← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

أَو تمارض فَقيل لِابْنِ زِيَاد إِن شَرِيكا شَاك يقئ الدَّم وَكَانَ قد شرب الْمغرَة فَجعل يقيئها فجَاء ابْن زِيَاد يعودهُ وَكَانَ قد نزل على هَانِئ وَكَانَ شَدِيد التَّشَيُّع شهر صفّين مَعَ عَليّ فَقَالَ لمُسلم بن عقيل إِذا قلت اسقوني فَاخْرُج وَقَتله ثمَّ اقصد الْقصر فَلَا حَائِل دونه وَإِن بَرِئت من وجعي كفيتك أَمر الْبَصْرَة فَلَمَّا جَاءَ عبيد الله بن زِيَاد إِلَى منزل هَانِئ جبن مُسلم عَن قَتله وَبَقِي شريك ينبهه لذَلِك وَيَقُول اسقوني اسقوني فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَقَالَ وَيحكم اسقوني وَلَو كلنت فِيهِ نَفسِي فَلَا يُجيب حَتَّى خرج ابْن زِيَاد وَلم يصنع مُسلم شَيْئا وَكَانَ من أَشْجَع النَّاس وَلَكِن أَخَذته كبوة فَاعْتَذر عَن قَتله بِأَن هانئاً يكره ذَلِك فِي بَيته وَبِأَن عليا حدث عَن النَّبِي أَن الْإِيمَان قيد الفتك ثمَّ قضى شريك بعد ثَلَاث وَصلى عَلَيْهِ عبيد الله بن زِيَاد ثمَّ علم بعد ذَلِك بِشَأْنِهِ فَحلف لَا يحضر جَنَازَة عراقي ثمَّ إِن الْمولى الَّذِي دسه ابْن زِيَاد بِالْمَالِ اخْتلف إِلَيْهِ مُسلم بن عَوْسَجَة بعد موت شريك فَأدْخلهُ على مُسلم بن عقيل فَأخذ بيعَته وَقبض مَاله وَأقَام يخْتَلف إِلَيْهِم ويخبر ابْن زِيَاد بأحوالهم حَتَّى تبين جلبة الْأَمر وَكَانَ هَانِئ انْقَطع عَن عبيد الله بن زِيَاد بِعُذْر الْمَرَض فَدَعَا بن زِيَاد مُحَمَّد ابْن الْأَشْعَث وَأَسْمَاء بنت خَارِجَة وَعَمْرو ابْن الْحجَّاج والزبيدي وعذل هانئاً فِي انْقِطَاعه عَنهُ وَأَنه بلغ بُرْؤُهُ من الْمَرَض وَقَالَ القوه فَمُرُوهُ أَلا يَنْقَطِع عني فَلَقِيَهُ الْقَوْم ولاموه فِي ذَلِك ثمَّ حلفوا عَلَيْهِ واستركبوه مَعَهم ودخلوا بِهِ على ابْن زِيَاد وَكَانَ مكرمَاً لَهُ فَقَالَ لَهُ ابْن زِيَاد يَا هَانِئ مَا هَذِه الْأُمُور الَّتِي تربض فِي دَارك للْمُسلمين وأمير الْمُؤمنِينَ وَأخْبرهُ بشأن مُسلم بن عقيل فَأنكرهُ فَدَعَا ابْن زِيَاد الْمولى الَّذِي دَسَه عَلَيْهِم وَرَآهُ هَانِئ فَسقط فِي يَده ثمَّ قَالَ وَالله مَا دَعَوْت الرجلَ وَلَا علمت بِشَيْء من أمره وَصدقه الْخَبَر فِي مَجِيئه إِلَى دَاره واستجارته بِهِ واستحيائه من رده وَقد كَانَ من أمره مَا بلغك وَأَنا الْآن أُعْطِيك عهدا ورهينة حَتَّى أخرجه من دَاري وأعود إِلَيْك فَقَالَ لَهُ ابْن زِيَاد وَالله لَا تُفَارِقنِي حَتَّى تَأتِينِي بِهِ فَقَالَ آتِيك بضيفي تقتله وَالله لَا فعلت ثمَّ قَامَ إِلَيْهِ مُسلم بن عَمْرو الْبَاهِلِيّ وَلم يكن هُنَالك أعز مِنْهُ فَاسْتَأْذن ابْن زِيَاد ودخلا نَاحيَة ونصحه أَن يَأْتِي بِهِ فَإِنَّهُ ابْن عمهم وَلَيْسوا قاتليه وَلَا ضاربيه

стр. 1227

وَلَيْسَ عَلَيْك فِي ذَلِك منقصة وَإِنَّمَا إِلَى السُّلْطَان فَأبى ولج وسَمعه ابْن زِيَاد فاستدناه لَئِن لم تأتني بِهِ لَأَضرِبَن عنقَك قَالَ هَانِئ إِذن وَالله تكْثر البارقة وَيُقَال إِن هَانِئ لما رأى الرجل الَّذِي كَانَ عينا قَالَ أَيهَا الْأَمِير أَنْت آمن وَأهْلك فسِرْ حَيْثُ شِئْت فَأَشَارَ ابْن زِيَاد إِلَى مهْرَان مَوْلَاهُ وَهُوَ قَائِم على رَأسه فَأخذ بضفيرتي هَانِئ وَأخذ ابْن زِيَاد الْقَضِيب من يَد مهْرَان وَلم يزل يضْرب وَجه هَانِئ حَتَّى كسر أَنفه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته ثمَّ أغلق عَلَيْهِ فِي بَيت وَجَاء أَسمَاء بن خَارِجَة مُنْكرا لذَلِك لِأَن هانئاً جَاءَ فِي جواره وَأمر بِهِ ابْن زِيَاد يطرد عَنهُ وَحبس وَأظْهر مُحَمَّد بن الْأَشْعَث الرِّضَا وَجلسَ وَبلغ عَمْرو بن حجاج أَن هانئاً قتل فَأقبل فِي مذْحج وَأَحَاطُوا بقصر ابْن زِيَاد وَأمر ابْن زِيَاد القَاضِي شريحاً أَن يعلمهُمْ بحياة هَانِئ بعد أَن أدخلهُ عَلَيْهِ فَرَآهُ حَياً فَأخْبرهُم فانصرفوا وَجَاء الْخَبَر إِلَى مُسلم بن عقيل وَكَانَ قد بَايعه ثَمَانِيَة عشر ألفا وَحَوله فِي الدَّار أَرْبَعَة آَلاف فَنَادَى فيهم وَركب نَحْو قصر عبيد الله بن زِيَاد وأحاط بِهِ وامتلأ الْمَسْجِد والسوق من النَّاس إِلَى السَّمَاء وضاق بعبيد الله بن زِيَاد أمره وَلَيْسَ مَعَه فِي الْقصر إِلَّا نَحْو خمسين رجلا من أهل بَيته ومواليه وتسلل إِلَيْهِ الْأَشْرَاف وَأمر كثير بن الْحَارِث أَن يخرج فِيمَن أطاعه من مذْحج فيخذل عَنهُ النَّاس وَأمر ابْن الْأَشْعَث أَن يخرج فِيمَن أطاعه من كِنْدَة وحضرموت وَيرْفَع راية أَمَان لمن حماه من النَّاس وَبعث بِمثل ذَلِك الْقَعْقَاع بن شور الذهلي وشبيب بن ربعي التَّمِيمِي ومجاز بن أبي أبجر الْعجلِيّ وشمر بن ذِي الجوشن الضبابِي وَترك وُجُوه النَّاس عِنْده استئناساً بهم وَخرج أُولَئِكَ النَّفر على النَّاس فافترقوا عَن مُسلم بن عقيل إِلَى أَن بَقِي فِي الْمَسْجِد فِي ثَلَاثِينَ فَخرج واختفى عِنْد عَجُوز من ذَوي ابْن الْأَشْعَث وتعرف إِلَيْهَا فأخنفته وَخرج ابْن زِيَاد إِلَى الْمَسْجِد قبل الْعَتَمَة ونادى فِي النَّاس فَامْتَلَأَ الْمَسْجِد وأحضر الْحصين بن تَمِيم وَكَانَ على الشَّرْط أَن يفتش الدّور وَشعر ابْن الْعَجُوز بِمُسلم بن عقيل عِنْد أمه فَأتى عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْأَشْعَث فَأخْبرهُ وَأخْبر أَبَاهُ فَأخْبر ابْن زِيَاد فَقَالَ ائْتِنِي بِهِ السَّاعَة وَبعث مَعَه عمر بن عبيد الله السّلمِيّ فِي

стр. 1228

سبعين من قيس فَلَمَّا أَتَوا الدَّار وَسمع مُسلم بن عقيل الأصوت خرج بِسَيْفِهِ وَمَا زَالَ يحمل عَلَيْهِم وَقطعت شفته الْعليا وَسَقَطت ثنيتاه وألقوا عَلَيْهِ النَّار والقصب وَهُوَ يُقَاتل حَتَّى أثخن وَعجز عَن الْقِتَال فَأَمنهُ ابْن الْأَشْعَث وَحمله على بغل وانزعوا سَيْفه فَقَالَ هَذَا أول الْغدر وبكَى فعذله عَمْرو بن عبيد الله السّلمِيّ فَقَالَ إِنَّمَا أبْكِي على الْحُسَيْن وَآله قلت خَيبَ الله أهل الْعرَاق الخونة الْفجار وأحلَهم الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار ثمَّ قَالَ مُسلم لِابْنِ الْأَشْعَث عساك أَن تبْعَث تخبر الْحُسَيْن بحالي ليرْجع بِأَهْل بَيته وَلَا يغتر بِأَهْل الْكُوفَة فَفعل ذَلِك ابْن الْأَشْعَث ولقيه الرَّسُول بزبالة وَقد جَاءَهُ كتاب مُسلم فِي بِالْأولِ يُخبرهُ بِمن بَايعه ويستحثه على السّير فَقَالَ الْحُسَيْن حِين قَرَأَ كتاب الْأَشْعَث كُل مَا قدر كَائِن وَعند الله نحتسب أَنْفُسنَا وَفَسَاد أمتنَا ثمَّ أَدخل مُحَمَّد بن، الْأَشْعَث مُسلم بن عقيل على ابْن زِيَاد وَأخْبرهُ بِمَا أعطَاهُ من الْأمان فَقَالَ مَا بعثناك لتؤمنه واستسقى مُسلم وَهُوَ بَاب الْقصر فجَاء عمَارَة بن عقبَة بِمَاء بَارِد فَلم يطق الشّرْب لما كَانَ يسيل من دم فِيهِ فَتَركه وَدخل على ابْن زِيَاد فَقَالَ لَهُ لتقتلن فَقَالَ دَعْنِي لأوصي فَالْتَفت إِلَى عمر بن سعيد بن أبي وَقاص مناجاه بِأَن يقي عَنهُ دينه ويواري جثته وَيبْعَث إِلَى الْحُسَيْن يردهُ ثمَّ حاوره وأساء بعضهما على بعض ثمَّ أصعد فَوق الْقصر وَضربت عُنُقه وَتَوَلَّى ذَلِك بكير بن عمرَان لضربة أَصَابَهُ مُسلم بهَا فِي الجولة عِنْد الدَّار وَكَانَ ابْن الْأَشْعَث قد تشفع فِي هَانِئ بن عُرْوَة فوعد باستبقائه فَلَمَّا قتل مُسلم أخرج إِلَى السُّوق فَضربت عُنُقه وَبعث ابْن زِيَاد بالرأسين إِلَى يزِيد فَكتب إِلَيْهِ يزِيد يشكره ويأمره بالاحتراس وَوضع المراصد فَإِن الْحُسَيْن قد سَار إِلَيْك ثمَّ طلب ابْن زِيَاد الْمُخْتَار بن أبي عبيد وَعبيد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل وَكَانَا جَاءَا مَعَ مُسلم بن عقيل فحبسهما وَلما أَرَادَ الْحُسَيْن الْمسير إِلَى الْكُوفَة بِكِتَاب مُسلم السَّابِق وَأهل العلااق جَاءَهُ عَمْرو بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام المَخْزُومِي وَهُوَ بِمَكَّة فَقَالَ لَهُ بَلغنِي أَنَّك تُرِيدُ الْعرَاق فَأَنا مُشفق عَلَيْك تَأتي بلد فِيهِ الْعمَّال والأمراء وبيوتُ الْأَمْوَال وَالنَّاس عبيد الدِّينَار وَالدِّرْهَم فَلَا آمن عَلَيْك فجزاه الْحُسَيْن خيرَاً وَقَالَ لَا بدَّ لي

стр. 1229

من ذَلِك وَأَتَاهُ ابْن عَبَّاس بِمثل ذَلِك فعصاهما ثمَّ ألم عَلَيْهِ ابْن عَبَّاس وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْخرُوجِ إِلَى الْيمن فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن يَا بن عمي لَا أنقض عزمي قَالَ فَإذْ قد عَصَيْتنِي فَلَا تسر بنسائك وَلَا صبيانك فَإِنِّي أَخَاف أَن تقتل وهم ينظرُونَ كَمَا قتل عُثْمَان وَلَقَد أَقرَرت عين ابْن الزبير بخروجك من الْحجاز ثمَّ الْتفت إِلَى ابْن الزبير فَإِذا هُوَ فِي جمَاعَة من قُرَيْش قد استعلاهم بالْكلَام فجَاء حَتَّى ضرب بِيَدِهِ بَين عضديه فَقَالَ أَصبَحت وَالله كَمَا قَالَ فأنشده // (من الرجز) // (يَا لَكِ مِنْ قُنْيُبرَةٍ بِمَعْمَرِ ... خَلَا لَكِ الجَوُّ فبِيضِي وَاصْفِرِي) (وَنَقِّرِي مَا شِئْتِ أَنْ تُنَقِّرِي ... قَدْ رُفِعَ الفَخُّ فَمَاذَا تَنْظُرِي) خلا الْحجاز من الْحُسَيْن بن عَليّ وَأَقْبَلت تهدر فِي جوانبها فغب ابْن الزبير وَقَالَ وَالله إِنَّك لترى أَنَّك أَحَق بِهَذَا الْأَمر من غَيْرك فَقَالَ ابْن عَبَّاس إِنَّمَا يرى ذَلِك من كَانَ فِي حَال مثلك وَأَنا من ذَلِك على يَقِين فَقَالَ ابْن الزبير وَبِأَيِّ شَيْء تحقق عنْدك أَنَّك أَولَى بِهَذَا الْأَمر مني فَقَالَ ابْن عَبَّاس أَنا أَحَق بِمن تدلي بِحقِّهِ وَبِأَيِّ شَيْء تحقق عنْدك أَنَّك أَحَق بِهَذَا الْأَمر من سَائِر الْعَرَب إِلَّا بِنَا فَقَالَ ابْن الزبير تحقق عِنْدِي أَنِّي أَحَق بهَا مِنْكُم لشرفي عَلَيْكُم قَدِيما وحديثاً فَقَالَ ابْن عَبَّاس أَنْت أشرف أم من شرفت بِهِ فَقَالَ ابْن الزبير إِن من شرفت بِهِ زادني شرفاً إِلَى شرف قديم كَانَ لي قَالَ أَفَمَن الزِّيَادَة أم مِنْك قَالَ بل مِنْك فَتَبَسَّمَ ابْن عَبَّاس فَقَالَ ابْن الزبير يَا بن عَبَّاس دَعْنِي من لسَانك هَذَا الَّذِي تقلبه كَيفَ شِئْت وَالله لَا تحبوننا يَا بني هَاشم أبدا قَالَ ابْن عَبَّاس صدقت نَحن أهل بَيت مَعَ الله لَا نحب من أبغضه الله تَعَالَى فَقَالَ مَا يَنْبَغِي لَك أَن تصفح عَن كلمة وَاحِدَة فَقَالَ إِنَّمَا أصفح عَمَّن أقرّ وَأما عَمَّن هر فَلَا وَالْفضل لأهل الْفضل قَالَ ابْن الزبير فَأَيْنَ الْفضل قَالَ عندنَا أهل الْبَيْت لَا نَصرِفُهُ عَن أَهله وَلَا نضعه فِي غير أَهله فنندم قَالَ ابْن الزبير فبظلم فلست من أَهله قَالَ بلَى إِن نبذت الْحَسَد ولزمت الْحُدُود وانقضى حَدِيثهمْ وَقَامَ الْقَوْم فَتَفَرَّقُوا وَكَانَ خُرُوج الْحُسَيْن من مَكَّة يَوْم التَّرويَة من سنة سِتِّينَ وَسَار مَعَ أَصْحَابه فلقي بِالتَّنْعِيمِ عيرًا مقبلة من الْيمن عَلَيْهَا الورس وَالْحلَل بعث بهَا بجير بن رُومَان عَامل الْيمن إِلَى يزِيد فَأَخذهَا الْحُسَيْن وَأعْطى أَصْحَابه كراهم ثمَّ سَار فَرَأى الفرزدق

стр. 1230

بالصفاح فَقَالَ لَهُ أَخْبرنِي عَن النَّاس خَلفك فَقَالَ الْقُلُوب مَعَك أَو قُلُوبهم مَعَك وَسُيُوفهمْ عَلَيْك مَعَ بني أُميَّة وَالْقَضَاء ينزل من السَّمَاء فَقَالَ الْحُسَيْن صدقت لله الْأَمر يفعل مَا يَشَاء كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن ثمَّ لحقه كتاب عبد الله بن جَعْفَر مَعَ ابنيه عون وَمُحَمّد يسْأَله بِاللَّه فِي الِانْصِرَاف وَالرُّجُوع لَا يهْلك نَفسه وَأهل بَيته وَإِنِّي فِي إِثْر كتابي ثمَّ جَاءَهُ كتاب عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ عَامل يزِيد على مَكَّة مَعَ أَخِيه يحيى بن سعيد بالأمان وَالتَّرْغِيب فَلم يفعل وَاعْتذر بِأَنَّهُ رأى رَسُول الله فِي الْمَنَام يَأْمُرهُ بِأَمْر وَهُوَ مَاض لَهُ وَلما بلغ ابْن زِيَاد مسير الْحُسَيْن من مَكة بعث الْحصين بن تَمِيم التَّمِيمِي صَاحب شرطته فَنزل الْقَادِسِيَّة ثمَّ نظم الْخَيل مَا بَينه وَبَين خفان وَمَا بَينه وَبَين القطقطانة إِلَى جبل لعلع وَلَقي هُنَالك قيس بن مسْهر الْأَسدي بِكِتَاب الْحُسَيْن من الحاجر إِلَى أهل الْكُوفَة يعرفهُمْ بقدومه فَبعث بِهِ الْحصين إِلَى ابْن زِيَاد فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ اصْعَدْ الْقصر فسب الْحُسَيْن فَصَعدَ وَأدّى رِسَالَة أهل الْكُوفَة وَأَنه فَارقه بالحاجر وَلعن ابْن زِيَاد وأباه واستغفر لعَلي وبنيه فَأمر ابْن زِيَاد فَرمى بِهِ من الْقصر فتقطع وانْتهى الْحُسَيْن فِي مسيره إِلَى عبد اللَه بن مُطِيع فعذله فِيمَا جَاءَ لَهُ وَنَاشَدَهُ الله وَحُرْمَة الْإِسْلَام وَالْعرب وَبَنَات الرَّسُول لَا تَأتي الْكُوفَة فتقتلك بَنو أُميَّة فَأبى وَسَار ولقيه خبر قتل مُسلم بن عقيل بالثعلبية فَنَاشَدَهُ الله أَصْحَابه فِي الرُّجُوع فَقَالَ بَنو عقيل لَا وَالله حَتَّى ندرك ثَأْرنَا فَقل الْحُسَيْن لَا خير فِي الْعَيْش بعد هَؤُلَاءِ ثمَّ سَار فَكَانَ لَا يمر بِمَاء إِلَّا اتبعهُ من عَلَيْهِ حَتَّى انْتهى إِلَى زبالة فَلَقِيَهُ مقتل قيس بن مسْهر الْأَسدي الَّذِي أَلْقَاهُ ابْن زِيَاد من أَعلَى الْقصر فَأعْلم النَّاس الَّذين مَعَه بذلك وَقَالَ قد خذلتنا شِيعَتِنَا فَمن أحب فلينصرف وقصده أَن يوطنهم على مَا يقدمُونَ فافترقوا عَنهُ وَلم يبْق مَعَه إِلَّا أَصْحَابه الَّذين خَرجُوا مَعَه من مَكَّة فَسَار إِلَى سرف ثمَّ سَار مِنْهَا إِلَى منتصف النَّهَار فَلَقِيَهُمْ الْحر بن يزِيد التَّمِيمِي وَلما رَآهُ قَالَ لَهُ بعض النَّاس مَعَه مل بِنَا إِلَى ذِي جشم تَجْعَلهُ عَن يسارك ونستقبل الْقَوْم من وَجه وَاحِد فَفعل وسبقهم إِلَى الْجَبَل فَنزل وَجَاء الْحر فِي ألف فَارس أرْسلهُ الْحصين بن تَمِيم من الْقَادِسِيَّة يسْتَقْبل الْحُسَيْن فَقَالَ الْحُسَيْن إِنِّي لم آتِ إِلَّا بكتبكم ورسلكم فَإِن تعطوني مَا أطمئن إِلَيْهِ من الْعَهْد أقدم مِصرَكُم وَإِلَّا أرجع من

стр. 1231

حَيْثُ جِئْت ثمَّ حضرت الصَّلَاة فصلى الْحُسَيْن وَصلى الْحر وَأَصْحَابه بِصَلَاتِهِ ثمَّ اسْتَقْبَلَهُمْ وأنمى عَلَيْهِم شَأْن الْكتب وذم الْوُلَاة فَقَالَ الْحر وَالله مَا نَدْرِي لسنا من هَؤُلَاءِ وَإِنَّمَا أمرنَا إِذا لقيناك ألَا نُفَارِقك حَتَّى نقدمك الْكُوفَة على ابْن زِيَاد فَقَالَ الْحُسَيْن الْمَوْت أدنى من ذَلِك ثمَّ أَمر أَصْحَابه فَرَكبُوا لينصرفوا فَمَنعهُمْ الْحر وَطَالَ بَينهمَا الْكَلَام وَقَالَ الْحر لم أومر بقتالك وَإِنَّمَا أمرت أَلا أُفَارِقك حَتَّى أقدمك الْكُوفَة فَخذ طَرِيقا غير طريقها وأكتبُ أَنا إِلَى ابْن زِيَاد واكتب أَنْت إِلَيْهِ وَإِلَى يزِيد فَعَسَى أَن يَأْتِي من الْأُمُور مَا يدْفع عني أَن أُبتلى بِشَيْء من أَمرك فتياسر عَن طَرِيق العذيب والقادسية وَسَار الْحر مَعَه وَهُوَ يعظه ويذكره حُقُوق أهل الْبَيْت وَوُجُوب طاعتهم ويقدح لَهُ فِي ولاته وأمرائه بِمَا كَانَ مَعَهم ويذكُرُ لَهُ كتب أهل الْكُوفَة ورسلهم وَالْحر يعظه وَيَقُول لَهُ اتَّقِ الله فِي نَفسك فلئن قَاتَلت لتقتلن فَيَقُول بِالْمَوْتِ تخوفني وَيضْرب الْأَمْثَال وينشد فِي الشجَاعَة فَلَمَّا رَآهُ لحر كَذَلِك عدل يسير عَنهُ نَاحيَة حَتَّى انْتَهوا إِلَى عذيب الهجانات سمي بهجان ابْن النُّعْمَان كَانَت ترعى فِيهِ فَإِذا هُوَ بأَرْبعَة فرسَان دليلهم الطرماح بن عدي الطَّائِي وأجمح الْحر حسهم فردهم فَقَالَ الْحُسَيْن هم بِمَنْزِلَة أَصْحَابِي وَإِلَّا ناجزتك ثمَّ أخبرهُ بِخَبَر الْكُوفَة وَقتل قيس بن مسْهر فَبكى وَقَرَأَ ﴿فَمِنهُم مَّن قَضَى نَحبَه وَمنهُم مَن يَنتَظِر﴾ الْأَحْزَاب ٢٣ ثمَّ دَعَا لَهُم وَقَالَ لَهُ الطرماح مَا أرى مَعَك كثير أحد وَلَو لم يقاتلك إِلَّا هَؤُلَاءِ الَّذين مَعَ الْحر لكانوا أَكثر من كفْئِكَ فَكيف بِمن سَار إِلَيْك من الْكُوفَة فَلم تَرَ عَيْنَايَ جمعا أَكثر مِنْهُم فأنشدك الله ألَا تتقدم إِلَيْهِم شبْرًا وَإِن أردْت فسر معي انْزِلْ جبلنا أجأ فقد امتنعنا بِهِ وَالله من مُلُوك غَسَّان وحمير والنعمان وَمن الْأَبْيَض والأحمر وتجتمع إِلَيْك طَيئ فِي عشْرين ألفَاً لَا يُوصل إِلَيْك وَفِيهِمْ عين تطرف فجزاه خيرا وَقَالَ قد عاهدنا هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين مَعنا فَلَا بُد من الْوَفَاء لَهُم فودعه الطرماح وَانْصَرف فَسَار الْحُسَيْن ومَرَ بقصر بني مقَاتل فَرَأى فسطاطاً لِعبيد الله بن الْحر الْجعْفِيّ فاستدعاه فَقَالَ وَالله مَا خرجت من الْكُوفَة إِلَّا فرارَاً من الْحُسَيْن فَركب الحسينُ وجاءه وَدعَاهُ إِلَى النُّصْرَة أَو أَن يكون مِمَّن يكف فَأَجَابَهُ إِلَى هَذِه

стр. 1232

ثمَّ ركبُوا من الْغَد وَأَرَادَ أَن يُفَارق الْحر فَمَنعه وَإِذا بِكِتَاب من ابْن زِيَاد إِلَى الْحر يَأْمُرهُ أَن يجعجع بالحسين حَتَّى يَجِيء كِتَابه وَرَسُوله وَلَا ينزله إِلَّا بالعراء فِي غير حصن وَلَا مَاء وَقد أمرت الرَّسُول أَن يلزمك حَتَّى يأتيني بإنفاذك أَمْرِي فَقَرَأَ الْحر الْكتاب وَأعلم الْحُسَيْن وَأَصْحَابه بِمَا فِيهِ فَقَالُوا دَعْنَا ننزل فِي الغاضرية فَقَالَ لَا أَسْتَطِيع وَهَذَا الرجل قد بعث عينا عَليّ فَقَالَ زُهَيْر بن الْقَيْن وَكَانَ صَحبه من مَكَّة تعال نحاجز هَؤُلَاءِ فهم أَهْون علينا مِمَّن يأتينا بعدهمْ فَقَالَ مَا كنت لأبدأهم بِالْقِتَالِ وَذَلِكَ لليلتين من الْمحرم سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ فَلَمَّا كَانَ الْغَد قدم عمر بن سعد بن أبي وَقاص من الْكُوفَة فِي أَرْبَعَة آلَاف وَكَانَ ابْن زِيَاد جهزه إِلَى حَرْب الديلم وَكتب لَهُ عَهده على الرّيّ فَلَمَّا كَانَ أَمر الْحُسَيْن دَعَاهُ أَن يقدم حربه ثمَّ يرجع إِلَى عمله فاستعفاه فَقَالَ نعم على أَن ترد ولَايَة الرّيّ فَقَالَ أمهلني وَاسْتَشَارَ أَصْحَابه فكلهم نَهَاهُ غير ابْن أُخْته حَمْزَة ابْن الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَقَالَ لَهُ تَفْتَدِي من دم الْحُسَيْن بسُلْطَان الأَرْض لَو كَانَ لَك ثمَّ غذا على ابْن زِيَاد واستعفاه ثَانِيَة فَقَالَ لَهُ مثل الأول قَالَ فَإِنِّي سَائِر وَأَقْبل فِي الجيوش حَتَّى نزل بالحسين وَبعث إِلَيْهِ يسْأَله مَا جَاءَ بِهِ فَقَالَ كُتُبُ أهل الْكُوفَة فَأَما إِذْ كرهوني فَأَنا أنصرف عَنْهُم فَكتب بذلك إِلَى ابْن زِيَاد فَكتب إِلَيْهِ أَن يعرض على الْحُسَيْن الْبيعَة أَو يمنعهُ وَمن مَعَه من المَاء فَأرْسل عَمْرو بن الْحجَّاج إِلَى الشَّرِيعَة ومنعوهم المَاء وَاشْتَدَّ عَلَيْهِم الْعَطش فَرَكبُوا إِلَى المَاء وقاتلوا عَلَيْهِ وملئوا قربهم ثمَّ بعث الْحُسَيْن إِلَى عمر فِي اللِّقَاء فَلَقِيَهُ لَيْلًا وتحادثا طَويلا وافترقا وَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُ الْحُسَيْن دَعونِي أرجع إِلَى الْمَكَان الَّذِي جِئْت مِنْهُ أَو أذهب فِي الأَرْض العريضة حَتَّى يَسْتَقِيم أَمر النَّاس وَكتب عمر بذلك إِلَى عبيد الله بن زِيَاد يبشره بِأَن الله أطفأ النائرة وَجمع الْكَلِمَة فَقبل ابْن زِيَاد ذَلِك وَقَامَ إِلَيْهِ شمر بن ذِي الجوشن مُنْكرا لذَلِك وَقَالَ تقبل ذَلِك مِنْهُ وَقد نزل بأرضك وَلَئِن رَحل وَلم

стр. 1233

تضع يدك فِي يَده لَيَكُونن أعز وَتَكون أعجز وَلَكِن لينزل على حكمك وَقد بَلغنِي أَن الْحُسَيْن وَعمر باتا يتحادثان عَامَّة ليلتهما بَين العسكرين فَقَالَ ابْن زِيَاد نِعمَ مَا رَأَيْت اخْرُج إِلَيْهِ أَنْت بِهَذَا الْكتاب ليعرض على الْحُسَيْن وَأَصْحَابه النُّزُول على حكمي وَيبْعَث بهم سلما وَإِن امْتَنعُوا فليقاتلهم وَإِن أَبى عمر من ذَلِك فَأَنت الْأَمِير وَابعث إِلَيّ بِرَأْسِهِ وَكتب إِلَى عمر بذلك وعنفه على المطاولة والشفاعة وَأَن يفعل مَا أمره بِهِ وَإِلَّا فليعتزل الْعَسْكَر ويخلي بَين شمر وَبَينه وَكتب مَعَه أَمَانًا لبني عَليّ بن أبي طَالب من أم الْبَنِينَ بنت حذام وهم الْعَبَّاس وَعبيد الله وجعفر وَعُثْمَان سَأَلَهُ الْأمان لَهُم عبد الله ابْن خالهم أبي الْمحل بن حرَام وَكَانَ حَاضرا عِنْد ابْن زِيَاد فَردُّوا أَمَانه وقلوا لَا حَاجَة لنا فِيهِ وَلما أَتَى شمر إِلَى عمر قَالَ لَهُ يَا شمر أَظُنك أَنْت تثنيه عَمَّا كتبت بِهِ إِلَيْهِ وأفسدت علينا أموراً أَرْجُو أَن تصلح وَالْحُسَيْن وَالله لَا يستسلم أبدا ونهض إِلَيْهِ عَشِيَّة تاسوعاء فَركب الْعَبَّاس أَخُو الْحُسَيْن فِي عشْرين فَارِسًا وتلقاهم فأخبروه بِمَا جَاءَ بِهِ من أَمر ابْن زِيَاد فجَاء بِهِ إِلَى الْحُسَيْن فَقَالَ ارْجع إِلَيْهِم ووخرهم إِلَى الْغَدَاة لنستكثر من الصَّلَاة وَالدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار فَوَعَدَهُمْ الْحُسَيْن إِلَى الْغَدَاة فإمَّا رَضِينَا وَإِلَّا رددناه فَشَاور عمر أَصْحَابه فَأَشَارَ بَعضهم بإمهاله وَهُوَ عَمْرو بن الْحجَّاج الزبيدِيّ فَقَالَ وَالله لَو كَانَ من الديلم لوَجَبَ إمهاله وَأَشَارَ قيس بن الْأَشْعَث بالمناجزة وَقَالَ ليصبحنك بِالْقِتَالِ فَرجع عمر وَجمع الْحُسَيْن أَصْحَابه واستشارهم وجزاهم خيرَاً وَأذن لَهُم فِي الانطلاق وَقَالَ هَذَا اللَّيْل قد غشيكم فاتخذوه جملا وافترقوا فِي الْبِلَاد وَالْقَوْم إِذا أصابوني لَهُوا عَن غَيْرِي فَأَبَوا فَقَالَ يَا بني عقيل حسبكم من الْقَتْل بِمُسلم واذهبوا فقد أَذِنت لكم قَالُوا مَا تَقول النَّاس وَالله لَا نَفْعل ولنقاتلن مَعَك حَتَّى نرد موردك وَقَامَ إِلَيْهِ بعض أَصْحَابه من غير عشيرته فَقَالَ كَيفَ نتخلى عَنْك وَلم نغدر إِلَى الله فِي حَقك وَالله لَا أُفَارِقك حَتَّى أكسر رُمْحِي وسيفي وأقذفهم بِالْحِجَارَةِ دُونك حَتَّى أَمُوت وَتكلم أَصْحَابه بِمثل ذَلِك فجزاهم خيرَاً وسمعن أخواته بذلك فطفقن يعولن ويلطمن حَتَّى غشي على بَعضهنَّ فجَاء إلَيْهِنَّ وعزاهن برَسُول الله وَمن سلف

стр. 1234

من قومه وعاهَدنَ أَلا يكثرن الصُّرَاخ عَلَيْهِ وَلَا يشققن الْجُيُوب وَلَا يخمشن الْوُجُوه وَلَا يدعين بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور ثمَّ أَمر أَن تدخل أطناب الْبيُوت بَعْضهَا فِي بعض ليستقبلوا الْعَدو من أمامهم ثمَّ قَامُوا يصلونَ وَيدعونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ حَتَّى أصبح وَذَلِكَ يَوْم عَاشُورَاء وَركب عمر بن سعد فِي التعبئة وعبأ الْحُسَيْن أَصْحَابه اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ فَارِسًا وَأَرْبَعين رَاجِلا وَأعْطى رايته أَخَاهُ الْعَبَّاس وَضرب للحسين فسطاط أَمَام أخبيته فَدخل فِيهِ وَاسْتعْمل النورة ثمَّ أميت لَهُ الْمسك فِي جَفْنَة وأطلى بِهِ ثمَّ ركب وَوضع الْمُصحف أَمَامه وَقَاتل أَصْحَابه بَين يَدَيْهِ وَهُوَ يَدْعُو ثمَّ تقدم على رَاحِلَته ونادى النَّاس وَوعظ وَذكر بحقوقه وَقَالَ إِن كذبتموني فعندكم من يُخْبِركُمْ سلوا جَابر بن عبد الله وَأَبا سعيد وأنساً وسُهَيل بن سعد وَزيد ابْن أَرقم يُخْبِرُوكُمْ بِمَا سمعُوا من رَسُول الله فِي حَقنا أهل الْبَيْت أما فِي هَذَا حاجز يحجزكم عَن دمي تطلبوني بمالٍ أَو دمٍ أَو قصاصٍ فَلم يُجِيبُوهُ فَنَادَى يَا شبيب بن ربعي يَا حجار بن أبجر يَا قيس بن الْأَشْعَث يَا زيد بن لحارث ألم تكْتبُوا إِلي بالقدوم قَالُوا لَا قَالَ بلَى قد فَعلْتُمْ فدعوني أنصرف إِلَى مأمني من الأَرْض فَقَالَ لَهُ قيس أَفلا تنزل على حكم ابْن زِيَاد وَهُوَ ابْن عمك قَالَ لَا وَالله لَا أعطي يَدي إِعْطَاء الذَّلِيل وَلَا أقرّ إِقْرَار العَبْد عباد لله إِنِّي عذت بربي وربكم أَن ترجمون أعوذ بربي وربكم من كل متكبرِ لَا يُؤمن بِيَوْم الْحساب ثمَّ أَنَاخَ رَاحِلَته وَنزل عَنْهَا وَخرج زُهَيْر بن الْقَيْن وَهُوَ شاكي السِّلَاح وَكَانَ صحب الْحُسَيْن من مَكَّة فَوقف بَين الْعَسْكَر وَوعظ أهل الْكُوفَة ونصحهم ودعاهم إِلَى نصْرَة ابْن رَسُول الله وخذلان ابْن زِيَاد وأفحش فِي ذمّ عبيد الله وَأَبِيهِ وَقَالَ يقتلانكم ويقطعانكم ويسملانكم ويقتلان أماثلكم اذْكروا حجر بن عدي وهانئ بن عُرْوَة فَشَتَمُوهُ وأثنوا على ابْن زِيَاد وَقَالُوا لَا نَبْرَح حَتَّى نقتلكم أَو نأسركم فَقَالَ لَهُم أعيذكم بِاللَّه أَن تقتلُوا ابْن فَاطِمَة خلوا بَينه وَبَين ابْن مُعَاوِيَة فَإِن يزِيد يُرْضِي مِنْكُم بِدُونِ هَذَا ثمَّ رَمَاه شمر وَشَتمه فتشاتما سَاعَة ثمَّ رده الْحُسَيْن فَرجع

стр. 1235

وَلما زحف عمر بن سعد نَحْو الْحُسَيْن قَالَ لَهُ الْحر بن يزِيد الَّذِي كَانَ جَاءَ ليلازم الْحُسَيْن أمقاتل أَنْت هَذَا الرجل قل نعم قَالَ وَلَا تقبلون مِنْهُ وَاحِدَة من الْخِصَال الَّتِي عرض عَلَيْكُم فَقَالَ عمر لَو كَانَ الْأَمر إِلَيّ لفعلتُ وَلَكِن أميرنا أَبى ذَلِك ثمَّ أقبل يدنو نَحْو الْحُسَيْن حَتَّى استراب بِهِ أَصْحَابه وَلحق بِهِ وَقَالَ يَا بن رَسُول الله أَنا صَاحبك الْحر الَّذِي حبستك عَن الرُّجُوع وسايرتك فِي الطَّرِيق وجعجعت بك فِي هَذَا الْمَكَان وَوَاللَّه لَو ظَنَنْت أَنهم لَا يقبلُونَ مِنْك وَاحِدَة مِمَّا عرضت عَلَيْهِم أَو يبلغون بك هَذِه الْمنزلَة مَا فعلت الَّذِي فعلت وَقد جئْتُك تائبَاً أَمُوت دُونك أفتراها لي تَوْبَة قَالَ نعم يَتُوب الله عَلَيْك وَيغْفر لَك ثمَّ انعطف إِلَى أَصْحَابه وَقَالَ أَلا تقبلون من الْحُسَيْن وَاحِدَة مِمَّا عرض عَلَيْكُم فيعافيكم الله من حربه وقتاله فَقَالَ لَهُ عمر قد حرصت على ذَلِك وَمَا وجدت إِلَيْهِ سبيلَا ثمَّ نَادَى أهل الْكُوفَة ووبخهم على أَن دَعوه وأسلموه ثمَّ منعُوهُ من التَّوَجُّه فِي بِلَاد الله العريضة حَتَّى يَأْمَن ويأمن أهل بَيته فَأصْبح كالأسير لَا يملك لنَفسِهِ نفعا وَلَا ضراً ومنعوه وَأَصْحَابه مَاء الْفُرَات يشربه الْيَهُودِيّ والنصرانيُ والمجوسيُ وتمرغ فِيهِ كلاب السوَاد وخنازيرهم وَهُوَ وَأَهله صرعى من الْعَطش بئْسَمَا خَلفْتُمْ مُحَمَّدًا فِي ذُريَّته ودعا عَلَيْهِم فَرَمَوْهُ بِالنَّبلِ فَرجع ثمَّ تقدم عمر بن سعد برايته وَرمى بِسَهْم وَقَالَ اشْهَدُوا أَنا أول رامٍ وتبارز النَّاس وَقتل فِي البرَاز يسَار مولى زِيَاد وَسَالم مولى عبيد الله بن زِيَاد قَتلهمَا عبد الله بن عُمَيْر الْكَلْبِيّ وَكَانَ قد لحق بالحسين من الْكُوفَة وَمَعَهُ امْرَأَته ثمَّ حمل عَمْرو بن الْحجَّاج على الْحُسَيْن وَأَصْحَابه فجثوا على الركب وأشرعوا نَحوه الرماح فَلم يقدموا وذهبوا ليرجعوا فأصابوهم بِالنَّبلِ فصرعوا مِنْهُم رجَالًا وَخرج يزِيد بن حُصَيْن من أَصْحَاب الْحُسَيْن يبارز يزِيد بن معقل فبارزه فَقتله آخر دونه وَخرج عَمْرو بن قرظة الْأنْصَارِيّ فقاتل وَقتل وَقَاتل الْحر بن يزِيد مَعَ الْحُسَيْن قتالَا شَدِيدا وَقتل من أَصْحَاب عَمْرو وَصَاح عَمْرو بن الْحجَّاج بِالنَّاسِ يُقَاتلُون فرسَان الْمصر مستميتين وهم قَلِيلُونَ وَقل مَا يبقون وَلَو رميتموهم بِالْحِجَارَةِ لقتلتموهم وَوَافَقَهُ عمر فَمنع النَّاس من المبارزة ثمَّ حمل عَمْرو بن الْحجَّاج على جَانب الْحُسَيْن واقتتلوا سَاعَة وَقتل مُسلم بن عوسج الْأَسدي وَانْصَرف عَمْرو

стр. 1236

وَمُسلم صريع فجَاء إِلَيْهِ الْحُسَيْن ودعا لَهُ ودنا مِنْهُ حبيب بن مظَاهر واستوصاه وَقَالَ أوصِي إِلَيْك بِهَذَا أَن تَمُوت دونه وَأَشَارَ إِلَى الْحُسَيْن فَقَالَ أفعل ثمَّ قضى مُسلم وصاحَتْ جَارِيَته وسمعها شمر بن ربعي وَقد سمع أَصْحَابه يَقُولُونَ قتلنَا مُسلم بن عَوْسَجَة فنكر قَتله وتسخط وَقَالَ أتفرحون لمثل مُسلم وَعدد مواقفه ثمَّ حمل فِي المسيرة فثبتوا ثمَّ حملُوا على الْحُسَيْن وَأَصْحَابه من كل جَانب وهم يكْرهُونَ وَلَا يحملون على جَانب من خيل الْكُوفَة إِلَّا كشفوا وَبعث عُرْوَة بن قيس وَهُوَ على خيل الْكُوفَة إِلَى عمر بن سعد أَن ابْعَثْ إِلَيْنَا الرِّجَال وَالرُّمَاة فَقَالَ لشبيب بن ربعي تقدم فَقَالَ مثلي لَا يبْعَث فِي الرُّمَاة وَكَانَ يكره ذَلِك الْقِتَال كُله فَقَالَ للحصين بن تَمِيم تقدم فرشقوا الْحُسَيْن وَأَصْحَابه بِالنَّبلِ فعقروا خيولهم وأرجلوهم وَقَاتل الْحر بن يزِيد أَشد قتال إِلَى أَن انتصف النَّهَار وَلَا يقدرُونَ يأتونهم إِلَّا من وَجه وَاحِد لِاجْتِمَاع مضاربهم فَبعث عَمْرو من يقوض تِلْكَ الْأَبْنِيَة وَكَانَ أَصْحَاب الْحُسَيْن يتخللون الْأَبْنِيَة فيقتلون الرجل يعرض أَو ينهب فَأمر عمر بن سعد فأضرمت نَار ومنعت الْعَدو من الْجَوَاز من جَانبهَا وَبلغ شمر فسطاط الْحُسَيْن ليحرقه بالنَّار فصاح بِهِ الْحُسَيْن وَالنِّسَاء وَجَاء شبيب بن ربعي فزجره عَن ذَلِك فَرجع وَاتبعهُ زُهَيْر بن الْقَيْن فِي عشيرة فكشفهم عَن الْبيُوت وَقتلُوا من أَصْحَاب شمر أَبَا عوزة الضبابِي وَعطف عَلَيْهِم فَأصَاب مِنْهُم ثمَّ حضر وَقت الصَّلَاة وَذكر أَبُو ثُمَامَة الْأنْصَارِيّ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ الْحُسَيْن الْإِمْهَال لنصلي وَوَقع الْكَلَام فِي ذَلِك بَين الْحصين بن زيد من أهل الْكُوفَة وحبِيب ابْن مظَاهر من أَصْحَاب الْحُسَيْن وَقتل الحبيب رجل من بني تَمِيم وَقَتله الْحصين وَلما قتل حبيب هد ذَلِك من الْحُسَيْن ثمَّ حمل الْحر بن يزِيد فقاتل حَتَّى قتل ثمَّ صلى الْحُسَيْن الظّهْر صَلَاة الْخَوْف ثمَّ اشْتَدَّ الْقِتَال بعد الصَّلَاة وخلصوا إِلَى الْحُسَيْن فاستقدم الْحَنَفِيّ أَمَامه واستهدف لَهُم فَرَمَوْهُ حَتَّى سقط وَقَاتل زُهَيْر بن الْقَيْن حَتَّى قتل وَأسر يافع بن هِلَال الْجملِي بعد أَن قتل اثْنَي عشر مِنْهُم وَقَتله شمر فتنافر أَصْحَاب الْحُسَيْن أَن يقتلُوا بَين يَدَيهِ فَقتل مِنْهُم جمَاعَة ثمَّ رموا بِالْحِجَارَةِ من كل جَانب واستأذنه الضَّحَّاك بن عبد الله فِي الِانْصِرَاف والنجاة فَأذن

стр. 1237

لَهُ وَانْصَرف ثمَّ خلص الْقَوْم إِلَى أهل الْبَيْت فَقتل عَليّ الْأَكْبَر بن الْحُسَيْن بعد أَن حمل عَلَيْهِم مرَارًا فطعنه مرّة بن منفذ فصرع فجَاء الْحُسَيْن فَحَمله حَتَّى وَضعه بَين يَدَي فسطاطه ثمَّ رمى عبد الله بن مُسلم بن عقيل بِسَهْم فَقتل ثمَّ حمل آَخر على عون ابْن عبد الله بن جَعْفَر فَقتل ثمَّ على عبد الرَّحْمَن بن عقل فَقتل ثمَّ على جَعْفَر بن عقيل فَقتل ثمَّ على الْقَاسِم بن الْحُسَيْن فَقتل وجالوا عِنْده جَوْلَة وطئته فِيهَا الْخَيل ثمَّ انجلت الغبرة وَالْحُسَيْن قَائِم على فرسه وَهُوَ يفحص برجَليهِ ثمَّ احتمله فَأَلْقَاهُ مَعَ ابْنه عَليّ وقتلى أهل بَيته وَمكث الْحُسَيْن طَويلا من النَّهَار وَالنَّاس يتحاشَونَ قَتله ثمَّ جَاءَ مَالك بن النسير من كِنْدَة فربه على رَأسه بِالسَّيْفِ فأدماه ودعا الْحُسَيْن بِابْنِهِ عبد الله وَهُوَ محتير فأجلسه فِي حجره فَرمى بِسَهْم ذبحه ثمَّ رمى أَبُو بكر بن الْحُسَيْن بِسَهْم فَقتل ثمَّ تقدم الْعَبَّاس بن عَليّ وأخوته من أمه فَقتلُوا جَمِيعًا وَاشْتَدَّ عَطش الْحُسَيْن فجَاء ليشْرب من الْفُرَات فَرمى حُصَيْن بن تَمِيم بِسَهْم فِي فَمه فَجعل يتلَقَّى الدَّم وَيَدْعُو ثمَّ أقبل شمر بن ذِي الجوشن فِي عشرَة من رجالته فحالوا بَين الْحُسَيْن وَبَين أَهله فَقَالَ امنعوا أَهلِي ورحلي من طَعَامكُمْ فَقَالَ ذَلِك لَك ثمَّ حمل عَلَيْهِم وحملوا عَلَيْهِ وَأَحَاطُوا بِهِ من يَمِينه وشماله وَخرجت زَيْنَب تنادي فَلَقِيت عمر بن سعد فَقَالَت يَا عمر يقتل أَبُو عبد الله وَأَنت تنظر فَبكى وزوى عَنْهَا وَجهه ثمَّ نَادَى شمر مَاذَا تنتظرون بِالرجلِ فحملوا عَلَيْهِ وَضرب زرْعَة بن شريك التَّمِيمِي كتفه الْأَسير وعَلى عَاتِقه فأوهنه ثمَّ طعنه سِنَان بن قيس النَّخعِيّ بِالرُّمْحِ وَقَالَ لخولى بن يزِيد الأصبحي جز رَأسه فأرعد فَنزل إِلَيْهِ سِنَان فَأخذ رَأسه وَدفعه إِلَى خولى وسلب مَا كَانَ عَلَيْهِ فَأخذ سراويله بَحر بن كَعْب وقطيقته قيس بن الْأَشْعَث وَكَانَت من خَز وسيفه رجل من درام وانتهب النَّاس ثقله ومتاعه وأبله وسلبوا نِسَائِهِ ونتهوا إِلَى عَليّ بن الْحُسَيْن وَهُوَ مَرِيض وَأَرَادَ الشمر قَتله فَمَنعه حميد بن مُسلم وَجَاء عمر بن سعيد وَقَالَ لَا يدخلن بَيت النُّبُوَّة أحد وَلَا يعرض لهَذَا الْغُلَام الْمَرِيض وليرد عَلَيْهِم مَتَاعهمْ وَلم ينج من الْقَوْم إِلَّا اثْنَان ونادى عمر بن

стр. 1238

سعد فِي أَصْحَابه من ينتدب للحسين فيوطئه فرسه وَكَانَ ابْن زِيَاد أمره بذلك فَانْتدبَ عشرَة فداسوه حَتَّى ضروا ظَهره وصدره وَكَانَ بِهِ ثَلَاث وَثَلَاثُونَ طعنة وَأَرْبع وَثَلَاثُونَ ضَرْبَة وَقتل من أَصْحَابه اثْنَان وَسَبْعُونَ رجلا ودفنهم أهل الغاضرة من بني أَسد وَقتلُوا من أَصْحَاب عمر بن سعيد مائَة وَثَمَانِينَ رجلا فصلى عَلَيْهِم ودفنهم وَبعث بِرَأْس الْحُسَيْن ورءوس أَصْحَابه إِلَى ابْن زِيَاد مَعَ شمر وَقيس بن الْأَشْعَث عَمْرو بن الْحجَّاج وَعُرْوَة بن قيس وأحضرها بَين يَدَيْهِ وَجعل ينكت بِقَضِيبِهِ بَين ثنيتي الْحُسَيْن فَقَالَ لَهُ زيد بن الأرقم ارْفَعْ قضيبك عَنْهَا فَلَقَد رَأَيْت شفتي رَسُول الله على هَاتين الشفتين يقبلهما ثمَّ بَكَى فزجره ابْن زِيَاد فَخرج مغضبَاً ثمَّ ارتحل عمر بن سعد إِلَى الْكُوفَة بعد مقتلهم بيومين وَمَعَهُ نِسَائِهِم وصبيانهم وبناتهم وَعلي بن الْحُسَيْن مَرِيض ومروا بالحسين وَأَصْحَابه صرعى فأعولوا ولطموا وَلما أدخلُوا على ابْن زِيَاد قَالَ عبيد الله من هَذِه يُشِير إِلَى زَيْنَب فَقيل لَهُ هَذِه زَيْنَب بنت فَاطِمَة فكلمها وأجابته وأبلغَت فأغضبته حَتَّى قَالَ لَهُ هَذِه شجاعة وَلَقَد كَانَ أَبوك شجاعاً فَقَالَت ماللمرأة والشجاعة ثمَّ قَالَ لعَلي بن الْحُسَيْن مَا اسْمك فَأخْبرهُ فَقَالَ ألم يقتل الله عليا فَقَالَ ﴿وَمَا كَانَ لِنَفسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بإذنِ اَلله﴾ آل عمرَان ١٤٥ فَقَالَ أَنْت وَالله مِنْهُم ثمَّ قَالَ انْظُرُوا هَل أنبت فَقيل لَهُ نعم فَقَالَ اقْتُلُوهُ فَقَالَ وَمن يُوكل بِهَذِهِ النسْوَة وتعلقت بِهِ زَيْنَب وَقَالَت يَا بن زِيَاد حَسبك أما رويت من دمائنا ثمَّ اعتنقته وَقَالَت إِن قتلته فاقتلني مَعَه وَقَالَ عَليّ يَا بن زِيَاد إِن كَانَ بَيْنك وبينهن قرَابَة فَابْعَثْ مَعَهُنَّ من يصحبهن يصحبة الْإِسْلَام ثمَّ خطب النَّاس وَتعرض للحسين وَشَتمه بعض شيعته وَأمر بقتْله وصلبه ثمَّ أَمر بِرَأْس الْحُسَيْن فطيف بِهِ فِي الْكُوفَة ثمَّ بعث بِهِ وبرءوس أَصْحَابه إِلَى يزِيد مَعَ عَمْرو بن ذِي الجوشن وَيُقَال مَعَ زفر بن قيس وَبعث مَعَهم بِالنسَاء وَالصبيان محمولاتٍ على الأقتاب والغل فِي عنق عَليّ بن الْحُسَيْن ورقبته فَدخل على يزِيد

стр. 1239

زفر بن قيس فَقَالَ مَا وَرَاءَك قل أبشر بِفَتْح لله وبنصره ورد علينا الْحُسَيْن فِي ثَمَانِيَة عشر من أهل بَيته وَسِتِّينَ من شيعته وسرنا إِلَيْهِم وسألناهم أَن ينزلُوا على حكم الْأَمِير عبيد الله أوالقتال فَاخْتَارُوا الْقِتَال فغدونا عَلَيْهِم مَعَ شروق الشَّمْس فأحطنا بهم من كل نَاحيَة حَتَّى أخذت السيوف مأخذها من هام الْقَوْم وَجعلُوا يهربون إِلَى غير وزر ويلوذون بالآكام والحفر كَمَا لَاذَ الْحمام من صقر فَمَا كَانَ إِلَّا جزر جزور أَو نومَة قَائِل حَتَّى أَتَيْنَا على آخِرهم فهاتيك أجسامهم مُجَرّدَة وثيابهم مرملة وخدودهم معفرة تصهرهم الشَّمْس وتعفر عَلَيْهِم الرّيح زوارهم العقبان والرخم قَالَ فَدَمَعَتْ عينا يزِيد وَقَالَ كنت أرْضى من طَاعَتك بِدُونِ قتل الْحُسَيْن لعن الله ابْن سُمَيةَ أما وَالله لَو أَنِّي صَاحبه لعفوتُ عَنهُ فرحم الله الْحُسَيْن أَقُول بل لعن ابْن مَيْسُونُ قبل ابْن سميَّة وَبعده إِلَى يَوْم يبعثون وَيُقَال إِن آل الْحُسَيْن لما وصلوا إِلَى الْكُوفَة حَبسهم ابْن زِيَاد وَبعث إِلَى يزِيد بالْخبر فَأمره بإرسالهم إِلَيْهِ فبعثهم مَعَ نخفر بن ثَعْلَبَة وشمر ومعهما الثّقل وَالرَّأْس وأنهما لما وضعا الرَّأْس بَين يَدَيْهِ وحدثاه سَمِعت حَدِيثهمَا هِنْد بنت عبد الله بن عَامر وَكَانَت تَحت يزِيد فتسفعت بثوبها وَخرجت فَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رَأس الْحُسَيْن بن فَاطِمَة بنت رَسُول الله قَالَ نعم فأعولي عَلَيْهِ عجل عَلَيْهِ ابْن زِيَاد فَقتله قَتله الله ثمَّ دخل عَلَيْهِ النَّاس وَالرَّأْس بَين يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ إِن هَذَا وإيانا كَمَا قَالَ الْحصين بن الْحمام من // (الطَّوِيل) // (أَبَي قَوْمُنا أَنْ يُنْصِفُونَا فَأَنْصَفَتْ ... قَوَاضِبُ فِي أَيْمَانِنَا تَقْطُرُ الدِّمَا) (تُفلِّقْنَ هَاماً مِنْ رِجَالٍ أَعِزَّةِ ... علينا وَهُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَمَا) وَيُقَال إِنَّه اسْتشْهد بِبَعْض أَبْيَات قصيدة عبد الله بن الزبعري الَّتِي قَالَهَا فِي يَوْم أحد الَّتِي مطْلعهَا قَوْله من // (الرمل) // (يَا غُرَابَ البَيْنِ أَسْمَعْتَ فَقُلْ ... إِنَّماَ تنْطِقُ شَيْئًا قَدْ فُعِلْ) وَمِنْهَا قَوْله (لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا ... جزَعَ الخَزْرَجِ مِنَ وَقْعِ الأَسَلْ) وَإنَّهُ نكت فِي ثغر الْحُسَيْن بِقَضِيبِهِ كَمَا فعل ابْن زِيَاد فَقَالَ لَهُ أَبُو بزْرَة الْأَسْلَمِيّ

стр. 1240

مَا قَالَ زيد بن أَرقم لِابْنِ زِيَاد ثمَّ قَالَ يزِيد يَا حُسَيْن وَالله لَو أْني صَاحبك مَا قتلتك ثمَّ قَالَ أَتَدْرُونَ من أَيْن أَتَى الْحُسَيْن قَالَ أبي خير من أَبِيه وَأمي فَاطِمَة خير من أمه وجدي رَسُول الله خير من جده وَأَنا خير مِنْهُ فَأَما أمه وجده فَمن كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يعْتَقد غير هَذَا وَأما أبي وَأَبوهُ فقد تحاجا عِنْد الله وَمَا علم النَّاس أَيهمَا حكم لَهُ وَلكنه أَتَى من قبل الْفِقْه وَلم يقْرَأ ﴿قل اللَّهُمَّ ملك اَلمُلكَ تُؤتيِ اَلملك مَن تشَاءُ﴾ آل عمرَان ٢٦ ثمَّ أَدخل نسَاء الْحُسَيْن عَلَيْهِ وَالرَّأْس بَين يَدَيْهِ فَجعلت فَاطِمَة وسكينا بِنْتا الْحُسَيْن تتطاولان تنظران إِلَى الرَّأْس وَيزِيد يَتَطَاوَل يستر عَنْهُمَا الرَّأْس فَلَمَّا أبصرنه صحنَ فصاح نسَاء يزِيد وَبَنَات مُعَاوِيَة فَقَالَت فَاطِمَة أبنات رَسُول الله سَبَايَا يزِيد فَقَالَ يَا بنة أخي كنت لهَذَا أكره قَالَت وَالله مَا ترك لنا من خوص قَالَ أما إِنِّي سأوصل إلَيْكُنَّ مَا هُوَ أعظم مِمَّا أَخذ مِنْكُن ثمَّ أخرجن ودخلن دور يزِيد فَلم تبْق امْرَأَة فِي بيتهن إِلَّا أتتهن وأقمْنَ المأتم وَسَأَلَ عَمَّا أَخذ منهنَّ فأضعفه لَهُنَّ وَكَانَت سكينَة تَقول مَا رَأَيْت عدوا خير من يزِيد بن مُعَاوِيَة ثمَّ أَدخل عَليّ بن الْحُسَيْن مغلولاً فَقَالَ يَا يزِيد لَو رَآنِي رَسُول الله مغلولاً لفكني قَالَ صدقت وَأمر بفكه عَنهُ فَقَالَ لَو رآنا رَسُول الله على بعد لقربنا فَأمر بِهِ فَقرب مِنْهُ وَقَالَ لَهُ يَا عَليّ أَبوك الَّذِي قطع رحمي وَجَهل حَقي ونازعني سلطْاني فَصنعَ الله بِهِ مَا رَأَيْته فَقَالَ عَليّ ﴿مَا أَصَابَ مِن مُصِيبة فِي اَلأرضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُم إِلا فِي كتاب﴾ الْآيَة الْحَدِيد ٢٢ وَقَالَ يزِيد ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبةِ فَبِمَا كسبَت أيدِيكم﴾ الشورى ٣٠ ثمَّ سكت عَنهُ وَأمر بإنزاله وإنزال نِسَائِهِ فِي دَار جده ثمَّ لم يزل يذم من ابْن زِيَاد فعله فِي الْحُسَيْن وَيَقُول لعن الله ابْن مرْجَانَة سَأَلَهُ أَن يضع يَده فِي يَدي أَو يلْحق بثغر حَتَّى يتوفاه الله فَلم يجبهُ إِلَى ذَلِك وَقَتله وبغَّضني إِلَى الْمُسلمين وَزرع الْعَدَاوَة لي عِنْد الْبر والفاجر مَالِي وَلابْن مرْجَانَة لَعنه الله وَغَضب عَلَيْهِ ثمَّ أَمر النُّعْمَان بن بشير أَن يجهزهم بِمَا يصلحهم وَبعث مَعَهم إِلَى الْمَدِينَة رجلا من أهل الشَّام فِي خيل تسير مَعَهم ودعا عليا ليودعه وَقَالَ لَهُ لعن الله ابْن مرْجَانَة وَالله لَو أَنِّي صَاحب أَبِيك مَا سَأَلَني خصْلَة أبدا إِلَّا أَعْطيته إِيَّاهَا ولدفعت

стр. 1241

عَنهُ الحيف بِمَا اسْتَطَعْت وَلَو بِهَلَاك وَلَدي وَلَكِن قضى الله مَا رَأَيْت فكاتبني بأية حَاجَة تكون لَك وَأوصى بهم ذَلِك الرَّسُول فَخرج بهم فَكَانَ يسايرهم لَيْلًا من ورائهم بِحَيْثُ لَا يفوتون نظره عَن حوائجهم حَتَّى دخلُوا الْمَدِينَة فَقَالَت فَاطِمَة لأختها زَيْنَب لقد أحسن إِلَيْنَا هَذَا الرجل فَهَل لَك أَن نصله بِشَيْء فَقَالَت مَا مَعنا إِلَّا حلينا فأخرجتا سِوَارَيْنِ ودملجين لَهما فبعثتا بذلك إِلَيْهِ واعتذرتا فَرد الْجَمِيع وَقَالَ لَو كَانَ الَّذِي صَنعته للدنيا لَكَانَ فِي هَذَا مَا يرضيني وَإِنَّمَا صَنعته لله ولقرابتكم من رَسُول الله وَكَانَ ابْن زِيَاد بعث إِلَى الْمَدِينَة بِخَبَر الْحُسَيْن وَبهَا عَمْرو بن سعيد فَأعْلم النَّاس وَبكى نسَاء بني هَاشم فَلَمَّا سمع عَمْرو أصواتهن قَالَ ناعية بناعية عُثْمَان وَفِي الذَّهَبِيّ قَالَ يزِيد اليزدي حَدثنِي من شافه الْحُسَيْن بن عَليّ قَالَ رَأَيْت أبنية مَضْرُوبَة فِي الفلاة للحسين فَأَتَيْته فَإِذا شيخ يقْرَأ الْقُرْآن والدموعُ تسيل على خديه فَقلت بِأبي أَنْت وَأمي يَا بن رَسُول الله مَا أنزلك هَذِه الْبِلَاد والفلاة الَّتِي لَيْسَ بهَا أحد فَقَالَ هَذِه كتب أهل الْكُوفَة إِلَيّ لأخرج وَلَا أُرَاهُم إِلَّا قاتلي فَإِذا فعلوا ذَلِك لم يدعوا لله حُرْمَة إِلَّا انتهكوها فيسلط الله عَلَيْهِم من يذلهم حَتَّى يَكُونُوا أذلّ من قرم الْأمة يَعْنِي مقنعتها وروى الزبير بن بَكار عَن مُحَمَّد بن حسن قَالَ لما نزل عمر بن سعد بالحسين وأيقن أَنهم قَاتلُوهُ قَامَ فِي أَصْحَابه فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ قد نزل بِنَا مَا ترَوْنَ وَإِن الدُّنْيَا قد تَغَيَّرت وتنكرت حَتَّى لم يبْق مِنْهَا إِلَّا صبَابَة كَصُبَابَةِ الْإِنَاء وَإِلَّا خسيس عَيْش كالمرعى الوبيل أَلا ترَوْنَ الْحق لَا يعْمل بِهِ وَالْبَاطِل لَا ينهَى عَنهُ ليرغب الْمُؤمن فِي لِقَاء الله وَإِنِّي لَا أرى الْمَوْت إِلَّا سَعَادَة والحياة مَعَ الظَّالِمين إِلَّا ندماً وَقَالَ خَالِد الْحذاء عَن الْجريرِي إِن الْحُسَيْن لما أرهقه السِّلَاح قَالَ أَلا تقبلون مني مَا كَانَ رَسُول اله يقبله من الْمُشْركين قيل وَمَا كَانَ يقبل مِنْهُم قَالَ كَانَ إِذا جنح أحد مِنْهُم للسلم قَبِلَ مِنْهُ قَالُوا لَا قَالَ فدعوني أرجع قَالُوا لَا قَالَ فدعوني آتِي أَمِير الْمُؤمنِينَ يزِيد فأضع يَدي فِي يَده فَقَالَ لَهُ رجل أبشر بالنَّار فَقَالَ الْحُسَيْن بل إِن شَاءَ الله برحمة رَبِّي وشفاعة نبيي

стр. 1242

فقاتل فَلَمَّا استحرَ الْقَتْل بأَهْله فَإِنَّهُم لَا يزالون يقتلُون وَاحِدًا بعد واحدِ صَاح الْحُسَيْن أما ذَاب يذبكم عَن حَرِيم رَسُول الله فَحِينَئِذٍ خرج الْحر بن يزِيد بن ثَابت الْحَارِث الريَاحي فقاتل مَعَه حَتَّى قتل وَحمل الْحُسَيْن بمفرده وَقتل كثيرا من شجعانهم وَهُوَ يَقُول // (من الطَّوِيل) // (أَنَا ابْنُ عَلِيِّ الخيْرِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... كفَانِي هَذَا مفْخرًا حِينَ أَفْخَرُ) (وَجَدِّي رَسُولُ الله أَكْرَمُ مَنْ مشَى ... ونحنُ سِرَاجُ الله فِي النَّاسِ يُزْهِرُ) (وفاطمَةٌ أُمِّي سُلالَةُ أَحْمَدٍ ... وَعَمِّيَ يُدْعَى ذَا الجناحَيْنِ جَعْفَرُ) (وفِينَا كِتابُ الله أُنْزلَ صادِقًا ... وَفينَا الهُدى والوَحْيُ والخَيْرُ يُذْكَرُ) وَفِي رِوَايَة قيل إِنَّه لما جِيءَ بِرَأْسِهِ فِي طست وضع بَين يَدي ابْن زِيَاد فنكته بِقَضِيبِهِ وَقَالَ من قَتله فَقَامَ رجل قيل هُوَ الشمر بن ذِي الجوشن وَقيل سِنَان ابْن أنس النَّخعِيّ وَكَانَ قد طعن الْحُسَيْن فِي ترقوته ثمَّ انتزع الرمْح فطعنه أُخْرَى فِي ثواني صَدره فَخر ﵁ صَرِيعًا فَقَالَ لخولى بن يزِيد حز رَأسه فأرعدت يَده فَنزل سِنَان فَخر رَأسه لَا ﵏ وَلَا رَضِي عَنْهُم كَمَا تقدَم ذكر ذَلِك فَقَالَ أَنا وَأنْشد // (من الزّجر) // (أَوْقِرْ رِكَابي فِضَّةً وذهبا ... ) (إِنِّي قَتَلْتُ المِلِكَ المُحَجَّبَا ... ) (قَتَلْتُ خَيْرَ الناسِ أُمًّ وأَبَا ... ) (ومَنْ يُصَلِّي القبلتيْنِ فِي الصِّبَا ... ) (وخَيْرَهُمْ إذْ يُنْسَبُونَ نَسَبَا ... ) وَذكر كَيْفيَّة قَتلهمْ بقوله غدونا عَلَيْهِم إِلَى آخر مَا تقدم ذكره قَالَ فاسود وَجهه فِي بِالْحَال فَغَضب ابْن زِيَاد من قَوْله وَقَالَ لَهُ إِذا علمت ذَلِك فَلم قَتله وَالله لَا نلْت مني خيرا ولألحقنك بِهِ ثمَّ ضرب عُنُقه وَقتل مَعَ الْحُسَيْن ﵁ من أخوته وبنيه وَبني أَخِيه الْحسن وَمن أَوْلَاد جَعْفَر وَعقيل تِسْعَة عشرا نَفرا وَقيل أحد وَعِشْرُونَ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ مَا كَانَ على وَجه الأَرْض يَوْمئِذٍ لَهُم شَبيه رَضِي الله عَنْهُم

стр. 1243

وروى أَبُو معشر نجيح عَن بعض مشيخته أَن الْحُسَيْن قَالَ حِين نزلُوا كربلاء مَا اسمُ هَذِه الأَرْض قَالُوا كربلاء قَالَ كرب وبلاء وروى شريك عَن مُغيرَة قَالَ قَالَت مرْجَانَة لابنها عبيد الله يَا خَبِيث قَتلتَ ابْن رَسُول الله لَا ترى الْجنَّة أبدا قَالَ الْمَدَائِنِي عَن عَليّ بن مدرك عَن جده قَالَ احْمَرَّتْ آفَاق السَّمَاء بعد قتل الْحُسَيْن سِتَّة أشهر يرى فِيهَا كَالدَّمِ فَحدثت بذلك شريحاً فَقَالَ لي مَا أَنْت من الْأسود قلت هُوَ جدي أَبُو أُمِّي فَقَالَ أما وَالله إِن كَانَ لصدقاً قلت وَمَا أشجَى قَول أبي الْعَلَاء أَحْمد بن سُلَيْمَان الشهير بالعري فَإِنَّهُ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ من قصيدة // (من الْخَفِيف) // (وَعَلَى الأُفْقِ مِنْ دِمَاءِ الشَّهِيديْنِ ... علِيِّ وَنَجْلِهِ شَاهِدَانِ) (فَهُمَا فِي أَوَاخِرِ اللَّيْلِ فَجَرانِ ... وَفِي أًوليَاتِهِ شَفَقَانِ) (ثَبَتَا فِي قمِيصِهِ لِيَجِسء ... الْحشْرَ مُسْتَعْدِيًا إِلى الرَّحْمَنِ) وَكَذَا روى مثل ذَلِك سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد عَن ابْن سِيرِين قَالَ لرجل تعلم هَذِه الْحمرَة فِي الْأُفق مِم هِيَ قَالَ لَا قَالَ من يَوْم قتل الْحُسَيْن وَقَالَ جرير بن عبد الحميد عَن يزِيد بن زِيَاد قَالَ قتل الْحُسَيْن ولي أَربع عَشرَةَ سنة فَلَمَّا قتل صَار الورس الَّذِي فِي عَسْكَرهمْ رَمَادا وَكَانَ فِي قافلة من الْيمن تُرِيدُ الْعرَاق فوافتهم حِين قَتله واحمرت آفَاق السَّمَاء ونحروا نَاقَة فِي عَسْكَرهمْ وَكَانُوا يرَوْنَ فِي لَحمهَا نَارا وَقَالَ حَمَّاد بن زيد حَدثنِي جميل بن مرّة قَالَ أَصَابُوا إبِلا فِي عَسْكَر الْحُسَيْن يَوْم قتل فنحروها وطبخوها فَصَارَت مثل العلقم وَقَالَ قُرَّة بن خَالِد حَدثنَا أَبُو رَجَاء العطاردي قَالَ كَانَ لنا جَار من بلهُجَيْم

стр. 1244

فَقدم الْكُوفَة فَقَالَ مَا ترَوْنَ هَذَا الْفَاعِل ابْن الْفَاعِل قَتله الله يَعْنِي الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أَبُو رَجَاء فَرَمَاهُ الله بكوكبين من السَّمَاء فطمسا عينه وَأَنا رَأَيْته وَقَالَ معمر بن رَاشد أول مَا عرف الزُّهْرِيّ تكلم فِي مجْلِس عبد الْملك بن مَرْوَان فَقَالَ لَهُ تعلم مَا فعلت حجار بَيت المقددس يَوْم قتل الحسيِن فَقَالَ الزُّهْرِيّ إِنَّه لم يقَلب حجر فِيهِ إِلَّا وجد تَحْتَهُ دم عبيط قَالَ جَعْفَر بن سُلَيْمَان حَدَّثتنِي أم سَالم خَالَتِي قَالَت لما قتل الْحُسَيْن مُطِرْنَا مطر طالدم على الْبيُوت والجدر وروى حَمَّاد بن سَلمَة عَن عمار ابْن أبي عمار عَن ابْن عَبَّاس رَأَيْت رَسُول الله فِي الْمَنَام نصف النَّهَار أَشْعَث أغبر وَبِيَدِهِ قَارُورَة فِيهَا دم فَقلت بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله مَا هَذَا قَالَ هَذَا دَم الْحُسَيْن وأصحابِهِ وَلم أزل مُنْذُ الْيَوْم ألتقطه فأحصي ذَلِك الْيَوْم فوجدوه قتل يَوْمئِذٍ وَقَالَ حَمَّاد عَن عمار سَمِعت أم سَلمَة تَقول سمعتُ الْجِنّ تبْكي على الْحُسَيْن وتنوح عَلَيْهِ وَعَن أبي جناب الْكَلْبِيّ قَالَ أتيتُ كربلاء فَقلت لرجل من أَشْرَاف الْعَرَب فِيهَا بَلغنِي أَنكُمْ تَسْمَعُونَ نوح الْجِنّ فَقَالَ لي مَا تلقى أحدا إِلَّا أخْبرك أَنه سمع ذَلِك فَقلت لَهُ فأخبيرني مَا سَمِعت أَنْت قَالَ سمعتهم يَقُولُونَ // (من مجزوء الْكَامِل) // (مَسَحَ الرَّسُولُ جَبِينَهُ ... فَلَهُ بَريقٌ فِي الخُدُودِ) (أَبَواهُ مِنْ عُلْيَا قُرَيْشٍ ... جَدُّهُ خَيْرُ الجُدُودِ) وَلما دخل الرَّأْس على يزِيد وَوضع بَين يَدَيْهِ أنْشد الْبَيْتَيْنِ الْمُتَقَدّم ذكرهمَا

стр. 1245

// (منِ الطَّوِيل) // (أَبَى قومُنَا أَن ينصفُونَا ... ... ... ... ... ... ... .) قَالَ عبد الرَّحْمَن بن الحكم أَخُو مَرْوَان بن الحكم // (من الطَّوِيل) // (لهَامٌ بجَنْبِ الطَّفِّ أَوْفَى قَرَابَةً ... مِنِ ابْن زِيَاد العَبْدِ ذِي النَّسبِ الوغلُ) (سُمَيَّة أمسَى نَسْلُهَا عددَ الحَصَى ... وبِنْتُ رسُولِ الله ليْسَ لَهَا نَسْلُ) فَضرب يزِيد صَدره وَقَالَ اسْكُتْ قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ رُوِيَ عَن أبي عُبَيْدَة أَن يُونُس بن حبيب حَدثهُ قَالَ لما قتل الْحُسَيْن وَبَنُو أَبِيه وَبعث ابْن زِيَاد برءوسهم إِلَى يزِيد سر بِقَتْلِهِم أَولا ثمَّ نَدم ثَانِيًا فَكَانَ يَقُول وَمَا عَليّ لَو احتملت الْأَذَى وأنزلت الْحُسَيْن مني وحكمته فِيمَا يُرِيد وَإِن كَانَ فِي ذَلِك وَهن فِي سلطاني حفظا لرَسُول الله ورعاية لحقه وقرابته لعن الله ابْن مرْجَانَة يُرِيد عبيد الله بن زِيَاد فَإِنَّهُ أخرجه واضظره وَقد كَانَ سَأَلَهُ أَن يخلي سَبيله وَيرجع من حَيْثُ أقبل أَو يأْتيني فَيَضَع يَده فِي يَدي أَو يلْحق بثغر من الثغور فَأبى ذَلِك ورده عَلَيْهِ فأبغضني بقتْله الْمُسلمُونَ قَالَ المَسْعُودِيّ كَانَ قتل مُسلم بن عقيل فِي الْيَوْم الَّذِي خرج فِيهِ الْحُسَيْن من مَكَّة يَوْم التَّرويَة كَمَا تقدم ذكره قَالَ لما قتل الْحُسَيْن وَحمل رَأسه إِلَى ابْن زِيَاد خرجت بنت عقيل فِي نسَاء قومه حواسر حائرات لما ورد عَلَيْهِم من قتل السادات وَهِي تَقول شعرًا // (من الْبَسِيط) // (مَاذَا تقُولُونَ إِنْ قَالَ النَّبِيُّ لَكُمْ ... مَاذَا فعلتُمْ وأنتُمْ آخِرُ الأُممِ) (بعترتي وَبِأَهْلِي بَعْدَ مُفَتَقَدي ... نِصْفٌ أُسارَى ونصْفٌ ضُرِّجُوا بدَم) (مَا كَانَ هَذَا جَزَائي إذْ نَصَحْتُ لَكُمْ ... أَن تخْلُفونِي بسُوءٍ فِي ذَوِي رَحِمي) وَقَالَ الْمَدَائِنِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن عَمْرو بن دِينَار حَدثنِي مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن أَبِيه قَالَ لما قتل الْحُسَيْن ودخلنا الْكُوفَة لَقينَا رجل

стр. 1246

فَدَخَلْنَا منزله فألحفنا فَنمت فَلم أستيقظ إِلَّا بحس الْخَيل فِي الْأَزِقَّة فحملنا إِلَى يزِيد فَدَمَعَتْ عينا حِين رآنا وأعطينا مَا شِئْنَا وَقَالَ إِنَّه سَيكون فِي قَوْمك أَمر فَلَا تدخل مَعَهم فِي شَيْء فَلَمَّا كَانَ من أهل الْمَدِينَة مَا كَانَ كتب مَعَ مُسلم بن عقبَة المُري كتابا فِيهِ أماني فَلَمَّا فرغ مُسلم من الْحرَّة بعث إِلَيّ فَجِئْته وَقد أيقنتُ بالموتِ فَكتبت وصيتي فَرمى إِلَيّ الْكتاب فَإِذا فِيهِ اسْتَوْصِ بعلي ابْن الْحُسَيْن خيرا فَإِن دخل مَعَهم فِي أَمرهم فأمنهُ واعفُ عَنهُ وَإِن لم يكن مَعَهم فقد أصَاب وَأحسن وَقَالَ رزق الله بن عبد الْوَهَّاب الجبائي فِي الْحُسَيْن ﵁ شعرًا // (من الْكَامِل) // (رَأْسُ ابنِ بنتِ محمدٍ ووصيِّهِ ... للمسلمينَ عَلَى قَنَاةٍ يُرْفَعُ) (والمُسْلِمُونَ بمنظرٍ وبمسْمَع ... لَا جازعٌ فيهمْ وَلَا مُسْتَرْجِعُ) (أيقظْتَ أجفانًا وكنْت أنمتهَا ... وأنمْتَ علينا لم تَكُنْ لَك تَهْجَعُ) (مَا رَوْضةٌ إلَاّ تمَنَّتْ أَنَّهَا ... لَكَ تربةٌ ولحظِّ قبركَ موضعُ) وَقَالَ أَحْمد بن عِيسَى الْهَاشِمِي معتذراً عَن الْكحل يَوْم عَاشُورَاء // (من مخلع الْبَسِيط) // (لَمْ أَكْتَحِلْ فِي صَبَاحِ يَوْمٍ ... أُهْرِقَ فيهِ دَم الحُسَيْنِ) (إلَاّ لحُزْنٍ وَذَاكَ أنِّي ... سَوَّدتُّ حَتَّى بيَاضَ عَيْنِي) وَقَالَ بَعضهم فِي مثل مَعْنَاهُ شعرًا // (من مخلع الْبَسِيط) // (وَلَائِم لَامَ فِي اكْتِحَالِي ... يَوْم أراقُوا دَمَ الحُسَيْنِ) (قُلْتُ دَعُونِي أَحَق عُضْوٍ ... فِيهِ بلُبْسِ السَّوادِ عيْنِي) وَمِمَّا قَالَ أَبُو حسن الجراز فِي ذَلِك شعرًا // (من الْكَامِل) // (وَيَعُودُ عَاشُورَاءُ يُذْكِرُنِي ... رُزْءَ الحُسَيْنِ فلَيْتَ لمْ يَعْدِ) (يَلَيْتَ عَيْنًا فِيهِ قد كُحِلَتْ ... بِمَرَاوِدٍ لَمْ تَخْلُ مِنْ رَمَدِ) (يوْمٌ سبيلي حينَ أذكُرُهُ ... ألَاّ يدورَ الصَّبْرُ قي خَلَدِي) (ويداً بِهِ لشماتةٍ خُضِبَتْ ... مقطوعةٌ مِنْ زَنْدِهَا بِيَدِي) (أما وقَدْ قُتِلَ الحُسَيْنُ بِهِ ... فَأَبُو الحُسيْنِ لأحقُّ بالكَمَدِ)

стр. 1247

(مَنَاقِب الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) هُوَ الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب بن عبد الْمطلب وَرَيْحَانَة النَّبِي ولد بِالْمَدِينَةِ لخمس خلون من شعْبَان سنة أَربع من الْهِجْرَة على الصَّحِيح وَقيل سِتّ وَقيل سبع قَالَ فِي الْإِصَابَة وَهَذَا القَوْل الآخر لَيْسَ بِشَيْء وَكَانَت والدته البتول علقت بِهِ بعد أَن ولدت أَخَاهُ الْحسن بِخَمْسِينَ يَوْمًا وَقيل بطهر وَاحِد ألقابه الرشيد وَالطّيب والرضي وَالسَّيِّد والزكي وَالْمبَارك والبسيط وَالتَّابِع لمرضاة الله كَانَ الْحُسَيْن أشبه الْخلق بِالنَّبِيِّ من سرته إِلَى كَعبه وروى أَبُو عمر عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ أَبْصرت عَيْنَايَ وَسمعت أذناي رَسُول الله وَهُوَ يَقُول لَهُ تَرَق عينَ بقه فرقى الْغُلَام حَتَّى وضع قَدَمَيْهِ على صدر رَسُول الله ثمَّ قَالَ لَهُ رَسُول الله افْتَحْ فَاك ثمَّ قلبه ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أحبه فَأَحبهُ روى خثيمَةَ بن سُلَيْمَان بن حيدرة وَقَالَ أَبُو الْحسن بن الهيثمي رِجَاله كلهم ثِقَات عَن أبي هُرَيْرَة ري الله عَنهُ قَالَ أَخذ رَسُول الله بيَدي فَانْطَلَقْنَا إِلَى سوق قينقاع فَلَمَّا رَجَعَ دخل الْمَسْجِد فَجَلَسَ فَقَالَ أَيْن لُكَع فجَاء الْحُسَيْن يمشي حَتَّى سقط فِي حجره فَجعل أَصَابِعه فِي لحية رَسُول الله فَفتح رَسُول الله فَمه وَأدْخل فَاه فِي فِيهِ ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أحبه فَأَحبهُ وَأحب من يُحِبهُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَمَا رَأَيْته قطّ إِلَّا فاضت عَيْني دموعاً وروى أَبُو بكر بن أبي شيبَة عَن يعلي العامري أَنه خرج مَعَ رَسُول الله إِلَى

стр. 1248

طَعَام دعِي إِلَيْهِ فَإِذا حُسَيْن مَعَ غلْمَان يَلْعَبُونَ فِي طَرِيقه فاستهوى رَسُول الله أم الْقَوْم ثمَّ بسط يَده فَطَفِقَ الصَّبِي يفر هَهُنَا مرّة وَهَهُنَا مرّة وَجعل رَسُول الله يضاحكه ثمَّ أَخذه رَسُول الله فَجعل إِحْدَى يَدَيْهِ تَحت ذقنه وَالْأُخْرَى تَحت قَفاهُ ثمَّ أَقَامَ رَأسه فَوضع فَاه على فِيهِ وَقَالَ حُسَيْن مني وَأَنا من حُسَيْن رحم الله من أحب حُسَيْنًا حُسَيْن سبط من الأسباط وروى ابْن أبي عَاصِم عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ لما قتل الْحُسَيْن وَجِيء بِرَأْسِهِ إِلَى ابْن زِيَاد فَجعل ينكت بقضيب على ثناياه وَكَانَ حسن الثغر فَقلت فِي نَفسِي لأسوءنك لقد رَأَيْت رَسُول الله يقبل مَوضِع قضيبك من ثنيته وروى عَن أبي ظبْيَان قَالَ وَالله إِن كَانَ رَسُول الله يفرج رجلَيْهِ يَعْنِي الْحُسَيْن وَيقبل زبيبته وروى ابْن حبَان عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كَانَ رَسُول الله يدلع لِسَانه للحسين فَيرى الصَّبِي حمرَة لِسَانه فيهش إِلَيْهِ فَقَالَ عُيَيْنَة بن حصن بن بدر الْفَزارِيّ أَرَاك تصنع هَذَا بِهَذَا فوَاللَّه ليَكُون لي الْوَلَد قد خرج وَجهه وَمَا قبلته فَقَالَ رَسُول الله من لَا يرحم لَا يرحم رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَة وَعِنْده فَإِذا رأى الصَّبِي حمرَة لِسَانه هش إِلَيْهِ وروى أَبُو الْحسن بن الضَّحَّاك عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله يمص لعاب الْحُسَيْن كَمَا يمص الرجل التمرة

стр. 1249

وروى ابْن حبَان وَابْن سعد وَأَبُو يعلى وَابْن عَسَاكِر عَن جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ من سره أَن ينظر إِلَى رجل من أهل الْجنَّة وَفِي لفظ إِلَى سيد شباب الْجنَّة فَلْينْظر إِلَى الْحُسَيْن بن عَليّ وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله يَقُول ذَلِك وروى أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى قَالَ خلونا عِنْد رَسُول الله إِذْ أقبل الْحُسَيْن فَجعل ينزو على ظهر رَسُول الله وعَلى بَطْنه فَبَال فقمنا إِلَيْهِ فَقَالَ ﵊ دَعوه ثمَّ دَعَا رَسُول الله بِمَاء فَصَبَّهُ على ثَوْبه وروى سعيد بن مَنْصُور وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه عَن يعلى بن مرّة العامري رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله حُسَيْن مني وَأَنا من حُسَيْن أحب الله من أحب حُسَيْنًا حُسَيْن سبط من الأسباط وروى الإِمَام أَحْمد عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله الحسنُ وَالْحُسَيْن سِبطانِ من الأسبَاطِ وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن عَليّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله من أحَب هَذَا يَعْنِي الْحُسَيْن فقد أَحبَّنِي وروى الْحَاكِم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله اللَّهُمَّ إِني أحبه فَأَحبهُ يَعْنِي الْحُسَيْن وروى أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ بِسَنَدِهِ قَالَ خرج رَسُول الله من بَيت عَائِشَة فَمر على بَاب فَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَسمع حُسَيْنًا يبكي فَقَالَ رَسُول الله أما تعلمين أَن بكاءه يُؤْذِينِي

стр. 1250

وروى الطبراين فِي الْكَبِير وَابْن سعد عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن رَسُول الله قَالَ أَخْبرنِي جِبْرِيل أَن ابْني الْحُسَيْن يقتل بِأَرْض الطف وَجَاءَنِي بِهَذِهِ التربة وَأَخْبرنِي أَن فِيهَا مضجعه وروى الإِمَام أَحْمد عَن ثَابت عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ اسْتَأْذن ملك الْمَطَر أَن يَأْتِي النَّبِي فَإِذن لَهُ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام لأم سَلمَة احفظي علينا الْبَاب لَا يدْخل أحد فجَاء الْحُسَيْن فَوَثَبَ حَتَّى دخل فَجعل يصعد على منْكب رَسُول الله فَقَالَ لَهُ ملك الْمَطَر أَتُحِبُّهُ فَقَالَ ﵊ نعم قَالَ إِن أمتك تقتله وَإِن شِئْت أريتك الْمَكَان الَّذِي يقتل فِيهِ قَالَ فَضرب بِيَدِهِ فَأرَاهُ تُرَابا أَحْمَر فَأخذت أم سَلمَة ذَلِك التُّرَاب فصرته فِي طرف ثوبها قَالَ فَكُنَّا نسْمع بقتْله بكربلاء وَرَوَاهُ البهيقي من حَدِيث وَهِي بن ربيعَة بن زِيَاد قَالَ أَخْبَرتنِي أم سَلمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن رَسُول الله اضطجَعَ ذَات يَوْم فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ حائر ثمَّ اضْطجع فرقد ثمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ حائر دون مَا رأيتُ مِنْهُ فِي الْمرة الأولى ثمَّ اضْطجع وَفِي يَده تربة حَمْرَاء وَهُوَ يقلبها فَقلت مَا هَذِه التربة يَا رَسُول الله قَالَ أَخْبرنِي جِبْرِيل أَن ابْني هَذَا يقتل بِأَرْض الْعرَاق قَالَ فَقلت يَا جِبْرِيل أَرِنِي تربة الأَرْض فَقَالَ هَذِه تربَتهَا وروى الْبَزَّار عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كَانَ الْحُسَيْن جَالِسا فِي حجره ﵊ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل أَتُحِبُّهُ فَقَالَ كَيفَ لَا وَهُوَ ثَمَرَة فُؤَادِي فَقَالَ إِن أمتك ستقتله أَلا أريك مَوضِع قَبره فَقبض قَبْضَة وَإِذا تربة حَمْرَاء

стр. 1251

وروى الإِمَام أَحْمد عَن عبد الله بن بجى عَن أَبِيه أَنه سَار مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ كرم الله وَجهه فَلَمَّا حازَى شط الْفُرَات قَالَ صبرا أَبَا عبد الله قلت وَمَا ذَاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ دخلت على النَّبِي وَعَيناهُ تفيضان بالدمع فَقلت مِم ذَلِك يَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْك فَقَالَ قَامَ من عِنْدِي جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام وَأَخْبرنِي أَن ابْني الْحُسَيْن يقتل بشط الْفُرَات وَقَالَ هَل لَك أَن أنعمك من تربته فَقلت نعم فَقبض من تُرَاب فَأَعْطَانِيهَا فَلم أملك عَيْني أَن فاضتا وروى الإِمَام أَحْمد عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله لَا تدع أحدَاً يدْخل فجَاء الْحُسَيْن فمنعته فَبكى فخليته فَدخل حَتَّى قعد فِي حجره فَقَالَ جِبْرِيل ﵊ إِن أمتك ستقتله فَقَالَ ﵊ تقتله وهم مُؤمنُونَ قَالَ نعم وَأرَاهُ من تربته وَفِي رِوَايَة قَالَ رَسُول الله يَا جبريلُ أَفلا أراجع رَبِّي قَالَ لَا إِنَّه أَمر قد قضى وفُرغَ مِنْهُ وروى الإِمَام أَحْمد عَن فَاطِمَة ﵂ أَن رَسُول الله قَالَ لقد دَخَلَ جِبْرِيل عَليّ الْبَيْت وَلم يدْخل عَليّ قبلهَا فَقَالَ ابْنك هَذَا الْحُسَيْن مقتول وَإِن شِئْت أريتك التربة الَّتِي يقتل بهَا فَأخْرج تربة حَمْرَاء وروى الْبَغَوِيّ عَن أنس بن الْحَارِث ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله يَقُول إِن ابْني هَذَا يقتل بِأَرْض يُقَال لَهَا كربلاء فَمن شهد ذَلِك فلينصره قَالَ فَخرج أنس بن الْحَارِث إِلَى كربلاء فَقتل مَعَ الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ وروى الملا عَن أم سَلمَة أَنَّهَا قَالَت ناولني رَسُول الله كفا من تُرَاب

стр. 1252

أَحْمَر وَقَالَ إِن هَذَا من تربة الأَرْض الَّتِي يقتل بهَا ابْني يَعْنِي الْحُسَيْن فَمَتَى صَار دَمًا فاعلمي أَنه قتل قَالَت أم سَلمَة فَوَضَعته فِي قَارُورَة وَكنت أَقُول إِن يَوْمًا يتَحَوَّل فِيهِ دمَاً ليَوْم عَظِيم وَفِي رِوَايَة فَأَصَبْته يَوْم قتل الْحُسَيْن وَقد صَار دمَاً قَالَت أم سَلمَة فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة قتل الْحُسَيْن سَمِعت قائلَا يَقُول // (من الْخَفِيف) // (أَيُهَا اٌ لقَاتِلُونَ جَهْلاً حُسَيْنًا ... أبْشِرُوا بِالعَذَابِ وَالتَّنْكِيلِ) قَالَت فَبَكَيْت وَفتحت القارورة فغذا الحصيات قد خرجت دمَاً وَأخرج ابْن سعد قَالَ مر عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بكربلاء عِنْد مسيره إِلَى صفّين وحاذى نِينَوَى اسْم قَرْيَة على الْفُرَات فَوقف وَسَأَلَ عَن اسْم هَذِه الأَرْض فَقيل لَهُ كربلاء فَبكى حَتَّى بلت دُمُوعه الأَرْض ثمَّ قَالَ هَاهُنَا مناخ رِكَابهمْ هَاهُنَا مهراق دِمَائِهِمْ فتية من آل مُحَمَّد يقتلُون بِهَذِهِ الْعَرَصَة تبْكي عَلَيْهِم السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلما سير بِرَأْسِهِ إِلَى يزِيد فنزلوا أول مرحلة فَجعلُوا يشربون وَالرَّأْس بَين أَيْديهم فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ خرجَت عَلَيْهِم من الْحَائِط يَد مَعهَا قلم من حَدِيد فَكتب سطراً بِدَم وَهُوَ // (من الوافر) // (أَتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنّا ... شَفاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ االْحِسَابِ) فَهَرَبُوا وَتركُوا الرَّأْس أخرجه مَنْصُور بن عمار وَذكر غير وَاحِد أَن هَذَا الْبَيْت وجد بِحجر فِي دير رَاهِب فِي كَنِيسَة بِأَرْض الرّوم وَلَا يدْرِي من كتبه فَسَأَلُوهُ فَقَالَ هَذَا مَكْتُوب قبل مبعث نَبِيكُم بثلاثمائة سنة وَقد تقدم ذكر حمرَة السَّمَاء قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وحكمته أَن غضبنا يُؤثر حمرَة الْوَجْه وَالْحق تنزه عَن الجسمية فأظهر تأثر غَضَبه على من قتل الْحُسَيْن بحمرة الْأُفق إِظْهَار لِعظَم الْجِنَايَة قَالَ وَإِذا كَانَ أَنِين الْعَبَّاس وَهُوَ مأسور ببدر منع رَسُول الله النّوم فَكيف

стр. 1253

بِابْنِهِ الْحُسَيْن وَلما أسلم وَحشِي قاتلُ حَمْزَة قَالَ لَهُ غيب وَجهك عني فَإِنِّي لَا أحب أَن أرى من قتل الْأَحِبَّة وَالْإِسْلَام يجب مَا قبله فَكيف بِقَلْبِه أَن يرى من ذبح الْحُسَيْن وَأمر بقتْله وَحمل أَهله على أقتاب الْجمال سافرات الْوُجُوه ناشرات الشُّعُور وَأخرج أَبُو الشَّيْخ أَن جمعَاً يذكرُونَ أَنه مَا من أحد أعَان على قتل الْحُسَيْن إِلَّا أَصَابَهُ بلَاء قبل أَن يَمُوت وَنقل شبط ابْن الْجَوْزِيّ عَن السّديّ أَنه أَضَافَهُ رجل بكربلاء فتذاكروا هَذَا الْمَعْنى أَي أَنه مَا من أحد أعَان على قتل الْحُسَيْن أَو شركهم فِي دَمه بِوَجْه إِلَّا مَاتَ أقبح ميتَة فكذب المضيف بذلك وَقَالَ إِنَّه مِمَّن حضر وَلم يصبهُ شَيْء فَقَامَ ليصلح السراج فَأَخَذته النَّار فَذهب لطفئها بريقه فالتهب فَمه فَجعل يُنَادي النارَ النارَ وانغمس فِي الْفُرَات وَمَعَ ذَلِك دبت النَّار فِي جسده فَأَحْرَقتهُ قَالَ السّديّ وَأَنا واللِّه رَأَيْته كالحممة وَحكى سبطه عَن الْوَاقِدِيّ أَن شَيخا حضر قَتله فَقَط فَعميَ فَسئلَ عَن سَببه فَقَالَ إِنَّه رأى النَّبِي حاسراً عَن ذراعه وَبِيَدِهِ السَّيْف وَبَين يَدَيْهِ نطع وَرَأى عشرَة من قاتلي الْحُسَيْن مذبوحين بَين يَدَيْهِ ثمَّ لَعنه وسبه بتكثير سوادهم ثمَّ أكحله بمرود من دم الْحُسَيْن فَأصْبح أعمى وَأخرج أيضَاً أَن شخصا مِنْهُم علق فِي لبب فرسه رَأس الْعَبَّاس بن عَليّ فَرُئِيَ بعد أَيَّام وَوَجهه أَشد سوادَاً من القار فَقيل إِنَّك كنت أَنْضَرُ الْعَرَب وَجها فَقَالَ مَا مرت عَليّ لَيْلَة مذ حملت ذَلِك الرَّأْس إِلَّا وَاثْنَانِ يأخذان بضبعي ثمَّ ينهضان إِلَى نَار تؤجج فيدفعاني فِيهَا وَأَنا أنكص فتسفعني كَمَا ترى ثمَّ مَاتَ على أقبح حَالَة وَذكر الْبَارِزِيّ عَن الْمَنْصُور أَنه رأى رجلا بِالشَّام وَجهه وَجه خِنْزِير فَسَأَلَهُ فَقَالَ إِنَّه كَانَ يلعن عليا كل يَوْم ألف مرّة وَفِي كل جُمُعَة ربعَة آلَاف مرّة وَأَوْلَاده مَعَه فَرَأَيْت النَّبِي وَذكر منامَاً طَويلا من جملَته أَن الْحسن شكاه إِلَيْهِ فلعنه ثمَّ بَصق فِي وَجهه فَصَارَ وَجهه وَجه خِنْزِير وَصَارَ آيَة للنَّاس وروى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَالتِّرْمِذِيّ عَن ابْن عمر أَنه سَأَلَهُ رجل عَن دم

стр. 1254

البعوض أطاهر أم لَا فَقَالَ لَهُ مِمَّن أَنْت قَالَ من أهل الْعرَاق فَقَالَ ابْن عمر انْظُرُوا إِلَى هَذَا يسألني عَن دم البعوض وَقد قتلوا ابْن النَّبِي قَالَ الْعَلامَة سبط ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه مرْآة الزَّمَان وَغَيره الْمَشْهُور أَن يزِيد لما وصل إِلَيْهِ الرَّأْس الشريف جمع أهل الشَّام وَجعل ينكت الرَّأْس بالقضيب الخيرزان وتمثل بِتِلْكَ الأبيات وَقيل بل ترحم على الْحُسَيْن وتنكر لِابْنِ زِيَاد لكنه قَالَ الْمَشْهُور الأول وَجمع بِأَنَّهُ أظهر الثَّانِي وأخفى الأول بِقَرِينَة أَنه بَالغ فِي رفْعَة ابْن زِيَاد حَتَّى أدخلهُ على نِسَائِهِ وبقرينة قَوْله الْبَيْتَيْنِ السَّابِق ذكرهمَا فِيهِ ثمَّ قَالَ وَلَيْسَ الْعجب إِلَّا من ضرب يزِيد ثنايا الْحُسَيْن بالقضيب وَحمل آل النَّبِي سَبَايَا على أقتاب الْجمال مُوثقِينَ فِي الحبال وَالنِّسَاء مكشفات الْوُجُوه والرءوس وَذكر أَشْيَاء من قْبيح فعله قَالَ وَيُقَال إِنَّه بعث بِالرَّأْسِ مَعَهم إِلَى الْمَدِينَة حِين ردهم إِلَيْهَا وَقيل بل كَانَ الرَّأْس فِي خزانته لِأَن سُلَيْمَان بن عبد الْملك رأى النَّبِي فِي الْمَنَام يلاطفه ويبشره فَسَأَلَ الْحسن الْبَصْرِيّ عَن تَعْبِير ذَلِك فَقَالَ لَهُ لَعَلَّك صنعت إِلَى آله مَعْرُوفا قَالَ سُلَيْمَان نعم وجدت رَأس الْحُسَيْن فِي خزانَة يزِيد فكسوته خَمْسَة أَثوَاب وصليتُ عَلَيْهِ فِي جمَاعَة من أَصْحَابِي وقبرته فَقَالَ لَهُ الْحسن الْبَصْرِيّ إِن ذَلِك سَبَب رضَا النَّبِي عَلَيْك فَأمر سُلَيْمَان لِلْحسنِ بجائزة حَسَنَة قلت رَأَيْت فِي الذَّهَبِيّ مَا نَصه قَالَ عبد الصَّمد بن سعيد القَاضِي حَدثنَا سُلَيْمَان بن عبد الحميد البهراني سَمِعت أَبَا أُميَّة الكلَاعِي سَمِعت أَبَا كريب قَالَ كنتُ فِي الْقَوْم الَّذين توثبوا على الْوَلِيد بن يزِيد وَكنت فِيمَن نهب خزانتهم بِدِمَشْق فَأخذت سفطاً وَقلت فِيهِ غنائي فركبت فرسي وَجَعَلته بَين يَدي وَخرجت من بَاب توما ففتحته فَإِذا بحريرة قيها قرطاس مَكْتُوب عَلَيْهِ هَذَا رَأس الْحُسَيْن بن

стр. 1255

عَليّ فحفرت لَهُ بسيفي ودفنته فَالله أعلم أياً كَانَ ذَلِك فَلَمَّا فعل يزِيد مَا مر كَانَ عِنْده إِذْ ذَاك رَسُول قَيْصر فَقَالَ متعجبَاً إِن عندنَا فِي بعض الخزائن فِي دير حافر حمَار عِيسَى فَنحْن نحج إِلَيْهِ كل عَام فِي الأقطار وننذر النذور ونعظمه كَمَا تعظمون كعبتكم وَأَنْتُم تَفْعَلُونَ هَذَا بِابْن بنت نَبِيكُم فَأشْهد أَنكُمْ على بَاطِل وَقَالَ آخر كَانَ مَعَه بيني وَبَين دَاوُد سَبْعُونَ أَبَا وَإِن الْيَهُود تعظمني وتحترمني وَأَنْتُم تَفْعَلُونَ مَا تَفْعَلُونَ فِي ابْن نَبِيكُم قَالَ وَكَانَت الحرس على الرَّأْس الشريف كلما نزلُوا منزلا رَفَعُوهُ على رمح وحرسوه فرى هـ رَاهِب فِي دير فَسَأَلَ عَنهُ فعرفوه بِهِ فَقَالَ بئس الْقَوْم أَنْتُم لَو كَانَ للمسيح ولد لأسكناه فِي أحداقنا بئس الْقَوْم أَنْتُم لَو كَانَ للمسيح ولد لأسكناه فِي أحداقنا بئس الْقَوْم أَنْتُم هَل لكُم فِي عشرَة آلَاف دِينَار ويبيت الرَّأْس عِنْدِي هَذِه اللَّيْلَة فَقَالُوا نعم فَأَخذه وغسله وطَيبه وَوَضعه على فَخذه وَقعد يبكي إِلَى الصُّبْح لِأَنَّهُ رأى نورا ساطعاً من الرَّأْس إِلَى السَّمَاء ثمَّ خرج عَن الدَّيْر وَمَا فِيهِ وَصَارَ يخْدم أهل الْبَيْت فهنيئَاً لَهُ ثمَّ هَنِيئًا وَكَانَ مَعَ أُولَئِكَ الحرس دَنَانِير أخذوها من عَسْكَر الْحُسَيْن ففتحوا أكياسها ليقتسموها فرأوها خزفاً وعَلى أحد وَجْهي كل مِنْهَا ﴿وَلا تحَسَبن اَللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعمَلُ اَلظالمُونَ﴾ إِبْرَاهِيم ٤٢ وعَلى الآخر ﴿وَسَيَعلَمُ الَّذين ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يَنقَلبِوُنَ﴾ الشُّعَرَاء ٢٢٧ قَالَ أهل السّير لما سيق حَرِيم الْحُسَيْن إِلَى الْكُوفَة كالأسارَى بَكَى أهل الْكُوفَة فَجعل زين العابدين بن عَليّ بن الْحُسَيْن يَقُول إِن هَؤُلَاءِ يَبْكُونَ من أجلنا فَمن ذَا الَّذِي قتلنَا وَأخرج الْحَاكِم من طرق مُتعَدِّدَة أَنه ﵊ قَالَ قَالَ جِبْرِيل قَالَ رَسُول الله ﵎ إِنِّي قتلتُ بدمِ يحيى بن زَكَرِيَّا سيعين ألفا وَإِنِّي قَاتل بِدَم الْحُسَيْن بن عَليّ سبعين ألفا وَسبعين ألفا وَقتل هَذِه الْعدة بِسَبَبِهِ لَا يسْتَلْزم أَنَّهَا بِقدر عدَّة القاتلين لَهُ فَإِنَّهَا قتنة أفضت إِلَى تعصبات ومقاتلات تفي بذلك

стр. 1256

(ولَايَة الْوَلِيد بن عتبَة على الْحجاز وعزل عَمْرو بن سعيد) وَلما قتل الْحُسَيْن وَبلغ خَبره إِلَى مَكَّة قان ابْن الزبير فِي النَّاس فخطبهم وَعظم قتل الْحُسَيْن وَعَابَ من تولاه وَأمر بِهِ وترحم عَلَيْهِ وَلعن قَاتله وَتعرض ليزِيد بِسَمَاع الْغناء والحداء وَشرب الْخمر وكلاب الصَّيْد وَقد كَانَ بُويِعَ سرا وَأظْهر أَنه عَائِذ بِالْبَيْتِ لَهُ أَصْحَابه أظهر بيعتك فَلم يبْق بعد الْحُسَيْن من ينازعك فَقل لَا تعجلوا وَبلغ يزِيد الْخَبَر بأَمْره فَحلف ليؤتين بِهِ إِلَيْهِ فِي جَامِعَة فَصنعَ جَامِعَة من فضَّة وَبعث بهَا إِلَيْهِ لتبر يَمِينه فَامْتنعَ من رسله وَرجع يزِيد فأغراه بَنو أُميَّة بِعَمْرو بن سعيد الْعَامِل بالحجاز وَقَالُوا لَو أَرَادَ لبعث بِهِ إِلَيْك فَعَزله وَولى مَكَانَهُ الْوَلِيد بن عتبَة بن أبي سُفْيَان فَسَار إِلَى الْحجاز وَلحق عَمْرو بِيَزِيد وَبَين لَهُ مكايدة ابْن الزبير فعذره وَأقَام الْوَلِيد يحاول غِرة ابْن الزبير فيجده مستحذراً ممتنعَاً ثمَّ كتب ابْن الزبير إِلَى يزِيد يعيبُ الْوَلِيد بِأَنَّهُ أخرق لَا يتَّجه لرشد وَلَا يرعوي لعظة فَابْعَثْ رجلا سهل الْخلق أَرْجُو أَن يسهل بِهِ من الْأُمُور مَا استوعر وَيجمع بِهِ مَا افترق فعزل الْوَلِيد وَولي عُثْمَان بن مُحَمَّد بن أبي سُفْيَان (خلع أهل الْمَدِينَة يزِيد ووقعة الْحرَّة وحصار مَكَّة) لما ولي عُثْمَان بن مُحَمَّد بن أبي سُفْيَان على أهل لحجاز سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ بعث إِلَى يزِيد وَفْدًا من أهل الْمَدِينَة فيهم عبد الله بن حَنْظَلَة الغسيل وَعبد الله بن عَمْرو بن أبي حَفْص بن الْمُغيرَة وَالْمُنْذر بن الزبير وَرِجَال من أَشْرَاف أهل الْمَدِينَة فأكرمهم يزِيد وَأَجَازَهُمْ بِمِائَة ألف دِرْهَم لكل وَاحِد مِنْهُم واستأذنه الْمُنْذر فِي الْقدوم على ابْن زِيَاد فِي الْعرَاق فَأذن لَهُ وَرجع الْوَفْد إِلَى الْمَدِينَة فَقَامُوا بمعايب يزِيد فَقَالُوا يشرب الْخمر وَيضْرب بالطنابير ويلعب بالكلاب ويسمر عِنْده الخراب واللصوص فنكر النَّاس شَأْنه وَبَايَعُوا عبد الله بن حَنْظَلَة الغسيل على خلعه وَبلغ الْخَبَر يزِيد فَبعث إِلَى ابْن زِيَاد بِحَبْس الْمُنْذر وَكَانَ

стр. 1257

صديقا لَهُ ولأبيه فكره ذَلِك وَأذن لَهُ فِي الِانْصِرَاف إِلَى بَلَده فَقدم الْمَدِينَة وَعَابَ يزِيد أعظم من الْأَوَّلين وحرض النَّاس عَلَيْهِ فَبعث يزِيد النُّعْمَان بن بشير إِلَى الْمَدِينَة لردهم عَمَّا كَانُوا فِيهِ من الانتقاص وأتاهم وخوفهم الْفِتْنَة وَقَالَ لَا طَاقَة لكم بِأَهْل الشَّام وَقَالَ لَهُ عبد الله بن مُطِيع يَا نعْمَان تفرق جماعتنا وتفسد مَا أصلح الله من أمرنَا فَقَالَ لَهُ النُّعْمَان وَالله لكَأَنِّي بك لَو نزلَتْ بك الجموع ودارت الْحَرْب ركبت بغلتك إِلَى مَكَّة وَتركت هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِين يَعْنِي الْأَنْصَار يقتلُون فِي مساكنهم ومساجدهم وعَلى أَبْوَاب دُورهمْ فَعَصَاهُ النَّاس وَانْصَرف إِلَى يزِيد فَلَمَّا كَانَ سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَقد بَايعُوا لعبد الله بن الغسيل على خلع يزِيد وأخرجوا عُثْمَان بن مُحَمَّد بن أبي سُفْيَان عَامل يزِيد عَلَيْهِم فَاجْتمع لَهُ بَنو أُميَّة ومواليهم فِي ألف رجل وامتنعوا بدار مَرْوَان بن الحكم وَكَتَبُوا إِلَى يزِيد يستحثونه فَأمر عَمْرو بن سعيد أَن يسير إِلَيْهِم فِي النَّاس فَأبى وَقَالَ كنت قد ضبطت الْبِلَاد والآن تهراق الدِّمَاء بالصعيد فَبعث إِلَى عبيد الله بن زِيَاد بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمَدِينَة وحصار ابْن الزبير بِمَكَّة فأعظم غَزْو الْكَعْبَة مَعَ مَا كَانَ مِنْهُ من قتل الْحُسَيْن فَأبى وَاعْتذر فَبعث إِلَى مُسلم بن عقبَة المري وَأخْبرهُ بِخَير بني أُميَّة قَالَ مَا يكونُونَ ألف رجل قَالَ الرَّسُول بلَى قَالَ فَمَا اسْتَطَاعُوا الْقِتَال سَاعَة من نَهَار هَؤُلَاءِ أذلاء دعوهم حَتَّى يجهدوا فِي أنفسهم فِي جِهَاد عدوهم فَقَالَ يزِيد وَيحك لَا خير فِي الْعَيْش بعدهمْ فَاخْرُج بِالنَّاسِ وَيُقَال إِن مُعَاوِيَة أوصى يزِيد إِن حدث بك حدث من أهل الْمَدِينَة فَارْمِهِمْ بِمُسلم بن عقبَة فتجهز مُسلم ونادى بالعطاء ومعونة مائَة دِينَار فَاجْتمع لَهُ اثْنَا عشر ألفا فَسَار بهم إِلَى الْحجاز وَقَالَ لَهُ ادْع الْقَوْم ثَلَاثًا قبل الْقِتَال وَإِذا ظَهرت فأبحها ثَلَاثًا بِمَا فِيهَا من مَال وَرثهُ وَطَعَام وَسلَاح فَهُوَ للجند واكفف عَنْهُم بعد الثَّلَاث وَإِن حدث بك حدث فاستخلف الْحصين بن نمير السكونِي واستوص بعلي بن الْحُسَيْن خيرَاً فقد أَتَانِي كِتَابه وَلم يدْخل مَعَ النَّاس وَقد كَانَ مَرْوَان بن الحكم لما أصَاب بني أُميَّة مَا أَصَابَهُم رَغبَ إِلَى عَليّ بن الْحُسَيْن أَن يكون حَرَمُهُ مَعَ حَرَمِهِ فَأَجَابَهُ وَخرج بحرمه وَحرم مَرْوَان وَمِنْهُم عَائِشَة بنت عُثْمَان إِلَى يَنْبع

стр. 1258

وَقيل بل بَعثهمْ من ابْنه عبد الله إِلَى الطَّائِف ثمَّ سَار مُسلم بالجيش وَبلغ أهل الْمَدِينَة خَبره فَاشْتَدَّ حصارهم لبني أُميَّة بدار مَرْوَان حَتَّى أنزلوهم على أَن يخرجوهم إِلَى الشَّام وَلَا يظاهروا عَلَيْهِم وَلَا يدلوا على عواراتهم وَبعث أهل الْمَدِينَة إِلَى الْمَوَارِد بَينهم وَبَين الشَّام فَألْقوا فِيهَا القطران فَأرْسل الله السَّمَاء بالمطر وَاسْتغْنى الْعَسْكَر عَن الْمَوَارِد وَلَقي بني أُميَّة مُسلم بن عقبَة بوادي الْقرى فَسَأَلَ عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان واستشاره فَقَالَ أخذُوا علينا الْعَهْد أَلا ندل على عَورَة فَقَالَ لَوْلَا أَنَّك ابْن عُثْمَان لضَرَبْت عُنُقك وَلَا أقيل فِيهَا قرشياً بعْدك ثمَّ استدعى مَرْوَان بعد فَقَالَ مَرْوَان لِابْنِهِ عبد الْملك ادخل قبلي إِلَيْهِ يجتزئ بك فَدخل فَقَالَ مُسلم هَات مَا عنْدك قَالَ أرى أَن تسير إِلَى أدنَى نخيلها فَإِذا أَصبَحت تركت الْمَدِينَة ذَات الْيَسَار ومضيت حَتَّى تأتيهم من قبل الْحرَّة مشرقاً ثمَّ تسْتَقْبل الْقَوْم فَإِذا أشرقت الشَّمْس كَانَت فِي ظهوركم ووجوههم وترون من أشعة سِلَاحهمْ مَا لَا يرَوْنَ ويتأذون بشعاع الشَّمْس وَلَا تتأذون ثمَّ قَاتلهم فَقَالَ لَهُ مُسلم لله أَبوك أَي امْرِئ وَلَدَكَ ثمَّ دخل مَرْوَان وَقَالَ إِذا لقِيت عبد الْملك فقد لقيتني قَالَ مَا حملت من رجال قُرَيْش ثمَّ ارتحل وَعمل بِرَأْي عبد الْملك وأتاهم من قبل الْمشرق ثمَّ دعاهم وَقَالَ أَنْتُم أصل أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَنا أكره إِرَاقَة دمائكم وَإِنِّي أؤجلكم ثَلَاثًا فَإِن راجعتم الْحق قبلت وسرت إِلَى مَكَّة وَإِن أَبَيْتُم كنت قد أعذرت وَلما مَضَت الثَّلَاث قَالَ مَا تَصْنَعُونَ يَا أهل الْمَدِينَة قَالُوا نحارب فلاطفهم فِي الطَّاعَة لينصرف إِلَى مَكَّة فَقَالُوا لَا نَدعك تَأتي بَيت الله وتلحد فِيهِ وتستحل حرمته وَكَانُوا قد خندقوا على أنفسهم وَكَانَ عبد الله بن مُطِيع فِي قُرَيْش على ربع وَعبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر بن عَوْف على ربع وَمَعْقِل بن صنان الْأَشْجَعِيّ فِي الْمُهَاجِرين على ربع وأمير جَمَاعَتهمْ عبد الله بن الغسيل على الْأَنْصَار فِي أعظم تِلْكَ الأرباع قَالَ الذَّهَبِيّ كتب عبد الله بن جَعْفَر إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَ عِنْد يزِيد بِالشَّام أَلا يعرضُوا لجيشه فورد مُسلم بن عقبَة فمنعوه ونصبوا لَهُ الْحَرْب ونالوا من يزِيد

стр. 1259

فأوقع فيهم وأباحهم ثَلَاثَة أَيَّام وَقَالَ الْوَاقِدِيّ أَنبأَنَا ابْن أبي ذِئْب عَن صَالح بن أبي حسان أَنبأَنَا إِسْمَاعِيل ابْن إِبْرَاهِيم المَخْزُومِي قَالَ لما وثب أهل الْحرَّة وأخرجوا بني أُميَّة عَن الْمَدِينَة واجتمعوا على عبد الله بن حَنْظَلَة وَبَايَعُوهُ على الْمَوْت قَالَ يَا قوم اتَّقوا الله فوَاللَّه مَا خرجنَا على يزِيد حَتَّى خفنا أَن نُرمَى بِالْحِجَارَةِ من السَّمَاء قَالَ وَكَانَ ابْن حَنْظَلَة يبيتُ تِلْكَ اللَّيَالِي فِي الْمَسْجِد وَمَا يزِيد على أَن يفْطر على شربة من سويق ويصوم الدَّهْر وَقَالَ الذَّهَبِيّ دخل عبد الله بن مُطِيع ليَالِي الْحرَّة على ابْن عمر فَقَالَ لَهُ ابْن عمر سَمِعت رَسُول الله يَقُول من نزع يَداً من طَاعَة لم يكن لَهُ حجَّة يَوْم الْقِيَامَة وَمن مَاتَ مفارقاً للْجَمَاعَة فَإِنَّهُ يَمُوت ميتَة جَاهِلِيَّة وَقَالَ الْمَدَائِنِي توجه مُسلم بن عقبَة إِلَى الْمَدِينَة فِي اثْنَي عشر ألف رجل وَيُقَال اثْنَي عشر ألف فَارس وَخَمْسَة عشر ألف راجل قَالَ السُّهيْلي فِي روضه وقْعَة الْحرَّة كَانَ سَببهَا أَن أهل الْمَدِينَة خلعوا يزِيد بن مُعَاوِيَة وأخرجوا بني أُميَّة وَأمرُوا عَلَيْهِم عبد الله بن حَنْظَلَة الغسيل الَّذِي غسلت أَبَاهُ الْمَلَائِكَة يَوْم أُحد وَلم يُوَافق أهلَ الْمَدِينَة على هَذَا الْخلْع أَحَدٌ من أكَابِر أَصْحَاب رَسُول الله وصمد مُسلم فِي العساكر فانكشف أهل الْمَدِينَة من كل جَانب ثمَّ حمل ابْن الغسيل فانكشف العساكر وانتهت إِلَى مُسلم فَنَهَضَ فِي وُجُوههم بِالرِّجَالِ وَاشْتَدَّ الْقِتَال ثمَّ جَاءَ الْفضل بن عَبَّاس بن ربيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب لِابْنِ الغسيل فقاتل مَعَه ثمَّ انتقى الشجعان يُرِيد قتل مُسلم فَحمل على أهل الشَّام فانفرجوا وجثت الرَجال أَمَامه على الركب ومضَى نَحْو راية مُسلم فَقتل صَاحبهَا يظنّ أَنه مُسلم بن عقبَة فَأخذ مُسلم رايته وَسَار وشدت

стр. 1260

الرِّجَال أَمَامه فصرع الْفضل بن عَبَّاس وَقتل مَعَه زيد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَتَقَدَّمت خيل مُسلم إِلَى ابْن الغسيل وَمَعَهُ أَخُوهُ لأمه مُحَمَّد بن ثَابت بن قيس ابْن شماس وَعبد الله بن زيد بن عَاصِم وَمُحَمّد بن عَمْرو بن حزم وأبلى مُحَمَّد ابْن سعد بن أبي وَقاص ثمَّ انهزم النَّاس وأباح مُسلم الْمَدِينَة ثلاثَاً للْقَتْل والنهب وأفزع ذَلِك الصَّحَابَة الَّذين بهَا وَخرج أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ليأوي إِلَى كَهْف فِي الْجَبَل فاعترضه رجل من الْعَسْكَر لقَتله فَعرفهُ بِنَفسِهِ فَتَركه قَالَ السُّهيْلي لما أرجف أهل الْمَدِينَة بِيَزِيد دَعَا عبد الله بن عمر ببنيه ومواليه فَقَالَ لَهُم إِنَّا قد بَايعنَا هَذَا الرجل على بيعَة الله وَرَسُوله وَإنَّهُ وَالله لَا يبلغنِي عَن أحد مِنْكُم أَنه خلع يدَاً من طَاعَة إِلَّا كَانَت الفيصلَ بيني وَبَينه ثمَّ لزم بَيته وَلزِمَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ بَيته فَدخل عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْأَيَّام الَّتِي أبيحت الْمَدِينَة فِيهَا فَقيل لَهُ من أَنْت أَيهَا الشَّيْخ فَقَالَ أَنا أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ صَاحب رَسُول الله فَقَالُوا قد سمعنَا خبرك ولنعم مَا فعلت حِين كَفَفْت يدك ولزمت بَيْتك وَلَكِن هَات المَال فَقَالَ أَخذه الَّذين دخلُوا قبلكُمْ عَليّ وَمَا عِنْدِي شَيْء فَقَالُوا كذبت ثمَّ قَالُوا أضجعوه فأضجعوه فَجعل كل وَاحِد يَأْخُذ من لحيته خصْلَة وَأخذُوا مَا وجدوا حَتَّى صوف الْفرش وَحَتَّى أخذُوا زَوْجَيْنِ من حمام كَانَ صبيانه يَلْعَبُونَ بهما وَأما جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ فَخرج فِي ذَلِك الْيَوْم يطوف فِي أَزِقَّة الْمَدِينَة وَهُوَ أعمى والبيوت تنتهب وَهُوَ يعثر فِي الْقَتْلَى وَيَقُول تعس من أَخَاف رَسُول الله فَقَالَ لَهُ قَائِل وَمن أَخَاف رَسُول الله فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله يَقُول من أَخَاف الْمَدِينَة فقد أَخَاف مَا بَين جَنْبي فحملوا عَلَيْهِ ليقتلوه فَأَخذه مِنْهُم مَرْوَان بن الحكم وَأدْخلهُ بَيته وَقتل فِي ذَلِك الْيَوْم من وُجُوه الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ألف وَسَبْعمائة رجل وَقيل من أخلاط النَّاس عشرَة آلَاف سوى النِّسَاء وَالصبيان ونهبوا وأفسدوا وَاسْتَحَلُّوا الْحرم وعطلت الصَّلَوَات فِي مَسْجده وَلم يبْق

стр. 1261

فِي الْمَسْجِد إِلَّا سعيد بن الْمسيب جعل نَفسه ولهاناً خبلا فَتَرَكُوهُ وَكَانَ يَقُول كنت أسمع عِنْد مَوَاقِيت الصَّلَاة همهمة من الْحُجْرَة المطهرة وافتض فِيهَا ألف عذراء وَإِن مفتضَّها فعل ذَلِك أَمَام الْوَجْه الشريف وَالْتمس مَا يمسح بِهِ الدَّم فَلم يجد فَفتح مصحا قَرِيبا مِنْهُ ثمَّ أَخذ من أوراقه ورقة فتمسح بهَا نَعُوذ بِاللَّه مَا هَذَا إِلَّا صَرِيح الْكفْر وأنتنه وَمن ذَلِك أَن امْرَأَة من الْأَنْصَار دخل عَلَيْهَا رجل من أهل الشَّام وَهِي ترْضع وَلَدهَا وَقد أَخذ مَا كَانَ عِنْدهَا قَالَ لَهَا هَاتِي الذَّهَب وَإِلَّا قتلتك وَقتلت ابْنك فَقَالَت وَيحك إِن قتلته فأبوه أَبُو كَبْشَة صَاحب رَسُول الله وَأَنا من النسْوَة اللَّاتِي بايعن رَسُول الله وَمَا خُنْت الله فِي شَيْء بَايَعت رَسُوله عَلَيْهِ فَأخذ الصَّبِي من حجرها وثديها فِي فِيهِ وَضرب بِهِ الْحَائِط حَتَّى انتثر دماغه فِي الأَرْض وَالْمَرْأَة تَقول لَو كَانَ عِنْدِي شَيْء أفديك بِهِ يَا ابْني لفديتك قَالَ فَمَا خرج من الْبَيْت حَتَّى اسودَ نصف وَجهه وَصَارَ مثلَة فِي النَّاس قَالَ الْمُؤلف وأحسب هَذِه الْمَرْأَة جدة لهَذَا الصَّبِي لَا أُماً لَهُ إِذْ يبعد فِي الْعَادة أَن تبَايع رَسُول الله امْرَأَة وَتَكون يَوْم الْحرَّة فِي سنّ من يُرْضِعُ والحرة الَّتِي يعرف بهَا هَذَا الْيَوْم يُقَال لَهَا حرَّة زهرَة بقرية كَانَت لبني زهرَة قوم من الْيَهُود فَقيل للقرية زهرَة وَكَانَت عامرة فِي الزَّمن الأول يُقَال كَانَ فِيهَا ثَلَاثمِائَة صائغ ذكره الزبير بن بكار فِي فَضَائِل الْمَدِينَة وَيُقَال إِن مُسلما لما حَارب أهل الْمَدِينَة ووقف ابْن الغسيل وَالنَّاس لقتاله خالفهم بَنو حَارِثَة من الْأَنْصَار وأدخلوا أهل الشَّام من ناحيتهم فَانْهَزَمَ النَّاس وَكَانَ من هلك فِي الخَنْدَق أَكثر مِمَّن قتل ثمَّ دَعَا مُسلم النَّاس إِلَى بيعَة يزِيد على أَنهم خَوَل لَهُ يحكم فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وأهليهم بِمَا شَاءَ وَمن امْتنع قَتله وَجِيء بعد يَوْم بِيَزِيد بن عبد الله بن زَمعَة بن الْأسود وَمُحَمّد بن أبي الجهم بن حُذَيْفَة فَقَالَا لَا نُبَايِع إِلَّا على الْكتاب وَالسّنة فَقَتَلَهُمَا وَأنكر عَلَيْهِ مَرْوَان قتل فريق على أَمَان فطعنه بالقضيب فِي خاصرته وَقَالَ وَالله لَو قلتهَا أَنْت لقتلتك ثمَّ جِيءَ بمعقل بن سِنَان فَقَالَ لَهُ وَالله لأَقْتُلَنك فَنَاشَدَهُ الله وَالرحم فَقَالَ

стр. 1262

أما أَنْت لقيتني بطبرية لَيْلَة انْصَرف وفدكم من عِنْد يزِيد فأثنيت عَلَيْهِ شرا وَقلت نرْجِع الْمَدِينَة فنخاع هَذَا الْفَاسِق ابْن الْفَاسِق ونبايع لرجل من أَبنَاء الْمُهَاجِرين وَإِنِّي آلَيْت لَا أَلْقَاك بِحَيْثُ أقدر على قَتلك إِلَّا قتلتك ثمَّ أَمر بِهِ فَقتل وَجِيء بِيَزِيد بن وهب فَقَالَ أبايع على سنة عمر فَقتله وشفع فِيهِ مَرْوَان لصهر بَينهمَا فَلم يشفعه ثمَّ جَاءَ عَليّ بن الْحُسَيْن بَين مَرْوَان وَعبد الْملك وَجلسَ بَينهمَا فَقَالَ تجيئني بَين هذَيْن لتأمن عِنْدِي وَالله لَو كَانَ الْأَمر إِلَيْهِمَا لقتلتك وَإِنَّمَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَوْصَانِي بك وَأَخْبرنِي أَنَّك كاتبته ثمَّ أجلسه مَعَه على السرير فَقَالَ لَعَلَّ أهلك فزعوا فَقَالَ نعم فَرده إِلَى بَيته على دَابَّته وَلم يلْزمه الْبيعَة كَمَا ألزم أهل الْمَدِينَة ثمَّ أحضر عبد الله بن عَبَّاس لِلْبيعَةِ وَكَانَت أمه كندية فَقَالَ الْحصين بن النمير لَا تبَايع ابْن أُخْتنَا إِلَّا مثل مَا بَايع عَليّ بن الْحُسَيْن فَتَركه ثمَّ جَاءَ عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان وَلم يكن خرج مَعَ بني أُميَّة فَقَالَ هَذَا الْخَبيث ابْن الطّيب وَأمر بِهِ فنتفت لحيته وَكَانَ مِمَّن قتل فِي الْحرَّة زيد بن عَاصِم الْأنْصَارِيّ وَعبيد الله بن عبد الله بن موهب ووهب بن عبد الله بن زَمعَة وَعبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عاظب وَالزُّبَيْر ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعبد الله بن نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَكَانَ لليلتين بَقِيَتَا من ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وأتى خبر الْوَاقِعَة لِابْنِ الزبير مَعَ الْمسور بن مخرمَة فاستعد هُوَ وَأَصْحَابه وَعرفُوا أَن مُسلم بن عقبَة نَازل ثمَّ اسْتخْلف مُسلم على الْمَدِينَة روح بن زنباع الجذامي وَقيل عَمْرو بن مُحرز الْأَشْجَعِيّ وشخص إِلَى مَكَّة لقِتَال ابْن الزير فَمَاتَ بالمشلل وَقيل بثنية هرشي وَأوصى الْحصين بن نمير فَقَالَ يَا برذعة الْحمار لَو كَانَ هَذَا الْأَمر إليَ مَا وليتك هَذَا الْجند لَكِن أَمِير الْمُؤمنِينَ ولاك فأسرع السّير وَعجل المناخرة وَلَا تمكن قُريْشًا من أُذُنك ثمَّ مَاتَ وَسَار الْحصين بِالنَّاسِ وَقدم مَكَّة لأَرْبَع بَقينَ من الْمحرم وَقد بَايع أَهلهَا وَأهل

стр. 1263

الْحجاز لعبد الله بن الزبير واجتمعوا عَلَيْهِ وَلحق بِهِ أهل الْمَدِينَة وَقدم عَلَيْهِ نجدة ابْن عَامر الْحَنَفِيّ فِي الْخَوَارِج لمنع الْبَيْت وَخرج ابْن الزبير للقاء أهل الشَّام وعثرت البغلة بِعَبْد الله فَنزل وَاجْتمعَ إِلَيْهِ الْمسور بن مخرمَة وَمصْعَب بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَجَمَاعَة من أَصْحَابه فَقتلُوا جَمِيعًا وصابرهم ابْن الزبير إِلَى اللَّيْل ثمَّ انصرفوا وَأَقَامُوا يقاتلونه شهرا وَبَعض شهر وَاحْتَرَقَ الْبَيْت يُقَال قَذَفُوهُ بالنَّار فِي المجانيق وَيُقَال كَانَ أَصْحَاب ابْن الزبير يوقدون حول الْكَعْبَة فعلقت شرارة مِنْهَا بِثَوْب الْكَعْبَة وَاحْتَرَقَ خشب الْبَيْت وَالْأول أصح لِأَن البُخَارِيّ ذكر فِي صَحِيحه أَن ابْن الزبير لما احترقت الْكَعْبَة تَركهَا ليراها النَّاس محترقة فتحزبهم على أهل الشَّام ثمَّ لم يزل الْعَسْكَر محاصرين لِابْنِ الزبير حَتَّى جَاءَهُم نعي يزِيد لأوّل ربيع الثَّانِي (وَفَاة يزِيد وبيعة مُعَاوِيَة ابْنه وَملكه) ثمَّ مَاتَ يزِيد منصف ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ قَالَ الْعَلامَة الْحَافِظ الذَّهَبِيّ روى زحر بن حُصَيْن عَن جده حميد بن منْهب قَالَ زرت الْحسن بن أبي الْحسن يَعْنِي الْبَصْرِيّ فخلوت بِهِ فَقلت يَا أَبَا سعيد مَا ترى مَا النَّاس فِيهِ فَقَالَ لي أفسد أَمر النَّاس اثْنَان عَمْرو بن الْعَاصِ يَوْم أَشَارَ على مُعَاوِيَة بِرَفْع الْمَصَاحِف فَحملت وَقَالَ أَيْن الْقُرَّاء فَحكم الْخَوَارِج فَلَا يزَال هَذَا التَّحْكِيم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَالْآخِرَة الْمُغيرَة بن شُعْبَة فَإِنَّهُ كَانَ عَامل مُعَاوِيَة على الْكُوفَة فَكتب إِلَيْهِ مُعَاوِيَة إِذا قَرَأت كتابي فَأقبل معزولا فَأَبْطَأَ عَنهُ فَلَمَّا ورد عَلَيْهِ قَالَ مَا أَبْطَأَ بك قَالَ أَمر كنت أُوَطئُه وأهَيئُهُ قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ الْبيعَة ليزِيد من بعْدك قَالَ أَو فعلت قَالَ نعم قَالَ ارْجع إِلَى عَمَلك فَلَمَّا خرج الْمُغيرَة قَالَ لَهُ

стр. 1264

أَصْحَابه مَا وَرَاءَك قَالَ وضعت رجل مُعَاوِيَة فِي غرز غي لَا يزَال فِيهِ يَوْم الْقِيَامَة قَالَ الْحسن فَمن أجل ذَلِك بَايع هَؤُلَاءِ لأبنائهم وَلَوْلَا ذَلِك لكَانَتْ شُورَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ مُحَمَّد بن مَرْوَان السعيدي أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن سُلَيْمَان الْخُزَاعِيّ عَن أَبِيه عَن جده عَن مُحَمَّد بن الحكم عَن أبي عوَانَة قَالَ كَانَ مُعَاوِيَة يُعْطي عبد الله بن جَعْفَر كل عَام ألف ألف دِينَار فَلَمَّا وَفد على يزِيد أعطَاهُ ألفي ألف فَقَالَ عبد الله ليزِيد بِأبي أَنْت وَأمي فَأمر لَهُ بِأَلف ألف أُخْرَى فَقَالَ لَهُ عبد الله وَالله لَا أجمعهما لأحد بعْدك حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار بنْدَار حَدثنَا عبد الْوَهَّاب حَدثنَا عَوْف الْأَعرَابِي حَدثنَا مهَاجر أَبُو مخلد حَدثنِي أَبُو الْعَالِيَة حَدثنِي أَبُو مُسلم قَالَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء سَمِعت النَّبِي يَقُول أول من يُبدل سنتي رجل من بني أُميَّة يُقَال لَهُ يزِيد أْخرجه الرَّوْيَانِيّ فِي مُسْنده عَن بنْدَار وَفِي رِوَايَة عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن مَكْحُول عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ قَالَ رَسُول الله لَا يزَال أَمر أمتِي قائْماً بِالْقِسْطِ حَتَّى يكون أول من يثلمه رجل من بني أُميَّة يُقَال لَهُ يزِيد وَقَالَ ابْن مُطِيع إِن يزِيد يشرب الْخمر وَيتْرك الصَّلَاة وَيَتَعَدَّى حكم الْكتاب قَالَ رجل مَا رَأَيْت مِنْهُ مَا تذكرُونَ وَقد أَقمت عِنْده فرأيته مواظباً للصَّلَاة متحرياً للخير يسْأَل عَن الْفِقْه قَالَ كَانَ ذَلِك مِنْهُ تصنعَاً لَك ورياء وَقَالَ الزبري بن بكار فِي أَنْسَاب قُرَيْش أَنْشدني عمي ليزِيد قَوْله // (من المديد) // (آبَ هَذَا الهَمُّ فَاكْتَنَعَا ... وَأَمَرَّ النَّوْم فَامْتَنَعَا)

стр. 1265

(رَاعيا للنجْمِ أرقبُهُ ... فَإذا مَا كوْكَبٌ طَلَعَا) (حام حتَّى إنَّنِي لَأَرَى ... أَنه بالغَوْر قد وَقَعَا) (وَلها بالماطِرُون إِذَا ... أَكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَا) (خرقةٌ حتَّ إِذا ربعَتْ ... نزلَتْ من جِلَّقٍ بِيَعَا) (فِي قبابٍ وَسْطَ دسكرةٍ ... حَوْلَهَا الزيتونُ قد ينَعَا) قلت هَذِه الأبيات من قصيدة لَهُ فِي نَصْرَانِيَّة تعشقها وافتتن بهَا لنعه الله وَإِيَّاهَا وأساء عقباه وعقباها وَمن شعره فِي الْخمر // (من الطَّوِيل) // (أقولُ لصَحْبٍ ضَمَّتِ الكَأْسُ شَمْلَهُمْ ... وَدَاعِي صَبَابَاتِ الهَوَى يَتَرَنَّمُ) (خُذُوا بنَصِيبٍ مِنْ نَعِيمٍ ولَذَّةٍ ... فكُلٌّ وَإِنْ طَالَ المدَى يَتَصَرَّمُ) وَمن شعره أَيْضا فِيهَا // (من الطَّوِيل) // (وَدَاعٍ دَعانِي والثُّرَيَّا كأَنَّهَا ... قلائصُ قد أعنقْنَ خَلْفَ فَنِيقِ) (وَقَالَ اغتنِمْ من دَهْرنا غَفَلَاتِهِ ... فَعَقْدُ ذِمَامِ الدَّهْرِ غَيْرُ وَثِيقِ) (وناولنِي كَأْسًا كَأَنَّ بنانَهُ ... مخضَّبةٌ مِنْ لَوْنِهَا بِخَلُوقِ) (إِذا مَا طغَى فِيهَا الحَياءُ حسبتَهَا ... كَوَاكبَ دُرِّ فِي سمَاءِ عَقِيقِ) (تَدُبُّ دَبِيبَ النَّمْل فِي كُلِّ مفْصلٍ ... وتَكْسُو وجُوهَ الشَّرْبَ ثَوبَ شقِيقِ) (وإنِّيَ مِنْ لَذَّاتِ دَهْرِي لقانعٌ ... بحلْوِ حَدِيثٍ أَوْ بِمُرِّ عتيقِ) (هَما مَا هُمَا لَمْ يَبْقَ شيءٌ سِوَاهُمَا ... حَدِيثُ صَدِيقٍ أَوْ عَتِيقُ رَحِيقِ) وَمِمَّا ينْسب إِلَيْهِ يُخَاطب أَبَاهُ مُعَاوِيَة عِنْد نَهْيه إِيَّاه عَن شرب الْخمر قَوْله // (من الطَّوِيل) // (أَمِنْ شَرْبَةٍ من ماءِ كرْمٍ شَرِبْتُهَا ... غبْتَ عليَّ الآنَ طابَ لي السُّكْرُ) (سأشرَبُ فاغضَبْ لَا رَضِيت كِلَاهُمَا ... حبيبٌ إِلَى قَلْبِي عُقُوقُكَ والخَمْرُ)
следующие страницы →