← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

الباغية وَقَوله فِي الْحسن مَعَ مُعَاوِيَة وَقَومه وسيصلح الله بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين فسماهم مُسلمين مَعَ أَنهم خارجون عَن الْحسن ظَالِمُونَ لَهُ بقتالهم فَتَأمل ذَلِك لَكِن الرَّاوِي لهَذِهِ الْقِصَّة المَسْعُودِيّ وَهُوَ من هُوَ وَمَا هَذَا بِأَعْجَب مِمَّا رَوَاهُ من قَوْله أَكتُمُ بغضكم أهل هَذَا الْبَيْت مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة وروى أَن ابْن الزبير خطب فَقَالَ فِي أثْنَاء خطبَته عذرت بني الفواطم أَن يتكلموا فَمَا بَال ابْن الْحَنَفِيَّة فَقَالَ مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة يَابْنَ أم رُومَان وَمَالِي لَا أَتكَلّم أليست فَاطِمَة بنت مُحَمَّد حَلِيلَة أبي وَأم أخوتي أليست فَاطِمَة بنت أَسد جَدتي أَو لَيست فَاطِمَة بنت عَمْرو بن عَائِذ جدة أبي أما وَالله لَوْلَا خَدِيجَة بنت خويلد بن أَسد مَا تركت فِي بني أَسد عظما إِلَّا هشمته وَإِن نالتني مِنْهُم المعايب صبرت وَلما استولى الْمُخْتَار على الْكُوفَة وأظهرت الشِّيعَة دَعْوَة ابْن الحنيفة خَافَ ابْن الزبير أَن يتداعى النَّاس إِلَى الرِّضَا بِهِ فاعتزم عَلَيْهِم فِي الْبيعَة وتوعدهم بالقَتْل وحبسهم بزمزم وَضرب لَهُم أَََجَلًا وَكتب ابْن الحنيفة إِلَى الْمُخْتَار بذلك فَأخْبر الشِّيعَة وندبهم وَبعث أُمَرَاء مِنْهُم فِي نَحْو ثَمَانمِائَة عَلَيْهِم عبد الله الحذلي وَبعث لِابْنِ الْحَنَفِيَّة أَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم وَسَارُوا إِلَى مَكَّة فَدَخَلُوا الْمَسْجِد الْحَرَام وبأيديهم الْخشب كَرَاهَة إشهار السَّيْف فِي الْحرم وَطَفِقُوا ينادون بثأر الْحُسَيْن حَتَّى انْتَهوا إِلَى زَمْزَم وأخرجوا ابْن الْحَنَفِيَّة وَقد كَانَ بَقِي من أَجله يَوْمَانِ واستأذنوه فِي قتال ابْن الزبير فَقَالَ لَا أستحل الْقِتَال فِي الْحرم ثمَّ جَاءَ بَاقِي الْجند وخافهم ابْن الزبير وَخرج ابْن الْحَنَفِيَّة إِلَى شعب عَليّ وَاجْتمعَ لَهُ أَرْبَعَة آلَاف رجل فقسم بَينهم المَال وَامْتنع وَلما قتل الْمُخْتَار واستوثق أَمر ابْن الزبير بعث إِلَيْهِ بالبيعة

стр. 1297

فخافه على نَفسه وَكتب لعبد الْملك فَأذن لَهُ أَن يقدم الشَّام حَتَّى يَسْتَقِيم أَمر النَّاس ووعده بِالْإِحْسَانِ فَخرج ابْن الْحَنَفِيَّة وَأَصْحَابه إِلَى الشَّام وَلما وصل مَدين لقِيه خبر مهلك عَمْرو بن سعيد فندم وَأقَام بأيلة وَظهر للنَّاس فَضله وعبادته وزهده وَكتب لَهُ عبد الْملك أَن يبايعه فَرجع إِلَى مَكَّة وَنزل شعب أبي طَالب فَأخْرجهُ ابْن الزبير إِلَى الطَّائِف وعذل ابْن عَبَّاس ابْن الزبير على شَأْنه ثمَّ خرج عَنهُ وَلحق بِالطَّائِف وَمَات هُنَاكَ فصلى عَلَيْهِ ابْن الْحَنَفِيَّة وعاش حَتَّى أدْرك حِصَار الْحجَّاج لِابْنِ الزبير وَلما قتل ابْن الزبير بَايع مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة لعبد الْملك وَكتب عبد الْملك إِلَى الْحجَّاج بتعظيم حَقه وبَسطِ أمله ثمَّ قدم الشَّام وَطلب من عبد الْملك أَن يرفع عَنهُ ففْعل وَقيل إِن ابْن الزبير بعث إِلَى ابْن عَبَّاس وَابْن الْحَنَفِيَّة فِي الْبيعَة فَقَالَا حَتَّى يجْتَمع النَّاس على إِمَام فَإِن هَذِه فتْنَة فحبس ابْن الْحَنَفِيَّة فِي زَمْزَم وضيق على ابْن عَبَّاس فِي منزله فَأَرَادَ إحراقهما فَأرْسل الْمُخْتَار جَيْشه كَمَا تقدَّم وَنَفس عَنْهُمَا فَلَمَّا قتل الْمُخْتَار قوي ابْن الزبير عَلَيْهِمَا فَخَرَجَا إِلَى الطَّائِف (مقتل ابْن زِيَاد) وَلما فرغ الْمُخْتَار من قتال أهل الْكُوفَة آخر سنة سِتّ وَسِتِّينَ بعث إِلَى إِبْرَاهِيم ابْن الأشتر لقِتَال ابْن زِيَاد وَبعث مَعَه بالكرسي الَّذِي يستنصر بِهِ وَهُوَ كرْسِي قد غشاه بِالذَّهَب وَقَالَ للشيعة هَذَا فِيكُم مثل التابوت فِي بني إِسْرَائِيل فَكثر السبئية وأحضر قتال ابْن زِيَاد فَكَانَ لَهُ الظُّهُور فازدادت الشِّيعَة فتْنَة وَيُقَال إِنَّه كرْسِي عَليّ بن أبي طَالب وَإِن الْمُخْتَار أَخذه من ولد جعدة بن هُبَيْرَة وَكَانَت أمه أم هَانِئ بنت أبي طَالب فَهُوَ ابْن أُخْت عَليّ ثمَّ أسْرع إِبْرَاهِيم بن الأشتر السّير وأوغل فِي أَرض الْموصل وَكَانَ ابْن زِيَاد قد ملكهَا كَمَا مر فَلَمَّا دخل إِبْرَاهِيم أَرض الْموصل عبأ أَصْحَابه وَلما بلغ نهر الخابور بعث على مقدمته الطُّفَيْل بن لَقِيط

стр. 1298

النَّخعِيّ وَنزل ابْن زِيَاد قَرِيبا من النَّهر وَكَانَت قيس مضطغنة على بني مَرْوَان من وقْعَة المرج وجند عبد الْملك يَوْمئِذٍ كُلَيْب فلقي عُمَيْر بن الْحباب السّلمِيّ إِبْرَاهِيم بن الأشتر ووعده أَن ينهزم بالمسيرة وَأَشَارَ عَلَيْهِ بالمناجزة وَرَأى عِنْد ابْن الأشتر ميلًا إِلَى المطاولة فثناه عَن ذَلِك وَقَالَ إِنَّهُم ملئوا مِنْكُم رعْبًا وَإِن طاولتهم اجترءوا عَلَيْكُم قَالَ وَبِذَلِك أَوْصَانِي صَاحِبي ثمَّ عبأ أَصْحَابه فِي السحر الأول يمشي ويحرض النَّاس حَتَّى أشرف على الْقَوْم وَجَاء عبد الله بن زُهَيْر السكونِي بِأَنَّهُم خَرجُوا على دهش وفشل وَابْن الأشتر يحرض أَصْحَابه وَيذكرهُمْ فَقَالَ ابْن زِيَاد وَأَبِيهِ ثمَّ التقى الْجَمْعَانِ وَحمل الْحصين بن نمير من ميمنة أهل الشَّام على ميسرَة إِبْرَاهِيم فَقتل عَليّ بن مَالك الْخَثْعَمِي ثمَّ أَخذ الرَّايَة قُرَّة بن عَليّ فَقتل وانهزمت المسيرة كَمَا كَانُوا وحملت ميمنة إِبْرَاهِيم على ميسرَة ابْن زِيَاد وهم يرجون أَن ينهزم عُمَيْر بن الْحباب كَمَا وعدهم فمنعته الأنفة عَن ذَلِك وَقَاتل قتالا شَدِيدا وَقصد ابْن الأشتر قلب الْعَسْكَر وسواده الْأَعْظَم فَاقْتَتلُوا أَشد قتال حَتَّى كَانَت أصوات الضَّرْب بالحديد كأصوات القَصارين وَإِبْرَاهِيم يَقُول لصَاحب الرَّايَة انغمس برايتك فيهم ثمَّ حملُوا حَملَة رجل وَاحِد فَانْهَزَمَ أَصْحَاب ابْن زِيَاد وَقَالَ ابْن الأشتر إِنِّي قتلت رجلا تَحت راية مُنْفَرِدَة شممت مِنْهُ رَائِحَة الْمسك وضربته بسيفي فقصمته نِصْفَيْنِ فالتمسوه فَإِذا هُوَ ابْن زِيَاد فَأخذ رَأسه وأحرقت جثته وَحمل شريك بن جدير التغلبي على الْحصين من غير سلَاح فاعتنقه وَجَاء بِهِ أَصْحَابه فَقتلُوا الْحصين وَيُقَال إِن الَّذِي قتل ابْن زِيَاد هُوَ ابْن جدير هَذَا وَقتل شُرَحْبِيل بن ذِي الكلاع وَادّعى قَتله سُفْيَان بن يزِيد الْأَزْدِيّ وورقاء بن عَازِب الْأَسدي وَعبيد الله بن زُهَيْر السّلمِيّ وَاتبع أَصْحَاب ابْن الأشتر المنهزمين فغرق فِي الْبَحْر أَكثر مِمَّن قتل وغنموا جَمِيع مَا فِي الْعَسْكَر وطير ابْن الأشتر الْبشَارَة إِلَى الْمُخْتَار فَأَتَتْهُ بِالْمَدَائِنِ وأنفذ ابْن الأشتر عماله إِلَى الْبِلَاد فَبعث أَخَاهُ عبد الرَّحْمَن إِلَى نَصِيبين وغلي على سنجار ودارة وَمَا والاهما من أَرض الجزيرة وَولى زفر ابْن الْحَارِث قرقيسيا وحاتم بن النُّعْمَان الْبَاهِلِيّ حَران والرهَا وسميساط وَعُمَيْر بن الْحباب السّلمِيّ كفر توثا وطور عَبْدَيْنِ وَأقَام بالموصل وأنفذ رُءُوس عبيد الله وقواده إِلَى الْمُخْتَار

стр. 1299

(مسيرَة مُصعب إِلى الْمُخْتَار وَقَتله إِيَّاه) كَانَ ابْن الزبير فِي أول سنة سبع وَسِتِّينَ أَو آخر سنة سِتّ عز الْحَارِث بن أبي ربيعَة وَهُوَ القباع وَولى مَكَانَهُ أَخَاهُ مصعباً فَقدم الْبَصْرَة وَصعد الْمِنْبَر وَجَاء الْحَارِث فأجلسه مُصعب تَحْتَهُ بِدَرَجَة ثمَّ خطب وَقَرَأَ الآَيات من أول الْقَصَص وَنزل وَلحق بِهِ أَشْرَاف الْكُوفَة حِين هربوا من الْمُخْتَار وَدخل عَلَيْهِ شبيب بن ربعي وَهُوَ يُنَادي واغوثاه ثمَّ قدم مُحَمَّد بن الْأَشْعَث بعده واستحثوه على الْمسير وَبعث عَن الْمُهلب بن أبي صفرَة وَهُوَ عَامله على فَارس ليحضر مَعَه قتال الْمُخْتَار فَأَبْطَأَ واعتل فَأرْسل إِلَيْهِ مُحَمَّد بن الْأَشْعَث بكتابه فَقَالَ الْمُهلب مَا وجد مُصعب بريداً غَيْرك فَقَالَ مَا أَنا ببريد وَلَكِن غلبنا عبيدنا على آبَائِنَا وحرمنا فَأقبل مَعَه الْمُهلب بالجموع وَالْأَمْوَال وعسكر مُصعب عِنْد الجسر وَأرْسل عبد الرَّحْمَن بن مخنف إِلَى الْكُوفَة سِراً ليثبط النَّاس عَن الْمُخْتَار وَيَدْعُو النَّاس إِلَى ابْن الزبير وَسَار على التعبئة وَبعث فِي مقدمته عباد بن الْحصين الحبطي التَّمِيمِي وعَلى ميمنته عمر بن عبيد الله بن معمر وَسَار ميسرته الْمُهلب وَبلغ الْخَبَر الْمُخْتَار فَقَامَ فِي أَصْحَابه وندبهم إِلَى الْخُرُوج مَعَ ابْن شميط وعسكر بحمام أعين وَبعث برءوس الأرباع الَّذين كَانُوا مَعَ ابْن الأشتر مَعَ ابْن شميط فَسَار وعَلى مقدمته ابْن كَامِل الشاكري وانْتهى إِلَى الْمدَار فَعَسْكَرَ قَرِيبا من مُصعب ثمَّ حمل عباد صَاحب مُقَدّمَة مُصعب على ابْن شميط وَأَصْحَابه فثبتوا وَحمل الْمُهلب على الميسرة على ابْن كَامِل فَثَبت ثمَّ كَر الْمُهلب وَحمل حَملَة مُنكرَة وصبر ابْن كَامِل قَلِيلا وانهزموا وَحمل النَّاس جَمِيعًا على ابْن شميط فَانْهَزَمَ وَقتل واستحر الْقَتْل فِي خيل من أهل الْكُوفَة فَلم يدركوا منهزمَاً إِلَّا قَتَلُوهُ وَلما فرغ مُصعب مِنْهُم أقبل فَقطع الْفُرَات وَسَار إِلَى الْكُوفَة وَلما بلغ الْمُخْتَار

стр. 1300

خبر الْهَزِيمَة وَمن قتل من أَصْحَابه وَأَن مصعباً أقبل إِلَيْهِ فِي الْبر وَالْبَحْر سَار إِلَى مجمع الْأَنْهَار نهر الجزيرة والسلحين والقادسية ونهر يُوسُف فَكسر الْفُرَات فَذهب مَاؤُهُ فِي الْأَنْهَار وَبقيت السفن سفن أهل الْبَصْرَة فِي الطين فَخَرجُوا إِلَى الْكسر وأزالوا وقصدوا الْكُوفَة وَسَار الْمُخْتَار فَنزل حروراء بعد أَن حصن الْقصر وَأدْخل عدَّة الْحصار وَأَقْبل مُصعب وعَلى ميمنته الْمُهلب وعَلى ميسرته سعيد بن منقذ الْهَمدَانِي وعَلى الْخَيل عَمْرو بن عبد الله النَّهْدِيّ وَنزل مُحَمَّد بن الْأَشْعَث فِيمَن هرب من أهل الْكُوفَة بَين العسكرين وَلما التقى الْجَمْعَانِ اقْتَتَلُوا سَاعَة وَحمل عبد الله بن جعدة بن هُبَيْرَة المَخْزُومِي على من بازائه فحطم أَصْحَاب الْمُخْتَار حطمة مُنكرَة وكشفوهم وَحمل مَالك بن عَمْرو النَّهْدِيّ فِي الرجالة عِنْد الْمسَاء على ابْن الْأَشْعَث حَملَة مُنكرَة فَقتل ابْن الْأَشْعَث وَعَامة أَصْحَابه وَقتل عبيد الله بن عَليّ بن أبي طَالب وَقَاتل الْمُخْتَار ثمَّ افترق النَّاس عَنهُ وَدخل الْقصر وَسَار مُصعب من الْغَد فَنزل السبخة وَقطع عَنْهُم الْميرَة وَكَانَ النَّاس يأتونهم بِالْقَلِيلِ من الطَّعَام وَالشرَاب خُفْيَة فَفطن مُصعب لذَلِك فَمَنعه وأصابهم الْعَطش فَكَانُوا يصبون الْعَسَل فِي الآَبار وَيَشْرَبُونَ ثمَّ إِن الْمُخْتَار أَشَارَ على أَصْحَابه بالاستماتة فتحنط وتطيب وَخرج فِي عشْرين رجلا مِنْهُم السَّائِب بن مَالك الْأَشْعَرِيّ فعذله فَقَالَ وَيحك يَا أَحمَق وثب ابْن الزبير بالحجاز وَابْن نجدة بِالْيَمَامَةِ ومروان بِالشَّام فَكنت كأحدهم إِلَّا أَنِّي طلبت بثأر أهل الْبَيْت إِذْ نَامَتْ عَنهُ الْعَرَب فقاتل على حَسبك إِن لم تكن لَك نِيَّة ثمَّ تقدم فقاتل حَتَّى قتل على يَد رجلَيْنِ من بني حنفية أَخَوَيْنِ طرفَة وطراف ابْني عبد الله بن دجَاجَة وَكَانَ عبد الله بن جعدة بن هُبَيْرَة لما رأى عزم الْمُخْتَار على الاستماتة تدلى من الْقصر واختفى عِنْد بعض إخوانه ثمَّ بعث الَّذين بقوا بِالْقصرِ إِلَى مُصعب ونزلوا على حكمه فَقَتلهُمْ أَجْمَعِينَ وَأَشَارَ عَلَيْهِ الْمُهلب باستبقائهم فَاعْترضَ أَشْرَاف الْكُوفَة وَرجع إِلَى رَأْيهمْ ثمَّ أَمر بكف الْمُخْتَار بن أبي عبيد فَقطعت وسمرت إِلَى

стр. 1301

جَانب الْمَسْجِد فَلم يَنْزِعهَا من هُنَالك لَا الحَجاج وَقتل زَوجته خَوْلَة بنت النُّعْمَان ابْن بشر زعمت أَن الْمُخْتَار رجل كَانَ يَقُول رَبِّي الله وَكَانَ يَصُوم نَهَاره وَيقوم ليله وَأَنه بذل دَمه لله وَلِرَسُولِهِ فِي طلب قتلة الْحُسَيْن وَأهل بَيته فَاسْتَأْذن أَخَاهُ عبد الله وقتلها كَذَا فِي تَارِيخ ابْن خلدون قَالَ المَسْعُودِيّ آتى مُصعب بحريم الْمُخْتَار فدعاهن إِلَى الْبَرَاءَة مِنْهُ فقبلنَ إِلَّا حرمتان إِحْدَاهمَا فَاطِمَة بنت سَمُرَة بن جُنْدُب الفزازي وَالْأُخْرَى خَوْلَة بنت النُّعْمَان بن بشير الْأنْصَارِيّ فَكتب مُصعب بخبرهما إِلَى أَخِيه عبد الله بن الزبير فَكتب إِلَيْهِ إِن رجعتا عَمَّا هما عَلَيْهِ وبرئتا وَإِلَّا فاقتلهما فَلَمَّا طلب الْبَرَاءَة مِنْهُمَا قَالَتَا كَيفَ نبرأ من رجل يَقُول رَبِّي الله كَانَ صَائِم النَّهَار وقائم اللَّيْل قد بذل دَمه لله وَرَسُوله فِي طلب قتلة ابْن بنت نبيه وَأَهله وشيعته فأمكنه الله مِنْهُم حَتَّى شفى النُّفُوس وأبرد الأكباد فعرضهما مُصعب على السَّيْف فأجابت الفزازية وتبرأت مِنْهُ ولعنته وَقَالَت لَو دعوتموني إِلَى الْكفْر مَعَ السف لكفرت وَأما ابْنة النُّعْمَان الْأَنْصَارِيَّة فَأَبت وَقَالَت شَهَادَة أرزقها فأتركها كلا إِنَّهَا موتَة ثمَّ الْجنَّة وأقدم على رَسُول الله وَأهل بَيته اللَّهُمَّ اشْهَدْ أَنِّي متبعة نبيك وَابْن عَمه وَأهل بَيته ثمَّ قدمت فَقلت فَفِي ذَلِك يَقُول عمر بن أبي ربيعَة من // (الْخَفِيف) // (إِنَّ مِنْ أَعْجَبِ الأَعَاجِيبِ عِنْدِي ... قَتْلَ حَسْنَاءَ غَادَةٍ عُطْبُولِ) (قتَلُوها ظُلمًا عَلَى غيْرِ جُرْمٍ ... إنَّ لِلَّهٍ درها مِنْ قَتِيكِ) (كُتِبَ القَتْلُ والقِتَالُ علَيْنَا ... وَعَلَى الغَانِيَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ) ثمَّ كتب مُصعب إِلَى إِبْرَاهِيم بن الأشتر يَدعُوهُ إِلَى طَاعَته ويعده بِالْولَايَةِ على أَعِنَّة الْخَيل وَمَا غلب عَلَيْهِ من أَرض الْعَرَب وَكتب إِلَيْهِ عبد الْملك بولاة الْعرَاق وَاخْتلف إِلَيْهِ أَصْحَابه وجنح إِلَى مُصعب خشيَة مِمَّا أصَاب من ابْن زِيَاد وأشراف

стр. 1302

الشَّام فَكتب إِلَى مُصعب بالإجابة وَسَار إِلَيْهِ فَبعث على عمله بالموصل والجزيرة وأرمينية وأذربيجان الْمُهلب بن أبي صفرَة وَقيل إِن الْمُخْتَار إِنَّمَا أظهر الْخلاف لِابْنِ الزبير عِنْد قدوم مُصعب الْبَصْرَة وَإنَّهُ بعث على مقدمته أَحْمد بن شميط وَبعث مُصعب عبادَاً الحبطي وَمَعَهُ عبيد الله بن عَليّ بن أبي طَالب وتوافوا لَيْلًا فناجزهم الْمُخْتَار من ليلته وانكشف أَصْحَاب مُصعب إِلَى عَسْكَرهمْ وَاشْتَدَّ الْقِتَال وَقتل من أَصْحَاب مُصعب جمَاعَة مِنْهُم مُحَمَّد ابْن الْأَشْعَث فَلَمَّا أصبح الْمُخْتَار وجد أَصْحَابه قد توغلوا فِي أَصْحَاب مُصعب وَلَيْسَ عِنْده أحد فَانْصَرف وَدخل قصر الْكُوفَة وفقده أَصْحَابه فَلَحقُوا بِهِ وَدخل الْقصر مَعَه ثَمَانِيَة آلَاف مِنْهُم وَأَقْبل مُصعب فَحَاصَرَهُمْ أَرْبَعَة أشهر يقاتلهم بِالسَّيْفِ كل يَوْم حَتَّى قتل وَطلب الَّذين فِي الْقصر الْأمان من مُصعب ونزلوا على حكمه فَقَتلهُمْ جَمِيعًا وَكَانُوا سِتَّة آلَاف رجل وَلما ملك مُصعب الْكُوفَة بعث عبد الله بن الزبير ابْنه حَمْزَة على الْبَصْرَة مَكَان مُصعب فأساء السِّيرَة وَقصر بالأشراف ففزعوا إِلَى مَالك بن مسمع فَخرج إِلَى الجسر وَبعث إِلَى حَمْزَة الْحق بأبيك وَكتب الْأَحْنَف إِلَى أَبِيه أَن يعزله عَنْهُم وَيُعِيد لَهُم مصعباً فَفعل وَخرج بالأموال فَعرض لَهُ مَالك بن مسمع وَقَالَ لَا نَدعك تخرج بأعطياتنا فضمن لَهُ عمر بن عبيد الله الْعَطاء فَكف عَنهُ وَقيل إِن عبد الله بن الزبير إِنَّمَا رد مصعباً إِلَى الْبَصْرَة عِنْد وفادته عَلَيْهِ بعد سنة من قتل الْمُخْتَار وَلما رد إِلَى الْبَصْرَة اسْتعْمل عمر بن عبيد الله بن معمر على فَارس وولاه حَرْب الْأزَارِقَة وَكَانَ الْمُهلب على حربهم أَيَّام مُصعب وَحَمْزَة فَلَمَّا أَرَادَ أَن يولي الْمُهلب الْموصل والجزيرة وأرمينية ليَكُون بَيِّنَة وَبَين عبد الْملك فاستقدمه واستخلف على عمله ابْنه الْمُغيرَة فَلَمَّا قدم الْبَصْرَة عَزله مُصعب عَن حَرْب الْخَوَارِج وبلاد فَارس وَاسْتعْمل عَلَيْهَا عمر بن عبيد الله بن معمر فَكَانَ لَهُ فِي حروبهم مَا نذكرهُ فِي أَخْبَار الْخَوَارِج

стр. 1303

(خلاف عَمْرو بن سعد الْأَشْدَق ومقتله) كَانَ عبد الْملك بعد رُجُوعه من قنسرين أَقَامَ بِدِمَشْق زَمَانا ثمَّ سَار لقِتَال زفر بن الْحَارِث الْكلاب بقرقسيا واستخلف على دمشق عبد الرَّحْمَن بن أم الحكم الثَّقَفِيّ ابْن أُخْته وَسَار مَعَه عَمْرو بن سعيد فَلَمَّا بلغ بطْنَان انْتقض عَمْرو وَأسرى لَيْلًا إِلَى دمشق وهرب ابْن أم الحكم عَنْهَا فَدَخلَهَا وَهدم دَاره وَاجْتمعَ إِلَيْهِ النَّاس فخطبهم وَوَعدهمْ وَجَاء عبد الْملك على أَثَره فحاصره بِدِمَشْق وَوَقع بَينهمَا الْقِتَال أَيَّامًا ثمَّ اصطلحا وكتبا بَينهمَا كتابا وأمنه عبد الْملك فَخرج إِلَيْهِ عَمْرو وَدخل عبد الْملك دمشق فَأَقَامَ أَرْبَعَة أَيَّام ثمَّ بعث إِلَى عَمْرو ليَأْتِيه فَقَالَ لَهُ عبد الْملك بن يزِيد بن مُعَاوِيَة وَهُوَ صهره وَكَانَ عِنْده لَا تأته فَإِنِّي أخْشَى عَلَيْك مِنْهُ قَالَ وَالله لَو كنت نَائِما مَا أيقظني ووعد الرَّسُول بالرواح إِلَيْهِ ثمَّ آتى بالْعَشي وَلبس درعه تَحت القباء ومضَى فِي مائَة من موَالِيه وَقد جمع عبد الْملك عِنْده بني مَرْوَان وَحسان بن بَحْدَل الْكَلْبِيّ وَقبيصَة بن ذُؤَيْب الخزاعيي وَأذن لعَمْرو فَدخل وَلم يزل أَصْحَابه يَجْلِسُونَ عِنْد كل بَاب حَتَّى بلغ غَايَة الدَّار وَمَا مَعَه إِلَّا غُلَام وَنظر إِلَى عبد الْملك وَالْجَمَاعَة حوله فأحس بِالشَّرِّ فَقَالَ للغلام انْطلق إِلَى أخي يحيى وَقل لَهُ يأتيني فَلم يفهم عَنهُ وَأعَاد عَلَيْهِ فَيُجِيبهُ الْغُلَام لبيْك وَهُوَ لَا يفهم فَقَالَ لَهُ اغرب عني ثمَّ أذن عبد الْملك لحسان وَقبيصَة فلقيا عمرا وَدخل فأجلسه مَعَه على السرير وحادثه زَمنا ثمَّ أَمر بِنَزْع السَّيْف فَأنْكر ذَلِك عَمْرو وَقَالَ إِنَّا لله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ عبد الْملك أتطمع أَن تجْلِس معي متقلدَاً سَيْفك فَأخذ عَنهُ السَّيْف فَقَالَ لَهُ عبد الْملك يَا أَبَا أُميَّة إِنَّك حِين خلعتني حلفتُ بِيَمِين إِن أَنا رَأَيْتُك بِحَيْثُ أقدر عَلَيْك أَن أجعلك فِي جَامِعَة فَقَالَ بَنو مَرْوَان ثمَّ تطلقه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ نعم وَمَا عَسَيْت أَن

стр. 1304

أصنع بِأبي أُميَّة فَقَالَ بَنو مَرْوَان أبر قسم أَمِير الْمُؤمنِينَ يَا أَبَا أُميَّة فَقَالَ عَمْرو قد أبر الله قسمك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأخْرج من تَحت فرَاشه جَامِعَة وَأمر غُلَاما فَجَمعه فِيهَا وَسَأَلَهُ أَن يُخرجهُ على رُءُوس النَّاس فَقَالَ أمكراً عِنْد الْمَوْت ثمَّ جذبه جذبة أصَاب فَمه السرير فَكسر ثنيته ثمَّ سَأَلَهُ الْإِبْقَاء فَقَالَ عبد الْملك وَالله لَو علمتُ أَنَّك تبقى إِن أبقيت عَلَيْك وَتصْلح قُرَيْش لأبقيتك وَلَكِن لَا يجْتَمع رجلَانِ مثلنَا فِي بلد فشتمه عَمْرو وَخرج عبد الْملك إِلَى الصَّلَاة وَأمر أَخَاهُ عبد الْعَزِيز بقتْله فَلَمَّا قَامَ إِلَيْهِ بِالسَّيْفِ ذكره الرَّحِم فَأمْسك عَنهُ وَجلسَ وَرجع عبد الْملك من الصَّلَاة وغلقت الْأَبْوَاب فَمَا غلظ على عبد العزز ثمَّ تنَاول عمرَاً فذبحه بِيَدِهِ وَقيل أَمر غُلَامه ابْن الزعيزعة فَقتله وفقد النَّاس عمرا مَعَ عبد الْملك حِين خرج إِلَى الصَّلَاة فَأقبل أَخُوهُ يحيى فِي أَصْحَابه عبيده وَكَانُوا ألفا وَمَعَهُ حميد بن حُرَيْث وَزُهَيْر بن الْأَبْرَد فهتفوا باسمه ثمَّ كسروا بَاب الْمَقْصُورَة وضربوا النَّاس بِالسُّيُوفِ وجرحوا الْوَلِيد بن عبد الْملك واقتتلوا سَاعَة ثمَّ خرج عبد الرَّحْمَن بن أم الحكم الثَّقَفِيّ بِالرَّأْسِ فَأَلْقَاهُ إِلَى النَّاس وَألقى إِلَيْهِم عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بدر الْأَمْوَال فانتهبوها وافترقوا ثمَّ خرج عبد الْملك إِلَى النَّاس وَسَأَلَ عَن الْوَلِيد فَأخْبر بجراحته وأتى بيحى بن سعيد وأخيه عَنْبَسَة فحبسهما وَحبس بني عَمْرو بن سعيد ثمَّ أخرجهم جَمِيعًا وألحقهم بمصعب حَتَّى حَضَرُوا عِنْده بعد قتل مُصعب فَأَمنَهُمْ ووصلهم وَكَانَ بَنو عَمْرو أَرْبَعَة أُميَّة وَسَعِيد وَإِسْمَاعِيل وَمُحَمّد وَلما حَضَرُوا عِنْده قَالَ أَنْتُم أهل بَيت ترَوْنَ لكُم على جَمِيع قومكم فضلا لن يَجعله الله لكم وَالَّذِي كَانَ بيني وَبَين أبيكم لم يكن حَدِيثا وَإِنَّمَا كَانَ قَدِيما فِي أنفس أوليائكم على أوليائي فِي الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ سعيد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تعد علينا أمرَاً كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام قد هدم ذَلِك ووعد جنَّة وحذر نَارا وَأما عَمْرو فَهُوَ ابْن عمك وَقد وصل إِلَى الله وَأَنت أعلم بِمَا صنعت وَإِن أَخَذتَنَا بِهِ فبطن الأَرْض خير لنا من ظهرهَا فَرَق لَهُم عبد الْملك وَقَالَ أبوكم خيرني بَين أَن يقتلني أَو أَقتلهُ فاخترتُ قَتله على قَتْلِي وَأما أَنْتُم فَمَا أَرغبني فِيكُم وأوصلني لقرابتكم وَأحسن جائزتهم

стр. 1305

وَقيل إِن عمرا إِنَّمَا كَانَ خَلعُهُ وَقَتله حِين سَار عبد الْملك لقِتَال مُصعب طلبه أَن يَجْعَل لَهُ الْعَهْد بعده كَمَا فعل أَبوهُ فَلم يجبهُ إِلَى ذَلِك فَرجع إِلَى دمشق وَقيل كَانَ عبد الْملك اسْتَخْلَفَهُ على دمشق فعصى وَامْتنع بهَا وَكَانَ قَتله سنة تسع وَسِتِّينَ (مسير عبد الْملك إِلَى الْعرَاق ومقتل مُصعب) وَلما صفا الشَّام لعبد الْملك اعتزم على الْعرَاق وأتته الْكتب من أَشْرَافهم يَدعُونَهُ فاستمهله أَصْحَابه فَأبى وَسَار نَحْو الْعرَاق وَبلغ مصعبَاً مسيره فَأرْسل إِلَى الْمُهلب بن أبي صفرَة وَهُوَ بِفَارِس فِي قتال الْخَوَارِج يستشيره وَقد كَانَ عزل عمر ابْن عبيد الله بن معمر عَن فَارس وَحرب الْخَوَارِج وَولى الْمُهلب مَكَانَهُ وَذَلِكَ حِين اسْتخْلف هُوَ على الْبَصْرَة وَجَاء خَالِد بن عبيد الله بن خَالِد بن أَسد إِلَى الْبَصْرَة مختفياً دَاعِيَة لعبد الْملك عِنْد مَالك بن مسمع فِي بكر بن وَائِل والأزد وأمده عبد الْملك بعيد الله بن زِيَاد بن ظبْيَان وحاربهم عمر بن عبيد الله بن معمر ثمَّ صَالحهمْ على أَن يخرجُوا خَالِدا فأخرجوه وَجَاء مُصعب وَقد طمع أَن يدْرك خَالِدا فَوَجَدَهُ قد خرج فسخط على ابْن معمر وسَب أَصْحَابه وضربهم وَهدم دُورهمْ وخلعهم وَهدم دَار مَالك بن مسمع واستباحها وعزل ابْن معمر عَن فَارس وَولى الْمُهلب وَخرج إِلَى الْكُوفَة فَلم يزل بهَا حَتَّى سَار للقاء عبد الْملك قلت هَكَذَا ذكره فِي العبر وَرَأَيْت فِي المروج مَا نَصه كَانَ مُصعب حِين صفا لَهُ الْعرَاق بعد قتل الْمُخْتَار وَأَصْحَابه خرج حَتَّى انْتهى إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بباجميرا مِمَّا يَلِي الجزيرة يُرِيد الشَّام لِحَرْب عبد الْملك بن مَرْوَان فَبَلغهُ مسير خَالِد بن عبد الله بن خَالِد بن أسيد من مَكَّة إِلَى الْبَصْرَة فِي عدَّة من موَالِيه وَولده نَاكِثًا لبيعة أَخِيه عبد الله بن الزبير وداعية لعبد الْملك فحاربه مُصعب فَكَسرهُ فَخرج هَارِبا ببنيه حَتَّى لحق بِعَبْد الْملك وَهُوَ كَمَا ترى مخالفٌ لقَوْل صَاحب كتاب العبر

стр. 1306

وَجَاء مُصعب وطمع أَن يدْرك خَالِدا فَوَجَدَهُ قد خرج فسخط على ابْن معمر وسَب أَصْحَابه إِلَى آخِره قَالَ الذَّهَبِيّ يرْوى فِي بعض الْآثَار أَن مصعباً لما سَار عَن الْكُوفَة عشرَة أَيَّام يُرِيد قتال عبد الْملك بن مَرْوَان كتب إِلَى زَوجته سكينَة ابْنة الْحُسَيْن بن عَليّ ﵁ من // (الطَّوِيل) // (وَكَانَ عَزِيزًا أَن أَبِيت وبَيْنَنَا ... سِفارٌ فَقَدْ أصبحْتُ منكِ على عَشْرِ) (وأَنْكَاهُمَا للعيْنِ واللَّهِ فاعْلَمِي ... إِذْ ازددتُّ مِثْلَيْهَا فصرْتُ على شَهْرِ) (وأَبْكي لعَيْنِي مِنْهُمَا اليَوْمَ أنني ... أَخَافُ بألَاّ نَلْتَقِي آخِرَ الدَّهْرِ) فَلَمَّا جاءها الْخَبَر بِمَوْتِهِ قَالَت من // (الطَّوِيل) // (فَإِنْ تقتلوه تقتُلُوا الماجِدَ الَّذِي ... يرى الموْتَ إِلَّا بالسيُوفِ حَراما) (وقبلك مَا خَاضَ الحُسَين منِيَّةً ... إِلَى السيْفِ حَتَّى أوردُوهُ حِمَامَ) وَكَانَ مَعَه الْأَحْنَف فَتوفي بِالْكُوفَةِ وَلما بعث عَن الْمُهلب يسير مَعَه إِلَى أهل الْبَصْرَة أَن يكون الْمُهلب على قتال الْخَوَارِج فَرده قَالَ لَهُ الْمُهلب إِن أهل الْعرَاق قد كاتبوا عبد الْملك وكاتبهم فَلَا نتعدى ثمَّ بعث مُصعب عَن إِبْرَاهِيم بن الأشتر وَكَانَ على الْموصل والجزيرة فَجعله على مقدمته وَسَار حَتَّى عَسْكَر فِي مسكن وَسَار عبد الْملك وعَلى مقدمته أَخُوهُ مُحَمَّد بن مَرْوَان وخَالِد بن عبد الله ابْن خَالِد بن أسيد فنزلوا قرقيسيا وحصروا زفر بن الْحَارِث الْكلابِي ثمَّ صَالحه وَبعث زفر مَعَه الْهُذيْل ابْنه فِي عَسْكَر وَسَار عَنهُ فَنزل بمسكن قَرِيبا من عَسْكَر مُصعب وفر الْهُذيْل من زفر وَلحق مُصعب وَكتب عبد الْملك إِلَى أهل الْعرَاق وَكَتَبُوا إِلَيْهِ وَكلهمْ يشرط أَصْبَهَان وَآتى ابْن الأشتر بكتابه مختومَاً إِلَى مُصعب فقرأه فَإِذا هُوَ يَدْعُو إِلَى نَفسه وَيجْعَل لَهُ ولَايَة الْعرَاق فَأخْبرهُ مُصعب بِمَا فِيهِ وَقَالَ مثل هَذَا لَا يرغب عَنهُ فَقَالَ إِبْرَاهِيم مَا كنت لأتقلد الْغدر والخيانة وَلَقَد كتب عبد الْملك إِلَى أَصْحَابك كلهم مثل هَذَا فأطعني واقتلهم أَو احبسهم فِي أَبيض كسري فَأبى عَلَيْهِ مُصعب وأضمر أهل الْعرَاق الْغدر بمصعب وعذلهم قيس بن الْهَيْثَم ولامهم فِي طَاعَة أهل الشَّام فأعرضوا عَنهُ وَلما تدانى العسكران بعث عبد الْملك إِلَى مُصعب يَقُول تعال نجْعَل الْأَمر

стр. 1307

شُورَى فَقَالَ مُصعب لَيْسَ بَيْننَا إِلَّا السَّيْف فَقدم عبد الْملك أَخَاهُ محمدَاً وَقدم مُصعب إِبْرَاهِيم بن الأشتر وأمده بالجيش فأزال محمدَاً عَن موقفه فأمده عبد الْملك بِعَبْد الله بن يزِيد فَاشْتَدَّ الْقِتَال وَقتل من أَصْحَاب مُصعب مُسلم بن عَمْرو الْبَاهِلِيّ وَالِد قُتَيْبَة وأمد مُصعب إِبْرَاهِيم بعتاب بن وَرْقَاء فسَاء ذَلِك إِبْرَاهِيم ونكره وَقَالَ قد أوصيته لَا يمدني بعتاب وَأَمْثَاله وَكَانَ قد بَايع لعبد الْملك فجر الْهَزِيمَة على إِبْرَاهِيم فَقتل وَحمل رَأسه إِلَى عبد الْملك وَتقدم أهل الشَّام فقاتل مُصعب ودعا رُءُوس الْعرَاق إِلَى الْقِتَال فاعتذروا وتثاقلوا فَدَنَا مُحَمَّد ابْن مَرْوَان من مُصعب وناداه بالأمان وَأَشْعرهُ بغدر أهل الْعرَاق فَأَعْرض عَنهُ فَنَادَى ابْنه عِيسَى بن مُصعب فَأذن لَهُ أَبوهُ فِي لِقَائِه وبذل لَهُ الْأمان وَأخْبرهُ أَبَاهُ قَالَ أظنهم يَفُونَ لَك بذلك فَإِن أَحْبَبْت فافعل قَالَ لَا تَتَحَدَّث نسَاء قُرَيْش أَنِّي رغبت بنفسي عَنْك قَالَ فَاذْهَبْ إِلَى عمك بِمَكَّة فَأخْبرهُ بصنع أهل الْعرَاق وَدعنِي فَإِنِّي مقتول فَقَالَ لَا أخبر قُريْشًا عَنْك أبدا وَلَكِن الْحق أَنْت بِالْبَصْرَةِ فَإِنَّهُم على الطَّاعَة أَو بأمير الْمُؤمنِينَ بِمَكَّة فَقَالَ لَا تَتَحَدَّث قُرَيْش عَن أنني فررتُ ثمَّ قَالَ لعيسى تقدم يَا بني أحتسبك فَتقدم فِي نَاس وَقتل وَقتلُوا ولج عَلَيْهِ عبد الْملك فِي قبُول أمانِهِ فَأبى وَدخل سرادقه فتحنط وَرمى السرادق فَخرج فقاتل وَدعَاهُ عبيد الله بن زِيَاد بن ظبْيَان إِلَى البرَاز فشتمه وَحمل عَلَيْهِ فَضَربهُ فخرجه وخذل أهل الْعرَاق مصعباً حَتَّى بَقِي فِي سَبْعَة أنفس فأثخنته الْجراحَة فَرجع إِلَيْهِ عبيد الله بن زِيَاد بن ظبْيَان فَقتله وَجَاء بِرَأْسِهِ إِلَى عبد الْملك فَأمر لَهُ بِأَلف دِينَار فَلم يَأْخُذهَا وَقَالَ إِنَّمَا قتلته بثأر أخي وَكَانَ قطع الطَّرِيق فَقتله صَاحب شرطة مُصعب وَقيل إِن الَّذِي قَتله زَائِدَة بن قدامَة الثَّقَفِيّ من أَصْحَاب الْمُخْتَار وَأخذ عبيد الله رَأسه وَأمر عبد الْملك بِهِ وبابنه عِيسَى فدفنا بدير الجاثليق عِنْد نهر دجيل وَكَانَ ذَلِك سنة إِحْدَى وَسبعين قَالَ الذَّهَبِيّ لما بذل لمصعب الْأمان وَقد بَقِي ي سَبْعَة نفر أَبى وبارز فعرقبت فرسه وَبَقِي رَاجِلا فَأقبل عبيد الله بن زِيَاد بن ظبْيَان وَكَانَ قد أثخن

стр. 1308

جراحاً فاختلفا ضربتين سبقه مُصعب بالضربة الأولى إِلَى رَأسه لم تُؤثر ضَربته إِلَّا جرحا وضربه ابْن ظبْيَان فَقتله وَأخذ رَأسه إِلَى عبد الْملك فَسجدَ وَقبض عبيد الله بن ظبْيَان على قَائِم سَيْفه واجتذبه حَتَّى آتى على أَكْثَره سَله ليضْرب بِهِ عبد الْملك حَال سُجُوده ثمَّ تذمم واسترجع فَكَانَ يَقُول بعد ذَلِك ذهب الفتك بَين النَّاس إِذْ هَمَمْت فَلم أفعل فَأَكُون قد قتلت عبد الْملك ومصعباً ملكَي الْعَرَب فِي سَاعَة وَاحِدَة وَكَانَ قَتله يَوْم الثُّلَاثَاء لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة وَدفن هُوَ وَابْنه بدير الجاثليق كَمَا تقدم آنِفا وتمثل عبد الْملك عِنْد مَجِيء رَأس مُصعب بقوله من // (الطَّوِيل) // (نُعَاطِي الملوكَ الحقَّ مَا قَسَطُوا لنا ... ولَيْسَ علينا قَتْلُهُمْ بِمُحَرَّمِ) وَلما رَجَعَ عبد الْملك إِلَى الْكُوفَة وَدخل قصر الْإِمَارَة وضع الرَّأْس بَين يَدَيْهِ حدث الْمنْقري قَالَ حَدثنِي سُوَيْد بن سعيد قَالَ حَدثنَا مَرْوَان بن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي مُسلم بن الْحَنَفِيّ كنت مَعَ عبد الْملك بن مَرْوَان حِين جِيءَ إِلَيْهِ بِرَأْس مُصعب بن الزبير فَرَأى عبد الْملك فِي اضطرابَاً فَسَأَلَنِي فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ دخلت هَذَا الْقصر يَعْنِي قصر الْإِمَارَة بِالْكُوفَةِ فَرَأَيْت رَأس الْحُسَيْن بَين يَديْ عبيد الله بن زِيَاد فِي هَذَا الْموضع ثمَّ دَخلته فرأيتُ رأسَ ابْن زِيَاد بَين يَدي الْمُخْتَار بن أَي عُبَيْدِ الثَّقَفِيّ ثمَّ دَخَلْتُهُ فَرَأَيْت رأسَ الْمُخْتَار بَين يَدي مُصعب بن الزبير وَهَذَا مصعبْ بَين يَديك فَوَثَبَ عبد الْملك متطيراً وَقَالَ لَا أَرَاك الله الْخَامِس وَأمر بهدم الْقصر حجرا حجرَاً ثمَّ دَعَا عبد الْملك جند الْعرَاق إِلَى الْبيعَة فَبَايعُوهُ وَسَار إِلَى الْكُوفَة فَأَقَامَ بالنخيلة أَرْبَعِينَ يَوْمًا وخطب النَّاس فوعده المحسن وتوعده الْمُسِيء وَطلب يحيى ابْن سعيد بن جَعْفَر وَكَانُوا أَخْوَاله فأحضروه وأمنه ثمَّ ولى أَخَاهُ بشر بن مَرْوَان على الْكُوفَة وَمُحَمّد بن نمير على همذان وَيزِيد بن وَرْقَاء بن رُوَيْم على الرّيّ وَلم يَفِ لَهُم بأصفهان كَمَا اشترطوا عَلَيْهِ وَكَانَ عبد الله بن يزِيد بن أَسد وَالِد خَالِد العشري وَيحيى بن مُصدق الْهَمدَانِي قد لحجأ إِلَى عَليّ بن عبيد الله بن عَبَّاس ولجأ هُذَيْل بن زفر بن الْحَارِث وَعَمْرو بن يزِيد الْحكمِي إِلَى خَالِد بن يزِيد فَأَمنَهُمْ عبد الْملك وصنع عَمْرو بن حُرَيْث

стр. 1309

لعبد الْملك طَعَاما فَأحْضرهُ بالخورنق وَأذن للنَّاس عَامَّة فَدَخَلُوا وَجَاء عمر بن حُرَيْث فأجلسه مَعَه على سَرِيره وَطعم النَّاس ثمَّ طَاف مَعَ عَمْرو بن حُرَيْث على الْقصر يسْأَله عَن مساكنه ومعالمه وَلما بلغ عبد الله بن خازم مسير مُصعب لقِتَال عبد الْملك قَالَ أمعه عمر بن معمر قيل لَا هُوَ على فَارس قَالَ فالمهلب وَقيل فِي قتال الْخَوَارِج قَالَ فَعبَّاد بن الْحصين قيل على الْبَصْرَة قَالَ وَأَنا بخرسان من // (الطَّوِيل) // (خُذِينِي فَأَجْرِينِي حِصَار وَأَبْشِرِي ... بِلَحْمِ امرئٍ لم يَشْهَدِ اليَوْمَ نَاصِرهْ) ثمَّ بعث عبد الْملك بِرَأْس مُصعب إِلَى الْكُوفَة ثمَّ إِلَى الشَّام فنصب بِدِمَشْق وَأَرَادُوا التطواف بِهِ فمنعت من ذَلِك زَوْجَة عبد الْملك عَاتِكَة بنت يزِيد بن مُعَاوِيَة فغسلته ودفنته وانْتهى قتل مُصعب إِلَى الْمُهلب وَهُوَ يحارب الْأزَارِقَة فَبَايع النَّاس لعبد الْملك بن مَرْوَان وَلما جِيءَ بِخَبَر مُصعب لعبد الله بن الزبير خطب النَّاس فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي لَهُ الْخلق وَالْأَمر يُؤْتِي الْملك من يَشَاء وَينْزع الْملك مِمَّن يَشَاء ويعز من يَشَاء ويذل من يَشَاء أَلا وَإنَّهُ لم يذل الله من كَانَ الْحق مَعَه وَإِن كَانَ النَّاس عَلَيْهِ وَقد أَتَانَا من الْعرَاق خبر أحزننا فَإِن لفراق الْحَمِيم لوعة يجدهَا حميمه عِنْد الْمُصِيبَة ثمَّ عبد من عباد الله وَعون من أعواني أَلا وَإِن أهل الْعرَاق أهل الْغدر والنفاق أسلموه وباعوه بأقلٌ الثّمن فَإِن يقتل ثمَّة فوَاللَّه مَا نموت على مضاجعنا كَمَا يَمُوت بَنو أبي الْعَاصِ فوَاللَّه مَا قتل رجل مِنْهُم فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي الْإِسْلَام وَلَا نموت إِلَّا قعصاً بِالرِّمَاحِ وَتَحْت ظلال السيوف أَلا إِنَّمَا الدُّنْيَا عَارِية من الْملك الْأَعْلَى الَّذِي لَا يَزُول سُلْطَانه وَلَا يبيد فَإِن تقبل فَلَا آخذها أَخذ الأشر البطر وَإِن تدبر لم أبك عَلَيْهَا بكاء الضَّرع المهين أَقُولُ قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله لي وَلكم وَلما بلغ خبر مُصعب الْبَصْرَة تنَازع فِي ولايتها حمْرَان بن أبان وَعبد الله بن أبي بكر واستعان حمْرَان بِعَبْد الله بن الْأَهْتَم فغلب عَلَيْهَا وَكَانَت لَهُ منزلَة عِنْد بني أُميَّة فَلَمَّا تمهد الْأَمر بالعراق لعبد الْملك بن مُصعب ولي على الْبَصْرَة خَالِد بن

стр. 1310

عبد الله بن أسيد فاستخلف عَلَيْهِ عبد الله بن أبي بكر فَقدم على حمْرَان وعزله حَتَّى جَاءَهُ خَالِد ثمَّ عزل خالدَاً سنة ثَلَاث وَسبعين وَولى مَكَانَهُ على الْبَصْرَة أَخَاهُ بشرا وَجمع لَهُ المصرين وَسَار بشر إِلَى الْبَصْرَة واستخلف على الْكُوفَة عَمْرو بن حُرَيْث وَولى عبد الْملك على الجزيرة وأرمينية بعد قتل مُصعب أَخَاهُ مُحَمَّد بن مَرْوَان سنة ثَلَاث وستيِن فغزا الرّوم ومزقهم بعد أَن كَانَ هادن ملك الرّوم أَيَّام الْفِتْنَة على ألف دِينَار يَدْفَعهَا إِلَيْهِ كل يَوْم (أَمر زفر بن الْحَارِث بقرقيسيا) قد ذكرنَا فِي وقْعَة راهط مسير زفر إِلَى قرقيسيا واجتماع قيس عَلَيْهِ وَأقَام بهَا يَدْعُو لِابْنِ الزبير وَلما ولي عبد الْملك كتب إِلَى أبان بن عقبَة بن أبي معيط وَهُوَ على حمص يالمسير لى زفر فَسَار وعَلى مقدمته عبد الله بن رميث الطَّائِي فعاجله عبد الله بِالْحَرْبِ وَقتل من أَصْحَابه نَحْو ثَلَاثمِائَة ثمَّ أقبل أبان فواقع زفر وَقتل ابْنه وَكِيع بن زفر وأوهنه ثمَّ سَار إِلَيْهِ عبد الْملك إِلَى قرقيسيا قبل مسيره إِلَى مُصعب فحصره وَنصب عَلَيْهِ المجانيق وَقَالَت كلب لعبد الْملك لَا تخلط مَعنا القيسية فنهم يتهزمون إِذا الْتَقَيْنَا مَعَ زفر فَفعل وَاشْتَدَّ حصارهم وَكَانَ زفر يقاتلهم فِي كل غَدَاة وَأمره ابْن الْهُذيْل أَن يحمل حَتَّى يضْرب فسطاط عبد الْملك فَفعل وَقطع بعض أطنابه ثمَّ بعث عبد الْملك أَخَاهُ مُحَمَّدًا بالأمان لزفَر وَابْنه الْهُذيْل على أَنفسهمَا ومَن مَعَهُمَا وَأَن لَهُم مَا أَحبُّوا فَأجَاب الْهُذيْل وداخل أَبَاهُ فِي ذَلِك وَقَالَ عبد الْملك لنا خير من ابْن الزبير فَأجَاب على أَن لَهُ الْخِيَار وَأَن ينزل حَيْثُ شَاءَ وَلَا يعين على ابْن الزبير وبينما الرُّسُل تخْتَلف بَينهم إِذْ قيل لعبد الْملك قد هدم من الْمَدِينَة أَرْبَعَة أبرجة فَترك الصُّلْح وزحف إِلَيْهِم فكشفوا أَصْحَابه إِلَى عَسْكَرهمْ وَرجع إِلَى الصُّلْح وَاسْتقر بَينهم على الْأمان وَوضع الْأَمْوَال أَلا يُبَايع لعبد الْملك حَتَّى يَمُوت

стр. 1311

ابْن الزبير لِلْبيعَةِ الَّتِي لَهُ فِي عُنُقه وَأَن يدْفع إِلَيْهِ مَال نَفسه فِي أَصْحَابه وَتَأَخر زفر عَن لِقَاء عبد الْملك خوفَاً من فعلته بِعَمْرو بن سعيد فَأرْسل إِلَيْهِ بقضيب النَّبِي فجَاء إِلَيْهِ وَأَجْلسهُ عبد الْملك مَعَه على سَرِيره وَزوج ابْنه مسلمة الربَاب بنت زفر وَسَار عبد الْملك إِلَى قتال مُصعب فَبعث زفر بن الْهُذيْل مَعَه فِي عَسْكَر فَلَمَّا قَارب مصعباً هرب إِلَيْهِ وَقَاتل مَعَ ابْن الأشتر حَتَّى إِذا قتلوا اختفى الهذْيل فِي الْكُوفَة حَتَّى آمنهُ عبد الْملك كَمَا مر (مقتل عبد الله بن الزبير) كَانَ عبد الْملك لما بُويِعَ بِالشَّام بعث إِلَى الْمَدِينَة عُرْوَة بن أنيف فِي سِتَّة آلَاف من أهل الشَّام وَأمره أَن يعسكر بالعرصة وَلَا يدْخل الْمَدِينَة وعامل ابْن الزبير يَوْمئِذٍ على الْمَدِينَة الْحَارِث بن حَاطِب بن الْحَارِث بن معمر الجُمَحِي فهرب الْحَارِث وَأقَام ابْن أنيف شهرَاً يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْجُمُعَة بِالْمَدِينَةِ وَيرجع إِلَى مُعَسْكَره ثمَّ رَجَعَ ابْن أنيف إِلَى الشَّام فَرجع الْحَارِث إِلَى الْمَدِينَة وَبعث ابْن الزبير سُلَيْمَان ابْن خَالِد الدَّوْرَقِي على خَيْبَر وفدك وَبعث عبد الْملك إِلَى الْحجاز عبد الْملك بن الْحَارِث بن الحكم فِي أَرْبَعَة آلَاف فَنزل وَادي الْقرى وَبعث سَرِيَّة إِلَى سُلَيْمَان بِخَيْبَر وهرب فأدركوه فَقَتَلُوهُ وَمن مَعَه وَأَقَامُوا بِخَيْبَر وَعَلَيْهِم أَبُو القمقام ونكر عبد الْملك ذَلِك واغتم لَهُ وَقَالَ قتلوا رجلا صَالحا بِغَيْر ذَنْب ثمَّ عزل ابْن الزبير الْحَارِث بن حَاطِب عَن الْمَدِينَة وَولى مَكَانَهُ جَابر بن الْأسود بن عَوْف الزُّهْرِيّ فَبعث جَابر إِلَى خَيْبَر أَبَا بكر بن أبي قيس ي سِتّمائَة فَانْهَزَمَ ابْن المقمقام وَأَصْحَابه أمامهم وَقتلُوا صبرا ثمَّ بعث عبد الْملك طَارق بن عَمْرو مولى عُثْمَان وَأمره أَن ينزل بَين أَيْلَة ووادي الْقرى وَيمْنَع عُمَّال ابْن الزبير من الانتشار ويسد خللا إِن ظهر لَهُ بالحجاز فَبعث طَارق خيلا إِلَى أبي بكر بِخَيْبَر واقتتلوا فأصيب أَبُو بكر فِي مِائَتَيْنِ من أَصْحَابه وَكتب ابْن الزبير إِلَى القباع وَهُوَ عَامله على الْبَصْرَة يستمده ألفَي فَارس إِلَى

стр. 1312

الْمَدِينَة فبعثهم القباع وَأمر ابْن الزبير جَابر بن الْأسود أَن يسيرهم إِلَى قتال طَارق فَفعل ولقيهم طَارق فَهَزَمَهُمْ وَقتل مقدمهم وَقتل من أَصْحَابه خلقَاً وأجهز على جريحهم وَلم يستبق أسيرهم وَرجع لى وَادي الْقرى ثمَّ عزل ابْن الزبير جَابِرا عَن الْمَدِينَة وَاسْتعْمل طَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف وَهُوَ طَلْحَة الندي وَذَلِكَ سنة سبعين فَلم يزل على الْمَدِينَة حَتَّى أخرجه طَارق وَلما قتل عبد الْملك مصعبَاً وَدخل الْكُوفَة بعث مِنْهَا الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ فِي ثَلَاثَة آلَاف من أهل الشَّام لقِتَال ابْن الزبير وَكتب مَعَه الْأمان لِابْنِ الزبير وَمن مَعَه إِن أطاعوا فَسَار فِي جُمَادَى سنة ثِنْتَيْنِ وَسبعين فَلم يعرض للمدينة وَنزل الطَّائِف وَكَانَ يبْعَث الْخَيل إِلَى عَرَفَة وتلقاهم هُنَاكَ خيل ابْن الزبير فينهزمون دَائِما وَترجع خيل الْحجَّاج بالظفر ثمَّ كتب الْحجَّاج إِلَى عبد الْملك يُخبرهُ بِضعْف ابْن الزبير وتفرُق أَصْحَابه ويستأذنه فِي دُخُوله الْحرم لحصار ابْن الزبير ويستمده فَكتب عبد الْملك إِلَى طَارق باللحاق بالحجاج فَقدم الْمَدِينَة فِي ذِي الْقعدَة سنة ثِنْتَيْنِ وَسبعين وَأخرج عَنْهَا طَلْحَة الندى عَامل ابْن الزبير وَولى مَكَانَهُ رجلا من أهل الشَّام وَسَار إِلَى الْحجَّاج بِمَكَّة فِي خَمْسَة آلَاف وَلما قدم الْحجَّاج مَكَّة أحرَم بِحجَّة وَنزل بِئْر مَيْمُون وَحج بِالنَّاسِ وَلم يطف وَلَا سعى وَحصر ابْن الزبير عَن عَرَفَة فَنحر بدنه بِمَكَّة وَلم يمْنَع الْحجَّاج من الطّواف وَالسَّعْي ثمَّ نصب الْحجَّاج المنجنيق على أبي قبيس وَرمى بِهِ الْكَعْبَة وَكَانَ ابْن عمر قد حج تِلْكَ السّنة فَبعث بالحجاج بالكف عَن المنجنيق لأجل الطائفين فَفعل ونادى مُنَادِي الْحجَّاج عقيب الْإِفَاضَة انصرفوا إِلَى بِلَادكُمْ فَإنَّا نعود بِالْحِجَارَةِ على ابْن الزبير وَرمى المنجنيق على الْكَعْبَة وألحتِ الصَّوَاعِق عَلَيْهِم فِي يَوْمَيْنِ وَقتلت من أهل الشَّام رجَالًا فذرعوا فَقَالَ لَهُم الْحجَّاج لَا تنكوا فَهَذِهِ صواعق تهَامَة وَإِن الْفَتْح قد حضر فأبشروا ثمَّ أَصَابَت الصَّوَاعِق من أَصْحَاب ابْن الزبير فسرى عَن أهل الشَّام وَكَانَت الْحِجَارَة تقع بَين يَدي ابْن الزبير وَهُوَ يُصَلِّي فَلَا ينْصَرف وَلم يزل الْقِتَال بَينهم وغلت الأسعار وَأصَاب النَّاس مجاعَة شَدِيدَة حَتَّى ذبح ابْن الزبير فرسه وَقسم لَحْمه فِي أَصْحَابه وبيعت الدَّجَاجَة بِعشْرَة دَرَاهِم والمُد من الذّرة بِعشْرين وبيوت ابْن الزبير مَمْلُوءَة قمحَاً وشعيراً وذرة وَتَمْرًا وَلَا ينْفق مِنْهُ إِلَّا مَا

стр. 1313

يمسك الرمق يُقَوي بِهِ نفوس أَصْحَابه ثمَّ أجهدهم الْحصار وَبعث الْحجَّاج إِلَى أَصْحَاب ابْن الزبير بالأمان فَخرج إِلَيْهِ مِنْهُم نَحْو عشرَة آلَاف وافترق النَّاس عَنهُ وَكَانَ مِمَّن فَارقه ابناه حَمْزَة وخبيب وَأقَام ابْنه الزبير حَتَّى قتل مَعَه وحرض الْحجَّاج النَّاس وَقَالَ قد ترَوْنَ قلَّة أَصْحَاب ابْن الزبير وَمَا هم فِيهِ من الْجهد والضيق فتقدموا وملئوا مَا بَين الْحجُون إِلَى الْأَبْوَاب فَدخل ابْن الزبير على أمه أَسمَاء وَقَالَ يَا أمه قد خذلني النَّاس حَتَّى وَلَدي وَالْقَوْم يعطونني مَا أردتُ من الدُّنْيَا فَمَا رَأْيك فَقَالَت لَهُ أَنْت أعلم بِنَفْسِك إِن كنت على حق وَتَدْعُو إِلَيْهِ فَامْضِ لَهُ فقد قتل عَلَيْهِ أَصْحَابك وَلَا تمكِّن من رقبتك تلعب بهَا غلْمَان بني أُميَّة وَإِن كنت إِنَّمَا أردْت الدُّنْيَا فبئس العَبْد أنتَ أهلكْتَ نَفسك وَمن قتل مَعَك وَإِن قلت كنت على حق فَلَمَّا وَهن أَصْحَابِي ضعفتُ فَلَيْسَ هَذَا بِفعل الْأَحْرَار وَلَا أهل الدّين فَقَالَ يَا أمه أَخَاف أَن يمثلوا بِي ويصلبوني فَقَالَت يَا بني الشَّاة لَا تألم بالسلخ فَامْضِ على بصيرتك واستعز بِاللَّه فَقبل رَأسهَا وَقَالَ هَذَا رَأْيِي الَّذِي خرجتُ بِهِ دَاعيا إِلَى يومي هَذَا وَمَا ركنت إِلَى الدُّنْيَا وَمَا أخرجني إِلَّا الْغَضَب لله وَأَن تستحلَّ حرماته لَكِن أَحْبَبْت أَن أعلم رَأْيك قد زدتني بَصِيرَة وَإِنِّي يَا أمه فِي يومي هَذَا مقتول فَلَا يشْتَد حزنك وسلمي الْأَمر لله فَإِن ابْنك لم يتَعَمَّد إتْيَان مُنكر وَلَا عملا بِفَاحِشَة وَلم يخن وَلم يغدر وَلم يظلم وَلم يقر على الظُّلم وَلم يكن عِنْدِي آثر من رضَا الله تَعَالَى اللَّهُمَّ لَا أَقُول هَذَا تَزْكِيَة لنَفْسي لَكِن تَعْزِيَة لأمي حَتَّى تسلو عني فَقَالَت إِنِّي لأرجو أَن يكون عزائي فِيك جميلا إِن تقدمتنِي أحتسبك وَإِن ظفرتَ سررت بظفرك ثمَّ قَالَت اخْرُج حَتَّى أنظر إلامَ يصير أَمرك فَقَالَ جَزَاك الله خيرا فالا تَدعِي الدُّعَاء فدعَتْ لَهُ فودعها وودعته وَلما عانقته للوداع وَقعت يَدهَا على الدرْع فَقَالَت مَا هَذَا صنيعُ مَنْ يُرِيد مَا تُرِيدُ قَالَ مَا لبسته إِلَّا لأشد مِنْك فَقَالَت إِنَّه لَا يشد مني فنزعها وَقَالَت لَهُ البس ثِيَابك مشمرة ثمَّ خرج فَحمل على أهل الشَّام حَملَة مُنكرَة فَقتل مِنْهُم ثمَّ انْكَشَفَ هُوَ وَأَصْحَابه وَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعضهم بالفرار فَقَالَ بئس الشَّيْخ أَنا فِي الْإِسْلَام إِن أوقعت

стр. 1314

قومَاً قتلوا ثمَّ فَرَرْت على مثل مصَارِعهمْ وامتلأت أَبْوَاب الْمَسْجِد بِأَهْل الشَّام وَالْحجاج وطارق بِنَاحِيَة الأبطح إِلَى الْمَرْوَة وَابْن الزبير يحمل على هَؤُلَاءِ وينادي أَبَا صَفْوَان لعبد الله بن صَفْوَان ابْن أُميَّة بن خلف فَيُجِيبهُ من جَانب المعرك وَلما رأى الْحجَّاج إحجامَ الناسِ عَن ابْن الزبير غضب وترجل وصمد إِلَى صَاحب الرَّايَة بَين يَدَيْهِ فَتقدم ابْن الزبير إِلَيْهِم عَنهُ وكشفه وَرجع فصلى رَكْعَتَيْنِ عِنْد الْمقَام وحملوا على صَاحب الرَّايَة فَقَتَلُوهُ عِنْد بَاب بني شيبَة وَأخذُوا الرَّايَة ثمَّ قَاتلهم وَابْن مُطِيع مَعَه حَتَّى قتل وَيُقَال أَصَابَته جِرَاحَة فَمَاتَ مِنْهَا بعد أَيَّام وَيُقَال إِنَّه قَالَ لأَصْحَابه يَوْم قتل يَا آَل الزبير لَو طبتم لي نفسا عَن أَنفسكُم كُنَّا أهل الْبَيْت فِي الْعَرَب اصطلمنا فِي الله فَلَا يرعكم وَقع السيوف فَإِن ألم الدَّوَاء فِي الْجراح أَشد من وقعها صونوا سُيُوفكُمْ عَمَّا تصونون وُجُوهكُم وغضوا أبصاركم عَن البارقة وليشغل كل امْرِئ قرنه وَلَا تسألوا عني وَمن كَانَ عني سَائِلًا فَإِنِّي فِي الرعيل الأول ثمَّ حمل حَتَّى بلغ الحَجُون فأصابته جِرَاحَة فِي وَجهه فأرعش لَهَا ودمى وَجهه ثمَّ قَاتل قتالا شديدَاً وَقتل فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَسبعين وَحمل رَأسه إِلَى الْحجَّاج فَسجدَ وكبَّر أهل الشَّام وَسَار الْحجَّاج وطارق حَتَّى وَقفا عَلَيْهِ وَبعث الْحجَّاج بِرَأْسِهِ وَرَأس عبد الله بن صَفْوَان وَرَأس عمَارَة بن عَمْرو بن حزم إِلَى عبد الْملك وصلب جثته منكسة على ثنية الْحجُون اليمني وَبعثت إِلَيْهِ أَسمَاء فِي دَفنه فَأبى وَكتب إِلَيْهِ عبد المملك يلومه على ذَلِك فخلى بَينهَا وَبَينه وَلما قتل عبد الله ركب أَخُوهُ عُرْوَة وَسبق رسل الْحجَّاج إِلَى عبد الْملك فَرَحَّبَ بِهِ وَأَجْلسهُ على سَرِيره وَجرى ذكر عبد الله فَقَالَ عُرْوَة إِنَّه كَانَ فَقَالَ عبد الْملك وَمَا فعل قَالَ قتل فَخر سَاجِدا ثمَّ أخبرهُ عُرْوَة أَن الْحجَّاج صلبه واستوهَبَ جثته لأمه فَقَالَ نعم وَكتب إِلَى الْحجَّاج يُنكر عَلَيْهِ صلبه فَبعث بجثته إِلَى أمه وَصلى عَلَيْهِ عُرْوَة وَدَفنه وَمَاتَتْ أمه بعده بِخَمْسَة أَيَّام وَلما فرغ الْحجَّاج من ابْن الزبير دخل إِلَى مَكَّة فَبَايعهُ أَهلهَا لعبد الْملك أَمر

стр. 1315

بكنس الْمَسْجِد من الْحِجَارَة وَالدَّم وَسَار إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَت فِي عمله فَأَقَامَ بهَا شَهْرَيْن وَأرْسل إِلَى الْحسن بن الْحسن فَقَالَ هَات سيف رَسُول الله وَدِرْعه فَقَالَ لَا أفعل قَالَ فجَاء الْحجَّاج بِالسَّوْطِ والعصا وَالسيف وَقَالَ وَالله لأضربنك بهَا حَتَّى تبرد أَو فأتني بهما فَقَالَ النَّاس يَا أَبَا مُحَمَّد لَا تتعرض لهَذَا الْجَبَّار فجَاء الْحسن بِسيف رَسُول الله وَدِرْعه فوضعهما بَين يَدَيْهِ فَأرْسل الْحجَّاج إِلَى رجل من آل أبي رَافع فَقَالَ لَهُ هَل تعرف سيف رَسُول الله قَالَ نعم فخلطه بأسياف ثمَّ قَالَ لَهُ أخرجه فَأخْرجهُ ثمَّ جَاءَ بالدرع فَنظر إِلَيْهَا فَقَالَ هُنَاكَ عَلامَة كَانَت على الْفضل ابْن عَبَّاس يَوْم اليرموك فطعن بِحَرْبَة فخرقت الدرْع فرفعوها فوجدوا الدرْع كَمَا قَالَ فَقَالَ الْحجَّاج لِلْحسنِ أَنا وَالله لَو لم تجئني بِهِ وَجئْت بِغَيْرِهِ لضَرَبْت بِهِ رَأسك وأساء إِلَى أَهلهَا وَقَالَ أَنْتُم قتلة عُثْمَان وَختم أَيدي جمَاعَة من الصَّحَابَة بالرصاص اسْتِخْفَافًا بهم كَمَا يفعل بِأَهْل الذِّمَّة مِنْهُم جَابر بن عبد الله وَأنس بن مَالك وَسَهل بن سعد ونقلت عَنهُ فِي ذمّ الْمَدِينَة أَقْوَال قبيحة أمره فِيهَا إِلَى الله تَعَالَى وَقيل إِن ولَايَة الْحجَّاج وَمَا فعل فِيهَا كَانَت سنة أَربع وَسبعين وَإِن عبد الْملك عزل عَنْهَا طَارِقًا وَاسْتَعْملهُ ثمَّ هدم الْحجَّاج بِنَاء الْكَعْبَة الَّذِي بناه ابْن الزبير وَأخرج الْحجر مِنْهُ وَأَعَادَهُ إِلَى الْبناء الَّذِي أقره عَلَيْهِ النَّبِي وَهُوَ بِنَاء قِرْش وَلم يصدق ابْن الزبير فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ عَن عَائِشَة فَلَمَّا صَحَّ ذَلِك عِنْد عبد الْملك قَالَ وددت أَنِّي تركته وَمَا عمل (ولَايَة الْمُهلب حَرْب الْأزَارِقَة) وَلما عزل عبد الْملك خَالِد بن عبد الله عَن الْبَصْرَة وَاسْتعْمل مَكَانَهُ أَخَاهُ بشر بن مَرْوَان وَجمع لَهُ المصرين أمره أَن يبْعَث الْمُهلب إِلَى حَرْب الْأزَارِقَة فِيمَن ينتخبه من أهل الْبَصْرَة ويتركه ورأيه فِي الْحَرْب وَأَن يبْعَث من أهل الْكُوفَة رجلا شريفاً

стр. 1316

مَعْرُوفا بالبأس والنجدة والتجربة فِي جَيش كثيف إِلَى الْمُهلب فيتتبعوا الْخَوَارِج حَتَّى يهلكوهم فَأرْسل الْمُهلب جديع بن سعيد بن قبيصَة ينتخب النَّاس من الدِّيوَان وشق على بشر أَن إمرة الْمُهلب جَاءَت من عبد الْملك فقصر بِهِ ودعا عبد الرَّحْمَن بن مخنف فَأعلمهُ بِمَنْزِلَتِهِ عِنْده وَقَالَ إِنِّي أوليك جَيش الْكُوفَة لِحَرْب الْأزَارِقَة وكُن عِنْد حسن ظَنِّي بك ثمَّ أَخذ يغريه بالمهلَب وَألا يقبل رَأْيه وَلَا مشورته فأظهر لَهُ الْوِفَاق وَسَار إِلَى الْمُهلب فنزلوا رام هُرْمُز وَلَقي بهَا الْخَوَارِج فَخَنْدَق عَلَيْهِ على ميل من الْمُهلب حَيْثُ يتَرَاءَى العسكران ثمَّ أَتَاهُم نعي بشر بن مَرْوَان لعشر لَيَال من مقدمهم وَأَنه اسْتخْلف على الْبَصْرَة خَالِد بن عبيد الله ابْن خَالِد وافترق نَاس من أهل المصرين إِلَى بلدهم ونزلوا أهواز وَكتب إِلَيْهِم خَالِد بن عبيد الله يتهددهم ويحذرهم عُقُوبَة عبد الْملك إِن لم يرجِعوا إِلَى الْمُهلب فَلم يلتفتوا إِلَيْهِ ومضوا إِلَى الْكُوفَة وَاسْتَأْذَنُوا عَمْرو بن حُرَيْث فِي الدُّخُول فَلم يَأْذَن لَهُم دخلُوا وأضربوا عَن إِذْنه (ولَايَة الْحجَّاج على الْعرَاق) وَقيل فِي سَبَب ولَايَته إِنَّه وَفد على عبد الْملك وَمَعَهُ إِبْرَاهِيم بن طَلْحَة بن عبيد الله التَّيْمِيّ وَكَانَ من رجال قُرَيْش علما وَعَملا وزاهدا ودينَاً وَكَانَ الْحجَّاج مسخراً لَهُ لَا يتْرك من إجلاله شَيْئا فَلَمَّا قدما على عبد الْملك أذن للحجاج بِالدُّخُولِ فَلَمَّا دخل سلم وَلم يبْدَأ بِشَيْء إِلَّا أَن قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قدمت عَلَيْك بِرَجُل من أهل الْحجاز لَيْسَ لَهُ نَظِير فِي كَمَال الْمُرُوءَة والديانة وَحسن الْمَذْهَب وَالطَّاعَة مَعَ الْقَرَابَة وَوُجُوب الْحق فَقَالَ عبد الْملك وَمن هُوَ قَالَ إِبْرَاهِيم ابْن طَلْحَة التَّيْمِيّ فَلْيفْعَل أَمِير الْمُؤمنِينَ بِهِ مَا يفعل بأمثاله فَقَالَ عبد الْملك أذكرتنا حَقًا واجبَاً ورحمَاً قريبَة ثمَّ أذن لَهُ فَلَمَّا دخل قربه وَأَدْنَاهُ وَقَالَ لَهُ إِن أَبَا مُحَمَّد ذكرنَا

стр. 1317

مَا لم نَزَل نعرفك بِهِ من الْفضل وَحسن الْمَذْهَب فَلَا تدعن حَاجَة إِلَّا ذكرتها فَقَالَ إِبْرَاهِيم إِن أولى الْأُمُور أَن تفتتح بِهِ الْحَوَائِج مَا كَانَ فِيهِ لله رضَا وَلحق رَسُوله أَدَاء ولجماعة الْمُسلمين نصيحة قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ لَا يُمكن القَوْل إِلَّا وَأَنا خالٍ فأخلني قَالَ أَو دون أبي مُحَمَّد قَالَ نعم فَأَشَارَ عبد الْملك إِلَى الْحجَّاج فَخرج فَقَالَ إِبْرَاهِيم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك عهِدت إِلَى الْحجَّاج مَعَ تغطرسه وتعجرفه وَبعده عَن الْحق وركونه إِلَى الْبَاطِل فوليته الْحَرَمَيْنِ وَبِهِمَا من أَوْلَاد الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار من قد علمت يسومهم الْخَسْف ويقودهم بالعنف ويطؤهم بطغام أهل الشَّام ورعاع لَا روية لَهُم فِي إِقَامَة حق وَلَا فِي إِزَالَة بَاطِل ثمَّ تظن أَن ذَلِك ينجك من عَذَاب الله فَكيف بك إِذا جاثاك مُحَمَّد لللخصومة ة بَين يَدي الله تَعَالَى وَأما وَالله إِنَّك لن تنجو هُنَالك إِلَّا بِحجَّة تضمنُ لَك النجَاة فَاتق لنَفسك أَو دع وَكَانَ عبد الْملك متكئَاً فَاسْتَوَى وَقَالَ كذبتَ ومِنتَ فِيمَا جئتَ بِهِ وَلَقَد ظَن بك الحجاجُ ظنا لم يجده فِيك فَأَنت المائن الْحَاسِد قَالَ فَقَامَ إِبْرَاهِيم وَهُوَ لَا يبصر شَيْئا فَلَمَّا جَاوز السّتْر لحقه لَاحق وَقَالَ للحاجب امْنَعْ هَذَا من الْخُرُوج وائذن للحجاج فَدخل فَلبث مَلِيًّا قَالَ إِبْرَاهِيم وَلَا أَشك أَنَّهُمَا فِي أَمْرِي ثمَّ خرج الْإِذْن لي فَدخلت فَلَمَّا كشف السّتْر إِذْ أَنا بالحجاج خَارج فاعتنقني وَقبل بَين عَيْني وَقَالَ إِذا جزى الله المتواخيين لفضل تواصلهما فجزاك الله عني أفضل الْجَزَاء وَالله لَئِن بقيت لأرفعن ناظريك ولأتبعن الرِّجَال غُبَار قَدَمَيْك قَالَ قَالَ إِبْرَاهِيم فَقلت فِي نَفسِي إِنَّه ليسخر مني فَلَمَّا وصلت إِلَى عبد الْملك أدنى مجلسي كَمَا فعل أولَا ثمَّ قَالَ يَا بن طَلْحَة هَل أعلمت الْحجَّاج بِمَا جرى أَو شاركَكَ أحد فِي نصيحتك قلت لَا وَالله لَا أعلم أحدا أظهر يَداً من الْحجَّاج وَلَو كنت محابياً أحدَاً بديني لَكَانَ هُوَ وَلَكِنِّي آثرت الله وَرَسُوله وَالْمُسْلِمين فَقَالَ عبد الْملك قد علمت صدق مَقَالَتك وَلَو آثرتَ الدُّنْيَا لَكَانَ لَك فِي الْحجَّاج أَمَلٌ وَقد عزلتُهُ عَن الْحَرَمَيْنِ لما كرهتَ من ولَايَته عَلَيْهِمَا وأخبرته أَنَّك أَنْت الَّذِي استنزلتني لَهُ عَنْهُمَا استصغاراً للولاية ووليته الْعرَاق لما هُنَالك من الْأُمُور الَّتِي لَا يدحضها إِلَّا مثله وَإِنَّمَا قلت ذَلِك ليؤدي مَا يلْزمه من ذِمَامك

стр. 1318

فَاخْرُج مَعَه فَإنَّك غير ذام صحبته مَعَ يدك عِنْده قَالَ إِبْرَاهِيم فَخرجت مَعَ الْحجَّاج فأكرمني أَضْعَاف إكرامه الأول وَاسْتدلَّ النَّاس بذلك على مَكَارِم عبد الْملك وأخلاقه واعترافه بِالْحَقِّ وتيقظه فِي الْأُمُور ودهائه ثمَّ ولى عبد الْملك الْحجَّاج بن يُوسُف على الْكُوفَة وَالْبَصْرَة سنة خمس وَسبعين وَأرْسل إِلَيْهِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ يَأْمُرهُ بالمسيرة إِلَى الْعرَاق فَسَار على النجب فِي اثْنَي عشر رَاكِبًا حَتَّى قدم الْكُوفَة فِي شهر رَمَضَان وَقد كَانَ بشر بعث الْمُهلب إِلَى الْخَوَارِج فَدخل الْمَسْجِد وَصعد الْمِنْبَر وَقَالَ عَليّ بِالنَّاسِ وظنوه من بعض الْخَوَارِج فَهموا بِهِ حَتَّى تنَاول عُمَيْر بن ضابئ البرجمي الْحَصْبَاء وَأَرَادَ أَن يحصبه فَلَمَّا تكلم جعلت الْحَصْبَاء تسْقط من يَده وَهُوَ لَا يشْعر بهَا ثمَّ حضر النَّاس وخطب خطْبَة عَظِيمَة أحسنُ من أوردهَا الْمبرد فِي الْكَامِل تهدد فِيهَا أهل الْكُوفَة وتوعدهم على التَّخَلُّف عَن الْمُهلب ثمَّ نزل قلت هَذَا مَا أوردهُ الْمبرد فِي كَامِله فَقَالَ وَفِي سنة خمس وَسبعين حج بِالنَّاسِ عبد الْملك بن مَرْوَان وخطب على مِنْبَر رَسُول الله وسير على إمرة الْعرَاق الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ فَسَار من الْمَدِينَة إِلَى الْكُوفَة فِي اثْنَي عشر رَاكِبًا بعد أَن وهب البشير بهَا ثَلَاثَة آلَاف دِينَار قَالَ الْوَلِيد بن مُسلم حَدثنِي عبيد الله بن يزِيد بن أبي مُسلم الثَّقَفِيّ عَن أَبِيه قَالَ كَانَ الْحجَّاج عَاملا لعبد الْملك على مَكَّة فَكتب إِلَيْهِ بِولَايَة الْعرَاق قَالَ فَخرجت مَعَه فِي نفر قليلين على النجائب فَلَمَّا كُنَّا بِمَاء قريب من الْكُوفَة نزل فاختضب وتهيأَ وَذَلِكَ يَوْم جُمُعَة ثمَّ رَاح معتماً قد ألْقى عذبة الْعِمَامَة بَين كَتفيهِ متقلدَاً سَيْفه متنكباً قوسه حَتَّى نزل عِنْد دَار الْإِمَامَة عِنْد مَسْجِد الْكُوفَة وَقد أذن الْمُؤَذّن بِالْأَذَانِ الأول فَخرج عَلَيْهِم وهم لَا يعلمُونَ فجمَع بهم ثمَّ صعد الْمِنْبَر فَجَلَسَ عَلَيْهِ فَسكت وَقد اشرأبوا إِلَيْهِ وجثوا على الركب وتناولوا الْحَصْبَاء ليحصبوه بهَا وَقد كَانُوا حصبوا عَاملا قبله فَخرج عَلَيْهِم فَسكت سكتة أبهتتهم وأحبوا أَن يسمعوا كَلَامه فَكَانَ بَدْء كَلَامه أَن قَالَ يَا أهل الْعرَاق يَا أهل الشقاق يَا أهل النِّفَاق وَالله إِن كَانَ أَمركُم ليهمني قبل

стр. 1319

أَن آتِي إِلَيْكُم وَلَقَد كنت أَدْعُو الله أَن يبتليكم بِي فَأجَاب دَعْوَتِي أَلا إِنِّي قد أسريت البارحة فَسقط مني سَوْطِي فاتخذت هَذَا مَكَانَهُ وَأَشَارَ إِلَى سَيْفه فوَاللَّه لأجرنه فِيكُم جر الْمَرْأَة ذيلها وَلَأَفْعَلَن وأفعلن قَالَ يزِيد فرأيتُ الْحَصْبَاء تتساقَطُ من أَيْديهم وَقَالَ قومُوا إِلَى بيعتكم فَقَامَتْ الْقَبَائِل قَبيلَة قَبيلَة تبَايع فَيَقُول من فَتَقول بَنو فلَان حَتَّى جَاءَت قَبيلَة فَقَالَ من قَالُوا النخع قَالَ مِنْكُم كَميل بن زِيَاد قَالُوا نعم قَالَ فَمَا فعل قَالُوا أَيهَا الْأَمِير شيخ كَبِير قَالَ لَا بيعَة لكم عِنْدِي وَلَا تقربون حَتَّى تَأْتُونِي بِهِ قَالَ فَأتوهُ بِهِ منعوشاً فِي سَرِيره حَتَّى وضعوه إِلَى جَانب الْمِنْبَر فَقَالَ الْحجَّاج لم يبْق مِمَّن دخل على عُثْمَان الدَّار غير هَذَا فَدَعَا بنطع وَضربت عُنُقه وَقَالَ أَبُو بكر الْهُذلِيّ حَدثنِي من شهد الْحجَّاج حِين قدم الْعرَاق فَبَدَأَ بِالْكُوفَةِ فَنُوديَ الصَّلَاة جَامِعَة فَأقبل النَّاس إِلَى الْمَسْجِد وَالْحجاج مُتَقَلِّدًا قوساً عَرَبِيَّة وَعَلِيهِ عِمَامَة خَز حَمْرَاء متلثمَاً فَقعدَ وَعرض الْقوس بَين يَدَيْهِ ثمَّ لم يتَكَلَّم حَتَّى امْتَلَأَ الْمَسْجِد قَالَ مُحَمَّد بن عُمَيْر فَسكت حَتَّى ظَنَنْت أَنه إِنَّمَا يمنعهُ العِي وَأخذت فِي يَدي كَفاً من حَصْبَاء أردْت أَن أضْرب بهَا وَجهه فَقَامَ فَوضع النقاب وتقلد قوسه وَقَالَ من // (الوافر) // (أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاُعُ التنايا ... مَتَى أَضَعِ العمامَةَ تَعْرِفُوني) إِنِّي لأرى رُءُوسًا قد أينعَتْ وحان قطافها كَأَنِّي أنظر إِلَى الدما بَين العمائم واللحى من // (الرجز) // (لَيْسَ بعشك فادرجي ... ) (قَدْ شَمَّرَتْ عَن سَاقهَا فَشَمِّرِي ... ) (هَذَا أَوَانُ الحَرْبِ فاشتدِّى زِيَمْ ... قد لَفَّهَا الليلُ بسَوَّاق حُطَمْ) (لَيْسَ برَاعِي إِبِل وَلَا غَنَمْ ... وَلَا بجَزَّارٍ على ظَهْر وَضَمْ) (قَدْ لَفَّهَا الليلُ بعَصْلَبِئِّ ... مهاجِر لَيْسَ بأعرابيِّ) إِنِّي وَالله مَا أغمز غمز التِّين وَلَا يقعقع لي بالشنان وَقد فُررت عَن ذكاء وفتشت عَن تجربة وحذيت من الغابة وَإِنَّكُمْ يَا أهل الْعرَاق طالما أوضعتم فِي

стр. 1320

الضَّلَالَة وسلكتم سبل الغواية أما وَالله لألحينكم لحى الْعود ولأعصبنكم عصب السلمة ولأقرعنكم قرع الْمَرْوَة ولأضربنكم ضرب غرائب الْإِبِل يَا عبيد الْعَصَا أَنا الْغُلَام الثَّقَفِيّ لَا أعد إِلَّا وفيت وَلَا أَحْلف إِلَّا فريت إِنَّمَا مثلكُمْ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَضرب الله مثل قَرية كَانتَ آمِنَةَ مطمئنة يَأتِيهَا رِزقُهَا رَغَداً مِن كل مَكَان فكفَرَت بأَنعُمِ اللَهِ فَأَذاقَهَا اَللَهُ لِباسَ اَلجُوعَ وَاَلخَوفِ بِمَا كَانوا يَصنَعُونَ﴾ النَّحْل ١١٢ شَاهَت الْوُجُوه فَإِنَّكُم أشباه ذَلِك فاستوثقوا واستقيموا أقسم بِاللَّه لتدعن الإرجاف ولتقبلن على الْإِنْصَاف ولتنزعنَّ عَن القيل والقال وَكَانَ وَكَانَ والهبر وَمَا الهبر أَو لأهبرنكم بِالسَّيْفِ يدع النِّسَاء أيامَى والولدانَ يتامَى أَلا إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ نثل كِنَانَته بَين يَدَيْهِ فعجم عيدانها فوجدني أمرهَا عوداً وأصلبها مكسرَاً فوجهني إِلَيْكُم فاستقيموا وَلَا يميلن مِنْكُم مائل وَاعْلَمُوا أَنِّي إِذا قلت قولا وفيت بِهِ من كَانَ مِنْكُم من بعث الْمُهلب فليلحق بِهِ فَإِنِّي لَا أجد أحدا بعد ثَالِثَة إِلَّا ضربت عُنُقه وإياي وَهَذِه الزرافات فَإِنِّي لَا أجد أحدا يسير فِي زرافة إِلَّا سفكت دَمه واستحللت مَاله ثمَّ نزل هَذَا مَا رَوَاهُ الْمبرد وَزَاد الذَّهَبِيّ بِإِسْنَاد عَن الثَّوْريّ قُم يَا غلامُ فاقرأ عَلَيْهِم كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ ففقرأ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من عبد الله عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى من فِي الْكُوفَة سَلام عَلَيْكُم فَسَكَتُوا فَقَالَ الْحجَّاج اكفف يَا غُلَام ثمَّ أقبل عَلَيْهِم فَقَالَ يسلم عَلَيْكُم أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَا تردون عَلَيْهِ شَيْئا هَذَا أدب ابْن نهية أما وَالله لأؤدبنكم غير هَذَا الْأَدَب أَو لتستقيمن اقْرَأ يَا غُلَام فَقَرَأَ قَوْله السَّلَام عَلَيْكُم فَلم يبْق فِي الْمَسْجِد أحد إِلَّا قَالَ وعَلى أَمِير الْمُؤمنِينَ أفضل السَّلَام قلت العصلبيُ الشَّديد من الرِّجَال والسواق الحطم العنيف فِي سوقه

стр. 1321

الْوَضم كل مَا وقى بِهِ اللَّحْم من الأَرْض عجمت الْعود ذَا عضضته بنابك لتعرف أَصْلَب هُوَ أم رخو الزرافات الْجَمَاعَات وَحضر النَّاس عِنْده للعطاء واللحاق بالمهلب فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَيْر بن ضابئ وَقَالَ أَنا شيخ كَبِير عليل وَابْني هَذَا أَشد مني فَقَالَ هَذَا خير لنا مِنْك ثمَّ قَالَ وَمن أَنْت قَالَ عُمَيْر بن ضابئ قَالَ الَّذِي دخل على عُثْمَان فِي دَاره وداس على ظَهره فَكسر ضلعين من أضلاعه قيل نعم فَقَالَ يَا عَدو الله أَفلا بعثت إِلَى عُثْمَان بَدَلا قَالَ إِنَّه حبس أبي وَكَانَ شَيخا كَبِيرا فَقَالَ إِنِّي لأحسب فِي قَتلك صَلَاح المصرين وَأمر بِهِ فَقتل وانتهب مَاله وَقيل إِن عتبَة بن سعيد بن الْعَاصِ هُوَ الَّذِي أغرى بِهِ الْحجَّاج حِين دخل عَلَيْهِ ثمَّ أَمر الْحجَّاج مناديه فَنَادَى أَلا إِن ضابئاً تخلف بعد ثَالِثَة من النداء فَأمر بقتْله ودمة الله بريئة مِمَّن بَات اللَّيْلَة عَن جند الْمُهلب فَتسَارع النَّاس إِلَى الْمُهلب وَهُوَ برامهرمز وجاءه العرفاء فَأخذُوا كتبه بموافاة الْعَسْكَر وَقد كَانَ من أَخذ الْحَصْبَاء بِيَدِهِ يُرِيد أَن يحصب بهَا الْحجَّاج تساقط من يَده خوفًا ورعباً فثبتت مهابته فِي قُلُوبهم وتحكم حِينَئِذٍ فِي رقابهم وَكَانَ الْقَاسِم بن سَلام يَقُول قَاتل الله أهل الْعرَاق أَيْن قبائلهم وعشائرهم وَأهل الأنفة وَأَيْنَ تجبرهم قتلوا عليا وطعنوا الْحسن وقاتلوا الْمُخْتَار وعجزوا عَن قتل هَذَا الملعون الدميم الصُّورَة وَقد جَاءَهُم فِي اثْنَي عشر رَاكِبًا وهم فِي مائَة ألف وَلَكِن ظهر بِهِ تَصْدِيق قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب فِي قَوْله اللَّهُمَّ سلط عَلَيْهِم الْغُلَام الثَّقَفِيّ ثمَّ بعث الْحجَّاج إِلَى الْبَصْرَة الحكم بن أَيُّوب الثَّقَفِيّ وَأمره أَن يشْتَد على خَالِد ابْن عبد الله وبلغه الْخَبَر فقسم فِي أهل الْبَصْرَة ألف ألف وَخرج عَنْهَا وَيُقَال إِن الْحجَّاج أول من عاقب على التَّخَلُّف عَن الْبعُوث بِالْقَتْلِ قَالَ الشّعبِيّ كَانَ الرجل إِذا أخل بِوَجْهِهِ الَّذِي يكْتب إِلَيْهِ زمن عمر وَعُثْمَان وَعلي تنْزع عمَامَته ويقام بَين النَّاس فَلَمَّا ولى مُصعب أضَاف إِلَيْهِ حلق الرُّءُوس واللحي فَلَمَّا ولي بشر أضَاف إِلَيْهِ تَعْلِيق الرجل بمسمارين فِي يَده فِي حَائِط فيخرق المسمار يَده وَرُبمَا مَاتَ فَلَمَّا جَاءَ الْحجَّاج ترك ذَلِك كُله وَجعل عُقُوبَة من يخل بمكانه

стр. 1322

من الثغر أَو الْبَعْث الْقَتْل ثمَّ ولى الْحجَّاج على السَّنَد سعيد بن أسلم بن زرْعَة خرج عَلَيْهِ مُعَاوِيَة بن الْحَارِث العلافي وَأَخُوهُ فغلباه على الْبِلَاد وقتلاه فَأرْسل الْحجَّاج مجاعَة بن سعيد التَّمِيمِي مَكَانَهُ فغلب على الثغر وغزا وَفتح فتوحات وَمَات بمكران لسنة من ولَايَته (وثوب أهل الْبَصْرَة عل الْحجَّاج) ثمَّ خرج الْحجَّاج من الْكُوفَة واستخلف عَلَيْهَا عُرْوَة بن الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَسَار إِلَى الْبَصْرَة وقدمها وخطب كَمَا خطب بِالْكُوفَةِ وتوعد على الْقعُود عَن الْمُهلب كَمَا توعَد فَأَتَاهُ شريك بن عمر الْيَشْكُرِي وَكَانَ بِهِ فتق فَاعْتَذر بِهِ وَبِأَن بشر بن مَرْوَان قبل عذره بذلك وأحضر عطاءه يرد إِلَى بَيت المَال فَضرب الْحجَّاج عُنُقه وتتابع النَّاس متوجهين إِلَى الْمُهلب ثمَّ سَار حَتَّى كَانَ بَينه وَبَين الْمُهلب ثَمَانِيَة عشر فرسخَاً فَقَامَ ليَشُد ظَهره وَقَالَ يَا أهل المصرين هَذَا وَالله مَكَانكُمْ حَتَّى يهْلك الله الْخَوَارِج ثمَّ قطع لَهُم الزِّيَادَة الَّتِي زَادهَا مُصعب فِي الأعطية وَكَانَت مائَة مائَة وَقَالَ لسنا نجيزها فَقَالَ عبد الله بن الْجَارُود إِنَّمَا هِيَ زِيَادَة عبد الْملك وَقد أجازها أَخُوهُ بشر بأَمْره فانتهزه الْحجَّاج قَالَ لَهُ إِنِّي لَك نَاصح وَإنَّهُ قَول من ورائي فَمَكثَ الْحجَّاج أشهراً لَا يذكر الزِّيَادَة ثمَّ أعَاد القَوْل فِيهَا فَرد عَلَيْهِ ابْن الْجَارُود مثل الرَّد الأول فَقَالَ لَهُ مصقلة بن كرب الْعَبْدي سمعا وَطَاعَة للأمير فِيمَا أحببنا وكرهنا فَلَيْسَ لنا أَن نرد عَلَيْهِ فانتهره ابْن الْجَارُود وَشَتمه وَآتى الْوُجُوه إِلَى عبد الله بن الْجَارُود فصوبوا رَأْيه وَقَالَ لَهُ الْهُذيْل بن عمرَان البرجمي وَعبد الله ابْن حَكِيم بن زِيَاد الْمُجَاشِعِي وَغَيرهمَا إِن هَذَا الرجل مجمع على نقض هَذِه الزِّيَادَة فتعال نُبَايِعك على إِخْرَاجه من الْعرَاق ونكتب إِلَى عبد الْملك أَن يولي علينا غَيره وَإِلَّا خلعناه وَهُوَ يخافنا مَا دَامَت الْخَوَارِج فَبَايعُوهُ سرَّاً وتعاهدوا وَبلغ الْحجَّاج أَمرهم فاحتاط وحذر ثمَّ خَرجُوا فِي ربيع سنة سِتّ وَسبعين وَركب عبد الله بن الْجَارُود فِي عبد الْقَيْس على راياتهم وَلم بق مَعَ الْحجَّاج إِلَّا خاصته وَأهل بَيته وَبعث الْحجَّاج يستدعيه فأفحش ف القَوْل لرَسُوله وَصرح بخلع الْحجَّاج فَقَالَ لَهُ الرَّسُول تهْلك قَوْمك وعشيرتك وأبلغه تهديد الْحجَّاج

стр. 1323

إِيَّاه فَأمر بِهِ فَضرب وَأخرج وَقَالَ لَوْلَا أَنَّك رَسُول لقتلتك ثمَّ زحف ابْن الْجَارُود فِي النَّاس حَتَّى غشي فسطاطه فنهب مَا فِيهِ من الْمَتَاع وَالظّهْر وَأخذُوا زَوْجَاته وَانْصَرفُوا عَنهُ وَكَانَ رَأْيهمْ أَن يخرجوه وَلَا يقتلوه وَقَالَ الغضبان بن القبعثري الشَّيْبَانِيّ لِابْنِ الْجَارُود لَا ترجع عَنهُ وحرضه على معاجلته فَقَالَ إِلَى الْغَدَاة وَكَانَ مَعَ الْحجَّاج عُثْمَان بن قطن وَزِيَاد بن عَمْرو العتكى صَاحب الشرطة بِالْبَصْرَةِ فاستشارهما فَأَشَارَ زِيَاد بِأَن يستأمن الْقَوْم وَيلْحق بأمير الْمُؤمنِينَ وَأَشَارَ عُثْمَان بالثبات وَلَو كَانَ دونه الْمَوْت وَلَا تخرج إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ من الْعرَاق بعد أَن رقاك إِلَى مَا رقاك وَفعلت مَا فعلت بِابْن الزبير فَقبل الْحجَّاج رأى عُثْمَان وحقد على زِيَاد فِي إِشَارَته وجاءه عَامر بن مسمع يَقُول قد أخذت لَك الْأمان من النَّاس فَجعل الْحجَّاج يغالطه رَافعا صَوته عَلَيْهِ ليسمع النَّاس وَيَقُول وَالله لَا أؤمنهم حَتَّى يأتوني بالهذيل بن عمرَان وَعبد الله بن حَكِيم ثمَّ أرسل إِلَى عبيد بن كَعْب النميري أَن ائْتِنِي فامنعني فَقَالَ إِن أتيتني منعتك فَأبى وَبعث إِلَى مُحَمَّد بن عُمَيْر بن عُطَارِد وَعبد الله بن حَكِيم بِمثل ذَلِك فَأَجَابُوهُ بِمثلِهِ ثمَّ إِن عباد بن الْحصين الحبطي مَر بِابْن الْجَارُود والهذيل وَعبد الله بن حَكِيم يتناجون فَطلب الدُّخُول مَعَهم فأَبوا فَغَضب وَسَار إِلَى الْحجَّاج وجاءه قُتَيْبَة بن مُسلم فِي بني أعصر للحمية القسية ثمَّ جَاءَهُ سُبْرَة بن عَليّ الْكلاب وَسَعِيد بن أسلم الْكلابِي وجعفر بن عبد الرَّحْمَن بن مخنف الْأَزْدِيّ فثابت إِلَيْهِ نَفسه وَعلم أَنه قد امْتنع وَأرْسل إِلَيْهِ مسمع بن مَالك بن مسمع إِن شِئْت أَتَيْتُك وَإِن شِئْت أَقمت وثبطت عَنْك فَأَجَابَهُ أَن أقِم فَلَمَّا أصبح إِذا حوله سِتَّة آلَاف وَقَالَ ابْن الْجَارُود لِعبيد الله بن زِيَاد بن ظبْيَان مَا الرَّأْي قَالَ تركته أمس وَلم يبْق إِلَّا الصَّبْر ثمَّ تزاحفوا وعبأ ابْن الْجَارُود وَأَصْحَابه على ميمنته الْهُذيْل وعَلى ميسرته ابْن ظبْيَان وتعبأَ الْحجَّاج على ميمنته قُتَيْبَة بن مُسلم وأو عباد بن الْحصين وعَلى مسرته سعيد بن أسلم وَحمل الْجَارُود حَتَّى أجَاز أَصْحَاب الْحجَّاج وَعطف الْحجَّاج عَلَيْهِ فَعَاد ابْن الْجَارُود بِظهْر ثمَّ أَصَابَهُ سهم غرب فَوَقع مَيتا ونادى مُنَادِي

стр. 1324

الْحجَّاج بأمانِ النَّاس إِلَّا الْهُذيْل وَابْن حَكِيم وَأمر أَلا تتبع المنهزمون وَلحق ابْن ظبْيَان بعمان فَمَاتَ هُنَالك وَبعث الْحجَّاج بِرَأْس الْجَارُود ورءوس ثمانة عشر من أَصْحَابه إِلَى الْمُهلب ونصبت ليراها الْخَوَارِج فيتأسوا من الْخلاف وَحبس الْحجَّاج عبيد بن كَعْب وَمُحَمّد بن عُمَيْر لامتناعهما من الْإِتْيَان إِلَيْهِ وَحبس ابْن القبعثري لتحريضه عَلَيْهِ فَأَطْلقهُ عبد الْملك وَكَانَ فِيمَن قتل مَعَ ابْن الْجَارُود عبد الله بن أنس بن مَالك فَقَالَ الْحجَّاج لَا أرى إنْسَانا يعين عَليّ وَدخل الْبَصْرَة فَأخذ مَاله وجاءه أنس فأساء عَلَيْهِ وأفحش فِي شَتمه فَكتب أنس إِلَى عبد الْملك يشكوه فَكتب عبد الْملك إِلَى الْحجَّاج يشتمه ويغلظ عَلَيْهِ فِي التهديد على مَا فعل بأنس وَأَن يَجِيء إِلَى منزله ويتنصل وَإِلَّا ويتمعَّر وجبينه يرشح عرقاً ثمَّ جَاءَ إِلَى أنس بن مَالك وَاعْتذر إِلَيْهِ وَفِي غُضُون هَذِه الْوَاقِعَة خرج الزنج بفرات الْبَصْرَة وَقد كَانُوا خَرجُوا قبل ذَلِك فِي أَيَّام مُصعب وَلم يَكُونُوا بالكثير وأفسدوا الثِّمَار والزروع ثمَّ جمع لَهُم خَالِد ابْن عبد الله وافترقوا قبل أَن ينَال مِنْهُم وَقتل بَعضهم وصلبهم فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْوَقْعَة قدمُوا عَلَيْهِم رجلَا مِنْهُم اسْمه رَبَاح ويلقب شير زنجي أَي أَسد الزنج وأفسدوا فَلَمَّا فرغ الْحجَّاج من ابْن الْجَارُود أَمر زِيَاد بن عَمْرو صَاحب الشرطة أَن يبْعَث إِلَيْهِم من يقاتلهم فَبعث إِلَيْهِم ابْنه حفصَاً فِي جَيش فَقَتَلُوهُ وَانْهَزَمَ أَصْحَابه فَبعث جيشَاً فَهزمَ الزنج وأبادهم (مقتل ابْن مخنف وَحرب الْخَوَارِج) كَانَ الْمُهلب وَعبد الرَّحْمَن بن مخنف واقفَينِ للخوارج برامهرمز فَلَمَّا أمدهم الْحجَّاج بالعساكر من الْكُوفَة وَالْبَصْرَة تَأَخّر الْخَوَارِج من رامهرمز إِلَى كازرون واتبعهم الْعَسْكَر حَتَّى نزلُوا بهم وَخَنْدَق الْمُهلب على نَفسه وَقَالَ ابْن مخنف وَأَصْحَابه خندقنا سوفنا فبيتهم الْخَوَارِج وَأَصَابُوا الْغرَّة فِي ابْن مخنف فقاتل

стр. 1325

وَأَصْحَابه حَتَّى قتلوا هَكَذَا حَدِيث أهل الْبَصْرَة وَأما أهل الْكُوفَة فَذكرُوا أَنهم لما نهضوا إِلَى الْخَوَارِج اشْتَدَّ الْقِتَال بَينهم وَمَال الْخَوَارِج على الْمُهلب واضطروه لى مُعَسْكَره وأمده عبد الرَّحْمَن بِالْخَيْلِ وَالرِّجَال وَلما رأى الْخَوَارِج مدده تركُوا من شغل الْمُهلب وقصدوا عبد الرَّحْمَن فقاتلوه وانكشف عَنهُ النَّاس وصبر فِي سبعين من قومه فَقَاتلُوا إليآخر اللَّيْل وَقتلُوا عَن آخِرهم وَبعث الْحجَّاج على عَسْكَر ابْن مخنف من أهل الْكُوفَة عتاب بن وَرْقَاء وَأمره أَن يسمع للمهلب فثقل ذَلِك عَلَيْهِ فَلم تحسن بَينهمَا الْعشْرَة وَكَانَ رترادان فِي الْكَلَام وَرُبمَا أغْلظ لَهُ الْمُهلب وَأرْسل عتاب إِلَى الْحجَّاج يسْأَله الْعود وَكَانَ خرق الْخَوَارِج وشبيب وَقد اتَّسع عَلَيْهِ فصادف مِنْهُ ذَلِك موقعَاً واستقدمه وَأمره أَن يتْرك الْعَسْكَر مَعَ الْمُهلب فولى عَلَيْهِم الْمُهلب ابْنه حبيباً وَأقَام يقاتلهم بنيسابور نَحوا من سنة وتحركت الْخَوَارِج على الْحجَّاج من سنة سِتّ وَسبعين إِلَى سنة ثَمَان وشغل بِحَرْبِهِمْ وَأول من خرج مِنْهُم صَالح بن مسرح من بني تَمِيم بعث إِلَيْهِ العساكر فَقتل فَوَلوا عَلَيْهِم شبيبا وَبعث وَأتبعهُ كثير من بني شَيبَان إِلَيْهِم الحجاجُ العساكر مَعَ الْحَارِث بن عميرَة ثمَّ مَعَ سُفْيَان الْخَثْعَمِي ثمَّ الْحِرْز بن سعيد فهزموهم وَأَقْبل شبيب إِلَى الْكُوفَة فجار بِهِ الْحجَّاج وَامْتنع عَلَيْهِ ثمَّ سرح عَلَيْهِ العساكر وَبعث فِي أَثَرهم عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث فهزموهم ثمَّ بعث عتاب بن وَرْقَاء وَقتل مِنْهُم جمَاعَة كَمَا نذْكر ذَلِك كُله ي أخبارهم وف سنة سِتّ وَسبعين خرج صَالح بن مسرح التَّمِيمِي وَكَانَ صَالحا ناسكاً مخبتاً وَكَانَ بدارا والموصل وَله أَصْحَاب يُقْرِئهُمْ ويفقههم ويقص عَلَيْهِم وَلكنه يحط على الخليفتين عُثْمَان وَعلي كدأب الْخَوَارِج ويتبرأ مِنْهُمَا وَيَقُول تيسروا رحمكم الله لجهاد هَذِه الْأَحْزَاب المتحزبة وللخروج من دَار الفناء إِلَى دَار الْبَقَاء وَلَا تجزعوا من الْقَتْل فِي الله فَإِن الْقَتْل أيسر من الْمَوْت وَالْمَوْت نَازل بكم لم يلبث أَن أَتَاهُ كتاب شبيب بن يزِيد من الْكُوفَة فِيهِ أما بعد فَإنَّك شيخ

стр. 1326

الْمُسلمين وَلنْ نعدل بك أحدا وَقد دعوتني فاستجبت لَك وَإِن أردْت تَأْخِير ذَلِك أعلمني فَإِن الْآجَال غادية ورائحة وَلَا آمن أَن تختر مني الْمنية وَلم أجاهد الظَّالِمين فيا لَهُ غبناً وَيَا لَهُ فضلا متروكاً جعلنَا الله وَإِيَّاك مِمَّن يُرِيد بِعَمَلِهِ الله ورضوانه فَرد عَلَيْهِ صَالح الْجَواب يحضه على الْمَجِيء فَجمع شبيب قومه وَقدم على صَالح وَهُوَ بدارا فتصمدوا مائَة وَعشرَة أنفس ثمَّ وَثبُوا على خيل لمُحَمد بن مَرْوَان فَأَخَذُوهَا وقويت شوكتهم وأخافوا الْمُسلمين فندب مُحَمَّد إِلَى قِتَالهمْ عدي بن عدي بن عميرَة الْكِنْدِيّ فَقَاتلهُمْ فَهزمَ عدي فندب لقتالهم خَالِد بن جُزْء السّلمِيّ والْحَارث العامري واقتتلوا أَشد الْقِتَال وانجاب صَالح إِلَى الْعرَاق فَوجه الْحجَّاج عسكراً عَلَيْهِم سُورَة بن الْحر فَاقْتَتلُوا ثمَّ مَاتَ صَالح مثخنَاً بِهِ الْجراح فِي جُمَادَى الآخرى من السّنة الْمَذْكُورَة وعهد إِلَى شبيب بن يزِيد فَالتقى شبيب هُوَ وَسورَة فَانْهَزَمَ سُورَة بعد قتال شَدِيد ثمَّ سَار شبيب فلقي سعيد بن عَمْرو الْكِنْدِيّ فَاقْتَتلُوا ثمَّ انْصَرف شبيب فهجم الْكُوفَة وَقتل بهَا أَبَا سليم مولى عَنْبَسَة بن أبي سُفْيَان وَالِد اللَّيْث بن سليم وَغَيره من الْمَشَاهِير ثمَّ خرج عَنْهَا فَوجه الْحجَّاج لحربه زَائِدَة بن قدامَة الثَّقَفِيّ ابْن عَم الْمُخْتَار فِي جَيش كثير فَالْتَقوا أَسْفَل الْفُرَات فَهَزَمَهُمْ شبيب وَقتل زَائِدَة فَوجه الْحجَّاج لحربه عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث فَلم يقاتلهم وَكَانَ مَعَ شبيب امْرَأَته غزالة وَكَانَت مَعْرُوفَة بالشجاعة وَدخلت مَسْجِد الْكُوفَة تِلْكَ الْمَرْأَة وقرأت وردهَا فِي الْمَسْجِد وَكَانَت نذرت أَن تصعد الْمِنْبَر فصعدته ثمَّ حَار الْحجَّاج فِي أمره مَعَ شبيب فَوجه لقتاله عُثْمَان بن قطن الْحَارِثِيّ فَالْتَقوا فِي آخر الْعَام الْمَذْكُور فَقتل عُثْمَان وَانْهَزَمَ جمعه بعد أَن قتل مِنْهُم سِتّمائَة نفر واستفحل أَمر شبيب بن يزِيد فَنزل الْمَدَائِن فندب الْحجَّاج لقتاله أهل الْكُوفَة كلهم وَعَلَيْهِم زهرَة بن حوية السَّعْدِيّ شيخ كَبِير قد بَاشر الحروب وَبعث إِلَى زهرَة عِبد الْملك من الشَّام سُفْيَان بن الْأَبْرَد وحبيباً الْحكمِي مدَدا بِسِتَّة آلَاف

стр. 1327

وَاجْتمعَ جَمِيع الْجَيْش خمسين ألفا وَعرض شَبَّبَ بن يزِيد جُنُوده بِالْمَدَائِنِ فَكَانُوا ألف رجل فَقَالَ يَا قوم إِن الله كَانَ ينصركم وَأَنْتُم مائَة أَو مِائَتَان فَأنْتم الْيَوْم مئون ثمَّ ركب فَأخذُوا يتخلفون عَنهُ ويتأخرون فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ لم يثبت مَعَه إِلَّا سِتّمائَة فَحمل شبيب فِي مِائَتَيْنِ على مسيرَة النَّاس فَانْهَزَمُوا وَاشْتَدَّ الْقِتَال وعتاب بن وَرْقَاء جَالس هُوَ وزهرة بن حوية على طنفسة فِي الْقلب فَقَالَ عتاب هَذَا يَوْم كثر فِيهِ الْعدَد وَقل فِيهِ الْغناء يَعْنِي النَّفْع والهفي على خَمْسمِائَة من رجال تَمِيم وتفرق عَن عتاب عَامَّة الْجَيْش وَحمل عَلَيْهِ شبيب فقاتل عتاب سَاعَة وَقتل ووطئت الْخَيل زهرَة بن حوية فَهَلَك فتوجع لَهُ شبيب لما رَآهُ صريعَاً فَقَالَ لَهُ رجل من قومه وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك لتتوجع لرجل من الْكَافرين قَالَ إِنَّك لست أعرف بصلاتهم مني إِنِّي أعرف من قديم أَمرهم مَالا تَعرفُ لَو ثبتوا عَلَيْهِ كَانُوا إِخْوَاننَا ثمَّ قَالَ شبيب لأَصْحَابه ارْفَعُوا عَنْهُم السَّيْف ودعا النَّاس إِلَى طَاعَته وبيعته فَبَايعُوهُ ثمَّ هربوا لَيْلًا وَهَذَا كُله قبل أَن يقدم جَيش الشَّام الَّذِي بَعثه عبد الْملك فَتوجه شبيب نَحْو الْكُوفَة وَقد دَخلهَا عَسْكَر الشَّام فشدوا ظهر الْحجَّاج وانتعش بهم وَاسْتغْنى عَن عَسْكَر الْكُوفَة وَقَالَ يَا أهل الْكُوفَة لَا أعز الله من أَرَادَ بكم الْعِزّ الحقوا بِالْحيرَةِ مَعَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَلَا تقاتلوا مَعنا وحنق علهيم وهذْا مِمَّا يزيدهم فِيهِ بغضاً ثمَّ إِنَّه وَجه الْحَارِث بن مُعَاوِيَة الثَّقَفِيّ فِي ألف فَارس مَعَ الْكَشْف فالتمس شبيب غفلتهم فَالْتَقوا فَحمل شبيب على الْحَارِث فَقتله وَانْهَزَمَ من مَعَه ثمَّ جَاءَ شبيب فنازل الْكُوفَة وَحفظ النَّاس السكَك وَبنى شبيب مَسْجِدا بِطرف السبخة فَخرج إِلَيْهِ أَبُو الْورْد مولى الْحجَّاج فِي عدَّة غلْمَان فقاتل حَتَّى قتل ثمَّ خرج طهْمَان مولى الْحجَّاج أَيْضا فِي طَائِفَة فَقتله شبيب ثمَّ إِن الْحجَّاج خرج من قصر الْكُوفَة فَركب بغلا وَخرج فِي جَيش الشَّام فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ نزل الْحجَّاج وَقعد على كرْسِي ثمَّ نَادَى يَا أهل الشَّام أَنْتُم أهل السّمع وَالطَّاعَة وَالصَّبْر وَالْيَقِين لَا يغلبن بَاطِل هَؤُلَاءِ حقكم غضبوا الْأَبْصَار

стр. 1328

وجثوا على الركب وأشرعوا إِلَيْهِم الأسنة وَكَانَ شبيب فِي الستمائة فَجعل مِائَتَيْنِ مَعَه كردوساً وَمِائَتَيْنِ مَعَ سُوَيْد بن سليم وَمِائَتَيْنِ مَعَ الْمُحَلّل بن وَائِل فَحمل سُوَيْد عَلَيْهِم حَتَّى إِذا غشي أَطْرَاف الأسنة وَثبُوا فِي وُجُوههم يطعنونهم قدما قدما فانصرفوا فَأمر الْحجَّاج بتقدم كرسيه وَصَاح بِأَصْحَابِهِ فَحمل عَلَيْهِم شبيب فثبتوا وَطَالَ الْقِتَال فَلَمَّا رأى شبيب صبرهم نَادَى يَا سُوَيْد احْمِلْ على أهل هَذِه السِّكَّة لَعَلَّك تزيل أَهلهَا عَنْهَا فتأتي الْحجَّاج من وَرَائه وَنحن من أَمَامه فَحمل سُوَيْد بن سليم على أهل السِّكَّة فَرمى من فَوق الْبيُوت فَرد قَالَ أَبُو مخنف فَحَدثني فَرْوَة بن لَقِيط الْخَارِجِي من قوم شبيب قَالَ فَقَالَ لنا شبيب يَوْمئِذٍ يَا أهل الْإِسْلَام إِنَّمَا شرينا الله وَمن شرى الله لم يكثر عَلَيْهِ مَا أَصَابَهُ شدَّة كشداتكم فِي مواطنكم الْمَعْرُوفَة وَحمل على الْحجَّاج فَوَثَبَ أَصْحَاب الْحجَّاج طعنَاً وَضَربا فَنزل شبيب وَقَومه فَصَعدَ الْحجَّاج على مَسْجِد شبيب فِي نَحْو عشْرين رجلا وَقَالَ إِذا دنوا فارشقوهم بالنبال فَاقْتَتلُوا عَامَّة النَّهَار أَشد قتال فِي الدُّنْيَا حَتَّى أقرّ كل فريق لآخر ثمَّ إِن خَالِد بن عتاب بن وَرْقَاء قَالَ للحجاج ائْذَنْ لي فِي قِتَالهمْ فَإِنِّي موتور لِأَنَّهُ قتل أَبوهُ عتاب بن وَرْقَاء وَمِمَّنْ لَا يتهم فِي نصيحته فَأذن لَهُ فَخرج فِي عِصَابَة وَدَار من ورائهم فَقتل مصاداً أَخا شبيب وغزالة امْرَأَة شبيب وأضرم النيرَان فِي عسكره فَوَثَبَ شبيب وَأَصْحَابه على خيولهم فَقَالَ الْحجَّاج احملوا عَلَيْهِم فقد ارتعبوا فشدوا عَلَيْهِم فهزموهم وَتَأَخر شبيب عَن خَاصَّة قومه فَذكر من كَانَ مَعَ شبيب أَنه كَانَ يَنْعس ويخفق بِرَأْسِهِ وَخَلفه الطّلب قَالَ فَقلت يَا أَمر الْمُؤمنِينَ الْتفت فَانْظُر من خَلفك فَالْتَفت غير مكترث ثمَّ أكب يخْفق ثمَّ قلت إِنَّهُم دنوا فَالْتَفت ثمَّ أقبل يخْفق وَبعث الْحجَّاج إِلَى خيله ان دَعوه فِي حرقة النَّار فَتَرَكُوهُ وَرَجَعُوا

стр. 1329

وَمر أَصْحَاب شبيب بعامل الْحجَّاج على بلد بِالسَّوَادِ فَقَتَلُوهُ ثمَّ أَتَوا بِالْمَالِ فِي على دَابَّة فشتمهم شبيب على مجيئهم بِالْمَالِ وَقَالَ لقد اشتغلتم بالدنيا ثمَّ رمى بِالْمَالِ فِي الْفُرَات ثمَّ سَار بهم إِلَى الأهواز وَبهَا مُحَمَّد بن مُوسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله فَخرج لقتاله وَسَأَلَهُ مُحَمَّد المبارزة فبارزه شبيب فَقتله ومضَى إِلَى كرمان فَأَقَامَ شَهْرَيْن وَرجع إِلَى الأهواز فندب لَهُ الْحجَّاج مقدمي جش الشَّام سُفْيَان بن الْأَبْرَد الْكَلْبِيّ وحبِيب بن عبد الرَّحْمَن الْحكمِي فَالْتَقوا على جسر دجيل فَاقْتَتلُوا حَتَّى حجز بَينهم اللَّيْل ثمَّ ذهب شبيب فَلَمَّا صَار على جسر دجيل قطع الجسر فَوَقع شبيب وغرق وَقيل قفز بِهِ فرسه فَأَلْقَاهُ فِي المَاء وَعَلِيهِ الدرْع فَقَالَ لَهُ رجل أغرقاً يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم وألقاه دجيل إِلَى ساحله مَيتا وَآتى بِهِ الْحجَّاج قَالَ أَبُو مخنف فَسَمِعتهمْ يَقُولُونَ إِنَّه شقّ بَطْنه فَأخْرج قلبه وَكَانَ مجتمعا صلبا كَأَنَّهُ صَخْر وَأَنه كَانَ يضْرب بِهِ الأَرْض فيثب قامة الْإِنْسَان قلت لله أَبُو هَذَا البطل القرم الَّذِي بارز الأقران فكسرهم وشتت شملهم وقهرهم يظقر فِي سِتّمائَة على خمسين ألفا وَهُوَ شبيب بن يزِيد بن نعيم بن قيس بن عَمْرو بن الصَّلْت الشَّيْبَانِيّ خرج بالموصل كَمَا تقدم فَبعث إِلَيْهِ الْحجَّاج خَمْسَة قواد قَتلهمْ وَاحِدًا بعد وَاحِد ثمَّ سَار إِلَى الْكُوفَة وحاصر الْحجَّاج بهَا وقاتله وَكَانَت امْرَأَته غزالة من الشجَاعَة والفروسية قربيا مِنْهُ هرب الْحجَّاج مِنْهَا فِي بعض حروبه فَعَيَّرَهُ بعض النَّاس // (من الْكَامِل) // (أَسَدٌ عَلَى وَفي الحُرُوبِ نَعَامَةٌ ... فَتْخَاءُ تَنْفِرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ) (هَلَاّ بَرَزْتَ إلَي غَزَالَة فِي الوَغَى ... بَلْ كَانَ قلبُكَ فِي جَنَاحَيْ طَائِرِ)

стр. 1330

وَكَانَت أمه تسمى جهيزة تشهد الحروب كَذَلِك قَالَ بَعضهم رَأَيْت شبيبَاً وَقد دخل الْمَسْجِد وَعَلِيهِ جُبَّة طيالسة عَلَيْهَا نقط من أثر الْمَطَر وَهُوَ طَوِيل أشمط جعد آدم اللَّوْن فبقى فِي الْمَسْجِد يرتج ولد سنة سِتّ وَعِشْرُونَ من الْهِجْرَة وغرق بدجيل سنة سبع وَسبعين وَلما حمل إِلَى عبد الْملك عتْبَان الحروري من أَصْحَاب شبيب قَالَ لَهُ عبد الْملك أَلَسْت الْقَائِل // (من الطَّوِيل) // (فإنْ كَانَ مِنْكُمْ كَانَ مَرْوَانُ وابنُهُ ... وعَمْرٌ ر ومنْكُمْ هاشمٌ وحبيبُ) (فمنا حُصَيْن والبطين وقَعْنَبٌ ... وَمنا أَمِير المؤمنينَ شَبِيبُ) فَقَالَ عتْبَان يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا قلت وَمنا أميرَ الْمُؤمنِينَ وَنصب على النداء فَاسْتحْسن قَوْله وَأطْلقهُ وجهيزة أم شبيب هِيَ الني يضْرب بهَا الْمثل فِي الْحمق لِأَنَّهَا لما حملت قَالَت فِي بَطْني شَيْء ينفر فَقيل أَحمَق من جهيزة وروى عَنْهَا مَا يدل على عدم الْحمق فَإِن عَمْرو بن شبيب قَالَ حَدثنِي خَلاد بن يزِيد الأرقط قَالَ كَانَ شبيب نعى إِلَى أمه فقيال لَهَا إِنَّه قد قتل فَلَا تقبل فَلَمَّا قيل لَهَا إِنَّه قد غرق قبلت ذَلِك وَقَالَت إِنِّي رأيتُ حِين وَلدته أَنه خرج مني شهَاب نَار فَعلمت أَنه لَا يطفئه إِلَّا المَاء كَذَا فِي دوَل الْإِسْلَام لِلْحَافِظِ الذَّهَبِيّ وَفِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ بني الْحجَّاج مَدِينَة وَاسِط الْمَدِينَة الْمَعْرُوفَة وَذَلِكَ أَن الْحجَّاج كَانَ ينزل أهل الشَّام " ذَا ورد الْكُوفَة على أهل الْكُوفَة فَضرب الْبَعْث عَن أهل الْكُوفَة إِلَى خرسان وعسكروا قَرِيبا من الْكُوفَة حَتَّى يستتموا فَرجع مِنْهُم ذَات لَيْلَة فَتى حَدِيث عهد بعرس بابنة عَمه فطرق بَيته فدق الْبَاب فَلم يفتح لَهُ إِلَّا بعد هنيهة وَإِذا سَكرَان من أهل الشَّام يسْتَأْذن وَشَكتْ عَلَيْهِ ابْنة عَمه مراوونه إِيَّاهَا فَقَالَ لَهَا ائذني لَهُ فَأَذنت لَهُ فجَاء فَقتله الْفَتى الْكُوفِي وَخرج إِلَى الْعَسْكَر وَقَالَ ابعثي إِلَى الشاميين وادفعي إِلَيْهِم صَاحبهمْ فَفعلت فأحضرها عِنْد الْحجَّاج فَأَخْبَرته

стр. 1331

فَقَالَ صدقت وَقَالَت للشاميين لَا قَود لَهُ وَلَا عَقل فَإِنَّهُ قَتِيل الله إِلَى النَّار ثمَّ نَادَى منادٍ لَا ينزل أحد على أحد وَبعث الرواد فارتادوا لَهُ مَكَان وَاسِط وَوجد هُنَاكَ رَاهِبًا ينظف بقْعَة من النَّجَاسَات فَقَالَ مَا هَذَا قَالَ نجد فِي كتبنَا أَنه يبْنى هَهُنَا مَسْجِدا لِلْعِبَادَةِ فاختط الْحجَّاج مَدِينَة وَاسِط هُنَاكَ وَبني الْمَسْجِد فِي تِلْكَ الْبقْعَة وَفِي تَارِيخ ابْن خلكان أَن ابْن الزبير لما ولي الْخلَافَة بِمَكَّة ولى أَخَاهُ عبيد الله ابْن الزبير الْمَدِينَة وَلم يزل يُقيم للنَّاس الْحَج من سنة أَربع وَسِتِّينَ إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين فَلَمَّا ولي عبد الْملك منع أهل الشَّام من الْحَج من أجل ابْن الزبير لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذ النَّاس بالبيعة إِذا حجُّوا فَضَجَّ النَّاس لما منعُوا من الْحَج فَبنى عبد الْملك قبَّة على صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس ومساجد الْأَمْصَار وَقيل إِن أول من سنّ التَّعْرِيف بِالْبَصْرَةِ عبد الله بن عَبَّاس رض الله عَنْهُمَا لما كَانَ عَاملا عَلَيْهَا لعَلي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وبمصر عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان أَخُو عبد الْملك وببيت الْمُقَدّس عبد الْملك بن مَرْوَان وَلما قتل عبد الْملك مُصعب بن الزبير وَأَرَادَ الرُّجُوع جَاءَ إِلَيْهِ الْحجَّاج فَقَالَ إِنِّي رَأَيْت فِي مَنَامِي أَنِّي أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته فولني قِتَاله فَبَعثه فِي الْجَيْش الْمُتَقَدّم ذكره فحصره أَكثر من خمسين يَوْمًا وَقيل خَمْسَة أشهر وَفعل مَا فعل وَأرْسل بِرَأْسِهِ إِلَى عبد الْملك فَأرْسل عبد الْملك بِالرَّأْسِ إِلَى عبد الله بن حَازِم السّلمِيّ وَهُوَ عَامل ابْن الزبيرعلى خرسان وَمَا والاها وَكَانَ عبد الله بن حَازِم هَذَا من الْأَبْطَال والفرسان والمعدودين والمشهورين وَلَقَد سَمِعت عبارَة فِي وَصفه بالشجاعة لم أسمع نظريها فِي غَيره فَمَا أحقها أَن تكون فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب فَإِنَّهَا غَايَة فِي الْمَدْح مَا خلفهَا غَايَة وَهِي قَول بعض الْعَرَب فِيهِ مَا ستحيا شُجَاع قد ان يفر من عبد الله حَازِم السّلمِيّ فتأملها بالذوق تجدها تجذب المحامد بالطوق الشَّيْء بالشَّيْء يذكر قَالَ فِي العقد فرسَان الْحُرُوف فِي الْجَاهِلِيَّة ربيعَة بن مكدم من بني فَارس بن غنم بن مَالك بن كنَانَة

стр. 1332

قلت هُوَ صَاحب الْوَاقِعَة مَعَ عَمْرو بن معدي كرب الَّتِي تقدم ذكرهَا كَانَ يعقر على قَبره فِي الْجَاهِلِيَّة وَلم يعقر على قبر أحد قبله وَبَنُو فَارس من الَّذين قَالَ فيهم عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يمدحهم ويذم أهل الْكُوفَة يَا معشر الْكُوفَة من فَازَ بيكم فَازَ بِالسَّهْمِ الأخيب أبدلكم الله بِي من هُوَ شَرّ لكم وأبدلني بكم من هُوَ خير مِنْكُم وددت وَالله أَن لي بجمعكم وَأَنْتُم مائَة ألف ثَلَاثمِائَة من بني فراس بن غنم بن مَالك بن كنَانَة وعنترة بن شَدَّاد الْعَبْسِي وَعتبَة بن الْحَارِث بن شهَاب وَأَبُو بداء عَامر بن مَالك ملاعب الأسنة وَزيد الْخَيل وبسطام بن قيس والأحيمر السَّعْدِيّ وعامر ابْن الطُّفَيْل وَعَمْرو بن عبد ود العامري وَعَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ وَأما فِي الْإِسْلَام فعلي بن أبي طَالب وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وَرِجَال من الْأَنْصَار مِنْهُم أَبُو دجانهة الْأنْصَارِيّ وَعَاصِم بن ثَابت بن أبي الأقلح وَقيس بن سعد بن عبَادَة وَعبادَة بن الْحصين وَالْأَشْتَر بن مَالك النَّخعِيّ وَعبد الله بن الزبير ومسلمة ابْن عبد الْملك بن مَرْوَان وَعُمَيْر بن الْحباب وقطري بن الفجاءه والحريش ين هِلَال السَّعْدِيّ وشبيب الحروري الْخَارِجِي وَعبد الله بن حَازِم السّلمِيّ الْمَذْكُور وَكَانَ عبد الله بن حَازِم هَذَا عَاملا لِابْنِ الزبير على خرسان وَمَا والاها كَمَا تقدم ذكره فَلَمَّا أرسل إِلَيْهِ عبد الْملك بن مَرْوَان بِرَأْس ابْن الزبير أرْسلهُ مَعَ رجل من بني عَامر بن صعصعة يَدعُوهُ إِلَى طَاعَته وَأَن تكون لَهُ خُرَاسَان طعمة سبع سِنِين لَا يسْأَل عَن شَيْء مِنْهَا قَالَ ابْن حَازِم للرسول لَوْلَا أَن الرُّسُل لَا تقتل وَفِي رِوَايَة لَوْلَا خشيَة الْفِتْنَة من بني عَامر وَبني سليم لضَرَبْت عُنُقك ولكنْ كُل كِتَابَ صَاحبك فَأَكله ثمَّ أَمر بِالرَّأْسِ فَغسله وَقَبله وَدَفنه وَقيل إِنَّه بَعثه إِلَى آل الزبير بِالْمَدِينَةِ فدفنوه مَعَ جثته حَيْثُ دفنت وَعبد الْملك أول من سمي بِعَبْد الْملك فِي الْإِسْلَام كَانَ مشدود الْأَسْنَان بِالذَّهَب حازماً يقظاً لَا يكلُ أمره إِلَى سواهُ شَدِيد الْبُخْل يلقب رشح الْحجر لبخله ويلقب أَيْضا بِأبي الذُّبَاب لبخر كَانَ فِي فِيهِ كَذَا قيل مقدما على

стр. 1333

سفك الدِّمَاء أوصى ابْنه الْوَلِيد لما ثقل مَرضه فَقَالَ يَا وليد لَا ألفينك إِذا وَضَعتنِي فِي حفرتي تعصر عَيْنَيْك كالأمة الوكعاء بل شمر وائتزر والبس جِلد النمر وادع النَّاس إِلَى الْبيعَة فَمن قَالَ بِرَأْسِهِ كَذَا أَي لأَفْعَل باليسف كَذَا أَي اضْرِب عُنُقه وَمن سكت مَاتَ بدائه وَكَانَ عبد الْملك يلقب قبل ذَلِك بحمامة الْمَسْجِد لقبه بِهِ عبد الله بن عمر وجاءته الْخلَافَة وَهُوَ يقْرَأ ي الْمُصحف فطبقه وَقَالَ سَلام عَلَيْك هَذَا فِرَاق بيني وَبَيْنك وَقيل لِابْنِ عمر رأيتَ لَو تفانوا أَصْحَاب رَسُول الله فَمن نسْأَل بعدهمْ قَالَ سلوا هَذَا الْفَتى يَعْنِي عبد الْملك بن مَرْوَان عَن يُونُس بن ميسرَة عَن عبد الْملك أَنه قَالَ وَهُوَ على الْمِنْبَر سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول قَالَ رَسُول الله مَا من امْرِئ لَا يَغْزُو فِي سَبِيل الله أَو يُجهز غازياً أَو يخلفه بِخَير إِلَّا أَصَابَهُ الله بقارعة قبل الْمَوْت وَقَالَ النَّضر بن مُحَمَّد وَذكر سنداً إِلَى سحيم مولى أَي هُرَيْرَة عَن أبي هُرَيْرَة أَن عبد الْملك بن مَرْوَان دخل عَلَيْهِم وَهُوَ غُلَام شَاب فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة هَذَا يملك الْعَرَب وَقَالَ جرير بن حَازِم عَن نَافِع لقد رَأَيْت الْمَدِينَة وَمَا بهَا شَاب أَشد تشميراً وَلَا أنسك وَلَا أَقرَأ لكتاب الله من عبد الْملك بن مَرْوَان وَعَن ابْن عمر قَالَ ولد النَّاس أَبنَاء وَولد مَرْوَان أَبَا قَالَ مَالك سَمِعت يحيى بن سعيد يَقُول أول من صلى فِي الْمَسْجِد مَا بَين الظّهْر إِلَى الْعَصْر عبد الْملك بن مَرْوَان وفتيان كَانُوا مَعَه إِذا صلى الإِمَام الظّهْر قَامُوا فصلوا إِلَى الْعَصْر فَقيل لسَعِيد بن الْمسيب لَو قمنا فصلينا كَمَا يُصَلِّي هَؤُلَاءِ فَقَالَ سعيد بن الْمسيب لَيست الْعِبَادَة بِكَثْرَة الصَّلَاة وَالصَّوْم إِنَّمَا الْعِبَادَة التفكير فِي أَمر الله والورع عَن محارم الله

стр. 1334

وروى إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ مَا جالست أحدا إِلَّا وجدت لي الْفضل عَلَيْهِ إِلَّا عبد الْملك بن مَرْوَان فَإِنِّي مَا ذاكرته حَدِيثا إِلَّا زادني فِيهِ وَلَا شعرًا إِلَّا زادني فِيهِ وَقَالَ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن هِشَام بن يحيى الغساني حَدثنَا أبي عَن أَبِيه قَالَ لما نزل مُسلم بن عقبَة المري الْمَدِينَة دخلت الْمَسْجِد النَّبَوِيّ فَجَلَست إِلَى جنب عبد الْملك فَقَالَ لي أَمن هَذَا الْجَيْش أَنْت قلت نعم قَالَ ثكلتك أمك أَتَدْرِي إِلَى من تسير إِلَى أول مَوْلُود ولد فِي الْإِسْلَام قلت مُرَاده بِالْمَدِينَةِ فقد صَحَّ أَن عبد الله بن الزبير أول مَوْلُود ولد بهَا قيل بقباء وَقيل بِالْمَدِينَةِ نَفسهَا ففرح الْمُسلمُونَ فَرحا شَدِيدا لِأَن الْيَهُود تفوهوا بِأَنا سحرنَا محمدَاً وَأَصْحَابه فَلَا يُولد لَهُم فَكَانَ أول مكذب لَهُم ﵁ انْتهى وَإِلَى ابْن حَوَاري رَسُول الله وَإِلَى ابْن ذَات النطاقين وَإِلَى من حنكه رَسُول الله أما وَالله إِن جِئْته نهارَاً وجدته صائمَاً وَإِن جِئْته لَيْلًا لتجدنه قائمَاً فَلَو أَن أهل الأَرْض أطبقوا على قَتله لأكبهم الله جميعَاً فِي النَّار فَلَمَّا صَارَت الْخلَافَة إِلَى عبد الْملك وجهنا مَعَ الْحجَّاج حَتَّى قَتَلْنَاهُ قَالَ الْأَصْمَعِي حَدثنَا عباد بن مُسلم بن زِيَاد عَن أَبِيه قَالَ ركب عبد الْملك ابْن مَرْوَان بكرا فَأَنْشَأَ قائده يَقُول // (من الرجز) // (يَأَيُّهَا البكْرُ الَّذِي أَرَاكَا ... ) ) غَلَبْتَ أهلَ الأرضِ فِي مَمْشَاكا ... ) (وَيْحَكَ هَلْ تعلَمُ مَنْ عَلَاكَا ... ) (خليفَةُ اللَّهِ الَّذِي امْتَطَاكَا ... ) (لَمْ يَحْبُ بَكْرًا مِثْلَ مَا حَبَاكَا ... ) فَلَمَّا سَمعه عبد الْملك قَالَ إيهاً يَا هَناه قد أمرت لَك بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَمِمَّا نقلته من العقد لِابْنِ عبد ربه الْقُرْطُبِيّ قَالَ مدح جرير الْحجَّاج بِأَبْيَات

стр. 1335

مِنْهَا قَوْله // (من الوافر) // (دَعَ الحَجَّاجُ مِثْلَ دعاءِ نُوحٍ ... فأسمَعَ ذَا المعارجِ فَاسْتَجَابَا) فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج إِن الطَّاقَة تَعجِزُ عَن مكافأتك وَلَكِنِّي موفدك على أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْملك بن مَرْوَان فسر بكتابي هَذَا إِلَيْهِ فَسَار إِلَى عبد الْملك فأنشده القصيدة الَّتِي مطْلعهَا // (من الوافر) // (أَتَصْحُو أَمْ فؤادُكَ غَيْرُ صَاح ... ) فَقَالَ عبد الْملك بل فُؤَادك يَا ابْن الفاعلة حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله فِيهَا // (من الوافر) // (تَعَزَّتْ أمُّ حَزْرَةَ ثُمَّ قالَتْ ... رأيتُ الوارِدِينَ ذَوِي امتِيَاحِ) (ثِقِي باللَّهِ ليْسَ لَهُ شريكٌ ... ومِنْ عندِ الخليفةِ بالنجاحِ) (سأشكُرُ إِن رَدَدتَ إلَيَّ ريشِي ... وأثبتَّ القَوَادِمَ مِنْ جَنَاحي) (أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المطايا ... وأندى العَالَمينَ بُطُونَ راحِ) فَلَمَّا قَالَ هَذَا الْبَيْت اسْتَوَى عبد الْملك جَالِسا وَكَانَ متكئَاً ثمَّ قَالَ من مَدْحنَا فبمثل هَذَا فليمدح ثمَّ قَالَ يَا جرير أَتَرَى أم جزرة ترْوِيهَا مائَة نَاقَة من نعم كلب فَقَالَ إِذا لم تَرَوْهَا فَلَا أرواها الله وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْإِبِل أباق وَنحن مَشَايِخ وَلَيْسَ بأحدنا فضل عَن رَاحِلَته فَلَو أمرت بالرعاة لَهَا فَأمر لَهُ بِثمَانِيَة أعبد قَالَ وَكَانَت بَين يَدي عبد الْملك صحاف من فضَّة يقرعها بقضيب فِي يَده فَقَالَ جرير والمحلب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَشَارَ لى صَحْفَة فنبذها إِلَيْهِ بالقضيب وَقَالَ خُذْهَا فَفِي ذَلِك يَقُول // (من الْبَسِيط) // (أَعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوها ثمانيَةٌ ... مَا فِي عطائِهمُ مَنٌّ وَلَا سَرَفُ) وروى هِشَام بن الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه قَالَ دخل أَعْرَابِي إِلَى عبد الْملك بن مَرْوَان فمدحه وَأحسن وَعِنْده جرير والفرزدق والأخطل فَقَالَ لَهُ عبد الْملك أتعرف أهجَى بَيت فِي الْإِسْلَام قَالَ نعم قَول جرير // (من الوافر) // (فَغُضَّ الطَّرْفَ إنكَ من نُمَيْرٍ ... فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كلَابا) قَالَ أصبتَ فَهَل تعرف أرق بَيت قيل فِي الْإِسْلَام قَالَ نعم قَول جرير أَيْضا // (من الْبَسِيط) // (إِنَّ العُيُونَ الَّتِي فِي طَرْفِهَا حور ... قتاْنَنَا ثمَّ لم يُحْيِينَ قَتْلنَنا)
следующие страницы →