَنْفُسنَا على بيعتك وَنحن نموت دُونك وإننا لم نُبَايِع للنعمان بن بشير أَمِير الْكُوفَة وَلَا نَجْتَمِع مَعَه فِي جُمُعَة وَلَا عيد وَلَو جئتنا أخرجناه وبعثوا بِالْكتاب مَعَ عبد الله بن سميع
стр. 1224
الْهَمدَانِي ثمَّ كتبو إِلَيْهِ ثَانِيَة بعد لَيْلَتَيْنِ نَحْو مائَة وَخمسين صحيفَة ثمَّ ثَالِثَة يستحثونه للحاق بهم فأجابهم الْحُسَيْن فهمت مَا قصصتم وَقد بعثت إِلَيْكُم أخي وَابْن عمي وثقتي من أهل بَيْتِي مُسلم بن عقيل يكْتب إِلَيّ بأمركم ورأيكم فَإِن اجْتمع ملؤكم على مثل مَا قدمت بِهِ رسلكُمْ أقدم عَلَيْكُم قَرِيبا ولعمري مَا الإِمَام إِلَّا الْعَامِل بِالْكتاب الْقَائِم بِالْقِسْطِ الدَّائِن بدين الْحق فَسَار مُسلم وَدخل الْمَدِينَة وَصلى فِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ وودع أَهله واستأجر دَلِيلين من قيس فضَلا الطَّرِيق وعطش الْقَوْم فَمَاتَ الدليلان بعد أَن أَشَارَ إِلَيْهِم بِموضع المَاء وانتهوا إِلَيْهِ وَشَرِبُوا ونجوا فتطير مُسلم بذلك وَكتب إِلَى الْحُسَيْن يستعفيه فَكتب إِلَيْهِ الْحُسَيْن إِنِّي خشيت ألَا يكون حملك على ذَلِك إِلَّا الْجُبْن فَامْضِ لوجهك وَالسَّلَام فَسَار مُسلم وَدخل الْكُوفَة أول ذِي الْحجَّة من سنة سِتِّينَ اخْتلفت إِلَيْهِ الشِّيعَة وَقَرَأَ عَلَيْهِم كتاب الْحُسَيْن فبكوا ووعدوه بالنصر وَعلم النُّعْمَان بن بشير أَمِير الْكُوفَة بمَكَان مُسلم وَكَانَ حَلِيمًا ينجح إِلَى المسالمة وَكَانَ على الْكُوفَة حِين مَاتَ مُعَاوِيَة فَلَمَّا بلغه خبر وَمُسلم وَالْحُسَيْن قَالَ لِابْنِ بنت رَسُول الله
أحب إِلَيْنَا من ابْن بنت بَحدَل فَخَطب وحذر النَّاس الْفِتْنَة وَقَالَ لَا أقَاتل من لَا يقاتِلُنِي وَلَا آخذ بالظنة والتهمة وَلَكِن أَن نكثتم ببيعتكم وخالفتم إمامكم فوَاللَّه لأضربنكم بسيفي مَا دَامَ قائمه فِي يَدي وَلَو لم يكن لي نَاصِر وَقَالَ لَهُ بعض حلفاء بني أُميَّة لَا يصلح مَا ترى إِلَى الغشم وَهَذَا الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ مَعَ عَدوك رَأْي الْمُسْتَضْعَفِينَ فَقَالَ أكون من الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي طَاعَة الله أحب إِلَيّ من أَن أكون من الأَعزينَ فِي مَعْصِيّة الله ثمَّ نزل عَن الْمِنْبَر فَكتب عمار بن الْوَلِيد وَعمر بن سعد بن أبي وَقاص إِلَى يزِيد بالْخبر بِضعْف النُّعْمَان وَبِقَوْلِهِ لِابْنِ بنت رَسُول الله ... إِلَخ فَابْعَثْ إِلَى الْكُوفَة رجلا قَوِيا ينفذ أَمرك وَيعْمل عَمَلك فِي عَدوك فَأَشَارَ إِلَى يزِيد سرجون الرُّومِي كَاتب أَبِيه بعبيد الله بن زِيَاد وَكَانَ منحرفاً عَنهُ فَقَالَ لَهُ إِن أَبَاك مُعَاوِيَة ولاه قبل مَوته فَكتب يزِيد لَهُ بعهده إِلَى الْكُوفَة مُضَافا على الْبَصْرَة وَبعث لَهُ مَعَ مُسلم بن عَمْرو الْبَاهِلِيّ وَالِد قُتَيْبَة بن مُسلم وَأمره بِطَلَب مُسلم بن عقيل وَقَتله أَو نَفْيه
стр. 1225
وَكَانَ الْحُسَيْن قد كتب إِلَى أَشْرَاف الْبَصْرَة الْأَحْنَف بن قيس وَالْمُنْذر بن الْحَارِث ومالكِ بن مسمع الْبكْرِيّ ومسعود بن عَمْرو وَقيس بن الْهَيْثَم وود وَعَمْرو بن عبيد الله بن معمر يَدعُوهُم إِلَى الْكتاب وَالسّنة وإماتة الْبِدْعَة وخشي الْمُنْذر أَن يكون دسيساً من عبيد الله بن زِيَاد فَأَتَاهُ بالرسول وَالْكتاب من بَين أَصْحَابه فَقتل الرَّسُول ثمَّ خطب النَّاس وَأخْبرهمْ بولايته الْكُوفَة واستخلافه أَخَاهُ عُثْمَان بن زِيَاد على الْبَصْرَة وتهددهم على الْخلاف بِالْقَتْلِ وَأخذ الْأَدْنَى بالأقصى والقريب بقريبه ثمَّ أَغَذ عبيد الله السّير يسابق الْحُسَيْن إِلَى الْكُوفَة قَالَ الْعَلامَة ابْن خلدون فِي خَمْسمِائَة فَتَخَلَّفُوا عَنهُ شَيْئا فَشَيْئًا وقا الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي اثْنَي عشر رجلَا حَتَّى دخل الْكُوفَة وَحده وَمر بالمجالس فظنوه الْحُسَيْن فَحَيوا ورحبوا وَهُوَ يسمع وساءه ذَلِك ثمَّ انْتهى إِلَى الْقصر فِي هجيج النَّاس يتبعونه فأغلق النُّعْمَان الْبَاب دونه يَظُنّهُ الْحُسَيْن وَقَالَ مَا أَنا بِمُسلم أمانتي إِلَيْك وَلَا أقاتلك فَدَنَا مِنْهُ عبيد الله وَقَالَ افْتَحْ لَا فتحت فَعرف صَوته وَفتح لَهُ وتفرق النَّاس ثمَّ خطب لولايته ووعد بِالْإِحْسَانِ للمحسن والشدة على الْمُرِيب والعاصي وحذر من الْمُخَالفَة ثمَّ أَخذ العُرَفَاء بِأَن يكتبوا لَهُ الغرباء والحرورية وَأهل الريب وَيضمن كل وَاحِد مَا فِي عرافته وَمن وجد فِي عرافته أحد لم يعرفهُ صلبه على بَاب دَاره ثمَّ نزل عَن الْمِنْبَر وَسمع مُسلم بن عقيل بذلك فَأتى منزل هَانِئ بن عُرْوَة وَكَانَ الْحُسَيْن أمره بالنزول عَلَيْهِ فَاسْتَجَارَ بِهِ فآواه على كره لمكانه خشيَة الْعَاقِبَة وأقامت الشِّيعَة تخْتَلف إِلَيْهِ فِي دَار هَانِئ ودعا ابْن زِيَاد مولى لَهُ وَأَعْطَاهُ مالَا ودسه عَلَيْهِم ليَأْتِيه بعلمهم فَأَتَاهُ مُسلم بن عَوْسَجَة الْأَسدي وَهُوَ يُصَلِّي بِالْمَسْجِدِ وَكَانَ من كبار دعاتهم فَقَالَ لَهُ أَنا من أهل الشَّام وَأَرَدْت لِقَاء هَذَا الرجل الَّذِي يُبَايع للحسين فاقبض هَذَا المَال وأدخلني عَلَيْهِ أُبَايِعهُ وَإِلَّا فَخذ أَنْت بيعتي قبل لِقَائِه فَأخذ بيعَته وَبَقِي يخْتَلف إِلَيْهِ وَمرض هَانِئ بن عُرْوَة فَأَتَاهُ عبيد الله بن زِيَاد يعودهُ وَحمل أَصْحَاب هَانِئ على الفتك بِابْن زِيَاد فَقَالَ مَا أحب ذَلِك فِي بَيْتِي ثمَّ مرض شريك بن الْأَعْوَر
стр. 1226
أَو تمارض فَقيل لِابْنِ زِيَاد إِن شَرِيكا شَاك يقئ الدَّم وَكَانَ قد شرب الْمغرَة فَجعل يقيئها فجَاء ابْن زِيَاد يعودهُ وَكَانَ قد نزل على هَانِئ وَكَانَ شَدِيد التَّشَيُّع شهر صفّين مَعَ عَليّ فَقَالَ لمُسلم بن عقيل إِذا قلت اسقوني فَاخْرُج وَقَتله ثمَّ اقصد الْقصر فَلَا حَائِل دونه وَإِن بَرِئت من وجعي كفيتك أَمر الْبَصْرَة فَلَمَّا جَاءَ عبيد الله بن زِيَاد إِلَى منزل هَانِئ جبن مُسلم عَن قَتله وَبَقِي شريك ينبهه لذَلِك وَيَقُول اسقوني اسقوني فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَقَالَ وَيحكم اسقوني وَلَو كلنت فِيهِ نَفسِي فَلَا يُجيب حَتَّى خرج ابْن زِيَاد وَلم يصنع مُسلم شَيْئا وَكَانَ من أَشْجَع النَّاس وَلَكِن أَخَذته كبوة فَاعْتَذر عَن قَتله بِأَن هانئاً يكره ذَلِك فِي بَيته وَبِأَن عليا حدث عَن النَّبِي
أَن الْإِيمَان قيد الفتك ثمَّ قضى شريك بعد ثَلَاث وَصلى عَلَيْهِ عبيد الله بن زِيَاد ثمَّ علم بعد ذَلِك بِشَأْنِهِ فَحلف لَا يحضر جَنَازَة عراقي ثمَّ إِن الْمولى الَّذِي دسه ابْن زِيَاد بِالْمَالِ اخْتلف إِلَيْهِ مُسلم بن عَوْسَجَة بعد موت شريك فَأدْخلهُ على مُسلم بن عقيل فَأخذ بيعَته وَقبض مَاله وَأقَام يخْتَلف إِلَيْهِم ويخبر ابْن زِيَاد بأحوالهم حَتَّى تبين جلبة الْأَمر وَكَانَ هَانِئ انْقَطع عَن عبيد الله بن زِيَاد بِعُذْر الْمَرَض فَدَعَا بن زِيَاد مُحَمَّد ابْن الْأَشْعَث وَأَسْمَاء بنت خَارِجَة وَعَمْرو ابْن الْحجَّاج والزبيدي وعذل هانئاً فِي انْقِطَاعه عَنهُ وَأَنه بلغ بُرْؤُهُ من الْمَرَض وَقَالَ القوه فَمُرُوهُ أَلا يَنْقَطِع عني فَلَقِيَهُ الْقَوْم ولاموه فِي ذَلِك ثمَّ حلفوا عَلَيْهِ واستركبوه مَعَهم ودخلوا بِهِ على ابْن زِيَاد وَكَانَ مكرمَاً لَهُ فَقَالَ لَهُ ابْن زِيَاد يَا هَانِئ مَا هَذِه الْأُمُور الَّتِي تربض فِي دَارك للْمُسلمين وأمير الْمُؤمنِينَ وَأخْبرهُ بشأن مُسلم بن عقيل فَأنكرهُ فَدَعَا ابْن زِيَاد الْمولى الَّذِي دَسَه عَلَيْهِم وَرَآهُ هَانِئ فَسقط فِي يَده ثمَّ قَالَ وَالله مَا دَعَوْت الرجلَ وَلَا علمت بِشَيْء من أمره وَصدقه الْخَبَر فِي مَجِيئه إِلَى دَاره واستجارته بِهِ واستحيائه من رده وَقد كَانَ من أمره مَا بلغك وَأَنا الْآن أُعْطِيك عهدا ورهينة حَتَّى أخرجه من دَاري وأعود إِلَيْك فَقَالَ لَهُ ابْن زِيَاد وَالله لَا تُفَارِقنِي حَتَّى تَأتِينِي بِهِ فَقَالَ آتِيك بضيفي تقتله وَالله لَا فعلت ثمَّ قَامَ إِلَيْهِ مُسلم بن عَمْرو الْبَاهِلِيّ وَلم يكن هُنَالك أعز مِنْهُ فَاسْتَأْذن ابْن زِيَاد ودخلا نَاحيَة ونصحه أَن يَأْتِي بِهِ فَإِنَّهُ ابْن عمهم وَلَيْسوا قاتليه وَلَا ضاربيه
стр. 1227
وَلَيْسَ عَلَيْك فِي ذَلِك منقصة وَإِنَّمَا إِلَى السُّلْطَان فَأبى ولج وسَمعه ابْن زِيَاد فاستدناه لَئِن لم تأتني بِهِ لَأَضرِبَن عنقَك قَالَ هَانِئ إِذن وَالله تكْثر البارقة وَيُقَال إِن هَانِئ لما رأى الرجل الَّذِي كَانَ عينا قَالَ أَيهَا الْأَمِير أَنْت آمن وَأهْلك فسِرْ حَيْثُ شِئْت فَأَشَارَ ابْن زِيَاد إِلَى مهْرَان مَوْلَاهُ وَهُوَ قَائِم على رَأسه فَأخذ بضفيرتي هَانِئ وَأخذ ابْن زِيَاد الْقَضِيب من يَد مهْرَان وَلم يزل يضْرب وَجه هَانِئ حَتَّى كسر أَنفه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته ثمَّ أغلق عَلَيْهِ فِي بَيت وَجَاء أَسمَاء بن خَارِجَة مُنْكرا لذَلِك لِأَن هانئاً جَاءَ فِي جواره وَأمر بِهِ ابْن زِيَاد يطرد عَنهُ وَحبس وَأظْهر مُحَمَّد بن الْأَشْعَث الرِّضَا وَجلسَ وَبلغ عَمْرو بن حجاج أَن هانئاً قتل فَأقبل فِي مذْحج وَأَحَاطُوا بقصر ابْن زِيَاد وَأمر ابْن زِيَاد القَاضِي شريحاً أَن يعلمهُمْ بحياة هَانِئ بعد أَن أدخلهُ عَلَيْهِ فَرَآهُ حَياً فَأخْبرهُم فانصرفوا وَجَاء الْخَبَر إِلَى مُسلم بن عقيل وَكَانَ قد بَايعه ثَمَانِيَة عشر ألفا وَحَوله فِي الدَّار أَرْبَعَة آَلاف فَنَادَى فيهم وَركب نَحْو قصر عبيد الله بن زِيَاد وأحاط بِهِ وامتلأ الْمَسْجِد والسوق من النَّاس إِلَى السَّمَاء وضاق بعبيد الله بن زِيَاد أمره وَلَيْسَ مَعَه فِي الْقصر إِلَّا نَحْو خمسين رجلا من أهل بَيته ومواليه وتسلل إِلَيْهِ الْأَشْرَاف وَأمر كثير بن الْحَارِث أَن يخرج فِيمَن أطاعه من مذْحج فيخذل عَنهُ النَّاس وَأمر ابْن الْأَشْعَث أَن يخرج فِيمَن أطاعه من كِنْدَة وحضرموت وَيرْفَع راية أَمَان لمن حماه من النَّاس وَبعث بِمثل ذَلِك الْقَعْقَاع بن شور الذهلي وشبيب بن ربعي التَّمِيمِي ومجاز بن أبي أبجر الْعجلِيّ وشمر بن ذِي الجوشن الضبابِي وَترك وُجُوه النَّاس عِنْده استئناساً بهم وَخرج أُولَئِكَ النَّفر على النَّاس فافترقوا عَن مُسلم بن عقيل إِلَى أَن بَقِي فِي الْمَسْجِد فِي ثَلَاثِينَ فَخرج واختفى عِنْد عَجُوز من ذَوي ابْن الْأَشْعَث وتعرف إِلَيْهَا فأخنفته وَخرج ابْن زِيَاد إِلَى الْمَسْجِد قبل الْعَتَمَة ونادى فِي النَّاس فَامْتَلَأَ الْمَسْجِد وأحضر الْحصين بن تَمِيم وَكَانَ على الشَّرْط أَن يفتش الدّور وَشعر ابْن الْعَجُوز بِمُسلم بن عقيل عِنْد أمه فَأتى عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْأَشْعَث فَأخْبرهُ وَأخْبر أَبَاهُ فَأخْبر ابْن زِيَاد فَقَالَ ائْتِنِي بِهِ السَّاعَة وَبعث مَعَه عمر بن عبيد الله السّلمِيّ فِي
стр. 1228
سبعين من قيس فَلَمَّا أَتَوا الدَّار وَسمع مُسلم بن عقيل الأصوت خرج بِسَيْفِهِ وَمَا زَالَ يحمل عَلَيْهِم وَقطعت شفته الْعليا وَسَقَطت ثنيتاه وألقوا عَلَيْهِ النَّار والقصب وَهُوَ يُقَاتل حَتَّى أثخن وَعجز عَن الْقِتَال فَأَمنهُ ابْن الْأَشْعَث وَحمله على بغل وانزعوا سَيْفه فَقَالَ هَذَا أول الْغدر وبكَى فعذله عَمْرو بن عبيد الله السّلمِيّ فَقَالَ إِنَّمَا أبْكِي على الْحُسَيْن وَآله قلت خَيبَ الله أهل الْعرَاق الخونة الْفجار وأحلَهم الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار ثمَّ قَالَ مُسلم لِابْنِ الْأَشْعَث عساك أَن تبْعَث تخبر الْحُسَيْن بحالي ليرْجع بِأَهْل بَيته وَلَا يغتر بِأَهْل الْكُوفَة فَفعل ذَلِك ابْن الْأَشْعَث ولقيه الرَّسُول بزبالة وَقد جَاءَهُ كتاب مُسلم فِي بِالْأولِ يُخبرهُ بِمن بَايعه ويستحثه على السّير فَقَالَ الْحُسَيْن حِين قَرَأَ كتاب الْأَشْعَث كُل مَا قدر كَائِن وَعند الله نحتسب أَنْفُسنَا وَفَسَاد أمتنَا ثمَّ أَدخل مُحَمَّد بن، الْأَشْعَث مُسلم بن عقيل على ابْن زِيَاد وَأخْبرهُ بِمَا أعطَاهُ من الْأمان فَقَالَ مَا بعثناك لتؤمنه واستسقى مُسلم وَهُوَ بَاب الْقصر فجَاء عمَارَة بن عقبَة بِمَاء بَارِد فَلم يطق الشّرْب لما كَانَ يسيل من دم فِيهِ فَتَركه وَدخل على ابْن زِيَاد فَقَالَ لَهُ لتقتلن فَقَالَ دَعْنِي لأوصي فَالْتَفت إِلَى عمر بن سعيد بن أبي وَقاص مناجاه بِأَن يقي عَنهُ دينه ويواري جثته وَيبْعَث إِلَى الْحُسَيْن يردهُ ثمَّ حاوره وأساء بعضهما على بعض ثمَّ أصعد فَوق الْقصر وَضربت عُنُقه وَتَوَلَّى ذَلِك بكير بن عمرَان لضربة أَصَابَهُ مُسلم بهَا فِي الجولة عِنْد الدَّار وَكَانَ ابْن الْأَشْعَث قد تشفع فِي هَانِئ بن عُرْوَة فوعد باستبقائه فَلَمَّا قتل مُسلم أخرج إِلَى السُّوق فَضربت عُنُقه وَبعث ابْن زِيَاد بالرأسين إِلَى يزِيد فَكتب إِلَيْهِ يزِيد يشكره ويأمره بالاحتراس وَوضع المراصد فَإِن الْحُسَيْن قد سَار إِلَيْك ثمَّ طلب ابْن زِيَاد الْمُخْتَار بن أبي عبيد وَعبيد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل وَكَانَا جَاءَا مَعَ مُسلم بن عقيل فحبسهما وَلما أَرَادَ الْحُسَيْن الْمسير إِلَى الْكُوفَة بِكِتَاب مُسلم السَّابِق وَأهل العلااق جَاءَهُ عَمْرو بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام المَخْزُومِي وَهُوَ بِمَكَّة فَقَالَ لَهُ بَلغنِي أَنَّك تُرِيدُ الْعرَاق فَأَنا مُشفق عَلَيْك تَأتي بلد فِيهِ الْعمَّال والأمراء وبيوتُ الْأَمْوَال وَالنَّاس عبيد الدِّينَار وَالدِّرْهَم فَلَا آمن عَلَيْك فجزاه الْحُسَيْن خيرَاً وَقَالَ لَا بدَّ لي
стр. 1229
من ذَلِك وَأَتَاهُ ابْن عَبَّاس بِمثل ذَلِك فعصاهما ثمَّ ألم عَلَيْهِ ابْن عَبَّاس وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْخرُوجِ إِلَى الْيمن فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن يَا بن عمي لَا أنقض عزمي قَالَ فَإذْ قد عَصَيْتنِي فَلَا تسر بنسائك وَلَا صبيانك فَإِنِّي أَخَاف أَن تقتل وهم ينظرُونَ كَمَا قتل عُثْمَان وَلَقَد أَقرَرت عين ابْن الزبير بخروجك من الْحجاز ثمَّ الْتفت إِلَى ابْن الزبير فَإِذا هُوَ فِي جمَاعَة من قُرَيْش قد استعلاهم بالْكلَام فجَاء حَتَّى ضرب بِيَدِهِ بَين عضديه فَقَالَ أَصبَحت وَالله كَمَا قَالَ فأنشده // (من الرجز) //
(يَا لَكِ مِنْ قُنْيُبرَةٍ بِمَعْمَرِ ... خَلَا لَكِ الجَوُّ فبِيضِي وَاصْفِرِي)
(وَنَقِّرِي مَا شِئْتِ أَنْ تُنَقِّرِي ... قَدْ رُفِعَ الفَخُّ فَمَاذَا تَنْظُرِي)
خلا الْحجاز من الْحُسَيْن بن عَليّ وَأَقْبَلت تهدر فِي جوانبها فغب ابْن الزبير وَقَالَ وَالله إِنَّك لترى أَنَّك أَحَق بِهَذَا الْأَمر من غَيْرك فَقَالَ ابْن عَبَّاس إِنَّمَا يرى ذَلِك من كَانَ فِي حَال مثلك وَأَنا من ذَلِك على يَقِين فَقَالَ ابْن الزبير وَبِأَيِّ شَيْء تحقق عنْدك أَنَّك أَولَى بِهَذَا الْأَمر مني فَقَالَ ابْن عَبَّاس أَنا أَحَق بِمن تدلي بِحقِّهِ وَبِأَيِّ شَيْء تحقق عنْدك أَنَّك أَحَق بِهَذَا الْأَمر من سَائِر الْعَرَب إِلَّا بِنَا فَقَالَ ابْن الزبير تحقق عِنْدِي أَنِّي أَحَق بهَا مِنْكُم لشرفي عَلَيْكُم قَدِيما وحديثاً فَقَالَ ابْن عَبَّاس أَنْت أشرف أم من شرفت بِهِ فَقَالَ ابْن الزبير إِن من شرفت بِهِ زادني شرفاً إِلَى شرف قديم كَانَ لي قَالَ أَفَمَن الزِّيَادَة أم مِنْك قَالَ بل مِنْك فَتَبَسَّمَ ابْن عَبَّاس فَقَالَ ابْن الزبير يَا بن عَبَّاس دَعْنِي من لسَانك هَذَا الَّذِي تقلبه كَيفَ شِئْت وَالله لَا تحبوننا يَا بني هَاشم أبدا قَالَ ابْن عَبَّاس صدقت نَحن أهل بَيت مَعَ الله لَا نحب من أبغضه الله تَعَالَى فَقَالَ مَا يَنْبَغِي لَك أَن تصفح عَن كلمة وَاحِدَة فَقَالَ إِنَّمَا أصفح عَمَّن أقرّ وَأما عَمَّن هر فَلَا وَالْفضل لأهل الْفضل قَالَ ابْن الزبير فَأَيْنَ الْفضل قَالَ عندنَا أهل الْبَيْت لَا نَصرِفُهُ عَن أَهله وَلَا نضعه فِي غير أَهله فنندم قَالَ ابْن الزبير فبظلم فلست من أَهله قَالَ بلَى إِن نبذت الْحَسَد ولزمت الْحُدُود وانقضى حَدِيثهمْ وَقَامَ الْقَوْم فَتَفَرَّقُوا وَكَانَ خُرُوج الْحُسَيْن من مَكَّة يَوْم التَّرويَة من سنة سِتِّينَ وَسَار مَعَ أَصْحَابه فلقي بِالتَّنْعِيمِ عيرًا مقبلة من الْيمن عَلَيْهَا الورس وَالْحلَل بعث بهَا بجير بن رُومَان عَامل الْيمن إِلَى يزِيد فَأَخذهَا الْحُسَيْن وَأعْطى أَصْحَابه كراهم ثمَّ سَار فَرَأى الفرزدق
стр. 1230
بالصفاح فَقَالَ لَهُ أَخْبرنِي عَن النَّاس خَلفك فَقَالَ الْقُلُوب مَعَك أَو قُلُوبهم مَعَك وَسُيُوفهمْ عَلَيْك مَعَ بني أُميَّة وَالْقَضَاء ينزل من السَّمَاء فَقَالَ الْحُسَيْن صدقت لله الْأَمر يفعل مَا يَشَاء كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن ثمَّ لحقه كتاب عبد الله بن جَعْفَر مَعَ ابنيه عون وَمُحَمّد يسْأَله بِاللَّه فِي الِانْصِرَاف وَالرُّجُوع لَا يهْلك نَفسه وَأهل بَيته وَإِنِّي فِي إِثْر كتابي ثمَّ جَاءَهُ كتاب عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ عَامل يزِيد على مَكَّة مَعَ أَخِيه يحيى بن سعيد بالأمان وَالتَّرْغِيب فَلم يفعل وَاعْتذر بِأَنَّهُ رأى رَسُول الله
فِي الْمَنَام يَأْمُرهُ بِأَمْر وَهُوَ مَاض لَهُ وَلما بلغ ابْن زِيَاد مسير الْحُسَيْن من مَكة بعث الْحصين بن تَمِيم التَّمِيمِي صَاحب شرطته فَنزل الْقَادِسِيَّة ثمَّ نظم الْخَيل مَا بَينه وَبَين خفان وَمَا بَينه وَبَين القطقطانة إِلَى جبل لعلع وَلَقي هُنَالك قيس بن مسْهر الْأَسدي بِكِتَاب الْحُسَيْن من الحاجر إِلَى أهل الْكُوفَة يعرفهُمْ بقدومه فَبعث بِهِ الْحصين إِلَى ابْن زِيَاد فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ اصْعَدْ الْقصر فسب الْحُسَيْن فَصَعدَ وَأدّى رِسَالَة أهل الْكُوفَة وَأَنه فَارقه بالحاجر وَلعن ابْن زِيَاد وأباه واستغفر لعَلي وبنيه فَأمر ابْن زِيَاد فَرمى بِهِ من الْقصر فتقطع وانْتهى الْحُسَيْن فِي مسيره إِلَى عبد اللَه بن مُطِيع فعذله فِيمَا جَاءَ لَهُ وَنَاشَدَهُ الله وَحُرْمَة الْإِسْلَام وَالْعرب وَبَنَات الرَّسُول لَا تَأتي الْكُوفَة فتقتلك بَنو أُميَّة فَأبى وَسَار ولقيه خبر قتل مُسلم بن عقيل بالثعلبية فَنَاشَدَهُ الله أَصْحَابه فِي الرُّجُوع فَقَالَ بَنو عقيل لَا وَالله حَتَّى ندرك ثَأْرنَا فَقل الْحُسَيْن لَا خير فِي الْعَيْش بعد هَؤُلَاءِ ثمَّ سَار فَكَانَ لَا يمر بِمَاء إِلَّا اتبعهُ من عَلَيْهِ حَتَّى انْتهى إِلَى زبالة فَلَقِيَهُ مقتل قيس بن مسْهر الْأَسدي الَّذِي أَلْقَاهُ ابْن زِيَاد من أَعلَى الْقصر فَأعْلم النَّاس الَّذين مَعَه بذلك وَقَالَ قد خذلتنا شِيعَتِنَا فَمن أحب فلينصرف وقصده أَن يوطنهم على مَا يقدمُونَ فافترقوا عَنهُ وَلم يبْق مَعَه إِلَّا أَصْحَابه الَّذين خَرجُوا مَعَه من مَكَّة فَسَار إِلَى سرف ثمَّ سَار مِنْهَا إِلَى منتصف النَّهَار فَلَقِيَهُمْ الْحر بن يزِيد التَّمِيمِي وَلما رَآهُ قَالَ لَهُ بعض النَّاس مَعَه مل بِنَا إِلَى ذِي جشم تَجْعَلهُ عَن يسارك ونستقبل الْقَوْم من وَجه وَاحِد فَفعل وسبقهم إِلَى الْجَبَل فَنزل وَجَاء الْحر فِي ألف فَارس أرْسلهُ الْحصين بن تَمِيم من الْقَادِسِيَّة يسْتَقْبل الْحُسَيْن فَقَالَ الْحُسَيْن إِنِّي لم آتِ إِلَّا بكتبكم ورسلكم فَإِن تعطوني مَا أطمئن إِلَيْهِ من الْعَهْد أقدم مِصرَكُم وَإِلَّا أرجع من
следующие страницы →