Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
بِي إِلَيْهِ فَقَالَ الْخَادِم لَا بُد من ذَلِك فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ أعلمهُ الْخَادِم بِمَا كتبه فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون وَيلك مَا حملك على هَذَا قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه لن يخفي عَلَيْك مَا حواه قصرك من خَزَائِن الْأَمْوَال والحلي وَالْحلَل وَالطَّعَام وَالشرَاب والقرش والأواني والأمتعة والجواري والخدم وَغير ذَلِك مِمَّا يقصر عَنهُ وصفي ويعجز عَنهُ فهمي وَإِنِّي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قّد مَرَرْت عَلَيْهِ الْآن وَأَنا فِي غَايَة الْجُوع والفاقة فوقفت مفكرَاً فِي أَمْرِي وَقلت فِي نَفسِي هَذَا الْقصر عَامر عَال وَأَنا جَائِع وَلَا فَائِدَة لي فِيهِ وَلَو كَانَ خرابَاً وَأَنا مَرَرْت بِهِ لم أعدم مِنْهُ رخامة أَو خَشَبَة أَو مسمارَاً أبيعه وأتقوت بِثمنِهِ أَوَ مَا علم أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا قَالَ الشَّاعِر فَقَالَ الْمَأْمُون وَمَا قَالَ الشَّاعِر فَقَالَ قَالَ // (من الطَّوِيل) //
(إِذَا لم يَكُنْ للمَرْءِ فِي دولِة اٌ مْرِئٍ ... نصيبٌ وَلَا حَظٌّ تَمَنَّى زَوَالَها)
(وَمَا ذَاكَ مِنْ بُغْضٍ لَهَا غَيْرَ أَنَّهُ ... يُرَجِّى سِوَاها فَهْوَ يهوى زَوَالَهَا)
فَقَالَ الْمَأْمُون يَا غُلَام أعْطه ألف دِينَار ثمَّ قَالَ هِيَ لَك كل سنة مَا دَامَ قَصرنَا عامرَاً بأَهْله وَفِي مثل هَذَا الْمَعْنى قَالَ الشَّاعِر // (من الطَّوِيل) //
(إِذَا لاكنتَ فِي أَمْرٍ فَكُنْ فِيهِ مُحْسِنًا ... فَعَمَّا قَليلٍ أَنْتَ مَاضٍ وَتَارِكُهْ)
(وَكَمْ دَحَتِ ألأَيَّامُ أربابَ دَوْلَةٍ ... وَقَدْ ملكُوا أضعافَ مَا أَنْتَ مَالِكُهْ)
كَانَت مُدَّة خِلَافَته عشْرين سنة وَخَمْسَة أشهر وَسَبْعَة وَعشْرين يَوْمًا وعمره ثَمَان وَأَرْبَعُونَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَمن شعر الْمَأْمُون فِي آل الْبَيْت قَوْله // (من الوافر) //
(وَكَمْ غَاو يَعَضُّ عَلَىَّ غَيْظًا ... إذَ أَدْنَيْتُ أَبْنَاءَ الوصِيِّ)
(يحاولُ أنَّ نورَ الله يُطْفَى ... وَنُورُ اللَّهِ فِي حِصْنٍ أَبيِّ)
(فقلتُ أَلَيسَ قدْ أَوتيتَ عِلْمًا ... وَبانَ لَكَ الرشيدُ مِن الْغَوِيِّ)
(وَعُرِّفْتَ احْتِجَاجي بالمَثانِي ... وبِالمَعْقُولِ وَالْأَثرِ القَوِيِّ)
(بِأَيَّةِ خلَّةٍ وبِأَيَّ مَعْنًى ... تُفَضِّلُ مُلْحِدينَ عَلَى عَلِيِّ)
(عليٌّ أَعْظَمُ الثَّقَلينِ حَقًّا ... وأفضَلُهم سِوَى حَقِّ النبيِّ)
رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 1507
(خلَافَة المعتصم)
أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبُو إِسْحَاق مُحَمَّد بن هَارُون الرشيد ولد سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة وَأمه أم ولد اسْمهَا ماردة بُويِعَ بعد الْمَأْمُون بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ فِي رَابِع عشر رَجَب سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ أَبيض أصهب اللِّحْيَة طويلها ربع الْقَامَة مشرب اللَّوْن ذَا شجاعة وهمة عالية وَقُوَّة مفرطة قَالَ نفطويه حدثت أَنه أَدخل زند رجل بَين إصبعيه فَكَسرهُ وَكَانَ يحمل ألف رَطْل فَيَمْشِي بهَا خطوَات ويفحص الدِّينَار فَيَمْحُو سكَته بِوَاحِدَة وَكَانَ أُمِّيا لَا يحسن الْكِتَابَة روى الصولي قَالَ كَانَ للمعتصم غُلَام فِي الْكتاب يتَعَلَّم مَعَه فَمَاتَ ذَلِك الْغُلَام فَقَالَ لَهُ الرشيد أَبوهُ مَاتَ غلامك قَالَ نعم يَا سَيِّدي واستراح من الْكتاب فَقَالَ الرشيد لَهُ وَإِن الْكتاب ليبلغ مِنْك هَذَا دَعوه وَلَا تعلموه وَكَانَ يقْرَأ وَيكْتب قِرَاءَة وَكِتَابَة ضَعِيفَة قَالَ الْعَلامَة البهوتي ذكر أَبُو الْفضل الرياشي كتب ملك الرّوم لَعنه الله إِلَى المعتصم يتهدده فَأمر بجوابه فَلَمَّا قرئَ عَلَيْهِ الْجَواب لم يرضه وَقَالَ لِلْكَاتِبِ اكْتُبْ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم أما بعد فقد قَرَأت كتابك وفهمت خطابك وَالْجَوَاب مَا ترى لَا مَا تسمع وَسَيعْلَمُ الْكَافِر لمن عُقبى الدَّار قَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب غزا المعتصم بِلَاد الرّوم سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ
стр. 1508
فأكنى فِي الْعَدو نكاية عَظِيمَة وَنصب على عمورية المجانيق وفتحا وَقتل ثَلَاثِينَ ألف وسبى مثلهَا وَكَانَ فِي سبيه سِتُّونَ بطريقاً ثمَّ أحرقها وَهِي من أَجَل فتح وَقع فِي الْإِسْلَام وَسبب ذَلِك على مَا ذكره أهل التواريخ أَن رجلا وقف على المعتصم حَال شربه وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كنت بعمورية وَجَارِيَة من أحسن النِّسَاء أسيرة قد لطمها على وَجههَا علج فَقَالَت وامعتصماه فَقَالَ لَهَا العلج عساه أَن يَأْتِيك على خيل بلق فَلَمَّا سمع المعتصم كَلَامه أَمر بالختم على الكأس وَقَالَ وَقَرَابَتِي من رَسُول الله
لَا شربته حَتَّى أغزوه فأنتقذها ثمَّ استجاش وَسَار إِلَيْهِ على الْخَيل البلق كَمَا قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ وَلما تجهز المعتصم لفتح عمورية حكم المنجون أَن ذَلِك الْوَقْت طالع نحس وَأَنه يكسر فَكَانَ من ظفره وَنَصره مَا لم يخف فَقَالَ فِي ذَلِك أَبُو تَمام الطَّائِي حبيب بن أَوْس قصيدته البديعة البائية وَهِي من // (الْبَسِيط) //
(أَلسَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْباءً مِنَ الكُتُبِ ... فِي حَدِّه الحَدُّ بَين الجِدِّ واللعِبِ)
(بِيضُ الصَّفَائِحِ لَا سُودُ الصَّحَائِفِ فِي ... مُتُونِهِنَّ جَلَاءُ الشَّكِّ والرِّيَبِ)
(والعْلِمُ فِي شُهُبِِ الأَرْماحِ لَامِعةً ... بَين الخَمِيسَينِ لَا فِي السَّبْعَةِ الشُّهُبِ)
(أَيْنَ ألرِّوَايَةُ بَلْ أَيْنَ النُّجُومُ وَمَا ... صَاغُوهُ مِنْ زُخْرُفٍ فِيهَا وَمِنْ كذِبِ)
(تخَرُّصًا وَأَحَادِيثًا مُلَفَّقَةً ... لِيْسَتْ بِنَبع إِذَا عُدَّتْ وَلا غَرَبِ)
(عَجَائِبًا زَعَمُوا الْأَيَّامَ مُجْفِلَةً ... عَنْهُنَّ فِي صَفَر الْأَصْفَارِ أَوْ رَجَبِ)
)
وَخَوَّفُوا النَّاسَ مِنْ دَهْيَاءَ مظْلِمَةٍ ... إِذَا بدا الكَوْكَبُ الغَرْبِيُّ ذُو الذَّنَبِ)
(وَصَيَّروا الأَبْرُجَ العلْيَا مُرتبةً ... مَا كَانَ مُنْقَلِبًا أَوْ غيرَ مُنْقَلِبِ)
(يَقْضُونَ بالْأَمْرِ عَنْهَا وَهْي غاَفِلَةٌ ... مَا دَارَ فِي فَلَكٍ مِنْهَا وفِي قُطُبِ)
(لوْ بَيَّنَتْ قَطُّ أمْرًا قَبْلَ مَوْقِعِهِ ... لَمْ تُخْفِ مَا حَلَّ بالأَوْثَانِ وَالصُّلُبِ)
(فَتْح الفُتُوح تَعَالَى أَنْ يُحِيطَ بِهِ ... نَظْمٌ مِنَ الشِّعْرِ أَوْ نثْرٌ مِِنَ الخُطَبِ)
(فَتْحٌ تَفَتَّحُ أبوابُ السَّماءِ لِهُ ... وَتَبْرُزُ الأَرْضُ فِي أَثْوابِهَا القُشُبِ)
(يَا يَوْمَ وَقْعَةِ عَمُّورِيَّةَ انْصَرفَتْ ... مِنْكَ المُنَى حُفَّلاً مَعْسُولَةَ الَحلب)
(أَبْقَيْتَ جَدَّ بَنى الإِسَلَامِ فِي صَعَدٍ ... والمُشْرِكِينَ وَدَارَ الحَرْبِ فِي صَبَبِ)
стр. 1509
(أُمٌّ لَهُمْ لوْ رَجَوْا أَن تُفْتدَى جَعَلُوا ... فِدًى لَهَا كلَّ أمِِّ بَرَّةٍ وَأَبِ)
(وَبرْزَةُ الوَجْهِ قَدْ أَعْيتْ رِِيَاضَتُها ... كِسْرَى وَصَدَّتْ صُدودًا عَن أبي كَرِبِ)
(بِكْرٌ فَمَا افْتَرَعَتْهَا كَفُّ حَادِثَةٍ ... وَلَا ترقَّتْ إِليها هِمَّةُ النُّوبِ)
(مِنْ عَهْد إِسكندرٍ أَوْ قبلَ ذلكَ قَدْ ... شَابَتْ نَوَاصِي اللَّيَاليِ وَهْيَ لَمْ تَشِبِ)
(حَتّى إِذَا مَخَّضَ الله السِّنين لَها ... مَخْضَ الحَلِيبَةِ كَانتْ زُبْدَة الحِقَبِ)
(أَتتْهُمُ الكُرْبَةُ السَّوْدَاءُ سَادِرَةً ... مِنها وَكانَ اسْمُهَا فَرَّاجَةَ الكُرَبِ)
(جَرَى لَهَا الفَأْلُ نحْسًا يوْمَ أَنْقرَةِ ... إِذْ غُودِرَتْ وَحْشَةَ السَّاحَاتِ وَالرحَبِ)
(لمَّا رَأَتْ أُخَها بالأَمْسِ قَدْ خَرِبَتْ ... كَانَ الخَرَابُ لهَا أَعْدَى مِنَ الجرَبِ)
(كَمْ بينَ حِيطانِها مِنْ فارِسٍ بَطَل ... قَانِي الذَّوائِبِ مِنْ آنِي دَم سَرِبِ)
(بسُنَّةِ السَّيفِ والخَطِّىِّ مِنْ دَمِهِ ... لَا سُنَّةِ الدِّينِ والإِسْلَامِ مُخْتَضِبِ)
(لَقَدْ تركْتَ أَميرَ المؤْمِنِينَ بِهَا ... لِلنَّارِ يَوْمًا ذَلِيلَ الصَّخْرِ والخشَبِ)
(غادرْتَ فيهمن بهِيمَ اللَّيْلِ وَهْو ضُحًى ... بِثُلَّةِ وَسْطَها صُبْحٌ مِن اللهَبِ)
(حتَّى كأنَّ جَلابِيبَ الدُّجَى رَغِبَتْ ... عَنْ لونِهَا وَكأَنَّ الشَّمْسَ لم تَغِبِ)
(ضوءٌ مِنَ النَّارِ والظَّلْمَاءُ عَاكِفَةٌ ... وظُلمَةٌ مِنْ دُخَانٍ فِي ضُحًى شَحِبِ)
(فالشَّمْسُ طالعةٌ مِنْ ذَا وَقَدْ أَفَلتْ ... وَالّشَمْسُ وَاجِبَةٌ فِي ذَا وَلَمْ تَجِبِ)
(تَكَشَّفَ الدَّهْر تَصْرِيح الغَمام لَهَا ... عَنْ يَوْمِ هيجاءَ مِنْهَا طَاهٍ ر جلبِ)
(لم تَطْلُع الشَّمْسُ مِنْهُ يَوْمَ ذَاك عَلَى ... بانٍ بأَهْلٍ ولَمْ تَغْرُبْ عَلَى عَزَبِ)
(مَا رَبْعُ ميَّةَ مَعْمُورًا يُطيِفُ بِهِ ... غَيْلَانُ أَبْهَى رُبًى مِنْ ربْعِهَا الخَرِبِ)
(وَمَا الخُدُودُ وَإِن أُدْمِينَ من خجَلٍ ... أَشْهَى إلَى نَاظِِرِي مِنَ خَدِّها التَّرِبِ)
(سَمَاجَةً غَنِيَتْ منْهَا العُيونُ بِهَا ... عَنْ كُلِّ حُسْنٍ بَدَا أَوْ مَنْظَرٍ عجَبِ)
(وَحُسْنُ منقلبٍ تَبْدُو عَوَاقِبُهُ ... جَاءَتْ بَشَاشَتُهُ عَنْ سُوءِ مُنْقَلَبِ)
(تَدْبِيرُ مُعْتصِمٍ بِاللَّهِ مُنْتَقِم ... للِهِ مُرْتَقِبٍ فِي اللَّهِ مُرْتَغِبِ)
(ومُطعمِ النَّصْلِ لم تَكْهَمْ أَسِنَّتُهُ ... يَوْمًا وَلَا حُجِبَتْ عَن رُوح مُحتْجِبِ)
(لم يَرْمِ قومَاً وَلَم يَنْهَدْ إلِى بَلَدٍ ... إِلَاّ تَقَدَّمَهُ جَيْشٌ مِنَ الرُّعُبِ)
(لَوْ لَمْ يَقُدْ جَحْفَلاً يَوْمَ الوَغَى لَغدَا ... مِنْ نفسِهِ وَحْدَهَا فِي جَحْفَلٍ لجبِ)
стр. 1510
(رَمى بِكَ اللَّهُ بُرْجَيْهَا فهَدَّمَهَا ... وَلو رَمَى بِكَ غيْرُ اللَّهِ لمْ يُصِبِ)
(مِنْ بَعْدِ مَا أَشَّبوهَا واثقِينَ بِها ... واللَّهُ مِفْتَاحُ بَاب المَعْقلِ الأَشِبِ)
(وَقَالَ ذُو أَمْرِهم لَا مَرْتَعٌ صّدَدٌ ... لِلسَّارِحِينَ ولَيْسَ الوِرْدُ عنْ كثَبِ)
(أَمَنِيًا سَلَبتْهُمْ نُجْحَ هَاجِسِهَا ... ظُبَي السُّيوفِ وَأطْرَافُ القَنَا السُّلُبِ)
(إِِنَّ ألحمامَينِ مِنْ بِيضٍ ومِنْ سُمُرٍ ... دَلْوَا الحَيَاتينِ مِنْ مَاءٍ وَمِنْ عُشُبِ)
(لَبَّيْتَ صَوْتًا زِبطْرِيًّا هرَقْت لَهُ ... كَأْسَ الكرَا ورُضَابَ الخُرَّدِ العُرُبِ)
(عَدَاكَ حَرُّ الثُّغُورِ المُستُضَامَةِ عَنْ ... بَرْدِ الثُّغُورِ وَعَنْ سَلْسَالِهَا الحَصِبِ)
(أَجبْتَهُ مُعْلِنًا بالسَّيْفَ مُنْصَلِتًا ... وَلَوْ أَجَبْتَ بِغَيْرِ السَّيْفِ لم تُجِبِ)
(حَتَّى تَرَكْتَ عَمُودَ الشِّرْك مُنْعَفِرًا ... ولَمْ تُعَرِّجْ عَلَى الأَوْتَادِ والطُّنُبِ)
(لَّما رَأَى الحَرْبَ رَأْى العَينِ نُوفَلِسٌ ... والحَرْبُ مُشْتَقَّةُ الْمَعْنى مِِنَ الحرَبِ)
(غَدَا يُصَرِّفُ بالأمْوالِ خِزْيَتَهَا ... فَعَزَّهُ البَحْرُ ذُو التَّيَّارِ والعَببِ)
(هَيْهَاتَ زُعْزِعَتِ الأَرْضُ الوَقُورُ بِهِ ... عَنْ غَزْوِ مُحْتَسِبٍ لَا غَزْوِ مُكْتَسِبِ)
(لَمْ يُنْفِقِ الذَّهَبَ المُرْبِى بِكَثْرَتِهِ ... عَلَى الحصَى وَبِهِ فَقْرٌ إلَى الذَّهَبِ)
(إِنَّ الأُسُودَ أُسود الغَابِ هِمَّتُها ... يَوْمَ الكرِيهةِ فِي المسْلُوبِ لَا السَّلبِ)
(ولَّى وقدْ ألْجَمَ الخَطِّيُّ مَنْطِقَهُ ... بِسَكْتَةٍ تحتهَا الأَحْشَاءُ فِي صَخبِ)
(أَحْذَى قَرَابينَهُ صرْفَ الرَّدى وَمَضَى ... يَحُثُّ أَنْجَى مَطَايَاهُ مِنَ الهربِ)
(مُوَكَّلَا بِيَفَاع الأرْضِ يُشْرِفُهُ ... مِنْ خِفَّةِ الخَوْفِ لَا من خِفَّة الطَّرَبِ)
(إِن يعْدُ من حرِّهَا عَدْوَ الظَّلِيمِ فَقَدْ ... أَوْسَعْت جَاحِمَهاَ مِنْ كَثْرَةِ الحَطَبِ)
(تِسْعُون أَلفًا كآسادِ الشَّرَى نَضِجَتْ ... جُلُودُهُمْ قَبْلَ نُضْجِ التِّينِ وَالعِنَبِ)
(يَا رُبَّ حَوْبَاءَ لمَّا اجْتُثَّ دَابِرُهُمْ ... طَابتْ وَلَوُضمِّخَتْ بِالمِسْكِ لَمْ تطِبِ)
(وَمُغْضَبٍ رَجَعَتْ بيضُ السُّيوفِِ بِهِ ... حَيَّ الرِّضَا عَنْ رَدَاهُمْ مَيِِّتَ الغَضَبِ)
(وَالحَرْبُ قَائِمةٌ فِي مَأْزِقٍ لَجِبٍ ... تَجْثُو الرِّجَالُ بِهِ صُغْرًا عَلَى الرُّكَبِ)
(كَمْ نِيلَ تَحْتَ سَنَاهَا مِنْ سَنَا قَمَرٍ ... وَتَحْتَ عَارِضِهَا مِنَ عارِضٍ شَنِبِ)
(كم كَانَ فِي قَطْعِ أسْبَابِ الرِّقَابِ بِها ... إِلَى المُخَدَّرةِ العَذْرَاء مِنْ سبَبِ)
(كم أَحْرَزَتْ قُضُبَ الهنْدِيِّ مُصْلَتَةً ... تَهْتَزُّ من قُضُبٍ تَهْتَزُّ فِي كُثُبِ)
стр. 1511
(بِيضٌ إِذَا انْتُضِيَتْ منْ حُجْبِهَا رَجَعَتْ ... أَحَقَّ بِالبِيضِ أَبْدَانًا مِنَ الحُجُبِ)
(خليفةُ اللَّهُ جَازَى اللَّه سَعْيَكَ عَنْ ... جُرْثُومَةِ الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ والحَسَبِ)
(بَصُرْتَ بِالرَّاحَةِ الكُبْرَى فَلمْ تَرَهَا ... تُنَالُ إِلَاّ عَلَى جِسْرٍ مِنَ التَّعَبِ)
(أِنْ كَانَ بَيْنَ صُرُوفِ الدَّهْرِ مِنْ رَحِمٍ ... مَوْصُولَةٍ وَذِمَامٍ غَيْرِ مُنْقَضِبِ)
(فَبَيْنَ أَيَّامِكَ اللَاّئيِ نُصِرْتَ بهَا ... وَبَيْنَ أَيَّام بَدْرٍ أَقْرَبُ النَّسَبِ)
(أَبْقَتْ بَنِي الْأَصْفر المُصْفَرِّ كَاسْمهِمُ ... صُفْرَ الوُجُوهِ وَجَلَّتْ أوْجُهَ العَرَبِ)
وَكَانَ يُقَال لَهُ الْمُثمن فَإِنَّهُ ثامن الْخُلَفَاء من بني الْعَبَّاس وَملك ثَمَان سِنِين وَثَمَانِية أشهر وَفتح ثَمَان فتوحات وَخلف من الذَّهَب ثَمَانِيَة آلَاف ألف دِينَار وَمن الدَّرَاهِم ثَمَانِيَة عشر ألف ألف وَمن الْخَيل ثَمَانِينَ ألفا وَثَمَانِية آلَاف مَمْلُوك وَثَمَانِية آلَاف جَارِيَة وَبنى ثَمَانِيَة قُصُور وَكَانَ عدد غلمانه التّرْك ثَمَانِيَة عشر ألفا وَولد فِي شعْبَان وَهُوَ ثامن شهور السّنة وَخلف ثَمَانِيَة ذُكُور وثمان إناث وَتُوفِّي وعمره ثَمَان وَأَرْبَعُونَ سنة وَعَن أَحْمد بن بِي دؤاد قل كَانَ المعتصم يخرج ساعده إليّ فَيَقُول يَا أَبَا عبد الله عض ساعدي بأكبر قوتك فَأَقُول لَا تطيب نَفسِي فَيَقُول إِنَّه لَا يضرني فأروم ذَلِك فَإِذا هُوَ لَا تعْمل فِيهِ الأسنة فضلا عَن الْأَسْنَان وَانْصَرف يَوْمًا من دَار الْمَأْمُون إِلَى دَاره وَكَانَ شَارِع لميدان منتظماً بالخيام فِيهَا الْجند فَإِذا امْرَأَة تبْكي وَتقول ابْني ابْني وَإِذا بعض الْجند أَخذ ابْنهَا فَدَعَاهُ المعتصم وَأمره برد ابْنهَا عَلَيْهَا فَأبى فاستدناه فَدَنَا مِنْهُ فَقبض الْجند عَلَيْهِ بِيَدِهِ فَسمِعت أصوات عِظَامه ثمَّ أطلقهُ فَسقط مَيتا وَأمر بِإِخْرَاج الصَّبِي إِلَى أمه وَنقل أَنه حَال محاصرته لعمورية أصبح ذَلِك الْيَوْم برد عَظِيم وثلج فَلم يقدر أحد أَن يخرج يَده وَلَا أَن يمسك قوسه فأوتر المعتصم فِي ذَلِك الْيَوْم فَوق أَرْبَعَة آلَاف قَوس أخبر إِبْرَاهِيم بن عبد السَّلَام عَن الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك قَالَ دخلت أَنا وَمُحَمّد بن عَمْرو الرُّومِي دَار المعتصم فَخرج علينا كالحا فَدخل إيتاخ مَمْلُوك فَقَالَ الملهون
стр. 1512
على الْبَاب مُخَارق وعلويه وَفُلَان وَفُلَان فَقَالَ اغرب عَلَيْك وَعَلَيْهِم لعنة الله قَالَ فتبسمت إِلَى مُحَمَّد وَتَبَسم إِلَيّ فَقَالَ المعتصم مِم تبسمت فَقلت خطر ببالي شَيْء قَالَ هاته فَأَنْشَدته من // (مجزوء الْخَفِيف) //
(إِنْفِ عنْ قَلْبِكَ الحَزَنْ ... بِدُنُوِّ مِنَ السَّكَنْ)
(وَتَمَتَّعْ بِكَرِّ طَرْفِكَ ... فِي وَجْهِهِ الحَسَنْ)
فَدَعَا لي بِأَلف دِينَار ولمحمد بِأَلف فَقلت الشّعْر لي فَمَا معنى ألف مُحَمَّد قَالَ لِأَنَّهُ جَاءَ مَعَك وَأمر المهلين بِالدُّخُولِ فَدَخَلُوا فَمَا زَالَ يَوْمه ذَاك ينشد ذَلِك الشّعْر ويردده انْتهى قَالَ أَبُو العيناء أَنْشدني المعتصم عقب ذكر جرى لبغداد من // (المتقارب) //
(سَقاَنِي بَِعَيْنَيْهِ كَأْسَ الهوَى ... فَظَلْتُ وَبِي مِنْهُ مِتْلَ اللِّمَمْ)
(بِعَيْنَىْ مَهَاةٍ شَقِيقِيَّةٍ ... وَأَشْنَبَ عَذْبٍ وَفَرْعٍ أَجَمّ)
قَالَ أَبُو العيناء فتوهمت أَنه يَعْنِي سر من رأى ويكنى عَنْهَا بذلك فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ مَرْوَان فِي جدك من // (الرجز) //)
قُرَيْش الْأَبْلَجُ ذُو البَهَاءِ ... )
(غَيْثُ العُفَاةِ غُرَرُ الأَنْوَاءِ ... )
(هُمُ زِمامُ الدَّوْلَةِ الزَّهْرَاءِ ... )
قَالَ قل يَا أَبَا عبد الله فِي مدح بني هَاشم لَك أَو لغيرك فقد أصبت مقَالا فأنشدت لمروان بن أبي حَفْصَة من // (المتقارب) //
(إِلَى ملِكٍ مِثْلِ بَدْرِ الدُّجَى ... عَطِيمِ الفِنَاءِ رَفِيعِ الدِّعَمْ)
(قَرِيعِ نِزَارٍ غدَاةَ الْفَخَارِ ... وَلوْ شِئْت قُلْتَ جَمِيع الْأَمَمْ)
(لَهُ كَفُّ جُودٍ تُقِيدُ الغِنَي ... وَكفٌّ تُبِيدُ بِسَيْفِ النِّقَمْ)
فَقَالَ زِدْنِي فَأَنْشَدته // (من الرجز) //
(يَا قُطُبَ الرَّحْرَاحَةِ الملْحاءِ ... )
(ومنْزلَ البَدْرِ مِن السَّماءِ ... )
(وَالْمُجْتَدَى فِي السَّنَةِ الْعَجْفَاءِ ... )
فَقَالَ حَسبك ثمَّ الْتفت إِلَى جَارِيَة بَين يَدَيْهِ فَقَالَ عشر بدر ووصيفة وَفرس
стр. 1513
ومملوك وَخَمْسُونَ ثوبا من السَّاعَة فجيء بِهَذَا كُله فَأَخَذته وانصرفت فَقَالَ النَّاس يَا أَبَا العيناء مَا هَذَا قلت مَال الله على يَد عبد الله لله الْحَمد ولأمير الْمُؤمنِينَ الشُّكْر مَا دَامَت السَّمَاء وَمَا حملت مثقلة إِلَى السَّمَاء وَعَن ابْن أبي دؤاد قَالَ أرسل المعتصم إِلَى مَمْلُوك لَهُ تركي مقدم العساكر كَانَ يتَعَلَّق على الْآدَاب فَطلب مِنْهُ كلب صيد فَوجه بِهِ إِلَيْهِ ثمَّ رده المعتصم بعد رُجُوعه من الصَّيْد وَهُوَ يعرج فَكتب أشناس إِلَى المعتصم بقوله
(الْكَلْب أخذت جيد ... مكسور رجل جبت)
(رد جيد كَمَا كنت كلب أخذت ... )
فَكتب إِلَيْهِ المعتصم من جنس شعر
(الْكَلْب كَانَ يعرج يَوْم الَّذِي بعثت ... لَو كَانَ جا مجبر)
(جبر رجل كلب أَنْت ... )
فَللَّه مَا أحلم المعتصم وألطف طبعه قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ كَانَ المعتصم من أهيب الْخُلَفَاء وأعظمهم لَوْلَا مَا شان سؤدده بامتحان الْعلمَاء بِخلق الْقُرْآن فنسأل الله السَّلامَة وَهُوَ أول من أَدخل الأتراك الدِّيوَان وَقَالَ عَليّ بن المنجم استتمت عدَّة غلْمَان المعتصم الأتراك بضعَة عشر ألفَاً وعلق لَهُ خَمْسُونَ ألف مخلاة وَذَلِكَ لِلْعَدو بالنواحي وَكَانَ يتشبه بملوك الْأَعَاجِم سمتا ومشية هجاه دعبل الخزعي بقوله // (من الطَّوِيل) //
(مُلُوكُ بَنِي العَبَّاسِ فِي الكُتْبِ سبْعَةٌ ... وَلَمْ تَأْتِنَا فِي ثامِنٍ لهُمُ الكُتْبُ)
(كَذَلِكَ أَهْلُ الكَهْفَ فِي الكهفِ سَبْعَةٌ ... غَدَاةَ ثَوَوْا فِيهِ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُ)
(وَإِنّي لَأُعْلِي كَلْبَهُمْ عَنْكَ رَغْبَةً ... لِأَنَّكَ ذُو ذَنْبٍ وَلَيْسَ لَهُ ذَنْبُ)
стр. 1514
)
لَقَدْ ضَاعَ أأمْرُ الناسِ حِينَ يسوسُهُمْ ... وَصبفٌ وَأَشْناسٌ وَقَدْ عظُمَ الخطْبُ)
)
وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تُرَى مِنْ مَغِيبِها ... مَطالِعُ شَمْسِ قَدْ يَغَصُّ بِهَاالشَّرْبُ)
)
وَهَمُّك تُرْكِيُّ عَلَيْهِ مَهَابَةٌ ... فَأَنْتَ لَهُ أُمُّ وَأَنْتَ لَهُ أَبُّ)
فتطلبه المعتصم فخاف وهرب حَتَّى قدم مصر ثمَّ خرج إِلَى الْمغرب أخرج الصولي عَن الْفضل اليزيدي قَالَ وَجه المعتصم إِلَى الشُّعَرَاء بِبَابِهِ من كَانَ مِنْكُم يحسن أَن يَقُول فِينَا قَالَ مَنْصُور النميري فِي الرشيد // (من الْبَسِيط) //)
إنَّ المَكارِمَ وَالمعْرُوفَ أَوْدِيةٌ ... أَحَلَّكَ الله مِنْها حيْثُ تَجْتَمِعُ)
)
مَنْ لمْ يَكُنْ بِأَمِيرِ اللَّهِ مُعْتَصِمًا ... فَليْسَ بِالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ يَنْتَفِعُ)
)
إِن أخْلِفَ القَطْرُ لَمْ تُخْلَفْ فَوَاضِلُهُ ... أَوْ ضَاقَ أَمْرٌ ذَكَرْنَاهُ فيَتَّسِعُ)
فَقَالَ أَبُو وهب فِينَا من يَقُول خيرا مِنْهُ فِيك // (من الْبَسِيط) //)
ثَلَاثَةٌ تُشْرِقُ الدُّنْيَا ببَهْجَتِهَا ... شَمْسُ الُّحى وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْقَمَرُ)
)
يَحْكِى أَفَاعِيلَهُ فِي كُلَّ نَائِبَةٍ ... أَللَّيْثُ والغَيْثُ وَالصّمْصَامَةُ الذَّكَرُ)
فأسنى جائزته وروى الصولي عَن أَحْمد بن الخصيب قَالَ قَالَ لي المعتصم إِن بني أُميَّة ملكوا وَمَا لأحد منا ملك وملكنا نَحن وَلَهُم بالأندلس هَذَا الْأمَوِي فَقدر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ لمحاربته وَشرع فِي ذَلِك فاشتدت علته وَمَات وي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بنى المعتصم سر من رأى لِكَثْرَة عسكره وضيق بَغْدَاد عَلَيْهِ وانتقل إِلَيْهَا وسكنها بعسكره وَسميت الْعَسْكَر وَفِي سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ احْتجم المعتصم فَحم فَمَاتَ قَالَ عَليّ بن الْجَعْد لما احْتضرَ جعل يَقُول أؤخذ من بَين هَذَا الْخلق ذهبت الْحِيلَة فَلَيْسَ حلية حَتَّى صمت وَمن كَلَامه إِذا اشتعلت الْأَلْبَاب بالآداب والعقول بالتعليم انْتَبَهت النُّفُوس على مَحْمُود أمرهَا وأبرز التحريك حقائقها وَكَانَ يَقُول عَاقل مرَّتَيْنِ أَحمَق
стр. 1515
وَتُوفِّي يَوْم الْخَمِيس لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من ربيع الأول سنة ثَمَان وَعشْرين وعمره ثَمَان وأرِبعون سنة وَثَمَانِية أَيَّام وَمن أحسن مَا سمع مِنْهُ قَوْله إِن صَحَّ عَنهُ اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنِّي أخافك من قِبَلي وَلَا أخافك من قبلك وأرجوك من قبلك وَلَا أرجوك من قبلي رَحمَه الله تَعَالَى وَلما مَاتَ المعتصم رثاه وزيره مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات جَامعا بَين لعزاء والهناء فَقَالَ // (من المنسرح) //
(قَدْ قُلْتُ إِذَ غَيَّبُوكَ واصْطَفَقَتْ ... عَلَيْكَ أَيْدٍ بِالتُّرْبِ وَالطِّينِ)
(إِذْهَبْ فَنِعْمَ الحْفِيظُ كُنْتَ عَلَى الدُّنْيَا وَنِعْمَ الظَّهِرُ للِدِّينِ)
(مَا يَجْبُرُ اللَّهُ أَمَّةً فَقَدَتْ ... مِثْلَكَ إِلَاّ بِمِثْلِ هَارُونِ)
(خلَافَة الواثق بِاللَّه)
هَارُون بن أبي إِسْحَاق مُحَمَّد المعتصم بن الرشيد بن الْمهْدي بن الْمَنْصُور بُويِعَ بالخلافة ب سر من رأى بِمَوْت أَبِيه المعتصم فاستقر الْأَمر لَهُ بِبَغْدَاد وَغَيرهَا ولد لعشرِ بَقينَ من الْمحرم سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة وَفِي المسامرة بُويِعَ فِي تَاسِع ربيع الأول يَوْم الْخَمِيس لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من ربيع الأول سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ أمه أم ولد اسْمهَا قَرَاطِيس كَانَ أَبيض حسن الخيم فِي عينه الْيُمْنَى نُكْتَة بَيَاض وَلم ولي قتل أَحْمد بن نصر الْخُزَاعِيّ على القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَنصب رَأسه الشرق فدار إِلَى الْقبْلَة فَأقْعدَ رجلا مَعَه رمح أَو قَصَبَة وَأمره أَن يرد الرَّأْس كلما دَار إِلَى الْقبْلَة إِلَى الشرق ورؤى فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ غفر لي ورحمني إِلَّا أَنِّي كنت
стр. 1516
مهموما رَأَيْت النَّبِي
مرَّتَيْنِ معرضًا عني بِوَجْهِهِ فغمني ذَلِك ثمَّ رَأَيْته مرّة ثْالثه فَقلت يَا رَسُول اللِّه ألستُ على الْحق فَلم تعرض عني قَالَ بلَى وَلَكِنِّي أَعرَضت عَنْك حَيَاء إِذْ قَتلك رجل من أهل بَيْتِي وروى البغداي أَن طَاهِر بن خلف قَالَ سَمِعت مُحَمَّدًا الملقب بالمهتدي بن الواثق يَقُول كنت عِنْد أبي الواثق إِذْ أَتَى بِرَجُل مَحْصُور مُقَيّد فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَا سلم الله عَلَيْك فَقَالَ بئْسَمَا أدبك بِهِ من أدبك قَالَ تَعَالَى ﴿وَإذَا حُيّيتمُ بِتَحِيَّة فَحَيّوا بأحسَنَ منهَا أَو رُدُّوهَا﴾ النِّسَاء ٨٦ وَالله مَا حييتني بِأَحْسَن مِنْهَا وَلَا رَددتهَا فَقَالَ لَهُ أبي وَعَلَيْك السَّلَام فَقَالَ ابْن أبي دؤاد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الرجل مُتَكَلم فَقَالَ كَلمه وسله فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا مَحْبُوس مُقَيّد أُصَلِّي فِي الْحَبْس بِتَيَمُّم منعت المَاء فَمر بقيودي تحل وَمر لي بِمَاء أتطهر بِهِ فأصلي ثمَّ سل فَأمر لَهُ بِمَاء فَتَوَضَّأ وَصلى ثمَّ قَالَ لِابْنِ أبي دؤاد سَله فَقَالَ الشَّيْخ الْمَسْأَلَة لي فمره أَن يجيبني فَقَالَ سل فَأقبل الشَّيْخ على ابْن أبي دؤاد فَقَالَ أَخْبرنِي عَن هَذَا الْأَمر الَّذِي تَدْعُو النَّاس إِلَيْهِ أَشَيْء دَعَا إِلَيْهِ رَسُول الله
قَالَ لَا قَالَ فشيء دَعَا إِلَيْهِ أَبُو بكر بعده قَالَ لَا قَالَ فشيء دَعَا إِلَيْهِ عمر بن الْخطاب قَالَ لَا قَالَ فشيء دَعَا إِلَيْهِ عُثْمَان بن عَفَّان قَالَ لَا قَالَ الشَّيْخ فشيء دَعَا إِلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب قَالَ لَا قَالَ الشَّيْخ فشيء لم يدع إِلَيْهِ رَسُول الله
وَلَا أَبُو بكر وَلَا عمر وَلَا عُثْمَان وَلَا عَليّ تَدْعُو إِلَيْهِ أَنْت أَيهَا الْإِنْسَان لَيْسَ يَخْلُو أَن تَقول علموه أَو جهلوه فَإِن قلت علموه وسكتوا عَنهُ وسعنا وَإِيَّاك من السُّكُوت مَا وسع الْقَوْم وَإِن قلت جهلوه وعلمته أَنْت فيا لكع ابْن لكع يجهل النَّبِي
وَالْخُلَفَاء الراشدون شَيْئا وتعلمه أَنْت وَأَصْحَابك قَالَ الْمُهْتَدي بن الواثق فَرَأَيْت أبي وثب قَائِما وَدخل الْخلْوَة وَجعل ثَوْبه فِي فِيهِ يضْحك ثمَّ جعل يَقُول صدق لَيْسَ يَخْلُو من أَن يَقُول علموه أَو جهلوه فَإِن قَالَ علموه وسكتوا وسعنا مَا وسع الْقَوْم جزما قَالَ الْمُهْتَدي ثمَّ دَعَا أبي عماراً الْحَاجِب وَأمره أَن يُعْطي الشَّيْخ أَرْبَعمِائَة دِينَار وَيَأْذَن لَهُ فِي الرُّجُوع إِلَى وَطنه وَأَهله وَسقط من عينه ابْن أبي دؤاد وَلم يمْتَحن بعد ذَلِك أحدا
стр. 1517
وَالشَّيْخ الْمَذْكُور هُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن مُحَمَّد الْأَزْدِيّ شيخ أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي حليته قَالَ الْمُهْتَدي مَا قطع أبي يَعْنِي الواثق إِلَّا شَيخٌ جِيءَ بِهِ من المصنعة فَمَكثَ فِي الْحَبْس مُدَّة ثمَّ ذكر الْقِصَّة بِقرب مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَأخرج الصولي قَالَ غنى فِي مجْلِس الواثق بِشعر الأخطل // (من الْبَسِيط) //
(وَشَادِنٍ فَرِحٍ بِالْكَأْسِ نَادَمنَي ... لَا بِالحُصورِ ولَا فِيهَا بِسوَّارِ)
فَقيل سوار وسآر فَوجه إِلَى ابْن الْأَعرَابِي فسَأله عَن ذَلِك فَقَالَ سوار وثاب يَقُول وَلَا يثب على ندمائه وسآر يفضل فِي الكأس سؤراً وَقد رويا جميعَاً فَأمر الواثق لَهُ بِعشْرين ألف دِرْهَم وَفِي الذهبيي قيل رأى الواثق مناماً كَأَنَّهُ سَأَلَ الله الْجنَّة وَأَن قَائِلا يَقُول لَا يهْلك على الله إِلَّا مَن قلبه مَرتٌ فَأصْبح فَسَأَلَ الجلساء عَن ذَلِك فَلم يعرفوا مَعْنَاهُ فَوجه إِلَى أبي محلم فَسَأَلَهُ عَن الرُّؤْيَا والمرت فَقَالَ أَبُو محلم المَرت القفر الَّذِي لَا ينْبت شَيْئا فَالْمَعْنى لَا يهْلك على لله إِلَّا من قلبه خَال من الْإِيمَان خلو المرت من النَّبَات فَقَالَ لَهُ الواثق أُرِيد شَاهدا على هَذَا فَقَالَ قَالَ شَاعِر بني أَسد // (من الْبَسِيط) //
(وَمَرْتٍ مَرَورَاتٍ يَحَارُ بِهَا الْقَطَا ... وَيُصْبحُ ذُو عِلْمٍ بِهَا وَهْوَ جَاهِلُ)
فَأمر لَهُ الواثق بِمِائَة ألف دِينَار وَفِي ابْن خلكان فِي تَرْجَمَة أبي عُثْمَان بكر الْمَازِني الْبَصْرِيّ النَّحْوِيّ شيخ الْمبرد رَوَاهَا عَن شَيْخه أبي عُثْمَان أَن رجلا من أهل الذِّمَّة قَصده لقرأ عَلَيْهِ كتاب سِيبَوَيْهٍ ويزن لَهُ مائَة دِينَار فَامْتنعَ أَبُو عُثْمَان من ذَلِك فَقَالَ لَهُ الْمبرد تِلْمِيذه جعلت لَك الْفِدَاء أترد الْمَنْفَعَة مَعَ فاقتك فَقَالَ إِن هَذَا الْكتاب يشْتَمل على أَكثر من ثَلَاثمِائَة آيَة من كتاب الله تَعَالَى وَلست أرى أَن أمكن مِنْهُ ذِمِّيا غيرَة على كتاب الله وحمية لَهُ قَالَ فاتفق أَن جَارِيَة غنت بِحَضْرَة الواثق بقول العرجي // (من الْكَامِل) //)
أَظَلُومُ إِنَّ مُصَابِكُمْ رَجُلاً ... أَهْدَى السَّلَامَ تَحِيَّةً ظُلْمُ)
فَاخْتلف من بِحَضْرَتِهِ فِي إِعْرَاب رجل مِنْهُم من نَصبه على أَنه اسْم إِن وَمِنْهُم
стр. 1518
من رَفعه على أَنه خَبَرهَا وَالْجَارِيَة مصرة على لِأَن شيخها أَبَا عُثْمَان الْمَازِني لقنها إِيَّاه بِالنّصب فَأمر الواثق بإشخاصه قَالَ أَبُو عُثْمَان فَلَمَّا مثلتُ بَين يَدَيْهِ قَالَ لي مِمَّن الرجل قلت من مَازِن قَالَ أَي الموازن أمازن تَمِيم أم مَازِن قيس أم مَازِن ربيعَة قلت من مَازِن ربيعَة فكلمني بِكَلَام قومِي فَقَالَ لي بَاسمُكَ لأَنهم يبدلون الْبَاء من الْمِيم وَالْمِيم مِنْهَا فَكرِهت أَن أواجهه بالمكر فَقلت بكر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَفطن لما قصدته وأعجب بِهِ ثمَّ قَالَ مَا تَقول فِي الْبَيْت وأنشده أترفعه أم تنصبه قلت بل الْوَجْه النصب يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ قَالَ وَلم قلت لِأَن مصاب مصدر ميمي بِمَعْنى الْإِصَابَة ورجلا مَنْصُوب بِهِ وَالْمعْنَى إِن إصابتكم رجلا أهْدى السَّلَام تَحِيَّة ظلم فظلم هُوَ الْخَبَر ل إِن وَلَا يتم الْكَلَام إِلَّا بِهِ فَاسْتَحْسَنَهُ الواثق وأعجب بِهِ ثمَّ قَالَ هَل لَك من ولد قلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بنية قَالَ مَا قَالَت لَك عِنْد مسيرك قَالَ قلت أنشدت وَهِي تبْكي قَول الْأَعْشَى // (من المتقارب) //
(أَيَا أَبَتَا لَا ترِمْ عندَنَا فَإِنَّا بِخَيْرٍ إِذَا لمْ ترِمْ)
(أُرَانا إِذا أَضْمَرَتْكَ البِلَادُ ... نُجْفَى وَتُقْطعُ مِنَّا الرَّحِمْ)
قَالَ الواثق فَمَا قلت لَهَا قلت قَول جرير من // (الوافر) //
(ثِقِي بِاللَّهِ ليْسَ لَهُ شرِيكٌ ... وَمِنْ عِنْدِ الخلِيفَةِ بِالنَّجَاحِ)
فَقَالَ عَليّ النجاح إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ أَمر لي بِأَلف دِينَار ولحف وهدايا كَثِيرَة ووهب لي الْجَارِيَة جملَة أُخْرَى وردني مكْرها قَالَ الْمبرد فَلَمَّا عَاد جِئْت لأهنئه بالقدوم فَقَالَ لي كَيفَ رَأَيْت يَا أَبَا الْعَبَّاس تركنَا لله مائَة فعوضنا ألفا فَقلت من ترك شَيْئا لله عوضه الله خيرا مِنْهُ كَانَ الواثق مؤثراً لِكَثْرَة الْجِمَاع فَقَالَ لطبيب اصْنَع لي دَوَاء للباءة فَقَالَ الطَّبِيب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تهدم بدنك بِالْجِمَاعِ وَاتَّقِ الله فِي نَفسك فَقَالَ لَا بُد من ذَلِك فَأمر الطَّبِيب أَن يُؤْخَذ لحم سبع فيغلى عَلَيْهِ سبع غليات على جمر وتتناول مِنْهُ إِذا شربت وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم وَلَا تتجاوز هَذَا الْقدر فَأمر بِذبح سبع
стр. 1519
فبذبح وطبخ لَحْمه وَصَارَ يتنقل بِهِ على شرابه فَلم يكن إِلَّا قَلِيل حَتَّى استسقى فأجمع الْأَطِبَّاء على أَن لَا دَوَاء لَهُ إِلَّا أَن ينزل بَطْنه ثمَّ يتْرك فِي التَّنور قد سجر بحطب الزَّيْتُون حَتَّى يصير جمراً ثمَّ يجلس فِيهِ فَفعل بِهِ ذَلِك وَمنع المَاء ثَلَاث سَاعَات فَجعل يستغيث وَيطْلب المَاء فَلَا يسقونه فَصَارَ فِي جسده نفاطات مثل الْبِطِّيخ ثمَّ أَخْرجُوهُ فَجعل بقول ردوني لى التَّنور وَإِلَّا مت فَردُّوهُ فسكن صياحه ثمَّ انفجرت تِلْكَ النفاطات وقطر مِنْهَا مَاء فَأخْرج من التَّنور وَقد اسود جَسَد فَمَاتَ بعد سَاعَة وَلما احْتضرَ جعل يَقُول
(أَلْمَوْتُ فِيهِ جَمِيعُ النَّاسِ تَشْترِكُ ... لَا سُوقَةٌ مِنْهُمُ يَبْقَى وَلَا ملِكُ)
(مَا ضَرَّ أَهْلَ قَلِيلٍ فِي تفَاقُرِهِمْ ... وَلَيْسَ يُغْنِي عنِ الْأَمْلَاكِ مَا ملَكُوا)
ثمَّ أَمر بالبسط فطويت وألصق خُذْهُ فِي الأَرْض وَجعل يَقُول يَا من لَا يَزُول ملكه ارْحَمْ من زَالَ ملكه قَالَ الذَّهَبِيّ روى عَن أَحْمد بن مُحَمَّد الواثقي أَمِير الْبَصْرَة عَن أَبِيه قَالَ كنت أَدخل فِي مرض الواثق عَلَيْهِ إِذْ لحقته غشية فَمَا شككنا أَنه مَاتَ فَقَالَ بَعْضنَا لبَعض تقدمُوا فَمَا جسر أحد فتقدمت أَنا فَلَمَّا صرت عِنْد رَأسه وَأَرَدْت أَن أَضَع يَدي على أَنفه لحقته إفاقة فَفتح عَيْنَيْهِ فكدت أَمُوت فَزعًا أَن يراني قد مشيت إِلَى غير رتبتي فَرَجَعت إِلَى خلف فتعلقت قبيعة سَيفي بالعتبة فَعَثَرَتْ على سَيفي فاندلق فكاد أَن يدْخل فِي لحمي فَسلمت وَخرجت واستدعيت بِسيف وَجئْت فوقفت سَاعَة فَتلفت الواثق تلفاً لم يشك فِيهِ فشددت لحييْهِ وغمضته وسجيته وَجَاء الفراشون فَأخذُوا مَا تَحْتَهُ ليردوه إِلَى الخزائن لِأَنَّهُ مكتتب عَلَيْهِم وَترك وَحده فِي الْبَيْت فَقَالَ لي أَحْمد بن أبي دؤاد القَاضِي إِنَّا نُرِيد أَن نتشاغل بِأَمْر الْبَيْت وَأحب أَن تحفظ إِلَى أَن يدْفن فَأَنت من أخصهم بِهِ فِي حياتيه فَرددت بَاب الْمجْلس وَجَلَست عِنْد الْبَاب فأحسست بعد سَاعَة بحركة فِي الْمجْلس أفزعتني فَدخلت فَإِذا بجرذون قد جَاءَ فاستل عينه فَقلت لَا إِلَه إِلَّا الله هَذِه الْعين الَّتِي فتحهَا من سَاعَة فاندلق سَيفي هَيْبَة لَهَا كَذَا فِي الذَّهَبِيّ والجرذون أكبر من اليربوع قَالَ يحيى بن أَكْثَم مَا أحسن أحد إِلَى آل أبي طَالب مَا أحسن إِلَيْهِم الواثق
стр. 1520
مَا مَاتَ وَمِنْهُم فَقير وَكَانَ عَالما شاعرَاً حاذقَاً أَكثر بني الْعَبَّاس رِوَايَة للشعر بليغَاً كَانَ يُقَاس بِعَبْد الله بن المعتز قَالَ حمدون بن إِسْمَاعِيل كَانَ الواثق يحب خَادِمًا لَهُ أهْدى إِلَيْهِ من مصر فأغضبه الواثق ثمَّ إِنَّه سَمعه يَقُول لبَعض الخدم عَن الواثق وَالله إِنَّه ليروم أَن ُأكَلِّمهُ من يَوْمَيْنِ فَلم أفعل فَقَالَ الواثق من // (الْبَسِيط) //
(يَا ذَا الَّذِي بِعَذَابِي ظلَّ مُفْتَخِرَا ... مَا أَنْتَ إِلَاّ مَلِيكٌ جارَ إِذْ قَدَرَا)
(لَوْلَا الْهَوَى لتَجَارَيْنَا عَلَى قَدرٍ ... وَإِنْ أُفِق مِنْهُ يوْمًا مَا فَسَوْفَ تَرَى)
وَمن شعر الواثق قَوْله // (من السَّرِيع) //
(حَيَّاكَ بِالنَّرْجِسِ وَالْوَرْدِ ... مُعْتَدِل الْقَامَةِ وَالْقَدِّ)
(فَأَلْهَبَتْ عَيْناهُ نَارَ الجوَى ... وَزَادَ فِي اللَّوْعَةِ وَالْوَجْدِ)
(أَمَّلْتُ بِالمُلْكِ وِصَالاً لَهُ ... فصَارَ مُلْكِي سَبَبَ الْبُعْدِ)
(مَوْلًى ويشْكُو الظُّلْم مِنْ عبْدَهَ ... فأَنْصِفُوا الموْلَى مِن الْعبْدِ)
قَالَ الصولي أَجمعُوا على أَن لَيْسَ لأحد من الْخُلَفَاء مثل هَذِه الأبيات فِي اللَّطِيف والرقة مَاتَ ب سر من رأى يَوْم الْأَرْبَعَاء لست بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَت خِلَافَته خمس سِنِين وَسِتَّة أشهر وعمره سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة وَأحد عشر شهرا وَأَرْبَعَة أَيَّام
(خلَافَة المتَوَكل)
جَعْفَر أَبُو الْفضل بن المعتصم بن الرشيد بن الْمهْدي بن الْمَنْصُور بُويِعَ فِي ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ بعد الواثق وَكَانَ أسمر اللَّوْن مليح الْعَينَيْنِ نحيف الْجِسْم خَفِيف العارضين إِلَى الْقصر أقرب أمه أم ولد تركية
стр. 1521
اسْمهَا شُجَاع اسْتخْلف فأظهر السّنة وَتكلم بهَا فِي مَجْلِسه وَكتب إِلَى الْآفَاق بِرَفْع المحنة بالْقَوْل بِخلق الْقُرْآن وَأظْهر السّنة وَنصر أَهلهَا وَقدم إِلَى دمشق فِي صفر سنة أَربع وَأَرْبَعين وَأَعْجَبهُ فعزم على الْمقَام بهَا وَنقل دواوين الْملك إِلَيْهَا وَأمر بِالْبِنَاءِ بهَا وَبنى قصراً كَبِيرا ب داريه من جِهَة المزة ثمَّ رَجَعَ إِلَى سر من رأى دَار ملكه قيل إِن سَبَب ميله إِلَى دمشق أَن إِسْرَائِيل بن زَكَرِيَّا الطَّبِيب نعت لَهُ دمشق وَأَنَّهَا مُوَافقَة لمزاجه ومذهبة عَنهُ الْعِلَل الَّتِي تعرض لَهُ فِي الصَّيف بالعراق كَانَ المتَوَكل شجاعاً كَرِيمًا مَا أعْطى خَليفَة شَاعِرًا مَا أعطَاهُ المتَوَكل وَمن أَفعاله الشنيعة أَنه هدم قبر الْحُسَيْن بن عَليّ فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَهدم جَمِيع مَا حوله من الدّور وَجعل مَكَانهَا مزارع وَمنع من زيارته فتألم النَّاس لذَلِك وَكتب أهل بَغْدَاد شَتمه على الْحِيطَان والمساجد وهجاه بِعْ الشُّعَرَاء بقوله من // (الْكَامِل) //
(تاللَّهِ أِنْ كَانَتْ أُميَّةُ قَدْ أَتَتْ ... قَتْل ابنِ بِنْتِ نبِيها مَظْلُومَا)
(فَلَقَدْ أَتَاهُ بَنُو أَبِيهِ بِمِثِلْهِ ... هَذَا لَعَمرِي قَبْرُهُ مَهْدُومَا)
(أَسِفُوا عَلَى أَلَاّ يَكُونُوا شَارَكُوا ... فِي قَتْلِهِ فَتَتَبَّعُوهُ رَمِيمَا)
وَهَذَا الْفِعْل السيء محا جَمِيع محاسنه وَصَارَ مَا عذب من إحسانه مغلبا بأجاجه وآسنه وعدت هَذِه الزلة أقبح فبيحة وَهَذِه الْخلَّة الشنيعة أفضح من كل فضيحة وَذكر ابْن خلكان فِي تَرْجَمَة المتَوَكل عَن المتَوَكل نَفسه قَالَ ركبت إِلَى دَار الواثق أخي فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ لأعوده فَجَلَست فِي الدهليز لأنتظر الْإِذْن فَبَيْنَمَا أَنا جَالس إِذْ سَمِعت النِّيَاحَة عَلَيْهِ وَإِذا إيتاخ وَمُحَمّد بن عبد الْملك الزيات يأتمران فِي أَمْرِي فَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الْملك نقْتل فِي التَّنور وَقَالَ إيتاخ بل ندعه فِي المَاء الْبَارِد حَتَّى يَمُوت وَلَا يرى عَلَيْهِ أثر الْقَتْل فينما هما على ذَلِك إِذْ جَاءَ أَحْمد بن أبي دؤاد القَاضِي دخل وحدثهما كلَاما لَا أفهمهُ لما داخلني من الْخَوْف وشغل الْقلب فِي إِعْمَال حِيلَة فِي الْهَرَب فينما أَنا كَذَلِك وَإِذا بالغلمان
стр. 1522
يتغادون وَيَقُولُونَ انهض يَا مَوْلَانَا فَلم أَشك أَنِّي دَاخل لأبايع لولد الواثق ثمَّ ينفذ فِي مَا قررا فَلَمَّا دخلت بايعوني فَسَأَلت عَن الْحَال فأعلمت أَن ابْن أبي دؤاد كَانَ سَبَب ذَلِك ثمَّ إِن المتَوَكل قتل إيتاخ بِالْمَاءِ الْبَارِد وَابْن الزيات بالتنور على مَا أَشَارَ إِلَيّ فِي حَقه وَهَذَا من أعجب الِاتِّفَاق فَإِن ابْن الزيات هُوَ الَّذِي صنع التَّنور وَكَانَ يعذب بِهِ النَّاس فَعَذَّبَهُ الله بِهِ جَزَاء وفَاقا وَهُوَ من حَدِيد دَاخله مسامير وَكَانَ يسجر عَلَيْهِ بحطب الزَّيْتُون حَتَّى يصير كالجمر ثمَّ يدْخل فِيهِ الْإِنْسَان نسْأَل الله الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَكَانَ ابْن الزيات إِذا اسْتَغَاثَ بِهِ أحد من الرّعية فَقَالَ ارْحَمْنِي يَقُول الرَّحْمَة خور فِي الْقلب فَلَمَّا ألْقى هُوَ فِي التَّنور قَالَ للمتوكل ارْحَمْنِي فَقَالَ لَهُ الرَّحْمَة خور فِي الْقلب أَو فِي الطبيعة وَكَانَ قد حَبسه قبل أَن يدْخلهُ التَّنور أَيَّامًا فَكتب إِلَيْهِ فِي الْحَبْس بقوله من // (الْبَسِيط) //
(هِيَ اليَّبِيلُ فمِنْ يَوْمٍ إِلى يوْمِ ... كَأَنَّهُ مَا تُرِيكَ العَيْن فِي النَّومِ)
(لَا تَعْجَلَنَّ رُوَيْدًا إِنّهَا دُوَلٌ ... دُنْيا تَنقَّلُ مِنْ قَوْمٍ إِلَى قوْمِ)
وَوَقعت فِي أَيَّامه عجائب مِنْهَا أَن النُّجُوم ماجت فِي السَّمَاء وتناثرت كَأَنَّهَا الْجَرَاد فرميت قَرْيَة السويداء بِنَاحِيَة مُضر أَحْجَار من السَّمَاء وُزن حجر مِنْهَا فَكَانَ عشرَة أَرْطَال ومار جبل بِالْيمن عَليّ مزارع ومرن إِلَى جبل آخر بَينهمَا نَحْو أَرْبَعَة أَيَّام وَوَقع طَائِر أَبيض دون الرخمة فصاح يَا معشر النَّاس اتَّقوا الله أَرْبَعِينَ مرّة وَجَاء من الْغَد فَفعل كَذَلِك فَكَتَبُوا خبر ذَلِك على الْبَرِيد إِلَى بَغْدَاد وَكَتَبُوا فِيهِ شَهَادَة خَمْسمِائَة رجل سمعُوا ذَلِك بآذانهم وَكَانَ هَذَا فِي شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وحصلت زلازل وَغَارَتْ عُيُون مَكَّة فَأرْسل المتَوَكل مائَة ألف دِينَار ذَهَبا لإجراء عين عَرَفَات فصرفت فِيهَا إِلَى أَن جرت كَذَا ذكره السُّيُوطِيّ قَالَ الْعَلامَة النَّجْم عمر بن فَهد فِي تَارِيخه إتحاف الورى بأخبار أم الْقرى فِي حوادث سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ غارت غين مشاش وَهِي عين مَكَّة فَبلغ ثمن الْقرْبَة درهمَاً فَبعث المتَوَكل مَالا ثَانِيًا فأنفق عَلَيْهَا حَتَّى جرت قَالَ ابْن
стр. 1523
الْأَثِير فِي تَارِيخه الْمُسَمّى ب الْكَامِل هَذِه الْعين من عمل زبيدة بنت جَعْفَر زَوْجَة الرشيد وَهِي عين بازان قَالَ الْعَلامَة القطبي عين مشاش هِيَ عين مَكَّة مَوْجُودَة الْآن وَهِي من جملَة الْعُيُون الَّتِي تصب فِي عين حنين وَهِي تقوى وتضعف أَحْيَانًا لقلَّة الأمطار وَكَثْرَتهَا ومحلها مَعْرُوف وَلما كثر التّرْك بِبَغْدَاد ودخلوا فِي الْملك واستولوا على المملكة وَصَارَ بيدهم الْحل وَالْعقد وَالْولَايَة والعزل إِلَى أَن حملم الطغيان على الفتك بالخليفة المتَوَكل لما أَرَادَ أَن يصادر مَمْلُوك أَبِيه وصيفَاً التركي لِكَثْرَة أَمْوَاله وخزائنه فتعصب لَهُ باغر التركي وانحرف الأتراك عَن المتَوَكل فَدخل باغر وَمَعَهُ عشرَة أتراك وَهُوَ فِي مجْلِس أنسه وَعِنْده وزيره الْفَتْح بن خاقَان بعد مُضِيّ هزيع من اللَّيْل فصاح الْفَتْح وَيْلكُمْ هَذَا سيدكم وَابْن سيدكم وهرب من كَانَ حوله من الغلمان والندمان على وُجُوههم فَبَقيَ الْفَتْح وَحده والمتوكل غَائِب سَكرَان فَضَربهُ باغر بِالسَّيْفِ على عَاتِقه فَقده إِلَى حقوه فَطرح الْفَتْح نَفسه عَلَيْهِ فضربهما باغر ضَرْبَة ثَانِيَة فماتا جَمِيعًا فلفهما مَعًا فِي بِسَاط وَمضى هُوَ وَمن مَعَه وَلم ينتطح فِي ذَلِك عنزان وَقيل إِن سَبَب ذَلِك أَن ابْنه الْمُنْتَصر بَاطِن عَلَيْهِ الأتراك حَتَّى قَتَلُوهُ وَذَلِكَ أَنه كَانَ بَايع بالعهد للمنتصر ثمَّ أَرَادَ أَن يعزله ويولي المعتز ابْنه لمحبته لأمه فَسَأَلَ المتَوَكل المتنصر أَن ينزل عَن الْعَهْد فَأبى فَكَانَ يحضرهُ مجْلِس الْعَامَّة ويحط من مَنْزِلَته ويتهدده ويشتمه وَقيل كَانَ هَذَا وَهَذَا سَببا لذَلِك قَالَ المَسْعُودِيّ وَلم يَصح عَن المتَوَكل النصب حَدثنَا الْمبرد قَالَ قَالَ المتَوَكل لأبي الْحسن على الْهَادِي بن مُحَمَّد الْجواد بن عَلِي الرضي بن مُوسَى الكاظم بن جَعْفَر الصَّادِق مَا يَقُول ولد أَبِيك فِي الْعَبَّاس قَالَ مَا يَقُولُونَ فِي رجل فرض الله طَاعَة نبيه على خلقه وَفرض طَاعَته على نبيه فأعجب بجوابه المتَوَكل إعجاباً قلت لَا يخفي على الفطن هَذِه التورية من هَذَا السَّيِّد الْجَلِيل وصدقها وسعى إِلَى المتَوَكل بِأبي الْحسن الْمَذْكُور بِأَن فِي منزل سِلَاحا وكتابا من الشِّيعَة وَأَنه يُرِيد التَوثّب على الْخلَافَة فَبعث إِلَيْهِ المتَوَكل جمَاعَة فَهَجَمُوا على منزله فوجدوه على الأَرْض مُسْتَقْبل الْقبْلَة يقْرَأ الْقُرْآن فَحَمَلُوهُ على حَال إِلَى المتَوَكل والمتوكل
стр. 1524
يشرب الْخمر فأعظمه وَأَجْلسهُ وَقَالَ اشرب فَقَالَ وَالله مَا خامر لحمي وَدمِي قطّ فأعفني فأعفاه ثمَّ قَالَ أَنْشدني فَأَنْشد // (من الْبَسِيط) //
(بَاتُوا عَلى قُللِ الْأَجْبَالِ تَحْرُسُهُمْ ... غُلْبُ الرِّجَالِ فَلَمْ تَنْفَعْهُمُ القُلَلُ)
(واسْتُنْزِلُوا بَعْدَ عِزِّ عَنْ مَعَاقِلِهِمْ ... وَأُودِعُوا حُفْرَةً يَا بِئْسَمَا نزلُوا)
(نَادَاهُمُ صَارخٌ مِنْ بَعْدِ مَا قُبِرُوا ... أيْنَ الْأَسِرََّةُ وَالتِّيجَانُ وَالحلل)
(فَأَفْصَحَ القَبْرُ عَنْهُمْ حِينَ سَاءَلَهُ ... تِلْكَ الوُجُوهُ عَلَيْهَا لدُّودُ يقْتَتِلُ)
(قَدْ طَالَمَا أَكَلُوا دَهْرًا وَما شَرِبُوا ... فَأَصْبَحُوا بَعْدَ ذَاكَ الْأَكْلِ قَدْ أُكِلُوا)
فَبكى جَعْفَر والحاضرون وَقَالَ يَا أَبَا الْحسن لقد لينت منا قلوباً قاسية أعليك دين قَالَ نعم أَرْبَعَة آلَاف فَأمر لَهُ بهَا ورده مكرماً وَمِمَّا يحْكى من كرمه أَنه دخل عَلَيْهِ ابْن الجهم وَقيل النميري فأنشده قصيدة يَقُول فِيهَا من // (مجزوء الْكَامِل) //
(وَإِذَا مَرَرْت بِبِئْرِ عُرْوَةَ ... فَاسْقِني مِنْ مَائِهَا)
وَكَانَ بيد المتَوَكل درتان عظيمتان يقلبهن فدحا إِلَيْهِ بدرة مِنْهُمَا فَقَالَ استقص بهَا فِي وَالله خير من مائَة ألف دِينَار قَالَ لَا وَالله وَلَكِنِّي فَكرت فِي أَبْيَات أعملها آخذ بهَا الْأُخْرَى فَقَالَ قل فَقَالَ // (من مخلع الْبَسِيط) //
(بِسُرَّ منْ رَا إِمَامُ عَدْلٍ ... تَغْرَقُ مِنْ كفِّهِ البِحَارُ)
(يُرْجَى ويُخْشَى بِكُلِّ خَطْبٍ ... كأَنَّهُ جَنَّةٌ وَنَارُ)
(أَلْمُلْكُ فِيهِ وفِي بَنِيهِ ... مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ)
(يَدَاهُ فِي الجُودِ ضَرَّتانِ ... علَتْهِ كِلْتَاهُما تَغارُ)
(لمْ تَأْتِ مِنْهُ اليَمِيَنُ شَيْئًا ... إِلَاّ أَتتْ مِثْلَهُ الْيَسَارُ)
قَالَ فدحا إِلَيْهِ بِالدرةِ الْأُخْرَى قلت رحم الله الْكِرَام المجيزين على دردي النظام بَدْرِي النظام وَأَجَازَ مَرْوَان بن أبي الْجنُوب على قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا // (من الطَّوِيل) //
стр. 1525
(فَأَمْسِكْ نَدَى كَفََّيْكَ عَنِّي وَلَا تَزِدْ ... فَقَدْ خِفْتُ أَنْ أَطْغَى وَأَنْ أَتَجَبَّرَا)
فَقَالَ لَا أمسك حَتَّى يغرقك جودي فَأمر لَهُ بِمِائَة وَعشْرين ألف دِينَار وخمسمائةَ ثوب ديباج قَالَ عَليّ بن مُحَمَّد النديم دخلت على المتَوَكل العباسي وَعِنْده الرضي فَقَالَ يَا عَليّ من أشعر النَّاس قلت البحتري قَالَ وَمن بعده قلت مَرْوَان بن أبي حَفْصَة فَالْتَفت إِلَى الرضي وَقَالَ من أشعر النَّاس فِي زَمَاننَا قَالَ عَليّ بن مُحَمَّد الْعلوِي قَالَ وَمَا تحفظ من شعره قَالَ قَوْله // (من الطَّوِيل) //
(لَقَدْ فَاخَرَتْنَا مِنْ قُرَيْشٍ عِصَابَةٌ ... بِمَطِّ خُدُودٍ وَامْتدادِ الْأَصَابِعِ)
(فَلَمَّا تَنَازَعْنَا الفَخارَ قَضَى لَنَا ... عَليْهِمْ بِمَا نَهْوى نِدَاءُ الصَّوَامِع)
قَالَ المتَوَكل وَمَا معنى نِدَاء الصوامع فَقَالَ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قَالَ المتَوَكل وَأَبِيك إِنَّه لأشعر النَّاس ثمَّ أنْشدهُ قَوْله أَيْضا // (من المتقارب) //
(عَصَيْتُ الهَوَى وَهَجَرْتُ النِّسَاءَ ... وَكُنْتُ دَوَاءً فأَصْبَحْتُ دَاءَ)
(وَمَا أَنْسَ لَا أَنْسَ حَتَّى المَمَاتِ ... تَرِيبَ الظِّبَاءِ تُجِيبُ الظِّبَاءَ)
(دَعِينَي وَصَبْرِي عَلى النَّائِباتِ ... فَبِالصَّبْرِ نِلْتُ الثَّرى وَالثّوَاءَ)
(فَإِنْ يَكُ دَهْرِي لَوَى رَأْسَهُ ... فَقَدْ لَقِيَ الدَّهْرُ مِنَّي الْتِوَاءَ)
(ليَاليَ أَرْوِي صُدُورَ الْقَنَا ... وَأَرْوِي بِهِنَّ الصُّدُورَ الظِّمَاءَ)
(وَنَحْن إِذَا كَانَ شُرْبُ المُدَامِ ... شَرِبْنَا عَلى الصَّافِنَاتِ الدِّمَاءَ)
(بِلَغْنَا السَّماءَ بِأَنْسَابِنَا ... وَلَوْلَا السَّمَاءُ لَجُزْنَا السَّماءَ)
(فَحَسْبُكَ مِنْ سُؤْدَدٍ أَنَّنَا ... بِحُسْنِ البَلَاءِ كَشَفْنَا الْغِطَاءَ)
(يَطِيبُ الثَّنَاءُ لآِبَائِنَا ... وَذِكْرُ عَلِبِّ يَزِينُ الثَّنَاءَ)
(إِذَا ذُكِرَ النَّاسُ كَانُوا مُلُوكًا ... وَكَانُوا عَبِيدًا وَكَانُوا الْإمَاءَ)
(هَجَانِي رِجَالٌ ولَمْ أَهْجُهُمْ ... أَبَى الله لِي أَنْ أقُولَ الْهِجَاءَ)
فوصله لهَذِهِ الرِّوَايَة بِمَال عَظِيم وَفِي سنه أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ قتل المتَوَكل يَعْقُوب بن السّكيت الإِمَام فِي الْعَرَبيَّة وَذَلِكَ أَنه حضر يَوْمًا مجْلِس المتَوَكل وَكَانَ يُؤَدب أَوْلَاد فجَاء مِنْهُم
стр. 1526
المعتز والمؤيد فَقَالَ المتَوَكل يَا يَعْقُوب أَيّمَا أحب إِلَيْك ابناي هَذَانِ أم الْحسن وَالْحُسَيْن ابْنا عَليّ ﵃ فَقَالَ يَعْقُوب وَالله إِن قنبر خَادِم عَليّ خير مِنْك وَمن ابنيك فَقَالَ المتَوَكل للأتراك سلوا لِسَانه من قَفاهُ فَفَعَلُوا ذَلِك فَمَاتَ ثمَّ أرسل المتَوَكل لأولاده دِيَة أَبِيهِم عشرَة آلَاف دِرْهَم كَذَا فِي حَيَاة الْحَيَوَان وَذكر ابْن خلكان كَانَ المتَوَكل يبغض عليا فَذكر يَوْمًا عَليّ عِنْده فغض مِنْهُ فتمعر وَجه ابْنه الْمُنْتَصر لذَلِك فشتمه أَبوهُ المتَوَكل وَأنْشد مواجهاً لَهُ // (من المجتث) //
(غَضْبَ الفَتَى لابْن عمِّهْ ... رَأْسُ الفتَى فِي حِرِ امِّهْ)
فحقد عَلَيْهِ وأغرى على قَتله مَعَ مَا كَانَ مِمَّا تقدم من عَدو لَهُ بالعهد عَنهُ إِلَى أَخِيه المعتز قلت هَذَا يُؤَيّد القَوْل الثَّانِي أَن المتَوَكل ناصبي خلاف مَا قَالَه المَسْعُودِيّ وَذكر أَن عَليّ بن الجهم كَانَ بدوياً جَافيا قدم على المتَوَكل أول قدمة فأنشده قصيدة يمدحه بهَا يَقُول فِيهَا // (الْخَفِيف) //
(أَنْتَ كَالْكَلْبِ فِي حِفَاظِكَ لِلوُددِّ ... وَكَالتَّيْسِ فِي قِرَاعِ الخْطُوبِ)
(أنْتَ كَالدَّلْو لَا عَدِمْتُكَ دَلْوًا ... مِن كِبَارِ الدِّلا كَثِير الذّنُوبِ)
فَعرف المتَوَكل قوته ورقة قصد وخشونة لَفظه وَعرف أَنه مَا رأى سوى مَا شبه لملازمته الْبَادِيَة وَعدم مخالطته فَأمر لَهُ بدار حَسَنَة على شاطئ دجلة وفيهَا بُسْتَان يتخلله النسيم والجسر قريب مِنْهُ وَأمر لَهُ بجائزة سنية فلطف طبعه عَن أول أمره وَأنْشد الْأَشْعَار البليغة الرقيقة بعد ذَلِك وَحكى أَن عبَادَة المخنث دخل يَوْمًا إِلَى دَار المتَوَكل فَرَأى رطبَة مطروحة فأكب ليأخذها فرأه ابْن المتَوَكل صَغِير فَأَشَارَ بإصبعه إِلَى استه وَقَالَ يَا عَم من فتح لَك هَذِه الكوة فَقَالَ لَهُ عبَادَة الَّذِي فتح لأمك ثِنْتَيْنِ فَسَمعهُ المتَوَكل فَأمر بِضَرْب عُنُقه فهرب وَلم يدر إِلَى أَيْن يتَوَجَّه فَأخذ يهرب فِي الصَّحَارِي وَمَعَهُ طبله ونايه فَلَمَّا أمعن فِي الصَّحرَاء خَافَ أَن يُدْرِكهُ الطّلب فَرَأى غاراً مَفْتُوحًا فَدخل وسد بَاب بِالْحِجَارَةِ فَلَمَّا صَار إِلَى أقصاه وجد فِي أسداً عَظِيما رابضَاً فَفَزعَ مِنْهُ وهم الْأسد أَن
стр. 1527
يثب عَلَيْهِ فَمَا وَسعه إِلَّا أَن ضرب الطبل فَلَمَّا سَمعه الْأسد فزع من صَوته وهرب يُرِيد الْخُرُوج فَوجدَ بَاب الْغَار مسدوداً فَرَبَضَ هُنَاكَ خَائفًا من صَوت الطبل فَجعل عبَادَة تَارَة يضْرب بالطبل وَتارَة يزمر بالناي خوفًا من الْأسد وَوَافَقَ ذَلِك قدوم الفتَح بن خاقَان من نزهة كَانَ خرج إِلَيْهَا فَلَمَّا سمع صَوت الطبل والناي فِي الصَّحرَاء أنكرهُ ثمَّ تبعه حَتَّى وقف على بَاب الْغَار وَأمر أَن يفتح فَلَمَّا فتحوه خرج الْأسد هَارِبا على وَجهه فَخرج عبَادَة وَهُوَ يبكي ويصرخ وَيَقُول هَذَا دَفعه إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ أعلمهُ ضرب الطبل والغناء بالناي وشردته عَليّ فَقَالَ لَهُ الْفَتْح أَنا أرضي أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَك عَليّ ألف دِينَار فَقَالَ أَخَاف وَالله أَن يضْرب عنقِي فَقَالَ الْفَتْح أَنا أستوهبه دمك فَقَالَ إِن فعلت فقد رضيت ثمَّ أَخذه مَعَه وأتى بِهِ المتَوَكل فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لي إِلَيْك حَاجَة قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ هَب لي دم عبَادَة فَأَنا الَّذِي أذنبت وَلَيْسَ هُوَ فَقَالَ مَا كَانَت نيتي إِلَّا أَن أضْرب عُنُقه وَقد وهبته لَك فَقبل الْفَتْح يَده وَقَالَ أَنا الَّذِي أطلقت الْأسد وَمَا لَهُ ذَنْب فَلَمَّا سمع المتَوَكل ذكر الْأسد سَأَلَ عَن أصل الْقِصَّة فَقَالَ لَهُ الْفَتْح بِمَا رأى قَالَ وَرَغمَ أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ أعطَاهُ ذَلِك الْأسد ليعلمه الطبل والغناء فَضَحِك المتَوَكل حَتَّى فحص بِرجلِهِ الأَرْض وَقَالَ خدعك وَالله يَا فتح إِن الأَصْل كَيْت وأنجر الْفَتْح لعبادة الْألف الَّتِي وعده بهَا بوعده السَّابِق انْتهى كَذَا فِي بَقِيَّة الخاطر لمُحَمد بن مصطفى الشهير بالكاتي قَالَ البحتري اجْتَمَعنَا فِي مجْلِس المتَوَكل فنعت لَهُ سيف هندي فَبعث إِلَى الْيمن فَاشْترى لَهُ بِعشْرَة آلَاف فَأتى بِهِ فأعجبه ثمَّ قَالَ لِلْفَتْحِ أبغني غُلَاما أدفَع إِلَيْهِ هَذَا السَّيْف لَا يفارقني بِهِ فَأقبل باغر التركي فَقَالَ الْفَتْح هَذَا مَوْصُوف بالشجاعة والبسالة فَدفع المتَوَكل إِلَيْهِ السَّيْف وَزَاد فِي رزقه فواللِّه مَا انتضى ذَلِك السَّيْف إِلَّا لَيْلَة ضربه باغر بِالْقصرِ الْجَعْفَرِي وَكَانَ المتَوَكل مُسْتَغْرقا بِجَارِيَتِهِ الَّتِي اسْمهَا قبيحة وَهِي أم وَلَده المعتز لَا يصبر عَنْهَا سَاعَة فوقفت لَهُ يَوْمًا وَقد كتبت على خديها بالغالية جَعْفَر فتأملها ثمَّ أنشأ يَقُول // (من الطَّوِيل) //
(وَكَاتِبةٍ بِالمِسْكِ فِي الْخَدِّ جَعْفرًا ... بِنَفْسِي مَخَطَّ المِسْكِ مِنْ حَيْثُ أثَّرَا)
стр. 1528
(لَئِنْ أَوْدَعَتْ سَطْرًا مِنَ المِسْكِ خَدَّهَا ... لَقَدْ أَوْدَعَتْ قلْبِي مِنَ الحُبِّ أَسْطُرَا)
وَكَانَت لَيْلَة المتَوَكل يضْرب بهَا الْمثل فِي السرُور الَّذِي يعقبه ترح يُقَال مَاتَ بليلة المتَوَكل كَانَ قَتله لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لليلتين مضتا من شهر شَوَّال سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ أول مقتول بمعرة وَلَده الْمُنْتَصر بعد قتل الْأمين بِمُبَاشَرَة طَاهِر بن الْحُسَيْن كَانَت مُدَّة خِلَافَته أَربع عشرَة سنة وتّسعة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام وَكَانَ عمرهُ أَرْبَعِينَ سنة وشهراً وَقيل إِحْدَى وَأَرْبَعين سنة
(خلَافَة الْمُنْتَصر بِاللَّه)
مُحَمَّد بن المتَوَكل جَعْفَر بن المعتصم بن الرشيد بن الْمهْدي بن الْمَنْصُور أخي السفاح بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب بُويِعَ بالخلافة فِي اللَّيْلَة الَّتِي قتل فِيهَا أَبوهُ وَمن الْغَد الْبيعَة الْعَامَّة وَلما ولي خلع أَخَوَيْهِ المعتز والمؤيد من ولَايَة الْعَهْد الَّتِي عقدهَا لَهما أَبوهُ المتَوَكل وَأظْهر الْعدْل والإنصاف فِي الرّعية فمالت ليه النُّفُوس والقلوب مَعَ هيبتهم لَهُ وَكَانَ محببَاً إِلَى العلويين وصُولا لَهُم باراً بهم أَزَال مِمَّن آل أبي طَالب مَا كَانُوا فِيهِ من الْخَوْف والمحنة بمنعهم من زِيَارَة قبر الْحُسَيْن ورد فدك عَلَيْهِم فَقَالَ يزِيد المهلبي فِي ذَلِك يمدحه // (من الْكَامِل) //
(وَلقَدْ بَرَرْتَ الطَّالِبِيَّةَ بعْدَ مَا ... ذَمُّوا زَمَانًا بَعْدَهَا وَزَمَانَا)
(وَردَدتَّ أُلْفةَ هَاشِمٍ فَرَأَيْتهُمْ ... بَعْدَ الْعَدَاوَةِ بََيْنَهُمْ إِخْوَانا)
وَكَانَ حَلِيمًا كَرِيمًا من كَلَامه لَذَّة الْعَفو أعذب من لَذَّة التشفي وأقبح أَفعَال المقتدر الانتقام
стр. 1529
وَقَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ ذكر نجيج بن عَليّ المنجم أَن الْمُنْتَصر جلس للهو وَأمر بفرش بِسَاط من ذخائر الخزينة تداولته الْمُلُوك ففرش فَرَأى فِيهِ صُورَة رَأس عَلَيْهِ تَاج وَعَلِيهِ كِتَابَة بِالْفَارِسِيَّةِ فَطلب من يقْرَأ تِلْكَ الْكِتَابَة فأحضر رجل من الْأَعَاجِم فقرأها وَعَبس عِنْد ذَلِك فَسَأَلَهُ الْمُنْتَصر عَنْهَا فَقَالَ لَا معنى لَهَا فألح عَلَيْهِ فَقَالَ هِيَ أَنا الْملك شيرويه بن كسْرَى بن هُرْمُز قتلت قتلت أبي فَلم أمتع بِالْملكِ بعده إِلَّا سِتَّة أشهر فَتغير وَجه الْمُنْتَصر وَقَامَ من ذَلِك الْمجْلس وَترك اللَّهْو الَّذِي أَرَادَهُ وَبَات مغتماً وتوعك ثمَّ رأى فِي لَيْلَة وعكه أَبَاهُ فانتبه فَزعًا يبكي فَقَالَت لَهُ أمه مَا يبكيك فَقَالَ أفسدت ديني ودنياي رَأَيْت أبي السَّاعَة يَقُول لي قتلتني يَا مُحَمَّد لأجل الْخلَافَة وَالله لَا تتمتع بهَا إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِل ثمَّ مصيرك إِلَى النَّار فاستمر موهوماً من هَذَا الْمَنَام فَمَا عَاشَ بعد ذَلِك إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِل وَكَانَ على حذر من الأتراك يسبهم ويلعنهم وَيَقُول هَؤُلَاءِ قتلة الْخُلَفَاء فَلم يأمنوه فأرادوا قَتله فَمَا أمكنهم الْإِقْدَام عَلَيْهِ لشدَّة محاذرته مِنْهُم فدسوا إِلَى طبيبه ابْن طيفور ثَلَاثِينَ ألف دِينَار عِنْد توعكه ليسمه فقصده بمبضع مَسْمُوم فأحس بذلك وَأَرَادَ قتل الطَّبِيب فَقَالَ لَهُ إِنَّك تصبح طَبِيبا وَتقدم على قَتْلِي فأمهلني إِلَى الصُّبْح فأمهله فَأصْبح مَيتا وَكَانَت وَفَاته لأَرْبَع خلون من بيع الأول سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وعمره سِتّ وَعِشْرُونَ سنة وَقيل خمس وَعِشْرُونَ وَأَرْبَعَة أَيَّام وَمُدَّة خِلَافَته سِتَّة أشهر
(خلَافَة المستعين بِاللَّه)
أَحْمد بن المعتصم بن هَارُون كَانَ فَاضلا دينا أخبارياً مطلعاً على التواريخ متجملا فِي ملبسه وَهُوَ أول من أحدث الأكمام العراض فَجعل عرض الْكمّ ثَلَاثَة
стр. 1530
أشبار وَهُوَ عَم الْمُنْتَصر قبله أَخُو المتَوَكل أَبِيه وَإِنَّمَا قَدمته الأتراك وَعدلُوا عَن أَوْلَاد المتَوَكل لأَنهم كَانُوا قتلوا المتَوَكل فخافوا أَن يَلِي الْخلَافَة أحد من أَوْلَاده فَيَأْخُذ بثأر أَبِيه فَاخْتَارُوا من أَوْلَاد المعتصم أَحْمد هَذَا ولقبوه بالمستعين بِاللَّه أمه أم ولد تسمى مُخَارق وَمَا كَانَ لَهُ من الْخلَافَة إِلَّا الِاسْم وَكَانَ المماليك الأتراك مستولين على الْملك وَكَانَ الْأَمر جَمِيعه لكبيري الأتراك وصيف وبغا التركيين حَتَّى قيل فِي ذَلِك // (من الرجز) //
(خَلِيفَةٌ فِي قَفَصٍ ... بيْنَ وَصِيفٍ وبغَا)
(يَقُولُ مَا قَالَا لَهُ ... كَمَا تقُولُ البَبَّغا)
والببغا هِيَ الطير الْمُسَمّى بِالدرةِ وَاسْتمرّ كَذَلِك وَهُوَ مترصد لَهما إِلَى أَن ظفر بوصيف فَقتله وهرب باغر الَّذِي كَانَ سَطَا فِي المتَوَكل وَقَتله فَتَنَكَّرت لَهُ الأتراك فَخرج عَنْهُم من سر من رأى إِلَى بَغْدَاد فأرسلوا إِلَيْهِ يَعْتَذِرُونَ ويسألونه العودة إِلَى سر من رأى فَامْتنعَ مِنْهُم فَلَمَّا أَبى قصد الأتراك خلعه فَأتوا إِلَى الْحَبْس فأخرجوا مُحَمَّدًا أَبَا عبد الله بن المتَوَكل ولقبوه المعتز بِاللَّه وَبَايَعُوهُ وعمره تِسْعَة عشر عَاما وَلم يل الْخلَافَة أَصْغَر مِنْهُ وجيشوا على المستعين بِاللَّه جَيْشًا إِلَى أَن خلع نَفسه وَأشْهد الْقُضَاة والعدول على نَفسه بذلك وانحدروا بِهِ إِلَى وَاسِط وحبسوه تِسْعَة أشهر ثمَّ دسوا إِلَيْهِ سعيداً الْحَاجِب فذبحه فِي الْحَبْس فِي ثَالِث شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَجَاء بِرَأْسِهِ إِلَى المعتز وَهُوَ يلْعَب الشطرنج فَقيل لَهُ هَذَا رَأس المخلوع فَقَالَ دَعوه هُنَاكَ حَتَّى أفرغ من اللّعب ثمَّ أَمر بدفنه وعمره إِحْدَى وَثَلَاثُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وخلافته إِلَى زمَان خلعه سنتَانِ وَثَمَانِية أشهر وَسِتَّة عشر يَوْمًا
стр. 1531
(خلَافَة المعتز بِاللَّه)
مُحَمَّد بن المتَوَكل جَعْفَر بن المعتصم بن الرشيد هَارُون بن الْمهْدي مُحَمَّد بن الْمَنْصُور عبد الله كَانَ بديع الْحسن جدا مليح الصُّورَة لَيْسَ فِي الْخلق أجمل مِنْهُ حسنا كَانَ مستضعفَاً مَعَ الأتراك وَكَانَ صَالح بن وصيف مستولياً عَلَيْهِ وَهُوَ خَائِف مِنْهُ فَاجْتمع الْجند عَلَيْهِ وطلبوا مِنْهُ أَرْزَاقهم ووعدوه أَنه إِذا أنْفق عَلَيْهِم أَرْزَاقهم ركبُوا مَعَه على صَالح بن وصيف فيقتلوه ويصفو الْملك لَهُ وَلم يكن فِي خزائنه مَال يصرفة عَلَيْهِم فَطلب من أمه وَكَانَت تركية اسْمهَا قبيحة لفرط جمَالهَا بَين النِّسَاء فَأَبت أَن تعطيه وشحت عَلَيْهِ بِالْمَالِ وسخت بِوَلَدِهَا وَكَانَ مَعهَا مَال عَظِيم فاتفق الأتراك على خلعه وَركب عَلَيْهِ صَالح بن وصيف وَمُحَمّد بن بغا وهجموا عَلَيْهِ وجروا بِرجلِهِ وأوقفوه فِي الشَّمْس فَصَارَ يرفع رجلا وَيَضَع رجلا وعذبوه وهم يلطمونه وَيَقُولُونَ اخْلَعْهَا وَيَتَّقِي بيدَيْهِ ويأبى ثمَّ أجابهم وخلع نَفسه فأدخلوه الْحمام ومنعوه المَاء إِلَى أَن مَاتَ عطشاً وَقيل أَتَوْهُ بِمَاء مالح فشربه وَسقط مَيتا ثمَّ أَخْرجُوهُ وَأشْهدُوا عَلَيْهِ أَنه لَا أثر بِهِ وصادر صَالح بن وصيف قبيحة أم المعتز وعذبها حَتَّى أَخذ مِنْهَا ألف ألف دِينَار ذَهَبا وَنصف أردب لُؤْلُؤ وَمثله زمرد وَسدس أردب ياقوت أَحْمَر ثمَّ أخرجت إِلَى مَكَّة وأقامت بهَا إِلَى أَن مَاتَت وَأَقل النَّاس الترحم عَلَيْهَا حَيْثُ إِن هَذَا المَال عِنْدهَا وشحت بِهِ عَن وَلَدهَا عِنْد احْتِيَاجه فَكَانَ عَلَيْهِ مَا كَانَ توفّي فِي ثَالِث شعْبَان سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ مُدَّة خِلَافَته سنتَانِ وَأحد عشر شهرا وعمره اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سنة وَسَبْعَة أشهر
стр. 1532
(خلَافَة الْمُهْتَدي بِاللَّه)
أَبُو إِسْحَاق بن الواثق هَارُون بن المعتصم بن الرشيد بن الْمهْدي بن الْمَنْصُور الْخَلِيفَة الصَّالح ولد فِي خلَافَة جده سنة بضع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وبويع بالخلافة لليلة بقيت من رَجَب سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَمَا قبل بيعَة أحد حَتَّى أَتَى إِلَيْهِ بالممعتز قبل قَتله فَلَمَّا رَآهُ قَامَ لَهُ وَسلم على المعتز بالخلافة وَجلسَ بَين يَدَيْهِ فجيء بالشهود وَالْقَاضِي ابْن أبي الشَّوَارِب فَشَهِدُوا على المعتز أَنه عَاجز عَن الْخلَافَة واعترف بذلك وَمد يَده وَبَايع الْمُهْتَدي فارتفع حِينَئِذٍ الْمُهْتَدي إِلَى صدر الدِّيوَان وَقَالَ لَا يجْتَمع سيفان فِي غمد وتمثل بقول أبي ذُؤَيْب من // (الطَّوِيل) //
(تُرِيدِن كيْمَا تجمعيني وخَالِدًا ... وهلْ يُجْمَعُ السَّيْفَانِ وَيْحَكِ فِي غِمْدِ)
وَكَانَ الْمُهْتَدي بِاللَّه أسمر رَقِيقا مليح الْوَجْه ورعاً متعبدَاً عادلا قَوِيا فِي أَمر الله تَعَالَى بطلا شجاعاً لكنه لم يجد ناصراً وَلَا معينا على الْحق وَالْخَيْر قَالَ أَبُو بكر بن الْخَطِيب قَالَ أَبُو مُوسَى العباسي لم يزل صَائِما مُنْذُ ولي إِلَى أَن قتل قَالَ الْعَبَّاس بن هَاشم بن الْقَاسِم كنت بِحَضْرَة الْمُهْتَدي عَشِيَّة فِي رَمَضَان فَوَثَبت لأنصرف فَقَالَ لي اجْلِسْ فَجَلَست وَتقدم فصلى بِنَا ثمَّ دَعَا بِالطَّعَامِ فَإِذا طبق عَلَيْهِ خبز وآنية فِيهَا ملح وخل وزيت فدعاني إِلَى الْأكل فَقَالَ كل وَاسْتَوْفِ فَلَيْسَ هَهُنَا من الطَّعَام غير مَا ترى فعجبت ثمَّ قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أَسْبغ الله نعْمَته عَلَيْك فَقَالَ إِن الْأَمر على مَا وصفت وَلَكِنِّي فَكرت فِي أَنه كَانَ فِي بني أُميَّة عمر بن عبد الْعَزِيز فَكَانَ من التقلل والتقشف على مَا بلغك فغرت على بني هَاشم فَأخذت نَفسِي بِمَا رَأَيْت وَقَالَ ابْن عَرَفَة النَّحْوِيّ حَدثنِي بعض الهاشميين قَالَ كَانَ للمهتدي سفط فِيهِ
стр. 1533
جُبَّة صوف وَكسَاء وَكَانَ يلْبسهُ بِاللَّيْلِ وَيُصلي فِيهِ وَكَانَ قد اطرَح الملاهي وَحرم الْغناء وحسم عَن الظُّلم وَكَانَ يشرف على الدَّوَاوِين بِنَفسِهِ وَيجْلس الْكتاب بَين يَدَيْهِ فتبرم بِهِ بابك التركي وانحصر وَكَانَ ظلوماً غشوماً فَأمر الْمُهْتَدي بقتْله فَلَمَّا قتل هَاجَتْ الأتراك وَوَقع الْحَرْب بَينهم وَبَين المغاربة فَقتل من الْفَرِيقَيْنِ أَرْبَعَة آلَاف وَخرج الْمُهْتَدي والمصحف فِي عُنُقه وَهُوَ يَدْعُو النَّاس إِلَى نصرته والمغاربة مَعَه وَبَعض الْعَامَّة فَحمل عَلَيْهِم طنبغا أَخُو بابك فَهَزَمَهُمْ وَمضى الْمُهْتَدي مُنْهَزِمًا وَالسيف فِي يَده وَقد جرح جرحين حَتَّى دخل دَار مُحَمَّد بن أبي دَاوُد فتجمعت الأتراك وهجموا عَلَيْهِ وأخذوه أسيرَاً وَحمل على دَابَّة وَأَرْدَفَ خَلفه سائس بِيَدِهِ خنجر وَأدْخل إِلَى دَار بَعضهم وَجعلُوا يصفعونه وَيَقُولُونَ اخْلَعْهَا فَأبى عَلَيْهِم فَسلم إِلَى رجل مِنْهُم فوطئ مذاكيره حَتَّى قَتله وَتُوفِّي فِي رَجَب سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته سنة وَاحِدَة إلاخمسة عشر يَوْمًا عمره ثَمَان وَثَلَاثُونَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر
(خلَافَة الْمُعْتَمد على الله
أبي جَعْفَر أَحْمد بن المتَوَكل بن المعتصم بن الرشيد بن الْمهْدي بن الْمَنْصُور لما قتل متغلبة الأتراك الْخَلِيفَة الْمُهْتَدي صبرا عَمدُوا إِلَى الْحَبْس وأخرجوا ابْن عَمه أَبَا جَعْفَر أَحْمد بن المتَوَكل ولقبوه بالمعتمد على الله وَبَايَعُوهُ سنة سِتّ وَخمسين أمه أم ولد اسْمهَا فينان وَكَانَ لَهُ انهماك على اللَّذَّات وَاللَّهْو فَقدم أَخَاهُ طَلْحَة بن المتَوَكل ولقبه بالموفق بِاللَّه وَجعله ولي عَهده ولاه الْمشرق والحجاز واليمن وَفَارِس وطبرستان وسجستان والسند وَكَانَ لَهُ ولد صَغِير اسْمه جَعْفَر ولاه الْمغرب وَالشَّام والجزيرة ولقبه الْمُفَوض إِلَى الله وَعقد لَهما لواءين أَبيض وأسود وَعقد لَهما الْبيعَة وَشرط على أَخِيه الْمُوفق بِاللَّه أَنه إِن حدث بِهِ الْمَوْت وَولده صَغِير كَانَ الْمُوفق ولي عَهده وَإِن كَانَ حِينَئِذٍ وَلَده كَبِيرا كَانَ هُوَ ولي عَهده
стр. 1534
وَكتب بذلك معاقدة كتب كل مِنْهُمَا خطة عَلَيْهِ وَكتب الْقُضَاة والعدول خطوطهم عَلَيْهَا وأرسلها إِلَى مَكَّة فعلقت فِي الْكَعْبَة وَمَا أَفَادَ مَعَ هَذَا حذر من قدر كَانَ الْمُوفق عَاقِلا مُدبرا شجاعاً مشتغلا بِأُمُور المملكة ملتفتاً لأمور الرّعية وَكَانَ أَخُوهُ الْمُعْتَمد مكباً على لهوه ولذاته مهملا أَحْوَال الرّعية غير متلفت إِلَيْهَا فكرهه النَّاس وأحبوا أَخَاهُ طَلْحَة الْمُوفق وَظَهَرت فِيهِ نجابات كَثِيرَة وَكَانَ ميمونَاً مظفرا فِي الحروب وَظهر أَيَّام المعتضد طَائِفَة من الزنج وتغلبوا على الْمُسلمين وَكَانَ لَهُم رَئِيس اسْم يهبول يدعى أَنه أرْسلهُ الله إِلَى الْخلق وَادّعى علم المغيبات وَقتل فِي الْمُسلمين ذكر الصولي أَنه قتل ألف ألف وَخَمْسمِائة ألف مُسلم وَكَانَ يستأسر نسَاء الْمُسلمين ويبيعهن فِي الْأَسْوَاق بأبخس ثمن وينادي على الشَّرِيفَة العلوية بِدِرْهَمَيْنِ وَكَانَ عِنْد الزنْجِي الْوَاحِد مِنْهُم عشر شرائف يطؤهن ويمتهنهن فِي الخدم الشاقة وَكَانَ ذَلِك من أعظم المصائب فِي الْإِسْلَام وتملك هَذَا الْكَافِر مدناً كَثِيرَة للْمُسلمين واستأصل أَهلهَا وَجعل دَار مَمْلَكَته وَاسِط ورامهرمز وَمَا والاهما فَانْتدبَ لقتاله الْمُوفق بِاللَّه وَجمع الجموع والعساكر مِمَّن حنكته الحروب ووسمته قوارع الخطوب فاتخذهم جنَانًا ويداً وَرَضي بهم ساعداً وعضداً فركض بهم إِلَى الْأَعْدَاء اللئام الْكَفَرَة الطغام فالتقت الفئتان على ضريبة الْحَرْب وتساقيا كئوس الطعْن وَالضَّرْب فجفلت السودَان من لامع الصارم الْأَبْيَض وفروا كَمَا يفر اللَّيْل الْأسود من النَّهَار المبيض وَقتل أَمِيرهمْ يهبول وَنصر الله مِلَّة الْإِسْلَام ومحا بنوره ذَلِك الظلام واستردت الْمَدَائِن الَّتِي أَخذهَا وَغَيرهَا من الْبِلَاد وَاطْمَأَنَّ الْمُسلمُونَ وكافة الْعباد ولقبوه بالناصر لدين الله وَصَارَ لَهُ حينئذٍ لقبان الْمُوفق بِاللَّه والناصر لدين الله وَدخل إِلَى بَغْدَاد فِي عَظمَة وعلو شَأْن وَرَأس ذَلِك الْكَافِر ورءوس أَصْحَابه على رماح ودعا لَهُ الْمُسلمُونَ وقصدته الشُّعَرَاء بالمدائح وأحبه النَّاس وَبعد صيته واستفحل أمره وَاسْتمرّ أَخُوهُ الْمُعْتَمد على حَاله منهمكاً فِي اللَّهْو وَاللَّذَّات وَله اسْم الْخلَافَة وَجَمِيع الْأُمُور يتلقاها الْمُوفق بِاللَّه النَّاصِر لدين الله فحسده أَخُوهُ الْمُعْتَمد لذهابه بِالذكر والصيت وَأَرَادَ هضمه لاستيلائه على المملكة ورضا النَّاس عَنهُ فَلم يدر
стр. 1535
كَيفَ يصنع فِي ذَلِك فاستعان على هضم جَانب أَخِيه بِصَاحِب مصر يومئذٍ أَحْمد بن طولون وَكَانَ ملكا شجاعاً فاتكاً صَاحب جيوش وجنود كثير الْأَمْوَال والخزائن مُسْتقِلّا بمملكة مصر يَأْخُذ خراجها فكاتبه الْمُعْتَمد وَأمره أَن يُقَاتل أَخَاهُ ليخف أمره ويهون بذلك فجرت بَينهمَا حروب اشْتغل بهَا الْمُوفق عَن أَخِيه الْمُعْتَمد وَصَارَ يواليه تَارَة ويداريه ويباعده تَارَة ويدانيه وَمضى على ذَلِك زمَان والموفق بعد مرهن وَكَانَ للموفق ابْن نجيب اسْمه أَحْمد جعله الْمُوفق ولي عده واستعان بِهِ فِي حروبه وَظَهَرت لَهُ نجابة وَقُوَّة فخشي الْمُوفق على نَفسه وعَلى أحيه الْمُعْتَمد لما رأى من شجاعته وبسالته فأودعه بطن الْحَبْس ووكل بِهِ من يَثِق بِهِ فِي أمره وَاسْتمرّ مَحْبُوسًا إِلَى أَن اشْتَدَّ حَال الْمُوفق فِي الْمَرَض فبادر غلمانه إِلَى الْحَبْس وأخرجوا وَلَده أَحْمد مِنْهُ فَلَمَّا رَآهُ الْمُوفق قَالَ يَا وَلَدي لهَذَا الْيَوْم خبأتك وَكَانَ ذَلِك قبل مَوته بِثَلَاثَة وفوض إِلَيْهِ وأوصاه بِعَمِّهِ الْمُعْتَمد خيرا ثمَّ مَاتَ بعد ثَلَاثَة أَيَّام وشمت الْمُعْتَمد بِمَوْت أَخِيه وَظن أَنه استراح وَصفا لَهُ دهره والدهر مَا صفا لأحد من الْبشر وَإِن صروفه تَأتي بالعبر والغير فَمَا حَال عَلَيْهِ الْحول حَتَّى سلب ذَلِك الطول والحول وَلم يكن لَهُ بعد خذلانه النَّاصِر من قُوَّة وَلَا نَاصِر وَتُوفِّي يَوْم الِاثْنَيْنِ لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من رَجَب سنة تسع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة وَأحد عشر شهرا وعمره أَرْبَعُونَ سنة وَسِتَّة أشهر
(خلَافَة المعتضد)
أَحْمد بن الْمُوفق بِاللَّه طلحه بن المتَوَكل بن المعتصم بُويِعَ لَهُ بالخلافة بعد وَفَاة عَمه الْمُعْتَمد فِي تَارِيخ وَفَاته الْمَذْكُور آنِفا أمه أم ولد اسْمهَا صَوَاب كَانَ قَلِيل الرَّحْمَة مهيبا ظَاهر الجبروت وافر الْعقل شجاعَاً
стр. 1536
مظفراً دَانَتْ لَهُ الْأُمُور فسالمه كل مُخَالف ومعاند شَدِيد السطوة حسن السياسة يقدم على الْأسد وَحده إِذا غضب على أحد أَلْقَاهُ فِي حُفْرَة وطم عَلَيْهِ التُّرَاب وَله تَصَرُّفَات شَتَّى فِي قتل من غضب عَلَيْهِ أسقط المكوس وَرفع الْمَظَالِم عَن الرّعية وَأظْهر عز الْملك بعد مَا ذل ووهت وجدد ملك بني الْعَبَّاس وَفِي ذَلِك يَقُول عبد الله بن المعتز من // (السَّرِيع) //
(أَمَا تَرَى مُلْك بَنِي هَاشِم ... عَادَ عَزِيزًا بَعْدَ مَا ذُلِّلا)
(يَا طالِبَ المُلْكِ فَكُنْ مِثْلهُ ... تسْتَوجِبِ المُلْك وَإِلَاّ فَلَا)
وَفِيه يَقُول أَبُو الْعَبَّاس عَليّ بن الرُّومِي من // (الطَّوِيل) //
(هَنِئًا بَنِي الْعَبَّاسِ إِنَّ إِمَامَكُمْ ... إِمامُ الْهدَى وَالْبَأْسِ والجودِ أَحْمَدُ)
(كَما بِأَبي العَبَّاسِ أسِّسَ مُلْكُكُمْ ... كَذَا بِأَبي العَبَّاسِ أيْضًا يُجَدَّدُ)
(إِمَامٌ يظَلُّ الْأَمْسُ يَشْكُو فِرَاقَهُ ... تأسُّفَ مَلْهُوفٍ وَيَشْتَاقُهُ الْغَدُ)
وَكَانَ مَعَ سطوته وبأسه يتوخى الْعدْل ويبرز الْمَرْأَة فِي صُورَة الجبروت والعسف وَهُوَ فِي ذَلِك محق فِي الْبَاطِن فَمن ذَلِك مَا روى عَن عبد الله بن حمدون قَالَ خرج المعتضد للصَّيْد يَوْمًا وَأَنا مَعَه فَمر بمقثاة فعاث بعض جنود فِيهَا فصاح صَاحبهَا واستغاث بالمعتضد فَأحْضرهُ وَسَأَلَهُ عَن سَبَب صياحه فَقَالَ ثَلَاثَة من غلمانك نزلُوا المقتاه فأخربوها فَأمر عبيده بإحضارهم فَضرب أَعْنَاقهم وَمضى وَهُوَ يحادثني فَقَالَ لي اصدقني مَا الَّذِي تنكره النَّاس من أحوالي فَقلت لَهُ سفكك للدماء فَقَالَ مَا سفكت دمَاً حَرَامًا قطّ فَقلت بِأَيّ ذَنْب قتلت أَحْمد ابْن الطّيب فَقَالَ دَعَاني إِلَى الْإِلْحَاد فَقتلته لما ظهر لي إلحاده لنصرة الدّين فَقلت فالثلاثة الَّذين نزلُوا المقثاة الْآن فَقَالَ وَالله مَا قَتلتهمْ وَإِنَّمَا ثَلَاثَة من قطاع الطّرق وأوهمت النَّاس أَنهم هم ثمَّ أحضر صَاحب الشرطة فَأمره بإحضار الثَّلَاثَة الَّذين نزلُوا المقثاة فأحضرهم وشاهدتهم ثمَّ أَمر بإعادتهم إِلَى الْحَبْس وَهَكَذَا يَنْبَغِي تَدْبِير السياسة وَإِظْهَار النصفة وتخويف الْجند
стр. 1537
وإراعابهم وَمِمَّا وَقع فِي أَيَّام المعتضد من عمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام زِيَارَة دَار الندوة وَهِي الزِّيَارَة الَّتِي فِي شَامي الْمَسْجِد وَهِي أول الزيادتين وَالْأُخْرَى الَّتِي فِي الْجَانِب الغربي سَيَأْتِي أَن الْآمِر بهَا المقتدر وَبَينهمَا قريب من عشْرين وَلَيْسَت الزِّيَادَة هِيَ عين دَار الندوة بل محلهَا فِي تِلْكَ الْأَمَاكِن لَا على التَّعْيِين من خلف مقَام الْحَنَفِيّ إِلَى آخر الزِّيَادَة قلت مَا سبق بَيَانه أَن قصياً أول من بنى مَكَّة ثمَّ بنت قُرَيْش بيوتها وَأَن الْبيُوت كَانَت محدقة بِالْكَعْبَةِ وَلها أَبْوَاب شارعة إِلَى المطاف وَبَين كل دارين طَرِيق إِلَى المطاف وَهُوَ هَذِه الْبقْعَة المرخمة يَقْتَضِي أَن دَار الندوة هِيَ مَحل مقَام الْحَنَفِيّ الْآن بِلَا شُبْهَة فَتَأمل ذَلِك وَمن شعر المعتضد قَالَه حِين مرض من // (الطَّوِيل) //
(تَمتَّعْ مِن الدُّنْيأ فإِنَّكَ لَا تبْقى ... وَخُذْ صفْوهَا مَهْمَا صفتْ وَدَع الرَّنْقَا)
(وَلَا تَأْمَنَنَّ الدَّهْرَ إِنِّي أَمِنْتُهُ ... فلمْ يُبْقِ لِي حَالاً ولَمْ يَرْعَ لِي حَقَّا)
(قَتلْتُ صَنَادِيدَ الرِّجالِ وَلمْ أَدعْ ... عدُوًّا وَلَمْ أُمْهِلْ عَلَى حَسَدٍ خَلْقَا)
(وَأَخْلَيْتُ دارَ المُلْكِ عنْ كُلِّ نَازِلٍ ... وَفَرَّقْتُهُمْ غَربًا وَمَزَّقْتُهُمْ شرْقَا)
(وَلَمَّا بلَغْتُ النَّجْمَ عِزًّا وَرِفْعَةً ... ودَانتْ رِقابُ الخَلْقِ أجْمع لِي رِقَّا)
(رَمَانِي الرَّدى سهْمًا فأَخْمَدَ جَمْرَتِي ... فَهأنذا فِي حُفْرَتِي عاجِلاً مُلْقى)
(وَأَفْسَدتُّ دُنْيَايَ وَدِينِي سَفَاهَة ... فمنْ ذَا الَّذِي مِنِّى بِمَصْرَعِهِ أشْقَى)
(فَيا ليْتَ شِعْرِي بَعْدَ موْتِيَ مَا أَرَى ... لِرحْمَةِ رَبِّي أَمْ إِلَى نارِهِ أُلْقى)
ثمَّ عهد إِلَى ابْنه عَليّ ولقبه المكتفي بِاللَّه وَأخذ لَهُ الْبيعَة قبل مَوته بِثَلَاثَة أَيَّام
стр. 1538
حكى المَسْعُودِيّ أَن المعتضد كَانَ مفرطاً فِي الْجِمَاع فاعتل من إفراطه وطالت علته وَغشيَ عَلَيْهِ فَشك من حوله فِي مَوته وَكَانَ لَا يَجْسُر أحد عَلَيْهِ لشدَّة هيبته فَتقدم إِلَيْهِ الطَّبِيب ليخبره بجس النبض فَفتح عَيْنَيْهِ وفطن لذَلِك فرفس الطَّبِيب بِرجلِهِ رفسة رَمَاه أذرعا فَمَاتَ الطَّبِيب ثمَّ مَاتَ المعتضد من سَاعَته وَكَانَ أسمر اللَّوْن مهيباً جدا معتدل الشكل توفّي لسبع بَقينَ من ربيع الأول سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَقيل سنة سبع وَثَمَانِينَ وَكَانَ مدَّته تسع سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَأَرْبَعَة أَيَّام وعمره سِتّ وَأَرْبَعُونَ سنة وَشهر
(خلَافَة المكتفي بِاللَّه)
عَليّ بن المعتضد بن الْمُوفق بن المتَوَكل بن المعتصم بن الرشيد بن الْمهْدي بن الْمَنْصُور لما توفّي المعتضد كَانَ ابْنه المكتفي غَائِبا بالرقة فَنَهَضَ بأعباء الْبيعَة لَهُ الْوَزير أَبُو الْحُسَيْن الْقَاسِم بن عبيد الله وَكتب إِلَيْهِ فوصل وَكَانَ يَوْم دُخُوله يَوْمًا مشهوداً زينت لَهُ بَغْدَاد وَنزل دَار الْخلَافَة وخلع على الْوَزير سبع خلع ومدحه الشُّعَرَاء وأنعم عَلَيْهِم بالجوائز السّنيَّة كَانَ مولده فِي غرَّة ربيع الأول سنة مِائَتَيْنِ وَأَرْبع وَسِتِّينَ وَأمه أم ولد تركية اسْمهَا غنجك وَكَانَ مليح الصُّورَة يضْرب بحسنه الْمثل قَالَ ابْن المعتز من // (الْكَامِل) //
(مَيَّزْتُ بَيْنَ جَمَالِهَا وَفِعَالِهَا ... فَإِذا المَلَاحةُ بِالْجِنَايَةِ لَا تَفِي)
стр. 1539
وَاللَّهِ لَا كَلَّمْتُهَا ولَو انَّها ... كالشَّمْسِ أوْ كَالْبَدْرِ أَوْ كَالْمُكْتَفِي)
كَانَ وسيماً جميلا بديع الْحسن وردى اللَّوْن معتدل الطول أسود الشّعْر قَالَ الصَّفَدِي فِي شرح اللامية وَمن أَيْن للمكتفي صفة الْحسن وَالَّذِي دلّت عَلَيْهِ التواريخ أَنه كَانَ أسمر أعين قَصِيرا وَلَيْسَت هَذِه من صِفَات الْحسن قلت الْمُثبت مقدم على النَّافِي سِيمَا وَأكْثر التواريخ فِيهَا وَصفه بالْحسنِ كَمَا هُنَا وَكَانَ إِلَى حب عَليّ بن أبي طَالب امتدحه شَاعِر بقصيدة يذكر فِيهَا فضل أَوْلَاد الْعَبَّاس على أَوْلَاد عَليّ فَقطع المكتفي عَلَيْهِ إنشاده وَقَالَ كَأَنَّهُمْ لَيْسُوا ابْني عَم وَإِن لم يَكُونُوا خلفاء مَا أحب أَن يُخَاطب أهلنا بِشَيْء من ذَلِك وَلم يسمع القصيدة وَلَا أجَازه عَلَيْهَا وَذكر عبد الْغفار فِي تَارِيخ نيسابور عَن أبي الْمَدِينِيّ وَكَانَ معلما للمكتفي قبل أَن يَلِي الْخلَافَة فَلَمَّا أفضت إِلَيْهِ كتب إِلَيْهِ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ من // (الْخَفِيف) //
(عِنْدَ أَهْلِ التُّقى وَأَهْلِ المُرُوَّةْ ... حقُّ الاُسْتَاذِ فَوْقَ حَقِّ الْأَبُوَّةْ)
(وَأَحَقُّ الْأَنَام أَنْ يحْفظُوا ذاكَ ... وَيرْعوْهُ أهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّهْ)
وَمن أعظم الْحَوَادِث فِي أَيَّام المكتفي ظُهُور القرامطة الْمُلْحِدِينَ بل الْكَفَرَة أَعدَاء الدّين فَأول من خرج مِنْهُم يحيى بن بهرويه القرمطي وَكَانَت دَار ملكهم هجر وهم طَائِفَة إباحية يدعونَ أَن الإِمَام الْحق بعد النَّبِي
مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة ويسندون إِلَيْهِ أقاويل بَاطِلَة لَا أصل لَهَا فَجهز عَلَيْهِ المكتفي جيوشاً فَقتله فَقَامَ بعده أَخُوهُ الْحُسَيْن وَظهر شَأْنه وَظهر ابْن عَمه عِيسَى ابْن مهرويه ويلقب بالمدثر وَزعم أَنه المُرَاد بالسورة الشَّرِيفَة يَا أَيهَا المدثر ولقب غلامَاً مظلماً بالمطوَق بِالنورِ وَزعم أَنه الْمهْدي ودعا لنَفسِهِ على المنابر وأفسد بِالشَّام وعاث فحارب المكتفي الثَّلَاثَة وقتلهم وطيف برءوسهم فِي الْبِلَاد فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَلم يطلّ زمَان المكتفي توفّي لَيْلَة الْأَحَد لِاثْنَتَيْ عشرَة خلت من ذِي الْقعدَة سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَمُدَّة خِلَافَته سِتّ سِنِين وَسَبْعَة أشهر وعمره إِحْدَى وَثَلَاثُونَ سنة وَثَمَانِية أشهر وَثَلَاثَة عشر يَوْمًا
стр. 1540
(خلَافَة المقتدر بِاللَّه)
أَبُو الْفضل جَعْفَر بن المعتضد بن الْمُوفق بِاللَّه بن المتَوَكل بن المعتصم بن الرشيد ابْن الْمهْدي بن الْمَنْصُور بُويِعَ لَهُ بالخلافة بِبَغْدَاد يَوْم مَاتَ أَخُوهُ المكتفي وَهُوَ ابْن ثَلَاث عشرَة سنة وَأَرْبَعين يَوْمًا وَلم يل الْخلَافَة قبله وَلَا بعده أَصْغَر مِنْهُ وَضعف دست الْخلَافَة فِي أَيَّامه ذكر صَاحب النَّوَادِر وَغَيره أَن صافي مولى المعتضد قَالَ مشيت يَوْمًا بَين يَدي المعتضد وَهُوَ يُرِيد دَار الْحَرِيم فَلَمَّا بلغ بَاب دَار المقتدر وقف وَتسمع وتطلع من خلل الْبَاب فَإِذا هُوَ بالمقتدر وَله إِذْ ذَاك خمس سِنِين وَبَين يَدَيْهِ طبق فضَّة فِيهِ عنقود عِنَب فِي وَقت فِيهِ الْعِنَب عَزِيز جدا وَالصَّبِيّ يَأْكُل مِنْهُ وَاحِدَة بعد وَاحِدَة ثمَّ يطعم الْجَمَاعَة عنبه عنبة على الدّور حَتَّى فنى العنقود والمعتضد يتمزق غيظاً ثمَّ رَجَعَ وَلم يدْخل الدَّار فرأيته مهموماً فَقلت مَا سَبَب هَذَا يَا سَيِّدي فَقَالَ يَا صافي لَوْلَا الْعَار وَالنَّار لقتلت هَذَا الْغُلَام الْيَوْم فَإِن فِي قَتله صلاحاً للْأمة فَقلت يَا سَيِّدي مَا شَأْنه وَأي شَيْء غمك أُعِيذك بِاللَّه من هَذَا فَقَالَ وَيحك أَنا بَصِير بِمَا أَقُول أَنا رجل قد سست الْأُمُور وأصلحت الدُّنْيَا بعد فَسَاد شَدِيد وَلَا بُد من موتِي وَأَنا أعلم أَن النَّاس بعدِي لَا يختارون أحدا على وَلَدي إِنَّهُم سيجلسون ابْني عليا يَعْنِي المكتفي وَمَا أَظن عمره يطول لِلْعِلَّةِ الَّتِي بِهِ يَعْنِي الْخَنَازِير الَّتِي فِي حلقه فيتلف عَن قريب وَلَا يرى النَّاس إخْرَاجهَا عَن وَلَدي وَلَا يَجدونَ بعد أمثل من جَعْفَر يَعْنِي المقتدر وَهُوَ صبي وَله من الطَّبْع والسخاء مَا قد رَأَيْته من أَنه أطْعم الوصائف مثل مَا أكل وساوى بَينه وَبينهمْ فِي شَيْء عَزِيز فِي الْعَالم وَالشح على مثله فِي طبائع الصّبيان غَالب فيحتوي على النِّسَاء لقرب عَهده بِهن فَيقسم مَا جمعته من الْأَمْوَال كَمَا قسم الْعِنَب ويبذر خراج الدُّنْيَا
стр. 1541
فتضيع الثغور وتعظم الْأُمُور وتحدث الْحَوَادِث والأسباب الَّتِي فِيهَا زَوَال الْملك عَن بني الْعَبَّاس فَقلت يَا مولَايَ يتخلق بأخلاقك وَلَا يكون هَذَا الَّذِي ظَنَنْت فَقَالَ وَيحك احفظ عني مَا أَقُول فَإِنَّهُ كَمَا قلت وَمكث يَوْمه مهموماً وضربه الدَّهْر ضَرْبَة وَمَات المعتضد وَولى المكتفي وَلم يطلّ عمره وَولي المقتدر فَكَانَ مَا ذكره المعتضد فوَاللَّه لقد وقفت على رَأس المقتدر وَهُوَ فِي مجْلِس لهوه فَدَعَا بالأموال فأخرجت إِلَيْهِ وَوضعت الْبَدْر بَين يَدَيْهِ فَجعل يفرقها على الْجَوَارِي وَالنِّسَاء ويلعب بهَا ويمحقها ويهبها وَأعْطى القهرمانة سبْحَة جَوْهَر لم ير مثلهَا وَأخرج على النِّسَاء جَمِيع جَوَاهِر الْخلَافَة وأتلف أَمْوَالًا كَثِيرَة مِنْهَا من النَّقْد ثَمَانمِائَة ألف ألف دِينَار فَذكرت قَول مولَايَ المعتضد ثمَّ إِن الْجند وَثبُوا على وزيره فَقَتَلُوهُ وَاتَّفَقُوا على خلع المقتدر وعقدوا لأبي الْعَبَّاس عبد الله بن المعتز بن المتَوَكل فوليها
(خلَافَة عبد الله بن المعتز بن المتَوَكل)
لما أقاموه فِي الْخلَافَة لقبوه الْغَالِب بِاللَّه وَقيل المرتضى بِاللَّه بعد أَن شَرط عَلَيْهِم أَلا يكون فِي ذَلِك حَرْب وَلَا سفك دم فَلَمَّا بُويِعَ اسْتمرّ يَوْمًا وَلَيْلَة فَأرْسل إِلَى المقتدر يَأْمُرهُ بإخلاء دَار الْخلَافَة وَأَن يذهب إِلَى دَار مُحَمَّد بن طَاهِر لينْظر فِي أمره فَلَمَّا جَاءَ الرَّسُول إِلَى المقتدر وبلغه الرسَالَة قَالَ لَيْسَ عِنْدِي جَوَاب إِلَّا السَّيْف وَلبس السِّلَاح وَركب وَمَعَهُ جمَاعَة قَليلَة من خدمه وهم مستسلمون للْقَتْل فِي غَايَة الْخَوْف والوجل وهجوا على عبد الله بن المعتز فأهاله ذَلِك وَألقى الله فِي قلبه الرعب فَانْهَزَمَ هُوَ ووزيره وقاضيه وكل من هُوَ فِي ديوانه ظنا أَن خلف هَؤُلَاءِ أعواناً وأنصارَاً وَقبض المقتدر على ابْن المعتز وحبسه ثمَّ أخرجه من الْحَبْس مَيتا
стр. 1542
قَالَ ابْن خلكان لما أَدخل ابْن المعتز على المقتدر أَمر بِهِ فَطرح على الثَّلج عُريَانا وحشى سراويله ثلجاً فَلم يزل كَذَلِك والمقتدر يشرب إِلَى أَن مَاتَ فِي ربيع الآخر سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَعبد الله بن المعتز لقصر زَمَانه لَا يَنْبَغِي عده من الْخُلَفَاء وَلَكِن قد ذَكرْنَاهُ كَمَا ذكره بعض المؤرخين لفضله وأدبه وَهُوَ أشعر بني الْعَبَّاس بل أشعر بني هَاشم على الْإِطْلَاق وأغزرهم فضلَا وأدبَاً ودخولا وَمَعْرِفَة بِعلم الموسيقا وَصَاحب التشبيهات المبتكرة الغريبة المخترعة المرقصة الَّتِي لَا يشق لَهُ فِيهَا غُبَار وَكَانَ يَقُول إِذا قلت كَأَن وَلم أجد تَشْبِيها فَقطع الله لساني قلت مِمَّا أحفظ لعبد الله ابْن المعتز من ذَلِك قَوْله فِي تَشْبِيه الْهلَال والثريا حَيْثُ يَقُول من // (المنسرح) //
(قَدِ انْقَضَتْ دَوْلةُ الصِّيَامِ وَقدْ ... بَشَّرَ سُقْمُ الهِلَالِ بِالْعِيدِ)
(يَتْلُو الثُّريَّا كَفاغِرٍ شَرِهٍ ... يَفْتَحُ فَاهُ لِأَكْلِ عُنْقُودِ)
وَقَوله فِي تَشْبِيه اللَّيْل والهلال والنجوم من // (المنسرح) //
(كَأَنَّمَا اللَّيْلُ وَالهِلَالُ وقَدْ ... لَاحَتْ نُجُومُ السَّماءِ مُنْقَضَّهْ)
(وَأْمٌ مِنَ الزَّنْجِ حوْلهُ ذَهَبٌ ... تبْدُرُ مِنْهُ بنَادِقُ الفِضَّهْ)
وَقَوله من // (الرجز) //
(إِذَا الْهِلالُ فارَقَتْهُ ليْلَتُه ... )
(لِكُلِّ مَنْ يَرْمُقُهُ وَيَنْعَتُهْ ... )
(كَأَنَّهُ أَسْرُ شَابَتْ لِحْيَتُهْ ... )
وَهُوَ صَاحب القصيدة البائية اليتي يفخر فِيهَا على بني هَاشم ويدعى أَوْلَوِيَّة الْخلَافَة ببني الْعَبَّاس وَهُوَ فِي ذَلِك ظَالِم وَهِي قَوْله من // (المتقارب) //
(أَلَا مَنْ لِعَيْنٍ وتَسْكَابِهَا ... تُشَكِّي القَذا وبُكاهَا بِها)
(ترَامتْ بِنَا حَادِثاتُ الزَّمَانِ تَرَامِى ... القِسِيِّ بِنشَّابِهَا)
(وَيَا رُبَّ ألْسِنةٍ كَالسُّيوفِ ... تُقَطِّعُ أَرْقابَ أَصْحَابِها)
(وَكم دُهِيَ المرءُ مِن نفسِهِ ... فمزَّقهُ حَدُّ أَنيابِهَا)
стр. 1543
(فرصه وَإِنْ أمكنَتْ فِي العدوِ ... فَلَا تُبدِ همَّكَ إلاّ بِهَا)
)
فإنْ لم تَلِجْ بابَها مُسْرِعًا ... أتاكَ عدوُّكَ مِنْ بَابِها)
(وهلْ نافِعٌ نَدَمٌ بعدَهَا ... وتأميلُ أُخْرَى وأَنَّي بِهَا)
(وَمَا يُنْتَقَصْ من شبابِ الرجالِ ... يُزَدْ فِي نُهَاها وَأَلْبابِهَا)
(نهيتُ بنِي رَحِمِي نَاصِحًا ... نَصيحَةَ بَرِّ بأنسَابِهَا)
(وَقد رَكِبُوا بغيهم وارْتقَوْا ... مَعَارِجَ تَهْوِي بركَّابِهَا)
(فَرَامُوا فَرَائِسَ أُسْد الشَّرى ... وَقد نَشِبَتْ بينَ أَنيابِهَا)
(دَعُوا الأُسْد تفرسُ ثمَّ اشْبَعُوا ... بِمَا تفضلُ الأسْدُ فِي غابِهَا)
وَمِنْهَا
(قتلنَا أميةَ فِي دارِها ... ونحنُ أحقُّ بأسلابِهَا)
(وَلما أَبَى اللَّهُ أَن تملِكُوا ... نهضْنَا إِلَيْهَا وقٌ مْنَا بِها)
(وَنحن ورثنا ثيابَ النَّبِيِّ ... فَلِمْ تَجذِبونَ بأَهْدَابِهَا)
(لَكُمْ رَحِمٌ يَا بني بِنْتِهِ ... ولكنْ بنُو العمِّ أولَى بِهَا)
(فَمهْلاً بني عَمِّمنَا إنَّها ... عطيَّةُ ربِّ حَبَانا بِهَا)
(وَكَانَت تَزَلزلُ فِي العالَمِينَ ... فَشُدَّتْ لَدَيْنا بأَطْنابِهَا)
فَرد عَلَيْهِ شَاعِر زَمَانه وفصيح أَوَانه عبد الْعَزِيز بن سَرَايَا الْحلِيّ وأجاد فَقَالَ من // (المتقارب) //
(أَلَا قُلْ لِشرِّ عبيدِ الإِلهِ ... وَطَاغي قريسٍ وَكَذَّابِهَا)
(أَأَنْتَ تُفَاخِرُ آلَ النبيِّ ... وَتَجْحَدُهَا فَضْلَ أَنْسَابِهَا)
(بِكُمْ بَاهَلَ المُصْطَفى أَمْ بِهِمْ ... وَرَدَّ العُدَاةَ بِأَوْصَابِهَا)
(أَعَنْكُم نَفَى الرِّجْسَ أَمْ عَنْهُمُ ... لِطُهْرِ النُّفُوسِ وَأَلْبَابِهَا)
(أَمِ الشُّرْبُ واللهْوُ مِنْ دَأْبِكُمْ ... وَفَرْطُ العِبَادَةِ مِنْ دأبِهَا)
(وقلتم ورِثْنَا ثِياب النَّبِيِّ ... فَلِمْ تَجْذِبُونَ بأهْدَابِهَا)
(وعندكَ لَا تُورَثُ الأنبياءُ ... فكَيْفَ حظِيتُمْ بأَثْوَابِهَا)
(فكذبْتَ نَفْسَك فِي الحالَتَيْنِ ... وَلم تعلمِ الشَّهْدَ مِنْ صَابِها)
(أَجَدُّكَ يرْضَى بِمَا قلتَهُ ... وَمَا كَانَ يوْمًا بمُرْتَابِهَا)
стр. 1544
(وَكَانَ ب صِفِّينَ من حِزْبِهِمْ ... لحربِ الطُّغَاةِ وأحْزَابِهَا)
(وَقد شَمَّرَ المَوْتُ عَن سَاقِهِ ... وكَشَّرَتِ الحَرْبُ عَن نَابِهَا)
(فأقبلَ يَدْعُو إِلَى حَيْدرٍ ... بِإْعَرابها وبإرْهَابِهَا)
(وآثرَ أَنْ ترتضيه الأَنامُ ... مِنَ الحَكَمَينِ لإسْهَابِهَا)
(ليُعْطِى الخِلافَةَ أَهْلاً لَها ... فَلم يرتضوه لأَنجابِهَا)
(وَصَلَّى معَ الناسِ طولَ الحياةِ ... وحَيْدَرُ فِي صدرِ مِحْرابِهَا)
(فَهَلَاّ تَقَمَّصَها جَدُّكُمْ ... إِذَا كانَ ذَلِك أَحْرَى بِهَا)
(وإِذْ جعَل الأمرَ شُورَى لَهُم ... فَهلْ كَانَ من بَعْضِ أَرْبَابِهَا)
(أَخَامِسَهُمْ كَانَ أَمْ سَادِسًا ... وَقَدْ جُليَتْ بَيْن خطَّابِها)
(وقولُكَ أَنْتُم بنُو بنتِهِ ... وَلَكِنْ بَنُو العَمِّ أَولَى بِهَا)
(بَنُو البِنْتِ أَيْضا بَنُو عمّهِ ... وذَلِكَ أَدْنَى لِأَنْسَابِهَا)
(فدَعْ فِي الخلَافَةِ فصْلَ الخِطَابِ ... فليسَتْ ذَلُولاً لِرُكَّابِهَا)
(وَمَا أَنْت والفَحْصَ عَنْ شَأْنِهَا ... وَمَا قمَّصُوكَ بِأَثْوَابِهَا)
(وَمَا ساوَرَتْكَ سِوَى سَاعَةٍ ... فَمَا كُنْتَ أَهْلاً لأَلْقَابِهَا)
(وَكَيْفَ يخُصُّوكَ يوْمًا بِهًا ... ولمْ تَتَأَدَّبْ بِآدابِهَا)
(وقُلْت بأنَّكُمُ القَاتِلُون ... أسودَ أُمَيَّةَ فِي غابِهَا)
(كَذبْتَ وَأَسْرَفْت فِيمَا ادَّعَيْتَ ... وَلَمْ تَفْدِ نفَسكَ عنْ عَابِهَا)
(فَكَمْ حَاوَلَتْهَا سَرَاةٌ لَكُمْ ... فَردَّتْ عَلَى نَكْصِ أَعْقَابِِهَا)
(وَلَوْلَا سُيُوف أبي مُسْلِمٍ ... لَعَزَّتْ عَلَى جَهْدِ طلَاّبِهَا)
)
وَذَلِكَ عَبْدُ لَهُمْ لَا لَكُمْ ... رَعَى فيكمُ قُرْبَ أَنْسَابِهَا)
(وَكنتُمْ أَسََارَى بِبطْنِ الحُبُوسِ ... وقَد شَفَّكُمْ لَثْمُ أَعْقَابِهَا)
(فَأَخْرَجَكُمْ وَحبَاكُمْ بِها ... وَقَمَّصَكُمْ فَضْلَ جِلْبَابِهَا ...
(فجازَيْتُمُوه بِشرِّ الجَزَاءِ ... لطغْوَى النُّفُوسِ وَإِعْجَابِهَا)
(فدَعْ ذِكْرَ قَوْم رَضُوا بالكَفافِ ... وجاءُوا القَنَاعَةَ مِنْ بابِهَا)
(هُمُ الزَّاهِدُونَ هُمُ العابِدُون ... هُمُ العامِلُون بآدابهَا)
(هُمُ القََائِمُونَ هُمُ الرَّاكِعُون ... هُمُ السَّاجِدُونَ بِمحْرَابِها)
стр. 1545
(هُمُ قُطْبُ مِلَّةِ دِينِ الإِلَهِ ... ودَوْرُ الرُّحِِيِّ بِأَقْطَابِهَا)
(عَلَيْكَ بِلَهْوِكَ بالْغَانِيَاتِ ... وَخَلً الامَعَالِي لِأَرْبَابِهَا)
(وَوَصْفِ العِذَارِ وَذَاتِ الخِمَارِ ... وَنعْتِ العُقارِ بِأَلْقَابِهَا)
(وَشِعْرِكَ فِي مَدْحِ تَرْكِ الصَّلَاةِ ... وَسَعْىِ السُّقَاةِ بِأَكْوَابِهَا)
(فَذَلِكَ شَأْنُكَ لَا شَأْنُهُمْ ... وَجَرْىُ الجِيَادِ بِأَحْسَابِهَا)
وَاسْتمرّ المقتدر فِي الْخلَافَة إِلَى أَن خرج عَلَيْهِ مؤنس الْخَادِم مقدم جَيْشه وَذَلِكَ سنة سبع عشرَة وثلاثمائة لأمر بلغه عَنهُ وَهُوَ أَنه قد عزم على اغتياله فَبلغ المقتدر مَا نقل إِلَى مؤنس فَحلف المقتدر على بطلَان ذَلِك معتذرَاً إِلَى مؤنس فأسرها مؤنس وَلم يقبل حلفه وَلَا عذره وَركب والجيش مَعَه وَجَاءُوا دَار الْخلَافَة فهرب خَواص المقتدر وَأشْهد المقتدر على نَفسه بِالْخلْعِ وأحضر مؤنس أَبَا مَنْصُور مُحَمَّد بن المعتضد وَبَايَعَهُ ولقب بالقاهر بِاللَّه وفوضت الوزارة إِلَى الْوَزير أبي عَليّ ابْن مقلة الْكَاتِب الْمَشْهُور وَاسْتقر القاهر وَكتب الْوَزير إِلَى سَائِر الْبِلَاد وَعمل يَوْم الِاثْنَيْنِ الدِّيوَان فجَاء الْعَسْكَر يطْلبُونَ مِنْهُ رسم الْبيعَة فارتفعت الْأَصْوَات فَمَنعهُمْ الْحَاجِب من الدُّخُول إِلَى الْخَلِيفَة القاهر فَقتلُوا الْحَاجِب ومالوا إِلَى دَار مؤنس الْخَادِم وأخرجوا المقتدر من الْحَبْس وَحَمَلُوهُ على أَعْنَاقهم إِلَى دَار الْخلَافَة فَجَلَسَ على سريرها وأتوه بأَخيه القاهر وَهُوَ مقهور يبكي وَيَقُول الله الله يَا أخي فِي روحي فاستدناه المقتدر وَقبل بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ يَا أخي لَا ذَنْب لَك الذَّنب لمؤنس وَأَنت مُضْطَر مغلوب على أَمرك وَالله لَا ينالك مني مَكْرُوه فطب نفسا وقر عينا وبذل المقتدر الْأَمْوَال للجند واسترضاه وَثبتت لَهُ الْخلَافَة بعد الْعَزْل مرَّتَيْنِ الأول بالمعتز وَالثَّانيَِة بالقاهر وَهَذِه التَّوْلِيَة ثَالِث مرّة وَالثَّالِثَة ثَابِتَة وَمن محَاسِن المقتدر أَنه زَاد فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بَاب إِبْرَاهِيم فِي الْجَانِب الغربي مِنْهُ وَلَيْسَ المُرَاد بإبراهيم الْمُضَاف إِلَيْهِ هَذَا الْبَاب سيدنَا إِبْرَاهِيم الْخَلِيل على نَبينَا وَعَلِيهِ وعَلى سَائِر النَّبِيين أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَإِنَّمَا هُوَ إِبْرَاهِيم كَانَ خياطاً يجلِسُ عِنْد الْبَاب وَعمر دهراً فَعرف الْبَاب بِهِ وأضيف إِلَيْهِ كَذَا فِي أَعْلَام القطبي وقدمت على المقتدر رسل ملك الرّوم بِهَدَايَا لطلب الْهُدْنَة فَعمل المقتدر موكباً عَظِيما لإرهاب الْعَدو فَأَقَامَ مائَة وَسِتِّينَ ألف مقَاتل بِالسِّلَاحِ الْكَامِل سماطين وَأقَام
следующие страницы →