Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
مَا وَقع صَاح عَلَيْهِم الْأمان إِن كَانَ لكم غَرَض بى أَنا آتيكم وَمَا فعل هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاء فسكن الْحَرْب وَنزل إِلَيْهِم فترجلوا لَهُ عَن الْخَيل وأركبوه بغلاً وذهبوا بِهِ فَمَا صفت الْمَسْأَلَة حَتَّى قتل خلق ونهبت النَّاس وألزم الْأُمَرَاء الشريف عجلَان بِحِفْظ الْحَاج غير أَن الْعَرَب وَبَعض العبيد نهبوا النَّاس مَا بَين منى وَمَكَّة وَلما وصل الْحَاج والأمراء وَادي مر فِي موسم أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة واجههم الشريف عجلَان وشكا عَلَيْهِم مَا فعله أَخُوهُ الشريف ثقبة فِي السّنة الَّتِي قبل هَذِه سنة ثَلَاث وَخمسين وَأَنه أَخذ أَمْوَاله وخيله وعبيده وَقَيده فخلصه الله تَعَالَى فوعدوه بِالْولَايَةِ وطمنوا خاطره فَلَمَّا وصلوا الزَّاهِر خرج إِلَيْهِم الشريف ثقبة على الْمُعْتَاد فتكلموا مَعَه فِي الصُّلْح مَعَ أَخِيه الشريف عجلَان فَامْتنعَ فَلم يزَالُوا يلاطفونه حَتَّى دخل إِلَيْهِم فَقَالَ لَهُم الشريف ثقبة إِن كَانَ هَذَا بِأَمْر السُّلْطَان فَنعم وَإِلَّا لَا أفعل فَقبض بعض الأتراك على سيف ثقبة وَالْبَاقُونَ احتاطوا بِمن مَعَه فأنزلوهم عَن خيولهم وكبلوهم فِي الْحَدِيد هُوَ وأخويه سَنَد ومغامس وَابْن عَمه مُحَمَّد بن عطيفة وفر القواد وَالْعَبِيد ثمَّ أحضروا عجلَان وألبسوه الخلعة ودخلوا بِهِ مَكَّة وَلم يخْتَلف عَلَيْهِ اثْنَان فَلَمَّا أَتموا الْحَج ذَهَبُوا بالأشراف إِلَى مصر ووضعوهم فِي الْحَبْس ودام عجلَان على ولَايَة مَكَّة مُنْفَردا مُسْتقِلّا إِلَى أَن فك ثقبة والأشراف الَّذين مَعَه وشاركه فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَسَبْعمائة وَاسْتمرّ حَتَّى عزلا بأخيهما سَنَد بن رميثة وَابْن عَمهمَا مُحَمَّد بن عطيفة ثمَّ وَليهَا سَنَد وَمُحَمّد بن عطيفة فِي سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة شَرِيكَيْنِ وَاسْتمرّ إِلَى أَوَائِل سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فَفِيهَا قدم الشريف عجلَان من مصر مُتَوَلِّيًا وأشرك أَخَاهُ ثقبة فَمَاتَ ثقبة واستقل عجلَان كَمَا سَيَأْتِي ذكر ذَلِك آخر السوادة وَأخذ الشريف عجلَان وَولده أَحْمد وَذهب بهما إِلَى مصر فحبسا وجهز الْملك النَّاصِر حسن بن قلاوون عسكراً لتأييد سَنَد وَمُحَمّد بن عطيفة مقدمهم الْأَمِير بكتم المارديني وانصلح لذَلِك حَال مَكَّة حَتَّى انْقَضى الْحَج من سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة ثمَّ قَامَت فتْنَة بَين بني حسن والعسكر الَّذِي وصل من مصر وَالشَّام للإقامة بهَا
стр. 1892
٠ - عوض بكتم الْأَمِير وَمن مَعَه كَانَ الظفر فِيهَا للأشراف وَسبب ذَلِك أَنه أشيع بِمَكَّة أَن من نِيَّة الْعَسْكَر المقيمين بِمَكَّة الْقَبْض على شريفها الشريف سَنَد ففرت الْأَشْرَاف لما قاسوه من هَذَا الْأَمر فَإِن الشريف عجلَان وَولده أَحْمد إِلَى الْآن محبوسان بِمصْر فأشيع ذَلِك قبل قدومهم فَلَمَّا وصل الْعَسْكَر إِلَى مَكَّة أَرَادوا أَن ينزلُوا بَيْتا بالصفا للأشراف فطالبهم الشريف صاجب الْبَيْت بِالْأُجْرَةِ فضرت التركى الشريف فَقتله الرِّيف فتراكم الأتراك على الشريف فصاح لرباعته فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ جمَاعَة وَاشْتَدَّ الْأَمر فقصدت الْأَشْرَاف أجياداً فوجدوا خيلاً للترك على بَاب الصَّفَا كَانَ الْأُمَرَاء اعتمروا فهم فِي الطّواف فركبت الْأَشْرَاف تِلْكَ الْخَيل فَبلغ الْأُمَرَاء ذَلِك وهم يطوفون فَقطعُوا الطّواف وقصدوا الْمدرسَة ليحفظوها وقفلوا أَبْوَاب الْمَسْجِد الْحَرَام وتحصنوا بِهِ وَأمرُوا بهدم الظلة الَّتِي على رَأس زقاق أجياد الصَّغِير ليروا من يقدم عَلَيْهِم مِنْهُ وَكَانَ غالبهم بسطح الْمَسْجِد يَرْمِي بالنشاب وسدوا الطَّرِيق بالأخشاب لِئَلَّا يخرج عَلَيْهِم أَحْمد من أجياد الْكَبِير هَذَا خبر التّرْك وَأما بَنو حسن فَإِنَّهُم استدلوا أَيْضا على إصطبل لبَعض الْأُمَرَاء وقصدوا الْأَمِير قندس وَكَانَ نازلاً بأجياد بالزباهية فقاتلوه من خَارج ودخلوا عَلَيْهِ الدَّار فَقتلُوا جماعته وأسروه ونهبوا مَا كَانَ عِنْده جَمِيعه واستجار نساؤه بِبَيْت السَّيِّد مبارك بن رميثة وَجَاء السَّيِّد مغامس من أجياد لِيُقَاتل التّرْك الَّذين فِي الْمَسْجِد فجفلت بِهِ فرسه فَسقط فَقَتَلُوهُ وَبَقِي فِي مصرعه إِلَى الْمغرب وَأَرَادَ مُحَمَّد بن عطيفة أَن يتعصب للترك فتهدده بَنو حسن بِالْقَتْلِ وَكَانَ مُحَمَّد بن عطيفة تَأَخّر عَن نصْرَة الْعَسْكَر فَخرج خَائفًا يترقب فَدخل الشريف ثقبة مَكَّة سادس عشر ذِي الْحجَّة وشارك أَخَاهُ سنداً عوض مُحَمَّد بن عطيفة وَانْقطع عَن مُحَمَّد هَذَا فَأَرَادَ الِاجْتِمَاع بِالتّرْكِ فَلم يمكنوه لما حل بهم من خوف الْأَشْرَاف وَمَا فَعَلُوهُ بهم بِحَيْثُ إِنَّهُم باعوا بَعضهم فِي الحراج يُنَادي عَلَيْهِ الدلالون فِي الْأَسْوَاق ثمَّ ذَهَبُوا فَلم يبْق مِنْهُم أَلا أَمِير وَاحِد وَأَوْلَاده فاقترض مَا تزَود بِهِ وترحل عَن مَكَّة وفر غَالب أهل مَكَّة أَرْبَاب الْأَمْوَال خوفًا من الْأَشْرَاف أَلا أَن الله سلمهم من النهب اكتفوا بِمَا أَخَذُوهُ من أَمْوَال الأتراك
стр. 1893
وَتوجه مُحَمَّد بن عطيفة إِلَى مصر فَلم ير بهَا وَجها وَاسْتمرّ بهَا إِلَى أَن مَاتَ سنة أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَمِمَّا قيل فِيهِ من الْمَدْح قَول الشَّاعِر الْمَعْرُوف بالنشو قصيدة هِيَ // (من الطَّوِيل) //
(أترضَى بإِتلاْفِ المحبِّ ظلامةً ... فتأخذه بالعُنْفِ والرفقُ أليقُ)
(أعندكَ علْمٌ أَنَّهُ بكَ هائمٌ ... وأَكْبَادُهُ مِنْ لوعةِ الهجرِ تحرقُ)
(فأَحْوَالُه تُنْبِى بِمَا فِي ضميرِهِ ... إِذا لم يكُنْ للقَوْلِ مِنْهُ مصدِّقُ)
(بلَوْتُ بني الدُّنيا جَمِيعًا بأسرِهِمْ ... وَجَرَّبتُهُمْ إِن التجاربَ تصدقُ)
(فَلم أَرَ فِي ذَا العَصْرِ مثلَ محمدٍ ... إِمَامًا بِهِ الدُّنْيَا تضىء وتشرقُ)
(جواداً إِذا جَار الزَّمانُ على الورى ... يجودُ بِمَا تَحْوِى يداهُ وينفقُ)
(لقد جَلَّ عَن قدر الْمُلُوك الأُلى مَضَوا ... إِلَى الغَايِةِ القصوَى مِنَ الفضلِ يسبقُ)
(يجودُ على العَافِى ويبدِى اعتذارَه ... فَأوْرَاقُهُ بالجودِ والبذلِ تورقُ)
(لقد عَجَزَ المداحُ فِي بعضِ وصفِهِ ... عَلَيْهِم بأنواعِ المكارمِ يغدقُ)
(على أَنه واللهِ واحدُ عصرِهِ ... وَهل مثله من بعدِ ذَا العصرِ يخلقُ)
(وَمن لامني فِي مدحه فَهُوَ جاهلٌ ... فَجِيدِىَ بالإحسانِ مِنْهُ مطوَّقُ)
(وَإِن كَانَ مدحُ الغَيْرِ عندىَ سُنَّةً ... فمدحي لَهُ فرضٌ عليَّ مُحَقَّقُ)
فَلَمَّا بلغ صَاحب مصر فعل الْأَشْرَاف بِالتّرْكِ أرسل بالشريف عجلَان وَولده أَحْمد من سجن الْقَاهِرَة إِلَى سجن الْإسْكَنْدَريَّة بالبرج قلت ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعض سُبْحَانَ الله هَكَذَا وَقع فِي سنة ثَمَان وَسبعين بعد الْألف لما أوقع مَوْلَانَا السَّيِّد حمود بن عبد الله بن حسن بِالتّرْكِ قَرِيبا من يَنْبع فكسرهم وبدد شملهم وقهرهم وَكَانَ قد أرسل وَلَده المرحوم السَّيِّد أَبَا الْقَاسِم بن حمود وَالسَّيِّد مُحَمَّد ابْن المرحوم السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَارِث بن حسن إِلَى باشا مصر بهدية وقواد من الْخَيل فاحتفظ بهم أَولا فِي الْمحل الْمَعْرُوف بالسلطان قايتباي ثمَّ فِي بَيت أغاة الأنكشارية فَلَمَّا جَاءَهُم خبر جَمَاعَتهمْ وَما جَرَى عَلَيهِم من أبويهما تحركت حمية الْغَضَب على هذَيْن الشريفين فنقلا إِلَى السجْن الْكَبِير الْمُسَمّى عرق خانة سجن الدَّم فَقدر الله إطلاقهما بعد ذَلِك وَللَّه الْحَمد فَذكرت بِتِلْكَ الْوَاقِعَة هَذِه الْوَاقِعَة أَلا أَن الشريف عجلَان وَولده فكا وأعطيا إمرة مَكَّة وَهَذَانِ
стр. 1894
لم يعطياها وَتلك قسْمَة إلهية انْتهى وَأمر السُّلْطَان بإرسال عَسْكَر إِلَى الْحجاز يتتبعون الْأَشْرَاف وجندهم وعزلهم عَن إمرة مَكَّة وَقَالَ لَا حَاجَة لنا بهم فَلم يسْتَمر بعد هَذِه النِّيَّة أَلا أَيَّامًا حَتَّى ركب عَلَيْهِ عَسْكَر مصر عزلوه وولوا الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد ابْن الْملك المظفر فَأطلق الشريف عجلَان وولاه مَكَّة وأشرك مَعَه أَخَاهُ ثقبة بن رميثة بسؤاله لذَلِك فَلَمَّا أقبل الشريف عجلَان وَوصل إِلَى وَادي مر اجْتمع فِيهِ بثقبة عليلاً مدنفَاً فَمَاتَ ثقبة بقر ذَلِك فِي شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة بالجديد وَحمل إِلَى مَكَّة فَدفن بالمعلاة وَكَانَ مَوْصُوفا بِالْكَرمِ والشجاعة وَمِمَّا قيل فِيهِ قَول ابْن غَنَائِم من قصيدة // (من المنسرح) //
(مَا خفقَتْ فَوْقَ منكِبٍ عذَبهْ ... على فَتى كَابْن مُنْجِدٍ ثقبَهُ)
(وَلَا اعتزَى بالفَخَارِ منتسبٌ ... إِلَّا وفَاقَتْ علاهُ منتسبَهْ)
(منتخبٌ من سليلِ منتخبٍ ... مُنْتَخَبٌ من سَلِيلِ منتخبَهْ)
(كم جَبَرتْ راحتاه منكسراً ... وفَكَّ مِنْ أسْرِ عُسْرَةٍ رَقَبَهْ)
فولى الشريف عجلَان وَلَده أَحْمد عوض ثقبة وَجعل لَهُ ربع الْحَاصِل ثمَّ جعل لَهُ ربعا آخر ثمَّ فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة ورد الْأَمر من صَاحب مصر على يَد الْأَمِير بهادر والأمير سُفْيَان الطولوني إِلَى شرِيف مَكَّة بِإِسْقَاط المكوس والضرائب وَعوض أَمِير مَكَّة عَن ذَلِك فِي كل سنة مائَة وَسِتِّينَ ألف دِرْهَم وَألف إِرْدَب قمحاً ونقر ذَلِك فِي دعائم بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام جِهَة بَاب الزِّيَادَة وَبَاب العجلة الْمُسَمّى بَاب الباسطية أَو بَاب الصَّفَا وَهِي مَوْجُودَة إِلَى الْآن مؤرخة بِالسنةِ الْمَذْكُورَة أَعنِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَلما عزل سَنَد وَمُحَمّد وَولي عجلَان من مصر فوصل إِلَى مَكَّة وأشرك أَخَاهُ ثقبة ثمَّ مَاتَ ثقبة فَأمر وَلَده أَحْمد بالاجتماع بالقواد ليسألهم أَن يسْأَلُوا لَهُ وَالِده أَن يشركهُ مَعَه فِي إمرة مَكَّة وَكَانُوا يخدمون سنداً فَاجْتمع بهم أَحْمد فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَعرف ذَلِك سَنَد فخاف على نَفسه فهرب إِلَى نَخْلَة وَقيل بل أَقَامَ بوادي مر بالجديد واستجار
стр. 1895
بِابْن أَخِيه مُحَمَّد بن عجلَان ثمَّ وَقع بَين بعض غلْمَان سَنَد وَبَين بعض غلْمَان أَحْمد شَيْء أوجب تغير خاطر أَحْمد عَلَيْهِ فَأمره بالانتقال من الْجَدِيد فانتقل إِلَى وَادي نَخْلَة ثمَّ إِلَى الطَّائِف ثمَّ إِلَى الشرق ثمَّ إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ إِلَى يَنْبع فوصله وَهُوَ بهَا أوراق بني حسن يأمرونه بالقدوم إِلَيْهِم ليساعدوه على ولايتها فوصل وَقصد محاربته فَلم يتم لَهُ ذَلِك فَعرض لَهُ مرض مَاتَ بِهِ سنة ٧٦٣ ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة بالجديد وَاسْتولى ابْن أَخِيه عنان بن مغامس بن رميثة على خيله وسلاحه وَذهب بِهِ إِلَى الْيمن وَمِمَّا قيل فِي الشريف سَنَد بن رميثة قَول حَمْزَة بن أَبى بكر الشَّاعِر الْمَشْهُور قصيدة هِيَ // (من الطَّوِيل) //
(خَلِيليَّ إِمَّا جئتما رَبْعَ ثهمدِ ... فَلَا تَسْأَلَاهُ غَيْرَ عَنْ أم معبدِ)
(وَإِن أَنْتُمَا أبصرتما بانة الحِمَى ... ورَسْمَا لذاتِ المبسمِ المتبددِ)
(فَأَوَّلُ مَا تستنشدا عَن حلولِهِ ... وتستفهما أَخْبَارَ رَسْمٍ ومعهدِ)
(عسَى تخبر الأطلالُ عَمَّن سأَلْتُما ... بِمَا شِئْتُمَا للمستهامِ المسهَّدِ)
وَمِنْهَا // (من الطَّوِيل) //
(وَفِي سَنَدٍ أسندتُّ مدحاً منضداً ... غَرِيبَ القوافِى كالجمانِ المنضَّدِ)
(هُوَ القَيْلُ وَابْن القَيْلِ سُلْطَان مكةٍ ... وَحامِى حماها بالحسامِ المهنَّدِ)
(وصفوة آل الْمُصْطفَى طود فَخْرهم ... وبَانِى علاهُمْ فوقَ نَسْرٍ وسرددِ)
(بَنَى مَا بنَى قِدمًا أَبوهُ رميثة ... وشاد الَّذِي قَدْ شَادَ من كلِّ سؤددِ)
(وشنَّ عتاقَ الْخَيل شُعْثًا ضوامراً ... وأفنَى عَلَيْهَا كلَّ طاغٍ ومعتدِى)
(فروَّى صفاحَ البِيضِ من مُهَجِ العدَى ... وسُمْرَ القنا مهما اعتلَى ظهْرَ أجردِ)
(وأبيضَ طلق الوَجْهِ يهتزُّ للندَى ... ويُجْدِى إِذا شَحَّ الحيا كل مجتدِى)
(كريمٌ حَلِيمٌ ماجدٌ وابنُ ماجدٍ ... ظَرِيفٌ شريفٌ سيدٌ وابنُ سيدِ)
(إمامُ الهدَى بَحْرُ الندا مهلكُ العدَى ... وَبَدْرٌ بدا من آلِ بيتِ محمدِ)
(أشمُّ طويلُ الباعِ ندبٌ مُهَذَّبٌ ... أغرُّ رحيبُ الصَّدْرِ ضخْمُ المقلَّدِ)
(فدوحتُهُ بَين الوَرَى خير دوحةٍ ... ومحتده بَين الوَرَى خيرُ مَحْتِدِ)
(إليكَ جَلَبتُ المَدحَ إِذْ أنتَ كفؤُهُ ... وَإِن أَنا أجْلبْهُ لغيرِكَ يكسدِ)
стр. 1896
(وَمَا مدحكم أَلا عَلَيْنَا فريضَةٌ ... ومدحُ سِوَاكُم سنَّةٌ لم تؤكَّدِ)
(ثناؤُكُمُ أَثْنَى بِهِ اللهُ جهرةَ ... وأنزله وَحياً على الطْهرِ أحمدِ)
فولى الشريف عجلَان وَلَده أَحْمد عوض ثقبة وَجعل لَهُ ربع الْحَاصِل ثمَّ جعل لَهُ ربعا آخر ثمَّ ترك لَهُ الإمرة على أَن لَا يسْقط اسْمه من الْخطْبَة وَغير ذَلِك فوفى لَهُ أَحْمد بذلك حَتَّى توفّي فِي جُمَادَى الأولى سنة سبع وَسبعين وَسَبْعمائة وَكَانَ عجلَان فِي سنهَ ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة حَارب أَحْمد بن عِيسَى الحرامي صَاحب حلى بمَكَان يُقَال لَهُ فجرة فَظهر عجلَان على أَحْمد بن عِيسَى الْمَذْكُور وَكَانَ عجلَان رَحمَه الله تَعَالَى شَيخا صَالحا سعيداً اتّفق لَهُ مَا لم يتَّفق لأسلافه من السعودات فَإِنَّهُ أول من ملك بِلَاد حلى من أَهله السَّابِقين وَبنى الْحُصُون بأجياد وَأَرْض حسان والمدارس بِمَكَّة وَملك العبيد والخيول والدروع الْكَثِيرَة وَأَنْشَأَ بِمَكَّة سَبِيلا للْمَاء بالمروة واستمرت خيراته وحسناته ومدحه جمَاعَة من الشُّعَرَاء مِنْهُم الشَّاعِر الْمَعْرُوف بالنشو وَغَيره وَكَانَ لَهُ جملَة من الْأَوْلَاد مِنْهُم أَحْمد وكبيش وَمُحَمّد وَعلي وَحسن وَتُوفِّي عجلَان لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ حادى عشر جُمَادَى الأولى سنة سبع وَتِسْعين وَسَبْعمائة فِي جُمَادَى الأولى كَمَا تقدم آنِفا بِأَرْض الْجَدِيد وَحمل إِلَى مَكَّة وَدفن بالمعلاة وَبنى عَلَيْهِ قبَّة وَبلغ من الْعُمر نَحْو سبعين سنة رَحمَه الله تَعَالَى وَمِمَّا مدح بِهِ الشريف عجلَان قَول الشَّاعِر الْمَعْرُوف بالنشو قصيدة هِيَ // (من الْكَامِل) //
(لَوْلا الغرامُ ووجدُهُ ونحولُهُ ... مَا كُنْتَ ترحمُهُ وأنتَ عذولُهُ)
(إِن كنْتَ تنكرُهُ فَسَلْ عَن حالِهِ ... فَالحُبُّ داءٌ لَا يفيقُ عليلُهُ)
(يَا مَنْ يَلُومُ على الهَوى أهْلَ الْهوى ... دَعْ لومهُمْ فالصبْرُ ماتَ حميلُهُ)
(دعْ عَنْك من لَا خَيْرَ فِيهِ من الورى ... لَا تَمْتَدحْهُ وَفِي الأنامِ بديلُهُ)
(وامدحْ مَلِيكَ العَصْرِ وابْنَ مليكِهِ ... مَنْ شَاعَ مَا بَين الملا تفضيلُهُ)
(عجلانُ نَجْلُ رُمَيْثَة بنِ محمدٍ ... أمِنَ الَحَوادِثَ والخطوبَ نزيلُهُ)
(وَرِثَ الَمَكارِمَ كَابِرًا عَن كابرٍ ... فنوالُهُ للعالمينَ ينيلُهُ)
(مِنْ آلِ أَحْمَدَ واحدٌ فِي عصرِهِ ... فَهُوَ الشَّريفُ ابْن الشريفِ سليلُهُ)
стр. 1897
(مَاذَا يقولُ المدْحُ فِيهِ وَمَا عسَى ... إِذْ كَانَ يَخْدمُ جدِّكُمْ جبريلُهُ)
(أما الملوكُ فَكُلُّهُمْ مِنْ دونه ... كالبَدْرِ فِي أُفقِ السماءِ حلولُهُ)
(سلطانُ مكَّةَ والمشَاعرِ والصفا ... مَنْ لَا يَخَافُ مِنَ الزمانِ نزيلُهُ)
(لَو حاوَلَ النجْمَ العَظِيمَ لنالَهُ ... تنبيك عِنْهُ رِمَاحُهُ ونصولُهُ)
(سكنَتْ مَحَبَّبُةُ القلوبَ جميعَها ... لما تَقَارنَ سَعْدُهُ وقبولُهُ)
ثمَّ وَليهَا أَحْمد بن عجلَان قبل وَفَاة أَبِيه وَذَلِكَ بِسَبَب أَنه لما جعل لَهُ ربع الْمَحْصُول عوض عَمه ثقبة طلب أَحْمد ربعا آخر فَأَجَازَهُ لَهُ وَالِده ثمَّ إِن وَالِده لما رأى إقبال النَّاس على أَحْمد ومحبتهم لَهُ أَرَادَ إغاظته بأَخيه مُحَمَّد بن عجلَان فَأعْطَاهُ خيلاً وَدِرْعًا فَلم ينْهض مُحَمَّد لما أُرِيد مِنْهُ فَبلغ ذَلِك أَحْمد فعاتب أَبَاهُ عجلَان فَاعْتَذر لَهُ وَقَالَ لَهُ أَنا أترك لَك الْبِلَاد كلهَا فَوَقع الِاتِّفَاق على أَن أَحْمد يُعْطي أَبَاهُ عجلَان النَّقْد الَّذِي شَرط لَهُ وَأَن يكون لَهُ أَيْضا فِي كل سنة الْجُزْء الَّذِي قرر لعجلان بديار مصر فِي مُقَابلَة إِسْقَاط المكس عَمَّا يصل إِلَى مَكَّة من المأكولات وَعَن مكس الْحجَّاج من الديار المصرية والشامية الواردين بحراً وَبرا وَهُوَ مائَة ألف دِرْهَم وَسِتُّونَ ألف أردب قَمح وَأَن لَا يقطع اسْم عجلَان من الدُّعَاء فِي الْخطْبَة مُدَّة حَيَاته فالتزم أَحْمد بِجَمِيعِ ذَلِك فألح عجلَان فِي تَحْصِيل النَّقْد الْمَشْرُوط على أَحْمد استعجازاً مِنْهُ لَهُ ليَكُون سَببا لرجوع الْأَمر إِلَيْهِ فيسر الله لِأَحْمَد من أَعَانَهُ على إِحْضَار المَال فَأحْضرهُ فَلم يجد بدا من قبُوله فوفاه بِجَمِيعِ مَا الْتَزمهُ من الوعود وَاسْتمرّ أَحْمد حَتَّى مَاتَ حادي عشر شعْبَان سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَكَانَت مدَّته سِتا وَعشْرين سنة قَالَ فِي الدُّرَر الكامنة فِي أَخْبَار الْمِائَة الثَّامِنَة كَانَ أَحْمد بن عجلَان عَظِيم الأبهة وَاسع الْحُرْمَة كثير الرِّئَاسَة ملك جملَة من الْعقار وَالْعَبِيد وَعدل وقمع المفسدين ثمَّ وَليهَا الشريف مُحَمَّد بن أَحْمد بن عجلَان ثَمَان سِنِين شَرِيكا لِأَبِيهِ وَمِائَة يَوْم مُسْتقِلّا بعده ثمَّ قتل فِي مستهل ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة لما حضر لخدمة الْمحمل الْمصْرِيّ بِظَاهِر مَكَّة سَبَب ذَلِك أَن أَبَاهُ الشريف أَحْمد بن عجلَان كَانَ قد وَقع بَينه وَبَين ابْن عَمه عنان
стр. 1898
ابْن مغامس منافرة فسافر عنان وَمَعَهُ حسن بن ثقبة إِلَى مصر فبالغا فِي شكوى أَحْمد وسألا من السُّلْطَان برقوق أموراً أجابهم إِلَيْهَا لصدور رقة عنان فَأرْسل أَحْمد بن عجلَان بهدية سنبة صُحْبَة كبيش إِلَى السُّلْطَان فَلَمَّا رأى كبيش رواج عنان عِنْد السُّلْطَان مَا أمكنه أَلا أَن يلْتَزم على أَحْمد جَمِيع مَا أَرَادَهُ عنان وَمَا أَمر بِهِ السُّلْطَان خشيَة من حُصُول مكدر على أَحْمد وَعَلِيهِ فوصلوا جَمِيعًا إِلَى مَكَّة فَعرف كبيش أَحْمد بِالْأَمر وَقَالَ لَهُ لابد لَك من الْمُوَافقَة على مَا رسم بِهِ السُّلْطَان لَكمَا أَو لفتك بعنان فَاخْتَارَ الثَّانِي فَاجْتمع عنان وَحسن بِأَحْمَد بعد التوثيق مِنْهُ فَمَا أجَاب لمرادهما ثمَّ فطن عنان لقصد أَحْمد فِيهِ ففر إِلَى الينبع وتلاه حسن بن ثقبة ثمَّ حسن لَهما أَمِير الْحَاج الْمصْرِيّ أَبُو بكر بن سنقر الجمالي الرُّجُوع إِلَى مَكَّة وَحسن لمُحَمد بن عجلَان أَن يرجع مَعَهُمَا إِلَى مَكَّة وَكَانَ قد توجه إِلَى مَكَّة مغاضباً لِأَخِيهِ أَحْمد وَضمن لَهُم الْأَمر الْمَذْكُور أَن أَحْمد يقْضِي حوائجهم إِذا وصلوا إِلَيْهِ وَرَجَعُوا فَلَمَّا اجْتَمعُوا بِأَحْمَد قبض عَلَيْهِم وَضم إِلَيْهِم أَحْمد بن ثقبة وَابْنه عليا بن أَحْمد بن ثقبة وَقيد الْخَمْسَة وسجنهم بالعلقمية من أول سنة سبع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة إِلَى موسمها ثمَّ نقلهم إِلَى أجياد ثمَّ أعادهم بعد الْمَوْسِم إِلَى العلقمية فدبروا حِيلَة لِلْخُرُوجِ مِنْهَا وربطوا سرراً كَانَت عِنْدهم بِثِيَاب مَعَهم وصعدوا غير مُحَمَّد بن عجلَان حَتَّى بلغُوا طَاقَة تشرف على منزل ملاصق لسجنهم فنزلوا مِنْهَا إِلَيْهِ فَفطن لَهُم بعض الساكنين فصاح عَلَيْهِم يظنهم لصوصاً فَسمع الصياح الموكلون بهم وَعرف الْأَشْرَاف تيقظ الموكلين بهم فأحجموا عَن الْخُرُوج أَلا عناناً فَإِنَّهُ أقدم وَلما بلغ إِلَى بَاب الدَّار وثب وثبة انْفَكَّ الْقَيْد بهَا عَن إِحْدَى رجلَيْهِ وَمَا شعر بِهِ أحد حِين خرج فَسَار إِلَى جِهَة سوق اللَّيْل وَمَا كَانَ غير قَلِيل حَتَّى رأى كبيشاً والعسكر يفتشون عَلَيْهِ بضوء مَعَهم فَدَنَا إِلَى مزبلة بسوق اللَّيْل وَأظْهر أَنه يَبُول فأخفاه الله عَن أَعينهم فَلَمَّا رجعُوا سَار إِلَى أَن لقِيه بعض معارفه فَعرفهُ خَبره وَسَأَلَهُ فِي تغيبه فغيبه فِي بَيت بشعب على فِي صهريج فِيهِ وَوضع على فمهم حشيشاً ودابة ليخفي مَوضِع الصهريج وَفِي الصَّباح أَتَى كبيش إِلَى ذَلِك الْبَيْت فَمَا وجده فِيهِ فَقيل لَهُ إِن فِي الْبَيْت صهريجاً فَأَعْرض عَن ذَلِك لما أَرَادَهُ الله من سَلامَة عنان ثمَّ بعث عنان إِلَى أَقَاربه من ذَوي رَاجِح وسألهم الْإِعَانَة بمركوب لَهُ وَلمن يُسَافر مَعَه فَأَجَابُوهُ وأخرجوا لَهُ
стр. 1899
ركائب إِلَى المعابدة وحملوا عَلَيْهَا فخاراً ليخفوا أمرهَا على من رَآهَا فَخرج عنان إِلَى المعابدة وَنزل عِنْد امْرَأَة يعرفهَا فألبسته لباسها ونمى الْخَبَر لكبيش فَأتى منزلهَا وسألها فنالت من عنان كثيرا فصدقها كبيش فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل ركب مَعَ رجلَيْنِ أَو ثَلَاثَة الرَّوَاحِل الَّتِي أعدت لَهُم فوقفت بعض رِكَابهمْ قبل وَادي مر وَمَا وصل هُوَ إِلَى خليص أَلا وَقد كلت رَاحِلَته فَسَأَلَ بعض أهل خليص عَن رَاحِلَة لبَعض أَصْحَابه بلغه أَنَّهَا بخليص فَأخْبر بوجودها فَأَخذهَا وَيُقَال إِن صَاحبهَا كَانَ إِذا خلص من عَلفهَا يَقُول لَيْث عناناً يخلص فينجو عَلَيْك فَكَانَ مَا تمناه فوصل إِلَى يَنْبع ثمَّ مِنْهَا إِلَى مصر واستجار بملكها برقوق أول مُلُوك الشراكسة بِمصْر فَأرْسل الشريف أَحْمد بن عجلَان يَطْلُبهُ فَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان يَقُول وَأما مَا ذكرت من جِهَة عنان فَإِن الله يَقُول ﴿وَإِن أَحَد مِنَ اَلمُشركِينَ اَستَجَارَكَ فَأجِره﴾ التَّوْبَة ٦ فَكيف إِذا استجار بِنَا ابْن رَسُول الله
وَأمره بِإِطْلَاق الْأَشْرَاف فَامْتنعَ من ذَلِك ثمَّ قدر الله أَن الشريف أَحْمد مَاتَ فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة كَمَا تقدم ذكره وأقيم عوضه فِي إِمَارَة مَكَّة وَلَده مُحَمَّد هَذَا ابْن أَحْمد بن عجلَان كَانَ الْمُدبر لأمر ملكه عَمه كبيش بن عجلَان فَبعد موت أَحْمد بن عجلَان عمد كبيش إِلَى الْأَشْرَاف الْمَذْكُورين وسمل أَعينهم جَمِيعًا فتألم النَّاس لذَلِك غَايَة التألم وَلم يحصل لَهُ بعد ذَلِك رَاحَة وتوهم كبيش أَن ذَلِك يكون حسماً لمادة الشَّرّ ونجاحاً فَكَانَ للشر مفتاحاً فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان ذَلِك تغير خاطره على مُحَمَّد بن أَحْمد وعَلى عَمه كبيش بن عجلَان وَولى إمرة مَكَّة للسَّيِّد عنان بن مغامس وكتم ذَلِك عَن النَّاس وخادع مُحَمَّد بن أَحْمد وَعَمه كبيش بن عجلَان بإرسال الْخلْع والمراسيم وزينت مَكَّة فَلَمَّا تجهز الْحَاج خَرجُوا مَعَهم بالسيد عنان بن مغامس كآحاد النَّاس لَا يلْتَفت إِلَيْهِ إِذا حضر كل ذَلِك لما أضمروه فَلَمَّا وصل الْحَاج إِلَى الزَّاهِر بعثت أم مُحَمَّد الشَّرِيفَة فَاطِمَة بنت ثقبة إِلَى أَمِير الْحَاج شركس الخليلي أَمِير آخور بعد أَن أَهْدَت إِلَيْهِ هَدَايَا تسأله عَن حَال ابْنهَا مُحَمَّد وعنان فَذكر لَهَا أَنه لَا يعلم على ابْنهَا سوءا وَرُبمَا حلف لَهَا على ذَلِك فانشرح لذَلِك خاطرها وَحسنت لابنها الْإِقْدَام عَلَى ملاقاةِ المحملِ الْمصْرِيّ وَما زَالَت بِهِ حَتى وافقها فَخرج فِي عَسكرِهِ إِلى لِقَائِهِ على العادةِ هُوَ وَعَمه
стр. 1900
كبيش فَلَمَّا أَرَادَ أَن يقبل الْجمل على مَا كَانَ يَفْعَله الشراكسة مِنَ الجهلِ وثب إِلَيْهِ اثْنَان من الزعر من الْمحمل كل وَاحِد بِيَدِهِ خنجر طعناه فَمَاتَ من حِينه فعوجل بالعقوبة فِي هَذِه الْمدَّة الْيَسِيرَة إِذْ قد تقدم أَن مُدَّة ولَايَته مُسْتقِلّا مائَة يَوْم نسْأَل الله حسن الخاتمة ونعوذ بِهِ من سوء الْقَضَاء وفر عَمه كبيش إِلَى جده فتبعوه فَلم يحصلوه وألبسوا الشريف عنان بن مغامس الخلعة ودخلوا بِهِ مَكَّة فوليها عنان بن مغامس فَلَمَّا وصلوا إِلَى أجياد تلقاهم بعض أَصْحَاب الشريف مُحَمَّد من العبيد والقواد فتقاتلوا مَعَهم فَلم يَلْبَثُوا أَن ولوا هربَاً وَحَج بِالنَّاس الشرِيفُ عنان والناسُ فِي غايةِ الِاضْطِرَاب والخوفِ ثمَّ لما عزم الْحَاج أرسل عنان إِلَى كبيش عسكراً ليخرجَه من جدة ففر مِنْهَا وسامح الشريف عنان الشيبيين فَترك مَا كَانَ تَأْخُذهُ الْأَشْرَاف مِنْهُم بِالْقُوَّةِ وَهُوَ خَمْسَة آلَاف دِرْهَم فِي كل عَام وجانب من الْكسْوَة مَعَ البرقع وثوب مقَام الْخَلِيل وَجرى بَينه وَبَين كبيش فتن وجموع وَلم تصف الْبِلَاد لَهُ بِحَيْثُ إِنَّه عجز عَن إِقَامَة الْجند والأشراف فَأخذ حَاصِل السُّلْطَان وَمَا فِيهِ وَنهب جدة وأموال التُّجَّار والمراكب غير مرّة ثمَّ إِن كبيش الْمَذْكُور عَاد إِلَى جدة وَحده فنهبها وعاث عبيده فِي الطرقات فخشي عنان من كثرتهم وأشرك مَعَه فِي الإمرة ابْني عَمه أَحْمد بن ثقبة وَعقيل بن مبارك ثمَّ أَخَاهُ عَليّ بن مبارك ثمَّ دَعَا لَهُم مَعَه على الْمِنْبَر وزمزم وَظن بذلك أَن يُقَوي أمره وَلم يساعده الْقدر فبلغت أَحْوَاله إِلَى السُّلْطَان برقوق بِمصْر فعزل عنان فِي رَجَب سنة تسع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة ثمَّ ولى عوضه عَليّ بن عجلَان فوليها عَليّ بن عجلَان فِي السّنة الْمَذْكُورَة بعد عزل عنان حنقاً عَلَيْهِ لما اتّفق فِي ولَايَته من اسْتِيلَاء كبيش وَجَمَاعَة عجلَان وَابْنه أَحْمد وَمن انْضَمَّ إِلَيْهِمَا وَعجز عنان عَن دفعهم عَن الِاسْتِيلَاء على جدة فوصل النجاب إِلَى عنان ليسلم مَكَّة لعَلي بن عجلَان وجماعته فِي النّصْف الثَّانِي من شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة فَأقبل عَليّ بن عجلَان فِي جموع مُتَقَدما فَمَنعهُمْ عنان وَأَصْحَابه من دُخُول مَكَّة وَامْتنع هُوَ وجماعته من آل أبي نمي من تَسْلِيم مَكَّة لآل عجلَان فتحارب الْفَرِيقَانِ بِالْقربِ من ثنية أذاخر فِي التَّاسِع وَالْعِشْرين من شعْبَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة فَقتل كبيش بن
стр. 1901
عجلَان وَطَائِفَة من عَسْكَر عَليّ بن عجلَان فتم النصرُ لعنان وَرجع عَليّ وَمن مَعَهم إِلَى محلهم وَهُوَ الْقصر من وَادي مر وَذَلِكَ فِي سلخ شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَفِي شهر رَمَضَان توجه عَليّ إِلَى مصر فَأقبل عَلَيْهِ السُّلْطَان وولاه إمرة مَكَّة فَأقبل صُحْبَة الْحَاج الْمصْرِيّ فِي ظلّ من ولاه وَاسْتمرّ عنان بعد خُرُوج عَليّ إِلَى الْقصر وَمن مَعَه مُقيما لم يبرح حَتَّى فَارقهَا هُوَ وَمن مَعَه عِنْد وُصُول الْحَاج الْمصْرِيّ إِلَيْهَا وصحبته عَليّ بن عجلَان الْمَذْكُور فَخرج عنان وَمن مَعَه وقصدوا الزيمة فَدَخلَهَا على وقرىء توقيعه على مقَام الْحَنَابِلَة وَحج بِالنَّاسِ وعنان مُقيم بالزيمة بوادي نَخْلَة اليمانية وَكَانَ أَصْحَابه سَبَقُوهُ إِلَيْهَا فقصدهم عَليّ بن عجلَان فِي طَائِفَة من التّرْك فوجدوهم محاربين لقافلة بجيلة فَلَمَّا أحسوا بهم هربوا وَقتل أَصْحَاب عَليّ بن عجلَان مِنْهُم مبارك بن عبد الْكَرِيم من الْأَشْرَاف وَابْن شكران من أتباعهم وعادوا إِلَى مَكَّة وَمَعَهُمْ من خيل الْأَشْرَاف خمس وَمن دروعهم ثَلَاثَة عشر درعاً ووصلت قافلة بجيلة إِلَى مَكَّة فَانْتَفع النَّاس بهَا وعادوا إِلَى مَكَّة عشري ذِي الْحجَّة الْحَرَام وَبعد رحيل الْحَاج نزل عنان وَأَصْحَابه الْوَادي وشاركوا عَليّ بن عجلَان فِي أَمر جدة ثمَّ سَافر عنان فِي أثْنَاء سنة تسعين وَسَبْعمائة واصطلح عَليّ بن عجلَان والأشراف وَاسْتمرّ مُتَوَلِّيًا مُنْفَردا بالإمرة إِلَى أَن شَاركهُ فِيهَا عنان فِي عَام اثْنَيْنِ وَتِسْعين وَسَبْعمائة فوصل إِلَى مَكَّة فِي شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة واصطلح مَعَ آل عجلَان وَكَانَ مَعَه القواد وَمَعَ عَليّ الْأَشْرَاف وَكَانَا غير متمكنين فِي الْقيام بمصالح الْبَلَد لمعارضة بني حسن لَهما فِي ذَلِك وَاسْتمرّ عنان شَرِيكا لعَلي بن عجلَان حَتَّى فَارق عنان مَكَّة متخوفاً من آل عجلَان حِين أَرَادوا الفتك بِهِ فِي الْمَسْعَى وَذَلِكَ فِي صفر سنة أَربع وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَقطع ذكره من الْخطْبَة ثمَّ دخل مَكَّة ليتجهز مِنْهَا إِلَى مصر بعد أَن أخليت لَهُ ثَلَاثَة أَيَّام من آل عجلَان وَلم يدْخل مَكَّة أَلا بعد أَن استدعي من السُّلْطَان إِلَى مصر هُوَ وَعلي فَتوجه إِلَى الديار المصرية وتلاه إِلَيْهَا الشريف عَليّ بن عجلَان بِطَلَب من الْملك الظَّاهِر برقوق كَمَا ذكر فَأَقَامَ عنان بِمصْر معزولاً مُطلقًا ثمَّ مسجوناً بقلعة الْجَبَل ثمَّ بالإسكندرية ثمَّ
стр. 1902
بِالْقَاهِرَةِ حَتَّى مَاتَ بهَا فِي ربيع الأول سنة خمس وَثَمَانمِائَة قَالَ صَاحب نشأة السلافة وَكَانَ فِي هَذَا التَّارِيخ صَاحب مَكَّة الشريف حسن ابْن عجلَان ثمَّ ذكر سَبَب موت عنان فَقَالَ حصل لعنان مرض خطر يَقْتَضِي إبِْطَال بعض جسده فعولج من ذَلِك بإضجاعه بِمحل فِيهِ آثَار النَّار حَتَّى يخلص ذَلِك إِلَى أَعْضَائِهِ فيقويها بهَا فَفعل بِهِ ذَلِك فَكَانَ أثر النَّار الَّذِي أضجعوه عَلَيْهِ شَدِيدا فأحرقه فَمَاتَ فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور رَحمَه الله تَعَالَى وَرَأَيْت فِي تَارِيخ خلفاء الزَّمن وملوكه وَولَايَة السالكين أحسن سنَن للسَّيِّد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْحُسَيْنِي السَّمرقَنْدِي فِي تَرْجَمَة الشريف عنان بن مغامس هَذَا مَا نَصه وبقيا يَعْنِي الشريف عنان بن مغامس والشريف عَليّ بن عجلَان على ذَلِك مُدَّة بعد أَن جعلت إمرة مَكَّة بَينهمَا نِصْفَيْنِ مَا بَين وفَاق وشقاق وَكَيف يَنْتَظِم أَمر الْأَمْلَاك مَعَ الِاشْتِرَاك إِلَى أَن مَاتَ عنان قَتِيلا فِي شَوَّال سنة سبع وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَسبب قَتله أَن أَعْيَان الْأَشْرَاف والقواد بعد أَن قبض على جمَاعَة مِنْهُم خودع فِي ذَلِك فَأَطْلَقَهُمْ فصاروا يكلفونه مَا لَا تصل إِلَيْهِ قدرته من أَخذ الْأَمْوَال من التُّجَّار والحبوب من أهل الْوَادي والزراع فَكثر بِسَبَب ذَلِك الْهَرج والمرج وَقل الْأمان وشق على أهل مَكَّة الشَّرِيفَة قلَّة الْوَاصِل وَكَثْرَة الْخَوْف وافترقت الْكَلِمَة بَين السَّادة الْأَشْرَاف والقواد وَالْعَبِيد فَاقْتَتلُوا بِسَبَب ذَلِك وَمَات عنان بِتِلْكَ المسالك هَذِه أَلْفَاظه فِي الْكتاب الْمَذْكُور وَالله أعلم بالحقائق وَلما وصل الشريف عَليّ بن عجلَان إِلَى الديار المصرية وَقَبله عنان بن مغامس أَقَامَ عنان معزولاً مطلوقاً ثمَّ مسجوناً إِلَى آخر مَا تقدم وَأما الشريف عَليّ فَأكْرمه السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر وفوض إِلَيْهِ أَمر مَكَّة المشرفة وَأحسن إِلَيْهِ هُوَ والأمراء ثمَّ سَار إِلَى مَكَّة المشرفة فَدَخلَهَا وَقت الْمَوْسِم من السّنة الَّتِي خرج مِنْهَا فِيهَا سنة أَربع وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَفِي آخر يَوْم مِنْهَا قبض على سبعين نَفرا من الأِشراف والقواد فَلم يزل يُخَادع فيهم حَتَّى أطلقهُم فَكَتَمُوا لَهُ ذَلِك وشوشوا عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع شَوَّال سنة سبع وَتِسْعين وَسَبْعمائة بوادي مر وَهُوَ ابْن ثلَاث وَعشْرين سنة وَحمل إِلَى مَكَّة المشرفة وَدفن بهَا لَيْلًا وَكَانَ أَخُوهُ الشريف حسن قد حاصره
стр. 1903
بالزاهر مُدَّة أَيَّام من هَذِه السّنة ثمَّ توجه إِلَى الديار المصرية بهَا فاعتقل فِي السّنة الْمَذْكُورَة فَلَمَّا وصل الْخَبَر بوفاة أَخِيه عَليّ بن عجلَان أطلقهُ الْملك الظَّاهِر برقوق وفوض إِلَيْهِ أَمر مَكَّة وَجَمِيع الأقطار الحجازية لوفاة أَمِير مَكَّة عَليّ بن عجلَان قتلا وَجَاء الْخَبَر بولايته وَقت الْمَوْسِم وَكَانَ أَخُوهُ مُحَمَّد بن عجلَان وَعبيد أَبِيه وأخيه أَحْمد بن عجلَان قد استولوا على مَكَّة وحفظوها حَتَّى وصل إِلَيْهِم من مصر فِي رَابِع عشر ربيع الآخر سنة ثَمَان وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَمَعَهُ يلبغا الناصري وسنقر وعدة من المماليك الأتراك يزِيدُونَ على الْمِائَة أَو دونهَا وَمن الْخَيل دون الْمِائَة وَلم تتمّ السّنة حَتَّى وَقع بَين الشريف حسن وقتلة أَخِيه على وَاقعَة عَظِيمَة فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ الظفر فِيهَا لَهُ عَلَيْهِم بِحَيْثُ لم يقتل مِمَّن مَعَه سوى مَمْلُوك وَعبد وَقتل من الْأَشْرَاف نَحْو سَبْعَة وَمن أتباعهم نَحْو الثَّلَاثِينَ وَلم يقتل من أَصْحَاب الشريف حسن فِيمَا قيل غير مَمْلُوك وَعبد وَكَانَ مَعَه ألف رجل وَمِائَتَا رجل من التّرْك والمولدين وَالْعَبِيد وَأهل مَكَّة من الْأَعْرَاب وأجار على حلَّة الشريف مَنْصُور من النهب فَسلمت وَكَانَت الْوَقْعَة بمَكَان يُقَال لَهُ الزبارة بوادي مر قريب من أبوعروة فقصد الْأَشْرَاف جِهَة الهدة وَأقَام الشريف حسن بالجديد حَتَّى أَتَى الْمَوْسِم وَعظم بذلك أمره واستفحل بذلك قهره حَتَّى أذلّ كل من عانده وناوأه وساس الْأُمُور بجدة مَعَ التُّجَّار وراعاهم حَتَّى قدموها وَأَقَامُوا بهَا بعد أَن تركوها وَاسْتمرّ فِي زِيَادَة قدر وهيبة فِي الْقُلُوب قَالَ الْعَلامَة الفاسي فضبط الْبِلَاد وحسم مواد الْفساد وَأخذ بثأر أَخِيه يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس عشر شَوَّال من سنة ثَمَان وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَاسْتمرّ مُسْتقِلّا بِالْولَايَةِ إِلَى أَن أشرك مَعَه ابْنه السَّيِّد بَرَكَات فِي نصف الإمرة وَذَلِكَ سنة تسع وَثَمَانمِائَة وَوصل توقيعه بذلك فِي موسم هَذِه السّنة وَهُوَ مؤرخ بشعبان مِنْهَا ثمَّ سعى لِابْنِهِ السَّيِّد شهَاب الدّين أَحْمد فِي نصف الْإِمَارَة فَأُجِيب إِلَى ذَلِك وَولى نصف الإمرة شَرِيكا لِأَخِيهِ بَرَكَات وَولى أَبوهُمَا نِيَابَة السلطنة بِجَمِيعِ بِلَاد الْحجاز
стр. 1904
وَذَلِكَ فِي ربيع الأول سنة إِحْدَى عشرَة وَثَمَانمِائَة وَقُرِئَ توقيعهم بذلك فِي أَوَائِل النّصْف الثَّانِي من شهر ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة وَصَارَ يَدعِي لَهُ ولولديه بِمَكَّة وعَلى زَمْزَم وَيَدعِي للشريف حسن بمفرده فِي الْخطْبَة بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة وَسبب ذَلِك أَنه كَانَ وَالِي الْمَدِينَة عجلَان بن نعير بن مَنْصُور بن جماز بن شيحة الْحُسَيْنِي عوض أَخِيه نابت بن نعير فَإِنَّهُ كَانَ ولي أمرهَا فِي هَذِه السّنة ثمَّ مَاتَ نابت فِي صفر من هَذِه السّنة قبل وُصُول توقيعه واستمرت الْخطْبَة باسم الشريف حسن بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة إِلَى أَن عزل عَنْهَا عجلَان بِابْن عَمه سُلَيْمَان بن هبة بن جماز بن مَنْصُور فِي موسم اثْنَي عشر وَثَمَانمِائَة وَكَانَ يقدم فِي الدُّعَاء فِي الْخطْبَة على عجلَان وَاسْتمرّ الشريف حسن وولداه إِلَى أَن عزل هُوَ وولداه فِي هَذِه السنهَ وَهِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَثَمَانمِائَة عَن إمرة مَكَّة بسعي الحساد وَنقل أهل الْفساد وَلم يظْهر لذَلِك أثر بِمَكَّة فَإِن السُّلْطَان الْملك النَّاصِر فرج ابْن الْملك الظَّاهِر برقوق أسرَ أَمر عزلهم لقرب الْمَوْسِم خوفًا من الْهَرج والمرج وَولى ابْن عَمه عَليّ بن مبارك بن رميثة فَلَمَّا بلغ السَّادة الْأَشْرَاف عزلهم كتموا ذَلِك عَن الْخَاص وَالْعَام فوصل أَمِير الْحَج بيشو الْمَذْكُور فِي موكب عَظِيم ونظام تَامّ وعساكر عديدة وَهُوَ على غَايَة الوجل من عدم مُقَابلَة الْأَشْرَاف وَنقص حرمتة بذلك وَحفظ أَمْوَال الْحجَّاج وحقن دِمَائِهِمْ وَكَانَ من عناية الله أَن مَوْلَانَا الشريف حسن قَابل المحامل الْكَرِيمَة على الْعَادة الْقَدِيمَة وَلبس الْخلْع السُّلْطَانِيَّة على أكمل حَال وَأطيب بَال ثمَّ قَابل الْأَمِير الْمَذْكُور خَاصَّة وأكرمه إِكْرَاما جزيلاً فانقضى زمن الْحَج على أحسن الْأَحْوَال وسافرت المحامل وَتوجه كل غَرِيب إِلَى بَلَده وَلما لم يبْق أَلا تجهيز الْأَمِير وتوديعه جهز الشريف حسن هَدِيَّة عَظِيمَة إِلَى الحضرة السُّلْطَانِيَّة صُحْبَة الْأَمِير الْمَذْكُور بعد كَمَال رعايته وعظيم الْعِنَايَة بِهِ فَبعد الْوَدَاع قَالَ لَهُ يعلم الْأَمِير أَنا قد بلغنَا أَن السُّلْطَان عزم على عزلنا تَصْدِيقًا للإنهاء الْبَاطِل الصَّادِر عَن فَسَاد كل مُفسد وَقَول كل قَائِل فَلَمَّا بلغنَا ذَلِك لم نَفْعل فعل أهل الظُّلم والجهالة الَّذين إِذا وصل إِلَيْهِم علم الْعَزْل نهبوا الْبِلَاد وَأَكْثرُوا فِي الأَرْض الْفساد فَأَجَابَهُ الْأَمِير بِأَن هَذِه بِلَادكُمْ خلفا عَن سلف ومولانا السُّلْطَان نَصره الله محب
стр. 1905
لكم وعلامة محبته لكم إخفاء ذَلِك وسوف تعلمُونَ صِحَة قولي بِمَا يأتيكم من جَوَاب مشرفاتكم فَلَمَّا وصل الْأَمِير إِلَى مصر المحروسة وَأخْبر السُّلْطَان بِمَا وَقع وَقدم الْهَدِيَّة والمكاتيب قَابل ذَلِك بِحسن الْقبُول ثمَّ أرسل إِلَى مَوْلَانَا الشريف حسن بِهَدَايَا مفخمة وتوقيعات شريفة مكرمَة فَشَكَرَه فِيهَا شكرا عَاما على مَا فعله ظَاهرا وَمَا صَبر عَلَيْهِ بَاطِنا ثمَّ صَرح باستِمرار ولديه على مَا كَانُوا عَلَيْهِ من ولَايَة مَكَّة والأقطار الحجازية جَمِيعهَا واستمروا كَذَلِك إِلَى سنة ثَمَان عشرَة وَثَمَانمِائَة فعزلوا بالشريف رميثة بن مُحَمَّد ثمَّ أُعِيد فِي عَام تسع عشرَة وَثَمَانمِائَة بعد محاربة شَدِيدَة بَينه وَبَين رميثة الْمَذْكُور من قبل الْملك الْمُؤَيد كَمَا يَأْتِي قَرِيبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهَذَا كُله ببركة الصَّبْر والتحمل وَالنَّظَر إِلَى وَجه الله فِي حفظ دِمَاء الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ لَا سِيمَا الْحجَّاج وجيران بَيت الله الْحَرَام لَا بَرحت عناية الله شَامِلَة لحماة بَلَده الْأمين آمين وَسبَب العزلِ أَن رجلا يُسمى جَابِرا الجرشِي من أَرْبَاب الْأَمْوَال بجدة لما تَغَيرَ عَلَيْهِ الشريف حسن وصادره وَأخرجه من جدة لأَمرٍ اقْتضى ذَلِك عزم إِلَى مصر وكدر خاطر السُّلْطَان على مَوْلَانَا الشريف حسن ودبرهم فِي هَذَا الْأَمر وَأَن يولوا عَليّ بن مبارك هَذَا وَكَانَ مَحْبُوسًا عِنْدهم بالقلعة سِنِين فولوه وَأَرْسلُوا صحبته الْأَمِير بيسق أَمِيرا على الْحَاج الْمصْرِيّ واستعد لِحَرْب الشريف حسن فَلَمَّا تحقق مَوْلَانَا الشريف حسن هَذَا الْخَبَر استعد هُوَ أَيْضا للحرب وَجمع من الْخَيل وَالرجل مَا لم يجمعه غَيره قيل كَانَ عدَّة الْخَيل سِتّمائَة وَالرجل يزِيدُونَ على خَمْسَة آلَاف وتعب النَّاس لذَلِك وَضَاقَتْ بهم مَكَّة وتعبت الخواطر وكادت الْقُلُوب أَن تبلغ الْحَنَاجِر ثمَّ رَضِي السُّلْطَان الْملك النَّاصِر على الشريف حسن وَأَوْلَاده بعد توجه الْحَاج من الْقَاهِرَة فِي السّنة الْمَذْكُورَة فأعادهم إِلَى ولَايَة مَكَّة فَبعث الْأَمِير بتقليد وخلع صُحْبَة خادمه فَيْرُوز ساقي وَكتب إِلَى أَمِير الْحَاج الْمصْرِيّ بيسق يَأْمُرهُ بالكف عَن محاربتهم وَكَانَ تَارِيخ تَقْلِيد ولايتهم هَذِه فِي هَذِه السنهَ هِيَ سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَثَمَانمِائَة فِي الثَّانِي عشر من ذِي الْقعدَة الْحَرَام ودامت ولايتهم على ذَلِك إِلَى أثْنَاء
стр. 1906
صفر الْخَيْر سنة ثَمَان عشرَة وَثَمَانمِائَة كَمَا سَنذكرُهُ وَقبل وُصُول الْحَج بأيام أخمد الله الْفِتْنَة بوصول الْأَمِير فَيْرُوز الطواشي الساقي الْمَذْكُور بِالْخلْعِ والمراسيم يَعْتَذِرُونَ إِلَى الشريف حسن ويطمئنونه أَن الْبِلَاد بِلَاده وسألوا فَضله أَن يَأْذَن للْحَاج فِي دُخُول مَكَّة ويعطيهم الْأمان فَإِنَّهُم لما بَلغهُمْ تهيؤه تَأَخَّرُوا وَلم يقدموا على الدُّخُول فَقَالَ الشريف حسن لَا يدخلُوا أَلا إِذا سلمُوا إِلَيْنَا جَمِيع مَا مَعَهم من السِّلَاح وآلات الْحَرْب وَإِلَّا مَا دخلوها فوافقوه على ذَلِك وَوَافَقَهُمْ على إِعَادَته إِلَيْهِم عِنْد السّفر فَدَخَلُوا مَكَّة رَابِع ذِي الْحجَّة الْحَرَام وَجَاء الْأَمِير إِلَى بَيت الشريف حسن بأجياد وَسلم عَلَيْهِ وَاعْتذر قيل وَلم يحجّ الشريف حسن وَلَا أحد من أهل مَكَّة أَلا نَاس قَلِيل مخفون بِحَيْثُ أَن يَوْم النَّحْر صلوا الْعِيد بِمَكَّة وَلم يُشَاهد ذَلِك قطّ وَأصَاب الحجيج مشقة عِنْد المأزمين وَوَقع قتل وَنهب وَلَو لم يغث الحجيج أهل الْخَيل جمَاعَة الشريف حسن لذهب الْحَاج جَمِيعه وَكَذَلِكَ لَيْلَة النَّحْر بمنى وَكَانَ الْفَاعِل لذَلِك غوغاء الْأَعْرَاب وَفِي موسم خمس عشرَة وَثَمَانمِائَة قتل من آل جميل جمَاعَة أهل شَرّ وَفَسَاد فَفَزعَ الْحَاج وَركب الشريف حسن بِنَفسِهِ حَتَّى أخمد الْفِتْنَة وَسلم الله الْمُسلمين وَفِي خَامِس ذِي الْحجَّة عَام سبع عشرَة وَثَمَانمِائَة وَقع بَين القواد وأمير الْحَاج وَالنَّاس فِي صَلَاة الْجُمُعَة أَن هجم القواد بخيولهم ملبسة إِلَى مقَام الْحَنَفِيّ يطْلبُونَ الْأَمِير وكَان قد أمسك شخصا مِنْهُم يُسمى جَرَادًا وحبسه فتشفعوا بالشريف حسن إِلَيْهِ فَامْتنعَ من إِطْلَاقه فَعظم الْأَمر وَجرى الْقِتَال وسال الدَّم فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَخرج الأتراك فِي إثرهم إِلَى جِهَة سوق بَاب إِبْرَاهِيم فَانْهَزَمَ القواد وَرجع الْأَمِير وَدخل الْمَسْجِد وَأدْخل خيله وَسمر أَبْوَاب الْمَسْجِد جَمِيعهَا مَا عدا أَرْبَعَة أَبْوَاب وباتت خيولهم ملابس والمشاعل تقد فِي الْمَسْجِد وغالب الحجيج بِهِ وَاجْتمعَ القواد فِي أَسْفَل مَكَّة بِمحل يُسمى الطنبداوي وانتهبت الْبيُوت والأسواق وَسلم الله الْحَاج ببركة الشريف حسن وصادف ذَلِك أَن مَكَّة فِي ذَلِك الْعَام مغلية فَأَنْشد إِذْ ذَاك بعض الأدباء وَفِيه تورية حَسَنَة // (من مجزوء الْكَامِل) //
стр. 1907
(وَقَعَ الغلاءُ بمكَّةٍ ... والناسُ أمْسوا فِي جمادِ)
(والخبزُ قَلَّ فَهَاهُمُ ... يتقاتَلُونَ عَلَى جَرَادِ)
وَالسَّبَب فِي إِمْسَاكه أَن أَمِير الْحَاج منع النَّاس من حمل السِّلَاح بِمَكَّة فَرَأى جَرَادًا هَذَا وَهُوَ حَامِل سلَاح فأمسكه فَوَقع مَا وَقع قلت عتو هَذَا الجيل قديم غير جَدِيد فَلَعَلَّ الشَّرّ إِن لم ينقص مِنْهُم لَا يزِيد ودامت ولَايَة الشريف حسن مَعَ ولديه بَرَكَات وَأحمد إِلَى شهر صفر من عَام ثَمَان عشرَة وَثَمَانمِائَة ثمَّ وَليهَا الشريف رميثة بن مُحَمَّد بن عجلَان بن رميثة بن أبي نمي بن أبي سعد الْحسن بن عَليّ بن قَتَادَة تولى عشْرين فِي صفر من السّنة الْمَذْكُورَة وَمَا دخل مَكَّة وَلَا دَعَا لَهُ فِي الْخطْبَة وَلَا على زَمْزَم أَلا فِي الْعشْر الأول من ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَت قِرَاءَة توقيعه فِي يَوْم دُخُول مَكَّة وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة مستهل ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان عشرَة وَثَمَانمِائَة فَدَعَا لَهُ الْخَطِيب ودعا لَهُ على قبَّة زَمْزَم حِين طَوَافه بعد صَلَاة الْجُمُعَة وَذكر فِي توقيعه الشريف بعد التَّرْجَمَة أَنه تولى نِيَابَة السلطنة عَن عَمه حسن وإمرة مَكَّة عَن ولديه بَرَكَات بن حسن وَأحمد بن حسن وَذَلِكَ أَنه لما عزل الشريف حسن برميثة بن مُحَمَّد بن عجلَان فَارقهَا الشريف حسن إِلَى الشقان فجبا الْجلاب هُنَاكَ وَأمر أَهلهَا بِالتَّدْبِيرِ أَو الْمُضِيّ إِلَى يَنْبع ثمَّ وصل إِلَى الْجَدِيد من وَادي مر وَاسْتولى على غلال أَصْحَاب رميثة وَاسْتمرّ بالجديد إِلَى جُمَادَى الْآخِرَة من سنة تسع عشرَة وَثَمَانمِائَة وَفِي رَجَب مِنْهَا بعث وَلَده الشريف بَرَكَات ومولاه الْقَائِد زين الدّين شكر لاستعطاف السُّلْطَان الْملك الْمُؤَيد فأنعم عَلَيْهِ بِولَايَة مَكَّة وَكتب لَة بذلك توقيعاً مؤرخاً من عشر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وجهز لَهُ خلعة صُحْبَة بعض الخاصكية المؤيدية والنجابة السُّلْطَانِيَّة فَانْتَهوا إِلَيْهِ وَهُوَ فِي نَاحيَة جدة فِي أَوَائِل الْعشْر الْأَوْسَط من شَوَّال فقصدَ مَكةَ مُتَوَلِّيًا مُنْفَردا دون ولديه من قبل الْملك الْمُؤَيد ثمَّ شَاركهُ ابْنه السَّيِّد بَرَكَات بن حسن سنة أَربع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة بِإِشَارَة من الْملك المظفر ابْن الْملك الْمُؤَيد صَاحب مصر كَمَا سَيَأْتِي فَدخل مَكَّة فِي بكرَة يَوْم الْأَرْبَعَاء سادس عشر شَوَّال من سنة تسع عشرَة وَثَمَانمِائَة وبأثر طَوَافه
стр. 1908
بِالْبَيْتِ قرئَ توقيعه وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً وَفِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء الْمَذْكُور فَارق مَكَّة السَّيِّد رميثة بن مُحَمَّد وَمن مَعَه بعد حَرْب شَدِيد كَانَ بَينه وَبَين عَسْكَر عَمه الشريف حسن بالمعلاة يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس عشر الشَّهْر الْمَذْكُور استظهر فِيهِ الشريف حسن على من عانده لأَنهم لما أَقبلُوا من الأبطح ودنوا من بَاب المعلاة أزالوا من كَانَ على الْبَاب وقربه من أَصْحَاب رميثة بِالرَّمْي بالنشاب والأحجار وَعمد بَعضهم إِلَى بَاب السُّور فدهنه وأوقد تَحْتَهُ النَّار فَاحْتَرَقَ الْبَاب حَتَّى سقط إِلَى الأَرْض وَقصد بَعضهم طرف السُّور الَّذِي يَلِي الْجَبَل الشَّامي مِمَّا يَلِي الْمقْبرَة فَدخل مِنْهُ جمَاعَة من التّرْك أَصْحَاب الشريف حسن ورقوا موضعا مرتفعاً من الْجَبَل ورموا مِنْهُ بالنشاب والأحجار من كَانَ دَاخل الدَّرْب من أَصْحَاب رميثة فتعبوا لذَلِك كثيرا ونقب بَعضهم فِي السُّور نقباً متسعاً حَتَّى اتَّصل بِالْأَرْضِ فَدخل مِنْهُ جمَاعَة من الفرسان من عَسْكَر الشريف حسن إِلَى مَكَّة ولقيهم جمَاعَة من أَصْحَاب رميثة فقاتلوهم حَتَّى أخرجوهم من السُّور وَقد حصل فِي الْفَرِيقَيْنِ جراحات وَهِي فِي أَصْحَاب رميثة أَكثر وَقصد بعض عَسْكَر الشريف حسن السُّور مِمَّا يَلِي بركَة الصارم فَنقبُوا فِيهِ نقباً متسعاً وَلم يتمكنوا من الدُّخُول مِنْهُ لأجل البرك فَإِنَّهَا مهواة فَنقبُوا موضعا آخر فَوْقه ثمَّ إِن بعض الْأَعْيَان من أَصْحَاب الشريف حسن أَجَارَ من الْقِتَال وَكَانَ الشريف حسن كَارِهًا لِلْقِتَالِ رَحْمَة مِنْهُ لمن مَعَ رميثة من القواد وَالْعمْرَة وَلَو أَرَادَ الدُّخُول إِلَى مَكَّة بِكُل عسكره من الْموضع الَّذِي دخل مِنْهُ بَعضهم لقدر على ذَلِك وَلكنه أمضى الجيرة بترك الْقِتَال وبأثر ذَلِك وصل إِلَيْهَا لما تَعب النَّاس من النهب وَالْقَتْل وَالْخَوْف جمَاعَة من الْعلمَاء والصلحاء من أهل مَكَّة والمجاورين وحملوا الْمَصَاحِف والربعات على رُءُوسهم وسألوا فضل الشريف حسن فِي كف عسكره فأجابهم إِلَى ذَلِك بِشَرْط أَن يخرج من عانده من مَكَّة المشرفة فَمضى الْفُقَهَاء إِلَيْهِم وأخبروهم بذلك فتأخروا عَنهُ إِلَى جَوف مَكَّة وَدخل الشريف حسن وَمن مَعَه السُّور وخيم حول بركتي المعلاة وَأقَام هُنَاكَ حَتَّى أصبح فَدخل مَكَّة بكرَة يَوْم الْأَرْبَعَاء سادس عشر شَوَّال كَمَا تقدم ذكر ذَلِك آنِفا وَطلب الشريف رميثة وَأَصْحَابه
стр. 1909
مهلة خَمْسَة أَيَّام فأعطوها ثمَّ خَرجُوا إِلَى نَاحيَة الْيمن ثمَّ فِي عَام أَرْبَعَة وَعشْرين وَثَمَانمِائَة تسلطن الْملك المظفر ابْن الْملك الْمُؤَيد فَأرْسل توقيعاً شريفاً للشريف حسن فقرئ بِظِل زَمْزَم مَوْضُوعه أَنه فوض أَمر مَكَّة إِلَى مَوْلَانَا الشريف حسن الْمَذْكُور وأشرك مَعَه وَلَده بَرَكَات وَأرْسل لَهما خلعة سلطانية من خزانته ثمَّ وصل مرسوم شرِيف قرئَ بِالْحَطِيمِ بِمحضر أَفَنْدِي مَكَّة وَشَيخ حرمهَا والأعيان والصدور مضمونه على لِسَان الْملك المظفر بِأَن وَالِده الْملك الْمُؤَيد انْتقل إِلَى رَحْمَة مَوْلَاهُ وَأَنه بُويِعَ بِعَهْد من أَبِيه وموافقة من أهل الْحل وَالْعقد من الْعلمَاء والقضاة والأمراء وَأَنه جلس على سَرِير السلطنة فِي ثَانِي محرم من سنة أَربع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة وَأَن الْمَطْلُوب من مَوْلَانَا الشريف حسن وَذَوِيهِ السّمع وَالطَّاعَة وتأمين الأقطار الحجازية وَأَنه مبذول لَهُم من جَانب السلطنة الشَّرِيفَة كَمَال الرِّعَايَة وبذل الْجُود وَالعطَاء وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً ثمَّ بعد مُدَّة استمال الشريف حسن ابْن أَخِيه رميثة الْمَذْكُور وأحضره وَصفا لَهُ فَتغير عَلَيْهِ القواد وَقَامُوا بناصر ذَوي ثقبة بن أبي نمي وهم أَوْلَاد أَحْمد بن ثقبة بن رميثة وَأَوْلَاد عَليّ بن مبارك وأعلنوا بالسلطنة لثقبة بن أَحْمد بن ثقبة بن أَحْمد بن ثقبة وميلب بن عَليّ بن مبارك وَجعلُوا لكل مِنْهُمَا نواباً بجدة فَجهز الشريف حسن عَلَيْهِم فَهَرَبُوا وقصدوا مَكَّة واحتربوا هم ونائبه فِيهَا مِفْتَاح الزفتاوي فَقَتَلُوهُ وَقتلُوا جمَاعَة مَعَه ثمَّ رجعُوا إِلَى الْغَد وَلما كَانَ النّصْف الثَّانِي من شَوَّال سنة عشْرين وَثَمَانمِائَة قدم من مصر وَلَده الشريف بَرَكَات بن حسن فسر بِهِ وَلما طَاف بِالْكَعْبَةِ دعى لَهُ على زَمْزَم وَصَارَ أَبوهُ الشريف حسن يتفوه لَهُ بِالْولَايَةِ وَيَقُول لبني حسن وَغَيرهم هُوَ سلطانكم وَفِي ربيع الأول من سنة إِحْدَى وَعشْرين أظهر للنَّاس أَنه تخلى عَن أَمر مَكَّة لِابْنِهِ الشريف بَرَكَات بِحَيْثُ أجلسه على المفرشة بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَجلسَ هُوَ على مفرشة عِنْده فَجمع ابْنه حسن عَن طَاعَة أَبِيه لكَونه قدم أَخَاهُ بَرَكَات عَلَيْهِ فَأرْسل لَهُ أَبوهُ الشريف حسن يستعطفه فَلم يمل أَحْمد لذَلِك وَحمله جمَاعَة من المفسدين على نهب جدة فَفعل وَلم يسهل ذَلِك بِأَبِيهِ ثمَّ دخل فِي الطَّاعَة ثمَّ نكث وَمضى
стр. 1910
إِلَى يببع ثمَّ عَاد مَعَ الْحَاج ثمَّ رَجَعَ وَفِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَثَمَانمِائَة سَأَلَ من الْملك الْمُؤَيد تَفْوِيض مَكَّة لِوَلَدَيْهِ بَرَكَات وَإِبْرَاهِيم وتنصل من إمرتها لضعف بدنه وميله إِلَى التخلي لِلْعِبَادَةِ وَتوجه عقب الْكتاب إِلَى صوب حلى آخر صفر وَفِي ثَانِي عشر ربيع الأول من سنة أَربع وَعشْرين وصل تشريفان لَهُ ولابنه بَرَكَات وعهد يتَضَمَّن ولايتهما لمَكَّة من الْملك المظفر أَحْمد ابْن الْملك الْمُؤَيد كَمَا تقدم ذكر ذَلِك وَأَرَادَ الشريف حسن أَن يُشْرك وَلَده إِبْرَاهِيم مَعَ أَخِيه بَرَكَات فَحصل تنافر بَين الْأَخَوَيْنِ فوصل إِبْرَاهِيم من جَانب الْيمن وَمَعَهُ الْأَشْرَاف وألزموا الْمُؤَذّن بِالدُّعَاءِ لَهُ فَفعل وَلم يسهل ذَلِك بأَخيه بَرَكَات وَصَارَ يخْطب لإِبْرَاهِيم مَعَ أَبِيه حسن وأخيه بَرَكَات وَفِي سنة سِتّ وَعشْرين أَمر الشريف حسن بِقطع الدُّعَاء لوَلَده إِبْرَاهِيم من الْخطْبَة وَغَيرهَا لِأَنَّهُ أمره بمباينة ذَوي رَاجِح فَلم يفعل وَلم يزل الشريف حسن مستمراً فِي الْولَايَة إِلَى أَن صرف عَنْهَا هُوَ وَولده بَرَكَات سنة سبع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة بالشريف عَليّ بن عنان بن مغامس بن رميثة بن أبي نمي وَكَانَ ذَلِك بتفويض السُّلْطَان برسباي ملك مصر المحروسة فوليها الشريف عَليّ بن عنان الْمَذْكُور وجهز مَعَه الْملك برسباي من مصر جَيْشًا كثيفاً وخيلاً وأميراً يكون عِنْده كَمَا هُوَ الْعَادة لِأَنَّهُ عزل حسنا الْمَذْكُور بِمَوْت سُلْطَانه الَّذِي ولاه وَهُوَ الْملك المظفر ابْن الْملك الْمُؤَيد فخشي السُّلْطَان برسباي من مُخَالفَة حسن الْمَذْكُور ومحاربته لعَلي وَكَانَت تَوليته فِي سنة سبع وَعشْرين الْمَذْكُورَة فَدخل مَكَّة بِمن انْضَمَّ إِلَيْهِ من الْأَشْرَاف والقواد المنسوبين لعجلان فَطَافَ والمؤذن يَدْعُو لَهُ على زَمْزَم وَقُرِئَ توقيعه بِالْحَطِيمِ على الْعَادة وَلبس الخلعة ثمَّ خرج رَاكِبًا من بَاب الصَّفَا مختلعاً فَطَافَ فِي شوارع مَكَّة المكرمة ثمَّ نزل إِلَى جدة المعمورة لأخذ مواجبه من الواصلين من الْهِنْد وترفق بهم غَايَة الترفق ثمَّ عَاد إِلَى مَكَّة ونادى بالأمان وَأَن كل من اخْتَار الْخدمَة من الْأَشْرَاف والقواد يَأْتِي إِلَيْنَا وَمن لَا فَلَا يُقيم عندنَا وَله منا شهر زمَان مهلة وَقيل إِنَّه استمال الشريف رميثة بن مُحَمَّد بن عجلَان الَّذِي كَانَ مُتَوَلِّيًا قبل
стр. 1911
للشريف حسن فوصل إِلَيْهِ فَلَزِمَهُ الْأَمِير قرقماس وَوَضعه فِي الْحَدِيد وَذهب بِهِ إِلَى مصر صُحْبَة الْحَاج فَأرْسل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة هُوَ والشريف مقبل صَاحب يَنْبع وَخَرجُوا رَابِع عشر ذِي الْحجَّة إِلَى الشريف حسن وَذَلِكَ أَن الشريف حسن لم يحدث مِنْهُ شَيْء لما عزل بالشريف عَليّ بن عنان بل لما سمع أَنه قرب من مَكَّة واصلاً إِلَيْهَا من مصر مُتَوَلِّيًا صُحْبَة الْحَاج خرج عَنْهَا هُوَ والأشراف الَّذين مَعَه والقواد وَتَنَحَّى بِنَاحِيَة قرب مَكَّة وراسل السُّلْطَان برسباي بالْكلَام اللين وعرفه أَن عَزله كَانَ بِغَيْر سَبَب فَخَرجُوا إِلَيْهِ وَأَرَادُوا أَن يهجموا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مكر بِهِ بعد التُّجَّار واستدناه فقصدوه ليظفروا بِهِ فَلم يروه بحماية الله تَعَالَى وَاسْتمرّ الشريف عَليّ بن عنان إِلَى أَن عزل عَنْهَا غرَّة ذِي الْحجَّة من عَام ثَمَان وَعشْرين وَثَمَانمِائَة بالشريف حسن فوليها الشريف حسن بِعَهْد من ملك مصر برسباي لِأَنَّهُ راسله بالْكلَام اللين وعرفه عَزله بِغَيْر سَبَب كَمَا تقدم فَرضِي عَلَيْهِ وَأعَاد إِلَى إمرة مَكَّة وَلما بلغ الشريف حسن هَذَا الْخَبَر أرسل وَلَده السَّيِّد بَرَكَات لمواجهة أَمِير الْحَاج الْمصْرِيّ فواجهه وَدخل هُوَ وإياه إِلَى الْمَسْجِد وَحلف لَهُ بِاللَّه تَعَالَى أَن السُّلْطَان قد رَضِي على أَبِيك الشريف حسن وَأَنه لَا يَنَالهُ مني وَلَا من السُّلْطَان سوء وَكَانَ الْحلف على الْمُلْتَزم فَعِنْدَ ذَلِك دخل الشريف حسن وواجه الْأَمِير وَأهْدى إِلَيْهِ هَدَايَا وَأَعْطَاهُ مِحَفةً حَج فِيهَا ثمَّ إِنَّه حج بِالنَّاسِ وَأظْهر طَاعَة السُّلْطَان برسباي وأعلن بِالدُّعَاءِ لَهُ فَلَمَّا وصل خبر ذَلِك إِلَى السُّلْطَان برسباي طلب حُضُور مَوْلَانَا الشريف حسن إِلَيْهِ فَتوجه فِي الْمَوْسِم من السّنة الْمَذْكُورَة فَلَمَّا وصل أَمر السُّلْطَان أَن يتلقاه الْأُمَرَاء والأكابر ويمشوا بَين يَدَيْهِ وَلما حضر بَين يَدَيْهِ أنعم عَلَيْهِ بِالْخلْعِ العديدة والإنعامات المزيدة وَالْتزم الشريف حسن أَن يخْدم السُّلْطَان بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار وَأرْسل عَبده شكر إِلَى بندر جدة ليَأْتِيه بهَا وَاسْتمرّ بِمصْر على كَمَال الحشمة ووفور النِّعْمَة فَكتب بعض أدباء مَكَّة إِلَى السُّلْطَان على لِسَان مَكَّة يذكر أَنَّهَا متشوقة إِلَى
стр. 1912
الشريف حسن قَوْله // (من الوافر) //
(مِنَ البلدِ المُخصَّص بالأمان ... وَكَعْبَتِهِ المشرَّفة المباني)
(تقبل كَفَّ سُلْطَانِ البرايا ... أبي النصْرِ الموفَّقِ للمَعانِي)
(برسْبَاى الَّذِي ملكَتْ يَدَاهُ ... جَمِيعَ الخَلْقِ مِنْ قاصٍ ودانِى)
(وتُنْهِى مَا بهَا من عُظْمِ شوقٍ ... إِلَى سُلْطَانِها بَدْرِ الزمانِ)
إِلَى أَن قَالَ // (من الوافر) //
(فَرُدَّ إلىَّ سلطاني سَرِيعا ... فإنِّى كَالجوادِ بِلَا عنانِ)
فَسَمعَهَا السُّلْطَان فرسم للشريف حسن بالتوجه إِلَى مَكَّة وجهزه وبرز ثقله خَارج الديار المصرية فَاعْترضَ لَهُ الضعْف فَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة وَمكث بهَا أَيَّامًا يسيرَة ثمَّ توفّي بهَا سادس عشر جُمَادَى الْأُخْرَى سنة تسع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة وَدفن فِي حوش الْملك الْأَشْرَف برسباي الْمَذْكُور بالصحراء وقبره هُنَاكَ مَشْهُور يزار وَله وقائع مَشْهُورَة فى التورايخ مسطورة مَعَ إخْوَته وَبنى عَمه وملوك مصر والقواد وَغَيرهم وَكَانَ ذَا ثروة عَظِيمَة وحشمة وافرة جسيمة وخيرات كَثِيرَة عميمة بنى بِمَكَّة رِبَاطًا للرِّجَال ورباطاً للنِّسَاء وَبنى المارستان وَعمر أوقافه وَزَاد فِيهَا مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وجدد رِبَاط رامشت عِنْد بَاب الْحَزْوَرَة وَلم يل مَكَّة قبله من يدانيه فى شئ من ذَلِك وَقد مدحه كثير من شعراء مَكَّة المعتبرين مِنْهُم الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد الفاسى وَالِد تَقِيّ الدّين الفاسي مؤرخ مَكَّة وَمِنْهُم شيخ الْإِسْلَام شرف الدّين إِسْمَاعِيل بن أبي بكر الْمقري وَكَانَ الْملك النَّاصِر أَحْمد بن إِسْمَاعِيل الغساني صَاحب الْيمن تشفع إِلَى الشريف حسن بن عجلَان سنة سبع وَثَمَانمِائَة فِي ترك التشويش على مُوسَى صَاحب حلى وحثه على الْمُوَافقَة على ذَلِك القَاضِي شرف الدّين الْمَذْكُور بقصيدته النونية وَهِي قَوْله // (من الْكَامِل) //
(أحسنْتَ فِي تدبيرِ مُلْكِكَ يَا حَسَنْ ... وأَجَدتَّ فِي تحليلِ أخلاطِ الفتَنْ)
(مَا كنتَ بالنزقِ العَجُولِ إِلَى الأذَى ... عِنْد النِّزَاعِ وَلَا الضغيفِ أَخا الوَهَنْ)
стр. 1913
(تمسِى ورأيُكَ عَن هواكَ معوَّقٌ ... والغرُّ ملقٍ فِي يَد الأهوا الرَّسَنْ)
(داءُ الرياسةِ فِي متابَعَةِ الهوَى ... ودواؤها فِي الدفْعِ بالوجْهِ الحَسَنْ)
(وَإِذا الفتَى استَقْصَى لنصرةِ نفسِهِ ... قَلَبَ الصديقُ لحربه ظَهْرَ المجَنٌ)
(لَا تُصْغِ إِن شرٌّ دَعَا فالشرُّ إِن ... تنهضْ لَهُ يَنْهَضْ وَإِن تسكُنْ سَكَنْ)
(وسديد رأْيٍ لَا يُحَرِّكُ فتْنَة ... سَكَنَتْ وَإِن حَرَّكْنَهُ الفِتَنُ اطمأنّ)
(رَدَّ العدوَّ إِلَى الصداقةِ حكمةٌ ... صَفَّتْ من الأكدارِ عيشَ ذَوي الفِطَنْ)
(بالسيفِ والإحسانِ تُقْتَنَصُ الْعلَا ... وحصولُهَا بهما جَمِيعًا مرتهَنْ)
(لَا خيرَ فى منَنٍ وَلَا سيف بهَا ... ماضٍ وَلَا فِي السيفِ لَيْسَ لَهُ منَنْ)
(أما حلى فإنَّ خوفَكَ لم يدَعْ ... أَهلا بهَا للزائرينَ وَلَا وطَنْ)
(حلَّيْتهُم مِنْهَا وجسمُكَ وادعٌ ... فِي مكةٍ لم يُحْوِجُوكَ إِلَى ظَعَنْ)
(تركُوا لَك الأوطانَ غَيْرَ مدافعٍ ... وتعلَّقوا بذرى الشوامخِ والَقُنَنْ)
(حفظوا نفوساً بالفرارِ أطلَّها ... سيفٌ على الأرواحِ ليْسَ بمؤتَمَنْ)
(ولحفظها بالفَرِّ أكْبرُ شاهدٍ ... لَك بالعلا فِلمَ التأسُّفُ والحَزَنْ)
(فاغمدْ سيوفَكَ رَغْبَة لَا رهبةً ... مَا فِي قتيلٍ فرَّ مَرْعُوبًا سمنْ)
(واكرمْ سيوفَكَ من دِمَا طرادتها ... فالحُرُّ يكرمُ سيفَه أَن يمتَهَنْ)
(قد كَانَ لَا يرضَى يخطِّط سيفَهُ ... فِي ظهر مَنْ ولَّى أَبوك أَبُو الحَسَنْ)
(وَقد اقتدرْتَ وباقتدارِ ذَوي النهَى ... تنفلُّ أحقاد الضغائن والإحَنْ)
(موسَى هِزَبرٌ لَا يطاقُ نزالُهُ ... فِي الْحَرْب لكنْ أَيْن موسَى من حَسَنْ)
(هذاكَ فِي يَمَنٍ وَمَا سلمَتْ لَهُ ... يَمَنٌ وَذَا فِي الشامِ لم يَدَعِ اليمَنْ)
(فانظرْ إِلَى موسَى وَقد لعبَتْ بِهِ ... لما سخطْتَ عَلَيْهِ أحداثُ الزمَنْ)
(ذاقَ المرارَ لفَوْتِهِ أوطانَهُ ... فَقِهِ مرارةَ فُرْقة الرُّوحِ البَدَنْ)
(لَو شئتَ وَهُوَ عَلَيْك سَهْلٌ هينٌ ... لجمعتَ بَين الجَفْنِ مِنْهُ والوسَنْ)
(بعْ مِنْهُ مهْجَتهُ وخُذْ مَا عندَهُ ... ثمنا يكنْ مِنْك المثمِّنُ والثمَنْ)
(هذي مساوَمَةُ الفحولِ ومَنْ يبعْ ... مَا بعْتَ لم يعلَقْ بصفقته الغَبَنْ)
(جِئْنَا بحُسْنِ الظَّنِّ نَسْأَلك الرضَا ... والعَفْوَ عَنهُ فَلَا تخيِّبْ فِيك ظَنِّ)
(فالحرُّ يكرمُ سائليه يَرَى لَهُم ... فضلا كَمَا ابتداءوه بالظنِّ الْحسن)
стр. 1914
(ويهينُ سائله اللَّئِيم لظنِّهِ ... فِي مثله خيرا وَذَلِكَ لَا يُظَنْ)
(لَا زِلْتَ للشرفِ المخلَّد بانياً ... شرفاً ومجداً ثَابتا لِبَنى حَسَنْ)
وَلما وَقع بَين الشريف حسن بن عجلَان وَبَين الْأَمِير أَحْمد بن إِسْمَاعِيل الغساني صَاحب جِهَات الْيمن الْحَرْب منع مسير الْجلاب بالحبوب إِلَى أهل الْحرم الشريف فَأَنْشَأَ السَّيِّد المرتضى قصيدة يستشفع عِنْد الْأَمِير أَحْمد فِي إِطْلَاق الْحُبُوب إِلَى أهل مَكَّة فَقبل شَفَاعَته وأطلقها وَهِي هَذِه // (من الْكَامِل) //
(عطفا على الحرمَيْن يَا ملكَ اليَمَنْ ... وتجاوزٌ ايا خيرَ أملاكِ الزمَنْ)
(وارفُقْ بأهلِ اللهِ فِي أمِّ القُرَى ... إِن لم تكُنْ أنْتَ الرفيقَ فمَنْ ومَنْ)
(إِنِّي أشيرُ عليكَ رأْىَ نصيحةٍ ... والمستشارُ من الْبَريَّة مؤتمَنْ)
(لَا تسلكَنْ فيهم طريقَةَ قاطِع ... للرحْمِ إنهُمُ هُنَاكَ كمَنْ ومَنْ)
(ألْمَنُّ منكَ وأنْتَ مَنٌّ سائلٌ ... للمسلمينَ وأنْتَ فِي المَنَّيْن مَنْ)
(أَنْت الَّذِي ورثَ المكارمَ عَن يدٍ ... وَلَك المعالمُ والعلومُ بكلِّ فَنّ)
(ولكَ السماحةُ والتقَى من أسعدٍ ... وَلَك الوجاهَةُ والعلا من ذِي يَزَنْ)
(فانظُرْ بعينِ حقيقةٍ وسماحةٍ ... تِلْكَ الأَمَاِكنَ والمساكنَ والسكَنْ)
(لَا تحملنَّكَ عزةٌ ملكيَّةٌ ... فِي حربها بخلافِ مَنْ فِيهَا سكَنْ)
(إِن الَّذِي فَعَلَ الشريفُ وَإِن جنَى ... مثلُ الحصاةِ وأنْتَ فِي عفْو حضنْ)
(من ذَا الَّذِي مَا سَاءَ قَطُّ وَمن لَهُ الحسنَى ... فقَطُّ وَمن لَهُ الْعقل الحَسَنْ)
(حسنٌ مليكٌ فِي الحجازِ معظمٌ ... فِيهَا ولكنْ أَيْن أحمدُ من حَسَنْ)
(هَذَا لَهُ يَمَنٌ وَهَذَا مَا لَهُ ... إِلَّا فضَاضَة مَا تفيضُ بِهِ عَدَنْ)
(وَلَك المدائنُ والسفائنُ كلُّها ... وَله يلمْلَم والجنوبُ إِلَى قَرَنْ)
(أطلقْ لَهُ سُفُنَ البحارِ فَإِنَّهَا ... تجرِى إِلَى البيتِ العتيقِ على سَنَنْ)
(بيتٌ لَهُ خَضَعَ الملوكُ جلالةً ... وَبِه تفاضَلَتِ الفرائضُ والسنَنْ)
(وأبوكَ أولُ كَسَاه كَمَا أتَى ... فِي مُحْكَمِ التاريخِ فِي مَلإِ اليمنِ)
(ولكمْ بِهِ آثارُ فضلٍ ظاهرٍ ... فِيمَا تظاهر من بناه وَمَا بطَنْ)
(رسم المظفَّر فِيهِ مكتوبٌ بماءِ ... الْعين أيده المؤيِّدُ بالمنَنْ)
(وعلَى منابرِهِ يشاعُ بذكْرِكُمْ ... بِالصَّوْتِ فِي الحرمِ الشريفِ إِذا ازدجَنْ)
стр. 1915
(أوَ لَيْسَ فِي هَذَا الدُّعَاء لأهلِهِ ... وَلمن أقامَ بِهِ الأمانُ من الفتَنْ)
(صُنْ مَكَّة الغراءَ من فِتنٍ ومِنْ ... محن فأنتَ أحقُّ من طفأ الفِتَنْ)
(وَمن المحاسِنِ فِي الكلامِ قصيدةُ الْمُقْرى ... الَّتِي جمع البديعَ بهَا وَسَنّ)
(قد قَالَ فِي أبياتها وبديعهَا ... لله ذَاك القَوْلُ من قولٍ حَسَنْ)
(داءُ الرياسةِ فِي مُتَابعَة الهَوى ... ودواؤه فِي الدفعِ بالوجْهِ الحَسَنْ)
(وإذَا الْفَتى استقصَى لنصرةِ نفسِهِ ... قَلَبَ الصديقُ لحربه ظَهْرَ المجِنْ)
(لَا تُضغ إِن شرِّ دَعَا فالشرُّ إِن ... تنهضْ لَهُ ينهضْ وَإِن تسكُنْ سَكَنْ)
(وسديدُ رأىٍ لَا يحرِّكُ فتنةٌ ... سكَنَتْ وَإِن حركْتَهُ الفتنُ اطمأنّ)
(رَدَّ العدوَّ إِلَى الصداقةِ حِكْمَة ... صفَّتْ من الأكدار عَيْشَ ذَوي الفطَنْ)
(هذي نصائحُ أبرزتْها فكرةُ الْمقْرى ... تفوقُ الدُّر لَيْسَ لَهَا ثمَنْ)
(فاقبل نصائح تتصلْ بل إِنَّهَا ... حِكَمٌ تفوقُ الدرَّ يدْخلهُ الوَهَنْ)
(أنتَ المليكُ ابنُ المليكِ وليْسَ مِنْ ... شأنِ الملوكِ الشمِّ إحمالُ الإحَنْ)
(وَترى الطبيبَ إِذا تقادم جُرْحُ من ... يدويه لاطَفَهُ وغيَّرَ بالدهنْ)
(كلٌّ لَهُ شجنٌ وَمَا لَك فِي الْعلَا ... شجَنٌ سوى الْإِصْلَاح يَالَكَ من شجنْ)
(ولأَنْتَ فِي الإسلامِ رأسٌ واحدٌ ... والرأسُ مهما اعْتَلَّ يتبعُهُ البدَنْ)
(رفقا بأهْلِ المكَّتَينِ وَرَحْمَة ... بهمُ وعطفاً شَامِلًا لبني حَسَنْ)
(وَإِذا أردتَّ لَهُ معاتبةٌ علَى ... مَا فاتَ قَلْتَ الصيفَ ضيَّعْتِ اللبَنْ)
(لَا زلتَ فِي الشَّرَفِ المعظَّم خَالِدا ... مَا غرَّدَ القُمْرِيْ الطروبُ على فَنَنْ)
وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد جملَة مِنْهُم أَبُو الْقَاسِم وَعلي وَإِبْرَاهِيم وبركات ثمَّ وَليهَا الشريف بَرَكَات بن حسن بن عجلَان وَذَلِكَ أَنه استدعاه السُّلْطَان برسباي سادس عشر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَهِي سِتَّة تسع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة فَلَمَّا قدم إِلَى مصر المحروسة أواسط ذِي الْقعدَة فوض إِلَيْهِ إمرة مَكَّة المشرفة عوضا عَن وَالِده وَقرر أَخَاهُ إِبْرَاهِيم بن حسن نَائِبا عَنهُ ثمَّ ألبسهما خلعتين عظيمتين فوصلا إِلَى مَكَّة المشرفة ودخلها بِالْخلْعِ السُّلْطَانِيَّة وَقُرِئَ توقيع مولأنا الشريف بَرَكَات بِالْحَطِيمِ على طَريقَة أسلافه الْكِرَام لَا زَالَ الْملك فيهم وَفِي عقبهم إِلَى يَوْم الْقيام
стр. 1916
قَالَ المقريزي فِي كتاب السلوك فِي أَخْبَار الْمُلُوك لما كَانَ لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثَالِث عشر شهر رَجَب من عَام تسع وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة بعث الشريف أَبُو زُهَيْر بَرَكَات ابْن حسن بن عجلَان أَمِير مَكَّة بعثاً فِيهِ يشكو عبيد أَبِيه الشريف حسن بن عجلَان من بطُون حَرْب إِحْدَى قبائل مذْحج ومنازلهم حول عسفان نزلُوا سنة سِتّ عشرَة وَثَمَانمِائَة وَقد أخرجهم بَنو لَام من أَعمال الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة فَكثر عبثهم وَأَخذهم السابلة من الْمَارَّة إِلَى مَكَّة بالميرة وَجعل على هَذَا الْبَعْث أَخَاهُ الشريف عَليّ بن حسن بن عجلَان وَمَعَهُ من بني حسن الشريف ميلب بن عَليّ بن مبارك بن رميثة وَغَيره فِي عدَّة من النَّاس وَسَار مَعَهم الْأَمِير أرنبغا أَمِير الْخمسين المركزين بِمَكَّة من أماكنه السُّلْطَانِيَّة وصحبته مِنْهُم عشرُون مَمْلُوكا فنزلوا عسفان يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشر الشَّهْر الْمَذْكُور وَقَطعُوا الثَّنية الَّتِي تعرف الْيَوْم بمدرج عَليّ حَتَّى أَتَوا الْقَوْم وَقد أنذروا بهم فتنحوا عَن الأَرْض وَتركُوا بهَا إبِلا مَعَ خَمْسَة رجال فَأول مَا بدءوا أَن قتلوا الْخَمْسَة رجال وَامْرَأَة حَامِلا كَانَت مَعَهم وَمَا فِي بَطنهَا أَيْضا وَاسْتَاقُوا الْإِبِل حَتَّى إِذا كَانُوا نَحْو النّصْف من الثَّنية الْمَذْكُورَة ركب الْقَوْم عَلَيْهِم الجبلين يرمونهم بالحراب وَالْحِجَارَة فَانْهَزَمَ الْأَمِير أرنبغا فِي عدَّة من المماليك وَقد قتل مِنْهُم ثَمَانِيَة وَمن أهل مَكَّة وَغَيرهم نَحْو الْأَرْبَعين وَزِيَادَة وجرح كثير مِمَّن بَقِي وغنم الْقَوْم مِنْهُم اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ فرسا وَعشْرين درعاً وَمن السيوف والرماح والأسلحة والأسلاب مَا قيل إِن مبلغه ثمنا خَمْسَة آلَاف دِينَار وَأكْثر فَلَمَّا طلعت شمس يَوْم الْجُمُعَة دخل أرنبغا بِمن بَقِي مَعَه من المماليك مَكَّة وهم يَقُولُونَ قتل جَمِيع من خرج من الْعَسْكَر فَقَامَتْ عِنْد ذَلِك بِمَكَّة صرخة من جَمِيع نَوَاحِيهَا لم نر مثلهَا شناعة وَأَقْبل المنهزمون نَاسا بعد نَاس فِي عدَّة أَيَّام وَحمل الشريف ميلب يَوْم السبت ميتَاً وَمَات بعده بأيام شرِيف آخر من جِرَاحَة شوهت وَجهه كُله من أَعلَى جَبهته إِلَى أَسْفَل ذقنه فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَاسْتمرّ الشريف بَرَكَات على ولَايَة مَكَّة إِلَى سنة خمس وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة وَنزل فِيهَا بأَخيه عَليّ بن حسن كَمَا سَيَأْتِي وَقيل فِي الَّتِي بعْدهَا بِموضع يُقَال لَهُ الحشافة بِالْقربِ من جدة وَأَجَازَ لَهُ فِي سنة خمس جمَاعَة من الْعلمَاء الحافظان الْعِرَاقِيّ
стр. 1917
والهيثمي والبرهان ابْن صديق والمراغي وَعَائِشَة بنت عبد الْهَادِي وَالشَّمْس الفرسيسي فِي آخَرين وَحدث عَنهُ البقاعي وَغَيره كَذَا فِي نظم العقيان فِي أَعْيَان الْأَعْيَان للسيوطي وَنَشَأ شرِيف الهمة حسن الْأَفْعَال جميل الْأَخْلَاق أشركه وَالِده كَمَا قُلْنَاهُ فِي إمرة مَكَّة مرَارًا وَكَانَ هُوَ الْمشَار إِلَيْهِ فِي جَمِيع أحوالها وَلما توفّي وَالِده ارتحل إِلَى الْقَاهِرَة بِطَلَب من السُّلْطَان برسباي وَالْتزم بِمَا على وَالِده من المَال وَاسْتقر فِي إمرة مَكَّة بمفرده وَلما وصل إِلَى مَكَّة حسنت سيرته فِي النَّاس وَعم النَّاس خَيره وَلما مَاتَ السُّلْطَان برسباي واستقل الْملك الظَّاهِر جقمق فِي مملكة مصر طلبه إِلَى الْقَاهِرَة فَامْتنعَ من التَّوَجُّه إِلَيْهِ خوفًا مِنْهُ بِسَبَب وَاقعَة وَقعت لَهُ مَعَ الظَّاهِر الْمَذْكُور لما حج وَهُوَ أَمِير فِي عَام سبع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة فَعِنْدَ ذَلِك رام السُّلْطَان أَن يولي أَخَاهُ عليا وَكَانَ عَليّ عِنْده بِالْقَاهِرَةِ لِأَنَّهُ وَقع بَينه وَبَين أَخِيه بَرَكَات منافرة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين فعزم إِلَى مصر فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن ولي سنة خمس وَأَرْبَعين كَمَا سَيذكرُ فَلم يُوَافق على ذَلِك من أَرْكَان الدولة من يعْتَمد عَلَيْهِ فتوقف ثمَّ فعله فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة فولى أَخَاهُ عَليّ بن حسن بن عجلَان إمرة مَكَّة المشرفة مُنْفَردا وجهز مَعَه عسكراً فوصل الْعلم إِلَى الشريف بَرَكَات وَهُوَ بوادي الْآبَار توجه من فوره إِلَى جدة وأخلى مَكَّة المشرفة من نوابه ثمَّ وصل وَزِير الشريف عَليّ بن حسن قبله إِلَى مَكَّة وَهُوَ الْقَائِد مزروع الْعجْلَاني ودعا لأمير مَكَّة من غير تعْيين على منبرها فِي رَجَب من الْعَام الْمَذْكُور ثمَّ وصل الشريف عَليّ فَدخل مَكَّة وَلما نزل الشريف بَرَكَات إِلَى جدة استولى عَلَيْهَا فراسله الشريف عَليّ وَأَخُوهُ الشريف إِبْرَاهِيم وَمن مَعَهُمَا من الْأُمَرَاء وسألوه أَن يخرج من الْبِلَاد فَامْتنعَ أَلا من الْمُحَاربَة فَوَقَعت بَينهمَا الْحَرْب بالجديد بِالْقربِ من جدة فَكَانَت الْغَلَبَة لعَلي وَمن مَعَه من الْأُمَرَاء والأتراك واستولوا على جدة وَتوجه الشريف بَرَكَات إِلَى جِهَة الْيمن هُوَ وَمن مَعَه وَاسْتمرّ عَليّ فِي إمرة مَكَّة مُدَّة قَليلَة إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ مَعَ أَخِيه إِبْرَاهِيم يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع شَوَّال سنة سِتّ
стр. 1918
وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة وكبلا فِي الْحَدِيد وَظهر عَزله بأَخيه الشريف أبي الْقَاسِم فوليها الشريف أَبُو الْقَاسِم بن حسن بن عجلَان وَكَانَ بِالْقَاهِرَةِ فَطلب الْأُمَرَاء المقيمون بِمَكَّة وَلَده السَّيِّد زَاهِر بن أبي الْقَاسِم بن حسن بن عجلَان وألبسوه خلعة ليَكُون نَائِبا عَن أَبِيه فَقَامَ بِحِفْظ الْبِلَاد وَلَده السَّيِّد زَاهِر وَذهب بالأخوين عَليّ وَإِبْرَاهِيم إِلَى جدة وأركبا فِي جلبة إِلَى الْقَاهِرَة وتفصيل هَذِه الْوَاقِعَة هُوَ مَا ذكره الجزيري فِي تَارِيخه فَقَالَ لما كَانَت سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة وصل حكم من السُّلْطَان الظَّاهِر جقمق صَاحب مصر مَعَ الْأَمِير تمراز بِالْقَبْضِ على الشريفين عَليّ بن حسن بن عجلَان وأخيه إِبْرَاهِيم وتجهيزهما إِلَى مصر فَحَضَرَ الْأَمِير تمراز إِلَى مَكَّة فِي مستهل شَوَّال فَأرْسل الْأَمِير بيورلدي إِلَى الشريف عَليّ ابْن الشريف حسن أَن يحضر هُوَ وَأَخُوهُ السَّيِّد إِبْرَاهِيم للبس خلعتيهما فتخيلا من ذَلِك وَكَانَا بوادي الْآبَار ثمَّ اقْتضى رأيهما أَن يُقيم السَّيِّد إِبْرَاهِيم بوادى الْآبَار وَيتَوَجَّهُ إِلَيْهِم الشريف عَليّ فوصل إِلَى مَكَّة فِي عشَاء ثَالِث شَوَّال وأتاهم فِي صباحها فَسَأَلُوهُ عَن أَخِيه السَّيِّد إِبْرَاهِيم فَذكر لَهُم عَنهُ عذرا أَقَامَهُ فألبس الْأَمِير تمراز الشريف عَليّ خلعة حَمْرَاء وحياصة وَقُرِئَ مرسوم السُّلْطَان مضمونه إِنَّه بلغنَا أَن الشريف عَليّ متشوش الخاطر فليطب نفسا وليقر عينا فَإنَّا لَا نغير عَلَيْهِ شَيْئا أبدا مَا دَامَ على العهو والمواثيق وَقد بعثنَا لَهُ بخلعة ولأخيه إِبْرَاهِيم كاملية فَرو قاتم فقرت بذلك عين الشريف فلبسها وَطَاف بِالْبَيْتِ فَحسن الأتراك للشريف عَليّ أَن يُرْسل إِلَى أَخِيه إِبْرَاهِيم فيصل للبس خلعته السُّلْطَانِيَّة فاعتمد الشريف عَليّ قَوْلهم وَأرْسل إِلَى أَخِيه ثمَّ اجْتمعَا بهم فِي الْمَسْجِد فألبس الشريف إِبْرَاهِيم خلعته وَكَانَ بعض الْأُمَرَاء الأتراك اعتذر عَن حُضُوره ذَلِك الْيَوْم بِأَنَّهُ شرب مسهلاً فَحسن الْبَاقُونَ من الأتراك للشريفين أَن يعزما إِلَيْهِ من الْمَسْجِد لزيارته وَكَانَ نازلاً بمدرسة الباسطية ففعلا فَبعد أَن وصلا إِلَيْهِ مَعَ جمَاعَة الأتراك أخرج أحد الْأُمَرَاء مَكْتُوبًا من السُّلْطَان وَدفعه لذَلِك الْأَمِير الْمَزْبُور فَأعْطَاهُ لكَاتبه فعّربه ثمَّ قَرَأَهُ فَكَانَ مضمونه الْأَمر بِالْقَبْضِ على الشريف عَليّ وأخيه إِبْرَاهِيم فَقبض عَلَيْهِمَا وتفرق من كَانَ مَعَهُمَا وحصلت الغوغاء فى الْبَلَد ثمَّ استعادوا مِنْهَا مَا ألبسوهما من الْخلْع ثمَّ إِنَّهُم سفروهما إِلَى جدة وأركبوهما الْبَحْر إِلَى مصر
стр. 1919
انْتهى مَا قَالَه الجزيري قَالَ السخاوي فِي الذيل كَانَ الشريف عَليّ بن حسن الْمَذْكُور حسن المحاضرة كريمَاً ذَا ذوق وَفهم ونظم حَتَّى قيل إِنَّه أحذق بني حسن وأذوقهم وأفضلهم وَمن نظمه // (من الوافر) //
(وَإِن نَالَ العُلَا قَوْمٌ بقومٍ ... رَقِيتُ عُلوَّهَا فَردا وَحِيدًا)
أَقَامَ بِمصْر بعد أَن أَخذ هُوَ وَأَخُوهُ فاستمر إِلَى أَن مَاتَ بدمياط مطعوناً مسجوناً سنة ثَلَاث وَخمسين وَثَمَانمِائَة عَن خمسٍ وَأَرْبَعين سنة ثمَّ وصل أَبُو الْقَاسِم إِلَى مَكَّة بوم السبت سَابِع عشر ذِي الْقعدَة من سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة لابساً خلعة الْولَايَة وَقُرِئَ توقيعه بِالْحَطِيمِ وَنُودِيَ لَهُ كَمَا تقدم وَاسْتمرّ الشريف أَبُو الْقَاسِم فِي ولَايَة مَكَّة إِلَى سنة ستع وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة فهجم عَلَيْهِ الشريف بَرَكَات ففر الشريف أَبُو الْقَاسِم مِنْهَا وَأقَام الشريف بَرَكَات بهَا فأشيع بِمَكَّة أَوَاخِر السّنة الْمَذْكُورَة أَن السُّلْطَان أوصى أُمَرَاء الْحَاج بِالْقَبْضِ على الشريف بَرَكَات لاستيلائه على مَكَّة من أَخِيه أبي الْقَاسِم بعد النداء لَهُ وَقِرَاءَة توقيعه عِنْد الْحطيم وَكَانَ قد وصل مَعَ الْحَاج نَحْو عشْرين أَمِيرا لذَلِك فَجمع الشريف بَرَكَات الْخَيل وَالرجل وَأكْثر من الْجمع على الْعَادة وَتقدم وواجه أَمِير الْحَاج واختلع وَلَكِن لم يدْخل لأحد مِنْهُم بَيْتا كَمَا كَانَ يَقع فَلَمَّا كَانَ يَوْم عَرَفَة لما عزم الْأُمَرَاء إِلَى الصَّلَاة بِمَسْجِد نمرة وَقعت جفلة حَال بروزهم وثار غُبَار شَدِيد فَظن النَّاس أَنهم أَغَارُوا على جِهَة الشريف بَرَكَات فاختلط الْحَاج وألبست الْأَشْرَاف والقواد وَكَانَت سَاعَة مهيلة وَالْعِيَاذ بِاللَّه وَسلم الله الْمُسلمين غير أَن الشريف بَرَكَات لم يقف فِي الْمحل الْمُعْتَاد فِيهِ الْوُقُوف لَهُ بل وقف وَحده وَمن مَعَه مُنْفَردا عَن الْحَاج نَاحيَة ثمَّ نزح بعد النُّزُول إِلَى منى عَن مَكَّة وَعَاد الشريف أَبُو الْقَاسِم إِلَى ولَايَته عَلَيْهَا وَاسْتمرّ الشريف بَرَكَات نازحاً عَن مَكَّة إِلَى سنة إِحْدَى وَخمسين وَثَمَانمِائَة فَلَمَّا كَانَ سَابِع عشر ربيع الأول من سنة إِحْدَى وَخمسين وصل قَاصد من مصر وَذكر أَن السُّلْطَان قد رَضِي على الشريف وَأعَاد إِلَيْهِ إمرة مَكَّة المشرفة وَسبب
стр. 1920
ذَلِك أَن وَلَده الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات توجه إِلَى مصر بِسَبَب السَّعْي لوَلَده الشريف بَرَكَات فِي إمرة مَكَّة وَدخل الْقَاهِرَة وَحصل لَهُ من الْملك الظَّاهِر جقمق غَايَة الْإِكْرَام وأنعم على وَالِده الشريف بإمرة مَكَّة المكرمة فَهَذا هُوَ السَّبَب فِي رضَا السُّلْطَان عَن أَبِيه ووصول القاصد بِخَبَر تَوليته مَكَّة المشرفة فَلَمَّا وصل القاصد إِلَى مَكَّة بِهَذَا الْخَبَر أَمر الشريف أَبُو الْقَاسِم أَتْبَاعه بِالْخرُوجِ من مَكَّة إِلَى وَادي البيار وَخرج وأخلى مَكَّة وَذهب إِلَى مصر فَمَاتَ فِي السّنة الَّتِي مَاتَ فِيهَا أَخُوهُ عَليّ وَفِي شهرها بالطاعون الْمَذْكُور أَيْضا وَكَانَ مَوته بِالْقَاهِرَةِ وَصلى عَلَيْهِ السُّلْطَان وَدفن على وَالِده الشريف حسن بن عجلَان بحوش الْأَشْرَف برسباي كَذَا فِي الذيل للسخاوي وَاسْتمرّ الشريف بَرَكَات فِي مَكَّة السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ استدعاه السُّلْطَان سنة إِحْدَى وَخمسين ليقدم عَلَيْهِ إِلَى الْقَاهِرَة فَمَا خَالف وَلم يمْتَنع كَمَا امْتنع أَولا وَقدم عَلَيْهِ إِلَى الْقَاهِرَة مستهل رَمَضَان فِي السّنة الْمَذْكُورَة فَنزل السُّلْطَان إِلَى لِقَائِه إِلَى الرميلة وَبَالغ فِي إكرامه واحترامه وَخرج من الْقَاهِرَة عَائِدًا إِلَى مَكَّة عَاشر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة مكرماً مرعياً معاملاً بِكُل جميل وَحصل لَهُ من الْإِكْرَام مَا لَا مزِيد عَلَيْهِ مِمَّا لم يَقع لأحد من أَهله قبله وَأخذ الْعلمَاء عَنهُ بِالْقَاهِرَةِ وازدحموا للْقِرَاءَة عَلَيْهِ لعلو سَنَده وسمعوا من نظمه ثمَّ عَاد إِلَى مَكَّة المشرفة وَكَانَ يَوْم وُصُوله يَوْمًا مشهوداً عَظِيما وَذَلِكَ أَنه لما كَانَت لَيْلَة السبت أواسط شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة سنة إِحْدَى وَخمسين وَثَمَانمِائَة دخل الشريف بَرَكَات إِلَى مَكَّة محرما بِالْعُمْرَةِ فَطَافَ وسعى وَخرج إِلَى الزَّاهِر وَبَات بِهِ ثمَّ دخل مَكَّة فِي صبح الْيَوْم الْمَذْكُور لابساً التشريف وَقُرِئَ توقيعه بِالْحَطِيمِ وَطَاف وَنُودِيَ لَهُ بِالدُّعَاءِ على قبَّة زَمْزَم كعادة أسلافه الْكِرَام مُلُوك مَكَّة وَمِمَّا وَقع فِي زَمَانه أَن أَمِير الْيمن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل الغساني الْمُتَقَدّم ذكره آنِفا كتب إِلَيْهِ أَن يفرغ لَهُ دور مَكَّة وَأَن يلقاه إِلَى حلى صُحْبَة قصيدة هِيَ قَوْله // (من الرمل) //
(مَنْ لصَبِّ هاجه نَشْرُ الصَّبَا ... لم يزدْهُ البَين أَلا طَرَبَا)
(وأسيرٍ كلَّما لاحَ لَهُ ... بارقُ الْقبْلَة مِنْ صَبيا صَبَا)
(ولِطَرْفٍ أرق إنسانُهُ ... دون مَنْ يَشْتَاقُهُ قد حُجِبَا)
(لم يزلْ يشتَاقُ نحلان وَإِن ... قَدُمَ العهدُ ويَهْوَى الطُّنبا)
стр. 1921
(مَا جرَى ذكْرُ المغإني فِي رَبًّا ... صبواتِ الشطِّ أَلا انْتَحَبَا)
(حَبَّذا صلْبُ القعيسا وطَنِي ... ولويلاتٍ بهَا مَا أَعْذَبَا)
(وَربا البيرَيْنِ مِنْ قبليِّه ... وشراب بهما مَا أعْذَبَا)
(يَا أخلَاّيَ بصبْيا واللِّوَى ... وأحبَّائى بتَيَّاكَ الرُّبَا)
(هَل لنا نَحْوَكُمُ من عودةٍ ... لِنَرَى سدْرَكُمُ والكثبا)
(فلَكَمْ خادَعْتُ قَلْبِى جاهداً ... يتسلَّى عَن هَوَاكُمْ فأَبَى)
(فاذكروا صَبًّا بِكُمْ ذَا لوعةٍ ... بَان عنْكُمْ كَارِهًا مغتصبا)
(وَإِذا عَنَّ لَهُ ذِكْرَاكمُ ... صاحَ واغتصَّ الحسا وانتحبا)
(وَإِذا مَا سَجَعَتْ قمريَّةٌ ... صَاح من فَرْطِ الأسى واحَرَبَا)
(هَائِم القَلْبِ كئيباً دنفاً ... لم يَرَ السلوانَ عَنْكُمْ مَذْهَبَا)
(أَتَرَى الحيَّ الَّذِي كَنَّا وهُمْ ... جيرة بالشَّامِ أيامَ الصِّبَا)
(ليتَ شعْرِى بَعدنَا هَل طَنَّبُوا ... بِرُبا نَحْلان بَعْدى طنبا)
(أَو تناءَتْ بهمُ عِيسُهُمُ ... أَو سَبتهمْ بَعدنَا أَيدي سَبَا)
(عجبا للدَّهْرِ مَاذَا سنَّهُ ... ولأحداثِ اللَّياليِ عَجَبَا)
(مَا طلبتُ الدَّهْرَ أَلا صعباً ... وطلبتُ السِّلْمَ إلَاّ حَرَبا)
(ولئنْ حلَّ بقلبي نُوَبٌ ... مُصْمِيَاتٌ تستهلُّ النوبا)
(وبلانِى مِنْ زماني محنٌ ... بَلَغَ الضدُّ بهَا مَا طلبا)
(فلعَمْرِى مَا بلت أَلا صفا ... وانتضَتْ أَلا حساماً خَشَبَا)
(غير لَا أنكر مَعْرُوفًا وَلَا ... عَابِس الْوَجْه إِذا الدَّهْرُ كَبَا)
(لَا وَلَا منكرث لَو أَنه ... وَهَبَ الحوباءَ فِيمَا وَهَبَا)
(وَأجل الناسِ صبرا لَو على ... غارب المكروهِ يَوْمًا ركبَا)
(إخوتِى بالشامِ بَلْ يَا سادتِي ... وأعز النَّاس أمَّا وَأَبا)
(ومَسَاعِير الوغَى من حسنٍ ... وَبَنُو الحربِ إِذا ضَاقَ القبا)
(ألشناخيبُ الذُّرَى من معشرٍ ... ألصَّنَادِيدُ الكرامُ النجبا)
(إِن قضيتُمْ من هوانا أَرَيًا ... مَا قضينَا من هواكُمْ أَرَبَا)
(أَو تناءَتْ دَارنَا عنْكُمْ وَلم ... يأتنا منْكُمْ على البُعْدِ نبا)
стр. 1922
(لَا تناسَوْنا وإنْ طَال المدى ... كَمْ تناءٍ بعد بُعْدِ قربا)
(فإِذا ريحٌ جنوبٌ جَنَّبَتْ ... فاسألوها كيْفَ حَال الغُرَبَا)
(فلديها من تَنَاهى لَوْعَتي ... وغرامِى مَا يحطُّ الشُّهُبَا)
(حَبَّذا لَو أننِى مِنْ دونِكُمْ ... خائضاً سُمْرَ العوالي والظُّبَا)
(وجياد الخيلِ ينثرْنَ على ... مَتَنَاتِ الدَّارعِينَ العذبا)
(ألحق الأقران شُعْثًا شُزَّبًا ... تتعاطَى بالعواليِ شزبا)
(أَيهَا الرَّائِحُ بالشَّامِ على ... قلقِ السَّير كَهَبَّاتِ الصَّبَا)
(أَو كَسَهْمٍ طارَ عَن مَحنيهِ ... ذَات زورَيْنِ إِذا مَا ركبا)
(قُلْ لمنْ كَانَ لمأذونِ القضا ... ولأحداثِ اللَّيَالِي سَبَبَا)
(وَالَّذِي أوقد نيران الغَضَا ... زِدْ على نارك يَاذَا حَطَبَا)
(واستلِبْ مَا شئْتَ عمدا فعسَى ... عَن قريبٍ أَن تحطَّ السَّلبَا)
(إِن يكنْ سَرَّكَ مَا سا فعَسَى ... كَيْ ترَى من بعدِ هَذَا عَجَبَا)
(إِن ظننْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا وَاحِدًا ... فلقدْ حَاولْتَ أمرا كذبا)
(رُبَّ صدعٍ كَانَ أعيا شعبه ... أدركَتْهُ رَحْمَةٌ فانشعبا)
(وسرورٍ بعد يأسٍ قد أتَى ... وزمانٍ بعد بُؤْسٍ أعشَبَا)
(ولكَمْ فتح منَ اللهِ أتَى ... حيثُ لَا يُدْرِكُ ساعٍ هربَا)
(فجلا همَّا وأطفا حرقاً ... وشَفَى غِلاًّ وجَلَّى كربا)
(وأعادَتْ رَحْمَة البارِى على ... مُؤْيسٍ من حالِهِ مَا ذهَبَا)
(إِن خبوني عَنْك فِي مُسْتَوْدَعٍ ... فشهابُ العزْمِ منِّى مَا خَبَا)
(أَو سلا جَفْنك لذَّاتُ الكرَى ... فَجُفُونِى والكَرَى مَا اصْطَحَبَا)
(رُبَّ ليلٍ بتُّهُ مرتقيًا ... لطلابِ الثَّأْر أَرْعَى الشهبا)
(أرقبُ النَّصْرَ سَريعًا طالعاً ... وأراعي الغَفْرَ مهما غربا)
(لنهارِ تنقطُ السُّمْر بِهِ ... فِي الوغَى مَا شكلَتْ بيض الظبا)
(وجياد الخيلِ فى معركةٍ ... مجلبات يرتكْيْنَ الغيهبا)
(فينالُ المُرتَجِى مِنْ ربِّهِ ... فِي أَعَادِيه الَّذِي قد طَلَبَا)
(وصلاةُ الله تغشَى دَائِما ... أحْمَدَ المُخْتَارَ مَا هَبَّ الصَّبَا)
стр. 1923
فَلَمَّا وصل الْمَكْتُوب وَالْقَصِيدَة إِلَى الشريف بَرَكَات بن حسن الْمَذْكُور تصدى لجواب أَحْمد أَحْمد بن إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور السَّيِّد الأمجد فصيح الفصحاء غفيف الدّين السَّيِّد عبد الله بن قَاسم الذروي فَكتب إِلَيْهِ هَذِه القصيدة على لِسَان الشريف بَرَكَات ابْن حسن بن عجلَان رحم الله الْجَمِيع فَقَالَ // (من الرمل) //
(بالقَنَا الخطِّىِّ والبيضِ الظبَا ... وبِخيلٍ تتبارَى سربا)
(سابحاتٍ مقرباتِ ضُمَّرٍ ... أعوجيَّاتٍ عِتَاقٍ شُزَّبا)
(بُرِّيَتْ آذانُهَا من جودةٍ ... مثلَ أقلامٍ بهَا كَمْ كُتِبَا)
(داحسياتٍ إِذا مَا طردَتْ ... فائتا مَا بَان عَنْهَا هَرَبَا)
(وَإِذا مَا انحدَرَتْ عَن طاردٍ ... سَبَقَتْ لم يَبْغِ مِنْهَا أربا)
(عُوِّدَتْ بِالْحَرْبِ حَتَّى إِنَّهَا ... لم تَزَلْ تَهْوَى الثلاقِى طَرَبَا)
(بدروعٍ سابغاتِ زُعفٍ ... شاهدَتْ أيامَ عادِ وسَبَا)
(صافيات ذَات نسجٍ محكمٍ ... وقتيرِ مثل أعيانِ الدبا)
(وببيضِ روسةٍ لامعةٍ ... نصَّهُ صانعه فانْتَصَبَا)
(وبأبطال إِذا مَا استَعَرَتْ ... نارُ حربٍ ولظاها التهبا)
(وردوها برماحِ ذُبَّلِ ... وبأسيافٍ تحزُّ العصبا)
(نحمى البَيْت وتَحمِى جدة ... وَربا حلى وأكناف قبا)
(بسيوفٍ جردَتْ من غمدٍ ... كبروقٍ يخترقْنَ الحُجُبَا)
(قُلْ لمن رامَ يناوينا ومَنْ ... رام يأْتِى بيتنا مُغْتَصِبا)
(لَا تحجَّ البيْتَ أَلا خاضعاً ... دافعاً عُشْرًا لنا ثُمَّ حُبَا)
(وَإِذا مَا حَجَّهُ ذُو عزةٍ ... ترك الأمْرَ وجا مصطحبا)
(وَإِذا مَا كَانَ رَأْسا لم يعُدْ ... عندنَا يَا صَاحِ أَلا ذَنَبَا)
(سورةُ الفيلِ لنا كافيةٌ ... أُتركِ الجَهْلَ وخَلِّ الكذبا)
(لَيْسَ بيتُ اللهِ وادِى زمعٍ ... لَا وَلَا دمت لمَنْ قد طلبا)
(إنَّ بيَتَ اللهِ بيْتٌ خصَّهُ ... مِنْهُ بالنصْرِ فَلَنْ ينغلبا)
(دونه خَيْلٌ عتاقٌ شزَّبٌ ... عسفَتْ بالدراعِينَ النجبا)
(ومليك من بني حيدرةٍ ... طابَ أجداداً وأمَّا وَأَبا)
стр. 1924
(بركاتُ المنتقَى من حَسَنٍ ... فارسُ الهيجا إِذا مَا انتدبا)
(ألْمُكَنَّى بالنبيِّ الهاشمِي ... جده الكاشفُ عَنَّا الكُرَبَا)
(أطولُ الناسِ فخاراً سامياً ... وأجلُّ النَّاس طراً حسبا)
(كَمْ جَنَى من عربٍ ذِي عزةٍ ... ولمالِ الضدِّ كم قد نَهَبَا)
(ولكَمْ مِنْ ملكٍ عاندَهُ ... فغدا عَن مُلْكِهِ منقلبا)
(لَو رَآهُ الموتُ فِي يَوْمِ الوغَى ... تَرَكَ الأمْرَ وحطَّ السَّلبَا)
(وَلَو أنَّ الليْثَ وافَى سطوَهُ ... نكس الرأسَ وهَزَّ الذَّنبا)
(لَا وَلَا يقرى لَحوحاً ضَيفه ... لَا وَلَا يقطَعُ حَقَّ الأدبا)
(وَإِذا مَا البَغْلُ مِنْ قُلِّ حَيًا ... رامَ سَبْقَ الخيلِ جَهْلاً تَعِبَا)
فَلَمَّا بلغه هَذَا الْجَواب تخلف عَن الْحَج وَأمر من يترصد الذروى فِي بِلَاده صَبيا فترصدوا لَهُ حَتَّى إِذا نزل السَّاحِل جازان تحيلوا عَلَيْهِ حَتَّى ركب مَعَهم فَسَارُوا بِهِ إِلَى أَحْمد بن إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور فحسبه وضيق عَلَيْهِ فَأمر الشريف بَرَكَات بفدائه بِمِائَة ألف نَاقَة فَقَالَ أَحْمد الْمَذْكُور وَالله مَا أخرجه من الْحَبْس حَتَّى ينشعب هَذَا الصدع فَأَنْشَأَ قصيدة فِي الْحَبْس فَأرْسل الله تِلْكَ اللَّيْلَة مَطَرا فَأصْبح الْحجر قد انشعب بقدرة الله تَعَالَى فَأَطْلقهُ وَأحسن إِلَيْهِ وأوصله مأمنه انْتهى وَاسْتمرّ الشريف بَرَكَات إِلَى أَن توهن بالمرضِ سنة تسع وَخمسين وَثَمَانمِائَة فَسَأَلَ مشدجدة خاني بك الظَّاهِرِيّ أَن يُرْسل إِلَى الْملك يلْتَمس مِنْهُ للشريف بَرَكَات أَن يولي إمرة مَكَّة لوَلَده السَّيِّد مُحَمَّد بن بَرَكَات بن حسن لِأَنَّهُ ضعيفُ الْجِسْم ضَعِيف الْحَرَكَة فَأرْسل خاني بك يسْأَل فِي ذَلِك إِلَى الْملك فقدرت وَفَاة الشريف بَرَكَات قبل وُرُود الْخَبَر وَجَاء الْجَواب بعد مَوته بِيَوْم بِولَايَة وَلَده مُحَمَّد بن بَرَكَات وَكَانَت وَفَاة الشريف بَرَكَات بن حسن بن عجلَان عصر يَوْم الِاثْنَيْنِ تَاسِع عشر شعْبَان سنة تسع وَخمسين وَثَمَانمِائَة بِأَرْض خَالِد من وَادي مر وَحمل على أَعْنَاق الرِّجَال وَدخل بِهِ مَكَّة أثْنَاء لَيْلَة الثُّلَاثَاء وَغسل وَصلي عَلَيْهِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام بعد صَلَاة الصُّبْح وَدفن بالمعلاة وَبني عَلَيْهِ قبَّة مَوْجُودَة إِلَى الْآن ورثاه الشهَاب المنصوري بقوله // (من الْكَامِل) //
(قَالُوا قضَى بركاتُ قلْتُ يحقُّ لي ... أَن أُتْبِع العبراتِ بالزفراتِ)
(يَا ترحَةَ الأحياءِ عِنْد فراقِهِ ... وبقربِهِ يَا فرحَةَ الأمواتِ)
стр. 1925
(والكعبةُ الغَرَّاءُ قالَتْ قد غَدا ... لُبْسُ السوادِ عَلَيْهِ مِنْ عاداتي)
(فانظُرْ إِلَى آثارِهِ فِي مكَّةٍ ... فَرِحَابُهَا لم تَخْلُ من بَرَكَاتِ)
وَكَانَ ﵀ مهيباً وقوراً شجاعاً مقداماً غضنفراً كثير الْخيرَات جزيل المبرات مَيْمُون الحركات بنى بِمَكَّة رِبَاطًا للْفُقَرَاء وَهُوَ مَوْجُود وهم بِهِ قاطنون لَهُ النثر الْفَائِق وَالنّظم الرَّائِق فَمن شعره قَوْله // (من الْبَسِيط) //
(يَا من بذكرهِمُ قد زادَ وَسْواسى ... وَقد شُغِلْتُ بهمْ عَنْ سائِرِ النَّاسِ)
(ومَن تقرَّرَ فِي قلبِي محبتُهُمْ ... وجئتُهُمْ طَائِعا أسْعَى على راسِي)
(سألتكمْ شربةً مِنْ مَا مشارِبِكُمْ ... تُغْنِى عَن الراحِ إِذْ مَا لاحَ فِي الكَاسِ)
وَاسْتمرّ فِي الْولَايَة إِلَى عَام ٨٥٩ تسع وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَكَانَ ملكا شهماً عَارِفًا بالأمور فِيهِ خير كثير وحلم زَائِد مَعَ حسن السياسة والشجاعة المفرطة زَائِد السكينَة وَالْوَقار وَله بِمَكَّة مآثر كَثِيرَة وَقرب نافعة مِنْهَا بِمَكَّة رِبَاط للرِّجَال وَغير ذَلِك مَاتَ بِأَرْض خَالِد من وَادي مر وَحمل على أَعْنَاق الرِّجَال وَغسل فِي دَاره وطيف بِهِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَاد وَدفن بالمعلاة وَبنى عَلَيْهِ وَلَده الشريف مُحَمَّد قبَّة وتأسف النَّاس لفقده تغمده الله برحمته وَكَانَت مُدَّة ولَايَته تسع سِنِين من سنة إِحْدَى وَخمسين إِلَى سنة تسع وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد جملَة مِنْهُم الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات بن حسن بن عجلَان ولي مَكَّة بعد وَفَاة أَبِيه وَقد تقدم ذكر التمَاس أَبِيه ذَلِك فِي مرض مَوته وَفِي عصر يَوْم الثُّلَاثَاء فِي يَوْم دفن وَالِده وصل المرسوم بالإجابة إِلَى مَا سَأَلَ فِيهِ وَالِده وصحبة المرسوم خلعة الْولَايَة عوضا عَن أَبِيه فَلَمَّا ورد المرسوم بذلك كَانَ مُحَمَّد غَائِبا بِبِلَاد الْيمن لحفظ بعض أَمْوَال وَالِده فدعي لَهُ على زَمْزَم بعد صَلَاة الْمغرب من لَيْلَة الْأَرْبَعَاء فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة قرئَ المرسوم مُخَاطبا فِيهِ السَّيِّد بَرَكَات ومضمونه إِنَّه ورد إِلَيْنَا كتاب الْأَمِير خاني بك مشدجدة بالثناء على المخدوم وَقد بلغنَا ضعفة وتوعك جسده وَقلة حركته فَأَقَمْنَا مقَامه فِي إمرة مَكَّة
стр. 1926
وَلَده السَّيِّد مُحَمَّد بن بَرَكَات والمرسوم مؤرخ بسادس عشر رَجَب سنة تسع وَخمسين وَثَمَانمِائَة فَلَمَّا كَانَ رَابِع شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وصل كتاب من السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر أَيْضا إِلَى السَّيِّد الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات بالعزاء فِي وَالِده الشريف بَرَكَات وتوقيع باستقراره واستمراره فِي إمرة مَكَّة عوضا عَن وَالِده مؤرخ فِي أَوَائِل شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة ودام إِلَى سنة ثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة ثمَّ استناب وَلَده الشريف بَرَكَات بن مُحَمَّد بن بَرَكَات ثمَّ توفّي هُوَ عَام ثَلَاث وَتِسْعمِائَة كَمَا سيأتى ذكره وَمُدَّة ولَايَته خمس وَأَرْبَعُونَ سنة وَمن فتوحات الشريف مُحَمَّد عَام ثَلَاث وَسبعين أَنه غزا طَائِفَة زبيد ذَوي مَالك ابْن رومي بَين خليص ورابغ وَقتل مِنْهُم سبعين رجلا وَقتل شيخهم رومي وأخاه مَالِكًا وغنم مِنْهُم أَمْوَالًا عَظِيمَة من جُمْلَتهَا ثَلَاثُونَ ألف بعير وَفِي سنة سبع وَسبعين وَثَمَانمِائَة من دولته اتّفق أَن أَمِير الْحَاج الْمصْرِيّ منع الْحَاج الْعِرَاقِيّ من دُخُول مَكَّة وَخرج الأتراك والشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات بن حسن وغالب الْعَسْكَر مُلْبسُونَ فَلَمَّا احتاطوا بالحاج الْعِرَاقِيّ أمروهم بِالدُّخُولِ إِلَى مَكَّة فَلَمَّا دخلوها أَمْسكُوا الْأَمِير والدوادار وَأخذُوا الْمحمل العراقى وزنجروهما وأركبوهما جملين ودخلوا بهما مَكَّة ثمَّ بعد الْحَج عزموا بهما إِلَى مصر وَمن بعد تِلْكَ السّنة لم يدْخل محمل من الْعرَاق إِلَى مَكَّة إِلَى الْآن وَفِي عَام إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة ورد مرسوم السُّلْطَان قايتباي طَابَ ثراه بِأَن عشر الْيَمَانِيّ بَينه وَبَين الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات مُنَاصَفَة وَبِأَن لمولانا الشريف مُحَمَّد كل مَال الْمَوْتَى الَّذين لَا وَارِث لَهُم إِلَى أَن يبلغ ألف دِينَار جَدِيد فَمَا زَاد على ذَلِك كَانَ للسُّلْطَان وَبِأَن أَمْوَال الْيَتَامَى فِي حفظ أَمِير السُّلْطَان بِمَكَّة بعد أَن كَانَت فِي حفظ قَاضِي الشَّرْع الشريف وَوصل محمل من الْعرَاق فَلم يدخلُوا بِهِ إِلَى مَكَّة المشرفة وبذلوا على دُخُوله مَكَّة وطلوعه عَرَفَة مَالا جزيلاً فَلم يوافقهم على ذَلِك مَوْلَانَا الشريف مُحَمَّد الْمَذْكُور وفى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ بنيت الْمدرسَة الأشرفية القايتبائية بِمَكَّة المشرفة
стр. 1927
وفيهَا غزا الشريف مُحَمَّد على جازان ونهبها وأحرق حصنها وأخرب سورها وَقتل عدَّة مستكثرة من رجالها وغنم شَيْئا كثيرا من أموالها وأٍ سر طَائِفَة عَظِيمَة من نسائها وأطفالها وَكَانَ معظمهم من الْأَشْرَاف وتبلغت العساكر من أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ وَنِسَائِهِمْ بأموال كَثِيرَة وباعدهم فِي سَائِر الْأَطْرَاف قَالَ الْعَلامَة جَار الله بن فَهد الْقرشِي الْمَكِّيّ وَكَانَ ذَلِك فتحا عَظِيما أوجب جلالة مَوْلَانَا الشريف مُحَمَّد ورجحانه على من سلف من هَذَا الْبَيْت الْمُبَارك وخافته الْقَبَائِل وامتلأت من مهابته الصُّدُور وَفِي عَام أَربع وَثَمَانِينَ كَانَ حج مَوْلَانَا السُّلْطَان قايتباي ﵀ وَصَحبه من الديار المصرية أعيانها المشهورون من الْعلمَاء والصلحاء وَأَوْلَاد الرؤساء أهل الْحل وَالْعقد وتجهز بالأوضاع السُّلْطَانِيَّة وَصَحب من الدَّوَابّ وَالْخلْع وَالْأَمْوَال مَا لَا يحصره عد وَلَا يحويه حد وَخرج لاستقباله الشريف مُحَمَّد وَولده الشريف هزاع وَالْقَاضِي إِبْرَاهِيم بن ظهيرة وَولده القَاضِي أَبُو السُّعُود وقابلوه فِي بدر فِي افْتِتَاح ذِي الْحجَّة الْحَرَام من السّنة الْمَذْكُورَة على أجمل حَال من كَثْرَة العساكر وجمالتهم بِالسِّلَاحِ الْمَذْهَب وَالثيَاب الْحَرِير الفاخرة وَالْخَيْل المسومة والذخائر والركاب الملبسة بأنواع الذَّهَب والحلية النظيفة وَالسُّيُوف المسقطة وَقد تقدم شرح ذَلِك بأبسط من هَذَا عِنْد ذكر تَرْجَمَة السُّلْطَان قايتباي فِي الْبَاب السَّادِس الْمَخْصُوص بولاة الشراكسة فَلَا حَاجَة بِنَا الْآن إِلَى تكريره وَاسْتمرّ الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات على الْولَايَة وحمدت سيرته فِي الْبِلَاد وَاطْمَأَنَّ بِوُجُودِهِ الْعباد وَلم يزل فِي زِيَادَة علو وارتفاع وتوافر نعم وخيرات وساع كل ذَلِك مَعَ فعل الْخَيْر وَالْإِحْسَان والمبرات الَّتِى شَمل بهَا القاضى والدان وتكرار زِيَارَة جده الْمُصْطَفى
وَالْإِحْسَان إِلَى المجاورين بالحرمين الشريفين والمحلين المعظمين المنيفين خُصُوصا من يتوسم فِيهِ الْخَيْر وَالصَّلَاح وفَاق فِي ذَلِك من تقدمه من أسلافه الْكِرَام وَوَقع فِي أَيَّامه من الْعدْل والطمأنينة مَا لم يَقع فِيمَا تقدم من الْأَيَّام وفوض إِلَيْهِ نِيَابَة السلطنة بالأقطار الحجازية والاستنابة فِي الْمَدِينَة المنورة والينبع مِمَّن يختاره وَصرح باسمه الشريف على مِنْبَر الْمَدِينَة بعد السُّلْطَان وَقبل صَاحبهَا وَنفذ أمره فِي
стр. 1928
جَمِيع الأقطار الحجازية من أَعمال الينبع كنبط والحورا وَمَا فَوق ذَلِك من الشَّام إِلَى أَعمال جازان وَمَا والاها من الْيمن والبلاد الشرقية على التَّمام وَمَا حول ذَلِك من بِلَاد الْحجاز وسراتها وبجيلة وأعمالها وَانْفَرَدَ فِي ذَلِك بعلو شَأْن وتحدث بهيبته وسطوته القاصي والداني ولطالما جهز جيوشه وسراياه إِلَى من خَالف عَلَيْهِ وناوأه وظفر بهم كل الظفر واستأصل أَمْوَالهم وملكهم وقهر كقتال أهل الينبع لما لم يوافقوا على الخضوع وَأجلى الْجَمِيع من بِلَادهمْ وكفهم عَن مقاصدهم ومفاسدهم وكأهل جازان لما وَقع مِنْهُم مَا وَقع من الْعِصْيَان فَقَتلهُمْ واستبى وَملك بِلَادهمْ واجتبى وكقتل أهل زبيد وإهانتهم ثمَّ إكرامهم لما دخلُوا فى الطَّاعَة وإعانتهم وكقتل أهل حلى وَالْعَبِيد وتشريدهم كل التشريد وإخراجهم من الْبِلَاد وَالْقَبْض على أَمِيرهمْ الحرامي وَجعله مَعَ أهل الجرائم والعناد إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصِيه قلم كَاتب وَلَا ديوَان حاسب وَلَقَد كَانَ وَالله حَسَنَة من حَسَنَات الزَّمَان ومنة من الله تَعَالَى على القاصي والدان تواضعاً وأدباً وفهماً وعقلاً ومداراة واغتفاراً مَعَ حسن الشكالة ووضاءة الصُّورَة والمواظبة على الطّواف وَالْجَمَاعَة عِنْد وُصُوله إِلَى الْمحل الشريف ومزيد الْوَقار والسكون وَالْعدْل وكف جماعته عَن أَذَى الرّعية ومسايسته للتجار وَعدم الطمع والتطلع لما فِي أَيْديهم ومجاملتهم والذب عَنْهُم وَفعل الْخَيْر الَّذِي يحصل بِهِ الثَّوَاب الْعَظِيم كرباط بِمَكَّة المشرفة مَعَ مَا وَفقه عَلَيْهِ والسبل العديدة بطرِيق الْوَادي وَجدّة وآبار كَثِيرَة يحصل بهَا النَّفْع للمسافرين كَالَّذي بطرِيق الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وبجهة الْيمن وَغير ذَلِك من الْحَسَنَات وَلم تزل دولته قَائِمَة قويمة وأموره منتظمة وأحواله مُسْتَقِيمَة وَهُوَ مبجل مُعظم عِنْد الْمُلُوك لَا يخالفونه فِيمَا يخْتَار فِي جَمِيع الأقطار الحجازية ويراعون خاطره فى جيمع الْأَحْوَال المنسوبة إِلَيْهِ إِلَى أَن اخْتَارَهُ الله تَعَالَى لدار الْبَقَاء وَنَقله إِلَى دَار كرامته فانتقل إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى فِي شهر محرم الْحَرَام سنة ثَلَاث وَتِسْعمِائَة بوادي الْآبَار وَحمل على أَعْنَاق الرِّجَال إِلَى مَكَّة المشرفة وَغسل فِي بَيته وَدخل بِهِ الْمَسْجِد وطيف بِهِ أسبوعاً وَصلي عَلَيْهِ عِنْد بَاب
стр. 1929
الكعبهّ بعد أَن نَادَى لَهُ الريس على زَمْزَم بِصِيغَة الصَّلَاة على الْملك الْعَادِل أبي الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين إِلَى غير ذَلِك من التراجم وَدفن بالمعلاة وَبنى عَلَيْهِ وَلَده قبَّة عَظِيمَة مَوْجُودَة إِلَى الْآن وَمن جملَة خيراته سَبِيل بالنوارية وسبيل آخر أوقف على ذَلِك أوقافاً كَثِيرَة وَهِي بوادي مر شهيرة ضاعف الله ثَوَابه وَأحسن فِي العقبى مآبه وَخلف من الْأَوْلَاد سِتَّة عشر ذكرا غير الْإِنَاث مِنْهُم خميصة وجازان وهزاع وبركات وقايتباي وَعلي وراجح ثمَّ وَليهَا الشريف بَرَكَات بن مُحَمَّد بن بَرَكَات بن حسن بن عجلَان كَانَت وِلَادَته سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة فِي ربيع الأول بِمَكَّة أمه عمْرَة بنت مُحَمَّد بن عَليّ بن أَحْمد بن ثقبة بن رميثة دخل الْقَاهِرَة سنة ثَمَان وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَذَلِكَ بِسَبَب أَنه ورد إِلَى مَكَّة المشرفة فِي السّنة الْمَذْكُورَة مرسوم من سُلْطَان مصر بِطَلَب سُلْطَان مَكَّة المشرفة الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات عوضا عَنهُ فَأرْسل الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات وَلَده الشريف بَرَكَات بن مُحَمَّد بن بَرَكَات عوضا عَنهُ وَمَعَهُ قَاضِي الْقُضَاة إِبْرَاهِيم بن ظهيرة وَولده القَاضِي أَبُو السُّعُود بن ظهيرة وَجَمَاعَة من أَقَاربه فَأكْرم السُّلْطَان وَمن دونه موردهما وأشركه مَعَ أَبِيه مُحَمَّد ابْن بَرَكَات بن حسن بن عجلَان وَرجع متزايد الْعِزّ وَوَقع فِي أَيَّام الثمان من سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة بَين ترك أَمِير الْحَاج الأول وأمير الْمحمل قتال عِنْد بَاب بازان بالمسعى وشج فيهم جمَاعَة من الْفَرِيقَيْنِ والتحم الْقِتَال بِضَرْب السَّيْف والدبوس وَرمي النشاب ثمَّ سكنه الله بمجئ أَمِير الأول ثمَّ أحضروا الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء وَكتب بذلك محْضر وَفِي سنة تِسْعمائَة اتّفق أَن الْحَاج الْمصْرِيّ خرج عَلَيْهِ الْعَرَب فَأخذُوا غالبه وَكَذَلِكَ الغزاوي خَرجُوا عَلَيْهِ وَلَكِن لم يظفرهم الله بِهِ وَكَذَلِكَ الْحَاج الشَّامي خَرجُوا عَلَيْهِ وأخذوه أجمع وأسروا بعض التُّجَّار وكل ذَلِك فعل بني لَام المفسدين وَلم يسمع بِمثل هَذَا الِاتِّفَاق فِي سنة وَاحِدَة وَلم يزل الشريف بَرَكَات
стр. 1930
يتزايد حَتَّى اسْتَقل بِالْملكِ بعد وَفَاة وَالِده الشريف مُحَمَّد سنة ٩٠٣ ثَلَاث وَتِسْعمِائَة وَكَانَ السُّلْطَان يَوْمئِذٍ مُحَمَّد بن قايتباي وتزايد فِي الترقي فِي الْعُلُوم والفضائل حَتَّى صَار مرجعاً فِي حل الْأُمُور المشكلات وَدفع الْعَدو كم سَافر للأعداء فَرجع مَسْرُورا وبالظفر محبوراً وَقد تَرْجمهُ الْعَلامَة الشَّيْخ عبد الْعَزِيز بن فَهد الْهَاشِمِي فِي مؤلف لَهُ سَمَّاهُ غَايَة المرام بأخبار سُلْطَان الْبَلَد الْحَرَام وسَاق نسبه فِي ديباجته وختمه بِاسْتِيفَاء أخباره وَمَا مدح بِهِ وَمُلَخَّصه أَنه سمع الحَدِيث بِالْقَاهِرَةِ فِي رحلته الأولى فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَهِي سنة ثَمَان وَسبعين وَثَمَانمِائَة على الْمسند شهَاب الدّين أَحْمد الشناوي ثلاثيات البُخَارِيّ وَحضر مجْلِس بدئه وختمه وَأَجَازَهُ من عدَّة من الْبلدَانِ جملَة من الْمَشَايِخ مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن خَلِيل التابوتي وَأَسْمَاء بنت المهراني وَأم هَانِئ الهوريني ونشوان الحنبلية وَهَاجَر المقدسية وَالْعلم صَالح البُلْقِينِيّ والسعد بن الرزي والشهاب الْحِجَازِي والبرهان البقاعي وقاسم بن الكريك وَابْن قطلوبغا الْأَمِير الأقصرائي وَأَبُو بكر بن صَدَقَة الْمَنَاوِيّ والمعز الْكِنَانِي والتقى الشمني والجلال بن الملقن وَأُخْته صَالِحَة والبهاء الْمصْرِيّ والجلال القمصي والتقى ابْن فَهد ووالده أَبُو بكر وَعمر وَأَخُوهُ عَطِيَّة وَعبد الرَّحِيم الأسيوطي وَإِبْرَاهِيم الزمزمي وَأحمد السوايطي وَالْقَاضِي عبد الْقَادِر الْمَالِكِي وَأَبُو الْفضل الْمرْجَانِي وَأَبُو الْفرج المراغي وَزَيْنَب بنت الشويكي وآسية بنت جَار الله الشَّيْبَانِيّ وَإِبْرَاهِيم ابْن قَاضِي عجلون وَأَبُو ذَر الْحلَبِي وَأحمد بن الصلف وَأَبُو السُّعُود الْعِرَاقِيّ وَأَبُو نَافِع الْأَزْهَرِي والتقى القلقشندي والشموس الْخَمْسَة الأفقهسي والقلواني والزفتاوي والسخاوي وَالشَّيْخ الْفَخر السُّيُوطِيّ والكمال إِمَام الكاملية والمحب بن الشّحْنَة وَيحيى الْمَنَاوِيّ وَخلق كثير وَخرج لَهُ الشَّيْخ الرحلة جَار الله بن عبد الْعَزِيز بن فَهد عَن أَرْبَعِينَ شَيخا من مشايخه أَرْبَعِينَ حَدِيثا فِي فضل أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ سَمَّاهَا غَايَة الْأَمَانِي والمسرات بعلو سُلْطَان الْحجاز أبي زُهَيْر بَرَكَات وَذَلِكَ فِي سنة سِتّ عشرَة وَتِسْعمِائَة وَقَرَأَ على الشريف بَرَكَات بَعْضهَا بمنزله دَار السَّعَادَة من أول الْأَرْبَعين الَّتِي خرجها لَهُ إِلَى آخر الحَدِيث الثَّالِث مَعَ الْكَلَام على الحَدِيث الثَّالِث مَعَ الْكَلَام على الحَدِيث وَأَجَازَ لَهُ رِوَايَتهَا عَنهُ وَكتب لَهُ بِخَطِّهِ
следующие страницы →