Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
يلبس ثيابًا فاخرة يدْخل بهَا على أَمِير الْمُؤمنِينَ وعَلى الْمُتَكَلّم ثِيَاب فاخرة فَقَالَ لَهُ عمر مَا رأيتُ ثِيَابه وَضعته وَلَا رأيتُ ثيابَكَ هَذِه رفعتك إِلَى مَكَانَهُ فَسكت الرجل وَلم يحر جَوَابا ويروى أَنه لما حم خرج لصَلَاة الْجُمُعَة فَوجدَ حظية لَهُ فِي حصن الدَّار فَأَنْشَدته من // (الْخَفِيف) //
(أَنْتَ نِعْمَ المَتَاعُ لَو كُنْتَ يبقَى ... غَيْرَ أَن لَا بَقَاءَ للإنسانِ)
(لَيْسَ فيِمَا بَدَا لنا مِنْكَ عَيْبٌ ... عابَهُ النَّاسُ غَيْرَ أنكَ فَانِي)
فَلَمَّا فرغ من الصَّلَاة دخل دَاره ودعا بِتِلْكَ الحظية فَقَالَ لَهَا مَا قلت لي فِي صحن الدَّار فَقَالَت وَالله مَا قلت لَك شَيْئا وَمَا رَأَيْتُك وَأَنِّي لي بِالْخرُوجِ إِلَى صحن الدَّار فَقَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون نعيت إِلَيّ نَفسِي فَمَا دارت عَلَيْهِ جُمُعَة أخرَى إِلَّا وَهُوَ فِي قَبره توُفِي ﵀ فِي صفر سنة ثَمَان وَتِسْعين وَقيل تسع بمرج دابق وَله تسع وَثَلَاثُونَ سنة وَكَانَت خِلَافَته سنتَيْن وَثَمَانِية أشهر وَصلى عَلَيْهِ عمر بن عبد الْعَزِيز
(خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ وأرضاه)
قَالَ الْوَلِيد بن مُسلم بن عبد الرَّحْمَن بن حسان الْكِنَانِي لما مرض سُلَيْمَان بمرج دابق قَالَ لرجاء بن حَيوَةَ كَاتبه ووزيره من لهَذَا الْأَمر بعدِي أستخلف ابْني فَقَالَ لَهُ رَجَاء ابْنك غَائِب فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَلَا تَدْرِي حَيَاته أَو مَوته فَقَالَ أستخلف ابْني دَاوُد الآخر فَقَالَ إِنَّه صَغِير قَالَ فَمن ترى قَالَ اسْتخْلف عمر ابْن عبد الْعَزِيز قَالَ أَتَخَوَّف أخوتي لَا يرضون قَالَ رَجَاء فول عمر ثمَّ بعده
стр. 1367
أَخَاك يزِيد بن عبد الْملك وتكتب كتابَاً وتختم عَلَيْهِ وَتَدْعُوهُمْ إِلَى الْبيعَة لمن فِيهِ مَخْتُومًا فَقَالَ سُلَيْمَان لقد رأيتُ مَا رأيتَ ائْتِنِي بقرطاس فَكتب فِيهِ الْعَهْد على مَا ذكر وَدفعه إِلَى رَجَاء وَقَالَ اخْرُج إِلَى النَّاس فليبايعوا لمن فِي هَذَا الْكتاب قَالُوا وَمن فِيهِ قَالَ هُوَ مختوم لَا تخبرون بِمن فِيهِ حَتَّى يَمُوت قَالُوا لَا نُبَايِع وَرجع رَجَاء إِلَيْهِ فَأخْبرهُ فَقَالَ انْطلق إِلَى صَاحب الشرطة والحرس فاجمع النَّاس وَأمرهمْ بالبيعة فَمن أَبى فَاضْرب عُنُقه فَفعل فَبَايعُوا لمن فِيهِ قَالَ رَجَاء بن حَيْوَة فَبَيْنَمَا أَنا رَاجع إِذْ سَمِعت جلبة موكب فَإِذا هِشَام بن عبد الْملك فَقَالَ لي يَا رَجَاء قد علمت موقعك منا وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ صنع شَيْئا مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَأَنا أَتَخَوَّف أَن يكون قد أزالها عني فَإِن يكن قد عدلها عني فَأَعْلمنِي مَا دَامَ الْأَمر نفس حَتَّى أنظر قَالَ رَجَاء فَقلت لَهُ سُبْحَانَ الله يستكتمني أَمِير الْمُؤمنِينَ أمرا فأطلعك عَلَيْهِ لَا يكون هَذَا أبدا قَالَ فأدارني وألاحني فأبيت عَلَيْهِ فَانْصَرف فَبَيْنَمَا أَنا أَسِير إِذْ سَمِعت جلبة خَلْفي فَإِذا عمر ابْن عبد الْعَزِيز فَقَالَ لي يَا رَجَاء إِنَّه وَقع فِي نَفسِي أَمر كَبِير من هَذَا الرجل أَتَخَوَّف أَن يكون قد جعلهَا إليَّ وَلست أقوم لَهُ بِهَذَا الشَّأْن فَأَعْلمنِي مَا دَامَ فِي الْأَمر نفس لعَلي أتخلَص مِنْهُ مادام حَيا فَقلت سُبْحَانَ الله يستكتمني أَمِير الْمُؤمنِينَ أمرا فأطلعك عَلَيْهِ لَا يكون هَذَا أبدا قَالَ فأدارني وألاحني فأبيت عَلَيْهِ فَانْصَرف فَبَيْنَمَا أَنا أَسِير إِذْ سَمِعت جلبة خَلْفي فَإِذا عمر ابْن عبد الْعَزِيز فَقَالَ لي يَا رَجَاء إِنَّه وَقع فِي نَفسِي أَمر كَبِير من هَذَا الرجل أَتَخَوَّف أَن يكون قد جعلهَا إليَّ وَلست أقوم لَهُ بِهَذَا الشَّأْن فَأَعْلمنِي مَا دَامَ فِي الْأَمر نفس لعَلي أتخلَص مِنْهُ مَا دَامَ حَيا فَقلت سُبْحَانَ الله يستكتمني أَمِير الْمُؤمنِينَ أمرا وأطلعك عَلَيْهِ قَالَ وَثقل سُلَيْمَان فَلَمَّا مَاتَ أجلسته مَجْلِسه وأسندته وهيأته وَخرجت إِلَى النَّاس فَقَالُوا كَيفَ أصبح أَمِير الْمُؤمنِينَ قلت سَاكِنا وَأحب أَن تسلموا عَلَيْهِ وتبايعوا بَين يَدَيْهِ على مَا فِي الْكتاب فَدَخَلُوا وَأَنا قَائِم عِنْده فَلَمَّا دنوا قلت إِنَّه يَأْمُركُمْ بِالْوُقُوفِ ثمَّ أخذت الْكتاب من عِنْده وَتَقَدَّمت إِلَيْهِم وَقلت إِنَّه يَأْمُركُمْ أَن تبايعوا لمن فِي هَذَا الْكتاب فَبَايعُوا وبسطوا أَيْديهم فَلَمَّا بايعتهم وفرغت قلت آجركم الله فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالُوا فَمن ففتحت الْكتاب فَإِذا فِيهِ الْعَهْد لعمر بن عبد الْعَزِيز فتغيرَتْ وُجُوه بني عبد الْملك وَقَالَ هِشَام لَا نُبَايِعهُ أبدا فَقَالَ لَهُ رَجَاء وَالله نضرب عُنُقك فَقَامَ آسفاً يجر رجلَيْهِ فَلَمَّا سمعُوا وَبعده يزِيد بن عبد الْملك كَأَنَّهُمْ تراجعوا
стр. 1368
فَقَالُوا أَيْن عمر فطلبوه فَإِذا هُوَ فِي الْمَسْجِد فَأتوهُ فَسَلمُوا عَلَيْهِ بالخلافة فعقر بِهِ وَلم يسْتَطع النهوض حَتَّى أخذُوا بضبعيه فدنوا بِهِ إِلَى الْمِنْبَر وأصعدوه فَجَلَسَ طَويلا لَا يتكلَّم فَقَالَ رَجَاء أَلا تقومون إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فتبايعوه فَنَهَضَ الْقَوْم إِلَيْهِ فَبَايعُوهُ رجلَا رجلا ومَدَ يَده إِلَيْهِم ثمَّ صعد إِلَيْهِ هِشَام بن عبد الْملك فَلَمَّا مد يَده إِلَيْهِ قَالَ هِشَام إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون أسفَاً لما فَاتَهُ وأخطأه فَقَالَ لَهُ عمر إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون لما وَقع فِيهِ من ولَايَة أَمر الْأمة ثمَّ قَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس إِنِّي لست بفارضِ وَلَكِنِّي منفذ وَلست بِمُبْتَدعٍ وَلَكِنِّي مُتبع وَإِن من حَوْلكُمْ من الْأَمْصَار والبلدان والمدن إِن هم أطاعوا كَمَا أطعتم فَأَنا واليكم وَإِن أَبَوا فلست لَهُم بوال ثمَّ نزل فَأَتَاهُ صَاحب المراكب فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا مركب الْخلَافَة قَالَ لَا حَاجَة لي بِهِ ائْتُونِي بدابتي فَأتوهُ بدابته فَانْطَلق إِلَى منزله ثمَّ دَعَا بِدَوَاةٍ فَكتب بِيَدِهِ إِلَى الْأَمْصَار قَالَ رَجَاء كنت أَظن أَنه يَضْعُفُ فَلَمَّا رَأَيْت صنعه فِي الْكتاب علمت أَنه سيقوى وَقَالَ عمر بن مهَاجر صلى عمر بن عبد الْعَزِيز الْمغرب ثمَّ صلى على جَنَازَة سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَلما بلغ عبد الْعَزِيز بن الْوَلِيد وَكَانَ غائبَاً موت سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَلم يعلم ببيعةَ عمر عقد لِوَاء ودعا لنَفسِهِ وَجَاء إِلَى دمشق ثمَّ بلغه عهد سُلَيْمَان إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز فجَاء إِلَيْهِ وَاعْتذر وَقَالَ أَنا فعلت مَا فعلت لما بَلغنِي أَن سُلَيْمَان لم يعْهَد إِلَى أحد فَخَشِيت على الْأَمْوَال أَن تنتهب فَقَالَ لَهُ عمر بن عبد الْعَزِيز لَو قُمْت بِالْأَمر لقعدتُ فِي بَيْتِي وَلم أنازعك فَقَالَ لَهُ عبد الْعَزِيز وَالله لَا أجيبُ لهَذَا الْأَمر فَأول مَا بَدَأَ بِهِ عمر بن عبد الْعَزِيز لما استقرتِ الْبيعَة لَهُ أَنه رد مَا كَانَ لفاطمة بنت عبد الْملك بن مَرْوَان زَوجته من المَال والحلي والجواهر إِلَى بَيت المَال
стр. 1369
وَقَالَ لَا أجتمع أَنا وَأَنت وَهُوَ فِي بَيت وَاحِد فَردته جَمِيعًا وَلما ولي أَخُوهَا يزِيد من بعده رده عَلَيْهَا فَأَبت وَقَالَت مَا كنت لأطيعه حَيا وأعصيه مَيتا ففرقه يزِيد على أَهله وَكتب إِلَى مسلمة بن عبد الْملك وَهُوَ بِأَرْض الرّوم يَأْمُرهُ بالقفول بِالْمُسْلِمين وَهُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس ابْن عبد منَاف بن قصي أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبُو حَفْص الْقرشِي الْأمَوِي قَالَ الإِمَام مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي هُوَ خَامِس الْخُلَفَاء الرَّاشِدين رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وأرضاه ولد بِالْمَدِينَةِ وَقيل بحلوان من أَعمال مصر سنة سِتِّينَ عَام وَفَاة مُعَاوِيَة أَو بعْدهَا بِسنة أمه أم عَاصِم بنت عَاصِم بن عمر بن الْخطاب روى عَن أَبِيه وَأنس وَعبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب وَغَيرهم صفته كَانَ ﵁ أبيضَ اللَّوْن رَقِيق الْوَجْه جميلا نحيف الْجِسْم حسن اللِّحْيَة غائر الْعَينَيْنِ بجبهته أثر حافر دَابَّة وَلذَلِك سمي أشج بني أُميَّة قد وخطه الشيب قَالَ ثروان مَوْلَاهُ دخل عمر إِلَى إصطبل أَبِيه وَهُوَ غُلَام فَضَربهُ فرس فَشَجَّهُ فَجعل أَبوهُ يمسح عَنهُ الدَّم وَيَقُول إِن كنت أشج بني أُميَّة إِنَّك لسَعِيد رَوَاهُ ضَمرَة عَن ثروان وَعَن ضمام بن إِسْمَاعِيل عَن أبي قبيل أَن عمر بن عبد الْعَزِيز بَكَى وَهُوَ غُلَام فَقَالَت أمه مَا يبكيك قَالَ ذكرت الْمَوْت وَكَانَ قد جمع الْقُرْآن وَهُوَ غُلَام صَغِير فَبَكَتْ أمه وَعَن سعيد بن عفير عَن يَعْقُوب عَن أَبِيه أَن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان أَمِير مصر بَعَثَ ابْنه عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى الْمَدِينَة يتأدب بهَا وَكتب إِلَى صَالح بن كيسَان أَن يتعاهده وَكَانَ يخْتَلف إِلَى عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة يسمع مِنْهُ الْعلم فَبَلغهُ أَن
стр. 1370
عمر يتنقص عليا فَقَالَ لَهُ مَتى بلغك أَن الله سَخِطَ على أهل بدر بعد أَن رَضيَ عَنْهُم ففهم وَقَالَ معذرة إِلَى الله وَإِلَيْك لَا أَعُود وَقَالَ غَيره لما مَاتَ عبد الْعَزِيز طلب عبد الْملك بن مَرْوَان عمر إِلَى دمشق فزوجته ابْنَته فَاطِمَة بنت عبد الْملك وَكَانَ الَّذين يعيبون عمر من حساده لَا يعيبونه إِلَّا بالإفراط فِي التنعم والاختيالِ فِي المشية هَذَا قبل الإمرة قَالَ أَبُو زرْعَة عبد الْأَحَد بن اللَّيْث القيناني سَمِعت مَالِكًا يَقُول أَتَى فتيَان إِلَى عمر بن عبد العزز فَقَالُوا إِن أَبَانَا تُوفيَ وَترك لنا مالَا نَحْو عمنَا حميد الأمجي فَأحْضرهُ عمر وَقَالَ لَهُ أَنْت الْقَائِل من // (المتقارب) //
(حُميْدُ الَّذِي أمج دَاره ... أَخُو الخَمْرِ ذِي الشيْبَةِ الأَصْلَع)
(أَتَاهُ المَشِيبُ علَى شربهَا ... وكَانَ كَريماً فَلَمْ يَنْزعِ)
قَالَ نعم قَالَ مَا أَرَانِي إِلَّا حادكَ إِذْ أَقرَرت بشربها وَأَنَّك لم تنْزع عَنْهَا قَالَ أَيْن يذهب بك ألم تسمع الله يَقُول ﴿وَاَلشُعَراء يَتبِعُهُم الغَاوونَ أَلمَ تَرَ أَنهُم فِي كُلِّ وَاد﴾ الْآيَة الشُّعَرَاء ٢٢٤ قَالَ عمر أَولَى لَك يَا حميد مَا أَرَاك إِلَّا قد تفلت وَيحك يَا حميد كَانَ أَبوك رجلَا صَالحا وَأَنت رجل سوء قَالَ أصلحك الله وأينا يشبه أَبَاهُ أما كَانَ أَبوك رجل سوء وَأَنت رجل صَالح قَالَ إِن هَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَن أباهم تُوُفيَ وَترك مَالا عنْدك قَالَ صدقُوا وأحضره بِخَتْم أَبِيهِم ثمَّ قَالَ إِن أباهم مَاتَ سنة كَذَا وَكَذَا وَكنت أنْفق عَلَيْهِم من مَالِي وَهَذَا مَالهم فَقَالَ عمر مَا أحد أَحَق أَن يكون عِنْده مِنْك فَامْتنعَ وَقَالَ زيد بن أسلم قَالَ أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَا صليت وَرَاء إِمَام بعد رَسُول الله
أشبه صَلَاة برَسُول الله
من هَذَا الْفَتى يَعْنِي عمر بن عبد الْعَزِيز وَكَانَ عمر أَمِيرا على الْمَدِينَة قَالَ زيد بن أسلم كَانَ يتم الرُّكُوع وَالسُّجُود ويخفف الْقيام وَالْقعُود وَقَالَ عمر بن قيس الْملَائي سُئِلَ مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ هُوَ نجيبة بني أُميَّة وَلكُل قوم نجيبة وَإنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة أمة وَاحِدَة وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ كَانَ الْعلمَاء مَعَ عمر بن عبد الْعَزِيز تلامذة
стр. 1371
قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي تَارِيخه بِسَنَد رَفعه إِلَى جوَيْرِية عَن نَافِع بلغنَا أَن عمر بن الْخطاب قَالَ إِن مِن وَلَدي رجلا بِوَجْهِهِ شجة يَلِي فَيمْلَأ الأَرْض عدلا قَالَ هُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَعَن السّري بن يحيى عَن ريَاح بن عُبَيْدَة قَالَ خرج عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى الصَّلَاة وَشَيخ متوكئ على يَده فَقلت فِي نَفسِي إِن هَذَا الشَّيْخ لجافٍ فَلَمَّا صلى لحقته فَقلت أصلح الله الْأَمِير من الشَّيْخ الَّذِي كَانَ متكئَاً على يدك قَالَ يَا ريَاح رَأَيْته قلت نعم قَالَ مَا أحسبك إِلَّا رجلا صَالحا ذَاك أخي الْخضر أَتَانِي فَأَعْلمنِي أَنِّي سألي أَمر هَذِه الْأمة وَأَنِّي سأعدل فِيهَا رُوَاته ثِقَات قَالَ جرير عَن مُغيرَة جع عمر بن عبد الْعَزِيز بني مَرْوَان حِين اسْتخْلف فَقَالَ إِن رَسُول الله
كَانَ لَهُ فدك ينْفق مِنْهَا وَيعود مِنْهَا على صَغِير بني هَاشم ويزوج مِنْهَا أيمهم وَإِن فَاطِمَة سَأَلته أَن يَجْعَلهَا لَهَا فَأبى وَكَانَت كَذَلِك حَيَاة أبي بكر ثمَّ عمر ثمَّ اقتطعها مَرْوَان ثمَّ صَارَت إِلَيّ فَرَأَيْت أمرا مَنعه رَسُول الله
لَيْسَ لي بحَق وَإِنِّي أشهدكم أَنِّي قد رَددتهَا على مَا كَانَت عَلَيْهِ أَيَّام رَسُول الله
وَفِي كتاب المحاسن والمساوي للعلامة إِبْرَاهِيم البهيقي مَا نَصه وَحدث إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد قَالَ أَتَى الْوَلِيد بن عبد الْملك بِرَجُل من الْخَوَارِج وَعِنْده عمر بن عبد الْعَزِيز وخَالِد بن الريان فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد مَا تَقول فِي أبي بكر فَقَالَ صَاحب رَسُول الله
وَثَانِي اثْنَيْنِ رجمه الله تَعَالَى وَغفر لَهُ قَالَ فَمَا تَقول فِي عمر بن الْخطاب قَالَ هُوَ الْفَارُوق رَحمَه الله تَعَالَى وَغفر لَهُ قَالَ فَمَا تَقول فِي عُثْمَان بن عَفَّان قَالَ كَانَ سُنَيات من خِلَافَته ملازماً للعدل قَالَ فَمَا تَقول فِي مَرْوَان بن الحكم قَالَ لعن الله ذَاك قَالَ فَمَا تَقول فِي عبد الْملك قَالَ ذَاك ابْن ذَاك لعن الله ذَاك فَقَالَ فَمَا تَقول فِي قَالَ ابْن ذَيْنك وَأَنت شَرّ الثَّلَاثَة فَقَالَ الْوَلِيد يَا عمر مَا تَقول فِيمَا تسمع قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا أحد أعلم
стр. 1372
بِهَذَا مِنْك فألح عَلَيْهِ وَالله لتقولن فَقَالَ أما إِذْ أَبيت إِلَّا أَن أَقُول فسب أَبَاهُ كَمَا سَبَّ أَبَاك ﴿وَأن تَعفُوا أَقرَبُ لِلتَّقوَى﴾ الْبَقَرَة ٢٣٧ فَقَالَ لَيْسَ إِلَّا هَذَا فَقَالَ لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا أَن تداخلك جبرية فَأَما فِي الْحق فَلَيْسَ إِلَّا هَذَا فَالْتَفت إِلَى خَالِد بن الريان وَهُوَ قَائِم على رَأسه ثمَّ قَامَ وَهُوَ غَضْبَان فَقَالَ خَالِد وَالله يَا عمر لقد نظر إِلَيّ أَمِير الْمُؤمنِينَ نظرةَ كنت أَظن أَنه يَأْمُرنِي بِضَرْب عُنُقك قَالَ لَو أَمرك أَكنت تفعل فَقَالَ إِي وَالله قَالَ أما إِنَّه كَانَ يكون شرا لَكمَا وخيرَاً لي ثمَّ سكت عمر عَنهُ وَبَقِي ذَلِك فِي قلبه وَلما قَامَ الْوَلِيد من مَجْلِسه دخل على زَوجته أم الْبَنِينَ بنت عبد الْعَزِيز أُخْت عمر فَقَالَ لَهَا أَخُوك الحروريُّ وَالله لأقتلنه فَمَكثَ عمر أَيَّامًا فِي منزله لَا يحضُرُ الْبَاب وَلَا يلْتَمس المعذرة فَأَتَاهُ رَسُول الْوَلِيد وَقت القائلة فَدَعَاهُ فَلَمَّا دخل بَاب الْقصر عدل بِهِ إِلَى بَيت فَأدْخل فِيهِ وطين عَلَيْهِ الْبَاب فَرجع صَاحب دَابَّته إِلَى أَهله فَأخْبرهُم فَأخْبرُوا أُخْته فبحثت عَن خَبره فعلمته فَدخلت على الْوَلِيد وَنَاشَدْته الرَّحِم وَقبلت يَده فَقَالَ قد وهبته لَك إِن أَدْرَكته حَياً قَالَ ففتحوا عَنهُ الْبَاب فوجدوه قد انثنى عُنُقه فَحَمَلُوهُ إِلَى منزله وعالجوه فَلَمَّا توفّي الْوَلِيد وَكَانَ سُلَيْمَان بعده فَهَلَك وَتَوَلَّى عمر الْخلَافَة جَاءَ خَالِد بن الريان فِي الْيَوْم الَّذِي اسْتخْلف فِيهِ عمر متقلدَاً سَيْفه يُرِيد الْوُقُوف على رَأسه فَقَالَ عمر يَا خَالِد انْطلق بسيفك هَذَا فضعه فِي بَيْتك واقعد فِيهِ لَا حَاجَة لنا فِيك أَنْت رجل إِذا أُمِرْتَ بِشَيْء فعلته لَا تنظر لدينك فَلَمَّا ولي خَالِد ذَاهِبًا نظر عمر إِلَى قَفاهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ يَا رب إِنِّي قد وَضعته لَك فَلَا ترفعه أبدا فَمَا لبث إِلَّا جُمُعَة حَتَّى ضربه الفالج فَقتله انْتهى قَالَ عبد الله بن صَالح حَدثنِي اللَّيْث قَالَ لما ولي عمر بَدَأَ بلحمته وَأهل بَيته وَأخذ مَا بِأَيْدِيهِم وسمى أَمْوَالهم مظالم فَفَزِعت بَنو أُميَّة إِلَى عمته فَاطِمَة بنت مَرْوَان فَأَتَتْهُ لَيْلًا فأنزلها عَن دابتها فَلَمَّا أخذت مجلسها قَالَ يَا عمَّة أَنْت أولى بالْكلَام فتكلَمي قَالَت تكلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ إِن الله بعث نبيه رَحْمَة للْأمة ثمَّ اخْتَار لَهُ مَا عِنْده فَقَبضهُ الله وَترك لَهُم نَهرا شربهم سَوَاء ثمَّ قَامَ أَبُو بكر فَترك النَّهر على حَاله ثمَّ ولي عمر فَعمل عمل صَاحبه وَلم يزل النَّهر يشق مِنْهُ يزِيد
стр. 1373
ومروان وَعبد الْملك والوليد وَسليمَان حَتَّى أفضَى الْأَمر إِلَيّ وَقد يبس النَّهر الْأَعْظَم وَلنْ يرْوى أَصْحَاب النَّهر الْأَعْظَم حَتَّى يعود إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَقَالَت حَسبك قد أردْت كلامك ومذاكرتك فَأَما إِذا كَانَت مَقَالَتك هَذِه فلست بذاكرة لَك شَيْئا فَرَجَعت إِلَيْهِم فأبلغتهم كَلَامه وَعَن مُحَمَّد الْمروزِي قَالَ أخْبرت أَن عمر بن عبد الْعَزِيز لما ولي الْخلَافَة جَاءَ صَاحب الشرطة ليسير بَين يَده بالحربة جَريا على عَادَة الْخُلَفَاء قبله فَقَالَ لَهُ عمر تنحَّ عني مَالِي وَلَك إِنَّمَا أَنا رجل من الْمُسلمين ثمَّ سَار مختلطاً بِالنَّاسِ حَتَّى دخل الْمَسْجِد فَصَعدَ الْمِنْبَر وَاجْتمعَ النَّاس إِلَيْهِ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَذكر النَّبِي
ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس إِنِّي ابْتليت بِهَذَا الْأَمر من غير رأيٍ مني فِيهِ وَلَا طلبٍ وَلَا مشورةِ وَإِنِّي قد حللت مَا فِي أَعْنَاقكُم من بيعتي فَاخْتَارُوا لأنفسكم غَيْرِي فصاح الْمُسلمُونَ صَيْحَة وَاحِدَة قد اخترناك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ورضينا بك أميرنا بِالْيمن وَالْبركَة فَلَمَّا سكتوا حمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على النَّبِي
ثمَّ قَالَ أوصيكم بتقوى الله فَإِن تقواه خلف من كل شَيْء وَلَيْسَ من تقوى الله خلف وتعجلوا لآخرتكم فَإِن من عجل لآَخرته كَفاهُ الله أَمر دُنْيَاهُ وآخرته وَأَصْلحُوا سرائركم يصلح الله علانيتكم وَأَكْثرُوا ذكر الْمَوْت وأحسنوا لَهُ الاستعداد قبل أَن ينزل فَإِنَّهُ هَادِم اللَّذَّات وَإِنِّي وَالله لَا أعطي أحد بَاطِلا وَلَا أمنع أحدا حَقًا ثمَّ رفع صَوته فَقَالَ أَيهَا النَّاس من أطَاع اللِّه وَجَبت طَاعَته وَمن عصى الله فَلَا طَاعَة لَهُ أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت الله فَإِن عصيته فَلَا طَاعَة لي عَلَيْكُم ثمَّ نزل وَدخل دَار الْخلَافَة فَأمر بالستور فهتكت وبالبسط فَرفعت وَأمر بِبيع ذَلِك وَإِدْخَال أثمانها فِي بَيت مَال الْمُسلمين ثمَّ ذهب يتبوأ مقيلا فَأَتَاهُ ابْنه عبد الْملك فَقَالَ لَهُ مَا تُرِيدُ أَن تصنع يَا أَبَت فَقَالَ أَي بني أقيل فَقَالَ أتقيل وَلَا ترد الْمَظَالِم إِلَى أَهلهَا قَالَ أَي بني إِنِّي سهرت البارحة ف أَمر عمك سُلَيْمَان
стр. 1374
فَإِذا صليت الظّهْر رددت الْمَظَالِم فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من أَيْن لَك أَن تعيش إِلَى الظّهْر فَقَالَ ادن مني فَدَنَا مِنْهُ فَقبل بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي أخرج من ظَهْري من يُعِيننِي على ديني فَخرج وَلم يقل فَأمر منادياً أَن يُنَادي أَلا من كَانَت لَهُ مظْلمَة فليرفعها فَتقدم إِلَيْهِ ذمِّي من أهل حمص فَقَالَ أَسأَلك كتاب الله قَالَ وَمَا ذَاك قَالَ إِن الْعَبَّاس بن الْوَلِيد اغتصبني أرضي وَالْعَبَّاس جَالس فَقَالَ عمر مَا تَقول يَا عَبَّاس قَالَ إِن الْوَلِيد أقطعني إِيَّاهَا هَذَا كِتَابه فَقَالَ عمر مَا تَقول يَا ذمِّي قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَسأَلك كتاب الله فَقَالَ عمر كتاب الله أَحَق أَن يتبع من كتاب الْوَلِيد ارْدُدْ عَلَيْهِ أرضه يَا عَبَّاس فَردهَا عَلَيْهِ ثمَّ جعل لَا يدع شَيْئا مِمَّا كَانَ فِي يَد أهل بَيته من الْمَظَالِم إِلَّا رَدَها مظْلمَة مظْلمَة فَلَمَّا بلغ الْخَوَارِج سيرة عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَمَا رد من الْمَظَالِم اجْتَمعُوا وَقَالُوا مَا يَنْبَغِي لنا أَن نُقَاتِل هَذَا الرجل وَلما بلغ عمر بن الْوَلِيد رد الضَّيْعَة على الذِّمِّيّ كتب إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز كتابا فِيهِ إِنَّك قد أزريت على من كَانَ قبلك من الْخُلَفَاء وعبت عَلَيْهِم فعلهم وسرت بِغَيْر سيرتهم بغضاً لَهُم وشيناً لمن بعدهمْ من أَوْلَادهم قطعت مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل إِذْ عَمَدت إِلَى أَمْوَال قُرَيْش ومواريثهم وأدخلتها بَيت المَال جوراً وعدواناً وَلنْ تتْرك على هَذَا الْحَال وَالسَّلَام فَلَمَّا قَرَأَ عمر بن عبد الْعَزِيز كتاب عمر بن الْوَلِيد كتب إِلَيْهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من عبد الله عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى عمر بن الْوَلِيد السَّلَام على الْمُرْسلين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين أما بعد فقد بَلغنِي كتابك أما أول شَأْنك يَا ابْن الْوَلِيد فأمك بنانة أمة السّكُون كَانَت تَطوف فِي سوق حمص وَتدْخل فِي حوانيتها ثمَّ الله أعلم بهَا ثمَّ اشْتَرَاهَا ذبيان من بَيت مَال الْمُسلمين فأهداها لأَبِيك فَحملت بك فبئس الْمَوْلُود أَنْت ثمَّ نشأت فَكنت جباراً عنيداً تزْعم أَنِّي من الظَّالِمين إِذْ حرمتك وَأهل بَيْتك مَال الله الَّذِي فِيهِ حق الْقَرَابَة وَالْمَسَاكِين والأرامل وَإِن أَظْلَمَ مني وأترك لعهد الله مَن استعملك صَبيا سَفِيها على جند الْمُسلمين تحكم فيهم
стр. 1375
بِرَأْيِك وَلم يكن لَهُ فِي ذَلِك نِيَّة إِلَّا حب الْوَالِد لوَلَده فويل لأَبِيك مَا أَكثر خصماءه يَوْم الْقِيَامَة وَإِن أظلم مني وأترك لعهد الله من اسْتعْمل الْحجَّاج يسفك الدِّمَاء وَيَأْخُذ المَال الْحَرَام وَإِن أظلم مني وأترك لعهد الله من اسْتعْمل أعرابيُّاً جَافيا على مصر وَأذن لَهُ فِي المعازف وآلات اللَّهْو وَالشرب وَإِن أظلم مني وأترك لعهد الله من جعل لغالية البربرية فِي خُمْس الْعَرَب نَصِيبا فرويدا يَابْنَ بنانة فَلَو الْتَقت حلقتا البطان ورد الفئ إِلَى أَهله لتفرغتُ لَك وَلأَهل بَيْتك فوضعتهم فِي المحجبة الْبَيْضَاء فطالما تركْتُم الْحق وأخذتم فِي الْبَاطِل وَمن وَرَاء ذَلِك مَا أَرْجُو أَن أكون رائيه من بيع رقبتك وَقسم ثمنك بَين الْيَتَامَى والأرامل فَإِن لكل فِيك حَقًا وَالسَّلَام على من اتبع الْهدى وَلَا ينَال سلامُ الله الْقَوْم الظَّالِمين وَفِي الذَّهَبِيّ كتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى سَالم بن عبد الله بن عمر يكْتب إِلَيْهِ بسيرة عمر بن الْخطاب فِي الصَّدقَات فَكتب إِلَيْهِ بِالَّذِي سَأَلَ وَكتب إِلَيْهِ إِنَّك إِن عملت بِمثل عمل عمر فِي زَمَانه وَرِجَاله فِي مثل زَمَانك ورجالك كنت عِنْد الله خيرا من عمر وَعَن مَيْمُون بن مهْرَان سَمِعت عمر بن عبد الْعَزِيز يَقُول لَو أَقمت فِيكُم خمسين عامَاً مَا استكملت الْعدْل فِيكُم إِنِّي لأريد الْأَمر فَأَخَاف أَلا تحمله قُلُوبكُمْ فَأخْرج مِنْهُ طَمَعا من طمع الدُّنْيَا فَإِن أنْكرت قُلُوبكُمْ هَذَا سكنت إِلَى هَذَا وَعَن سعيد بن عَامر حَدثنَا جوَيْرِية قَالَ دَخَلنَا على فَاطِمَة بنت عَليّ بن أبي طَالب فأثنت على عمر بن عبد الْعَزِيز خيرا وَقَالَت لَو كَانَ بَقِي لنا مَا احتجنا بَعْدُ إِلَى أحد وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ حَدَّثتنِي فَاطِمَة امْرَأَة عمر بن عبد الْعَزِيز أَنَّهَا
стр. 1376
دخلت عَلَيْهِ وَهُوَ جَالس فِي مُصَلَّاهُ تسيلُ دُمُوعه على لحيته فَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَشَيْء حدث قَالَ يَا فَاطِمَة إِنِّي تقلدت من أَمر أمة مُحَمَّد
أسودها وأحمرها فتفكرت فِي الْفَقِير الجائع وَالْمَرِيض الضائع والعاري المجهود والمظلوم المقهور والغريب الْأَسير وَالشَّيْخ الْكَبِير وَذي الْعِيَال الْكثير وَالْمَال الْقَلِيل وأشباههم فِي أقطار الأَرْض وَسَائِر الْبِلَاد فَعلمت أَن رَبِّي سائلي عَنْهُم يَوْم الْقِيَامَة فَخَشِيت أَلا تثبت لي حجَّة فَبَكَيْت وَعَن الْأَوْزَاعِيّ أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كَانَ جالسَاً فِي بَيته وَعِنْده أَشْرَاف بني أُميَّة فَقَالَ تحبون أَن أولي كل رجل مِنْكُم جنداً فَقَالَ رجل مِنْهُم لم تعرض علينا مَا لَا تَفْعَلهُ فَقَالَ ترَوْنَ بساطي هَذَا إِنِّي لأعْلم أَنه سيصير إِلَى بلَاء وفناء وَإِنِّي أكره أَن تدنسوه بأرجلكم فَكيف أوليكم ديني وأوليكم أَعْرَاض الْمُسلمين وأسارهم هَيْهَات فَقَالُوا أما لنا قرَابَة أما لنا حق قَالَ مَا أَنْتُم وأقصى رجل من الْمُسلمين فِي هَذَا الْأَمر عِنْدِي إِلَّا سَوَاء إِلَّا رجل من الْمُسلمين حَبسه عني طول شقته حَدثنَا مُعَاوِيَة بن صَالح الْحِمصِي حَدثنِي سعيد بن سُوَيْد أَن عمر بن عبد الْعَزِيز صلى بهم الْجُمُعَة ثمَّ جلس وَعَلِيهِ قَمِيص مرقوم الجيب من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه فَقَالَ لَهُ رجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله قد أَعْطَاك فَلَو لبست فَنَكس رَأسه مَلِيًّا ثمَّ رَفعه فَقَالَ أفضل الْقَصْد عِنْد الْجدّة وَأفضل الْعَفو عِنْد الْمقدرَة وَحدث إِبْرَاهِيم بن هِشَام عَن أَبِيه عَن جده عَن مسلمة بن عبد الْملك قَالَ دخلت على عمر بن عبد الْعَزِيز فَإِذا عَلَيْهِ قَمِيص وسخ فَقلت لزوجته وَهِي أُخْتِي فَاطِمَة بنت عبد الْملك اغسلوا قَمِيص أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَت نَفْعل ثمَّ عدت فَإِذا بالقميص على حَاله فَقلت لَهَا فَقَالَت وَالله مَا لَهُ قَمِيص غَيره رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وأرضاه
стр. 1377
وَعَن إسماعل بن عَاشَ عَن عمر بن مهَاجر كَانَت نَفَقَة عمر بن عبد الْعَزِيز يَوْم دِرْهَمَيْنِ وَعَن عون بن الْمُعْتَمِر قَالَ دخل عمر بن عبد الْعَزِيز على زَوجته ذاتَ يومٍ فَقَالَ عنْدك دِرْهَم نشتري بِهِ عنبا قَالَت لَا أَنْت أَمر الْمُؤمنِينَ لَا تقدر على دِرْهَم قَالَ هَذَا أَهْون عَليّ من معالجة الأغلال فِي جَهَنَّم قَالَ يحيى بن معِين كَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز يلبس الفروة الكبل وَكَانَ سراج بَيته على ثَلَاث قصبات فوقهن طين وَكَانَ يسرج عَلَيْهِ الشمعة مَا كَانَ فِي حوائج الْمُسلمين فَإِذا فرغ من حوائجهم أطفأها ثمَّ أَسْرج عَلَيْهِ سراجه وَعَن عبد الْعَزِيز بن عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ قَالَ لي رَجَاء بن حَيْوَة مَا أكمل مُرُوءَة أَبِيك عمر سمرت عِنْده لَيْلَة فعشى السراج فَقَالَ لي أما ترى السراج قد عشى قلت بلَى قَالَ وَإِلَى جَانِبه وصيف رَاقِد قلت أَلا أنبهه قَالَ لَا قلت أَفلا أقوم قَالَ لَيْسَ من مُرُوءَة الرجل استخدامه ضَيفه فَقَامَ إِلَى بطة الزَّيْت وَأصْلح السراج ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ قُمْت وَأَنا عمر بن عبد الْعَزِيز وَرجعت وَأَنا عمر بن عبد الْعَزِيز وَعَن سُلَيْمَان بن حَرْب قَالَت لي فَاطِمَة زَوْجَة عمر كَانَ عمر إِذا صلى الْعشَاء قعد فِي مَسْجده ثمَّ رفع يَدَيْهِ فَلم يزل يبكي حَتَّى تغلبه عَيناهُ ثمَّ ينتبه فَلَا يزَال يَدْعُو ربه رَافعا يَدَيْهِ يبكي حَتَّى تغلبة عَيناهُ يفعل ذَلِك ليله أجمع وَعَن مَيْمُون بن مهْرَان قَالَ قَالَ لي عمر حَدثنِي فحدثه حَدِيثا فَبكى مِنْهُ بكاء شَدِيدا فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو علمتُ لحدثتك حديثَاً أَلين مِنْهُ قَالَ يَا مَيْمُون إِنَّا نَأْكُل هَذِه الشَّجَرَة العدس وَهِي مَا علمت مرقه للقلب مغزرة للدمعة مذلة للجسد
стр. 1378
قلت صدق ﵁ فَإِن من خَواص العدس مَا ذكره وَالسَّبَب الْخَفي فِي ذَلِك الْبكاء إِنَّمَا هُوَ رقة فِي قلبه من خوف الله تَعَالَى وخشيته لكنه وجد سَبِيلا إِلَى إِسْنَاده إِلَى العدس لما قيل إِن فِيهِ خاصية ذَلِك كَأَنَّهُ قصد الْبعد عَن مظان الرِّيَاء رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ مُجَاهِد قَالَ لي عمر بن عبد الْعَزِيز مَا تَقول النَّاس فِي قلت يَقُولُونَ مسحور قَالَ مَا أَنا بمسحور وَالله وَلَكِنِّي بخوف رَبِّي مسحور قَالَ وَكَانَت بَنو أُميَّة قد تبرمَتْ بعمر لكَونه شدَد عَلَيْهِم وانتزع كثيرا مِمَّا فِي أَيْديهم مِمَّا غصبوه وَكَانَ قد أهمل التَّحَرُّز فدسوا لَهُ غُلَاما سقَاهُ السمَّ ثمَّ دَعَا الْغُلَام وَقَالَ وَيحك مَا حملك على أَن تسقيني السم قَالَ ألف دِينَار أُعْطيتها وعَلى أَن أعتق قَالَ عمر هَاتِهَا فألقاها فِي بَيت مَال الْمُسلمين وَقَالَ اذْهَبْ حَيْثُ لَا يراك أحد وروى أَنه وَقع غلاء عَظِيم فِي زَمَنه فَقدم عَلَيْهِ وَفد من الْعَرَب فَاخْتَارُوا رجلا مِنْهُم لخطابه فَتقدم إِلَيْهِ وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّا قد وفدنا إِلَيْك من ضَرُورَة عَظِيمَة وحقنا فِي بَيت المَال وَمَاله لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون لله أَو لعباد الله أَو لَك فَإِن كَانَ لله فَإِن الله غَنِي عَنهُ وَإِن كَانَ لعباد الله فأَتهم إِيَّاه وَإِن كَانَ لَك فَتصدق علينا إِن الله يحب المتصدقين فاغرورقت عينا عمر بالدموع وَقَالَ هُوَ كَمَا ذكرت وَأمر بحوائجهم فَقضيت فهم الْأَعرَابِي بالانصراف فَقَالَ لَهُ عمر أَيهَا الرجل كَمَا أوصلت حوائج عباد الله إليَ فأوصل حَاجَتي وارفع فَاقَتِي إِلَى الله فَقَالَ الْأَعرَابِي اللَّهُمَّ اصْنَع بعمر بن عبد الْعَزِيز كصنعه فِي عِبَادك فَمَا استتم كَلَامه حَتَّى ارْتَفع غيم عَظِيم وهطلت السَّمَاء فجَاء فِي الْمَطَر بردة فَوَقَعت على حجر فَانْكَسَرت فَخرج مِنْهُ كاغد مَكْتُوب فِيهِ هَذِه بَرَاءَة من الله الْعَزِيز الْجَبَّار لعمر بن عبد الْعَزِيز من النَّار وَقَالَ رَجَاء بن حَيْوَة كَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز من أعظم النَّاس وألينهم وأعلمهم وأجملهم فِي مشيته ولبسه وَلما اسْتخْلف قومَت ثِيَابه وعمامته وقميصه وقباؤه
стр. 1379
وخُفاه وَرِدَاؤُهُ فَإِذا هن يعدلنَ اثنَي عشر درهما وَعَن زَوجته فَاطِمَة أَنَّهَا قَالَت مَا اغْتسل وَالله عمر من جَنَابَة مُنْذُ ولي هَذَا الْأَمر كَانَ نَهَاره فِي أشغال الْمُسلمين ورد الْمَظَالِم وليله فِي عبَادَة ربه قَالَ الْحَافِظ كَانَ لعمر بن عبد الْعَزِيز رأفة بالخلق عَامَّة وبأولاد النَّبِي
خَاصَّة من ذَلِك قصَّة زيد بن الْحسن السبط ﵄ وَذَلِكَ أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كتب فِي حَقه حِين كَانَ والياً على الْمَدِينَة الشَّرِيفَة من قبل الْوَلِيد إِلَى الْوَلِيد أما بعد فَإِن زيد بن الْحسن شرِيف بني هَاشم فأدوا إِلَيْهِ صدقَات رَسُول الله
وأعنه يَا هَذَا على مَا استعانك عَلَيْهِ فَأمر لَهُ بذلك قَالَ عبد الله بن وهب حَدثنِي يَعْقُوب قَالَ بَلغنِي أَن الْوَلِيد كتب إِلَى زيد بن الْحسن يسْأَله أَن يُبَايع لِابْنِهِ ويخلع سُلَيْمَان بن عبد الْملك من ولَايَة الْعَهْد الَّذِي عَهده لَهُ أَبوهُ عبد الْملك إِلَى الْوَلِيد فَفرق زيد وَأجَاب الْوَلِيد فَلَمَّا اسْتخْلف سُلَيْمَان وَجدَ كتاب زيد بذلك إِلَى الْوَلِيد فَكتب إِلَى أبي بكر بن حزم أميره ادْع زيدا فاقرأ عَلَيْهِ كِتَابه فَإِن عرفه فَاكْتُبْ إِلَيّ وَإِن أنكرهُ فحلفه قَالَ فخاف الله واعترف بذلك وَأَشَارَ عَلَيْهِ الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَسَالم بن عبد الله بن عمر فَكتب بذلك ابْن حزم إِلَى سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَكَانَ جَوَاب سُلَيْمَان أَن اضربه مائَة سَوط وَدِرْعه عباءة ومشه حافيَاً قَالَ فحبس عمر بن عبد الْعَزِيز الرَّسُول فِي عَسْكَر سُلَيْمَان وَقَالَ حَتَّى أكلم أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيمَا كتب بِهِ وَمرض سُلَيْمَان فَمَاتَ فَحرق عمر بن عبد الْعَزِيز الْكتاب جزاه الله تَعَالَى فِي فعله أفضل الْجَزَاء وَقَالَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَو كنت فِي قتلة الْحُسَيْن وَأمرت أَن أَدخل الْجنَّة مَا فعلتُ حَيَاء أَن تقع عَليّ عين رَسُول الله
وأتى الْوَلِيد بن عبد الْملك بِرَجُل من الْخَوَارِج فَقَالَ مَا تَقول فِي الْحجَّاج قَالَ مَا عساي أَن أَقُول فِي الْحجَّاج وَهل الْحجَّاج إِلَّا خَطِيئَة من خطاياك وَأَبِيك وشَرَر من نارك وناره فلعنة الله عَلَيْك وعَلى الْحجَّاج مَعَك وَأَقْبل يشتمهما فَالْتَفت الْوَلِيد إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ مَا تَقول فِي هَذَا قَالَ عمر مَا أَقُول
стр. 1380
فِي هَذَا هَذَا رجل يشتمكم فإمَّا أَن تشتموه كَمَا يشتمكم أَو تعفون فَغَضب الْوَلِيد وَقَالَ مَا أَظُنك إِلَّا خارجياً فَغَضب عمر وَقَالَ مَا أَظُنك إِلَّا مجنونَاً وَقَامَ وَخرج مغضباً ولحقه خَالِد بن الريان فَقَالَ لَهُ مَا حملك على مَا أجبْت بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالله لقد ضربْتُ يَدي على قَائِم سَيفي أنتظره مَتى يَأْمُرنِي بِضَرْب عُنُقك فَقَالَ لَهُ عمر وكنتَ فاعلَا لَو أَمرك قَالَ نعم فَلَمَّا اسْتخْلف عمر بن عبد الْعَزِيز جَاءَ خَالِد بن الريان فَقَامَ على رَأسه كَمَا كَانَ يقوم على رَأس من كَانَ قبله من الْخُلَفَاء وَكَانَ رجل من الْكتاب يضر وينفع بقلمه فجَاء حَتَّى جلس مَجْلِسه الَّذِي يجلس فِيهِ بَين يَدي الْخَلِيفَة فَنظر عمر إِلَى خَالِد بن الريان فَقَالَ لَهُ يَا خَالِد ضع سَيْفك فَإنَّك تطيعنا فِي كل مَا أمرناك بِهِ وضع أَنْت يَا هَذَا قلمك فقد كنت تضر وَتَنْفَع وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي قد وضعتهما فَلَا ترفعهما قَالَ فوَاللَّه مَا زَالا وضيعين بشر حَتَّى مَاتَا قلت قد تقدّمت هَذِه الرِّوَايَة على نوع مُخَالفَة لما هُنَا وروى أَنه رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ صعد الْمِنْبَر ذَات يَوْم بِمَكَّة فَقَالَ أَيهَا النَّاس من كَانَت لَهُ ظلامة فليتقدم فتقَدم عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ كرم الله وَجهه فَقَالَ إِن لي ظلامة عنْدك فَقَالَ وَمَا ظلامتك فَقَالَ مقامك هَذَا الَّذِي أَنْت فِيهِ فَقَالَ إِنِّي لأعْلم ذَلِك وَلَكِن لَو علمت أَن النَّاس يتركونه لَك وَالله لتركته وروى عَن الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد الباقر قَالَ كَانَ العَبْد الصَّالح أَبُو حَفْص عمر بن عبد الْعَزِيز يهدي إِلَيْنَا الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير فِي زقاق الْعَسَل خوفًا من أهل بَيته قَالَ الْكَلْبِيّ لما أفضت الْخلَافَة إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز وقدمت عَلَيْهِ الشُّعَرَاء كَمَا كَانَت تقدم على الْخُلَفَاء فأقاموا بِبَابِهِ أيامَاً لم يُؤذن لَهُم فِي الدُّخُول حَتَّى قدم عدي بن أَرْطَاة وَكَانَت لَهُ مِنْهُ مكانة فتعرض لَهُ جرير وَسَأَلَهُ أَن يسْتَأْذن لَهُم فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الشُّعَرَاء ببابك لَهُم أَيَّام لَا يُؤذن لَهُم وأقوالهم نَافِذَة وسهامهم مَسْمُومَة فَقَالَ عمر يَا عدي مَالِي وللشعراء فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن النَّبِي
مُدِحَ وأعطَى وَفِيه أُسْوَة لكل مُسلم فَقَالَ وَمن مدحه قَالَ
стр. 1381
الْعَبَّاس بن مرداس السّلمِيّ فَكَسَاهُ حلَّة وَقَالَ يَا بِلَال اقْطَعْ لِسَانه عني قَالَ أتروي قَوْله قَالَ نعم قَالَ عمر قل فَأَنْشد من // (الطَّوِيل) //
(رَأَيْتُكَ يَا خَيْرَ البريةِ كلِّهَا ... بخيرِ كتابٍ جئْتَ بالحَقِّ مُعْلِمَا)
(وقَرَّرْتَ بالإسلامِ أمرا مدمَّسًا ... وأطفَأْتَ بالبرهانِ جمراً مُضَرَّمَا)
(فَمَنْ مُبْلِغٌ عني الرسُولَ محمَّدًا ... فكُلُّ امرئٍ يُجْزَى بِمَا قد تَكَلَّما)
(أَقمت سبِيلَ الحَقِّ بعد اعوجاجِهِ ... وَكَانَ قَدِيما وَجْهُهُ قد تَجَهَّمَا)
(تعالَى عُلوًّا فَوق عَرْشِ إلهنا ... وَكَانَ جَلَالُ الله أعْلَى وأعظَمَا)
قَالَ عمر فَمن بِالْبَابِ من الشُّعَرَاء قَالَ عدي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن أبي ربيعَة الْقرشِي المَخْزُومِي فَقَالَ لَا قرَبه الله وَلَا حَيَّاهُ أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِل من // (الطَّوِيل) //)
أَلَا لَيْتَ أَنِّي حينَ تدنُو منيتِي ... شمَمْتُ الَّذِي مَا بَين عينيكِ والفَمِ)
(وباتَتْ سُلَيْمَى فِي المنامِ ضجيعَتِي ... هُنَالِكَ أَو فِي جَنَّةٍ أَو جَهَنَّمِ)
فليته عَدو الله تمناها فِي الدُّنْيَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْعَمَل الصَّالح وَالله لَا يدْخل عَليّ فَمن بِالْبَابِ غَيره فَقَالَ كثير عزة قَالَ أَو لَيْسَ هُوَ الْقَائِل من // (الْكَامِل) //
(رُهْبَانُ مَدْيَنَ وَالَّذين عَهِدتُّهُمْ ... يَبْكُونَ من حَرِّ العذابِ قُعُودا)
(لَو يسمَعُونَ كَمَا سَمِعْتُ كلامَهَا ... خَرُّوا لعزَّةَ رُكَّعًا وسُجُودا)
عَد عَن ذكره من بِالْبَابِ غَيره قَالَ الْأَحْوَص الْأنْصَارِيّ قَالَ أبعده الله وأسحقه أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِل وَقد أفسد على رجل جَارِيَته حَتَّى أَبَقَتْ من سَيِّدهَا من // (المنسرح) //
(أللَّهُ بَيْنِي وَبَين سَيِّدِهَا ... يَفِرُّ مِنِّي بِهَا وَأَتْبَعُهُ)
لَا يدْخل عَليّ من بِالْبَابِ غَيره قَالَ الفرزدق همام بن غَالب التَّمِيمِي قَالَ أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِل يفتخر بالزنى من // (الطَّوِيل) //
(هُمَا دَلَّيَانِي مِنْ ثمانينَ قَامَةً ... كَمَا انْقَضَّ بازٍ أَقْتَمُ الريشِ كاسِرُهْ)
(فَلَمَّا استَوَتْ رِجلَايَ فِي الأرْضِ قَالَتَا ... أَحَيٌّ يُرَجَّى أم قتيلٌ نُحَاذِرُه)
لَا يدْخل عَليّ من بِالْبَابِ غَيره قَالَ عدي الأخطل التغلبي قَالَ هُوَ الْكَافِر وَالْقَائِل من // (الوافر) //
(وَلَسْتُ بصائمٍ رمَضَانَ عمري ... ولَسْتُ بآكِل لَحْمَ الْأَضَاحِي)
стр. 1382
(ولستُ بزَاجِرٍ جَمَلاً بكوراً ... إلَى بطحاءِ مكَّةَ للنجاحِ)
(ولَسْتُ بِقائِم كَالْعَيْرِ يَدْعُوِ ... قُبَيْلَ الصُّبْحِ حَيَّ علَى الفَلاحٍ)
(ولكنِّي سأشْرَبُهَا شمولَا ... وأسجُدُ عِنْد مبتلجِ الصباحِ)
وَالله لَا وطئ لي بساطا من الْبَاب غَيره قَالَ عدي جرير بن عَطِيَّة الخطفي قَالَ هُوَ الْقَائِل من // (الْكَامِل) //)
لَوْلَا مراقبةُ العيونِ أَرَيْنَناَ ... حِدَقَ المَهَا وَسَوالِفَ الآرامِ)
(طرَقَتْكَ صائدَةُ القلوبِ ولَيْسَ ذَا ... وَقْتُ الزِّيَارَة فارْجِعِي بسَلامِ)
فَإِن كَانَ وَلَا بُد فائذن لجرير فَخرج عدي فَأذن لَهُ فَدخل وَهُوَ يَقُول من // (الْكَامِل) //
(وَسِعَ الخلائِقَ عَدْلُهُ ووقارُهُ ... حتَّى ارعَوَى وأقامَ ميْلَ المائِلِ)
(إِنِّي لَأَرْجُو مِنْكَ خَيْرًا عَاجلا ... فالنَّفْسُ مُولَعَةٌ بحُبِّ العاجِلِ)
فَلَمَّا حضر بَين يَدَيْهِ قَالَ لَهُ اتَّقِ الله وَلَا تقل إِلَّا حَقًا فَقَالَ من // (الْبَسِيط) //
(كَمْ بِالْيَمَامَةِ مِنْ شعثاءَ أرملةٍ ... ومِنْ ضعبفٍ سقيمِ الصوتِ والنَّظَرِ)
(مِمَّنْ يَعُدُّكَ تَكْفِي فَقْدَ والدِهِ ... كالفَرْخِ فِي العُشِّ لم يدرُجْ وَلم يَطِرِ)
(إِنَّا لنَرْجُو إِذا مَا الغيْثُ أخلَفَنَا ... مِنَ الخليفةِ مَا نَرْجُو من المَطَرِ)
(نَالَ الخلافَةَ إذْ كانَتْ لَهُ قَدَرُا ... كَمَا أَتَى رَبَّهُ موسَى على قَدَرِ)
(هذي الأرامِلُ قد قَضَّيْتَ حَاجَتهَا ... فَمَنْ لحاجةِ هَذَا الأَرْمَلِ الذَّكَرِ)
وَهِي طَوِيلَة فَقَالَ وَالله يَا جرير مَا ملك عمر سوى مائَة دِرْهَم يَا غُلَام ادفعها لَهُ وَدفع لَهُ حلي سَيْفه فَخرج جرير إِلَى الشُّعَرَاء فَقَالُوا مَا وَرَاءَك قَالَ مَا يسوءكم رجل يُعْطي الْفُقَرَاء وَيمْنَع الشُّعَرَاء وَأَنا عَنهُ رَاض وَأَنْشَأَ يَقُول من // (الطَّوِيل) //
(رَأَيْتُ رُقَى الشيْطَانِ لَا تستفزُّهُ ... وَقد كَانَ شَيْطَانِي مِنَ الجِن رَاقيا)
وَفِي الطبقاتِ لِابْنِ سعد عَن عمر بن قيس لما ولى عمر بن عبد الْعَزِيز الْخلَافَة سمع صَوت لَا نَدْرِي قَائِله يَقُول من // (الطَّوِيل) //
(مِنَ الآنَ قَدْ طَابَتْ وَقَرَّ قرارُاهَا ... عَلَى عُمَرَ المَهْدِيَّ قَامَ عَمُودُهَا)
وَكَانَ عمر عفيفاً زاهداً ناسكاً عابداً مُؤمنا ورعاً تقياً صادقَاً وَهُوَ أول من اتخذ
стр. 1383
دَار المضيف من الْخُلَفَاء وَأول من فرض لأبناء السَّبِيل وأزال مَا كَانَ بَنو أُميَّة تذكر بِهِ عليا على المنابر وَكتب إِلَى الْآفَاق بِتَرْكِهِ وَجعل مَكَان ذَلِك ﴿إِنَّ اَللَهَ يأمُرُ بِالعَدلِ وَاَلإحساَنِ﴾ الْآيَة النَّحْل ٩٠ فامتدحه الشُّعَرَاء بذلك من // (الطَّوِيل) //
(ولِيتَ فَلَمْ تَشْتُمْ عليا وَلم تُخِفْ ... بَريًّا وَلم تتبعْ سجيَّةَ مُجْرِمِ)
(وقُلْتَ فَصَدَّقْتَ الَّذِي قُلْتَ بِالَّذِي ... فعَلْتَ وأضحَى رَاضِيا كُلُّ مسلِمِ)
(فَمَا بَين شرقِ الأرضِ والغَرْبِ كلِّها ... منادٍ يُنَادي مِنْ فصيحٍ وأعجمٍ)
(يقولُ أَمِير المؤمنينَ ظَلَمْتَنِي ... بِأَخْذِكَ ديناري وَلَا أَخْذِ درهمِي)
(فَأَرْبِحْ بهَا مِنْ صفقةٍ لمبايعٍ ... وأكْرِمْ بهَا مِنْ بَيْعَةٍ ثمَّ ألأَكْرِمِ)
وَكتب إِلَى عماله أَلا يُقيد مسجون بِقَيْد فَإِنَّهُ يمْنَع من الصَّلَاة وَكتب أَيْضا إِلَى عماله إِذا دعتكم قدرتكم إِلَى ظلم النَّاس فاذكروا قدرَة الله عَلَيْكُم ونفاد مَا تأتون إِلَيْهِم وَبَقَاء مَا يَأْتِي إِلَيْكُم من الْعَذَاب بِسَبَبِهِمْ ومزاياه كَثِيرَة وَمن أرادها فَعَلَيهِ بالحلية وَغَيرهَا مِمَّا أفرد لذَلِك وَكَانَ مَرضه بدير سمْعَان بحمص وَلما احْتضرَ قَالَ إلهي أَنا الَّذِي أَمرتنِي فقصرت ونهيتني فعصيت وَلَكِن لَا إِلَه إِلَّا الله فَتوفي من لخمس مضين من شهر رَجَب سنة إِحْدَى وَمِائَة وَهُوَ ابْن تسع وَثَلَاثِينَ سنة وَأشهر وَقيل أَرْبَعِينَ مدَّته سنتَانِ وَخَمْسَة أشهر وَأَرْبَعَة عشر يومَاً ﵀ وَرَضي الله تَعَالَى عَنهُ وأرضاه وَمِمَّا رثي بِهِ ﵀ قَول الشريف الرضي الموسوي نقيب الْأَشْرَاف بِبَغْدَاد أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن الْحُسَيْن بن مُوسَى بن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى ين جَعْفَر بن مُحَمَّد بِمن مُوسَى بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وعنهم قَوْله فِيهِ وَقد جرى ذكر عمر بن عبد الْعَزِيز وَمَا تفرد بِهِ عَن أهل بَيته من الصّلاح وَالْعدْل وَجَمِيل السِّيرَة وَمَا كَانَ مِنْهُ من قطع سبّ عَليّ على المنابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وكرم وَجهه إِذْ عمر بن عبد الْعَزِيز توفّي بعد تَمام الْمِائَة الأولى بِسنة والشريف الرضي توفّي أَوَاخِر الْقرن الرَّابِع أَو أول الْخَامِس فَلم يدْرك وَفَاته وَإِنَّمَا قَالَ هَذِه القصيدة لما جرى ذكره بِمَا ذكر فَقَالَ من // (الْخَفِيف) //)
يَا بْنَ عَبْدِ العزيزِ لَوْ بَكتِ العَيْنُ ... فَتًى مِنْ أُمَيَّةٍ لبَكَيْتُكْ)
стр. 1384
(غَيْرَ أنِّي أَقُولُ إِنَّكَ قد طِبْتَ ... وَإِنْ لم يَطِبْ وَلم يَزْكُ بَيْتُكْ)
(أَنْتَ نَزَّهْتَنَا عَنِ السَّبِّ والقَذْفِ ... فَلَو أَمْكَنَ الجَزَا لَجَزيْتُكْ)
(وَلَوَ انِّي رَأَيْتُ قَبْرَكَ لاسْتَحْيَيْتُ ... مِنْ أَن أُرَى وَمَا حَييْتُك)
(وَقَلِيلٌ أَنْ لَو بَذَلْتُ دِمَاءَ البُدْنِ ... صِرْفًا على الثَّرَى وسَقَيْتُكْ)
(دَيْرُ سمعانَ لَا أَغَبَّكَ غادٍ ... خَيْرُ ميتٍ من آل مرْوان ميْتُكْ)
(أَنْتَ بألذُّكْرِ بَين عَيْنِي وقلبي ... إنْ تَدَانَيْتُ مِنْكَ يَوْمًا أَتَيْتُكْ)
(وإذَا حركَ الحَشَا خَاطِرٌ مِنْكَ ... تَوَهَّمْتُ أَنَّنِي قَدْ رَأَيْتُكْ)
(قَرُبَ العَدْلُ مِنْكَ لَمَّا نَأَي الجَوْرُ ... بِهِمْ فاجْتَوَيْتَهُمْ وَاجْتَبَيْتُكْ)
(وَلَوَ انِّي مَلَكْتُ دفعا لما نَابَكَ ... مِنْ طَارِقِ الرَّدَى لَفَدَيْتُكْ)
رَحمَه الله تَعَالَى
(خلَافَة يزِيد بن عبد الْملك)
ابْن مَرْوَان بن الحكم أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبُو خَالِد الْأمَوِي ولي الْخلَافَة بعد عمر بن عبد الْعَزِيز بِعَهْد من أَخِيه سُلَيْمَان مَعْقُود فِي تَوْلِيَة عمر بن عبد الْعَزِيز كَمَا ذَكرْنَاهُ وَأمه عَاتِكَة بنت يزِيد بن مُعَاوِيَة ولد سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَكَانَ جسيماً أَبيض مدوَر الْوَجْه أفقم لم يشب وَقيل لعمر بن عبد الْعَزِيز حِين احْتضرَ اكْتُبْ ليزِيد فأوصه بالأمة فَقَالَ بِمَاذَا أوصيه إِنَّه من بني عبد الْملك ثمَّ كتب أما بعد فَاتق الله يَا يزِيد وَإِيَّاك أَن تدركك الصرعة بعد الْغَفْلَة حِين لَا تُقَال العثرة وَلَا تقدر على الرّجْعَة إِنَّك تتْرك مَا تتْرك لمن لَا يحمدك وَتصير إِلَى من لَا يعذرك وَالسَّلَام وَلما ولي يزِيد عمل بسيرة عمر بن عبد الْعَزِيز أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَدخل عَلَيْهِ من
стр. 1385
الَّذين أضلهم الله على علم أَربَعُونَ نَفرا من الشُّيُوخ من أهل دمشق وحلفوا لَهُ بِاللَّه مَا على الْملك من سُؤال وَلَا عَذَاب فِي لَذات نَفسه لِأَنَّهُ مشتغل بِأُمُور النَّاس نَعُوذ بِاللَّه مِمَّا سيلقى الظَّالِمُونَ من شَدِيد الْعَذَاب الْأَلِيم وخدعوه بذلك فانخدع لَهُم وَكَانَ كَلَامهم موفقا لهواه فانهمك فِي اللَّذَّات وَاللَّهْو والطرب وَلم يراقب الله وَلم يخشه وَرُوِيَ أَن شهَاب عبد الله بن مُسلم الزُّهْرِيّ دخل عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ يزِيد هَهُنَا حَدِيث حَدثنَا بِهِ أهل الشَّام فَقَالَ وَمَا هُوَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ حدثوا أَن الله تَعَالَى إِذا استرعى عبدا عباده كتب لَهُ الْحَسَنَات وَلم يكْتب عَلَيْهِ السَّيِّئَات فَقَالَ ابْن شهَاب كذبُوا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنَبِي خَليفَة أقرب عِنْد الله أم خَليفَة غير نَبِي فَقَالَ بل نَبِي خَليفَة أقرب قَالَ أحدثُكَ بِمَا لَا تشكُّ فِيهِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا دَاودُ إِنا جَعلناك خليفَة فِي اَلأَرضِ فاحكمُ بَين اَلناسِ﴾ الْآيَة ص ٢٦ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا فِي حق خَليفَة نَبِي فَمَا ظَنك بخليفة غير نَبِي يحْكى عَن مؤدب يزِيد هَذَا أَنه قَالَ لَهُ فِي صغره وَقت تعلمه وَقد لحن لم لحنت فَقَالَ الْجواد قد يعثر فَقَالَ لَهُ الْمُؤَدب إِي وَالله وَيضْرب حَتَّى يَسْتَقِيم فَقَالَ يزِيد وَرُبمَا يرمح سائسه فيكسر أَنفه وَفِي تَارِيخ ابْن عَسَاكِر ذكر أَن يزِيد بن عبد الْملك كَانَ قد اشْترى فِي أَيَّام أَخِيه سُلَيْمَان بن عبد الْملك جَارِيَة من عُثْمَان بن سهل بن حنيف الْأنْصَارِيّ بأَرْبعَة آلَاف دِينَار وَكَانَ اسْمهَا حَبابة بتَشْديد الْبَاء الأولى وأحبها حبا شَدِيدا فَبلغ أَخَاهُ سُلَيْمَان ذَلِك فَقَالَ لقد هَمَمْت أَن أحجر على يزِيد فَبلغ ذَلِك يزِيد فَبَاعَهَا خوفَاً من أَخِيه سُلَيْمَان فَلَمَّا أفضت الْخلَافَة إِلَيْهِ بعد سُلَيْمَان قَالَت لَهُ زَوجته يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَل بَقِي فِي نَفسك من الدُّنْيَا شَيْء قَالَ نعم قَالَت مَا هُوَ قَالَ حَبابة فاشترتها لَهُ وَهُوَ لَا يعلم وزينَتهَا وأجلستها من وَرَاء السّتْر ثمَّ قَالَت لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَل بَقِي فِي نَفسك فِي الدُّنْيَا شَيْء قَالَ لَهَا أَو مَا أعلمتك أَنَّهَا حبابة فَرفعت السّتْر وَقَالَت هَا أَنْت وحبابة وَتركته إِيَّاهَا فحظيت عِنْده وغلبت على عقله وَلم ينْتَفع بِهِ فِي الْخلَافَة
стр. 1386
وَأَنه قَالَ يَوْمًا بعض النَّاس يَقُولُونَ إِنَّه لن يصفو لأحد من الْمُلُوك يَوْم كَامِل من الدَّهْر وَإِنِّي أُرِيد أَن أكذبهم فِي ذَلِك وَأَقْبل على لذاته واختلَى مَعَ حبابة وَأمر أَن يحجب عَن سَمعه وبصره كل خبر يُكرَهُ فَبَيْنَمَا هُوَ فِي تِلْكَ الْحَال فِي صفو عَيْش وَزِيَادَة فَرح وسرور إِذْ تناولت حَبابة حَبة رمان وَهِي تضحك فغَصتْ بهَا فَمَاتَتْ فاختل عقل يزِيد وتكدر عيشه وَذهب سروره وَوجد عَلَيْهَا وجدا شَدِيدا وَتركهَا أيامَاً لم يدفنها بل يقبلهَا ويرتشفها حَتَّى أنتنت وجافت فَأمر بدفنها ثمَّ نبشها من قبرها فَلم يَعش بعْدهَا إِلَّا خَمْسَة عشر يَوْمًا وَكَانَ مَرضه بالسل وَمِمَّا قَالَ فِيهَا من // (الطَّوِيل) //
(فَإِنْ تَسْلُ عنكِ النَّفْسُ أَوْ تَدَعِ الهَوَى ... فباليَأْسِ تَسْلُو عَنْكِ لَا بالتَّجَلُّدِ)
(وَكُلُّ خليلٍ زَارَنِي فَهْوَ قَائِلٌ ... مِنَ اجلِكِ هَذَا هامَة اليَوْمِ أَوْ غَدِ)
قَالَ أَبُو مسْهر مَاتَ يزِيد بأربد بِمَرَض السل وَقَالَ غَيره مَاتَ لخمس بَقينَ من شعْبَان سنة خمس وَمِائَة وَكَانَت خِلَافَته أَربع سِنِين وشهراً عمره خمس وَأَرْبَعُونَ وَقيل تسع وَعِشْرُونَ
(خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك)
كَانَ ذَا دهاء وحزم وَفِيه حلم وتدبير لأحوال المملكة وَنظر لأحوال الرّعية وَقلة شَرَهٍ وَكَانَ مجتنبَاً لسفك الدِّمَاء لكنه قتل الإِمَام زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب وكفي بقتْله سفكَاً للدماء قَامَ بتدبير المملكة أتم قيام وَكَانَ يجمع الْأَمْوَال ويوصف بالبخل والحرص يُقَال إِنَّه جمع من الْأَمْوَال مَا لم يجمعه خَليفَة قبله فَلَمَّا مَاتَ احتاط الْوَلِيد بن يزِيد على مَا تَركه وَأمر الْخزَّان فغلقوا الخزائن وَمَا كَفنه إِلَّا مَمْلُوك من مماليكه
стр. 1387
وَكَانَ هِشَام أَحول الْعين حُكِيَ أَنه خرج يَوْمًا فلقي رجلا أَعور فَأمر بضربه وحسبه فَقَالَ لَهُ الْأَعْوَر مَا ذَنبي فَقَالَ هِشَام تشاءمتُ بك فَقَالَ الْأَعْوَر شُؤْم الْأَعْوَر على نَفسه وشؤم الْأَحول على غَيره أَلا ترى أَنِّي استقبلتك فَلم يصبك مني شَيْء وَأَنت استقبلتني فنالني مِنْك السوء فَخَجِلَ هِشَام وَوَصله وَقيل عرض هِشَام الْجند بحمص فَمر بِهِ رجل من أهل حمص وَهُوَ على فرس نفور فَقَالَ هِشَام مَا حملك على أَن تركب فرسا نفروا فَقَالَ الْحِمصِي لَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَيْسَ بنفور وَلكنه أبْصر حولتك فَظن أَنَّك عزون البيطار فنفر فَقَالَ هِشَام تَنَح عَلَيْك وعَلى فرسك لعنة الله وَكَانَ عزون البيطار رجلا أَحول حكى الزبير بن بكار قَالَ هِشَام لأبي النَّجْم الْفضل بن قدامَة الْعجلِيّ صف لي إبِلا قَالَ أَبُو النَّجْم فَذهب بِي الروي إِلَى أَن قلت // (من الرجز) //
(وَصَارَتِ الشَّمْسُ كَعَينِ الأَحْوَلِ ... )
فَغَضب هِشَام فَقَالَ أخرجُوا هَذَا ثمَّ بعد مُدَّة أدخلت عَلَيْهِ فَقَالَ هَل لَك أهل قلت نعم وابنتان قَالَ زوجتهما قلت إِحْدَاهمَا قَالَ فَمَا أوصيتها قلت // (من الرجز) //
(أَوصَيْتُ مِنْ بَرَّةَ قَلْبًا حُرَّا ... بِالكَلْبِ خَيْرًا والحمَاةِ شَرَّا)
(لَا تَسْامِي خَنْقًا لَهَا وَجرَّا ... وَالحَيَّ عمِّيهِمْ بِشَرِّ طُرَّا)
(وإنْ حَبَوْكِ ذَهَبًا وَدُرَّا ... حَتَّى يَرَوْا حُلْوَ الحياةِ مُرَّا)
فَضَحِك هِشَام واستلقى وَقَالَ مَا هَذِه وَصِيَّة يَعْقُوب بنيه قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَا أمنا مثل يَعْقُوب ﵇ قَالَ فَمَا زدتها قلت // (من الرجز) //
(سُبِّي الحماةَ وَابْهَتِي عَلَيْهَا ... وإنْ نَأَتْ فَأزلفِي إِلَيْهَا)
(واقرعِي بِالوُدِّ مِرْفَقَيْهَا ... مظَاهر الْيَد بِهِ عَلَيْهَا)
قَالَ فَمَا فعلت أُخْتهَا قلت درجت بَين أَبْيَات الْحَيّ فنفعتنا قَالَ فَمَا قلتَ فِيهَا قَالَ قلت // (من السَّرِيع أَو الرجز) //
(كَأَنَّ ظَلَاّمَة أَخْتَ شَيْبَانْ ... يتيمَةٌ ووَالِدَاهَا حَيَّانْ)
(أَلرَّأْسُ قَمْلٌ كُلُّهُ وصُؤْبَانْ ... وَلَيْسَ فِي الرِّجْلَينِ إِلَّا خَيْطانْ)
стр. 1388
(فَهْيَ الَّتِي يَذْعَرُ مِنْهَا الشَّيْطَانْ ... )
فوصلني هِشَام بِدَنَانِير وَقَالَ اجْعَلْهَا فِي رجْلي ظلامة وَهَذَا أَبُو النَّجْم هُوَ الْقَائِل من // (الرجز) //
(أَنََا أبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي ... )
وَمن العقد لِابْنِ عبد ربه كَانَ الْكُمَيْت الشَّاعِر الْمَشْهُور مادِح أهل الْبَيْت يمدح بني هَاشم ويعرضُ ببني أُميَّة فَطَلَبه هِشَام بن عبد الْملك فهرب عَنهُ فَكَانَ مطرداً عشْرين سنة لَا يستقرُ لَهُ قَرَار خوفًا من هِشَام وَكَانَ مسلمة بن عبد الْملك أَخُو هِشَام لَهُ حَاجَة على هِشَام يَقْضِيهَا لَهُ كل سنة وَلَا يردهُ فِيهَا كائنة مَا كَانَت فَخرج مسلمة إِلَى بعض حروبه ثمَّ أَتَى فَأَتَاهُ النَّاس يسلمُونَ عَلَيْهِ وَأَتَاهُ من جُمْلَتهمْ الْكُمَيْت بن زيد فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا أَيهَا الْأَمِير أما بعد من // (مجزوء الْكَامِل) //
( ... ... ... ... ... قِفْ بِالديَارِ وُقُوفَ زَائِرْ)
حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله
(يَا مُسْلِمُ يَا بْن الوَليِد ... لميِّت إنْ شِئْتَ نَاشِرْ)
(عَلقَتْ حبالِي مِنْ حِبَالِكَ ... ذِمَّةَ الرَّجُلِ المُجَاوِرْ)
(فالآنَ صرْتُ إلَى أمَيْيَةَ ... وَالأُمُورُ لَهَا مصَايِرْ)
(وَالآن كُنْت بِهِ الْمُصِيب ... لمهتدٍ بالأَمْسِ حَائِرْ)
فَقَالَ مسلمة سُبْحَانَ الله من هَذَا الهندكي الجلحاب الَّذِي أقبل من أخريات النَّاس فَبَدَأَ بِالسَّلَامِ ثمَّ أما بعد ثمَّ الشّعْر قيل لَهُ الْكُمَيْت فأعجب بِهِ وبفصاحته فَذكر لَهُ الْكُمَيْت بعد أَن تَم إنشاده رعبه من هِشَام وَطول تشرده فضمن لَهُ مسلمة أَمَانه وَتوجه حَتَّى أدخلهُ على هِشَام وَهُوَ لَا يعرفهُ فَقَالَ الْكُمَيْت السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْحَمد لله فَقَالَ هِشَام نعم الْحَمد لله يَا هَذَا فَقَالَ الْكُمَيْت مبتدئ الْحَمد ومبتدعه وَاسْتمرّ فِي خطْبَة طَوِيلَة بديعة فِيهَا
стр. 1389
قَوْله تهت فِي حيرة وحرت فِي سكرة ادلأَم بِي خَطَرُهَا وأهاب بِي داعيها فَأَجَابَنِي غاويها فاقطوطيت إِلَى الضَّلَالَة وتسكعت فِي الظلمَة والجهالة جائراً عَن الْحق قَائِلا بِغَيْر الصدْق فَهَذَا مقَام العائذ ومنطق التائب اللائذ ومصير الْهِدَايَة بعد الْعمي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كم من عاثر أقَلتُم عثرته ومجترم عفوتم عَن جرمه إِلَى آخر مَا قَالَ فَقَالَ هِشَام وَيحك من سَن لَك الغواية وأهاب بك فِي الغيابة فَقَالَ الْكُمَيْت الَّذِي أخرج أبي من الْجنَّة فَنَسِي وَلم يجد لَهُ عزماً وَهُوَ مترصد لِبَنِيهِ فَعَفَا عَنهُ هِشَام وَفِي ربيع الْأَبْرَار تنْسب إِلَى الفرزدق مكرمَة يُرجَى لَهُ بهَا الْجنَّة هِيَ أَنه لما حج هِشَام بن عبد الْملك فِي أَيَّام أَبِيه مدحه الفرزدق فَلَمَّا طَاف بِالْبَيْتِ جهد أَن يصل إِلَى الْحجر الْأسود ليستلمه فَلم يقدر على ذَلِك لِكَثْرَة الزحام فنصب لَهُ كرْسِي وَجلسَ عَلَيْهِ ينظر إِلَى النَّاس وَمَعَهُ جمَاعَة من أَعْيَان أهل الشَّام فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ أقبل زين العابدين بن عَليّ بن الْحُسَيْن وَكَانَ من أجمل النَّاس وَجها وأطيبهم أرجاً وَبَين عَيْنَيْهِ سَجْدَة فَلَمَّا انْتهى إِلَى الْحجر تنحى عَنهُ النَّاس هَيْبَة وإجلالاً حَتَّى اسْتَلم الْحجر فغاظ ذَلِك هشاماً فَقَالَ لَهُ رجل من أهل الشَّام من هَذَا الَّذِي هابه النَّاس هَذِه الهيبة فَقَالَ هِشَام لَا أعرفهُ مَخَافَة أَن يرغَبَ فِيهِ أهل الشَّام وَكَانَ الفرزدق حَاضرا فَقَالَ أَنا أعرفهُ فَقَالَ الشَّامي من هُوَ يَا أَبَا فراس قَالَ // (من الْبَسِيط) //
(هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبادِ اللَّهِ كُلِّهِمُ ... هَذا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهرُ العَلَمُ)
(هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ البطحَاءُ وَطْأَتَهُ ... والبيتُ يَعْرِفُهُ والرُّكْنُ والحَرَمُ)
(إِذا رَأَتْهُ قريشٌ قَالَ قائلُهَا ... إِلَى مكارِمِ هَذَا ينْتَهِي الكَرَمُ)
(يَنْمِي إِلَى ذِرْوةِ العزِّ الَّتِي قَصُرَتْ ... عَنْ نيْلِها عَرَبُ الإسلامِ والعَجَمُ)
(يكادُ يُمْسِكُهُ عرفانَ راحتَهِ ... رُكْنُ الحَطِيمِ إِذا مَا جَاءَ يسْتَلِمُ)
(فِي كَفِّهِ خَيْزُرَانٌ ريحُهُ عبقٌ ... مِنْ كَفِّ أرْوَعَ فِي عِرْنينه شمَمُ)
(يُغَضِي حَيَاء ويُغْضَي مِنْ مَهَابَتِهِ ... فَمَا يُكَلَّمُ إلَاّ حينَ يَبْتَسِمُ)
стр. 1390
(ٍ ينشَقُّ نُورُ الهُدَى مِنْ نُورِ غُرَّتِهِ ... كالشَّمْسِ تنجَابُ عَنْ إشراقها الظُّلَمُ)
(مُنْشقةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَبْعَتُهُ ... طَابَتْ عَنَاصِرُهُوالْخيمُ والشِّيَمُ)
(هَذَا ابْن فاطمةٍ إنْ كُنْتَ تَجهَلُهُ ... بجَدِّهِ أنبياءُ اللَّهِ قد خُتِمُوا)
(أللَّهُ شَرَّفَهُ قِدْمًا وعَظَّمَهُ ... جَرى بِذَاكَ لَهُ فِي لَوْحِهِ القَلَمُ)
(ولَيْسَ قولُكَ مَنْ هَذَا بضائِرِهِ ... ألعُرْبُ تعرفُ مَنْ أنكَرْتَ والعَجَمُ)
(كِلْتَا يَديْهِ غِيَاثٌ عَمَّ نَفْعُهُمَا ... يسْتَوكِفَانِ وَلَا يَعْرُوهُما العَدَمُ
(سَهْلُ الخليفةِ لَا تُخْشَى بوادِرُهُ ... يَرِينُهُ اثنانِ حُسْنُ الخُلْقِ والشِّيَمُ)
(حَمَّالُ أثقالِ أَقوام إِذا فدحوا ... حلْوُ الشمائِلِ تَحْلُو عِنْده النِّعَمُ)
(مَا قَالَ لَا قَطُّ إلَاّ فِي تَشَهُّدِهِ ... لَوْلَا التَّشَهُّدُ كانَتْ لاؤهُ نَعَمُ)
(عَمَّ البريَّةَ بالإِحسانِ فانقَشَعَتْ ... عَنْهَا الغَيَابَةُ والإِملاقُ والعَدَمُ)
(مِنْ مَعْشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ وبغضُهُمُ ... كُفْرٌ وقُرْبُهُمُ مَنْجًى ومُعْتَصَمُ)
(إنْ عُدَّ أهلُ التُّقَى كَانُوا أَئِمتَهُمْ ... أَو قِيلَ مَنْ خَيْرُ أهلِ الأرضِ قِيلَ هُمُ)
(لَا يستطيعُ جَوَادٌ بُعْدَ غايتِهم ... وَلَا يُدَانيهِمُ قَوْمٌ وإنْ كَرمُوا)
(هم الغُيُوثُ إِذا مَا أزمةٌ أَزمَتْ ... والأُسْدُ أُسدُ الشَّرَى إِيَّاكَ تختذمُ)
(لَا ينْقصُ العُسْرُ بَسْطًا من أكُفِّهِمُ ... سِيَّان ذَلِك إِن أثْرَوا وإنْ عدمُوا)
(مُقَدَّمٌ بَعْدَ ذِكْرِ الله ذِكْرُهُمُ ... فِي كُلِّ بَدْءٍ ومختوم بِهِ الحكمُ)
(أَيُّ الخلائِقِ ليسَتْ فِي رِقَابِهِمُ ... لِأوليَّةِ هَذَا أَو لَهُ نعمُ)
(مَنْ يَعْرِفِ اللَّه يَعْرِفْ أَوَّلِيَّةَ ذَا ... فَالدَّينُ مَنْ بَيْتَ هَذَا نَالَهُ الأمَمُ)
فَغَضب هِشَام وَقَالَ للفرزدق أَو رَافِضِي أَنْت يَا فرزدق فَقَالَ إِن كَانَ حب آل الْبَيْت رفضاً فَنعم فحرمه هِشَام جائزته فَتحمل عَلَيْهِ الفرزدق بِأَهْل بَيته فَأبى أَن يُعْطِيهِ شَيْئا فَقَالَ لَهُ عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب كم كنتَ تؤمل أَن يعطيك هِشَام فَقَالَ الفرزدق ألف دِينَار فِي كل سنة قَالَ فكم تؤمل أَن تعيش قَالَ أَرْبَعِينَ سنة قَالَ يَا غُلَام عَليّ بالوكيل فَدَعَاهُ فَقَالَ أعْط الفرزدق أَرْبَعِينَ ألف دِينَار فقبضها مِنْهُ ثمَّ أَمر هِشَام بِحَبْس الفرزدق فحبس فأنفذ إِلَيْهِ على زين العابدين اثْنَي عشر ألف دِرْهَم وَقَالَ هَذَا عَاجل برنا وَلَك الْمَزِيد فَردهَا الفرزدق وَقَالَ مدحته لله لَا للعطاء فَأرْسل إِلَيْهِ زين العابدين وَقَالَ لَهُ إِنَّا أهل بَيت إِذا
стр. 1391
وهبنا شَيْئا لَا نستعيده وَالله تَعَالَى عَالم بنيتك ومُثيبك عَلَيْهَا فَشكر الله لَك سعيك فَلَمَّا بلغته الرسَالَة قبلهَا وَكَانَ حبس هِشَام للفرزدق بعسفان بَين مَكَّة وَالْمَدينَة فَفِي ذَلِك يَقُول الفرزدق من // (الطَّوِيل) //
(أَتَحْبِسُنِي بَين المَدِينَةِ وَالَّتِي ... إِلَيْهَا رقابُ النَّاسِ يَهْوى مُنِيبُهَا)
(يٌ قَلِّبُ رَأْسًا لم يكُنْ رَأْسَ سيِّدٍ ... وَعَيْنَا لَهُ حَوْلَاءَ بَادٍ عُيُوبُهَا)
قَالَ مُصعب الزبيرِي زَعَمُوا أَن عبد الْملك رأى فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ بَال فِي محرابه
أَربع مَرَّات فدسَ إِلَى سعيد بن الْمسيب من يسْأَله تَعْبِير ذَلِك فَقَالَ يملك من صُلْبِ هَذَا الرَّائِي أَرْبَعَة وَكَانُوا كَذَلِك الْوَلِيد بن عبد الْملك يزِيد بن عبد الْملك سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَهِشَام بن عبد الْملك وَهُوَ آخِرهم توفّي ثَانِي عشر ربيع الآخر سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة وعمره أَربع وَخَمْسُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام خِلَافَته تسع عشرَة سنة وَثَمَانِية أشهر وَسَبْعَة عشرَة يَوْمًا قَالَ الصَّفَدِي فِي تَذكرته من أَوْلَاد هِشَام سعيد بن هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان كَانَ منهمكاً فِي لذات الدُّنْيَا مغرى بحب النِّسَاء وَفِيه يَقُول الْقَائِل مُخَاطبا أَبَاهُ هشاماً من // (الْبَسِيط) //
(أَبْلِغْ هِشَامًا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ ... أَغظْتَنا بأميرٍ غَيْرِ عِنِّينِ)
(طَوْرًا يشارِكُ هَذَا فِي حلِيلَتِهِ ... وتارَةً لَا يُرَاعِي حُرْمَةَ الدِّينِ)
قَالَ فحبسه أَبوهُ هِشَام فَقَالَ أَبُو مُحَمَّد السّلمِيّ وَكَانَ هَذَا السّلمِيّ فِي حبس هِشَام إِن سعيداً كَانَ فِي بَيت علَى حِدَة وَكنت أسمع من بَيته صَوت الْعود فَخرجت يَوْمًا إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ قد أَخذ جَفْنَة فنقبها وعلق فِيهَا أوتاراً فَقلت وَيحك على هَذِه الْحَال تفعل هَذَا فَقَالَ لَا أَبَا لَك لَوْلَا هَذَا متْنا غماً وَهُوَ الْقَائِل من // (الرجز) //
(أَرْسَلْتُ كَلْبِي طَالبا مَا يأكُلُهْ ... مَنِ الَّذِي يَرُدُّهُ أَو يجْهَلُهْ)
وَبلغ أَبَاهُ هشاماً مَا صنعه فَأمر بِإِخْرَاجِهِ وَقَالَ لَهُ لعنك الله أفسقاً كفسق الْعَوام هلا فسقاً كفسق الْمُلُوك فَقَالَ لَهُ ابْنه وَهل للملوك فِسْق يمتازون بِهِ قَالَ نعم قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ أَن تحيي هَذَا وَتقتل هَذَا وَتقتل هَذَا وَتَأْخُذ مَال هَذَا فتعطيه
стр. 1392
هَذَا وَمن شعر سعيد هَذَا قَوْله من // (الرمل) //
(آلُ مَرْوانَ أَرَاهُمْ فِي عَمًى ... غضب العَيْش عليهِمْ وَالفَرَحْ)
(كُلُّهم يَسْعَى لما يُتْعِبُهُ ... وَأَنا أسْعَى لأُنْسٍ وَقَدَحْ)
وَفِي درة الغواص قَالَ حَمَّاد الرِّوَايَة كَانَ انقطاعي إِلَى يزِيد بن عبد الْملك فِي خِلَافَته وَكَانَ أَخُوهُ هِشَام يحسدني لذَلِك فَلَمَّا مَاتَ يزِيد وَولي هِشَام خفته وَمَكَثت فِي بَيْتِي سنة لَا أخرج إِلَّا إِلَى من أَثِق بِهِ من إخْوَانِي سرا فَلَمَّا لم أسمع أحدا يذكرنِي فِي السّنة أمنت فخرجتُ يَوْمًا أُصَلِّي الْجُمُعَة فِي مَسْجِد الرصافة فَإِذا بشرطيين واقفين عَليّ وَقَالا يَا حَمَّاد أجب الْأَمِير يُوسُف بن عمر الثَّقَفِيّ وَكَانَ والياً على الْعرَاق لهشام بن عبد الْملك فاستسلمت فِي أَيْدِيهِمَا ثمَّ صرت إِلَى يُوسُف بن عمر وَهُوَ فِي الإيوان الْأَحْمَر فَسلمت فَرد عَليّ السَّلَام وَرمى إِلَى كتلابا فِيهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من عبد الله هِشَام بن عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى يُوسُف بن عمر الثَّقَفِيّ أَمَا بعد إِذا قَرَأت كتابي هَذَا فَابْعَثْ إِلَى حَمَّاد الرِّوَايَة من يَأْتِيك بِهِ من غير ترويع وَلَا تتعتع وادفع لَهُ خَمْسمِائَة دينارٍ وجملاً مهرياً يسير عَلَيْهِ اثْنَتَيْ هشرة لَيْلَة إِلَى دمشق فَأخذت الدَّنَانِير وَنظرت فَإِذا جمل مرحول فركبت وَوضعت رجْلي فِي الغرز وسرت حَتَّى وافيت دمشق فِي اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة فنزلْتُ على بَاب هِشَام فاستأذنت فَأذن لي فَدخلت إِلَيْهِ فِي دارٍ قوراءَ مفروشة بالرخام وَبَين كل رخامتين قضيب ذهب وَهِشَام جَالس على طنفسة حَمْرَاء وَعَلِيهِ ثِيَاب حمر من الْخَزّ وَقد تضمخ بالمسك والعنبر فَسلمت فَرد على السَّلَام واستدناني فدنوْتُ حَتَّى قبلت رجله فَإِذا جاريتان لم أر مثلهمَا قطّ فِي أذن كل مِنْهُمَا حلقتان فيهمَا لؤلؤتان تتقدان فَقَالَ كَيفَ أَنْت يَا حَمَّاد فَقلت بِخَير يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ أَتَدْرِي لم بعثت إِلَيْك قلت لَا قَالَ بعثت إِلَيْك بِسَبَب بَيت خطر ببالي وَلَا اعرف لمن قلت وَمَا هُوَ قَالَ من // (الْخَفِيف) //)
وَدَعَوْا بِالصَّبُوحِ يَوْمًا فجاءَتْ ... قَيْنَةٌ فِي يَمِينِهَا إِبْرِيقُ)
فَقلت يَقُوله عدي بن زيد الْعَبَّادِيّ من قصيدة فَقَالَ أنشدنيها فَأَنْشَدته من // (الْخَفِيف) //
(بَكَرَ العاذلُونَ فِي وَضَحِ الصُّبْحِ ... يقولُونَ لي أَلَا تَسْتَفيِقُ)
(وَيَلُومُونَ فِيك يابنةَ عَبْدِ اللهِ ... والقَلْبُ عندكُمْ موثُوقُ)
стр. 1393
(لسْتُ أَدْرِي إذْ أَكْثَرُوة العَذلَ فِيهَا ... أعَدُوٌّ يلومُنِي أمْ صَدِيقُ)
قَالَ حَمَّاد فَأَنْشَدته حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى قَوْله من // (الْخَفِيف) //
(ودعَوْا بالصَّبُوحِ يَوْمًا فجاءَتْ ... قَيْنَةٌ فِي يَمِينِها إبْرِيقُ)
(قَدَّمَتْهُ على عقارٍ كَعيْنِ الدْدِيك ... ِ صَفَّي سلافَها الرَّاووقُ)
(مُرَّةٌ قبْلَ مزْجِها فَإِذا مَا ... مُرِجَتْ لَذَّ طَعْمها مَنْ يَذُوقُ)
(وطفا فَوْقَهَا فقاقيعُ كَالياقُوتِ ... حُمْرٌ يرِينُهَا التصفيقُ)
(ثمَّ كَانَ المزاجُ ماءَ سَحابِ ... لَا صَرٍ ي آجِنٌ وَلَا مطرُوقُ)
فطرب هِشَام وَقَالَ أَحْسَنت يَا حَمَّاد وَالله ثمَّ قَالَ يَا حَمَّاد سل حَاجَتك فَقلت إِحْدَى هَاتين الجاريتين ثمَّ ذهبت فَلم أَعقل حِين أَصبَحت إِلَّا والجاريتان عِنْد رَأْسِي وَإِذا عشرَة من الخدم مَعَ كل وَاحِد بدرة فِيهَا عشرَة آلَاف دِرْهَم فَقَالَ أحدهم إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول خُذ هَذَا فَانْتَفع بِهِ فِي سفرك فَأخذت ذَلِك والجاريتين وعدت إِلَى أَهلِي
(خلَافَة الْوَلِيد بن يزِيد)
لما توفّي هِشَام بالرصافة ولي بعده الْوَلِيد ابْن أَخِيه يزِيد وَكَانَ متلاعباً وَله مجون وشراب وندمان وَأَرَادَ هِشَام خلعه فَلم يُمكنهُ وَكَانَ يضْرب من يُؤْخَذ فِي صحبته فَخرج الْوَلِيد فِي خاصته ومواليه وَخلف كَاتبه عِيَاض بن مُسلم ليكاتبه بالأحوال فَضَربهُ هِشَام وحبسه وَلم يزل الْوَلِيد مُقيما فِي الْبَريَّة حَتَّى مَاتَ هِشَام وجاءه مولى أبي مُحَمَّد السفياني على الْبَرِيد بِكِتَاب سَالم بن عبد الرَّحْمَن صَاحب ديوَان الرسائل بالْخبر فَسَأَلَ عَن كَاتبه عِيَاض فَقَالَ إِنَّه لم يزل مَحْبُوسًا حَتَّى مَاتَ هِشَام فَأرْسل إِلَى الْخزَّان أَن يحتفظوا بِمَا فِي أَيْديهم حَتَّى منعُوا هشاماً من كفن ثمَّ خرج عِيَاض بعد موت هِشَام من الْحَبْس وَكتب أَبْوَاب الخزائن ثمَّ كتب الْوَلِيد من وقته إِلَى عَمه الْعَبَّاس بن عبد الْملك أَن يَأْتِي الرصافة فَيُحْصي مَا فِيهَا من أَمْوَال هِشَام
стр. 1394
وَولده وَمَاله وحشمه إِلَّا مسلمة بن هِشَام فَإِنَّهُ كَانَ يُرَاجع أَبَاهُ هشاماً بالرفق بالوليد فَانْتهى لما أمره بِهِ الْوَلِيد ثمَّ اسْتعْمل الْوَلِيد الْعمَّال وَكتب إِلَى الْآفَاق بِأخذ الْبيعَة فَجَاءَتْهُ بيعتهم وَكتب مَرْوَان بيعَته وَاسْتَأْذَنَ فِي الْقدوم ثمَّ عهد الْوَلِيد من سنته لابْنَيْهِ الحكم وَعُثْمَان بعده وجعلهما ولي عَهده وَكتب بذلك إِلَى الْعرَاق وخرسان قَالَ الذَّهَبِيّ كَانَ أَبوهُ يزِيد بن عبد الْملك حِين احْتضرَ عهد بِالْأَمر إِلَى هِشَام ابْن عبد الْملك وأخيه بِأَن يكون الْعَهْد من بعده لوَلَده الْوَلِيد بن يزِيد فَلَمَّا مَاتَ هِشَام بُويِعَ لَهُ بالخلافة يَوْم موت عَمه هِشَام وَهُوَ إِذْ ذَاك بالبرية فَارًّا من عَمه هِشَام لِأَنَّهُ كَانَ بَينه وَبَين عَمه هِشَام مُنَافَسَة لأجل استخفافه بِالدّينِ وشربه الْخمر واشتهاره بِالْفِسْقِ والفجور فهم هِشَام بقتْله ففر وَصَارَ لَا يُقيم بِأَرْض خوفًا من هِشَام فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلَة الَّتِي قدم عَلَيْهِ الْبَرِيد فِي صبحها بالخلافة قلق تِلْكَ اللَّيْلَة قلقاً شَدِيدا فَقَالَ لبَعض أَصْحَابه وَيحك قد أَخَذَنِي اللَّيْلَة قلق فاركَبْ بِنَا حَتَّى ننبسط فَسَار مِقْدَار ميلين وهما يتحادثان فِي أَمر هِشَام وَمَا يكْتب إِلَيْهِ من التهديد والوعيد ثمَّ نظرا فرأيا فِي الْبعد رهجاً وصوتاً فَقَالَا اللَّهُمَّ أعطنا خَيرهمْ فَلَمَّا قدم الْبَرِيد وأثبتوا الْوَلِيد معرفَة ترجلوا وَجَاءُوا فَسَلمُوا عَلَيْهِ بالخلافة فبهت ثمَّ قَالَ وَيحكم أمات هِشَام قَالُوا نعم ثمَّ أَعْطوهُ الْكتب فقرأها وَسَار مِنْ فوره إِلَى دمشق فَأَقَامَ على اشتهاره بالمنكرات وتظاهر بالْكفْر والزندقة قَالَ ابْن عَسَاكِر وَغَيره انهمك الْوَلِيد فِي شرب الْخمر ولذاته ورفَض الْآخِرَة وَرَاء ظَهره وَأَقْبل على القصف وَاللَّهْو والتلذذ مَعَ الندماء والمغنين وَكَانَ يضْرب بِالْعودِ ويوقع بالطبل وَيَمْشي بالدف وَكَانَ قد انتهك محارم الله حَتَّى قيل لَهُ الْفَاسِق وَعرف بذلك وَمَعَ هَذَا كَانَ أكمل بني أُميَّة أدباً وفصاحَة وظرفاً وأعرفهم باللغة والنحو والْحَدِيث وَكَانَ جوادَاً مفضالاً وَلم يكن فِي بني أُميَّة أَكثر مِنْهُ إدماناً للشراب وَالسَّمَاع وَلَا أَشد مجوناً وتهتكاً مِنْهُ واستخفافَاً بِالدّينِ وَأمر الْأمة يُقَال إِنَّه وَاقع جَارِيَة وَهُوَ سَكرَان وجاءه المؤذنون يؤذنونه بِالصَّلَاةِ فَحلف ألَا يُصَلِّي
стр. 1395
بِالنَّاسِ إِلَّا هِيَ فَلبِست ثِيَابه وصلت بِالْمُسْلِمين وَهِي جنب سكرَى وَقيل إِنَّه صنع بركَة فملأها خمرًا وَكَانَ إِذا طرب ألْقى نَفسه فِيهَا وَيشْرب مِنْهَا حَتَّى يظْهر النَّقْص فِي أطرافها وَحكى الْمَاوَرْدِيّ فِي كتاب أدب الدّين وَالدُّنْيَا عَنهُ أَنه تفاءل ذَات يَوْم فِي الْمُصحف فَخرج لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاَسْتَفتحوُا وخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنيد﴾ إِبْرَاهِيم ١٥ فَأمر بالمصحف فنصب ورماه بِالسِّهَامِ حَتَّى مزقه وَهُوَ يَقُول // (من الوافر) //
(أتَوعِدُ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ... فَها أنَا ذَاكَ جبارٌ عنِيدُ)
(إِذا مَا جِئْتَ ربَّكَ يَوْم حشْرٍ ... فقُلْ يَا ربِّ مَرَّقَّنِي الوَلِيدُ)
وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث يكون فِي هَذِه الْأمة رجل يُقَال لَهُ الْوَلِيد هُوَ شَرّ من فِرْعَوْن فتأوله الْعلمَاء بالوليد بن يزِيد هَذَا فخلعه أهل دمشق لما ذكر وَقَتله يزِيد ابْن عَمه الْوَلِيد فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة وَكَانَت خِلَافَته سنة وَاحِدَة قَالَ الْعَلامَة ابْن خلدون وَلَقَد ساءت الْمقَالة فِيهِ كثيرا وَكثير من النَّاس نفروا عَنهُ ذَلِك وَقَالُوا إِنَّهَا شناعات الْأَعْدَاء ألصقوها بِهِ قَالَ الْمَدَائِنِي دخل ابْنه المعمر بن يزِيد على الرشيد هَارُون فسألة مِمَّن أَنْت فَقَالَ من قريشٍ فَقَالَ الرشيد من أَيهَا فَسكت ووجم فَقَالَ لَهُ الرشيد قل وَأَنت آمن وَلَو أَنَّك مَرْوَان فَقَالَ أَنا المعمر بن يزِيد فَقَالَ رحم الله عمك وَلعن يزِيد النَّاقِص فَإِنَّهُ قتل خَليفَة هُوَ مجمع عَلَيْهِ ارْفَعْ حوائجك فَرَفعهَا إِلَيْهِ وقضاها وَقَالَ شبيب بن شيبَة كُنَّا جُلُوسًا عِنْد الْمهْدي وَذكر الْوَلِيد فَقَالَ الْمهْدي كَانَ زنديقا فَقَامَ ابْن علائة الْفَقِيه فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله تَعَالَى أعدل من أَن يولي
стр. 1396
خلَافَة النُّبُوَّة وَأمر الْأمة زنديقاً إِنَّه أَخْبرنِي عَنهُ من كَانَ يشهده فِي ملاعبه وشربه بمروءة فِي طَهَارَته وَصلَاته فَكَانَ إِذا حضرت الصَّلَاة يطْرَح الثِّيَاب الَّتِي عَلَيْهِ المطيبة المصبغة ثمَّ يتَوَضَّأ فَيحسن الْوضُوء ويؤتي بِثِيَاب بيض نظيفة فيلبسها وَيُصلي فِيهَا فَإِذا فرغ عَاد إِلَى تِلْكَ الثِّيَاب فلبسها واشتغل بشربه ولهوه أَتَرَى هَذَا من فعال من لَا يُؤمن بِاللَّه فَقَالَ لَهُ الْمهْدي بَارك الله فِيك يَا بن علاثة وَإِنَّمَا كَانَ الرجل محسداً فِي خلاله ومزاحماً بكبار عشيرته وَأهل بَيته من عمومته مَعَ لَهو كَانَ يصاحبه أوجَدَ لَهُم السَّبِيل على نَفسه فَكَانَ من خلاله قرض الشّعْر الوثيق ونظم الْكَلَام البليغ قَالَ يَوْمًا لهشام يغريه فِي مسلمة إِن عَقبي من بَقِي لخوف من مضى وَقد أمكن بعد مسلمة الصَّيْد لمن رمى واختل الثغر فهوى وعَلى أثر من سلف يمْضِي من خلف فتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى فَأَعْرض هِشَام وَسكت الْقَوْم وَأما حِكَايَة مَقْتَله فَإِنَّهُ لما تعرض لَهُ بَنو عَمه ونالوا من عرضه أَخذ فِي مكافأتهم فَضرب سُلَيْمَان ابْن عَمه هِشَام مائَة سَوط وحلقه وغربه إِلَى معَان من أَرض الشَّام فحبسه إِلَى آخر دولته وَحبس أَخَاهُ يزِيد بن هِشَام وَفرق بَين روح بن الْوَلِيد وَبَين امْرَأَته وَحبس عدَّة من ولد الْوَلِيد وطعنوا عَلَيْهِ فِي تَوْلِيَة ابنيه الحكم وَعُثْمَان الْعَهْد مَعَ صغرهما وَكَانَ أَشد النَّاس عَلَيْهِ يزِيد بن الْوَلِيد لِأَنَّهُ يتنسك فَكَانَ النَّاس إِلَى قَوْله أميل فَخرج عَلَيْهِ يزِيد بن الْوَلِيد الْمَذْكُور الملقب بالناقص وتغلب على دمشق
(خلَافَة يزِيد بن الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان)
لما خلع أهل دمشق الْوَلِيد بن يزِيد بن الْوَلِيد الْمَذْكُور ثمَّ جهز يزِيد الْجَيْش إِلَى الْوَلِيد بمكانه من الْبَادِيَة فَإِنَّهُ كَانَ غَائِبا بهَا فَجهز إِلَيْهِ الْجَيْش مَعَ عبد الْعَزِيز بن الْحجَّاج بن عبد الْملك وَمَعَ مَنْصُور بن جُمْهُور وَقد كَانَ الْوَلِيد حِين بلغه الْخَبَر
стр. 1397
بعث عبد الله بن يزِيد بن مُعَاوِيَة إِلَى دمشق فَأَقَامَ بطريقه قَلِيلا ثمَّ بَايع ليزِيد وَأَشَارَ على الْوَلِيد وَأَصْحَابه أَن يلْحق بحمص فيتحصن بهَا قَالَ لَهُ ذَلِك يزِيد بن خَالِد بن يزِيد وَخَالفهُ عبد الله بن عَنْبَسَة وَقَالَ مَا يَنْبَغِي للخليفة أَن يدع عسكره وَحرمه قبل أَن يُقَاتل فَسَار إِلَى قصر النُّعْمَان بن بشير وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ من ولد الضَّحَّاك وَغَيرهم وجاءه كتاب الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بِأَنَّهُ قادم وَلما وصل عبد الْعَزِيز وَمَنْصُور اللَّذَان أرسلهما يزِيد صُحْبَة الْجَيْش بعث إِلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابه زِيَاد بن الْحصين الْكَلْبِيّ يدعوانهم إِلَى الْكتاب وَالسّنة فَقتله أَصْحَاب الْوَلِيد فقَاتلوهم حِينَئِذٍ وَاشْتَدَّ الْقِتَال بَينهم وَبعث عبد الْعَزِيز بن مَنْصُور بن جُمْهُور لاعتراض الْعَبَّاس بن الْوَلِيد فِي أَن يَأْتِي الْوَلِيد فجَاء بِهِ مَنْصُور كرها إِلَى عبد الْعَزِيز وألزمه الْبيعَة لِأَخِيهِ يزِيد ونصبوا راية باسمه فتفرقْ النَّاس عَن الْوَلِيد واجتمعوا على الْعَبَّاس وَعبد الْعَزِيز وَأرْسل الْوَلِيد إِلَى عبد الْعَزِيز بِخَمْسِينَ ألف دِينَار وَولَايَة حمص مَا بَقِي على أَن ينْصَرف فَأبى ثمَّ قَاتل الْوَلِيد قتالاً شَدِيدا حَتَّى سمع النداء بقتْله وسبه من جَوَانِب الحومة فَدخل الْقصر وأغلق الْبَاب وطَلَبَ الْكَلَام من أَعلَى الْقصر فكالمه يزِيد بن عَنْبَسَة السكْسكِي فَذكره بحقوقة وفعاله فيهم وزيادته فِي أَرْزَاقهم فَقَالَ ابْن عَنْبَسَة مَا ننقم عَلَيْك فِي أَنْفُسنَا وَإِنَّمَا ننقم عَلَيْك فِي انتهاكك مَا حرم الله تَعَالَى وَشرب الْخمر وَنِكَاح أُمَّهَات أَوْلَاد أَبِيك واستخفافك بِأَمْر الله تَعَالَى فَقَالَ حَسبك يَا أَخا السكاسك لقد أكثرت وأغرقْتَ فِيمَا أحل الله سَعَة عَمَّا ذكرتَ ثمَّ رَجَعَ إِلَى الدَّار فَجَلَسَ وَأخذ الْمُصحف يقْرَأ وَقَالَ يَوْم كَيَوْم عُثْمَان فتسوروا عَلَيْهِ وَأخذ يزِيد بن عنبسهّ بِيَدِهِ يَقِيه لَا يُرِيد قَتله وَإِذا بمنصور بن جُمْهُور فِي جمَاعَة مَعَه ضربوه واحتزوا رَأسه وَسَارُوا بِهِ إِلَى يزِيد فَأمر بنصبه فتلطف لَهُ يزِيد بن فَرْوَة فِي الْمَنْع من ذَلِك وقَال هَذَا ابْن عمك وَخَلِيفَة وَإِنَّمَا تنصب رُءُوس الْخَوَارِج وَلَا اَمن أَن يغْضب لَهُ أهل بَيته فَلم يجبهُ يزِيد إِلَى ذَلِك وأطافه بِدِمَشْق على رمح وَبَعثه إِلَى أَخِيه سُلَيْمَان بن يزِيد وَكَانَ مَعَهم عَلَيْهِ وَكَانَ قَتله فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة كَمَا تقدم ذكر ذَلِك وَلما قتل خطب يزِيد بِالنَّاسِ فذمه وثلبه وَأَنه قَتله لأجل ذَلِك ثمَّ وعدهم بِحسن النّظر والاقتصار عَن النَّفَقَة فِي غير حاجاتهم وسد الثغور وَالْعدْل فِي الْعَطاء
стр. 1398
والأرزاق وَرفع الْمَظَالِم وَإِلَّا فلكم مَا شِئْتُم من الْخلْع وَكَانَ يُسمى النَّاقِص لِأَنَّهُ نقص الزِّيَادَة الَّتِي زَادهَا الْوَلِيد فِي أعطيات الْجند وَهِي عشرَة عشرَة وردهَا كَمَا كَانَت أْيام هِشَام وَقيل لنُقْصَان كَانَ فِي أَصَابِع رجلَيْهِ وَأول من سَمَّاهُ بذلك مَرْوَان ابْن مُحَمَّد وَلما قتل الْوَلِيد كَانَ مَرْوَان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان بن الحكم على أرمينية وَكَانَ على الجزيرة عَبدة بن رَبَاح الغساني وَكَانَ الْوَلِيد قد بعث بالصائفة أَخَاهُ فَبعث مَعَه مَرْوَان بن عبد الْملك فَلَمَّا انصرفوا من الصائفة لَقِيَهُمْ بحران خبر مقتل الْوَلِيد فَسَار عَبدة عَن الجزيرة إِلَى الشَّام فَوَثَبَ عبد الْملك بالجزيرة وحران فضبطهما وَكتب إِلَى أَبِيه مَرْوَان بأرمينية يستحثه طَالبا بِدَم الْوَلِيد بعد أَن أرسل إِلَى الثغور من يضبطها وَكَانَ مَعَه ثَابت بن نعيم الجذامي من أهل فلسطين وَكَانَ صَاحب فتْنَة وَكَانَ هِشَام قد حَبسه على إِفْسَاد الْجند بإفريقية عِنْد مقتل كُلْثُوم بن عِيَاض وَتشفع فِيهِ مَرْوَان فَأَطْلقهُ وَاتخذ عِنْده يدا فَلَمَّا سَار من أرمينية دخل ثَابت بن نعيم إِلَى أهل الشَّام فِي الْعود إِلَى الشَّام من وَجه الْفُرَات وَاجْتمعَ لَهُ الْكثير من جند مَرْوَان وناهضه الْقِتَال ثمَّ غلبهم وانقادوا لَهُ وَحبس ثَابت بن نعيم وَأَوْلَاده ثمَّ أطلقهُم من حران إِلَى الشَّام وَجمع نيفاً وَعشْرين ألفا من الجزيرة يسير بهم إِلَى يزِيد وَكتب إِلَيْهِ بِشَرْط مَا كَانَ عبد الْملك ولي أَبَاهُ مُحَمَّدًا من الجزيرة وأرمينية والموصل وأذربيجان فَأعْطَاهُ يزِيد ولَايَة ذَلِك وَبَايع لَهُ مَرْوَان وَانْصَرف وَأقَام يزِيد فِي الْخلَافَة والأمور مضطربة عَلَيْهِ وَكَانَ مظْهرا للنسك وَقِرَاءَة الْقُرْآن وأخلاق عمر بن عبد الْعَزِيز وَكَانَ ذَا دين وورع قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ولي يزِيد بن الْوَلِيد وَكَانَ قدرياً فَدَعَا النَّاس إِلَى الْقدر وَحَملهمْ عَلَيْهِ وَبَايع لِأَخِيهِ إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد بالعهد وَمن بعده لعبد الْعَزِيز بن الْحجَّاج بن عبد الْملك حمله على ذَلِك أَصْحَابه الْقَدَرِيَّة لمَرض أَصَابَهُ ثمَّ توفّي يزِيد آخر سنة ١٢٦ سِتّ وَعشْرين وَمِائَة وَكَانَت خِلَافَته خَمْسَة أشهر وَعشْرين يَوْمًا وعمره تسع وَثَلَاثُونَ سنة وَقيل أَرْبَعُونَ
стр. 1399
(خلَافَة إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان)
بُويِعَ لَهُ بعد موت يزِيد وَكَانَ إِبْرَاهِيم قَلِيل الْعقل قَلِيل التَّدْبِير فَانْتقضَ النَّاس عَلَيْهِ وَلم يتم لَهُ أَمر وَكَانَ يسلم عَلَيْهِ تَارَة بالخلافة وَتارَة بالإمارة وَقَالَ فِيهِ الشَّاعِر // (من الطَّوِيل) //
(نُبَليعُ إبراهيمَ فِي كُلِّ جمعةٍ ... أَلا إنَّ أَمْرًا أَنْتَ وَالِيهِ ضَائِعُ)
وَأقَام على ذَلِك نَحوا من ثَلَاثَة أشهر وَلم يبايعه مَرْوَان بن مُحَمَّد وَقَامَ عَلَيْهِ وخلعه ثمَّ بعد خلعه بِثَلَاثَة أَيَّام قَتله وَقيل صلبه وَكَانَ يلقب صلبان وَهُوَ اسْم مَجْنُون بِدِمَشْق وَقَالَ ابْن خلكان لم يقْتله بل عَاشَ إِلَى أَن هلك سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة
(خلَافَة مَرْوَان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان بن الحكم)
لما مَاتَ يزِيد بن الْوَلِيد وَجلسَ فِي مَكَانَهُ إِبْرَاهِيم أَخُوهُ لم يبايعه مَرْوَان وتعلل بأَشْيَاء ونهض للخلافة وبويع فِي خَامِس عشر شهر صفر سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَكَانَ قبل ذَلِك والياً على أرمينية كَمَا تقدم ذكره وَصَارَ سُلْطَانه فِي الشَّام ومصر فَقَط وَكَانَ زَمَانه زمَان حَرْب وَفتن وَاخْتِلَاف فاضطربت أُمُوره فَسَار إِلَى دمشق فَلَمَّا انْتهى إِلَى قنسرين وَكَانَ عَلَيْهَا بشر بن الْوَلِيد عَاملا لِأَخِيهِ يزِيد وَمَعَهُ أخوهما مسرور فدعاهما مَرْوَان إِلَى بيعَته وَمَال إِلَيْهِ يزِيد بن عمر بن هُبَيْرَة وَخرج بشر للقاء مَرْوَان فَلَمَّا ترَاءى الْجَمْعَانِ مَال ابْن هُبَيْرَة وَقيس إِلَى مَرْوَان وَأَسْلمُوا بشرا وسروراً فَأَخذهُمَا مَرْوَان وحبسهما وَسَار بِأَهْل قنسرين وَمن مَعَه إِلَى حمص وَكَانُوا قد امْتَنعُوا من بيعَة إِبْرَاهِيم فَوجه إِلَيْهِم عبد الْعَزِيز بن الْحجَّاج بن عبد الْملك فِي جند أهل دمشق وَكَانَ يحاصرهم فَلَمَّا دخل مَرْوَان رَحل
стр. 1400
عبد الْعَزِيز عَنْهُم وَبَايَعُوا مَرْوَان وَخرج للقائه سُلَيْمَان بن هِشَام فِي مائَة وَعشْرين ألفا ومروان فِي ثَمَانِينَ ألفا فَدَعَاهُمْ إِلَى الصُّلْح وَترك الطّلب بِدَم الْوَلِيد على أَن يطلقوا ابنيه الحَكَم وَعُثْمَان وليي عَهده فَأَبَوا وقاتلوه وسرب عسكرا وجاءوهم من خَلفهم فَانْهَزَمُوا وأثخن فيهم أهل حمص فَقتلُوا مِنْهُم نَحوا من خَمْسَة عشر ألفا وأسروا مثلهَا وَرفع مَرْوَان الْقَتْل وَأخذ عَلَيْهِم الْبيعَة للْحكم وَعُثْمَان ابْني الْوَلِيد وَكَانَ مِمَّن شهد مقتل الْوَلِيد وهرب يزِيد بن خَالِد الْقَسرِي إِلَى دمشق فَاجْتمع مَعَ إِبْرَاهِيم وَعبد الْعَزِيز بن الْحجَّاج وَتَشَاوَرُوا فِي قتل الحكم وَعُثْمَان خشيَة أَن يطلقهما مَرْوَان فيثأران كل مِنْهُمَا وولوا ذَلِك يزِيد بن خَالِد فَبعث مَوْلَاهُ أَبَا الْأسد فَقَتَلَهُمَا وَأخرج يُوسُف بن عمر فَقتله واعتصم أَبُو مُحَمَّد السفياني بِبَيْت فِي الْحَبْس فَلم يطيقوا فَتحه وأعجلتهم خيل مَرْوَان وأنهب سُلَيْمَان بن هِشَام بَيت المَال وَخرج من الْمَدِينَة وَعمر مولى الْوَلِيد بن يزِيد إِلَى دَار عبد الْعَزِيز بن الْحجَّاج فَقَتَلُوهُ ونبشوا قبر يزِيد بن الْوَلِيد وصلبوه على بَاب الْجَابِيَة وَجَاء مَرْوَان فَدخل دمشق وأُنبِئ بِابْن الْوَلِيد ويوسف بن عمر مقتولين فَدَفْنُهُمَا وأتى بِأبي مُحَمَّد السفياني فِي قيوده فَسلم عَلَيْهِ بالخلافة وَقَالَ إِن وليي الْعَهْد جعلاها لَك ثمَّ بَايعه وَسمع النَّاس فَبَايعُوهُ وَكَانَ أَوَّلهمْ بيعَة مُعَاوِيَة بن يزِيد بن حُصَيْن بن نمير وَأهل حمص ثمَّ رَجَعَ مَرْوَان وَاسْتَأْمَنَ لَهُ إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد وَسليمَان بن هِشَام وقدما عَلَيْهِ وَكَانَ قدوم سُلَيْمَان بِمن مَعَه وَمن أخوته وَأهل بَيته ومواليه فَبَايعُوا لمروان فِي سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة فِي رَمَضَان مِنْهَا
(قيام أبي مُسلم الْخُرَاسَانِي بالدعوة لبني الْعَبَّاس بخراسان)
ظهر بهَا فِي مَدِينَة مرو فدانت لَهُ الْبِلَاد وَهزمَ الْأَحْزَاب المروانية وَكَانَ أَبُو مُسلم دَاعيا لإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الإِمَام بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب أخي
стр. 1401
السفاح عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس وَكَانَ إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور بالقرية الْمَعْرُوفَة بالكرار والحميمة والكتب من أبي مُسلم تصل ليه بِمَا اتّفق من الفتوحات وَكَانَ قلبه نصر بن سيار عَاملا على خرسان لمروان فحاصره مُسلم حَتَّى خرج متخفيَاً فَكتب نصر إِلَى مَرْوَان يستنجده بِهَذِهِ الأبيات يَقُول // (من الوافر) //
(أَرى خَلَلَ الرمادِ وميضَ نَارٍ ... وَيوشِكُ أَنْ يكُونَ لَهَا ضِرَامُ)
(فإِنَّ النارَ بالعيدان تُذْكى ... وإنَّ الحَربَ أوَّلها كَلَامُ)
(فَإنْ لم تُطفِئوها تُخْرِجُوهَا ... مُسَجَّرَةً يشيبُ لَهَا الغُلَامُ)
(أقولُ من التعجُّبِ ليْت شعري ... أأيقاظٌ أُمَيَّةُ أَم نِيَامُ)
(فَإنْ يكُ قَومنَا أضحَوْا نياماً ... فقلْ قُومُوا فَقَدْ حَانَ القيامُ)
(تعَزي عَنْ رجالِكِ ثُمَّ قوليِ ... عَلَى الإسلامِ والعَرَبِ السلامُ)
فَوَجَدَهُ الرَّسُول مَشْغُولًا بِحَرب الضَحاك بن قيس فَكتب إِلَيْهِ الْجَواب الشَّاهِد يرى مَا لَا يرى الْغَائِب فاحسم الثؤلول قَلْبك فقَال نصر لأَصْحَابه أما إِن صَاحبكُم قد أعلمكُم أَن لَا نصر عِنْده وصادف وُصُول كتاب نصر إِلَى مَرْوَان عثور مَرْوَان على كتاب إِبْرَاهِيم الإِمَام ابْن مُحَمَّد لأبي مُسلم يوبخه حَيْثُ لم ينتهز الفرصة من نصر إِذْ أمكنته وَلَا يطاوله فِي المحاصرة ويأمره أَلا يدع بخراسان متكلماً بِالْعَرَبِيَّةِ فَلَمَّا قَرَأَ مَرْوَان الْكتاب بعث إِلَى الْوَلِيد بن مُعَاوِيَة بن عبد الْملك وَهُوَ يَوْمئِذٍ عَامله على دمشق يَأْمُرهُ أَن يكْتب إِلَى عَامل البلقاء أَن يسير إِلَى الحميمة للقبض على إِبْرَاهِيم الإِمَام فَقَبضهُ عَامل البلقاء وشده وثاقَاً وَكَانَ الْقَبْض عَلَيْهِ فِي مَسْجِد الحميمة وَأرْسل بِهِ إِلَى الْوَلِيد وَأرْسل بِهِ إِلَى الْوَلِيد أرسل بِهِ الْوَلِيد إِلَى مَرْوَان فحسبه بحران ثمَّ قَتله وَكَانَ إِبْرَاهِيم قد عهد بِالْوَصِيَّةِ إِلَى أَخِيه عبد الله بن مُحَمَّد الملقب بالسفاح ابْن الحارثية أرسل إِلَيْهِ بالجامعة وَأمره أَن يسير على مَا ذكر فِيهَا فَإِن الْأَمر صائر إِلَيْهِ وَإِن بني الْعَبَّاس موطدة لَا محَالة فَلَمَّا اشْتهر قتل إِبْرَاهِيم الإِمَام بَايع
стр. 1402
أَبُو مُسلم وَغَيره من الدعاة أَبَا الْعَبَّاس عبد الله السفاح ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله ابْن عَبَّاس فَبَثَّ دَعوته فِي سَائِر الْأَمْصَار وَأظْهر لبس السوَاد وسير أَبَا عون عبد الْملك بن يزِيد الْأَزْدِيّ إِلَى شهر زور فَقتل عُثْمَان بن سُفْيَان وَأقَام بِنَاحِيَة الْموصل وَسَار مَرْوَان بن مُحَمَّد إِلَيْهِ من حران فِي مائَة وَعشْرين ألف قارح وَنزل بالزاب اسْم نهر قرب الْموصل وَبعث السفاح سَلمَة بن مُحَمَّد فِي أَلفَيْنِ وَعبد الله الطَّائِي فِي ألف وَخَمْسمِائة وَعبد الحميد بن ربعي الطَّائِي فِي أَلفَيْنِ وَوَرس بن نَضْلَة فِي خَمْسمِائَة كل ذَلِك إمداد لأبي عون ثمَّ ندب أهل بَيته إِلَى السّير إِلَى أبي عون فَأرْسل عبد الله بن عَليّ بن عبد الله ابْن عَبَّاس فَسَار وَقدم إِلَى أبي عون فتحول لَهُ عَن سرادقه بِمَا فِيهِ ثمَّ أَمر عَنْبَسَة ابْن مُوسَى فِي خَمْسَة آلَاف فَعبر النَّهر من الزاب فِي أول جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَقَاتل عَسَاكِر مَرْوَان إِلَى الْمسَاء فَرجع فعقد مَرْوَان الجسر من الْغَد وَقدم ابْنه عبد الله فَعبر فَبعث عبد الله بن عَليّ عَم السفاح الْمَذْكُور الْمخَارِق ابْن غفار فِي أَرْبَعَة آلَاف نَحْو عبد الله بن مَرْوَان فسرح ابْن مَرْوَان الْوَلِيد بن مُعَاوِيَة ابْن مَرْوَان بن الحكم فَانْهَزَمَ أَصْحَاب الْمخَارِق وَأسر هُوَ وَجِيء بِهِ إِلَى مَرْوَان مَعَ رُءُوس الْقَتْلَى فَقَالَ لَهُ أَنْت الْمخَارِق قَالَ لَا قَالَ فتعرفه فِي هَذِه الرُّءُوس قَالَ نعم هُوَ ذَا فخلى سَبيله وَقيل بل أنكر أَن يكون فِي الرُّءُوس فخلى سَبيله ثمَّ عاجلهم عبد الله بن عَليّ بِالْحَرْبِ وعَلى ميمنته أَبُو عون وعَلى مسيرَة مَرْوَان الْوَلِيد بن مُعَاوِيَة فَأرْسل إِلَيْهِ مَرْوَان فِي الْمُوَادَعَة فَأبى وَحمل الْوَلِيد بن مُعَاوِيَة وَهُوَ صهر مَرْوَان على ابْنَته فقاتل أَبَا عون حَتَّى انهزم إِلَى عبد الله بن عَليّ فَأمر النَّاس عبد الله بن عَليّ فترجلوا وَمَشى قدماً يُنَادي يالثارات إِبْرَاهِيم وبالشعار يَا مُحَمَّد يَا مَنْصُور وَأمر مَرْوَان الْقَبَائِل أَن يحملوا فتخاذلوا وَاعْتَذَرُوا حَتَّى صَاحب شرطته ثمَّ ظهر لَهُ الْخلَل فأباح الْأَمْوَال للنَّاس على أَن يقاتلوا فَأخذُوا من غير قتال فَبعث ابْنه عبد الله يصدهم عَن ذَلِك فَتَنَادَوْا بالفرار فَانْهَزَمُوا فَقتل مِنْهُم خلق كثير وَقطع مَرْوَان الجسر فغرق مِنْهُم أَكثر مِمَّن قتل
стр. 1403
قَالَ الكاتي فِي تَارِيخه قيل كَانَ سَبَب هزيمته أَنه نزل عَن فرسه فِي الْحَرْب ليزيل حقنه فهرب الْفرس إِلَى وسط الْعَسْكَر فتوهموا أَنه قتل فَقيل ذهبت الدولة بالبولة وَكَانَت الْهَزِيمَة يَوْم السبت لإحدى عشرَة لَيْلَة خلت من جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَمضى مَرْوَان فِي هزيمته وَنظر إِلَى أَصْحَابه مَعَ كَثْرَة عَددهم وَقُوَّة عُددهم ولِمَا قد ظَهَرَ فيهم من الفشل وَمَا حل بهم من الْجزع والوجل فَقَالَ إِذا انْقَضتْ الْمدَّة لم تَنْفَع الْعدة فَأَقَامَ عبد الله بن عَليّ فِي عسكره سَبْعَة أَيَّام واجتاز عَسْكَر مَرْوَان بِمَا فِيهِ وَكتب بِالْفَتْح إِلَى ابْن أَخِيه عبد الله السفاح وَسَار مَرْوَان مُنْهَزِمًا إِلَى مَدِينَة الْموصل وَعَلَيْهَا هِشَام بن عَمْرو التغلبي وَبشر بن خُزَيْمَة الْأَسدي فقطعا الجسر ومنعاه العبور إِلَيْهِم وَقيل لَهُم هَذَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فتجاهلوا وَقَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا يفرُّ ثمَّ أسمعوه الشتم والقبائح فَسَار إِلَى حران وَبهَا أبان ابْن أَخِيه يزِيد بن مُحَمَّد فَأَقَامَ بهَا نَحوا من عشْرين لَيْلَة وَسَار عبد الله بن عَليّ الْمَذْكُور على أَثَره إِلَى الْموصل فملكها وعزل هشاماً التغلبيَ وَولى مَكَانَهُ مُحَمَّد بن صول ثمَّ سَار فِي أَتبَاع مَرْوَان إِلَى حران فَخرج مِنْهَا مَرْوَان وَترك عَلَيْهَا أبان ابْن أَخِيه وَسَار إِلَى حمص وَجَاء عبد الله إِلَى حران فَلَقِيَهُ أبان مُفردا فأَمنه وَملك الجزيرة وَلما بلغ مَرْوَان حمص أَقَامَ بهَا ثَلَاثًا وارتحل فَاتبعهُ أَهلهَا لينبهوه فَقَاتلهُمْ وَهَزَمَهُمْ وأثخن فيهم وَسَار إِلَى دمشق وَعَلَيْهَا الْوَلِيد ابْن عَمه فَأَوْصَاهُ بِقِتَال عُرْوَة وَسَار إِلَى فلسطين فَنزل نهر أبي فطرس وَقد غلب على فلسطين الحكم بن ضبعان الجذامي فَأرْسل مَرْوَان إِلَيْهِ عبد الله بن يزِيد بن روح بن زنباع الجذامي فأجاره ثمَّ سَار عبد الله بن عَليّ فِي أَثَره من حران بعد أم هدم الدَّار الني حبس فِيهَا مَرْوَان أَخَاهُ إِبْرَاهِيم الإِمَام وَقدم عَلَيْهِ أَخُوهُ عبد الصَّمد بن على بَعثه السفاح مدَدا فِي أَرْبَعَة آلَاف فَسَار إِلَى قنسرين فأطاعوه ثمَّ إِلَى حمص كَذَلِك ثمَّ إِلَى بعلبك ثمَّ لما نزل مزة دمشق من قرى الفوطة قدم عَلَيْهِ أَخُوهُ صَالح بن عَليّ بَعثه السفاح مدَدا فِي ثَمَانِيَة آلَاف وَأقَام عبد الله بن عَليّ خمس عشرَة لَيْلَة وارتحل يُرِيد
стр. 1404
فلسطين فأجفل مَرْوَان إِلَى النّيل ثمَّ إِلَى الصَّعِيد وَنزل صَالح بن عَليّ الْفسْطَاط يَعْنِي مصر فتقدمت عساكره فَلَقوا خيلا لمروان فهزموهم وأسروا مِنْهُم ودلوهم على مَكَانَهُ بيوصر ذكر الْعَلامَة الدَّمِيرِيّ فِي حَيَاة الْحَيَوَان أَن مَرْوَان لما أَن وصل إِلَى أَبُو صير وَهِي قَرْيَة عِنْد الفيوم قَالَ مَا اسْم هَذِه الْقرْيَة قيل لَهُ أَبُو صير فَقَالَ وَإِلَى الله الْمصير ثمَّ دخل كَنِيسَة فَبَلغهُ أَن خَادِمًا نم عَلَيْهِ فَأمر بِهِ فَقطع رَأسه وسل لِسَانه وَألقى على الأَرْض فَجَاءَت هرة فأكلته ثمَّ سَار إِلَيْهِ أَبُو عون وعامر بن إِسْمَاعِيل الْمذْحِجِي فأدركوه ببوصير ثمَّ هجم على الْكَنِيسَة الَّتِي كَانَ نازلا بهَا عَامر بن إِسْمَاعِيل الْمذْحِجِي فَخرج مَرْوَان من بَاب الْكَنِيسَة وَفِي يَده السَّيْف وَقد أحاطت بِهِ الْجنُود وصفت حوله الْخُيُول فتمثل بِبَيْت العجاج بن حَكِيم السّلمِيّ من // (الْكَامِل) //
(مُتَقَلِّدِينَ صَفَائِحًا هِنْدِيّةً ... تَتْرُكْنَ منْ ضَرَبُوا كأَنْ لَمْ يُولَدِ)
ثمَّ قَاتل حَتَّى قتل فَأمر عَامر برَأْسه فَقطع فِي ذَلِك الْمَكَان وسل لِسَانه وَألقى على الأَرْض فَجَاءَت تِلْكَ الْهِرَّة بِعَينهَا فخطفته وأكلته فَقَالَ عَامر لَو لم يكن فِي الدُّنْيَا عجب إِلَّا هَذَا لَكَانَ كَافِيا لِسَان مَرْوَان فِي فَمِ هرةٍ وَفِي ذَلِك يَقُول شَاعِرهمْ من // (الْبَسِيط) //
(قَدْ يَسَّرَ اللَّهُ مِصْرًا عَنْوَةً لكُمُ ... وأهْلَكَ الظَّالِمَ الجَبَّارَ إِذْ ظَلَماَ)
(فَلَاكَ مِقْوَلَهُ هِرُّ يُجَرْجِرُهُ ... وَكَانَ عَامِرُ مِنْ ذِي الظُّلْمِ منْتَقِمَا)
وَبعث عون بِالرَّأْسِ إِلَى صَالح بن عَليّ فَبعث بِهِ صَالح إِلَى السفاح وَوجد عَامر بن إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور نسَاء مَرْوَان وَبنَاته فِي كَنِيسَة بوصير وَقد وكل بِهن خَادِمًا يقتلهن بعده فَبعث بِهن إِلَى صَالح وَلما دخلن عَلَيْهِ سألنه فِي الْإِبْقَاء عَلَيْهِنَّ على قتلاهم عِنْد بني أُميَّة ثمَّ عَفا عَنْهُن وحملهن إِلَى حران يبكينَ وَدخل عَامر بعد قتل مَرْوَان الكنسية فَجَلَسَ على فرش مَرْوَان وَكَانَ مَرْوَان يتعشَّى فَلَمَّا سمع الوجبة وثب عَن عشائه فَخرج فَقتل فَجَلَسَ عَامر على ذَلِك الطَّعَام وَجعل يَأْكُل مِنْهُ ودعا بابنة لمروان وَكَانَت أسن بَنَاته فَقَالَت يَا عَامر إِن دهراً أنزل مَرْوَان عَن
стр. 1405
فرشه وأقعدك عَلَيْهِ حَتَّى تعشيت بعشائه واستصحبت بمصباحه ونادمت ابْنَته لقد أبلغ فِي موعظتك وأجمل فِي إيقاظك فاستحيا عَامر وصرفها قَالَ ابْن زنبل فِي تَارِيخه قتل مَعَ مَرْوَان ابْنه عبيد الله وهرب ابْنه الآخر عبد الله حَتَّى انتهَى إِلَى ملك النّوبَة فَلَمَّا وصل إِلَيْهَا وصل إِلَيْهِ ملك الْبِلَاد وَمَا رَضِي بِالْجُلُوسِ فَوق الْفرش بل جلس فَوق التُّرَاب فَقَالَ للترجمان قل للْملك لم فعلت ذَلِك فَقَالَ لَهُ إِنِّي ملك وَحقّ على كل ملك أَن يكون متواضعاً لِعَظَمَة الله تَعَالَى ثمَّ أقبل ينْكث فِي الأْرض بإصبعه ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ لَهُ كَيفَ سُلبتم نعْمَة الْملك وَأَنْتُم أقرب النَّاس إِلَى نَبِيكُم فَقَالَ جَاءَ من هُوَ أقربُ منا إِلَيْهِ وقتلنا وطردنا وجئتُ أَنا مستجيراً إِلَيْك ثمَّ قَالَ كَيفَ كُنْتُم تشربون الْخمر وَهِي مُحرمَة عَلَيْكُم فِي كتابكُمْ فَقَالَ فعله عبيدنا وأتباعنا من الْعَجم وَغَيرهم لما دخلُوا فِي ملكنا من غير علمنَا ثمَّ قَالَ فَلم كُنْتُم تَرْكَبُونَ على دوابكم بِآلَة الذهَبِ والفضةِ والديباج وَهُوَ محرم عَلَيْكُم فَقَالَ لَهُ مثل الأول ثمَّ قَالَ فَلم كُنْتُم إِذا خَرجْتُمْ لصيد طَائِر لَا خَطَرَ لَهُ هجمتم فِي أهل الْقرى وكلفتموهم الضِّيَافَة وَمَا لَا قدرَة لَهُم عَلَيْهِ وأفسدتم مَزَارِعهمْ بدوابكم وَالْفساد محرم فِي دينكُمْ فَتعذر بِمثل الأول وَقَالَ كرهنا مخالفتهم لِأَن مماليكنا تمكنوا فِي الْبِلَاد فهز رَأسه وَقَالَ لَا وَالله وَلَكِنَّكُمْ استحللتم مَا حرم عَلَيْكُم وارتكبتم مَا نهاكم عَنهُ وأحببتم الْفساد وَالظُّلم وكرهتم الْعدْل فسلبكم الله تَعَالَى العِز وألبسكم الذل والنقمة إِذا نزلت عَمت والبلية إِذا حلت شملت وَإِن الله فِيكُم نقمة لن تبلغ غايتها فَاخْرُج من بلدي وَإِلَّا قتلتك وَمن مَعَك قَالَ فَخرج من بِلَاده ملوماً مَدْحُورًا قَالَ ابْن خلدون بَقِي عبد الله بن مَرْوَان الْمَذْكُور إِلَى أَيَّام الْمهْدي العباسي فَأَخذه عَامل فلسطين وسجنه إِلَى أَن مَاتَ فِي السجْن وَكَانَ مَرْوَان بطلا شجاعَاً مهيباً كَانُوا يعدونه فِي مُقَابلَة ألف مقَاتل أَبيض اللَّوْن ربعَة أشهل الْعين ضخماً كث اللِّحْيَة كَانَ حاكمَاً سائساً لقب بالجعدي قَالَ الْعَلامَة السُّيُوطِيّ فِي تَارِيخه نِسْبَة إِلَى مؤدبه الْجَعْد بن دِرْهَم لتمسكه بمذهبه كَانَ يَقُول بِخلق الْقُرْآن ويتزندق أَمر هِشَام بن عبد الْملك خَالِدا الْقَسرِي بقتْله لذَلِك فَقتله ويلقب مَرْوَان
следующие страницы →