Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
فِي الْمَسْجِد إِلَّا سعيد بن الْمسيب جعل نَفسه ولهاناً خبلا فَتَرَكُوهُ وَكَانَ يَقُول كنت أسمع عِنْد مَوَاقِيت الصَّلَاة همهمة من الْحُجْرَة المطهرة وافتض فِيهَا ألف عذراء وَإِن مفتضَّها فعل ذَلِك أَمَام الْوَجْه الشريف وَالْتمس مَا يمسح بِهِ الدَّم فَلم يجد فَفتح مصحا قَرِيبا مِنْهُ ثمَّ أَخذ من أوراقه ورقة فتمسح بهَا نَعُوذ بِاللَّه مَا هَذَا إِلَّا صَرِيح الْكفْر وأنتنه وَمن ذَلِك أَن امْرَأَة من الْأَنْصَار دخل عَلَيْهَا رجل من أهل الشَّام وَهِي ترْضع وَلَدهَا وَقد أَخذ مَا كَانَ عِنْدهَا قَالَ لَهَا هَاتِي الذَّهَب وَإِلَّا قتلتك وَقتلت ابْنك فَقَالَت وَيحك إِن قتلته فأبوه أَبُو كَبْشَة صَاحب رَسُول الله
وَأَنا من النسْوَة اللَّاتِي بايعن رَسُول الله
وَمَا خُنْت الله فِي شَيْء بَايَعت رَسُوله عَلَيْهِ فَأخذ الصَّبِي من حجرها وثديها فِي فِيهِ وَضرب بِهِ الْحَائِط حَتَّى انتثر دماغه فِي الأَرْض وَالْمَرْأَة تَقول لَو كَانَ عِنْدِي شَيْء أفديك بِهِ يَا ابْني لفديتك قَالَ فَمَا خرج من الْبَيْت حَتَّى اسودَ نصف وَجهه وَصَارَ مثلَة فِي النَّاس قَالَ الْمُؤلف وأحسب هَذِه الْمَرْأَة جدة لهَذَا الصَّبِي لَا أُماً لَهُ إِذْ يبعد فِي الْعَادة أَن تبَايع رَسُول الله
امْرَأَة وَتَكون يَوْم الْحرَّة فِي سنّ من يُرْضِعُ والحرة الَّتِي يعرف بهَا هَذَا الْيَوْم يُقَال لَهَا حرَّة زهرَة بقرية كَانَت لبني زهرَة قوم من الْيَهُود فَقيل للقرية زهرَة وَكَانَت عامرة فِي الزَّمن الأول يُقَال كَانَ فِيهَا ثَلَاثمِائَة صائغ ذكره الزبير بن بكار فِي فَضَائِل الْمَدِينَة وَيُقَال إِن مُسلما لما حَارب أهل الْمَدِينَة ووقف ابْن الغسيل وَالنَّاس لقتاله خالفهم بَنو حَارِثَة من الْأَنْصَار وأدخلوا أهل الشَّام من ناحيتهم فَانْهَزَمَ النَّاس وَكَانَ من هلك فِي الخَنْدَق أَكثر مِمَّن قتل ثمَّ دَعَا مُسلم النَّاس إِلَى بيعَة يزِيد على أَنهم خَوَل لَهُ يحكم فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وأهليهم بِمَا شَاءَ وَمن امْتنع قَتله وَجِيء بعد يَوْم بِيَزِيد بن عبد الله بن زَمعَة بن الْأسود وَمُحَمّد بن أبي الجهم بن حُذَيْفَة فَقَالَا لَا نُبَايِع إِلَّا على الْكتاب وَالسّنة فَقَتَلَهُمَا وَأنكر عَلَيْهِ مَرْوَان قتل فريق على أَمَان فطعنه بالقضيب فِي خاصرته وَقَالَ وَالله لَو قلتهَا أَنْت لقتلتك ثمَّ جِيءَ بمعقل بن سِنَان فَقَالَ لَهُ وَالله لأَقْتُلَنك فَنَاشَدَهُ الله وَالرحم فَقَالَ
стр. 1262
أما أَنْت لقيتني بطبرية لَيْلَة انْصَرف وفدكم من عِنْد يزِيد فأثنيت عَلَيْهِ شرا وَقلت نرْجِع الْمَدِينَة فنخاع هَذَا الْفَاسِق ابْن الْفَاسِق ونبايع لرجل من أَبنَاء الْمُهَاجِرين وَإِنِّي آلَيْت لَا أَلْقَاك بِحَيْثُ أقدر على قَتلك إِلَّا قتلتك ثمَّ أَمر بِهِ فَقتل وَجِيء بِيَزِيد بن وهب فَقَالَ أبايع على سنة عمر فَقتله وشفع فِيهِ مَرْوَان لصهر بَينهمَا فَلم يشفعه ثمَّ جَاءَ عَليّ بن الْحُسَيْن بَين مَرْوَان وَعبد الْملك وَجلسَ بَينهمَا فَقَالَ تجيئني بَين هذَيْن لتأمن عِنْدِي وَالله لَو كَانَ الْأَمر إِلَيْهِمَا لقتلتك وَإِنَّمَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَوْصَانِي بك وَأَخْبرنِي أَنَّك كاتبته ثمَّ أجلسه مَعَه على السرير فَقَالَ لَعَلَّ أهلك فزعوا فَقَالَ نعم فَرده إِلَى بَيته على دَابَّته وَلم يلْزمه الْبيعَة كَمَا ألزم أهل الْمَدِينَة ثمَّ أحضر عبد الله بن عَبَّاس لِلْبيعَةِ وَكَانَت أمه كندية فَقَالَ الْحصين بن النمير لَا تبَايع ابْن أُخْتنَا إِلَّا مثل مَا بَايع عَليّ بن الْحُسَيْن فَتَركه ثمَّ جَاءَ عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان وَلم يكن خرج مَعَ بني أُميَّة فَقَالَ هَذَا الْخَبيث ابْن الطّيب وَأمر بِهِ فنتفت لحيته وَكَانَ مِمَّن قتل فِي الْحرَّة زيد بن عَاصِم الْأنْصَارِيّ وَعبيد الله بن عبد الله بن موهب ووهب بن عبد الله بن زَمعَة وَعبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عاظب وَالزُّبَيْر ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعبد الله بن نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَكَانَ لليلتين بَقِيَتَا من ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وأتى خبر الْوَاقِعَة لِابْنِ الزبير مَعَ الْمسور بن مخرمَة فاستعد هُوَ وَأَصْحَابه وَعرفُوا أَن مُسلم بن عقبَة نَازل ثمَّ اسْتخْلف مُسلم على الْمَدِينَة روح بن زنباع الجذامي وَقيل عَمْرو بن مُحرز الْأَشْجَعِيّ وشخص إِلَى مَكَّة لقِتَال ابْن الزير فَمَاتَ بالمشلل وَقيل بثنية هرشي وَأوصى الْحصين بن نمير فَقَالَ يَا برذعة الْحمار لَو كَانَ هَذَا الْأَمر إليَ مَا وليتك هَذَا الْجند لَكِن أَمِير الْمُؤمنِينَ ولاك فأسرع السّير وَعجل المناخرة وَلَا تمكن قُريْشًا من أُذُنك ثمَّ مَاتَ وَسَار الْحصين بِالنَّاسِ وَقدم مَكَّة لأَرْبَع بَقينَ من الْمحرم وَقد بَايع أَهلهَا وَأهل
стр. 1263
الْحجاز لعبد الله بن الزبير واجتمعوا عَلَيْهِ وَلحق بِهِ أهل الْمَدِينَة وَقدم عَلَيْهِ نجدة ابْن عَامر الْحَنَفِيّ فِي الْخَوَارِج لمنع الْبَيْت وَخرج ابْن الزبير للقاء أهل الشَّام وعثرت البغلة بِعَبْد الله فَنزل وَاجْتمعَ إِلَيْهِ الْمسور بن مخرمَة وَمصْعَب بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَجَمَاعَة من أَصْحَابه فَقتلُوا جَمِيعًا وصابرهم ابْن الزبير إِلَى اللَّيْل ثمَّ انصرفوا وَأَقَامُوا يقاتلونه شهرا وَبَعض شهر وَاحْتَرَقَ الْبَيْت يُقَال قَذَفُوهُ بالنَّار فِي المجانيق وَيُقَال كَانَ أَصْحَاب ابْن الزبير يوقدون حول الْكَعْبَة فعلقت شرارة مِنْهَا بِثَوْب الْكَعْبَة وَاحْتَرَقَ خشب الْبَيْت وَالْأول أصح لِأَن البُخَارِيّ ذكر فِي صَحِيحه أَن ابْن الزبير لما احترقت الْكَعْبَة تَركهَا ليراها النَّاس محترقة فتحزبهم على أهل الشَّام ثمَّ لم يزل الْعَسْكَر محاصرين لِابْنِ الزبير حَتَّى جَاءَهُم نعي يزِيد لأوّل ربيع الثَّانِي
(وَفَاة يزِيد وبيعة مُعَاوِيَة ابْنه وَملكه)
ثمَّ مَاتَ يزِيد منصف ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ قَالَ الْعَلامَة الْحَافِظ الذَّهَبِيّ روى زحر بن حُصَيْن عَن جده حميد بن منْهب قَالَ زرت الْحسن بن أبي الْحسن يَعْنِي الْبَصْرِيّ فخلوت بِهِ فَقلت يَا أَبَا سعيد مَا ترى مَا النَّاس فِيهِ فَقَالَ لي أفسد أَمر النَّاس اثْنَان عَمْرو بن الْعَاصِ يَوْم أَشَارَ على مُعَاوِيَة بِرَفْع الْمَصَاحِف فَحملت وَقَالَ أَيْن الْقُرَّاء فَحكم الْخَوَارِج فَلَا يزَال هَذَا التَّحْكِيم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَالْآخِرَة الْمُغيرَة بن شُعْبَة فَإِنَّهُ كَانَ عَامل مُعَاوِيَة على الْكُوفَة فَكتب إِلَيْهِ مُعَاوِيَة إِذا قَرَأت كتابي فَأقبل معزولا فَأَبْطَأَ عَنهُ فَلَمَّا ورد عَلَيْهِ قَالَ مَا أَبْطَأَ بك قَالَ أَمر كنت أُوَطئُه وأهَيئُهُ قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ الْبيعَة ليزِيد من بعْدك قَالَ أَو فعلت قَالَ نعم قَالَ ارْجع إِلَى عَمَلك فَلَمَّا خرج الْمُغيرَة قَالَ لَهُ
стр. 1264
أَصْحَابه مَا وَرَاءَك قَالَ وضعت رجل مُعَاوِيَة فِي غرز غي لَا يزَال فِيهِ يَوْم الْقِيَامَة قَالَ الْحسن فَمن أجل ذَلِك بَايع هَؤُلَاءِ لأبنائهم وَلَوْلَا ذَلِك لكَانَتْ شُورَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ مُحَمَّد بن مَرْوَان السعيدي أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن سُلَيْمَان الْخُزَاعِيّ عَن أَبِيه عَن جده عَن مُحَمَّد بن الحكم عَن أبي عوَانَة قَالَ كَانَ مُعَاوِيَة يُعْطي عبد الله بن جَعْفَر كل عَام ألف ألف دِينَار فَلَمَّا وَفد على يزِيد أعطَاهُ ألفي ألف فَقَالَ عبد الله ليزِيد بِأبي أَنْت وَأمي فَأمر لَهُ بِأَلف ألف أُخْرَى فَقَالَ لَهُ عبد الله وَالله لَا أجمعهما لأحد بعْدك حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار بنْدَار حَدثنَا عبد الْوَهَّاب حَدثنَا عَوْف الْأَعرَابِي حَدثنَا مهَاجر أَبُو مخلد حَدثنِي أَبُو الْعَالِيَة حَدثنِي أَبُو مُسلم قَالَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء سَمِعت النَّبِي
يَقُول أول من يُبدل سنتي رجل من بني أُميَّة يُقَال لَهُ يزِيد أْخرجه الرَّوْيَانِيّ فِي مُسْنده عَن بنْدَار وَفِي رِوَايَة عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن مَكْحُول عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ قَالَ رَسُول الله
لَا يزَال أَمر أمتِي قائْماً بِالْقِسْطِ حَتَّى يكون أول من يثلمه رجل من بني أُميَّة يُقَال لَهُ يزِيد وَقَالَ ابْن مُطِيع إِن يزِيد يشرب الْخمر وَيتْرك الصَّلَاة وَيَتَعَدَّى حكم الْكتاب قَالَ رجل مَا رَأَيْت مِنْهُ مَا تذكرُونَ وَقد أَقمت عِنْده فرأيته مواظباً للصَّلَاة متحرياً للخير يسْأَل عَن الْفِقْه قَالَ كَانَ ذَلِك مِنْهُ تصنعَاً لَك ورياء وَقَالَ الزبري بن بكار فِي أَنْسَاب قُرَيْش أَنْشدني عمي ليزِيد قَوْله // (من المديد) //
(آبَ هَذَا الهَمُّ فَاكْتَنَعَا ... وَأَمَرَّ النَّوْم فَامْتَنَعَا)
стр. 1265
(رَاعيا للنجْمِ أرقبُهُ ... فَإذا مَا كوْكَبٌ طَلَعَا)
(حام حتَّى إنَّنِي لَأَرَى ... أَنه بالغَوْر قد وَقَعَا)
(وَلها بالماطِرُون إِذَا ... أَكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَا)
(خرقةٌ حتَّ إِذا ربعَتْ ... نزلَتْ من جِلَّقٍ بِيَعَا)
(فِي قبابٍ وَسْطَ دسكرةٍ ... حَوْلَهَا الزيتونُ قد ينَعَا)
قلت هَذِه الأبيات من قصيدة لَهُ فِي نَصْرَانِيَّة تعشقها وافتتن بهَا لنعه الله وَإِيَّاهَا وأساء عقباه وعقباها وَمن شعره فِي الْخمر // (من الطَّوِيل) //
(أقولُ لصَحْبٍ ضَمَّتِ الكَأْسُ شَمْلَهُمْ ... وَدَاعِي صَبَابَاتِ الهَوَى يَتَرَنَّمُ)
(خُذُوا بنَصِيبٍ مِنْ نَعِيمٍ ولَذَّةٍ ... فكُلٌّ وَإِنْ طَالَ المدَى يَتَصَرَّمُ)
وَمن شعره أَيْضا فِيهَا // (من الطَّوِيل) //
(وَدَاعٍ دَعانِي والثُّرَيَّا كأَنَّهَا ... قلائصُ قد أعنقْنَ خَلْفَ فَنِيقِ)
(وَقَالَ اغتنِمْ من دَهْرنا غَفَلَاتِهِ ... فَعَقْدُ ذِمَامِ الدَّهْرِ غَيْرُ وَثِيقِ)
(وناولنِي كَأْسًا كَأَنَّ بنانَهُ ... مخضَّبةٌ مِنْ لَوْنِهَا بِخَلُوقِ)
(إِذا مَا طغَى فِيهَا الحَياءُ حسبتَهَا ... كَوَاكبَ دُرِّ فِي سمَاءِ عَقِيقِ)
(تَدُبُّ دَبِيبَ النَّمْل فِي كُلِّ مفْصلٍ ... وتَكْسُو وجُوهَ الشَّرْبَ ثَوبَ شقِيقِ)
(وإنِّيَ مِنْ لَذَّاتِ دَهْرِي لقانعٌ ... بحلْوِ حَدِيثٍ أَوْ بِمُرِّ عتيقِ)
(هَما مَا هُمَا لَمْ يَبْقَ شيءٌ سِوَاهُمَا ... حَدِيثُ صَدِيقٍ أَوْ عَتِيقُ رَحِيقِ)
وَمِمَّا ينْسب إِلَيْهِ يُخَاطب أَبَاهُ مُعَاوِيَة عِنْد نَهْيه إِيَّاه عَن شرب الْخمر قَوْله // (من الطَّوِيل) //
(أَمِنْ شَرْبَةٍ من ماءِ كرْمٍ شَرِبْتُهَا ... غبْتَ عليَّ الآنَ طابَ لي السُّكْرُ)
(سأشرَبُ فاغضَبْ لَا رَضِيت كِلَاهُمَا ... حبيبٌ إِلَى قَلْبِي عُقُوقُكَ والخَمْرُ)
стр. 1266
توفّي كَمَا تقدم فِي ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ وَله تسع وَثَلَاثُونَ سنة وَكَانَت خِلَافَته ثَلَاث سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَدفن بحوارين من أَرض دمشق بمقبرة بَاب الصَّقْر وَفِيه يَقُول الْقَائِل // (من الرجز) //
(بأَيُّهَا القَبْرُ بِحَوَّارِينَا ... ضَمَمْتَ شَرَّ الناسِ أَجْمَعِينا)
ورثاه شَاعِرهمْ الأخطل بقوله // (من الطَّوِيل) //
(لَعَمْريَ قَدْ دَلَّى إِلَيّ اللَّحْدِ خَالدٌ ... جنَازَةَ لَا نِكْسِ الفُؤَادِ وَلَا غمرِ)
(مُقِيمٌ بحوَّارِينَ لَيْسَ يَرِيمهَا ... سَقَتْكَ الغَوَادِي مِنْ ثَرِيِّ وَمن قَبْرِ)
قَالَ فِي الإشاعة لأشراط السَّاعَة فِي الْبَاب الأول وَهُوَ فِي الإمارات الْبَعِيدَة الَّتِي ظَهرت وَانْقَضَت وَهِي كثير إِلَى أَن قَالَ وَمِنْهَا ملك بني أُميَّة يزِيد وَمن بعده الْمُشْتَمل على الفتَن الْعِظَام كَقطع اللَّيْل المظلم وَعَن عمرَان بن الْحصين ﵁ قَالَ أبْغض النَّاس إِلَى رَسُول الله
بَنو أُميَّة وَثَقِيف وَبَنُو حنيفَة وَعَن أبي ذَر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِذا بلغت بَنو الْعَاصِ أَرْبَعِينَ رجلا اتَّخذُوا عباد الله خولا وَمَال الله دولا وَكتاب الله دخلَا وَعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ لكل أمة آفَة وَآفَة هَذِه الْأمة بَنو أُميَّة وَعَن عَمْرو بن مرّة الْجُهَنِيّ قَالَ اسْتَأْذن الحكم بن أبي الْعَاصِ على رَسُول الله
فَعرف صَوته فَقَالَ ائذنوا لَهُ حَيَّة ولد حَيَّة لعنة الله عَلَيْهِ وعَلى كل من يخرج من صلبه إِلَّا الْمُؤمن مِنْهُم وَقَلِيل مَا هم قلت وَهَذَا الِاسْتِثْنَاء إِشَارَة إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز وَمُعَاوِيَة بن يزِيد وَيزِيد النَّاقِص والصالحِ مِنْهُم وَعَن ابْن عمر هجرت الرواح إِلَى النَّبِي
فجَاء أَبُو الْحسن ﵁ فَقَالَ لَهُ
ادن فَلم يزل يُدْنِيه حَتَّى الْتَقم أُذُنه فَبَيْنَمَا هُوَ يسارُّهُ إِذْ رفع رَأسه كالفزع فَإِذا قارع يقرع بِسَيْفِهِ الْبَاب فَقَالَ
لعَلي اذْهَبْ فَقده كَمَا تقاد الشَّاة إِلَى حالبها فَإِذا عَليّ
стр. 1267
كرم الله وَجهه يدْخل الحكم بن أبي الْعَاصِ آَخذَاً بأذنه وَلها زنمة حَتَّى أوقفهُ بَين يَدَيْهِ
فلعنه نَبِي الله ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ أجلسه نَاحيَة حَتَّى رَاح إِلَيْهِ قوم من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ثمَّ دَعَاهُ فلعنه ثمَّ قَالَ إِن هَذَا سيخالف كتاب الله وَسنة نبيه وسيخرج من صلبه فتن يبلغ دخانها السَّمَاء فَقَالَ نَاس من الْقَوْم هُوَ أقل وأذل من ذَلِك فَقَالَ
بلَى وبعضكم يَوْمئِذٍ شيعته ثمَّ إِنَّه
نَفَاهُ إِلَى الطَّائِف وَلم يردهُ أَبُو بكر وَلَا عمر ورده عُثْمَان حِين ولي الْخلَافَة وَكَانَ رده أحد الْأُمُور الَّتِي نقمت عَلَيْهِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قلت وَقد ذكرت ذَلِك وَجَوَابه فِيمَا تقدم فِي تَرْجَمَة عُثْمَان ﵁ وَمن الْفِتَن الَّتِي وَقعت فِي زمن يزِيد قتل الْحُسَيْن ووقعة الْحرَّة وخراب الْمَدِينَة بعد الْحرَّة وَرمي الْكَعْبَة بالمنجنيق وَمِنْهَا فِي زمن بني مَرْوَان قتل ابْن الزبير وَهدم الْكَعْبَة بعد رميها بالمنجنيق أَيْضا وتولية الْحجَّاج وَأَنه قتل مائَة وَأَرْبَعَة وَعشْرين ألف نفس حَرَامًا صبرَاً سوى مَا قَتله فِي المحاربات وَوجد فِي حَبسه ثَمَانُون ألفا مِنْهُم ثَلَاثُونَ ألف امْرَأَة وَكَانَ حَبسه مبلطَاً لَا سقف لَهُ ليتأذوا بِالْحرِّ وَالْبرد وَكَانَ حَبسه من حَبسه ظلما صرفا وَهوى نفس حَتَّى إِنَّه وجد فِيهِ من حبس لبولة بالها فِي جنب سور وَاسِط الْبَلَد الَّتِي اختطَّها الْحجَّاج وَمِنْهَا قتل زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن وصلبه وإحراقه بالنَّار وَقتل وَلَده يحيى فِي زمانْهم وشربهم الْخمر وصلاتهم بِالنَّاسِ سكارى وَتَقْدِيم الْجَوَارِي فِي الْمِحْرَاب للصَّلَاة بِالنَّاسِ وَغير ذَلِك من أَنْوَاع القبائح بل نقل الْعَلامَة السُّيُوطِيّ فِي تَارِيخه للخلفاء أَن الْوَلِيد بن يزِيد عزم على الْحَج لأجل أَن يشرب الْخمر فَوق الْكَعْبَة فَقتل قبل أَن يبلغ مُرَاده وَعَن الْمسور بن مخرمَة قَالَ قَالَ عمر بن الْخطاب لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف ألم يكن فِيمَا تَقْرَءُونَهُ قَاتلُوا فِي الله آخِره مرّة كَمَا قاتلتم أول مرّة قَالَ مَتى ذَاك قَالَ إِذا كَانَت بَنو أُميَّة الْأُمَرَاء وَبَنُو مَخْزُوم الوزراء رَوَاهُ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فَكَانَت
стр. 1268
دولتهم لمفاسد كَثْرَة ومظالم لَا تعد وَلَا تحصى إِلَى أَن قَالَ وَأما بَنو يزِيد وَبَنُو الحكم فهم ملعونون على لِسَان النَّبِي
وَلذَا قَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل حِين سَأَلَهُ ابْنه عَن لعن يزِيد فَقَالَ الإِمَام إِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿فَهَل عَسَيتُم إِن تَوَليتم أَن تفسِدُوا فِي اَلأرض وَتُقَطعُوا أَرحَامَكُم أُولَئكَ اَلَذِينَ لعنَهُمُ اللَهُ﴾ الْآيَة مُحَمَّد ٢٢ ٢٣ وَأي فَسَاد وَقَطِيعَة أَشد مِمَّا فعله يزِيد يَا بني وَفِي تَارِيخ أبي مخرمَة الْمُسَمّى قلادة النَّحْر عَن الشَّيْخ نصر بن مجلي وَكَانَ من الثِّقَات الْعباد الصَّالِحين قَالَ رَأَيْت عَليّ بن أبي طَالب فِي الْمَنَام فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تفتحون مَكَّة وتقولون من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن ثمَّ يتم عَليّ ولدك الْحُسَيْن مَا تمّ فَقَالَ لي أما سَمِعت أَبْيَات ابْن صَيْفِي فِي هَذَا قلت لَا قَالَ اسمعها مِنْهُ ثمَّ انْتَبَهت فبادرت إِلَى دَار ابْن الصيفي فَذكرت لَهُ الرُّؤْيَا فشهق وَبكى وَحلف بِاللَّه إِنَّهَا لم تخرج من فِيهِ وَلَا من خطه إِلَى أحد وَمَا نظمها إِلَّا فِي ليلته ثمَّ أَنْشدني من // (الطَّوِيل) //
(مَلَكْنَا وكَانَ العفْوُ منا سجيَّةً ... فَلَمَّا ملكْتُمْ سَالَ بالدَّمِ أيطَحُ)
(وَحَلَّلْتُمُ قَتْلَ الأسَارَى وطَالَمَا ... غدَوْنَا مِنَ الأَسْرَى نَمُنُّ ونَصْفَحُ)
(وَحَسْبُكُمُ هَذَا التَّفَاوُتُ بَيْنَنَا ... فكُلُّ إِنَاءٍ بالَّذِي فِيهِ يَنْضَحُ)
قلت اسْم ابْن الصيفي سعيد بن مُحَمَّد أَبُو الفوارس التَّمِيمِي شَاعِر مَشْهُور وَهُوَ الملقب بحيص بيص توفّي سنة أَربع وَسبعين وَخَمْسمِائة فِي الْقرن السَّادِس قَالَ الْعَلامَة الدَّمِيرِيّ فِي حَيَاة الْحَيَوَان سُئِلَ الإِمَام أَبُو الْحسن عماد الدّين عَليّ بن مُحَمَّد الملقب بالكيا الهراسي من رُؤُوس معيدي إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن يزِيد بن مُعَاوِيَة هَل هُوَ من الصَّحَابَة وَهل يجوز لَعنه أم لَا فَأجَاب إِنَّه لم يكن من الصَّحَابَة لِأَنَّهُ ولد فِي زمن عُثْمَان وَأما جَوَاز لَعنه فَفِيهِ لكل وَاحِد من الإِمَام أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد قَولَانِ تَصْرِيح وتلويحٌ وَلنَا قَول وَاحِد التَّصْرِيح دون التَّلْوِيح وَكَيف لَا يكون ذَلِك وَهُوَ المتصيد بالفهد واللاعب بالنرد والمدمن على الْخمر وَكتب فصلا طويلَا أضربنا عَن ذكره ثمَّ قَالَ وَلَو مددت ببياض لأطلقت الْعَنَان وَبسطت الْكَلَام فِي مخازي هَذَا الرجل
стр. 1269
هَذَا وَأما الْغَزالِيّ فقد أفتى فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِخِلَاف مَا أفتى بِهِ الكيّا وَبسط الْكَلَام فِي ذَلِك قَالَ الْعَلامَة مُحَمَّد بن مصطفى كاتي فِي تَارِيخه الْمُسَمّى بغية الخاطر ونزهة النَّاظر كَانَ ليزِيد بن مُعَاوِيَة قرد سَمَّاهُ أَبَا قيس كَانَ يركبه فَوق حمَار بسرج فِي المواكب وَله زِيّ كزي راكبي الْخَيل من الْعِمَامَة وَالْكِسْوَة ويجلسه فِي مجَالِس أنسه وَكَانَ لهَذَا القرد من الفطنة وَإِدْرَاك الْأُمُور مَا لَا يدْرك فأركب مرّة على حمَار وحشيّ ففرت بِهِ فَأَنْشد يزِيد يَقُول من // (الطَّوِيل) //
(تَمَسَّكْ أَبَا قيْسٍ بفَضَلِ عِنَانِهِ ... فلَيْسَ عَليْهِ إنْ هَلَكْتَ ضَمَانُ)
وبويع بعده ابْنه مُعَاوِيَة فَمَكثَ ثَلَاثَة أشهر ثمَّ خطب النَّاس وَقَالَ إِنِّي ضَعِيف عَن أَمركُم وَطلبت لكم مثل عمر بن الْخطاب حِين اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بكر فَلم أَجِدهُ فطلبت سِتَّة مثل أهل الشورى فَلم أجدهم فَأنْتم أولى بأمركم اخْتَارُوا لَهُ وَدخل منزله فَمَاتَ يُقَال مسموماً وَصلى عَلَيْهِ الْوَلِيد بن عتبَة بن أبي سُفْيَان وَهلك ليومه بالطاعون وَقيل إِن مُعَاوِيَة بن يزِيد أوصى الضَّحَّاك بن قيس أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ حَتَّى تجمع النَّاس على إِمَام قَالَ الْعَلامَة ابْن السُّبْكِيّ إِن مُعَاوِيَة بن يزِيد بن مُعَاوِيَة لما خلع نَفسه صعد الْمِنْبَر فَجَلَسَ طَويلا ثمَّ حمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ بأبلغ مَا يكون من الْحَمد وَالثنَاء ثمَّ ذكر النَّبِي
لأحسن مَا يذكر بِهِ ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس مَا أَنا بالراغب فِي الائتمار عَلَيْكُم لعَظيم مَا أكرهه مِنْكُم وَإِنِّي أعلم أَنكُمْ تكرهونا أَيْضا لأَنا بلينا بكم وبليتم بِنَا إِلَّا أَن جدي مُعَاوِيَة نَازع هَذَا الْأَمر من كَانَ أولى بِهِ مِنْهُ وَمن غَيره لِقَرَابَتِهِ من رَسُول الله
وعظيم فَضله وسابقيته أعظم الْمُهَاجِرين قدرَاً وأشجعهم قلبَاً وَأَكْثَرهم علما وأولهم إِيمَانًا وأشرفهم منزلَة وأقدمهم صُحْبَة ابْن عَم رَسُول الله
وصهره وَأَخُوهُ زوجه ابْنَته رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَجعله لَهَا بعلا بِاخْتِيَارِهِ لَهَا وَجعلهَا لَهُ زَوْجَة باختيارها لَهُ أَبُو سبيطه سيدَيْ شباب أهل الْجنَّة وَأفضل هَذِه الْأمة تربية الرَّسُول وابنا فَاطِمَة البتول رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا حَتَّى انتظمت لجدي مُعَاوِيَة الْأُمُور فَلَمَّا جَاءَهُ الْقدر المحتوم واخترمته أَيدي الْمنون بَقِي مرتهناً بِعَمَلِهِ فريداً فِي قَبره وَوجد مَا قدمت يَدَاهُ
стр. 1270
فَرَأى مَا ارْتَكَبهُ واعتداه ثمَّ انْتَقَلت الْخلَافَة فِي أبي يزِيد فتقلد أَمركُم لهوى كَانَ أَبوهُ هويه فِيهِ وَلَقَد كَانَ أبي يزِيد بِسوء فعله وإسرافه على نَفسه غَيْرَ خليق بالخلافة على أمة مُحَمَّد
فَركب هَوَاهُ وَاسْتحْسن خطاه وأقدم على مَا قدم من جرأته على الله تَعَالَى وبغيه على من اسْتحلَّ حرمته من أَوْلَاد رَسُول الله
فقلتْ مدَّته وَانْقطع أَثَره وضاجع عمله وَصَارَ حَلِيف حفرته رهين خطيئته وَبقيت أوزاره وتبعاته فَهَل عُوقِبَ بإساءته وجوزى بِعَمَلِهِ وَذَلِكَ ظَنِّي ثمَّ اختنقته الْعبْرَة فَبكى طويِلَا وَعلا نحيبه وَحمد الله ثمَّ قَالَ وصرت أَنا ثَالِث الْقَوْم والساخطُ عليَ أَكثر من الراضي وَمَا كنت لأتحمل آثامكم وَلَا يراني الله جلت قدرته مُتَقَلِّدًا أوزاركم وألقاه بتبعاتكم فشأنكم وأمركم فَخُذُوهُ وَمن رَضِيتُمْ بِهِ عَلَيْكُم فولوه فَلَقَد خلعت بيعتي من أَعْنَاقكُم وَالسَّلَام فَقَالَ لَهُ مَرْوَان بن الحكم وَكَانَ تَحت الْمِنْبَر أسنة عمْرَة يَا أَبَا ليلى فَقَالَ اغدُ عني أعن ديني تخدعوني فوَاللَّه مَا ذقت حلاوة خلافتكم فأتجرع مرارتها ائْتِنِي بِرِجَال مثل رجال عمر على أَنه كَانَ حِين جعلهَا شُورَى وصرفها عَمَّن لَا يشك فِي عَدَالَته ظلوماً وَالله لَئِن كَانَت الْخلَافَة مغنمَاً لقد نَالَ أبي مَعهَا مغرماً ومأثمَاً وَلَئِن كَانَت شرا فحسبه مِنْهَا مَا أَصَابَهُ ثمَّ نزل فَدخل عَلَيْهِ أَقَاربه وَأمه فوجدوه يبكي فَقَالَت لَهُ أمه ليتك كنت حَيْضَة وَلم أسمع بخبرك فَقَالَ وددت وَالله ذَلِك ثمَّ قَالَ ويلي إِن لم يرحمني رَبِّي ثمَّ إِن بني أُميَّة قَالُوا لمؤدبه القصوص أَنْت عَلمته هَذَا ولقنته إِيَّاه وصددته عَن الْخلَافَة وزينت لَهُ حب عَليّ وَأَوْلَاده رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَحَمَلته على مَا وَسَمَنَا بِهِ من الظُّلم وَحسنت لَهُ الْبدع حَتَّى نطق بِمَا نطق وَقَالَ مَا قَالَ فَقَالَ وَالله مَا فعلته وَلكنه مجبول ومطبوع على حب عَليّ وَأَوْلَاده ﵃ فَلم يقبلُوا مِنْهُ ذَلِك وأخذوه ودفنوه حَيا حَتَّى مَاتَ ﵀ وَتُوفِّي معاويةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بعد خلعه نَفسه بِأَرْبَعِينَ لَيْلَة رَحمَه الله تَعَالَى وَهُوَ الْمُسَمّى مُعَاوِيَة الْأَصْغَر وَقيل بعد الْخلْع بتسعين لَيْلَة وَكَانَ عمره ثلاثَاً
стр. 1271
وَعشْرين سنة وَقيل إِحْدَى وَعشْرين وَقيل ثَمَان عشرَة وَيُقَال إِنَّه لما احْتضرَ قيل لَهُ أَلا تسْتَخْلف فَأبى وَقَالَ مَا أصبت من حلاوتها فلمَ أتحمل مرارتها وَلم يعقب رَحْمَة الله عَلَيْهِ ورضوانه
(إِظْهَار ابْن الزبير لِلْبيعَةِ)
وَلما هلك يزِيد بلغ الْخَبَر إِلَى عبد الله بن الزبير بِمَكَّة قبل أَن يعلم الْحصين بن نمير وَمن مَعَه وَكَانَ حصارهم قد اشْتَدَّ فناداهم ابْن الزبير وَأهل مَكَّة علام تقاتلون وَقد هلك صَاحبكُم فَلم يصدقوه فَلَمَّا بلغ الْخَبَر الْحصين بعث إِلَى ابْن الزبير وواعده الأبطح لَيْلًا فَالْتَقَيَا فَقَالَ لَهُ الْحصين هَلُمَّ نُبَايِعك فأنتَ أَحَق وَهَذَا الْجند الَّذِي معي هم وُجُوه أهل الشَّام وفرسانُهُم واخرج مَعنا فَلَا يخْتَلف عَلَيْك اثْنَان على أَن تؤمن النَّاس وتهدر لَهُم مَا أَصَابُوا من الدِّمَاء فَأبى من إهدارها وَكَانَ الْحصين يكلمهُ سرا وَهُوَ يجْهر وَيَقُول وَالله لَا أفعل فَقَالَ الْحصين قَبحَ الله من يَعُدكَ بعْدهَا داهية ثمَّ ارتحل إِلَى الْمَدِينَة وراجع ابْن الزبير رَأْيه فَأرْسل إِلَيْهِ لَا أَسِير إِلَى الشَّام وَلَكِن بَايعُوا لي هُنَاكَ وَأَنا مؤمنكم فَقَالَ الْحصين لَا يتم إِلَّا بحضورك فهناك بَنو أُميَّة يطْلبُونَ الْأَمر ومَر الْحصين بِالْمَدِينَةِ فَكَانُوا يتخوفون عسكره وهم حذرون مِنْهُم لى أَن بعدوا ثمَّ وصلوا دمشق
(انْتِقَاض أَمر ابْن زِيَاد ورجوعه إِلَى الشَّام)
لم جَاءَ الْخَبَر إِلَى ابْن زِيَاد بِالْبَصْرَةِ بمهلك يزِيد بن مُعَاوِيَة ثمَّ مُعَاوِيَة ابْنه وَاخْتِلَاف النَّاس بِالشَّام جمع النَّاس فَخَطب ونعى يزِيد وثلبه فَنَهَاهُ الْأَحْنَف ثمَّ
стр. 1272
تلطف لأهل الْبَصْرَة وَقرر وسائله إِلَيْهِم بالمهاجرة والمولد وَحسن الآَثار فِي الجباية والعسكر وَإِصْلَاح السابلة وكف الْأَذَى وأعلمهم باخْتلَاف النَّاس بِالشَّام بعد يزِيد وَقَالَ أَنْتُم أعز النَّاس وأغناهم عَن النَّاس وأوسعهم بلاداً فَاخْتَارُوا من تولون وَأَنا أول رَاض بِهِ فَقَالَ أهل الْبَصْرَة هَلُمَّ فلنبايعك فَأبى ثمَّ ألحوا عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَأجَاب وَبَايَعُوهُ ثمَّ انصرفوا وتناجوا ومسحوا أَيْديهم بالحيطان وَقَالُوا يظنّ ابْن مرْجَانَة أَن ننقاد لَهُ فِي الْجَمَاعَة والفرقة وَلما بَايعُوهُ أرسل إِلَى أهل الْكُوفَة يعلمهُمْ ببيعة أهل الْبَصْرَة ويدعوهم إِلَيْهَا وَكَانَ خَلِيفَته على الْكُوفَة عَمْرو بن حُرَيْث فَجمع النَّاس وَذكر لَهُم رَسُوله ذَلِك فَقَامَ يزِيد بن الْحَارِث بن رُوَيْم الشَّيْبَانِيّ فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي أراحنا من ابْن سميَّة لَا نُبَايِعهُ وحَصَبَهُ ثمَّ تبعه النَّاس وحصبوه وَرجع بالْخبر إِلَى ابْن زِيَاد فَبَدَا لأهل الْبَصْرَة فِي بيعَته وَضعف سُلْطَانه وَأقَام لَا تنفذ أوامره ويحال بَين وَبَين أعوانه وَبَين الْخُصُوم إِذا سحبوهم ثمَّ جَاءَ إِلَى الْبَصْرَة سَلمَة بن ذُؤَيْب التَّمِيمِي الْحَضْرَمِيّ فنصب لِوَاء فِي السُّوق ودعا لِابْنِ الزبير فَبَايعهُ نَاس وَآتى الْخَبَر ابْن زِيَاد فَجمع النَّاس فَقَالَ بَلغنِي أَنكُمْ مسحتم أَيْدِيكُم بالحيطان وقلتم مَا قُلْتُمْ وَأَنا الْآن ترد أوامري ويحال بَين أعواني وَبَين طلبي هَذَا سَلمَة بن ذُؤَيْب يدعوكم إِلَى الْخلاف فَيُجِيبهُ مِنْكُم مجيبون فَقَالَ الْأَحْنَف وَالله نَحن نَأْتِيك بسلمة فَخَرجُوا ليأتوا بِهِ فَإِذا جمعه قَد كثف والخرق قد اتَّسع فبعدوا عَن ابْن زِيَاد وَلم يراجعوا إِلَيْهِ فَدَعَا مقاتلة السُّلْطَان لِيُقَاتِلُوا مَعَه فَقَالُوا إِن أذن قوادنا فِي ذَلِك وَقَالَ أخوته وَأَصْحَابه لَيْسَ لنا خَليفَة نُقَاتِل عَنهُ وَإِن كَانَت علينا هلكنا وَهَلَكت أَمْوَالنَا فَعِنْدَ ذَلِك أرسل إِلَى الْحَارِث ابْن قيس من بني جَهْضَم ابْن خُزَيْمَة بن مَالك بن فهم من الأزد وَقَالَ إِن أبي أَوْصَانِي بك إِن أصابني الدَّهْر بِشَيْء فعدد عَلَيْهِ قلَّة الْمُكَافَأَة مِنْهُ وَمن أَبِيه وَأقَام عِنْده إِلَى اللَّيْل ثمَّ أردفه خَلفه وَخرج بِهِ وَفرق ابْن زِيَاد على موَالِيه الْكثير مِمَّا كَانَ فِي بَيت المَال وَهُوَ تِسْعَة عشر ألف ألف مرَّتَيْنِ وسير بِهِ الْحَارِث وَالنَّاس يتحارسون خوفًا من الحرورية ويمر بِالنَّاسِ فيسألونه فَيَقُول أَنا الْحَارِث بن قيس إِلَى أَن أنزلهُ بداره فِي الجهاضم فَأثْنى عَلَيْهِ ابْن زِيَاد وَقَالَ اذْهَبْ بِنَا إِلَى مَسْعُود بن عَمْرو فقد علمت شرفه فِي الأزد وطاعتهم لَهُ فَأَكُون فِي دَاره وَإِلَّا فرق عَلَيْك أَمر
стр. 1273
قَوْمك فجَاء إِلَى مَسْعُود فتطير من ابْن زِيَاد وَمَا زَالَ الْحَارِث يلاطفه حَتَّى سكن وَقَالَ لَهُ أفتخرجه من بَيْتك بعد مَا دخله فَجعله فِي بَيت أَخِيه عبد الغافر بن عَمْرو ثمَّ ركب هُوَ والْحَارث وَجَمَاعَة من قومه وطافوا فِي الأزد وَقَالُوا لَهُم ابْن زِيَاد فُقِدَ وَلَا نَأْمَن أَن يتهمونا بِهِ فَأَصْبحُوا بِالسِّلَاحِ وَقيل إِن الْحَارِث لم يلق مَسْعُود بن عَمْرو وَإِنَّمَا جَاءَ بعبيد الله وَمَعَهُ مائَة ألف وأتى بهَا امْرَأَة مَسْعُود فَطلب مِنْهَا الْجوَار لِابْنِ زِيَاد بِأَن تلبسه ثِيَاب مَسْعُود فَلَمَّا جَاءَ مَسْعُود تلطفوا بِهِ حَتَّى رَضِي وَأصْبح النَّاس فِي الْبَصْرَة بِغَيْر أَمِير ثمَّ رفعوا رَأْيهمْ إِلَى قيس بن الْهَيْثَم السّلمِيّ وَكَانَ أموياً وَإِلَى النُّعْمَان بن سُفْيَان الرَّاسِبِي وَكَانَ هاشمياً يؤمران عَلَيْهِم من يختارانه فَقدم النُّعْمَان عَلَيْهِم عبد الله بن الْحَارِث ابْن نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب ويلقب ببهُ فرضيه النَّاس وَبَايَعُوهُ وأنزلوه بدار الْإِمَارَة فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَسِتِّينَ ثمَّ أنْفق ابْن زِيَاد أَمْوَالًا فِي جمع ربيعَة والأزد وَاتَّفَقُوا على أَن يرد ابْن زِيَاد إِلَى إمارته وركبوا لذَلِك وَرَئِيسهمْ مَسْعُود بن عَمْرو وَرَئِيس ربيعَة مَالك بن مسمع وَتركُوا ابْن زِيَاد فِي حيهم وَبعث موَالِيه مَعَهم وَجَاء مَسْعُود فَدخل الْمَسْجِد وَصعد الْمِنْبَر وَأخْبر الْأَمِير عبد الله بن الْحَارِث بذلك وَقيل لَهُ اركب فِي بني تَمِيم وَأصْلح بَين النَّاس فَأبى وَجَاء بَنو تَمِيم إِلَى الْأَحْنَف ليركبوه فتعلل وَلم يركب ثمَّ أركب عباد بن حُصَيْن فِي بني عَمْرو بني تَمِيم وَعِيسَى بن طلق بن سعيد بن زيد مَنَاة ومسعود يخْطب فاستنزلوه وقتلوه ثمَّ قتلوا مَالك بن مسمع بَيته وهرب عبيد الله بن زِيَاد فلحق بِالشَّام وَلزِمَ عبد الله بن الْحَارِث بَيته وَكتب أهل الْبَصْرَة إِلَى ابْن الزبير فَكتب إِلَى أنس بن مَالك يُصَلِّي بِالنَّاسِ حَتَّى بعث عمر بن عبيد الله بن معمر بعد ثَلَاثَة أشهر فحبس عبد الله بن الْحَارِث فَأَقَامَ عَمْرو فِي ولايتها شهرَاً ثمَّ جَاءَهُ الْحَارِث بن عبد الله بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي من قبل ابْن الزبير ويلقب القباع وَفِي أَيَّامه سَار نَافِع بن الْأَزْرَق من الْبَصْرَة إِلَى الأهواز وَأما الْكُوفَة فَلَمَّا طرد يزِيد بن الْحَارِث بن رُوَيْم رَسُول ابْن زِيَاد اجْتمع أهل
стр. 1274
الْكُوفَة على عمر بن سعد بن أبي وَقاص ثمَّ عزلوه واجتمعوا على عَامر بن مَسْعُود ابْن أُميَّة بن خلف بن حذافة الجُمَحِي وَكَتَبُوا بذلك إِلَى ابْن الزبير فأقره وَأقَام عَاملا على الْكُوفَة وبلغه انْتِقَاض أهل الرّيّ فَبعث مُحَمَّد بن عُمَيْر بن عُطَارِد التَّمِيمِي فَهَزَمَهُ أهل الرّيّ فَبعث إِلَيْهِم عتاب بن وَرْقَاء التَّمِيمِي فَهَزَمَهُمْ وَقتل أَمِيرهمْ الصرحان ثمَّ قدم الْكُوفَة من قبل ابْن الزبير عبد الله بن زيد الخطمي على الصَّلَاة وَإِبْرَاهِيم بن طَلْحَة على الْخراج وَاسْتعْمل مُحَمَّد بن الْأَشْعَث بن قيس على الْموصل فَاجْتمع لِابْنِ الزبير أهل الْبَصْرَة وَأهل الْكُوفَة ومَنْ بالقبلة من الْعَرَب وَأهل الجزيرة وَأهل الشَّام إِلَّا أهل الْأُرْدُن
(بيعَة مَرْوَان ووقعة مرج راهط)
وَلما بُويِعَ ابْن الزبير بِمَكَّة بِعته الظَّاهِرَة ولي على مصر عبد الرَّحْمَن بن جحدر الفِهري وعَلى الْمَدِينَة عبيد الله بن الزبير وَأخرج بني أُميَّة فَلَحقُوا بِالشَّام وَفِيهِمْ مَرْوَان بن الحكم وَأقَام هُنَاكَ فَمر بِهِ الْحصين بن نمير مرجعه من مَكَّة بعد موت يزِيد فَأخْبرهُ بِمَا دَار بَينه وَبَين ابْن الزبير وحرض بني أُميَّة على طلب الْأَمر وَكَانَ رَأْي مَرْوَان أَن يسير إِلَى ابْن الزبير فيبايع لَهُ بالخلافة فَقدم ابْن زِيَاد مْن الْعرَاق حِين انتقضوا عَلَيْهِ وأخرجوه فسفه رَأْي مَرْوَان فِي ذَلِك وحثه على طلب الْأَمر لنَفسِهِ فَقَامَ لذَلِك وَسَار إِلَى دمشق وَالضَّحَّاك بن قيس يَوْمئِذٍ قد بَايعه أَهلهَا على الصَّلَاة بهم حَتَّى يجْتَمع النَّاس على إِمَام وَهُوَ مَعَ ابْن الزبير وَهُوَ يَدْعُو لَهُ فِي السِّرّ وَزفر بن الْحَارِث الْكلابِي بِقِنْسِرينَ على مثل رَأْيه والنعمان بن بشير بحمص
стр. 1275
كَذَلِك وَكَانَ بفلسطين حسان بن مَالك بن بَحْدَل الْكَلْبِيّ عَامل مُعَاوِيَة وَابْنه وهواه فِي بني أُميَّة فَسَار إِلَى الْأُرْدُن واستخلف على فلسطين رَوح بن زنباع فَأخْرجهُ نائل ابْن قيس وَبَايع لِابْنِ الزبير وَبَايع أهل الْأُرْدُن حسان بن مَالك على أَن يجنبهم بيعَة خَالِد وَعبد الله ابْني يزدْ لصغرهما وَكتب حسان إِلَى الضَّحَّاك يعظم حق بني أُميَّة ويذم ابْن الزبير بالفتنة وخلع الْأَئِمَّة وَكتب مَعَ الرَّسُول نُسْخَة كِتَابه وَقَالَ إِن لم يقْرَأ الضَّحَّاك على النَّاس وَإِلَّا فاقرأ أَنْت هَذَا عَلَيْهِم فَلَمَّا دفع الْكتاب إِلَى الضَّحَّاك حَبسه وَصعد الْمِنْبَر فَلم يقرأه فَقَرَأَ الرَّسُول نسخته على النَّاس فاضطربوا بَين مُصدق لحسان ومكذب وتشاتموا ثمَّ سكتوا وَقضى الضَّحَّاك صَلَاة الْجُمُعَة وَدخل الْقصر ثمَّ خرج إِلَى الْمَسْجِد وَاخْتلف قبائل قيس وكلب قيس تَدْعُو لِابْنِ الزبير ونصرة الضَّحَّاك وكلب تَدْعُو إِلَى بني أُميَّة وهم أخوال عبد الله وخَالِد ابْني يزِيد فَاقْتَتلُوا ثمَّ افْتَرَقُوا من يومهم وَبعث الضَّحَّاك إِلَى بني أُميَّة يعْتَذر إِلَيْهِم ويواعدهم الِاجْتِمَاع بِحسان بن بَحْدَل بالجابية وَكَتَبُوا إِلَيْهِ جَمِيعًا بذلك وَسَارُوا نَحْو الْجَابِيَة ثمَّ ثناه ثَوْر بن معن السّلمِيّ عَن رَأْيه فِي ذَلِك خشيَة أَن يمِيل حسان إِلَى ابْن أختهم خَالِد بن يزِيد وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ لِابْنِ الزبير فَخرج الضَّحَّاك وَنزل بمَرج راهط وَاجْتمعَ بَنو أُميَّة وَحسان بالجابية وَأقَام يُصَلِّي بهم أَرْبَعِينَ يَوْمًا وهم يتشورون وَأَشَارَ مَالك بن هُبَيْرَة السكونِي على الْحصين بن نمير ببيعة خَالِد لِأَن أَبَاهُ يزِيد ابْن أختهم فَأبى حُصَيْن وَقَالَ تَأْتِينَا الْعَرَب بشيخ ونأتيها بصبي فَقَالَ مَالك وَالله لَئِن ولي مَرْوَان لتكونُن عَبِيدَاً لَهُ ولقومه فَإِنَّهُ أَبُو عشرَة وأخو عشرَة وَعم عشرَة ثمَّ قَامَ رَوح بن زنباع فَخَطب النَّاس وَذكر فضل ابْن عمر وسابقيته وَأَشَارَ إِلَى ضعفه ثمَّ ذكر ابْن الزبير وَأثْنى عَلَيْهِ بِأَبِيهِ وَأمه ثمَّ ذكر دُخُوله فِي الْفِتْنَة وَسَفك الدِّمَاء وشق الْعَصَا وخلع الْأَئِمَّة وَمثل هَذَا لَا يكون إمامَاً فَعَلَيْكُم بِمَرْوَان بن الحكم فَلَا يكون صدع إِلَّا شعبه وَلَا تعدلوا عَن الْكَبِير إِلَى الصَّغِير ثمَّ اجْتمع رَأْيهمْ على الْبيعَة لمروان ثمَّ لخَالِد بن يزِيد ثمَّ لعَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ على أَن إمرة دمشق لعَمْرو وإمرة حمص لخَالِد وَقَالَ حسان لخَالِد إِن النَّاس أَبوك لصغرك وَمَا أُرِيد لَا أهل بتك لَكِن فعلته نظرَاً لكم
стр. 1276
ثمَّ بَايعُوا مَرْوَان أول ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَسِتِّينَ وَسَار النَّاس من الْجَابِيَة إِلَى الضَّحَّاك وَقد بعث النُّعْمَان بن بشير بحمص فأمده بشرحبيل بن ذِي الكلاع وأمده زفر بن الْحَارِث بِأَهْل قنسرين وَقَاتل ابْن قيس بِأَهْل فلسطين فَاجْتمع على مَرْوَان كلب وغسان والسكاسك والسكون وَجعل على ميمنته عَمْرو بن سعيد وعَلى ميسرته عبيد الله بن زِيَاد وثار على الضَّحَّاك بِدِمَشْق يزِيد بن أبي النمس الغساني وَكَانَ مختفيَاً بهَا فَأخْرج عَنْهَا عَامله وَبَايع لمروان وأمده بالأموال وَالرِّجَال وَالسِّلَاح واقتتل مَرْوَان وَالضَّحَّاك بمرج راهط عشْرين لَيْلَة وَانْهَزَمَ الضَّحَّاك وَقَتله دحْيَة بن عبد الله الْكَلْبِيّ وَقتل مَعَه فِي المعركة ثَمَانُون من أَشْرَاف أهل الشَّام واستحكمت قيس بِالْقَتْلِ وَكَانَت الْوَقْعَة آخر سنة أَربع وَسِتِّينَ وَقيل فِي الْمحرم من سنة خمس وَآتى مَرْوَان بِرَأْس الضَّحَّاك فساءه وَبلغ خبر الْهَزِيمَة إِلَى النُّعْمَان بن بشير بحمص مَعَ الفَل فَخرج هَارِبا بأَهْله وبنيه فَخرج فِي طلبه عَمْرو بن الخلي الكلَاعِي فَقتله وَجَاء بِرَأْسِهِ وهرب زفر بن الْحَارِث من قنسرين فلحق بقرقيساء وَعَلَيْهَا عِيَاض الجرشِي كَانَ يزِيد ولاه فخدعه وغلبه عَلَيْهَا وتحصن بهَا وَاجْتمعت إِلَيْهِ قيس وهرب نائل بن قيس الجذامي عَن فلسطين وَلحق بِابْن الزبير بِمَكَّة وَاسْتعْمل مَرْوَان بعده على فلسطين رَوح بن زنباع واستوسق الشَّام لمروان وَتزَوج أم خَالِد بن يزِيد وَقيل إِن عبيد الله بن زِيَاد جَاءَ لبني أُميَّة بتدمر ومروان مجمع على الْمسير لِابْنِ الزبير فثناه عَن ذَلِك وَأخذ لَهُ الْبيعَة على بني أُميَّة وَأهل تدمر وَسَارُوا إِلَى الضَّحَّاك وهزموه فبمَا ملك مَرْوَان الشَّام سَار إِلَى مصر وَعَلَيْهَا عبد الرَّحْمَن بن جحدر الفِهري يَدْعُو لِابْنِ الزبير فَخرج للقائه وَبعث مَرْوَان عَمْرو بن سعيد فَخَالف عبد الرَّحْمَن إِلَى مصر فَرجع وانتقض أمره وَبَايع النَّاس مَرْوَان وَملك مصر وَرجع إِلَى دمشق فَبَلغهُ أَن مُصعب بن الزبير أقبل فِي الجيوش فَبعث إِلَيْهِ عَمْرو بن سعيد وَحَال بَينه وَبَين الشَّام وَانْهَزَمَ مُصعب وَرجع مَرْوَان إِلَى دمشق فاستقر بهَا وَبعث عبيد الله بن زِيَاد إِلَى الجزيرة وَإِذا فرغ مِنْهَا سَار إِلَى الْعرَاق وَبعث حُبَيْش بن
стр. 1277
دلجة القَيني إِلَى الْمَدِينَة وَعَلَيْهَا جَابر بن الْأسود بن عَوْف لعبد الله بن الزبير فهرب مِنْهُ جَابر وَبعث الْحَارِث بن أبي ربيعَة جيشَاً من الْبَصْرَة للقاء حُبَيْش فَسَار إِلَيْهِم وَبعث عبد الله بن الزبير عَبَّاس بن سهل بن سعد أَمِير على الْمَدِينَة ويسير فِي طلب حُبَيْش حَتَّى يوافي عَسْكَر الْبَصْرَة فيلحقهم بالربوة وَقتل حُبَيْش واعتصم من عسكره بِالْمَدِينَةِ خَمْسمِائَة فَارس فَقَتلهُمْ عَبَّاس وَكَانَ من حيش الْحجَّاج وَأَبوهُ يُوسُف بن الحكم على جمل وَاحِد وَكَانَ عَمْرو بن سعيد لما رَجَعَ من قتال مُصعب بفلسطين أنهَى عَنهُ إِلَى مَرْوَان أَنه يَقُول الْأَمر إِلَيّ من بعده فَشَكا ذَلِك إِلَى حسان ابْن بَحْدَل فَقَامَ فِي النَّاس وَقَالَ بلغنَا أَن رجالَا يتمنونَ أماني قومُوا فَبَايعُوا لعبد الْملك بن الْعَزِيز فَبَايعُوا من عِنْد آخِرهم وَولى ابْن الزيبر أَخَاهُ عبيد الله على الْمَدِينَة ثمَّ عَزله وَولى مصعباً
(مُفَارقَة الْخَوَارِج لِابْنِ الزبير)
كَانَ الْخَوَارِج عِنْد استبداد ابْن زِيَاد عَلَيْهِم بِالْكُوفَةِ ومسير العساكر من الشَّام إِلَى ابْن الزبير قَالَ لَهُم نَافِع بن الْأَزْرَق مِنْهُم سِيرُوا بِنَا إِلَى ابْن الزبير نجاهد مَعَه إِن كَانَ على رَأينَا وَإِلَّا ندافع عَن الْبَيْت فَجَاءُوا إِلَيْهِ وقاتلوا مَعَه أهل الشَّام ثمَّ أَرَادوا اختبار رَأْيه فيهم فَسَأَلُوهُ وَقَالَ ائْتُونِي من الْغَدَاة وَجمع أَصْحَابه بِالسِّلَاحِ فَلَمَّا جَاءُوا من الْغَد وَنظر إِلَيْهِم فَقَالَ لَهُم ابْن الْأَزْرَق إِن الرجل مزمع خلافكم ثمَّ قَالَ عُبَيْدَة بن هِلَال من الْخَوَارِج إِن الله بعث مُحَمَّد
يَدْعُو إِلَى الدّين فَأَجَابَهُ الْمُسلمُونَ وَعمل فيهم بِكِتَاب الله حَتَّى قَبضه الله واستخلف أَبُو بكر وَعمر فعملا بِالْكتاب وَالسّنة ثمَّ اسْتخْلف عُثْمَان فحمى الْحمى وآثر القربَى وَرفع الدرةَ وَوضع السَّوْط ومزق الْكتاب وَضرب منكري الْجور وآوى طريد الرَّسُول وَضرب السباقين بِالْفَضْلِ وحرمهم وَأخذ من الله الَّذِي أَفَاء عَلَيْهِم فَقَسمهُ فِي فساق قُرَيْش ومُجان الْعَرَب فسارت إِلَيْهِ طَائِفَة فَقَتَلُوهُ فَنحْن أولياؤهم وَمن ابْن عَفَّان وأوليائه بريئون فَمَا تَقول أَنْت فَقَالَ ابْن الزبير أما الَّذِي ذكرْتُمْ بِهِ النَّبِي
فَهُوَ فَوْقه وَأما مَا ذكرْتُمْ بِهِ أَبُو بكر وَعمر فقد وُفقتم وأصبتم وَأما الَّذِي ذكرْتُمْ بِهِ عُثْمَان فَلَا أعلم أَن أحدا من خلق الله الْيَوْم أعلم بعثمان وَأمره مِني نقموا عَلَيْهِ واستعتبوه فَلم يدع شَيْئا إِلَّا أعتبهم ثمَّ جَاءُوهُ بِكِتَاب لَهُ يَأْمر بِقَتْلِهِم ويزعمون أَنه
стр. 1278
كتبه فَقَالَ مَا كتبته وَإِن لم تكن بَيِّنَة حَلَفت لكم فوَاللَّه مَا جَاءُوا بِبَيِّنَة وَلَا استحلفوه ووثبوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَأما مَا عبتموه بِهِ فَلَيْسَ كَذَلِك وَأَنا أشهدكم وَمن حضر أَنِّي وليُ عُثْمَان بن عَفَّان وعدوُّ أعدائه قَالُوا فبرئ الله مِنْك وَتَفَرَّقُوا فَأقبل نَافِع بن الْأَزْرَق وَعبد الله بن صفار وَعبد الله بن إباض وحَنْظَلَة بن نهيش وَبَنُو الماحوز عبيد الله وَالزُّبَيْر وَكلهمْ من تَمِيم حَتَّى أَتَوا الْبَصْرَة وَانْطَلق أَبُو طالوت من بكر بن وَائِل وَأَبُو فديك من قيس بن ثَعْلَبَة وعطية بن الْأسود من يشْكر فَوَثَبُوا مَعَ أبي طالوت ثمَّ تَرَكُوهُ واجتمعوا على نجدة ابْن عَامر الْحَنَفِيّ وَكَانَ من خبرهم مَا يذكر عِنْد ذكر الْخَوَارِج
(خُرُوج سُلَيْمَان بن صُرَدَ فِي التوابين من الشِّيعَة)
لما قتل الْحُسَيْن وَرجع أَبُو زِيَاد إِلَى الْكُوفَة تلاوم الشِّيعَة على مَا أضاعوه من أَمر الْحُسَيْن وَأَنَّهُمْ وَدعوهُ وَلم ينصروه فَنَدِمُوا وَقَالُوا لَا كَفَّارَة لذَلِك إِلَّا قتل قاتليه أَو الْمَوْت دون ذَلِك كَمَا قَالَ الله لبني إِسْرَائِيل ﴿فَتُوبُوا إِلىَ بَارِئكم فَاقْتُلُوا أَنفسكُم﴾ الْبَقَرَة ٥٤ واجتمعوا على إِلَى خَمْسَة نفر من رءسهم سُلَيْمَان بن صُرَد الْخُزَاعِيّ وَكَانَت لَهُ صُحْبَة وَالْمُسَيب بن نجية الْفَزارِيّ وَعبد الله بن سعد بن نفَيْل الْأَزْدِيّ وَعبد الله بن وَال التَّيْمِيّ مِمَّن تيم بكر وَرِفَاعَة بن شَدَّاد الْجبلي وَكَانُوا من خِيَار أَصْحَاب عَليّ واجتمعوا فِي منزل سُلَيْمَان بن صرد وتفاوضوا فِي تِلْكَ الندامة واعترفوا بذنبهم وَاتَّفَقُوا على الْبيعَة لِسُلَيْمَان بن صرد وطاعته وأخرجوا من أَمْوَالهم النَّفَقَة على ذِي النَّخْلَة من أشياعهم وجعوا قبض ذَلِك وَنَفَقَته لعبد الله ابْن وَال وَكتب سُلَيْمَان إِلَى سعد بن حُذَيْفَة وَهُوَ بِالْمَدَائِنِ بِمَا اعتزموا عَلَيْهِ فَقَرَأَ الْكتاب سعد على من هُنَاكَ من الشِّيعَة وَأَجَابُوا بالموافقة وَالْخُرُوج عِنْد الْأَجَل الَّذِي ضرب لَهُم وَكَانُوا يدعونَ إِلَى ذَلِك فِي السِّرّ مُنْذُ مقتل الْحُسَيْن وَالنَّاس يجيبونهم نَفرا بعد نفر وَلما هلك يزِيد دَعَا بَعضهم إِلَى الْوُثُوب على عَمْرو بن حُرَيْث خَليفَة ابْن زِيَاد
стр. 1279
على الْكُوفَة ثمَّ رَأَوْا أَن الْأَمر لَا يستتب لَهُم بذلك لِأَن قتل الْحُسَيْن هم جمَاعَة الْكُوفَة فأقصروا عَن ذَلِك ووثب الدعاة فِي النواحي واستجاب لَهُم النَّاس ثمَّ أخرج أهل الْكُوفَة عَمْرو بن حُرَيْث وَبَايَعُوا لِابْنِ الزير وَقدم عبد الله بن يزِيد وَقدم عبد الله بن يزِيد الخطمي أَمِير على الْكُوفَة من قبله فِي رَمَضَان سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمَعَهُ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة على الْخُرُوج وَالْمُخْتَار بن أبي عبيد الثَّقَفِيّ وَبلغ عبد الله بن يزِيد الخطمي خبر سُلَيْمَان وَأَصْحَابه التوابين وأشير عَلَيْهِ بحبسهم وخُوف عَاقِبَة أَمرهم فَقَالَ نَحن تاركوهم مَا تركونا وهم يطْلبُونَ قتلة الْحُسَيْن ولسنا مِنْهُم ثمَّ خطب بِمثل ذَلِك وَقَالَ وَالله مَا قتلنَا حُسَيْنًا وَلَقَد أصبْنَا بمقتله وَهَؤُلَاء الْقَوْم الَّذين إِلَيْنَا رفع أَمرهم آمنون فيسيرون إِلَى قاتلي الْحُسَيْن وَهُوَ ابْن زِيَاد فهما هُوَ على جسر مَنبج وَهُوَ سَائِر إِلَيْكُم فسيروا إِلَيْهِ وَأَنا ظهر لكم عَلَيْهِ وَلَا يقتل بَعْضكُم بَعْضًا فَقَامَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة فَقَالَ يأيها النَّاس لَا تغرنكم مقَالَة هَذَا المداهن وَالله من خرج علينا لنقتلنه وَمن علمنَا بِخُرُوجِهِ لنأخذن الْقَرِيب بالقريب والولى بالوالى والعريف بعرافته حَتَّى يسقم فَوَثَبَ عَلَيْهِ ابْن نجية وَعبد الله بن وَال وأساءوا إِلَيْهِ ثمَّ تشاتموا وَأنزل الْأَمِير عَن الْمِنْبَر وَخرج أَصْحَابِي سُلَيْمَان ويشترون السِّلَاح ويتجهزون وَالْمُخْتَار يسفهُ رَأْيهمْ فِي ذَلِك وَيرى أَنه أبْصر مِنْهُم وَكَانَ سَبَب قدوم الْمُخْتَار الْكُوفَة أَن الشِّيعَة كَانَت تسب الْمُخْتَار بِمَا كَانَ مِنْهُ من أَمر الْحُسَيْن وإشارته على عَمه بِالْمَدَائِنِ أَن يقبض عَلَيْهِ لمعاوية وَلما جَاءَ مُسلم بن عقيل إِلَى الْكُوفَة نزل دَاره وَبَايَعَهُ ودعا ثمَّ جَاءَ يَوْم خُرُوجه من قريته بِظَاهِر الْمَدِينَة الْكُوفَة ففاته أَمر ابْن عقيل وَوَقع فِي يَد ابْن حُرَيْث فَأَمنهُ ثمَّ رفع عمَارَة بن الْوَلِيد أمره إِلَى عبيد الله فَاعْتَذر بِأَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْن حُرَيْث وَشهد لَهُ فَضرب عبيد الله وَجهه بقضيب شتر عينه وحبسه حَتَّى قتل الْحُسَيْن فَبعث إِلَى عبد الله بن عمر أَن يشفع فِيهِ إِلَى ابْن زِيَاد وَكَانَ زوج أُخْته صَفِيَّة بنت أبي عبيد فشفعه على أَلا يُقيم بِالْكُوفَةِ فَخرج إِلَى الْحجاز وَسَأَلَ فِي طَرِيقه عَن ابْن الزبير فَقيل إِنَّه عَائِذ بِالْبَيْتِ ومبايع سرا وَلَو كثر جمعه لظهر فَقَالَ هَذِه فتْنَة واعتزم الْمُخْتَار على الطّلب بِدَم الْحُسَيْن من يَوْمئِذٍ
стр. 1280
وَقد إِلَى ابْن الزبير وَأخْبرهُ خبر الْعرَاق وَدعَاهُ إِلَى الْبيعَة فكتم أمره عَنهُ ففارقه وَغَابَ بِالطَّائِف سنة ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة وَلم يَأْتِ ابنَ الزبير وَكَانَ قد ظهر أمره فَدس عَلَيْهِ ابْن الزبير عَبَّاس بن سُهَيْل بن سعد فَلَقِيَهُ وعذله عَن تَأَخره عَن ابْن الزبير فَقَالَ كتم عني وَأَرِنِي الِاسْتِغْنَاء فاستغنيت عَنهُ فَحَمله على لِقَائِه مَعَه وَحضر عَن ابْن الزبير لَيْلًا وَقَالَ أُبَايِعك على أَلا تقضي أمرا دوني وأكون أول دَاخل وتوليني أفضل عَمَلك فَقَالَ ابْن الزبير أُبَايِعك على كتاب الله وَسنة رَسُوله فَقل لَا فَبَايعهُ ابْن الزبير على مَا أحب وَشهد مَعَه قتال الْحصين نمير وأبلى فِيهِ فَلَمَّا هلك يزِيد وأطاع أهل الْعرَاق ابْن الزبير فَإِذا هُوَ لَا يَسْتَعْمِلهُ وبلغه الْخَبَر عَن الشِّيعَة بِالْكُوفَةِ فَفَارَقَ ابْن الزبير إِلَيْهِم وَقدم الْكُوفَة وَنزل فِي دَاره وَاخْتلف إِلَيْهِ الشِّيعَة وجاءه رُءُوس النَّاس من كِنْدَة وَبني هِنْد وَأَخْبرُوهُ بِخَبَر سُلَيْمَان بن صرد وَأَصْحَابه وَأَنَّهُمْ على الْمسير فَقَالَ إِن ابْن الزبير بَعَثَنِي إِلَيْكُم وَأَمرَنِي بِقِتَال الْمُلْحِدِينَ والطلب بِدَم أهل الْبَيْت وَالدَّفْع عَن الضُّعَفَاء فَبَايعُوهُ وَبعث إِلَى الشِّيعَة الَّذين عِنْد سُلَيْمَان بن صرد بِمثل ذَلِك ودعاهم إِلَى طَاعَته واستمالهم عَن سُلَيْمَان فَمَال إِلَيْهِ طَائِفَة مِنْهُم وَخرج سُلَيْمَان نَحْو الجزيرة لشأنه وَجَاء النَّاس إِلَى الْأَمِير عبد الله يزِيد الخطمي وَصَاحبه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة مِنْهُم شبيب بن ربعي وَيزِيد بن الْحَارِث بن رُوَيْم فَقَالُوا لَهما إِن الْمُخْتَار يُرِيد أَن يثب عَلَيْكُم وَهُوَ أَشد من سُلَيْمَان وَجَاءُوا بِهِ فَقَالَ عبد الله مَا كنت لأخذ أحد على الظنة وَتَوَلَّى إِبْرَاهِيم أمره وحبسه وَقيل إِنَّمَا جَاءَ الْمُخْتَار إِلَى الْكُوفَة بِأَمْر ابْن الزبير وَإنَّهُ قَالَ لَهُ ابعثني أستخرج لَك جنداً من شيعَة على تقَاتل بهم أهل الشَّام فَبَعثه حَتَّى إِذا اجْتمع إِلَيْهِ النَّاس وثب على ابْن مُطِيع عَامل ابْن الزبير بِالْكُوفَةِ وَكتب إِلَيْهِ إِن ابْن مُطِيع داهن وراسل عبد الْملك فأخرجهُ وَأما سُلَيْمَان بن صُرَدَ فَخرج فِي ربيع سنة خمس وَسِتِّينَ وَنزل النخيلة ثمَّ اسْتقْبل عدد النَّاس وَأرْسل من نَادَى فِي الْكُوفَة بثأر الْحُسَيْن فجَاء بعض وتثاقل بعض وَالْمُخْتَار يثبطهم وَأقَام بالنخيلة ثلاثَاً ثمَّ سَار فِي أَرْبَعَة آلَاف ونادى فيهم من أَرَادَ الدُّنْيَا ومتاعها فِي الْفَيْء وَالْغنيمَة فَليرْجع وَلَيْسَ مَعنا إِلَّا سوفنا وَزَاد النقلَة
стр. 1281
فوافقوه ثمَّ أَشَارَ بَعضهم بِالرُّجُوعِ إِلَى الْكُوفَة ومناجزة قتلة الْحُسَيْن فأكثرهم هُنَالك فَقَالَ سُلَيْمَان إِنَّمَا قَتله الَّذِي عَبأَ الْجنُود إِلَيْهِ وَمنعه الْأمان حَتَّى يستسلم وَهُوَ ابْن زِيَاد وَمن بعده أَهْون مِنْهُ ولحقه أَمِير الْكُوفَة عبد الله بن يزِيد وبراهيم بن مُحَمَّد فعذلاه فِي الْمسير وأشارا عَلَيْهِ بِالرُّجُوعِ حَتَّى نتجهز جَمِيعًا لهَذَا الْعَدو فنلقاه بِجمع كثيف وَقد كَانَ بَلغهُمْ إقبال عبيد الله بن زِيَاد من الشَّام فِي الْجنُود فَلم يوافقهما سُلَيْمَان وَلَا أَصْحَابه وَسَارُوا لوجههم وتخلف عَنْهُم كثير من أَصْحَابهم وَفِي ذَلِك يَقُول عبد الله بن الْأَحْمَر يحرض من // (الطَّوِيل) //
(صَحَوْتُ وَقد يَصْحُو الصّبَا والغَوَانِيا ... وقُلْتُ لِأَصْحابِي أَجِيبُوا المُنَادِيَا)
(وقُولُوا لَهُ إذْ قامَ يَدْعُو إِلَى الهُدَى ... وقَبْلَ الدُّعا لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ دَاعِيَا)
(أَلا فَانْعَ خيْرَ النَّاس جَدًّا ووالداً ... حُسَيْنَا إِذَا مَا كُنْتَ للدِّينِ نَاعِيَا)
(لِيَبْكِ حسينَاً مجتدٍ ذُو خَصَاصةٍ ... عديمٌ وأَيْتَامٌ تشكِّى المواليا)
(وأضحَى حُسَين للرماحِ دَرِيئَةً ... وغودر ذَا دَرْسَيْنِ بالطَّفِّ ثَاوِيَا)
(فيا ليْتَنِي إِذْ ذاكَ كُنْتُ شهدتُهُ ... فضارَبْتُ عَنهُ الشَّامِتِينَ الأعَادِيَا)
(سَقَى الله أَرضًا ضمَّتِ المجْدَ والثَّنَا ... بِغرْبِيَّةِ الطَّفِّ الغَمَامَ الغوادِيا)
(فيَا أُمَّة تَاهَتْ وضَلَّتْ سَفاهَةً ... أَنِيبُوا فَأَرُْضوا الوَاحِدَ المُتَعَالِيَا)
ثمَّ سَارُوا يقدمهم من ذكر وَعبد الله بن الْأَحْمَر يَقُول من // (الرجز) //
(خَرَجْنَ يلمعْنَ بِنَا أرْسَالَا ... عوابساً تَحْمِلُنا أبْطَالا)
(نُرِيدُ أَنْ نَلْقَى بِهَا القتالَ ... ألقاسِطِينَ الغُدَّرَ الضُّلَاّلَا)
(وَقد رَفَضَنَا الوُلْدَ والأَمْوَالَا ... والخَفِراتِ البِيضَ والحِجَالَا)
(نُرضِي بِهِ ذَا النِّعَمِ المِفْضَالا ... )
ثمَّ انْتَهوا إِلَى قبر الْحُسَيْن فصاحوا وبَكوا وجددوا التَّوْبَة من خذلانه وَأَقَامُوا عِنْده يومَاً وَلَيْلَة فَزَادَهُم ذَلِك حنقاً وبلغهم كتاب عبد الله بن يزِيد يثنيهم عَن الْمسير فَأَبَوا واستماتوا ثمَّ انْتَهوا إِلَى قرقيسيا على تعبئة وَبهَا زفر بن الْحَارِث الْكلابِي متحصناً من مَرْوَان وَقَومه وَدخل إِلَيْهِ الْمسيب بن نجبة يَطْلُبهُ فِي السُّوق لأَصْحَابه فَأمر ابْنه الْهُذيْل فَأخْرج لَهُم سوقاً وَبعث إِلَيْهِم بعلف ودقيق وجزائر
стр. 1282
واستغنوا بهَا عَن السُّوق إِلَّا فِي غير الطَّعَام وَأعْطِي الْمسيب ألف دِرْهَم وفرساً فَأخذ الْفرس ورد المَال ثمَّ خرج زفر من الْغَدَاة يودعهم وَأخْبرهمْ بِمن سَار من الجيوش إِلَيْهِم وَأَنَّهُمْ عدد كثير وَأَن أمراءهم الْحصين بن نمير وشرحبيل الْكلابِي وأدهم بن مُحرز وَحَملَة بن عبيد الله الْخَثْعَمِي وَعبيد الله بن زِيَاد فأقيموا مَعنا ونلقاهم جَمِيعًا فأبة سُلَيْمَان وَأَصْحَابه من ذَلِك فَأَشَارَ عَلَيْهِم بِوَجْه الرَّأْي فِي السّير وَالْحَرب وودعهم فَسَارُوا مجدينَ إِلَى عين الوردة فأقموا بهَا خمْسا وأراحوا حَتَّى إِذا كَانَت عَسَاكِر الشَّام على يَوْم وَلَيْلَة عَنْهُم فخطبهم سُلَيْمَان بن صرد وحرضهم وَقَالَ إِن قتلت فأمير النَّاس المسيبُ بن نجبة فَإِن قتل فعبد الله بن سعد بن نفَيْل فَإِن قتل فعبد الله بن وَال فَإِن قتل فرفاعة بن شَدَّاد ثمَّ سرح الْمسيب فِي أَرْبَعمِائَة فَارس يَشن عَلَيْهِم الْغَارة فَإِن رأى مَا أحب وَإِلَّا رَجَعَ فَسَار يَوْمه وَلَيْلَته وَجَاء أَصْحَابه بأعرابي فَسَأَلُوهُ عَن الْعَسْكَر فَقَالَ أدنى عَسْكَر مِنْكُم شُرَحْبِيل بن ذِي الكلاع على ميل وَقد اخْتلف هُوَ وحصين بن نمير فِي الْإِمَارَة وهما ينتظران أَمر ابْن زِيَاد فأغذوا إِلَيْهِم السّير وأشرفوا عَلَيْهِم وهم غارُونَ وحملوا فَانْهَزَمَ الْعَسْكَر وغنم أَصْحَاب الْمسيب مَا فِيهِ وَرَجَعُوا إِلَى أَصْحَابهم موقرين وسرح ابْن زِيَاد الْحصين بن نمير مسرعاً حَتَّى نزل فِي اثْنَي عشر ألفا ثمَّ تراجعوا على التعبئة وَلما دنا بَعضهم من بعض دعاهم أهل الشَّام إِلَى الْجَمَاعَة إِلَى مَرْوَان ودعاهم أَصْحَاب سُلَيْمَان إِلَى إِسْلَام عبيد الله بن زِيَاد إِلَيْهِم وَأَنَّهُمْ يخرجُون أَصْحَاب ابْن الزبير من الْعرَاق وَيرد الْأَمر إِلَى أهل الْبَتّ ثمَّ اقْتَتَلُوا وَكَانَ الظُّهُور لِسُلَيْمَان وَأَصْحَابه على الْحصين وأمده ابْن زِيَاد بِثمَانِيَة آلَاف فَاقْتَتلُوا من الْغَد على السوَاء وتحاجزوا عِنْد الْمسَاء وَلما أصبح أهل الشَّام أَتَاهُم أدهم بن مُحرز الباهل فِي عشرَة آلَاف مدَدا فقاتلوهم يَوْم الْجُمُعَة إِلَى ارْتِفَاع الضُّحَى وَلما رأى سُلَيْمَان كثرتهم وَمَا لَقِي أَصْحَابه مِنْهُم كسر جفن سَيْفه واستمات وَاتبعهُ نَاس مِنْهُم فَقتلُوا من أهل الشَّام مقتلة عَظِيمَة ثمَّ قتل سُلَيْمَان وَبعده الْمسيب بن نجبة بعد أَن حمل مرَارًا فَأخذ الرَّايَة عبد الله بن سعد بن نفَيْل وَقَاتل فَجَاءَهُ وَهُوَ فِي الْقِتَال الْخَبَر من عبد الله بن سعد
стр. 1283
ابْن حُذَيْفَة بمدد أهل الْمَدَائِن ثمَّ فِي سبعين وَمِائَة ومدد أهل الْبَصْرَة مَعَ الْمثنى بن مخرمَة فِي ثَلَاثمِائَة فَقَالَ لَو كَانَ ذَلِك وَنحن أَحيَاء ثمَّ قتل عبد الله بن سعد وَنَادَوْا عبد الله بن وَال فَإِذا هُوَ قد اصطلى الْحَرْب فَحمل رِفَاعَة بن شَدَّاد حَتَّى كشف عَن أهل الشَّام وجابَه فَأخذ الرَّايَة وَقَاتل واستماتوا وَتَوَلَّى قِتَالهمْ عِنْد الْمسَاء أدهم بن مخرمَة فَقتل عبد الله بن وَال وَهُوَ مقبل وَأَرَادَ رِفَاعَة بن شَدَّاد الِانْصِرَاف بِالنَّاسِ فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه لَا تفعل حَتَّى يغشانا اللَّيْل فنسير فِي دلجته على مهل فَلَمَّا أَمْسوا رَجَعَ أهل الشَّام إِلَى معسكرهم وَأَصْحَاب رِفَاعَة إِلَى معسكرهم وَقد قتل عامتهم وفشت الْجراحَة فيهم وَفِي خيلهم فَسَار بِالنَّاسِ ليلته وَأصْبح الْحصين فَلم يرهم وانتهوا إِلَى قرقيسيا وأضافهم زفر ثَلَاثًا وزودهم إِلَى الْكُوفَة وَبلغ سعد بن حُذَيْفَة بن الْيَمَان من أهل الْمَدَائِن إِلَى هيت فَلَقِيَهُ خبرهم فَرجع ولفيه الْمثنى بن مخرمَة الْعَبْدي فِي أهل الْبَصْرَة بصدد وِأقاموا حَتَّى جَاءَ رِفَاعَة وَأَصْحَابه فاستقبلوه وَبكوا وافترقوا إِلَى بِلَادهمْ وَدخل رِفَاعَة الْكُوفَة وَبعث إِلَيْهِ الْمُخْتَار بن أبي عبيد وَهُوَ مَحْبُوس يَدعُوهُ إِلَى طَاعَته فِي الطّلب بدماء أهل الْبَيْت وَجِهَاد الْمُلْحِدِينَ وَأَن سُلَيْمَان لم يكن صَاحبكُم الَّذِي تنتصرون بِهِ وَبلغ الْخَبَر عبد الْملك بن مَرْوَان بن الحكم فَخَطب النَّاس وأعلمهم بِمَوْت سُلَيْمَان بن صرد وَأَصْحَابه ولأعشى هَمدَان قصيدة طَوِيلَة يرثي بهَا أهل عين الوردة من التوَابين سُلَيْمَان بن صرد الْخُزَاعِيّ وَأَصْحَابه ويصف مَا فَعَلُوهُ فَقَالَ من // (الطَّوِيل) //
(توجَّهَ مِنْ دُونِ الثَّويَّةِ سائراً ... إِلَى ابْنِ زِيادٍ فِي الجموعِ الكَتَائِبِ)
(فَساروا وَهُمْ مِنْ بَين مُلْتَمِسِ التُّقَى ... وآخَرَ مِمَّا حُمَّ بالأمْسِ تَائبِ)
(فَلاقَوْا بعيْنِ الوَرْدِ جَيْشًا مشاكلاً ... عَلَيْهِم بِبعض قَاطِعَات قَواصِبِ)
(فَجَاءَهُمُ جَمْع مِن النَّاسِ بَعْدَهُ ... جُمُوعٌ كمَوْجِ البَحْرِ مِنْ كُلِّ جانبِ)
(فَمَا بَرِحُوا حَتَى أُبِيدَتْ جُمُوعُهُمْ ... ولَمْ يَنْجُ مِنَهُمْ ثَم غَيْرُ عَصَائبِ)
(وغودِر أَهْلُ الصَّبْرِ صَرْعى فأصْبَحْوا ... تُعَاوِرُهُمْ ريِحُ الصَّبَا والجَنَائِبِ)
(وأضحَى الخُزَاعِيُّ الرَّئيسُ مُجَدَّلاً ... كأنْ لمْ يُقَاتِلْ مَرَّةً ويُحَاربِ)
)
ورأسُ بني أزدٍ وفارسُ قومِهِ ... جَمِيعًا مَعَ التيميِّ عاري المَناكِبِ)
стр. 1284
(وعَمْرُو بنُ عَمْرو وابْنُ بِشْرٍ وخالدٌ ... وبَكْرٌ وزيدٌ والحُسَين بن غالبِ)
(أَبَوْا غَيْرَ ضَرْبٍ يُفْلِقُ الهَامَ حَدُّهُ ... وطعْنٍ بأَطْراف الأَسِنَّةِ لَازبِ)
(فيا خيْرَ جَيْشٍ للعراقِ وأَهْلِهِ ... سُقِيتُمْ روايا كُل أسحَمَ ساكبِ)
(فَلَا يَبْعَدَنْ فُرْسَانُنَا وحُمَاتُنَا ... إِذَا البِيضُ أبدَتْ عَنْ خدامِ الكَواعِبِ)
(فَإِن تُقْتَلُوا فالقَتْلُ أكرَمُ مِيتَةٍ ... وَكُلُّ فَتى يَوْمًا لإحْدَى الشَّواعِبِ)
(وَمَا قُتِلُوا حَتَّى أَصَابُوا عِصَابَة ... بَحَزِّ نُحُورٍ كالتُّيُوسِ الضَوَاربِ)
وَفِي كتاب الأذكياء لِلْحَافِظِ أبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ قَالَ كَانَ حويطب بن عبد الْعُزَّى قد بلغ مائَة وَعشْرين سنة سِتِّينَ مِنْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَام فَلَمَّا ولي مَرْوَان بن الحكم دخل عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مَرْوَان مَا سنك يَا عَم فَأخْبرهُ فَقَالَ لَهُ مَرْوَان تَأَخّر إسلامك أَيهَا الشَّيْخ حَتَّى سَبَقَك الْأَحْدَاث فَقَالَ حويطب وَالله لقد نهضت إِلَى الْإِسْلَام غير مرّة كل ذَلِك يعوقني أَبوك عَنهُ وينهاني وَيَقُول لَا تَدع دين آبَائِك لدين مُحَمَّد فأسكت مَرْوَان وَنَدم على سُؤَاله إِيَّاه ثمَّ قَالَ لَهُ حويطب أما أخْبرك عُثْمَان بن عَفَّان مَا كَانَ لَقِي من أَبِيك حِين أسلم فازداد مَرْوَان غماً إِلَى غمه وَحكى عَن البخْترِي بن عبيد أَنه قَالَ كنت عِنْد مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان جَالِسا وَكَانَ حسان من جُلَسَائِهِ وَلَيْسَ بِحسان بن ثَابت الصَّحَابِيّ فَأقبل رجل على نَاقَة حَمْرَاء وَعَلِيهِ برنس ثمَّ نزل عَنْهَا وَمَشى حَتَّى دنا من مُعَاوِيَة وَهُوَ جَالس فَسلم عَلَيْهِ فضم لَهُ مُعَاوِيَة رجلَيْهِ فَجَلَسَ الرجل على الطفنسة ثمَّ أقبل عَلَيْهِ مُعَاوِيَة بِالْحَدِيثِ فَلَمَّا قَامَ انْكَشَفَ الْبُرْنُس فَرَأَيْت عَلَيْهِ قَمِيص كتَّان وَرَأَيْت أثر مسح زقاق الزَّيْت على قَمِيصه فَقَالَ حسان لمعاوية من هَذَا الَّذِي شغلك حَدِيثه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ هَذَا رجل يَرْجُو الْخلَافَة من بعدِي فَقَالَ لَهُ حسان لَيْسَ هَذَا الزيات بِأَهْل لذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ مُعَاوِيَة مهلا يَا حسان هَذَا مَرْوَان بن الحكم
стр. 1285
(خلَافَة عبد الْملك بن مَرْوَان بعد وَفَاة أَبِيه مَرْوَان)
كَانَ أَبوهُ مَرْوَان عِنْد ولَايَته تزوج أم خَالِد بن يزِيد وَهِي بنت هَاشم بن عتبَة فَوَقع بَين خَالِد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة وَبَين بعض ولد مَرْوَان كَلَام فَقَالَ لخَالِد اسْكُتْ فلست وَالله تُعَدّ لَا فِي العير وَلَا فِي النفير فَقَالَ لَهُ خَالِد وَهل كَانَ فِي العير غير جدي وَفِي النفير غير جدي وَلَكِن لَو قلت حبيلات وغنيمات والطائف ورحم الله عُثْمَان قُلْنَا صدقت انْتهى قلت فِي قَول خَالِد جدي فِي العير جدي فِي النفير يُشِير إِلَى أَن جده لِأَبِيهِ أَبَا سُفْيَان هُوَ الَّذِي كَانَ فِي العير وجده لأمه هُوَ الَّذِي كَانَ فِي النفير وَهُوَ عتبَة بن ربيعَة بن أُميَّة بن عبد شمس لِأَن أم جده مُعَاوِيَة هِيَ بنت عتبَة وَأما قَوْله حبيلات فَهِيَ جمع حبلة وَهِي أصل الكرمِ وَقَوله غنيمات والطائف ورحم الله عُثْمَان يَعْنِي يعيره بِكَوْن جده الحكم وَالِد مَرْوَان نَفَاهُ النَّبِي
إِلَى الطَّائِف فَأَقَامَ ثمَّة عِنْده حبيلات وغنيمات وَاسْتمرّ إِلَى أثْنَاء خلَافَة عُثْمَان ﵁ فَرده إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَ رده من جملَة الْأُمُور المنقومة على عُثْمَان ﵁ وَأَرَادَ مَرْوَان أَن يقصر بِخَالِد لما كَانَ حسان بن بَحْدَل يمِيل إِلَيْهِ فَدخل خَالِد يَوْمًا على مَرْوَان يمشي بَين السماطين فَقَالَ مَرْوَان نه لأحمق وَقَالَ تَنَح يَا بن رطبَة الاستِ يسْقطهُ من عين أهل الشَّام فَتوجه إِلَى أمه فَقَالَت اكتم خبرك وَأَنا أكفيك فَلَا تصر تسمعها مِنْهُ وَدخل عَلَيْهَا مَرْوَان فَقَالَ هَل قَالَ لَك خَالِد شَيْئا قَالَت هُوَ أَشد لَك تَعْظِيمًا من هَذَا ثمَّ قَالَ عِنْدهَا يَوْمًا فغطته بالوسادة وتحاملت هِيَ وجواريها عَلَيْهِ فَقتلته وَأَرَادَ عبد الْملك أَن يثأر مِنْهَا فَقيل لَهُ لَا
стр. 1286
يسمع أَن امْرَأَة قتلت أَبَاك وِلَادَته سنة ثِنْتَيْنِ من الْهِجْرَة بُويِعَ فِي رَجَب سنة أَربع وَسِتِّينَ وَكَانَت الشَّوْكَة وَالْغَلَبَة لِابْنِ الزبيير مدَّته خَمْسَة عشر شهرا وَقيل عشرَة أشهر وَفَاته فِي رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ عمره ثَلَاث وَسِتُّونَ وَقيل أَربع وَسِتُّونَ وَقد كَانَ بَايع لوَلَده عبد الْملك ثمَّ بعده لوَلَده الآخر عبد الْعَزِيز وَالِد عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
(وثوب الْمُخْتَار بِالْكُوفَةِ وأخباره)
لما قتل سُلَيْمَان بن صرد وَقدم الشِّيعَة إِلَى الْكُوفَة وَكَانَ الْمُخْتَار مَحْبُوسًا كَمَا مر كتب إِلَيْهِم من السجْن يعدهم ويمنيهم ويعرفهم أَن الَّذِي بَعثه ابْن الْحَنَفِيَّة لطلب الثأر فَقَرَأَ كِتَابه رِفَاعَة بن شَدَّاد والمثنى بن مخرمَة الْعَبْدي وَسعد بن حُذَيْفَة بن الْيَمَان وَيزِيد بن أنس وَأحمد بن شميط البَجلِيّ وَعبد الله بن شَدَّاد البَجلِيّ وبعثوا إِلَيْهِ عبيد الله بن كَامِل مِنْهُم إِنَّا بِحَيْثُ نسرك وَإِن شِئْت أَن نَأْتِيك ونخرجك من الْحَبْس فعلنَا فسر بذلك وأمهلهم ثمَّ شفع فِيهِ ابْن عمر إِلَى عبد الله بن يزِيد وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة فَأطلق واستحلفاه أَلا يخرج عَلَيْهِم وَنزل بداره وَاخْتلفت إِلَيْهِ الشِّيعَة وَبَايَعُوهُ وَقَوي أمره ثمَّ عزل ابْن الزبير إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة وَعبد الله بن يزِيد وَاسْتعْمل على الْكُوفَة عبد الله ابْن مُطِيع فَقَدمهَا فِي رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ وخطب النَّاس بِأَن ابْن الزبير أمره أَلا يقسم فيئهم فِي غَيرهم وَأَن يسير فيهم بسيرة عمر وَعُثْمَان ثمَّ توعدهم على الْخلاف فَقَالُوا أما فيئنا فَلَا يكون غير ذَلِك وَأما السِّيرَة فسيرة عَليّ الَّتِي سَار بهَا فِي بِلَادنَا وَلَا حَاجَة لنا فِي سيرة عُثْمَان وَلَا عمر فَقَالَ ابْن مُطِيع نسير بِكُل سيرة ترضونها ثمَّ بلغه أَن الْمُخْتَار يَدْعُو لأهل الْبَيْت وبمن اجْتمع لَهُ وأشاروا عَلَيْهِ بحبسه
стр. 1287
فَبعث إِلَه فَاعْتَذر بِالْمرضِ وارتاب أَصْحَاب الْمُخْتَار فِيمَا بَلغهُمْ عَن ابْن الْحَنَفِيَّة فَسَارُوا إِلَيْهِ بِمَكَّة يسألونه واستأذنوه فِي اتِّبَاعه فَقَالَ وددت أَن الله انتصَرَ لنا من عدونا بِمن يَشَاء مِنْ خلقه فَرَجَعُوا وأخبروا بذلك الْمُخْتَار وَقَالُوا لَهُ قد أمرنَا بنصرك فَجمع الشِّيعَة وَأخْبرهمْ بِمَا قدم بِهِ أَصْحَابهم من عِنْد ابْن الْحَنَفِيَّة وَأَنه أخْبرهُم رَسُوله وأمركم باتباعي وطاعتي فِيمَا دعوتكم إِلَيْهِ من قتال المحلين والطلب بدماء أهل الْبَيْت وَشهد الوافدون بذلك فاجتمعت الشِّيعَة وَمن جُمْلَتهمْ الشّعب وَأَبُو شُرَحْبِيل وَأَشَارَ عَلَيْهِ بعض أَصْحَابه بِدُعَاء إِبْرَاهِيم بن الأشتر لقوى أَمرهم بِهِ فَمضى إِلَيْهِ الشّعبِيّ فِي جمَاعَة مِنْهُم وَذكر تقدم أَبِيه فِي ولَايَة عَليّ وَدعَاهُ إِلَى الطّلب بِدَم الْحُسَيْن وَأَصْحَابه فَقَالَ عل أَن تولوني فَقَالُوا قد جَاءَ الْمُخْتَار بتولية ابْن الْحَنَفِيَّة وَقد أمرنَا بِطَاعَتِهِ فَسكت إِبْرَاهِيم ثمَّ جَاءَ الْمُخْتَار بِكِتَاب ابْن الْحَنَفِيَّة إِلَى إِبْرَاهِيم يسْأَله النُّصْرَة ويعده بِالْولَايَةِ الْعَامَّة وَفِيه من مُحَمَّد الْمهْدي إِلَى إِبْرَاهِيم بن مَالك الأشتر وَدفعه إِلَيْهِ الشّعبِيّ وقرأه وَقَالَ مازال ابْن الْحَنَفِيَّة يكاتبني فَلَا زيد على اسْمه وَاسم أَبِيه فَشهد جمَاعَة مِنْهُم أَنه كِتَابه وَسكت الشّعبِيّ وَسَأَلَهُ إِبْرَاهِيم بعد انصرافهم فَقَالَ هَؤُلَاءِ الَّذين يشْهدُونَ سادة الْقُرَّاء ومشيخة الْمصر وفرسان الْعَرَب فَكتب أَسْمَاءَهُم عِنْده ثمَّ حمل عشيرته على إِجَابَة الْمُخْتَار وَصَارَ يخْتَلف إِلَيْهِ وتواعدوا لِلْخُرُوجِ منتصف ربيع الأول سنة سِتّ وَسِتِّينَ ونما خبر إِلَى ابْن مُطِيع فَبعث إِلَى رُءُوس النَّاس فِي كل نَاحيَة من الْكُوفَة يوقظهم لذَلِك وَألا يؤتوا من قبلهم فَاسْتَعدوا فَركب إِيَاس بن مضَارب فِي الشَّرْط وأحاط بِالسوقِ وَالْقصر ثمَّ ركب إِبْرَاهِيم بن الأشتر يُرِيد الْمُخْتَار قبل الْموعد بليلتين وَهُوَ مظهر للسلاح وَلَقي إِيَاس بن مضَارب فارتاب بِهِ وأراده على الْإِتْيَان لِابْنِ مُطِيع فَأبى وطعنه فَقتله وافترق أَصْحَاب إِيَاس وَجَاءُوا إِلَى ابْن مُطِيع وَولى مَكَانَهُ ابْن رَاشد على الشرطة وَمضى إِبْرَاهِيم إِلَى الْمُخْتَار وَأخْبرهُ بالْخبر وبعثوا فِي الشِّيعَة وتنادوا بثأر الْحُسَيْن ومضَى إِبْرَاهِيم إِلَى النخع فاستركبهم وَسَار بهم فِي الْمَدِينَة لَيْلًا وَهُوَ يتَجَنَّب الْمَوَاضِع الَّتِي فِيهَا الْأُمَرَاء ثمَّ
стр. 1288
لقِيه بَعضهم فَهَزَمَهُمْ ثمَّ آخَرين كَذَلِك ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمُخْتَار فَوجدَ شبيبَ بنَ رَبعي وحجار بن أبجر الْعجلِيّ يقاتلانه فهومهما وَجَاء شَبَّبَ إِلَى ابْن مُطِيع فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِجمع النَّاس والنهوض إِلَى الْقَوْم فقد قوي أَمرهم فَركب وَاجْتمعَ النَّاس وتوافي إِلَى الْمُخْتَار نَحْو أَرْبَعَة آلَاف من الشِّيعَة وَبعث ابْن مُطِيع شبيب بن ربعي فِي ثَلَاثَة آلَاف وَرَاشِد بن إِيَاس فِي أَرْبَعَة آلَاف فسرح إِلَيْهِم الْمُخْتَار إِبْرَهِيمُ بن الأشتر لراشد فِي سِتّمائَة فَارس وسِتمِائَة راجل ونعيم بن هُبَيْرَة لشيب فِي ثَلَاثمِائَة فَارس وسِتمِائَة راجل واقتتلوا من بعد صَلَاة الصُّبْح وَقتل نعيم فوهن الْمُخْتَار لقَتله وَظهر شبيب وَأَصْحَابه عَلَيْهِم وَقَاتل إِبْرَاهِيم ابْن الأشتر رَاشد بن إِيَاس فَقتله وَانْهَزَمَ أَصْحَابه فركبهم الْقَتْل وَبعث ابْن مُطِيع جَيْشًا كثيفاً فَهَزَمَهُمْ إِبْرَاهِيم ثمَّ حمل على شبيب فَهَزَمَهُ وزحف الْمُخْتَار فَمَنعه الرُّمَاة من دُخُول الْكُوفَة وَرجع المنهزمون إِلَى ابْن مُطِيع فدهش فشجعه عَمْرو ابْن الْحجَّاج الزبيدِيّ وَقَالَ لَهُ اخْرُج واندب النَّاس فَفعل وَقَامَ فِي النَّاس ووبخهم على هزيمتهم وندبهم ثمَّ بعث عَمْرو بن الْحجَّاج فِي أَلفَيْنِ وشمر بن ذِي الجوشن فِي أَلفَيْنِ وَنَوْفَل بن مساحق فِي خَمْسَة آلَاف ووقف هُوَ بكناسة واستخلف على الْقصر شبيب بن ربعي فَحمل ابْن الأشتر على ابْن مساحق فَهَزَمَهُ وأسره ثمَّ مَن عَلَيْهِ وَدخل ابْن مُطِيع الْقصر وحاصره إِبْرَاهِيم الأشتر ثَلَاثًا وَمَعَهُ يزِيد بن أنس وَأحمد بن شميط وَلما اشْتَدَّ الْحصار على ابْن مُطِيع أَشَارَ عَلَيْهِ شبيب بن ربعي بِأَن يستأمنَ الْمُخْتَار وَيلْحق بِابْن الزبير وَله مَا بعده فَخرج عَلَيْهِم مسَاء وَنزل دَار أبي مُوسَى وَاسْتَأْمَنَ الْقَوْم للمختار فَدخل الْقصر وَغدا على النَّاس فِي الْمَسْجِد فخطبهم ودعا إِلَى بَيْعه ابْن الْحَنَفِيَّة فَبَايعهُ أَشْرَاف الْكُوفَة على الْكتاب وَالسّنة والطلب بِدَم الْحُسَيْن وَوَعدهمْ بِحسن السِّيرَة وبلغه أَن ابْن مُطِيع فِي دَار أبي مُوسَى فَبعث إِلَيْهِ بِمِائَة ألف دِرْهَم وَقَالَ تجهز بِهَذِهِ وَكَانَ ابْن مُطِيع قد فرق بيُوت الْأَمْوَال على النَّاس وَسَار ابْن مُطِيع إِلَى وَجهه وَملك الْمُخْتَار الْكُوفَة وَجعل على شريطة عبد الله بن كَامِل وعَلى حرسه كيسَان أَبَا عمْرَة وَجعل الْأَشْرَاف جلساءه وَعقد لعبد الله بن الْحَارِث بن الأشتر
стр. 1289
على أرمينية ولمحمد بن عُمَيْر بن عُطَارِد على أذربيجان ولعَبْد الرَّحْمَن بن سعيد ابْن قيس على الْموصل وَإِسْحَاق بن مَسْعُود على الْمَدَائِن ولسعد بن حُذَيْفَة بن الْيَمَان على حلوان وَأمر بِقِتَال الأكراد وَإِصْلَاح السابلة وَولي شريحاً على الْقَضَاء ثمَّ طعنت فِيهِ الشِّيعَة بِأَنَّهُ شهد على حجر بن عدي وَلم يبلغ عَن هَانِئ بن عُرْوَة رسَالَته إِلَى قومه وَأَن عليا عَزله وَأَنه عثماني وَسمع ذَلِك هُوَ فتمارض فَجعل مَكَانَهُ عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود ثمَّ مرض فولي مَكَانَهُ عبد الله بن مَالك الطَّائِي
(مسير ابْن زِيَاد إِلَى الْمُخْتَار وَخلاف أهل الْكُوفَة عَلَيْهِ وغلبه إيَّاهُم)
كَانَ مَرْوَان بن الحكم لما استوثق لَهُ أهل الشَّام بعث جيشين أحددهما إِلَى الحجار مَعَ حنيش بن دلجة القيني وَقد مر شَأْنه ومقتله وَالْآخر إِلَى الْكُوفَة مَعَ عبيد الله بن زِيَاد وَكَانَ من أمره وَأمر التوابين من الشِّيعَة مَا تقدَم وَأقَام محاصراً لزفَر بن الْحَارِث بقرقيسيا وَهُوَ مَعَ قومه قيس على طَاعَة ابْن الزبير فاشتغل بهم عَن الْعرَاق سنة أَو نَحْوهَا ثمَّ توفّي مَرْوَان وَولي بعده عبد الْملك فأقره على ولَايَته وَأمره بالجد وأيس من أَمر زفر وَقيس فَنَهَضَ إِلَى الْموصل فَخرج عَنْهَا عبد الرَّحْمَن بن سعد عَامل الْمُخْتَار إِلَى تكريت وَكتب إِلَى الْمُخْتَار بالْخبر فَبعث يزِيد بن أنس الْأَسدي فِي ثَلَاثَة اَلاف إِلَى الْموصل فَسَارُوا إِلَيْهَا على الْمَدَائِن وسرح ابْن زِيَاد للقائه ربيعَة بن الْمُخْتَار الغنوي فِي ثَلَاثَة آلَاف والتقيا بِبَابِل وعبأ يزِيد أَصْحَابه وَهُوَ رَاكب على حِمَاره وحرضهم وَقَالَ إِن مت فأميركم وَرْقَاء بن عَازِب الْأَسدي وَإِن هلك فعبد الله بن ضَمرَة العذري وَإِن هلك فسعد الْحَنَفِيّ ثمَّ اقْتَتَلُوا يَوْم عَرَفَة وَانْهَزَمَ أهل الشَّام وَقتل ربيعَة وَسَار الْعَسْكَر غير بعيد فَلَقِيَهُمْ عبد الله بن حَملَة الْخَثْعَمِي قد سرحه ابْن زِيَاد فِي ثَلَاثَة آلَاف فَرد المنهزمين وَأعَاد الْقِتَال يَوْم الْأَضْحَى فَانْهَزَمَ أهل الشَّام وأثخنت فيهم أهل الْكُوفَة الْقَتْل والنهب وأسروا مِنْهُم ثَلَاثمِائَة فَقَتَلُوهُمْ وَهلك يزِيد بن أنس من آخر يَوْمه وَقَامَ بأمرهم وَرْقَاء بن عَازِب خَليفَة وهاب لِقَاء ابْن زِيَاد بعد يزِيد وَقَالَ نرْجِع لمَوْت أميرنا قبل أَن يظْهر علينا أهل الشَّام بذلك وَصرف النَّاس
стр. 1290
وَتقدم الْخَبَر إِلَى الْكُوفَة فَأَرْجَفَ النَّاس بالمختار وَأشيع أَن يزِيد قتل وساء الْمُخْتَار رُجُوع الْعَسْكَر فسرح إِبْرَاهِيم بن الأشتر فِي سَبْعَة آلَاف وَضم إِلَيْهِ حنيش يزِيد ثمَّ تناجز ابْن زِيَاد فَسَارُوا لذَلِك ثمَّ اجْتمع أَشْرَاف الْكُوفَة عِنْد شبيب بن ربعي وَكَانَ شيخهم جاهلي إسلامي وَشَكوا من سيرة الْمُخْتَار وإيثاره الموَالِي عَلَيْهِم دَعوه إِلَى الْوُثُوب بِهِ فَقَالَ حَتَّى أَلْقَاهُ وأعذر إِلَيْهِ ثمَّ ذهب إِلَيْهِ وَذكر لَهُ جَمِيع مَا ذَكرُوهُ فوعده الرُّجُوع إِلَى رضاهم لَهُ وَذكر شَأْن الموَالِي وشوكتهم فِي الفئ فَقَالَ إِن أعطيتموني عهدكم عِلّة قتال بني أُميَّة وَابْن الزبير تَركهم فَقَالَ اخْرُج إِلَيْهِم بذلك وَخرج فَلم يرجع وَاجْتمعَ رَأْيهمْ على قِتَاله وهم شبيب بن ربعي وَمُحَمّد بن الْأَشْعَث وَعبد الرَّحْمَن بن سعد بن قيس وشمر بن ذِي الجوشن وَكَعب بن أبي كَعْب الْخَثْعَمِي وَعبد الرَّحْمَن بن مخنف الْأَزْدِيّ وَكَانَ ابْن مخنف أَشَارَ عَلَيْهِم بِأَن يمهلوا لقدوم أهل الشَّام ومجيء أهل الْبَصْرَة فيكفونهم أمره قبل أَن يُقَاتِلكُمْ بمواليكم وشجعانكم وَهُوَ عَلَيْكُم أَشد فَأَبَوا رَأْيه وَقَالُوا لَا تفْسد جماعتنا ثمَّ خَرجُوا وشهروا السِّلَاح وَقَالُوا للمختار اعْتَزَلنَا فَإِن ابْن الْحَنَفِيَّة لم يَبْعَثك قَالَ فتعالوا نبعث إِلَيْهِ الرُّسُل مني ومنكم وَأخذ يعللهم بِمثل هَذِه المراحعات وكف أَصْحَابه عَن قِتَالهمْ ينظرُونَ وُصُول إِبْرَاهِيم بن الأشتر وَقد بعث إِلَيْهِ بِالرُّجُوعِ فجَاء وَالْقَوْم مجتمعون وَرِفَاعَة بن شَدَّاد البَجلِيّ يُصَلِّي بهم فَلَمَّا وصل إِبْرَاهِيم عبأ الْمُخْتَار أَصْحَابه وسرح بَين يَدَيْهِ أَحْمد بن شميط البَجلِيّ وَعبد الله بن كَامِل الشاكري فَانْهَزَمَ أصحابهما وصبرا وأمدهما الْمُخْتَار بِالرِّجَالِ والفرسان فوجَاً بعد فَوْج وَصَارَ ابْن الأشتر إِلَى مُضر وَفِيهِمْ شبيب بن ربعي وَقَاتلهمْ فَهَزَمَهُمْ وَاشْتَدَّ ابْن كَامِل على أهل الْيمن فَرجع رِفَاعَة بن شَدَّاد أمامهم إِلَى الْمُخْتَار فقاتل مَعَه حَتَّى قتل وَقتل من أهل الْيمن عبد الله بن سعيد بن قيس والفرات أهل الْيمن هزيمنة قبيحة وَأسر من الوادعيين خَمْسمِائَة أَسِير فَقتل الْمُخْتَار كل من شهد قتل الْحُسَيْن مِنْهُم وَكَانُوا نصفهم وَأطلق البَاقِينَ ونادى الْمُخْتَار بالأمان إِلَّا من شرك فِي دِمَاء أهل الْبَيْت وفر عَمْرو بن الْحجَّاج الزبيدِيّ وَكَانَ أَشد من
стр. 1291
حضر قتل الْحُسَيْن فَلم يُوقف لَهُ على خبر وَقيل أدْركهُ أَصْحَاب الْمُخْتَار فَأخذُوا رَأسه وَبعث فِي طلب شمر بن ذِي الجوشن فَقتل طَالبه وانْتهى إِلَى قَرْيَة الكلتانية فارتاح يظنّ أَنه نجا وَإِذا فِي قَرْيَة أُخْرَى بإزائه أَبُو عمْرَة صَاحب الْمُخْتَار بَعثه مصلحاً بَينه وَبَين أهل الْبَصْرَة فنما إِلَيْهِ خَبره فَبعث إِلَيْهِ وَألقى شلوه للكلاب وانجلت الْوَقْعَة عَن سَبْعمِائة وَثَمَانِينَ قَتِيلا أَكْثَرهم من الْيمن وَكَانَت آخر سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَخرج أَشْرَاف النَّاس إِلَى الْبَصْرَة وتتبع الْمُخْتَار قتلة الْحُسَيْن وَدلّ عَلَيْهِم عبيد الله بن أَسد الْجُهَنِيّ وَمَالك بن الأشتر الْكِنْدِيّ وَحمل بن مَالك الْمحَاربي بالقادسية فأحضرهم وقتلهم ثمَّ أحضر زِيَاد بِمَ مَالك الضبعِي وَعمْرَان بن خَالِد الغنوي وَعبد الرَّحْمَن بن أبي خشكارة البَجلِيّ وَعبد الله بن قيس الْخَولَانِيّ وَكَانُوا نهبوا من الورس الَّذِي كَانَ مَعَ الْحُسَيْن فَقَتلهُمْ وأحضر عبد الله وَعبد الرَّحْمَن ابْني طَلْحَة وَعبد الله بن وهب الْهَمدَانِي ابْن عَمْرو الْأَعْشَى فَقَتلهُمْ وأحضر عُثْمَان بن خَالِد الْجُهَنِيّ وَابْن أَسمَاء بشر بن شميط الْقَابِسِيّ وَكَانَا مشتركين فِي قتل عبد الرَّحْمَن بن عقيل وَفِي سلبه فَقَتَلَهُمَا وحرقهما بالنَّار وَبحث عَن حَولي بن يزِيد الأصبحي صَاحب رَأس الْحُسَيْن فجيء بِرَأْسِهِ وَحرق بالنَّار ثمَّ قتل عمر بن سعد بن أبي وَقاص بعد أَن كَانَ أَخذ لَهُ الْأمان من عبد الله بن جعدة بن هُبَيْرَة فَبعث أَبَا عمْرَة فَجَاءَهُ بِرَأْسِهِ وَابْنه حَفْص عِنْده فَقَالَ تعرف هَذَا قَالَ نعم وَلَا خير فِي الْعَيْش بعده فَقتله وَعَن الْهَيْثَم بن حسن بن عمَارَة قَالَ قدم شيخ من خُزَاعَة أَيَّام الْمُخْتَار فَنزل على عبد الله بن أبي أَبْزي الْخُزَاعِيّ فَلَمَّا رأى مَا تصنع شيعَة الْمُخْتَار بِهِ من الإجلال والإعظام جعل يَقُول يَا عباد الله أبالمختار يصنع هَذَا وَالله لقد رَأَيْته يَبِيع الْإِمَاء بالحجار فَبلغ ذَلِك الْمُخْتَار فَدَعَا بِهِ وَقَالَ مَا هَذَا الَّذِي بَلغنِي عَنْك قَالَ الْبَاطِل فَأمر بِضَرْب عُنُقه فَقَالَ لَا وَالله لَا تقدر على ذَلِك قَالَ وَلم قَالَ أما إِنِّي أنظر إِلَيْك وَقد فتحتَ مَدِينَة دمشق حجرا حجرا وَقتلت الْمُقَاتلَة وسبيت الذُّرِّيَّة ثمَّ تصلبني على شَجَرَة على نهر وَالله إِنِّي لأعرف الشَّجَرَة السَّاعَة وَأعرف شاطئ ذَلِك النَّهر قَالَ فَالْتَفت الْمُخْتَار إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ لَهُم أما إِن الرجل قد
стр. 1292
عرف السحر فحبس حَتَّى إِذا كَانَ اللَّيْل بعث إِلَيْهِ فَقَالَ يَا أَخا خُزَاعَة أَو مزاح عِنْد الْقَتْل فَقَالَ أنْشدك الله أَن تقتل ضيَاعًا قَالَ وَمَا تطلب هَهُنَا قَالَ أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم أَقْْضِي بهَا ديني قَالَ ادفعوها لَهُ وَإِيَّاك أَن تصبح بِالْكُوفَةِ فقبضها وَخرج ليلته وَعنهُ قَالَ كَانَ سراقَة الْبَارِقي من ظرفاء أهل الْمَدِينَة فَأسرهُ رجل من أَصْحَاب الْمُخْتَار فآتى بِهِ الْمُخْتَار وَقَالَ أسرت هَذَا فَقَالَ سراقَة كذب وَالله مَا أسرني إِنَّمَا أسرني رجل عَلَيْهِ ثِيَاب بيض على فرس أبلق فَقَالَ الْمُخْتَار أما إِن الرجل قد عاين الْمَلَائِكَة خلوا سَبيله فَلَمَّا أفلت أنشأ يَقُول // (من الوافر) //
(أَلَا أَبْلِغْ أَبَا إسْحاقَ عَنِّي ... بأَنَّ البُلْقَ دُهْم مُصْمتَات)
(أرى عَيْنَيَّ مَا لمْ تَرْأَياهُ ... كِلَانَا مولَعٌ بِالتُّرَّهَاتِ)
(كَفَرْتُ بِدِينِكُمْ وجعلتُ نَذْرًا ... عَلَيِّ قِتَالكُمْ حَتى المَمَات)
وَيُقَال إِن الَّذِي بعث الْمُخْتَار على قتلة الْحُسَيْن أَن يزِيد بن شرَاحِيل الْأنْصَارِيّ قدم على مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة فَقَالَ لَهُ ابْن الْحَنَفِيَّة يزْعم الْمُخْتَار أَنه لنا شيعَة وقتلة الْحُسَيْن عِنْده على الكراسي يحدثونه فَلَمَّا سمع الْمُخْتَار ذَلِك تتبعهم بِالْقَتْلِ وَبعث بِرَأْس عمر وَابْنه إِلَى ابْن الْحَنَفِيَّة وَكتب إِلَيْهِ أَنه قتل من قدر عَلَيْهِ وَهُوَ فِي طلب البَاقِينَ ثمَّ أحضر حَكِيم بن طفيل الطَّائِي وَكَانَ رمى الْحُسَيْن وَأصَاب سلب الْعَبَّاس ابْنه وَجَاء عدي بن حَاتِم ليشفع فِيهِ فَقتله ابْن كَامِل والشيعة قبل أَن يصل حذرا من قبُول الْمُخْتَار شَفَاعَته وَبحث عَن مرّة بن منقذ بن عبد الْقَيْس قَاتل عَليّ بن الْحُسَيْن فدافع عَن نَفسه وَنَجَا لى مُصعب بن الزبير وَقد شلت يَده بضربة وَبحث عَن زيد بن رقاد الْجَنبي قَاتل عبد الله بن مُسلم بن عقيل رَمَاه بسهمين وَقد وضع كَفه على جَبهته يَتَّقِي النبل فَأثْبت كَفه فِي جَبهته وَقَتله بِالْأُخْرَى فَخرج بِالسَّيْفِ يدافع فَقَالَ لَهُم ابْن الْكَامِل ارموه بِالْحِجَارَةِ فَرَمَوْهُ حَتَّى سقط وأحرقوه حَيا وَطلب سِنَان بن أنس الَّذِي كَانَ يَدعِي قتل الْحُسَيْن فلحق بِالْبَصْرَةِ وَطلب عَمْرو بن صبيح الصدائي فَقتله طعنَاً بِالرِّمَاحِ وَأرْسل فِي طلب مُحَمَّد بن الْأَشْعَث وَهُوَ بقريته عِنْد الْقَادِسِيَّة فهرب إِلَى
стр. 1293
مُصعب وَهدم الْمُخْتَار دَاره وَطلب آخَرين كَذَلِك من المتهمين بِأَمْر الْحُسَيْن فَلَحقُوا بمصعب وَهدم دُورهمْ
(شَأْن الْمُخْتَار مَعَ ابْن الزبير)
كَانَ على الْبَصْرَة الْحَارِث بن أبي ربيعَة وَهُوَ القباع عاملَا لِابْنِ الزبير وعَلى شرطته عباد بن حُسَيْن وعَلى الْمُقَاتلَة قيس بن الْهَيْثَم وَجَاء الْمثنى بن مخرمَة الْعَبْدي وَكَانَ مِمَّن شهد مَعَ سُلَيْمَان بن صرد وَرجع فَبَايع لمختار وَبَعثه إِلَى الْبَصْرَة يَدْعُو لَهُ فَجَاءَهُ كثير من النَّاس وعسكر لِحَرْب القباع فسرح إِلَيْهِ عباد بن الْحُسَيْن وَقيس بن الْهَيْثَم فِي العساكر فَانْهَزَمَ الْمثنى إِلَى قومه عبد الْقَيْس وَأرْسل القباع عسكراً يأْتونَ فَجَاءَهُ زِيَاد بن عَمْرو الْعَتكِي فَقَالَ لَهُ لتردن خيلك عَن إِخْوَاننَا أَو لنقاتلنهم فَأرْسل الْأَحْنَف بن قيس وَأصْلح الْأَمر على أَن يخرج الْمثنى عَنْهُم فَسَار إِلَى الْكُوفَة وَقد كَانَ الْمُخْتَار لما خرج الْمُطِيع من الْبَصْرَة كتب إِلَى ابْن الزبير يخادعه ليتَم أمره فِي الدُّعَاء لأهل الْبَيْت وَطَلَبه الْمُخْتَار بِالْوَفَاءِ لما وعده من الْولَايَة فَأَرَادَ ابْن الزبير أَن يتَبَيَّن الصَّحِيح من أمره فولى عَمْرو بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام على الْكُوفَة وأعلمه بِطَاعَة الْمُخْتَار وَبَعثه إِلَيْهَا وَجَاء الْخَبَر إِلَى الْمُخْتَار فَبعث زَائِدَة بن قدامَة فِي خَمْسمِائَة فَارس وَأَعْطَاهُ سَبْعمِائة دِرْهَم وَقَالَ ادفعها إِلَى عَمْرو فَهِيَ ضعف مَا أنْفق وَأمر بالانصراف بعد أَن تمكن خيلك فَإِن أَبى فَأَرِهِ الْخَيل وَكَانَ كَذَلِك وَلما رأى عَمْرو الْخَيل أَخذ المَال وَسَار نَحْو الْبَصْرَة وَاجْتمعَ هُوَ وَابْن مُطِيع فِي إِمَارَة القباع وثوب الْمثنى بن مخرمَة وَقيل إِن الْمُخْتَار كتب إِلَى الزبير إِنِّي اتَّخذت الْكُوفَة دَارا فَإِن سوغتني ذَلِك وأعطيتني مائَة ألف دِرْهَم سرت إِلَى الشَّام وكفيتك مَرْوَان فَمَنعه من ذَلِك وَأقَام الْمُخْتَار يصانعه ويوادعه ليتفرغ لأهل الشَّام ثمَّ بعث عبد الْملك بن مَرْوَان عبد الْملك بن الْحَارِث بن الحكم بن أبي الْعَاصِ إِلَى وَادي الْقرى فَكتب الْمُخْتَار إِلَى ابْن الزبير يعرض عَلَيْهِ المدد فَأَجَابَهُ أَن يعجل بإنفاذ الْجَيْش إِلَى جند عبد الْملك بوادي الْقرى فسرح شُرَحْبِيل بن ورس الْهَمدَانِي فِي ثَلَاثَة آلَاف أَكْثَرهم من الْمولى وَأمره أَن يَأْتِي الْمَدِينَة ويكاتبه ذَلِك واتهمه ابْن
стр. 1294
الزبير فَبعث من مَكَّة عَبَّاس بن سهل بن سعد فِي أَلفَيْنِ وَأمره أَن يستنفر الْعَرَب وَإِن رأى من جَيش الْمُخْتَار خيلا فناجزهم وأهلكهم فَلَقِيَهُمْ عَبَّاس بالرقيم وهم على تعبئة وَقَالَ سِيرُوا بِنَا إِلَى الْعَدو الَّذِي بوادي الْقرى فَقَالَ ابْن ورس إِنَّمَا أَمرنِي الْمُخْتَار أَن آتِي الْمَدِينَة فَفطن عَبَّاس لما يُرِيد وأنزلهم وجاءهم بالعلوفة والزاد وتخير ألفا من أَصْحَابه وَحمل عَلَيْهِم فَقتل ابْن ورس وَسبعين مَعَه من شجعان قومه وَأمن البَاقِينَ فَرَجَعُوا إِلَى الْكُوفَة وَمَات أَكْثَرهم فِي الطَّرِيق وَكتب الْمُخْتَار إِلَى ابْن الْحَنَفِيَّة يشكو ابْن الزبير ويوهمه أَنه بعث الْجَيْش فِي طَاعَته فَفعل ابْن الزبير مَا فعل ويستأذنه فِي بعث الجيوش إِلَى الْمَدِينَة وَيبْعَث ابْن الْحَنَفِيَّة عَلَيْهِم رجلا من قبله فَيعلم النَّاس أَنِّي فِي طَاعَتك فَكتب إِلَيْهِ ابْن الْحَنَفِيَّة قد عرفت قصدك ووفاءك بحقي وَأحب الْأُمُور إِلَى الطَّاعَة فأطع الله وتجنب دِمَاء الْمُسلمين فَلَو أردتُ الْقِتَال لوجدت النَّاس إِلَيّ سرَاعًا والأعوان كثيرا لَكِن اعتزلهم واصبر حَتَّى يحكم الله وَهُوَ خير الْحَاكِمين ثمَّ دَعَا ابْن الزبير مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة وَمن مَعَه من الشِّيعَة وَأهل بَيته إِلَى الْبيعَة فَامْتنعَ وَبعث إِلَيْهِ ابْن الزبير وَأَغْلظ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم فاستكانوا وصبروا فتركهم وَذكر المَسْعُودِيّ عَن عَمْرو بن شيبَة عَن مساور بن السَّائِب أَن ابْن الزبير خطب أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا يُصَلِّي على النَّبِي
وَقَالَ مَا يَمْنعنِي أَن أُصَلِّي إِلَّا شمخ رجال بآنافها وَدخل عبد الله بن عَبَّاس على ابْن الزبير فَقَالَ لَهُ ابْن الزبير أَنْت الَّذِي تؤنبني وتبخلني قَالَ ابْن عَبَّاس نعم سَمِعت رَسُول الله
يَقُول لَيْسَ الْمُسلم الَّذِي يشبعُ ويَجُوعُ جَاره قَالَ ابْن الزبير إِنِّي أكتُمُ بغضَكم أهلَ هَذَا الْبَيْت مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة وَجرى بَينهمَا خطب طَوِيل
стр. 1295
وخطب ابْن الزبير فَقَالَ مَا بَال أَقوام يفتون بِالْمُتْعَةِ ويتنقصون حوارِي رَسُول الله
وَأم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة مَا بالهم أعمى الله بصائرهم كَمَا أعمى أَبْصَارهم يعرض بِابْن عَبَّاس فَقَالَ ابْن عَبَّاس لقائده اهدني إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أما قَوْلك فِي الْمُتْعَة فسل أمك تخبرك فَإِن أول مجمر سَطَعَ للمتعة لمجمر سَطَعَ بَين أمك وَأَبِيك قلت يُرِيد مُتْعَة الْحَج لَا مُتْعَة النِّكَاح فَإِن الزبير تزوج أَسمَاء بنت أبي بكر فِي الْإِسْلَام من أَبِيهَا مُعْلنا فَكيف تكونُ مُتْعَة نِكَاح حمى الله الزبير عَن ذَلِك وَحمى الله ابْن عَبَّاس عَن إِرَادَة مَا هُنَالك انْتهى وَأما قَوْلك أم الْمُؤمنِينَ فبنا سميت أم الْمُؤمنِينَ وَضرب عَلَيْهَا الْحجاب وَأما قَوْلك حوارِي رَسُول الله فَلَقَد لَقيته فِي الزَّحْف يَعْنِي حَرْب يَوْم الْجمل وَأَنا مَعَ إِمَام هدى فَإِن يكن على مَا أَقُول فقد كفر بقتاله وَإِن يكن على مَا تَقول فقد كفر بهربه ثمَّ انْصَرف ابْن عَبَّاس يَقُودهُ غُلَامه قلت هَذَا الْكَلَام عدم صِحَة مَعْنَاهُ دَلِيل على عدم صِحَة نسبية لِابْنِ عَبَّاس ﵄ أما أَولا فَإِن الزبير لم يهرب من عَليّ يَوْم الْجمل وَإِنَّمَا لما ذكره عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بقول رَسُول الله
إِنَّك ستقاتله وَأَنت لَهُ ظَالِم تذكَّر وَرجع واستغفر كَمَا تقدم ذكر ذَلِك فِي وقْعَة الْجمل وَأما ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْقِتَال وَلَا الْهَرَب كفر إِن فرض وُقُوع ذَلِك إِذْ غَايَة مَا فِيهِ أنْ يكونْ خُرُوجًا عَن الإِمَام الْعَادِل لشُبْهَة قامَت عِنْد الْخَارِج وَهُوَ لَيْسَ بِكفْر بل مَعْصِيّة وفسوق وَتَأمل قَوْله ﵊ للزبير وَأَنت لَهُ ظَالِم وَلم يقل وَأَنت كَافِر وَكَذَلِكَ قَوْله ﵊ لعمَّار تقتلك الفئة
стр. 1296
الباغية وَقَوله
فِي الْحسن مَعَ مُعَاوِيَة وَقَومه وسيصلح الله بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين فسماهم مُسلمين مَعَ أَنهم خارجون عَن الْحسن ظَالِمُونَ لَهُ بقتالهم فَتَأمل ذَلِك لَكِن الرَّاوِي لهَذِهِ الْقِصَّة المَسْعُودِيّ وَهُوَ من هُوَ وَمَا هَذَا بِأَعْجَب مِمَّا رَوَاهُ من قَوْله أَكتُمُ بغضكم أهل هَذَا الْبَيْت مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة وروى أَن ابْن الزبير خطب فَقَالَ فِي أثْنَاء خطبَته عذرت بني الفواطم أَن يتكلموا فَمَا بَال ابْن الْحَنَفِيَّة فَقَالَ مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة يَابْنَ أم رُومَان وَمَالِي لَا أَتكَلّم أليست فَاطِمَة بنت مُحَمَّد حَلِيلَة أبي وَأم أخوتي أليست فَاطِمَة بنت أَسد جَدتي أَو لَيست فَاطِمَة بنت عَمْرو بن عَائِذ جدة أبي أما وَالله لَوْلَا خَدِيجَة بنت خويلد بن أَسد مَا تركت فِي بني أَسد عظما إِلَّا هشمته وَإِن نالتني مِنْهُم المعايب صبرت وَلما استولى الْمُخْتَار على الْكُوفَة وأظهرت الشِّيعَة دَعْوَة ابْن الحنيفة خَافَ ابْن الزبير أَن يتداعى النَّاس إِلَى الرِّضَا بِهِ فاعتزم عَلَيْهِم فِي الْبيعَة وتوعدهم بالقَتْل وحبسهم بزمزم وَضرب لَهُم أَََجَلًا وَكتب ابْن الحنيفة إِلَى الْمُخْتَار بذلك فَأخْبر الشِّيعَة وندبهم وَبعث أُمَرَاء مِنْهُم فِي نَحْو ثَمَانمِائَة عَلَيْهِم عبد الله الحذلي وَبعث لِابْنِ الْحَنَفِيَّة أَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم وَسَارُوا إِلَى مَكَّة فَدَخَلُوا الْمَسْجِد الْحَرَام وبأيديهم الْخشب كَرَاهَة إشهار السَّيْف فِي الْحرم وَطَفِقُوا ينادون بثأر الْحُسَيْن حَتَّى انْتَهوا إِلَى زَمْزَم وأخرجوا ابْن الْحَنَفِيَّة وَقد كَانَ بَقِي من أَجله يَوْمَانِ واستأذنوه فِي قتال ابْن الزبير فَقَالَ لَا أستحل الْقِتَال فِي الْحرم ثمَّ جَاءَ بَاقِي الْجند وخافهم ابْن الزبير وَخرج ابْن الْحَنَفِيَّة إِلَى شعب عَليّ وَاجْتمعَ لَهُ أَرْبَعَة آلَاف رجل فقسم بَينهم المَال وَامْتنع وَلما قتل الْمُخْتَار واستوثق أَمر ابْن الزبير بعث إِلَيْهِ بالبيعة
стр. 1297
فخافه على نَفسه وَكتب لعبد الْملك فَأذن لَهُ أَن يقدم الشَّام حَتَّى يَسْتَقِيم أَمر النَّاس ووعده بِالْإِحْسَانِ فَخرج ابْن الْحَنَفِيَّة وَأَصْحَابه إِلَى الشَّام وَلما وصل مَدين لقِيه خبر مهلك عَمْرو بن سعيد فندم وَأقَام بأيلة وَظهر للنَّاس فَضله وعبادته وزهده وَكتب لَهُ عبد الْملك أَن يبايعه فَرجع إِلَى مَكَّة وَنزل شعب أبي طَالب فَأخْرجهُ ابْن الزبير إِلَى الطَّائِف وعذل ابْن عَبَّاس ابْن الزبير على شَأْنه ثمَّ خرج عَنهُ وَلحق بِالطَّائِف وَمَات هُنَاكَ فصلى عَلَيْهِ ابْن الْحَنَفِيَّة وعاش حَتَّى أدْرك حِصَار الْحجَّاج لِابْنِ الزبير وَلما قتل ابْن الزبير بَايع مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة لعبد الْملك وَكتب عبد الْملك إِلَى الْحجَّاج بتعظيم حَقه وبَسطِ أمله ثمَّ قدم الشَّام وَطلب من عبد الْملك أَن يرفع عَنهُ ففْعل وَقيل إِن ابْن الزبير بعث إِلَى ابْن عَبَّاس وَابْن الْحَنَفِيَّة فِي الْبيعَة فَقَالَا حَتَّى يجْتَمع النَّاس على إِمَام فَإِن هَذِه فتْنَة فحبس ابْن الْحَنَفِيَّة فِي زَمْزَم وضيق على ابْن عَبَّاس فِي منزله فَأَرَادَ إحراقهما فَأرْسل الْمُخْتَار جَيْشه كَمَا تقدَّم وَنَفس عَنْهُمَا فَلَمَّا قتل الْمُخْتَار قوي ابْن الزبير عَلَيْهِمَا فَخَرَجَا إِلَى الطَّائِف
(مقتل ابْن زِيَاد)
وَلما فرغ الْمُخْتَار من قتال أهل الْكُوفَة آخر سنة سِتّ وَسِتِّينَ بعث إِلَى إِبْرَاهِيم ابْن الأشتر لقِتَال ابْن زِيَاد وَبعث مَعَه بالكرسي الَّذِي يستنصر بِهِ وَهُوَ كرْسِي قد غشاه بِالذَّهَب وَقَالَ للشيعة هَذَا فِيكُم مثل التابوت فِي بني إِسْرَائِيل فَكثر السبئية وأحضر قتال ابْن زِيَاد فَكَانَ لَهُ الظُّهُور فازدادت الشِّيعَة فتْنَة وَيُقَال إِنَّه كرْسِي عَليّ بن أبي طَالب وَإِن الْمُخْتَار أَخذه من ولد جعدة بن هُبَيْرَة وَكَانَت أمه أم هَانِئ بنت أبي طَالب فَهُوَ ابْن أُخْت عَليّ ثمَّ أسْرع إِبْرَاهِيم بن الأشتر السّير وأوغل فِي أَرض الْموصل وَكَانَ ابْن زِيَاد قد ملكهَا كَمَا مر فَلَمَّا دخل إِبْرَاهِيم أَرض الْموصل عبأ أَصْحَابه وَلما بلغ نهر الخابور بعث على مقدمته الطُّفَيْل بن لَقِيط
стр. 1298
النَّخعِيّ وَنزل ابْن زِيَاد قَرِيبا من النَّهر وَكَانَت قيس مضطغنة على بني مَرْوَان من وقْعَة المرج وجند عبد الْملك يَوْمئِذٍ كُلَيْب فلقي عُمَيْر بن الْحباب السّلمِيّ إِبْرَاهِيم بن الأشتر ووعده أَن ينهزم بالمسيرة وَأَشَارَ عَلَيْهِ بالمناجزة وَرَأى عِنْد ابْن الأشتر ميلًا إِلَى المطاولة فثناه عَن ذَلِك وَقَالَ إِنَّهُم ملئوا مِنْكُم رعْبًا وَإِن طاولتهم اجترءوا عَلَيْكُم قَالَ وَبِذَلِك أَوْصَانِي صَاحِبي ثمَّ عبأ أَصْحَابه فِي السحر الأول يمشي ويحرض النَّاس حَتَّى أشرف على الْقَوْم وَجَاء عبد الله بن زُهَيْر السكونِي بِأَنَّهُم خَرجُوا على دهش وفشل وَابْن الأشتر يحرض أَصْحَابه وَيذكرهُمْ فَقَالَ ابْن زِيَاد وَأَبِيهِ ثمَّ التقى الْجَمْعَانِ وَحمل الْحصين بن نمير من ميمنة أهل الشَّام على ميسرَة إِبْرَاهِيم فَقتل عَليّ بن مَالك الْخَثْعَمِي ثمَّ أَخذ الرَّايَة قُرَّة بن عَليّ فَقتل وانهزمت المسيرة كَمَا كَانُوا وحملت ميمنة إِبْرَاهِيم على ميسرَة ابْن زِيَاد وهم يرجون أَن ينهزم عُمَيْر بن الْحباب كَمَا وعدهم فمنعته الأنفة عَن ذَلِك وَقَاتل قتالا شَدِيدا وَقصد ابْن الأشتر قلب الْعَسْكَر وسواده الْأَعْظَم فَاقْتَتلُوا أَشد قتال حَتَّى كَانَت أصوات الضَّرْب بالحديد كأصوات القَصارين وَإِبْرَاهِيم يَقُول لصَاحب الرَّايَة انغمس برايتك فيهم ثمَّ حملُوا حَملَة رجل وَاحِد فَانْهَزَمَ أَصْحَاب ابْن زِيَاد وَقَالَ ابْن الأشتر إِنِّي قتلت رجلا تَحت راية مُنْفَرِدَة شممت مِنْهُ رَائِحَة الْمسك وضربته بسيفي فقصمته نِصْفَيْنِ فالتمسوه فَإِذا هُوَ ابْن زِيَاد فَأخذ رَأسه وأحرقت جثته وَحمل شريك بن جدير التغلبي على الْحصين من غير سلَاح فاعتنقه وَجَاء بِهِ أَصْحَابه فَقتلُوا الْحصين وَيُقَال إِن الَّذِي قتل ابْن زِيَاد هُوَ ابْن جدير هَذَا وَقتل شُرَحْبِيل بن ذِي الكلاع وَادّعى قَتله سُفْيَان بن يزِيد الْأَزْدِيّ وورقاء بن عَازِب الْأَسدي وَعبيد الله بن زُهَيْر السّلمِيّ وَاتبع أَصْحَاب ابْن الأشتر المنهزمين فغرق فِي الْبَحْر أَكثر مِمَّن قتل وغنموا جَمِيع مَا فِي الْعَسْكَر وطير ابْن الأشتر الْبشَارَة إِلَى الْمُخْتَار فَأَتَتْهُ بِالْمَدَائِنِ وأنفذ ابْن الأشتر عماله إِلَى الْبِلَاد فَبعث أَخَاهُ عبد الرَّحْمَن إِلَى نَصِيبين وغلي على سنجار ودارة وَمَا والاهما من أَرض الجزيرة وَولى زفر ابْن الْحَارِث قرقيسيا وحاتم بن النُّعْمَان الْبَاهِلِيّ حَران والرهَا وسميساط وَعُمَيْر بن الْحباب السّلمِيّ كفر توثا وطور عَبْدَيْنِ وَأقَام بالموصل وأنفذ رُءُوس عبيد الله وقواده إِلَى الْمُخْتَار
стр. 1299
(مسيرَة مُصعب إِلى الْمُخْتَار وَقَتله إِيَّاه)
كَانَ ابْن الزبير فِي أول سنة سبع وَسِتِّينَ أَو آخر سنة سِتّ عز الْحَارِث بن أبي ربيعَة وَهُوَ القباع وَولى مَكَانَهُ أَخَاهُ مصعباً فَقدم الْبَصْرَة وَصعد الْمِنْبَر وَجَاء الْحَارِث فأجلسه مُصعب تَحْتَهُ بِدَرَجَة ثمَّ خطب وَقَرَأَ الآَيات من أول الْقَصَص وَنزل وَلحق بِهِ أَشْرَاف الْكُوفَة حِين هربوا من الْمُخْتَار وَدخل عَلَيْهِ شبيب بن ربعي وَهُوَ يُنَادي واغوثاه ثمَّ قدم مُحَمَّد بن الْأَشْعَث بعده واستحثوه على الْمسير وَبعث عَن الْمُهلب بن أبي صفرَة وَهُوَ عَامله على فَارس ليحضر مَعَه قتال الْمُخْتَار فَأَبْطَأَ واعتل فَأرْسل إِلَيْهِ مُحَمَّد بن الْأَشْعَث بكتابه فَقَالَ الْمُهلب مَا وجد مُصعب بريداً غَيْرك فَقَالَ مَا أَنا ببريد وَلَكِن غلبنا عبيدنا على آبَائِنَا وحرمنا فَأقبل مَعَه الْمُهلب بالجموع وَالْأَمْوَال وعسكر مُصعب عِنْد الجسر وَأرْسل عبد الرَّحْمَن بن مخنف إِلَى الْكُوفَة سِراً ليثبط النَّاس عَن الْمُخْتَار وَيَدْعُو النَّاس إِلَى ابْن الزبير وَسَار على التعبئة وَبعث فِي مقدمته عباد بن الْحصين الحبطي التَّمِيمِي وعَلى ميمنته عمر بن عبيد الله بن معمر وَسَار ميسرته الْمُهلب وَبلغ الْخَبَر الْمُخْتَار فَقَامَ فِي أَصْحَابه وندبهم إِلَى الْخُرُوج مَعَ ابْن شميط وعسكر بحمام أعين وَبعث برءوس الأرباع الَّذين كَانُوا مَعَ ابْن الأشتر مَعَ ابْن شميط فَسَار وعَلى مقدمته ابْن كَامِل الشاكري وانْتهى إِلَى الْمدَار فَعَسْكَرَ قَرِيبا من مُصعب ثمَّ حمل عباد صَاحب مُقَدّمَة مُصعب على ابْن شميط وَأَصْحَابه فثبتوا وَحمل الْمُهلب على الميسرة على ابْن كَامِل فَثَبت ثمَّ كَر الْمُهلب وَحمل حَملَة مُنكرَة وصبر ابْن كَامِل قَلِيلا وانهزموا وَحمل النَّاس جَمِيعًا على ابْن شميط فَانْهَزَمَ وَقتل واستحر الْقَتْل فِي خيل من أهل الْكُوفَة فَلم يدركوا منهزمَاً إِلَّا قَتَلُوهُ وَلما فرغ مُصعب مِنْهُم أقبل فَقطع الْفُرَات وَسَار إِلَى الْكُوفَة وَلما بلغ الْمُخْتَار
стр. 1300
خبر الْهَزِيمَة وَمن قتل من أَصْحَابه وَأَن مصعباً أقبل إِلَيْهِ فِي الْبر وَالْبَحْر سَار إِلَى مجمع الْأَنْهَار نهر الجزيرة والسلحين والقادسية ونهر يُوسُف فَكسر الْفُرَات فَذهب مَاؤُهُ فِي الْأَنْهَار وَبقيت السفن سفن أهل الْبَصْرَة فِي الطين فَخَرجُوا إِلَى الْكسر وأزالوا وقصدوا الْكُوفَة وَسَار الْمُخْتَار فَنزل حروراء بعد أَن حصن الْقصر وَأدْخل عدَّة الْحصار وَأَقْبل مُصعب وعَلى ميمنته الْمُهلب وعَلى ميسرته سعيد بن منقذ الْهَمدَانِي وعَلى الْخَيل عَمْرو بن عبد الله النَّهْدِيّ وَنزل مُحَمَّد بن الْأَشْعَث فِيمَن هرب من أهل الْكُوفَة بَين العسكرين وَلما التقى الْجَمْعَانِ اقْتَتَلُوا سَاعَة وَحمل عبد الله بن جعدة بن هُبَيْرَة المَخْزُومِي على من بازائه فحطم أَصْحَاب الْمُخْتَار حطمة مُنكرَة وكشفوهم وَحمل مَالك بن عَمْرو النَّهْدِيّ فِي الرجالة عِنْد الْمسَاء على ابْن الْأَشْعَث حَملَة مُنكرَة فَقتل ابْن الْأَشْعَث وَعَامة أَصْحَابه وَقتل عبيد الله بن عَليّ بن أبي طَالب وَقَاتل الْمُخْتَار ثمَّ افترق النَّاس عَنهُ وَدخل الْقصر وَسَار مُصعب من الْغَد فَنزل السبخة وَقطع عَنْهُم الْميرَة وَكَانَ النَّاس يأتونهم بِالْقَلِيلِ من الطَّعَام وَالشرَاب خُفْيَة فَفطن مُصعب لذَلِك فَمَنعه وأصابهم الْعَطش فَكَانُوا يصبون الْعَسَل فِي الآَبار وَيَشْرَبُونَ ثمَّ إِن الْمُخْتَار أَشَارَ على أَصْحَابه بالاستماتة فتحنط وتطيب وَخرج فِي عشْرين رجلا مِنْهُم السَّائِب بن مَالك الْأَشْعَرِيّ فعذله فَقَالَ وَيحك يَا أَحمَق وثب ابْن الزبير بالحجاز وَابْن نجدة بِالْيَمَامَةِ ومروان بِالشَّام فَكنت كأحدهم إِلَّا أَنِّي طلبت بثأر أهل الْبَيْت إِذْ نَامَتْ عَنهُ الْعَرَب فقاتل على حَسبك إِن لم تكن لَك نِيَّة ثمَّ تقدم فقاتل حَتَّى قتل على يَد رجلَيْنِ من بني حنفية أَخَوَيْنِ طرفَة وطراف ابْني عبد الله بن دجَاجَة وَكَانَ عبد الله بن جعدة بن هُبَيْرَة لما رأى عزم الْمُخْتَار على الاستماتة تدلى من الْقصر واختفى عِنْد بعض إخوانه ثمَّ بعث الَّذين بقوا بِالْقصرِ إِلَى مُصعب ونزلوا على حكمه فَقَتلهُمْ أَجْمَعِينَ وَأَشَارَ عَلَيْهِ الْمُهلب باستبقائهم فَاعْترضَ أَشْرَاف الْكُوفَة وَرجع إِلَى رَأْيهمْ ثمَّ أَمر بكف الْمُخْتَار بن أبي عبيد فَقطعت وسمرت إِلَى
следующие страницы →