← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

السفاح عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس وَكَانَ إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور بالقرية الْمَعْرُوفَة بالكرار والحميمة والكتب من أبي مُسلم تصل ليه بِمَا اتّفق من الفتوحات وَكَانَ قلبه نصر بن سيار عَاملا على خرسان لمروان فحاصره مُسلم حَتَّى خرج متخفيَاً فَكتب نصر إِلَى مَرْوَان يستنجده بِهَذِهِ الأبيات يَقُول // (من الوافر) // (أَرى خَلَلَ الرمادِ وميضَ نَارٍ ... وَيوشِكُ أَنْ يكُونَ لَهَا ضِرَامُ) (فإِنَّ النارَ بالعيدان تُذْكى ... وإنَّ الحَربَ أوَّلها كَلَامُ) (فَإنْ لم تُطفِئوها تُخْرِجُوهَا ... مُسَجَّرَةً يشيبُ لَهَا الغُلَامُ) (أقولُ من التعجُّبِ ليْت شعري ... أأيقاظٌ أُمَيَّةُ أَم نِيَامُ) (فَإنْ يكُ قَومنَا أضحَوْا نياماً ... فقلْ قُومُوا فَقَدْ حَانَ القيامُ) (تعَزي عَنْ رجالِكِ ثُمَّ قوليِ ... عَلَى الإسلامِ والعَرَبِ السلامُ) فَوَجَدَهُ الرَّسُول مَشْغُولًا بِحَرب الضَحاك بن قيس فَكتب إِلَيْهِ الْجَواب الشَّاهِد يرى مَا لَا يرى الْغَائِب فاحسم الثؤلول قَلْبك فقَال نصر لأَصْحَابه أما إِن صَاحبكُم قد أعلمكُم أَن لَا نصر عِنْده وصادف وُصُول كتاب نصر إِلَى مَرْوَان عثور مَرْوَان على كتاب إِبْرَاهِيم الإِمَام ابْن مُحَمَّد لأبي مُسلم يوبخه حَيْثُ لم ينتهز الفرصة من نصر إِذْ أمكنته وَلَا يطاوله فِي المحاصرة ويأمره أَلا يدع بخراسان متكلماً بِالْعَرَبِيَّةِ فَلَمَّا قَرَأَ مَرْوَان الْكتاب بعث إِلَى الْوَلِيد بن مُعَاوِيَة بن عبد الْملك وَهُوَ يَوْمئِذٍ عَامله على دمشق يَأْمُرهُ أَن يكْتب إِلَى عَامل البلقاء أَن يسير إِلَى الحميمة للقبض على إِبْرَاهِيم الإِمَام فَقَبضهُ عَامل البلقاء وشده وثاقَاً وَكَانَ الْقَبْض عَلَيْهِ فِي مَسْجِد الحميمة وَأرْسل بِهِ إِلَى الْوَلِيد وَأرْسل بِهِ إِلَى الْوَلِيد أرسل بِهِ الْوَلِيد إِلَى مَرْوَان فحسبه بحران ثمَّ قَتله وَكَانَ إِبْرَاهِيم قد عهد بِالْوَصِيَّةِ إِلَى أَخِيه عبد الله بن مُحَمَّد الملقب بالسفاح ابْن الحارثية أرسل إِلَيْهِ بالجامعة وَأمره أَن يسير على مَا ذكر فِيهَا فَإِن الْأَمر صائر إِلَيْهِ وَإِن بني الْعَبَّاس موطدة لَا محَالة فَلَمَّا اشْتهر قتل إِبْرَاهِيم الإِمَام بَايع

стр. 1402

أَبُو مُسلم وَغَيره من الدعاة أَبَا الْعَبَّاس عبد الله السفاح ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله ابْن عَبَّاس فَبَثَّ دَعوته فِي سَائِر الْأَمْصَار وَأظْهر لبس السوَاد وسير أَبَا عون عبد الْملك بن يزِيد الْأَزْدِيّ إِلَى شهر زور فَقتل عُثْمَان بن سُفْيَان وَأقَام بِنَاحِيَة الْموصل وَسَار مَرْوَان بن مُحَمَّد إِلَيْهِ من حران فِي مائَة وَعشْرين ألف قارح وَنزل بالزاب اسْم نهر قرب الْموصل وَبعث السفاح سَلمَة بن مُحَمَّد فِي أَلفَيْنِ وَعبد الله الطَّائِي فِي ألف وَخَمْسمِائة وَعبد الحميد بن ربعي الطَّائِي فِي أَلفَيْنِ وَوَرس بن نَضْلَة فِي خَمْسمِائَة كل ذَلِك إمداد لأبي عون ثمَّ ندب أهل بَيته إِلَى السّير إِلَى أبي عون فَأرْسل عبد الله بن عَليّ بن عبد الله ابْن عَبَّاس فَسَار وَقدم إِلَى أبي عون فتحول لَهُ عَن سرادقه بِمَا فِيهِ ثمَّ أَمر عَنْبَسَة ابْن مُوسَى فِي خَمْسَة آلَاف فَعبر النَّهر من الزاب فِي أول جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَقَاتل عَسَاكِر مَرْوَان إِلَى الْمسَاء فَرجع فعقد مَرْوَان الجسر من الْغَد وَقدم ابْنه عبد الله فَعبر فَبعث عبد الله بن عَليّ عَم السفاح الْمَذْكُور الْمخَارِق ابْن غفار فِي أَرْبَعَة آلَاف نَحْو عبد الله بن مَرْوَان فسرح ابْن مَرْوَان الْوَلِيد بن مُعَاوِيَة ابْن مَرْوَان بن الحكم فَانْهَزَمَ أَصْحَاب الْمخَارِق وَأسر هُوَ وَجِيء بِهِ إِلَى مَرْوَان مَعَ رُءُوس الْقَتْلَى فَقَالَ لَهُ أَنْت الْمخَارِق قَالَ لَا قَالَ فتعرفه فِي هَذِه الرُّءُوس قَالَ نعم هُوَ ذَا فخلى سَبيله وَقيل بل أنكر أَن يكون فِي الرُّءُوس فخلى سَبيله ثمَّ عاجلهم عبد الله بن عَليّ بِالْحَرْبِ وعَلى ميمنته أَبُو عون وعَلى مسيرَة مَرْوَان الْوَلِيد بن مُعَاوِيَة فَأرْسل إِلَيْهِ مَرْوَان فِي الْمُوَادَعَة فَأبى وَحمل الْوَلِيد بن مُعَاوِيَة وَهُوَ صهر مَرْوَان على ابْنَته فقاتل أَبَا عون حَتَّى انهزم إِلَى عبد الله بن عَليّ فَأمر النَّاس عبد الله بن عَليّ فترجلوا وَمَشى قدماً يُنَادي يالثارات إِبْرَاهِيم وبالشعار يَا مُحَمَّد يَا مَنْصُور وَأمر مَرْوَان الْقَبَائِل أَن يحملوا فتخاذلوا وَاعْتَذَرُوا حَتَّى صَاحب شرطته ثمَّ ظهر لَهُ الْخلَل فأباح الْأَمْوَال للنَّاس على أَن يقاتلوا فَأخذُوا من غير قتال فَبعث ابْنه عبد الله يصدهم عَن ذَلِك فَتَنَادَوْا بالفرار فَانْهَزَمُوا فَقتل مِنْهُم خلق كثير وَقطع مَرْوَان الجسر فغرق مِنْهُم أَكثر مِمَّن قتل

стр. 1403

قَالَ الكاتي فِي تَارِيخه قيل كَانَ سَبَب هزيمته أَنه نزل عَن فرسه فِي الْحَرْب ليزيل حقنه فهرب الْفرس إِلَى وسط الْعَسْكَر فتوهموا أَنه قتل فَقيل ذهبت الدولة بالبولة وَكَانَت الْهَزِيمَة يَوْم السبت لإحدى عشرَة لَيْلَة خلت من جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَمضى مَرْوَان فِي هزيمته وَنظر إِلَى أَصْحَابه مَعَ كَثْرَة عَددهم وَقُوَّة عُددهم ولِمَا قد ظَهَرَ فيهم من الفشل وَمَا حل بهم من الْجزع والوجل فَقَالَ إِذا انْقَضتْ الْمدَّة لم تَنْفَع الْعدة فَأَقَامَ عبد الله بن عَليّ فِي عسكره سَبْعَة أَيَّام واجتاز عَسْكَر مَرْوَان بِمَا فِيهِ وَكتب بِالْفَتْح إِلَى ابْن أَخِيه عبد الله السفاح وَسَار مَرْوَان مُنْهَزِمًا إِلَى مَدِينَة الْموصل وَعَلَيْهَا هِشَام بن عَمْرو التغلبي وَبشر بن خُزَيْمَة الْأَسدي فقطعا الجسر ومنعاه العبور إِلَيْهِم وَقيل لَهُم هَذَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فتجاهلوا وَقَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا يفرُّ ثمَّ أسمعوه الشتم والقبائح فَسَار إِلَى حران وَبهَا أبان ابْن أَخِيه يزِيد بن مُحَمَّد فَأَقَامَ بهَا نَحوا من عشْرين لَيْلَة وَسَار عبد الله بن عَليّ الْمَذْكُور على أَثَره إِلَى الْموصل فملكها وعزل هشاماً التغلبيَ وَولى مَكَانَهُ مُحَمَّد بن صول ثمَّ سَار فِي أَتبَاع مَرْوَان إِلَى حران فَخرج مِنْهَا مَرْوَان وَترك عَلَيْهَا أبان ابْن أَخِيه وَسَار إِلَى حمص وَجَاء عبد الله إِلَى حران فَلَقِيَهُ أبان مُفردا فأَمنه وَملك الجزيرة وَلما بلغ مَرْوَان حمص أَقَامَ بهَا ثَلَاثًا وارتحل فَاتبعهُ أَهلهَا لينبهوه فَقَاتلهُمْ وَهَزَمَهُمْ وأثخن فيهم وَسَار إِلَى دمشق وَعَلَيْهَا الْوَلِيد ابْن عَمه فَأَوْصَاهُ بِقِتَال عُرْوَة وَسَار إِلَى فلسطين فَنزل نهر أبي فطرس وَقد غلب على فلسطين الحكم بن ضبعان الجذامي فَأرْسل مَرْوَان إِلَيْهِ عبد الله بن يزِيد بن روح بن زنباع الجذامي فأجاره ثمَّ سَار عبد الله بن عَليّ فِي أَثَره من حران بعد أم هدم الدَّار الني حبس فِيهَا مَرْوَان أَخَاهُ إِبْرَاهِيم الإِمَام وَقدم عَلَيْهِ أَخُوهُ عبد الصَّمد بن على بَعثه السفاح مدَدا فِي أَرْبَعَة آلَاف فَسَار إِلَى قنسرين فأطاعوه ثمَّ إِلَى حمص كَذَلِك ثمَّ إِلَى بعلبك ثمَّ لما نزل مزة دمشق من قرى الفوطة قدم عَلَيْهِ أَخُوهُ صَالح بن عَليّ بَعثه السفاح مدَدا فِي ثَمَانِيَة آلَاف وَأقَام عبد الله بن عَليّ خمس عشرَة لَيْلَة وارتحل يُرِيد

стр. 1404

فلسطين فأجفل مَرْوَان إِلَى النّيل ثمَّ إِلَى الصَّعِيد وَنزل صَالح بن عَليّ الْفسْطَاط يَعْنِي مصر فتقدمت عساكره فَلَقوا خيلا لمروان فهزموهم وأسروا مِنْهُم ودلوهم على مَكَانَهُ بيوصر ذكر الْعَلامَة الدَّمِيرِيّ فِي حَيَاة الْحَيَوَان أَن مَرْوَان لما أَن وصل إِلَى أَبُو صير وَهِي قَرْيَة عِنْد الفيوم قَالَ مَا اسْم هَذِه الْقرْيَة قيل لَهُ أَبُو صير فَقَالَ وَإِلَى الله الْمصير ثمَّ دخل كَنِيسَة فَبَلغهُ أَن خَادِمًا نم عَلَيْهِ فَأمر بِهِ فَقطع رَأسه وسل لِسَانه وَألقى على الأَرْض فَجَاءَت هرة فأكلته ثمَّ سَار إِلَيْهِ أَبُو عون وعامر بن إِسْمَاعِيل الْمذْحِجِي فأدركوه ببوصير ثمَّ هجم على الْكَنِيسَة الَّتِي كَانَ نازلا بهَا عَامر بن إِسْمَاعِيل الْمذْحِجِي فَخرج مَرْوَان من بَاب الْكَنِيسَة وَفِي يَده السَّيْف وَقد أحاطت بِهِ الْجنُود وصفت حوله الْخُيُول فتمثل بِبَيْت العجاج بن حَكِيم السّلمِيّ من // (الْكَامِل) // (مُتَقَلِّدِينَ صَفَائِحًا هِنْدِيّةً ... تَتْرُكْنَ منْ ضَرَبُوا كأَنْ لَمْ يُولَدِ) ثمَّ قَاتل حَتَّى قتل فَأمر عَامر برَأْسه فَقطع فِي ذَلِك الْمَكَان وسل لِسَانه وَألقى على الأَرْض فَجَاءَت تِلْكَ الْهِرَّة بِعَينهَا فخطفته وأكلته فَقَالَ عَامر لَو لم يكن فِي الدُّنْيَا عجب إِلَّا هَذَا لَكَانَ كَافِيا لِسَان مَرْوَان فِي فَمِ هرةٍ وَفِي ذَلِك يَقُول شَاعِرهمْ من // (الْبَسِيط) // (قَدْ يَسَّرَ اللَّهُ مِصْرًا عَنْوَةً لكُمُ ... وأهْلَكَ الظَّالِمَ الجَبَّارَ إِذْ ظَلَماَ) (فَلَاكَ مِقْوَلَهُ هِرُّ يُجَرْجِرُهُ ... وَكَانَ عَامِرُ مِنْ ذِي الظُّلْمِ منْتَقِمَا) وَبعث عون بِالرَّأْسِ إِلَى صَالح بن عَليّ فَبعث بِهِ صَالح إِلَى السفاح وَوجد عَامر بن إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور نسَاء مَرْوَان وَبنَاته فِي كَنِيسَة بوصير وَقد وكل بِهن خَادِمًا يقتلهن بعده فَبعث بِهن إِلَى صَالح وَلما دخلن عَلَيْهِ سألنه فِي الْإِبْقَاء عَلَيْهِنَّ على قتلاهم عِنْد بني أُميَّة ثمَّ عَفا عَنْهُن وحملهن إِلَى حران يبكينَ وَدخل عَامر بعد قتل مَرْوَان الكنسية فَجَلَسَ على فرش مَرْوَان وَكَانَ مَرْوَان يتعشَّى فَلَمَّا سمع الوجبة وثب عَن عشائه فَخرج فَقتل فَجَلَسَ عَامر على ذَلِك الطَّعَام وَجعل يَأْكُل مِنْهُ ودعا بابنة لمروان وَكَانَت أسن بَنَاته فَقَالَت يَا عَامر إِن دهراً أنزل مَرْوَان عَن

стр. 1405

فرشه وأقعدك عَلَيْهِ حَتَّى تعشيت بعشائه واستصحبت بمصباحه ونادمت ابْنَته لقد أبلغ فِي موعظتك وأجمل فِي إيقاظك فاستحيا عَامر وصرفها قَالَ ابْن زنبل فِي تَارِيخه قتل مَعَ مَرْوَان ابْنه عبيد الله وهرب ابْنه الآخر عبد الله حَتَّى انتهَى إِلَى ملك النّوبَة فَلَمَّا وصل إِلَيْهَا وصل إِلَيْهِ ملك الْبِلَاد وَمَا رَضِي بِالْجُلُوسِ فَوق الْفرش بل جلس فَوق التُّرَاب فَقَالَ للترجمان قل للْملك لم فعلت ذَلِك فَقَالَ لَهُ إِنِّي ملك وَحقّ على كل ملك أَن يكون متواضعاً لِعَظَمَة الله تَعَالَى ثمَّ أقبل ينْكث فِي الأْرض بإصبعه ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ لَهُ كَيفَ سُلبتم نعْمَة الْملك وَأَنْتُم أقرب النَّاس إِلَى نَبِيكُم فَقَالَ جَاءَ من هُوَ أقربُ منا إِلَيْهِ وقتلنا وطردنا وجئتُ أَنا مستجيراً إِلَيْك ثمَّ قَالَ كَيفَ كُنْتُم تشربون الْخمر وَهِي مُحرمَة عَلَيْكُم فِي كتابكُمْ فَقَالَ فعله عبيدنا وأتباعنا من الْعَجم وَغَيرهم لما دخلُوا فِي ملكنا من غير علمنَا ثمَّ قَالَ فَلم كُنْتُم تَرْكَبُونَ على دوابكم بِآلَة الذهَبِ والفضةِ والديباج وَهُوَ محرم عَلَيْكُم فَقَالَ لَهُ مثل الأول ثمَّ قَالَ فَلم كُنْتُم إِذا خَرجْتُمْ لصيد طَائِر لَا خَطَرَ لَهُ هجمتم فِي أهل الْقرى وكلفتموهم الضِّيَافَة وَمَا لَا قدرَة لَهُم عَلَيْهِ وأفسدتم مَزَارِعهمْ بدوابكم وَالْفساد محرم فِي دينكُمْ فَتعذر بِمثل الأول وَقَالَ كرهنا مخالفتهم لِأَن مماليكنا تمكنوا فِي الْبِلَاد فهز رَأسه وَقَالَ لَا وَالله وَلَكِنَّكُمْ استحللتم مَا حرم عَلَيْكُم وارتكبتم مَا نهاكم عَنهُ وأحببتم الْفساد وَالظُّلم وكرهتم الْعدْل فسلبكم الله تَعَالَى العِز وألبسكم الذل والنقمة إِذا نزلت عَمت والبلية إِذا حلت شملت وَإِن الله فِيكُم نقمة لن تبلغ غايتها فَاخْرُج من بلدي وَإِلَّا قتلتك وَمن مَعَك قَالَ فَخرج من بِلَاده ملوماً مَدْحُورًا قَالَ ابْن خلدون بَقِي عبد الله بن مَرْوَان الْمَذْكُور إِلَى أَيَّام الْمهْدي العباسي فَأَخذه عَامل فلسطين وسجنه إِلَى أَن مَاتَ فِي السجْن وَكَانَ مَرْوَان بطلا شجاعَاً مهيباً كَانُوا يعدونه فِي مُقَابلَة ألف مقَاتل أَبيض اللَّوْن ربعَة أشهل الْعين ضخماً كث اللِّحْيَة كَانَ حاكمَاً سائساً لقب بالجعدي قَالَ الْعَلامَة السُّيُوطِيّ فِي تَارِيخه نِسْبَة إِلَى مؤدبه الْجَعْد بن دِرْهَم لتمسكه بمذهبه كَانَ يَقُول بِخلق الْقُرْآن ويتزندق أَمر هِشَام بن عبد الْملك خَالِدا الْقَسرِي بقتْله لذَلِك فَقتله ويلقب مَرْوَان

стр. 1406

بالحمار أَيْضا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يجِف لَهُ لبد فِي محاربة الخارجين عَلَيْهِ كَانَ يصل السّري بالسري ويصبر على مكاره الْحَرْب وَيُقَال فِي الْمثل فلَان أَصْبِر من حمَار أَو لِأَن الْعَرَب تُسَمى كل مائَة سنة حمارا فَلَمَّا قَارب ملك بني أُميَّة فِي زَمَنه مائَة سنة لقبوه بالحمار قَالَ مَرْوَان وَا لهفتاه على دولة مَا نصرت وكف مَا ظَفرت ونعمة مَا شكرت فَقَالَ لَهُ خادمه وَكَانَ من أَوْلَاد عُظَمَاء النَّصَارَى من أهمل الصَّغِير حَتَّى يكبر والقليل حَتَّى يكثر والخفي حَتَّى يظْهر أَصَابَهُ مثل هَذَا مُدَّة خِلَافَته خمس سِنِين وَعشرَة أشهر وعمره خَمْسُونَ سنة وَقيل سبع وَخَمْسُونَ وَقيل ثَمَان وَقيل سِتُّونَ وَفِي روض الْأَخْبَار ذهبنت الدولة من بني أُميَّة فِي عهد ثَلَاثَة من الرِّجَال مَرْوَان ابْن مُحَمَّد وَصَاحب عسكره يزِيد بن عمر بن هُبَيْرَة وَكَانَ خَطِيبًا شجاعاً يضْرب بشجاعته الْمثل ووزيره وكاتبه عبد الحميد وَكَانَ يُقَال بدئت الْكِتَابَة بِعَبْد الحميد وختمت بِابْن العميد قَالَ المطرزي فِي شَرحه على المقامات الحريرية كَانَ لمروان عبد الحميد كَاتبا والبعلبكي مُؤذنًا وسلامة الْحَادِي حاديَاً فأحضروا إِلَى السفاح بعد قتل مَرْوَان فَقَالَ سَلامَة الْحَادِي استبقني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي أحسن الحداء قَالَ وَمَا بلغ من حدائك قَالَ تعمد إِلَى إبل ظمئت ثَلَاثًا ثمَّ توردها فَإِذا بدأت تشرب رفعت صوتي بالحداء فَترفع رءوسها وَتَدَع الشّرْب ثمَّ لَا تشرب حَتَّى أسكت فَأمر بِإِبِل ظماء فَقرب مِنْهَا المَاء ثمَّ حدا فَرفعت رءوسها فَلم تزل رَافِعَة حَتَّى سكت من حدائه فاستبقاه وَأَجَازَهُ ثمَّ قَالَ البعلبكي إِنِّي مُؤذن مُنْقَطع النظير قَالَ وَمَا بلغ من أذانك فَقَالَ تَأمر جَارِيَة فَتقدم لَك طستاً وَتَأْخُذ إبريقاً بِيَدِهَا وأشرع فِي الْأَذَان فتدهش وَيذْهب عقلهَا حتّى تلقَي الإبريق من يَدهَا وَهِي لَا تعلم فَأمر بذلك فَوَجَدَهُ صَحِيحا فاستبقاه وَأَجَازَهُ وَقَالَ عبد الحميد استبقني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي فريد الدَّهْر غي الْكِتَابَة والبلاغة فَقَالَ مَا اْعرفني بك فَأَنت الَّذِي فعلت بِنَا الأفاعيل وعملت بِنَا

стр. 1407

الدَّوَاهِي فَقطعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ وَضرب عُنُقه وَدخل سديف يَوْمًا على السفاح وَعِنْده سُلَيْمَان بن هِشَام وَقُدَامَة فَقَالَ من // (الْخَفِيف) // (لَا يَغُرّنْكَ مَا تَرَى مِنْ رجالٍ ... إنَّ تَحْتَ الضلوعِ دَاء دَوِيَّا) (فَضَعِ السيْفَ وارْفَعِ السَّوْطَ حتَّى ... لَا تَرَى فَوْقَ ظَهْرِها أُمَوِيَّا) فَأمر السفاح بِسُلَيْمَان فَقتل وَدخل شبْل بن عبد الله مولى بني هَاشم على السفاح وَعِنْده ثَمَانُون أَو تسعون نفسَاً من بني أُميَّة قد أَمنهم فهم على الكراسي فَأَنْشد من // (الْخَفِيف) // (أَصْبَحَ المُلْكُ ثابتَ الآساسِ ... بالبهاليلِ مِن بَني العَبَاسِ) (طَلَبُوا وتْرَ هاشمٍ فَشَفَوْهَا ... بعدَ مَيْلٍ مِنَ الزمَانِ وَبَاسِ) (لَا تُقِيلَنَّ عبد الشمْسٍ عثارٍ ا ... واقْطَعَنْ كلَّ رقْلَةٍ وغِرَاسِ) (أقْصِهِمْ أَيهَا الخليفَةُ واقْطَعْ ... عنكَ بالسَّيْفِ شَأْفَةَ الأَرْجَاسِ) (ذلُّهَا أَظْهَرَ التودُّدَ مِنْهَا ... وبهَا مِنْكُمُ كَحَرِّ المواسِي) ) (ولَقَدْ سَاءَنِي وسَاءَ سَوَائي ... قُرْبُهَا مِنْ مَنَابِرٍ وكراسِي) (أَنْزِلُوهَا بحَيثُ أَنْزَلَهَا اللهُ ... بدَارِ الهَوَانِ والإتْعَاسِ) (واذكُرُوا مَصْرَعَ الحُسَيْنِ وَزَيْدٍ ... وقَتِيلاً بجَانِبِ المِهْرَاسِ) (والقتيلَ الَّذِي بحرَّانَ أضْحَى ... ثَاوِيًا بَيْنَ غُرْبَةٍ وَتَنَاسِي) فَقَالَ السفاح أَنْتُم بَين يَدي على الْكُرْسِيّ وَدِمَاء أسلافي تقطر من أسيافكم فَأمر بهم فشدخوا بعمد الْحَدِيد وَبسط فَوْقهم الأنطاع فَأكل عَلَيْهَا الطَّعَام وأنينهم يسمع وَإِن الطَّعَام فِي صحون الْمَائِدَة ليختلج لاختلاجهم وَقَالَ وَالله مَا أكلت طَعَاما ألذ من طَعَامي هَذَا يَوْم بِيَوْم الْحُسَيْن وَلَا سَوَاء وَكَانَ كَبِير مِنْهُم جَالِسا إِلَى جَانب السفاح فَقَالَ لَهُ السفاح كَأَن هَذَا لم تطبْ بِهِ نَفسك فَقَالَ نعم وَالله قَالَ أفتحب اللحاق بهم قَالَ نعم وَإِنِّي إِلَى ذَلِك لمشتاق فَلَا خير فِي الْعَيْش بعدهمْ فَأمر بِهِ فسحب وشدخ كَمَا شدخوا وَقيل إِن الْقَائِل للشعر الثَّانِي هُوَ سديف صَاحب الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين لَا شبْل بن عبد الله ثمَّ تتبعوا بني أُميَّة بِالْقَتْلِ فَقتل سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس عَم السفاح

стр. 1408

بِالْبَصْرَةِ جمَاعَة مِنْهُم ورموا بأشلائهم فِي الطَّرِيق فَأَكَلتهَا الْكلاب ونبش عبد الله ابْن عَليّ عَم السفاح أَيْضا قُبُور الْخُلَفَاء مِنْهُم فَلم يَجدوا فِي الْقُبُور إِلَّا شبه الرماد وخيطاً فِي قبر مُعَاوِيَة وجمجمة فِي قبر عبد الْملك وَرُبمَا وجدوا فِيهَا بعض الْأَعْضَاء إِلَّا هِشَام بن عبد الْملك فَإِنَّهُ وجد كَمَا هُوَ لم يبل فَضَربهُ بالسياط ثمَّ صلبه وَحَرقه وذراه فِي الرّيح قَالَ ابْن خلدون كَذَا قيل وَالله أعلم بِصِحَّة ذَلِك واستقصوا فِي تتبعهم قتلا وَلم يفلت إِلَّا الرضعاء أَو مَنْ هرب إِلَى الأندلس مثل عبد الرَّحْمَن الملقب بالداخل لِأَنَّهُ أول من دخل إِلَى بِلَاد الْمغرب وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَغَيره مِمَّن تبعه من قرَابَته وَفِي ربيع الْأَبْرَار للزمخشري انقرضت دولة بني أُميَّة وَكَانُوا أَرْبَعَة عشر نَفرا مُعَاوِيَة يزِيد بن مُعَاوِيَة وَمُعَاوِيَة بن يزِيد الَّذِي يُقَال لَهُ مُعَاوِيَة الْأَصْغَر ﵁ مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة عبد الْملك بن مَرْوَان الْوَلِيد بن عبد الْملك سُلَيْمَان بن عبد الْملك عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة ﵁ وأرضاه يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان الْوَلِيد بن يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان الْفَاسِق ممزق الْمُصحف بِالسِّهَامِ ومقدم الْجَارِيَة تؤم النَّاس فِي صَلَاة الصُّبْح جنبَاً سكرى يزِيد ابْن الْوَلِيد بن عبد الْملك إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد أخي يزِيد الْمَذْكُور قبله يَلِيهِ مَرْوَان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان بن الحكم المنبوز بالحِمَارِ وَفِي أَكثر التواريخ ذكرُوا أَن مُدَّة ملكهم ألف شهر لِأَن الْحسن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا حِين تكلمُوا عَلَيْهِ فِي تَسْلِيم الْأَمر إِلَى مُعَاوِيَة قَالَ ﴿ليلةُ اَلقَدرِ خَير مِنْ ألفِ شهر﴾ الْقدر ٣ وَذَلِكَ ثَلَاث وَثَمَانُونَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر فَقَوْل الْحسن ﵁ كَانَ تَقْرِيبًا لَا تحديداً وَيُمكن أَن يكون تحديداً على بعض الْحساب نظرَاً إِلَى تمكنهم وانهزامهم وقتلهم من تدَاخل السنين والشهور وَهِي يسيرَة فَأَما على ظَاهر الْحساب أَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان بُويِعَ بعد وَفَاة عَليّ بن أبي طَالب فِي ثَانِي عشر ذِي الْحجَّة فِي سنة أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة وبويع عبد الله السفاح

стр. 1409

العباسي فِي ثَالِث عشر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة فَإِن أخرجنَا من هَذِه الْمدَّة مُدَّة ابْن الزبير تكون مُدَّة ملكهم إِلَى أَن مَاتَ مَرْوَان ثلاثَاً وَثَمَانِينَ سنة وشهرين وَثَلَاثَة وَعشْرين يَوْمًا لِأَن مُدَّة ابْن الزبير تسع سِنِين وَأشهر بُويِعَ سنة أَربع وَسِتِّينَ وَقيل ثَلَاث وَسبعين سنة وَإِن حسبتها من الْيَوْم الَّذِي صَالح فِيهِ الْحسن مُعَاوِيَة تكون بعد إِخْرَاج مُدَّة ابْن الزبير ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سنة وشهراً وَاحِدًا وَسِتَّة وَعشْرين يَوْمًا وَالله أعلم وَفِي سراج الْمُلُوك سُئِلَ بعض الْعلمَاء مَا الَّذِي أذهب ملك بني أُميَّة فَقَالَ تحاسد الْأَكفاء وَانْقِطَاع الْأَخْبَار وَذَلِكَ أَن يزِيد بن عمر بن هُبَيْرَة وَزِير مَرْوَان كَانَ يحب أَن يضَعَ نصر بن سيار أَمِير خُرَاسَان لمروان فَكَانَ لَا يمده بِالرِّجَالِ وَلَا يرفع إِلَى مَرْوَان مَا يرد من الْأَخْبَار وَسُئِلَ بعض بني أُميَّة عَن سَبَب زَوَال ملكهم فَقَالَ اسْتِعْمَال الصغار من الرِّجَال على الْكَبِير من الْأَعْمَال وَتَقْدِيم الأرذال والأنذال على أهل الدّين والكمال وَذَوي النجدة من الرِّجَال فآل أمرنَا إِلَى مَا آل وَقَالَ بَعضهم وَقد سُئِلَ عَن مثل ذَلِك فَقَالَ نوم الغدوات وَشرب العشيات والاجتراء بإعلان الْفُجُور وَترك النهيِ عَن الْمُنْكَرَات وَلَا شَيْء أضيع للْملك وَأهْلك للرعية من شدَّة الْحجاب وَعدم الْقبُول لقَوْل الْعُقَلَاء لأَنهم قَالُوا من تمّ سروره قصرت شهوره والحزم أَسد الآراء والغفلة أضرّ الْأَعْدَاء وَمن قعد عَن حِيلَة تَدْبِير الْملك أقامته شَدَائِد الْفِتَن وَمن نَام عَن عدوه نبهته المكائد والمحن وَمن أَعْجَبته آراؤه غلبته أعداؤه وَمن استضعف عدوه اغْترَّ وَمن اغْترَّ ظفر بِهِ عدوه وَمن طَالَتْ عداوته زَالَت سلطته وَمن كثر ظلمه واعتداؤه قرب هلكه وفناؤه وَرَأس الْحِكْمَة التودد إِلَى النَّاس قلت صدق فِيمَا بِهِ نطق فسبحان من لَا يَزُول ملكه وَلَا يتَحَوَّل سُلْطَانه وَرَأَيْت فِي تَارِيخ الْعَلامَة مَحْمُود بن عَليّ بن أَحْمد البهوتي الْمُسَمّى بتاريخ الخلائف مَا نَصه قد كَانَ لبني أُميَّة ألقاب تلقبوا بهَا فمعاوية بن أبي سُفْيَان يلقب بالتام لدين الله وَيزِيد يلقب بالمنتصر على أهل الزيغ وَمُعَاوِيَة بن يزِيد يلقب بالراجع إِلَى الله ومروان بن الحكم يلقب بالمؤتمن بِاللَّه وَعبد الْملك بن مَرْوَان

стр. 1410

بالموفق لأمر الله والوليد بن عبد الْملك بالمنتقِم لله وَسليمَان بن عبد الْملك بالداعِي إِلَى الله وَعمر بن عبد الْعَزِيز بالمعصومِ باللهِ وَيزِيد بن عبد الْملك بالقادر بصُنْع الله وَهِشَام بن عبد الْملك بالمنصور بِاللَّه والوليد بن يزِيد بالمكتفي بِاللَّه وَيزِيد بن الْوَلِيد بالشاكر لأنعم الله وَإِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد بالمعتز بِاللَّه ومروان بن مُحَمَّد بالقائم بِحَق الله وَعبد الله بن الزبير بالعائذ بِبَيْت الله فسبحان مغيِّر الدول ومفني الْأُمَم لَا رب غَيره سُبْحَانَهُ فَلَيْسَ العباسية أَبَا عذرتها فَليعلم ذَلِك

стр. 1411

(الْبَاب الثَّانِي) (فِي الدولة العباسية) اعْلَم أَن أَمر الْإِسْلَام لم يزل جَمِيعًا ودولته وَاحِدَة أَيَّام الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَبني أُميَّة من بعدهمْ لِاجْتِمَاع عصبية الْعَرَب

стр. 1412

ثمَّ ظهر من بعد ذَلِك أَمر الشِّيعَة وهم الدعاة لأهل الْبَيْت فَغلبَتْ دعاة بني الْعَبَّاس على الْإِمَامَة واستقلوا بخلافة الْملَّة وَلحق فل بني أُميَّة بالأندلس فَقَامَ بأمرهم فِيهَا عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل ابْن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك وَمن تبعه من مواليهم وَمن الْعَرَب فَلم يدخلُوا فِي دَعْوَة بني الْعَبَّاس وانقسمت لذَلِك دَعْوَة بني الْعَبَّاس وانقسمت بذلك دولة الْإِسْلَام بدولتين لافتراق عصبية الْعَرَب ثمَّ ظهر دعاة أهل الْبَيْت بالمغرب وَالْعراق من العلوية ونازعوا خلفاء بني الْعَبَّاس واستولوا على القاصية من النواحي كالأدارسة بالمغرب الْأَقْصَى والعبيديين بالقيروان ومصر والقرامطة بِالْبَحْرَيْنِ والداعي بطبرستان والديلم والأطروش فِيهَا وَمن بعده وانقسمت دولة الْإِسْلَام بذلك دولا مُتَفَرِّقَة (ذكر الشِّيعَة ومبادئ دولهم وَكَيف انساقت إِلَى العباسية من بعدهمْ إِلَى آخر دولهم) كَانَ مبدأ هَذِه الدولة أَعنِي دولة الشِّيعَة أَن أهل الْبَيْت لما توفّي رَسُول الله كَانُوا يرَوْنَ أَنهم أَحَق بِالْأَمر وَأَن الْخلَافَة لَهُم دون من سواهُم من قُرَيْش وَفِي الصَّحِيح أَن الْعَبَّاس قَالَ لعَلي فِي وجع رَسُول الله الَّذِي توفّي فِيهِ اذهَبْ بِنَا إِلَيْهِ نَسْأَلهُ فِي هَذَا الْأَمر فَإِن كَانَ فِينَا علمناه وَإِن كَانَ فِي غَيرنَا أوصى بِنَا فَقَالَ عَليّ إِن سألناه فمنعناها لَا يعطيناها النَّاس وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا عَن رَسُول الله قَالَ فِي مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِك عِنْده وَتَنَازَعُوا وَلم يتم الْكتاب وَفِي رِوَايَة قَالَ

стр. 1413

قومُوا عني وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول إِن الرزية كل الرزية مَا حَال بَين رَسُول الله وَبَين ذَلِك الْكتاب لاختلافهم ولغطهم حَتَّى قد ذهب كثير من الشِّيعَة إِلَى أَن النَّبِي أوصى فِي مَرضه ذَلِك لعَلي وَلم يَصح ذَلِك من وَجه يعول عَلَيْهِ وكما نقلوه عَن أهل الْآثَار أَن عمر قَالَ يَوْمًا لِابْنِ عَبَّاس إِن قومكم يَعْنِي قُريْشًا مَا أَرَادوا أَن يجمعوا لكم بَين النُّبُوَّة والخلافة فتتبجحوا عَلَيْهِم وَأَن ابْن عَبَّاس أنكر ذَلِك وَطلب من عمر إِذْنه فِي الْكَلَام فَتكلم بِمَا غضب لَهُ عمر وَظهر من محاورتهما أَنهم كَانُوا يعلمُونَ أَن فِي نفوس أهل الْبَيْت شَيْئا من أَمر الْخلَافَة والعدول عَنْهُم بهَا مِمَّا الله تَعَالَى أعلم بِصِحَّتِهِ وَعدمهَا (قصَّة الشورى) أَن جمَاعَة من الصَّحَابَة كَانُوا يتشيعون لعَلي ويرون اسْتِحْقَاقه على غَيره فَلَمَّا عدل بهَا إِلَى سواهُ أنفوا من ذَلِك وأسفوا لَهُ مثل الزبير وَسعد وعمار بن يَاسر والمقداد بن الْأسود وَغَيرهم إِلَّا أَن الْقَوْم لرسوخ قدمهم فِي الدّين وحرصهم على الألفة بَين الْمُسلمين لم يزِيدُوا فِي ذَلِك على النَّجْوَى بالتأفف والأسف ثمَّ لما فَشَا النكير على عُثْمَان والطعن فِي الْآفَاق كَانَ عبد الله بن سبأ وَيعرف بِابْن السَّوْدَاء من أَشد النَّاس خوضَاً فِي التَّشَيُّع لعَلي بِمَا لَا يرضاه من الطعْن على عُثْمَان وعَلى جمَاعَة فِي الْعُدُول إِلَيْهِ عَن عَليّ وَأَنه ولي بِغَيْر حق فَأخْرجهُ عبد الله بن عَامر عَامل عُثْمَان على الْبَصْرَة مِنْهَا إِلَى مصر فَاجْتمع إِلَيْهِ جمَاعَة من أَمْثَاله جنحوا إِلَى الغلو فِي ذَلِك وافتجار الْمذَاهب الْفَاسِدَة فِيهِ مثل خَالِد بن ملجم وسودان بن حمْرَان وكنانة بن بشر وَغَيرهم ثمَّ كَانَت بيعَة عَليّ ووقعة الْجمل وصفين وانحراف الْخَوَارِج عَلَيْهِ بِمَا أَنْكَرُوا من التَّحْكِيم فِي الدّين وتمحضت شيعته للاستماتة مَعَه فِي حَرْب مُعَاوِيَة ثمَّ لما قتل عَليّ وبويع ابْنه الْحسن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَخرج عَن الْأَمر لمعاوية سخط ذَلِك شيعَة عَليّ مِنْهُ وَأَقَامُوا يتناجون فِي السِّرّ اسْتِحْقَاق أهل الْبَيْت

стр. 1414

والميل إِلَيْهِم وسخطوا من الْحسن مَا كَانَ مِنْهُ من النُّزُول لمعاوية وَكَتَبُوا إِلَى الْحُسَيْن بِالدُّعَاءِ لَهُ فَامْتنعَ وواعدهم إِلَى هَلَاك مُعَاوِيَة فَسَارُوا إِلَى مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَبَايَعُوهُ فِي السِّرّ على طلب الْخلَافَة مَتى مَا أمكنه وَولى على كل بلد رجلا وَأَقَامُوا على ذَلِك وَمُعَاوِيَة يكف سياسته من غربهم ويقلع الدَّاء إِذا تعين لَهُ مِنْهُم كَمَا فعل بِحجر بن عدي وَأَصْحَابه وَقد تقدم ذكر قَتلهمْ عِنْد ذكر خِلَافَته ويروض من شماس أهل الْبَيْت ويسامحهم فِي دَعْوَى تقدمهم واستحقاقهم وَلَا يهيج أحدا مِنْهُم بالتثريب عَلَيْهِ فِي ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ وَولي يزِيد فَكَانَ من خُرُوج الْحُسَيْن وَقَتله مَا هُوَ مَعْرُوف وَكَانَت من أشنع الوقائع فِي الْإِسْلَام عظمت بهَا الشحناء وتوغل الشِّيعَة فِي شَأْنهمْ وَعظم النكير والطعن على من تولى ذَلِك وأَمَرَ بِهِ أَو قعد عَنهُ ثمَّ تَلَاوَمُوا على مَا أضاعوا من أَمر الْحُسَيْن وَأَنَّهُمْ لم ينصروه فَنَدِمُوا وَرَأَوا أَن لَا كَفَّارَة لذَلِك إِلَّا الاستماتة دون ثَأْره وَسموا أنفسم التوابين وَخَرجُوا لذَلِك يقدمهم سُلَيْمَان بن صُرَد الْخُزَاعِيّ وَجَمَاعَة مَعَه من خِيَار أَصْحَاب عَليّ كرم الله وَجهه وَكَانَ ابْن زِيَاد قد انْتقض عَلَيْهِ الْعرَاق فلحق بِالشَّام وَنزل منبج قَاصِدا الْعرَاق فزحفوا إِلَيْهِ وقاتلوه حَتَّى قتل سُلَيْمَان وَكثير من أَصْحَابه كَمَا ذكرنَا فِيمَا تقدم وَذَلِكَ سنة خمس وَسِتِّينَ ثمَّ خرج الْمُخْتَار بن أبي عبيد ودعا لمُحَمد بن الْحَنَفِيَّة كَمَا قَدمته وَفَشَا التعصب لأهل الْبَيْت فِي الْخَاصَّة والعامة بِمَا خرج بهم عَن حُدُود الْحق وَاخْتلفت مَذَاهِب الشِّيعَة فِيمَن هُوَ أحقُّ بِالْأَمر من أهل الْبَيْت وبايعَتْ كل طَائِفَة لصَاحِبهَا سرا ورسخ الْملك لبني أُميَّة فطوى هَؤُلَاءِ الشِّيعَة قُلُوبهم على عقائدهم فِيهَا وتستروا بهَا مَعَ تعدُد فرقهم وَكَثْرَة اخْتلَافهمْ وَسَار زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن وَقَرَأَ على وَاصل بن عَطاء إِمَام الْمُعْتَزلَة فِي وقته وَكَانَ وَاصل يتَرَدَّد فِي إِصَابَة عَليّ فِي حَرْب الْجمل وصفين فلقن ذَلِك عَنهُ وَكَانَ أَخُوهُ مُحَمَّد الباقر يعذله فِي الْأَخْذ عَمَّن يرى تخطئة جده وَكَانَ زيد أَيْضا مَعَ قَوْله بأفضلية عَليّ على الصَّحَابَة يرى أَن بيعَة الشَّيْخَيْنِ صَحِيحَة وَأَن إِمَامَة الْمَفْضُول جَائِزَة خلاف مَا عَلَيْهِ الشِّيعَة وَيرى أَنَّهُمَا لم يظلما عليا

стр. 1415

ثمَّ دَعَتْهُ الْحَال إِلَى الْخُرُوج بِالْكُوفَةِ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَة وَاجْتمعَ لَهُ عَامَّة الشِّيعَة وَرجع عَنهُ بَعضهم لما سَمِعُوهُ يثني على الشَّيْخَيْنِ وأنهما لم يظلما عليا وَقَالُوا لَهُ لم يظلمك هَؤُلَاءِ فَرَفَضُوا دَعوته وَقَالُوا نَحن نرفضك إذنْ فَقَالَ اذْهَبُوا فَأنْتم الرافضة فسموا الرافضة من أجل ذَلِك ثمَّ قَاتل يُوسُف بن عمر فَقتله وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى هِشَام بن عبد الْملك وصلب شلوه بالكناسة وَلحق ابْنه يحيى بخراسان فَأَقَامَ بهَا ثمَّ دَعَتْهُ شيعته إِلَى الْخُرُوج فَخرج هُنَاكَ سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة فسرح إِلَيْهِ نصر بن سيار العساكر فَقَتَلُوهُ وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى الْوَلِيد وصلب شلوه بالجوزجان وانقرض شَأْن الزيدية هُنَالك وَأقَام الشِّيعَة على شَأْنهمْ وانتظارِ أمرِهم والدعاة لَهُم فِي النواحي على الْإِجْمَال للرضا من أهل الْبَيْت وَلَا يصرحون بِمن يدعونَ لَهُ حذرا عَلَيْهِ من أهل الدولة وَكَانَت شيعَة مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة أَكثر شيعَة أهل الْبَيْت وَكَانُوا يرَوْنَ أَن الْأَمر بعد مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة لِابْنِهِ أبي هَاشم عبد الله بن مُحَمَّد وَكَانَ يَعْنِي أَبَا هَاشم عبد الله ابْن مُحَمَّد كثيرَاً مَا يفد على سُلَيْمَان بن عبد الْملك فَمر فِي بعض أَسْفَاره بِمُحَمد ابْن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس بمنزله بالحميمة من أَعمال البلقاء فَنزل عَلَيْهِ وأدركه الْمَرَض عِنْده فَمَاتَ وَأوصى لَهُ بِالْأَمر وَقد كَانَ أعلم شيعته بالعراق وخرسان أَن الْأَمر صائر إِلَى ولد مُحَمَّد بن عَليّ هَذَا وَهُوَ وَالِد إِبْرَاهِيم والسفاح فَلَمَّا مَاتَ أَبُو هَاشم عبد الله بن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة قصدت الشِّيعَة مُحَمَّد بن عَليّ وَبَايَعُوهُ سرا وَبعث الدعاة مِنْهُم إِلَى الْآفَاق على رَأس مائَة من الْهِجْرَة أَيَّام عمر بن عبد الْعَزِيز وأجابه عَامَّة أهل خرسان وَبعث عَلَيْهِم النُّقَبَاء وتداول أَمرهم هُنَالك فَتوفي مُحَمَّد سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَة وعهد لِابْنِهِ إِبْرَاهِيم وَأوصى الدعاة بذلك وَكَانُوا يسمونه الإِمَام ثمَّ بعث أَبَا مُسلم الخرساني إِلَى أهل دَعوته بخرسان لقوم فيهم بأَمْره وَكتب إِلَيْهِم بولايته وَذَلِكَ فِي دولة مَرْوَان بن مُحَمَّد المنبوز بالحمار فعثر مَرْوَان على كتاب من إِبْرَاهِيم الإِمَام إِلَى أبي مُسلم الخرساني فَأمر عَامله على دمشق أَن يَأْمر عَامل البلقاء بِالْقَبْضِ على إِبْرَاهِيم الإِمَام فَقبض عَلَيْهِ وأوثقه شدُّاً وَأرْسل بِهِ إِلَى مَرْوَان بن مُحَمَّد فحبسه بحران ثمَّ قَتله كَمَا قدمنَا ذكر ذَلِك قَرِيبا وَملك أَبُو مُسلم خُرَاسَان وزحف إِلَى الْعرَاق

стр. 1416

فملكها وغلبوا بني أُميَّة على أَمرهم وانقرضت دولتهم فَقَامَتْ دولة بني الْعَبَّاس وَهَذِه الدولة من دوَل الشِّيعَة كَمَا ذَكرْنَاهُ وفرقتها مِنْهُم يعْرفُونَ بالكيسانية وهم الْقَائِلُونَ بإمامة مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة بعد عَليّ بن أبي طَالب ثمَّ بعده ابْنه هَاشم عبد الله بن مُحَمَّد ثمَّ بعده مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس بوصيته كَمَا ذَكرْنَاهُ إِلَى ابْنه إِبْرَاهِيم الإِمَام ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس ثمَّ من بعده إِلَى أَخِيه أبي الْعَبَّاس عبد الله السفاح وَهُوَ عبد الله بن الحارثية هَكَذَا مساقها عِنْد هَؤُلَاءِ الكيسانية قلت قَالَ المَسْعُودِيّ هَذِه نِسْبَة إِلَى كيسَان وَهُوَ الْمُخْتَار بن أبي عبيد الثَّقَفِيّ فَإِن اسْمه كيسَان وَإِنَّمَا نسبوا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ أول من دَعَا لمُحَمد بن الْحَنَفِيَّة قَالَ ابْن خلدون ويسمون أبضا الخرمانية نِسْبَة إِلَى أبي مُسلم الْخُرَاسَانِي لِأَنَّهُ كَانَ يلقب خرمان ولبني الْعَبَّاس أَيْضا شيعَة يسمون الرواندية من أهل خُرَاسَان يَزْعمُونَ أَن أَحَق النَّاس بِالْإِمَامَةِ بعد النَّبِي عَمه الْعَبَّاس لِأَنَّهُ وَارثه وعاصبه لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأولوُا اَلأَرحَامِ بَعضهُمْ أَولىَ بِبَعْض فِي كِتاب الله﴾ الْأَنْفَال ٧٥ وَالنَّاس منعُوهُ من حَقه فِي ذَلِك وظلموه إِلَى أَن رده الله إِلَى وَلَده ويذهبون إِلَى البراءه من الشَّيْخَيْنِ وَعُثْمَان ويجيزون بيعَة عَليّ لِأَن الْعَبَّاس قَالَ لَهُ يَا ابْن أخي هَل أُبَايِعك فَلَا يخْتَلف عَلَيْك اثْنَان وَلقَوْل دَاوُد بن عَليّ على مِنْبَر الكزفة يَوْم بُويِعَ السفاح يَا أهل الْكُوفَة إِنَّه لم يقم فِيكُم إِمَام بعد رَسُول الله إِلَّا عَليّ بن أبي طَالب وَهَذَا الْقَائِم فِيكُم يَعْنِي السفاح قَالَ فِي الإشاعة لأشراط السَّاعَة فِي أماراتها الْبَعِيدَة وَمِنْهَا دولة بني الْعَبَّاس عَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ سَمِعت رَسُول الله يَقُول إِذا أَقبلت رايات ولد الْعَبَّاس من عقبات خُرَاسَان جَاءُوا بنعي الْإِسْلَام فَمن سَار تَحت لوائهم لم تنله شَفَاعَتِي يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي الْحِيلَة

стр. 1417

وَعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَوْصُولا مَالِي ولبني الْعَبَّاس شيعوا أمتِي أَي صيروهم شيعَاً وفرقاً وسفكوا دماءها ولبسوا ثِيَاب السوَاد ألبسهم الله ثِيَاب النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذممهم كَثِيرَة فَلَا نطول بذكرها فَمن الْفِتَن الْوَاقِعَة فِي زمانهم قتال أهل الْمَدِينَة وَقتل مُحَمَّد النَّفس الزكية ابْن عبد الله الْمَحْض ابْن الْحسن الْمثنى ابْن الْحسن السبط وَقتل أَخِيه إِبْرَاهِيم بن عبد الله وَحبس أَبِيهِمَا عبد لله الْمَحْض حَتَّى مَاتَ فِي السجْن وَقتل جمَاعَة كَثِيرَة من العلويين وَحبس الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق فِي زمن الْمَنْصُور وَمَوْت الإِمَام مُوسَى الكاظم فِي الْحَبْس بالسم فِي زمن الرشيد هَارُون وَإِدْخَال الفلسفة فِي الْإِسْلَام ونصرة أهل الاعتزال وتكليف الْعلمَاء على القَوْل بِخلق الْقُرْآن وقتلُ كثير مِنْهُم بِسَبَب ذَلِك فِي زمن الْمَأْمُون وضربُ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل فِي زَمَنه وزمنِ أَخِيه المعتصم وَابْنه الواثق وَلم تتفق فِي زمانهم الْكَلِمَة وَلم تصف لَهُم الْخلَافَة وَأَكْثَرهم أدعياء وَمِنْهُم ظلمَة فسقة وَأحسن من فيهم المتَوَكل لِأَنَّهُ أول من رَجَعَ

стр. 1418

عَن الاعتزال وَنصر السّنة لكنه كَانَ فِي التعصب على جَانب عَظِيم بِحَيْثُ إِنَّه هَدَمَ

стр. 1419

قبر الْحُسَيْن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَجعله مزرعة وَمنع النَّاس من زيارته وَقد قَالَ بعض الشُّعَرَاء فِي ذَلِك من // (الْكَامِل) // (تاللَّهِ إِنْ كانَتْ أميةُ قد أَتَتْ ... قَتْلَ ابْنِ بِنْتِ نَبيهَا مَظْلُومَا) (فَلَقَدْ أَتَاهُ بَنُو أَبِيهِ بمثْلِهِ ... هَذَا لَعَمْرُكَ قَبْرُهُ مَهْدُومَا) (أَسِفُوا على ألَاّ يَكُونُوا شَارَكُوا ... فِي قَتْلِهِ فَتَتَبَّعُوهُ رميِمَا) وَقَالَ آخر من // (الْكَامِل) // (تاللَّهِ مَا فَعَلَتْ عُلُوجُ أميَّةٍ ... مِعْشَارَ مَا فَعَلَتْ بنُو العَبَّاسِ) نعم كَانَ الْمُهْتَدي مِنْهُم زاهداً ناسكاً يتأسى بعمر بن عبد الْعَزِيز فِي هَدْيه لكنه قتل بعد سنة وَلم تطل أَيَّامه (خلَافَة أبي الْعَبَّاس عبد الله بن مُحَمَّد السفاح) قد قدمت كَيفَ كَانَ أصل هَذِه الدعْوَة وظهورها بخراسان على يَد أبي مُسلم عبد الرَّحْمَن الْخُرَاسَانِي ثمَّ اسْتِيلَاء شيعتهم على خُرَاسَان وَالْعراق ثمَّ قتل مَرْوَان ابْن مُحَمَّد ببوصير بُويِعَ للسفاح هَذَا بالخلافة يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث عشر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَفِي المسامرة بُويِعَ فِي الْكُوفَة يَوْم الْخَمِيس وَمن غَد يَوْم الْجُمُعَة لعشرين خلت من ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة بُويِعَ بيعَة الْعَامَّة وَهُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب بن هَاشم ابْن عبد منَاف بن قصي السفاح الْمَشْهُور بِابْن الحارثية كَانَ أَصْغَر من أَخِيه الْمَنْصُور أبي جَعْفَر عبد الله بن مُحَمَّد كَانَ كَرِيمًا جواداً وَفِي كتاب قلادة النَّحْر لأبي مخرمَة مَا حصل فِي زَمَانه بَينه وَبَين الطالبين من الْأَشْرَاف شَيْء وَلَا قَامَ عَلَيْهِ أحد مِنْهُم بل قربهم وَأحسن إِلَيْهِم وَكَانَت الْمحبَّة صَافِيَة بَينهم وَقَامَ بِأَمْر الدولة العباسية أَبُو مُسلم الخرساني وتأطدت لَهُ الْأَعْمَال

стр. 1420

من الشرق إِلَى الغرب وَحصل عِنْده برد النَّبِي وَأما الْقَضِيب والمخصرة فَإِن مَرْوَان بن مُحَمَّد لما تَيَقّن بِالْقَتْلِ دفنهما حسداً فَدلَّ عَلَيْهِمَا غُلَام فأخرجهما عَامر ابْن إِسْمَاعِيل الْمذْحِجِي الدَّاخِل على مَرْوَان الْكَنِيسَة وَأرْسل بهما إِلَى السفاح وَاسم أمه ريطة بنت عبيد الله من ذُرِّيَّة حَارِث بن مَالك بن ربيعَة وَلذَلِك يُقَال السفاح ابْن الحارثية وَكَانَ بَنو أُميَّة يمْنَعُونَ بني هَاشم من نِكَاح الحارثيات لأَنهم كَانُوا يرَوْنَ أَن زَوَال ملكهم على يَد ابْن حارثية فَلَمَّا ولي الْخلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز أَتَاهُ مُحَمَّد بن عَليّ وَالِد السفاح فَقَالَ أُرِيد أَتزوّج ابْنة خَالِي من بني الْحَارِث فتأذن لي فَقَالَ لَهُ عمر تزوج من شِئْت فَتزَوج ريطة الْمَذْكُورَة فأولدها السفاح فانتقلت الحلافة إِلَيْهِ يفعل الله مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد لَا راد لقضائه وَلَا مَانع لحكمه وَلما اسْتَقر السفاح فِي الْخلَافَة خرج عَلَيْهِ بعض أشياع بني أُميَّة وقوادهم وَكَانَ أول من نقض عَلَيْهِ حبيب بن مرّة المري من قواد مَرْوَان كَانَ بحوران والبلقاء خَافَ على نَفسه وَقَومه فَخلع وبيض وَمَعْنَاهُ لبس الْبيَاض وَنصب الرَّايَات الْبيض مُخَالفَة لشعار العباسية فِي ذَلِك وَتَابعه قيس وَمن يليهم والسفاح يَوْمئِذٍ بِالْحيرَةِ فزحف إِلَيْهِ عبد الله بن عَليّ عَم السفاح وبينما هُوَ فِي محاربته بلغه الْخَبَر بِأَن الْورْد مجزأَة بن الْكَوْثَر بن زفر بن الْحَارِث الْكلابِي نقض بِقِنِّسْرِينَ وَكَانَ من قواد مَرْوَان فَلَمَّا انهزم مَرْوَان وَقدم عَليّ عبد الله بن عَليّ بَايعه وَدخل فِي دَعْوَة العباسيين وَكَانَ ولد مسلمة بن عبد الْملك مجاورين لَهُ ببالس فَبعث بهم وبنسائهم الْقَائِد الَّذِي جَاءَهُ من قبل عبد الله بن عَليّ وَشَكوا ذَلِك إِلَى أبي الْورْد فَقتل الْقَائِد وخلع مَعَه أهل قنسرين وكاتبوا أهل حمص فِي الْخلاف وَقدمُوا عَلَيْهِم أَبَا مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد بن مُعَاوِيَة وَقَالُوا هُوَ السفياني الَّذِي يذكر وَلما بلغ ذَلِك عبد الله بن عَليّ وادع حبيب بن مرّة وَسَار إِلَى أبي الْورْد بِقِنِّسْرِينَ وَمر بِدِمَشْق فخلف بهَا أَبَا غَانِم عبد الحميد بن ربعي الطَّائِي فِي أَرْبَعَة آلَاف فَارس مَعَ حرمه وأثقاله وَسَار إِلَى حمص فَبَلغهُ أَن أهل دمشق خلعوا وبيضوا وَأَقَامُوا فيهم عُثْمَان بن عبد الْأَعْلَى الْأَزْدِيّ وَأَنَّهُمْ هزموا أَبَا غَانِم وَعَسْكَره وَقتلُوا مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة وانتهبوا مَا خَلفه عبد الله بن عَليّ عِنْدهم فَأَعْرض عَن ذَلِك وَسَار

стр. 1421

للقاء السفياني وَأبي الْورْد وَقدم أَخَاهُ عبد الصَّمد فِي عشرَة آلَاف فانكشف وَرجع إِلَى أَخِيه عبد الله بن عَليّ مُنْهَزِمًا فزحف عبد الله فِي جمَاعَة القواد ولقيهم بمرج الآخرم وهم فِي أَرْبَعِينَ ألفا فَانْهَزَمُوا وَثَبت أَبُو الْورْد فِي خَمْسمِائَة من قومه فَقتلُوا جَمِيعًا وهرب أَبُو مُحَمَّد إِلَى تدمر وراجع أهل قنسرين طَاعَة العباسية وَرجع عبد الله بن عَليّ إِلَى قتال أهل دمشق وَمن مَعَهم فهرب عُثْمَان بن عبد الْأَعْلَى وَدخل أهل دمشق فِي الدعْوَة وَبَايَعُوا لعبد الله بن عَليّ وَلم يزل أَبُو مُحَمَّد السفياني بِأَرْض الْحجاز متغيباً إِلَى أَيَّام الْمَنْصُور فَقتله زِيَاد بن عبد الْحَارِثِيّ عَامل الْحجاز يَوْمئِذٍ للمنصور وَبعث رَأسه إِلَى الْمَنْصُور مَعَ ابْنَيْنِ لَهُ أسيرين فأطلقهما الْمَنْصُور ثمَّ خلع أهل الجزيرة وبيضوا وَكَانَ السفاح بعث إِلَيْهَا ثَلَاثَة آلَاف من جنده مَعَ مُوسَى بن كَعْب من قواده وأزالهم بحران وَكَانَ إِسْحَاق بن مُسلم الْعقيلِيّ عَامل مَرْوَان على أرمينية فَلَمَّا بلغته هزيمَة مَرْوَان سَار عَنْهَا وَاجْتمعَ إِلَيْهِ أهل الجزيرة وحاصروا مُوسَى بن كَعْب بحران شَهْرَيْن فَبعث السفاح أَخَاهُ أَبَا جَعْفَر إِلَيْهِم وَكَانَ محاصراً لِابْنِ هُبَيْرَة بواسط فَسَار لقِتَال إِسْحَاق بن مُسلم وَهُوَ بقرقيسيا والرقة وَقد خلعوا وبيضوا وَسَار نَحْو حران فأجفل إِسْحَاق بن مُسلم عَنْهَا وَدخل الرهَا وَبعث أَخَاهُ بكار بن مُسلم إِلَى قبائل ربيعَة بنواحي ماردين وَرَئِيسهمْ يَوْمئِذٍ بريكة من الحرورية فصمد أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور فَهَزَمَهُمْ وَقتل بريكة فِي المعركة وَانْصَرف بكار إِلَى أَخِيه إِسْحَاق فخلفه إِسْحَاق بالرها وَسَار إِلَى سميساط وَجَاء عبد الله بن عَليّ فحاصره ثمَّ جَاءَ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور فحاصروه سَبْعَة أشهر وَهُوَ يَقُول لَا أَخْلَع الْبيعَة من عنقِي حَتَّى أتيقن مَوتَ صَاحبهَا يَعْنِي مَرْوَان بن مُحَمَّد فَلَمَّا تَيَقّن مَوته طلب الْأمان فَاسْتَأْذنُوا السفاح فَأَمرهمْ بتأمينه وَخرج إِسْحَاق بن مُسلم إِلَى أبي جَعْفَر فَكَانَ من آثر أَصْحَابه وخواصه قلت لله أَبُو إِسْحَاق بن مُسلم هَذَا مَا أوقفهُ عِنْد عقده وأوفاه بميثاقه وَعَهده واستقام أهل الجزيرة وَالشَّام وَولى السفاح أَخَاهُ أَبَا جَعْفَر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان فَلم يزل عَلَيْهَا حَتَّى جَاءَتْهُ الْخلَافَة بعد وَفَاة أَخِيه السفاح وَلَقَد صدق من قَالَ من // (الْكَامِل) //

стр. 1422

(لَا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرفيعُ مِنَ الأذَى ... حَتَّى يُرَاقَ عَلَى جَوَانِبِهِ الدَّمُ) ذكر ابْن الْأَثِير أَن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور لما أمره أَخُوهُ السفاح بحصار ابْن هُبَيْرَة أحد الناقضين عَلَيْهِ حاصره بواسط وَكَانَ ابْن هُبَيْرَة خَنْدَق على نَفسه فَقَالَ أَبُو جَعْفَر إِن ابْن هُبَيْرَة يخندق على نَفسه كالنساء فَبلغ ذَلِك ابْن هُبَيْرَة فَأرْسل إِلَى أبي جَعْفَر يَقُول أَنْت الَّذِي تَقول كَذَا وَكَذَا فابرز إِلَيّ لترى فَأرْسل إِلَيْهِ الْمَنْصُور لم أجد لي وَلَك مثل فِي ذَلِك إِلَّا كالأسدِ لَقِي خنزيراً فَقَالَ لَهُ الْخِنْزِير بارزني فَقَالَ لَهُ الْأسد مَا أَنْت لي بكفء فَإِن بارزتك ونالني مِنْك سوء كَانَ عارا عَليّ وَإِن قَتلك قتلت خِنْزِير فَلم أحصل على حمد وَلَا فِي قَتْلِي إياك فَخر فَقَالَ لَهُ الْخِنْزِير إِن لم تبارزني لأُعرفن السبَاع أَنَّك جبنت عني فَقَالَ لَهُ الْأسد احْتِمَال عَار كَذبك أيسر من تلطخ براثني بدمك قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي دوَل الْإِسْلَام لما صلى السفاح بِالنَّاسِ أول جُمُعَة خطب فَقَالَ فِي خطبَته الْحَمد لله الَّذِي اصْطفى الْإِسْلَام لنَفسِهِ فكرمه وشرفه وعظمه وَاخْتَارَهُ لنا وأيده بِنَا وَجَعَلنَا أَهله وكهفه وحصنه والقوام بِهِ والذابين عَنهُ ثمَّ ذكر قرابتهم فِي آيَات الْقُرْآن إِلَى أَن قَالَ فَلَمَّا قبض الله نبيه قَامَ بِالْأَمر أَصْحَابه إِلَى أَن وثب بَنو حَرْب ومروان فجاروا واستأثروا فأملى الله لَهُم حينا حَتَّى آسفوه فانتقم مِنْهُم بِأَيْدِينَا ورد علينا حَقنا ليمن بِنَا على الَّذين استضعفوا فِي الأَرْض وَختم بِنَا كَمَا افْتتح بِنَا وَمَا توفيقنا أهل الْبَيْت إِلَّا بِاللَّه يَا أهل الْكُوفَة أَنْتُم مَحل محبتنا ومنزل مودتنا لم تفتروا عَن ذَلِك وَلم يثنيكم عَنهُ تحامل أهل الْجور فَأنْتم أسعد النَّاس بِنَا وَأكْرمهمْ علينا وَلَقَد زِدْت فِي عطياتكم مائَة مائَة

стр. 1423

فَاسْتَعدوا فَأَنا السفاح الْمُبِيح والثائر المبير وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَفِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة اسْتَأْذن أَبُو مُسلم الخرساني السفاح فِي الْقدوم عَلَيْهِ للحجِّ وَكَانَ مُنْذُ ولي خُرَاسَان لم يفارقها فَأذن لَهُ فِي الْقدوم بِخَمْسِمِائَة من الْجند فَكتب إِلَيْهِ أَبُو مُسلم إِنِّي قد وترت النَّاس وَلَا آمن على نَفسِي فَأذن لَهُ فِي ألف وَقَالَ إِن طَرِيق مَكَّة لَا يحْتَمل الْعَسْكَر فَسَار فِي ثَمَانِيَة آلَاف فرقهم مَا بَين نيسابور والري وَخلف موَالِيه وخزائنهُ بِالريِّ وَقدم فِي ألف وَخرج القواد بِأَمْر السفاح لتلقيه وَدخل على السفاح فَأكْرمه وأعظمه وَاسْتَأْذَنَ فِي الْحَج فَأذن لَهُ وَقَالَ لَوْلَا أَن أَبَا جَعْفَر يُرِيد الحجَ لاستعملتك على الْمَوْسِم وأنزله بِقُرْبِهِ وَكَانَ قد كتب إِلَى أبي جَعْفَر إِن أَبَا مُسلم استأذنني فِي الْحَج فأذنتُ لَهُ وَهُوَ يُرِيد ولَايَة الْمَوْسِم فاسألني أَنْت فِي الْحَج فَلَا يطْمع أَن يتقدمك فَقدم أَبُو جَعْفَر إِلَى الأنبار وَكَانَ بَين أبي جَعْفَر وَأبي مُسلم من حِين بعث السفاح أَبَا جَعْفَر إِلَى خُرَاسَان ليَأْخُذ عَلَيْهِ الْبيعَة لَهُ وَلأبي جَعْفَر من بعده وَتَوَلَّى أَبُو مُسلم على خُرَاسَان شَيْء فاستخف أَبُو مُسلم إِذْ ذَاك بِأبي جَعْفَر فَلَمَّا قدم أَبُو جَعْفَر الآَن أغرى السفاح بقتل أبي مُسلم فَأذن لَهُ فِي قَتله ثمَّ نَدم فكفه عَن ذَلِك وَسَار أَبُو جَعْفَر إِلَى الْحَج وَمَعَهُ أَبُو مُسلم وَفِي كتاب الأذكياء لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ حِكَايَة طريفة عَن خَالِد بن صَفْوَان التَّمِيمِي أَنه دخل على أبي الْعَبَّاس السفاح وَلَيْسَ عِنْده أحد فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي وَالله مَا زلت مذ قلدك الله تَعَالَى خِلَافَته أطلب أَن أصير إِلَى مثل هَذِه الْخلْوَة فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يَأْمر بإمساك الْبَاب حَتَّى أفرغ فعل فَأمر السفاح الْحَاجِب بذلك فَقَالَ ابْن صَفْوَان يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي فَكرت فِي أَمرك وأجلت فكري فِيك فَلم أر أحدا لَهُ قدرَة واتساع فِي الِاسْتِمْتَاع بِالنسَاء مثلك وَلَا أضيق فِيهِنَّ عَيْشًا إِنَّك ملكت نَفسك امْرَأَة من نسَاء الْعَالمين فقصرت نَفسك عَلَيْهَا فَإِن مَرضت مَرضت وَإِن غَابَتْ غبت وَحرمت نَفسك التَّلَذُّذ باستطراف الْجَوَارِي

стр. 1424

وَمَعْرِفَة أخلاقهن والتلذذ بِمَا يَشْتَهِي مِنْهُنَّ فَإِن مِنْهُنَّ الطَّوِيلَة الَّتِي تشْتَهي لجسمها والبيضاء الَّتِي تحب لروعتها والسمراء اللعساء والصفراء الذهبية ومولدات الْمَدِينَة والطائف واليمامة ذَوَات الألسن العذبة وَالْجَوَاب الْحَاضِر وَبَنَات الْمُلُوك وَمَا يَشْتَهِي من نضارتهن ولطافتهن وتخلل خَالِد لِسَانه فأطنب فِي صِفَات ضروب الْجَوَارِي وشوقه إلَيْهِنَّ فَلَمَّا فرغ من كَلَامه قَالَ السفاح وَيلك مَلَأت مسامعي مَا أشغل خاطري مَا سلك فِيهَا أحسن من هَذَا فأعدْ على كلامك فقد وَقع مني موقعا فَأَعَادَ خَالِد بِأَحْسَن مِمَّا ابتدأه فَقَالَ لَهُ السفاح انْصَرف فَانْصَرف وَبَقِي السفاح مفكراً فَدخلت عَلَيْهِ أم سَلمَة وَزَوجته وَكَانَ قد حلف ألَا يتَّخذ مَعهَا سَرِيَّة ووفى فَقَالَت إِنِّي أنْكرت مِنْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَهَل حدث شَيْء أَو أَتَاك خبر ارتعت لَهُ قَالَ لَا فَلم تزل بِهِ حَتَّى أخْبرهَا بمقالة خَالِد فَخرجت إِلَى مواليها وأمرتهم بِضَرْب خَالِد قَالَ خَالِد فَخرجت من الدَّار مَسْرُورا بِمَا ألقيت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلم أَشك فِي الصِّلَة فَبَيْنَمَا أَنا وَاقِف إِذْ أَقبلُوا يسْأَلُون عني فحققت الْجَائِزَة فَقلت لَهُم هَا أَنا فَاسْتَبق أحدهم بخشبة فغمزت برذوني فلحقني وَضرب عجز البرذون وركضت فيهم واستخفيت فِي منزلي أَيَّامًا وَوَقع فِي قلبِي أَنِّي أتيت من أم سَلمَة فَبينا أَنا ذَات يَوْم جَالس فِي الْمنزل لم أشعر إِلَّا بقومٍ قد هجموا عَليّ فَقَالُوا أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَسبق فِي قلبِي أَنه الْمَوْت فَقلت إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون لم أر دم شيخ أضيع من دمي وَركبت إِلَى دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَصَبْته جَالِسا ولحظت فِي الْمجْلس بَيْتا عَلَيْهِ ستور رقاق وَسمعت حسا من خلف السّتْر فأجلسني ثمَّ قَالَ ويجك يَا خَالِد وصفت لي صفة فأعدها عَليّ فَقلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعلمتك أَن الْعَرَب إِنَّمَا اشْتقت اسْمَ الضرتين من الضَّرَر وَأَن أحدا لم يكن عِنْده من النِّسَاء أَكثر من وَاحِدَة إِلَّا كَانَ فِي ضُر وتنغيص فَقَالَ السفاح لم يكن هَذَا من كلامك أَولا قلت بلَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وأعلمتك أَن الثَّلَاث من النِّسَاء يدخلنَ على الرجل الْبُؤْس ويشيبن الرَّأْس فَقَالَ السفاح برئتُ من رَسُول الله إِن كنت سَمِعت هَذَا مِنْك أَو مر فِي حَدِيثك لي قلت بلَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وأخبرتك أَن الْأَرْبَع من النِّسَاء شَر مَجْمُوع لصَاحبه

стр. 1425

يشبنه ويهرمنه قَالَ اسفاح لَا وَالله مَا سَمِعت هَذَا مِنْك أَولا قلت بلَى وَالله فَقَالَ السفاح أتكذبني قلت فتقتلني نعم وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن أبكار الْإِمَاء رجال إِلَّا أَنه لَيْسَ لَهُنَّ خصي قَالَ خَالِد فَسمِعت ضحكاً من خلف السّتْر ثمَّ قلت وَالله وأخبرتك أَن عنْدك رَيْحَانَة قِرْش وَأَنت تطمح بِعَيْنَيْك إِلَى النِّسَاء والجواري فَقيل لي من وَرَاء السّتْر صدقتَ وَالله يَا عماه بِهَذَا حدثته وَلكنه غير حَدِيثك ونطق بِمَا فِي خاطره عَن لسَانك فَقَالَ السفاح مَالك قَاتلك الله قَالَ خَالِد فانسللت وَخرجت فَبعثت لي أم سَلمَة بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وبرذون وتخت ثِيَاب وَقَالَت الزم مَا سمعناه مِنْك ويروى أَنه سهر ذَات لَيْلَة وَعِنْده أنَاس من مُضر وَفِيهِمْ خَالِد بن صَفْوَان بن أهتم التَّمِيمِي الْمَذْكُور وناس من الْيمن فيهم إِبْرَاهِيم بن مخرمَة الْكِنْدِيّ فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس هاتوا فافعلوا ليلتنا بمحادثتكم فَبَدَأَ إِبْرَاهِيم بن مخرمَة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن أخوالك هم النَّاس وهم الْعَرَب الأول الَّذين كَانَت لَهُم الدُّنْيَا وَكَانَت لَهُم الْيَد الْعليا مَا زَالُوا ملوكاً وأربابا تداولوا الرياسة كَابِرًا عَن كَابر وَآخر عَن أول يلبس آخِرهم سرابيل أَوَّلهمْ يعْرفُونَ الْحَمد ومآثر الْحَمد مِنْهُم النعمانان والحمادان والقابوسان وَمِنْهُم غسيل الْمَلَائِكَة ومَنِ اهتز لمَوْته الْعَرْش وَمِنْهُم مُكَلم الذِّئْب وَمن كَانَ يَأْخُذ كل سفينة غصبَاً وَيجْرِي فِي كل نائية نهبَاً وَمِنْهُم أَصْحَاب التيجان وكماة الفرسان لَيْسَ من نبل وَإِن عظم خطره وَعرف أَثَره من فرس رائع أَو سيف قَاطع أَو مجن واق أَو درع حَصِينَة أَو درة مكنونةَ إِلَّا وهم أَرْبَابهَا وأصحابها إِن حل صيف قروه وَإِن سَأَلَهُمْ سَائل أَعْطوهُ لَا يبلغهم مُكَاثِر وَلَا يطاولهم مطاول وَلَا مفاخر فَمن مثلهم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْبَيْت يمَان وَالْحجر يمَان والركن يمَان وَالسيف يمَان فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مَا أرى مُضر تَقول بِقَوْلِك هَذَا وَمَا أَظن خَالِدا يرضى بِمَا ذكرت فَقَالَ خَالِد إِن أذن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأمنت الموجدة تَكَلَّمت فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس تكلم وَلَا ترهب أحدا فَقَالَ خَالِد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ خَابَ الْمُتَكَلّم وَأَخْطَأ المقتحم إِذْ قَالَ بِغَيْر علم

стр. 1426

ونطق بِغَيْر صَوَاب أَو يفخر على مُضر وَمِنْهُم النَّبِي وَالْخُلَفَاء من أهل بَيته وَهل أهل الْيمن إِلَّا دابغ جلد أَو قَائِد قرد أَو حائك برد دلّ عَلَيْهِم هدهد وغرقهم جرذ وملكتهم أم ولد وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا لَهُم أَلْسِنَة فصيحة وَلَا سنة صَحِيحَة وَلَا حجَّة تدل على كتاب وَلَا يعْرفُونَ بهَا صَوَاب وَإِنَّهُم لبإحدى الخصلتين إِن جازوا قصدُوا مَا أكلُوا وَإِن حادوا عَن حكمنَا قتلوا ثمَّ الْتفت إِلَى الْكِنْدِيّ فَقَالَ أتفخر بالفرس الراِئع وَالسيف الْقَاطِع والترس الواقي والدرع الحصينة وَأَشْبَاه ذَلِك أَفلا تَفْخَر بأكرم الْأَنَام وَخَيرهمْ مُحَمَّد فالمن من الله عَلَيْكُم إِذْ كُنْتُم من أَتْبَاعه وأشياعه فمنا نَبِي الله الْمُصْطَفى وَخَلِيفَة الله المرتضى وَلنَا السؤدد والعلا وَفينَا الْعلم والحجا وَلنَا الشّرف الْمُقدم والركن الْأَعْظَم وَالْبَيْت المكرم والجناب الْأَخْضَر وَالْعدَد الْأَكْثَر والعز الْأَكْبَر وَلنَا الْبَيْت الْمَعْمُور والمشعر الْمَشْهُور والسقف الْمَرْفُوع وزمزم وبطحاؤها وجبالها وصحراؤها وحياضها وغياضها وأحجارها وأعلامها ومنابرها وسقايتها وحجابها وسدنة بَيتهَا فَهَل يعدلنا عَادل أَو يبلغ فخرنا قَائِل وَمنا أعظم النَّاس عبد الله بن عَبَّاس أعلم الْبشر الطّيبَة أخباره الْحَسَنَة آثاره وَمنا الْوَصِيّ وَذُو النورين وَمنا الصّديق والفاروق وَمنا أَسد الله وَأسد رَسُوله سيد الشُّهَدَاء حَمْزَة وَمنا ذُو الجناحين جَعْفَر الطيار وَمنا الكماة والفرسان وَمنا الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء وَمنا عرف الدّين وَمن عندنَا أَتَاكُم الْيَقِين فَمن زاحمنا وزحمناه وَمن عَادَانَا اصطلمناه وَمن فاخرنا فخرناه وَمن بدل سنتنا قَتَلْنَاهُ ثمَّ الْتفت إِلَى الْكِنْدِيّ فَقَالَ كَيفَ علمك بلغات قَوْمك قَالَ إِنِّي بهَا عَالم فَقَالَ مَا الجمحة فِي لغتكم قَالَ الْعين قَالَ فَمَا المبزم قَالَ السن قَالَ فَمَا الشناتر قَالَ الْأَصَابِع قَالَ فَمَا الصنبارة قَالَ الْأذن قَالَ فَمَا الْقُلُوب قَالَ الذِّئْب قَالَ فَمَا الزب قَالَ اللِّحْيَة قَالَ أفتقرأ كتاب الله تَعَالَى قَالَ نعم قَالَ فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ قرءانا عَرَبيا﴾ يُوسُف ٢ وَقَالَ ﴿بلِسَانٍ عَرَبي مُبين﴾ الشُّعَرَاء ١٩٥ وَقَالَ جلّ ذكره ﴿وَمَا أَرسَلنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قوَمِه﴾ إِبْرَاهِيم ٤ فَقَالَ ﴿السن بِالسِّنِّ وَالْعين بِالْعينِ﴾ الْمَائِدَة ٤٥ وَلم يقل الجحمة بالجحمة

стр. 1427

وَقَالَ ﴿يجعَلوُنَ أَصاَبِعهُم فِي آذَانهم﴾ الْبَقَرَة ١٩ وَلم يقل شناترهم فِي صنابرهم وَقَالَ ﴿وَالسِّنَّ بِاَلسِّن﴾ الْمَائِدَة ٤٥ وَلم يقل المبزم بالمبزم وَقَالَ ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْب﴾ وسف ١٧ وَلم يقل أكله الْقُلُوب وَقَالَ ﴿لَا تَأخذْ بِلِحيتَي﴾ طه ٩٤ وَلم يقل بزبي وَإِنِّي سَائِلك يَا ابْن مخرجة عَن ثَلَاث خِصَال فن أَقرَرت بهَا قهرت وَإِن جحدتها كفرت قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ أتعلم أَن فِينَا نَبِي الله الْمُصْطَفى قَالَ اللَّهُمَّ نعم قَالَ أفتعلم أَن فِينَا كتاب الله الْمنزل قَالَ اللَّهُمَّ نعم قَالَ أفتعلم أَن فِينَا خَليفَة الله المرتضى قَالَ اللَّهُمَّ نعم قَالَ فَأَي شَيْء يعدل هَذِه الْخِصَال قَالَ أَبُو الْعَبَّاس اكفف عَنهُ فوَاللَّه مَا رَأَيْت غَلَبَة قطّ أنكَرَ مِنْهَا وَالله مَا فرغت من كلامك يَا أَخا مُضر حَتَّى توهمتُ أَنه سيعرَجُ بسريري إِلَى السَّمَاء ثمَّ أَمر لخَالِد بِمِائَة ألف دِرْهَم وَفِي ابْن خلكان أَن السفاح نظر يَوْمًا إِلَى الْمرْآة وَكَانَ من أجمل النَّاس وجهَاً فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أَقُول كَمَا قَالَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَلَكِنِّي أَقُول اللَّهُمَّ عمرني طَويلا فِي طَاعَتك ممتعَاً بالعافية فَمَا استتم كَلَامه حَتَّى سمع غُلَاما يَقُول لآخر الْأَجَل بيني وَبَيْنك شَهْرَان وَخَمْسَة أَيَّام فتطير من كَلَامه وَقَالَ حسبي الله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَبِه استعنت فَمَا مَضَت الْمدَّة الْمَذْكُورَة حَتَّى أَخَذته الْحمى وَمرض فَمَاتَ بعد شَهْرَيْن وَخَمْسَة أَيَّام بالجدري بالأنبار مدينته الَّتِي بناها وسماها الهاشمية وَهُوَ ابْن إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سنة وَقيل ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْأَحَد لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَمُدَّة خِلَافَته أَربع سِنِين وَتِسْعَة أشهر وولادته سنة خمس وَمِائَة وَكَانَ أَبيض مليحَاً جميلا حسن اللِّحْيَة والهيئة

стр. 1428

(خلَافَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور) هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب أَخُو السفاح عبد الله الْمُتَقَدّم قبله كَانَ السفاح ولَاه الْحَج سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمَات السفاح فِي ثَالِث عشر ذِي الْحجَّة مِنْهَا فَأَتَاهُ الْخَبَر وَهُوَ عَائِد من الْحَج وأتته الْخلَافَة بمكانٍ يعرف بالصافية فَقَالَ صفا أمرنَا وَكَانَ السفاح قد عهد قبل مَوته بالخلافة لِأَخِيهِ أبي جَعْفَر وَمن بعده لعيسى ابْن أخيهما مُوسَى بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس وَجعل الْعَهْد فِي ثوب وختمه بخواتيم أهل الْبَيْت وَدفعه إِلَى عِيسَى وَلما توفّي السفاح وَكَانَ أَبُو جَعْفَر بِمَكَّة حَاجا أَخذ لَهُ الْبيعَة على النَّاس عِيسَى بن مُوسَى وَكتب إِلَيْهِ بالْخبر فجزع واستدعى أَبَا مُسلم وَكَانَ قد حج مَعَه كَمَا تقدَم ذكره فَأَقْرَأهُ الْكتاب فَبكى أَبُو مُسلم واسترجَعَ وسكَّن أَبَا جَعْفَر عَن الْجزع وَبَايع لَهُ أَبُو مُسلم وَالنَّاس وأقبلا حَتَّى اقدما الْكُوفَة وَيُقَال إِن أَبَا مُسلم كَانَ فِي رُجُوعه من مَكَّة مُتَقَدما على أبي جَعْفَر وَأَن الْخَبَر أَتَاهُ قبله فَكتب إِلَيْهِ يعزيه ويهنيه بالخلافة وَبعد يَوْم كتب لَهُ ببيعته فَلَمَّا قدم أَبُو جَعْفَر الْكُوفَة سَار مِنْهَا إِلَى الأنبار فَسلم إِلَيْهِ عِيسَى بن مُوسَى بيُوت الْأَمْوَال والدواوين واستقام أَمر أبي جَعْفَر الْمَنْصُور قَالَ ابْن خلدون تولى أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور الْخلَافَة فِي أول سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَكَانَ أول مَا فعل أَن قتل أَبَا مُسلم الْخُرَاسَانِي صَاحب دعوتهم وممهد دولتهم وَذَلِكَ لما كَانَ أَبُو مُسلم يستخف بِأبي جَعْفَر من حِين بَعثه السفاح إِلَى خُرَاسَان ليَأْخُذ الْبيعَة لَهُ وَلأبي جَعْفَر من بعده كَمَا ذكرت آنفَاً ولأمور أخر حدثت عَن أبي مُسلم مِنْهَا أَنه لما حج مَعَه كَانَ يُؤثر نَفسه على الْمَنْصُور ويتقدم بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوُفُود وَإِصْلَاح الطَّرِيق والمياه وَكَانَ الذّكر لَهُ وَلما صَدرا

стр. 1429

عَن الْمَوْسِم تقدم ولقيه الْخَبَر بوفاةَ السفاح قبل الْمَنْصُور فَبعث إِلَى أبي جَعْفَر يعزيه وَلم يهنئه بالخلافة وَلَا رَجَعَ إِلَيْهِ وَلَا انتظره فَغَضب أَبُو جَعْفَر وَكتب إِلَيْهِ وَأَغْلظ فِي العتاب فَكتب إِلَيْهِ يهنئه بالخلافة وَتقدم إِلَى الأنبار قبل أبي جَعْفَر ودعا عِيسَى بن مُوسَى أَن يُبَايع لَهُ فَأبى عِيسَى لِأَن عَهده إِنَّمَا هُوَ بعد موت الْمَنْصُور فَأَرَادَ أَبُو مُسلم رفع الْخلَافَة عَن أبي جَعْفَر إِلَى عِيسَى فَامْتنعَ عَسى وَقدم أَبُو جَعْفَر وَقد كَانَ عَم الْمَنْصُور عبد اللِّه بن عَليّ الَّذِي كَانَ تولى قتال مَرْوَان ابْن مُحَمَّد خلع طَاعَة الْمَنْصُور وَبَايع لنَفسِهِ وَقَالَ إِن السفاح حِين أَرَادَ أَن يبْعَث الْجنُود إِلَى مَرْوَان بن مُحَمَّد تكاسل عَنهُ بَنو أَبِيه فَقَالَ لَهُم من انتدب مِنْكُم فَهُوَ ولي عهدي فَلم ينتدب غَيْرِي وسرت إِلَى مَرْوَان بن مُحَمَّد وَشهد لَهُ أَبُو حَاتِم الطَّائِي وخفاف المروروذي وَغَيرهمَا من القواد وَبَايَعُوهُ وَكَانَ قد ظفر من أَمْوَال بني أُميَّة بِمَا لَا يحصَى من ذخائر وَبِمَا لَا يستقصى فسرح أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور أَبَا مُسلم الْخُرَاسَانِي إِلَى قتال عَمه عبد الله بن عَليّ الْمَذْكُور فَهَزَمَهُ وَجمع الْغَنَائِم من عسكره فَبعث أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور مَوْلَاهُ أَبَا الخصيب لجمعها فَغَضب أَبُو مُسلم وَقَالَ أَنا أَمِين على الدُّعَاء فَكيف أخون الْأَمْوَال وهم بقتل أبي الخصيب ثمَّ خلى عَنهُ وخَشِيَ الْمَنْصُور أَن يمْضِي أَبُو مُسلم إِلَى خُرَاسَان فَكتب لَهُ بِولَايَة الشَّام فازداد نفاراً وَخرج من الجزيرة يُرِيد خُرَاسَان وَسَار أَبُو جَعْفَر إِلَى الْمَدَائِن وَكتب إِلَى أبي مُسلم يستقدمه فَأَجَابَهُ بالامتناع والتمسك بِالطَّاعَةِ عَن بُعدٍ والتهديد بِالْخلْعِ إِن طلب سوى ذَلِك فَبَقيَ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور حائراً بعد أَن هَم بقتْله بَين الاستبداد بِرَأْيهِ فِي أَمر أبي مُسلم وَبَين الاستشارة فِيهِ فَقَالَ يَوْمًا لسلم بن قُتَيْبَة مَا ترى فِي أبي مُسلم فَقَالَ ابْن قُتَيْبَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا فَقَالَ الْمَنْصُور حَسبك يَابْنَ قُتَيْبَة لقد أودعتها أذنا وَاعِيَة ثمَّ كتب الْمَنْصُور إِلَى أبي مُسلم يُنكر عَلَيْهِ هَذَا الشَّرْط وَأَنه لَا يحسن مَعَه طَاعَة وَبعث إِلَى عِيسَى بن مُوسَى برسالة يؤانسه وَقيل بل كتب إِلَيْهِ أَبُو مُسلم يعرض لَهُ بِالْخلْعِ وَأَنه تَابَ إِلَى الله مِمَّا جناه من الْقيام بدعوتهم وَأخذ أَبُو مُسلم طَرِيق حلوان وَأمر الْمَنْصُور ابْن عَمه عِيسَى بن مُوسَى فِي مشيخة بني هَاشم بِكِتَاب إِلَى

стр. 1430

أبي مُسلم يحرضونَهُ على التَّمَسُّك بِالطَّاعَةِ ويحذرونه عَاقِبَة الْبَغي ويأمروته بِالرُّجُوعِ وَبعث الْكتاب مَعَ مَوْلَاهُ حميد المروروذي وَأمره بملاينته والخشوع لَهُ بالْقَوْل حَتَّى ييأس مِنْهُ فَإِذا يئس من مُوَافَقَته يُخبرهُ بقسم أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا وكلت أَمرك إِلَى غَيْرِي وَلَو خضت الْبَحْر لخضته وَرَاءَك وَلَو اقتحمت النَّار لاقتحمتها حَتَّى أَقْتلك أَو أَمُوت فأوصل حميد الْكتب وتلطف لَهُ فِي القَوْل مُؤمنا واحتجَ عَلَيْهِ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي التحريض على طاعتهم فَاسْتَشَارَ أَبُو مُسلم مَالك بن الْهَيْثَم فَأبى لَهُ من الإصغاء إِلَى القَوْل وَقَالَ وَالله لَئِن أَتَيْته ليقتلنك ثمَّ بعث أَبُو مُسلم إِلَى ميزك صَاحب الرّيّ يستشيره فَأبى لَهُ من ذَلِك وَأَشَارَ عَلَيْهِ بنزول الرّيّ وخراسان من وَرَائه ليَكُون أمكن لسلطانه فَأجَاب أَبُو مُسلم حميدَاً رَسُول أبي جَعْفَر بالامتناع فَلَمَّا يئس حميد مِنْهُ أبلغه مقَالَة الْمَنْصُور فَوَجَمَ طَويلا ورعب من ذَلِك القَوْل وأكبره وَكَانَ الْمَنْصُور قد كتب إِلَى عَامل أبي مُسلم بخراسان يرغبه فِي الانحراف عَنهُ بِولَايَة خُرَاسَان فَأجَاب سرا وَكتب إِلَى أَبُو مُسلم بخراسان يحذرهُ الْخلاف وَالْمَعْصِيَة فزاده على ذَلِك رعْبًا وَقَالَ لحميد قبل انْصِرَافه قد كنت عزمت على الْمُضِيّ إِلَى خُرَاسَان ثمَّ رَأَيْت أَن أوجه أَبَا إِسْحَاق إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ يأتيني بِرَأْيهِ فَإِنِّي أَثِق بِهِ فَبعث بِهِ إِلَى الْمَنْصُور فَلَمَّا قدم أَبُو إِسْحَاق تَلقاهُ بَنو هَاشم وَأهل الدولة بِكُل مَا يحب وداخله الْمَنْصُور فِي صرف أبي مُسلم عَن وجهة خُرَاسَان ووعده بولايتها فَرجع أَبُو إِسْحَاق إِلَى أبي مُسلم وَأَشَارَ عَلَيْهِ بلقاء الْمَنْصُور فاعتزم على ذَلِك واستخلف مَالك بن الْهَيْثَم بعسكره بحلوان وَقدم الْمَدَائِن على الْمَنْصُور فِي ثَلَاثَة آلَاف وخشي أَبُو أَيُّوب وَزِير الْمَنْصُور أَن يحدث مِنْهُ عِنْد قدومه فتك فَدَعَا بعض إخوانه وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَن يَأْتِي أَبَا مُسلم ويتوسل بِهِ إِلَى الْمَنْصُور فِي ولَايَة كسكر يُصِيب فِيهَا مَالا عَظِيما وَأَن يُشْرك أَخَاهُ فِي ذَلِك وَيجْعَل ذَلِك أَبُو مُسلم فِي حَوَائِجه وَأَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عازم على أَن يوليه مَا وَرَاء بَابه وَينْزع نَفسه وَاسْتَأْذَنَ لَهُ المنصورَ فِي لِقَاء أبي مُسلم فَأذن لَهُ فلقي ذَلِك الْبَعْض أَبَا مُسلم وتوسل إِلَيْهِ وَأخْبرهُ الْخَبَر فطابت نَفسه وَذهب عَنهُ الْحزن واستبشر بتولية الْمَنْصُور إِيَّاه مَا وَرَاء بَابه

стр. 1431

وَلما قرب أَبُو مُسلم أَمر الْوَزير أَبُو أَيُّوب النَّاس بتلقيه ثمَّ دخل على الْمَنْصُور فَقبل يَده ثمَّ انْصَرف ليريح ليلته ودعا الْمَنْصُور من الْغَد حَاجِبه عُثْمَان بن نهيك وَأَرْبَعَة من الحرس مِنْهُم شبيب بن واج وَأَبُو حنيفَة حَرْب بن قيس وأجلسهم خلف الرواق وَأمرهمْ بقتل أبي مُسلم إِذا صفق بيدَيْهِ واستدعى أَبَا مُسلم فَلَمَّا دخل سَأَلَهُ عَن سيفين أصابهما لِعَمِّهِ عبد الله بن عَليّ وَكَانَ أَبُو مُسلم مُتَقَلِّدًا أَحدهمَا فَقَالَ أَبُو مُسلم هَذَا أَحدهمَا فَقَالَ الْمَنْصُور أرنيه فانتضاه أَبُو مُسلم وناوله إِيَّاه فَأخذ يقلبه بِيَدِهِ ويهزه ثمَّ وَضعه تَحت فرَاشه وَأَقْبل يعاتبه فَقَالَ كتبتَ إِلَى السفاح تنهاه عَن الْموَات كَأَنَّك تعلمه فَقَالَ أَبُو مُسلم ظَنَنْت أَنه لَا يحل ثمَّ اقتديتُ بِكِتَاب السفاحِ وعلمتُ أَنكُمْ مَعْدن الْعلم قَالَ فتقدمك عني بطرِيق مَكَّة فَقَالَ كرهت مزاحمتك على المَاء قَالَ فامتناعُكَ عَن الرُّجُوع إِلَيّ حِين بلغك موت السفاح وامتناعك عَن الْإِقَامَة حَتَّى ألحقك قلت قد تقدَم أَن أَبَا مُسلم حَال عودهما من الْحَج كَانَ مُتَقَدما على الْمَنْصُور فَبَلغهُ خبر موت السفاح قبله وَلم يرجع إِلَى الْمَنْصُور للتعزية والتهنئة لَهُ بالخلافة وَلم يقمْ فِي مَكَانَهُ إِلَى أَن يصل إِلَيْهِ الْمَنْصُور بل استمرَّ سائراً حَتَّى دخل الْكُوفَة قبله فَلذَلِك يؤنبه بذلك فَقَالَ أَبُو مُسلم طلبت الرِّفْق بِالنَّاسِ والمبادرة إِلَى الْكُوفَة قَالَ فجارية عمي عبد الله أردتَ أَن تتخذها لنَفسك قَالَ لَا وَإِنَّمَا وكلْتُ بهَا من يحفظها قَالَ فمراغمتك وسيرك إِلَى خُرَاسَان قَالَ خفت مِنْك فَقلت آتِي خُرَاسَان وأكتُبُ بعذري فَأذْهب مَا فِي نَفسك مني قَالَ فَالْمَال الَّذِي جمعته بحران قَالَ أنفقته على الْجند تَقْوِيَة لكم قَالَ أَلَسْت الْكَاتِب إليَّ تبدأُ بِنَفْسِك وتخطب آمِنَة بنت عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس وتزعم أَنَّك من ذُرِّيَّة سليط بن عبد الله بن عَبَّاس لقد ارتقيت لَا أُمَ لَك مرتقى صعبَاً ثمَّ قَالَ لَهُ وَمَا الَّذِي دعَاك إِلَى قتل سُلَيْمَان بن كثير مَعَ أَثَره فِي دَعوتنَا وَهُوَ أحد نقبائنا من قبل أَن ندخلك فِي هَذَا الْأَمر قَالَ أَرَادَ الْخلَافَة فَقتلته ثمَّ قَالَ أَبُو مُسلم كَيفَ يُقَال لي هَذَا بعد بلائي وَمَا كَانَ مني قَالَ يَا ابْن الخبيثة لَو كَانَت أَمَة مَكَانك لأغْنَتْ إِنَّمَا ذَاك بدولتنا وريحنا فأكب أَبُو مُسلم قبل يَدي الْمَنْصُور وَيعْتَذر فازداد الْمَنْصُور

стр. 1432

غَضبا فَقَالَ أَبُو مُسلم دع هَذَا فقد أَصبَحت لَا أَخَاف إِلَّا الله وَحده فشتمه الْمَنْصُور وصفَّق بِيَدِهِ فَخرج الحرس وضربه عُثْمَان بن نهيك فَقطع علابيه قَالَ أَبُو مُسلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ استبقني لعدوك فَقَالَ لَا أبقاني الله إِذن وَأي عَدو أعدى مِنْك وَأَخذه الحرس بسيوفهم حَتَّى قَتَلُوهُ وَذَلِكَ لخمس بَقينَ من شعْبَان سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَخرج الْوَزير أَبُو الجهم فصرف النَّاس والجند وَقَالَ الْأَمِير قَائِل عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ فانصرفوا وَأمر لَهُم بالجوائز وأعطَى أَبَا إِسْحَاق مائَة ألف وَدخل عِيسَى بن مُوسَى على الْمَنْصُور بعد قَتله فَسَأَلَهُ عَنهُ وَأخذ فِي الثَّنَاء على طَاعَته وبلائه وَذكر رَأْي الإِمَام إِبْرَاهِيم فِيهِ فَقَالَ الْمَنْصُور وَالله لَا أعلم على وَجه الأَرْض عدوا أعدى لكم مِنْهُ هُوَ ذَا فِي الْبسَاط فَاسْتَرْجع عِيسَى فَأنْكر عَلَيْهِ الْمَنْصُور وَقَالَ وَهل كَانَ لكم ملك مَعَه ثمَّ دخل على الْمَنْصُور جَعْفَر بن حَنْظَلَة فَاسْتَشَارَ فِي قتل أبي مُسلم فَأَشَارَ بقتْله فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور وفقك الله ثمَّ نظر إِلَيْهِ قَتِيلا فَقَالَ عُدَ خلافتك من هَذَا الْيَوْم ثمَّ دَعَا أَبَا إِسْحَاق وعذله على مُتَابعَة أبي مُسلم وَقَالَ تكلم بِمَا أردْت وَأخرجه قَتِيلا فَسجدَ أَبُو إِسْحَاق ثمَّ رفع رَأسه يَقُول الْحَمد لله الَّذِي آمنني بك وَالله مَا جِئْته قَطُّ إِلَّا وتكفنْتُ وتحنطْتُ وَرفع ثِيَابه وَأرَاهُ كَفنه وحنوطه فرحمه الْمَنْصُور وَقَالَ اسْتقْبل طَاعَتك وَاحْمَدْ الله الَّذِي أراحك وَكتب الْمَنْصُور بعد قتل أبي مُسلم إِلَى نصر بن الْهَيْثَم الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ أَبُو مُسلم على خُرَاسَان حَال سيره إِلَى الْمَنْصُور كتابَاً على لِسَان أبي مُسلم يَأْمُرهُ بِحمْل أثقاله وَقد كَانَ أَبُو مُسلم أوصاه إِن جَاءَك كتابي بخاتمي تَاما فَاعْلَم أَنِّي لم أكتبه فَلَمَّا رَآهُ نصر بن الْهَيْثَم كَذَلِك فطنَ وَانْحَدَرَ إِلَى همذان يُرِيد خُرَاسَان فَكتب لَهُ الْمَنْصُور بوالية شهرزور وَكتب إِلَى زُهَيْر بن التركي بهمذان بِحَبْس نصر فَمر نصر بهمذان وخادعه زُهَيْر وَدعَاهُ إِلَى طَعَامه وحبسه وَجَاء كتاب الْعَهْد بشهرزور لنصر فَأَطْلقهُ زُهَيْر ثمَّ جَاءَهُ بعد ذَلِك كتاب فَقَالَ جَاءَنِي كتاب عَهده فخليت سَبيله ثمَّ قدم نصر على الْمَنْصُور فعذله فِي استشارته على أبي مُسلم بالامتناع من السّير إِلَيْهِ فَقَالَ نصر نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اصطنعني فنصحتُ لَهُ وَإِن

стр. 1433

اصطنعني أَمِير الْمُؤمنِينَ نصحت وشكرت فَاسْتَعْملهُ الْمَنْصُور على الْموصل ثمَّ أقبل الْمَنْصُور على من حضر وَأَبُو مُسلم طريح بَين يَدَيْهِ وأنشده من // (السَّرِيع) // (زَعَمْتَ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يُقَتَضَى ... فَاسْتَوْفِ بالكَيْلِ أَبَا مُجْرِمِ) (إِشْرَبْ بِكَأْسٍ كُنْتَ تَسْقِي بِهَا ... أَمَرَّ فِي الحَلْقِ مِنَ العَلْقَمِ) وَكَانَ يُقَال لَهُ أَبُو مُجرم وَفِيه يَقُول أَبُو دلامة من // (الطَّوِيل) // (أَبَا مُجْرِمٍ مَا غَيَّرَ الله نعمَةً ... على عَبْدِهِ حَتَّى يغيِّرَهَا العَبْدُ) (أَفِي دَوْلَةِ المنْصُورِ حاوَلْتَ غدرةَ ... أَلا إِن أهْلَ الغَدْرِ آباؤُكَ الكُرْدُ) (أَبَا مجرِمٍ خَوَّفْتَنِي القَتْلَ فانْتَحَى ... عليكَ بِمَا خوفْتنِي الأَسَدُ الوَرْدُ) وَلما قَتله الْمَنْصُور خطب النَّاس فَذكر أَن أَبَا مُسلم أحسن أَولا وأساء آخرا ثمَّ قَالَ فِي آخر خطبَته وَمَا أحسن قَول النَّابِغَة الذبياني للنعمان بن الْمُنْذر من // (الْبَسِيط) // (فَمَنْ أَطَاعَكَ فَانْفَعْهُ بِطَاعَتِهِ ... كَمَا أَطَاعَكَ وَادْلُلْهُ عَلى الرَّشَدِ) (وَمَنْ عَصَاكَ فعاقبْهُ معاقبَةً ... تَنْهَى الظَّلُومَ وَلَا تقَعُدْ على ضَمَدِ) الضمد بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَالْمِيم الحقد وَفِي ابْن خلكان وَغَيره كَانَ أَبُو مُسلم قد سمع الحَدِيث وروى عَنهُ وَأَنه خطب يَوْمًا فَقَامَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ مَا هَذَا السوَاد الَّذِي أرى عَلَيْك فَقَالَ أَبُو مُسلم حَدثنِي أَبُو الزبير عَن جَابر بن عبد الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَن النَّبِي دخل مَكَّة يَوْم الْفَتْح وعَلى رَأسه عِمَامَة سَوْدَاء وَهَذِه ثِيَاب الهيبة وَثيَاب الدولة يَا غُلَام اضْرِب عُنُقه قلت حَدِيث جَابر هَذَا فِي صَحِيح مُسلم وَمن ثمَّ كَانَ شعار بني الْعَبَّاس فِي الْخطْبَة السَّوْدَاء وَكَانَ أَبُو مُسلم فصيحَاً عَالما بالأمور شجاعاً فاتكاً وَلم يُرَ قطّ مازحاً وَلَا يظْهر عَلَيْهِ سرُور وَلَا غضب وَلَا يَأْتِي النِّسَاء إِلَّا مرّة وَاحِدَة فِي السّنة وَكَانَ يَقُول

стр. 1434

النِّكَاح جنونٌ وَيَكْفِي الْعَاقِل أَن يجن فِي السّنة إِلَّا مرّة وَاحِدَة وأحصى من قَتله أَبُو مُسلم صبرَاً وَفِي حروبه فَكَانُوا سِتّمائَة ألف ونيفاً وَفِي المحاسن قَالَ قَالَ ابْن الْمعَافي لأبي مُسلم أَيهَا الْأَمِير لقد قُمْت بأمرِ لَا يقصر بك ثَوَابه عَن الْجنَّة فِي إِقَامَة دولة بني الْعَبَّاس فَقَالَ خوفي من النَّار وَالله أولى من طمعي فِي الْجنَّة إِنِّي أطفأت من بني أُميَّة جَمْرَة وألهبت من بني الْعَبَّاس نيراناً فَإِن أفرح بالإطفاء فواحسرتا من الإلهاب وَحدث أَبُو نميلَة عَن أَبِيه قَالَ سَمِعت أَبَا مُسلم بِعَرَفَات يَقُول فِي الْموقف باكياً اللَّهُمَّ إِنِّي أَتُوب إِلَيْك مِمَّا أَظن أَنَّك لن تغفره لي فَقلت أَيهَا الْأَمِير أيعظم على الله تَعَالَى غفران ذَنْب فَقَالَ إِنِّي نسجت ثوبَاً من الظُّلم لَا يبْلى مَا دَامَت الدولة لبني الْعَبَّاس فكم صارخٍ وصارخةٍ تلعنني عِنْد تفاقم هَذَا الْأَمر فَكيف يغْفر الله تَعَالَى لمن هَذَا الْخلق خصماؤه انْتهى وَاخْتلف فِي نسبته فَقيل من الْعَرَب وَقيل من الْعَجم وَقيل من بني أُميَّة وَقيل من الأكراد وَقيل لَهُ مَا كَانَ سَبَب خُرُوج الدولة عَن بني أُميَّة فَقَالَ لأَنهم أبعدوا أصدقاءهم ثِقَة بهم وأدنوا أعداءهم تألفاً لَهُم فَلم يصر الْعَدو صديقا بالتأليف وَصَارَ الصّديق عدوا بالإبعاد وَفِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَة دخل عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان الْأمَوِي الْمُسَمّى بالداخل لِأَنَّهُ أول من دخل الْمغرب فَدخل الأندلس وَاسْتولى عَلَيْهَا وامتدت أَيَّامه وَبقيت الأندلس فِي يَد أَوْلَاده إِلَى بعد الأربعمائة وَكَانَ عبد الرَّحْمَن هَذَا من أهل الْعلم وَالْعدْل وَكَانَت سيرته حميدة فِي الدّين وَكَانَ يُجَاهد الْكفَّار على إعلاء كلمة الدّين فَقيل للْإِمَام مَالك بن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِن بالمغرب ملكا قَائِما بالشرائع يلبس الصُّوف وَيَأْكُل الشّعير ويجاهد أَعدَاء الدّين من الْمُشْركين المجاورين لَهُ فَقَالَ مَا أحْوج بَلْدَتنَا إِلَى وَاحِد مثله تتزين بِهِ فوصلت كلمة مَالك إِلَيْهِ بالأندلس فَجمع النَّاس فِي مَمْلَكَته ونادى

стр. 1435

أَلا يدان إِلَّا بِمذهب مَالك فَمن ثمَّ كَانَ أهل الْمغرب على مَذْهَب الإِمَام مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ثمَّ سمع الْمَنْصُور بذلك فحصلت مِنْهُ إساءة إِلَى الإِمَام مَالك بِسَبَب ذَلِك القَوْل وَأمه بربرية وَكَذَلِكَ أم الْمَنْصُور فَكَانُوا يَقُولُونَ ملك الدُّنْيَا ابْنا بربريتين الْمَنْصُور وَعبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة هَذَا وَفِي سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة حج الْمَنْصُور فَنزل فِي دَار الندوة وَكَانَ يخرج فيطوفُ سحرًا بِالْبَيْتِ فَخرج ذَات لَيْلَة فَبَيْنَمَا هُوَ يطوف إِذْ سمع قَائِلا يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْك ظُهُور الْبَغي وَالْفساد فِي الأَرْض وَمَا يحول بَين الْحق وَأَهله من الطمع فهرول الْمَنْصُور حَتَّى مَلأ مسامعه ثمَّ رَجَعَ إِلَى دَار الندوة وَقَالَ لصَاحب الشرطة إِن بِالْبَيْتِ رجلا يطوف صفته كَذَا فائتني بِهِ فَخرج فَوجدَ رجلا عِنْد الرُّكْن الْيَمَانِيّ فَقَالَ أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ لَهُ الْمَنْصُور مَا الَّذِي سَمِعتك آنِفا تشكوه إِلَى الله تَعَالَى من ظُهُور الْبَغي وَالْفساد إِلَى آخِره فوَاللَّه لقد حشوتَ مسامعي مَا أَمْرَضَنِي فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الَّذِي دخله الطمع وَحَال بَين الْحق وَأَهله أنتَ فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور وَيحك كَيفَ يدخلني طمع والصفراء والبيضاء ببابي وَملك الأَرْض فِي قبضتي فَقَالَ الرجل سُبْحَانَ الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهل دخل أحدا من الطمع مَا دَخلك إِن الله تَعَالَى استرعاك أُمُور الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ فأهملت أُمُورهم واهتممت بِجمع أَمْوَالهم واتخذت بَيْنك وَبينهمْ حجابَاً من الجص والآَجُر وحجبة تمنعهم الْبَلَاغ وَأمرت أَلا يدْخل عَلَيْك إِلَّا فلَان وَفُلَان ثمَّ استخلصتهم لنَفسك وآثرتهم على رعيتك وَلم تَأمر بإيصال الْمَظْلُوم وَلَا الجائع وَلَا العاري وَلَا أحد إِلَّا وَله فِي هَذَا المَال حَق فَلَمَّا رآك هَؤُلَاءِ الَّذين استخلصتهم لنَفسك وآثرتهم على رعيتك تجمَعُ الأموالَ وَلَا تقسمها قَالُوا هَذَا قد خَان الله وَرَسُوله فمالنا لَا نخونه فَاجْتمعُوا على أَلا يصل إِلَيْك من أَمْوَال النَّاس إِلَّا مَا أَرَادوا فصاروا شركاءك فِي سلطانك وَأَنت غافل عَنْهُم وَإِذا جَاءَ الْمَظْلُوم إِلَى بابك وَجدك قد أوقفت ببابك رجل ينظر فِي الْمَظَالِم فَإِن كَانَ الظَّالِم من بطانتك علل الْمَظْلُوم وسوف بِهِ من وَقت إِلَى وَقت

стр. 1436

فَإِذا اجْتهد وَظَهَرت أنتَ فَصَرَخَ بَين يَديك ضرب ضربَاً مبرحاً ليَكُون نكالا لغيره وَأَنت ترى ذَلِك فَلَا تنكره وَلَقَد كَانَت الْخُلَفَاء من قبلك إِذا انْتَهَت إِلَيْهِم الظلامة أزيلَتْ فِي الْحَال وَلَقَد كنت أسافر إِلَى الصين فقدمتُ مرّة إِلَيْهِ فَوجدت الْملك الَّذِي بِهِ فَقَدَ سَمْعَهُ فَبكى فَقَالَ وزراؤه مَا يبكيك فَقَالَ مَا بَكَيْت لمصيبة نزلت بِي إِنَّمَا أبْكِي لمظلوم يصْرخ بِالْبَابِ فَلَا أسمعهُ ثمَّ قَالَ إِن ذهب سَمْعِي فَلم يذهب بَصرِي نادوا فِي النَّاس لَا يلبس أحد أَحْمَر إِلَّا مَظْلُوما وَكَانَ يركب الْفِيل وَيذْهب فِي الْبَلَد لعلَه يجد لابس ثوب أَحْمَر فينصفه فَهَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رجل مُشْرك بِاللَّه غلبت رأفته على شح نَفسه بالمشركين فَكيف بك وَأَنت مُؤمن بِاللَّه وَابْن عَم رَسُول الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا يجمع المَال لإحدى ثَلَاث إِن قلتَ إِنَّمَا أجمع المَال للْوَلَد فقد أَرَاك الله عِبْرَة فِي الطِّفْل إِذْ يسْقط من بطن أمه وَلَيْسَ لَهُ على وَجه الأَرْض من مَال وَمَا من مَال إِلَّا ودونه يَد شحيحة تحويه فَلم يزل لطف الله تَعَالَى بذلك الطِّفْل حَتَّى تعظم رَغْبَة النَّاس فِيهِ وحوى مَا حوته تِلْكَ الْيَد الشحيحة وَلست بِالَّذِي تُعْطِي وَإِنَّمَا الله المعطِي وَإِن قلت إِنَّمَا أجمعه لمصيبة تنزل بِي فقد أَرَاك الله تَعَالَى عِبْرَة فِي الْمُلُوك والقرون الَّذين خلو من قبلك مَا أغْنى عَنْهُم مَا أعدُّوا من الْأَمْوَال والذخائر والكُرَاع حِين أَرَادَ الله تَعَالَى مَا أَرَادَ وَإِن قلت إِنَّمَا أجمعه لغاية هِيَ أحسن من الْغَايَة الَّتِي أَنْت فِيهَا فوَاللَّه مَا فَوق غايتك إِلَّا منزلَة لَا تدْرك إِلَّا بِالْعَمَلِ الصَّالح فَبكى الْمَنْصُور بكاء شديدَاً ثمَّ قَالَ كَيفَ أعمل والعلماءُ قد فرَتْ مني والصالحون لم يدخلُوا عَليّ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ افْتَحْ الْبَاب وانتصر للمظلوم من الظَّالِم وَخذ المَال مِمَّا حل واقسمه بِالْحَقِّ وَالْعدْل وَأَنا ضَامِن من هرب مِنْك أَن يعود إِلَيْك ثمَّ خرج الرجل فَقَامَ الْمَنْصُور للصَّلَاة فَلَمَّا صلى طلب الرجل فَلم يجده فَذهب إِلَيْهِ الشرطي فَوَجَدَهُ عِنْد الرُّكْن الْيَمَانِيّ فَقَالَ أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ الرجل لَيْسَ إِلَى ذَلِك سَبِيل قَالَ الشرطي إذنْ يضْرب عنقِي قَالَ لَا وَلَا إِلَى ضرب عُنُقك سَبِيل ثمَّ أخرج وَرقا مكتوبَاً فَقَالَ خُذْهُ مَعَك فَإِن فِيهِ دُعَاء الْفرج وَذكر لَهُ فضلا عَظِيما فَأَخذه الشرطي وأتى إِلَى الْمَنْصُور فَلَمَّا رَآهُ قَالَ وَيحك

стр. 1437

أتحسن السحر قَالَ لَا وَالله ثمَّ قصّ عَلَيْهِ الْقِصَّة فَأمر الْمَنْصُور بنقله وَأمر للشرطي بِأَلف دِينَار وَهُوَ هَذَا اللَّهُمَّ كَمَا لطفت فِي عظمتك وقدرتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء وعلمتَ مَا تَحت أَرْضك كعلمك بِمَا فَوق عرشك فَكَانَت وساوس الصُّدُور عنْدك كالعلانية وَعَلَانِيَة القَوْل كالسر فِي علمك فانقاد كل شَيْء لعظمتك وخضع كل ذِي سُلْطَان لسلطانك وَصَارَ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة كُله بِيَدِك اجْعَل لي من كل هم وغم أصبحتُ أَو أمسيتُ فِيهِ فرجَاً ومخرجاً اللَّهُمَّ إِن عفوك عَن ذُنُوبِي وتجاوزك عَن خطيئتي وسترك على قَبِيح عَمَلي أطمعني أَن أَسأَلك مَا لَا أستوجبه مِنْك بهما قصرت فِيهِ فصرت أَدْعُوك آمنَاً وَأَسْأَلك مستأنساً فَإنَّك المحسن وَأَنا الْمُسِيء إِلَى نَفسِي فِيمَا بيني وَبَيْنك تتودد إليَ بنعمتك وأتبغض إِلَيْك بِالْمَعَاصِي وَلَكِن الثِّقَة بك حَملتنِي على الجرأة عَلَيْك فَعُدِ اللَّهُمَّ بِفَضْلِك وإحسانك عَليّ إِنَّك أَنْت الرءوف الرَّحِيم وَكَانَ هَذَا الرجل هُوَ الْخضر ﵇ وَهَذَا الدُّعَاء مَشْهُور بِأَنَّهُ دُعَاء الْخضر وَهُوَ عَظِيم الْفَوَائِد جم العوائد وَفِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَة بني مَدِينَة بَغْدَاد سَببهَا ثورة الرواندية عَلَيْهِ بالهاشمية وَلِأَنَّهُ كَانَ يكره أهل الْكُوفَة وَلَا يَأْمَن على نَفسه مِنْهُم فتجافى عَن جوارهم وَسَار إِلَى مَكَان بَغْدَاد الْيَوْم وَجمع من كَانَ هُنَاكَ من البطارقة وسألهم عَن أَحْوَالهم ومواضعهم فِي الْحر وَالْبرد والمطر والوحل والهوام واستشارهم فأشاروا عَلَيْهِ بمكانها وَقَالُوا تجيئك الْميرَة فِي السفن من الشَّام والرقة ومصر وَالْمغْرب إِلَى الصراة وَمن الصين والهند وَالْبَصْرَة وواسط وديار بكر وَالروم والموصل فِي دجلة وَمن أرمينية وَمَا اتَّصل بهَا من تامراً تتصلُ بالزاب يَعْنِي نهر الْموصل وَأَنت بَين أَنهَار كالخنادق لَا تعبر إِلَّا على القناطر والجسور وَإِذا قطعتها لم يكن لعدوك مطمع فِي أَرْضك وَأَنت متوسط بَين الْبَصْرَة والكوفة وواسط والموصل قريب من الْبر وَالْبَحْر والجبل فشرع الْمَنْصُور فِي عمارتها وَكتب إِلَى الشَّام والكوفة وواسط وَالْبَصْرَة فِي الصناع والفعلة وَاخْتَارَ من ذَوي الْفضل وَالْعَدَالَة والعفة وَالْأَمَانَة والمعرفة بالهندسة فأحضرهم لذَلِك وَأمر بخطها بالرماد فشكلَت

стр. 1438

أَبْوَابهَا وفصلاتها وطاقاتها ونواحيها وَجعل على الرماد حب الْقطن فأضرم نَارا ثمَّ نظر إلِيِها وَهِي تشتعل فَعرف رسمها وَأمر أَن تحفر الأسوس على ذَلِك الرَّسْم ووكل بهَا أَرْبَعَة من القواد يتَوَلَّى كل وَاحِد مِنْهُم نَاحيَة ووكل الإِمَام الْأَعْظَم أَبَا حنيفَة بن ثَابت ﵁ بِعَد الآجُر وَاللَّبن وَقد كَانَ أَرَادَهُ على الْقَضَاء والمظالم فَأبى فَحلف أَلا يقْلع عَنهُ حَتَّى يعْمل لَهُ عملا فَكَانَ هَذَا وأْمر الْمَنْصُور أَن يكون عرض أساس السُّور من أَسْفَله خمسين ذراعَاً وَمن أَعْلَاهُ عشْرين ذِرَاعا وَوضع بِيَدِهِ أول لبنة وَقَالَ بِسم الله وَالْحَمْد لله وَالْأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين ثمَّ قَالَ ابْنُوا على بركَة الله وَاسْتَشَارَ خَالِدا الْبَرْمَكِي فِي نقض الْمَدَائِن وإيوان كسْرَى فَإِنَّهُ بِالْمَدَائِنِ فَقَالَ لَا أرى لَك لِأَنَّهُ من آثَار الْإِسْلَام وفتوح الْعَرَب وَفِيه مصلى عَليّ بن أبي طَالب فاتهمه الْمَنْصُور بعصبية الْعَجم لِأَن خَالِدا أَصله من الْعَجم وَأمر بِنَقْض الْقصر الْأَبْيَض فَإِذا الَّذِي ينْفق عَلَيْهِ أَكثر من الثّمن الْجَدِيد فأقصر الْمَنْصُور عَنهُ فَقَالَ لَهُ خَالِد أما الْآن فَلَا أرى إقصارك عَنهُ لِئَلَّا يُقَال عجزوا عَن هدم مَا بناه غَيرهم وَالْهدم أيسَرُ من الْبناء فَأَعْرض عَنهُ وَنقل الْأَبْوَاب إِلَى بَغْدَاد من وَاسِط وَمن الشَّام وَمن الْكُوفَة وَجعل الْمَدِينَة مُدَوَّرَة وَجعل قصره وَسطهَا ليَكُون النَّاس مِنْهُ على حد سَوَاء وَجعل الْمَسْجِد الْجَامِع إِلَى جنب الْقصر وَجعل لَهَا سورين والداخل أَعلَى من الْخَارِج وَكَانَ زنة اللَّبن الَّذِي يَبْنِي بِهِ كل لبنة مائَة رَطْل وَسَبْعَة عشر رطلا وطولها ذِرَاع فِي ذِرَاع وَكَانَ مِقْدَار النَّفَقَة عَلَيْهَا بالجامع وَالْقصر والسورين والفنادق والأبواب والأسواق أَرْبَعَة آلَاف ألف وَثَمَانمِائَة ألف وَثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وَفِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين توطأت الممالك كلهَا للمنصور وجلت هيبته فِي النُّفُوس ودانت لَهُ الْأَمْصَار وَلم يبْق خَارِجا عَنهُ سوى جَزِيرَة الأندلس فَإِنَّهُ غلب عَلَيْهَا عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام كَمَا قدمت ذكره وَفِي سنة تسع وَأَرْبَعين فرغ من بِنَاء بَغْدَاد وَفِي سنة خمسين بني الرصافة وشيدها وَفِي سنة ثَلَاث وَخمسين ألزم الْمَنْصُور رَعيته لبس القلانس الطوَال وَكَانُوا يعملونها بالقصب وَالْوَرق ويلبسونها فَقَالَ أَبُو دلامة فِي ذَلِك من // (الطَّوِيل) //

стр. 1439

(وَكُنَّا نرجِّي من إمامٍ زِيَادَة ... فَزَاد الإمَامُ المصطَفَى فِي القَلَانِسِ) (تَرَاهَا على هَامِ الرجالِ كَأَنَّهَا ... زُنَارُ يَهُودٍ جُلِّلَتْ بِالبَرَانِسِ) وَكَانَ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور مهيباً سفاكَاً ذَا دهاءِ وحزمِ وتدبيرِ لأمور الرّعية وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ الصمت وعَلى ظَاهر أَحْوَاله الصّلاح أمه يُقَال لَهَا سَلامَة بربرية يُقَال إِنَّهَا قَالَت لما حملت بِهِ رأيتُ كَأَن أسداً خرج مني فأقعى وزأر وَضرب بذيله الأَرْض فَأَقْبَلت إِلَيْهِ الْأسود من كل نَاحيَة فَكلما انْتهى أَسد مِنْهَا إِلَيْهِ سجد كَانَت وِلَادَته سنة خمس وَتِسْعين وَهِي السّنة الَّتِي توفّي فِيهَا الْحجَّاج بن يُوسُف يحْكى أَنه رتب أوقاته لأموره كَانَ بعد أَن يُصَلِّي الصُّبْح إِلَى وَقت صَلَاة الظّهْر يدبر أَحْوَال الْبِلَاد وَيرْفَع الْمَظَالِم عَن الْعباد وَيَقْضِي حوائج النَّاس وَمن الظّهْر إِلَى وَقت الْعَصْر يدبر أَحْوَال نَفسه وَمن الْعَصْر إِلَى الْمغرب يتَقَيَّد بِأُمُور خواصِّ أهل بَيته وَبعد الْمغرب إِلَى الْعشَاء يشْتَغل بِالْقِرَاءَةِ وَبعد الْعشَاء إِلَى مُضِيّ الثُّلُث الأول من اللَّيْل يجْتَمع إِلَيْهِ ندماؤه ويتحدَثون بالسير وَالْأَخْبَار والأشعار المتضمنة للْحكم والشجاعة فَإِذا تفَرقُوا من عِنْده رقد الثُّلُث الْأَوْسَط فَإِذا دخل الثُّلُث الْأَخير قَامَ وَتَوَضَّأ وتهجد وَقَرَأَ الْقُرْآن إِلَى الصُّبْح وَفِي ربيع الْأَبْرَار سَأَلَ الْمَنْصُور بعض بطانة هِشَام بن عبد الْملك الْأمَوِي عَن تَدْبِير هِشَام فِي حروبه فَقَالَ ذَلِك الْبَعْض فعل كَذَا ﵀ وصنع كَذَا ﵀ فَقَالَ الْمَنْصُور لعنك الله وإياه تطَأ بساطي وتترحَم على عدوي أَخْرجُوهُ عني فَقَامَ الرجل وَهُوَ يَقُول وَالله لنعمة عَدوك قلادة فِي عنقِي لَا يَنْزِعهَا إِلَّا غاسلي فَقَالَ الْمَنْصُور ردُّوهُ عَليّ فَرُدَ فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور يَا شيخ أشهد أَنَّك نتيجة حر وَثَمَرَة شرِيف ودعا لَهُ بِمَال فَقَالَ الرجل لَوْلَا افتراض طَاعَتك مَا قبلت بعده لأحد نعْمَة فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور كفيت قَوْمك فخراً كن أول دَاخل عَليّ وَآخر خَارج عني

стр. 1440

وَدخل بعض الهاشميين عَلَيْهِ فَجعل يحدثه وَيكثر من ذكر أَبِيه والترحم عَلَيْهِ فَيَقُول كَانَ أبي ﵀ وَفعل أبي ﵀ فَقَالَ لَهُ الرّبيع حَاجِب الْمَنْصُور كم تترحَم على أَبِيك بِحَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ الْهَاشِمِي أَنْت مَعْذُور فَإنَّك لَا تعرف حلاوة الْآبَاء فَخَجِلَ مِنْهُ أَشد الخجل وَذَلِكَ أَن الرّبيع كَانَ لقيطاً لَا يعرف لَهُ أَب وَكَانَ الْمَنْصُور مَعَ هَذِه الصِّفَات الحميدة يُوصف بالبخل الشَّديد وَلذَا لقب بالدوانيقي ذكر ابْن خلدون أَنه حاسب القواد الَّذين جعلهم على بِنَاء بَغْدَاد عِنْد الْفَرَاغ مِنْهَا فألزم كُلاًَ بِمَا بَقِي عِنْده حَتَّى إِنَّه أَخذ من خَالِد بن الصَّلْت مِنْهُم خَمْسَة عشرَة درهما بعد أَن حَبسه عَلَيْهَا وَمِمَّا يحْكى عَنهُ من الشُّح أَنه قَالَ للمسيب بن زُهَيْر أحضرني بِنَاء حاذقاً السَّاعَة فَأحْضرهُ فَأدْخلهُ إِلَى بعض محاله وَقَالَ ابْن لي بازائه طاقاً يكون شَبِيها بِالْبَيْتِ فَلم يزل يُؤْتِي بالحصى والآجر حَتَّى بناه وجوده فَنظر إِلَيْهِ الْمَنْصُور وَاسْتَحْسنهُ وَقَالَ للمسيب أعْطه أجره فَقَالَ أعْطِيه خَمْسَة دَرَاهِم فاستكثرها وَقَالَ لَا أرضي بذلك فَلم يزل حَتَّى نَقصه درهما ففرح بذلك وابتهج كَأَنَّهُ أصَاب مَالا وَحكي أَيْضا أَنه لدغ فَدَعَا مولى لَهُ يُقَال لَهُ أسلم رقاء فَأمره أَن يرقيه فرقاه فبرئ فَأمر لَهُ برغيف فَأخذ الرَّغِيف فثقبه وصيره فِي عُنُقه وَجعل يَقُول رقيت مولَايَ فبرئ فَأمر لي بِهَذَا الرَّغِيف فَبلغ الْمَنْصُور ذَلِك فَقَالَ لَهُ لم أبرك أَن تشنع عَليّ فَقَالَ لم أشنع إِنَّمَا أخْبرت بِمَا أمرتَ فَأمر أَن يصفع ثَلَاث أَيَّام كل يَوْم ثَلَاث صفعات قلت وَعِنْدِي وَالله فِي صِحَة هَذَا القَوْل عشرُون شكا وَالله أعلم بالحقائق وَحكي عَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ بعث إِلَيّ الْمَنْصُور فَقَالَ لم تبطئ عَنْهَا قلت وَمَا تُرِيدُ منا فَقَالَ لآخذ عَنْكُم وأقتبس مِنْكُم فَقلت لَهُ مهلا فَإِن عُرْوَة بن رُوَيْم أَخْبرنِي أَن نَبِي الله قَالَ من جَاءَتْهُ موعظة من ربه فقبلها شكر الله لَهُ ذَلِك
следующие страницы →