← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

فَإِذا اجْتهد وَظَهَرت أنتَ فَصَرَخَ بَين يَديك ضرب ضربَاً مبرحاً ليَكُون نكالا لغيره وَأَنت ترى ذَلِك فَلَا تنكره وَلَقَد كَانَت الْخُلَفَاء من قبلك إِذا انْتَهَت إِلَيْهِم الظلامة أزيلَتْ فِي الْحَال وَلَقَد كنت أسافر إِلَى الصين فقدمتُ مرّة إِلَيْهِ فَوجدت الْملك الَّذِي بِهِ فَقَدَ سَمْعَهُ فَبكى فَقَالَ وزراؤه مَا يبكيك فَقَالَ مَا بَكَيْت لمصيبة نزلت بِي إِنَّمَا أبْكِي لمظلوم يصْرخ بِالْبَابِ فَلَا أسمعهُ ثمَّ قَالَ إِن ذهب سَمْعِي فَلم يذهب بَصرِي نادوا فِي النَّاس لَا يلبس أحد أَحْمَر إِلَّا مَظْلُوما وَكَانَ يركب الْفِيل وَيذْهب فِي الْبَلَد لعلَه يجد لابس ثوب أَحْمَر فينصفه فَهَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رجل مُشْرك بِاللَّه غلبت رأفته على شح نَفسه بالمشركين فَكيف بك وَأَنت مُؤمن بِاللَّه وَابْن عَم رَسُول الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا يجمع المَال لإحدى ثَلَاث إِن قلتَ إِنَّمَا أجمع المَال للْوَلَد فقد أَرَاك الله عِبْرَة فِي الطِّفْل إِذْ يسْقط من بطن أمه وَلَيْسَ لَهُ على وَجه الأَرْض من مَال وَمَا من مَال إِلَّا ودونه يَد شحيحة تحويه فَلم يزل لطف الله تَعَالَى بذلك الطِّفْل حَتَّى تعظم رَغْبَة النَّاس فِيهِ وحوى مَا حوته تِلْكَ الْيَد الشحيحة وَلست بِالَّذِي تُعْطِي وَإِنَّمَا الله المعطِي وَإِن قلت إِنَّمَا أجمعه لمصيبة تنزل بِي فقد أَرَاك الله تَعَالَى عِبْرَة فِي الْمُلُوك والقرون الَّذين خلو من قبلك مَا أغْنى عَنْهُم مَا أعدُّوا من الْأَمْوَال والذخائر والكُرَاع حِين أَرَادَ الله تَعَالَى مَا أَرَادَ وَإِن قلت إِنَّمَا أجمعه لغاية هِيَ أحسن من الْغَايَة الَّتِي أَنْت فِيهَا فوَاللَّه مَا فَوق غايتك إِلَّا منزلَة لَا تدْرك إِلَّا بِالْعَمَلِ الصَّالح فَبكى الْمَنْصُور بكاء شديدَاً ثمَّ قَالَ كَيفَ أعمل والعلماءُ قد فرَتْ مني والصالحون لم يدخلُوا عَليّ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ افْتَحْ الْبَاب وانتصر للمظلوم من الظَّالِم وَخذ المَال مِمَّا حل واقسمه بِالْحَقِّ وَالْعدْل وَأَنا ضَامِن من هرب مِنْك أَن يعود إِلَيْك ثمَّ خرج الرجل فَقَامَ الْمَنْصُور للصَّلَاة فَلَمَّا صلى طلب الرجل فَلم يجده فَذهب إِلَيْهِ الشرطي فَوَجَدَهُ عِنْد الرُّكْن الْيَمَانِيّ فَقَالَ أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ الرجل لَيْسَ إِلَى ذَلِك سَبِيل قَالَ الشرطي إذنْ يضْرب عنقِي قَالَ لَا وَلَا إِلَى ضرب عُنُقك سَبِيل ثمَّ أخرج وَرقا مكتوبَاً فَقَالَ خُذْهُ مَعَك فَإِن فِيهِ دُعَاء الْفرج وَذكر لَهُ فضلا عَظِيما فَأَخذه الشرطي وأتى إِلَى الْمَنْصُور فَلَمَّا رَآهُ قَالَ وَيحك

стр. 1437

أتحسن السحر قَالَ لَا وَالله ثمَّ قصّ عَلَيْهِ الْقِصَّة فَأمر الْمَنْصُور بنقله وَأمر للشرطي بِأَلف دِينَار وَهُوَ هَذَا اللَّهُمَّ كَمَا لطفت فِي عظمتك وقدرتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء وعلمتَ مَا تَحت أَرْضك كعلمك بِمَا فَوق عرشك فَكَانَت وساوس الصُّدُور عنْدك كالعلانية وَعَلَانِيَة القَوْل كالسر فِي علمك فانقاد كل شَيْء لعظمتك وخضع كل ذِي سُلْطَان لسلطانك وَصَارَ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة كُله بِيَدِك اجْعَل لي من كل هم وغم أصبحتُ أَو أمسيتُ فِيهِ فرجَاً ومخرجاً اللَّهُمَّ إِن عفوك عَن ذُنُوبِي وتجاوزك عَن خطيئتي وسترك على قَبِيح عَمَلي أطمعني أَن أَسأَلك مَا لَا أستوجبه مِنْك بهما قصرت فِيهِ فصرت أَدْعُوك آمنَاً وَأَسْأَلك مستأنساً فَإنَّك المحسن وَأَنا الْمُسِيء إِلَى نَفسِي فِيمَا بيني وَبَيْنك تتودد إليَ بنعمتك وأتبغض إِلَيْك بِالْمَعَاصِي وَلَكِن الثِّقَة بك حَملتنِي على الجرأة عَلَيْك فَعُدِ اللَّهُمَّ بِفَضْلِك وإحسانك عَليّ إِنَّك أَنْت الرءوف الرَّحِيم وَكَانَ هَذَا الرجل هُوَ الْخضر ﵇ وَهَذَا الدُّعَاء مَشْهُور بِأَنَّهُ دُعَاء الْخضر وَهُوَ عَظِيم الْفَوَائِد جم العوائد وَفِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَة بني مَدِينَة بَغْدَاد سَببهَا ثورة الرواندية عَلَيْهِ بالهاشمية وَلِأَنَّهُ كَانَ يكره أهل الْكُوفَة وَلَا يَأْمَن على نَفسه مِنْهُم فتجافى عَن جوارهم وَسَار إِلَى مَكَان بَغْدَاد الْيَوْم وَجمع من كَانَ هُنَاكَ من البطارقة وسألهم عَن أَحْوَالهم ومواضعهم فِي الْحر وَالْبرد والمطر والوحل والهوام واستشارهم فأشاروا عَلَيْهِ بمكانها وَقَالُوا تجيئك الْميرَة فِي السفن من الشَّام والرقة ومصر وَالْمغْرب إِلَى الصراة وَمن الصين والهند وَالْبَصْرَة وواسط وديار بكر وَالروم والموصل فِي دجلة وَمن أرمينية وَمَا اتَّصل بهَا من تامراً تتصلُ بالزاب يَعْنِي نهر الْموصل وَأَنت بَين أَنهَار كالخنادق لَا تعبر إِلَّا على القناطر والجسور وَإِذا قطعتها لم يكن لعدوك مطمع فِي أَرْضك وَأَنت متوسط بَين الْبَصْرَة والكوفة وواسط والموصل قريب من الْبر وَالْبَحْر والجبل فشرع الْمَنْصُور فِي عمارتها وَكتب إِلَى الشَّام والكوفة وواسط وَالْبَصْرَة فِي الصناع والفعلة وَاخْتَارَ من ذَوي الْفضل وَالْعَدَالَة والعفة وَالْأَمَانَة والمعرفة بالهندسة فأحضرهم لذَلِك وَأمر بخطها بالرماد فشكلَت

стр. 1438

أَبْوَابهَا وفصلاتها وطاقاتها ونواحيها وَجعل على الرماد حب الْقطن فأضرم نَارا ثمَّ نظر إلِيِها وَهِي تشتعل فَعرف رسمها وَأمر أَن تحفر الأسوس على ذَلِك الرَّسْم ووكل بهَا أَرْبَعَة من القواد يتَوَلَّى كل وَاحِد مِنْهُم نَاحيَة ووكل الإِمَام الْأَعْظَم أَبَا حنيفَة بن ثَابت ﵁ بِعَد الآجُر وَاللَّبن وَقد كَانَ أَرَادَهُ على الْقَضَاء والمظالم فَأبى فَحلف أَلا يقْلع عَنهُ حَتَّى يعْمل لَهُ عملا فَكَانَ هَذَا وأْمر الْمَنْصُور أَن يكون عرض أساس السُّور من أَسْفَله خمسين ذراعَاً وَمن أَعْلَاهُ عشْرين ذِرَاعا وَوضع بِيَدِهِ أول لبنة وَقَالَ بِسم الله وَالْحَمْد لله وَالْأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين ثمَّ قَالَ ابْنُوا على بركَة الله وَاسْتَشَارَ خَالِدا الْبَرْمَكِي فِي نقض الْمَدَائِن وإيوان كسْرَى فَإِنَّهُ بِالْمَدَائِنِ فَقَالَ لَا أرى لَك لِأَنَّهُ من آثَار الْإِسْلَام وفتوح الْعَرَب وَفِيه مصلى عَليّ بن أبي طَالب فاتهمه الْمَنْصُور بعصبية الْعَجم لِأَن خَالِدا أَصله من الْعَجم وَأمر بِنَقْض الْقصر الْأَبْيَض فَإِذا الَّذِي ينْفق عَلَيْهِ أَكثر من الثّمن الْجَدِيد فأقصر الْمَنْصُور عَنهُ فَقَالَ لَهُ خَالِد أما الْآن فَلَا أرى إقصارك عَنهُ لِئَلَّا يُقَال عجزوا عَن هدم مَا بناه غَيرهم وَالْهدم أيسَرُ من الْبناء فَأَعْرض عَنهُ وَنقل الْأَبْوَاب إِلَى بَغْدَاد من وَاسِط وَمن الشَّام وَمن الْكُوفَة وَجعل الْمَدِينَة مُدَوَّرَة وَجعل قصره وَسطهَا ليَكُون النَّاس مِنْهُ على حد سَوَاء وَجعل الْمَسْجِد الْجَامِع إِلَى جنب الْقصر وَجعل لَهَا سورين والداخل أَعلَى من الْخَارِج وَكَانَ زنة اللَّبن الَّذِي يَبْنِي بِهِ كل لبنة مائَة رَطْل وَسَبْعَة عشر رطلا وطولها ذِرَاع فِي ذِرَاع وَكَانَ مِقْدَار النَّفَقَة عَلَيْهَا بالجامع وَالْقصر والسورين والفنادق والأبواب والأسواق أَرْبَعَة آلَاف ألف وَثَمَانمِائَة ألف وَثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وَفِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين توطأت الممالك كلهَا للمنصور وجلت هيبته فِي النُّفُوس ودانت لَهُ الْأَمْصَار وَلم يبْق خَارِجا عَنهُ سوى جَزِيرَة الأندلس فَإِنَّهُ غلب عَلَيْهَا عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام كَمَا قدمت ذكره وَفِي سنة تسع وَأَرْبَعين فرغ من بِنَاء بَغْدَاد وَفِي سنة خمسين بني الرصافة وشيدها وَفِي سنة ثَلَاث وَخمسين ألزم الْمَنْصُور رَعيته لبس القلانس الطوَال وَكَانُوا يعملونها بالقصب وَالْوَرق ويلبسونها فَقَالَ أَبُو دلامة فِي ذَلِك من // (الطَّوِيل) //

стр. 1439

(وَكُنَّا نرجِّي من إمامٍ زِيَادَة ... فَزَاد الإمَامُ المصطَفَى فِي القَلَانِسِ) (تَرَاهَا على هَامِ الرجالِ كَأَنَّهَا ... زُنَارُ يَهُودٍ جُلِّلَتْ بِالبَرَانِسِ) وَكَانَ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور مهيباً سفاكَاً ذَا دهاءِ وحزمِ وتدبيرِ لأمور الرّعية وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ الصمت وعَلى ظَاهر أَحْوَاله الصّلاح أمه يُقَال لَهَا سَلامَة بربرية يُقَال إِنَّهَا قَالَت لما حملت بِهِ رأيتُ كَأَن أسداً خرج مني فأقعى وزأر وَضرب بذيله الأَرْض فَأَقْبَلت إِلَيْهِ الْأسود من كل نَاحيَة فَكلما انْتهى أَسد مِنْهَا إِلَيْهِ سجد كَانَت وِلَادَته سنة خمس وَتِسْعين وَهِي السّنة الَّتِي توفّي فِيهَا الْحجَّاج بن يُوسُف يحْكى أَنه رتب أوقاته لأموره كَانَ بعد أَن يُصَلِّي الصُّبْح إِلَى وَقت صَلَاة الظّهْر يدبر أَحْوَال الْبِلَاد وَيرْفَع الْمَظَالِم عَن الْعباد وَيَقْضِي حوائج النَّاس وَمن الظّهْر إِلَى وَقت الْعَصْر يدبر أَحْوَال نَفسه وَمن الْعَصْر إِلَى الْمغرب يتَقَيَّد بِأُمُور خواصِّ أهل بَيته وَبعد الْمغرب إِلَى الْعشَاء يشْتَغل بِالْقِرَاءَةِ وَبعد الْعشَاء إِلَى مُضِيّ الثُّلُث الأول من اللَّيْل يجْتَمع إِلَيْهِ ندماؤه ويتحدَثون بالسير وَالْأَخْبَار والأشعار المتضمنة للْحكم والشجاعة فَإِذا تفَرقُوا من عِنْده رقد الثُّلُث الْأَوْسَط فَإِذا دخل الثُّلُث الْأَخير قَامَ وَتَوَضَّأ وتهجد وَقَرَأَ الْقُرْآن إِلَى الصُّبْح وَفِي ربيع الْأَبْرَار سَأَلَ الْمَنْصُور بعض بطانة هِشَام بن عبد الْملك الْأمَوِي عَن تَدْبِير هِشَام فِي حروبه فَقَالَ ذَلِك الْبَعْض فعل كَذَا ﵀ وصنع كَذَا ﵀ فَقَالَ الْمَنْصُور لعنك الله وإياه تطَأ بساطي وتترحَم على عدوي أَخْرجُوهُ عني فَقَامَ الرجل وَهُوَ يَقُول وَالله لنعمة عَدوك قلادة فِي عنقِي لَا يَنْزِعهَا إِلَّا غاسلي فَقَالَ الْمَنْصُور ردُّوهُ عَليّ فَرُدَ فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور يَا شيخ أشهد أَنَّك نتيجة حر وَثَمَرَة شرِيف ودعا لَهُ بِمَال فَقَالَ الرجل لَوْلَا افتراض طَاعَتك مَا قبلت بعده لأحد نعْمَة فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور كفيت قَوْمك فخراً كن أول دَاخل عَليّ وَآخر خَارج عني

стр. 1440

وَدخل بعض الهاشميين عَلَيْهِ فَجعل يحدثه وَيكثر من ذكر أَبِيه والترحم عَلَيْهِ فَيَقُول كَانَ أبي ﵀ وَفعل أبي ﵀ فَقَالَ لَهُ الرّبيع حَاجِب الْمَنْصُور كم تترحَم على أَبِيك بِحَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ الْهَاشِمِي أَنْت مَعْذُور فَإنَّك لَا تعرف حلاوة الْآبَاء فَخَجِلَ مِنْهُ أَشد الخجل وَذَلِكَ أَن الرّبيع كَانَ لقيطاً لَا يعرف لَهُ أَب وَكَانَ الْمَنْصُور مَعَ هَذِه الصِّفَات الحميدة يُوصف بالبخل الشَّديد وَلذَا لقب بالدوانيقي ذكر ابْن خلدون أَنه حاسب القواد الَّذين جعلهم على بِنَاء بَغْدَاد عِنْد الْفَرَاغ مِنْهَا فألزم كُلاًَ بِمَا بَقِي عِنْده حَتَّى إِنَّه أَخذ من خَالِد بن الصَّلْت مِنْهُم خَمْسَة عشرَة درهما بعد أَن حَبسه عَلَيْهَا وَمِمَّا يحْكى عَنهُ من الشُّح أَنه قَالَ للمسيب بن زُهَيْر أحضرني بِنَاء حاذقاً السَّاعَة فَأحْضرهُ فَأدْخلهُ إِلَى بعض محاله وَقَالَ ابْن لي بازائه طاقاً يكون شَبِيها بِالْبَيْتِ فَلم يزل يُؤْتِي بالحصى والآجر حَتَّى بناه وجوده فَنظر إِلَيْهِ الْمَنْصُور وَاسْتَحْسنهُ وَقَالَ للمسيب أعْطه أجره فَقَالَ أعْطِيه خَمْسَة دَرَاهِم فاستكثرها وَقَالَ لَا أرضي بذلك فَلم يزل حَتَّى نَقصه درهما ففرح بذلك وابتهج كَأَنَّهُ أصَاب مَالا وَحكي أَيْضا أَنه لدغ فَدَعَا مولى لَهُ يُقَال لَهُ أسلم رقاء فَأمره أَن يرقيه فرقاه فبرئ فَأمر لَهُ برغيف فَأخذ الرَّغِيف فثقبه وصيره فِي عُنُقه وَجعل يَقُول رقيت مولَايَ فبرئ فَأمر لي بِهَذَا الرَّغِيف فَبلغ الْمَنْصُور ذَلِك فَقَالَ لَهُ لم أبرك أَن تشنع عَليّ فَقَالَ لم أشنع إِنَّمَا أخْبرت بِمَا أمرتَ فَأمر أَن يصفع ثَلَاث أَيَّام كل يَوْم ثَلَاث صفعات قلت وَعِنْدِي وَالله فِي صِحَة هَذَا القَوْل عشرُون شكا وَالله أعلم بالحقائق وَحكي عَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ بعث إِلَيّ الْمَنْصُور فَقَالَ لم تبطئ عَنْهَا قلت وَمَا تُرِيدُ منا فَقَالَ لآخذ عَنْكُم وأقتبس مِنْكُم فَقلت لَهُ مهلا فَإِن عُرْوَة بن رُوَيْم أَخْبرنِي أَن نَبِي الله قَالَ من جَاءَتْهُ موعظة من ربه فقبلها شكر الله لَهُ ذَلِك

стр. 1441

وَمن جَاءَتْهُ فَلم يقبلهَا كَانَت حجَّة عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة مهلا فَإِن مثلك لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن ينَام إِنَّمَا جعلت الْأَنْبِيَاء رُعَاة لعلمهم بالرعية يجبرون الكسير ويسمنون الهزيل ويؤوون الضَّالة فَكيف من يسفك دم الْمُسلمين وَيَأْخُذ أَمْوَالهم أُعِيذك بِاللَّه أَن تَقول إِن قرابتك من رَسُول الله تدعوك إِلَى الْجنَّة إِن رَسُول الله كَانَت فِي يَده جَرِيدَة يستاك بهَا فَضرب بهَا قورة أَعْرَابِي فَنزل جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن الله ﵎ لم يَبْعَثك مؤيسَاً مقنطاً تكسر قُرُون أمتك ألق الجريدة من يدك فَدَعَا الْأَعرَابِي إِلَى الْقصاص من نَفسه فَكيف بِمن يسفك دِمَاء الْمُسلمين إِن الله أوحى إِلَى من هُوَ خير مِنْك دَاوُد ﵇ ﴿يَا داودُ إِنا جَعلناك خليفَة فِي اَلأَرضِ فاحكمُ بَين اَلناسِ باِلحقِ وَلا تَتبِعِ الهَوَى﴾ الْآيَة ص ٢٦ وأوحي إِلَيْهِ يَا دَاوُد إِذا أَتَاك الخصمان فَلَا يكون لأَحَدهمَا على صَاحبه الْفضل فأمحوك من ديوَان نبوتي اعْلَم أَن ثوبَاً من ثِيَاب أهل النَّار لَو علق بَين السَّمَاء وَالْأَرْض لمات أهل الأَرْض من نَتن رِيحه فَكيف بِمن يتقمصه وَلَو أَن حَلقَة من سلاسل جَهَنَّم وضعت على جبال الدُّنْيَا لذابت كَمَا يذوب الرصاص حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى الأَرْض السَّابِعَة فَكيف بِمن تقلدها فبكي حَتَّى خضبت دُمُوعه لحيته وَوجه (الْعَهْد للمهدي وخلع عِيسَى بن مُوسَى) كَانَ السفاح قد عهد إِلَى عِيسَى ابْن أَخِيه مُوسَى أَن يكون خَليفَة بعد أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وولاه على الْكُوفَة فَلم يزل عَلَيْهَا فَلَمَّا كبر الْمهْدي بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور أَرَادَ الْمَنْصُور أَبوهُ أَن يقدمهُ فِي الْعَهْد على عِيسَى وَكَانَ يُكرمهُ فيجلسه عَن يَمِينه وَالْمهْدِي عَن يسَاره فَكَلمهُ فِي التَّأَخُّر عَن الْمهْدي فِي الْعَهْد فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَيفَ بالأيمان الَّتِي عَليّ وعَلى الْمُسلمين وَأبي من ذَلِك وَلم يرض بتقدم الْمهْدي عَلَيْهِ فَتغير لَهُ الْمَنْصُور وباعده بعض الشَّيْء وَصَارَ يَأْذَن

стр. 1442

للمهدي قبله ولعميه عِيسَى بن عَليّ وَعبد الصَّمد ثمَّ يدْخل عِيسَى بن مُوسَى فيجلس تَحت الْمهْدي وَاسْتمرّ الْمَنْصُور على التنكُر لعيسى وعزله عَن الْكُوفَة ثمَّ رَاجع عِيسَى رَأْيه وخلع نَفسه فَبَايع الْمَنْصُور للمهدي بالعهد وَجعل عِيسَى من بعده وَيُقَال أَنه أعطَاهُ أحد عشر ألف دِرْهَم وَأشْهد جمَاعَة عَلَيْهِ بِالْخلْعِ قَالَ فِي بغية الخاطر للعلامة مُحَمَّد بن مصطفى الشهير بكاتي ذكر أَن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور قَالَ لعَمْرو بن عبيد عظني قَالَ بِمَا رأيتُ أَو بِمَا سمعتُ فَقَالَ بل بِنَا رأيتَ فَقَالَ توفّي عمر بن عبد الْعَزِيز ﵀ وَخلف أحد عشر ابْنا وَبَلغت قيمَة تركته سَبْعَة عشر دِينَارا فَكفن بِخَمْسَة دَنَانِير وَاشْترى لَهُ مَوضِع قَبره بدينارين وَأصَاب كل وَاحِد من أَوْلَاده ثَمَانِيَة عشر قيراطاً وَمَات هِشَام بن عبد الْملك وَخلف أحد عشر ابْنا فَحصل كل وَاحِد من ورثته مِمَّا خَلفه عشرَة آلَاف دِينَار فَرَأَيْت رجلا من أَوْلَاد عمر بن عبد الْعَزِيز قد حمل على مائَة فرس فِي سَبِيل الله وَرَأَيْت رجلا من أَوْلَاد هِشَام يسْأَل النَّاس وَفِي سنة ثَمَان وَخمسين توفّي الْمَنْصُور محرما بِالْحَجِّ وَكَانَت وَفَاته ببئر مَيْمُون السَّادِس من ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة وبئر مَيْمُون على ثَلَاثَة أَمْيَال من مَكَّة وَدفن قبل بِئْر الْحجُون وَبَين بِئْر مَيْمُون وحفر لَهُ مائَة قبر وَدفن فِي أَحدهَا خوفًا أَن تنبشه الْأَعْدَاء قَالَ ابْن خلدون دفن بمقبرة المعلاة بعد أَن صلى عَلَيْهِ عِيسَى بن مُوسَى وَقيل إِبْرَاهِيم بن يحيى وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة وعمره اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سنة وَأحد عشر شهرا وَسِتَّة أَيَّام وَقيل أَربع وَسِتُّونَ صفته قَالَ ابْن الْأَثِير فِي كَامِله كَانَ طَويلا أسمر خَفِيف اللِّحْيَة رَحْبَ الصَّدْر كَأَن عَيْنَيْهِ لسانان ناطقان صَارِمًا مهيبَاً ذَا جرْأَة وسطوة وحزم وعزم ورأي وشجاعة وَكَمَال عقل ودهاء وَعلم وحلم وَفقه وخبرة فِي الْأُمُور تقبله النُّفُوس وتهابه الرِّجَال كَانَ يخلط الْملك بزِي النّسك وَكَانَ بَخِيلًا بِالْمَالِ إِلَّا عِنْد النوائب

стр. 1443

قلت ورأيتُ فِي الذَّهَبِيّ أَنه كَانَ أغرى بسفيان وَالثَّوْري فَأمر قَتله حَال فَرَاغه من الْمَنَاسِك وَأعد خَشَبَة مَعَ الخشابين ليصلبه عَلَيْهَا فجَاء الْخَبَر إِلَى سُفْيَان الثَّوْريّ ﵁ وَهُوَ فضطجع بِالْحجرِ وَرَأسه فِي حجر الفضيل بن عِيَاض وَرجلَاهُ فِي حجر سُفْيَان بن عُيَيْنَة فَقيل لَهُ إِن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور قَارب مَكَّة فَانْجُ بِنَفْسِك واختفِ فَقَامَ إِلَى أَثوَاب الْبَيْت الشريف ودعا طَويلا ثمَّ قَالَ بَرِئت من رب هَذِه الْبَيِّنَة إِن دَخلهَا أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور إِلَّا مَيتا فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك وَلما سَار الْمَنْصُور إِلَى الْحَج أوصى وَلَده الْمهْدي عِنْد وداعه فَقَالَ لَهُ لم أدع شَيْئا إِلَّا تقدّمت إِلَيْك فِيهِ وسأوصيك بخصال وَمَا أَظُنك تفعل وَاحِدَة مِنْهَا وَكَانَ لَهُ سفط فِيهِ دفاتر عمله وَعَلِيهِ قفل لَا يَفْتَحهُ أحد غَيره فَقَالَ للمهدي انْظُر لهَذَا السفط فاحتفظ بِهِ فَإِن فِيهِ علم آبَائِك مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَإِن حزبك أَمر فَانْظُر فِي الدفتر الْكَبِير فَإِن أصبت فِيهِ مَا تُرِيدُ وَإِلَّا فَفِي الثَّانِي وَالثَّالِث حَتَّى بلغ سَبْعَة فَإِن ثقل عَلَيْك فالكراسة الصَّغِيرَة فَإنَّك وَاجِد مَا تُرِيدُ فِيهَا وَمَا أَظُنك تفعل وَانْظُر هَذِه الْمَدِينَة وَإِيَّاك أَن تستبدل بهَا غَيرهَا وَقد جمعت لَك فِيهَا من الْأَمْوَال مَا لَو انْكَسَرَ عَلَيْك الْخراج عشر سِنِين كَفاك لأرزاق الْجند والنفقات والذرية ومصالح الْبَيْت فاحتفظ بهَا فَإنَّك لَا تزَال عَزِيزًا مَا دَامَ بَيت مَالك عَامِرًا وَلَا أَظُنك تفعل وأوصيك بِأَهْل بَيْتك أَن تظهر كرامتهم وتحسن إِلَيْهِم وتقدمهم وتوطئ النَّاس أَعْقَابهم وتوليهم المنابر فَإِن عزك عزهم وَذكرهمْ لَك وَمَا أَظُنك تفعل وَانْظُر مواليك فَأحْسن إِلَيْهِم وقربهم واستكثر مِنْهُم فَإِنَّهُم مادتك لشدتَك إِن تنزل بك يومَاً وَمَا أَظُنك تفعل وأوصيك بِأَهْل خرسان خيرَاً فَإِنَّهُم أنصارك وشيعتك الَّذين بذلوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ فِي دولتك وَلَا تخرج محبتك من قُلُوبهم أحسن إِلَيْهِم وَتجَاوز عَن مسيئهم واخلف من مَاتَ فِي وَلَده وَأَهله بِخَير وَمَا أَظُنك تفعل وَإِيَّاك أَن تبني مَدِينَة الشرقية فَإنَّك لَا تتمّ بناءها وأظنك ستفعل وَقيل قَالَ إِنِّي قد ولدت فِي ذِي الْحجَّة وَوليت فِي ذِي الْحجَّة وَقد هجس فِي نَفسِي أَنِّي أَمُوت فِي ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة فَاتق الله فِيمَا أَعهد إِلَيْك من أُمُور الْمُسلمين بعدِي يَجْعَل لَك فِيمَا جزبك فرجَاً ومخرجاً ويرزقك السَّلامَة وَحسن

стр. 1444

الْعَاقِبَة من حَيْثُ لَا تحتسب يَا بني احفظ مُحَمَّدًا فِي أمته يحفظك الله ويحفظ عَلَيْك أمورك وَإِيَّاك وَالدَّم الْحَرَام فَإِنَّهُ حوب عِنْد الله عَظِيم وعار فِي الدُّنْيَا لَازم مُقيم والزم الْحُدُود فَإِن فِيهَا صلاحك العاجل والآجل وَلَا تَعْتَد فِيهَا فتبور فَإِن الله تَعَالَى لَو علم شَيْئا أصلح مِنْهَا لدينِهِ وأزجر عَن مَعَاصيه لأمر فِي كِتَابه وَاعْلَم أَن من شدَّة غضب الله لسلطانه أَمَرَ بِتَضْعِيف الْعَذَاب وَالْعِقَاب على من سعى فِي الأَرْض فَسَادًا مَعَ مَا ذخر لَهُ من الْعَذَاب الْأَلِيم فَقَالَ ﴿إِنَمَا جزؤا الذَّينَ يُحَارِبونَ اللَّهَ وَرَسُولَه وَيسَعونَ فِي اَلأرَضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلوا﴾ الْآيَة الْمَائِدَة ٣٣ فالسلطان يَا بني حَبل الله المتين وعروته الوثقى وَدينه القويم فاحفظه وحصنه وذب عَنهُ وأوقع بالملحدين فِيهِ والمارقين مِنْهُ واقتل الخارجين عَنهُ وَلَا تجَاوز مَا أَمرك الله بِهِ فِي مُحكم الْقُرْآن واحكم بِالْعَدْلِ وَلَا تشطط فَإِن ذَلِك أقطع للشغب وأحسم لِلْعَدو وأنجع فِي الدَّوَاء واعف عَن الغي فَلَيْسَ بك إِلَيْهِ حَاجَة مَعَ مَا أخلفه لَك وافتتح بصلَة الرَّحِم وبر القَرابة وَإِيَّاك والتبذير لأموال الرّعية واشحن الثغور بالمصالح واضيط الْأَطْرَاف وَأمن السبل وسكِّن الْعَامَّة وَأدْخل الْمرَافِق عَلَيْهِم وادفع المكاره عَنْهُم وَأعد الْأَمْوَال واخزنها وَإِيَّاك والتبذير فَإِن النوائب غير مَأْمُونَة وَهِي من شيم الزَّمَان وَأعد الكراع والجُنْدَ مَا اسْتَطَعْت وَإِيَّاك وَتَأْخِير عمل الْيَوْم إِلَى غَد فتتداول الْأُمُور ويضيع حدسك فِي إحكام الْأُمُور النازلات لأوقاتها وَأعد رجلا بِاللَّيْلِ لمعْرِفَة مَا يكون بِالنَّهَارِ ورجلا بِالنَّهَارِ لمعْرِفَة مَا يكون فِي اللَّيْل وباشر الْأُمُور وَلَا تضجر وَلَا تكسل وَاسْتعْمل حسن الظَّن بِاللَّه وأسئ الظَّن بعمالك وكتابك وخُذ نَفسك بالتيقظ وتفقد من يبيت على بابك وسَهلْ إذنك للنَّاس وَانْظُر فِي أَمر النزاع إِلَيْك ووكل بهم عينا غير نَائِمَة ونفساً غير لاهية وَلَا تنم فَإِن أَبَاك لم ينم مُنْذُ ولي الخلافةَ وَلَا دخل عَلَيْهِ الغمض إِلَّا وَقَلبه متيقظ هَذِه وصيتي إِلَيْك وَالله خليفتي عَلَيْك ثمَّ ودعه وَسَار إِلَى الْكُوفَة فَأحْرم مِنْهَا قارنَاً وسَاق الْهدى وَأَشْعرهُ وقلَّده لأيام خلت من ذِي الْقعدَة وَلما سَار منَازِل عرض لَهُ وَجَعه الَّذِي مَاتَ مِنْهُ وَهُوَ الْبَطن وَلما قرب من

стр. 1445

مَكَّة رأى على جِدَار خرب سطرين هما // (من الطَّوِيل) // (أَبَا جَعْفَرٍ حانَتْ وفاتُكَ وانْقَضَتْ ... سِنُوكَ وَأَمْر اللهِ لَا بُدَّ واقعُ) (أَبَا جعفرٍ هَل كاهِنٌ أَو منجِّمٌ ... لَك اليَوْمَ من رَيْبِ المنيةِ دافعُ) فَلَمَّا قَرَأَهَا تَيَقّن انْقِضَاء أَجله ثمَّ اشْتَدَّ بِهِ وَجَعه فَجعل يَقُول للربيع وَكَانَ عديله بَادر بِي إِلَى حرم رَبِّي هاربَاً من ذُنُوبِي فَلَمَّا وصل إِلَى بِئْر مَيْمُون مَاتَ سحرًا لَيْلَة السَّادِس من ذِي الْحجَّة كَمَا تقدَم ذكره وَلم يحضرهُ إِلَّا خدمه وَالربيع مَوْلَاهُ فَكَتَمُوا الْأَمر ثمَّ غَدا أهل بَيته على عَادَتهم فَدَعَا الأكابر وَذَوي الْأَسْنَان ثمَّ عامتهم فبايعهم الرّبيع للمهدي ثمَّ بَايع القواد وَعَامة النَّاس وَسَار الْعَبَّاس بن مُحَمَّد وَمُحَمّد بن سُلَيْمَان إِلَى مَكَّة فبايعا النَّاس للمهدي بَين الرُّكْن وَالْمقَام وَذكر عَليّ بن مُحَمَّد النَّوْفَلِي عَن أَبِيه وَهُوَ من أهل الْبَصْرَة كَانَ يخْتَلف إِلَى الْمَنْصُور قَالَ جِئْت من مَكَّة صَبِيحَة مَوته إِلَى الْعَسْكَر فَإِذا مُوسَى بن الْمهْدي عِنْد عَمُود السرادق وَالقَاسِم بن الْمَنْصُور فِي نَاحيَة فَعلمت أَنه قد مَاتَ ثمَّ أقبل الْحسن ابْن زيد الْعلوِي وَالنَّاس حَتَّى ملئوا السرادق وَسَمعنَا هَمس الْبكاء ثمَّ خرج أَبُو العنبر الْخَادِم مشقوق الأقبية وعَلى رَأسه التُّرَاب وَهُوَ يستغيث وَقَامَ الْقَاسِم فشق ثِيَابه ثمَّ خرج الرّبيع فِي يَده قرطاس فقرأه على النَّاس وَفِيه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من عبد الله الْمَنْصُور أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى من خلف من بني هَاشم وشيعته من أهل خُرَاسَان وَعَامة الْمُسلمين ثمَّ بَكَى وَبكى النَّاس ثمَّ قَالَ الْبكاء أمامكم فأنصتوا رحمكم الله ثمَّ قَرَأَ أما بعد فَإِنِّي كتبت كتابي هَذَا وَأَنا فِي آخر يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا أَقرَأ عَلَيْكُم السَّلَام وأسأل الله ألَا يَفْتِنكُم بعدِي وَلَا يلْبِسكُمْ شيعًا يُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض ثمَّ أَخذ فِي وصيتهم بالمهدي وبعثهم على الْوَفَاء بعهده ثمَّ تنَاول الْحسن بن زيد وَقَالَ قُم نُبَايِع مُوسَى بن الْمهْدي لِأَبِيهِ فَقَامَ فَبَايعهُ ثمَّ بَايع النَّاس الأول فَالْأول ثمَّ دخل بَنو هَاشم على الْمَنْصُور وَهُوَ فِي أَكْفَانه مَكْشُوف الرَّأْس لمَكَان الْإِحْرَام فَحَمَلُوهُ من مَكَانَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ على ثَلَاثَة أَمْيَال من مَكَّة فدفنوه وَكَانَ

стр. 1446

عِيسَى بن مُوسَى لما بَايع النَّاس أَبى من الْبيعَة لِأَنَّهُ كَانَ ولي الْعَهْد بعد أبي جَعْفَر وَإِنَّمَا أَخّرهُ أَبُو جَعْفَر وَقدم ابْنه الْمهْدي عَلَيْهِ وَجعل لَهُ الْعَهْد بعد الْمهْدي فَقَالَ لَهُ عَليّ بن عِيسَى بن ماهان وَالله لتبايعن أَو لَأَضرِبَن عُنُقك فَبَايع ثمَّ بعث مُوسَى ابْن الْمهْدي وَالربيع بالْخبر والبردة والقضيب وَخَاتم الْخلَافَة إِلَى الْمهْدي وَخَرجُوا من مَكَّة (خلَافَة الْمهْدي) مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس الْقرشِي الْهَاشِمِي لما وصل الْخَبَر إِلَى الْمهْدي منتصف ذِي الْحجَّة من سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَة اجْتمع أهل بَغْدَاد فَبَايعُوهُ قَالَ السُّيُوطِيّ فِي تَارِيخه أول من هَنأ المهدَي بالخلافة وَعَزاهُ بِأَبِيهِ المنصورِ أَبُو دلامة فَقَالَ // (من الْكَامِل) // (عَيْنَايَ واحدَةٌ تُرَى مسرورة ... بأميرِهَا جَذْلَى وأخرَى تَذْرِفُ) (تَبْكِي وتضحَكُ تَارَةً ويَسُوءُهَا ... مَا أنكَرَتْ ويَسُرُّهَا مَا تَعْرِفُ) (فيسُوءُهَا مَوْتُ الخليفةِ مُحْرِمًا ... ويَسُرُّهَا أنْ قَامَ هذَا الأرأفُ) (مَا إنْ رَأَيْتُ كَمَا رأيتُ وَلَا أَرَى ... شَعْرا أسرِّحُهُ وآخَر أَنْتِفُ) (هَلَكَ الخليفةُ يَالَدِينِ محّمدٍ ... وأتاكُمُ مِنْ بعده مَنْ يَخْلُفُ) (أَهْدَى لهَذَا اللَّهُ فَضَلَ خلافةٍ ... ولذاكَ جَنَّاتِ النعيمِ تزخرفُ) وَذكر الصولي أَن امرأةَ اعترضت الْمهْدي فَقَالَت يَا عصبَة رَسُول الله انْظُر

стр. 1447

فِي حَالي فَقَالَ الْمهْدي مَا سَمعتهَا من أحد قطّ اقضوا حَاجَتهَا وأعطوها عشرَة آلَاف دِرْهَم وَكَانَ أول مَا فعله أَن أطلق من كَانَ فِي حبس أَبِيه الْمَنْصُور إِلَّا من كَانَ حَبسه فِي دم أَو مَال أَو مِمَّن سعى بِالْفَسَادِ وَكَانَ حَلِيمًا جواداً فصيحاً سلك مَعَ النَّاس سيرِة مرضية فَأَحبهُ النَّاس وَإِن كَانَ منهمكاً فِي اللَّهْو فقد أراح النَّاس من تَعب الظُّلم والجور والاعتساف لما أضَاف إِلَى ذَلِك من الْحلم والجود والإنصاف حَتَّى أطمأن بِهِ الْعباد والبلاد وَكَانَت أَيَّامه كالأعياد وِلَادَته سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَفِي سنة سِتِّينَ حج الْمهْدي واستخلف على بَغْدَاد ابْنه الْهَادِي واستصحب ابْنه هَارُون وَجَمَاعَة من أهل بَيته وَلما وصل إِلَى مَكَّة اهتم بكسوة الْكَعْبَة فكساها بأفخر الْكسْوَة بعد أَن أَتَاهُ بَنو شيبَة فَقَالُوا قد تكاثرت الكساوي على الْكَعْبَة وَنحن نخشَى من ثقلهَا على الْكَعْبَة فَأمر بِنَزْع جَمِيع مَا كَانَ عَلَيْهَا وَكَانَت فِيهَا كسْوَة هِشَام بن عبد الْملك من الديباج الثخينِ وَقسم مَالا عَظِيما هُنَاكَ فِي مصارف الْخَيْر فَكَانَ مِنْهُ مَا جَاءَ من الْعرَاق ألف ألف دِرْهَم وَوصل إِلَيْهِ من مصر ثَلَاثمِائَة ألف دِينَار وَمن الْيمن مائَة ألف دِينَار فَفرق ذَلِك كُله وَفرق مائَة ألف ثوب وَخمسين ألف ثوب ووسع الْمَسْجِد الْحَرَام وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رأى الْكَعْبَة لَيست فِي وسط الْمَسْجِد لضيق جَانِبه من جِهَة الْيمن فَأمر الصناع والمهندسين بتوسيعه من تِلْكَ الْجِهَة وَاشْترى دوراً هُنَالك وهدمها فَنَهَاهُ المهندسون وَقَالُوا يدْخل السَّيْل إِن فعلتَ ذَلِك إِلَى الْمَسْجِد لضيق مجْرَاه حِينَئِذٍ فَقَالَ لَا بدَ من ذَلِك وَإِن دخل السَّيْل وَلَو أنفقت فِي ذَلِك جَمِيع بيُوت المَال وَصعد المهندسون على ظهر الْكَعْبَة ونصبتَ الرماح بَعْضهَا إِلَى بعض ومدَتْ من أَعلَى الْكَعْبَة إِلَى الْجِهَات الْأَرْبَع حَتَّى كَانَت مستوية متوسطة فِي الْمَسْجِد نِسْبَة الْجِهَات الْأَرْبَع إِلَيْهَا على السوَاء فجزاه الله خيرَاً وشكر سعيِه قَالَ الفاكهي كَانَ بعد جِدَار الْمَسْجِد من الْجَانِب الجنوبي عَن الْكَعْبَة تِسْعَة وَأَرْبَعين ذِرَاعا لَا غير ولبيان مثل هَذِه الْأُمُور كتب مُفْردَة وَلما رَجَعَ أَمر بِبِنَاء الْقُصُور بطريقّ مَكَّة أوسع من قُصُور أَبِيه الْمَنْصُور من الْقَادِسِيَّة إِلَى زبالة وَأمر باتخاذ المصانع فِي كل منهل وبتحديد الأميال وحفر

стр. 1448

الْآبَار وَذَلِكَ على يَد يقطيِن بن مُوسَى وَأمر بِالزِّيَادَةِ فِي مَسْجِد الْبَصْرَة وتقصير المنابر إِلَى مِقْدَار مِنْبَر النَّبِي وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ ظهر عَطاء الْمقنع شيخ لعين خرساني كَانَ يعرف السحر والسيميا فَربط النَّاس بالخوارق والمغيبات وَادّعى الربوبية وَكَانَ يَقُول بالتناسخ أَي أَن الله تَعَالَى تحول إِلَى صُورَة آدم وَلذَلِك أَمر الْمَلَائِكَة بِالسُّجُود لَهُ ثمَّ تحول إِلَى صُورَة نوح ثن إِلَى صُورَة إِبْرَاهِيم وَغَيرهم من الْأَنْبِيَاء والحكماء والفلاسفة وَيقْرَأ ﴿فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾ الانفطار ٨ ثمَّ إِنَّه تحول إِلَى صُورَة أبي مُسلم الخرساني صَاحب الدعْوَة العباسية ثمَّ مِنْ بعدِ أبي مُسلم إِلَى صُورَة نَفسه فعبده خلائق من الجهلة وَكَانَ مشوهاً أصور أَعور الْعين قصيرَاً فَكَانَ لَا يكْشف وَجهه بل اتخذ لَهُ وَجها من الذَّهَب وَلذَلِك قيل لَهُ المقنَّع وَمِمَّا أضلّ النَّاس بِهِ من المخاريق أَنه أظهر لَهُم قمراً يرونه فِي السَّمَاء من مسيرَة شَهْرَيْن مَعَ قمر السَّمَاء وَفِي ذَلِك يَقُول ابْن سناء الْملك من قصيدة أخرج فِيهَا ذكره مخرج الْغَزل فَقَالَ // (من الطَّوِيل) // (إِلَيْك فَمَا بَدْرُ المُقَنَّعِ طَالِعًا ... بأَسْحَرَ مِنْ أَلْحَاظِ بَدْرِ المُقَنَّعِ) وَلأبي الْعَلَاء المعري // (من الطَّوِيل) // (أَفِقْ أَيهَا البَدْرُ المُعَمِّمُ رَأسَهُ ... ضَلَالٌ وَغيٌّ مِثْل بَدْرِ المُقَنَّعِ) وَلما استفحل شرُ عَطاء لَعنه الله جهز الْمهْدي عسكرَاً لحربه فقصدوه وحصروه فِي قلعته ببلسام من أَعمال بُخَارى فَلَمَّا عرف أَنه مَأْخُوذ جمع نِسَاءَهُ فسقاهنَّ السم فهلكنَ ثمَّ تنَاول هُوَ السم فَمَاتَ وَهُوَ يتّحسَاه فِي نَار جَهَنَّم خَالِدا ثمَّ أخذت القلعة وَقتل رُءُوس أَتْبَاعه لَعنه الله وَبعث بِرَأْسِهِ ورءوسهم إِلَى الْمهْدي فوصلَت إِلَيْهِ بحلب وَهُوَ ذَاهِب لغزو الرّوم وَفِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة خلع الْمهْدي ابْن عَمه عِيسَى بن مُوسَى عَن ولَايَة الْعَهْد إِلَى ابْنه مُوسَى الْهَادِي ابْن الْمهْدي وَفِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ أَخذ الْبيعَة الآخر هَارُون بعد ابْنه الْهَادِي ولقبه بالرشيد

стр. 1449

فَالْحَاصِل أَن الْمهْدي مُحَمَّدًا عهد إِلَى ولديه الْهَادِي وَهَارُون الرشيد على أَن يكون الْهَادِي بعده قبل الرشيد ثمَّ فِي سنة تسع وَسِتِّينَ اعتزم على خلع ابْنه الْهَادِي والبيعة للرشيد وتقديمه على الْهَادِي وَكَانَ الْهَادِي بجرجان فَبعث إِلَيْهِ بذلك واستقدمه فَضرب الْهَادِي الرَّسُول وَامْتنع فَسَار إِلَيْهِ الْمهْدي فَلَمَّا بلغ ماسبذان توفّي هُنَالك يُقَال مسمومَاً من بعض جواريه يُقَال سمت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى فِي كمثرى فغلظ الْمهْدي فَأَخذهَا فَأكلهَا فَمَا جسرت أَن تَقول لَهُ إِنَّهَا مَسْمُومَة وَيُقَال سَبَب مَوته أَنه طرد صيدا فَدخل وَرَاءه إِلَى خربة فدق بَاب الخربة ظَهره فَأدْخل قربوس السرج فِي صَدره وَكَانَ مَوته فِي الْمحرم من السّنة الْمَذْكُورَة سنة تسع وَسِتِّينَ وَلم يُوجد لَهُ نعش يحمل عَلَيْهِ فَحمل على بَاب وَدفن تَحت شَجَرَة جوز وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته عشْرين سنة وشهراً وَله من الْعُمر ثَلَاث وَأَرْبَعُونَ سنة وَكَانَ جواداً ممدحاً سخياً إِلَى الرّعية حسن الْخلق والخلق يُقَال إِن أَبَاهُ خلف فِي الخزائن مائَة ألف ألف دِينَار وَسِتِّينَ ألف ألف دِرْهَم ففرقها الْمهْدي وَقد قيل مَا جَاءَ فِي بني الْعَبَّاس أكْرم من الْمهْدي وَلَا أبخل من أَبِيه الْمَنْصُور دخل على الْمهْدي شريك القَاضِي فَقَالَ لَهُ الْمهْدي يَا شريك مَا تَقول فِي عَليّ بن أبي طَالب قَالَ مَا قَالَ فِيهِ جدك الْعَبَّاس وَعبد الله ابْنه فَقَالَ مَا قَالَا فِيهِ قَالَ أما الْعَبَّاس فَمَاتَ وَعلي عَنهُ أفضلُ الصَّحَابَة وَقد كَانَ يرى كثيرا من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين يسألونه عَمَّا ينزل بهم من النَّوَازِل وَمَا احْتَاجَ هُوَ إِلَى أحد مِنْهُم حَتَّى لحق إِلَى كَرَامَة الله تَعَالَى وَأما عبد الله ابْنه فَكَانَ يضْرب بَين يَدَيْهِ بسيفَين وَكَانَ فِي حروبه رَأْسا متبعَاً وَسَيِّدًا مُطَاعًا فَلَو كَانَت إِمَامَة عَليّ جوراً لَكَانَ أول من قعد عَنهُ جدك عبد الله لعلمه بدين الله وفقهه فِي أَحْكَام الله فَأَطْرَقَ الْمهْدي رَأسه سَاعَة ثمَّ عزلَ شريكَاً عَن الْقَضَاء بعد أَيَّام قَليلَة

стр. 1450

وَدخل عَلَيْهِ ابْن الخَياط وامتدحه فَأمر لَهُ بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم فَسَأَلَهُ أَن يقبل يَده فقبلها ثمَّ خرج فَمَا انْتهى إِلَى الْبَاب حَتَّى فرقها جَمِيعًا فعوتب على ذَلِك فَقَالَ من // (الطَّوِيل) // (لَمَسْتُ بكَفِّي كَفَّهُ أَبْتَغِي الغِنَى ... وَلَمْ أَدْرِ اَنَّ الجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدِي) (فَلَا أَنَا مِنْهُ مَا أَفَاد ذَوُو الغِنَى ... أَفَدتُّ وَأَعْدَانِي فَأَتْلَفْتُ مَا عِنْدِي) فَبلغ الْمهْدي ذَلِك فَأمر لَهُ بِخَمْسِينَ ألف دِينَار وَقَالَ سَلم الخاسرُ يرثي الْمهْدي من // (الوافر) // (وَباَكيةٍ على المَهْدِيِّ عَبْرَى ... كَأَنَّ بهَا وَمَا جُنَّتْ جُنُونا) (وَقد خَمَشَتْ محاسِنَهَا وأبْدَتُ ... غدائِرَهَا وأظْهَرَتِ القُرُونَا) (لَئِنْ بلَى الخليفةُ بعد عِزِّ ... لقدْ أَبْقَى مساعِيَ مَا بَلينَا) (سَلَامُ اللَّهِ غُدْوَةَ كلِّ يومٍ ... على المهديِّ حيثُ ثَوى رَهينَا) (تركْنَا الدِّينَ والدُّنْيَا جَمِيعًا ... بحَيثُ ثَوَى أَمِيرُ المُؤْمِنِينَا) وَفِي كتاب الأذكياء لِابْنِ الْجَوْزِيّ أَن أَبَا دلامة دخل على الْمهْدي فأنشده قصيدة فَقَالَ لَهُ الْمهْدي سلني حَاجَتك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تهب لي كلب صيد فَغَضب وَقَالَ أتسأل كلب صيد وَأَنا أَقُول لَك مَا أَقُول فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْحَاجة لي أم لَك فَقَالَ لَهُ بل لَك قَالَ فَإِنِّي سَأَلتك إِيَّاه فَأمر لَهُ بكلب صيد فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هبني خرجت إِلَى الصَّيْد فأعدوا على رجْلي فَأمر لَهُ بدابَّةٍ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَمن يقومُ عَلَيْهَا فَأمر لَهُ بِغُلَام فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هبني صدت صيدا فَمن يطبخه فَأمر لَهُ بِجَارِيَة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَؤُلَاءِ أَيْن يبيتُونَ فَأمر لَهُ بدار فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد صَار فِي عنقِي عِيَال فَمن أَيْن لي مَا يقوت هَؤُلَاءِ قَالَ قد أقطعتك ألف جريب عَامر وَعَن عبد الله بن هَارُون قَالَ حَدثنِي عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن الْمُغيرَة قَالَ دخل الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي وَأَبُو السَّائِب العثماني وَابْن أُخْت الْأَحْوَص على الْمهْدي وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ أنشدوني فأنشده الْمُغيرَة

стр. 1451

من // (الطَّوِيل) // (وللنَّاسِ بَدْرٌ فِي السماءِ تَرَوْنَهُ ... وأًنْتَ لنا بدْرٌ على الأرضِ مُقْمِرُ) (فَبِاللَّهِ يَا بَدْرَ السماءِ وصِنْوَهُ ... تُرَاكَ تُكَافي عُشْرَ مَا لَك مُضْمرُ) (وَمَا البَدْرُ إِلا دُونَ وَجْهِكَ فِي الدُّجَى ... يغيبُ فَتَبْدُو حِينَ غَابَ فَتُقْمِرُ) (وَمَا نَظَرَتْ عَيْني إلَى البَدْرِ مَاشِيا ... وأنْتَ فتمشِى فِي الثيَابِ فَتسْحَرُ) ثمَّ أنْشدهُ ابْن أُخْت الْأَحْوَص فَقَالَ من // (الْبَسِيط) // (قَالَتْ كلابة مَنْ هَذَا فقلْتُ لَهَا ... هَذَا الَّذِي أَنْتِ مِنْ أعدائِهِ زَعَمُوا) (إنِّي امرؤٌ لَج بِي حُبٌّ فأحْرَضَنِي ... حَتَّى بَلِيتُ وحتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ) ثمَّ أنْشدهُ المَخْزُومِي من // (الطَّوِيل) // (رَمَى القلْبُ مِن قلبِي السوَادَ فأوْجَعَا ... وَصَاحَ فصيحٌ بالرَّحيلِ فَأسْمَعَا) (وغَرَّدَ حادِي البَينِ وانشقَّتِ العَصَا ... فأصْبَحْتُ مَسْلُوبَ الفُؤَادِ مُفَجَّعَا) (كفَى حَزَنًا مِنْ حادِثِ الدَّهرِ أنني ... أَرَى البَينَ لَا أَسْطِيعُ للبَينِ مَدْفَعَا) (وَقد كُنْتُ قَبْلَ اليومِ بالبَيْنِ جَاهِلاً ... فيا لَكَ بَينا مَا أَمَرَّ وأَوْجَعَا) ثمَّ أنْشدهُ أَبُو السَّائِب يَقُول من // (الطَّوِيل) // (أَصِيخَا لداعي حُبِّ ليلَي فَيَمِّمَا ... صُدُورَ المطايا نَحْوَهَا فتَسَمَّعَا) (خليليَّ إنْ ليلَي أقامَتْ فَإِنَّنِي ... مُقِيمٌ وإنْ بانَتْ فِينَا بِنَا مَعَا) (وإنْ أثبتتْ لَيْلَى بربْعِ يحوزها ... أعيذُكُمَا باللَّه أَنْ تَتَزَعْزَعَا) ثمَّ أَمر لَهُم بصلات جسيمة وَحدث إِدْرِيس بن سُلَيْمَان بن يحيى بن يزِيد بن أبي حَفْصَة كَانَ سَبَب اتِّصَال مَرْوَان بخلفاء بني الْعَبَّاس وَكَانَ وَالله أعلم من شعراء بني أُميَّة أَن جَارِيَة يَمَانِية أهديت إِلَى أبي جَعْفَر الْمَنْصُور فَأَنْشَدته شعرًا لمروان يمدح فِيهِ السّري بن عبد الله يذكر فِيهِ وراثة الْعَبَّاس فَسَأَلَهُ الْمَنْصُور عَن الشّعْر فَقَالَت هُوَ لمروان فوافاه بالربذة حَاجا وبالمنصور الْعلَّة الَّتِي مَاتَ بهَا فلقي مَرْوَان الرّبيع حَاجِب الْمَنْصُور فَقَالَ لَهُ كن قريبَاً حَتَّى يَدْعُو بك فَلم تزل الْعلَّة بالمنصور تشتدُ حَتَّى مَاتَ قبل أَن يصل إِلَيْهِ مَرْوَان فَقَالَ لَهُ الرّبيع الْحَقْ بالمهدي وَلَا تتخلف عَنهُ فانصرفَ مَرْوَان إِلَى الْيَمَامَة فَجَعلهَا طَرِيقا وَعَلَيْهَا بشر بن الْمُنْذر والياً فأوفده بشر

стр. 1452

على الْمهْدي فِيمَن أوفد فَقدم مَرْوَان على الْمهْدي وَقد مدحه بِأَرْبَع قصائد مطلع الأولى من // (الطَّوِيل) // (صَحَا بَعْدَ جُهْدٍ فاستَرَاحَتْ عواذلُهْ ... وأَقْصَرْنَ عَنهُ حِينَ أَقْصَرَ بَاطِلُهُ) وَالثَّانيَِة من // (الْكَامِل) // (طَافَ الخَيَالُ فَحَيِّهِ بسَلَامِ ... أَنَّى أَلَمَّ ولَيْسَ حِين مَنَامِ) وفيهَا يَقُول (أَنَّي يكُونُ ولَيْسَ ذاكَ بكَائِنٍ ... لِبَنِي البَنَاتِ وِرَاثَةُ الأعْمَامِ) وَالثَّالِثَة من // (الْكَامِل) // (إعْصِ الهَوَى وَتَعَزَّ عَنْ سُعْدَاكَا ... فَلِمِثْل حِلْمِكَ عَنْ هَوَاكَ نهاكا) وَالرَّابِعَة من // (الطَّوِيل) // (بَرى العَين شَوْقٌ حَالَ دُونَ التجلُّدِ ... ففاضَتْ بأَسْرَابٍ مِنَ الدَّمْعِ حُشَّدِ) قَالَ إِدْرِيس فَأعْطى الْمهْدي مَرْوَان إجَازَة سبعين ألف دِرْهَم فَقَالَ مَرْوَان يمدحه فِي قصيدة ويذكرها من // (الطَّوِيل) // (بِسَبْعِينَ ألفا رَاشَنِي مِنْ حِبائِهِ ... وَمَا نَالَهَا فِي الناسِ مِنْ شَاعِرٍ قلبِي) رحم الله أهل الْكَرم وَحدث أَحْمد بن أبي بكر الْبَاهِلِيّ قَالَ حَدثنِي حَاجِب الْمهْدي قَالَ قَالَ لي الْمهْدي يَوْمًا نصف النَّهَار اخْرُج فَانْظُر من فِي الْبَاب فَخرجت فَإِذا شيخ وَاقِف فَقلت لَك حَاجَة فَقَالَ لَا أخبر بحاجتي أحد غير أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأخْبرت الْمهْدي بِخَبَرِهِ وَبِقَوْلِهِ فَقَالَ ائْذَنْ لَهُ ومُرْهُ بِالتَّخْفِيفِ فَخرجت وَقلت لَهُ ادخل وخففْ فَدخل وَسلم بالخلافة ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّا قد أمرنَا التَّخْفِيف من // (الطَّوِيل) // (فإنْ شئْتَ خَفَّفْنَا فكنَّا كَرِيشَةٍ ... متَى تَلْقَهَا الأنفاسُ فِي الجَوِّ تَذْهَبِ) (وإنْ شئْتَ ثَقَّلْنَا فكُنَّا كصخرةٍ ... مَتى تًلْقِهَا فِي حوْمَةِ البَحْرِ تَرْسُبِ) (وإنْ شئْتَ سلَّمنا فكُنَّا كراكبٍ ... مَتى يَقْضِ حَقًّا من سلامِكَ يَغْرُبِ) فَضَحِك الْمهْدي وَقَالَ بل تكرم وتقضى حَاجَتك فَقضى حَاجته ووَصله بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم

стр. 1453

كَانَ معن بن زَائِدَة الشَّيْبَانِيّ من أُمَرَاء الْمَنْصُور أبي الْمهْدي ثمَّ أبقاه المهديُ والياً على أذربيجان على مَا كَانَ من وَالِده الْمَنْصُور وَهُوَ أحد الأجواد الْمَشْهُورين والشجعان الْمَذْكُورين قَدِمَ عَلَيْهِ قوم من أهل الْكُوفَة مستميحين فَنظر إِلَيْهِم فِي هَيْئَة رثَّة فَأَنْشَأَ يَقُول من // (الطَّوِيل) // (إِذا نَوْبَةٌ نَابَتْ صديقَكَ فاغَتَنِمْ ... مَرَمَّتَهَا فالدَّهْرُ بالناسِ قُلَّبُ) (فأَحْسَنُ ثوبَيْكَ الَّذِي أنْتَ لابسٌ ... وأَمْهَرُ مُهْرَيْكَ الَّذِي هُوَ يُرْكَبُ) وَقَالَ يَا غُلَام أعطهم لكل وَاحِد أَرْبَعَة آلَاف فَقَالَ أحدهم يَا سَيِّدي دَنَانِير أَو دَرَاهِم فَقَالَ معن وَالله لَا تكونُ همتك أرفع من همتي يَا غُلَام صفرها لَهُم وَأَتَاهُ أَعْرَابِي وَمَعَهُ مَوْلُود فَقَالَ من // (الْبَسِيط) // (سَمَّيْتُ طِفْلِيَ مَعْنًا ثمَّ قلْتُ لَهُ ... هَذَا سَمِىُّ فَتًى فِي الناسِ محمودِ) (أمسَتْ يمينُكَ مِنْ جُودٍ مُصَوَّرَةً ... لَا بَلْ يمينُكَ مِنْهَا صُورَةُ الجُودِ) فَأمر لَهُ بثلاثمائة دِينَار روى أَن الْمهْدي خرج يَوْمًا يتصيد فَلَقِيَهُ الْحُسَيْن بن مطير الْأَسدي فأنشده من // (الْبَسِيط) // (أضحَتْ يمينُكَ مِنْ جُودٍ مصوَّرَةً ... لَا بَلْ يمينُكَ مِنْهَا صُورَةُ الجودِ) (مِنْ حُسْنِ وجهِكَ تُضْحِي الأرضُ مشرقَةً ... ومِنْ بنانِكَ يَجْرِي الماءُ فِي العُودِ) فَقَالَ لَهُ الْمهْدي كذبتَ يَا فاسقُ وَهل تركتَ فِي شعرك موضعا لأحد مَعَ قَوْلك فِي معن بن زَائِدَة من // (الطَّوِيل) // (أَلمَّا بِمَعْنٍ ثُمَّ قولا لِقَبْرِهِ ... سَقَتْكَ الغَوَادِي مَرْبَعًا ثُمَّ مرْبَعَا) (فَيَا قَبْرَ مَعًنٍ كَيْفَ وارَيْت جُودَهُ ... وقَدْ كَانَ مِنْهُ البَرُّ والبَحْرُ مُتْرَعَا) (ولكنْ حَوَيْتَ الجُوَدَ والجُودُ ميِّتٌ ... وَلَو كَانَ حَيا ضِقْتَ حَتَّى تَصَدَّعَا) (وَلما مَضَى مَعْنٌ مَضَى الجُودُ والنَّدَى ... وأَصْبَحَ عِرنينُ المَكَارِمِ أَجْدَعَا) فَأَطْرَقَ الْحُسَيْن ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهل مَعْن إِلَّا حَسَنَة من حَسَنَاتك فَرضِي عَنهُ وَأمر لَهُ بِأَلف دِينَار

стр. 1454

(خلَافَة الْهَادِي) مُوسَى بن الْمهْدي مُحَمَّد بن الْمَنْصُور عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب بن هَاشم كَانَ شجاعاً كَرِيمًا وَكَانَ فِي صغره لَا يزَال فاتحاً فَمه خلقةَ فَوكل أَبوهُ غُلَاما ينبهه على إطباق فَمه كلما رَآهُ فاتحه فَيَقُول لَهُ مُوسَى أَطبقْ فَكَانَ يُقَال لَهُ لذَلِك فِي صغره مُوسَى أطبق كَانَت وِلَادَته سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَة وَقَالَ سلم الخاسر جَامعا بَين التهنئة للهادي بالخلافة والعزاء بِأَبِيهِ الْمهْدي مُحَمَّد فَقَالَ من // (الطَّوِيل) // (لَقَدْ قَامَ مُوسَى بِالخِلَافَةِ والهُدَى ... وَمَاتَ أميرُ الْمُؤمنِينَ مُحَمَّدُ) (فَمَاتَ الَّذِي عَمَّ البريَّة فَقَدُهُ ... وقَامَ الَّذِي يَكْفِيكَ مَنْ تتفقَّدُ) وَقَالَ مَرْوَان بن أبي حَفْصَة من // (الطَّوِيل) // (لَقَدْ أَصْبَحَتْ تختالُ فِي كُلِّ بلدةٍ ... بقَبْرِ أميرِ المؤمنينَ المَقَابِرُ) (وَلَو لم تُسَكَّنْ بِابْنِهِ بَعْدَ موتِهِ ... لَمَا بَرحَتْ تَبْكِي عَلَيْهِ المنابرُ) (وَلَو لم يَقُمْ موسَى عليهَا لَرجَّعَتْ ... حَنِينًا كَمَا حَنَّ الصفايا العَشَائِرُ) بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَبِيه وَكَانَ الْهَادِي مُقيما بجرجان يحارب أهل طبرستان وَكَانَ الرشيد لما توفّي الْمهْدي والعسكر مَعَه بماسبذان نَادَى فِي النَّاس بالعطاء تسكيناً لَهُم وَقسم فيهم فَلَمَّا استوفوها تنادوا بِالرُّجُوعِ إِلَى بَغْدَاد وتسابقوا إِلَيْهَا واستيقنوا موت الْمهْدي فَأتوا بَاب الرّبيع وأحرقوه وطالبوه بالأرزاق وفتقوا السجون وَقدم الرشيد بَغْدَاد فِي أَثَرهم فَبعث الخيزران إِلَى الرّبيع وَيحيى فَامْتنعَ يحيى خوفًا من غيرَة الْهَادِي وَأمر الرّبيع بِسنتَيْنِ للجند فسكنوا وَكتب الْهَادِي إِلَى الرّبيع يتهدده فَاسْتَشَارَ يحيى فِي أمره وَكَانَ يَثِق بوده فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَن يبْعَث ابْنه الْفضل يعْتَذر عَنهُ ويصحبه الْهَدَايَا واللطف فَفعل فَرضِي الْهَادِي عَنهُ

стр. 1455

فَأخذت الْبيعَة بِبَغْدَاد للهادي وَكتب الرشيد بذلك إِلَى الْآفَاق وَبعث نصر إِلَى الْهَادِي بجرجان فَركب الْبَرِيد إِلَى بَغْدَاد قَالَ الصولي وَلَا يعرف خَليفَة رَكِبَ خيل الْبَرِيد إِلَّا الْهَادِي من جرجان إِلَى بَغْدَاد فَقَدمهَا فِي عشْرين يَوْمًا واستوزر الرّبيع وَهلك لمُدَّة قَليلَة من وزارته وَاشْتَدَّ الْهَادِي فِي طلب الزَّنَادِقَة وقتلهم وَفِي سنة تسع وَسِتِّينَ كَانَ ظُهُور حُسَيْن الْمَقْتُول بفخ وَهُوَ الْحُسَيْن بن عَليّ بن الْحسن بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب وقصته مَعْرُوفَة وَكَانَ للهادي بغض بالرشيد بِمَا كَانَ الْمهْدي أَبوهُمَا يؤثره عَلَيْهِ أخيراً وَكَانَ رأى أَنه دفع إِلَيْهِمَا قضيبين فأورق قضيب الْهَادِي من أَعْلَاهُ وأورق قضيب الرشيد كُله وَتَأَول ذَلِك بقصر مُدَّة الْهَادِي وَطول مُدَّة الرشيد وحسنها فَلَمَّا ولي الْهَادِي أجمع على خلع أَخِيه الرشيد والبيعة لِابْنِهِ جَعْفَر بن الْهَادِي مَكَانَهُ وفاوض فِي ذَلِك قُوَاده فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك يزِيد بن مزِيد وَعلي بن عِيسَى وَعبد الله بن مَالك وَوضع الشِّيعَة على الرشيد ينتقصونه وَيَقُولُونَ لَا نرضى بِهِ وَنهى الْهَادِي أَن يسَار بَين يَدَيْهِ بالحربة فاجتنبه النَّاس وَكَانَ يحيى بن خَالِد يتَوَلَّى أُمُوره فاتهمه الْهَادِي بمداخلته وَبعث إِلَيْهِ وتهدده فَحَضَرَ عِنْده مستميتاً وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن حملت النَّاس على نكث الْأَيْمَان فِيهِ هَانَتْ عَلَيْهِم فِيمَن توليه وَإِن بَايَعت لجَعْفَر بعده كَانَ ذَلِك أوثق لِلْبيعَةِ فَصدقهُ وكف عَنهُ وَعَاد أُولَئِكَ الَّذين خلعوه من القواد والشيعة فأغروه بِيَحْيَى وَأَنه الَّذِي منع الرشيد من خلع نَفسه فحبسه الْهَادِي فَطلب الْحُضُور للنصيحة فَأحْضرهُ من الْحَبْس فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أتظن النَّاس يسلمُونَ الْخلَافَة لابنك جَعْفَر وَهُوَ صبي ويرضون بِهِ لصلاتهم وحجهم وغزوهم وتأمن أَن يسمو إِلَيْهَا عِنْد ذَلِك أهل بَيْتك فَتخرج من ولد أَبِيك وَالله لَو لم يعقده لَهُ المهديُ لَكَانَ يَنْبَغِي أَن تعقده أَنْت لَهُ حذرا من ذَلِك إِنِّي أرى أَن تقر الْعَهْد لأخيك فَإِذا بلغ ابْنك أَتَيْتُك بأخيك فَخلع نَفسه وَبَايع لَهُ فَقبل الْهَادِي قَوْله وَأطْلقهُ

стр. 1456

وَلم يقنع القواد ذَلِك لأَنهم كَانُوا حذرين من الرشيد فَأرْسل إِلَى الرشيد وضيق عَلَيْهِ واستأذنه فِي الصَّيْد ومضَى إِلَى قصر مقَاتل فنكره الْهَادِي وَأظْهر جفاءه وَبسط الموَالِي فِيهِ ألسنتهم ثمَّ خرج الْهَادِي إِلَى حَدِيثَة الْموصل فَاشْتَدَّ مَرضه هُنَالك واستقدم الْعمَّال شرقاً وغرباً وَلما ثقل تآمر الْقَوْم الَّذين بَايعُوا جعفراً فِي قتل يحيى بن خَالِد ثمَّ أَمْسكُوا خوفًا من الْهَادِي ثمَّ توفّي الْهَادِي فِي شهر ربيع سنة سبعين وَمِائَة وَقيل إِنَّمَا توفّي بعد أَن عَاد من حَدِيثَة الْموصل وَيُقَال إِن أمه الخيزران دست بعض الْجَوَارِي عَلَيْهِ فقتلنه لِأَنَّهَا كَانَت أول خِلَافَته تستبد عَلَيْهِ بالأموال فعكف النَّاس على بَابهَا وَاخْتلف المواكب إِلَيْهَا فَوجدَ الْهَادِي من ذَلِك فكلمته يَوْمًا فِي حَاجَة فَلم يجبها فَقَالَت قد ضمنتها لعبد الله بن مَالك فَغَضب الْهَادِي وَشَتمه وَحلف لَا قضيتها فَقَامَتْ وَهِي مغضبة فَقَالَ مَكَانك وَالله وَإِلَّا انتفيت من قَرَابَتي من رَسُول الله لَئِن بَلغنِي أَن أحدا من قُوادي وخاصَتي وقف ببابك لَأَضرِبَن عُنُقه ولأقبضن مَاله مَا للمواكب تَغْدُو وَتَروح عَلَيْك أما لَك مغزلك يشغلك أَو مصحف يذكرك أَو بَيت يصونك إياك إياك لَا تفتحي بابك لمُسلم وَلَا ذمِّي فَانْصَرَفت وَهِي لَا تعقل ثمَّ قَالَ لأَصْحَابه أَيّكُم يحب أَن يتحدث الرِّجَال بِخَبَر أمه فَيُقَال فعلت أم فلَان وصنعت فَقَالُوا لَا نحب ذَلِك قَالَ فَمَا بالكم تأتون أُمِّي فتتحدَثون مَعهَا وَيُقَال إِنَّه لما جَد فِي خلع الرشيد خَافت عَلَيْهِ مِنْهُ فَلَمَّا ثقل فِي مَرضه دست بعض الْجَوَارِي فَجَلَسَ على وَجهه فَمَاتَ وَحكى فِي بغية الخاطر أَن الْهَادِي كَانَ يَدُور يَوْمًا فِي بستانه وَمَعَهُ خواصه وَهُوَ رَاكب على حمَار وَلَيْسَ مَعَه سلَاح فَدخل عَلَيْهِ حَاجِبه فَأخْبرهُ أَن رجلا من الْخَوَارِج جِيءَ بِهِ أَسِيرًا وَكَانَ الْهَادِي حريصَاً على الظفر بِهِ فَأمر بإدخاله فَأدْخل بَين رجلَيْنِ قد أمسكا بيدَيْهِ فَلَمَّا رأى الخارجيُ وَجه الْهَادِي جذب يَدَيْهِ من

стр. 1457

الرجلَيْن وَاخْتَرَطَ سيف أَحدهمَا ووثب نَحْو الْهَادِي فَلَمَّا رأى ذَلِك من حول الْهَادِي فروا جَمِيعًا وَبَقِي الْهَادِي وَحده وَثَبت على حِمَاره بركابه وعزم حَتَّى إِذا قرب الخارجيُ مِنْهُ وَكَاد أَن يعلوه بِالسَّيْفِ قَالَ الْهَادِي اضْرِب عُنُقه يَا غُلَام فَالْتَفت الْخَارِجِي حِين سمع ذَلِك وهمَا مِنْهُ فَوَثَبَ الْهَادِي عَن حِمَاره وانتزع السَّيْف من يَده فذبحه بِهِ ذبحا ثمَّ عَاد على ظهر حِمَاره من فوره وتراجع إِلَيْهِ حَاشِيَته وَقد ملئوا رعْبًا وجبناً فَمَا خاطبهم فِي ذَلِك بِكَلِمَة وَاحِدَة وَلم يكن بعد ذَلِك يُفَارِقهُ السَّيْف وَلَا يركب إِلَّا الْخَيل وَفِي مروج الذَّهَب أَنه رفع إِلَى الْهَادِي أَن رجلا من بِلَاد المنصورة من أَرض السَّنَد من أَشْرَافهم ربى غلامَاً سنديُّاً أَو هندياً وَأَن الْغُلَام هوى مولاته فَرَاوَدَهَا عَن نَفسهَا فأجابته فَدخل مَوْلَاهُ فَوَجَدَهَا مَعَه فَجَب ذكر الْغُلَام وخصاه ثمَّ عالجه إِلَى أَن برِئ فَأَقَامَ مُدَّة وَكَانَ لمَوْلَاهُ ابْنَانِ فَصَعدَ بهما الْغُلَام السندي إِلَى أَعلَى سور الدَّار فَرَأى سَيّده ابنيه مَعَ الْغُلَام فَقَالَ يَا غُلَام عرضتَ ابنيَ للهلاك فَقَالَ الْغُلَام دع عَنْك هَذَا فوَاللَّه لَئِن لم تَجُب نَفسك بحضرتي الآَن لأرمين بهما فَقَالَ الله الله فِي وَفِي ابنيَ فَقَالَ الْغُلَام دع عَنْك هَذَا فوَاللَّه مَا هِيَ إِلَّا نَفسِي وَإِنِّي لأسمح بهَا من شربة مَاء فأهوي ليرمِيَ بهما فأسرع مَوْلَاهُ فَأخذ المدية فَجَب نَفسه فَلَمَّا رأى الْغُلَام أَنه قد فعل رمى بالصبيين فتقطعا ثمَّ قَالَ هَذَا الَّذِي فعلتُ بفعلك فِي وَقتل هذَيْن الْوَلَدَيْنِ زِيَادَة فَأمر الْهَادِي بِالْكتاب إِلَى صَاحب السَّنَد بقتل الْغُلَام السندي وتعذيبه بأنواع الْعَذَاب وَأمر بِإِخْرَاج كل سندي من مَمْلَكَته فَرَخُصُوا فِي أَيَّامه حَتَّى كَانُوا يتداولون فِي ذَلِك الزَّمَان بأبخس ثمن وَقد قيل فِي مثل هَذَا الْمَعْنى من // (الْبَسِيط) // (لَا تأمنَنَّ فتَى أسكَنْتَ مهجَتهُ ... غَيْظًا وتَحْسِبُ أَن الغَيْظَ قد ذَهَبَا) (لَا تقطَعَنْ ذَنَبَ الأفعَى وتُرْسِلُهَا ... إنْ كُنْت شَهْمًا فَأتبعْ رأْسَهَا الذَّنَبَا)

стр. 1458

وَفِي العقد لِابْنِ عبد ربه ذكر عَن عبد الله بن الضَّحَّاك عَن الْهَيْثَم بن عدي قَالَ إِن سيف ابْن معدي كرب الزبيدِيّ البطل الْمَشْهُور الْمُسَمّى بالصمصامة دخل فِي يَد الْمهْدي فَأعْطَاهُ لوَلَده الْهَادِي فَأخْرج ذَلِك السَّيْف الْهَادِي يَوْمًا فِي مَجْلِسه وَوَضعه بَين يَدَيْهِ ودعا بمكتل دَنَانِير وَقَالَ لحاجبه ائْذَنْ للشعراء فَلَمَّا دخلُوا أَمرهم أَن يَقُولُوا فِي السَّيْف فبدأهم ابْن يَامِين الْبَصْرِيّ فَقَالَ من // (الْخَفِيف) // (حَازَ صمصامَةَ الزبيديٌ مِنْ دُونِ ... جمِيعِ الأَنامِ مُوسَى الأَمِينُ) (سيْفَ عَمْرٍ ووكَانَ فِيمَا سَمِعْنَا ... خَيْرَ مَا أُغْمِدَتْ عَلَيْهِ الجُفُونُ) (أَخْضَرُ المَتْنِ بَين خَدَّيْهِ نُورٌ ... مِنْ فِرِنْدٍ تَمِيدُ فِيهِ العُيُونُ) (أَوْقدَتْ فَوْقه الصواعِقُ نَارا ... ثمَّ ساطَتْ بِهِ الذُّعاف المنُونُ) (فَإِذا ماسلَلْتَهُ بَهَرَ الشمْسَ ... ضِيَاء فَلم تكُنْ تَسْتبِينُ) (وكاَّنَّ الفِرِنْدَ والرونَقَ الجَارِيَ ... فِي صَفْحَتيِهِ مَاءٌ مَعِينُ) (وكأَنَّ المنُونَ نِيطَتْ إلَيْهِ ... فَهْوَ فِي كُلِّ جانِبَيْهِ منونُ) (مَا يُبَالِي مَنِ انتضَاهُ لِحَرْبٍ ... أَشِمَالٌ سَطَتْ يبه أَمْ يَمِينُ) فَقَالَ الْهَادِي دُونك السَّيْف والمكَتل فخذْهُمَا فَفرق ابْن يَامِين المكتل وَالدَّنَانِير على الشُّعَرَاء وَقَالَ فِي السَّيْف عوضْ ثمَّ انْصَرف فَبعث إِلَيْهِ الْهَادِي فَاشْترى مِنْهُ السَّيْف بِخَمْسِينَ ألف دِينَار هَكَذَا هَكَذَا قلت وتعجبني أَبْيَات أَرْبَعَة لِابْنِ الرُّومِي فِي وصف السَّيْف حَيْثُ يَقُول من // (الْخَفِيف) // (خَيْرُ مَا اسْتَعْصَمتْ بِهِ الكَفُّ غضْبٌ ... ذَكَرٌ جسُّهُ أَنِيثُ المُهُزِّ) (مَا تَأَمَّلْتَهُ بعَيْنَيْكَ إِلَاّ ... أرعدتْ صَفْحَتَاهُ من غَيْر هَزِّ) (مِثْلُهُ أَفْزَعَ الشجَاعَ إِلى الدِّرْعِ ... فَغَالَى بِهِ عَلَى كُلِّ بَزِّ) (مَا يُبَالي أَصممت شَفْرتَاهُ ... فِي مَحزِّ أم جَازَتَا عَنْ مجَزِّ) قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ وَعَن مُصعب الزبيرِي عَن أَبِيه قَالَ دخل مَرْوَان بن أبي

стр. 1459

حَفْصَة الشَّاعِر على الْهَادِي بن الْمهْدي فأنشده قصيدة من // (الطَّوِيل) // (تَشَابَهَ يَوْمَا بَأْسِهِ وَنوَالِهِ ... فَمَا أَحَد يَدْرِي لِأيِّهِمَا الفَضْلُ) (أَيوْمُ عَطَاهُ الجمَّ أَمْ يَوْمُ بَأْسِهِ ... ... ... ... ... ) فَلَمَّا فرغ من إنشادها قَالَ لَهُ أَيّمَا أحب إِلَيْك ثَلَاثُونَ ألفا مُعجلَة أم مائَة ألف تدون فِي الدَّوَاوِين فَقَالَ مَرْوَان تعجل الثَّلَاثُونَ ألفا وتدون الْمِائَة ألف فَتلك من الْهَادِي قَلِيل قَالَ الْهَادِي بل يعجلَانِ لَك جَمِيعًا احملوا إِلَيْهِ مائَة وَثَلَاثِينَ ألفا قَالَ نفطويه قيل إِن الْهَادِي قَالَ لإِبْرَاهِيم الْموصِلِي إِن أطربتني فاحتكم فغناه من // (الهزج) // (سُلَيْمَى أَزْمَعَتْ بَيْنَا ... فَأَيْنَ لِقَاؤُهَا أَيْنا) فِي أَبْيَات يسيرَة فَأعْطَاهُ سَبْعمِائة ألف دِرْهَم قَالَ الذَّهَبِيّ كَانَ الْهَادِي يتَنَاوَل الْمُسكر ويلعب ويركب حمارا فارهاً يَعْنِي قبل تِلْكَ الْوَاقِعَة الَّتِي ذكرتها قريبَاً وَكَانَ فصيحاً قَادِرًا على الْكَلَام أديبا تعلوه هبة وَله سطوة وشهامة وَكَانَ طَويلا جسيماً أبيضَ شفته الْعليا تقلص فَلَا يزَال مَفْتُوح الْفَم فَوكل بِهِ أَبوهُ خَادِمًا كلما رَآهُ مفتوحَ الْفَم قَالَ لَهُ مُوسَى أطبق فيفيق على نَفسه ويطبق شَفَتَيْه كَمَا تقدم ذكر ذَلِك مَاتَ فِي ربيع الآخر سنة سبعين وَمِائَة وسِنهُ ثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة وَمُدَّة خِلَافَته سنة وشهران وَقيل فِي سَبَب مَوته غير مَا تقدم وَهُوَ أَنه دفع نديمَاً لَهُ من جرف على أصُول قصب قد قطع فَتعلق النديم بِهِ فَوَقع فَدخلت قَصَبَة فِي مخرجه فَكَانَت سَبَب مَوته فماتا جَمِيعًا

стр. 1460

(خلَافَة هَارُون الرشيد) ابْن الْمهْدي بن الْمَنْصُور بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس وَكَانَ فصيحاً بليغاً يحجُ عَاما ويغزو عَاما وَرُبمَا جمع بَينهمَا فِي عَام وَاحِد وَيُصلي كل يَوْم مائَة رَكْعَة لَا يتركُهَا إِلَّا لعِلَّة وَيتَصَدَّق كل يَوْم بِأَلف دِرْهَم وَيُحب الْعلمَاء وَيظْهر حرمات الْإِسْلَام ويتفقد الصلحاء وَمَعَ ذَلِك كَانَ منهمكَاً فِي اللَّهْو وَله فِي ذَلِك نَوَادِر وحكايات لَا تحصر بِحَدّ وَلَا تحصى بعد بُويِعَ لَيْلَة الْجُمُعَة لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول سنة مَاتَ أَخُوهُ الْهَادِي سنة سبعين وَمِائَة وَولد لَهُ الْمَأْمُون فِيهَا وَكَانَت لَيْلَة عَجِيبَة فِيهَا وَفَاة خَليفَة وَولَايَة خَليفَة وولادة خَليفَة وَلما بُويِعَ الرشيد استوزر يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي فَقَالَ إِبْرَاهِيم الْموصِلِي من // (الطَّوِيل) // (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الشمْسَ كانَتْ مريضَةً ... فلمَّا أتَى هارُونُ أَشْرقَ نُورُهَا) (تَلَبَّستِ الدُّنْيا جمَالاً بِمُلْكِهِ ... فهَارًونُ والِيهَا وَيَحْيَى وَزِيرُهَا) فَأعْطَاهُ هَارُون مائَة ألف وَأَعْطَاهُ يحيى خمسين ألفَاً وَكَانَ يحيى يصدر عَن رَأْي الخيرزان أم الرشيد ولداود بن رزين الوَاسِطِيّ قَوْله فِيهِ من // (الطَّوِيل) // (بِهَارُونَ لَجَّ النُّورُ فِي كُلِّ بلدةٍ ... وقامَ بِهِ فِي عدْلِ سِيرَتِهِ النَّهْجُ)

стр. 1461

(إِمامٌ بِذَاتِ الله أَصْبَحَ شُغْلُهُ ... فأَكْثَرُ مَا يُغْنَى بِهِ الغَزْوُ والحجُّ) (تَضِيقُ عيونُ الخَلْقِ عَن نُورِ وَجْهِهِ ... إِذا مَا بَدَا لِلنَّاسِ مَنْظَرُهُ البلْجُ) (تَفَسَّحَتِ الآمالُ فِي جُودِ كَفِّهِ ... وَأعْطى الَّذِي يرْجُوهُ فَوْقَ الَّذِي يَرْجُو) وَفِي سنة خمس وَسبعين وَمِائَة كَانَ خُرُوجُ يحيى بن عبد الله بن الْحسن الْمثنى فِي الديلم وَهُوَ أَخُو الْمهْدي مُحَمَّد الملقب بِالنَّفسِ الزكية واشتدت شوكته وَكثر جمعه وَأَتَاهُ النَّاس من الْأَمْصَار فندب إِلَيْهِ الرشيد الْفضل بن يحيى فِي خمسين ألفا وولاه جرجان وطبرستان والري وَمَا يَليهَا وَحمل مَعَه الْأَمْوَال فَسَار وَنزل بالطالقان وَكَاتب يحيى وحذره وَبسط أمله وَكتب إِلَى صَاحب الديلم فِي تسهيل أَمر يحيى على أَن يُعْطِيهِ ألف ألف دِرْهَم فَأجَاب يحيى على الْأمان بِخَط الرشيد وَشَهَادَة الْفُقَهَاء والقضاة وَجلة بني هَاشم ومشايخهم وَعين عبد الصَّمد بن عَليّ أَن يكون مِنْهُم فَكتب لَهُ الرشيد بِكُل مَا أحب وأفاضَ عَلَيْهِ الْعَطاء وعظُمَت منزلَة الْفضل عِنْده ثمَّ إِن الرشيد حبس يحيى إِلَى أَن هلك فِي محبسه وَفِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ حج الرشيد فَسَار من الأنبار وَمَعَهُ أَوْلَاده الثَّلَاثَة مُحَمَّد الْأمين وَعبد الله الْمَأْمُون وَالقَاسِم الملقب بالمؤتمن وَكَانَ قد ولى الْأمين الْعَهْد وولاه الْعرَاق وَالشَّام إِلَى آخر الْمغرب وَولى الْمَأْمُون الْعَهْد بعده وَسلم إِلَيْهِ من هَمدَان إِلَى آخر الْمشرق وَبَايع لِابْنِهِ الْقَاسِم بعد موت الْمَأْمُون ولقبه المؤتمن وَجعل خلعه وإثباته لِلْمَأْمُونِ وَضم إِلَيْهِ الجزيرة والثغور والعواصم ومَرَ بِالْمَدِينَةِ فَأعْطى فِيهَا ثَلَاث أعطية عَطاء مِنْهُ وَعَطَاء من الْأمين وَعَطَاء من الْمَأْمُون فَبلغ ألف ألف دِينَار وَخَمْسمِائة ألف دِينَار ثمَّ سَار إِلَى مَكَّة فَأعْطى مثلهَا وأحضر الْفُقَهَاء والقضاة والقواد وَكتب كتابا أشهد فِيهِ على الْأمين بِالْوَفَاءِ لِلْمَأْمُونِ وَآخر على الْمَأْمُون بِالْوَفَاءِ للأمين وعلق الْكِتَابَيْنِ فِي الْكَعْبَة الشَّرِيفَة وجدَّد عَلَيْهِمَا العهود بذلك قَالَ إِبْرَاهِيم الحَجبي لما أردْت تَعْلِيق كتاب الْعَهْد بِالْكَعْبَةِ سقط مني المعلاق فَكَانَ فألا بِسُرْعَة نقضه

стр. 1462

وَلما صير الرشيد وَلَده الْأمين ولي عَهده بعده قَالَ سلم الخاسر قصيدة فِي ذَلِك يَقُول فِيهَا من // (الْكَامِل) // (قُلْ للمنازلِ بالكَثِيبِ الأَغْفَرِ ... سُقِّيتِ غادِيةَ السماءِ المُمْطِرِ) (قَدْ بايَعَ الثَّقَلَانِ مَهْدِِي الهُدَى ... لمحمدِ ابنِ زُبَيْدَةَ ابْنةِ جَعْفَرِ) (قَدْ وَفَّقَ اللَّهُ الخليفَة إذْ بَنَى ... بَيْتَ الخلافةِ لِلْهِجَانِ الأَزْهرِ) (فَهُوَ الخليفَةُ عَنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ ... شَهِدَا عَلَيْهِ بِمَنْظَرٍ وبِمَخْبَرِ) فحشت زبيدة فَاه جَوَاهِر قيل باعة بِعشْرين ألف دِينَار قلت وَمن شعر سلم قَوْله من // (مخلع الْبَسِيط) // (بَانَ شبابِي فَمَا يَحُورُ ... وطَالَ مِنْ لَيْلِيَ القَثصيرُ) (أَهْدى لِيَ الشَّوْقَ وَهْوَ حُلْوٌ ... أَغَنُّ فِي طَرْفِهِ فُتُورُ) (وَقَائِلٍ حِينَ شَبَّ وَجْدِي ... وَاشْتَعَلَ المُضْمرُ السَّتِيرُ) (لَوْ شِئْتُ أَسْلَاكَ عَنْ هَوَاهُ ... قَلْبٌ لِأَشْجَانِه ذَكُورُ) (فَقُلْتُ لَا تَعْجَلَنْ بِِلَوْمِي ... فَإِنَّمَا يُنْبِئُ الخَبِيرُ) (عَذَّبَني والهَوَى صَغِيرُ ... فَكَيْفَ بِي والهَوَى كَبِيرُ) (مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ مَات غَمًّا ... وَفَازَ باِللَّذَّةِ الجَسُورُ) وَسلم هَذَا اسْمه سلم بن عَمْرو الْبَصْرِيّ أحد الشُّعَرَاء الْمُحْسِنِينَ وَهُوَ غُلَام بشار بن برد مدح الْمهْدي والرشيد والبرامكة وَكَانَ عاكفاً على الْمعاصِي ثمَّ تزهد وتنسك مُدَّة مديدة ثمَّ مرق وَعَاد إِلَى اللَّهْو وَبَاعَ مصحفه وَاشْترى بِثمنِهِ ديوَان شعر فلقب لذَلِك الخاسر وَمن غَرِيب مَا اتّفق لهارون الرشيد أَن أَخَاهُ مُوسَى الْهَادِي لما ولي الْخلَافَة قبله سَأَلَ عَن خَاتم عَظِيم الْقدر كَانَ لِأَبِيهِ الْمهْدي فَبَلغهُ أَن الرشيد أَخذه فَطَلَبه مِنْهُ فَامْتنعَ فألحَ عَلَيْهِ فِيهِ فشق على الرشيد أَخذه فَطَلَبه وَمر على جسر بَغْدَاد فَرَمَاهُ فِي دجلة فَلَمَّا مَاتَ الْهَادِي وَولي الرشيد الْخلَافَة أَتَى إِلَى ذَلِك الْمَكَان بِعَيْنِه وَمَعَهُ خَاتم رصاص فَرَمَاهُ فِيهِ وَأمر الغطاسين أَن يلتمسوه فَفَعَلُوا فَاسْتَخْرَجُوا الْخَاتم الأول فعد ذَلِك من سَعَادَة الرشيد وَفِي سنة سبع وَثَمَانِينَ كَانَت نكبة الرشيد بالبرامكة

стр. 1463

اعْلَم أَن البرامكة يُقَال أصلهم من جيل من الْعَجم كَانُوا مجوسَاً وأولهم فِي التَّقَرُّب إِلَى الْخُلَفَاء خَالِد بن برمك وَكَانَ من كبار الشيعةَ وَله قدم راسخ فِي الدولة وَكَانَ يَلِي الولايات الْعِظَام ولاه الْمَنْصُور على الْموصل وأذربيجان وَولى ابْنه يحيى على أرمينية ووكله الْمهْدي بكفالة الرشيد فَأحْسن تَرْبِيَته وَدفع عَنهُ أَخَاهُ لما أَرَادَهُ على الْخلْع وتولية ابْنه الْعَهْد وحبسه الْهَادِي لذَلِك فَلَمَّا ولي الرشيد استوزر يحيى وفوض لَهُ أُمُور ملكه وَكَانَ أَولا يصدر عَن رَأْي الخيرزان أم الرشيد ثمَّ استبد بِالرَّأْيِ فِي الدولة وَكَانَ بَيتهمْ معمورا بِالرِّجَالِ من العمومية والقرابة وَكَانَ بنوه جَعْفَر وَالْفضل وَمُحَمّد قد ساهموا أباهم فِي حمل الدولة واستولوا على حظّ من تقريب السُّلْطَان واستخلاصه وَكَانَ الْفضل أَخا للرشيد من الرَّضَاع أرضعت أمه الرشيد وأرضعته الخيرزان وَكَانَ يُخَاطب يحيى يَا أَبَت واستوزر الْفضل وجعفرَاً وَولي جَعْفَر على مصر وخراسان وَبعث الْفضل لاستنزال يحيى بن عبد الله الْعلوِي من الديلم وَدفع وَلَده الْمَأْمُون لما ولاه الْعَهْد إِلَى كَفَالَة جَعْفَر بن يحيى فحسنت آثَارهم فِي ذَلِك كُله ثمَّ عظم سلطانهم واستيلاؤهم على الدولةَ وَكَثُرت السّعَايَة فيهم وَعظم حقد الرشيد على جَعْفَر مِنْهُم فَلَمَّا كثرت فيهم السّعَايَة بِسَبَب استيلائهم على الْخَلِيفَة فَمن دونه تحيل أعداؤهم من البطانة فِيمَا دسوه للمغنين من الشّعْر احتيالا على إسماعه للخليفة ولتحريك حفائظه عَلَيْهِم وَمن ذَلِك بيتان هما من // (الرمل) // (لَيْتَ هِنْدًا أنجزتْنَا مَا تعِدْ ... وشَفَتْ أَنْفُسَنَا ممَّا نَجِدْ) (واستَبَدَّتْ مَرَّةً وَاحِدَة ... إِنَّمَا العَاجِزُ مَنْ لَا يَسْتَبِدّ) فَلَمَّا سَمعهَا الرشيد قَالَ إِي وَالله عَاجز فبعثوا بذلك كامن غيرته وسلَطوا عَلَيْهِ انتقامه نَعُوذ بِاللَّه من غَلَبَة الرِّجَال وَسُوء الْحَال ذكر هَذَا ابْن عبد ربه الْقُرْطُبِيّ فِي العقد فتنكر لَهُم الرشيد وَدخل عَلَيْهِ يَوْمًا يحيى بن خَالِد بِغَيْر إِذن فَأنْكر ذَلِك عَلَيْهِ وخاطب طبيبه جِبْرِيل بن بختيشوع منصرفاً بِهِ عَن مواجهته وَكَانَ حَاضرا فَقَالَ يحيى أما هِيَ عادتي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإِذ قد نكرت مني فسأكون فِي الطَّبَقَة الَّتِي تجعلني فِيهَا فاستحيى هَارُون وَقَالَ مَا أردْت مَا تكره

стр. 1464

وَكَانَ الغلمان يقومُونَ بِبَاب الرشيد يَعْنِي إِذا دخل يحيى فَتقدم لَهُم مسرور الْخَادِم بِالنَّهْي عَن ذَلِك فصاروا يعرضون عَنهُ إِذا أقبل وَأَقَامُوا على ذَلِك زمانَاً فَلَمَّا حج الرشيد سنة سبع وَثَمَانِينَ وَرجع من حجه وَنزل الأنبار أرسل مَسْرُورا الْخَادِم فِي جمَاعَة من الْجند لَيْلًا فأحضروا جعفرَاً بِبَاب الْفسْطَاط وَأعلم الرشيد فَقَالَ ائْتِنِي بِرَأْسِهِ فَطَفِقَ جَعْفَر يتذلل وَيسْأل مَسْرُورا الْمُرَاجَعَة فِي أمره فَدخل إِلَى الرشيد يكلمهُ فِيهِ فَحَذفهُ الرشيد بِعَصا كَانَت فِي يَده وتهدده فَخرج وَأَتَاهُ بِرَأْسِهِ وَحبس يحيى وَابْنه الْفضل من ليلته وَبعث من احتاط على منَازِل يحيى وَولده وَجمع موجودهم وَكتب فِي ليلته إِلَى سَائِر النواحي بِقَبض أَمْوَالهم ورقيقهم وَبعث من الْغَد بشلو جَعْفَر وَأمر بِأَن يقسم بقطعتين وينصبا على الجسر وأعفى مُحَمَّد بن خَالِد من النكبة وَلم يضيق على يحيى وَابْنه الْفضل قَالَ فِي المروج وَاخْتلف فِي سَبَب إِيقَاعه بهم فَأَما الظَّاهِر فاحتجار الْأَمْوَال فَإِنَّهُم كَانُوا لَيْسَ للرشيد مَعَهم أمرٌ حَتَّى كَانَ يحْتَاج لليسير من المَال فَلَا يقدر عَلَيْهِ وَقيل إِن سَبَب ذَلِك أَن الرشيد لما وَجه يَقْطِين بن مُوسَى إِلَى إفريقية لإصلاحها وَكَانَ يَقْطِين من كبار الشِّيعَة وَمِمَّنْ كَانَ مَعَ إِبْرَاهِيم الإِمَام فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اكشف لي عَن جسدك أقبله لأَكُون قبلت بضعَة من رَسُول الله ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حَدثنِي مولَايَ إِبْرَاهِيم الإِمَام أَن الْخَامِس من الْخُلَفَاء بني الْعَبَّاس تعذر بِهِ كُتابه فَإِن لم يقتلهُمْ قَتَلُوهُ فَقَالَ لَهُ الرشيد الله حَدثَك الإِمَام بِهَذَا قَالَ نعم فَكَانَ ذَلِك السَّبَب فِي قَتلهمْ لِأَنَّهُ هُوَ الْخَامِس من خلفاء بني الْعَبَّاس وَقيل إِن سَبَب قتل جَعْفَر أَنه رفع إِلَى الرشيد رقْعَة لم يدر رافعها وفيهَا من // (السَّرِيع) // (قُلْ لأمِينِ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ ... ومَنْ ألَيْهِ الحَلُّ والعَقْدُ) (هَذَا ابْنُ يَحْيَى قد غَدَا مَالِكًا ... مِثْلَكَ مل بَيْنَكُمَا حَدُّ)

стр. 1465

(أَمْرُك مرْدُودٌ إلَى أَمْرِهِ ... وأَمْرُهُ لَيْسَ لَهُ رَدُّ) (وقَدْ بَنى الدَّارَ الَّتِي مَا بَنَى ... مِثَالَهَا الفُرْسُ وَلَا الْهِنْدُ) (أَلدُّرُّ واليَاقُوتُ حَصْبَاؤها ... وتُرْبُهَا العَنْبَرُ والنِّدُّ) (ونَحْنُ نخشَى أَنه وَارِثٌ ... مُلْكَكَ إِنْ غَيَّبَكَ اللَّحْدُ) (ولَنْ يُبَاهِي العَبْدُ أربابَهُ ... إلَاّ إِذا مَا بَطرَ العَبْدُ) فَلَمَّا وقف عَلَيْهَا الرشيد أوقع بِهِ وقيِل سَببه أَن الرشيد لما استنزل يحيى بن عبد الله الْعلوِي عَن جَعْفَر وَكَانَ يخافه على الْخلَافَة وَكَانَ جَعْفَر يرى سرُور الرشيد بِمَوْت من يَمُوت فِي حَبسه من هَؤُلَاءِ الْأَصْنَاف فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن يحيى بن عبد الله قد مَاتَ فَسُر سرورَاً وَأخْبر أَبَاهُ يحيى بذلك فَقَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون إِن تَرَكْنَاهُ تلفنا وَإِن قَتَلْنَاهُ فَالنَّار لنا ثمَّ خيل لَهُ أَن كتب إِلَى عَليّ بن مُوسَى بن هامان وَالِي خُرَاسَان وَكَانَ متزوجاً بنت يحيى فَعرفهُ مَا جرى وفزع إِلَيْهِ فِي أَن يكون يحيى عِنْده مكرمَاً إِلَى أَن يقْضِي الله قَضَاءَهُ وَكَانَ الْكتاب بِخَط يحيى وَلم يكن يحيى يعلم مَا بَين عَليّ بن عِيسَى وَبَين ولديه الْفضل وجعفر من الْعَدَاوَة فَلَمَّا وصل الْكتاب إِلَى عَليّ بن عِيسَى بن هامان وصل يحيى بن عبد الله قَالَ هَذَا من حيل الْفضل وجعفر عَليّ فَأجَاب يحيى بِأَنَّهُ يفعل مَا أَرَادَ وأنفذ الْكتاب إِلَى الرشيد فَأعلمهُ أَن يحيى بن عبد الله عِنْده فَكتب إِلَيْهِ الرشيد يحسن فعله ويعلمه فَسَاد أَمر البرامكة لَدَيْهِ وَأمره ببعث يحيى بن عبد الله إِلَيْهِ من غير أَن يعلم أحدا فَلَمَّا وصل يحيى إِلَى الرشيد أوقع بالبرامكة بعد مُدَّة من ذَلِك الْوَقْت وَقيل أَرَادَت البرامكة الزندقة وإفساد الْملك فَقَتلهُمْ وَقيل سَبَب ذَلِك أَن الرشيد كَانَ لَا يصبر عَن جَعْفَر وَلَا عَن أُخْته عباسة وَمَتى غَابَ أَحدهمَا عَنهُ لَا يتم سروره فَقَالَ لجَعْفَر أزَوّجكَهَا ليحل لَك النّظر إِلَيْهَا وَلَا تمسها وَكَانَا يحْضرَانِ مَجْلِسه وَرُبمَا فراقهما فيمتلئان من الشَّرَاب وهما شابان فجامعها جَعْفَر فَحملت مِنْهُ وَفِي كمامة الزهر أَن العباسة عشقت جعفراً فراودته فَأبى خوفًا على نَفسه وَرَأَتْ أَن النِّسَاء إِلَى الخديعة أقرب فَبعثت إِلَى أم جَعْفَر عتابة وَكَانَت عتابة ترسل إِلَى ابْنهَا فِي كل جُمُعَة بِكراً وَكَانَ لَا يَطَؤُهَا حَتَّى يَأْخُذ

стр. 1466

شَيْئا من النَّبِيذ فَقَالَت العباسة أرسليني لجَعْفَر كجارية من اللواتي ترسلينها إِلَيْهِ فَأَبت فَقَالَت لَهَا إِن لم تفعلي أخْبرت الرشيد أَنَّك كَلَّمتنِي فِي كَيْت كَيْت وَإِن اشتملتُ على ولد زَاد فِي شرف ابْنك وَمَا عَسى أَن يفعل أخي بعد اشتمالي على ولد فطمعت عتابة فِي ذَلِك ووعدت وَلَدهَا بِجَارِيَة من هيئتها كَذَا وَكَذَا فطالبها جَعْفَر بهَا فمطلته أَيَّامًا ثمَّ قَالَت للعباسة تَهيئي فِي هَذِه اللَّيْلَة فَفعلت وأدخلتها على جَعْفَر وَكَانَ لَا يعرفهَا لِأَنَّهُ كَانَ يجلس مَعهَا هُوَ والرشيد فَلَا يَجْسُر أَن يرفع طرفه إِلَيْهَا خوفًا فَلَمَّا قضى مِنْهَا وطره قَالَت لَهُ كَيفَ رَأَيْت خديعة بَنَات الْمُلُوك فَقَالَ وَبنت أَي ملك أَنْت قَالَت أَنا مولاتك العباسة فطارَ السكر من رَأسه وَقَالَ لأمه بعتيني وَالله رخيصاً فَكَانَ هذَاَ هَو السَّبَب وَيُقَال إِن علية بنت الْمهْدي قَالَت للرشيد مَا رَأَيْت لَك يَا سَيِّدي يَوْم سرُور مُنْذُ قتلت جعفراً فلأي شَيْء قتلته فَقَالَ لَهَا يَا حيائي لَو علمت أَن قَمِيصِي يعلم السَّبَب لأحرقته وَفِي ربيع الْأَبْرَار لم أر أبر من الْفضل بِأَبِيهِ يحيى بلغ من بره أَنه لما كَانَا محبوسين وَكَانَ يحيى لَا يتَوَضَّأ إِلَّا بِمَاء مسخن فَمنع السجان الْوقُود فِي لَيْلَة بَارِدَة فَلَمَّا أَخذ يحيى مضجعه قَامَ الْفضل إِلَى قمقم فأدناه إِلَى الْمِصْبَاح فَلم يزل قَائِما وَهُوَ فِي يَده حَتَّى أصبح فَتَوَضَّأ بِهِ أَبوهُ يحيى فشعر السجان بذلك فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الثَّانِيَة غيب السجان الْمِصْبَاح فَبَاتَ الْفضل متأبطَاً القمقم يدفئه لِأَبِيهِ ليله أجمع وَمَات يحيى بالسجن فِي الرقة سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة بعد قتل جَعْفَر بِثَلَاث سِنِين وَبَقِي الْفضل بعده فِي السجْن ثمَّ مَاتَ وَكَانَت دولتهم مُنْذُ اسْتخْلف هَارُون إِلَى أَن قتل جَعْفَر سبع عشرَة سنة وَسَبْعَة أشهر وَخَمْسَة عشر يَوْمًا وَقد رثتهم الشُّعَرَاء وَأَكْثرُوا وَمن ذَلِك قَول عَليّ بن معَاذ من // (السَّرِيع) // (يَأَيُّهَا المُغْتَرُّ بِالدَّهْرِ ... وَالدَّهْرُ ذُو صَرْفٍ وّذُو غَدْرِ) (إِنْ كُنْتَ ذَا جَهْلٍ بِتَصْرِيِفِهِ ... فَانظُر إلَى المَصْلُوبِ بِالجسْرِ)

стр. 1467

(فَبَيْنَمَا جَعْفَرُ فِي مُلْكِهِ ... عشيَّةَ الجمعَةِ بالغمْرِ) (إذْ عَثَرَ الدهْرُ بِهِ عثْرَةً ... يَا وَيْلَتِي مِنْ عَثْرَةِ الدَّهْرِ) وَقَالَ سلم الخاسر من // (الطَّوِيل) // (هَوَتْ أنجُمُ الجَدْوَى وشَلَّتْ يَد النَّدَى ... وغَاضَتْ بِحَارُ الجُودِ بَعْدَ البَرَامِكِ) (هوتْ أنجُمٌ كانَتْ لآل ابْن بَرْمَكٍ ... بهَا يَعْرِف الجرِي قَوِيمَ المَسَالِكِ) وَقَالَ مَنْصُور النميري من // (مخلع الْبَسِيط) // (أُنْدُبْ بنِي بَرْمَكِ لدُنْيَا ... تَبْكِي علَيْهِمْ بكُلِّ نَادِي) (كانتْ بهمْ بُرْهَةً عَرُوسًا ... فأضحَتِ الآنَ فِي حِدَادِ) وَقَالَ دعبل الْخُزَاعِيّ من // (الطَّوِيل) // (ألم تَرَ صَرْفَ الدّهْرِ فِي آلِ بَرْمَكٍ ... وآلِ نهيكٍ والقُرُونِ الَّتي خَلُّوْا) (لقد غَرَسُوا غَرْسَ النخيلِ تكرُّمًا ... فَمَا حصدُوا إِلَّا كَمَا تحصدُ البقْلُ) وَقَالَ أَبُو عذرة الْأَعرَابِي من // (الْخَفِيف) // (مَا رَعَى الدَّهْرُ آلَ بَرْمَكَ لَمَّا ... أَنْ رَمَى ملكَهُمْ بأمْرٍ بديعِ) (إنَّ دهراً لم يَرْعَ حَقًا ليحيى ... غَيْرُ راعٍ حَقُّا لآلِ الرَّبِيعِ) قلت آل الرّبيع هُوَ حَاجِب هَارُون الرشيد كَأَنَّهُ يهددهم بِهَذَا القَوْل ويخوفهم ولبعضهم من من // (المديد) // (ياَ بَنِي بَرْمَكَ وَاهًا لَكُمْ ... ولِأَيَّامِكُمُ المُقْبِلَهْ) (كَانَتِ الدُّنْيَا عرُوسًا بِكُمْ ... وَهِيَ اليَوْمَ عَجُوزٌ أَرْمَلَهْ) وَفِي ابْن خلكان عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْهَاشِمِي قَالَ دخلت على والدتي فِي يَوْم عيد النَّحْر فَوجدت عِنْدهَا امْرَأَة عجوزاً فِي ثِيَاب رثَّة فَقَالَت لي والدتي أتعرف من هَذِه قلت لَا قَالَت هَذِه عتابة أم جَعْفَر الْبَرْمَكِي فَأَقْبَلت عَلَيْهَا بوجهي وأكرمتها وتحدثنا زَمَانا ثمَّ قلت يَا أمه مَا أعجب مَا رَأَيْت قَالَت يَا بني لقد أَتَى على هَذَا الْعِيد وعَلى رَأْسِي أَرْبَعمِائَة وصيفة وَإِنِّي أعد أَن ابْني عَاق لي وَلَقَد أَتَى على الْعِيد الْيَوْم وَمَا مناي إِلَّا جلد شَاتين أفرش

стр. 1468

أَحدهمَا وألتحف بِالْآخرِ قَالَ فَدفعت لَهَا خَمْسمِائَة دِينَار فَكَادَتْ تَمُوت فَرحا وَهَهُنَا مُكَاتبَة من يحيى بن خَالِد حَال كَونه فِي السجْن إِلَى الْخَلِيفَة هَارُون نثر ونظم أَحْبَبْت ختم قصتهم بهَا هِيَ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإِمَام الْمُسلمين وَخلف المهديين وَخَلِيفَة رب الْعَالمين من عَبْدٍ أسلمته ذنُوبه وأوبقته عيوبه وخذله شقيقه ورفضه صديقه وَنزل بِهِ الزَّمَان وناح عَلَيْهِ الْحدثَان فَسَار إِلَى الضّيق بعد السعَة وعالج الْبُؤْس بعد الدعة وافترش السخط بعد الرضى واكتحل السهر وافتقد الهجوع فساعته شهر وَلَيْلَته دهر قد عاين الْمَوْت وشارف الْفَوْت جزعاً يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَحجَّة الله على فقدك لما أُصِيب بِهِ من بُعدك لَا لمصيبتى بِالْحَال وَالْمَال فَإِن ذَلِك كَانَ بك وَلَك عَارِية فِي يَدي مِنْك وَلَا بُد أَن تسترد العواري فَإِن كَانَت المحنة فِي جَعْفَر فبجرمه أَخَذته وبجريرته عاقبته وَمَا أَخَاف عَلَيْك زلَّة فِي أمره وَلَا مُجَاوزَة بِهِ فَوق مَا يسْتَحقّهُ فاذكر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ خدمتي وَارْحَمْ ضعْفي وسني ووهن قوتي وهب لي رضى عني فَمن مثلي الزلل ومنك الْإِقَالَة وَلست أعْتَذر وَلَكِنِّي أقرّ وَقد رَجَوْت أَن يظْهر مِنْك الرضى من وضوح عُذري وَصدق قولي وَظَاهر طَاعَتي ومليح حجتي مَا يَكْتَفِي بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَيرى الجلية فِيهِ ويبلغ المُرَاد مِنْهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ كتب تحتهَا شعرًا يَقُول من // (مجزوء الْكَامِل) // (قُلْ لشلْخَلِيفةِ ذِي الصنَائِعِ ... والعطايا الفَاشِيَهْ) (وابنِ الخلائفِ مِنْ قريْشٍ ... والملوكِ الهَادِيَهْ) (رأسِ الْمُلُوك وخَيْرِ منْ ... ساسَ الأمورَ الماضيِهْ) (إنَّ البرامكَةَ الَّذين ... رُمُوا لَدَيْكَ بداهِيَهْ) (عَمَّتْهُمُ لَكَ سخطةٌ ... لم تُبْقِ مِنْهُمْ باقِيَهْ) (فَكأنَّهُمْ مِمَّا بِهِمْ ... أَعْجَازُ نَخْلٍ خاويَه) (صُفْرُ الوجوهِ عَلَيْهِمُ ... خِلَعُ المذَّلةِ بادَيهْ)

стр. 1469

(مستضعفُونَ مُطَرَّدُونَ ... بكُلِّ أرضٍ قاصِيَهْ) (من دون مَا يَلْقَوْنَ مِنْ ... عَتْبٍ يشِيبُ النّاَصيَهْ) (أضحَوْا وجُلُّ مناهُمُ ... منْكَ الرضَا والعافِيهْ) (بَعْدَ الوزارةِ والإمارةِِ ... والأمورِ العاليَهْ) (أُنْظُرْ إِلَى الشيخِ الْكَبِير ... فنَفْسُهُ لَك راجيَهْ) (أوَ مَا سَمِعْتَ مَقَالَتي ... يَا ذَا الفروعِِ الزاكيَهْ) (مَا زلْتُ أَرْجُو راحَةً ... فاليومَ حَانَ رجائيَهْ) (اَلْيَوْمَ قد سَلَبَ الزمانُ ... كَرَامَتِي وبَهَائِيَهْ) (ألقَى الزمَانُ جِرَانيَهْ ... مستثبتَاً بفنائيَهْ) (ورمَى سواءَ مَقاتِلِي ... فَأصَاب حِينَ رمانيَهْ) (يَا مَنْ يَوَدُّ لِيَ الرَّدَي ... يكفيكَ ويَحْكَ مَا بِيَهْ) (يكفيكَ أنِّي مستباحٌ ... مَعْشَرِي ونِسَائِيَهْ) (يَكْفِيك مَا أَبْصَرْتَ مِنْ ... ذلي وذُلِّ مكانيَهْ) (إِن كَانَ لَا يَكْفِيكَ إلْلَا ... أَنْ أَذُوقَ حِمَامِيهْ) (فلقدْ رَأَيْتُ المَوْتَ مِنْ ... قبل المماتِ عَلَانِيَهْ) (وفُجِعْتُ أَعْظَمَ فجْعَةٍ ... وفَنيْتُ قبْلَ فَنَائِيَهْ) (أُنْظُرْ بعينِكَ هَلْ تَرَى ... إلَاّ قُصُورًا خاليَهْ) (وذخائرَاً موروثَةً ... قُسِّمْنَ قبْلَ مَمَاتِيَهْ) (ومصارعاً وفجائعاً ... ومصائبَاً متواليهْ) (أَخَلِيفَة اللَّهِ الرِّضَا ... لَا تُشْمِتَنْ أعدائَهْ) (واذكُرْ مُقَاسَاتِي الأمُوْرَ ... وخِدْمَتِي وعنَائِيهْ) (إِرْحَمْ جُعِلْكُ لَك الفدا ... كِبَرِي وشِدَّةَ حَالِيَهْ) (واحْمِ أخاكَ الفَضْلَ ... والْباقِينَ مِنْ أولادِيَهْ) (أخليفةَ الرحمنِ إنْنَكَ ... لَو رَأَيْتَ بَنَاتِيَهْ) (وبُكاءَ فاطمةَ الكبيرةِ ... والمَدَامِعَ جاريهْ) (ومقالَهَا بتوجُّعٍ ... يَا شِقْوَتِي وبلَائِيَهْ)

стр. 1470

) مَا لي وَقد غَضِبَ الإمامُ ... عَلى جَمِيع رِجَلِيَهْ) (يَا نظرةَ المَلِكِ الرِّضَا ... عودي إلَيْنَا ثَانِيَهْ) فَلَمَّا رأى الرشيد هَذِه الأبيات وَقع تحتهَا قَوْله من // (مجزوء الْكَامِل) // (أَجْرَى القَضَاءُ عَلَيْكُمُ ... مَا جِئْتُمُوهُ عَلَانِيَهْ) (مِنْ تَرْكِ نُصْحِ إمامِكُمْ ... عِنْد الأُمُورِ البَادِيَهْ) (يَا آلَ بَرْمَكَ إنَّمَا ... كُنْتُمْ ملوكاً عادِيَهْ) ) فكَفَرْتُمُ وعَصَيْتُمُ ... وجحدتُّمُ نَعْمَائِيَةْ) (هَذِي عُقُوبَةُ مَنْ عَصَى ... معبودَهُ وعَصَانِيَهْ) ﴿وضرَبَ اَللَهُ مَثَلا قَرية كَانتَ آمِنَة مُطمَئنَةَ﴾ الْآيَة النَّحْل ١١٢ سَأَلَ الرشيد مُوسَى الكاظم بن جَعْفَر فَقَالَ لَهُ لم زعمتم أَنكُمْ أقرب إِلَى رَسُول الله منا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أَن رَسُول الله أنشر فَخَطَبَ إِلَيْك هَل كنت تجيبه فَقَالَ سُبْحَانَ الله وَكنت أَفْخَر بذلك على الْعَرَب والعجم فَقَالَ مُوسَى لكنه لَا يخْطب إليَ وَلَا أزَوجهُ لِأَنَّهُ ولَدَنَا وَلم يَلِدْكُمْ وَدخل عَلَيْهِ يَوْمًا فعثر بهدب الْبسَاط فَوَقع فَضَحِك الرشيد فَالْتَفت إِلَيْهِ مُوسَى فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه ضعف صَوْم لَا ضعف سكر وَكَانَ الرشيد قد حمل مُوسَى مَعَه سنة أَن حَجَ حمله مَعَه من الْمَدِينَة إِلَى بَغْدَاد وحبسه غير مضيق عَلَيْهِ إِلَى أَن توفّي قَالَ الذَّهَبِيّ بلغنَا أَنه بعث إِلَى الرشيد رِسَالَة يَقُول إِنَّه لن يَنْقَضِي عني يَوْم من الْبلَاء إِلَّا انْقَضى عَنْك مَعَه يَوْمًا من الرخَاء ثمَّ نقضي جَمِيعًا إِلَى يَوْم لَيْسَ لَهُ انْقِضَاء يخسر فِيهِ المبطلون قَالَ عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ لما رأى الرشيد قَبره ﵊ فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله يَا ابْن عَم يفتخر بذلك فَتقدم مُوسَى بن جَعْفَر فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا أَبَت فتغيَّر وَجه الرشيد وَقَالَ هَذَا الْفَخر حَقًا قَالَ وَلَعَلَّ الرشيد مَا حمله إِلَى بَغْدَاد وحبسه إِلَّا لقَوْله السَّلَام عَلَيْك يَا أبتِ

стр. 1471

فَإِن الْخُلَفَاء لَا يحْتَملُونَ مثل هَذَا حكى الإِمَام مُحَمَّد بن ظفر قَالَ كَانَ الرشيد مَعَ ظلمه وعظيم مُلْكه وجبروته يَعْتَرِيه خَوفُ الله فَمن ذَلِك أَن خارجياً خرج عَلَيْهِ فَقتل أبطاله وانتهب أَمْوَاله مرَارًا ثمَّ إِنَّه جهز إِلَيْهِ جَيْشًا كثيفاً فقاتلوه فغلبوه بعد جهد وَأتوا بِهِ الرشيد فَجَلَسَ مجلسَاً عَاما وَأمر بإدخاله عَلَيْهِ فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ قَالَ يَا هَذَا مَا تُرِيدُ أَن أصنَعَ بك قَالَ مَا تريدُ أَن يَصْنَعَ الله بك إِذا وقفتَ بَين يَدَيْهِ فَعَفَا عَنهُ وَأمر بِإِطْلَاقِهِ فَلَمَّا خرج قَالَ بعض جلسائْه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رجلٌ قَتَلَ أبطالك وانتهب أموالك تطلقه بِكَلِمَة وَاحِدَة هَذَا مِمَّا يُجَرئُ عَلَيْك أهلَ الشَّرّ فَقَالَ الرشيد ردُّوهُ فَعلم الرجل أَنه قد تكلم فِيهِ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تطعهم فَلَو أطَاع الله النَّاس فِيك مَا ولاك طرفَة عين قَالَ صدقت ثمَّ أَمر لَهُ بصلَة وَفِي كتاب روض الْأَخْبَار أَن الرشيد خرج إِلَى الصَّيْد فَانْفَرد عَن عسكره وَالْفضل بن الرّبيع خَلفه فَإِذا شيخ رَاكب على حمَار فَنظر إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ رطب الْعين فغمز الْفضل عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْفضل أَيْن تُرِيدُ يَا شيخ قَالَ حَائِطا لي فَقَالَ هَل أدلك على شَيْء تداوي عَيْنَيْك فتذهب هَذِه الرُّطُوبَة فَقَالَ الشَّيْخ مَا أحوجني إِلَى ذَلِك فَقَالَ لَهُ الْفضل خُذ عيدَان الْهَوَاء وغبار المَاء وورق الكمأة فصيره فِي قشر جوزة واكتحل بِهِ فَإِنَّهُ يذهب رُطُوبَة عَيْنَيْك فاتكأ الشَّيْخ على حلْس حِمَاره وضرط ضرطة طَوِيلَة ثمَّ قَالَ هَذِه أُجْرَة وصفك فَإِن نفعنا الْكحل زدناك فَضَحِك الرشيد حَتَّى كَاد أَن يسْقط من على ظهر فرسه قَالَ النَّضر بن شُمَيْل إِمَام اللُّغَة حَدثنِي الْفراء عَن الْكسَائي قَالَ دَعَاني الرشيد وَلَيْسَ عِنْده إِلَّا حَاشِيَته وابناه الْمَأْمُون والأمين فَقَالَ يَا عَليّ مَا زلت ساهراً مفكراً فِي مَعَاني أَبْيَات قد خفيت عَليّ قلت إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن ينشدنيها فَأَنْشد من // (الرجز) // (قد قُلْتُ قولا للغُرَابِ إذْ حَجَلْ ... ) (عَلَيْكَ بالقُودِ المسانيفِ الأُوَلْ ... )

стр. 1472

(تَغَدَّ مَا شِئْتَ عَلَى غَيْرِ عَجَلْ ... ) قلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن العير إِذا فصلَت من خَيْبَر وَعَلَيْهَا التَّمْر يَقع الْغُرَاب على آخر العير فطرده السَّائِق يَقُول يَا هَذَا تقدم إِلَى أَوَائِل العير فَكل على غير عجل والقود جمع أَقُود وَهُوَ الطَّوِيل الْعُنُق وَالْأُنْثَى قوداء والمسانيف الْمُتَقَدّمَة ثمَّ أَنْشدني من // (الطَّوِيل) // (لَعَمْرِي لَئِن عشرتْ مِنْ خشْيَةِ الردَى ... نُهَاقَ الحميرِ إِنَّنيِ لَجَهُولُ) فَقلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ الرجل من الْعَرَب إِذا وصل إلَى خَيْبَر أكب على أَرْبَعَة وَعشر تعشير الْحمار وَهُوَ أَن ينهق عشر نهقات مُتَتَابِعَات يفعل ذَلِك فَيدْفَع عَن نَفسه حمى خَيْبَر ثمَّ أَنْشدني قَول الآخر من // (الْبَسِيط) // (أجاعلٌ أَنْتَ بَيْقُورًا مُضَرَّمَةً ... ذريعَةً لَكَ بَين اللهِ والمَطَرِ) قلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَت الْعَرَب إِذا أَبْطَأَ الْمَطَر شدت الْعشْر والسلع وهما ضَرْبَان من النبت فِي أَذْنَاب الْبَقر وألهبوا فِيهَا النَّار وشردوا بالبقر تفاؤلا بالبرق والمطر ثمَّ أَنْشدني من // (الطَّوِيل) // (لعمركَ مَا لامَ الفَتَى مِثْل نَفْسِهِ ... إِذا كانَتِ الأحياءُ تَعْرَى ثيابُهَا) (وآذَنَ بالتصْفِيقِ مَنْ سَاءَ طنُّهُ ... فَلم يَدْرِ مِنْ أيِّ اليدَيْنِ جوابُهَا) فَقلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ الرجل مِنْهُم إِذا ضَل فِي الْمَفَازَة قلب ثِيَابه وَصَاح كَأَنَّهُ يُومِئ إِلَى إِنْسَان ويشتد شدَّة ويصفق بيدَيْهِ فيهتدي الطَّرِيق ثمَّ أَنْشدني من // (مجزوء الْكَامِل) // (قَوْدَاء تَمْلِكُ رَحْلَهَا ... مِثْلَ اليَتِيمِ مِنَ الأَرَانِبْ) فَقلت نعم يَقُول هَذِه نَاقَة مثل الْيَتِيم من الآكام واليتيم الْوَاحِد من كل شَيْء والأرانب الآكام ثمَّ أَنْشدني لآخر من // (الطَّوِيل) // (إِلى اللهِ أشكُو هَجْمَةً هجريَّةً ... تعاورها أَمْر السِّنِين الغَوَابِرِ)

стр. 1473

(فعادَتْ روايا تَحْمِلُ الطَّينَ بَعْدَ مَا ... تَكُونُ قِرًى للمُعْتَفِينَ المَفَاقِرِ) قلت نعم هَذَا رجل فِي بستانه نخيل أَتَى عَلَيْهَا الدَّهْر فجفت فقطعها وصيرها أجذاعاً وسقف بهَا الْبيُوت فَقَالَ هَذِه الأجذاع كَانَت تحمل الرطب فنأكل ونطعم الأضياف فجفت فقطعتها وسقفت بهَا فَهِيَ الْآن تحمل الطين وَالتُّرَاب وَغير ذَلِك ثمَّ أَنْشدني من // (الطَّوِيل) // (وَسِرْبٍ مِلَاحٍ قد رأيتُ وجوهَهُمْ ... إِنَاثٌ دَوَانِيهِ ذُكُورٌ أواخِرُهْ) قلت نعم يَعْنِي الأضراس ثمَّ أَنْشدني قَول الآخر من // (الطَّوِيل) // (فَإنِّي إِذن كَالثَّوْرِ يُضْرَبُ جَنْبُهُ ... إِذَا لَمْ يَعَفْ يَوْمًا وَعَافَتْ صَوَاحِبُهْ) قلت نعم كَانَت الْعَرَب إِذا وَردت الْبَقر المَاء فَشَرِبت الثيران وأبت الْبَقر ضربت الثيران فَتَشرب الْبَقر وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر الآخر من // (الْبَسِيط) // (إِنِّي وَقَتْلِي سُلَيْكًا ثُمَّ أَعْقِلَهُ ... كالثَّوْرِ يُضْرَبُ لَمَّا عافَتِ البَقَرُ) ثمَّ أَنْشدني قَول الآخر من // (الطَّوِيل) // (وَمُنْحَدِرٍ مِنْ رَأْسِ بَرْقَاءَ حَطَّهُ ... مَخَافَةَ بينٍ أَوْ حَبِيب مُزَايِلِ) قلت نعم يَعْنِي الدُّمُوع والبرقاء الْعين لِأَن فِيهَا بياضَاً وسواداً حطه أساله قَالَ فَوَثَبَ الرشيد فجذبني إِلَى صَدره وَقَالَ لله در أهل الْأَدَب ثمَّ دَعَا بِجَارِيَة فَقَالَ احملي إِلَى منزل الْكسَائي خمس بدر على أَعْنَاق خَمْسَة أعبد يلزمون خدمته ثمَّ قَالَ لي استنشدها يَعْنِي ابنيه فأنشدني مُحَمَّد الْأمين فَقَالَ من // (الطَّوِيل) // (وَإِنِّي لَعَفُّ الفَقْر مُشْتَرَكُ الغِنَى ... وَتَارِكُ شَكْلٍ لَا يُوَافِقُهُ شَكْلِي) (وَشَكْلِيَ شكْلٌ لَا يَقُومُ لِمِثْلِهِ ... مِنَ الناسِ إِلَاّ كُلُّ ذيِ ثِقَةٍ مِثْلِي) (ولي نيقةٌ فِي المَجْدِ والبَذْلِ لم يَكُنْ ... تَأَنَّقَهَا فِيمَا مَضَى أَحَدٌ قَبْلِي) (وأجعلُ مَالِي دُونَ عِرْضِيَ جُنَّةً ... لِنَفْسِي وأَسْتَغْنِي بِمَا كَانَ مِنَ فَضْلِ) وأنشدني عبد الله الْمَأْمُون من // (الْكَامِل) // (بَكَرَتْ تلومُكَ مطْلَعَ الفَجْرِ ... ولقَدْ تلومُ بَغْير مَا تَدْرِي)

стр. 1474

(مَا إنْ مَلَكْت مُصِيبَةً نَزَلَتْ ... إذْ لَا تحكِّمُ طائعَاً أمْرِي) ) مَلِكُ المُلوكِ عَلَىَّ مُقْتَدِرٌ ... يُعْطى إِذا مَا شَاءَ مِنْ يُسْرِ) (فَلَرُبَّ مغتبطٍ تمدُّ لَهُ ... ومفَجَّعٍ بنوائِبِ الدهْرِ) (ومكاشِحٍ لي قد مَدَدتُّ لَهُ ... نَحْرًا بِلَا ضرْعٍ وَلَا غمْرِ) (حَتَّى يَقُولَ لنفْسِهِ لَهَفٌ ... فِي أَيِّ مذهَبِ غايةٍ أَجْرِي) (ويَرَى قنَاتِي حِينَ يَغْمِزُهَا ... غمْزَ الثِّقَافِ بطيئَة الكَسْرِ) فَقَالَ الرشيد يَا عَليّ كَيفَ تراهما فَقلت من // (الطَّوِيل) // (أَرَى قَمَرَيْ أُفْقٍ وَفَرْعَي بشامَةٍ ... يَزِينُهُمَا عِرقٌ كريمٌ ومَحْتِدُ) (يَسُدَّانِ آفاقَ السماءِ بشيمةٍ ... يؤيِّدُهَا حَزْمٌ وعَضْبٌ مُهْنَّدُ) (سليليْ أمِيرِ المؤمنينَ وحَائِزَيْ ... موارِيثِ مَا أبْقَى النَّبِيُّ محمَّدُ) ثمَّ قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فرع زكا أَصله وطاب مغرسه وتمكَنت عروقه وعذبت مشاربه غذاهما ملك أغر نَافِذ الْأَمر وَاسع الْعلم عَظِيم الْحلم فأسأل الله أَن يزِيد بهما الْإِسْلَام تأييدَاً وَعزا ويمتع أَمِير الْمُؤمنِينَ بهما ويمتعهما بدوام سُلْطَانه وَقدرته مَا دجا ليل وأضاء نَهَار ثمَّ انْقَضى الْمجْلس وَخرجت جذلا مَسْرُورا وَفِي كتاب الأذكياء ذكر أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن جَعْفَر الْبَلْخِي أَن الرشيد جمع بَين الْكسَائي وَأبي مُحَمَّد اليزيدي يتناظران فِي مَجْلِسه فَسَأَلَهُمَا الْكرْمَانِي عَن قَول الشَّاعِر من // (مجزوء الرمل) // (مَا رَأَيْنَا خَرِبًا يَنْقر ... عَنهُ البَيْضَ صَقْرُ) (لَا يَكُونُ العَيْرُ مُهْرًا ... لَا يكون المُهْرُ مُهْرُ) فَقَالَ الْكسَائي يجب أَن يكون الْمهْر مَنْصُوبًا على أَنه خبر كَانَ فَفِي الْبَيْت على هَذَا إقواء فَقَالَ اليزيدي الشّعْر صَوَاب لِأَن الْكَلَام قد تمّ عِنْد قَوْله لَا يكون الثَّانِيَة ثمَّ اسْتَأْنف فَقَالَ الْمهْر مهر ثمَّ ضرب بقلنسوته على الأَرْض وَقَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّد فَقَالَ لَهُ يحيى أتكتني بِحَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ الرشيد وَالله إِن خَطَأَ الْكسَائي مَعَ حسن أدبه لأحب إِلَيّ من صوابك مَعَ سوء أدبك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن حلاوة الظفر أذهبت عَن التحفظ فَأمر بِإِخْرَاجِهِ

стр. 1475

وَاجْتمعَ الْكسَائي وَمُحَمّد بن الْحسن الشباني صَاحب الإِمَام أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ الْكسَائي من تبحر فِي علم النَّحْو اهْتَدَى إِلَى سَائِر الْعُلُوم فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد مَا تَقول فِيمَن سَهَا فِي سُجُود السَّهْو هَل يسْجد مرّة أُخْرَى قَالَ لَا قَالَ لم ذَا قَالَ لِأَن النُّحَاة يَقُولُونَ المصغر لَا يصغر قَالَ مُحَمَّد فَمَا تَقول فِي تَعْلِيق الْعتْق بِالْملكِ قَالَ لَا يَصح قَالَ لم قَالَ لِأَن السَّيْل لَا يسْبق الْمَطَر وَتعلم الْكسَائي النَّحْو على كبر سنه وَسَببه أَنه مَشى يَوْمًا حَتَّى أعيا فَجَلَسَ وَقَالَ عييت فَقيل لَهُ لحنت قَالَ كَيفَ قيل إِن كنت أردْت التَّعَب فَقل أعييت وَإِن كنت أردْت انْقِطَاع الْحِيلَة فَقل عييت بِغَيْر همز فَأَنف من قَوْلهم لحنت واشتغل بالنحو حَتَّى مهر وَصَارَ إِمَام وقته وَكَانَ يُؤَدب الْأمين والمأمون وَصَارَت لَهُ الْيَد الْعُظْمَى والوجاهة التَّامَّة عِنْد الرشيد وولديه وَتُوفِّي مُحَمَّد بن الْحسن وَالْكسَائِيّ فِي يَوْم وَاحِد سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة ودفنا فِي مَكَان وَاحِد فَقَالَ الرشيد هَهُنَا دفن الْعلم وَالْأَدب وقصة الْكسَائي مَعَ سِيبَوَيْهٍ فِي مَسْأَلَة فَإِذا هُوَ هِيَ أَو إِيَّاهَا شهيرة لَا نطول بذكرها وَقَالَ الْمبرد حَدثنِي مُحَمَّد بن عباد الْحَنَفِيّ قَالَ أَخْبرنِي الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف بِبَغْدَاد قَالَ لم أدر ذَات يَوْم إِلَّا والمسودة قد أحاطت بِي فَمضى بِي إِلَى دَار الْخلَافَة هَارُون الرشيد فصرت إِلَى خَالِد بن يحيى فَقَالَ وَيحك يَا عَبَّاس إِنَّمَا اخْتَرْتُك من ظرفاء الشُّعَرَاء لقرب مأخذك وَحسن تَأْتِيك وَإِن الَّذِي ندبتك لَهُ من شَأْنك وَقد عرفت خطرات الْخُلَفَاء وَإِنِّي أخْبرك أَن ماردة هِيَ الْغَالِبَة على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَقد جرى بَينهمَا عتب وَهِي بِعِزة دَالَّة المعشوق تأبى أَن تعتذر وَهُوَ بِعِزةِ الْخلَافَة وَشرف الْملك يَأْبَى وَقد رمت الْأَمر من قبلهَا فأعياني وَهُوَ أَحْرَى أَن تستقيده الصبابة فَقل شعرًا تسهل بِهِ هَذَا السَّبِيل فَلَمَّا قضى كَلَامه دَعَاهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ فَصَارَ إِلَيْهِ وَأعْطيت وَرقا ودواة فاعتراني الدمع وَنَفر عني كل شَيْء ثمَّ انْفَتح لي شَيْء من الْأَشْيَاء وَالرسل من الْخَلِيفَة مَا تغبني فجاءتني أَرْبَعَة أَبْيَات رضيتها وَقعت صَحِيحَة الْمَعْنى سهلة الْأَلْفَاظ
следующие страницы →