← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

فتضيع الثغور وتعظم الْأُمُور وتحدث الْحَوَادِث والأسباب الَّتِي فِيهَا زَوَال الْملك عَن بني الْعَبَّاس فَقلت يَا مولَايَ يتخلق بأخلاقك وَلَا يكون هَذَا الَّذِي ظَنَنْت فَقَالَ وَيحك احفظ عني مَا أَقُول فَإِنَّهُ كَمَا قلت وَمكث يَوْمه مهموماً وضربه الدَّهْر ضَرْبَة وَمَات المعتضد وَولى المكتفي وَلم يطلّ عمره وَولي المقتدر فَكَانَ مَا ذكره المعتضد فوَاللَّه لقد وقفت على رَأس المقتدر وَهُوَ فِي مجْلِس لهوه فَدَعَا بالأموال فأخرجت إِلَيْهِ وَوضعت الْبَدْر بَين يَدَيْهِ فَجعل يفرقها على الْجَوَارِي وَالنِّسَاء ويلعب بهَا ويمحقها ويهبها وَأعْطى القهرمانة سبْحَة جَوْهَر لم ير مثلهَا وَأخرج على النِّسَاء جَمِيع جَوَاهِر الْخلَافَة وأتلف أَمْوَالًا كَثِيرَة مِنْهَا من النَّقْد ثَمَانمِائَة ألف ألف دِينَار فَذكرت قَول مولَايَ المعتضد ثمَّ إِن الْجند وَثبُوا على وزيره فَقَتَلُوهُ وَاتَّفَقُوا على خلع المقتدر وعقدوا لأبي الْعَبَّاس عبد الله بن المعتز بن المتَوَكل فوليها (خلَافَة عبد الله بن المعتز بن المتَوَكل) لما أقاموه فِي الْخلَافَة لقبوه الْغَالِب بِاللَّه وَقيل المرتضى بِاللَّه بعد أَن شَرط عَلَيْهِم أَلا يكون فِي ذَلِك حَرْب وَلَا سفك دم فَلَمَّا بُويِعَ اسْتمرّ يَوْمًا وَلَيْلَة فَأرْسل إِلَى المقتدر يَأْمُرهُ بإخلاء دَار الْخلَافَة وَأَن يذهب إِلَى دَار مُحَمَّد بن طَاهِر لينْظر فِي أمره فَلَمَّا جَاءَ الرَّسُول إِلَى المقتدر وبلغه الرسَالَة قَالَ لَيْسَ عِنْدِي جَوَاب إِلَّا السَّيْف وَلبس السِّلَاح وَركب وَمَعَهُ جمَاعَة قَليلَة من خدمه وهم مستسلمون للْقَتْل فِي غَايَة الْخَوْف والوجل وهجوا على عبد الله بن المعتز فأهاله ذَلِك وَألقى الله فِي قلبه الرعب فَانْهَزَمَ هُوَ ووزيره وقاضيه وكل من هُوَ فِي ديوانه ظنا أَن خلف هَؤُلَاءِ أعواناً وأنصارَاً وَقبض المقتدر على ابْن المعتز وحبسه ثمَّ أخرجه من الْحَبْس مَيتا

стр. 1542

قَالَ ابْن خلكان لما أَدخل ابْن المعتز على المقتدر أَمر بِهِ فَطرح على الثَّلج عُريَانا وحشى سراويله ثلجاً فَلم يزل كَذَلِك والمقتدر يشرب إِلَى أَن مَاتَ فِي ربيع الآخر سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَعبد الله بن المعتز لقصر زَمَانه لَا يَنْبَغِي عده من الْخُلَفَاء وَلَكِن قد ذَكرْنَاهُ كَمَا ذكره بعض المؤرخين لفضله وأدبه وَهُوَ أشعر بني الْعَبَّاس بل أشعر بني هَاشم على الْإِطْلَاق وأغزرهم فضلَا وأدبَاً ودخولا وَمَعْرِفَة بِعلم الموسيقا وَصَاحب التشبيهات المبتكرة الغريبة المخترعة المرقصة الَّتِي لَا يشق لَهُ فِيهَا غُبَار وَكَانَ يَقُول إِذا قلت كَأَن وَلم أجد تَشْبِيها فَقطع الله لساني قلت مِمَّا أحفظ لعبد الله ابْن المعتز من ذَلِك قَوْله فِي تَشْبِيه الْهلَال والثريا حَيْثُ يَقُول من // (المنسرح) // (قَدِ انْقَضَتْ دَوْلةُ الصِّيَامِ وَقدْ ... بَشَّرَ سُقْمُ الهِلَالِ بِالْعِيدِ) (يَتْلُو الثُّريَّا كَفاغِرٍ شَرِهٍ ... يَفْتَحُ فَاهُ لِأَكْلِ عُنْقُودِ) وَقَوله فِي تَشْبِيه اللَّيْل والهلال والنجوم من // (المنسرح) // (كَأَنَّمَا اللَّيْلُ وَالهِلَالُ وقَدْ ... لَاحَتْ نُجُومُ السَّماءِ مُنْقَضَّهْ) (وَأْمٌ مِنَ الزَّنْجِ حوْلهُ ذَهَبٌ ... تبْدُرُ مِنْهُ بنَادِقُ الفِضَّهْ) وَقَوله من // (الرجز) // (إِذَا الْهِلالُ فارَقَتْهُ ليْلَتُه ... ) (لِكُلِّ مَنْ يَرْمُقُهُ وَيَنْعَتُهْ ... ) (كَأَنَّهُ أَسْرُ شَابَتْ لِحْيَتُهْ ... ) وَهُوَ صَاحب القصيدة البائية اليتي يفخر فِيهَا على بني هَاشم ويدعى أَوْلَوِيَّة الْخلَافَة ببني الْعَبَّاس وَهُوَ فِي ذَلِك ظَالِم وَهِي قَوْله من // (المتقارب) // (أَلَا مَنْ لِعَيْنٍ وتَسْكَابِهَا ... تُشَكِّي القَذا وبُكاهَا بِها) (ترَامتْ بِنَا حَادِثاتُ الزَّمَانِ تَرَامِى ... القِسِيِّ بِنشَّابِهَا) (وَيَا رُبَّ ألْسِنةٍ كَالسُّيوفِ ... تُقَطِّعُ أَرْقابَ أَصْحَابِها) (وَكم دُهِيَ المرءُ مِن نفسِهِ ... فمزَّقهُ حَدُّ أَنيابِهَا)

стр. 1543

(فرصه وَإِنْ أمكنَتْ فِي العدوِ ... فَلَا تُبدِ همَّكَ إلاّ بِهَا) ) فإنْ لم تَلِجْ بابَها مُسْرِعًا ... أتاكَ عدوُّكَ مِنْ بَابِها) (وهلْ نافِعٌ نَدَمٌ بعدَهَا ... وتأميلُ أُخْرَى وأَنَّي بِهَا) (وَمَا يُنْتَقَصْ من شبابِ الرجالِ ... يُزَدْ فِي نُهَاها وَأَلْبابِهَا) (نهيتُ بنِي رَحِمِي نَاصِحًا ... نَصيحَةَ بَرِّ بأنسَابِهَا) (وَقد رَكِبُوا بغيهم وارْتقَوْا ... مَعَارِجَ تَهْوِي بركَّابِهَا) (فَرَامُوا فَرَائِسَ أُسْد الشَّرى ... وَقد نَشِبَتْ بينَ أَنيابِهَا) (دَعُوا الأُسْد تفرسُ ثمَّ اشْبَعُوا ... بِمَا تفضلُ الأسْدُ فِي غابِهَا) وَمِنْهَا (قتلنَا أميةَ فِي دارِها ... ونحنُ أحقُّ بأسلابِهَا) (وَلما أَبَى اللَّهُ أَن تملِكُوا ... نهضْنَا إِلَيْهَا وقٌ مْنَا بِها) (وَنحن ورثنا ثيابَ النَّبِيِّ ... فَلِمْ تَجذِبونَ بأَهْدَابِهَا) (لَكُمْ رَحِمٌ يَا بني بِنْتِهِ ... ولكنْ بنُو العمِّ أولَى بِهَا) (فَمهْلاً بني عَمِّمنَا إنَّها ... عطيَّةُ ربِّ حَبَانا بِهَا) (وَكَانَت تَزَلزلُ فِي العالَمِينَ ... فَشُدَّتْ لَدَيْنا بأَطْنابِهَا) فَرد عَلَيْهِ شَاعِر زَمَانه وفصيح أَوَانه عبد الْعَزِيز بن سَرَايَا الْحلِيّ وأجاد فَقَالَ من // (المتقارب) // (أَلَا قُلْ لِشرِّ عبيدِ الإِلهِ ... وَطَاغي قريسٍ وَكَذَّابِهَا) (أَأَنْتَ تُفَاخِرُ آلَ النبيِّ ... وَتَجْحَدُهَا فَضْلَ أَنْسَابِهَا) (بِكُمْ بَاهَلَ المُصْطَفى أَمْ بِهِمْ ... وَرَدَّ العُدَاةَ بِأَوْصَابِهَا) (أَعَنْكُم نَفَى الرِّجْسَ أَمْ عَنْهُمُ ... لِطُهْرِ النُّفُوسِ وَأَلْبَابِهَا) (أَمِ الشُّرْبُ واللهْوُ مِنْ دَأْبِكُمْ ... وَفَرْطُ العِبَادَةِ مِنْ دأبِهَا) (وقلتم ورِثْنَا ثِياب النَّبِيِّ ... فَلِمْ تَجْذِبُونَ بأهْدَابِهَا) (وعندكَ لَا تُورَثُ الأنبياءُ ... فكَيْفَ حظِيتُمْ بأَثْوَابِهَا) (فكذبْتَ نَفْسَك فِي الحالَتَيْنِ ... وَلم تعلمِ الشَّهْدَ مِنْ صَابِها) (أَجَدُّكَ يرْضَى بِمَا قلتَهُ ... وَمَا كَانَ يوْمًا بمُرْتَابِهَا)

стр. 1544

(وَكَانَ ب صِفِّينَ من حِزْبِهِمْ ... لحربِ الطُّغَاةِ وأحْزَابِهَا) (وَقد شَمَّرَ المَوْتُ عَن سَاقِهِ ... وكَشَّرَتِ الحَرْبُ عَن نَابِهَا) (فأقبلَ يَدْعُو إِلَى حَيْدرٍ ... بِإْعَرابها وبإرْهَابِهَا) (وآثرَ أَنْ ترتضيه الأَنامُ ... مِنَ الحَكَمَينِ لإسْهَابِهَا) (ليُعْطِى الخِلافَةَ أَهْلاً لَها ... فَلم يرتضوه لأَنجابِهَا) (وَصَلَّى معَ الناسِ طولَ الحياةِ ... وحَيْدَرُ فِي صدرِ مِحْرابِهَا) (فَهَلَاّ تَقَمَّصَها جَدُّكُمْ ... إِذَا كانَ ذَلِك أَحْرَى بِهَا) (وإِذْ جعَل الأمرَ شُورَى لَهُم ... فَهلْ كَانَ من بَعْضِ أَرْبَابِهَا) (أَخَامِسَهُمْ كَانَ أَمْ سَادِسًا ... وَقَدْ جُليَتْ بَيْن خطَّابِها) (وقولُكَ أَنْتُم بنُو بنتِهِ ... وَلَكِنْ بَنُو العَمِّ أَولَى بِهَا) (بَنُو البِنْتِ أَيْضا بَنُو عمّهِ ... وذَلِكَ أَدْنَى لِأَنْسَابِهَا) (فدَعْ فِي الخلَافَةِ فصْلَ الخِطَابِ ... فليسَتْ ذَلُولاً لِرُكَّابِهَا) (وَمَا أَنْت والفَحْصَ عَنْ شَأْنِهَا ... وَمَا قمَّصُوكَ بِأَثْوَابِهَا) (وَمَا ساوَرَتْكَ سِوَى سَاعَةٍ ... فَمَا كُنْتَ أَهْلاً لأَلْقَابِهَا) (وَكَيْفَ يخُصُّوكَ يوْمًا بِهًا ... ولمْ تَتَأَدَّبْ بِآدابِهَا) (وقُلْت بأنَّكُمُ القَاتِلُون ... أسودَ أُمَيَّةَ فِي غابِهَا) (كَذبْتَ وَأَسْرَفْت فِيمَا ادَّعَيْتَ ... وَلَمْ تَفْدِ نفَسكَ عنْ عَابِهَا) (فَكَمْ حَاوَلَتْهَا سَرَاةٌ لَكُمْ ... فَردَّتْ عَلَى نَكْصِ أَعْقَابِِهَا) (وَلَوْلَا سُيُوف أبي مُسْلِمٍ ... لَعَزَّتْ عَلَى جَهْدِ طلَاّبِهَا) ) وَذَلِكَ عَبْدُ لَهُمْ لَا لَكُمْ ... رَعَى فيكمُ قُرْبَ أَنْسَابِهَا) (وَكنتُمْ أَسََارَى بِبطْنِ الحُبُوسِ ... وقَد شَفَّكُمْ لَثْمُ أَعْقَابِهَا) (فَأَخْرَجَكُمْ وَحبَاكُمْ بِها ... وَقَمَّصَكُمْ فَضْلَ جِلْبَابِهَا ... (فجازَيْتُمُوه بِشرِّ الجَزَاءِ ... لطغْوَى النُّفُوسِ وَإِعْجَابِهَا) (فدَعْ ذِكْرَ قَوْم رَضُوا بالكَفافِ ... وجاءُوا القَنَاعَةَ مِنْ بابِهَا) (هُمُ الزَّاهِدُونَ هُمُ العابِدُون ... هُمُ العامِلُون بآدابهَا) (هُمُ القََائِمُونَ هُمُ الرَّاكِعُون ... هُمُ السَّاجِدُونَ بِمحْرَابِها)

стр. 1545

(هُمُ قُطْبُ مِلَّةِ دِينِ الإِلَهِ ... ودَوْرُ الرُّحِِيِّ بِأَقْطَابِهَا) (عَلَيْكَ بِلَهْوِكَ بالْغَانِيَاتِ ... وَخَلً الامَعَالِي لِأَرْبَابِهَا) (وَوَصْفِ العِذَارِ وَذَاتِ الخِمَارِ ... وَنعْتِ العُقارِ بِأَلْقَابِهَا) (وَشِعْرِكَ فِي مَدْحِ تَرْكِ الصَّلَاةِ ... وَسَعْىِ السُّقَاةِ بِأَكْوَابِهَا) (فَذَلِكَ شَأْنُكَ لَا شَأْنُهُمْ ... وَجَرْىُ الجِيَادِ بِأَحْسَابِهَا) وَاسْتمرّ المقتدر فِي الْخلَافَة إِلَى أَن خرج عَلَيْهِ مؤنس الْخَادِم مقدم جَيْشه وَذَلِكَ سنة سبع عشرَة وثلاثمائة لأمر بلغه عَنهُ وَهُوَ أَنه قد عزم على اغتياله فَبلغ المقتدر مَا نقل إِلَى مؤنس فَحلف المقتدر على بطلَان ذَلِك معتذرَاً إِلَى مؤنس فأسرها مؤنس وَلم يقبل حلفه وَلَا عذره وَركب والجيش مَعَه وَجَاءُوا دَار الْخلَافَة فهرب خَواص المقتدر وَأشْهد المقتدر على نَفسه بِالْخلْعِ وأحضر مؤنس أَبَا مَنْصُور مُحَمَّد بن المعتضد وَبَايَعَهُ ولقب بالقاهر بِاللَّه وفوضت الوزارة إِلَى الْوَزير أبي عَليّ ابْن مقلة الْكَاتِب الْمَشْهُور وَاسْتقر القاهر وَكتب الْوَزير إِلَى سَائِر الْبِلَاد وَعمل يَوْم الِاثْنَيْنِ الدِّيوَان فجَاء الْعَسْكَر يطْلبُونَ مِنْهُ رسم الْبيعَة فارتفعت الْأَصْوَات فَمَنعهُمْ الْحَاجِب من الدُّخُول إِلَى الْخَلِيفَة القاهر فَقتلُوا الْحَاجِب ومالوا إِلَى دَار مؤنس الْخَادِم وأخرجوا المقتدر من الْحَبْس وَحَمَلُوهُ على أَعْنَاقهم إِلَى دَار الْخلَافَة فَجَلَسَ على سريرها وأتوه بأَخيه القاهر وَهُوَ مقهور يبكي وَيَقُول الله الله يَا أخي فِي روحي فاستدناه المقتدر وَقبل بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ يَا أخي لَا ذَنْب لَك الذَّنب لمؤنس وَأَنت مُضْطَر مغلوب على أَمرك وَالله لَا ينالك مني مَكْرُوه فطب نفسا وقر عينا وبذل المقتدر الْأَمْوَال للجند واسترضاه وَثبتت لَهُ الْخلَافَة بعد الْعَزْل مرَّتَيْنِ الأول بالمعتز وَالثَّانيَِة بالقاهر وَهَذِه التَّوْلِيَة ثَالِث مرّة وَالثَّالِثَة ثَابِتَة وَمن محَاسِن المقتدر أَنه زَاد فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بَاب إِبْرَاهِيم فِي الْجَانِب الغربي مِنْهُ وَلَيْسَ المُرَاد بإبراهيم الْمُضَاف إِلَيْهِ هَذَا الْبَاب سيدنَا إِبْرَاهِيم الْخَلِيل على نَبينَا وَعَلِيهِ وعَلى سَائِر النَّبِيين أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَإِنَّمَا هُوَ إِبْرَاهِيم كَانَ خياطاً يجلِسُ عِنْد الْبَاب وَعمر دهراً فَعرف الْبَاب بِهِ وأضيف إِلَيْهِ كَذَا فِي أَعْلَام القطبي وقدمت على المقتدر رسل ملك الرّوم بِهَدَايَا لطلب الْهُدْنَة فَعمل المقتدر موكباً عَظِيما لإرهاب الْعَدو فَأَقَامَ مائَة وَسِتِّينَ ألف مقَاتل بِالسِّلَاحِ الْكَامِل سماطين وَأقَام

стр. 1546

بعدهمْ الخدم وهم سَبْعَة آلَاف خَادِم ثمَّ الْحجاب وهم سَبْعمِائة حَاجِب وعلق فِي دَار الْخلَافَة ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ ألف ستر ديباج وَكَانَت الْفرش الفاخرة الَّتِي بسطت فِي الأَرْض اثْنَيْنِ وَعشْرين ألف بِسَاط وَفِي الحضرة مائَة سبع بسلاسل الذَّهَب وَالْفِضَّة وأبرز شَجَرَة صيغت من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَأَغْصَانهَا تتمايل بحركات مصنوعة وعَلى الأغصان طيور ذهب وَفِضة تنفخ فِيهَا الرّيح فَيسمع لكل طير تغريد وصفير خَاص وَهَذَا بعد وَهن الْخلَافَة وضعفها فَكيف كَانَ زينتها فِي أَيَّام دولتهم فِي كَمَال وصفهَا فسبحان من لَا يزَال ملكه وَلَا يَزُول وَفِي هَذِه السّنة وَهِي سنة سبع عشرَة وثلاثمائة لم تشعر الْحجَّاج يَوْم التَّرويَة بِمَكَّة إِلَّا وَقد وافاهم عَدو الله أَبُو طَاهِر القرمطي فِي عَسْكَر جرار فَدَخَلُوا بخيلهم وسلاحهم الْمَسْجِد الْحَرَام وَوَضَعُوا السَّيْف فِي الطائفين والمصلين والمحرمين إِلَى أَن قتلوا فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَفِي مَكَّة وشعابها أَزِيد من ثَلَاثِينَ ألف إِنْسَان وركض أَبُو طَاهِر بِسَيْفِهِ مسلولا بِيَدِهِ وَهُوَ سَكرَان فصفر لفرسه عِنْد الْبَيْت فَبَال وراث وَالْحجاج يطوفون وَالسُّيُوف تأخذهم وَقتل فِي المطاف خَاصَّة ألف محرم وطمت بِئْر زَمْزَم بالقتلى وَمَا بِمَكَّة من الْحفر والآبار ملئت بهم وطلع أَبُو طَاهِر إِلَى بَاب الْكَعْبَة فقلعه وَهُوَ يَقُول من // (الرمل) // (أَنَا بِاللَّهِ وَباللَّهِ أَنَا ... يَخْلُقُ الْخَلْقَ وَأُفْنِيهِمْ أَنَا) وأطلع رجلا لقلع الْمِيزَاب فَأَتَاهُ سهم من جبل أبي قبيس فَقتله وأطلع آخر لقلعه فَسقط إِلَى أَسْفَل فانفضخ دماغه فَقَالَ دَعوه حَتَّى يَأْتِي من يَأْخُذهُ وَقتل أَمِير مَكَّة مُحَمَّد بن محَارب وخلقاً من الْعلمَاء والصلحاء واستدعى جَعْفَر بن أبي علاج فَأمره بقلع الْحجر الْأسود فقلعه بعد الْعَصْر يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع عشر لَيْلَة خلت من ذِي الْحجَّة من تِلْكَ السّنة وَأقَام بِمَكَّة أحد عشر يَوْمًا وَقيل سِتَّة أَيَّام ثمَّ انْصَرف إِلَى بَلَده هجر وَحمل مَعَه الْحجر الْأسود يُرِيد أَن يحول الْحَج إِلَى بَلَده الَّذِي سَمَّاهُ دَار الْهِجْرَة وَأَرَادَ أَخذ مقَام الْخَلِيل فغيبه بَنو شيبَة فِي بعض شعاب مَكَّة وَلما وصل إِلَى بَلَده علق الْحجر الْأسود فِي الأسطوانة السَّابِعَة مِمَّا يَلِي صحن الْمَسْجِد وَبَقِي الْحجر الْأسود عِنْدهم وبذل لَهُ الْمُطِيع العباسي خمسين ألفا فَلم يردوه إِلَى أَن أيسوا من تَحْويل الْحَج إِلَى بلدهم هجر فَردُّوهُ إِلَى مَحَله من أنفسهم

стр. 1547

بعد اثْنَيْنِ وَعشْرين عَاما وَأَرْبَعَة أَيَّام أَتَى بِهِ سمندر بن الْحسن القرمطي إِلَى مَكَّة يَوْم النَّحْر سنة ٣٣٩ تسع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة فَوَضعه وَقَالَ أخذناه بِأَمْر ورددناه بِأَمْر وللقرمطي وعترته سير مُطَوَّلَة وابتلى أَبُو طَاهِر بأكلة فَصَارَ لَحْمه يَتَنَاثَر بالدود فَمَاتَ أشنع موتَة وَفِي التواريخ صور أُخْرَى لهَذِهِ الْقِصَّة متناقضة وَهَذَا ملخص أصح مَا روى فِيهَا فاعتمدنا عَلَيْهِ بِاخْتِصَار ثمَّ وَقع بَين مؤنس والمقتدر حَرْب خرج فِيهِ المقتدر فتوغل فِي المعركة فَضَربهُ بربري من خَلفه فَسقط إِلَى الأَرْض فَقَالَ لضاربه وَيحك أَنا الْخَلِيفَة فَقَالَ أَنْت الْمَطْلُوب وذبحه بِالسَّيْفِ وَرفع رَأسه على الرمْح وسلب مَا على بدنه وَبَقِي مَكْشُوف الْعَوْرَة حَتَّى سُتر بحشيش ثمَّ حفر لَهُ مَكَانَهُ فَدفن وعفي أَثَره وَكَانَت وَفَاته لثمان بَقينَ من شَوَّال سنة عشْرين وثلاثمائة وَمُدَّة خِلَافَته أَولا وَثَانِيا وثالثاً خمس وَعِشْرُونَ سنة إِلَّا أَيَّامًا وعمره ثَمَان وَثَلَاثُونَ سنة وَشهر وَنصف (خلَافَة القاهر بِاللَّه) أَخِيه مُحَمَّد بن المعتضد بن الْمُوفق بِاللَّه بن المتَوَكل بن المعتصم بُويِعَ لليلتين بَقِيَتَا من شَوَّال سنة عشْرين وثلاثمائة وَلما ولي قبض على أَخِيه المكتفي وَأمر بِهِ فأقيم فِي بَيت وسد عَلَيْهِ بالآجر والجص حَتَّى مَاتَ غماً وَقبض على أم المقتدر فطالبها بِمَال لم تقدر عَلَيْهِ فتهددها وضربها بِيَدِهِ وعذبها وعلقها منكوسة حَتَّى كَانَ يجْرِي بولها على وَجههَا وَهِي تَقول أَلَسْت ابْني فِي كتاب الله ألم أخلصك من ابْني المقتدر لما جِيءَ بك إِلَيْهِ تبْكي وَأَنت الْآن تعاقبني هَذِه الْعقُوبَة ثمَّ إِنَّهَا مَاتَت بعدُ عقب ذَلِك ثمَّ إِن الْجند شغبوا عَلَيْهِ وهجموا على دَاره من سَائِر الْأَبْوَاب فهرب إِلَى سطح حمام استتر فِيهِ فَأتوا إِلَيْهِ وقبضوا عَلَيْهِ وخلعوه وحبسوه وسملوا عَيْنَيْهِ قَالَ

стр. 1548

ابْن البطريق لِأَن القاهر قد ارْتكب أموراً قبيحة لم يسمع بهَا فِي الْإِسْلَام وَكَانَ أهوج طائشاً سفاكَاً للدماء مدمناً للشُّرْب كَانَت لَهُ حَرْبَة يَأْخُذهَا بِيَدِهِ فَلَا يَضَعهَا حَتَّى يقتل بهَا إنْسَانا ولوا الْحَاجِب سَلامَة لأهْلك النَّاس وَحكى أَن رجلا قَالَ صليت فِي جَامع الْمَنْصُور بِبَغْدَاد فَإِذا أَنا بِإِنْسَان عَلَيْهِ جُبَّة عتابية قد ذهب وَجههَا وَبقيت بطانتها وقطنها وَهُوَ يَقُول أَيهَا النَّاس تصدقوا عَليّ بالْأَمْس كنت أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَنا الْيَوْم من فُقَرَاء الْمُسلمين فَسَأَلت عَنهُ فَقيل لي إِنَّه القاهر بِاللَّه كَانَت مُدَّة خِلَافَته سِتّ سِنِين وَسَبْعَة أشهر ووفاته تَأَخَّرت إِلَى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وعمره اثْنَان وَخَمْسُونَ سنة وَثَمَانِية أشهر (خلَافَة الراضي بِاللَّه) أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن المقتدر بن المعتضد بن الْمُوفق بن المتَوَكل بن المعتصم بُويِعَ بالخلافة يَوْم خلع عَمه القاهر سنة سِتّ وَعشْرين وثلاثمائة واستوزر أَبَا عَليّ بن مقلة وَأطلق كل من كَانَ فِي حبس القاهر ثمَّ قبض على ابْن مقلة وَسبب ذَلِك أَن مُحَمَّد بن رائق كَانَ بواسط متغلباً عَلَيْهَا إِلَّا أَن الضَّرُورَة ألجأته إِلَى ذَلِك لاضطراب الْأُمُور عَلَيْهِ ولضعف من يَلِي الوزارة عَن الْقيام بهَا فأحضر الراضي الْقُضَاة وأعلمهم بِأَن ابْن مقلة راسله فِي مُحَمَّد بن رائق فأفتوا بِقطع يَده الْيُمْنَى وَبعد أَيَّام قطع لِسَانه ثمَّ مَاتَ فِي شَوَّال سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة ودعا الراضي بِاللَّه مُحَمَّد بن رائق فَقدم إِلَى بَغْدَاد فَجعله الراضي أَمِير الْأُمَرَاء وفوض إِلَيْهِ تَدْبِير المملكة وَمن ذَلِك الْيَوْم بَطل أَمر الوزارة بِبَغْدَاد وَلم يبْق إِلَّا اسْمهَا وَالْحكم لِلْأُمَرَاءِ والملوك المتغلبين فَكَانَ قدومه لخمس بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَعشْرين وثلاثمائة

стр. 1549

ثمَّ دخلت سنة خمس وَعشْرين وثلاثمائة وَالدُّنْيَا فِي أَيدي المتغلبين وكل من حصل فِي يَده بلد ملكه ومانع عَلَيْهِ فالبصرة وواسط والأهواز فِي يَد عبد الله اليزيدي وأخوته وَفَارِس فِي يَد عماد الدولة بن بويه الديلمي والموصل وديار ربيعَة وَمُضر فِي أَيدي بني حمدَان الْحسن بن حمدَان وناصر الدولة وَسيف الدولة ومصر وَالشَّام فِي يَد أبي بكر مُحَمَّد بن طغج الإخشيدي وَالْمغْرب وإفريقية فِي يَد الْمهْدي الفاطمي والأندلس فِي يَد بني أُميَّة أَوْلَاد عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام ابْن عبد الْملك الْأمَوِي وخراسان وَمَا والاها فِي يَد نصر بن أَحْمد الساماني واليمامة وهجر والبحرين فِي يَد أَوْلَاد أبي طَاهِر القرمطي وَلم يبْق فِي يَد الراضي وَابْن رائق سوى بَغْدَاد وَمَا ولاها وتعطلت دواوين المملكة وَنقص قدر الْخلَافَة وَضعف ملكهَا فَتوفي الراضي بِاللَّه خَامِس ربيع الأول سنة تسع وَعشْرين وثلاثمائة بعلة الاسْتِسْقَاء والسحج وَكَانَ أكبر أَسبَاب علته كَثْرَة الْجِمَاع وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته ثَلَاث سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَعشرَة أَيَّام وعمره اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة وَهُوَ آخر خَليفَة لَهُ شعر مدون وَآخر خَليفَة انْفَرد بتدبر الجيوش وَالْأَمْوَال وَآخر خَليفَة خطب يَوْم الْجُمُعَة وجالس الندمان وَكَانَت جوائزه وأموره على تَرْتِيب الْمُتَقَدِّمين وَمن شعره قَوْله من // (مجزوء الْخَفِيف) // (كُلُّ صَفْوٍ إِلى كَدَرْ ... كُلُّ أَمْنٍ إِلَى حذَرْ) (وَمصِيرُ الشَّبابِ لِلْمَوْتِ ... فِيهِ أوِ الْكدَرْ) (درَّ دَرُّ المَشِيبِ مِنْ ... وَاعِظٍ يُنْذِرُ البَشرْ) (أَيُّهَا الْآمِلُ الَّذِي ... تاهَ فِي لُجَّةِ القَدَرْ) (أَيْنَ مَنْ كانَ قَبْلَنَا ... ذهَبَ الْعَيْنُ وَالأَثَرْ) (رَبَّ فَاغفِرْ لِيَ الْخَطِيئَةَ ... يَا خَيْرَ منْ غفَرْ)

стр. 1550

(خلَافَة المتقي لله) أَخُوهُ إِبْرَاهِيم بن المقتدر بن المعتضد بُويِعَ لَهُ بالخلافة يَوْم موت أَخِيه الراضي فصلى رَكْعَتَيْنِ وَركب السرير وَكَانَ ذَا دين وورع وزهد وَلِهَذَا لقبوه المتقي وَلم يكن لَهُ من الْخلَافَة إِلَّا الِاسْم وَالتَّصَرُّف لتوزون ثمَّ إِنَّه زَاد استيلاؤه فَخلع المتقي وَسلمهُ لِابْنِ عَمه المستكفي فَأخْرجهُ إِلَى جَزِيرَة بِقرب السَّنَد وأكلحه بعد أَن أشهد المتقي على نَفسه بِالْخلْعِ سنة ٣٣٣ ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة فَكَانَت خِلَافَته ثَلَاث سِنِين وَأحد عشر شهرَاً وَلما توفّي قَالَ القاهر وَكَانَ يعِيش من // (السَّرِيع) // (صِرْتُ وَإِبْرَاهِيم شَيْخَيْ عَمًى ... لَا بُدَّ لِلشَّيْخَينِ مِنْ مَصْدَرِ) (مَا دَامَ توزون لَهُ إِمْرَةٌ ... مُطَاعَةٌ فَالْمَيْلُ فِي المَجْمَرِ) وَلم يحل الْحول على توزون حَتَّى مَاتَ وَكَانَ عُمر المتقي اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة وَسِتَّة أشهر واثني عشر يَوْمًا (خلَافَة المستكفي بِاللَّه) أبي الْقَاسِم عبد الله المستكفي عَليّ بن المعتضد بُويِعَ بالخلافة بعد ابْن عَمه وَفِي أَيَّامه قدم معز الدولة أَحْمد بن بويه الديلمي إِلَى بَغْدَاد فَخلع عَلَيْهِ وفوض إِلَيْهِ أَمر المملكة وتدبيرها وَأمر أَن يخْطب لَهُ على المنابر ولقبه بمعز الدولة ولقب أَخَاهُ أَبَا الْحسن عَليّ بعماد الدولة ولقب أخاهما أَبَا الْفَتْح بِرُكْن الدولة وَكَانَ

стр. 1551

قدومه سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة ثمَّ وَقعت الْفِتْنَة بَينه وَبَين معز الدولة وَقبض عَلَيْهِ وسمل عَيْنَيْهِ وَسبب ذَلِك أَن معز الدولة بلغه أَن المستكفي قد دبر على هَلَاكه فَدخل وَقبل الأَرْض ثمَّ قبل يَده وَطرح لَهُ كرسيُّ فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثمَّ تقدم إِلَيْهِ رجلَانِ من الديلم ومدا أَيْدِيهِمَا إِلَى المستكفي فَظن أَنَّهُمَا يُريدَان تَقْبِيل يَده فَمدَّهَا إِلَيْهِمَا فجذباه من أَعلَى السرير وَجعلا عمَامَته فِي عُنُقه ثمَّ سحب لى دَار معز الدولة فاعتقله ثمَّ خلعه وسمل عَيْنَيْهِ فَصَارَ ثَالِثا للأولين قبله وانتهبت دَار الْخلَافَة حَتَّى لم يبْق فِيهَا شَيْء وَكَانَ خلعه فِي جُمَادَى الأولى سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَمُدَّة خِلَافَته سنة وَاحِدَة وَأَرْبَعَة أشهر ويومان وعمره سِتّ وَأَرْبَعُونَ سنة وشهران وَكَانَت وَفَاته فِي بَيت معز الدولة فِي ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة (خلَافَة الطيع بِاللَّه) الْفضل بن المقتدر بن المعتضد ضعفت فِي زَمَنه الْخلَافَة وَكَاد ينمحي رسمها وَلَا يذكر اسْمهَا وَغلب على الْأَمر معز الدولة والمطيع لَا نهى لَهُ وَلَا أَمر وَلَا خلَافَة تذكر وَعين لَهُ معز الدولة فِي كل يَوْم مائَة دِينَار فَهَذَا كَانَ حَظه من الْخلَافَة وانقطعت الْخطْبَة لبني الْعَبَّاس فِي مصر وَالشَّام والحجاز وَغلب على الْمُطِيع مرض الفالج واشتدت زمانته فَجعل ابْنه ولي عَهده مَعَ ضعف حَاله وَتُوفِّي فِي أَيَّامه معز الدولة سنة سِتّ وَخمسين وثلاثمائة فَقَامَ وَلَده عز الدولة بختيار مقَام وَالِده وقلده الْمُطِيع مَوضِع أَبِيه وخلع عَلَيْهِ فاستقل بالأمور كأبيه وَفِي سنة ثَمَان وَخمسين توفّي كافور الإخشيدي صَاحب مصر وفيهَا قدم جَوْهَر الْقَائِد الرُّومِي غُلَام الْمعز لدين الله الفاطمي صَاحب إفريقية إِلَى مصر وَأقَام بهَا

стр. 1552

الدعْوَة لسَيِّده الْمعز الفاطمي وَبَايَعَهُ النَّاس على ذَلِك وانقطعت الْخطْبَة بِمصْر عَن بني الْعَبَّاس وَشرع فِي بِنَاء الْقَاهِرَة والقصرين ثمَّ دخل الْمعز بِنَفسِهِ مصر لثمان بَقينَ من شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلاثمائة كَمَا سنذكر ذَلِك عِنْد فتح مصر فِي الْبَاب الثَّالِث الْمَعْقُود للدولة الفاطمية إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَلما تغلب سبكتكين التركي وَهُوَ غُلَام معز الدولة وقويت شوكته ونفذت كَلمته وانضاف إِلَى ذَلِك مَا لحق الْمُطِيع من الفالج وَالْمَرَض خلع نَفسه طَائِعا من الْخلَافَة وَسلمهَا لوَلَده الطائع عبد الْكَرِيم وَقيل أَبُو بكر ولقبه الطائع لله وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة ثمَّ توفّي سنة أَربع وَسِتِّينَ وَكَانَت خِلَافَته تسعا وَعشْرين سنة وَسِتَّة أشهر وَأحد عشر يَوْمًا وعمره تسع وَخَمْسُونَ سنة وَسَبْعَة أشهر وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ يَوْمًا (خلَافَة الطائع لله) عبد الْكَرِيم بن الْمُطِيع الْفضل بن المقتدر بن المعتضد بُويِعَ لَهُ بالخلافة وَالْأَمر مغلوب عَلَيْهِ وَمَا لَهُ إِلَّا الِاسْم لم يل الْخلَافَة من بني الْعَبَّاس أكبر سنا مِنْهُ كَانَ عمره حِين اسْتخْلف سبعا وَأَرْبَعين سنة وَلم يتقلد الْخلَافَة مِنْهُم من أَبوهُ حَيّ غَيره وَغير أبي بكر الصّديق فِي الْخُلَفَاء رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وعنهم وَلما ولي خلع على بكتكين التركي فولاه مَا وَرَاء بَابه وَفِي أَيَّامه استولى عضد الدولة على بَغْدَاد وملكها فَخلع عَلَيْهِ الطائع وَتوجه بتاج جَوْهَر وطوقة وسوَره وَعقد لَهُ لواءين بِيَدِهِ أَحدهمَا مفضض وَالْآخر مَذْهَب على رسم وُلَاة العهود وَلم يعْهَد هَذَا اللِّوَاء الثَّانِي لغيره وَأمر بِضَرْب الدبادب على بابة صبحاً ومغرباً وعشاء وَأَنه يخْطب لَهُ على مَنَابِر الحضرة وَذَلِكَ بعد محاربة عضد الدولة لِابْنِ عَمه عز الدولة ابْن معز الدولة وظفره بِهِ

стр. 1553

وَلما مَاتَ عضد الدولة قَامَ وَلَده بهاء الدولة بن عضد الدولة بتدبير المملكة بعد وَالِده فَخلع عَلَيْهِ الطائع وقلده مَا كَانَ قلد أَبَاهُ ثمَّ إِن بهاء الدولة أمسك الطائع واعتقله ونهبت دَار الْخلَافَة ثمَّ أشهد على الطائع بخلع نَفسه من الْخلَافَة وتسليمها إِلَى أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن إِسْحَاق بن المقتدر وَكَانَ الْخلْع وَالْإِشْهَاد فِي شهر شعْبَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَأقَام مخلوعاً إِلَى أَن توفّي فِي لَيْلَة عيد الْفطر سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلاثمائة وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته سبع عشرَة سنة وَثَمَانِية أشهر وَتِسْعَة أَيَّام وَكَانَ عمره ثَلَاثًا وَخمسين سنة (خلَافَة الْقَادِر بِاللَّه) هُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن الْأَمِير إِسْحَاق بن المقتدر بن جَعْفَر بن المعتضد كَانَ رجلا صَالحا عَالما كثير التَّهَجُّد وَالصَّدقَات وصنف كتابَاً فِي فضل الصَّحَابَة وذم الروافض وَكَانَ يقْرَأ فِي الْمَسَاجِد والجوامع بُويِعَ بالخلافة لَيْلَة خلع الطائع نَفسه وَكَانَ غَائِبا فَقدم فِي عَاشر رَمَضَان وَجلسَ من الْغَد جلوسَاً عَاما وهنئ وَأنْشد الشّعْر بَين يَدَيْهِ وَمن ذَلِك قَول الشريف الرضي من قصيدة من // (الْكَامِل) // (شَرَفُ الْخِلَافَةِ يَا بَنِي الْعَبَّاسِ ... ألْيَوْمَ جَدَّدَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ) (ذَا الطَّوْدُ أَبْقَاهُ الزَّمَانُ ذَخِيرَةً ... مِنْ ذَلِكَ الجَبَلِ العَظِيمِ الرَّاسِي) يَحْكِي أَن فِي زَمَانه جِيءَ إِلَيْهِ بِرَجُل قامته ذِرَاع وَاحِد ولحيته شبران وأذناه فِي غَايَة الطول وَالْعرض المفرط دور الْوَاحِدَة أَرْبَعَة أَذْرع فطافوا بِهِ بَغْدَاد وَكَانَ من يَأْجُوج وَمَأْجُوج رمت بِهِ الرّيح من فَوق السد فأحضر الْقَادِر لَهُ أجناسَاً من التّرْك فَلم يفهموا كَلَامه وَاسْتمرّ الْقَادِر إِلَى أَن توفّي حادي عشر ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين

стр. 1554

وَأَرْبَعمِائَة وَمُدَّة خِلَافَته إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وعمره سِتّ وَثَمَانُونَ سنة وَثَمَانِية أشهر ويومان قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ كَانَ فِي عصر الْقَادِر رَأس الأشعرية الإِمَام الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرايني قلت هَذَا الإِمَام هُوَ جد الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى جَامع هَذَا الْكتاب وَقد ذكره ابْن قُتَيْبَة وَغَيره بالسيادة وَشرف النِّسْبَة المحمدية الحسينية وَالْبَعْض الآخر لم يذكرهُ بسيادة وَشرف من المؤرخين لنسبه فَيحْتَمل صِحَة النِّسْبَة وَيكون من إِطْلَاق من أطلق اعْتِمَادًا على تَقْيِيد من قيد على أَن لي اتِّصَالًا لَا ريب فِيهِ بنسبه ﵊ من جِهَة الْأُم فأرجو بهما أَو بِهِ الْفَوْز الآخروي بِرِضا الله تَعَالَى على أَنِّي بِحَمْد الله متشرف بانتظامي فِي سلك وارثي علمه ﵊ فرعا عَن أصل آصل سلسلة علم مَا فصلها بِحَمْد الله جَاهِل عُلَمَاء محققين فضلاء مدرسين وَإِن عريت عزائمي عَن ذَاك ومنيت أسبابي عَمَّا هُنَاكَ فَفِي ولائي لأهل يته ومحبتي وَحسن اعتقادي وخدمتي مَا يُقَوي قوى أمراس أملي وأطمع بِهِ أَن يمحي خطأ خطط خطلي وَرَأس المعتزله القَاضِي عبد الْجَبَّار وَرَأس الرافضة ابْن الْمعلم وَرَأس الكرامية مُحَمَّد بن الهيصم وَرَأس الْقُرَّاء أَبُو الْحسن الحمامي وَرَأس الْمُحدثين الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ بن سعيد وَرَأس الصُّوفِيَّة أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ صَاحب كتاب مَنَاقِب الْأَبْرَار ومحاسن الأخيار وَرَأس الشُّعَرَاء أَبُو عَمْرو بن دراج وَرَأس الْكتاب المجودين ابْن البواب وَرَأس الْمُلُوك السُّلْطَان مَحْمُود بن سُبكتكين انْتهى وَزَاد السُّيُوطِيّ فَقَالَ وَرَأس الزَّنَادِقَة الْحَاكِم بِأَمْر الله العبيدي وَرَأس اللغويين إِسْمَاعِيل الْجَوْهَرِي وَرَأس النُّحَاة عُثْمَان بن جني وَرَأس البلغاء البديع الهمذاني وَرَأس الخطباء ابْن نباتة صَاحب الْخطب الْمَشْهُورَة وَرَأس الْمُفَسّرين أَبُو الْقَاسِم ابْن حبيب النَّيْسَابُورِي وَرَأس الْخُلَفَاء الْقَادِر بِاللَّه فَإِنَّهُ من أعلامهم تفقه وصنف ومدته فِي الْخلَافَة من أطول المدد

стр. 1555

(خلَافَة الْقَائِم بِأَمْر الله) عبد الله بن الْقَادِر بِاللَّه أَحْمد ابْن الْأَمِير إِسْحَاق بن المقتدر بن المعتضد كَانَ خَيراً دينا فَاضلا صَالحا مَغْلُوبًا على أمره مُدَّة زَمَانه أمه أرمنية اسْمهَا قطر الندى أدْركْت خِلَافَته بُويِعَ بالخلافة يَوْم مَاتَ أَبوهُ الْقَادِر بِاللَّه وَكَانَت بيعَته بِحَضْرَة الْقُضَاة والأمراء والكبراء فَكَانَ أول من بايعة الشريف الرضي الموسوي وَأنْشد من // (المتقارب) // (فَإِمَّا مَضَى جَبَلٌ وَانْقَضَى ... فمِنْكَ لَنَا جَبَلٌ قَدْ رَسَا) (وَإِمَّا فُجِعْنَا بِبَدْرِ التِّمامِ ... فَقَدْ بَقِيَتْ مِنْهُ شَمْسُ الضُّحَى) ) لَنَا حَزَنٌ مِنْ خِلَالِ السُّرُورِ ... فَكَمْ ضَحِكٌ مِنْ خِلَالِ البُكَا) (فَيا صَارِمًا أَغْمَدَتْهُ يَدٌ ... لنَا بَعْدَك الصَّارِمُ المُنْتَضَى) (وَلَمَّا حَضَرْنَاكَ عَقْدَ البَيَانِ ... عَرَفْنَا بِهَدْيِكَ طُرْقَ الهُدَى) (فقَابَلْتَنَا بِوَقَارِ المِشَيبِ ... كمَالاً وَسِنُّكَ سِنُّ الفَتَى) واستوزر أَبَا طَالب مُحَمَّد بن أَيُّوب واستقصى ابْن مَاكُولَا الإِمَام الْمَشْهُور فِي أَيَّامه وَفِي سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة كَانَ انْقِرَاض الدولة الديلمية دولة بني بويه وَكَانَت مدَّتهَا مائَة وسبعَاً وَعشْرين سنة وابتدأت دولة السلاطين السلجوقية قَالَ الذَّهَبِيّ وَآل سلجوق هم مُلُوك الرّوم وَقد امتدت أيامهم وَبَقِي مِنْهُم بَقِيَّة إِلَى زمن الْملك الظَّاهِر وَفِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فِي خلَافَة الْقَائِم

стр. 1556

الْمَذْكُور كَانَ حريق جَامع دمشق الَّذِي كَانَ عمره الْوَلِيد بن عبد الْملك وكلفه وَقد تقدم ذكره عِنْد ذكر خلَافَة الْوَلِيد وَكَانَ حريقه فِي هَذِه السّنة وَسبب الْحَرِيق أَن غلْمَان الفاطميين والعباسيين اخْتَصَمُوا فِيمَا بَينهم فألقيت نَارا بدار الْملك وَهِي الخضراء بِجَانِب الْمَسْجِد من جِهَة الْقبْلَة فاحترقت وتعدى حريقها حَتَّى وصل إِلَى الْجَامِع فَسَقَطت سقوفه وتناثرت فصوصه المذهبة الني على جدرانه وتغيرت معالمه ومحاسنه وتبدلت بهجته بضدها وَقد كَانَت سقوفة مذهبَة مبطنة كلهَا والجملونات من فَوْقهَا وجدرانه بالفصوص المذهبة والملونة مُصَور فِيهَا جَمِيع بِلَاد الدُّنْيَا الْكَعْبَة وَمَكَّة فَوق الْمِحْرَاب والبلاد كلهَا شرقيها وغربيها كل فِي مَكَانَهُ اللَّائِق بِهِ وَفِيه كل شَجَرَة مثمرة وَغير مثمرة كل مُصَور فِي بلدانه وأوطانه والستور مرخاة على أبوابه النافذة إِلَى الصحن وعَلى أصل الْحِيطَان إِلَى مِقْدَار الثُّلُث مِنْهَا وَبَاقِي الجدران بالفصوص المذهبة والملونة وأرضه كلهَا بالفصوص الرخام الملون وَلم يكن فِي الدُّنْيَا بِنَاء أحسن مِنْهُ لَا قُصُور الْمُلُوك وَلَا غَيرهَا من دور الْخُلَفَاء وَغَيرهم ثمَّ لما وَقع هَذَا تبدل الْحَال الْكَامِل بضده وَصَارَت أرضه طيناً فِي الشتَاء غباراً فِي الصَّيف وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى تبلط فِي زمن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب بعد الستمائة وَكَانَ جَمِيع مَا سقط من الرخام وَغَيره مستودعاً فِي الْمشَاهد الْأَرْبَعَة شرقيه وغربيه حَتَّى فرغها من ذَلِك القَاضِي كَمَال الدّين الشهرزوري فِي زمن الْملك الْعَادِل نور الدّين الشَّهِيد مَحْمُود بن زنكي حِين ولاه نظر الْأَوْقَاف كلهَا وَلم تزل الْمُلُوك تجدّد فِي محاسنة إِلَى زَمَاننَا هَذَا فتماثل حَاله فِي زمن الْأَمِير شكر بن عبد الله الناصري نَائِب الشَّام وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَأما الخضراء وَهِي دَار الْملك والإمارة فبادت وَصَارَت كوماً تُرَابا بَعْدَمَا كَانَت فِي غَايَة الإحكام والإتقان وَحسن الْبناء وَطيب الفناء فَهِيَ إِلَى يَوْمنَا هَذَا لَا يسكنهَا لرذالة مَكَانهَا إِلَّا سفلَةُ النَّاس وأسقاطهم بعد مَا كَانَت دَار الْملك والإمارة مُنْذُ أسسها مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان الْأمَوِي كَذَا فِي تَارِيخ ابْن السُّبْكِيّ وَكَانَ الْقَائِم بِأَمْر الله أَبيض مليح الْوَجْه مشربَاً بحمرة ورعاً زاهداً عابداً مرِيدا لقَضَاء حوائج الْمُسلمين موقرَاً لأهل الْعلم مُعْتَقدًا فِي الْفُقَرَاء

стр. 1557

وَالصَّالِحِينَ وَلم يقم أحد فِي الْخلَافَة إِقَامَته كَانَت مدَّته أربعَاً وَأَرْبَعين سنة وَثَمَانِية أشهر وَقيل خمسَاً وَأَرْبَعين سنة وَكَانَت وَفَاته سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة لعشرة أَيَّام مَضَت من شعْبَان قَالَ ابْن السُّبْكِيّ افتصد الْقَائِم بِأَمْر الله يَوْم الْخَمِيس الثَّامِن وَالْعِشْرين من رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة من ماشرا كَانَ يعتاده قلت ماشرا اسْم لعِلَّة نَعُوذ بِاللَّه من جَمِيع الْعِلَل ثمَّ نَام فانفجر فصاده فَاسْتَيْقَظَ وَقد سَقَطت كل قوته وَحصل الْيَأْس مِنْهُ فَدَعَا حفيده وَولي عَهده من بعده عُمْدَة الدّين أَبَا الْقَاسِم عبد الله بن مُحَمَّد ابْنه وأحضر إِلَيْهِ الْفُقَهَاء والنقباء وَأشْهد عَلَيْهِ ثَانِيًا بِولَايَة الْعَهْد لَهُ من بعده فَشَهِدُوا ثمَّ توفّي وَكَانَ عمره أربعَاً وَسبعين سنة وَثَمَانِية أشر وَثَمَانِية أَيَّام ومدته أَرْبعا وَأَرْبَعين سنة وَمُدَّة أَبِيه قبله إِحْدَى وَأَرْبَعين سنة فمجموعهما خمس وَثَمَانُونَ سنة وَأشهر وَذَلِكَ مقارب لمُدَّة دولة بني أُميَّة كلهَا (خلَافَة الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله) هُوَ الْقَاسِم عُمْدَة الدّين عبد الله بن ذخيرة الدّين مُحَمَّد ابْن الْخَلِيفَة الْقَائِم عبد الله ابْن الْقَادِر أَحْمد بن الأْمير إِسْحَاق بن المقتدر بن المعتضد بن الْمُوفق طَلْحَة بن المتَوَكل بن المعتصم بن الرشيد بن الْمهْدي بن الْمَنْصُور بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس بُويِعَ لَهُ بالخلافة يَوْم وَفَاة جده الْقَائِم بِأَمْر الله وَذَلِكَ أَنه لما افتصد استدعى ابْن ابْنه هَذَا عبد الله ولقبه الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله كَمَا تقدم ذكر ذَلِك فَلَمَّا مَاتَ جده الْقَائِم بِأَمْر الله الْمَذْكُور بُويِعَ بالخلافة يَوْم وَفَاته بِحَضْرَة الإِمَام الْوَلِيّ الشهير أبي إِسْحَاق

стр. 1558

الشِّيرَازِيّ الشَّافِعِي صَاحب كتاب التَّنْبِيه والمهذب وَغَيرهمَا أحد أَرْكَان أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة ثمَّ إِن الْمُقْتَدِي جهز الإِمَام الْمَذْكُور إِلَى نسابور إِلَى جلال الدولة ملك شاه السلجوقي سفيراً لَهُ فِي خطْبَة ابْنَته فنجز الشّغل وناظر إِمَام الْحَرَمَيْنِ هُنَاكَ ثمَّ ودعه إِمَام الْحَرَمَيْنِ حَال خُرُوجه وَأخذ بركاب بغلته حَتَّى ركب وَكَانَ الْمُقْتَدِي قد بَايع بالعهد لوَلَده المستظهر بعده ثمَّ لما ولدت ابْنة ملك شاه من الْخَلِيفَة الْمُقْتَدِي ولدا أقبل ملك شاه يُرِيد بَغْدَاد وَأرْسل إِلَى الْمُقْتَدِي يلْزمه أَن يعْزل وَلَده المستظهر عَن ولَايَة عَهده وَيجْعَل ولي عَهده ابْن ابْنَته جَعْفَر مَكَانَهُ وَأَن يخرج من بَغْدَاد وَيَتْرُكهَا وَيذْهب إِلَى أَي بلد شَاءَ فَأرْسل الْمُقْتَدِي يتلطف بِهِ فِي ذَلِك فَأبى إِلَّا شدَّة وغلظة يُرِيد بذلك إِظْهَار التحكم والحيف على الْخَلِيفَة وَطلب الْخَلِيفَة الْإِمْهَال شهرا فَأبى وَقَالَ وَلَا سَاعَة فَأرْسل إِلَى وزيره فاستمهله لَهُ عشرَة أَيَّام فأمهله فَصَارَ الْخَلِيفَة يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل وَيَضَع خَدّه على التُّرَاب ويناجي حَضْرَة رب الأرباب يَدْعُو على ملك شاه فَاسْتَجَاب الله دعاءه فَهَلَك ملك شاه قبل مُضِيّ الْعشْرَة الْأَيَّام وَكَفاهُ الله تَعَالَى شَره وَمَا رَبك بظلام للعبيد وعدت هَذِه كَرَامَة للخليفة الْمُقْتَدِي وَهَذِه عُقبى كل ظَالِم ومعتدي ذكر أَن الْمُقْتَدِي قدم إِلَيْهِ طَعَام فَتَنَاول مِنْهُ ثمَّ غسل يَدَيْهِ وَهُوَ على أكمل حَال فِي جِسْمه وَنَفسه وَبَين يَدَيْهِ قهرمانته شمس النَّهَار فَقَالَ مَا هَذِه الْأَشْخَاص الَّذين دخلُوا على بِغَيْر إِذن فالتفتت فَلم تَرَ أحدا فَنَظَرت إِلَيْهِ فَوَجَدته قد تغير وَجهه وَاسْتَرْخَتْ يَدَاهُ وانحلت قواه وَسقط إِلَى الأَرْض فَإِذا هُوَ قد مَاتَ فَأَمْسَكت عَن الْبكاء واستدعت الْخَادِم فاستدعى الْوَزير أَبَا مَنْصُور فَبَكَيَا وأحضرا أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن الْمُقْتَدِي وَكَانَ أَبوهُ الْمُقْتَدِي قد عهد إِلَيْهِ بالخلافة بعده فعزياه وهنأه وأخفى مَوته ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى توطأت الْبيعَة لِابْنِهِ أَحْمد ولقب بالمستظهر بِاللَّه كَانَت وَفَاة الْمُقْتَدِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَمُدَّة خِلَافَته تسع عشرَة سنة وَثَمَانِية أشهر إِلَّا يَوْمَيْنِ وعمره ثَمَان وَثَلَاثُونَ سنة وَثَمَانِية شهور

стр. 1559

(خلَافَة المستظهر بِاللَّه) أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن المتقدي بن مُحَمَّد الْقَائِم عبد الله بن الْقَادِر أَحْمد ابْن الْأَمِير إِسْحَاق بن المقتدر بن المعتضد بن الوفق طَلْحَة بن المتَوَكل بن المعتصم بن الرشيد بُويِعَ بعد موت وَالِده المتقدي وَأول من بَايعه الْوَزير أَبُو مَنْصُور بن جهير كَمَا تقدم ذكر ذَلِك وَحضر من الْعلمَاء الإِمَام الْغَزالِيّ والشاشي وَابْن عقيل وَبَايَعُوهُ يَوْمئِذٍ وَكَانَ كريم الْأَخْلَاق حَافِظًا لِلْقُرْآنِ الْعَظِيم فصيحا بليغا شَاعِرًا منطقيا من شعره // (من الْبَسِيط) // (أَذَابَ حَر الْجَوَى فِي الْقَلْبِ مَا جَمُدَا ... يَوْمًا مَدَدْنَ عَلَى رَسْمِ الوَدَاعِ يَدَا) (قَدْ أَخْلَفَ الوَعْدَ قَدْ شُغِفْتُ بِهِ ... مِنْ بَعْدِ مَا قَدْ وَفَى دَهَرًا بِمَا وَعَدا) (إِنْ كُنْتُ أَنْقُضُ عَهْدَ الحُبِّ فِي خَلَديِ ... مِنْ بَعْدِ هَذَا فَلَا عَايَنْتُهُ أَبَدَا) حكى أَنه اجْتمع فِي زَمَانه فِي برج الْحُوت سِتَّة أنجم من السَّبْعَة السيارة مَا عدا زحل فَحكم المنجمون أَنه سَيظْهر طوفان كطوفان نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام فتألم من ذَلِك المستظهر بِاللَّه وأحضر من المنجمين ابْن الفيلسوف وَسَأَلَهُ عَن ذَلِك فَقَالَ فِي زمن نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام اجْتمع فِي برج الْحُوت السَّبْعَة الأنجم بأكملها والآَن اجْتمع سِتَّة وَلَا يعلم الْغَيْب إِلَّا الله لَكِن الَّذِي تدل عَلَيْهِ الدَّلَائِل وَلَيْسَ بقطعي أَنه سيجتمع المَاء من الْعَالم من طرقٍ شَتَّى فِي مَكَان وَاحِد فيغرقون فِي ذَلِك الْمحل فخافوا على بَغْدَاد لِاجْتِمَاع الْعَالم فِيهَا وَهِي فِي جنب شط النَّهر فوصل الْخَبَر أَن الْحجَّاج حِين نزلُوا فِي وَادي المناقب هجم عَلَيْهِم سيل جحاف فَغَرقُوا أَجْمَعِينَ فِي ذَلِك السَّيْل فتعجب من قرب التَّحْقِيق من قَوْله وَالْأَمر بيد الله تَعَالَى وسبحانه ﴿عَالم الْغَيْب فَلَا يظْهر على غيبه أحد إِلا مَنِ اَرتضى مِن رَّسُولٍ﴾ الْجِنّ ٢٦ ٢٧ الْآيَة توفى المستظهر لَيْلَة الْخَمِيس للأربع وَعشْرين لَيْلَة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتى عشرَة وَخَمْسمِائة وَمُدَّة خِلَافَته خمس وَعشْرين سنة وَعشرَة أَيَّام وعمره إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سنة وَأحد عشر شهرَاً وَأَرْبَعَة أَيَّام

стр. 1560

(خلَافَة المسترشد بِاللَّه) الْفضل بن المستظهر أَحْمد بن الْمُقْتَدِي عبد الله بن مُحَمَّد الذَّخِيرَة بن الْقَائِم بن عبد لله بن الْقَادِر بن أَحْمد ابْن الْأَمِير إِسْحَاق بن المقتدر بن المعتضد بُويِعَ يَوْم وَفَاة وَالِده المستظهر وَكَانَ شجاعاً دينا مشتغلَا بِالْعبَادَة لم يل الْخلَافَة بعد المعتضد أشهم مِنْهُ أمه أم ولد اسْمهَا لبَابَة كَانَ شَدِيد الهيبة ذَا رَأْي ويقظة وهمة عالية ضبط الْأُمُور وَأَحْيَا مجد بني الْعَبَّاس وجاهد غير مرّة يحْكى أَن فِي زَمَانه سنة أَربع عشرَة وَخَمْسمِائة قبر الْخَلِيل إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب على نَبينَا وَعَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وشوهدت أجسامهم الْمُبَارَكَة كَأَنَّمَا دفنُوا تِلْكَ السَّاعَة وَوجد عِنْدهم فِي الْموضع قناديل الذَّهَب وَالْفِضَّة وَغير ذَلِك ذكر ذَلِك فِي كتاب قلادة النَّحْر الْفَقِيه بالمخرمة كَانَت وَفَاته يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشر ذِي الْقعدَة سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَمُدَّة خِلَافَته سبع عشر سنة وَسَبْعَة أشهر وَمن شعره قَوْله // (من الطَّوِيل) // (أَنَا الأَشْقَرُ المَوْعُودُ بِي فِي الملَاحِمِ ... وَمَنْ يَمْلِكُ الدُّنْيَا بِغَيْرِ مُزَاحِمِ) فَكَانَ هَذَا التخيل من خيلاته الْفَاسِدَة فَإِنَّهُ مَا يملك من الدُّنْيَا وَلَا فنَاء دَاره خرج عَلَيْهِ الْملك مَسْعُود بن مُحَمَّد بن ملك شاه السلجوقي فَلم يُقَاتل مَعَه أحد فقاتل وَحده إِلَى أَن حمل أَسِيرًا فحبس وَذكر أهل التواريخ أَنه لما حبس رَأْي فِي مَنَامه كَأَن على يَده حمامة مطوقة وَأَتَاهُ آتٍ فَقَالَ لَهُ خلاصك فِي هَذَا وَأَشَارَ إِلَى الْحَمَامَة فَلَمَّا أصبح حكى ذَلِك لِابْنِ سكينَة الإِمَام فَقَالَ لَهُ مَا أولته يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ أولته بقول أبي تَمام // (من الْكَامِل) // (هُنَّ الحَمَامُ فَإِنْ كَسَرْت عِيَافَةً ... مِنْ حائِهِنَّ فإِنَّهُنَّ حِمَامُ)

стр. 1561

وَلَا أرى أحلامي إِلَّا فِي حِمامي فَقتل بعد أَيَّام قَائِل وَقيل فِي كفيه قَتله غير ذَلِك فَقتل فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور وعمره ثَلَاث أَرْبَعُونَ سنة وَأحد عشر شهرا (خلَافَة الراشد بِاللَّه) مَنْصُور بن المسترشد بن المستظهر بن الْمُقْتَدِي بُويِعَ لَهُ يَوْم وَفَاة أبيعه بِعَهْد مِنْهُ فَمَكثَ مَا شَاءَ الله ثمَّ وَقع بَينه وَبَين السُّلْطَان مَسْعُود بن مُحَمَّد قَاتل وَالِده فاستخدم الراشد أجنادا كثير وتهيأ للقائه فكاتب السُّلْطَان مَسْعُود أتابك زنكي وأرتغش كَبِير جند الراشد فَأَشَارَ إِلَيْهِ بالتوقف عَن الْمسير إِلَى الْملك مَسْعُود وَأَقْبل الْملك مَسْعُود بجيوشه فَدخل بَغْدَاد فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة فنهب دور الْجند وَمنع من نهب الْبَلَد واستمال الرّعية وأحضر الْقُضَاة وَالشُّهُود فقدحوا فِي الراشد بِأَنَّهُ صدرت مِنْهُ سيرة قبيحة من سفك الدِّمَاء وارتكاب الْمُنْكَرَات وَفعل مَا لَا يجوز فعله وشهدوا عَلَيْهِ بذلك فَحكم قَاضِي الْقُضَاة بخلعه فخلعوه فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَكَانَ الراشد قد هرب هُوَ وأتابك زنكي إِلَى الْموصل فَطَلَبه السُّلْطَان مَسْعُود فهرب إِلَى فَارس ثمَّ دخل أَصْبَهَان وحاصرها فتمرض هُنَاكَ فَوَثَبَ عَلَيْهِ جمَاعَة من الفداوية فَقَتَلُوهُ وَكَانَت مدَّته إِلَى أَن خلع سنة إِلَّا أَيَّامًا وعمره إِحْدَى وَعشْرين سنة وَقيل ثَلَاثُونَ سنة كَانَ شَابًّا أَبيض تَامّ الشكل شَدِيد الْبَطْش شُجَاع النَّفس كَرِيمًا جوادَاً فصيحاً قَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب كَانَ للراشد الْحسن اليوسفي وَالْكَرم الْحَاتِمِي رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 1562

(خلَافَة أبي عبد الله المقتفي) مُحَمَّد بن المستظهر بن الْمُقْتَدِي وَهُوَ عَم الراشد قابله بُويِعَ لَهُ يَوْم خلع ابْن أَخِيه الراشد ولقب بالمقتفي وَسبب تلقيبه بِهَذَا أَنه رأى النَّبِي قبل الْخلَافَة بأشهر فِي الْمَنَام وَهُوَ يَقُول لَهُ إِنَّه سيصل إِلَيْك هَذَا الْأَمر فاقتف بِي فَقَامَ بتدبير المملكة وَكَانَ بِيَدِهِ أَزِمَةُ الْأُمُور لَا يجْرِي فِي خِلَافَته أَمر وَإِن صغر إِلَّا بتوقيعه وَكتب بِيَدِهِ فِي أَيَّام خِلَافَته ثَلَاث ربعات وَكَانَ مَحْمُود السِّيرَة مشكور الدولة يرجع إِلَى فضل وَدين وعقل ورأي وسياسة جدد معالم الْإِمَامَة ومهد رسوم الْخلَافَة وامتدت أَيَّامه وَلم ير مَعَ سماحته ولين جَانِبه ورأفته بعد المعتصم خَليفَة مثله فِي شهامته وصرامته مَعَ مَا خص بِهِ من زهده وروعه وعبادته وَلم تزل جيوشه منصورةَ حَيْثُ يممت قَالَ الْعَلامَة بن الْجَوْزِيّ من أَيَّام المقتفي هَذَا عَادَتْ بَغْدَاد وَالْعراق إِلَى يَد الْخُلَفَاء وَلم يبْقى لَهُم مُنَازع وَقبل ذَلِك من دولة المقتدر إِلَى وقته كَانَ الحكم للمتغلبين من الْمُلُوك وَلَيْسَ للخليفة مَعَهم إِلَّا الِاسْم فَقَط وَمن سلاطين دولته سنجر صَاحب خرسان وَنور الدّين مَحْمُود بن زنكي صَاحب الشَّام الْمَعْرُوف بِنور الدّين الشَّهِيد وَفِي سنة أحد وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة فِي خِلَافَته قَالَ ابْن الْأَثِير ظهر بِدِمَشْق الشَّام سَحَاب أسود فَاشْتَدَّ الظلام حَتَّى لَا يرى أحد أحدا ثمَّ نقشع وَظهر بعده سَحَاب أَحْمَر فتلونت السَّمَاء بلون النَّار ثمَّ بعد ذَلِك ظَهرت ربح عَظِيمَة عاصف تقلع الْأَشْجَار الْعَظِيمَة من أُصُولهَا

стр. 1563

وَفِي سنة خمس أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة من خِلَافَته أمْطرت السَّمَاء دَمًا أَحْمَر لَا يُنكر مِنْهُ شيءوكان ذَلِك الإمطار فِي بِلَاد نيسابور وَفِي قلادة النَّحْر فِي حوادث سنة تسع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة من خلَافَة الْمَذْكُور كَانَت قصَّة أهل قَرْيَة المعلف وَهِي قَرْيَة بَين الكُدر والمهجم من أَعمال تهَامَة الْيمن وَفِي كِفَايَة المستبصر هما قَرْيَتَانِ اسْم أحمدهما معلف ولأخرى سحلة أرسل الله عَلَيْهِمَا سَحَابَة سَوْدَاء فِيهَا رجف وبرق وشعل نَار تلهب وريح فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك زَالَت عُقُولهمْ فألتجأ مِنْهُم قوم إِلَى الْمَسَاجِد فغشيهم الْعَذَاب فاحتملت الرّيح أصل القريتين من تَحت الثرى بمساكنهم بِمن فِيهَا من الرِّجَال وَالنِّسَاء والأطفال وَالدَّوَاب فألتقتهم بمَكَان بعيد نَحْو خَمْسَة أَمْيَال من حَيْثُ احتملتهم فوجدوا حَيْثُ ألقتهم صرعى ولبعضهم أَنِين وهم صم وبكم وعمى فماتوا عَن آخِرهم يومهم نسْأَل الله السَّلَام والعافية لنا وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين وَكَانَ المقتفي محباً للْحَدِيث وسماعه معتنياً بِهِ وبالعلم مكرماً لأَهله وَلما دَعَا الإِمَام أَبَا مَنْصُور الجواليقي النَّحْوِيّ ليجعله أَمَام يُصَلِّي بِهِ الصَّلَوَات الْخمس دخل فَمَا زَاد على أَن قَالَ السَّلَام على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَكَانَ الطَّبِيب هبة الله بن صاعد ابْن التلميذ النَّصْرَانِي قَائِما فَقَالَ مَا هَكَذَا يسلم على أَمِير الْمُؤمنِينَ يَا شيخ فَلم يلْتَفت إِلَيْهِ الجواليقي وَقَالَ للمقتفي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ سلامي هُوَ مَا جَاءَت بِهِ السّنة النَّبَوِيَّة وروى لَهُ خبرَاً فِي صُورَة السَّلَام ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو حلف حَالف أَن نَصْرَانِيّا أَو يَهُودِيّا لم يصل إِلَى قلبه نوع من أَنْوَاع الْعلم على الْوَجْه الْمُعْتَبر مَا لَزِمته كَفَّارَة الْحِنْث لِأَن الله تَعَالَى ختم على قُلُوبهم وَلم يفك خَتمه إِلَّا الْإِيمَان فَقَالَ المقتفي صدقت وأحسنت فَكَأَنَّمَا ألقم ابْن التلميذ حجرا مَعَ فَضله وغزارة علمه وأدبه وَتُوفِّي الْخَلِيفَة المقتفي يَوْم الْأَحَد ثَالِث ربيع الأول وَقبل الآخر وَقيل رَجَب سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة مُدَّة خِلَافَته خمس وَعشْرين سنة وَثَلَاثَة أشهر وَنصف وعمره سبع وَسِتُّونَ سنة وَقيل وَشهر وَاحِد

стр. 1564

(خلَافَة المستنجد بِاللَّه) أَبُو المظفر يُوسُف ابْن المقتفي لأمر الله مُحَمَّد بن المستظهر أَحْمد بن الْمُقْتَدِي كَانَ أديباً فَاضلا أَهلا للخلافة بُويِعَ لَهُ يَوْم وَفَاة وَالِده أمه أم ولد حبشية اسْمهَا طَاوس حكى أَنه قبل أَن يسْتَخْلف رأى فِي مَنَامه أَن ملكا نزل من السَّمَاء فَكتب فِي كَفه خمس خاءات فَلَمَّا أصبح سَأَلَ الإِمَام مُحَمَّدًا الْغَزالِيّ أَو أَخَاهُ أَحْمد عَن تَعْبِير ذَلِك فَقَالَ وَالله أعلم أَنَّك ستلي الْخلَافَة سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة فَكَانَ كَذَلِك وَليهَا سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة فالخاء الأولى للخلافة وَكَانَ مَوْصُوفا بِالْعَدْلِ والديانة أبطل المكوس وَقَامَ كل الْقيام على المفسدين روى أَنه سجن رجلا كَانَ يسْعَى بِالْفَسَادِ فِي النَّاس فجَاء إِلَيْهِ رجل وبذل فِيهِ عشرَة آلَاف دِينَار فَقَالَ المستنجد لَهُ أَنا أُعْطِيك عشرَة آلف دِينَار على آخر مثله تَأتِينِي بِهِ فأحبسه وأكفي النَّاس شَره وَله شعر متوسط مِنْهُ قَول فِي الْبُخْل // (من السَّرِيع) // (وبَاخِلٍ أَشْعَلَ فِي بَيْتِه ... تَكرُّ مِنْهُ لَنَا شمْعَهْ) (فَمَا جرَتْ مِنْ عيْنِهَا دَمْعَةٌ ... حَتى جَرَتْ مِنْ عيْنِهِ دَمْعَهْ) وَقَوله // (من الْخَفِيف) // (عيَّرَتْنِي بِالشَّيْبِ وهَوَ وقَارُ ... لَيْتَهَا عَيّرتْ بِما هُوَ عارُ) (إِنْ تَكُنْ شَابتِ الذَّوَائِبُ مِنِّي ... فَالليَالِي تزِينُهَا الْأقْمارُ) وَفِي سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة وَهِي السّنة الثَّالِثَة من خِلَافَته جرت الكائنة الغريبة وَهِي مَا ذكره الْعَلامَة السَّيِّد نور الدّين عَليّ السمهودي الْمدنِي فِي كِتَابه خُلَاصَة الوفا وَغَيره فَقَالَ إِن الْملك الْعَادِل نور الدّين رأى النَّبِي فِي نَومه

стр. 1565

لَيْلَة ثَلَاث مَرَّات وَهُوَ يُشِير إِلَى رجلَيْنِ أشقرين يَقُول أنجدني من هذَيْن فَأرْسل إِلَى وزيره وتجهزا فِي بَيته ليلتهما على رواحل خَفِيفَة فِي عشْرين نَفرا وَصَحب مَالا كثيرَاً فَقدم الْمَدِينَة فِي سِتَّة عشر يومَاً فزار ثمَّ أَمر بإحضار أهل الْمَدِينَة بعد كتابتهم وَصَارَ يتَأَمَّل فِي كل ذَلِك تِلْكَ الصّفة إِلَى أَن انْقَضتْ النَّاس فَقَالَ هَل بَقِي أحد قَالُوا لم يبْق سوى رجلَيْنِ صالحَين عفيفين مغربيين يكثران الصَّدَقَة فطلبهما فرآهما الرجلَيْن اللَّذين أَشَارَ إِلَيْهِمَا ﵊ فَسَأَلَ عَن منزلهما فَأخْبر أَنَّهُمَا فِي رِبَاط بِقرب الْحُجْرَة الشَّرِيفَة فَأَمْسَكَهُمَا وَمضى إِلَى منزلهما فَلم ير غير ختمتين وكتباً فِي الرَّقَائِق ومالا كثيرَاً فَأثْنى عَلَيْهِمَا أهل الْمَدِينَة خيرا فبقى متردداً متحيراً فَرفع حَصِيرا فِي الْبَيْت فَرَأى سرداباً محفوراً يَنْتَهِي إِلَى صوب الْحُجْرَة فارتاعت النَّاس لذَلِك فَقَالَ لَهما السُّلْطَان أصدقاني وضربهما ضربا شَدِيدا فاعترفا بِأَنَّهُمَا نصرانيان بعثهما النَّصَارَى فِي زِيّ حجاج المغاربة وأمالوهما بِالْمَالِ الْعَظِيم ليتحيلا فِي الْوُصُول إِلَى الجناب الشريف وَنَقله وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَنزلَا قرب رِبَاطًا وصارا يحفران ليلَا وَلكُل مِنْهُمَا محفظة جلد وَالَّذِي يجْتَمع من التُّرَاب يخرجانه فِي محفظتيهما إِلَى البقيع إِذا خرجا بعلة الزِّيَارَة فَلَمَّا قرب من الْحُجْرَة أرعدت السَّمَاء وأبرقت وَحصل رجف عَظِيم فَقدم السُّلْطَان صَبِيحَة تِلْكَ اللَّيْلَة فَلَمَّا ظهر حَالهمَا بَكَى السُّلْطَان بكاء شَدِيدا وَأمر بِضَرْب رقابهما فقتلا تَحت الشباك الَّذِي يَلِي الْحُجْرَة الشَّرِيفَة الْمُسَمّى الْآن شباك الْجمال ثمَّ أَمر بإحضار رصاص عَظِيم وحفر خَنْدَقًا عظيمَاً إِلَى المَاء حول الْحُجْرَة الشَّرِيفَة كلهَا وأذاب ذَلِك الرصاص وملأ الخَنْدَق فَصَارَ حول الْحُجْرَة سور من رصاص إِلَى المَاء انْتهى وَفِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة ذكر صَاحب الْخَمِيس عَن شمس الدّين صَوَاب الْموصِلِي بواب الْمَسْجِد النَّبَوِيّ والقائم بأَمْره بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ أَن جمَاعَة من الروافض وصلوا من حلب فأهدوا إِلَى أَمِير الْمَدِينَة الشَّرِيفَة من الْأَمْوَال والجواهر مَا لم يخْطر ببال فَشَغلهُ ذَلِك وأنساه دينه والتمسوا مِنْهُ أَن يخرجُوا جَسَد أبي بكر وَعمر ﵄ من عِنْد النَّبِي فَلَمَّا غشيه من حب الدُّنْيَا والتشاغل بالأموال عَن الدّين وافقهم على ذَلِك قَالَ صَوَاب الْموصِلِي الْمَذْكُور فطلبني أَمِير الْمَدِينَة وَقَالَ إِن فِي هَذِه اللَّيْلَة يصل إِلَيْك

стр. 1566

كَذَا وَكَذَا من الرِّجَال فحين يصلونَ إِلَيْك سلم إِلَيْهِم مِفْتَاح الْحُجْرَة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة وَلَا تتشاغل عَنْهُم وَإِلَّا أخذت مَا فِيهِ عَيْنَاك قَالَ صَوَاب فَأَخَذَتْنِي رعدة ودهشة وَلَا أَدْرِي إلامَ يَئُول الْأَمر فانتظرت فَلَمَّا كَانَ نصف اللَّيْل أقبل أَرْبَعُونَ رجلا فَدَخَلُوا من بَاب السَّلَام فَسلمت إِلَيْهِم مِفْتَاح الْحُجْرَة المطهرة فَإِذا مَعَهم المقاحف والمكاتل وآلات الْحفر فَعرفت مُرَادهم وَغَابَ حسى من الهيبة النَّبَوِيَّة ثمَّ سجدت لله وَجعلت أبْكِي وأتضرع فَمَا نظرت إِلَّا وَقد انشقت الأَرْض واشتملتهم بِجَمِيعِ مَا مَعَهم من آلَات الْحفر والتأمت لساعتها وَذَلِكَ عِنْد الْمِحْرَاب العثماني فسجدت شكرا لله فَلَمَّا استبطأ الْأَمِير الْخَبَر أرسل لي رَسُولا فَأَخْبَرته بِمَا رَأَيْت فطلبني عَاجلا فوصلت إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ مثل الواله فَسَأَلَنِي مشافهة فحققت لَهُ مَا رَأَيْت فَقَالَ إِن خرج مِنْك هَذَا الْأَمر قتلتك فَلم أزل ساكتاً عَن بَث هَذَا الْأَمر مُدَّة حَيَاة ذَلِك الْأَمِير خوفًا مِنْهُ وَتُوفِّي المستنجد يَوْم السبت ثَالِث ريع الآخر سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَمُدَّة خِلَافَته اثْنَتَا عشرَة سنة إِلَّا يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ وعمره سبع وَأَرْبَعُونَ سنة وَقيل تسع وَأَرْبَعُونَ وَشهر وَكَانَ أسمر طَوِيل اللِّحْيَة وَهُوَ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ من الْخُلَفَاء قَالَ فِيهِ بعض الأدباء من // (الْبَسِيط) // (أَصْبَحْتَ لُبَّ بَنِي العَبَّاسِ كُلِّهِمُ ... إِنْ عُدِّدتْ بِحِسَابِ الجُمَّلِ الخُلَفَا) (خلَافَة المستضييء بِنور الله) أبي مُحَمَّد الْحسن بن المستنجد بُويِعَ لَهُ بالخلافة يَوْم موت أَبِيه المستنجد وخطب لَهُ بالديار المصرية واليمن وَكَانَت الْخطْبَة مُنْقَطِعَة مِنْهُمَا فِي زمن الْمُطِيع العباسي عِنْد اسْتِيلَاء الْمعز الفاطمي على مصر وَكَانَ المستضيء جواداً كريمَاً مؤثرَاً للخير كثير الصَّدقَات سخياً محيياً للسّنة أمنت الْبِلَاد فِي زَمَانه وأبطل مظالم كَثِيرَة واحتجب عَن أَكثر النَّاس فَلم يكن يركب إِلَّا مَعَ مماليكه وَلم يكن يدْخل عَلَيْهِ غير الْأَمِير قيماز

стр. 1567

قَالَ الذَّهَبِيّ وَلم يل الْخلَافَة أحد اسْمه الْحسن بعد الْحسن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا غير هَذَا وَوَافَقَهُ فِي الكنية أَيْضا وَمِمَّا نظمه الْعِمَاد الْكَاتِب حِين جَاءَت الْبشَارَة بخلافة المستضيء وَهُوَ بِأَرْض الْموصل قَوْله من // (الْخَفِيف) // (قد أضاءَ الزمانُ بالمُسْتَضِيِّ ... وارثِ البُرْدِ وابْنِ عَمِّ النبِيِّ) (جاءَ بِالحقِّ والشريعةِ والعَدْلِ ... فيا مرْحَبًا بِهَذَا المَجِيِّ) (فهنيئَاً لأهْلِ بغدادَ فازوا ... بعد بؤسَى بكلِّ عيشٍ هنىِّ) وَكَانَ مَرضه بالحمى ابْتَدَأَ بهَا يَوْم عيد الْفطر فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت سلخ شَوَّال سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة توفّي إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته ثَمَان سِنِين وَثَمَانِية أشهر وَثَمَانِية وَعشْرين يَوْمًا وَقيل تسع سِنِين وَثَلَاثَة أشهر وعمره سبع وَثَلَاثُونَ سنة (خلَافَة النَّاصِر لدين الله) أَحْمد بن المستضيء حسن بن المستنجد يُوسُف بن المقتفي لأمر الله مُحَمَّد بن المستظهر بن الْمُقْتَدِي كَانَت فِيهِ شهامة وصرامة وإقدام وعقل ودهاء وَكَانَ مستقلاُّ بِأُمُور الْملك بالعراق مُتَمَكنًا طَالَتْ أَيَّامه وَكَانَت لَهُ دسائس وعيون عِنْد كل أحد من الْأُمَرَاء والعظماء والسلاطين والحكام من الْأَجْنَاس الْمُخْتَلفَة حَتَّى كَانَ يظنّ أَن لَهُ اطلاعاً على المغيبات بُويِعَ بالخلافة بعد موت وَالِده وعمره ثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة فَبسط الْعدْل وَأمر بإراقة الْخُمُور وَكسر الملاهي وَإِزَالَة المكوس والضرائب فعمر الْبِلَاد وَبسط الأرزاق وقصدت النَّاس بَغْدَاد وتبركوا بِهِ وَفِي أَيَّامه ظُهُور صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب واستخلاصه بَيت الْمُقَدّس من الفرنج واستيلاؤه على مصر وَإِزَالَة دولة الفاطميين عَنْهَا فَخَطب بهَا للناصر العباسي كَمَا سنذكر ذَلِك عِنْد ذكرهم

стр. 1568

وَفِي أَيَّامه مَاتَ السُّلْطَان طغرلبك شاه بن أرسلان بن طغرلبك بن مُحَمَّد بن ملك شاه وَهُوَ آخر مُلُوك الدولة السلجوقية وَكَانَ عدتهمْ نيفاً وَعشْرين ملكا أَوَّلهمْ طغرلبك الَّذِي أعَاد الْخَلِيفَة الْقَائِم إِلَى بَغْدَاد وَمُدَّة دولتهم مائَة وَسِتُّونَ سنة وطالت أَيَّامه فأحيا رسوم الْخلَافَة وامتلأت الْقُلُوب بهيبته وَكَانَ ذَا فكر صائب وَكَانَت أَيَّامه من غرر الزَّمَان وَهُوَ الَّذِي وَقع للشريف قَتَادَة بن إِدْرِيس صَاحب مَكَّة مَعَه تِلْكَ الْوَاقِعَة حِين استدعاه وسأذكرها إِن شَاءَ الله فِي الخاتمة عِنْد ذكر الشريف قَتَادَة وَكَانَ لَهُ إِحْسَان على أهل الْحَرَمَيْنِ وَكَانَت الْكَعْبَة الشَّرِيفَة تُكسَى الديباج الْأَبْيَض زمن الْمَأْمُون إِلَى آخر أَيَّام النَّاصِر هَذَا فكساها الديباج الْأسود وَاسْتمرّ إِلَى زَمَاننَا هَذَا قَالَ فِي قلادة النَّحْر نقلا عَن الْعِمَاد الْكَاتِب فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فِي خلَافَة النَّاصِر العباسي أجمع المنجمون على اجْتِمَاع الْكَوَاكِب السَّبْعَة فِي برج الْمِيزَان وَيدل ذَلِك على خراب الْعَالم وَأَن تهب ريح مثل ريح قوم عَاد وعينوا الِاجْتِمَاع فِي لَيْلَة نصف شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَفرق الْمُلُوك فَحَفَرُوا حفائر ونقلوا إِلَيْهَا المَاء والزاد قَالَ فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي عينوها جلسنا عِنْد السُّلْطَان والشموع تتقد فَلم يَتَحَرَّك اللهب مِنْهَا وَلم تَرَ لَيْلَة مثلهَا فِي ركود رِيحهَا وسكونها وَلَكِن ظهر بعد ذَلِك أَن سُلْطَان التتار خرج فِي تِلْكَ اللَّيْلَة من تِلْكَ السّنة فَكَانَ مِنْهُ مَا كَانَ من الْفساد وعاث فِي أَكثر الْبِلَاد وأفنى خلقا من الْعباد حَتَّى قتل الْخَلِيفَة العباسي المستعصم بِاللَّه بِبَغْدَاد كَمَا سأذكر قصَّته على أتم الْأَحْوَال وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة أمْطرت السَّمَاء يَوْمًا وَلَيْلَة رَمَادا وأظلمت الدُّنْيَا وَعجز النَّاس عَن اطراق الطّرق إِلَى بُيُوتهم من الْأَسْوَاق وَذَلِكَ بِمَدِينَة زبيد بِالْيمن وَوَقعت بردة فِي أَسْفَل وَادي مور من بِلَاد تهَامَة طولهَا مائَة وَسِتُّونَ ذِرَاعا وعرضها عشرَة أَذْرع وسمكها نَحوا من قامتين فَلَمَّا ذَابَتْ سقى بِمَائِهَا أَربع قطع من الأَرْض فِي ذَلِك الْموضع

стр. 1569

وَكَانَ النَّاصِر فِي أَكثر اللَّيْل يشق الدروب والأسواق وَكَانَ النَّاس يتهيئون للقائه وَهُوَ أطول بني الْعَبَّاس خلَافَة كَانَت مدَّته سِتا وَأَرْبَعين سنة وَقيل سبعا وَأَرْبَعين وَكَانَت وَفَاته سلخ شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسِتمِائَة أَصَابَهُ فِي آخر عمره الفالج فَبَقيَ مَعَه سنتَيْن وَذَهَبت عينه ثمَّ مَاتَ فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور وعمره سَبْعُونَ سنة إِلَّا شهرا كَانَ تركي الْوَجْه أقنى الْأنف خَفِيف العارضين أشقر اللِّحْيَة رَقِيق المحاسن رَحمَه الله تَعَالَى (خلَافَة الظَّاهِر بِأَمْر الله) أبي نصر مُحَمَّد بن النَّاصِر لدين الله أَحْمد بن المستضيء بن المستنجد بن المقتفي كَانَ من أهل الْوَرع وَالدّين تَابعا للشَّرْع اتّفق أهل النَّفْل أَنه مَا جَاءَ أحد بعد عمر بن عبد الْعَزِيز مثله فَإِنَّهُ أَحْيَا سنة العمرين وَسَار بسيرتهما فَأَعَادَ الْأَمْوَال الْمَغْصُوبَة والأملاك الْمَأْخُوذَة فِي أَيَّام أَبِيه وَمن قبله إِلَى أَهلهَا وَأظْهر الْعدْل وأزال المكس وَكَانَ الْعمَّال تكيل للديوان يَكِيل زَائِد على مَا يكيلون بِهِ للنَّاس فَأبْطل ذَلِك وَكتب إِلَى وزيره ﴿وَيل للمُطَفِفِينَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿لِرَبِ اَلعَاَلمِينَ﴾ المطففين ١ - ٦ فَقَالَ لَهُ الْوَزير تفَاوت الْكَيْل ينوف على ثَلَاثِينَ ألف دِينَار فَقَالَ لَهُ أبْطلهُ وَلَو أَنه ثَلَاثمِائَة ألف دِينَار وَفرق لَيْلَة عيد النَّحْر على الْفُقَهَاء مائَة ألف دِينَار فلامه وزيره على ذَلِك فَقَالَ اتركني أفعل الْخَيْر فَإِنِّي لَا أَدْرِي كم أعيش وَلم يَمْتَد زَمَانه وَكَانَ فِي أضق عَيْش فَقَالُوا لَهُ إشفاقاً لحاله لم لَا تتوسع فِي المأكل وَالْمشْرَب والرزق فَقَالَ من فنح الْحَانُوت بعد الْعَصْر فحاله مَعْلُوم فِي البيع وَالشِّرَاء توفّي فِي شهر رَجَب سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة وَلما توفّي اتّفق خُسُوف الْقَمَر

стр. 1570

فِي تِلْكَ السّنة مرَّتَيْنِ فجَاء ابْن الْأَثِير رَسُولا من صَاحب الْموصل برسالة فِي التَّعْزِيَة أَولهَا مَا اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يعتذران وَقد عظم حادثهما وَمَا للشمس وَالْقَمَر لَا ينكسفان وَقد فقد ثالثهما من // (الطَّوِيل) // (فيا وَحْشَةَ الدنْيَا وكانَتْ أنسيةً ... ووحدةَ مَنْ فِيهَا لِمَصْرَع واحدِ) وَهُوَ سيدنَا ومولانا الإِمَام الظَّاهِر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ الَّذِي جعلت ولَايَته رَحْمَة للْعَالمين إِلَى آخر رِسَالَة ذكرهَا السُّيُوطِيّ فِي تَارِيخه وَكَانَت مدَّته عشرَة أشهر وأياماً وعمره اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة وَقيل وَخَمْسُونَ وَسِتَّة أشهر (خلَافَة الْمُسْتَنْصر بِاللَّه) أبي جَعْفَر مَنْصُور بن الظَّاهِر بِأَمْر الله مُحَمَّد بن النَّاصِر لدين الله أَحْمد بن المستضيء الْحسن بن المستنجد يُوسُف بن المقتفي مُحَمَّد بن المستظهر بن الْمُقْتَدِي بُويِعَ لَهُ بالخلافة بعد موت أَبِيه الظَّاهِر فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة فنشر الْعدْل وبذل الْإِنْصَاف وَقرب أهل الْعلم وَالدّين وَبني الْمَسَاجِد والربط والمدارس وَأقَام منار الدّين وقمع المتمردين وَنشر السّنَن وكفَ الْفِتَن وَحمل النَّاس على أقوم سنَن وَحفظ الثغور وافتتح الْحُصُون وَاجْتمعت الْقُلُوب على محبته والألسن على مدحته وَلم يجد أحد من المتعنتة فِيهِ معاباً وَكَانَ جده النَّاصِر يقربهُ ويسميه القَاضِي لهديه وعقله وإنكار مَا يجده من الْمُنكر قَالَ الْحَافِظ زكي الدّين عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ كَانَ الْمُسْتَنْصر رَاغِبًا فِي فعل الْخَيْر مُجْتَهدا على أَعمال الْبر وَله فِي ذَلِك آثَار جميلَة وَهُوَ الَّذِي أنشأ المستنصرية الَّتِي لم يبن مثلهَا فِي مدارس الْإِسْلَام وَلم يُوجد فِي الْمدَارِس أَكثر كسباً مِنْهَا وَلَا أَكثر أوقافاً عَلَيْهَا ورتب فِيهَا الرَّوَاتِب الْحَسَنَة لأهل الْعلم

стр. 1571

وَقَالَ ابْن وَاصل بناها على دجلة من الْجَانِب الشَّرْقِي وَهِي بأَرْبعَة مدرسين على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَعمل فِيهَا مارستاناً ورتب فِيهَا مطبخاً للفقهاء ومزملة للْمَاء الْبَارِد ورتب لبيوت الْفُقَهَاء الْحصْر والبسط وَالزَّيْت وَالْوَرق والحبر ورتب فِيهَا الْخبز وَاللَّحم والحلوى والفواكه وَكِسْوَة الشتَاء وَكِسْوَة الصَّيف وَجعل فِيهَا ثَلَاثِينَ يَتِيما ووقف على ذَلِك ضيَاعًا وقرى كَثِيرَة سردها الذَّهَبِيّ وَغَيره وَلكُل فَقِيه فِي الشَّهْر دِينَار وَشرع فِي عمارتها سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة وأتمها فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَنقل إِلَيْهَا من الْكتب النفيسة وعدة فقهائها مِائَتَان وَثَمَانِية وَأَرْبَعُونَ فَقِيها من الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَشَيخ حديثٍ وَشَيخ نَحْو وَشَيخ طب وَشَيخ فَرَائض وَكَانَ غلال مَا وقف عَلَيْهِمَا فِي كل عَام نيفاً وَسبعين ألف مثقالِ ذَهَبا وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَمر الْمُسْتَنْصر بِضَرْب الدَّرَاهِم الفضية ليعامل بهَا بَدَلا عَن قراضة الذَّهَب فَجَلَسَ الْوَزير وأحضر الْوُلَاة والتجار والصيارفة وفرشت الأنطاع وأفرغ عَلَيْهَا الدَّرَاهِم وَقَالَ الْوَزير قد رسم مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بمعاملتكم بِهَذِهِ الدَّرَاهِم عوضا عَن قراضة الذَّهَب رفقَاً بكم وإنقاذَاً لكم من التَّعَامُل بالحرام وَمن الصّرْف الرِّبَوِيّ فأعلنوا الدُّعَاء لَهُ ثمَّ أديرت وسعرت كل عشرَة دَرَاهِم بِدِينَار فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْقَاسِم بن أبي الحويل فِي ذَلِك أبياتاً من // (الْخَفِيف) // (لَا عَدِمْنَا جميلَ رأيَكَ فِينَا ... أَنْتَ باعَدتَّنَا عَنِ التَّطفيفِ) (ورسَمْتَ اللُّجَينَ حَتَّى أَلِفْنَاهُ ... وَمَا كَانَ قَبْلُ بالمألوفِ) (لَيْسَ للجَمْعِ كَانَ منْعُكَ للصَّرْفِ ... ولكنْ للعَدْلِ والتعريفِ) قلت تَأمل بَيته الْأَخير فَمَا ألطفه وَمن مناقبه أَن الْوَجِيه القيرواني امتدحه بقصيدة يَقُول فِيهَا من // (الْكَامِل) // (لَو كُنْت فِي يومِ السقيفةِ حَاضرا ... كُنْتَ المقدَّمَ والإمامَ والأَوْرَعَا) فَقَالَ لَهُ قَائِل بِحَضْرَتِهِ أَخْطَأت قد كَانَ حَاضرا الْعَبَّاس جد أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلم يكن الْمُقدم إِلَّا أَبُو بكر فَأقر ذَلِك الْمُسْتَنْصر وخلع على الْقَائِل ثمَّ أَمر بِنَفْي الْوَجِيه

стр. 1572

فَخرج إِلَى مصر كَذَا قَالَه الذَّهَبِيّ قلت الْعَبَّاس رَضِي تَعَالَى عَنهُ لم يحضر السَّقِيفَة فالرد مَرْدُود على أَن قَول الشَّاعِر حَاضر لَا يلْزم مِنْهُ حُضُوره عِنْد السَّقِيفَة حَتَّى يرد مَا قَالَه هَذَا الْقَائِل بل مُرَاده حُضُوره أَي وجوده فِي ذَلِك الزَّمن يَعْنِي زمن اجْتِمَاعهم فِي السَّقِيفَة لَا حُضُور نفس الِاجْتِمَاع فِيهَا وَكَانَت مدارس بَغْدَاد يضْرب بهَا الْمثل فِي ارْتِفَاع الْعِمَاد وإتقان المهاد وَطيب المَاء ولطف الْهَوَاء ورفاهية الطلاب وسعة الطَّعَام وَالشرَاب وَأول مدرسة بنيت فِي الدُّنْيَا مدرسة نظام الْملك فَلَمَّا سمع عُلَمَاء مَا وَرَاء النَّهر هَذَا الْخَبَر اتَّخذُوا ذَلِك الْعَام مأتماً وحزنوا على سُقُوط حُرْمَة الْعلم فَقَالُوا حِين سئلوا عَن ذَلِك إِن للْعلم ملكة شريفة لَا تطلبها إِلَّا النُّفُوس الشَّرِيفَة بجاذب الشّرف الذاتي فَلَمَّا جعلت عَلَيْهِ الأجور تطلبته النُّفُوس الرذلة لتجعله مكسباً وسلمَا لحطام الدُّنْيَا لَا لتَحْصِيل شرف الْعلم بل لتَحْصِيل المناصب الدُّنْيَوِيَّة الأسفلية الفانية فيرذل الْعلم لرذالتهم وَلَا يشرفون بشرفه أَلا ترى إِلَى علم الطِّبّ فَإِنَّهُ مَعَ كَونه شريفاً لما تعاطاه الْيَهُود وَالنَّصَارَى رذل برذالتهم وَلم يشرفوا بشرفه وَهَذَا حَال طلبة الْعلم فِي هَذَا الزَّمَان الْفَاسِد كَذَا فِي الْأَعْلَام قلت قد كَانَ هَذَا قبل وَأما الْيَوْم فَلَا طلب وَلَا مَطْلُوب وَلَا رَغْبَة وَلَا مَرْغُوب نسْأَل الله اللطف وَحسن الخاتمة وَمن جملَة خدام الْمُسْتَنْصر بِاللَّه الْأَمِير شرف الدّين وإقبال الشرابي المستنصري وَفِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَقع بِالْيمن مطر عَظِيم عَمه جميعَاً وَكَانَ فِيهِ برد عَظِيم قتل من الدَّوَابّ والوحوش شَيْئا كثيرا وَنزلت فِيهِ بردة كالجبل الصَّغِير لَهَا شناخيب يزِيد كل وَاحِد مِنْهَا على ثَلَاثَة أَذْرع وَقعت فِي مفازة من بِلَاد سنحان وزراحة وَذَلِكَ بمرحلتين بمسير الْجمال عَن صنعاء فَغَاب فِي الأَرْض أَكْثَرهَا وَكَانَت يَدُور حولهَا عشرُون رجلا فَلَا يرى بَعضهم يعضا وبشاذروان الْكَعْبَة الشَّرِيفَة فِي وسط مصلى جِبْرِيل ﵊ وَهِي الحفيرة الْمُسَمَّاة الآَن بالمعجنة حجر من الرخام الْأَزْرَق ومنقور فِيهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم أَمر بعمارة هَذَا

стр. 1573

المطاف الشريف وَذكر اسْمه وَذَلِكَ فِي سنة إِحْدَى ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وآَله انْتهى وَهَذَا الْحجر بَاقٍ إِلَى يَوْمنَا ثمَّ توفّي الْمُسْتَنْصر لعشر بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَكَانَت خِلَافَته سِتّ عشرَة سنة وَعشرَة أشهر وعمره اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر رَحمَه الله تَعَالَى (خلَافَة المستعصم بِاللَّه) أبي أَحْمد عبد الله بن الْمُسْتَنْصر بِاللَّه مَنْصُور بن الظَّاهِر بِأَمْر الله مُحَمَّد بن النَّاصِر لدين الله أَحْمد هُوَ آخر الْخُلَفَاء العباسيين بالعراق أمه أم ولد حبشية اسْمهَا هَاجر بُويِعَ لَهُ بالخلافة عِنْد موت أَبِيه الْمُسْتَنْصر كَانَ لينًا هينَاً قَلِيل الرَّأْي بعيد الْفَهم فوض جَمِيع أُمُوره إِلَى وزيره مؤيد الدّين بل مدمر الدّين ابْن العلقمي الرافضي فَكَانَ سَبَب هَلَاكه وَزَوَال ملكه كَمَا سَيَأْتِي ذكره وَكَانَ للمستنصر أَبِيه ابْنَانِ أَحدهمَا يُسمى بالخفاجي كَانَ شَدِيد الرَّأْس شَدِيد الرَّأْي شجاعاً صَعب المراس وَالثَّانِي هَذَا المستعصم وَكَانَ هيناً لينًا ضَعِيف الرَّأْي فاختاره الْأَمِير الشرابي على أَخِيه الخفاجي ليستبد هُوَ بِالْأَمر ويستقل بأحوال الْملك فَإِنَّهُ لَا يخشاه كَمَا يخْشَى من أَخِيه الخفاجي فَلَمَّا توفّي الْمُسْتَنْصر أخْفى الْأَمِير إقبال مَوته نَحوا من عشْرين يومَاً حَتَّى دبر الْولَايَة للمستعصم وبويع لَهُ بالخلافة ففر أَخُوهُ الخفاجي إِلَى العربان وتلاشى أمره وَفِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين بنى إقبال الشرابي مدرسة بِمَكَّة على يَمِين الدَّاخِل من بَاب السَّلَام إِلَى الْمَسْجِد ورباطَاً فِيهِ عدَّة خلاوي ووقف بِالْمَدْرَسَةِ كتبا ذهبت شذر مذر إِلَّا قَلِيلا والمدرسة بَاقِيَة إِلَى الْآن وعلوها مجلسان مطلان على بَاب السَّلَام وَبهَا كتب وَقفهَا بعض أهل الْخَيْر مِمَّن أدركناه رَحِمهم الله تَعَالَى كَذَا فِي

стр. 1574

الْأَعْلَام للقطب النهروالي نِسْبَة إِلَى نهروالا قَرْيَة من قرى الْهِنْد أَو الْعَجم وَفِي موسم السّنة الْمَذْكُورَة حجت وَالِدَة المستعصم بِاللَّه وَهِي أم ولد حبشية اسْمهَا هَاجر كَمَا تقدم وَكَانَ فِي خدمتها الْأَمِير إقبال الشرابي الدوادار وَمَعَهُ سِتَّة آلَاف خلعة وَتصدق بِنَحْوِ سِتِّينَ ألف دِينَار وعدت جمال ركب أهل بَغْدَاد تِلْكَ السّنة فَكَانَت فَوق مائَة وَعشْرين ألف بعير ثمَّ عَادَتْ إِلَى بَغْدَاد وَفِي سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة كَانَ ظُهُور النَّار قَالَ أَبُو شامة فِي كتاب الروضتين جَاءَنَا كتب من الْمَدِينَة الشَّرِيفَة فِيهَا لما كَانَت لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة ظهر بِالْمَدِينَةِ دوِي عَظِيم ثمَّ زَلْزَلَة عَظِيمَة فَكَانَت سَاعَة بعد سَاعَة إِلَى خَامِس الشَّهْر الْمَذْكُور فظهرت نَار عَظِيمَة فِي الْحرَّة الشرقية قريبَاً من قُرَيْظَة نرَاهَا من دُورنَا من دَاخل الْمَدِينَة كَأَنَّهَا عندنَا وسالت أَوديَة مِنْهَا وَادي شظا سيل المَاء وطلعنا نقصدها فَإِذا الْجبَال تسير نَارا وسارت هَكَذَا وَهَكَذَا كَأَنَّهَا الْجبَال وطار مِنْهَا شرر كالقصر وفزع النَّاس إِلَى الْقَبْر الشريف مستغفرين تَائِبين واستمرت هَكَذَا أَكثر من شهر وَقَالَ الذَّهَبِيّ كَانَت تدب دَبِيب النَّمْل وَكَانَت تحرق كل مَا مرت عَلَيْهِ من الْحِجَارَة وَغَيرهَا فَكَانَت الْحِجَارَة تذوب كَمَا يذوب الرصاص وَكَانَت لَا تحرق أَشجَار الْمَدِينَة على مشرفها الصَّلَاة وَالسَّلَام وَكَانَ نسَاء الْمَدِينَة يغزلن على ضوئها ثمَّ انطفأت بعد مُدَّة قريبَة من شهر وَمَعَ ذَلِك مَا كَانَ لَهَا حرارة وَمَا كَانَت تُؤثر فِيمَن وصل إِلَيْهَا ذكر أَن أَمِير الْمَدِينَة الشَّرِيفَة أرسل رجلَيْنِ ليتحققا أَمر هَذِه النَّار فَلَمَّا وصلا إِلَى قربهَا وَشَاهدا عدم حَرَارَتهَا تقربا إِلَيْهَا حَتَّى إِن أَحدهمَا أخرج نشاباً فَأدْخلهُ النَّار فذاب نصله وَلم يَحْتَرِق الْعود فَقلب النشاب وَأدْخلهُ النَّار فَاحْتَرَقَ الريش وَلم يَحْتَرِق الْعود لِأَن السِّهَام كَانَت من أَشجَار الْمَدِينَة وَذَلِكَ من معجزاته عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام قَالَ اليافعي فِي تَارِيخه وَهَذِه النَّار هِيَ الَّتِي ذكرهَا رَسُول الله فَقَالَ تظهر فِي آخر الزَّمَان نَار شَرْقي الْمَدِينَة تضيء لَهَا أَعْنَاق الْإِبِل ب بصرى من أَرض

стр. 1575

الشَّام قلت الَّذِي ذكره الْحَافِظ الذَّهَبِيّ أَن لفظ الحَدِيث لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تخرج نَار بِأَرْض الْحجاز تضيء لَهَا أَعْنَاق الْإِبِل ب بصرى ثمَّ قَالَ وَأمر هَذِه النَّار متواتر وَهُوَ مصداق مَا أخبر بِهِ الْمُصْطَفى وَقد حكى غير وَاحِد مِمَّن كَانَ ب بصرى أَنه رأى فِي اللَّيْل أَعْنَاق الْإِبِل فِي ضوئها والصادق لَا ينْطق عَن الْهوى ثمَّ كَانَ أَن مؤيد الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الْملك صَار وَزِير المستعصم وَكَانَ رَافِضِيًّا سباباً مستولياً على المستعصم عدوا لَهُ وَلأَهل السّنة يداريهم فِي الظَّاهِر وينافقهم فِي الْبَاطِن وَكَانَ دائراً على طمس آثَار السّنة وإعلاء منار الْبِدْعَة فَصَارَ يُكَاتب هولاكو قَائِد التتار ويطعمه فِي ملك بَغْدَاد ويخبره بأخبارها ويعرفه بِصُورَة أَخذهَا وبضعف الْخَلِيفَة وبانحلال الْعَسْكَر عَنهُ وَصَارَ يحسن للمستعصم توفير الخزائن وَعدم الصّرْف على الْعَسْكَر وَالْإِذْن لَهُم فِي الذّهاب أَيْن شَاءُوا وَيقطع أَرْزَاقهم ويشتت شملهم بِحَيْثُ إِنَّه أذن مرّة لعشرين ألف مقَاتل فَذَهَبُوا ووفر علوفاتهم من الخزانتين وَكَانَ التتار جائلين فِي الأَرْض يقتلُون وَيَأْسِرُونَ ويخربون الديار ونارهم فِي غَايَة الاشتعال والاستعار والمستعصم وَمن مَعَه فِي غَفلَة عَنْهُم إخفاء ابْن العلقمي عَنهُ سائْر الْأَخْبَار إِلَى أَن وصل هولاكو خَان إِلَى بِلَاد الْعرَاق واستأصل من بهَا قتلَا وأسراً وَتوجه إِلَى بَغْدَاد وَأرْسل إِلَى الْخَلِيفَة يَطْلُبهُ فَاسْتَيْقَظَ من نوم الْغرُور وَنَدم على غفلته حَيْثُ لَا ينفع النَّدَم وَجمع من قدر عَلَيْهِ وبرز إِلَى قِتَاله وَجمع من أهل بَغْدَاد خاصته وَمن عبيده وخدامه مَا يُقَارب أَرْبَعِينَ ألف مقَاتل لكِنهمْ مرفهون بلين المهاد وساكنون على شط بَغْدَاد فِي ظلّ ثخين وَمَاء معِين وفاكة وشراب واجتماع أحباب مَا كابدوا حربَاً وَلَا ذاقوا طَعنا وَلَا ضربا وعساكر الْمغل ينوفون على مائَة ألف مقَاتل فَوَقع التصاف والتحم الْقِتَال وزحف الْخَمِيس إِلَى الْخَمِيس يَوْم الْخَمِيس عَاشر محرم سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة وصبر أهل بَغْدَاد

стр. 1576

على حر السيوف صَبَرُوا مضطرين على طعم الحتوف وأعطوا الدَّار حَقّهَا واستقبلوا غمام السِّهَام وبلها وودقها واستمروا كَذَلِك من إقبال الْفجْر إِلَى إدبار النَّهَار فعجزوا عَن الاصطبار وانكسروا أَشد انكسار وولوا الأدبار وغرق كثير مِنْهُم فِي دجلة وَقتل أَكْثَرهم شَرّ قتلة وَوضعت التتار فيهم السَّيْف وَالنَّار فَقتلُوا فِي ثَلَاثَة أَيَّام مَا ينوف على ثَلَاثمِائَة ألف وَسبعين ألفا وَسبوا النِّسَاء والأطفال ونهبوا الخزائن وَالْأَمْوَال وَأخذ هولاكو جَمِيع النُّقُود وَأمر بحرق الْبَاقِي وَرمى كتب مدارس بَغْدَاد فِي دجلة وَكَانَت لكثرتها جِسْرًا يَمرونَ عَلَيْهَا ركبانَاً وَمُشَاة وَتغَير لون المَاء بحبرها إِلَى السوَاد فَأَشَارَ الْوَزير على الْخَلِيفَة بمصانعتهم وَقَالَ أَنا فِي تَقْرِير الصُّلْح فَخرج ووثق لنَفسِهِ بَينهم وَرجع إِلَى الْخَلِيفَة وَقَالَ إِن الْملك هولاكو قد رغب فِي أَن يُزَوّج ابْنَته بابنك الْأَمِير أبي بكر ويبقيك فِي منصب الْخلَافَة كَمَا أبقى صَاحب الرّوم فِي سلطنته وَلَا يُؤثر أَن تكون الطَّاعَة لَهُ كَمَا كَانَ أجدادك مَعَ سلاطين الديلم والسلجوقية وينصرف عَنْك بجُنُوده فيجيب مَوْلَانَا إِلَى هَذَا فَإِن فِيهِ حَقنا لدماء من بَقِي من الْمُسلمين وَيُمكن بعد ذَلِك أَن تفعل مَا تُرِيدُ فَالرَّأْي أَن تخرج إِلَيْهِم فَخرج الْخَلِيفَة فِي أَعْيَان دولته فَأنْزل فِي خيمة ثمَّ دخل الْوَزير فاستدعى الْفُقَهَاء والأماثل ليحضروا العقد فَخَروا من بَغْدَاد فَضربت أَعْنَاقهم وَكَذَلِكَ تخرج طَائِفَة بعد طَائِفَة فَتضْرب أَعْنَاقهم حَتَّى قتل جَمِيع من فِيهَا من الْعلمَاء والأمراء والحجاب وَالْكتاب واستبقى هولاكو المستعصم أَيَّامًا إِلَى أَن استصفي أَمْوَاله وخزائنه وذخائره ثمَّ رمى رِقَاب أَوْلَاده وَذَوِيهِ وَأَتْبَاعه وَأمر أَن يوضع الْخَلِيفَة فِي غرارة ويرفس بالأرجل حَتَّى يَمُوت فَفعل بِهِ ذَلِك وَفِي رِوَايَة أَن خُرُوج الْخَلِيفَة المستعصم إِلَيْهِ كَانَ قبل وُقُوع شَيْء من الْقِتَال ثمَّ لما خرج وَفعل بِهِ وَمن مَعَه مَا فعل بذل السَّيْف فِي بَغْدَاد وَاسْتمرّ السَّيْف نَحْو أَرْبَعِينَ يَوْمًا فبلغت الْقَتْلَى أَكثر من ألف ألف نسمَة وَلم يسلم إِلَّا من اختفى فِي بِئْر أَو قناة وَاسْتشْهدَ الْخَلِيفَة ﵀ يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشر صفر من سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة وانقطعت بِمَوْتِهِ خلَافَة بني الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب من الْعرَاق

стр. 1577

وعدتهم سَبْعَة وَثَلَاثُونَ خَليفَة أَوَّلهمْ عبد الله السفاح ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله ابْن الْعَبَّاس وَآخرهمْ هَذَا المستعصم بِاللَّه عبد الله بن الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي جَعْفَر مَنْصُور بن الظَّاهِر بِأَمْر الله مُحَمَّد بن النَّاصِر لدين الله أَحْمد بن المستضيء بِنور الله حسن بن المستنجد بِاللَّه يُوسُف بن المقتفي لأمر الله مُحَمَّد بن المستظهر بِاللَّه أَحْمد بن الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله عبد الله ابْن الْأَمِير مُحَمَّد الذَّخِيرَة بن الْقَائِم بِأَمْر الله عبد الله بن الْقَادِر بِاللَّه أَحْمد ابْن الْأَمِير إِسْحَاق بن المقتدر بن جَعْفَر بن المعتضد بن أَحْمد ابْن الْأَمِير طَلْحَة الْمُوفق بن المتَوَكل على الله جَعْفَر بن المعتصم مُحَمَّد بن الرشيد هَارُون ابْن الْمهْدي مُحَمَّد بن الْمَنْصُور أبي جَعْفَر عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته سِتّ عشرَة سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام وعمره خمس وَأَرْبَعُونَ سنة وَقيل سِتّ وَأَرْبَعُونَ وشهران وَهَذِه السّنة الَّتِي قتل فِيهَا المستعصم تسمى سنة المصائب وَبقيت الدُّنْيَا بِلَا خَليفَة ثَلَاث سِنِين وَنصفا ستٍ وَخمسين وستمائْة وَسبع وَخمسين وثمانٍ وَخمسين وتسعِ وَخمسين إِلَى رَجَب مِنْهَا فأقيمت بِمصْر الْخلَافَة وبويع الْمُسْتَنْصر كَمَا سَنذكرُهُ قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ عِنْد ذكر قتل الْخَلِيفَة وَمَا أَظُنهُ دفن وَقتل مَعَه جمَاعَة من أَوْلَاده وأعمامه وَبني عَمه وَكَانَت بلية لم يصب الْإِسْلَام بِمِثْلِهَا وعملت الشُّعَرَاء قصائد فِي مراثي بَغْدَاد وَأَهْلهَا وتمثل بقول سبط بن التعاويذي من // (الْكَامِل) // (بَادَتْ وأهلُوهَا مَعًا فبيوتُهُمْ ... ببقاءِ مَوْلَانَا الوزيرِ خرابُ) وَقَالَ بَعضهم من // (الْكَامِل) // (يَا عصبَةَ الْإِسْلَام نوحِي واندُي ... حزنا علَى مَا تَمَّ للمستعصِمِ) (دَسْتُ الوزارةِ كَانَ قَبْلَ زمانِهِ ... لابْنِ الفراتِ فَصَارَ لابنِ العلقمِي)

стр. 1578

قلت يُشِير إِلَى ابْن الْفُرَات وَكَانَ وزيراً فِي خلَافَة المقتدر وَكَانَ آخر خطْبَة خطبت بِبَغْدَاد قَالَ الْخَطِيب فِي أَولهَا الْحَمد لله الَّذِي هدم بِالْمَوْتِ مشيد الْأَعْمَار وَحكم بالفناء على أهل هَذِه الدَّار وَالسيف قَائِم بهَا وَمِمَّا قَالَه تَقِيّ الدّين ابْن أبي الْيُسْر فِي بَغْدَاد من // (الْبَسِيط) // (لسائلِ الدمعِ عنْ بغدَادَ إخبارُ ... فَمَا وقوفُكَ والأحبابُ قد سَارُوا) (يَا زائرينَ إِلى الزوراءِ لَا تَفِدُوا ... فَمَا بِذَاكَ الحِمى والدارِ ديَّارُ) (تاجُ الخلافةِ والرَّبْعُ الَّذِي شَرُفَتْ ... بِهِ المَعَالِمُ قد عفَّاهُ إقفارُ) (أضحَى لِعَصْفِ البلا فِي رَبْعِهِ أثرٌ ... وللدموعِ على الآثارِ آثارُ) (يَا نارَ قَلْبيَ من نارٍ لحَرِّ وغًي ... شبَّتْ علهخ ووافي الرَّبْعَ إعصارُ) (علا الصليبُ على أعلَى منابِرِهَا ... وقامَ بالأمْرِ مَنْ يحويه زُنَّارُ) (وَكم حريمٍ سَبَتْهُ التُّركُ غَاصِبةً ... وَكَانَ مِنْ~ دونِ ذَاك السِّتْر أَسْتَارُ) (وَكم بُدُورٍ على البَدْرِيةِ انخسفتْ ... وَلم يعدْ لِبُدُورٍ مِنُهُ إبدارُ) (وَكم ذخائرَ أضحَتْ وَهِي شائعةٌ ... من النِّهابِ وَقد حازَتْهُ كفارُ) (وَكم حدودٍ أقيمَتْ من سيوفهِمُ ... على الرِّقابِ وخطَّت فِيهِ أوزَارُ) (نادَيْتُ والسَّبْيُ مَهْتُولٌ يَجُرُّهُمُ ... إِلَى السِّفاحِ من الأعداءِ دعَّارُ) (إليكَ يَا ربَّنا الشكوَى فأنْتَ ترَى ... مَا حلَّ بالدِّينِ والباغونَ فُجَّارُ) وَمن غَرِيب الِاتِّفَاق مَا رَوَاهُ بَعضهم قَالَ لما استولت التتار على بَغْدَاد وَقتلُوا الْخَلِيفَة المستعصم كَانَ بِبَغْدَاد رجل من ذَوي الْيَسَار مَعْرُوف فَلَمَّا سمع بِقرب التتار من بَغْدَاد جعل فِي قاع دَاره مخبأ تَحت الأَرْض وَوضع فِيهِ صناديقه وأمتعته وَسَائِر مَا يعز عَلَيْهِ من أَمْوَال وَغَيرهَا ثمَّ جعل على فَم ذَلِك الْموضع هَيْئَة فَم الخرابة وَجعل تسرب مَائِهَا إِلَى مَوضِع آخر ليخفي أَمر ذَلِك الْموضع عَن الناظرين وَقَالَ فِي نَفسه إِذا دخلت التتار بَغْدَاد خرجت إِلَى الصَّحرَاء فَإِذا خَرجُوا عدت إِلَى دَاري وَمَالِي فَلَمَّا فرغ من إحكام ذَلِك وجد فِي ذخائره سِتا من اللآليء الْكِبَار النفيسة كبارَاً جدا فَقَالَ فِي باله فتح هَذِه المطمورة أَمر عَظِيم وفكر فِي

стр. 1579

حفظ تِلْكَ اللؤلؤات فَلم يجد لَهَا موضعا أحسن من عش عصافير كَانَ بسقف تِلْكَ الدَّار قَرِيبا من المخبأ الْمَذْكُور فاستدعى بسلم فوضعها فِي ذَلِك العش وَجلسَ فِي دهليز تِلْكَ الدَّار وَعَلِيهِ زِيّ الْفُقَرَاء فَلَمَّا دخلت التتار بَغْدَاد خرج إِلَى مَوضِع استتر فِيهِ فَأمْسك بعض عَسَاكِر التتار رجلا من أهل بَغْدَاد وألزموه أَن يُرِيهم دور أهل الْيَسَار من أهل بَغْدَاد ليجد فِيهَا مَا يَأْخُذهُ فَأتى ذَلِك الرجل بذلك الْبَعْض إِلَى هَذِه الدَّار الْمَذْكُورَة فَطَافَا فِيهَا فَلم يجدا شَيْئا فَغَضب التترى فربطه وَقَالَ أتهزأ بِي وَجعل يضْربهُ ويعذبه وَالرجل يحلف لَهُ أَن صَاحب هَذِه الدَّار من مياسير أهل بَغْدَاد وَمَا هزأت بك فَبَيْنَمَا هُوَ يضْربهُ إِذْ زرق عَلَيْهِ عُصْفُور من ذَلِك العش الَّذِي فِيهِ اللؤلؤات فَأصَاب الزرق وَجهه فازداد غيظه فَضرب ذَلِك العش فَوَقع العش وَسَقَطت تِلْكَ اللؤلؤات مِنْهُ فتدحرجت مِنْهُ ثَلَاث فوقعن فِي ثقب تِلْكَ الخربة فَأخذ التتري تِلْكَ الثَّلَاث لؤلؤات وألزم الرجل بخراب تِلْكَ الخرابة لإِخْرَاج اللؤلؤات الْأُخْرَى فَلَمَّا شرع فِي تخريبها وأزال وَجههَا وجد سلالم تَنْتَهِي إِلَى الْموضع الَّذِي فِيهِ الْأَمْوَال والذخائر والصناديق فَأخذ التتري جَمِيع مَا هُنَاكَ وَأطلق الرجل وَأَعْطَاهُ مَا تيَسّر فاعتبروا يَا أولي الْأَلْبَاب (شرح حَال التتار) قَالَ الْمُوفق عبد اللَّطِيف الخجندي فِي خبر التتار هُوَ حَدِيث يَأْكُل الْأَحَادِيث وَخبر يطوي الْأَخْبَار وتاريخ ينسي التواريخ ونازلة تصغر كل نازلة وفادحة تطبق الأَرْض وتملؤها مَا بَين الطول وَالْعرض هَذِه الْأمة لغتهم مشوبة بلغَة الْهِنْد لأَنهم فِي جوارهم وَبينهمْ وَبَين بنكث أَرْبَعَة أشهر وَهِي فِي النِّسْبَة إِلَى التّرْك عراض الْوُجُوه واسعو الصُّدُور خفاف الأعجاز صغَار الْأَطْرَاف سمر اللَّوْن سريعو الْحَرَكَة فِي الْجِسْم والرأي تصل إِلَيْهِم أَخْبَار الْأُمَم وَلَا تصل أخبارهم إِلَى الْأُمَم قَلما يقدر جاسوس أَن يتَمَكَّن مِنْهُم لِأَن الْغَرِيب لَا يشْتَبه بهم وَإِذا أَرَادوا جِهَة كتموا أَمرهم ونهضوا دفْعَة وَاحِدَة فَلَا يعلم بهم أهل بلد حَتَّى يدخلوه وَلَا عَسْكَر حَتَّى يخالطوه فَلهَذَا تفْسد

стр. 1580

على النَّاس وُجُوه الْحِيَل فيهم وتضيق طرق الْحَرْب عَلَيْهِم وَنِسَاؤُهُمْ يقاتلن كرجالهم وَالْغَالِب على سِلَاحهمْ النشاب وأكلهم أَي لحم وجدوه وَلَيْسَ فِي قَتلهمْ اسْتثِْنَاء وَلَا إبْقَاء يقتلُون الرِّجَال وَالنِّسَاء والأطفال وَكَانَ مقصودهم إفناء النَّوْع الإنساني وإبادة العلام لَا قصد الْملك وَالْمَال وَقَالَ سبط ابْن الْجَوْزِيّ فِي مرْآة الزَّمَان أَرض التتار بأطراف بِلَاد الصين وهم سكان بوادي مَشْهُورُونَ بِالشَّرِّ والغدر وَسبب ظُهُورهمْ أَن إقليم الصين متسع دوره سِتَّة أشهر وهم سِتّ ممالك وَلَهُم ملك حَاكم على السِّت وَهُوَ القان الْأَكْبَر الْمُقِيم بطغماج وَهُوَ كالخليفة على الْمُسلمين وَكَانَ سُلْطَان أحد الممالك السِّت واسْمه دوس خَان قد تزوج بعمة جنكيز خن ملك التتار فَحَضَرَ زَائِرًا لِعَمَّتِهِ وَقد مَاتَ زَوجهَا وَكَانَ قد حضر مَعَ خنكيز خَان كشلوخان فأعلمتهما أَن الْملك الَّذِي هُوَ دوس خَان لم يخلف ولدَاً وأشارت على ابْن أَخِيهَا أَن يقوم مقَامه فَقَامَ مقَامه وانضم إِلَيْهِ خلق من الْمغل ثمَّ سير التقاديم والهدايا إِلَى القان الْأَكْبَر فأستشاط غَضبا وَأمر بِقطع أَذْنَاب الْخَيل الَّتِي أهديت إِلَيْهِ وطردها وَقتل الرُّسُل لكَون التتار لم يتَقَدَّم لَهُم سَابِقَة سلطنة إِنَّمَا هم بادية الصين فَلَمَّا سمع جنكيزخان وَصَاحبه كشلوخان تحَالفا على التعاضد وأظهرا الْخلاف للقان وَهُوَ الْحَاكِم على السِّت المدن الْمَذْكُورَة وأتتهما أُمَم كَثِيرَة من التتار وَعلم القان قوتهم وشرهم فَأرْسل يؤانسهم ثمَّ أرسل بعد ذَلِك ينذرهم ويتهددهم فَلم يغن ذَلِك فيهم شَيْئا ثمَّ عزم على قصدهم فقصدهم وَوَقع بَينهم ملحمة عَظِيمَة فكسروا القان وملكوا بِلَاده واستفحل شرهم وَاسْتمرّ الْملك بَين جنكيزخان وكشلوخان على الْمُشَاركَة ثمَّ سارا إِلَى بِلَاد قاسون من نواحي الصين فملكاها فَمَاتَ كشلوخان فَقَامَ مقَامه وَلَده فاستصغره جنكيزخان فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَقتله واستقل جنكيزخان ودانت لَهُ التتار وانقادت واعتقدوا فِيهِ الأولوهية وبالغوا فِي طاعتهم ثمَّ كَانَ أول خُرُوجهمْ من بِلَادهمْ سنة سِتّ وسِتمِائَة إِلَى نواحي التّرْك وفرغانة فَأرْسل خوارزم شاه مُحَمَّد بن تكش صَاحب خُرَاسَان الَّذِي أباد
следующие страницы →