Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
فَقَالَ صدقت وَقَالَت للشاميين لَا قَود لَهُ وَلَا عَقل فَإِنَّهُ قَتِيل الله إِلَى النَّار ثمَّ نَادَى منادٍ لَا ينزل أحد على أحد وَبعث الرواد فارتادوا لَهُ مَكَان وَاسِط وَوجد هُنَاكَ رَاهِبًا ينظف بقْعَة من النَّجَاسَات فَقَالَ مَا هَذَا قَالَ نجد فِي كتبنَا أَنه يبْنى هَهُنَا مَسْجِدا لِلْعِبَادَةِ فاختط الْحجَّاج مَدِينَة وَاسِط هُنَاكَ وَبني الْمَسْجِد فِي تِلْكَ الْبقْعَة وَفِي تَارِيخ ابْن خلكان أَن ابْن الزبير لما ولي الْخلَافَة بِمَكَّة ولى أَخَاهُ عبيد الله ابْن الزبير الْمَدِينَة وَلم يزل يُقيم للنَّاس الْحَج من سنة أَربع وَسِتِّينَ إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين فَلَمَّا ولي عبد الْملك منع أهل الشَّام من الْحَج من أجل ابْن الزبير لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذ النَّاس بالبيعة إِذا حجُّوا فَضَجَّ النَّاس لما منعُوا من الْحَج فَبنى عبد الْملك قبَّة على صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس ومساجد الْأَمْصَار وَقيل إِن أول من سنّ التَّعْرِيف بِالْبَصْرَةِ عبد الله بن عَبَّاس رض الله عَنْهُمَا لما كَانَ عَاملا عَلَيْهَا لعَلي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وبمصر عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان أَخُو عبد الْملك وببيت الْمُقَدّس عبد الْملك بن مَرْوَان وَلما قتل عبد الْملك مُصعب بن الزبير وَأَرَادَ الرُّجُوع جَاءَ إِلَيْهِ الْحجَّاج فَقَالَ إِنِّي رَأَيْت فِي مَنَامِي أَنِّي أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته فولني قِتَاله فَبَعثه فِي الْجَيْش الْمُتَقَدّم ذكره فحصره أَكثر من خمسين يَوْمًا وَقيل خَمْسَة أشهر وَفعل مَا فعل وَأرْسل بِرَأْسِهِ إِلَى عبد الْملك فَأرْسل عبد الْملك بِالرَّأْسِ إِلَى عبد الله بن حَازِم السّلمِيّ وَهُوَ عَامل ابْن الزبيرعلى خرسان وَمَا والاها وَكَانَ عبد الله بن حَازِم هَذَا من الْأَبْطَال والفرسان والمعدودين والمشهورين وَلَقَد سَمِعت عبارَة فِي وَصفه بالشجاعة لم أسمع نظريها فِي غَيره فَمَا أحقها أَن تكون فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب فَإِنَّهَا غَايَة فِي الْمَدْح مَا خلفهَا غَايَة وَهِي قَول بعض الْعَرَب فِيهِ مَا ستحيا شُجَاع قد ان يفر من عبد الله حَازِم السّلمِيّ فتأملها بالذوق تجدها تجذب المحامد بالطوق الشَّيْء بالشَّيْء يذكر قَالَ فِي العقد فرسَان الْحُرُوف فِي الْجَاهِلِيَّة ربيعَة بن مكدم من بني فَارس بن غنم بن مَالك بن كنَانَة
стр. 1332
قلت هُوَ صَاحب الْوَاقِعَة مَعَ عَمْرو بن معدي كرب الَّتِي تقدم ذكرهَا كَانَ يعقر على قَبره فِي الْجَاهِلِيَّة وَلم يعقر على قبر أحد قبله وَبَنُو فَارس من الَّذين قَالَ فيهم عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يمدحهم ويذم أهل الْكُوفَة يَا معشر الْكُوفَة من فَازَ بيكم فَازَ بِالسَّهْمِ الأخيب أبدلكم الله بِي من هُوَ شَرّ لكم وأبدلني بكم من هُوَ خير مِنْكُم وددت وَالله أَن لي بجمعكم وَأَنْتُم مائَة ألف ثَلَاثمِائَة من بني فراس بن غنم بن مَالك بن كنَانَة وعنترة بن شَدَّاد الْعَبْسِي وَعتبَة بن الْحَارِث بن شهَاب وَأَبُو بداء عَامر بن مَالك ملاعب الأسنة وَزيد الْخَيل وبسطام بن قيس والأحيمر السَّعْدِيّ وعامر ابْن الطُّفَيْل وَعَمْرو بن عبد ود العامري وَعَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ وَأما فِي الْإِسْلَام فعلي بن أبي طَالب وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وَرِجَال من الْأَنْصَار مِنْهُم أَبُو دجانهة الْأنْصَارِيّ وَعَاصِم بن ثَابت بن أبي الأقلح وَقيس بن سعد بن عبَادَة وَعبادَة بن الْحصين وَالْأَشْتَر بن مَالك النَّخعِيّ وَعبد الله بن الزبير ومسلمة ابْن عبد الْملك بن مَرْوَان وَعُمَيْر بن الْحباب وقطري بن الفجاءه والحريش ين هِلَال السَّعْدِيّ وشبيب الحروري الْخَارِجِي وَعبد الله بن حَازِم السّلمِيّ الْمَذْكُور وَكَانَ عبد الله بن حَازِم هَذَا عَاملا لِابْنِ الزبير على خرسان وَمَا والاها كَمَا تقدم ذكره فَلَمَّا أرسل إِلَيْهِ عبد الْملك بن مَرْوَان بِرَأْس ابْن الزبير أرْسلهُ مَعَ رجل من بني عَامر بن صعصعة يَدعُوهُ إِلَى طَاعَته وَأَن تكون لَهُ خُرَاسَان طعمة سبع سِنِين لَا يسْأَل عَن شَيْء مِنْهَا قَالَ ابْن حَازِم للرسول لَوْلَا أَن الرُّسُل لَا تقتل وَفِي رِوَايَة لَوْلَا خشيَة الْفِتْنَة من بني عَامر وَبني سليم لضَرَبْت عُنُقك ولكنْ كُل كِتَابَ صَاحبك فَأَكله ثمَّ أَمر بِالرَّأْسِ فَغسله وَقَبله وَدَفنه وَقيل إِنَّه بَعثه إِلَى آل الزبير بِالْمَدِينَةِ فدفنوه مَعَ جثته حَيْثُ دفنت وَعبد الْملك أول من سمي بِعَبْد الْملك فِي الْإِسْلَام كَانَ مشدود الْأَسْنَان بِالذَّهَب حازماً يقظاً لَا يكلُ أمره إِلَى سواهُ شَدِيد الْبُخْل يلقب رشح الْحجر لبخله ويلقب أَيْضا بِأبي الذُّبَاب لبخر كَانَ فِي فِيهِ كَذَا قيل مقدما على
стр. 1333
سفك الدِّمَاء أوصى ابْنه الْوَلِيد لما ثقل مَرضه فَقَالَ يَا وليد لَا ألفينك إِذا وَضَعتنِي فِي حفرتي تعصر عَيْنَيْك كالأمة الوكعاء بل شمر وائتزر والبس جِلد النمر وادع النَّاس إِلَى الْبيعَة فَمن قَالَ بِرَأْسِهِ كَذَا أَي لأَفْعَل باليسف كَذَا أَي اضْرِب عُنُقه وَمن سكت مَاتَ بدائه وَكَانَ عبد الْملك يلقب قبل ذَلِك بحمامة الْمَسْجِد لقبه بِهِ عبد الله بن عمر وجاءته الْخلَافَة وَهُوَ يقْرَأ ي الْمُصحف فطبقه وَقَالَ سَلام عَلَيْك هَذَا فِرَاق بيني وَبَيْنك وَقيل لِابْنِ عمر رأيتَ لَو تفانوا أَصْحَاب رَسُول الله
فَمن نسْأَل بعدهمْ قَالَ سلوا هَذَا الْفَتى يَعْنِي عبد الْملك بن مَرْوَان عَن يُونُس بن ميسرَة عَن عبد الْملك أَنه قَالَ وَهُوَ على الْمِنْبَر سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول قَالَ رَسُول الله
مَا من امْرِئ لَا يَغْزُو فِي سَبِيل الله أَو يُجهز غازياً أَو يخلفه بِخَير إِلَّا أَصَابَهُ الله بقارعة قبل الْمَوْت وَقَالَ النَّضر بن مُحَمَّد وَذكر سنداً إِلَى سحيم مولى أَي هُرَيْرَة عَن أبي هُرَيْرَة أَن عبد الْملك بن مَرْوَان دخل عَلَيْهِم وَهُوَ غُلَام شَاب فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة هَذَا يملك الْعَرَب وَقَالَ جرير بن حَازِم عَن نَافِع لقد رَأَيْت الْمَدِينَة وَمَا بهَا شَاب أَشد تشميراً وَلَا أنسك وَلَا أَقرَأ لكتاب الله من عبد الْملك بن مَرْوَان وَعَن ابْن عمر قَالَ ولد النَّاس أَبنَاء وَولد مَرْوَان أَبَا قَالَ مَالك سَمِعت يحيى بن سعيد يَقُول أول من صلى فِي الْمَسْجِد مَا بَين الظّهْر إِلَى الْعَصْر عبد الْملك بن مَرْوَان وفتيان كَانُوا مَعَه إِذا صلى الإِمَام الظّهْر قَامُوا فصلوا إِلَى الْعَصْر فَقيل لسَعِيد بن الْمسيب لَو قمنا فصلينا كَمَا يُصَلِّي هَؤُلَاءِ فَقَالَ سعيد بن الْمسيب لَيست الْعِبَادَة بِكَثْرَة الصَّلَاة وَالصَّوْم إِنَّمَا الْعِبَادَة التفكير فِي أَمر الله والورع عَن محارم الله
стр. 1334
وروى إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ مَا جالست أحدا إِلَّا وجدت لي الْفضل عَلَيْهِ إِلَّا عبد الْملك بن مَرْوَان فَإِنِّي مَا ذاكرته حَدِيثا إِلَّا زادني فِيهِ وَلَا شعرًا إِلَّا زادني فِيهِ وَقَالَ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن هِشَام بن يحيى الغساني حَدثنَا أبي عَن أَبِيه قَالَ لما نزل مُسلم بن عقبَة المري الْمَدِينَة دخلت الْمَسْجِد النَّبَوِيّ فَجَلَست إِلَى جنب عبد الْملك فَقَالَ لي أَمن هَذَا الْجَيْش أَنْت قلت نعم قَالَ ثكلتك أمك أَتَدْرِي إِلَى من تسير إِلَى أول مَوْلُود ولد فِي الْإِسْلَام قلت مُرَاده بِالْمَدِينَةِ فقد صَحَّ أَن عبد الله بن الزبير أول مَوْلُود ولد بهَا قيل بقباء وَقيل بِالْمَدِينَةِ نَفسهَا ففرح الْمُسلمُونَ فَرحا شَدِيدا لِأَن الْيَهُود تفوهوا بِأَنا سحرنَا محمدَاً وَأَصْحَابه فَلَا يُولد لَهُم فَكَانَ أول مكذب لَهُم ﵁ انْتهى وَإِلَى ابْن حَوَاري رَسُول الله
وَإِلَى ابْن ذَات النطاقين وَإِلَى من حنكه رَسُول الله
أما وَالله إِن جِئْته نهارَاً وجدته صائمَاً وَإِن جِئْته لَيْلًا لتجدنه قائمَاً فَلَو أَن أهل الأَرْض أطبقوا على قَتله لأكبهم الله جميعَاً فِي النَّار فَلَمَّا صَارَت الْخلَافَة إِلَى عبد الْملك وجهنا مَعَ الْحجَّاج حَتَّى قَتَلْنَاهُ قَالَ الْأَصْمَعِي حَدثنَا عباد بن مُسلم بن زِيَاد عَن أَبِيه قَالَ ركب عبد الْملك ابْن مَرْوَان بكرا فَأَنْشَأَ قائده يَقُول // (من الرجز) //
(يَأَيُّهَا البكْرُ الَّذِي أَرَاكَا ... )
)
غَلَبْتَ أهلَ الأرضِ فِي مَمْشَاكا ... )
(وَيْحَكَ هَلْ تعلَمُ مَنْ عَلَاكَا ... )
(خليفَةُ اللَّهِ الَّذِي امْتَطَاكَا ... )
(لَمْ يَحْبُ بَكْرًا مِثْلَ مَا حَبَاكَا ... )
فَلَمَّا سَمعه عبد الْملك قَالَ إيهاً يَا هَناه قد أمرت لَك بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَمِمَّا نقلته من العقد لِابْنِ عبد ربه الْقُرْطُبِيّ قَالَ مدح جرير الْحجَّاج بِأَبْيَات
стр. 1335
مِنْهَا قَوْله // (من الوافر) //
(دَعَ الحَجَّاجُ مِثْلَ دعاءِ نُوحٍ ... فأسمَعَ ذَا المعارجِ فَاسْتَجَابَا)
فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج إِن الطَّاقَة تَعجِزُ عَن مكافأتك وَلَكِنِّي موفدك على أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْملك بن مَرْوَان فسر بكتابي هَذَا إِلَيْهِ فَسَار إِلَى عبد الْملك فأنشده القصيدة الَّتِي مطْلعهَا // (من الوافر) //
(أَتَصْحُو أَمْ فؤادُكَ غَيْرُ صَاح ... )
فَقَالَ عبد الْملك بل فُؤَادك يَا ابْن الفاعلة حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله فِيهَا // (من الوافر) //
(تَعَزَّتْ أمُّ حَزْرَةَ ثُمَّ قالَتْ ... رأيتُ الوارِدِينَ ذَوِي امتِيَاحِ)
(ثِقِي باللَّهِ ليْسَ لَهُ شريكٌ ... ومِنْ عندِ الخليفةِ بالنجاحِ)
(سأشكُرُ إِن رَدَدتَ إلَيَّ ريشِي ... وأثبتَّ القَوَادِمَ مِنْ جَنَاحي)
(أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المطايا ... وأندى العَالَمينَ بُطُونَ راحِ)
فَلَمَّا قَالَ هَذَا الْبَيْت اسْتَوَى عبد الْملك جَالِسا وَكَانَ متكئَاً ثمَّ قَالَ من مَدْحنَا فبمثل هَذَا فليمدح ثمَّ قَالَ يَا جرير أَتَرَى أم جزرة ترْوِيهَا مائَة نَاقَة من نعم كلب فَقَالَ إِذا لم تَرَوْهَا فَلَا أرواها الله وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْإِبِل أباق وَنحن مَشَايِخ وَلَيْسَ بأحدنا فضل عَن رَاحِلَته فَلَو أمرت بالرعاة لَهَا فَأمر لَهُ بِثمَانِيَة أعبد قَالَ وَكَانَت بَين يَدي عبد الْملك صحاف من فضَّة يقرعها بقضيب فِي يَده فَقَالَ جرير والمحلب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَشَارَ لى صَحْفَة فنبذها إِلَيْهِ بالقضيب وَقَالَ خُذْهَا فَفِي ذَلِك يَقُول // (من الْبَسِيط) //
(أَعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوها ثمانيَةٌ ... مَا فِي عطائِهمُ مَنٌّ وَلَا سَرَفُ)
وروى هِشَام بن الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه قَالَ دخل أَعْرَابِي إِلَى عبد الْملك بن مَرْوَان فمدحه وَأحسن وَعِنْده جرير والفرزدق والأخطل فَقَالَ لَهُ عبد الْملك أتعرف أهجَى بَيت فِي الْإِسْلَام قَالَ نعم قَول جرير // (من الوافر) //
(فَغُضَّ الطَّرْفَ إنكَ من نُمَيْرٍ ... فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كلَابا)
قَالَ أصبتَ فَهَل تعرف أرق بَيت قيل فِي الْإِسْلَام قَالَ نعم قَول جرير أَيْضا // (من الْبَسِيط) //
(إِنَّ العُيُونَ الَّتِي فِي طَرْفِهَا حور ... قتاْنَنَا ثمَّ لم يُحْيِينَ قَتْلنَنا)
стр. 1336
(يَصْرعْنَ ذَا اللب حَتَّى لَا حراكَ بِهِ ... وهُنَّ أضعَفُ خَلْقِ الله أركانا)
قَالَ عبد الْملك أَحْسَنت ثمَّ قَالَ فَهَل تعرفُ أمدح بَيت قيل فِي الْإِسْلَام قَالَ نعم قَوْله فِيك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ // (من الوافر) //
(أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المطايا ... وأَنْدَى العالَمينَ بُطُونَ رَاحِ)
قَالَ أَحْسَنت فَهَل تعرف جريرَاً قَالَ لَا وَالله وَإِنِّي إِلَى رُؤْيَته لمشتاق فَقَالَ هَذَا جرير وَهَذَا الفرزدق وَهَذَا الأخطل فَأَنْشَأَ الْأَعرَابِي يَقُول // (من المتقارب) //
(فَحَيَّا الإلهُ أَبَا حَزْرَةٍ ... وَأَرْغَمَ أنفَكَ يَا أَخْطَلُ)
(وَجَدُّ الفرزدقِ أَتْعِسْ بِهِ ... وَدَقَّ خياشيمَكَ الجَنْدَلُ)
فَأَنْشَأَ الفرزدق يَقُول // (من الْبَسِيط) //
(بَلْ أَرْغَمَ اللَّهُ أنفًا أنتَ حامِلُهُ ... يَا ذَا الخَنَا ومقَالِ الزُّور والخَطَلِ)
(مَا أَنْتَ بالحَكَمِ التُّرْضَى حكومتُهُ ... وَلَا الأَصِيلِ وَلَا ذِي الرأْيِ والجَدَلِ)
فَغَضب جرير وَأَنْشَأَ يَقُول // (من الْبَسِيط) //
(أَتَشْتُمَانِ سفَاهًا خَيْرَكُمْ حَسَبًا ... فَفِيكُمَا وإلهي الزُّورَ والخَطَلُ)
(شَتَمْتُماهُ عَلَى رَفْعِي وَوَضْعِكُما ... لَا زِلْتُمَا فِي سِفَالٍ أَيهَا الرَّجُلُ)
ثمَّ نَهَضَ فَقيل يَدي عبد الْملك وَقَالَ يَا مولَايَ جائزتي لجرير فَقَالَ عبد الْملك وَله مني مثلهَا انْتهى وَحكى الْهَيْثَم بن عدي أَن عبد الْملك بن مَرْوَان بَعَثَ إِلَى عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي وَإِلَى جميل بن معمر العذري صَاحب بثينة وَإِلَى كثير عزة وَهُوَ كثير ابْن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود الْخُزَاعِيّ الْمدنِي وأوقر نَاقَة ذهبَاً وَفِضة ثمَّ قَالَ لينشد كل وَاحِد مِنْكُم ثَلَاثَة أَبْيَات فَأَيكُمْ كَانَ أغزل شعرَاً فَلهُ النَّاقة وَمَا عَلَيْهَا فَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة // (من الطَّوِيل) //
(فَيَا ليْتَ أَنِّي حِينَ تَدْنُو منيَّتِي ... شَمَمْتُ الَّذِي مل بَين عينيكِ والفَمِ)
(وَلَيْتَ طهوري كَانَ رِيقكِ بَعْدَهُ ... ولَيْتَ حَنُوطِي مِنْ مُشَاشِكِ والدَّمِ)
(وَلَيْتَ سُلَيْمَى فِي المنامِ ضَجِيعتِي ... لَدَى الجَنَّةِ الخضراءِ أَو فِي جَهَنَّمِ)
وَقَالَ جميل // (من الطَّوِيل) //
(حَلَفتُ يمنًا يَا بثينَةُ صَادِقا ... فإنْ كُنْتُ فِيهَا كَاذِبًا فَعَمِيتُ)
(حلفتُ لَهَا بالبُدْنِ تدمى نحورُهَا ... لقد شَقِيَت نَفْسِي بكُمْ وعنِيتُ)
стр. 1337
(وَلَو أنَّ رَاقي المَوْتِ يَرْقي جنازتي ... بمَنْطِقِهَا فِي الناطِقِينَ حَيِيتُ)
وَقَالَ كثير عزة // (من الْكَامِل) //
(بِأَبِي وأُمِّي أَنْتَ مِنْ معشوقةٍ ... ظَفِرَ العدوُّ بهَا فَغيَّرَ حالَهَا)
(ومشَى إليَّ بعَيْبِ عزَّةَ نسوةٌ ... حعل المليكُ خدودَهُنَّ نِعَالَهَا)
(وَلَو انَّ عزَّةَ حاكَمَتْ شَمْسَ الضحَى ... فِي الحُسْنِ عِنْد موفَّقٍ لَقَضَى لَهَا)
فَقَالَ عبد الْملك خُذ النَّاقة يَا صَاحب جَهَنَّم وَكَانَ يُقَال من أَرَادَ رِقَّة الْغَزل فَعَلَيهِ بِشعر عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي وَمن شعره مَا رَوَاهُ ابْن الْأَنْبَارِي // (من الْكَامِل) //
(لَبِثُوا ثَلَاث مني بمَنْزِلِ قلعةٍ ... وَهُمُ عِلى عرضٍ لَعمْرُكَ مَا هُمُ)
(الْعَتِيق متجاوزينَ بغَيْرِ دارِ إقامةٍ ... لَو قد أجَدَّ رحيلهم لم يَقْدَمُوا)
(ولهن بالبيْتِ العتقِ لبانَةٌ ... والبيتُ يعرفُهُنَّ لَو يتكلَّمُ)
(لَو كَانَ حَيَّا قبلهنَّ ظعائناً ... حَيَّا الحطيمُ وجوهَهُنَّ وزَمْزَمُ)
(لكنَّهُ مِمَّا يطيفُ برُكْنِهِ ... منهنَّ صماء الصَّدَى مُسْتَعْجمُ)
(وكأنهنَّ وَقد صدرْنَ عشيَّةً ... بيضٌ بأكنافِ الخيامِ منظَّمُ)
وَفِي كتاب أَنْسَاب قُرَيْش للزبير بن بكار لعمر بن أبي ربيعَة قَوْله // (من الطَّوِيل) //
(نَظَرْتُ إِلَيْهَا بالمحصَّبِ من مِنًى ... ولي نَظَرٌ لَوْلَا التحرُّمُ عازمُ)
(فقلْتُ أشمسٌ أَو مصابيحُ بيعَةٍ ... بَدَتْ لكَ تَحت السُّجْفِ أَمْ أنْتَ حَالِمُ)
(بعيد مَهْوى القُرْطِ أما لنوفَلٍ ... أَبُوهَا وإمَّا عَبْدُ شَمْسٍ وهاشِمُ)
)
فَلم أستطِعْهَا غيْرَ أَنْ قَد بَدَا لَنا ... عشيَّةَ راحَتْ وَجْهُهَا والمَعَاصِمُ)
وَقَالَ الزبير بن بكار أنْشد ابْن أبي عَتيق سعيدَ بن الْمسيب قَول عمر بن أبي ربيعَة // (من الْخَفِيف) //
(أَيهَا الراكبُ المجدُّ ابتِدَارَا ... قد قَضَى مِنْ تِهَامَةَ الأوطارا)
(إِن يكُنْ قلبُكَ الغدَاة جلِيدًا ... ففؤادي بالحُبِّ أمْسَى مُعَارا)
(لَيْت ذَا الدَّهْرَ كَانَ حَتْمًا علينا ... كُلَّ يومَين حِجَّةً واعتِمَارا)
فَقَالَ سعيد بن الْمسيب لقد كلف ابْن أبي ربيعَة الْمُسلمين شططاً وروى الْأَصْمَعِي عَن صَالح بن أسلم قَالَ قَالَ عمر بن أبي ربيعَة إِنِّي قد
стр. 1338
أنشدت من الشّعْر مَا بلغك وَبلغ غَيْرك وَلَكِن وَرب هَذِه البِنِية يُشِير إِلَى الْكَعْبَة مَا حللت إزَارِي على فرج حرَام قطّ حضر مجْلِس عبد الْملك يَوْمًا قوم من وُجُوه الْعَرَب فَقَالَ لَهُم عبد الْملك أَي المناديل أفضل فَقَالَ بَعضهم مناديل مصر كَأَنَّهَا غِرقِئُ الْبيض وَقَالَ بعض مناديل الْيمن كَأَنَّهَا أنوار الرّبيع فَقَالَ عبد الْملك مَا صَنَعْتُم شَيْئا أفضلهَا مَا قَالَه عَبدة بن الطَّبِيب حَيْثُ يَقُول // (من الْبَسِيط) //
(لَمَّا نزلْنَا ضربْنَا ظِلَّ أخبيةٍ ... وفَارَ بالغَلْيِ للقَوْمِ المراجيلُ)
(ورد وأشْقَر لَا يُؤْنيه طابخُهُ ... مَا قارَبَ النضْجَ مِنْهَا فَهُوَ مأكولُ)
(ثمَّ انثنينا عَلَى عُوجٍ مسوَّمةٍ ... أعرافُهُنَّ لأيدينا منَاديِلُ)
ثمَّ قَالَ وَمَا أطربني لقَوْل طفيل الْخَيل // (من الْبَسِيط) //
(إِنِّي وإنْ قَلَّ مَالِي لَا يُفَارِقُنِي ... مِثلُ النعامةِ فِي أوصالهَا طُولُ)
(تقريبُهَا المَرطَى والجَوْزُ معتدلٌ ... كَأَنَّهُ سبدٌ بالماءِ مغسُولُ)
(أَو ساهم الوجهِ لم تقطَعْ أباجلُهُ ... يُصَانُ وَهْوَ بيومِ الروعِ مبذولُ)
قلت وَفِي حفظي لِابْنِ المعتز فِي مثل هَذَا الْمَعْنى من وصف الْفرس مَا يعجب سَمَاعه وَيحسن فِي الطروس إيداعه قَوْله // (من الْكَامِل) //
(وَلَقَد وَطِئْتُ الغيثَ يَحْملُنِي ... طِرْفٌ كلونِ الصبحِ حينَ وقدْ)
(يمشِي ويعرضُ فِي العِنَانِ كَمَا ... صَدَفَ المعشَّقُ بالدَّلَالِ وصَدّ)
(طارَتْ بِهِ رجلٌ موقعةٌ ... رجَّامةٌ لحَصَى الطرقِ وَيَدْ ...
(وَكَأَنَّهُ مَوْجٌ يسيلُ إِذا ... أطلقتَهُ وَإِذا حبست جَمَدْ)
وَقَول زيد الْخَيل // (من الرمل) //
(يَا بني الصيداء رُدُّوا فَرَسي ... إنماُيصنَعُ هَذَا بالذَّلِيلِ)
(لَا تذيلوه فَإِنِّي لم أكُن ... يَا بني الصَّيْدَا لِمُهْرِي بالمُذِيلِ)
(عَوِّدُوهُ كَالَّذِي عَوَّدْتُهُ ... دلج الْليلِ وَإِيطَاء القَتِيلِ)
قيل وفدت عزة على عبد الْملك بن مَرْوَان فَلَمَّا دخلت سلَمَت فَرد ﵍ ورحب بهَا وَقَالَ مَا أقدمك يَا عزة قَالَت شدَّة الزَّمَان وَكَثْرَة الألوان
стр. 1339
واحتباس الْقطر قَالَ هَل تروين لكثير // (من الطَّوِيل) //
(وَقَدْ زعَمتْ أنِّي تغيَّرْتُ بَعْدَمَا ... ومَنْ ذَا الَّذِي يَا عَزُّ لَا يتغَّيرُ)
قَالَت أَروِي لَهُ هَذَا وَلَكِنِّي أَروِي قَوْله فِي قصيدة لَهُ // (من الطَّوِيل) //
(كأَنِّي أُنَادِي صَخْرَةً حِينَ أَعْرَضَتْ ... مِنَ الصُّمِّ لَو تمشِي بهَا العُصْمُ زَلَّتِ)
قَالَ ماكنت لتصرين لى حَاجته أَو تهبين نَفسك لي فأزوجك مِنْهُ قَالَت الْأَمر إِلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا كنت لأزهد فِي هَذَا الشّرف الْبَاقِي لي مَا دَامَت الدُّنْيَا أَن يكون أَمِير الْمُؤمنِينَ وليي فَعظم بذلك قدرهَا عِنْده وَأمر لَهَا بِمَال وَكتب إِلَى كثير وَهُوَ بِالْكُوفَةِ أَن اركب الْبَرِيد وَعجل فَإِنِّي مزوجك عزة وَأَتَاهُ الْكتاب وَهُوَ مضني من الشوق إِلَيْهَا فَرَحل وَأَقْبل نَحْوهَا فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق إِذا هُوَ بغراب على شَجَرَة بانة ينتف ريشه ويطايره وَكَانَ كثير شَدِيد الطيرَة فَلَمَّا رَآهُ تَطَير وهَم بالانصراف ثمَّ غَلبه شوقه فَمضى وَهُوَ مكروب لما رأى حَتَّى آتى مَاء لبني نهد فَإِذا هُوَ بِرَجُل يسْقِي إبِله فَنزل كثير عَن رَاحِلَته واستظل بشجرة هُنَاكَ فَأَبْصَرَهُ النَّهْدِيّ وَأَتَاهُ وَسَأَلَهُ عَن اسْمه وَنسبه فانتسب فرحبَ بِهِ فَأخْبرهُ كثير عَمَّا رأى فِي طَرِيقه فَقَالَ أما الْغُرَاب فغربة وَأما البانة فَبين وَأما نتف ريشه ففرقة فتطير من ذَلِك ومشَى حَتَّى دنا من دمشق فَإِذا بِجنَازَة فاستعبر وَقَالَ أسأَل الله خير مَا هُوَ كَائِن فَسَأَلَ عَن الْمَيِّت فَإِذا هِيَ عزة فَخر مغشياً عَلَيْهِ فعُرِفَ وصب عَلَيْهِ المَاء فَكَانَ مجهوده أَن بلغ الْقَبْر فَلَمَّا دفنت انكب على الْقَبْر وَهُوَ يَقُول // (من الطَّوِيل) //
(سِرَاجُ الدُّجَى صفْرُ الحَشَا مُنْتَهى المنى ... كَشَمْسِ الضحَى نَوَّامة حينَ أُصْبحُ)
(إِذا مامشتْ بَين البيوتِ تخزَّلت ... ومالَتْ كَمَا مَال النزيفُ المرنَّحُ)
(تعاَّقتُ عزا وهىَ رَود شبابها ... علاقَة حُبَّ كَاد بالقَلْبِ يرجحُ)
(أقولُ ونِضْوِى واقفٌ عِنْد رَمْسِها ... عليكِ سلامُ اللهِ والعَيْن تسفَحُ)
(فَهَلا فَدَاكِ الموتُ مَنْ أنتِ دونه ... ومَنْ هُوَ أسوا منكِ دلَاّ وأقبحُ)
(على أمَّ بكرٍ رحمةٌ وتحيَّةٌ ... لَهَا مِنْك والنائي يودُّ ينصحُ)
(منعمة لَو يدرج النمْلُ بَينهَا ... وَبَين حواشِي بردهَا كَادَ يجرحُ)
(وَمَا نظَرَتْ عَيْني إِلَى ذِي بشاشةٍ ... من الناسِ إِلَّا أنْتِ فِي العينِ أملحُ)
стр. 1340
ثمَّ بَكَى حَتَّى غشي عَلَيْهِ فأفاق وَهُوَ يَقُول // (من الطَّوِيل) //
(مَا أَعْيفَ النَّهْدِيَّ لَا دَرَّ دَرُّهُ ... وأزجَرَهُ للطَّيْرِ لَا طَارَ طاءرُهْ)
(رأيتُ غراباً واقِعًا فَوْقَ بانَةٍ ... يُنَتّفُ أعلَى ريشِهِ ويطايرُهْ)
(فَقَالَ غرابٌ ذَا اغترابٌ من النوَى ... وبانَة بَيْن مِنْ حَبِيبٍ تُعَاشِرُهْ)
ثمَّ لم ير ضَاحِكا بعْدهَا حَتَّى أدْركهُ الْمَوْت انْتهى وَقيل كَانَ جوثة الضمرِي صديقا لعبد الْملك بن مَرْوَان ثمَّ خرج عَلَيْهِ مَعَ ابْن الزبير فَلَمَّا استأمن النَّاس قَالَ عبد الْملك لجوثة أكنتُ مُسْتَحقّا مِنْك أَن تعين ابْن الزبير على مَا بيني وَبَيْنك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تعجلن عَليّ حَتَّى تسمعَ عُذْري قَالَ هاته قَالَ هَل رَأَيْتنِي قطّ فِي حَرْب أَو سباق أَو نضال إِلَّا والفئة الَّتِي أَنا مَعهَا مغلوبة ومهزومة بِسوء بخْتِي وشؤمي وَإِنِّي خرجت مَعَ ابْن الزبير ليقل على رسمي فَضَحِك مِنْهُ عبد الْملك وَعَفا عَنهُ وَأحسن إِلَيْهِ وَقَالَ عبد الْملك كلكُمْ يرشح نَفسه لهَذَا الْأَمر يَعْنِي الْخلَافَة وَلَا يصلح لَهُ مِنْكُم إِلَّا من كَانَ لَهُ سيف مسلول وَمَال مبذول وَعدل تطمئِن إِلَيْهِ الْقُلُوب والعقول وَقَالَ لِابْنِهِ الْوَلِيد يَا بني اعْلَم أَنه لَيْسَ بَين السُّلْطَان وَبَين أَن يملك الرّعية أَو تملكه الرّعية إِلَّا حزم أَو توان واصطبح فِي يَوْم شَدِيد الْبرد فَدَعَا بِزَوْج سمور وعمامة خَز فلبسهما وَأمر بكَوَانِينِ النارِ فأضرم فِيهَا الفحم بَين يَدَيْهِ ثمَّ دَعَا بمُضَحِكٍ لَهُ يُدعَى أَبَا الزعيريرة فَقَالَ لَهُ عبد الْملك اخْرُج إِلَى الشتَاء فَقل لَهُ أرعد وأبرق كَيفَ شِئْت قد استعددنا لَك فَخرج إِلَى صحن الدَّار ثمَّ عَاد فَقَالَ قد أديتُ رسالتَكَ إِلَيْهِ فَقَالَ أمَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ وَلَكِن وَالله لَأَضرِبَن ضبب أبي الزعيريرة ضربا يدْخلهُ فِي حِر أمه فَضَحِك مِنْهُ وَوَصله وخلع عَلَيْهِ من ثِيَابه وَكَانَ يَقُول خلَّتَانِ لَا تدعوهما إِن قدرتم تعلم الْعَرَبيَّة ولباس الثِّيَاب الفاخرة فَإِنَّهُمَا الزِّينَة والمروءة الظَّاهِرَة وَعَن عوَانَة قَالَ جرى بَين عُرْوَة بن الزبير وَبَين عبد الْملك بن مَرْوَان كَلَام أغْلظ لَهُ عُرْوَة فِيهِ وَكَانَ الْحجَّاج حَاضرا فَقَالَ لَهُ يَا ابْن العمياء أَتكَلّم أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمثل هَذَا فَقَالَ لَهُ عُرْوَة وَمَا أَنْت وَذَاكَ يَا ابْن المتمنية فَضَحِك
стр. 1341
عبد الْملك وَقَالَ للحجاج قد كنت غَنِيا عَن هَذَا وَإِنَّمَا أَرَادَ عُرْوَة أَن أم الْحجَّاج وَهِي الفارعة بنت همام قَالَت // (من الْبَسِيط) //
(هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى خَمرٍ فَأَشْرَبَها ... أَمْ هَلْ سَبِيلٌ إِلَى نَصْرِ بنِ حَجَّاجِ)
وَكَانَ نصر بن الْحجَّاج هَذَا من أجمل أهل الْمَدِينَة قلت ذكرُوا أَن عمر بن الْخطاب خشِي من وُقُوع الْفِتْنَة بِهِ فنفاه من الْمَدِينَة بعد أَن حلق لمة كَانَت لَهُ فَفِيهِ يَقُول الشَّاعِر // (من الْخَفِيف) //
(حَلَقُوا رَأْسَهُ لِيَزْدَادَ قُبْحا ... غِيرَةٌ مِنْهُمُ عَلَيْهِ وشُحَّا)
(كَانَ صُبْحًا عَلَيْهِ لَيْلٌ بهيمٌ ... فَمَحَوْا لَيْلَهُ وأَبْقَوْهُ صُبْحَا)
وَعَن الْمَدَائِنِي جرى بَين عبد الْملك وَعَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ مُنَازعَة فَأَغْلَظ لَهُ عَمْرو فَقَالَ لَهُ خَالِد بن يزِيد يَا عَمْرو أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا يكلم بِمثل هَذَا فَقَالَ لَهُ عَمْرو اسْكُتْ فوَاللَّه لقد سلبوك ملكَكَ ونكَحُوا أمك فَمَا هَذَا النصح الموشح بغش أَنْت كَمَا قَالَ الشَّاعِر // (من الطَّوِيل) //
(كَمُرْضِعَةٍ أولادَ أُخْرَى وضيعَتْ ... بنيها فَلَم ترقع بذلك مَرْقَعَا)
وَقدم الْحجَّاج على عبد الْملك بن مَرْوَان فَمر بِخَالِد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة وَعِنْده رجل من أهل الشَّام فَقَالَ الشَّامي لخَالِد من هَذَا يُشِير إِلَى الْحجَّاج فَقَالَ لَهُ خَالِد كَالْمُسْتَهْزِئِ هَذَا عَمْرو بن الْعَاصِ فَعدل إِلَيْهِ الْحجَّاج وَقَالَ إِنِّي وَالله مَا أَنا بِعَمْرو بن الْعَاصِ وَلَا ولدت عمرا وَلَا ولدني وَلَكِنِّي ابْن الغطاريف من ثَقِيف والعقائل من قُرَيْش وَلَقَد ضربت بسيفي هَذَا أكثَرَ من مائَة ألف كلهم يشْهد أَنَّك وأباك وَجدك من أهل النَّار ثمَّ لم أجد لذَلِك جَزَاء وَلَا شكرا وَانْصَرف عَنهُ وَهُوَ يَقُول عَمْرو بن الْعَاصِ عَمْرو بن الْعَاصِ وَكَانَ عبد الْملك إِذا دخل عَلَيْهِ رجل من أفق من الْآفَاق قَالَ لَهُ أعفني من أَربع وَقل بعْدهَا مَا شِئْت لَا تكذبني فَإِن المكذوب لَا رَأْي لَهُ وَلَا تجبني عَمَّا لم أَسأَلك فَإِن فِيمَا أَسأَلك غنية عَنهُ وَلَا تطرني فَإِنِّي أعلم بنفسي مِنْك وَلَا تحملنِي على الرّعية فَإِنِّي إِلَى الرِّفْق بهم أحْوج ذكر ابْن خلكان أَن عبد الْملك بن مَرْوَان لما عزم على الْخُرُوج لمحاربة
стр. 1342
مُصعب بن الزبير ناشدته زَوجته عَاتِكَة بنت يزِيد بن مُعَاوِيَة أَلا يخرج بِنَفسِهِ وَأَن يَسْتَنِيب غَيره وألحت عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَة فَلَمَّا لم يسمع مِنْهَا بَكت وَبكى من حولهَا من جواريها وحشمها فَقَالَ عبد الْملك قَاتل الله كثيراًَ كَأَنَّهُ رأى موقفنا هَذَا حِين قَالَ // (من الطَّوِيل) //
(إِذا مَا أرَادَ الغزْوَ لم يَثْنِ هَمَّهُ ... حَصَانٌ عَلَيْهَا نَظْمُ دُرِّ يَزينُهَا)
(نهتْهُ فلمَّا لم تَرَ النَّهيَ عاقَهُ ... بكَتْ فبكَى مِمَّا شَجَّاهَا قَطِينُهَا)
ثمَّ عزم عليهل أَن تقصر وَخرج وروى جرير بن عبد الحميد لعبد الْملك // (من الطَّوِيل) //
(لَعَمْري لقد عُمِّرْتُ فِي الدهْرِ بُرْهَةً ... ودلنَتْ لِيَ الدُّنيا بِوَقْعِ البَوَاترِ)
(فَأضحَى الَّذِي قد كَانَ ممَّا يَسُرُّنِي ... كلمحٍ مَضَى فِي المزمناتِ الغوابرِ)
(فيا لَيْتَني لَمْ أَغْنَ فِي الْملك ساعةَ ... وَلم أَلْهُ فِي لذاتِ عيشٍ نواضِرِ)
(وكنتُ كذي طِمْرَيْنِ عاشَ ببُلْغَةٍ ... من الدَّهْرِ حتَّى زارَ ضَنْكَ المَقَابرِ)
وَعَن يحيى الغساني قَالَ كَانَ عبد الْملك كثيرا مَا يجلس إِلَى أم الدَّرْدَاء فِي مُؤخر الْمَسْجِد بِدِمَشْق فَقَالَت لَهُ مرّة بَلغنِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنَّك شربت الطلا بعد النّسك وَالْعِبَادَة فَقَالَ إِي وَالله والدماء وَقَالَ عَليّ بن مُحَمَّد لما أيقَنَ عبد الْملك بِالْمَوْتِ دَعَا مَوْلَاهُ أَبَا علاقَة فَقَالَ وَالله لَوَدِدْت أَنِّي كنت مُنْذُ ولدت يومي هَذَا جمالَا وَلم يكن لَهُ من الْبَنَات إِلَّا وَاحِدَة وَهِي فَاطِمَة وَكَانَ قد أَعْطَاهَا قرطي مَارِيَة والدرة الْيَتِيمَة وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي لم أخلف شَيْئا أهم إِلَيّ مِنْهَا فاحفظها فَتَزَوجهَا عمر بن عبد الْعَزِيز ثمَّ أوصى بنيه بتقوى الله ونهاهم عَن الْفرْقَة وَالِاخْتِلَاف وَقَالَ انْظُرُوا مسلمة وأصدروا عَن رَأْيه يَعْنِي أَخَاهُم فَإِنَّهُ مجنكم الَّذِي تجتنون بِهِ ونابكم الَّذِي عَنهُ تفترون وَكُونُوا بني أم بررة وَكُونُوا فِي الْحَرْب أَحْرَار واحلولوا فِي مرَارَة ولينوا فِي شدَّة وَكُونُوا كَمَا قَالَ ابْن عبد الْأَعْلَى الشَّيْبَانِيّ // (من الْكَامِل) //
(إنَّ القِدَاحَ إِذا اجتمعْنَ فَرَامَهَا ... بالكَسْرِ ذُو حَنَقٍ وبطْشٍ أَيِّدِ)
(عَزَّتْ فَلم تُكْسَرْ وإنْ هِيَ بُدِّدَتْ ... فالكَسْرُ والتوْهِينُ للمتبدِّدِ)
стр. 1343
يَا وَلَدي اتَّقِ الله فِيمَا أخلفك فِيهِ واحفظ وصيتي وَخذ بأَمْري وَانْظُر أخي مُعَاوِيَة فَإِنَّهُ ابْن أُمِّي وَقد ابتلى فِي عقله بِمَا علمتَ ولولاك لآثرته بالخلافة فصل رَحمَه واحفظني فِيهِ وَانْظُر أخي مُحَمَّد بن مَرْوَان فأقره على الجزيرة وَلَا تعزله وَانْظُر أَخَاك عبد الله فَلَا تؤاخذه وأقرره على عمله بِمصْر وَانْظُر الْحجَّاج فَأكْرمه فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي وطأ لكم المنابر وَهُوَ سَيْفك يَا وليد ويدك على من ناوأك فَلَا تسمعن فِيهِ قَول أحد وَأَنت إِلَيْهِ أحْوج مِنْهُ إِلَيْك ثمَّ تمثل // (من الوافر) //
(فَهَلْ مِنْ خالدٍ إمَّا هَلَكْنا ... وهَلْ بالمَوْتِ يَا للناسِ عارُ)
وِلَادَته فِي شهر رَمَضَان سنة خمس وَعشْرين من الْهِجْرَة وجلوسه فِي شهر رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ مدَّته إِحْدَى وَعِشْرُونَ سنة وشهران وَفَاته يَوْم الْخَمِيس نصف شَوَّال سنة سِتّ وَثَمَانِينَ عمره إِحْدَى وَسِتُّونَ سنة خلف سَبْعَة عشر ذكرا وَأُنْثَى وَاحِدَة ولي الْخلَافَة مِنْهُم أَرْبَعَة الْوَلِيد وَسليمَان وَهِشَام وَيزِيد وَكَانَ مِنْهُم ولد اسْمه مُعَاوِيَة مَشْهُورا بالعِي والبلادة طَار يَوْمًا باز من يَده فَقَالَ أغلقوا أَبْوَاب الْمَدِينَة حَتَّى لَا يخرج الْبَازِي ووقف يَوْمًا على بَاب طحان فَنظر إِلَى حمَار لَهُ يَدُور بالرحى وَفِي عُنُقه جلجل فَقَالَ للطحان لم جعلت هَذَا الجلجل فِي عنق هَذَا الْحمار فَقَالَ الطَّحَّان رُبمَا أدركتني سآمة أَو نمت فَإِذا لم أسمع الجلجل علمت أَنه وَاقِف فَصحت عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَرَأَيْت إِن وقف الْحمار وحرك رَأسه بالجلجل فَقَالَ الطَّحَّان من لي بِحِمَار يكون عقله مثل عقل ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ أَبوهُ عبد الْملك منع أَن يمشي أحد بِاللَّيْلِ بعد الْعشَاء الْأَخِيرَة فَخرج ذَات لَيْلَة مَعَ الشَّرْط يَدُور فِي الطّرق فوجدوا رجلَا فَلَمَّا رَآهُمْ الرجل قعد على رَوْث فرس فَقَالُوا لَهُ لم خرجتَ قَالَ خرجت لأقضي الْحَاجة فتلوه من يَده فَإِذا تَحْتَهُ رَوْث فرس فَقَالُوا لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ لَا عَلَيْكُم أَلا تبحثوا عَن ذَلِك يخرى كل إِنْسَان مَا أَرَادَ فَقَالَ مُعَاوِيَة ابْن عبد الْملك صدق وَالله فأطلقوه بعد أَن استغبروا ضحكاً وَكَانَ عبد الْملك يروم خلع أَخِيه عبد الْعَزِيز من ولَايَة الْعَهْد الَّذِي كَانَ عَهده أَبوهُ مَرْوَان لعبد الْملك بن مَرْوَان ثمَّ من بعده لِأَخِيهِ عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان والبيعة لِابْنِهِ
стр. 1344
الْوَلِيد وَكَانَ قبيصَة ينهاه عَن ذَلِك وَيَقُول لَعَلَّ الْمَوْت يَأْتِيهِ وتدفع الْعَار عَن نَفسك وجاءه رَوح بن زنباع لَيْلَة وَكَانَ عِنْده عَظِيما ففاوضه فِي ذَلِك فَقَالَ لَو فعلته مَا انتطح فِيهِ عنزان فَقَالَ نصبح إِن شَاءَ الله وَأقَام روح عِنْده وَدخل عَلَيْهِمَا قبيصَة بن ذُؤَيْب من جنح اللَّيْل وهما نائمان وَكَانَ لَا يحتجب عَنهُ وَإِلَيْهِ الْخَاتم وَالسِّكَّة فَأخْبرهُ بِمَوْت عبد الْعَزِيز أَخِيه فَقَالَ عبد الْملك لروح كفانا الله مَا نُرِيد ثمَّ ضم مصر إِلَى ابْنه عبد الله بن عبد الْملك وَيُقَال إِن الْحجَّاج كتب إِلَى عبد الْملك يزين لَهُ الْبيعَة للوليد فَكتب عبد الْملك إِلَى عبد الْعَزِيز إِنِّي رَأَيْت أَن يصير الْأَمر إِلَى ابْن أَخِيك فَكتب لَهُ عبد الْعَزِيز إِنِّي أرى فِي ابْني أبي بكر مَا ترى فِي الْوَلِيد فَكتب عبد الْملك إِلَى عبد الْعَزِيز أَن يحمل خراج مصر فَكتب إلية إِنِّي وَإِيَّاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أَشْرَفنَا على عمر أهل بيتنا وَلَا ندرى أَيّنَا يَأْتِيهِ الْمَوْت فَلَا تفْسد على بَقِيَّة عمري فَرَق لَهُ عبد الْملك وَتَركه وَلما جَاءَ الْخَبَر بِمَوْتِهِ وَذَلِكَ سنة أَربع وَثَمَانِينَ أَمر النَّاس بالبيعة لِوَلَدَيْهِ الْوَلِيد ابْن عبد الْملك وَسليمَان بن عبد الْملك وَكتب بالبيعة لَهما إِلَى الْبلدَانِ وَكَانَ على الْمَدِينَة هِشَام بن إِسْمَاعِيل المَخْزُومِي فَدَعَا النَّاس إِلَى الْبيعَة فَأَجَابُوا إِلَّا سعيد بن الْمسيب فَضَربهُ ضربا مبرحاً وَطَاف بِهِ فِي الْأَسْوَاق وَكتب عبد الْملك إِلَى هِشَام يلومه وَيَقُول إِن سعيد لَيْسَ عِنْده شقَاق وَلَا خلاف وَقد كَانَ ابْن الْمسيب امْتنع من بيعَة ابْن الزبير فَضَربهُ جَابر بن الْأسود عَامل الْمَدِينَة لِابْنِ الزبير سِتِّينَ سَوْطًا وَكتب ابْن الزبير يلوم جَابِرا
(خلَافَة الْوَلِيد بن عبد الْملك)
قَالَ الثعالبي قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان ولدت فِي شهر رَمَضَان وفطمت فِيهِ وَبَلغت الْحلم فِيهِ وَوليت الْخلَافَة فِيهِ وختمت الْقُرْآن فِيهِ وأظن موتِي فِيهِ فَلَمَّا
стр. 1345
دخل شَوَّال أَمن الْوَفَاة فَتوفي فِي شَوَّال فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ كَمَا تقدم ذكره وَلما دفن قَالَ الْوَلِيد إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَالله الْمُسْتَعَان على مُصِيبَتنَا بأمير الْمُؤمنِينَ وَالْحَمْد لله على مَا أنعم بِهِ علينا من الْخلَافَة فَكَانَ أول من عزى نَفسه وهنأها ثمَّ قَامَ عبد الله بن همام السَّلُولي فَقَالَ // (من الرجز) //
(أَللهُ أعْطَاك الَّتِي لَا فَوْقَهَا ... وَقَدْ أَرَادَ المُلْحِدُونَ عَوْقَهَا)
(عَنْكَ ويَأْبَى الله إِلَّا سَوْقَهَا ... إلَيْكَ حَتَّى قَلَّدُوكَ طوقَهَا)
وَبَايَعَهُ ثمَّ بَايعه النَّاس بعده ثمَّ صعد الْوَلِيد الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس لَا مقدم لما أخر الله وَلَا مُؤخر لما قدمه الله وَقد كَانَ من قَضَاء الله وسابق علمه مَا كتب على أنبيائه وَحَملَة عَرْشه الْمَوْت وَقد صَار أبي إِلَى منَازِل الْأَبْرَار وَولي هَذِه الْأمة بِالَّذِي يحِق الله عَلَيْهِ من الشدَّة على المذنب واللين لأهل الْحق وَالْفضل وَإِقَامَة مَا أَقَامَ الله من منَازِل الْإِسْلَام وأعلامه من حج الْبَيْت وغزو الثغور وَشن الْغَارة على أَعدَاء الله فَلم يكن عَاجِزا وَلَا مفرطاً أَيهَا النَّاس عَلَيْكُم بِالطَّاعَةِ وَلُزُوم الْجَمَاعَة فَإِن الشَّيْطَان مَعَ الْفَرد أَيهَا النَّاس من أبدى لنا نَفسه ضربنا الَّذِي فِيهِ عَيناهُ وَمن سكت مَاتَ بدائه ثمَّ نزل
(عمَارَة الْمَسْجِد النَّبَوِيّ على يَد عَامله على الْمَدِينَة عمر بن عبد الْعَزِيز)
كَانَ الْوَلِيد عزل هِشَام بن إِسْمَاعِيل المَخْزُومِي عَن الْمَدِينَة سنة سبع وَثَمَانِينَ وَولى عَلَيْهَا ابْن عَمه عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان فَقَدمهَا وَنزل دَار مَرْوَان ودعا عشرَة من فُقَهَاء الْمَدِينَة فيهم الْفُقَهَاء السَّبْعَة المعروفون فجعلهم أهل مشورته لَا يقطع أمرا دونهم فَأَمرهمْ أَن يبلغُوا الْحَاجَات والظلامات إِلَيْهِ فشكروه وجزوه خيرَاً ودعا لَهُ النَّاس
стр. 1346
ثمَّ كتب إِلَيْهِ الْوَلِيد سنة ثَمَانِينَ أَن يدْخل حجر أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ فِي الْمَسْجِد وَأَن يَشْتَرِي مَا فِي نواحي الْمَسْجِد من الدّور حَتَّى يَجعله مِائَتي ذِرَاع فِي مثلهَا وَيقدم الْقبْلَة وَمن أبي أَن يعطيك ملكه فقومه قيمَة عدل وادفع إِلَيْهِ الثّمن واهدم عَلَيْهِ الْملك وَلَك فِي عمر وَعُثْمَان أُسْوَة فِي ذَلِك فَأعْطَاهُ أهل الْأَمْلَاك مَا أحب مِنْهَا بأثمانها وَبعث الْوَلِيد إِلَى ملك الرّوم إِنِّي أُرِيد بِنَاء الْمَسْجِد النَّبَوِيّ فَبعث إِلَيْهِ ملك الرّوم بِمِائَة ألف مِثْقَال من الذَّهَب وَمِائَة من الفعلة وَأَرْبَعين حملا من الفسيفساء فَبعث بذلك كُله إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز واستكثر مَعَهم من فعلة الشَّام وَشرع فِي عِمَارَته فعمره عمر بن عبد الْعَزِيز وَلم يُغير شَيْئا من مَكَانَهُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي زَمَنه
حَتَّى إِنَّه يَأْتِي الْجذع الْقَائِم فيقلعه ثمَّ يضع مَوْضِعه أساس الأسطوانة وَيرْفَع الْبناء عَلَيْهَا فَلِذَا ترى بعض الأساطين متسعاً مَا بَينهَا وَبَعضهَا متضايقاً لِأَنَّهَا كَانَت كَذَلِك فِي بِنَاء عمر بن الْخطاب الَّذِي هُوَ على بنائِهِ ﵊ ورزق الْفُقَهَاء والفقراء والضعفاء وَحرم عَلَيْهِم سُؤال النَّاس وَفرض لَهُم مَا يكفيهم وَضبط الْأُمُور أتم ضبط ثمَّ ولى سنة تسع وَثَمَانِينَ على مَكَّة خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي قَالَ العبشمي عَن أَبِيه كَانَ الْوَلِيد دميماً سَائل الْأنف طويلَا أسمر بِهِ أثر جدري أفطس وبمقدم لحيته شمط لَيْسَ فِي رَأسه ولحيته غَيره إِذا مَشى يتبختر فِي مشيته كَانَ أَبَوَاهُ يترفانه فشب بِلَا أدب وَلَا علم وروى يحيى الغساني أَن روح بن زنباغ قَالَ دخلت يَوْمًا على عبد الْملك وَهُوَ مهموم فَقَالَ لي فَكرت فِيمَن أوليه أَمر الْعَرَب فَلم أَجِدهُ فَقلت أَيْن أَنْت عَن الْوَلِيد قَالَ إِنَّه لَا يحسن النَّحْو قَالَ فَقَالَ لي عبد الْملك رُح إِلَى العشية فَإِنِّي سأظهر كآبة فسلني قَالَ فرحت إِلَيْهِ والوليد عِنْده فَقلت لَهُ لَا يسوءك الله مَا هَذِه الكآبة قَالَ فَكرت فِيمَن أوليه أَمر الْعَرَب فَلم أَجِدهُ فَقلت أَيْن أَنْت عَن رَيْحَانَة قُرَيْش وسيدها الْوَلِيد فَقَالَ لي يَا أَبَا زنباع إِنَّه لَا يَلِي الْعَرَب إِلَّا من تكلم
стр. 1347
بكلامهم قَالَ فَسَمعَهَا الْوَلِيد فَقَامَ من سَاعَته وَجمع أَصْحَاب النَّحْو وَجلسَ مَعَهم فِي بَيت وطبق عَلَيْهِ سِتَّة أشهر ثمَّ خرج وَهُوَ أَجْهَل مِمَّا كَانَ فَقَالَ عبد الْملك أما إِنَّه قد أعذر كَذَا قَالَه الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي الدول وروى سعيد بن عَامر الضبعِي عَن كثير أبي الْفضل الطفَاوِي قَالَ شهِدت الْوَلِيد بن عبد الْملك صلى الْجُمُعَة وَالشَّمْس على الشّرف ثمَّ صلى الْعَصْر وَبَنُو أُميَّة معروفون بِتَأْخِير الصَّلَوَات عَن أول أَوْقَاتهَا قَالَ فِي مسامرة الْأَخْبَار قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي حَدثنَا أَبُو عِكْرِمَة الضَّبِّيّ أَن الْوَلِيد بن عبد الْملك قَرَأَ على الْمِنْبَر ﴿يَا ليتَهَا كانتِ القَاضِيَةَ﴾ الحاقة ٢٧ وَضم التَّاء وَتَحْت الْمِنْبَر عمر بن عبد الْعَزِيز وَسليمَان بن عبد الْملك أَخُوهُ فَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز وددتها وَالله عَلَيْك وَعَن أبي الزِّنَاد قَالَ كَانَ الْوَلِيد لحانا كَأَنِّي اسْمَعْهُ على مِنْبَر النَّبِي
يَقُول يَا أهل الدينة وَكَانَ الْوَلِيد جباراً ظالمَاً لكنه أَقَامَ الْجِهَاد فِي أَيَّامه وَفتحت فِي خِلَافَته فتوحات عَظِيمَة وَكَانَ يختن الْأَيْتَام ويرتب لَهُم المؤدبين ويرتب للزمنَى من يخدمهم وللأضراء من يقودهم من رَقِيق بَيت مَال وَعمر مَسْجده عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام ووسَعه وَكَانَ يبر حَملَة الْقُرْآن وَيَقْضِي دُيُونهم وَبنى الْجَامِع الْأمَوِي فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَثَمَانِينَ قَالَ الْعَلامَة مُحَمَّد بن مصطفى الشهير بكاتي فِي تَارِيخه بغية الخاطر إِن الْوَلِيد بنى بِدِمَشْق الْجَامِع الْمَشْهُور بِجَامِع بني أُميَّة وَشرع فِي بنائِهِ أَوَاخِر سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَحين شرع احضر العملة من كل جِهَة وعدتهم اثْنَا عشر ألف رجل وَأنْفق فِي عِمَارَته أَرْبَعمِائَة صندوق فِي كل صندوق من الذَّهَب الْعين ثَمَانِيَة وَعشْرين ألف دِينَار ذَهَبا أَحْمَر وامتد بِنَاؤُه عشر سِنِين وَفِيه عَمُود من المرمر يمِيل إِلَى الْحمرَة اشْتَرَاهُ بِأَلف وَخَمْسمِائة دِينَار
стр. 1348
قَالَ فِي خريدة الْعَجَائِب وَفِي محرابه عمودان صغيران من المرمر الْأَخْضَر حصله من عرش بلقيس الملكة ابْنة الهدهاد زَوْجَة سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ وَجعل فِي الْمَسْجِد طاقات على عدد أَيَّام السّنة تدخل الشَّمْس فِي كل يَوْم من طاق من تِلْكَ الطاقات وَكَانَت فِيهِ سِتّمائَة سلسلة من ذهب للقناديل وَمَا زَالَت إِلَى أَيَّام عمر بن عبد الْعَزِيز بعد سُلَيْمَان بن عبد الْملك فَجَعلهَا فِي بَيت المَال وَاتخذ عوضهَا صفراً وحديداً قَالَ الذَّهَبِيّ قَالَ ضَمرَة عَن عَليّ بن أبي عبلة سمع عبد الله بن عبد الْملك ابْن مَرْوَان قَالَ قَالَ لي الْوَلِيد كَيفَ أَنْت وَالْقُرْآن قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أختمه فِي كل جُمُعَة قلت فَأَنت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ وَكَيف مَعَ الِاشْتِغَال قلت على ذَلِك قَالَ فِي كل ثَلَاث قَالَ عَليّ فَذكرت ذَلِك لإِبْرَاهِيم بن أبي عبلة فَقَالَ كَانَ يخْتم فِي رَمَضَان سبع عشرَة ختمة وَقَالَ ضَمرَة سَمِعت إِبْرَاهِيم بن أبي عبلة يَقُول رحم الله الْوَلِيد وَأَيْنَ مثل الْوَلِيد فتح الْهِنْد والسند والأندلس وَغَيرهَا وَبنى مَسْجِد النَّبِي
ووسعه وَبني مَسْجِد دمشق وَكَانَ يعطيني قصاع الْفضة أقسمها على قَرَأَ بَيت الْمُقَدّس غَرِيبَة قَالَ عَمْرو بن عبد الْوَاحِد الدِّمَشْقِي عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر عَن أَبِيه قَالَ خرج الْوَلِيد بن عبد الْملك من الْبَاب الْأَصْغَر فَوجدَ رجلا عِنْد الْحَائِط عِنْد المئذنة الشرقية يَأْكُل وَحده فجَاء حَتَّى وقف على رَأسه فَإِذا هُوَ يَأْكُل خبزَاً وتراباً فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد مَا شَأْنك انْفَرَدت عَن النَّاس قَالَ أَحْبَبْت الْوحدَة قَالَ فَمَا حملك على أكل التُّرَاب أما فِي بَيت مَال الْمُسلمين مَا يجْرِي عَلَيْك قَالَ بلَى وَلَكِن رَأَيْت القنوع قَالَ فَرجع الْوَلِيد إِلَى مَجْلِسه ثمَّ أحضرهُ فَقَالَ إِن لَك لخبرا لختبرني بِهِ وَإِلَّا ضربت عُنُقك قَالَ نعم كنت جمالا وَمَعِي ثَلَاثَة أجمال موقرة طَعَاما حَتَّى أتيت مرج الصفر فَقَعَدت فِي خربة أبول فَرَأَيْت الْبَوْل ينصب فِي شقّ فَأَتْبَعته حَتَّى كشفته فَإِذا غطاء على حفير فَنزلت فَإِذا مَال صبيب
стр. 1349
فأنخت رواحلي وحللت أعكامي ثمَّ أوقرتها ذَهَبا وغطيت الْمَوْضُوع فَلَمَّا سرت عَنهُ غير يسير وجدت معي مخلاة فِيهَا طَعَام فَقلت أَنا أترك الكسرة ففرغتها وَرجعت لأملأها فخفي على الْموضع وأتعبني الطّلب فَرَجَعت إِلَى الْجمال فَلم أَجدهَا وَلم أجد الطَّعَام الَّذِي أخرجته من المخلاة فآليت على نَفسِي أَلا آكل شَيْئا إِلَّا الْخبز بِالتُّرَابِ فَقَالَ الْوَلِيد كم لَك من الْوَلَد فَذكر عيالا قَالَ يجْرِي عَلَيْك من بَيت المَال وَلَا تسْتَعْمل فِي شَيْء فَإِن هَذَا هُوَ المحروم قَالَ ابْن جَابر فَذكر لنا أَن الْجمال جَاءَت إِلَى بَيت مَال الْمُسلمين فأناحت عِنْده فَأَخذهَا أَمِين الْوَلِيد فطرحها فِي بَيت المَال رُوَاته ثِقَات قَالَه الْكِنَانِي وَعَن نمير بن عبد الله الصَّنْعَانِيّ عَن أَبِيه قَالَ قَالَ الْوَلِيد لَوْلَا أَن الله ذكر آل لوط فِي الْقُرْآن مَا ظَنَنْت أَن أحدَاً يفعل هَذَا وَعَن يزِيد بن الْمُهلب قَالَ لما ولاني سُلَيْمَان بن عبد الْملك خرسان روعني عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ لي يَا يزِيد اتَّقِ الله فَإِنِّي حِين وضعت الْوَلِيد فِي قَبره إِذا هُوَ يرْكض فِي أَكْفَانه يَعْنِي يضْرب الأرضْ برجليه دخل جرير على الْوَلِيد بن عبد الْملك وَعِنْده عدي بن الرّقاع العاملي فَقَالَ الْوَلِيد لجرير أتعرف هَذَا قَالَ لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قل هَذَا عدي بن الرّقاع فَقَالَ جرير شَرّ الثِّيَاب الرقاِع فممنْ هُوَ قَالَ من عاملة قَالَ جرير الَّذين يَقُول الله تَعَالَى فيهم ﴿عاملة ناضبة تَصلى نَاراً حَاميَةَ﴾ الغاشية ٣، ٤ ثمَّ قَالَ // (من الطَّوِيل) //
(يُقَصَّرُ باعُ العامِلِي عَن العُلا ... ولكنَّ أَيْرَ العامِلِيِّ طويلُ)
فَقَالَ لَهُ عدي // (من الطَّوِيل) //
(أأمُّكَ كَانَتْ خَبِّرَتْكَ بِطُولِهِ ... أَمَ انْتَ امْرُؤٌ لَمْ تَدْرِ كَيْفَ تَقُولُ)
стр. 1350
فَقل لَا بل أَنا امْرُؤ لم أدر كَيفَ أَقُول فَوَثَبَ عدي إِلَى رجل الْوَلِيد يقبلهَا وَيَقُول أجرني مِنْهُ فَقَالَ الْوَلِيد لجرير لَئِن ذكرته فِي شعرك لأسرجنك وألجمنك حَتَّى يركبك فتعيرك بذلك الشُّعَرَاء قَالَ الْمَدَائِنِي آتى الْوَلِيد بن عبد الْملك بِرَجُل من بني عبس قد ذهبت عينه فَسَأَلَهُ عَن سَبَب ذَلِك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا كَانَ فِي بني عبس أَكثر مني مَالا وَولدا فآتى السَّيْل فاجترف مَالِي وَوَلَدي وَبَقِي لي ولد صَغِير وبعير فَحملت الصَّبِي وند الْبَعِير فَوضعت الصَّبِي وتبعته فنخفى بِرجلِهِ ففقأ عَيْني فَرَجَعت إِلَى ابْني فَإِذا الذِّئْب يلغ من دَمه فَقَالَ الْوَلِيد اذهبو بِهِ إِلَى عُرْوَة بن الزبير ليعلم أَن فِي الدُّنْيَا من هُوَ أعظم مُصِيبَة مِنْهُ انْتهى قلت ومصيبة عُرْوَة بن الزبير فِي رجله وَولده شهيرة
(وَفَاة الْحجَّاج)
هُوَ الْحجَّاج بن يُوسُف بن الحكم بن أبي عقيل بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ أَمِير الْعرَاق أَبُو مُحَمَّد ولد سنة أَرْبَعِينَ أَو إِحْدَى وَأَرْبَعين وَكَانَ فصيحا بليغا مفوها فَاسِقًا ظلوما غشوما سافكا للدماء روى أَنه لم يرضع الثدي حَتَّى قَالَ بعض الْكُهَّان اذبحوا لَهُ ثَلَاث جدي وألعقوه بعض دَمهَا وغسلوه بِالدَّمِ فَفَعَلُوا فَلذَلِك أَتَى يحب سفك الدِّمَاء وَولد بِغَيْر مخرج فَغُورَ لَهُ مخرج بالحديد قَالَ أَبُو عَمْرو مَا رَأَيْت أحدا أفْصح من الْحجَّاج وَالْحسن بن عَليّ وَالْحسن أفْصحهما وَسَتَأْتِي عدَّة مَا قلته صبرا وَمن كَانَ فِي سجنه وَقيل فِي سَبَب ولَايَة الْحجَّاج مَا ذكر بعض المؤرخين أَن الْحجَّاج لم يزل فِي كنف أَبِيه وَكَانَ أَبوهُ رجلا نبيلا جليلَ الْقدر إِلَى أَن اتَّصل بِروح بن زنباع من أُمَرَاء عبد الْملك ثمَّ بِهِ وَلم يزل يترقى إِلَى أَن ولي الْعرَاق والمشرق وطار ذكره وَعظم سُلْطَانه وَأول مَا علم من شهامته وجوره أَن أَبَاهُ خرج من مصر يُرِيد عبد الْملك وَمَعَهُ
стр. 1351
ابْنه الْحجَّاج فَأقبل سليم بن عَمْرو القَاضِي وَكَانَ من أروع النَّاس وأتقاهم فَقَامَ إِلَيْهِ أَبوهُ يُوسُف فَسلم عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ أَلَك حَاجَة إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ نعم أَن تسأله يعزلني عَن الْقَضَاء فَقَالَ يُوسُف لَوَدِدْت أَن قُضَاة الْمُسلمين كلهم مثلك فَكيف أسأله ذَلِك ثمَّ انْصَرف فَقَالَ الْحجَّاج لِأَبِيهِ من هَذَا الَّذِي قُمْت إِلَيْهِ فَقَالَ هَذَا سليم بن عَمْرو قَاضِي مصر وقاصهم فَقَالَ يغْفر الله لَك يَا أَبَت أَنْت ابْن عقيل تقوم " لى رجل فِي كِنْدَة فَقَالَ وَالله إِنِّي لأرَى النَّاس مَا يرحمون إِلَّا بِهَذَا وأشباهه فَقَالَ وَالله مَا يفْسد على أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا هَذِه وأشباهه يَقْعُدُونَ وتقعد أليهم أَحْدَاث فَيذكرُونَ سيرة أبي بكر وَعمر فَيخْرجُونَ على أَمِير الْمُؤمنِينَ فوَاللَّه لَو أضيف إلَي هَذَا الْأَمر لسألت أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يَجْعَل لي السَّبِيل فأقتل هَذَا وأشباهه فَقَالَ لَهُ اتَّقِ الله يَا بني وَالله إِنِّي لأَظُن أَن الله خلقك شقيُّاً وَأول مَا أعجب بِهِ عبد الْملك مِنْهُ أَنه كَانَ قد اتَّصل بِروح بن زنباع وَصَارَ من جملَة شرطته وَكَانَ روح بن زنباع بِمَنْزِلَة نَائِب عبد الْملك توجه إِلَى الجزيرة لقِتَال زفر بن الْحَارِث عِنْدَمَا عصى عَلَيْهِ بقرقيسيا فَأمر رواح بن زنباع جمَاعَة من أَصْحَاب شرطته يحثون الْمُتَأَخِّرين عَن الْعَسْكَر فِي كل منزل وَكَانَ الْحجَّاج من جُمْلَتهمْ فَمر يَوْمًا بعد رحيل الْعَسْكَر بِجَمَاعَة من خواصِّ روح فِي خيمة يَأْكُلُون فَأَمرهمْ بالرحيل فسخروا مِنْهُ أَولا لمحلهم وثانية لمحل سيدهم وَقَالُوا لَهُ انْزِلْ كُلْ واسكُتْ فَضرب بِسَيْفِهِ أطناب الْخَيْمَة فَسَقَطت عَلَيْهِم وَأطلق فِيهَا نَارا فأحرقت أثاثهم فقبضوا عَلَيْهِ وأتو بِهِ روح بن زنباع وَسمع عبد الْملك الْخَبَر وَطَلَبه وَقَالَ من فعل هَذَا بغلمان روح فَقَالَ أَنْت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أمرتنا بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا وليتنا فَفَعَلْنَا مَا أمرت بِهَذِهِ الفعلة يرتدعُ من بَقِي من الْعَسْكَر وَمَا على أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يعوضهم مَا احْتَرَقَ وَقد قَامَت الْحُرْمَة وَتمّ المُرَاد فأعجب عبد الْملك ذَلِك وَقَالَ إِن شرطيكم لجلد ثمَّ أقره على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلما طَال الْحصار والقتال بَينه وَبَين زفر بن الْحَارِث أرسل عبد الْملك رَجَاء بن حَيْوَة وَجَمَاعَة مِنْهُم الْحجَّاج إِلَى زفر يَدعُوهُ إِلَى الصُّلْح فَأتوا بِالْكتاب وَقد حضرت الصَّلَاة فَقَامَ رَجَاء فصلى مَعَ زفر وصَلى الْحجَّاج وَحده فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ لَا أُصَلِّي مَعَ مُنَافِق خَارج عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ وبارز عَن طَاعَته فَسمع ذَلِك
стр. 1352
عبد الْملك فزاده عجبا بالحجاج وَرفع قدره وولاه تبادله وَهِي أول مَا وَلِي فَخرج إِلَيْهَا فَلَمَّا قرب سَأَلَ عَنْهَا فَقيل لَهُ إِنَّهَا وَرَاء هَذِه الأكمة فَقَالَ أُفٍّ لبلد تسترها الأكمة وَرجع فَقيل فِي الْمثل أَهْون على الْحجَّاج من تبَالَة ثمَّ وصل إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ وَزعم بعض الروَاة أَن أول أَمر الْحجَّاج أَنه كَانَ معلما للصبيان وَكَانَ يُسمى كليباً وَفِيه يَقُول الشَّاعِر // (من المتقارب) //
(أَيَنْسَى كُلَيْبٌ زَمَانَ الهُزَالِ ... وتَعْلِيمَهُ سُورَةَ الكَوْثَرِ)
(رَغِيفٌ لَهُ فَلَكٌ مَا يُرَى ... وَآخرُ كَالقَمَرِ الأَزْهَرِ)
يُشِير إِلَى النَّاس أَن خبز المعلمين يخْتَلف فِي الصفر وَالْكبر بِحَسب اخْتِلَاف بيُوت الصّبيان ثمَّ صَار دباغَاً ويستدل على ذَلِك بحكايته مَعَ كَعْب الأشقري وَذَلِكَ أَن الْمُهلب بن أبي صفرَة لما أَطَالَ قتال الْأزَارِقَة وَكَانَ الْحجَّاج أرْسلهُ لذَلِك كتب إِلَيْهِ يستبطئه فِي تَأْخِير مناجزتهم فَقَالَ الْمُهلب لرَسُوله قل لَهُ إِن الشَّاهِد يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِب فَقَالَ كَعْب الْأَشْقَر وَكَانَ من جند الْمُهلب // (من الْكَامِل) //
(إنَّ ابْنَ يوسُفَ غَرَّهُ مِنَ غَزْوِكُم ... خَفْضُ المقامِ بجَانبِ الأمْصَارِ)
(لَو عَايَنَ الصَّفيَّن حِين تَلَاقَيَا ... ضَاقَتْ عَلَيْهِ برُحْبِهَا الأَقْطَارُ)
(وَرَأى معاوَدَةَ الدّباغ غنيمَةً ... أيامَ كَانَ مُحَالِفَ الإِقْتَارِ)
فبلغت أبياته الْحجَّاج فَكتب إِلَى الْمُهلب بإشخاصه فأشخصه الْمُهلب إِلَى عبد الْملك وَكتب إِلَيْهِ يستوهبه مِنْهُ فَقدم كَعْب برسالة الْمُهلب إِلَى عبد الْملك فاستنشده فأعجبه مَا سمع وَكتب إِلَى الْحجَّاج يقسم عَلَيْهِ أَن يعْفُو عَن كَعْب فَلَمَّا دخل كَعْب على الْحجَّاج قَالَ إيه يَا كَعْب وَرَأى معاودة الدّباغ غنيمَة فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير لَوَدِدْت فِي بعض مَا شاهدته فِي تِلْكَ الحروب وَمَا يردهُ الْمُهلب من خطرها أَن أنجُوَ مِنْهَا وأكون حجاماً أَو حائكاً فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج أولى لَك لَوْلَا قسم أَمِير الْمُؤمنِينَ لما نفعك مَا أسمع فالحَق بصاحبك وروى ابْن الْكلابِي عَن عوَانَة بن الحكم قَالَ سمع الْحجَّاج تكبيرَاً فِي السُّوق وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَلَمَّا انصرَفَ صعد الْمِنْبَر فَقَالَ يَا أهل الْعرَاق يَا أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الْأَخْلَاق قد سَمِعت تَكْبِيرا لَيْسَ بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي يُرَاد بِهِ الله فِي
стр. 1353
التَّرْغِيب وَلكنه الَّذِي يُرَاد بِهِ التَّرْهِيب إِنَّهَا عجاجة تحتهَا قَصف أَي بني اللكيعة وَعبيد الْعَصَا وَأَوْلَاده الْإِمَاء أَلَا يربأ الرجل مِنْكُم على ظلعه وَيحسن حمل رَأسه وحقن دَمه فيبصر مَوضِع قدمه وَالله مَا أرى الْأُمُور تنْتَقل بِي وبكم حَتَّى أوقع بكم وقْعَة تكون نكالا لما قبلهَا وتأديبا لما بَعْدَمَا وَقَالَ سيار أَبُو الحكم سمعتُ الْحجَّاج على الْمِنْبَر يَقُول أَيهَا الرجل وكلُكم ذَلِك الرجل رجل خطم نَفسه فزمها فقادها بخطامها إِلَى الطَّاعَة الله تَعَالَى وعنجها بزمامها عَن معاصي الله قَالَ مَالك بن دِينَار سَمِعت الْحجَّاج يخط فَيَقُول امْرُؤ زود نَفسه قبل أَن يكون الْحساب إِلَى غَيره امْرُؤ نظر إِلَى مِيزَانه امْرُؤ عقل عَن الله أمره امْرُؤ أَفَاق واستفاق وَأبْغض الْمعاصِي والنفاق وَكَانَ إِلَى مَا عِنْد الله بالأشواق فَمَا زَالَ يَقُول ذَلِك حَتَّى أبكاني وروى أَنه خطب فَقَامَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ لَهُ مَا أصفق وَجهك وَأَقل حياءك تفعل مَا تفعل ثمَّ تَقول هَذَا فَأَخَذُوهُ فَلَمَّا نزل دَعَا بِهِ فَقَالَ لَهُ لقد أجترأت فَقَالَ يَا الْحجَّاج أَنْت تجتريء على الله فَلَا تنكره فِي نَفسك وأجترئ أَنا عَلَيْك فتنكره عَليّ فخلى سَبيله وَقَالَ شريك عَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ الْحجَّاج يومَاً من كَانَ لَهُ بلَاء فَليقمْ فلنعطه على بلائه فَقَامَ رجل فَقَالَ أَعْطِنِي على بلائي قَالَ وَمَا بلائك قَالَ قتلت الْحُسَيْن قَالَ وَكَيف قتلته قَالَ دسرته بِالرُّمْحِ دسرا وهبرته البسيف هبرَاً وَمَا أشركت معي فِي قَتله أحدا قَالَ أما إِنَّك وإياه لن تجتمعا فِي مَوضِع وَاحِد وَقَالَ لَهُ اخْرُج وروى صَالح بن مُوسَى الطلحي عَن عَاصِم بن بَهْدَلَة أَنهم ذكرُوا الْحُسَيْن
стр. 1354
رَضِي الله عَنهُ عِنْد الْحجَّاج فَقَالَ لم يكن من ذُرِّيَّة النَّبِي
فَقَالَ لَهُ يحيى بن يعمر كذبت أَيهَا الْأَمِير فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج لتَأْتِيني على مَا قلت بِبَيِّنَة من كتاب الله تَعَالَى أَو لأَقْتُلَنك فَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِن ذُرِيَّتِهِ دَاودَ وَسُلَيماَنَ وَأَيوُبَ وَيوُسُفَ وَمُوسَى وهاَرُونَ وكذَلِكَ نَجزي اَلمُحسِنِينَ وَزكرِيَا وَيحيىَ وَعِيسَى﴾ الْأَنْعَام ٨٤ ٨٥ ثمَّ قَالَ أخبرنَا الله أَن عِيسَى من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم أمه فَقَالَ الْحجَّاج صدقت فَمَا حملك على تكذيبي فِي مجلسي قَالَ أَخذ الله على الْأَنْبِيَاء ليبيننه للنَّاس وَلَا يكتمونه قَالَ فنفاه الْحجَّاج إِلَى خُرَاسَان قَالَ أَبُو بكر بن عَيَّاش سَمِعت الْحجَّاج وَذكر هَذِه الْآيَة ﴿فَاتقوُا اللَّهَ مَا ستطعتم وَاسمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ التغابن ١٦ قَالَ هَذِه لعبد الله أَمِين الله وخليفته لَيْسَ فِيهَا مثنوية وَالله لَو أمرتُ رجلا أَن يخرج من بَاب هَذَا الْمَسْجِد فَأَخذه من غَيره لحل لي دَمه وَمَاله وَالله لَو أخذت ربيعَة بمضر لَكَانَ لي حَلَالا يَا عجبا من عبد هُذَيْل يزْعم أَنه يقْرَأ قُرْآنًا من عِنْد الله وَمَا هُوَ إِلَّا رجز من رجز الْأَعْرَاب وَالله لَو أدْركْت عبد هُذَيْل لضَرَبْت عُنُقه رَوَاهَا وَاصل بن عبد الْأَعْلَى شيخ مُسلم عَن أبي بكر فَقَالَ قَاتل الله الْحجَّاج مَا أجرأه على الله كَيفَ يَقُول هَذَا فِي العَبْد الصَّالح الصَّحَابِيّ الْجَلِيل عبد الله بن مَسْعُود قَالَ أَبُو بكر بن عَيَّاش ذكرت قَوْله هَذَا للأعمش فَقَالَ قد سمعته مِنْهُ وَرَوَاهَا مُحَمَّد بن يزِيد عَن أبي بكر فَزَاد قَوْله وَلَا أجد أحدا يقْرَأ على قِرَاءَته إِلَّا ضربت عُنُقه ولأحنكها من الْمُصحف وَلَو بضلع خِنْزِير قَالَ حَمْزَة بن شَوْذَب رُبمَا دخل الْحجَّاج على دَابَّته حَتَّى يقف على حَلقَة الْحسن الْبَصْرِيّ فيستمع إِلَى كَلَامه فَإِذا أَرَادَ الِانْصِرَاف يَقُول يَا حسن لَا تمل النَّاس فَيَقُول لَهُ الْحسن أصلح الله الْأَمِير إِنَّه لم يبْق إِلَّا من لَا جاجة لَهُ قَالَ الْأَصْمَعِي قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان للحجاج إِنَّه لَيْسَ أحد إِلَّا وَهُوَ يعرف عَيبه فَعِب نَفسك فَقَالَ الْحجَّاج أعفني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأبى عَلَيْهِ فَقَالَ أَنا
стр. 1355
لجوج حقود حسودٌ فَقَالَ عبد الْملك مَا فِي الشَّيْطَان أقبحُ مِمَّا ذكرت وَقَالَ يزِيد بن هَارُون أَنبأَنَا الْعَوام بن حَوْشَب حَدثنَا حبيب بن أبي ثَابت قَالَ قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه لرجل لَا مت حَتَّى تدْرك فَتى ثَقِيف قيل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا فَتى ثَقِيف قَالَ ليقالن لَهُ يَوْم الْقِيَامَة اكْفِنَا زَاوِيَة من زَوَايَا جَهنمَ رجل يملك عشْرين سنة لَا يدع مَعْصِيّة لله إِلَّا ارتكبها وَقَالَ جَعْفَر بن سُلَيْمَان حَدثنَا مَالك بن دِينَار عَن الْحسن أَن عليا كَانَ على الْمِنْبَر فِي الْعرَاق فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي ائتمنتهم فأخذوني ونصحتهم فغشوني اللَّهُمَّ فَسلط عَلَيْهِم غُلَام ثَقِيف يحكم فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ بِحكم الْجَاهِلِيَّة وَقد كوشف الإِمَام عَليّ كرم الله وَجهه بِمَا سيقع من الْحجَّاج فَقَالَ مَا قَالَ فَكَانَ كَمَا قَالَ قَالَ أَبُو عَاصِم النَّبِيل حَدثنِي جليس هِشَام بن أبي عبد الله قَالَ قَالَ عَمْرو بن عبد الْعَزِيز لعنبسة بن سعيد أخبرنى بِبَعْض مَا رَأَيْت من عجائب الْحجَّاج قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْده لَيْلَة فَأتى بِرَجُل وَكَانَ قد نهى عَن الْمَشْي بِاللَّيْلِ بعد الْعشَاء الأخبره فَقَالَ مَا أخرجك هَذِه السَّاعَة وَقد قلت لَا أجد فِيهَا أحدا إِلَّا فعلت بِهِ قَالَ أما وَالله لَا أكذب الْأَمِير أُغمي على أُمِّي مُنْذُ ثَلَاث وَكنت عِنْدهَا فَلَمَّا أفاقت السَّاعَة قَالَت يَا بني أعزم عَلَيْك إِلَّا رجعت إِلَى أهلك فَإِنَّهُم مغمومون بتخلفك عَنْهُم فَخرجت فأخذني الطَّائِف فَقَالَ الْحجَّاج ننهاكم وتعصوننا يَا غُلَام اضْرِب عُنُقه ثمَّ أَتَى بِرَجُل آخر فَقَالَ مَا أخرجك هَذِه السَّاعَة قَالَ وَالله لَا أكذبك لزمني غَرِيم لما كَانَت السَّاعَة أغلق الْبَاب وَتَرَكَنِي على بَابه فجائني الطَّائِف فأخذني فَقَالَ اضربوا عُنُقه ثمَّ أَتَى بآخر فَقَالَ مَا أخرجك هَذِه السَّاعَة قَالَ كنت مَعَ شَرب أشْرب فعربدوا فَخفت على نَفسِي فخرجْتُ ففكَر الْحجَّاج سَاعَة ثمَّ قَالَ رجل أحب المسالمة يَا عَنْبَسَة مَا أرَاهُ إِلَّا صَادِقا فأخلوا سَبيله فَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز لعنبسة فَمَا قلت للحجاج شَيْء فِي ذَلِك قَالَ عَنْبَسَة لَا فَقَالَ عمر لآذنه لَا تَأذن لعنبسة إِلَّا أَن يكون فِي حَاجَة
стр. 1356
وَقَالَ بسطَام بن مُسلم عَن قَتَادَة قَالَ قيل لسَعِيد بن حبير خرجت على الْحجَّاج قَالَ إِنِّي وَالله مَا خرجت عَلَيْهِ حَتَّى كفر قَالَ هِشَام بن حسان أحصوا مَا قتل الْحجَّاج صبرا فَبلغ مائَة وَأَرْبَعَة وَعشْرين ألفا وَقَالَ عبَادَة بن كثير أطلق سُلَيْمَان عبد الْملك فِي عذاة وَاحِدَة أحدا وَثَمَانِينَ ألف أَسِير وَعرضت السجون بعد موت الْحجَّاج فَوجدَ فِيهَا ثَلَاثَة وَثَمَانِينَ ألفا مِنْهَا ثَلَاثُونَ ألفا من النِّسَاء لم يجب على أحد مِنْهُم قطع وَلَا صلب وَعَن عمر بن عبد الْعَزِيز لَو تخابثت الْأُمَم وَجِئْنَا بالحجاج لغلبناهم مَا كَانَ يصلح لدُنْيَا وَلَا لآخرة قَالَ الْعَبَّاس الْأَزْرَق عَن السّري بن يحيى قَالَ مَر الحَجاج فِي يَوْم جُمُعَة فَسمع استغاثة فَقَالَ مَا هَذَا قيل أهل السجون يَقُولُونَ قتلنَا الْحر فَقَالَ قُولُوا لَهُم ﴿قَالَ اَخسئوُا فِيهَا وَلا تُكلِمُونِ﴾ الْمُؤْمِنُونَ ١٠٨ قَالَ فَمَا عَاشَ بعد ذَلِك إِلَّا أقل من جُمُعَة وَبنى واسطاً فِي سنتَيْن قَالَه الْأَصْمَعِي وَشرع فِيهَا سنة سِتّ وَثَمَانِينَ قَالَ فِي المحاسن وَهُوَ أول من ابتنى مَدِينَة فِي الْإِسْلَام وَهِي وَاسِط وَأول من قعد على سَرِير فِي الْحَرْب وَأول من اتخذ بالمحامل فَقَالَ فِيهِ حميد الأرقط // (من الرجز) //
(أَخْزَى الإِلَهُ عَاجِلاً وآجِلَا ... )
(أَوَّل عَبْدٍ عَمِلَ المَحَامِلَا ... )
(عبْدَ ثقيفٍ ذَاكَ أَزلاً آزِلَا ... )
قَالَ مُسلم بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا الصَّلْت بن دِينَار قَالَ مرض الْحجَّاج فأرحف بِهِ أهل الْكُوفَة فَلَمَّا عوفي صعد الْمِنْبَر وَهُوَ ينثني على أعواده فَقَالَ يَا أهل الشقاق والنفاق والمراق نفخ الشَّيْطَان فِي مناخركم فقلتم ماتَ الْحجَّاج فَمه وَالله مَا أَرْجُو الْخَيْر إِلَّا بعد المَوت وَمَا رَضِي الله الخلود لأحد من خلقه إِلَّا لأهونهم عَلَيْهِ إِبْلِيس وَقد قَالَ العَبْد الصَّالح سُلَيْمَان (رَب اَغفِر لِي وَهَبْ لِي مُلكاً لَا
стр. 1357
يَنْبَغِي لأحد من بعدِي﴾ ص ٣٥ فَكَانَ ذَلِك ثمَّ اضمحل فَكَأَن لم يكن يأيها الرجل وكلكم ذَلِك الرجل كَأَنِّي بِكُل حَيّ ميت وَبِكُل رطب يَابِس وكل امْرِئ فِي ثِيَاب طهُور إِلَى بَيت حفرته فحد لَهُ فِي الأَرْض خَمْسَة أَذْرع طولَا فِي ذراعين عرضا فَأكلت الدُّود لَحْمه ومصت من صديده وَدَمه قَالَ مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر كَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز يبغضُ الْحجَّاج فَنَفْس عَلَيْهِ بِكَلِمَة قَالَهَا عِنْد الْمَوْت اللَّهُمَّ اغْفِر لي فَإِنَّهُم يَزْعمُونَ أَنَّك لَا تفعل وَقَالَ الْأَصْمَعِي أَنشَدَ الْحجَّاج لما احْتضرَ من // (الْبَسِيط) //
(يَا رَبِّ قَدْ حَلَفَ الأَعْداءُ وَاجْتَهَدُوا ... بِأَنَّنِي رَجُلٌ مِنْ سَاكنِي النارِ)
(أيحلفُونَ علَى عمياءَ وَيْحَهُمُ ... مَا عِلْمُهُمْ بعظيمِ العَفْوِ غَفَّارِ)
فَأخْبر الْحسن بذلك فَقَالَ إِن نجا فبهما وروى أَن الْحسن حِين أخبر بِمَوْت الْحجَّاج سجد شكرا لله وَقَالَ ابْن سِيرِين إِنِّي لأرجو للحجاج مَا أَرْجُو لأهل لَا إِلَه إِلَّا الله فَبلغ قَوْله الْحسن يَعْنِي الْبَصْرِيّ فَقَالَ أما وَالله ليخلقن الله رَجَاءَهُ فِيهِ قَالَ ابْن شَوْذَب عَن أَشْعَث الْحدانِي قَالَ رَأَيْت الْحجَّاج فِي مَنَامِي بِحَال سَيِّئَة فَقلت لَهُ مَا صنع الله بك قَالَ مَا قتلت أحدا قتلة إِلَّا قتلني بهَا قتلة مَا عدا سعيد بن جُبَير فَإِنِّي قتلت بِهِ سبعين قتلة قلت ثمَّ مَه قَالَ ثمَّ أَمر بِي إِلَى النَّار قلت ثمَّ مَه قَالَ ثمَّ أَرْجُو مَا يَرْجُو أهل لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ ابْن خلكان مَاتَ بواسط وعَفي قَبره وأجرى عَلَيْهِ المَاء قَالَ الْعَلامَة الذَّهَبِيّ وَعِنْدِي مُجَلد فِي أَخْبَار الْحجَّاج فِيهِ عجائب لَكِن لَا أعرفُ صِحَّتهَا توفّي سنة خمس وَتِسْعين قبل موت الْوَلِيد بِسنة وَلما حضْرته الْوَفَاة اسْتخْلف
стр. 1358
على الصَّلَاة ابْنه عبد الله وعَلى عرب الْكُوفَة وَالْبَصْرَة يزِيد بن أبي كَبْشَة وعَلى خراجهما يزِيد بن أبي مُسلم وَكتب إِلَى قُتَيْبَة بن مُسلم الْبَاهِلِيّ وَكَانَ قد ولاه على خُرَاسَان قد عرف أَمِير الْمُؤمنِينَ بلاءك وجِدك وجهادك أَعدَاء الْمُسلمين وأمير الْمُؤمنِينَ رافعك وصانع بك الَّذِي تحب فأتمَّ مغازيك وانتظر ثَوَاب رَبك وَلَا تغيب عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ كتبك حَتَّى كَأَنِّي أنظر إِلَى بلادك والثغر الَّذِي أَنْت فِيهِ قيل أُصِيب الْحجَّاج بمصيبة وَعِنْده رَسُول عبد الْملك بن مَرْوَان فَقَالَ الْحجَّاج لَيْت أَنِّي قد وجدت إنْسَانا يُخَفف عني مَا أَنا فِيهِ فَقَالَ لَهُ الرجل الرَّسُول أَقُول أَيهَا الْأَمِير قَالَ لَهُ قل فَقَالَ كل إِنْسَان يُفَارِقهُ صَاحبه بِمَوْت أَو بصلب أَو يَقع من فَوق الْبَيْت أَو يَقع عَلَيْهِ الْبَيْت أَو يغشى عَلَيْهِ أَو يكون شَيْء لَا نعرفه فَضَحِك الْحجَّاج وَقَالَ مصيبتي فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ أعظم حَيْثُ وَجه مثلك رَسُولا وَكَانَ الْحجَّاج مهيباً جدا لجرأته وإقدامه على سفك الدِّمَاء واشتداد عضده بِمن أَقَامَهُ أَمِيرا فَكَانَ يهابه عماله والخاصة والعامة فَمن ذَلِك مَا ذكره فِي المروج كتب عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَيْهِ أَنْت عِنْدِي كسالم وَالسَّلَام فَلم يفهم الْحجَّاج مُرَاد عبد الْملك بذلك فَكتب إِلَيْهِ قُتَيْبَة بن مُسلم عَامله على خُرَاسَان وَبعث كتاب عبد الْملك مَعَ الرَّسُول إِلَيْهِ فَلَمَّا ورد الرَّسُول عَلَيْهِ نَاوَلَهُ الْكتاب فَفَزعَ واضطرب قُتَيْبَة فضرط فَخَجِلَ واستحيا فَقَرَأَ الْكتاب ثمَّ أَرَادَ أَن يَقُول للرسول اقعد فَقَالَ اضرط فَقَالَ الرَّسُول قد فعلت فاستحيا قُتَيْبَة حَيَاء أكثَرَ وَقَالَ لَهُ مَا أردْت أَقُول لَك إِلَّا اقعد فغلطت فَقَالَ الرَّسُول قد غَلطت أَنا وَأَنت قَالَ قُتَيْبَة وَلَا سَوَاء أغلط من فمي وتغلط من استك ثمَّ قَالَ قُتَيْبَة أعلم الْأَمِير أَن سالما كَانَ عبدا لرجل وَكَانَ عِنْده أثيراً عَزِيزًا وَكَانَ يسْعَى بِهِ إِلَيْهِ كثيرا فَقَالَ من // (الطَّوِيل) //
(يُدِيرُونَنِي عَنْ سَالِم وأُدِيرُهُمْ ... وَجِلْدَةُ بَين العينِ والأنْفِ سَالِمُ)
فَلَمَّا آتى الْحجَّاج بالرسالة سُرَ بذلك وَكتب لَهُ بِهِ عهدَاً على خُرَاسَان بالتأييد قلت وَرَأَيْت فِي تَارِيخ الصَّفَدِي مَا نَصه قَالَ نَافِع مولى ابْن عمر كَانَ ابْن عمر
стр. 1359
يلقى سالما ابْنه فيقبله وَيَقُول سيخ يقبل شَيخا وَقَالَ خَالِد بن أبي بكر بَلغنِي أَن عبد الله بن عمر كَانَ يلام فِي حب ابْنه سَالم فَيَقُول من // (الطَّوِيل) //
(يلُومُونَنِي فِي سَالِم وَأَلُومُهُمْ ... وَجِلْدَةُ بَين العَينِ والأنفِ سَالِمُ)
وَرَوَاهُ بَعضهم يديرونني وأديرهم قَالَ الصَّفَدِي اشْتهر هَذَا الْبَيْت كثيرا وروسل بِهِ وَكتب بِهِ عبد الْملك إِلَى الْحجَّاج انْتهى قلت تَفْسِير قُتَيْبَة ذَلِك بِأَن سالمَاً كَانَ عبدا رجل وَكَانَ عِنْده إِلَى آخِره لَا يُوَافق مَا ذكره الصَّفَدِي أَن الْبَيْت لعبد الله بن عمر فِي ابْنه سَالم بن عبد الله بن عمر وَالأَصَح التَّفْسِير الثَّانِي لرِوَايَة نَافِع لَهُ عَن عبد الله بن عمر إِلَّا أَن يكون عبد الله متمثلا بِهِ لَا ناظمه فَيمكن مَا قَالَه قُتَيْبَة وصَحَّف الْجَوْهَرِي بل حرَف فِي صحاحِه فَقَالَ يُقَال للجلدة الَّتِي بَين الْعين وَالْأنف سَالم وَأورد الْبَيْت قَالَ الصَّفَدِي وَأَنا شَدِيد التَّعَجُّب من صَاحب الصِّحَاح كَونه مَا فهم الْمَعْنى من الْبَيْت وَأَن الْكَلَام جارٍ على التَّشْبِيه وَأَن سالما عِنْد أَبِيه بِمَنْزِلَة هَذِه الْجلْدَة من الْمَكَان الْمَذْكُور لعزته قَالَ الْخَطِيب التبريزي تبع الْجَوْهَرِي خَاله إِبْرَاهِيم الفارابي صَاحب ديوَان الْأَدَب فِي غلط هَذَا الْموضع انْتهى وَلم يُغير الْوَلِيد بعد موت الْحجَّاج أحدا من عماله بل أبقاهم حَتَّى كَانَ سُلَيْمَان ابْن عبد الْملك فعزلهم جَمِيعًا وَاسْتعْمل غَيرهم قَالَ ابْن حمدون فِي تَذكرته ذكر أَن وضاح الْيمن كَانَ من أحسن النَّاس شكلا وأجملهم وجهَاً وَكَانَ يتبرقع فِي المواسم من الْعين فحجت أم الْبَنِينَ زَوْجَة الواليد ابْن عبد الْملك فرأت هَذَا فهويته واستقدمته بمدح فَقدم ومدح الْوَلِيد بقصيدة فَأَجَازَهُ وَكَانَت أم الْبَنِينَ تَأتي بِهِ لإبى قصرهَا وتجلس مَعَه وَإِذا خَافت خبأته فِي صندوق فأُهدِيَ إِلَى الْوَلِيد جَوْهَر فاستدعى بخادم وأرسله بِهِ إِلَى أم الْبَنِينَ
стр. 1360
فَأَتَاهَا فَجْأَة ووضاح عِنْدهَا فرآها الْخَادِم وَهِي تواريه فِي الصندوق فَطلب مِنْهَا من الْجَوْهَر حجرا فانتهرته وأبت فآتى الْوَلِيد وَأخْبرهُ بِمَا رأى وَعلم لَهُ الصندوق فكذبه ونهره وضَرَبَ عُنُقه فِي الْحَال وَقَامَ مسرعاً إِلَى أم الْبَنِينَ وَهِي فِي مقصورتها تمتشطُ فَجَلَسَ على الصندوق الَّذِي أخبرهُ بِهِ الْخَادِم وَقَالَ لَهَا مَا أحب هَذَا الْبَيْت إِلَيْك دون الْبيُوت قَالَت لِأَنَّهُ يضم حوائجي جَمِيعًا فَقَالَ أُرِيد أَن تهبي لي صندوقاً من هَذِه الصناديق قَالَت دُونك الْجَمِيع فَقَالَ مَا أُرِيد إِلَّا واحدَاً قَالَت ارسم الَّذِي تقصده فَقَالَ هَذَا الَّذِي جَلَست عَلَيْهِ قَالَت خُذ غَيره فَإِن لي فِي حوائج أحتاجها قَالَ مَا أُرِيد غَيره قَالَت خُذْهُ فَأمر الْخَادِم بِحمْلِهِ إِلَى مَجْلِسه وحفر بِئْرا عَظِيمَة وأعمق فِيهَا حَتَّى وصل المَاء ودنا من الصندوق فَقَالَ يَا صندوق إِنَّه بلغنَا عَنْك خبر إِن كَانَ حَقًا قد كُفيناك ودفناك وَانْقطع خبرك وَإِن كَانَ بَاطِلا فَإِنَّمَا دفنا الْخشب وأهون بِهِ ثمَّ قذف بِهِ فِي الْبِئْر وهال التُّرَاب عَلَيْهِ وَردت الْبسط على حَالهَا وَلم ير الْوَلِيد وَلَا أم الْبَنِينَ فِي أحد مِنْهُمَا أثرَاً وَلَا تغيَّرَتْ مَوَدَّة أَحدهمَا للْآخر حَتَّى فرق الْمَوْت بَينهمَا وَلم ير وضاح بعْدهَا أبدا قلت فَمن أَيْن اتَّصل نبأ هَذَا الْخَبَر وَالْحَالة هَذِه وَقد اخْتلف الْعُقَلَاء فِي فعل الْوَلِيد هَذَا هَل يعد بِهِ من أهل الْمُرُوءَة وَالْحيَاء وَالْكَرم فبه يمدح أم من أهل الدناءة والوقاحة والعار الَّذِي ذمّ بِهِ فبه يقْدَح ذهب إِلَى كل مِنْهَا عقلاء لكَني أرجح كَونه ثَانِيًا لَا أَولا إِذْ الشهم لَا يبْقى على صفحة عرضه الْغُبَار وَلَا يرضى بلباس الْعَيْب وَلَو كَانَ فَوْقه ألف دثار وَمن شعر وضاح فِي جَارِيَة قد شَببَ بهَا قَوْله من // (السَّرِيع) //
(قَالتْ أَلَا لَا تَلِجنْ دَارَنَا ... إِنَّ أَبَانَا رَجُلٌ غَائِرُ)
(قلْتُ فَإِنِّي طالبٌ غِرَّةً ... وإنَّ سَيفي صارِمٌ باترُ)
(قالتْ فَإنَّ البابَ ذُو منعةٍ ... قلتُ فَإِنِّي واثبٌ كاسرُ)
(قالتْ فإنَّ النَّاسَ مِنْ دونِنا ... قلتُ فَإِنِّي كاتمٌ ماهرُ)
(قَالَت فإنَّ القصْرَ مِنْ دُوننَا ... قلْتُ فَإِنِّي فرقه طائرُ)
(قالتْ فإِنَّ البَحْرَ من دُوننَا ... قلْتُ فَإِنِّي سابحٌ ماهرُ)
стр. 1361
(قَالَت فَحَوْلي إخوةٌ سَبْعَةٌ ... قلتُ فَإِنِّي لَهُمُ حاذرُ)
(قَالَت فليْثٌ رابضٌ دُوننَا ... قلتُ فَإِنِّي أَسَدٌ ظافرُ)
(قَالَت فِإنَّ الله مِنْ فَوْقنَا ... قلتُ فرَبِّي راحمٌ غافرُ)
(قَالَ لقد أَعْيَيْتَنَا حجةَ ... فائْتِ إِذا مَا هَجَعَ السامِرُ)
(واسقُطْ علينا كسُقُوطِ النَّدَى ... لَيْلَةَ لَا نَاهٍ وَلَا آمِرُ)
وَقَالَ أَبُو عمر الضَّرِير توفّي الْوَلِيد نصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَتِسْعين بدير مران وَحمل على أَعْنَاق الرِّجَال فَدفن بِبَاب الصَّغِير وَكَانَ عمره إِحْدَى وَخمسين سنة وَمُدَّة خِلَافَته تسع سِنِين وَثَمَانِية أشهر وَصلى عَلَيْهِ عمر بن عبد الْعَزِيز وَخلف أَرْبَعَة عشر ولدا
(خلَافَة سُلَيْمَان بن عبد الْملك)
قَالَ ابْن خلدون أَرَادَ الْوَلِيد أَن يمْنَع أَخَاهُ سُلَيْمَان ويبايع لوَلَده عبد الْعَزِيز بن الْوَلِيد فَأبى سُلَيْمَان فَكتب إِلَى عماله ودعا النَّاس إِلَى ذَلِك فَلم يجبهُ إِلَّا الْحجَّاج وقتيبة بن مُسلم وَبَعض خواصه وأستقدم سُلَيْمَان ثمَّ اسْتَبْطَأَهُ فأجمع المسر إِلَيْهِ ليخلعه فَمَاتَ دون ذَلِك وَلما مَاتَ بُويِعَ سُلَيْمَان من يَوْمه وَهُوَ بالرملة فعزل عُمَّال الْحجَّاج جَمِيعهم وَأمر يزِيد بن الْمُهلب بنكبة آل عقيل قوم الْحجَّاج وَبني أَبِيه وَبسط الْعَذَاب عَلَيْهِم فولى يزِيد بن الْمُهلب أَخَاهُ عبد الْملك بن الْمُهلب على ذَلِك فَفعله ثمَّ عزل قُتَيْبَة وَقَتله وَآتى إِلَيْهِ بِرَأْسِهِ وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ لموافقتهما الْوَلِيد على خلعه بُويِعَ بالخلافة فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَتِسْعين بعد الْوَلِيد بالعهد الْمَذْكُور من أَبِيهِمَا كَانَ من خِيَار بنيي أُميَّة فصيحَاً مفوهاً مؤثراً للعدل محباً للغزو وجهز
стр. 1362
الجيوش مَعَ أَخِيه مسلمة بن عبد الْملك لحصار الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَقَالَ امْرَأَة رَأَيْته أَبيض عَظِيم الْوَجْه مقرون الحاجبين يضْرب شعره مَنْكِبَيْه مَا رَأَيْت أجمل مِنْهُ وَقَالَ الْوَلِيد بن مُسلم حَدثنِي غير وَاحِد أَن الْبيعَة أَتَت لِسُلَيْمَان وَهُوَ بمشارف البلقاء فَأنى إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس وأتته الْوُفُود فَلم يرَوا وفادة كَانَت أهنأ من الْوِفَادَة إِلَيْهِ كَانَ يجلس فِي قبَّة فِي صحن الْمَسْجِد مِمَّا يَلِي الصَّخْرَة وَيجْلس النَّاس على الكراسي وَيقسم الْأَمْوَال وَيَقْضِي الأشغال وَقَالَ سعيد بن عبد الْعَزِيز ولي سُلَيْمَان وَهُوَ إِلَى الشَّبَاب والتَرَفه مَا هُوَ فَقَالَ لعمر بن عبد الْعَزِيز يَا أَبَا حَفْص إِنَّا ولينا مَا قد ترى وَلم يكن لنا بتدبيره عِلْم فَمَا رَأَيْت من مصلحَة الْعَامَّة فَمُر بِهِ فَكَانَ من ذَلِك عزل عُمَّال الحَجاج وَإِخْرَاج من فِي سِجْنِ الْعرَاق وَمن ذَلِك كِتَابه إِن الصَّلَاة قد أميتت فأحيوها وردوها إِلَى أول وَقتهَا مَعَ أُمُور حَسَنَة كَانَ يسمع من عمر فِيهَا وَعَن الشّعبِيّ لما حج سُلَيْمَان بن عبد الْملك سنة سبع وَتِسْعين فَرَأى النَّاس بِالْمَوْسِمِ قَالَ لعمر بن عبد الْعَزِيز أما ترى هَذَا الْخلق الَّذِي لَا يُحصِي عَددهمْ إِلَّا الله ﵎ وَلَا يسع رزقهم غَيره قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَؤُلَاءِ الْيَوْم رعيتك وَغدا هم خصماؤك فَبكى سُلَيْمَان بكاء شَدِيدا ثمَّ قَالَ بِاللَّه أستعين وَعَن ابْن سِيرِين قَالَ رحم الله سُلَيْمَان بن عبد الْملك افْتتح خِلَافَته بِخَير وختمها بِخَير افتتحها بإحياء الصَّلَوَات لمواقيتها واختتمها باستخلاف عمر بن عبد الْعَزِيز وَفِي الذَّهَبِيّ قيل كَانَ من الْأكلَة الْمَذْكُورين فَذكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الْغلابِي وَلَيْسَ بِثِقَة قَالَ حَدثنَا
стр. 1363
مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن القرش عَن أَبِيه عَن هِشَام بن سُلَيْمَان قَالَ أكل سُلَيْمَان بن عبد الْملك أَرْبَعِينَ دجَاجَة تشوى لَهُ على النَّار على صفة الكباب وَأكل أَرْبعا وَثَمَانِينَ كلوة بشحومها وَثَمَانِينَ جردقة وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الحميد الرَّازِيّ عَن ابْن الْمُبَارك إِن سُلَيْمَان لما حج آتى الطَّائِف فَأكل سبعين رمانة وخروفاً وَسِتِّينَ دجَاجَة وأتى بموكب زبيب طائفي فَأَكله أجمع وَعَن عبد الله بن الْحَارِث قَالَ كَانَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك أكولا وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن هِشَام بن يحيى بن يحيى ثَنَا أبي عَن أَبِيه قَالَ جلس سُلَيْمَان بن عبد الْملك فِي بَيت أَخْضَر على وطاء أَخْضَر عَلَيْهِ ثِيَاب خضر ثمَّ نظر فِي الْمرْآة فأعجبه شبابه وجماله فَقَالَ كَانَ مُحَمَّد
نَبينَا وَكَانَ أَبُو بكر صديقا وَكَانَ عمر فاروقَاً وَكَانَ عُثْمَان حيياً وَكَانَ مُعَاوِيَة حَلِيمًا وَكَانَ يزِيد صبوراً وَكَانَ عبد الْملك سائساً وَكَانَ الوليدُ جَباراً وَأَنا الْملك الشَّاب فَمَا دَار عَلَيْهِ الشَّهْر حَتَّى مَاتَ وروى مُحَمَّد بن سعيد الدِّرَامِي عَن أَبِيه قَالَ كَانَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك ينظر فِي الْمرْآة من فرقه إِلَى قدمه وَيَقُول أَنا الْملك الشَّاب فَلَمَّا نزل بمرج دابق حُم وفشت الحُمَى فِي عسكره فَنَادَى بعض خدمَة فَجَاءَت بطست فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنك قَالَت محمومة قَالَ فَأَيْنَ فُلَانَة قَالَت محمومة فَمَا ذكر أحدا إِلَّا قَالَت مَحْمُوم فَالْتَفت إِلَى خَاله الْوَلِيد بن الْقَعْقَاع الْعَبْسِي وَقَالَ من // (الْكَامِل) //
(قرِّبْ وَضُوءَكَ يَا ولِيدُ فَإنَّما ... هَذِي الحَيَاةُ تَعِلَّةٌ وَمَتَاَع)
ُ فَقَالَ الْوَلِيد من // (الْكَامِل) //
(فاعمَلْ لنَفْسِكَ فِي حيَاتِكَ صَالحا ... فالدَّهْرُ فِيهِ فُرْقَةٌ وجمَاعُ)
وَمَات فِي مَرضه ذَاك قَالَ الدَّمِيرِيّ فِي حَيَاة الْحَيَوَان لما اسْتَقل بالخلافة اتخذ ابْن عَمه عمر بن
стр. 1364
عبد الْعَزِيز وزيراً ومشيراً ثمَّ إِنَّه أَرَادَ أَن يسْتَكْتب يزِيد بن أبي مُسلم وَزِير الْحجَّاج فَقَالَ لَهُ عمر سَأَلتك بِاللَّه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تحيي ذكرى الْحجَّاج باستكتابك يزِيد فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان يَا عمر إِنِّي لم أجد عِنْده خِيَانَة فِي دِرْهَم وَلَا دِينَار فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن إِبْلِيس أعف مِنْهُ فِي الدِّرْهَم وَالدَّنَانِير قد أغوى الْخلق فَأَضْرب سُلَيْمَان عَمَّا عزم عَلَيْهِ وَفِي الْكَامِل لأبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد الملقب بالمبرد النَّحْوِيّ الْمَشْهُور أَنه دخل على سُلَيْمَان بن عبد الْملك يزِيد بن أبي مُسلم وَزِير الْحجَّاج وَكَانَ يزِيد قبيحاً دميما فَقَالَ لَهُ سلمَان قبح الله رجلا أجرَك رسنه وشركك فِي أَمَانَته يعرض بالحجاج فَقَالَ يزِيد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تقل هَذَا قَالَ سُلَيْمَان وَلم قَالَ لِأَنَّك رَأَيْتنِي وَالْأَمر عني مُدْبِر وَلَو رَأَيْتنِي والأمرُ عليَّ مقبل لاستحسنت مني مَا استقبحت ولاستعظمت مَا استصغرت فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان وَيحك وَقد اسْتَقر الْحجَّاج فِي قَعْر جَهَنَّم بَعْدُ أم لَا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تقل ذَلِك فِي الْحجَّاج قَالَ وَلم قَالَ لِأَن الْحجَّاج وطأ لكم المنابر وذلَل لكم الْجَبَابِرَة وَإنَّهُ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة عَن يَمِين أَبِيك عبد الْملك ويسار أَخِيك الْوَلِيد فَحَيْثُ مَا كَانَا كَانَ ولى سُلَيْمَان بن عبد الْملك أَخَاهُ مسلمة بن عبد الْملك وَكَانَ يلقب بالجرادة الصَّفْرَاء أرمينية وأذربيجان غير مرّة وإمرة الْعِرَاقِيّين وسيره فِي مائَة وَعشْرين ألفا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة كَمَا تقدَّم وروى مسلمة عَن عمر بن عبد الْعَزِيز وَهُوَ مَذْكُور فِي سنَن أبي دَاوُد سُلَيْمَان ابْن الْأَشْعَث السجسْتانِي من الْفَوَائِد عَن مسلمة أَنه لما حصر عمورية حصل لَهُ صداع فَلم يركب فِي الْحَرْب فَقَالَ أهل عمورية للْمُسلمين مَا لأميركم لم يركب الْيَوْم فَقَالُوا عرض لَهُ صداع فأخرجوا لَهُ برنساً وَقَالُوا ألبسوه لَهُ يزل عَنهُ مَا يجد فلبسه مسلمة فشفي لوقته ففتشوه فَلم يَجدوا فِيهِ شَيْئا ثمَّ فتقوا أزراره فَإِذا فِيهَا بطاقة مَكْتُوب فِيهَا هَذِه الْآيَات آيَات التَّخْفِيف ﴿الآنَ خَففَ اَللَّهُ عَنكمُ﴾ الْآيَة
стр. 1365
الْأَنْفَال ٦٦ ﴿ذلِكَ تَخْفِيف مِن رّبكمُ﴾ الْآيَة الْبَقَرَة ١٧٨ ﴿حم عسق﴾ الشورى ١، ٢ ﴿وَإِذا سأَلك عِبادي عَني﴾ الْآيَة الْبَقَرَة ١٨٦ ﴿أَلَم تَرَ إِلىَ رَبك كَيف مَدَ اَلظِلَّ﴾ الْآيَة الْفرْقَان ٤٥ ﴿وَلَه مَا سكَنَ فِي الليلِ وَالنهار﴾ الْآيَة الْأَنْعَام ١٣ فَقَالَ الْمُسلمُونَ من أَيْن لكم هَذَا وَإِنَّمَا أنزل على نَبينَا مُحَمَّد
قَالُوا وَجَدْنَاهُ منقورَاً فِي حجر فِي كَنِيسَة قبل أَن يبْعَث نَبِيكُم بسبعمائة عَام وَمِمَّا يحْكى من محَاسِن سُلَيْمَان أَنه دخل عَلَيْهِ رجل فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أنْشدك الله وَالْأَذَان فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان أما أنْشدك الله فقد عَرفْنَاهُ فَمَا الْأَذَان فَقَالَ الرجل قَوْله تَعَالَى ﴿فأذنَ مُؤَذِن بَينَهُم أَن لعنَةُ اَللَهِ عَلَى اَلظالمين﴾ الْأَعْرَاف ٤٤ فَقَالَ لَهُ مَا ظلامتك قَالَ ضيعتي فُلَانَة غلبني عَلَيْهَا عاملك فلَان فَنزل سُلَيْمَان عَن سَرِيره وَرفع الْبسَاط وَوضع خَدّه فِي الأَرْض وَقَالَ وَالله لَا رفعته حَتَّى يكْتب لَهُ برد ضيعته فَكتب الْكتاب وَهُوَ وَاضع خَدّه بِالْأَرْضِ ﵀ وَعَفا عَنهُ وَمِمَّا يحْكى عَنهُ أَنه قَالَ لطلْحَة بن مصرف مَا تَقول فِي أبي بكر قَالَ مَا أدْرك دهره وَلَا أردك دهري وَلَقَد قَالَ النَّاس فِيهِ فَأحْسنُوا وَهُوَ إِن شَاءَ الله كَذَلِك فَقَالَ مَا تَقول فِي عمر فَقَالَ مثل ذَلِك قَالَ مَا تَقول فِي عُثْمَان قَالَ مَا أدْركْت دهره وَلَا أدْرك دهري وَلَقَد قَالَ فِيهِ النَّاس فَأحْسنُوا وَقَالَ فِيهِ نَاس وأساءوا وَعند الله علمه قَالَ مَا تَقول فِي عَليّ فَقَالَ مثل ذَلِك قَالَ سُب عليا فَقَالَ طَلْحَة لَا أسبه قَالَ وَالله لتسبنه أَو لَأَضرِبَن عُنُقك قَالَ وَالله لَا أسبه فَأمر بِضَرْب عُنُقه فَقَامَ إِلَيْهِ رجل بِيَدِهِ سيف فهزه فَقَالَ طَلْحَة وَيلك يَا سُلَيْمَان أما ترضي بِمَا رَضِي بِهِ من هُوَ خير مِنْك فِيمَن هُوَ شَرّ من عَليّ قَالَ وَمَا ذَاك قَالَ فَإِن الله رَضِي من عِيسَى وَهُوَ خير مِنْك إِذْ قَالَ فِي بني إِسْرَائِيل وهم شَرّ من عل ﴿إِن تُعَذّبهُم فإنَهُم عِبَادُك﴾ الْآيَة الْمَائِدَة ١١٨ فسكن غَضَبه وخلى سَبيله فَخرج طَلْحَة يختال فِي مشيته وَدخل سَالم بن عبد الله بن عمر على سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَعَلِيهِ ثِيَاب غَلِيظَة خشنة رثَّة فأقعده سُلَيْمَان مَعَه على السرير وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز حَاضرا فَقَالَ لَهُ رجل يَا عمر مَا اسْتَطَاعَ خَالك يَعْنِي سَالم بن عبد الله أَن
стр. 1366
يلبس ثيابًا فاخرة يدْخل بهَا على أَمِير الْمُؤمنِينَ وعَلى الْمُتَكَلّم ثِيَاب فاخرة فَقَالَ لَهُ عمر مَا رأيتُ ثِيَابه وَضعته وَلَا رأيتُ ثيابَكَ هَذِه رفعتك إِلَى مَكَانَهُ فَسكت الرجل وَلم يحر جَوَابا ويروى أَنه لما حم خرج لصَلَاة الْجُمُعَة فَوجدَ حظية لَهُ فِي حصن الدَّار فَأَنْشَدته من // (الْخَفِيف) //
(أَنْتَ نِعْمَ المَتَاعُ لَو كُنْتَ يبقَى ... غَيْرَ أَن لَا بَقَاءَ للإنسانِ)
(لَيْسَ فيِمَا بَدَا لنا مِنْكَ عَيْبٌ ... عابَهُ النَّاسُ غَيْرَ أنكَ فَانِي)
فَلَمَّا فرغ من الصَّلَاة دخل دَاره ودعا بِتِلْكَ الحظية فَقَالَ لَهَا مَا قلت لي فِي صحن الدَّار فَقَالَت وَالله مَا قلت لَك شَيْئا وَمَا رَأَيْتُك وَأَنِّي لي بِالْخرُوجِ إِلَى صحن الدَّار فَقَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون نعيت إِلَيّ نَفسِي فَمَا دارت عَلَيْهِ جُمُعَة أخرَى إِلَّا وَهُوَ فِي قَبره توُفِي ﵀ فِي صفر سنة ثَمَان وَتِسْعين وَقيل تسع بمرج دابق وَله تسع وَثَلَاثُونَ سنة وَكَانَت خِلَافَته سنتَيْن وَثَمَانِية أشهر وَصلى عَلَيْهِ عمر بن عبد الْعَزِيز
(خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ وأرضاه)
قَالَ الْوَلِيد بن مُسلم بن عبد الرَّحْمَن بن حسان الْكِنَانِي لما مرض سُلَيْمَان بمرج دابق قَالَ لرجاء بن حَيوَةَ كَاتبه ووزيره من لهَذَا الْأَمر بعدِي أستخلف ابْني فَقَالَ لَهُ رَجَاء ابْنك غَائِب فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَلَا تَدْرِي حَيَاته أَو مَوته فَقَالَ أستخلف ابْني دَاوُد الآخر فَقَالَ إِنَّه صَغِير قَالَ فَمن ترى قَالَ اسْتخْلف عمر ابْن عبد الْعَزِيز قَالَ أَتَخَوَّف أخوتي لَا يرضون قَالَ رَجَاء فول عمر ثمَّ بعده
стр. 1367
أَخَاك يزِيد بن عبد الْملك وتكتب كتابَاً وتختم عَلَيْهِ وَتَدْعُوهُمْ إِلَى الْبيعَة لمن فِيهِ مَخْتُومًا فَقَالَ سُلَيْمَان لقد رأيتُ مَا رأيتَ ائْتِنِي بقرطاس فَكتب فِيهِ الْعَهْد على مَا ذكر وَدفعه إِلَى رَجَاء وَقَالَ اخْرُج إِلَى النَّاس فليبايعوا لمن فِي هَذَا الْكتاب قَالُوا وَمن فِيهِ قَالَ هُوَ مختوم لَا تخبرون بِمن فِيهِ حَتَّى يَمُوت قَالُوا لَا نُبَايِع وَرجع رَجَاء إِلَيْهِ فَأخْبرهُ فَقَالَ انْطلق إِلَى صَاحب الشرطة والحرس فاجمع النَّاس وَأمرهمْ بالبيعة فَمن أَبى فَاضْرب عُنُقه فَفعل فَبَايعُوا لمن فِيهِ قَالَ رَجَاء بن حَيْوَة فَبَيْنَمَا أَنا رَاجع إِذْ سَمِعت جلبة موكب فَإِذا هِشَام بن عبد الْملك فَقَالَ لي يَا رَجَاء قد علمت موقعك منا وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ صنع شَيْئا مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَأَنا أَتَخَوَّف أَن يكون قد أزالها عني فَإِن يكن قد عدلها عني فَأَعْلمنِي مَا دَامَ الْأَمر نفس حَتَّى أنظر قَالَ رَجَاء فَقلت لَهُ سُبْحَانَ الله يستكتمني أَمِير الْمُؤمنِينَ أمرا فأطلعك عَلَيْهِ لَا يكون هَذَا أبدا قَالَ فأدارني وألاحني فأبيت عَلَيْهِ فَانْصَرف فَبَيْنَمَا أَنا أَسِير إِذْ سَمِعت جلبة خَلْفي فَإِذا عمر ابْن عبد الْعَزِيز فَقَالَ لي يَا رَجَاء إِنَّه وَقع فِي نَفسِي أَمر كَبِير من هَذَا الرجل أَتَخَوَّف أَن يكون قد جعلهَا إليَّ وَلست أقوم لَهُ بِهَذَا الشَّأْن فَأَعْلمنِي مَا دَامَ فِي الْأَمر نفس لعَلي أتخلَص مِنْهُ مادام حَيا فَقلت سُبْحَانَ الله يستكتمني أَمِير الْمُؤمنِينَ أمرا فأطلعك عَلَيْهِ لَا يكون هَذَا أبدا قَالَ فأدارني وألاحني فأبيت عَلَيْهِ فَانْصَرف فَبَيْنَمَا أَنا أَسِير إِذْ سَمِعت جلبة خَلْفي فَإِذا عمر ابْن عبد الْعَزِيز فَقَالَ لي يَا رَجَاء إِنَّه وَقع فِي نَفسِي أَمر كَبِير من هَذَا الرجل أَتَخَوَّف أَن يكون قد جعلهَا إليَّ وَلست أقوم لَهُ بِهَذَا الشَّأْن فَأَعْلمنِي مَا دَامَ فِي الْأَمر نفس لعَلي أتخلَص مِنْهُ مَا دَامَ حَيا فَقلت سُبْحَانَ الله يستكتمني أَمِير الْمُؤمنِينَ أمرا وأطلعك عَلَيْهِ قَالَ وَثقل سُلَيْمَان فَلَمَّا مَاتَ أجلسته مَجْلِسه وأسندته وهيأته وَخرجت إِلَى النَّاس فَقَالُوا كَيفَ أصبح أَمِير الْمُؤمنِينَ قلت سَاكِنا وَأحب أَن تسلموا عَلَيْهِ وتبايعوا بَين يَدَيْهِ على مَا فِي الْكتاب فَدَخَلُوا وَأَنا قَائِم عِنْده فَلَمَّا دنوا قلت إِنَّه يَأْمُركُمْ بِالْوُقُوفِ ثمَّ أخذت الْكتاب من عِنْده وَتَقَدَّمت إِلَيْهِم وَقلت إِنَّه يَأْمُركُمْ أَن تبايعوا لمن فِي هَذَا الْكتاب فَبَايعُوا وبسطوا أَيْديهم فَلَمَّا بايعتهم وفرغت قلت آجركم الله فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالُوا فَمن ففتحت الْكتاب فَإِذا فِيهِ الْعَهْد لعمر بن عبد الْعَزِيز فتغيرَتْ وُجُوه بني عبد الْملك وَقَالَ هِشَام لَا نُبَايِعهُ أبدا فَقَالَ لَهُ رَجَاء وَالله نضرب عُنُقك فَقَامَ آسفاً يجر رجلَيْهِ فَلَمَّا سمعُوا وَبعده يزِيد بن عبد الْملك كَأَنَّهُمْ تراجعوا
стр. 1368
فَقَالُوا أَيْن عمر فطلبوه فَإِذا هُوَ فِي الْمَسْجِد فَأتوهُ فَسَلمُوا عَلَيْهِ بالخلافة فعقر بِهِ وَلم يسْتَطع النهوض حَتَّى أخذُوا بضبعيه فدنوا بِهِ إِلَى الْمِنْبَر وأصعدوه فَجَلَسَ طَويلا لَا يتكلَّم فَقَالَ رَجَاء أَلا تقومون إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فتبايعوه فَنَهَضَ الْقَوْم إِلَيْهِ فَبَايعُوهُ رجلَا رجلا ومَدَ يَده إِلَيْهِم ثمَّ صعد إِلَيْهِ هِشَام بن عبد الْملك فَلَمَّا مد يَده إِلَيْهِ قَالَ هِشَام إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون أسفَاً لما فَاتَهُ وأخطأه فَقَالَ لَهُ عمر إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون لما وَقع فِيهِ من ولَايَة أَمر الْأمة ثمَّ قَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس إِنِّي لست بفارضِ وَلَكِنِّي منفذ وَلست بِمُبْتَدعٍ وَلَكِنِّي مُتبع وَإِن من حَوْلكُمْ من الْأَمْصَار والبلدان والمدن إِن هم أطاعوا كَمَا أطعتم فَأَنا واليكم وَإِن أَبَوا فلست لَهُم بوال ثمَّ نزل فَأَتَاهُ صَاحب المراكب فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا مركب الْخلَافَة قَالَ لَا حَاجَة لي بِهِ ائْتُونِي بدابتي فَأتوهُ بدابته فَانْطَلق إِلَى منزله ثمَّ دَعَا بِدَوَاةٍ فَكتب بِيَدِهِ إِلَى الْأَمْصَار قَالَ رَجَاء كنت أَظن أَنه يَضْعُفُ فَلَمَّا رَأَيْت صنعه فِي الْكتاب علمت أَنه سيقوى وَقَالَ عمر بن مهَاجر صلى عمر بن عبد الْعَزِيز الْمغرب ثمَّ صلى على جَنَازَة سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَلما بلغ عبد الْعَزِيز بن الْوَلِيد وَكَانَ غائبَاً موت سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَلم يعلم ببيعةَ عمر عقد لِوَاء ودعا لنَفسِهِ وَجَاء إِلَى دمشق ثمَّ بلغه عهد سُلَيْمَان إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز فجَاء إِلَيْهِ وَاعْتذر وَقَالَ أَنا فعلت مَا فعلت لما بَلغنِي أَن سُلَيْمَان لم يعْهَد إِلَى أحد فَخَشِيت على الْأَمْوَال أَن تنتهب فَقَالَ لَهُ عمر بن عبد الْعَزِيز لَو قُمْت بِالْأَمر لقعدتُ فِي بَيْتِي وَلم أنازعك فَقَالَ لَهُ عبد الْعَزِيز وَالله لَا أجيبُ لهَذَا الْأَمر فَأول مَا بَدَأَ بِهِ عمر بن عبد الْعَزِيز لما استقرتِ الْبيعَة لَهُ أَنه رد مَا كَانَ لفاطمة بنت عبد الْملك بن مَرْوَان زَوجته من المَال والحلي والجواهر إِلَى بَيت المَال
стр. 1369
وَقَالَ لَا أجتمع أَنا وَأَنت وَهُوَ فِي بَيت وَاحِد فَردته جَمِيعًا وَلما ولي أَخُوهَا يزِيد من بعده رده عَلَيْهَا فَأَبت وَقَالَت مَا كنت لأطيعه حَيا وأعصيه مَيتا ففرقه يزِيد على أَهله وَكتب إِلَى مسلمة بن عبد الْملك وَهُوَ بِأَرْض الرّوم يَأْمُرهُ بالقفول بِالْمُسْلِمين وَهُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس ابْن عبد منَاف بن قصي أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبُو حَفْص الْقرشِي الْأمَوِي قَالَ الإِمَام مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي هُوَ خَامِس الْخُلَفَاء الرَّاشِدين رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وأرضاه ولد بِالْمَدِينَةِ وَقيل بحلوان من أَعمال مصر سنة سِتِّينَ عَام وَفَاة مُعَاوِيَة أَو بعْدهَا بِسنة أمه أم عَاصِم بنت عَاصِم بن عمر بن الْخطاب روى عَن أَبِيه وَأنس وَعبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب وَغَيرهم صفته كَانَ ﵁ أبيضَ اللَّوْن رَقِيق الْوَجْه جميلا نحيف الْجِسْم حسن اللِّحْيَة غائر الْعَينَيْنِ بجبهته أثر حافر دَابَّة وَلذَلِك سمي أشج بني أُميَّة قد وخطه الشيب قَالَ ثروان مَوْلَاهُ دخل عمر إِلَى إصطبل أَبِيه وَهُوَ غُلَام فَضَربهُ فرس فَشَجَّهُ فَجعل أَبوهُ يمسح عَنهُ الدَّم وَيَقُول إِن كنت أشج بني أُميَّة إِنَّك لسَعِيد رَوَاهُ ضَمرَة عَن ثروان وَعَن ضمام بن إِسْمَاعِيل عَن أبي قبيل أَن عمر بن عبد الْعَزِيز بَكَى وَهُوَ غُلَام فَقَالَت أمه مَا يبكيك قَالَ ذكرت الْمَوْت وَكَانَ قد جمع الْقُرْآن وَهُوَ غُلَام صَغِير فَبَكَتْ أمه وَعَن سعيد بن عفير عَن يَعْقُوب عَن أَبِيه أَن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان أَمِير مصر بَعَثَ ابْنه عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى الْمَدِينَة يتأدب بهَا وَكتب إِلَى صَالح بن كيسَان أَن يتعاهده وَكَانَ يخْتَلف إِلَى عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة يسمع مِنْهُ الْعلم فَبَلغهُ أَن
стр. 1370
عمر يتنقص عليا فَقَالَ لَهُ مَتى بلغك أَن الله سَخِطَ على أهل بدر بعد أَن رَضيَ عَنْهُم ففهم وَقَالَ معذرة إِلَى الله وَإِلَيْك لَا أَعُود وَقَالَ غَيره لما مَاتَ عبد الْعَزِيز طلب عبد الْملك بن مَرْوَان عمر إِلَى دمشق فزوجته ابْنَته فَاطِمَة بنت عبد الْملك وَكَانَ الَّذين يعيبون عمر من حساده لَا يعيبونه إِلَّا بالإفراط فِي التنعم والاختيالِ فِي المشية هَذَا قبل الإمرة قَالَ أَبُو زرْعَة عبد الْأَحَد بن اللَّيْث القيناني سَمِعت مَالِكًا يَقُول أَتَى فتيَان إِلَى عمر بن عبد العزز فَقَالُوا إِن أَبَانَا تُوفيَ وَترك لنا مالَا نَحْو عمنَا حميد الأمجي فَأحْضرهُ عمر وَقَالَ لَهُ أَنْت الْقَائِل من // (المتقارب) //
(حُميْدُ الَّذِي أمج دَاره ... أَخُو الخَمْرِ ذِي الشيْبَةِ الأَصْلَع)
(أَتَاهُ المَشِيبُ علَى شربهَا ... وكَانَ كَريماً فَلَمْ يَنْزعِ)
قَالَ نعم قَالَ مَا أَرَانِي إِلَّا حادكَ إِذْ أَقرَرت بشربها وَأَنَّك لم تنْزع عَنْهَا قَالَ أَيْن يذهب بك ألم تسمع الله يَقُول ﴿وَاَلشُعَراء يَتبِعُهُم الغَاوونَ أَلمَ تَرَ أَنهُم فِي كُلِّ وَاد﴾ الْآيَة الشُّعَرَاء ٢٢٤ قَالَ عمر أَولَى لَك يَا حميد مَا أَرَاك إِلَّا قد تفلت وَيحك يَا حميد كَانَ أَبوك رجلَا صَالحا وَأَنت رجل سوء قَالَ أصلحك الله وأينا يشبه أَبَاهُ أما كَانَ أَبوك رجل سوء وَأَنت رجل صَالح قَالَ إِن هَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَن أباهم تُوُفيَ وَترك مَالا عنْدك قَالَ صدقُوا وأحضره بِخَتْم أَبِيهِم ثمَّ قَالَ إِن أباهم مَاتَ سنة كَذَا وَكَذَا وَكنت أنْفق عَلَيْهِم من مَالِي وَهَذَا مَالهم فَقَالَ عمر مَا أحد أَحَق أَن يكون عِنْده مِنْك فَامْتنعَ وَقَالَ زيد بن أسلم قَالَ أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَا صليت وَرَاء إِمَام بعد رَسُول الله
أشبه صَلَاة برَسُول الله
من هَذَا الْفَتى يَعْنِي عمر بن عبد الْعَزِيز وَكَانَ عمر أَمِيرا على الْمَدِينَة قَالَ زيد بن أسلم كَانَ يتم الرُّكُوع وَالسُّجُود ويخفف الْقيام وَالْقعُود وَقَالَ عمر بن قيس الْملَائي سُئِلَ مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ هُوَ نجيبة بني أُميَّة وَلكُل قوم نجيبة وَإنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة أمة وَاحِدَة وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ كَانَ الْعلمَاء مَعَ عمر بن عبد الْعَزِيز تلامذة
следующие страницы →