← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

فَإِن الْخُلَفَاء لَا يحْتَملُونَ مثل هَذَا حكى الإِمَام مُحَمَّد بن ظفر قَالَ كَانَ الرشيد مَعَ ظلمه وعظيم مُلْكه وجبروته يَعْتَرِيه خَوفُ الله فَمن ذَلِك أَن خارجياً خرج عَلَيْهِ فَقتل أبطاله وانتهب أَمْوَاله مرَارًا ثمَّ إِنَّه جهز إِلَيْهِ جَيْشًا كثيفاً فقاتلوه فغلبوه بعد جهد وَأتوا بِهِ الرشيد فَجَلَسَ مجلسَاً عَاما وَأمر بإدخاله عَلَيْهِ فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ قَالَ يَا هَذَا مَا تُرِيدُ أَن أصنَعَ بك قَالَ مَا تريدُ أَن يَصْنَعَ الله بك إِذا وقفتَ بَين يَدَيْهِ فَعَفَا عَنهُ وَأمر بِإِطْلَاقِهِ فَلَمَّا خرج قَالَ بعض جلسائْه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رجلٌ قَتَلَ أبطالك وانتهب أموالك تطلقه بِكَلِمَة وَاحِدَة هَذَا مِمَّا يُجَرئُ عَلَيْك أهلَ الشَّرّ فَقَالَ الرشيد ردُّوهُ فَعلم الرجل أَنه قد تكلم فِيهِ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تطعهم فَلَو أطَاع الله النَّاس فِيك مَا ولاك طرفَة عين قَالَ صدقت ثمَّ أَمر لَهُ بصلَة وَفِي كتاب روض الْأَخْبَار أَن الرشيد خرج إِلَى الصَّيْد فَانْفَرد عَن عسكره وَالْفضل بن الرّبيع خَلفه فَإِذا شيخ رَاكب على حمَار فَنظر إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ رطب الْعين فغمز الْفضل عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْفضل أَيْن تُرِيدُ يَا شيخ قَالَ حَائِطا لي فَقَالَ هَل أدلك على شَيْء تداوي عَيْنَيْك فتذهب هَذِه الرُّطُوبَة فَقَالَ الشَّيْخ مَا أحوجني إِلَى ذَلِك فَقَالَ لَهُ الْفضل خُذ عيدَان الْهَوَاء وغبار المَاء وورق الكمأة فصيره فِي قشر جوزة واكتحل بِهِ فَإِنَّهُ يذهب رُطُوبَة عَيْنَيْك فاتكأ الشَّيْخ على حلْس حِمَاره وضرط ضرطة طَوِيلَة ثمَّ قَالَ هَذِه أُجْرَة وصفك فَإِن نفعنا الْكحل زدناك فَضَحِك الرشيد حَتَّى كَاد أَن يسْقط من على ظهر فرسه قَالَ النَّضر بن شُمَيْل إِمَام اللُّغَة حَدثنِي الْفراء عَن الْكسَائي قَالَ دَعَاني الرشيد وَلَيْسَ عِنْده إِلَّا حَاشِيَته وابناه الْمَأْمُون والأمين فَقَالَ يَا عَليّ مَا زلت ساهراً مفكراً فِي مَعَاني أَبْيَات قد خفيت عَليّ قلت إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن ينشدنيها فَأَنْشد من // (الرجز) // (قد قُلْتُ قولا للغُرَابِ إذْ حَجَلْ ... ) (عَلَيْكَ بالقُودِ المسانيفِ الأُوَلْ ... )

стр. 1472

(تَغَدَّ مَا شِئْتَ عَلَى غَيْرِ عَجَلْ ... ) قلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن العير إِذا فصلَت من خَيْبَر وَعَلَيْهَا التَّمْر يَقع الْغُرَاب على آخر العير فطرده السَّائِق يَقُول يَا هَذَا تقدم إِلَى أَوَائِل العير فَكل على غير عجل والقود جمع أَقُود وَهُوَ الطَّوِيل الْعُنُق وَالْأُنْثَى قوداء والمسانيف الْمُتَقَدّمَة ثمَّ أَنْشدني من // (الطَّوِيل) // (لَعَمْرِي لَئِن عشرتْ مِنْ خشْيَةِ الردَى ... نُهَاقَ الحميرِ إِنَّنيِ لَجَهُولُ) فَقلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ الرجل من الْعَرَب إِذا وصل إلَى خَيْبَر أكب على أَرْبَعَة وَعشر تعشير الْحمار وَهُوَ أَن ينهق عشر نهقات مُتَتَابِعَات يفعل ذَلِك فَيدْفَع عَن نَفسه حمى خَيْبَر ثمَّ أَنْشدني قَول الآخر من // (الْبَسِيط) // (أجاعلٌ أَنْتَ بَيْقُورًا مُضَرَّمَةً ... ذريعَةً لَكَ بَين اللهِ والمَطَرِ) قلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَت الْعَرَب إِذا أَبْطَأَ الْمَطَر شدت الْعشْر والسلع وهما ضَرْبَان من النبت فِي أَذْنَاب الْبَقر وألهبوا فِيهَا النَّار وشردوا بالبقر تفاؤلا بالبرق والمطر ثمَّ أَنْشدني من // (الطَّوِيل) // (لعمركَ مَا لامَ الفَتَى مِثْل نَفْسِهِ ... إِذا كانَتِ الأحياءُ تَعْرَى ثيابُهَا) (وآذَنَ بالتصْفِيقِ مَنْ سَاءَ طنُّهُ ... فَلم يَدْرِ مِنْ أيِّ اليدَيْنِ جوابُهَا) فَقلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ الرجل مِنْهُم إِذا ضَل فِي الْمَفَازَة قلب ثِيَابه وَصَاح كَأَنَّهُ يُومِئ إِلَى إِنْسَان ويشتد شدَّة ويصفق بيدَيْهِ فيهتدي الطَّرِيق ثمَّ أَنْشدني من // (مجزوء الْكَامِل) // (قَوْدَاء تَمْلِكُ رَحْلَهَا ... مِثْلَ اليَتِيمِ مِنَ الأَرَانِبْ) فَقلت نعم يَقُول هَذِه نَاقَة مثل الْيَتِيم من الآكام واليتيم الْوَاحِد من كل شَيْء والأرانب الآكام ثمَّ أَنْشدني لآخر من // (الطَّوِيل) // (إِلى اللهِ أشكُو هَجْمَةً هجريَّةً ... تعاورها أَمْر السِّنِين الغَوَابِرِ)

стр. 1473

(فعادَتْ روايا تَحْمِلُ الطَّينَ بَعْدَ مَا ... تَكُونُ قِرًى للمُعْتَفِينَ المَفَاقِرِ) قلت نعم هَذَا رجل فِي بستانه نخيل أَتَى عَلَيْهَا الدَّهْر فجفت فقطعها وصيرها أجذاعاً وسقف بهَا الْبيُوت فَقَالَ هَذِه الأجذاع كَانَت تحمل الرطب فنأكل ونطعم الأضياف فجفت فقطعتها وسقفت بهَا فَهِيَ الْآن تحمل الطين وَالتُّرَاب وَغير ذَلِك ثمَّ أَنْشدني من // (الطَّوِيل) // (وَسِرْبٍ مِلَاحٍ قد رأيتُ وجوهَهُمْ ... إِنَاثٌ دَوَانِيهِ ذُكُورٌ أواخِرُهْ) قلت نعم يَعْنِي الأضراس ثمَّ أَنْشدني قَول الآخر من // (الطَّوِيل) // (فَإنِّي إِذن كَالثَّوْرِ يُضْرَبُ جَنْبُهُ ... إِذَا لَمْ يَعَفْ يَوْمًا وَعَافَتْ صَوَاحِبُهْ) قلت نعم كَانَت الْعَرَب إِذا وَردت الْبَقر المَاء فَشَرِبت الثيران وأبت الْبَقر ضربت الثيران فَتَشرب الْبَقر وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر الآخر من // (الْبَسِيط) // (إِنِّي وَقَتْلِي سُلَيْكًا ثُمَّ أَعْقِلَهُ ... كالثَّوْرِ يُضْرَبُ لَمَّا عافَتِ البَقَرُ) ثمَّ أَنْشدني قَول الآخر من // (الطَّوِيل) // (وَمُنْحَدِرٍ مِنْ رَأْسِ بَرْقَاءَ حَطَّهُ ... مَخَافَةَ بينٍ أَوْ حَبِيب مُزَايِلِ) قلت نعم يَعْنِي الدُّمُوع والبرقاء الْعين لِأَن فِيهَا بياضَاً وسواداً حطه أساله قَالَ فَوَثَبَ الرشيد فجذبني إِلَى صَدره وَقَالَ لله در أهل الْأَدَب ثمَّ دَعَا بِجَارِيَة فَقَالَ احملي إِلَى منزل الْكسَائي خمس بدر على أَعْنَاق خَمْسَة أعبد يلزمون خدمته ثمَّ قَالَ لي استنشدها يَعْنِي ابنيه فأنشدني مُحَمَّد الْأمين فَقَالَ من // (الطَّوِيل) // (وَإِنِّي لَعَفُّ الفَقْر مُشْتَرَكُ الغِنَى ... وَتَارِكُ شَكْلٍ لَا يُوَافِقُهُ شَكْلِي) (وَشَكْلِيَ شكْلٌ لَا يَقُومُ لِمِثْلِهِ ... مِنَ الناسِ إِلَاّ كُلُّ ذيِ ثِقَةٍ مِثْلِي) (ولي نيقةٌ فِي المَجْدِ والبَذْلِ لم يَكُنْ ... تَأَنَّقَهَا فِيمَا مَضَى أَحَدٌ قَبْلِي) (وأجعلُ مَالِي دُونَ عِرْضِيَ جُنَّةً ... لِنَفْسِي وأَسْتَغْنِي بِمَا كَانَ مِنَ فَضْلِ) وأنشدني عبد الله الْمَأْمُون من // (الْكَامِل) // (بَكَرَتْ تلومُكَ مطْلَعَ الفَجْرِ ... ولقَدْ تلومُ بَغْير مَا تَدْرِي)

стр. 1474

(مَا إنْ مَلَكْت مُصِيبَةً نَزَلَتْ ... إذْ لَا تحكِّمُ طائعَاً أمْرِي) ) مَلِكُ المُلوكِ عَلَىَّ مُقْتَدِرٌ ... يُعْطى إِذا مَا شَاءَ مِنْ يُسْرِ) (فَلَرُبَّ مغتبطٍ تمدُّ لَهُ ... ومفَجَّعٍ بنوائِبِ الدهْرِ) (ومكاشِحٍ لي قد مَدَدتُّ لَهُ ... نَحْرًا بِلَا ضرْعٍ وَلَا غمْرِ) (حَتَّى يَقُولَ لنفْسِهِ لَهَفٌ ... فِي أَيِّ مذهَبِ غايةٍ أَجْرِي) (ويَرَى قنَاتِي حِينَ يَغْمِزُهَا ... غمْزَ الثِّقَافِ بطيئَة الكَسْرِ) فَقَالَ الرشيد يَا عَليّ كَيفَ تراهما فَقلت من // (الطَّوِيل) // (أَرَى قَمَرَيْ أُفْقٍ وَفَرْعَي بشامَةٍ ... يَزِينُهُمَا عِرقٌ كريمٌ ومَحْتِدُ) (يَسُدَّانِ آفاقَ السماءِ بشيمةٍ ... يؤيِّدُهَا حَزْمٌ وعَضْبٌ مُهْنَّدُ) (سليليْ أمِيرِ المؤمنينَ وحَائِزَيْ ... موارِيثِ مَا أبْقَى النَّبِيُّ محمَّدُ) ثمَّ قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فرع زكا أَصله وطاب مغرسه وتمكَنت عروقه وعذبت مشاربه غذاهما ملك أغر نَافِذ الْأَمر وَاسع الْعلم عَظِيم الْحلم فأسأل الله أَن يزِيد بهما الْإِسْلَام تأييدَاً وَعزا ويمتع أَمِير الْمُؤمنِينَ بهما ويمتعهما بدوام سُلْطَانه وَقدرته مَا دجا ليل وأضاء نَهَار ثمَّ انْقَضى الْمجْلس وَخرجت جذلا مَسْرُورا وَفِي كتاب الأذكياء ذكر أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن جَعْفَر الْبَلْخِي أَن الرشيد جمع بَين الْكسَائي وَأبي مُحَمَّد اليزيدي يتناظران فِي مَجْلِسه فَسَأَلَهُمَا الْكرْمَانِي عَن قَول الشَّاعِر من // (مجزوء الرمل) // (مَا رَأَيْنَا خَرِبًا يَنْقر ... عَنهُ البَيْضَ صَقْرُ) (لَا يَكُونُ العَيْرُ مُهْرًا ... لَا يكون المُهْرُ مُهْرُ) فَقَالَ الْكسَائي يجب أَن يكون الْمهْر مَنْصُوبًا على أَنه خبر كَانَ فَفِي الْبَيْت على هَذَا إقواء فَقَالَ اليزيدي الشّعْر صَوَاب لِأَن الْكَلَام قد تمّ عِنْد قَوْله لَا يكون الثَّانِيَة ثمَّ اسْتَأْنف فَقَالَ الْمهْر مهر ثمَّ ضرب بقلنسوته على الأَرْض وَقَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّد فَقَالَ لَهُ يحيى أتكتني بِحَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ الرشيد وَالله إِن خَطَأَ الْكسَائي مَعَ حسن أدبه لأحب إِلَيّ من صوابك مَعَ سوء أدبك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن حلاوة الظفر أذهبت عَن التحفظ فَأمر بِإِخْرَاجِهِ

стр. 1475

وَاجْتمعَ الْكسَائي وَمُحَمّد بن الْحسن الشباني صَاحب الإِمَام أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ الْكسَائي من تبحر فِي علم النَّحْو اهْتَدَى إِلَى سَائِر الْعُلُوم فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد مَا تَقول فِيمَن سَهَا فِي سُجُود السَّهْو هَل يسْجد مرّة أُخْرَى قَالَ لَا قَالَ لم ذَا قَالَ لِأَن النُّحَاة يَقُولُونَ المصغر لَا يصغر قَالَ مُحَمَّد فَمَا تَقول فِي تَعْلِيق الْعتْق بِالْملكِ قَالَ لَا يَصح قَالَ لم قَالَ لِأَن السَّيْل لَا يسْبق الْمَطَر وَتعلم الْكسَائي النَّحْو على كبر سنه وَسَببه أَنه مَشى يَوْمًا حَتَّى أعيا فَجَلَسَ وَقَالَ عييت فَقيل لَهُ لحنت قَالَ كَيفَ قيل إِن كنت أردْت التَّعَب فَقل أعييت وَإِن كنت أردْت انْقِطَاع الْحِيلَة فَقل عييت بِغَيْر همز فَأَنف من قَوْلهم لحنت واشتغل بالنحو حَتَّى مهر وَصَارَ إِمَام وقته وَكَانَ يُؤَدب الْأمين والمأمون وَصَارَت لَهُ الْيَد الْعُظْمَى والوجاهة التَّامَّة عِنْد الرشيد وولديه وَتُوفِّي مُحَمَّد بن الْحسن وَالْكسَائِيّ فِي يَوْم وَاحِد سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة ودفنا فِي مَكَان وَاحِد فَقَالَ الرشيد هَهُنَا دفن الْعلم وَالْأَدب وقصة الْكسَائي مَعَ سِيبَوَيْهٍ فِي مَسْأَلَة فَإِذا هُوَ هِيَ أَو إِيَّاهَا شهيرة لَا نطول بذكرها وَقَالَ الْمبرد حَدثنِي مُحَمَّد بن عباد الْحَنَفِيّ قَالَ أَخْبرنِي الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف بِبَغْدَاد قَالَ لم أدر ذَات يَوْم إِلَّا والمسودة قد أحاطت بِي فَمضى بِي إِلَى دَار الْخلَافَة هَارُون الرشيد فصرت إِلَى خَالِد بن يحيى فَقَالَ وَيحك يَا عَبَّاس إِنَّمَا اخْتَرْتُك من ظرفاء الشُّعَرَاء لقرب مأخذك وَحسن تَأْتِيك وَإِن الَّذِي ندبتك لَهُ من شَأْنك وَقد عرفت خطرات الْخُلَفَاء وَإِنِّي أخْبرك أَن ماردة هِيَ الْغَالِبَة على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَقد جرى بَينهمَا عتب وَهِي بِعِزة دَالَّة المعشوق تأبى أَن تعتذر وَهُوَ بِعِزةِ الْخلَافَة وَشرف الْملك يَأْبَى وَقد رمت الْأَمر من قبلهَا فأعياني وَهُوَ أَحْرَى أَن تستقيده الصبابة فَقل شعرًا تسهل بِهِ هَذَا السَّبِيل فَلَمَّا قضى كَلَامه دَعَاهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ فَصَارَ إِلَيْهِ وَأعْطيت وَرقا ودواة فاعتراني الدمع وَنَفر عني كل شَيْء ثمَّ انْفَتح لي شَيْء من الْأَشْيَاء وَالرسل من الْخَلِيفَة مَا تغبني فجاءتني أَرْبَعَة أَبْيَات رضيتها وَقعت صَحِيحَة الْمَعْنى سهلة الْأَلْفَاظ

стр. 1476

ملائمة لما طلب مني فَقلت لأحد الرُّسُل أبلغ الْوَزير أَنِّي قد قلت أَرْبَعَة أَبْيَات فَإِن كَانَ فَفِيهَا مقنع وَفِي مُدَّة ذهَاب الرَّسُول ومجيئه حضرني بيتان من غير ذَلِك الروى فَكتبت الْأَرْبَعَة فِي صدر الرقعة وعقبتهما بالبيتين وَذَلِكَ قولي من // (الْكَامِل) //) ألْعَاشِقَانِ كلَاهُمَا متغضِّبُ ... وَكِلَاهُمَا متوحِّدٌ متجنِّبُ) (صَدَّتْ مُغَاِضبةً وصَدَّ مُغَاضِبًا ... وكلاهُما ممَّا يُعَالِجُ مُتْعبُ) (رَاجِعْ أَحِبَّتَكَ الَّذينَ هَجَرْتَهُمْ ... إنَّ المتيَّمَ قَلَّما يتجنَّبُ) (إِن التجنُّبَ إنْ تطاوَلَ منْكُمَا ... دبَّ السُّلُوُّ لَهُ فَعَزَّ المَطْلَبُ) ثمَّ البيتان وهما من // (السَّرِيع) // (لَا بُدَّ للعاشِقِ من وَقْفَةٍ ... تكُونُ بَين الوَصْلِ والصَّرْمِ) (حَتَّى إِذا الهَمُّ تمادَى بِهِ ... راجَعَ مَنْ يَهْوَى عَلَى رَغْمِ) قَالَ ثمَّ وجهت بالرقعة فَدَفعهَا إِلَى الرشيد فَقَالَ وَالله مَا رَأَيْت شعرًا أشبه بِمَا نَحن فِيهِ من هَذَا وَالله لكَأَنِّي قصدت بِهِ فَقَالَ يحيى فَأَنت وَالله الْمَقْصُود يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا يَقُول الْعَبَّاس بن الأحْنف فِي هَذِه الْقِصَّة فَلَمَّا قَرَأَ الْبَيْتَيْنِ وأفضى إِلَى قَوْله رَاجع من يهوى على رغم استغرق ضحكاً ثمَّ قَالَ إِنِّي وَالله أرَاجعهَا على رَغم يَا غُلَام نَعْلي فَنَهَضَ وأذهله الجذل وَالسُّرُور عَن أَن يَأْمر لي بِشَيْء فدعاني يحيى وَقَالَ إِن شعرك قد وَقع بغاية الْمُوَافقَة ثمَّ جَاءَ إِنْسَان فسارهُ بِشَيْء فَنَهَضَ ونهضت لنهوضه فَقَالَ يَا عَبَّاس أمسيت أنبل النَّاس أَتَدْرِي مَا سَارَّنِي بِهِ هَذَا الرَّسُول قلت لَا قَالَ ذكر أَن ماردة تلقت أَمِير الْمُؤمنِينَ لما علمت بمجيئه فَقَالَت لَهُ كَيفَ كَانَ هَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَعْطَاهَا الشّعْر وَقَالَ هَذَا الَّذِي جَاءَ بِي قَالَت من يَقُوله فَقَالَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف قَالَت فبكم كوفئ فَقَالَ الْخَلِيفَة مَا فَقلت شَيْئا قَالَت إِذن وَالله لَا أَجْلِس حَتَّى يكافأ وأمير الْمُؤمنِينَ قَائِم لقيامها وَأَنا قَائِم لقيامهما وهما يتناظران فِي صِلَتِكَ هَذَا كُله لَك قلت مَا لي من هَذَا إِلَّا الْقبْلَة فَضَحِك وَقَالَ هَذَا أحسن من شعرك فَأمر لي الْخَلِيفَة بمالِ وأمرتْ هِيَ لي بِمَال دونه وَأمر لي الْوَزير بِمَال دون مَا أمرت بِهِ وحملت المَال على بغلة انْتهى وروى عَن الْمبرد قَالَ حَدثنِي من أَثِق بِهِ أَن مُسلم بن الْوَلِيد الْأنْصَارِيّ الْمُسَمّى

стр. 1477

بصريعِ الغواني كَانَ يمدحُ من دون الْخَلِيفَة وَكَانَ يَقُول إِن نَفسِي تذوب حسرات من أَن يحوي جوائز الْخُلَفَاء من لَا يقاربني فِي الْأَدَب وَلَا يوازيني وَلَا يصلح أَن يكون شعره خَادِمًا لشعري فَخرج ذَات يَوْم فلقي يزِيد بن مَنْصُور الْحِمْيَرِي بِبَاب الرشيد فَسلم عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَن يقربهُ من الْخَلِيفَة فوعده ذَلِك فَدخل الْحِمْيَرِي فَأصَاب أَمِير الْمُؤمنِينَ لقس النَّفس قد اشْتَمَل عَلَيْهِ الْفِكر فِي سرعَة تقضي الْأُمُور وَأَنه لَا يتشبث بِشَيْء لَا كَانَ كالظل الْحَائِل والسراب الخادع فَقَالَ لَهُ جَعْفَر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا هَذَا الَّذِي أَنْت فِيهِ عَارض لَك وَكَانَت الْحُكَمَاء تَقول الْهم مفْسدَة للنَّفس مضلة للفهم مشدهة للقلب وَقَالَت أَيْضا بالسرور يطيب الْعَيْش وَمَعَ الْهم يتَمَنَّى الْمَوْت قَالَ وَكَأن الرشيد نشط واندفع عَنهُ مَا اعتراه من ذَلِك الْفِكر فَتقدم الْحِمْيَرِي وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ خلفت بِالْبَابِ اَنفاً رجلا من أخوالك الْأَنْصَار متقدمَاً فِي شعره وأدبه وظرفه أَنْشدني قصيدة يذكر فِيهَا أنسه ولهوه ومحادثة إخوانه وَيذكر مجَالِس اتّفقت بأبلغ قَول وَأحسن وصف يبْعَث وَالله على الصبابة والفرح ويباعد من الْهم والترح وَكَأَنَّهُ وفْق بيمن أَمِير الْمُؤمنِينَ وسعادة جده لِأَن يكون زَائِدا فِي سرُور أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ فاستفزه السرُور والقلق إِلَى دُخُوله عَلَيْهِ واستماع قصيدته فَجعل الْخَلِيفَة يُتَابع الرُّسُل إِلَيْهِ فَدخل مُسلم فَسلم بالخلافة ثمَّ أمْهل حَتَّى سكن ثمَّ أذن لَهُ فِي الْجُلُوس والانبساط واستدعى مِنْهُ الشّعْر فانبرى ينشد من // (الطَّوِيل) // (أَدِيرَا عَلَىَّ الكَأْسَ لَا تَشْرَبَا قبلي ... وَلَا تطْلُبَا مِنْ عِنْدِ قَاتِلَتِي ذَخْلِي) (فَمَا جرَعِي أَنَّي أموتُ صَبَابَةً ... ولكنْ على مَنْ لَا يَحِلُّ لَهَا قَتْلِي) (أحبُّ الَّتِي صَدّتْ وقالتْ لِتِرْبِهَا ... دَعِيه الثريا مِنْهُ أقْرَبُ مِنْ وَصْلِي) (بَلَى رُبمَا وَكَّلْتُ عَيْني بنظرةٍ ... إِلَيْهَا تزيدُ القَلْبَ خَبْلاً على خَبْلِ) (كَتَمْتُ تباريحَ الصبَابَةِ عَاذِلِي ... فَلم يَدْرِ مَا بِي واستَرَحْتُ مِنَ العّذْلِ) (ومانحَةٍ شرَّابَها المَلْك قَهْوَةً ... يهوديةَ الأَصْهارِ مُسْلِمَةَ البَعْلِ) (رَبِيبَةَ شَمْسٍ لم تُهَجَّنْ عُروقُهَا ... بِنَارٍ وَلم يُجْمَعْ لَهَا سعفُ النَّخْلِ) (بعثنَا لَهَا مِنا خَطِيبًا لِبُضْعِهَا ... فجَاء بهَا يَمْشِي العِرَضْنَةَ فِي مَهْلِ)

стр. 1478

(قَدِ استودعَتْ دَنًّا لَهَا فَهْوَ قائِمٌ ... بهَا شفقاً بَين الكرومِ على رِجْلِ) (فوافَي بهَا عَذْرَاءَ خلّ أَخُو تَدًى ... جَزِيلُ العطايا غَيْرُ نِكْسٍ وَلَا وَغْلِ) (مُعَتَّقَةً لَا تَشْتَكِي دَمَ عاصِرٍ ... حروريَّةً فِي جَوْفِهَا دَمُها يَغْلِي) (أغارَتْ على كَفِّ المُدِيرِ بلونِهَا ... فصَارَتْ لَهُ مِنْهَا أَنَامِلُ كالذّبْلِ) (أماتَتْ نفوساً من حياةٍ قريبةٍ ... وماتَتْ فَلم تُطْلَبْ بِوتْر وَلَا تبْلِ) (شَقَقْنَا لَهَا فِي الدَّنِّ عينا فأسْبَلَتْ ... كَمَا أخلًتْ عَين الخَرِيدَةِ بِالكُحْلِ) (كأنَّ فنيقاً بازلاً شقَّ نَحْرهُ ... إِذا أسفَرَتْ مِنْهَا الشعاعُ على البُزْلِ) (ودارَتْ علينا الكَأسُ مِنْ كَفِّ ظَبْيَةٍ ... مبتَّلةٍ حَوْرَاء كَالرَّشَأ الطَّفْلِ) (كأنَّ ظباء عُكَّفًا فِي رياضها ... أباريقُها أَو حِينَ قَعْقَعَةِ النَّبْلِ) (وحنَّ لنا عودُ فَبَاحَ بِسِرِّنَا ... كأنَّ عَلَيْهِ سَاقَ جاريةٍ عُطْلِ) (تضاحكُهُ طَوْرًا وتبكيه تَارَة ... خَدلَّجةٌ هيْفَاءُ ذَاتُ شَوًى عَبْلِ) (إِذا مَا عَلَتْ منا ذُؤَابَةَ مَاجِد ... تَمَشَّتْ بِهِ مَشْيَ المُقَيَّدِ فِي الوَحْلِ) (فَلَا نَحن مِتْنَا مَوْتَةَ الدَّهْرِ بَغْتَة ... وَلَا هِيَ عادَتْ بعد عَلًّ وَلَا نَهْلِ) (سأنقادُ لِلَّذَّاتِ مُتَّبِعَ الهَوَى ... لِأُمْضِيَ هَمًّا أَو أَصَبْت فَتًى مِثليِ) (هَلِ العيشُ إلَاّ أَنْ تَرُوحَ مَعَ الصّبَا ... وَتَغْدُو صَرِيع الكَأْسِ والأَعْينِ النُّجْلِ) قَالَ فَجعل الرشيدُ يتطاوَلُ لَهَا ويستحسنُ جَمِيع مَا حَكَاهُ وَأمر لَهُ بِمَال جزيل وَأَن يتَّخذ لَهُ مجْلِس يتَحَوَّل إِلَيْهِ وَجعل الرشيد وَأَصْحَابه يتناشدون قصيدته هَذِه وَسَماهُ يَوْمئِذٍ بآخر بَيت فِي القصيدة صَرِيعَ الغواني فالرشيد هُوَ الَّذِي سَمَّاهُ بِهَذَا الِاسْم فَلَزِمَهُ انْتهى كَذَا فِي المحاسن لإِبْرَاهِيم البهيقي وَأدْخل الْفضل بن يحيى أَبَا نواس إِلَى عِنْد الرشيد فَقَالَ لَهُ الرشيد أَنْت الْقَائِل من // (مجزوء الرمل) // (عتقَتْ فِي الدَّنِّ حَتَّى ... هِيَ فِي رِقَّةِ دِينِي. .) أحسبك زنديقاً قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد قلت مَا يشْهد لي بِخِلَاف ذَلِك قَالَ وَمَا هُوَ فَقَالَ من // (السَّرِيع) // (أَيَّةُ نَارٍ قَدَحَ القَادِحُ ... وَأَيُّ جِدِّ بَلَغَ المازحُ) (للَّهِ دَرُّ الشَّيْبِ مِنْ واعظٍ ... ونَاصِحٍ لَو قُبِلَ الناصِحُ)

стр. 1479

(فاغْدُ فَمَا فِي الحَقِّ أُغْلُوطَةٌ ... وَرُحْ لِمَا أَنْتَ لَهُ رَائحُ) (مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ فَذَاكَ الَّذِي ... سِيقَ إِليْهِ المَتْجَرُ الرَّابحُ) (لَا يَجْتَلِي الحَوْرَاءَ مِنْ خِدْرِهَا ... إِلَاّ امْرُؤٌ مِيزَانُهُ رَاجِحُ) (فاسْمُ بِعَيْنَيْكَ إِلَى نِسْوَةٍ ... مُهُورُهُنَّ العَمَل الصَّالِحُ) فَقَالَ الرشيد لَا أعتبر بِهَذَا الْكَلَام يَا غُلام اضْرِب عُنُقه فَقَالَ أَبُو نواس يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أتقتلني شَهْوَة لقتلي قَالَ بل استحقاقاً قَالَ فَإِن الله تَعَالَى يُحَاسب ثمَّ يعْفُو أَو يُعَاقب فبماذا استحققتُ عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَتْل قَالَ بِقَوْلِك من // (الطَّوِيل) // (أَلَا فَاسْقِنِي خَمْرًا وقُلْ لِي هِيَ الخَمْرُ ... ولَا تَسْقِنِي سِرًّا إِذا أَمْكَنَ الجَهْرُ) قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَهَل علمت أَنه سقاني أَو شربت قَالَ أظُن قَالَ أفتقتلني على الظَّن وَبَعض الظَّن إِثْم قَالَ وَقد قلت أَيْضا مَا تسْتَحقّ بِهِ الْقَتْل غير هَذَا قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ قَوْلك فِي التعطيل من // (الْكَامِل) // (مَا جاءَنا أَحًدٌ يُخَبِّرُ أَنَّهُ ... فِي جَنَّةٍ مَنْ مَاتَ أَو فِي نَارِ) قَالَ أفجاء أحد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ لَا قَالَ أفتقتلني على الصدْق قَالَ أولست الْقَائِل من // (الْبَسِيط) // (يَا أَحْمَدُ المُرْتَجَى فِي كُلِّ نائيةٍ ... قُمْ سَيِّدِي نَعْصِ جَبَّارَ السَّمَواتِ) قَالَ أَبُو نواس أفقام أَحْمد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَصَارَ القَوْل فعلا قَالَ أعلم قَالَ أفتقتلني على مَا لَا تعلم قَالَ فدع هَذَا كُله قد اعترفْتَ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة من شعرك بِمَا يُوجب عَلَيْك الْقَتْل قَالَ قد علم الله تَعَالَى هَذَا من قبل علم أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأخْبر عني أَنِّي أَقُول مَا لَا أفعل يُشِير إِلَى الْآيَة فِي الشُّعَرَاء ﴿وَأَنَهُم يَقولوُنَ مَا لَا يَفعَلوُن﴾ الشُّعَرَاء ٢٢٦ فَقَالَ الْفضل يَا سَيِّدي إِنَّه ليؤمن بِالْبَعْثِ وَإنَّهُ يحملهُ المجون على ذِكْرِ مَا لم يَعْتَقِدهُ ثمَّ إِن أَبَا نواس أنْشد الْخَلِيفَة يَقُول مدحاً من // (الطَّوِيل) // (لَقَدْ طَالَ فِي رَسْمِ الديارِ بُكَائِي ... وقَدْ طَال تَرْدَادِي بهَا وَعَنَائِي) (كأنِّي مريعٌ فِي الديارِ طريدَة ... أَرَاهَا أمامِي مَرَّةً وَوَرَائِي) (فَلمَّا بدا لِي اليَأْسُ عَدَّيْتُ نَاقَتِي ... عَنِ الدارِ اسْتَوْلي عَلَىَّ عَزَائِي)

стр. 1480

(إلَى بَيْتِ حَانٍ لَا تَهِرُّ كِلَابُهُ ... عَلَىَّ وَلَا ينكرْنَ طُولَ ثَوَائي) (فَمَا رمتُهُ حَتَّى أتَى دُونَ مَا حَوَتْ ... يَمِيني وحَتَّى رَبْطَتى وحِذَائي) (وكأسٍ كمصباحِ السماءِ شَرِبْتُهَا ... عَلَى قُبْلَةٍ أَو مَوْعِدٍ بِلِقَاءِ) (أَتَتْ دونهَا الأَيامُ حتَّى كَأَنَّهَا ... تَسَاقَطُ نورَاً مِنْ فُتُوِقِ سَمَاءِ) (تَرَى ضَوْءَهَا من ظاهرِ البَيْتِ ساطعاً ... عَلَيْك وَلَوْ غَطَّيْتَهُ بِغِطَاءِ) (تَبارَكَ مَنْ سَاسَ الأمورَ بِقُدْرَةٍ ... وفَضَّلَ هَارُونًا على الخُلَفَاءِ) (نَراكَ بِخَيْرٍ مَا انْطَوينَا عَلَى التقَى ... وَمَا سَاسَ دُنْيَانَا أَبُو الأُمَنَاءِ) (إِمامٌ يخافُ الله حَتَّى كَأَنَّهُ ... يؤمِّلُ رُؤيَاهُ صَبَاحَ مَسَاءِ) (أَشَمّ طِوَال الساعِدَيْنِ كَأَنَّمَا ... يُنَاطُ نِجَادًا سَيْفُهُ بِلِواءِ) قَالَ فَخلع عَلَيْهِ الرشيد وَوَصله بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَالْفضل بِمِثْلِهَا فَنظر إِلَى جَارِيَة تخْتَلف كَأَنَّهَا لُؤْلُؤ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا ميت فِي لَيْلَتي هَذِه فَإِذا مت فَمر أَن أُدفَنَ فِي بطن هَذِه الْجَارِيَة فَقَالَ لَهُ الرشيد خُذْهَا لَا بارَكَ الله لَك فِيهَا فَقَالَ أَبُو نواس فَانْصَرَفت بِمثل الشَّمْس حسنا وَفِي منزلي غُلَام لي مثل الْقَمَر فلقيني مُحَمَّد بن بشير الشَّاعِر فَقَالَ أَتَيْتُك مهنئاً بِمَا حباك أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقلت هِيَ نعْمَة تتبعها نقمة قَالَ وَلم ذَاك قلت عِنْدِي غُلَام مثل الْقَمَر وَهَذِه الشَّمْس إِن جمعتهما أتخوفُ مَا تعلم وَإِن أفردت الْجَارِيَة لم آمَن عَلَيْهَا وغلامِي لَا بُد مِنْهُ قَالَ اجْعَلْهَا عِنْد بعض إخوانك إِلَى وَقت حَاجَتك قلت فَلَعَلَّ الحارسَ هُوَ المحروس مِنْهُ قَالَ فصَيرهَا عِنْد عَجُوز تثقُ بهَا قلت لعَلي أسترعِي الذِّئْب قَالَ ثمَّ افترقنا فَالتقى معي بعد ثَلَاث فَقلت لَهُ يَا مُحَمَّد بن بشير مَا على وَجه الأَرْض شَرّ مِنْك شاورتك فِي أَمر فَلم تفتح عَليّ فِيهِ شَيْئا فَلَمَّا فارقتك ازدحَمَ عليَ الرَّأْي الْمُصِيب فَقَالَ لي صنعت مَاذَا قلت زوجتُ الشمسَ بالقَمَرِ فحصلتهما لأَقضِي بهما وطرى فَقَالَ كَانَ الشَّيْء عَلَيْك حَلَالا فَجَعَلته حَرَامًا فَقَالَ أَبُو نواس يَا أَحمَق مَا شاورتك فِي الْحَلَال وَالْحرَام إِنَّمَا قلت لَك كَيفَ الرَّأْي فِي تحصيلهما عِنْدِي ثمَّ أنشأ يَقُول من // (السَّرِيع) // (زَوَّجْتُ هَذَاكَ بِهَذى لِكَيْ ... أَنْكِحَ ثِنْتَينِ فَثِنْتَينِ) (أَنْكِحُ هّذَا مرَّة ثُمَّ ذَا ... أَدِيرُ رُمْحًا بَين صَفَّيْنَ)

стр. 1481

(مَتَّعْتُ نَفْسِي بِهِمَا لذَّةً ... يَا مَنْ رَأَى مَطْلعَ شَمْسيْنِ) وَذكر أَن هَارُون الرشيد لما قدم الْمَدِينَة المنورة لزيارة النَّبِي وَذَلِكَ فِي بعض حجاته وَجه يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي إِلَى الإِمَام مَالك بن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ احْمِلْ إليَ كتابك الَّذِي صنعت يَعْنِي الْمُوَطَّأ أسمعهُ عَلَيْك فَقَالَ مَالك ليحيى أَقرِئْهُ السَّلَام وَقل لَهُ الْعلم يزار وَلَا يزور وَيُؤْتى وَلَا يَأْتِي فَرجع إِلَى هَارُون الرشيد وَأخْبرهُ ثمَّ قَالَ يحيى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يبلغ أهل الْعرَاق أَنَّك وجهت إِلَى مَالك بِأَمْر فخالفك اعزم عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيك فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ بِمَالك قد دخل وَلَيْسَ مَعَه الْكتاب جَاءَ مُسلما على الْخَلِيفَة فَسلم وَجلسَ فَقَالَ لَهُ هَارُون يبلغ أهل الْعرَاق أَنِّي سَأَلتك أمرَاً من الْأُمُور سهلا فأبيت عَليّ فَقَالَ مَالك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله قد جعلك فِي هَذَا الْموضع فَلَا تكنْ أول من ضيع الْعلم فيضيعك الله تَعَالَى وَلَقَد رَأَيْت من لَيْسَ هُوَ فِي حَسبك ونسبك يعز هَذَا الْعلم ويجله فَأَنت أَحْرَى أَن تجله وَلم يزل يعظه ويعدد عَلَيْهِ حَتَّى بَكَى ثمَّ قَالَ مَالك أَخْبرنِي الزُّهْرِيّ عَن خَارِجَة عَن زيد بن ثَابت قَالَ كنت أكتب الْوَحْي عِنْد رَسُول الله ﴿لَا يستَوِي اَلقَاعدُونَ مِنَ المُؤمنِينَ غيرُ أُولِي اَلضررِ وَالمجُاهدونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَموالهم وَأنفُسِهِم﴾ النِّسَاء ٩٥ وَابْن أم مَكْتُوم عِنْد النَّبِي فَقَالَ يَا رَسُول الله أَنا رجل ضَرِير فَهَل لي رخصَة يَعْنِي فِي ترك الْجِهَاد فَقَالَ لَا أَدْرِي قَالَ زيد وقلمي رطب مَا جف حَتَّى غشي النَّبِي الْوَحْي ثمَّ سرى عَنهُ فَقَالَ اكْتُبْ يَا زيد ﴿غيرُ أُولِي اَلضررِ﴾ النِّسَاء ٩٥ قَالَ فحرف وَاحِد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بعثَ فِيهِ الْملك جِبْرِيل من مسيرَة خمسين ألف عَام حَتَّى نزل على النَّبِي أَفلا يَنْبَغِي لي أَن أعزه وأجله قَالَ بلَى ثمَّ إِن هَارُون أَتَى إِلَى منزل الإِمَام مَالك فَسمع مِنْهُ الْكتاب ووفقه الله للصَّوَاب وَقد قيل الدّين لسيوف الْأُمَرَاء وألسن الْعلمَاء وَاجْتمعَ القَاضِي أَبُو يُوسُف بِالْإِمَامِ مَالك عِنْد الرشيد فَقَالَ لَهُ القَاضِي أَبُو يُوسُف مَا تَقول فِيمَن سَهَا بِزِيَادَة فِي الصَّلَاة فَقَالَ الإِمَام مَالك يسْجد للسَّهْو

стр. 1482

بعد السَّلَام فَقَالَ فَإِن سَهَا بهما فَقَالَ يسْجد قبل السَّلَام فَقَالَ أَبُو يُوسُف متلفتا إِلَى الرشيد الشَّيْخ تَارَة يُخطئ وَتارَة لَا يُصِيب فَظن الإِمَام مَالك أَنه يَقُول تَارَة يُخطئ وَتارَة يُصِيب فَقَالَ على هَذَا أدركنا مَشَايِخنَا من السّلف الصَّالح ثمَّ نبه الإِمَام مَالك لقَوْله أبي يُوسُف وَمرَاده فَقَالَ مَا ظَنَنْت أَن أهل الْعلم يَتَكَلَّمُونَ بِمثل هَذَا قلت رحم الله الإِمَام مَالِكًا وَرَضي عَنهُ فَمَا أغفله عَن مظان السوء وَمَا أسلم فطرته وأخلص نِيَّته وأصدق طويته حَيْثُ لم يخْطر بِبَالِهِ ذَلِك وَلَا خطر بِبَالِهِ أَن يخْطر ببال أهل الْعلم وَقد طلب الرشيد من الإِمَام مَالك أَن يكْتب مذْهبه لقصد أَن يجمع الْأمة على مذْهبه فَقَط فَقَالَ الإِمَام لَا تفعل هَذَا فَإِن الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة كَثِيرَة وَقد نقلهَا الْعلمَاء فِي سَائِر الْبلدَانِ وانتشرت فَلَا تحجر وَاسِعًا ودع الْأمة على مذاهبها ﵁ قَالَ الْأَصْمَعِي وَقَالَ لي الرشيد يَا أصمعي مَا أغفلك عَنَّا وأجفاك لنا قلت وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا ألاقتني بِلَاد بعْدك حَتَّى أَتَيْتُك فَسكت فَلَمَّا انْصَرف النَّاس قَالَ اجْلِسْ فَجَلَست فَلَمَّا لم يبْق سوى الغلمان قَالَ مَا معنى مَا ألاقتني فَقلت قَالَ الشَّاعِر من // (الْكَامِل) // (كَفَّاكَ كفُّ مَا تُلِيقُ بِدِرْهَمٍ ... جُودًا وأُخْرَى تُعْطِ بالسَّيْفِ الدّمَا) فَقَالَ أحسنْتَ هَكَذَا فكُن وقرنا فِي الملا وَعلمنَا فِي الخلا وَأمر لي بِخَمْسَة آلَاف دِينَار رَوَاهَا أَبُو حَاتِم عَنهُ وَفِي مروج الذَّهَب رأى الرشيد أَن يُوصل مَا بَين بَحر الرّوم ويحر القلزم مِمَّا يَلِي الفرما فَقَالَ لَهُ يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي لَو فعلت ذَلِك كَانَت الرّوم تختطف النَّاس من الْمَسْجِد الْحَرَام وَتدْخل مراكبهم إِلَى الْحجاز فَترك ذَلِك قَالَ الجاحظ اجْتمع للرشيد مَا لم يجْتَمع لغيره وزراؤه البرامكة وقاضيه أَبُو يُوسُف وشاعره مَرْوَان بن أبي حَفْصَة ونديمه الْعَبَّاس بن مُحَمَّد عَم أَبِيه وحاجبه الْفضل بن الرّبيع أنبه الناسَ وأعظمهم ومغنيه أَبُو إِسْحَاق الْموصِلِي وَزَوجته زبيدة بنت جَعْفَر

стр. 1483

وَحكى أَنه خلف من الأثاث وَالْعين وَالْوَرق والجواهر وَالدَّوَاب مَا قِيمَته ألف ألف وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ ألف دِينَار وَمن النَّقْد مائَة ألف ألف دِينَار وَله أَخْبَار فِي اللَّهْو وَاللَّذَّات المحظورة وَالنِّسَاء فَالله يسامحه قَالَ صَاحب جَوَاهِر الْعقْدَيْنِ لما أنْشد مَنْصُور النميري هَارُون الرشيد قصيدته تقرباً للرشيد يغض فِيهَا من الطالبيين مِنْهَا قَوْله من // (الوافر) // (يُسَمُّونَ النَّبِيَّ أَبًا ويَأْبَى ... مِنَ الْأَحْزَاب سَطْرٌ فِي السُّطُورِ) يُرِيد بذلك الْآيَة الْكَرِيمَة ﴿مَا كاَنَ مُحَمَّد أَبَا أحد مِّن رّجَالِكُم﴾ الْآيَة الْأَحْزَاب ٤٠ رأى فِي ليلته النَّبِي وَهُوَ يهوى عَلَيْهِ بقضيب من نَار وَيَقُول أَنْت الَّذِي تَنْفِي ذريتي مني فانتبه مَرْعُوبًا وَمَال إِلَى التشيعِ وَقَالَ فِي ذَلِك مَا أوجب أَن أَمر الرشيد لما وقف عَلَيْهِ بقتْله فنحاه الله ووجدوه قد مَاتَ وَهَذِه الْوَاقِعَة ذكرهَا أَبُو الْفرج الأصفاني فِي كتاب الأغاني قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم أرَاهُ كَانَ لَا يشرب النَّبِيذ الْمُخْتَلف فِيهِ إِلَّا الْخمر الْمُتَّفق على تَحْرِيمهَا ثمَّ جاهر بهَا جهاراً كَبِيرا قَالَ السُّيُوطِيّ فِي تَارِيخه فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَة توجه الرشيد نَحْو خُرَاسَان فَذكر مُحَمَّد بن الصَّباح أَن أَبَاهُ شيع الرشيد إِلَى النهروان فَجعل يحادثه فِي الطَّرِيق إِلَى أَن قَالَ يَا صباح لَا أحسبك تراني بعْدهَا قلت بل يردك الله سالما ثمَّ قَالَ وَلَا أحسبك تَدْرِي مَا أجد فقَلت لَا وَالله فَقَالَ تعال أريك وانحرف عَن الطَّرِيق فَأَوْمأ إِلَى الْخَواص فتنحوا ثمَّ قَالَ أَمَانَة الله يَا صباح أَن تكْتم عَليّ وكشف عَن بَطْنه فَإِذا عِصَابَة حَرِير حوالي بَطْنه فَقَالَ هَذِه عِلّة أكتمها عَن النَّاس كلهم وَلكُل وَاحِد من وَلَدي على رَقِيب فمسرور رَقِيب الْمَأْمُون وَجِبْرِيل ابْن يختيشوع رَقِيب الْأمين وَفُلَان رَقِيب المؤتمن مَا مِنْهُم أحد إِلَّا وَهُوَ يحصي أنفاسي ويعدُ أيامي ويستطيل دهري فَإِن أردْت أَن تعرف ذَلِك فالساعة أَدْعُو ببرذون فيجيئون بِهِ أعجَفَ ليزِيد فِي علتي ثمَّ دَعَا ببرذون فَجَاءُوا بِهِ كَمَا وصف فَنظر إِلَيّ ثمَّ رَكبه وودعني وَسَار إِلَى جرجان ثمَّ رَحل مِنْهَا فِي صفر سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَهُوَ عليل إِلَى طوس فَلم يزل بهَا إِلَى أَن مَاتَ

стр. 1484

قَالَ الذَّهَبِيّ إِن الرشيد رأى مناماً أَنه يَمُوت بطوس فانتبه وَبكى وَقَالَ احفروا لي قبرَاً فحفر لَهُ ثمَّ حمل فِي قُبَّته على جمل وسيق بِهِ حَتَّى نظر إِلَى الْقَبْر فَقَالَ يَا ابْن آدم تصير إِلَى هَذَا وَأمر قوما فنزلوا فختموا فِيهِ ختمة وَهُوَ فِي محفته على شَفير الْقَبْر فَلَمَّا مَاتَ دفن بِهِ وَكَانَت خِلَافَته ثلاثَاً وَعشْرين سنة وشهرين وَتِسْعَة عشر يَوْمًا وَقيل أَرْبعا وَعشْرين وَقيل خمسَاً وَعشْرين سنة وعمره أَربع وَأَرْبَعُونَ سنة وَخَمْسَة أشهر وَثَلَاثَة أَيَّام (خلَافَة مُحَمَّد الْأمين) ابْن هَارُون الرشيد بن مُحَمَّد الْمهْدي بن عبد الله الْمَنْصُور بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس بَايع لَهُ أَبوهُ الرشيد بِولَايَة الْعَهْد فِي سنة خمس وَسبعين ولقبه بالأمين وَله يومئذٍ خمس سِنِين لحرص أمه زبيدة على ذَلِك قَالَ الذَّهَبِيّ فَكَانَ هَذَا أول وَهن جرى فِي دولة الْإِسْلَام من حَيْثُ الْإِمَامَة ثمَّ لِابْنِهِ الآخر من بعد الْأمين عبد الله ولقبه الْمَأْمُون وولاه ممالك خُرَاسَان بأسرها ثمَّ بَايع ابْنه الآخر الْقَاسِم ولقبه المؤتمن وولاه الجزيرة والثغور وَهُوَ صبي فَلَمَّا قسم الدُّنْيَا بَين هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة قَالَ بعض الْعُقَلَاء قد ألْقى بَينهم بأسهم وغائلة ذَلِك تضرُ بالرعية ثمَّ إِنَّه علق نُسْخَة الْبيعَة بِالْكَعْبَةِ الشَّرِيفَة وَفِي ذَلِك يَقُول إِبْرَاهِيم الْموصِلِي من // (مجزوء الْكَامِل) //

стр. 1485

) خيرُ الأمورِ مغبَّةً ... وأحمقُّ أمرٍ بالتمامْ) (أمرٌ قضى أحكامَهُ الرْرَحمنُ ... فِي البَيْتِ الحَرَامْ) وَقَالَ عبد الْملك بن صَالح من // (الْبَسِيط) // (حُبُّ الخليفةِ حبٌّ لَا يدينُ لَهُ ... عاصِي الإلهِ وشانٍ يَلْقَِحُ الفتنا) (أللَّهُ قَلَّدَ هاروناً سياستَهُ ... لمَّا اصْطَفَاهْ فأحيا الفرضَ والسُّنَنَا) (وقلَّدَ الأَمْرَ هَارُون لِرَأْفَتِهِ ... بِنَا أَمينا ومأموناً ومؤتمنا) قَالَ بَعضهم وَقد زوى الرشيد الْخلَافَة عَن وَلَده المعتصم لكَونه أُمِّيا فساقها الله إِلَيْهِ وَجعل الْخُلَفَاء بعده كلهم من ذُريَّته وَلم يَجْعَل من نسل غَيره من أَوْلَاد الرشيد خَليفَة بُويِعَ الْأمين بالخلافة يَوْم توفّي الرشيد بطوس والأمين بِبَغْدَاد فورد عَلَيْهِ بهَا خَاتم الْخلَافَة والبردة والقضيب فَلَمَّا تمكن من الْخلَافَة خلع أَخَاهُ الْمَأْمُون وَجعل الْعَهْد لوَلَده مُوسَى وَهُوَ فِي المهد وَسَماهُ النَّاطِق بِالْحَقِّ وَقطع ذكر الْمَأْمُون والمؤتمن وَجعل وَلَده مُوسَى فِي حجر عَليّ بن عِيسَى فَأرْسل إِلَى الْكَعْبَة الشَّرِيفَة من جَاءَهُ بِكِتَاب الْعَهْد الَّذِي علقه فِيهَا الرشيد للأمين والمأمون فمزقه وَكَانَ ذَلِك بِرَأْي الْفضل بن الرّبيع وَبكر بن الْمُعْتَمِر فَقَالَ بعض الشُّعَرَاء فِي ذَلِك من // (المتقارب) // (أضاعَ الخلافةَ غِشُّ الضَّميرِ ... وفسقُ الوزيرِ وجهلُ المُشِيرِ) (ففضْلٌ وزيرٌ وبَكْرٌ مُشيرٌ ... يريدانِ مَا فِيهِ حَتْفُ الأميرِ) (لواطُ الخليفةِ أعجوبَةٌ ... وأعجبُ مِنْهُ حلاق الوزيرِ) (فَهَذَا يدوسُ وَهَذَا يُداسُ ... وَهَذَا لعمري خلافُ الأمورِ) (فَلَو يستعفَّانِ هَذَا بذاكَ ... لكانا بعُرْضَةِ أمرٍ يسيرِ) (وأعجبُ مِنْ ذَا وَذَا أَنَّنَا ... نُبَايعُ للطفْلِ فِينَا الصغيرِ) (ومَنْ ليسَ يُحْسِنُ غَسْلَ استِهِ ... وَلم يخلُ من بولِهِ حجْرُ ظِيرِ) وَكَانَ أول من أجَاب الْأمين إِلَى خلع الْمَأْمُون وزيره عَليّ بن عِيسَى بن ماهان فجهزه الْأمين لِحَرْب الْمَأْمُون فِي مائَة ألف مقَاتل فَلَمَّا قرب من الرّيّ قابله طَاهِر بن

стр. 1486

الْحُسَيْن بن قبل الْمَأْمُون فِي أَرْبَعَة آلَاف أَو خَمْسَة آلَاف وَحمل عَلَيْهِ على حِين غَفلَة فَكَانَت بَينهمَا وقْعَة فِي ذَلِك الْموضع كَانَت الدائرة على عَليّ بن ماهان وَأَصْحَابه وانجلت عَن قتل عَليّ بن عِيسَى فحز رَأسه وظفر طَاهِر بِجَمِيعِ خزائنه وَأرْسل على الْفَوْر إِلَى ذِي الرياستين الفض ١ ل بن سهل وَزِير الْمَأْمُون بِكِتَاب يَقُول فِيهِ أَطَالَ الله بَقَاءَك وكتبت أعداوءك كتبت كتابي هَذَا إِلَيْك وَرَأس عَليّ بن ماهان بَين يَدي وخاتمه فِي إصبعي فَسمع الْمَأْمُون بذلك وَسلم عَلَيْهِ بالخلافة فِي ذَلِك الْوَقْت وَلما قتل عَليّ بن عِيسَى بعث الْأمين عبد الرَّحْمَن بن الْأَنْبَارِي فِي عشْرين ألف فَارس إِلَى همذان وولاه عَلَيْهَا وعَلى كل مَا يَفْتَحهُ من بِلَاد خرسان فَسَار إِلَى همذان وحصنها وجاءه طَاهِر فبرز إِلَيْهِ ولقيه وهزمه طَاهِر إِلَى الْبَلَد ثمَّ خرج عبد الرَّحْمَن ثَانِيَة فَانْهَزَمَ إِلَى الْمَدِينَة وحاصره طَاهِر حَتَّى ضجر مِنْهُ أهل الْمَدِينَة وَطلب الْأمان من طَاهِر فَأَمنهُ وَأقَام فِي أَمَانه ثمَّ أصَاب عبد الرَّحْمَن غرَّة من طَاهِر فَركب وهجم عَلَيْهِ فِي عسكره فقاتله طَاهِر أَشد الْقِتَال حَتَّى انهزم أَصْحَاب عبد الرَّحْمَن وَقتل وَلم يزل طَاهِر يهْزم الجيوش وَيقتل قواد الْأمين وَاحِدًا بعد وَاحِد وَهُوَ سَائِر إِلَى بَغْدَاد يُرِيد الْأمين وفر قائدا من قواد الْأمين الْكِبَار هما خُزَيْمَة بن خازم وَمُحَمّد بن عَليّ بن عِيسَى بن ماهان إِلَى طَاهِر بن الْحُسَيْن فوثبا على جسر دجلة فِي ثامن الْمحرم فقطعاه وركزا أعلامهما وخلعا الْأمين ودعيا لِلْمَأْمُونِ فَأصْبح طَاهِر ابْن الْحُسَيْن وألح على أَصْحَاب مُحَمَّد الْأمين وَدخل طَاهِر قسرَاً بِالسَّيْفِ ونادى مناديه من لزم بَيته فَهُوَ آمن ثمَّ أحَاط بِمَدِينَة الْمَنْصُور وبقصر زبيدة وَقصر الْخلد فَثَبت على قتال طَاهِر حَاتِم بن الصَّقْر والهرش والأفارقة فنصب طَاهِر المجانيق خلف السُّور وعَلى القصرين وَرَمَاهُمْ فَخرج مُحَمَّد وَأمه وَأَهله من الْقصر إِلَى مَدِينَة الْمَنْصُور وتفرق عَامَّة جنده وعلمائه وَقل عَلَيْهِم الْقُوت وَالْمَاء وفنيت خزائنهما على كثرتها قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ ذكر عَن مُحَمَّد بن رَاشد أَخْبرنِي إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي أَنه كَانَ مَعَ مُحَمَّد بِمَدِينَة الْمَنْصُور فِي قصر بَاب الذَّهَب فَخرج لَيْلَة من الْقصر من

стр. 1487

الضّيق والضنك فَصَارَ إِلَى قصر الْقَرار فطلبني فَأتيت فَقَالَ مَا ترى طيب هَذِه اللَّيْلَة وَحسن الْقَمَر وضوءه فِي المَاء فَهَل لَك فِي الشَّرَاب قلت شَأْنك فَدَعَا برطل من نَبِيذ فشربه ثمَّ سقيت مثله فابتدأت أغنيه من غير أَن يسألني لعلمي بِسوء خلقه فغنيت فَقَالَ مَا تَقول فِيمَن يضْرب عَلَيْك فَقلت مَا أحوجني إِلَى ذَلِك فَدَعَا بِجَارِيَة وَكَانَ اسْمهَا ضعف فتطيرتُ من اسْمهَا ثمَّ غنت الْجَارِيَة بِشعر النَّابِغَة الْجَعْدِي // (من الطَّوِيل) // (كلبيبٌ لعمرِي كَانَ أكثَرَ ناصراً ... وأيْسر ذَنبا مِنْك ضُرِّجَ بالدَّمِ) فتطير الْأمين من ذَلِك وَقَالَ لَهَا غَنِي غير هَذَا فغنت // (من الْبَسِيط) // (أبكِي فراقَهُمُ عَيْني فأرَّقها ... إنَّ التفرُّقَ للأحبابِ بَكَّاءُ) (مَا زَالَ يَعْدُو عليهِمْ رَيْبُ دهرِهِمُ ... حَتَّى تفَانَوا ورَيْبُ الدَّهرِ عَدَّاءُ) (فاليومَ أبكيهمُ جَهْدِي وأندبُهُمْ ... حَتَّى أءوب وَمَا فِي مُقْلَتي ماءُ) فَقَالَ لعنك الله أما تعرفين غير هَذَا فَقَالَت ظَنَنْت أَنَّك تحبه ثمَّ غنت // (من المنسرح) // (أما وربِّ السكونِ والحرك ... ِ إنَّ المنايا كثيرةُ الشَّرَك) (مَا اختلَفَ الليلُ والنهارَ وَلَا ... دارَتْ نجومُ السماءِ فِي الفلَكِ) (إِلَّا لنقلِ السلطانِ من ملكٍ ... قد زالَ سلطانُهُ إِلَى مَلِكِ) (ومُلْكُ ذِي العرشِ دائمٌ أبدا ... لَيْسَ بفانٍ وَلَا بمُشْتَرَكِ) فَقَالَ لَهَا قومِي لعنك الله فَقَامَتْ فَعَثَرَتْ فِي قدح بلور لَهُ قيمَة فَكَسرته فَقَالَ وَيحك يَا إِبْرَاهِيم أما ترى وَالله مَا أَظن أَمْرِي إِلَّا قد قرب فَقلت بلَى يُطِيل الله عمرك ويعز ملكك فَسمِعت صَوتا من دجلة ﴿قُضي اَلأمرُ الَّذِي فِيهِ تستفتيان﴾ يُوسُف ٤١ فَوَثَبَ مُحَمَّد مُغَتَماً وَرجع إِلَى مَوْضِعه بِالْمَدِينَةِ فَقتل بعد لَيْلَة أَو لَيْلَتَيْنِ وَذكر المَسْعُودِيّ أَن إِبْرَاهِيم الْمهْدي قَالَ اسْتَأْذَنت على الْأمين وَهُوَ فِي شدَّة الْحصار فَإِذا هُوَ وَاضع رجله بالشباك وَكَانَ فِي الْقصر بركَة عَظِيمَة يدْخل من

стр. 1488

دجلة إِلَيْهَا المَاء من ذَلِك الشباك الْحَدِيد فَسلمت وَهُوَ مقبل على المَاء والخدم والغلمان قد انتشروا فِي تفتيش المَاء وَهُوَ كالواله فَقَالَ لي لَا تؤذني يَا عَم فَإِن مقرطتى قد ذهب فِي الْبركَة إِلَى دجلة وَإِن كوثر اسْم خَادِم لَهُ خصي قد صَاد مقرطتين وَلم أصد أَنا شَيْئا بعد والمقرطة سَمَكَة كَانَ قُرْطهَا بحلقتي ذهب فيهمَا جوهرتان عظيمتان قَالَ إِبْرَاهِيم فَخرجت وَأَنا آيس من فلاحه وَقلت لَو ارتدع فِي وَقت لَكَانَ هَذَا الْوَقْت وَكَانَ مَعَ طَاهِر هرثمة بن أعين وَعظم الْأَمر وَاشْتَدَّ الْحصار وَالْبَلَاء حَتَّى خربَتْ بذلك منَازِل بَغْدَاد ووثب العيارون على أَمْوَال النَّاس فانتهبوها وَأقَام الْحصار مُدَّة سنة وَمِمَّا عمل فِي بَغْدَاد من المراثي قَول الْقَائِل // (من الوافر) // (بكيْتُ دَمًا على بغدادَ لما ... فقدتُّ نضارَةَ العيشِ الأنيقِ) (أصابَتْها من الحسادِ عَين ... فأفنَتْ أَهلهَا بالمنجنيقِ) وتضايق الْأَمر على الْأمين وَكتب طَاهِر إِلَى وُجُوه أهل بَغْدَاد سرا يعدهم إِن أعانوه ويتوعدهم إِن لم يدخلُوا فِي طَاعَته فَأَجَابُوا طَاهِرا وفارقوا الْأمين وصرحوا بخلعه وَمنع طَاهِر الْأمين وَمن مَعَه من كل شَيْء حَتَّى كَاد هُوَ وَأَصْحَابه أَن يموتوا جوعَاً وعطشاً فَلَمَّا عاين الْأمين ذَلِك كَاتب هرثمة بن أعين وَطلب مِنْهُ أَن يُؤمنهُ حَتَّى يَأْتِيهِ فَأَجَابَهُ هرثمة إِلَى ذَلِك وَبلغ ذَلِك طَاهِرا فشق عَلَيْهِ كَرَاهَة أَن ينْسب الظفر لهرثمة دونه فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْخَمِيس لخمس بَقينَ من الْمحرم من سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة خرج الْأمين إِلَى هرثمة فِي حراقة فَركب الْأمين وَمن مَعَه وَكَانَ طَاهِر قد أكمن للأمين فَلَمَّا صَار الْأمين فِي الحرَاقة رَمَوْهُ بالنشاب وَالْحِجَارَة فَانْكَفَأت الحراقة وغرق مُحَمَّد وهرثمة فسبح مُحَمَّد حَتَّى صَار إِلَى بُسْتَان مُوسَى فَعرفهُ مُحَمَّد بن حميد الطاهري فصاح بِأَصْحَابِهِ فنزلوا ليأخذوه فبادر مُحَمَّد المَاء فَأخذ بِرجلِهِ وَحمله على برذون وَخَلفه بن يمسِكهُ كالأسير قَالَ أَحْمد بن سَلام كنت مَعَ الْأمين فِي الحراقة فَأخذت وحبست فَبعد هدوء من اللَّيْل إِذا أَنا بحركة الْخَيل وَهُوَ يَقُولُونَ بشر زبيدة فَأدْخل عليَ رجل عُرْيَان عَلَيْهِ سَرَاوِيل وعمامة ملثم بهَا وعَلى كتفه خرقَة خلقَة فصيروه معي ووكلوا بِنَا فَلَمَّا

стр. 1489

حسر الْعِمَامَة عَن وَجهه فَإِذا هُوَ مُحَمَّد فاستعبرت واسترجعت فِي نَفسِي فَقَالَ لي من أَنْت قلت مَوْلَاك أَحْمد بن سَلام قَالَ أعرفك كنت تَأتِينِي بالرقة قلت نعم قَالَ كنت تَأتِينِي وتتلطفني كثيرَا لست مولَايَ بل أَنْت أخي ادن مني فَإِنِّي أجد وَحْشَة شَدِيدَة قَالَ أَحْمد فضممته إليَ ثمَّ قَالَ يَا أَحْمد مَا فعل أخي قلت حَيّ قَالَ قبح الله صَاحب الْبَرِيد مَا أكذبه كَانَ يَقُول لي قد مَاتَ قلت قبح الله وزراءك قَالَ لَا تقل فَمَا لَهُم ذَنْب وَلست أول من طلب أمرا فَلم يقدر عَلَيْهِ قَالَ أَترَاهُم يقتلونني أَو يفون لي بأمانهم قلت بل يفون لَك يَا سَيِّدي وَجعل يمسك الْخِرْقَة بعضديه فنزعت منْطقَة عَليّ وَقلت ألقها وَخذ هَذِه فَقَالَ وَيحك دَعْنِي فَهَذَا من الله لي فِي هَذَا الْموضع خير كثير فَلَمَّا انتصف اللَّيْل دخل الدَّار قوم من الْعَجم بِالسُّيُوفِ فَقَامَ وَقَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون ذهبت وَالله نَفسِي فِي سَبِيل الله أما من حِيلَة أما من مغيث فأحجموا عَن التَّقَدُّم وَجعل بَعضهم يَقُول لبَعض تقدم فَقُمْت وصرت وَرَاء حصر ملففة وَأخذ مُحَمَّد بِيَدِهِ وسَادَة وَقَالَ وَيحكم أَنا ابْن عَم رَسُول الله أَنا ابْن هَارُون أَنا أَخُو الْمَأْمُون الله الله فِي دمي فَوَثَبَ عَلَيْهِ خُمَاروَيه غُلَام لقريش الدنداني فَضَربهُ بِالسَّيْفِ على مقدم رَأسه فَضَربهُ مُحَمَّد بالوسادة واتكأ عَلَيْهِ فَأخذ السَّيْف من يَده فصاح خمارويه قتلني قتلني فتكاثروا عَلَيْهِ فذبحوه من قَفاهُ وذهبوا بِرَأْسِهِ إِلَى طَاهِر فنصب رَأسه على حَائِط بُسْتَان وَأَقْبل طَاهِر يَقُول هَذَا رَأس المخلوع مُحَمَّد الْأمين ثمَّ بعث بِهِ مَعَ الْبردَة والقضيب والمصلى وَهُوَ من سعف مبطن مَعَ ابْن عَمه مُحَمَّد بن مُصعب إِلَى الْمَأْمُون فَلَمَّا وصل الرَّأْس إِلَيْهِ سجد شكرا لله تَعَالَى على الظفر وَأمر لمُحَمد ابْن مُصعب بِأَلف ألف دِرْهَم وَجَرت جثته بِحَبل وَلما بلغ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي عَم الْأمين مَا وَقع للأمين بَكَى طَويلا وَأنْشد من // (السَّرِيع) // (عُوجَا لمعغنى طللٍ داثرِ ... بالخُلْد ذَات الصَّخْر والآجرِ) (والمرمر الْمسنون يطلى بِهِ ... وَالْبَاب بَاب الذَّهَبِ الناضرِ)

стр. 1490

(وأبلغَا عِّي مقَالا إِلَى الْمَوْلى ... عَن المأمورِ والآمِرِ) (قولا لَهُ يَا ابْنَ وليِّ الهدَى ... طَهِّرْ بلادَ اللَّهِ منْ طاهِرِ) (لم يكفِهِ أَن حَزَّ أَوْداجَهُ ... ذبح الضَّحَايا بِمُدَى الجازِرِ) (حَنى أَتَى يَسْحَبُ أوصالَهُ ... فِي شَطنٍ يعنَى بِهِ السابشرِي) (قد برد الموتُ على عيْنِهِ ... فطرفه منكسرُ المناظِرِ) وَلما بلغ هَذَا الشّعْر الْمَأْمُون اشْتَدَّ عَلَيْهِ ذَلِك وَنَدم وحزن وحوقل ولخزيمة بن الْحسن على لِسَان زبيدة قصيدة يَقُول فِيهَا من // (الطَّوِيل) // (أتَى طاهرٌ لَا طَهَّرَ اللَّهُ طَاهِرا ... فَمَا طاهِرٌ فِيمَا أتَى بُمطَهَّرِ) (فأخرجَنِي مكشوفَةَ الوَجْهِ حاسًرا ... فَأنْهبَ أَمْوَالِي واحْرقَ أَدْوُرِي) (يَعزُّ عَلَى هاَرُونَ مَا قدْ لَقِيْتُهُ ... وَمَا مَرَّ بِي من ناقِصِ الخلقِ أعورِ) (تذكَّرْ أميرَ المؤمنينَ قَرَابتِي ... فديتُكَ من ذِي حُرْمَةٍ مُتَذَكِّرِ) وَكَانَ الْأمين من أحسن الشَّبَاب صُورَة أَبيض طَويلا جميلا ذَا قُوَّة مفرطة وبطش وشجاعة مَعْرُوفَة وفصاحة وأدب وَفضل وبلاغة لَكِن كَانَ سيء التَّدْبِير ضَعِيف الرَّأْي لَا يصلح للإمارة قَالَ ابْن جُبَير لما ملك مُحَمَّد الْأمين ابْتَاعَ الخصيان وغالى بهم وصيرهم لخلوته ورفض النِّسَاء والجواري وَوجه إِلَى الْبلدَانِ فِي طلب الملهين وأجرى لَهُم الأرزاق واقتنى الوحوش وَالسِّبَاع والطيور واحتجت عَن أهل بَيته وَعَن أمرائه واستخف بهم ومحق بيُوت الْأَمْوَال وضيع الْجَوَاهِر والنفائس وَبني عدَّة قُصُور فِي عدَّة أَمَاكِن وَعمل خمس حرَاقات على صفة أَسد وفيل وعقاب وحية وَفرس وَأنْفق فِي عَملهَا أَمْوَالًا فَقَالَ أَبُو نواس من // (الْخَفِيف) // (سخَّرَ اللَّهُ للأمينِ مطايا ... لم تُسَخَّرْ لصاحبِ المحرابِ) (فَإِذا مَا ركابُهُ سارَ برا ... سارَ فِي المَاء رَاكِبًا ليثَ غابِ) (أسداً باسطاً ذرَاعْيهِ يَهْوي ... أهرت الشِّدْقِ كَالحَ الأنيابِ)

стр. 1491

وَهَكَذَا حَتَّى وصفهَا جَمِيعًا وَمن شجاعته وَقُوَّة بطشه مَا نَقله المَسْعُودِيّ فَقَالَ حكى أَنه اصطبح يَوْمًا فَأتى بِسبع هائل على جمل فِي قفص فَوضع بِبَاب الْقصر فَقَالَ افتحوا القفص وخلوه فَقيل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه سبع هائل أسود كالثور كثير الشّعْر فَقَالَ خلوا عَنهُ فَفَعَلُوا فَخرج فزأر وَضرب بِذَنبِهِ الأَرْض فتهارب النَّاس وأغلقت الْأَبْوَاب وبقى الْأمين وَحده غير مكترث فَأَتَاهُ الْأسد وقصده فَرفع يَده فَجَذَبَهُ الْأمين وَقبض على ذَنبه وغمزه وهزه ورماه إِلَى خلف فَوَقع السَّبع على صَخْرَة فَخر مَيتا وَجلسَ الْأمين وَكَأَنَّهُ لم يعْمل شَيْئا وَإِذا أَصَابِعه قد تخلعت فشقوا بطن الْأسد فَإِذا مرارته قد انشقت على كبده قَالَ الذَّهَبِيّ كتب الْأمين إِلَى طَاهِر بن الْحُسَيْن رقْعَة فِيهَا يَا طَاهِر مَا قَامَ لنا مُنْذُ قمنا قَائِم بحقنا فَكَانَ جَزَاؤُهُ عندنَا إِلَّا السَّيْف فَانْظُر لنَفسك أَو دع قَالَ فَلم يزل طَاهِر يتَبَيَّن موقع الرقعة مِنْهُ قلت وَكَانَ طَاهِر قد انتدب لحربه من جِهَة أَخِيه الْمَأْمُون فَكتب لَهُ هَذِه الرقعة وَهِي غَايَة فِي التحذير وَلم يل الْخلَافَة هاشمي ابْن هاشمية إِلَّا عَليّ بن أبي طَالب وَمُحَمّد الْأمين هَذَا فَإِن أم الأول فَاطِمَة بنت أَسد هاشمية وَكَذَا أم الثَّانِي زبيدة بنت جَعْفَر بن الْمَنْصُور قَالَ الصولي حَدثنَا أَبُو العيناء عَن مُحَمَّد بن عَمْرو الرُّومِي قَالَ خرج كوثر خَادِم الْأمين ليرى الْحَرْب فأصابته رجمة فِي وَجهه فَجَلَسَ يبكي وَجعل الْأمين يمسح الدَّم عَن وَجهه ثمَّ قَالَ من // (مجزوء الرمل) // (ضَرَبُوا قرَّةَ عَيْني ... ومِن اجْلِي ضَرَبُوهُ) (أخَذَ اللَّهُ لقلبي ... مِنْ أناسٍ أحرقُوهُ)

стр. 1492

قَالَ ثمَّ أحضر عبد الله بن أَيُّوب التَّمِيمِي الشَّاعِر فَقَالَ لَهُ قل عَلَيْهِمَا فَقَالَ من // (مجزوء الرمل) // (مَا لمَنْ أهَوى شبِيه ... فبِهِ الدُّنْيَا تَتِيهُ ... (وَصْلُهُ حلوُ ولكنْ ... هجْرُهُ مُرٌّ كريهُ) (مَنْ رأى الناسُ لَهُ فضلا ... عَلَيْهِم حَسَدُوهُ) (مثل مَا قَدْ حَسَدَ ... القائمَ بالمُلْكِ أَخُوهُ) فَقَالَ الْأمين وَالله بحياتي أَحْسَنت يَا عباسي أنظر فَإِن فَإِن جَاءَ على ظهر فأقروه لَهُ وَإِن جَاءَ فِي زورق فأوقره لَهُ فأوقر لَهُ ثَلَاثَة بغال دَرَاهِم هِيَ الَّتِي جَاءَ عَلَيْهَا وَمِمَّا قيل فِي هجو الْأمين أَقَامَهُ مقَام الرثاء فَقَالَ من // (الرمل) // (لِمَ نبْكِيك لماذا للطَّرَبْ ... يَا أَبَا موسَى وتزويج اللّعبْ) (ولتَرْكِ الخَمْسِ فِي أوقاتِهَا ... حرصاً منكَ على ماءِ العِنَبْ) (وشنيف أَنا لَا أَبْكِي لَهُ ... وعَلى كوثَرَ لَا أخشَى العَطبْ) (لم تَكُنْ تصلحُ للمُلكِ ولَمْ ... تعطك الطاعَةَ بالملْكِ العربْ) (لِم نبكيكَ لما عَرَّضْتَنَا ... للمجانيقِ وطَوْرًا للسَّلَبْ) وَذكر عَن الْكسَائي أَنه قَالَ لما ولاني الرشيد تَأْدِيب ابنيه الْأمين والمأمون كنت أشدد عَلَيْهِمَا فِي الْأَدَب وآخذهما أخذا شَدِيدا خصوصَاً الْأمين فأتتني ذَات يَوْم خَالِصَة أمة زبيدة فَقَالَت إِن السيدة تقرئك السَّلَام وَتقول لَك حَاجَتي أَن ترفق بِابْني مُحَمَّد فَقلت قولي لَهَا إِن مُحَمَّدًا مرشح للخلافة بعد أَبِيه وَلَا يجوز التَّقْصِير فِي حَقه قَالَت خَالِصَة إِن لرقة السيدة سببَاً أَنا أخْبرك بِهِ إِنَّهَا فِي اللَّيْلَة الَّتِي وَلدته فِيهَا أريت فِي منامها كَأَن أَربع نسْوَة أقبلن عَلَيْهِ فاكتنفنه من جهاته الْأَرْبَع فَقَالَت الَّتِي بَين يَدَيْهِ ملك قَلِيل الْعُمر ضيق الصَّدْر عَظِيم الْكبر واهي الْأَمر شَدِيد الْغدر وَقَالَت الَّتِي فِي خَلفه قصاف مبذر متلاف قَلِيل الْإِنْصَاف كثير الْإِسْرَاف وَقَالَت الَّتِي عَن يَمِينه ملك عَظِيم الحطم قَلِيل اللَّحْم كثير الْإِثْم قطوع الرَّحِم وَقَالَت الَّتِي عَن شِمَاله ملك غدار كثير العثار سريع الدمار ثمَّ بَكت خَالِصَة وَقَالَت يَا كسائي هَل ينفع الحذر مَعَ الْقدر قلت لَا وَالله

стр. 1493

وَذكر الْأَصْمَعِي أَنه دخل على الرشيد قَالَ وَكنت قد غبت عَنهُ بِالْبَصْرَةِ حولا فَسلمت عَلَيْهِ بالخلافة فَأَشَارَ إِلَيّ بِالْجُلُوسِ فَجَلَست حَتَّى خف النَّاس ثمَّ قَالَ يَا أصمعي أَلا تحب أَن ترى مُحَمَّدًا وَعبد الله ابْني قلت بلَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي لأحب ذَلِك وَقد أوردت الْقَصْد إِلَيْهِمَا لأسلم عَلَيْهِمَا ثمَّ قَالَ الرشيد عَليّ بِمُحَمد وَعبد الله فَانْطَلق الرَّسُول فَأَقْبَلَا كَأَنَّهُمَا قمراً أفق قد قاربا خطاهما ورميا ببصرهما الأَرْض حَتَّى وَقفا على أَبِيهِمَا فسلما عَلَيْهِ بالخلافة فَأَوْمأ لَهما فَجَلَسَ مُحَمَّد عَن يَمِينه وَعبد الله عَن شِمَاله ثمَّ أَمرنِي بمطارحتهما الْأَدَب فَكنت لَا ألْقى عَلَيْهِمَا شَيْئا من فنون الْأَدَب إِلَّا أجابا فِيهِ وأصابا فَقَالَ كَيفَ ترى أدبهما قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا رَأَيْت مثلهمَا فِي ذكائهما وجودة فهمهما وذهنهما فَأطَال الله بقاءهما ورزق الْأمة رأفتهما فَضَمَّهُمَا إِلَى صَدره وسبقته عبرته فَبكى حَتَّى تحدرت دُمُوعه على لحيته ثمَّ أذن لَهما فِي الْقيام فنهضا حَتَّى إِذا خرجا قَالَ يَا أصمعي كَيفَ بهما إِذا ظهر تعاديهما وبدا تباغضهما وَوَقع بأسهما بَينهمَا حَتَّى تسفك الدِّمَاء وَيَوَد كثير من الْأَحْيَاء أَن لَو كَانَ فِي الْأَمْوَات قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا شَيْء قضى بِهِ المنجمون عَن مولدهما أَو شَيْء أثرته الْعلمَاء فِي أَمرهمَا قَالَ بل شَيْء أثرته الْعلمَاء عَن الأوصياء قَالَ الصولي وَكَانَ الرشيد يسمع مَا يجْرِي بَينهمَا جَمِيعه من مُوسَى بن جَعْفَر الصَّادِق وَلذَلِك قَالَ مَا قَالَ قَالَ فِي قلادة النَّحْر إِن الْمَأْمُون مر يَوْمًا على زبيدة أم الْأمين فرآها تحرّك شفتيها بِشَيْء لَا يعرفهُ فَقَالَ لَهَا يَا أُمَّاهُ أتدعين عَليّ أَن قتلت ابْنك وسلبته فَمَا كَانَ الْبَاغِي إِلَّا ابْنك وَإِن لكل باغِ مصرعاً قَالَت لَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ فَمَا الَّذِي قلت قَالَت يعفيني أَمِير الْمُؤمنِينَ فألح عَلَيْهَا قَالَ وَلَا بُد أَن تقوليه قَالَ قلت قبح الله اللجاج والملاحَة قَالَ وَكَيف ذَلِك قَالَت إِنِّي لألعب يَوْمًا مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الرشيد الشطرنج على الحكم وَالرِّضَا فغلبني فَأمرنِي أَن أتجرد من أثوابي وأطوف الْقصر عُرْيَانَة فاستعفيته فَلم يعفني فتجردت من ثِيَابِي وطفت الْقصر عَارِية ثمَّ عاودني اللّعب فغلبته فَأَمَرته أَن يذهب إِلَى المطبخ فيطأ أقبح جَارِيَة وأشوهها خلقَة فاستعفاني فَلم أعفه فبذل لي خراج مصر وَالْعراق فأبيت وَقلت وَالله لتفعلن ذَلِك فَأبى فألححت عَلَيْهِ وَأخذت بِهِ وَجئْت بِهِ إِلَى المطبخ فَلم

стр. 1494

أر جَارِيَة أقبح وَلَا أقذر وَلَا أنتن ريحًا وَلَا أشوه خلقَة من أمك مراجل فَأَمَرته أَن يَطَأهَا فَوَطِئَهَا فعلقت مِنْهُ بك فَكنت سَببا لقتل وَلَدي وسلبه ملكه فولي الْمَأْمُون وَهُوَ يَقُول لعن الله الملاحة أَقُول نعم لعن الله الملاحة إِذْ إلحاحه على زبيدة كَانَ سَبَب سَماع هَذَا الْكَلَام المؤلم قَالَ الثعالبي فِي المعارف كَانُوا يَقُولُونَ لَو نشرت زبيدة ضفائرها مَا تعلّقت إِلَّا بخليفة أَو ولي عهد فَإِن الْمَنْصُور جدها والسفاح أَخُو جدها وَالْمهْدِي عَمها والرشيد زَوجهَا والأمين ابْنهَا والمأمون والمعتصم ابْنا زَوجهَا وَأما وُلَاة الْعَهْد فكثير ونظيرتها فِي ذَلِك من بني أُميَّة عَاتِكَة بنت يزِيد بن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أَبوهَا يزِيد بن مُعَاوِيَة وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان جدها وَمُعَاوِيَة بن يزِيد أَخُوهَا ومروان بن الحكم حموها وَعبد الْملك بن مَرْوَان زَوجهَا وَيزِيد بن عبد الْملك ابْنهَا والوليد بن يزِيد ابْن ابْنهَا والوليد بن وَهِشَام وَسليمَان بَنو زَوجهَا عبد الْملك وَيزِيد وَإِبْرَاهِيم ابْنا الْوَلِيد ابْن زَوجهَا كَانَت مُدَّة خِلَافَته أَربع سِنِين وَسَبْعَة أشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا وَقيل ثَمَانِيَة أشهر وَقتل لخمس بَقينَ من الْمحرم سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة وعمره سبع وَعِشْرُونَ سنة وَقيل وَأَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام وَقيل سِتّ وعششرون سنة وَخَمْسَة أشهر وَقيل ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وَسِتَّة أشهر رَحمَه الله تَعَالَى وغفا عَنهُ وَعَن الْمُسلمين آمين (خلَافَة الْمَأْمُون) عبد الله بن هَارُون الرشيد بن الْمهْدي مُحَمَّد بن الْمَنْصُور بن عبد الله أَبُو الْعَبَّاس الْهَاشِمِي ولد سنة سبعين وَمِائَة عِنْدَمَا اسْتخْلف أَبوهُ الرشيد وَقَرَأَ الْعلم فِي صغره وَسمع ابْن هشيم وَعباد بن الْعَوام ويوسف بن عَطِيَّة وَأَبا مُعَاوِيَة الضَّرِير

стр. 1495

وطبقتهم وبرع فِي الفقة والعربية وَأَيَّام النَّاس وَلما كبر عُني بالفلسفة وعلوم الْأَوَائِل وَمهر فِيهَا فجره ذَلِك إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَكَانَ من أتم رجال بني الْعَبَّاس حزماً وعزماً وحلماً وعلماً ورأيَاً ودهاءَ وهيبة وشجاعة وسؤدداً وسماحَة وَله محَاسِن وسيرة طَوِيلَة وبرع فِي معرفَة التَّارِيخ وفنون الْأَدَب وَكَانَ يضْرب الْمثل بحلمه وامتحن الْعلمَاء فِي زَمَانه وَكَانَ يجبرهم على القَوْل بِخلق الْقُرْآن قَالَ فِي المسامرة بَايع الْمَأْمُون على الرِّضَا فِي شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ وَجعله ولي عَهده من بعده وَلبس الخضرة ونوه بِذكرِهِ فَغَضب بَنو الْعَبَّاس بالعراق لهذين الْأَمريْنِ وخلعوه وَبَايَعُوا عَمه إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي ولقبوه الْمُبَارك فحاربه الْحسن بن سهل فَهَزَمَهُ إِبْرَاهِيم وألحقه بواسط وَأقَام إِبْرَاهِيم بِالْمَدَائِنِ ثمَّ سير الْمَأْمُون إِلَيْهِ جَيْشًا آخر فهزموه فاختفى وَانْقطع خَبره إِلَى أَن ظهر فِي وسط خلَافَة الْمَأْمُون فَعَفَا عَنهُ وَله سيره مبسوطة مَذْكُورَة وَمَات على الرِّضَا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ فَرجع الْمَأْمُون سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ إِلَى لبس السوَاد كعادته وَعَادَة آبَائِهِ قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ قَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا وَكَانَ الْمَأْمُون أبي ربعَة حسن الْوَجْه تعلوه صفرَة قد وَخَطَهُ الشيب أعين طَوِيل اللِّحْيَة دقيقها ضيق الجبين على خَدّه خَال وَقَالَ الجاحظ أَبيض فِيهِ صفرَة وَكَانَ ساقاه دون جسده صفراوين كَأَنَّمَا طليا بالزعفران أمه أم ولد اسْمهَا مراجل مَاتَت أَيَّام نفَاسهَا بِهِ وَكَانَ فصيحاً مفوهاً وَكَانَ يَقُول مُعَاوِيَة بِعَمْرو وَعبد الْملك بحجاجه وَأَنا بنفسي وَقد رويت هَذِه الْكَلِمَة عَن الْمَنْصُور وَكَانَ نقش خَاتم الْمَأْمُون عبد الله بن عبيد الله وروى أَنه ختم فِي بعض الرمضانات ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ختمة وَقَالَ الْحُسَيْن بن فهم الْحَافِظ حَدثنَا يحيى بن أَكْثَم قَالَ قَالَ لي الْمَأْمُون أُرِيد أَن أحدث قَالَ وَمن أولى بِهَذَا من أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ ضَعُوا لي منبراً ثمَّ صعد فَأول حدث حَدثنَا عَن هشيم عَن أبي هشيم عَن أبي الجهم عَن الزُّهْرِيّ عَن

стр. 1496

أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة فَرفع الحَدِيث قَالَ امْرُؤ الْقَيْس صَاحب لِوَاء الشّعْر إِلَى النَّار ثمَّ حدث بِنَحْوِ ثَلَاثِينَ حديثَاً ثمَّ نزل فَقَالَ لي كَيفَ رَأَيْت يَا يحيى مَجْلِسنَا قلت أجل مجْلِس يفقه الْخَاصَّة والعامة فَقَالَ مَا رَأَيْت لكم حلاوة إِنَّمَا الْمجْلس لأْصحاب الخلقان والمحابر وَقَالَ السراج حَدثنَا سهل بن عَسَاكِر قَالَ تقدم رجل غَرِيب بِيَدِهِ محبرة إِلَى الْمَأْمُون فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ صَاحب حَدِيث مُنْقَطع بِهِ قَالَ مَا تحفظ فِي بَاب كَذَا فَلم يذكر الرجل فِيهِ شَيْئا قَالَ فمازال الْمَأْمُون يَقُول حَدثنَا هشيم وَحدثنَا يحيى وَحدثنَا حجاج فَذكر الْبَاب ثمَّ سَأَلَهُ عَن بَاب آخر فَلم يذكر فِيهِ شَيْئا فَقَالَ الْمَأْمُون حَدثنَا فلَان وَحدثنَا فلَان إِلَى أَن قَالَ لأَصْحَابه يطْلب أحدهم الحَدِيث ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ يَقُول أَنا من أَصْحَاب الحَدِيث أَعْطوهُ ثَلَاث دَرَاهِم وَمَعَ هَذَا فَكَانَ الْمَأْمُون مُسْرِفًا فِي الْكَرم جواداً ممدحاً جَاءَ عَنهُ أَنه فرق فِي سَاعَة وَاحِدَة سِتَّة وَعشْرين ألف ألف دِرْهَم وَجَاء أَنه مدحه أَعْرَابِي مرّة فَأَجَازَهُ بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار وَأما ذكاؤه وَعلمه فروى مُحَمَّد بن عون عَن أبي عُيَيْنَة أَن الْمَأْمُون جلس فَجَاءَتْهُ امْرَأَة فَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَاتَ أخي وَخلف سِتّمائَة دِينَار فأعطوني دِينَارا وَاحِدًا وَقَالُوا هَذَا نصيبك فَحسب الْمَأْمُون وَقَالَ أَيْضا هَذَا نصيبك هَذَا أَخُوك خلف أَربع بَنَات قَالَت نعم قَالَ لَهُنَّ أَرْبَعمِائَة دِينَار وَخلف وَالِدَة لَهَا مائَة دِينَار وَخلف زَوْجَة فلهَا خَمْسَة وَسَبْعُونَ دِينَارا بِاللَّه أَلَك اثْنَا عشر أَخا قَالَت نعم قَالَ لكل وَاحِد دِينَارَانِ وَلَك دِينَار وَاحِد وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي قَالَ لي الْمَأْمُون أَخْبرنِي عَن قَول هِنْد بنت عتبَة من // (الرجز) // (نحنُ بناتُ طارقْ ... نمشِي على النمارِقْ) وَمن طَارق هَذَا قَالَ فَنَظَرت فِي نَسَبهَا فَلم أَجِدهُ فَقلت مَا أعرفهُ فَقَالَ الْمَأْمُون إِنَّمَا أَرَادَت النَّجْم انتسبت إِلَيْهِ بحسنها ثمَّ رمى إِلَيّ بعنبرة فِي يَده فبعتها

стр. 1497

بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم وَقَالَ أَبُو معشر المنجم كَانَ الْمَأْمُون أماراً بِالْعَدْلِ مَحْمُود السِّيرَة مَيْمُون النقيبة فَقِيه النَّفس يعد من كبار الْعلمَاء وَعَن الرشيد وَالِده قَالَ إِنِّي لأعرف فِي عبد الله حزم الْمَنْصُور ونسك الْمهْدي وَعزة الْهَادِي وَلَو أَشَاء لأنسبه إِلَى الرَّابِع يَعْنِي نَفسه لنسبته وَقد قدمت مُحَمَّدًا عَلَيْهِ وَإِنِّي لأعْلم أَنه ينقاد إِلَى هَوَاهُ مبذر لما حوته يَده يُشَارِكهُ فِي رَأْيه الْإِمَاء وَالنِّسَاء وَلَوْلَا أم جَعْفَر يَعْنِي زبيدة وميل بني هَاشم إِلَيْهِ لقدمت عبد الله عَلَيْهِ وَعَن الْمَأْمُون قَالَ لَو عرف النَّاس حبي للعفو لتقربوا إِلَيّ بالجرائم وأخاف أَلا أوجر فِيهِ يَعْنِي لكَونه طبعَاً لَهُ وَعَن يحيى بن أَكْثَم قَالَ كَانَ الْمَأْمُون يحلم حَتَّى يغيظنا وَذكر أَن ملاحاً مر بِهِ الْمَأْمُون فَقَالَ الملاح أتظنون أَن هَذَا نَبل فِي عَيْني وَقد قتل أَخَاهُ الْأمين لَا وَالله فَسَمعَهَا الْمَأْمُون فَتَبَسَّمَ وَقَالَ مَا الْحِيلَة حَتَّى أنبل فِي عَيْني هَذَا السَّيِّد الْجَلِيل وَعنهُ قَالَ كَانَ الْمَأْمُون يجلس للمناظرة فِي الْفِقْه يَوْم الثُّلَاثَاء فجَاء رجل عَلَيْهِ ثِيَاب قد شمرها وَنَعله فِي يَده فَوقف على طرف الْبسَاط وَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم فَرد الْمَأْمُون السَّلَام فَقَالَ أتأذن لي فِي الدنو قَالَ ادن وَتكلم فَقَالَ أَخْبرنِي عَن الْمجْلس الَّذِي أَنْت فِيهِ جلسته باجتماع الْأمة أم بالمغالبة والقهر قَالَ الْمَأْمُون لَا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا بل كَانَ يتَوَلَّى أُمُور النَّاس من عقد لي ولأخي فَلَمَّا صَار الْأَمر إِلَيّ علمت أَنِّي مُحْتَاج إِلَى اجْتِمَاع كلمة الْمُسلمين فِي الشرق والغرب على الرِّضَا بِي فَرَأَيْت أَنِّي مَتى تخليت عَن الْأَمر اضْطربَ حَبل الْإِسْلَام وَتَنَازَعُوا ومرج عَهدهم وَبَطل الْجِهَاد وَالْحج وانقطعت السبل فَقُمْت حياطة للْمُسلمين إِلَى أَن يجمعوا على رجل يرضون بِهِ فَأسلم إِلَيْهِ الْأَمر فَمَتَى اتَّفقُوا على رجل خرجت لَهُ من الْأَمر فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَذهب فَوجه الْمَأْمُون من يكْشف خَبره فَرجع فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مضى إِلَى مَسْجِد فِيهِ خَمْسَة عشر رجلَا فِي مثل هَيئته فَقَالُوا لَهُ أتيت الرجل قَالَ نعم وَأخْبرهمْ بِمَا جرى فَقَالُوا مَا نرى بِمَا قَالَ

стр. 1498

بأسَاً وافترقوا فَقَالَ الْمَأْمُون كفينا مُؤنَة هَؤُلَاءِ بأيسر الْخطب وأتى بِرَجُل من الْخَوَارِج فَقَالَ لَهُ مَا حملك على الْخُرُوج وَالْخلاف قَالَ ﴿وَمَن لم يحكمُ بِمَا أَنزَلَ اَللهّ فَأُولَئكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ الْمَائِدَة ٤٤ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون أَلَك علم بِأَنَّهَا منزَّلة قَالَ نعم قَالَ مَا دليلك قَالَ إِجْمَاع الْأمة قَالَ فَكَمَا رضيت بإجماعهم فِي التَّنْزِيل فارض بإجماعهم فِي التَّأْوِيل قَالَ صدقت السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَعَن إِسْحَاق الْموصِلِي قَالَ كَانَ الْمَأْمُون قد سخط على الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك الملقب بالخليع الشَّاعِر لكَونه هجاه عِنْدَمَا قتل الْأمين قَالَ إِسْحَاق فَبَيْنَمَا أَنا ذَات يَوْم عِنْد الْمَأْمُون إِذْ دخل الْحَاجِب برقعة فَاسْتَأْذن فِي إنشادها فَأذن لَهُ فَقَالَ // (من الطَّوِيل) // (أَجِزْنِي فإنِّي قد ظَمِئْتُ إِلَى الوِرْدِ ... متَى تنجزِ الوعدَ المؤكِّد بالعَهْدِ) (أعيذُكَ من خُلْفِ الملوكِ فقد ترَى ... تقطُّعَ أنفاسي عَلْيكَ من الوَجْدِ) (أيبخَلُ فردُ الحُسْنِ عنِّي بنائِلٍ ... قَلِيلٍ وقَدْ أفردتُّهُ بهوًى فَرْدِ) إِلَى أَن قَالَ (رأى اللَّهُ عَبْدَ اللَّهِ خَيْرَ عبادِهِ ... فملَّكه واللَّهُ أعلمُ بالعَبْدِ) (أَلَا إِنَّمَا المأمونُ للناسِ عصمةٌ ... مُمَيِّزَةٌ بَين الضلَالةِ والراشدِ) فَقَالَ لَهُ أَحْسَنت قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أحسن قَائِلهَا قَالَ وَمن هُوَ قَالَ عَبدك الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك فَقَالَ لَا حَيَّاهُ الله وَلَا بياه أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِل // (من الطَّوِيل) // (فَلَا تَمَّتِ الأشياءُ بعد محمَّدِ ... وَلَا زالَ شمْلُ الملكِ فِيهَا مبدَّدَا) (وَلَا فَرِحَ المأمونُ بالمُلْكِ بعدَهُ ... وَلَا زالَ فِي الدُّنْيَا طريدَاً مشرَّدا) هَذِه بِتِلْكَ فَلَا شَيْء لَهُ عندنَا قَالَ الْحَاجِب فَأَيْنَ عَادَة عَفْو أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أما هَذِه فَنعم ائذنوا لَهُ فَدخل فَقَالَ هَل عرفت يَوْم قتلِ أخي هاشمية هتكت قَالَ لَا قَالَ فَمَا معنى قَوْلك // (من الطَّوِيل) // (وَمِمَّا شَجى قَلْبي وكَفْكَفَ عَبْرَتِي ... محارمُ مِنْ آلِ الرسولِ استُحِلَّتِ)

стр. 1499

(ومهتوكة بالاجلْدِ عَنْهَا سجوفها ... كعاب كقرنِ الشمسِ حِين تبدَّتِ) (فَلَا باتَ ليلُ الشامتِين بغبطةٍ ... وَلَا بلَغَتْ آمالها مَا تمنَّتِ) فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لوعة غلبتني وروعة فاجأتني ونعمة سلبتها بعد أَن غمرتني فَإِن عَاقَبت فبحقك وَإِن عَفَوْت فبفضلك فَدَمَعَتْ عينا الْمَأْمُون وَأمر لَهُ بجائزة حكى الصولي أَنه كَانَ يحب اللّعب بالشطرنج واقترح فِيهِ شَيْئا وَكَانَ ينْهَى أَن يَقُول الشَّخْص تعال نلعب وَيَقُول بل نتناقل وَلم يكن بِهِ حاذقَاً وَكَانَ يَقُول أَنا أدبر الدُّنْيَا وأتسع لَهَا وأضيق عَن تَدْبِير شبرين وَله فِيهِ // (من الْبَسِيط) // (أرضٌ مُرَبَّعَةٌ حمراءُ مِنْ أَدم ... مَا بَين إلفَيْنِ معروفَيْنِ بالكَرَمِ) (تذاكرا الحَرْب فاخْتالَا لَهَا حِيَلاً ... مِنْ غيرِ أَنْ يأْثَما فِيهَا بِسَفْكِ دَمِ) (هَذَا يُغٍ يرُ على هَذَا وَذَاك عَلى ... هَذَا يُغِيرُ وَعين الحَزْمِ لَمْ تَنَمِ) (فانْظُرْ إِلَى فِطَنٍ جَالَتْ بِمَعْرِفَةٍ ... فِي عسْكرَيْنِ بِلَا طَبْلٍ وَلَا عَلَمِ) وَنظر الْمَأْمُون إِلَى عَمه إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وَكَانَ يلقب بالتنين لسمنه فَقَالَ لَهُ مَا أَظُنك عشقت قد ثمَّ أنْشد // (من السَّرِيع) // (وَجْهُ الَّذِي يَعْشَقُ مَعْروفُ ... لأَنَّهُ أَصْفرُ مَنْحُوفُ) (ليْسَ كَمنْ يَأْتِيكَ ذَا جُثَّةٍ ... كَأَنَّهُ لِلذَّبْحِ مَعْلُوفُ) وَعَن الْمَأْمُون قَالَ مَا أعياني قطّ جَوَاب إِلَّا جَوَاب ثَلَاثَة صرت إِلَى أم ذِي الرياستين الْفضل بن سهل أعزيها فِيهِ فَقلت لَا تأسى عَلَيْهِ فَإِنِّي عوضه لَك قَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَيفَ لَا أَحْزَن على ولد أكسبني مثلك وأتيت بمتنبئ فَقلت لَهُ من أَنْت قَالَ أَنا مُوسَى بن عمرَان قلت وَيحك مُوسَى لَهُ آيَات فائتني بهَا حَتَّى أومن بك قَالَ إِنَّمَا أتيت بِهَذِهِ المعجزات لفرعون إِذْ قَالَ أَنا ربكُم الْأَعْلَى فَإِن قلت ذَلِك أَتَيْتُك بِالْآيَاتِ قَالَ وأتى أهل الْكُوفَة يَشكونَ عاملهم فَقَالَ خطيبهم هُوَ شَرّ عَامل أما فِي أول سنة فَإنَّا بعنا الأثاث وَفِي الثَّانِيَة بعنا الْعقار وَفِي الثَّالِثَة نزحنا عَن بِلَادنَا وأتيناك نستغيث فَقلت كذبت بل هُوَ رجل قد حمدت مذْهبه ورضيت دينه فاخترته معرفَة بكم وَقد تقدم سخطكم على

стр. 1500

الْعمَّال غر مرّة قَالَ صدقت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وكذبت أَنا فقد خصصتنا بِهِ هَذِه الْمدَّة دون بَاقِي الْبِلَاد فَاسْتَعْملهُ على بلد آخر يشملهم من عدله وإحسانه مثل الَّذِي شملنا فَقلت قُم فِي غير حفظ الله قد عزلته عَنْكُم وَكَانَ قدوم الْمَأْمُون من خُرَاسَان إِلَى بَغْدَاد فِي صفر سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ دَخلهَا فِي رَابِع صفر فِي أبهة عَظِيمَة وتجمل زَائِد فَكَلمهُ العباسيون وَغَيرهم فِي الْعود إِلَى لِبَاس السوَاد وَترك الخضرة فتوقف ثمَّ أجَاب إِلَى ذَلِك لما قَالَ لَهُ بعض أهل بَيته إِنَّك على أثر أَوْلَاد عَليّ بن أبي طَالب وَالْأَمر فِيك أقدر مِنْك على برهم وَالْأَمر فيهم قَالَ إِنَّمَا فعلت مَا فعلت لِأَن أَبَا بكر لما ولي لم يول أحد من بني هَاشم شَيْئا ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان كَذَلِك ثمَّ لما ولي عَليّ ولي عبد الله بن عَبَّاس الْبَصْرَة وَعبيد الله الْيمن ومعبداً مَكَّة وَقثم الْبَحْرين وَمَا ترك أحدا مِنْهُم إِلَّا ولاه شَيْئا وَكَانَت هَذِه فِي أعناقنا حَتَّى كافأته فِي وَلَده بِمَا فعلت وَفِي سنة عشرَة بعد الْمِائَتَيْنِ تزوج الْمَأْمُون بوران بنت الْحسن بن سهل وَقَامَ بخلع للقواد وكلفهم مُدَّة سَبْعَة عشر يومَاً وَكتب رِقَاعًا فِيهَا أَسمَاء بضياع لَهُ ونثرها على القواد والعباسيين فَمن وَقعت فِي يَده رقْعَة باسم ضَيْعَة تسلمها ونثر صينية ملأى جَوَاهِر بَين يَدي الْمَأْمُون عِنْدَمَا زفت إِلَيْهِ وَفِي سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ أَمر الْمَأْمُون بِأَن يُنَادي بَرِئت الذِّمَّة مِمَّن ذكر مُعَاوِيَة بِخَير وَأَن أفضل الْخلق بعد رَسُول الله عَليّ بن أبي طَالب وَفِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة أظهر القَوْل بِخلق الْقُرْآن ثمَّ فِي سنة ثَمَان عشرَة امتحن الْعلمَاء بالْقَوْل بِخلق الْقُرْآن فَكتب إِلَى نَائِبه بالعراق إِسْحَاق بن الْخُزَاعِيّ ابْن عَم طَاهِر بن الْحُسَيْن بذلك ليلزم الْعلمَاء ويحاجهم فِي ذَلِك قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ قَالَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَرَفَة النَّحْوِيّ فِي تَارِيخه حكى أَبُو سُلَيْمَان بن دَاوُد بن عَليّ عَن يحيى بن أَكْثَم قَالَ كنت عِنْد الْمَأْمُون وَعِنْده جمَاعَة من قواد خُرَاسَان وَقد دَعَا إِلَى خلق الْقُرْآن حينئذِ فَقَالَ لأولئك القواد مَا تَقولُونَ فِي الْقُرْآن قَالُوا كَانَ شُيُوخنَا يَقُولُونَ مَا كَانَ فِيهِ ذكر

стр. 1501

الْحمير وَالْجمال وَالْبَقر فَهُوَ مَخْلُوق وَمَا كَانَ فِيهِ من سوى ذَلِك فَهُوَ غير مَخْلُوق فَأَما إِذا قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ غير ذَلِك فَنحْن نقُول كُله مَخْلُوق فَقلت لِلْمَأْمُونِ أتفرح بموافقة هَؤُلَاءِ وَمن كَلَام الْمَأْمُون النَّاس ثَلَاثَة فَمنهمْ مثل الْغذَاء لَا بُد مِنْهُ على كل حَال وَمِنْهُم كالدواء يحْتَاج إِلَيْهِ فِي حَال الْمَرَض وَمِنْهُم كالدواء مَكْرُوه على كل حَال وَكَانَ يَقُول لَا نزهة ألذ من النّظر فِي عقول الرِّجَال وَكَانَ يَقُول غَلَبَة الْحجَّة أحب إِلَى من غَلَبَة الْقُدْرَة لِأَن غَلَبَة الْحجَّة لَا تَزُول وَغَلَبَة الْقُدْرَة تَزُول بزوالها وَكَانَ يَقُول الْملك يغْتَفر كل شَيْء إِلَّا ثَلَاثًا الْقدح فِي الْملك وإفشاء السِّرّ والتعرض للحرم وَكَانَ الْمَأْمُون مَعْرُوفا بالتشيع روى عَنهُ أَبُو دَاوُد المصاحفي قَالَ سَمِعت النَّضر ابْن شُمَيْل يَقُول دخلت على الْمَأْمُون فَقَالَ لي إِنِّي قلت الْيَوْم شعرًا فاسمعه فَقلت هاته قَالَ // (من المنسرح) // (أصْبَحَ دِينِي الَّذِي أَدِينُ بِهِ ... وَلَسْتُ مِنهُ الغدَاةَ مُعْتَذِرَا) (حُبّ علِيِّ بعْدَ النبيِّ وَلَا ... أَشْتُمُ صِدِّيقَهُ وَلَا عُمَرَا ... ) وإِبنُ عفانَ فِي الجِنانِ مَعَ الْأَبْرَارِ ... ذاكَ القَتِيلُ مُصْطَبِرَا) (وعائِشُ الْلأُمُّ لَسْتُ أشْتُمُهَا ... منْ يَفْتَرِيهَا فَنَحْنُ مِنْهُ بَرَا) وَمن شعره // (من المتقارب) // (لِسَانِي كَتُومٌ لِأَسْرَارِكُمْ ... وَدمْعِي نمُومٌ لِسِرِّي مُذِبعُ) (فَلَوْلَا دُمُوعي كتمتُ الهَوَى ... وَلَوْلَا الهَوَى لَمْ تَكُنْ لِي دُمُوعُ) وَفِي ابْن خلكان دخل النَّضر بن شُمَيْل على الْمَأْمُون لَيْلَة فتفاوضا الحَدِيث فروى الْمَأْمُون عَن هشيم بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس قَوْله إِذا تزوج الرجل الْمَرْأَة لدينها وجمالها كَانَ فِيهِ سداد من عوز بِفَتْح السِّين فَقَالَ النَّضر يَا أميرِ

стр. 1502

الْمُؤمنِينَ صدق هشيم حَدثنَا فلَان ابْن فلَان إِلَى عَليّ بن أبي طَالب فَذكر الحَدِيث فَقَالَ فِيهِ سداد من عوز وَكسر السِّين وَكَانَ الْمَأْمُون مُتكئا فَاسْتَوَى جَالِسا وَقَالَ كَيفَ قَلت سِداد بِكَسْر السِّين قلت لِأَن السداد بِالْفَتْح هَهُنَا لحن فَقَالَ أتلحنني قلت إِنَّمَا لحن هشيم فَتَبِعَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ مَا الْفرق بَينهم قلت السداد بِالْفَتْح الْقَصْد فِي الدّين والسبيل وبالكسر الْبلْغَة وَكَانَ مَا سددت بِهِ شَيْئا فَهُوَ سداد فَقَالَ الْمَأْمُون أَو تعرف الْعَرَب ذَلِك قلت نعم هَذَا العرجي يَقُول // (من الوافر) // (أَضَاعُونِي وَأَبيَّ فَتًى أَضَاعُوا ... لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ) فَاسْتَوَى جَالِسا وَقَالَ قبح الله من لَا أدب لَهُ ثمَّ أقبل عَليّ فَقَالَ أَخْبرنِي بأخلب بَيت قالته الْعَرَب قلت قَول ابْن بيض فِي الحكم بن مَرْوَان // (من المنسرح) // (تَقُولُ لِي وِالعُيُونُ هَاجِعَةٌ ... أَقِمْ عَلَيْنَا يَوْمًا فلَمْ أُقِمِ) (مَتَى يقُلْ صَاحِبُ السُّرَادِقِ هَا ... ذَا إِبْنُ بيض بالبَابِ يَبْتسِمِ) (قَدْ كنت أسلمتُ فِيكَ مُقْتَبلاً ... فَهَاتِ أدخُلْ وأَعْطِنِي سلَمِي) فَقَالَ لقد أحسن وأجاد فَأَخْبرنِي بأنصف بَيت قالته الْعَرَب قلت قَول عرُوبَة // (من الْكَامِل) // (إِني وَإِن كَانَ ابْن عمِّيَ وَاغِرًا ... لمُدَاهِن من خلفيهِ وَوَرَائِهِ) (ومعده نَصْرِي وَإِن كَانَ امْرأٌ ... مُتَبَاعدًا من أَرْضِهِ وَسَمائِهِ) (فَأَكُون وَالي سِرِّهِ وأَصُونُه ... حَتَّى يحينَ علىَّ وَقْتُ أَدَائِهِ) (وَإِذَا الحَوَادِثُ أَحْجَنَتْ بِسَوَامِهِ ... قَرَّبْتُ جلتَهَا إِلَى حِرْبائِهِ) (وَإِذَا دَعَا باسمي لِيَرْكبَ مَرْكبًا ... صعباً ركِبْتُ لهُ على سيسَائِهِ) (وَإِذَا رَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدًا ناضراً ... لَمْ يلْقَنِي مُتَمنيا لِردَائِهِ) قَالَ لقد أحسن وأجاد فَأَخْبرنِي عَن أغرب بَيت قالته الْعَرَب قلت قَول راعي الْإِبِل // (من المنسرح) // (أَطْلُبُ مَا يطْلُبُ الْكريم مِنْ الرِّزْقِ ... لِنَفْسِي وَأُجْمِلُ الطَّلَبَا) (وَأَطْلُبُ الدُّرَّةَ الصفاءَ وَلَا ... أَطْلُبُ فِي غَير خلفهَا جَلَبَا)

стр. 1503

(إِنِّي رأيتُ الفَتَى الكريمَ إِذَا ... رَغَّبتهُ فِي صَنِيعةٍ رَغِبَا) (والنذْلَ لَا يطْلب العَلَاء ولَا ... يعطيكَ شَيْئًا إِلَّا إِذا رَهِبَا) (مثلُ الحِمارِ المُوَاقِعِ السُّوءِ لَا ... يُحْسِنُ مشْيًا إِلا إِذا ضُرِبَا) فَقَالَ وَالله لقد أحسن وأجاد ودعا بالدواة فَمَا أَدْرِي مَا يكْتب ثمَّ قَالَ يَا نضر كَيفَ تَقول فعل الْأَمر من الإتراب فَقلت أَقُول أترب القرطاس والقرطاس متروب قَالَ فَكيف تَقول من الطين قلت أَقُول طن الْكتاب وَالْكتاب مطين قَالَ هَذِه أحسن من الأولى ثمَّ دفَع مَا كتب إِلَى خَادِم وَجهه معي إِلَى الْحسن بن سهل فَلَمَّا قَرَأَ الْفضل الرقعة قَالَ يَا نضر قد أَمر لَك بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم فَمَا كَانَ السَّبَب فَأَخْبَرته فَأمر لي بِثَلَاثَة ألف دِرْهَم أُخْرَى فَأخذت ثَمَانِينَ ألف دِرْهَم بِحرف واحدٍ اسْتُفِيدَ مني وَقد نَادَى الْمَأْمُون بِإِبَاحَة الْمُتْعَة فَلم يَجْسُر أحد يُنكر عَلَيْهِ فروى لَهُ يحيى بن أَكْثَم حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن ابْني الْحَنَفِيَّة عَن أَبِيهِمَا مُحَمَّد بن عَليّ ري الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنه ﵊ نهى عَن مُتْعَة النِّسَاء يَوْم خَيْبَر فَلَمَّا صَحَّ لَهُ الحَدِيث رَجَعَ إِلَى الْحق ونادى بإيطالها وَأما مسألأة خلق الْقُرْآن فصمم عَلَيْهَا وَلم يرجع عَنْهَا فِي سنة ثَمَان عشرَة وامتحن الْعلمَاء بهَا فعوجل وَلم يُمْهل توجه فِي هَذِه السّنة غازياً إِلَى أَرض الرّوم فَلَمَّا وصل إِلَى البذندون مرض وَاشْتَدَّ بِهِ المر فأوصى بالخلافة إِلَى أَخِيه المعتصم بن الرشيد وَأما المؤتمن الْمَعْقُود لَهُ الْعَهْد بعده فقد كَانَ خلعه قبل حِين وَجعل الرضي مَكَانَهُ فِيمَا تقدم سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ فَلَمَّا ورد نزل على عين البذندون فَأَقَامَ هُنَاكَ واعتل قَالَ المَسْعُودِيّ أعجبه برد مَاء الْعين وصفاؤها وَطيب الْموضع وَكَثْرَة الخضرة وَقد طرح لَهُ دِرْهَم فِي الْعين فقرأه فِيهَا لفرط صفائها وَلم يقدر أحد أَن يسبح فِيهَا لشدَّة بردهَا فَرَأى سَمَكَة نَحْو الذِّرَاع كَأَنَّهَا الْفضة فَجعل لمن يُخرجهَا سيفَاً فَنزل فرَاش فاصطادها وطلع فاضطربت وفرت إِلَى المَاء فنضح صدر الْمَأْمُون ونحره وابتل ثَوْبه ثمَّ نزل الْفراش ثَانِيَة فَأَخذهَا فَقَالَ الْمَأْمُون يقلي

стр. 1504

السَّاعَة ثمَّ أَخَذته رعدة وتغطى باللحف وَهُوَ يرتعد ويصيح فأوقدت حوله نَار ثمَّ أَتَى بالسمكة فَمَا ذاقها لشغله بِحَالهِ ثمَّ أَفَاق من غمرته فَسَأَلَ عَن تَفْسِير اسْم الْمَكَان بالعربي فَقيل لَهُ مد رجليك فتطير بِهِ وَسَأَلَ عَن تَفْسِير الْبقْعَة قيل الرقة وَكَانَ فِيمَا علم من مولده أَنه يَمُوت بالرقة فَكَانَ يتَجَنَّب نزُول الرقة فَلَمَّا سمع هَذَا من الرّوم عرف وأيس وَقَالَ يَا من لَا يَزُول ملكه ارْحَمْ من زَالَ ملكه وأجلس المعتصم عِنْده من يلقنه الشَّهَادَة فَرفع الرجل بهَا صَوته فَقَالَ لَهُ ابْن ماسويه لَا تصح فوَاللَّه مَا يفرق الْآن بَين ربه وَبَين ماني فَفتح الْمَأْمُون عَيْنَيْهِ وَبِهِمَا من عظم الورم والحمرة أَمر شَدِيد وَأَقْبل يحاول بيدَيْهِ الْبَطْش بِابْن ماسويه ورام مخاطبته فعجز فرمز بطرفه نَحْو السَّمَاء وَقد امْتَلَأت عَيناهُ دموعاً وَقَالَ فِي الْحَال يَا من لَا يَمُوت ارْحَمْ من يَمُوت ثمَّ قضى فِي يَوْم الْخَمِيس لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من رَجَب سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ فنقله ابْنه الْعَبَّاس وَأَخُوهُ المعتصم إِلَى طرسوس فَدفن هُنَاكَ وَلما ورد خبر وَفَاته بَغْدَاد قَالَ أَبُو سعيد المَخْزُومِي // (من الْخَفِيف) // (هَلْ رَأيْتَ النُّجُومَ أَغْنتْ عَنِ الْمأْمُونِ ... يَوْمًا أَوْ ملكه المأسوس) (خَلَّفُوهُ بِعَرْصَتَيْ طَرَسُوس ... مِثْلَ مَا خلَّفُوا أَبَاهُ بِطُوسِ) حدث مُحَمَّد بن أَيُّوب أَمِير الْبَصْرَة لِلْمَأْمُونِ قَالَ كَانَ بِالْبَصْرَةِ رجل من بني تَمِيم شَاعِر أديب كنت آنس بِهِ فَأَرَدْت نَفعه فَقلت خليفتنا الْمَأْمُون أَجود من السَّحَاب الحافل وَالرِّيح العاصف وَإِنِّي موفدك عَلَيْهِ فَدَعَا لي فأعطيته نجيبَاً وَنَفَقَة ثمَّ عمل أرجوزة لَطِيفَة ذَكرنِي فِيهَا فاستحسنتها وَخرج إِلَى الشَّام والمأمون ب سلغوس ثمَّ أَخْبرنِي بعد ذَلِك فَقَالَ بَينا أَنا فِي غَدَاة قُرَّة على نجيبي وَأَنا أُرِيد الْعَسْكَر إِذا أَنا بكهل على بغل فاره مَا يقر قراره وَلَا تدْرك خطاه فتلقاني مُوَاجهَة فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك بِكَلَام جَهورِي وَقَالَ قف إِن شِئْت فوقفت فتضوعت مِنْهُ رَائِحَة الْمسك فَقَالَ مِمَّن أَنْت فَقلت رجل من مُضر فَقَالَ وَنحن من مُضر قَالَ ثمَّ مِمَّن قلت من تَمِيم من بني سعد فَقَالَ هيه مَا أقدمك قلت قصدت

стр. 1505

هَذَا الْخَلِيفَة الَّذِي مَا سَمِعت بِمثلِهِ أندى رَاحَة وَلَا أوسع ساحة وَلَا أطول باعاً وَلَا أمد يفاعَاً وَقد قصدته بِشعر يلذ على أَفْوَاه الروَاة ويحلو فِي آذان المستمعين قَالَ فأنشدنيه فمضيت وَقلت يَا رَكِيك أخْبرك بِشعر قلته فِي الْخَلِيفَة ومديح حبرته فِيهِ فَقَالَ وَمَا تَأمل مِنْهُ قلت إِن كَانَ على مَا ذكر لي فألف دِينَار قَالَ فَأَنا أُعْطِيك ألف دِينَار إِن رَأَيْت الشّعْر جيدَاً وَمَتى تصل إِلَيْهِ وَبَيْنك وَبَينه عشرُون ألف رامح ونابل فَقلت لَهُ أَمَعَك مَال قَالَ بغلي هَذَا خير من ألف دِينَار أنزل لَك عَن ظَهره فَقلت مَا يُسَاوِي هَذَا الْبَغْل هَذَا النجيب فَقَالَ دع عَنْك هَذَا وَلَك الله أَن أُعْطِيك ألف دِينَار فَأَنْشَدته الأرجوزة وَقلت // (من الرجز) // (مَأمُونُ يَا ذَا المِنَنِ الشَّرِيفَهْ ... وَصَاحِبَ المَرْتَبَةِ المُنِيفَهْ) (وَقَائِدَ الْكَتِيبََةِ الْكَثِيفَهْ ... هَلْ لَكَ فِي أُرْجُوزَةٍ ظَرِيفَهْ) (أظْرَفَ مِنْ فِقهِ أبِي حَنِيفَهْ ... لَا وَالَّذِي أَنْتَ لَهُ خَلِيفَهْ) (مَا ظَلَمَتْ فِي أَرْضِنَا عَفِيفَهْ ... أَميرنَا مُؤْنَتُهُ خَفِيفَهْ) (ومَا اجْتَنَي شَيْئًا سِوَى الوَظِيفَهْ ... فَالذَّئْبُ وَالنَّعْجَةُ فِبي سَقِيفَهْ) (وَاللِّصُّ وَالتَّاجِرُ فٍ ي قَطِيفَهْ ... ) قَالَ فوَاللَّه مَا أتممتها حَتَّى غشينا زهاء عشرَة آلَاف فَارس قد سدوا الْأُفق يَقُولُونَ السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فأخذني شبه جُنُون فَنظر إِلَيّ وَقَالَ لَا بَأْس عَلَيْك قلت أمعذري أَنْت قَالَ نعم ثمَّ الْتفت إِلَى خَادِم وَقَالَ أعْطِيه مَا مَعَك فَأخْرج كيساً فِيهِ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار ذَهَبا وَقَالَ هاك سَلام عَلَيْك وَمضى وَرجعت إِلَى بلدي مَسْرُورا فِي المسامرة لِابْنِ عَرَبِيّ أشرف الْمَأْمُون من قصره فَرَأى رجلا قَائِما وَبِيَدِهِ فَحْمَة وَهُوَ يكْتب بهَا على حَائِط قصره فَأمر الْمَأْمُون بعض خدمه أَن يذهب إِلَيْهِ فَينْظر مَا كتب ويأتيه بِهِ فبادر الْخَادِم إِلَى الرجل مسرعاً وَقبض عَلَيْهِ وَتَأمل الْكتاب وَإِذا هُوَ // (من الْبَسِيط) // (يَا قَصْرُ جُمِّعَ فيكَ الشُّؤْم واللُّومُ ... متَى تُعَشِّشُ فِي أَرْجَائِكَ البُومُ) (يَوْمَ تُعَشِّشُ فيكَ البُومُ مِنْ فرَحِي ... أَكُونُ أَّولَ منْ يرْعَاك مَرْغُومُ) ثمَّ إِن الْخَادِم قَالَ للرجل أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ سَأَلتك بِاللَّه لَا تذْهب

стр. 1506

بِي إِلَيْهِ فَقَالَ الْخَادِم لَا بُد من ذَلِك فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ أعلمهُ الْخَادِم بِمَا كتبه فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون وَيلك مَا حملك على هَذَا قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه لن يخفي عَلَيْك مَا حواه قصرك من خَزَائِن الْأَمْوَال والحلي وَالْحلَل وَالطَّعَام وَالشرَاب والقرش والأواني والأمتعة والجواري والخدم وَغير ذَلِك مِمَّا يقصر عَنهُ وصفي ويعجز عَنهُ فهمي وَإِنِّي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قّد مَرَرْت عَلَيْهِ الْآن وَأَنا فِي غَايَة الْجُوع والفاقة فوقفت مفكرَاً فِي أَمْرِي وَقلت فِي نَفسِي هَذَا الْقصر عَامر عَال وَأَنا جَائِع وَلَا فَائِدَة لي فِيهِ وَلَو كَانَ خرابَاً وَأَنا مَرَرْت بِهِ لم أعدم مِنْهُ رخامة أَو خَشَبَة أَو مسمارَاً أبيعه وأتقوت بِثمنِهِ أَوَ مَا علم أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا قَالَ الشَّاعِر فَقَالَ الْمَأْمُون وَمَا قَالَ الشَّاعِر فَقَالَ قَالَ // (من الطَّوِيل) // (إِذَا لم يَكُنْ للمَرْءِ فِي دولِة اٌ مْرِئٍ ... نصيبٌ وَلَا حَظٌّ تَمَنَّى زَوَالَها) (وَمَا ذَاكَ مِنْ بُغْضٍ لَهَا غَيْرَ أَنَّهُ ... يُرَجِّى سِوَاها فَهْوَ يهوى زَوَالَهَا) فَقَالَ الْمَأْمُون يَا غُلَام أعْطه ألف دِينَار ثمَّ قَالَ هِيَ لَك كل سنة مَا دَامَ قَصرنَا عامرَاً بأَهْله وَفِي مثل هَذَا الْمَعْنى قَالَ الشَّاعِر // (من الطَّوِيل) // (إِذَا لاكنتَ فِي أَمْرٍ فَكُنْ فِيهِ مُحْسِنًا ... فَعَمَّا قَليلٍ أَنْتَ مَاضٍ وَتَارِكُهْ) (وَكَمْ دَحَتِ ألأَيَّامُ أربابَ دَوْلَةٍ ... وَقَدْ ملكُوا أضعافَ مَا أَنْتَ مَالِكُهْ) كَانَت مُدَّة خِلَافَته عشْرين سنة وَخَمْسَة أشهر وَسَبْعَة وَعشْرين يَوْمًا وعمره ثَمَان وَأَرْبَعُونَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَمن شعر الْمَأْمُون فِي آل الْبَيْت قَوْله // (من الوافر) // (وَكَمْ غَاو يَعَضُّ عَلَىَّ غَيْظًا ... إذَ أَدْنَيْتُ أَبْنَاءَ الوصِيِّ) (يحاولُ أنَّ نورَ الله يُطْفَى ... وَنُورُ اللَّهِ فِي حِصْنٍ أَبيِّ) (فقلتُ أَلَيسَ قدْ أَوتيتَ عِلْمًا ... وَبانَ لَكَ الرشيدُ مِن الْغَوِيِّ) (وَعُرِّفْتَ احْتِجَاجي بالمَثانِي ... وبِالمَعْقُولِ وَالْأَثرِ القَوِيِّ) (بِأَيَّةِ خلَّةٍ وبِأَيَّ مَعْنًى ... تُفَضِّلُ مُلْحِدينَ عَلَى عَلِيِّ) (عليٌّ أَعْظَمُ الثَّقَلينِ حَقًّا ... وأفضَلُهم سِوَى حَقِّ النبيِّ) رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 1507

(خلَافَة المعتصم) أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبُو إِسْحَاق مُحَمَّد بن هَارُون الرشيد ولد سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة وَأمه أم ولد اسْمهَا ماردة بُويِعَ بعد الْمَأْمُون بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ فِي رَابِع عشر رَجَب سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ أَبيض أصهب اللِّحْيَة طويلها ربع الْقَامَة مشرب اللَّوْن ذَا شجاعة وهمة عالية وَقُوَّة مفرطة قَالَ نفطويه حدثت أَنه أَدخل زند رجل بَين إصبعيه فَكَسرهُ وَكَانَ يحمل ألف رَطْل فَيَمْشِي بهَا خطوَات ويفحص الدِّينَار فَيَمْحُو سكَته بِوَاحِدَة وَكَانَ أُمِّيا لَا يحسن الْكِتَابَة روى الصولي قَالَ كَانَ للمعتصم غُلَام فِي الْكتاب يتَعَلَّم مَعَه فَمَاتَ ذَلِك الْغُلَام فَقَالَ لَهُ الرشيد أَبوهُ مَاتَ غلامك قَالَ نعم يَا سَيِّدي واستراح من الْكتاب فَقَالَ الرشيد لَهُ وَإِن الْكتاب ليبلغ مِنْك هَذَا دَعوه وَلَا تعلموه وَكَانَ يقْرَأ وَيكْتب قِرَاءَة وَكِتَابَة ضَعِيفَة قَالَ الْعَلامَة البهوتي ذكر أَبُو الْفضل الرياشي كتب ملك الرّوم لَعنه الله إِلَى المعتصم يتهدده فَأمر بجوابه فَلَمَّا قرئَ عَلَيْهِ الْجَواب لم يرضه وَقَالَ لِلْكَاتِبِ اكْتُبْ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم أما بعد فقد قَرَأت كتابك وفهمت خطابك وَالْجَوَاب مَا ترى لَا مَا تسمع وَسَيعْلَمُ الْكَافِر لمن عُقبى الدَّار قَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب غزا المعتصم بِلَاد الرّوم سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ

стр. 1508

فأكنى فِي الْعَدو نكاية عَظِيمَة وَنصب على عمورية المجانيق وفتحا وَقتل ثَلَاثِينَ ألف وسبى مثلهَا وَكَانَ فِي سبيه سِتُّونَ بطريقاً ثمَّ أحرقها وَهِي من أَجَل فتح وَقع فِي الْإِسْلَام وَسبب ذَلِك على مَا ذكره أهل التواريخ أَن رجلا وقف على المعتصم حَال شربه وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كنت بعمورية وَجَارِيَة من أحسن النِّسَاء أسيرة قد لطمها على وَجههَا علج فَقَالَت وامعتصماه فَقَالَ لَهَا العلج عساه أَن يَأْتِيك على خيل بلق فَلَمَّا سمع المعتصم كَلَامه أَمر بالختم على الكأس وَقَالَ وَقَرَابَتِي من رَسُول الله لَا شربته حَتَّى أغزوه فأنتقذها ثمَّ استجاش وَسَار إِلَيْهِ على الْخَيل البلق كَمَا قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ وَلما تجهز المعتصم لفتح عمورية حكم المنجون أَن ذَلِك الْوَقْت طالع نحس وَأَنه يكسر فَكَانَ من ظفره وَنَصره مَا لم يخف فَقَالَ فِي ذَلِك أَبُو تَمام الطَّائِي حبيب بن أَوْس قصيدته البديعة البائية وَهِي من // (الْبَسِيط) // (أَلسَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْباءً مِنَ الكُتُبِ ... فِي حَدِّه الحَدُّ بَين الجِدِّ واللعِبِ) (بِيضُ الصَّفَائِحِ لَا سُودُ الصَّحَائِفِ فِي ... مُتُونِهِنَّ جَلَاءُ الشَّكِّ والرِّيَبِ) (والعْلِمُ فِي شُهُبِِ الأَرْماحِ لَامِعةً ... بَين الخَمِيسَينِ لَا فِي السَّبْعَةِ الشُّهُبِ) (أَيْنَ ألرِّوَايَةُ بَلْ أَيْنَ النُّجُومُ وَمَا ... صَاغُوهُ مِنْ زُخْرُفٍ فِيهَا وَمِنْ كذِبِ) (تخَرُّصًا وَأَحَادِيثًا مُلَفَّقَةً ... لِيْسَتْ بِنَبع إِذَا عُدَّتْ وَلا غَرَبِ) (عَجَائِبًا زَعَمُوا الْأَيَّامَ مُجْفِلَةً ... عَنْهُنَّ فِي صَفَر الْأَصْفَارِ أَوْ رَجَبِ) ) وَخَوَّفُوا النَّاسَ مِنْ دَهْيَاءَ مظْلِمَةٍ ... إِذَا بدا الكَوْكَبُ الغَرْبِيُّ ذُو الذَّنَبِ) (وَصَيَّروا الأَبْرُجَ العلْيَا مُرتبةً ... مَا كَانَ مُنْقَلِبًا أَوْ غيرَ مُنْقَلِبِ) (يَقْضُونَ بالْأَمْرِ عَنْهَا وَهْي غاَفِلَةٌ ... مَا دَارَ فِي فَلَكٍ مِنْهَا وفِي قُطُبِ) (لوْ بَيَّنَتْ قَطُّ أمْرًا قَبْلَ مَوْقِعِهِ ... لَمْ تُخْفِ مَا حَلَّ بالأَوْثَانِ وَالصُّلُبِ) (فَتْح الفُتُوح تَعَالَى أَنْ يُحِيطَ بِهِ ... نَظْمٌ مِنَ الشِّعْرِ أَوْ نثْرٌ مِِنَ الخُطَبِ) (فَتْحٌ تَفَتَّحُ أبوابُ السَّماءِ لِهُ ... وَتَبْرُزُ الأَرْضُ فِي أَثْوابِهَا القُشُبِ) (يَا يَوْمَ وَقْعَةِ عَمُّورِيَّةَ انْصَرفَتْ ... مِنْكَ المُنَى حُفَّلاً مَعْسُولَةَ الَحلب) (أَبْقَيْتَ جَدَّ بَنى الإِسَلَامِ فِي صَعَدٍ ... والمُشْرِكِينَ وَدَارَ الحَرْبِ فِي صَبَبِ)

стр. 1509

(أُمٌّ لَهُمْ لوْ رَجَوْا أَن تُفْتدَى جَعَلُوا ... فِدًى لَهَا كلَّ أمِِّ بَرَّةٍ وَأَبِ) (وَبرْزَةُ الوَجْهِ قَدْ أَعْيتْ رِِيَاضَتُها ... كِسْرَى وَصَدَّتْ صُدودًا عَن أبي كَرِبِ) (بِكْرٌ فَمَا افْتَرَعَتْهَا كَفُّ حَادِثَةٍ ... وَلَا ترقَّتْ إِليها هِمَّةُ النُّوبِ) (مِنْ عَهْد إِسكندرٍ أَوْ قبلَ ذلكَ قَدْ ... شَابَتْ نَوَاصِي اللَّيَاليِ وَهْيَ لَمْ تَشِبِ) (حَتّى إِذَا مَخَّضَ الله السِّنين لَها ... مَخْضَ الحَلِيبَةِ كَانتْ زُبْدَة الحِقَبِ) (أَتتْهُمُ الكُرْبَةُ السَّوْدَاءُ سَادِرَةً ... مِنها وَكانَ اسْمُهَا فَرَّاجَةَ الكُرَبِ) (جَرَى لَهَا الفَأْلُ نحْسًا يوْمَ أَنْقرَةِ ... إِذْ غُودِرَتْ وَحْشَةَ السَّاحَاتِ وَالرحَبِ) (لمَّا رَأَتْ أُخَها بالأَمْسِ قَدْ خَرِبَتْ ... كَانَ الخَرَابُ لهَا أَعْدَى مِنَ الجرَبِ) (كَمْ بينَ حِيطانِها مِنْ فارِسٍ بَطَل ... قَانِي الذَّوائِبِ مِنْ آنِي دَم سَرِبِ) (بسُنَّةِ السَّيفِ والخَطِّىِّ مِنْ دَمِهِ ... لَا سُنَّةِ الدِّينِ والإِسْلَامِ مُخْتَضِبِ) (لَقَدْ تركْتَ أَميرَ المؤْمِنِينَ بِهَا ... لِلنَّارِ يَوْمًا ذَلِيلَ الصَّخْرِ والخشَبِ) (غادرْتَ فيهمن بهِيمَ اللَّيْلِ وَهْو ضُحًى ... بِثُلَّةِ وَسْطَها صُبْحٌ مِن اللهَبِ) (حتَّى كأنَّ جَلابِيبَ الدُّجَى رَغِبَتْ ... عَنْ لونِهَا وَكأَنَّ الشَّمْسَ لم تَغِبِ) (ضوءٌ مِنَ النَّارِ والظَّلْمَاءُ عَاكِفَةٌ ... وظُلمَةٌ مِنْ دُخَانٍ فِي ضُحًى شَحِبِ) (فالشَّمْسُ طالعةٌ مِنْ ذَا وَقَدْ أَفَلتْ ... وَالّشَمْسُ وَاجِبَةٌ فِي ذَا وَلَمْ تَجِبِ) (تَكَشَّفَ الدَّهْر تَصْرِيح الغَمام لَهَا ... عَنْ يَوْمِ هيجاءَ مِنْهَا طَاهٍ ر جلبِ) (لم تَطْلُع الشَّمْسُ مِنْهُ يَوْمَ ذَاك عَلَى ... بانٍ بأَهْلٍ ولَمْ تَغْرُبْ عَلَى عَزَبِ) (مَا رَبْعُ ميَّةَ مَعْمُورًا يُطيِفُ بِهِ ... غَيْلَانُ أَبْهَى رُبًى مِنْ ربْعِهَا الخَرِبِ) (وَمَا الخُدُودُ وَإِن أُدْمِينَ من خجَلٍ ... أَشْهَى إلَى نَاظِِرِي مِنَ خَدِّها التَّرِبِ) (سَمَاجَةً غَنِيَتْ منْهَا العُيونُ بِهَا ... عَنْ كُلِّ حُسْنٍ بَدَا أَوْ مَنْظَرٍ عجَبِ) (وَحُسْنُ منقلبٍ تَبْدُو عَوَاقِبُهُ ... جَاءَتْ بَشَاشَتُهُ عَنْ سُوءِ مُنْقَلَبِ) (تَدْبِيرُ مُعْتصِمٍ بِاللَّهِ مُنْتَقِم ... للِهِ مُرْتَقِبٍ فِي اللَّهِ مُرْتَغِبِ) (ومُطعمِ النَّصْلِ لم تَكْهَمْ أَسِنَّتُهُ ... يَوْمًا وَلَا حُجِبَتْ عَن رُوح مُحتْجِبِ) (لم يَرْمِ قومَاً وَلَم يَنْهَدْ إلِى بَلَدٍ ... إِلَاّ تَقَدَّمَهُ جَيْشٌ مِنَ الرُّعُبِ) (لَوْ لَمْ يَقُدْ جَحْفَلاً يَوْمَ الوَغَى لَغدَا ... مِنْ نفسِهِ وَحْدَهَا فِي جَحْفَلٍ لجبِ)

стр. 1510

(رَمى بِكَ اللَّهُ بُرْجَيْهَا فهَدَّمَهَا ... وَلو رَمَى بِكَ غيْرُ اللَّهِ لمْ يُصِبِ) (مِنْ بَعْدِ مَا أَشَّبوهَا واثقِينَ بِها ... واللَّهُ مِفْتَاحُ بَاب المَعْقلِ الأَشِبِ) (وَقَالَ ذُو أَمْرِهم لَا مَرْتَعٌ صّدَدٌ ... لِلسَّارِحِينَ ولَيْسَ الوِرْدُ عنْ كثَبِ) (أَمَنِيًا سَلَبتْهُمْ نُجْحَ هَاجِسِهَا ... ظُبَي السُّيوفِ وَأطْرَافُ القَنَا السُّلُبِ) (إِِنَّ ألحمامَينِ مِنْ بِيضٍ ومِنْ سُمُرٍ ... دَلْوَا الحَيَاتينِ مِنْ مَاءٍ وَمِنْ عُشُبِ) (لَبَّيْتَ صَوْتًا زِبطْرِيًّا هرَقْت لَهُ ... كَأْسَ الكرَا ورُضَابَ الخُرَّدِ العُرُبِ) (عَدَاكَ حَرُّ الثُّغُورِ المُستُضَامَةِ عَنْ ... بَرْدِ الثُّغُورِ وَعَنْ سَلْسَالِهَا الحَصِبِ) (أَجبْتَهُ مُعْلِنًا بالسَّيْفَ مُنْصَلِتًا ... وَلَوْ أَجَبْتَ بِغَيْرِ السَّيْفِ لم تُجِبِ) (حَتَّى تَرَكْتَ عَمُودَ الشِّرْك مُنْعَفِرًا ... ولَمْ تُعَرِّجْ عَلَى الأَوْتَادِ والطُّنُبِ) (لَّما رَأَى الحَرْبَ رَأْى العَينِ نُوفَلِسٌ ... والحَرْبُ مُشْتَقَّةُ الْمَعْنى مِِنَ الحرَبِ) (غَدَا يُصَرِّفُ بالأمْوالِ خِزْيَتَهَا ... فَعَزَّهُ البَحْرُ ذُو التَّيَّارِ والعَببِ) (هَيْهَاتَ زُعْزِعَتِ الأَرْضُ الوَقُورُ بِهِ ... عَنْ غَزْوِ مُحْتَسِبٍ لَا غَزْوِ مُكْتَسِبِ) (لَمْ يُنْفِقِ الذَّهَبَ المُرْبِى بِكَثْرَتِهِ ... عَلَى الحصَى وَبِهِ فَقْرٌ إلَى الذَّهَبِ) (إِنَّ الأُسُودَ أُسود الغَابِ هِمَّتُها ... يَوْمَ الكرِيهةِ فِي المسْلُوبِ لَا السَّلبِ) (ولَّى وقدْ ألْجَمَ الخَطِّيُّ مَنْطِقَهُ ... بِسَكْتَةٍ تحتهَا الأَحْشَاءُ فِي صَخبِ) (أَحْذَى قَرَابينَهُ صرْفَ الرَّدى وَمَضَى ... يَحُثُّ أَنْجَى مَطَايَاهُ مِنَ الهربِ) (مُوَكَّلَا بِيَفَاع الأرْضِ يُشْرِفُهُ ... مِنْ خِفَّةِ الخَوْفِ لَا من خِفَّة الطَّرَبِ) (إِن يعْدُ من حرِّهَا عَدْوَ الظَّلِيمِ فَقَدْ ... أَوْسَعْت جَاحِمَهاَ مِنْ كَثْرَةِ الحَطَبِ) (تِسْعُون أَلفًا كآسادِ الشَّرَى نَضِجَتْ ... جُلُودُهُمْ قَبْلَ نُضْجِ التِّينِ وَالعِنَبِ) (يَا رُبَّ حَوْبَاءَ لمَّا اجْتُثَّ دَابِرُهُمْ ... طَابتْ وَلَوُضمِّخَتْ بِالمِسْكِ لَمْ تطِبِ) (وَمُغْضَبٍ رَجَعَتْ بيضُ السُّيوفِِ بِهِ ... حَيَّ الرِّضَا عَنْ رَدَاهُمْ مَيِِّتَ الغَضَبِ) (وَالحَرْبُ قَائِمةٌ فِي مَأْزِقٍ لَجِبٍ ... تَجْثُو الرِّجَالُ بِهِ صُغْرًا عَلَى الرُّكَبِ) (كَمْ نِيلَ تَحْتَ سَنَاهَا مِنْ سَنَا قَمَرٍ ... وَتَحْتَ عَارِضِهَا مِنَ عارِضٍ شَنِبِ) (كم كَانَ فِي قَطْعِ أسْبَابِ الرِّقَابِ بِها ... إِلَى المُخَدَّرةِ العَذْرَاء مِنْ سبَبِ) (كم أَحْرَزَتْ قُضُبَ الهنْدِيِّ مُصْلَتَةً ... تَهْتَزُّ من قُضُبٍ تَهْتَزُّ فِي كُثُبِ)
следующие страницы →