Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
وَلَده السَّيِّد مُحَمَّد بن بَرَكَات والمرسوم مؤرخ بسادس عشر رَجَب سنة تسع وَخمسين وَثَمَانمِائَة فَلَمَّا كَانَ رَابِع شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وصل كتاب من السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر أَيْضا إِلَى السَّيِّد الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات بالعزاء فِي وَالِده الشريف بَرَكَات وتوقيع باستقراره واستمراره فِي إمرة مَكَّة عوضا عَن وَالِده مؤرخ فِي أَوَائِل شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة ودام إِلَى سنة ثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة ثمَّ استناب وَلَده الشريف بَرَكَات بن مُحَمَّد بن بَرَكَات ثمَّ توفّي هُوَ عَام ثَلَاث وَتِسْعمِائَة كَمَا سيأتى ذكره وَمُدَّة ولَايَته خمس وَأَرْبَعُونَ سنة وَمن فتوحات الشريف مُحَمَّد عَام ثَلَاث وَسبعين أَنه غزا طَائِفَة زبيد ذَوي مَالك ابْن رومي بَين خليص ورابغ وَقتل مِنْهُم سبعين رجلا وَقتل شيخهم رومي وأخاه مَالِكًا وغنم مِنْهُم أَمْوَالًا عَظِيمَة من جُمْلَتهَا ثَلَاثُونَ ألف بعير وَفِي سنة سبع وَسبعين وَثَمَانمِائَة من دولته اتّفق أَن أَمِير الْحَاج الْمصْرِيّ منع الْحَاج الْعِرَاقِيّ من دُخُول مَكَّة وَخرج الأتراك والشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات بن حسن وغالب الْعَسْكَر مُلْبسُونَ فَلَمَّا احتاطوا بالحاج الْعِرَاقِيّ أمروهم بِالدُّخُولِ إِلَى مَكَّة فَلَمَّا دخلوها أَمْسكُوا الْأَمِير والدوادار وَأخذُوا الْمحمل العراقى وزنجروهما وأركبوهما جملين ودخلوا بهما مَكَّة ثمَّ بعد الْحَج عزموا بهما إِلَى مصر وَمن بعد تِلْكَ السّنة لم يدْخل محمل من الْعرَاق إِلَى مَكَّة إِلَى الْآن وَفِي عَام إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة ورد مرسوم السُّلْطَان قايتباي طَابَ ثراه بِأَن عشر الْيَمَانِيّ بَينه وَبَين الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات مُنَاصَفَة وَبِأَن لمولانا الشريف مُحَمَّد كل مَال الْمَوْتَى الَّذين لَا وَارِث لَهُم إِلَى أَن يبلغ ألف دِينَار جَدِيد فَمَا زَاد على ذَلِك كَانَ للسُّلْطَان وَبِأَن أَمْوَال الْيَتَامَى فِي حفظ أَمِير السُّلْطَان بِمَكَّة بعد أَن كَانَت فِي حفظ قَاضِي الشَّرْع الشريف وَوصل محمل من الْعرَاق فَلم يدخلُوا بِهِ إِلَى مَكَّة المشرفة وبذلوا على دُخُوله مَكَّة وطلوعه عَرَفَة مَالا جزيلاً فَلم يوافقهم على ذَلِك مَوْلَانَا الشريف مُحَمَّد الْمَذْكُور وفى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ بنيت الْمدرسَة الأشرفية القايتبائية بِمَكَّة المشرفة
стр. 1927
وفيهَا غزا الشريف مُحَمَّد على جازان ونهبها وأحرق حصنها وأخرب سورها وَقتل عدَّة مستكثرة من رجالها وغنم شَيْئا كثيرا من أموالها وأٍ سر طَائِفَة عَظِيمَة من نسائها وأطفالها وَكَانَ معظمهم من الْأَشْرَاف وتبلغت العساكر من أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ وَنِسَائِهِمْ بأموال كَثِيرَة وباعدهم فِي سَائِر الْأَطْرَاف قَالَ الْعَلامَة جَار الله بن فَهد الْقرشِي الْمَكِّيّ وَكَانَ ذَلِك فتحا عَظِيما أوجب جلالة مَوْلَانَا الشريف مُحَمَّد ورجحانه على من سلف من هَذَا الْبَيْت الْمُبَارك وخافته الْقَبَائِل وامتلأت من مهابته الصُّدُور وَفِي عَام أَربع وَثَمَانِينَ كَانَ حج مَوْلَانَا السُّلْطَان قايتباي ﵀ وَصَحبه من الديار المصرية أعيانها المشهورون من الْعلمَاء والصلحاء وَأَوْلَاد الرؤساء أهل الْحل وَالْعقد وتجهز بالأوضاع السُّلْطَانِيَّة وَصَحب من الدَّوَابّ وَالْخلْع وَالْأَمْوَال مَا لَا يحصره عد وَلَا يحويه حد وَخرج لاستقباله الشريف مُحَمَّد وَولده الشريف هزاع وَالْقَاضِي إِبْرَاهِيم بن ظهيرة وَولده القَاضِي أَبُو السُّعُود وقابلوه فِي بدر فِي افْتِتَاح ذِي الْحجَّة الْحَرَام من السّنة الْمَذْكُورَة على أجمل حَال من كَثْرَة العساكر وجمالتهم بِالسِّلَاحِ الْمَذْهَب وَالثيَاب الْحَرِير الفاخرة وَالْخَيْل المسومة والذخائر والركاب الملبسة بأنواع الذَّهَب والحلية النظيفة وَالسُّيُوف المسقطة وَقد تقدم شرح ذَلِك بأبسط من هَذَا عِنْد ذكر تَرْجَمَة السُّلْطَان قايتباي فِي الْبَاب السَّادِس الْمَخْصُوص بولاة الشراكسة فَلَا حَاجَة بِنَا الْآن إِلَى تكريره وَاسْتمرّ الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات على الْولَايَة وحمدت سيرته فِي الْبِلَاد وَاطْمَأَنَّ بِوُجُودِهِ الْعباد وَلم يزل فِي زِيَادَة علو وارتفاع وتوافر نعم وخيرات وساع كل ذَلِك مَعَ فعل الْخَيْر وَالْإِحْسَان والمبرات الَّتِى شَمل بهَا القاضى والدان وتكرار زِيَارَة جده الْمُصْطَفى
وَالْإِحْسَان إِلَى المجاورين بالحرمين الشريفين والمحلين المعظمين المنيفين خُصُوصا من يتوسم فِيهِ الْخَيْر وَالصَّلَاح وفَاق فِي ذَلِك من تقدمه من أسلافه الْكِرَام وَوَقع فِي أَيَّامه من الْعدْل والطمأنينة مَا لم يَقع فِيمَا تقدم من الْأَيَّام وفوض إِلَيْهِ نِيَابَة السلطنة بالأقطار الحجازية والاستنابة فِي الْمَدِينَة المنورة والينبع مِمَّن يختاره وَصرح باسمه الشريف على مِنْبَر الْمَدِينَة بعد السُّلْطَان وَقبل صَاحبهَا وَنفذ أمره فِي
стр. 1928
جَمِيع الأقطار الحجازية من أَعمال الينبع كنبط والحورا وَمَا فَوق ذَلِك من الشَّام إِلَى أَعمال جازان وَمَا والاها من الْيمن والبلاد الشرقية على التَّمام وَمَا حول ذَلِك من بِلَاد الْحجاز وسراتها وبجيلة وأعمالها وَانْفَرَدَ فِي ذَلِك بعلو شَأْن وتحدث بهيبته وسطوته القاصي والداني ولطالما جهز جيوشه وسراياه إِلَى من خَالف عَلَيْهِ وناوأه وظفر بهم كل الظفر واستأصل أَمْوَالهم وملكهم وقهر كقتال أهل الينبع لما لم يوافقوا على الخضوع وَأجلى الْجَمِيع من بِلَادهمْ وكفهم عَن مقاصدهم ومفاسدهم وكأهل جازان لما وَقع مِنْهُم مَا وَقع من الْعِصْيَان فَقَتلهُمْ واستبى وَملك بِلَادهمْ واجتبى وكقتل أهل زبيد وإهانتهم ثمَّ إكرامهم لما دخلُوا فى الطَّاعَة وإعانتهم وكقتل أهل حلى وَالْعَبِيد وتشريدهم كل التشريد وإخراجهم من الْبِلَاد وَالْقَبْض على أَمِيرهمْ الحرامي وَجعله مَعَ أهل الجرائم والعناد إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصِيه قلم كَاتب وَلَا ديوَان حاسب وَلَقَد كَانَ وَالله حَسَنَة من حَسَنَات الزَّمَان ومنة من الله تَعَالَى على القاصي والدان تواضعاً وأدباً وفهماً وعقلاً ومداراة واغتفاراً مَعَ حسن الشكالة ووضاءة الصُّورَة والمواظبة على الطّواف وَالْجَمَاعَة عِنْد وُصُوله إِلَى الْمحل الشريف ومزيد الْوَقار والسكون وَالْعدْل وكف جماعته عَن أَذَى الرّعية ومسايسته للتجار وَعدم الطمع والتطلع لما فِي أَيْديهم ومجاملتهم والذب عَنْهُم وَفعل الْخَيْر الَّذِي يحصل بِهِ الثَّوَاب الْعَظِيم كرباط بِمَكَّة المشرفة مَعَ مَا وَفقه عَلَيْهِ والسبل العديدة بطرِيق الْوَادي وَجدّة وآبار كَثِيرَة يحصل بهَا النَّفْع للمسافرين كَالَّذي بطرِيق الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وبجهة الْيمن وَغير ذَلِك من الْحَسَنَات وَلم تزل دولته قَائِمَة قويمة وأموره منتظمة وأحواله مُسْتَقِيمَة وَهُوَ مبجل مُعظم عِنْد الْمُلُوك لَا يخالفونه فِيمَا يخْتَار فِي جَمِيع الأقطار الحجازية ويراعون خاطره فى جيمع الْأَحْوَال المنسوبة إِلَيْهِ إِلَى أَن اخْتَارَهُ الله تَعَالَى لدار الْبَقَاء وَنَقله إِلَى دَار كرامته فانتقل إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى فِي شهر محرم الْحَرَام سنة ثَلَاث وَتِسْعمِائَة بوادي الْآبَار وَحمل على أَعْنَاق الرِّجَال إِلَى مَكَّة المشرفة وَغسل فِي بَيته وَدخل بِهِ الْمَسْجِد وطيف بِهِ أسبوعاً وَصلي عَلَيْهِ عِنْد بَاب
стр. 1929
الكعبهّ بعد أَن نَادَى لَهُ الريس على زَمْزَم بِصِيغَة الصَّلَاة على الْملك الْعَادِل أبي الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين إِلَى غير ذَلِك من التراجم وَدفن بالمعلاة وَبنى عَلَيْهِ وَلَده قبَّة عَظِيمَة مَوْجُودَة إِلَى الْآن وَمن جملَة خيراته سَبِيل بالنوارية وسبيل آخر أوقف على ذَلِك أوقافاً كَثِيرَة وَهِي بوادي مر شهيرة ضاعف الله ثَوَابه وَأحسن فِي العقبى مآبه وَخلف من الْأَوْلَاد سِتَّة عشر ذكرا غير الْإِنَاث مِنْهُم خميصة وجازان وهزاع وبركات وقايتباي وَعلي وراجح ثمَّ وَليهَا الشريف بَرَكَات بن مُحَمَّد بن بَرَكَات بن حسن بن عجلَان كَانَت وِلَادَته سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة فِي ربيع الأول بِمَكَّة أمه عمْرَة بنت مُحَمَّد بن عَليّ بن أَحْمد بن ثقبة بن رميثة دخل الْقَاهِرَة سنة ثَمَان وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَذَلِكَ بِسَبَب أَنه ورد إِلَى مَكَّة المشرفة فِي السّنة الْمَذْكُورَة مرسوم من سُلْطَان مصر بِطَلَب سُلْطَان مَكَّة المشرفة الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات عوضا عَنهُ فَأرْسل الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات وَلَده الشريف بَرَكَات بن مُحَمَّد بن بَرَكَات عوضا عَنهُ وَمَعَهُ قَاضِي الْقُضَاة إِبْرَاهِيم بن ظهيرة وَولده القَاضِي أَبُو السُّعُود بن ظهيرة وَجَمَاعَة من أَقَاربه فَأكْرم السُّلْطَان وَمن دونه موردهما وأشركه مَعَ أَبِيه مُحَمَّد ابْن بَرَكَات بن حسن بن عجلَان وَرجع متزايد الْعِزّ وَوَقع فِي أَيَّام الثمان من سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة بَين ترك أَمِير الْحَاج الأول وأمير الْمحمل قتال عِنْد بَاب بازان بالمسعى وشج فيهم جمَاعَة من الْفَرِيقَيْنِ والتحم الْقِتَال بِضَرْب السَّيْف والدبوس وَرمي النشاب ثمَّ سكنه الله بمجئ أَمِير الأول ثمَّ أحضروا الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء وَكتب بذلك محْضر وَفِي سنة تِسْعمائَة اتّفق أَن الْحَاج الْمصْرِيّ خرج عَلَيْهِ الْعَرَب فَأخذُوا غالبه وَكَذَلِكَ الغزاوي خَرجُوا عَلَيْهِ وَلَكِن لم يظفرهم الله بِهِ وَكَذَلِكَ الْحَاج الشَّامي خَرجُوا عَلَيْهِ وأخذوه أجمع وأسروا بعض التُّجَّار وكل ذَلِك فعل بني لَام المفسدين وَلم يسمع بِمثل هَذَا الِاتِّفَاق فِي سنة وَاحِدَة وَلم يزل الشريف بَرَكَات
стр. 1930
يتزايد حَتَّى اسْتَقل بِالْملكِ بعد وَفَاة وَالِده الشريف مُحَمَّد سنة ٩٠٣ ثَلَاث وَتِسْعمِائَة وَكَانَ السُّلْطَان يَوْمئِذٍ مُحَمَّد بن قايتباي وتزايد فِي الترقي فِي الْعُلُوم والفضائل حَتَّى صَار مرجعاً فِي حل الْأُمُور المشكلات وَدفع الْعَدو كم سَافر للأعداء فَرجع مَسْرُورا وبالظفر محبوراً وَقد تَرْجمهُ الْعَلامَة الشَّيْخ عبد الْعَزِيز بن فَهد الْهَاشِمِي فِي مؤلف لَهُ سَمَّاهُ غَايَة المرام بأخبار سُلْطَان الْبَلَد الْحَرَام وسَاق نسبه فِي ديباجته وختمه بِاسْتِيفَاء أخباره وَمَا مدح بِهِ وَمُلَخَّصه أَنه سمع الحَدِيث بِالْقَاهِرَةِ فِي رحلته الأولى فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَهِي سنة ثَمَان وَسبعين وَثَمَانمِائَة على الْمسند شهَاب الدّين أَحْمد الشناوي ثلاثيات البُخَارِيّ وَحضر مجْلِس بدئه وختمه وَأَجَازَهُ من عدَّة من الْبلدَانِ جملَة من الْمَشَايِخ مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن خَلِيل التابوتي وَأَسْمَاء بنت المهراني وَأم هَانِئ الهوريني ونشوان الحنبلية وَهَاجَر المقدسية وَالْعلم صَالح البُلْقِينِيّ والسعد بن الرزي والشهاب الْحِجَازِي والبرهان البقاعي وقاسم بن الكريك وَابْن قطلوبغا الْأَمِير الأقصرائي وَأَبُو بكر بن صَدَقَة الْمَنَاوِيّ والمعز الْكِنَانِي والتقى الشمني والجلال بن الملقن وَأُخْته صَالِحَة والبهاء الْمصْرِيّ والجلال القمصي والتقى ابْن فَهد ووالده أَبُو بكر وَعمر وَأَخُوهُ عَطِيَّة وَعبد الرَّحِيم الأسيوطي وَإِبْرَاهِيم الزمزمي وَأحمد السوايطي وَالْقَاضِي عبد الْقَادِر الْمَالِكِي وَأَبُو الْفضل الْمرْجَانِي وَأَبُو الْفرج المراغي وَزَيْنَب بنت الشويكي وآسية بنت جَار الله الشَّيْبَانِيّ وَإِبْرَاهِيم ابْن قَاضِي عجلون وَأَبُو ذَر الْحلَبِي وَأحمد بن الصلف وَأَبُو السُّعُود الْعِرَاقِيّ وَأَبُو نَافِع الْأَزْهَرِي والتقى القلقشندي والشموس الْخَمْسَة الأفقهسي والقلواني والزفتاوي والسخاوي وَالشَّيْخ الْفَخر السُّيُوطِيّ والكمال إِمَام الكاملية والمحب بن الشّحْنَة وَيحيى الْمَنَاوِيّ وَخلق كثير وَخرج لَهُ الشَّيْخ الرحلة جَار الله بن عبد الْعَزِيز بن فَهد عَن أَرْبَعِينَ شَيخا من مشايخه أَرْبَعِينَ حَدِيثا فِي فضل أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ سَمَّاهَا غَايَة الْأَمَانِي والمسرات بعلو سُلْطَان الْحجاز أبي زُهَيْر بَرَكَات وَذَلِكَ فِي سنة سِتّ عشرَة وَتِسْعمِائَة وَقَرَأَ على الشريف بَرَكَات بَعْضهَا بمنزله دَار السَّعَادَة من أول الْأَرْبَعين الَّتِي خرجها لَهُ إِلَى آخر الحَدِيث الثَّالِث مَعَ الْكَلَام على الحَدِيث الثَّالِث مَعَ الْكَلَام على الحَدِيث وَأَجَازَ لَهُ رِوَايَتهَا عَنهُ وَكتب لَهُ بِخَطِّهِ
стр. 1931
تَحت طبقَة سماعهَا مَا صورته الْحَمد لله مَا ذكر من الْقِرَاءَة وَالْإِجَازَة صَحِيح فِي تَارِيخه وَكتبه الْفَقِير بَرَكَات بن مُحَمَّد بن بَرَكَات عَفا الله عَنهُ وَعَن وَالِديهِ وَالْمُسْلِمين أَجْمَعِينَ وَكَانَت الْقِرَاءَة الْمَذْكُورَة فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشر ذِي الْحجَّة الْحَرَام سنة ٩١٧ سبع عشرَة وَتِسْعمِائَة وَحصل للشريف بَرَكَات غِبْطَة عَظِيمَة بتخريج تِلْكَ الْأَحَادِيث وَأكْرم بذلك الشَّيْخ جَار الله الْمَذْكُور إِكْرَاما عَظِيما كَمَا هُوَ شَأْنه من إكرام الْعلمَاء وَأَجَازَ الشريف بَرَكَات جَار الله الْمَذْكُور فِي استدعاء كتبه إِلَيْهِ الشَّيْخ جَار الله مؤرخ بِيَوْم الْجُمُعَة ثَالِث عشر ربيع الثَّانِي عَام خمس عشرَة وَتِسْعمِائَة وَكتب لَهُ الشريف بَرَكَات بِالْإِجَازَةِ فِي السّنة الَّتِي بعْدهَا وَصُورَة مَا كتبه الشريف بَرَكَات الْحَمد لله الَّذِي نظم جَوَاهِر السّنة فِي سلك السَّنَد وَوصل من إِلَى جنابه اسْتندَ وَقطع من أعرض واستبد وخذل من كفر وَجحد أما بعد فقد أجَاز كَاتبه الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى بَرَكَات بن مُحَمَّد صَاحب مَكَّة المشرفة عَفا الله عَنهُ لمن ذكر فِي هَذَا الاستدعاء الْمُبَارك مَا يجوز لي وعنى رِوَايَته بِشَرْطِهِ الْمُعْتَبر عِنْد أهل الْأَثر وأسأله أَلا ينساني من دعواته فِي خلواته وجلواته وَالْحَمْد لله وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى اله وَصَحبه وَسلم وَاسْتقر الشريف بَرَكَات فِي ولَايَة مَكَّة مُنْفَردا بعد وَفَاة أَبِيه وَكَانَت وَفَاة أَبِيه يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع ربيع الثَّانِي سنة ثَلَاث وَتِسْعمِائَة وَقُرِئَ مرسومه بِالْحَطِيمِ بِحَضْرَة كاتم السِّرّ البدري مُحَمَّد بن مزهر لوصوله بِقَصْدِهِ وَقصد أَخِيه هزاع وَأذن لَهُ فِي تَوْلِيَة الْمَدِينَة للسَّيِّد فَارس بن سامان الْحُسَيْنِي زوج أُخْته الشَّرِيفَة حزيمة وَاسْتمرّ على الْولَايَة الْمَذْكُورَة إِلَى أَن خالعه أَخُوهُ هزاع وَأحمد الْمَدْعُو جازان فِي سنة أَربع وَتِسْعمِائَة ثمَّ اصْطَلحُوا ثمَّ كَانَت الْحَرْب بَين هزاع وبركات سجالاً قَالَ الشَّيْخ الْفَاضِل أَبُو الضياء وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن مُحَمَّد الديبع الشَّيْبَانِيّ فِي كِتَابه بغية المستفيد لما كَانَ يَوْم الْأَرْبَعَاء سلخ ذِي الْقعدَة من سنة سِتّ وَتِسْعمِائَة بِتَقْدِيم التَّاء كَانَت وقْعَة السَّيِّد هزاع بن مُحَمَّد بن بَرَكَات بن حسن بن عجلَان مَعَ أَخِيه الشريف بَرَكَات بن مُحَمَّد بن بَرَكَات بن حسن بن عجلَان وَهِي
стр. 1932
أول وقْعَة انْكَسَرَ فِيهَا صَاحب مَكَّة الشريف بَرَكَات بن مُحَمَّد الْمَذْكُور وَهزمَ فِيهَا هزيمَة عَظِيمَة وَاسْتولى الركب المصرى على خزانئه ونسائه وأمواله وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن الْملك الْعَادِل طومان باى صَاحب مصر لما تولى بعد الْأَشْرَف جانبلاط طرد رجلا من أُمَرَاء جانبلاط يُقَال لَهُ قانصوه المحمدي فَخرج إِلَى مَكَّة فَلَمَّا دَخلهَا لم يلْتَفت إِلَيْهِ أحد من كبرائها لَا الشريف بَرَكَات وَلَا القَاضِي وَلَا غَيرهمَا خوفًا من السُّلْطَان طومان باي فَلَمَّا فقد طومان باي وَتَوَلَّى الْأَشْرَف قانصوه الغوري لَيْلَة عيد الْفطر من سنة سِتّ وَتِسْعمِائَة أرسل إِلَى قانصوه المحمدي إِلَى مَكَّة وَجعله نَائِب الشَّام فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ الْكتب بذلك وَهُوَ بِمَكَّة فِي أول ذِي الْقعدَة جَاءَهُ الشريف بَرَكَات وَالْقَاضِي أَبُو السُّعُود للسلام عَلَيْهِ فَلم يَأْذَن لَهما وَكَانَ فِي نَفسه عَلَيْهِمَا شَيْء لعدم التفاتهما إِلَيْهِ سَابِقًا وَكَانَ الشريف هزاع جينئذ بِمَكَّة فعامله قانصوه على أَن يَجْعَل إِلَيْهِ ولَايَة مَكَّة ويخلع أَخَاهُ بَرَكَات مِنْهَا ثمَّ أمره بِالْخرُوجِ إِلَى الينبع وَأرْسل إِلَى أَمِير الْحَاج الْمصْرِيّ أَن يواجه الشريف هزاع وَيُطلق المراسيم السُّلْطَانِيَّة عَلَيْهِ ويلبسه الْخلْع السُّلْطَانِيَّة فَفعل ذَلِك وَلبس الشريف هزاع خلعة أَخِيه بَرَكَات وألبس أَخَاهُ أَحْمد الملقب جازان خلعته الَّتِي كَانَ يلبسهَا مَعَ أَخِيه بَرَكَات وَأَقْبل مَعَ الركب الْمصْرِيّ إِلَى مَكَّة وَمَعَهُ الْأَشْرَاف بَنو إِبْرَاهِيم فِي نَحْو مائَة فَارس مِنْهُم فَلَمَّا علم بذلك الشريف بَرَكَات خرج إِلَيْهِم من مَكَّة إِلَى وَادي مر والتقى الْجَمْعَانِ هُنَاكَ وتقاتلا فانكسر الشريف هزاع مَرَّات وَقتل من أَصْحَابه نَحْو الثَّلَاثِينَ وَمن الركب الْمصْرِيّ رجل وَمن الْحجَّاج نَحْو الْخَمْسَة وَنهب أَطْرَاف الْقَافِلَة فَلَمَّا رأى ذَلِك الركب الْمصْرِيّ حملُوا مَعَ الشريف هزاع على أَخِيه بَرَكَات حَملَة وَاحِدَة فانكسر جينئذ بَرَكَات وَقتل وَلَده الْمُسَمّى بِأبي الْقَاسِم فِي جمَاعَة من عسكره وَاسْتولى هزاع والركب الْمصْرِيّ على مِحَفَة الشريف بَرَكَات وَمَا فِيهَا من الْأَمْوَال وَالنِّسَاء والأطفال وهرب الشريف بَرَكَات إِلَى جدة فنهبها ثمَّ إِلَى حِدة فنهب أَكْثَرهَا وَدخل الشريف هزاع إِلَى مَكَّة صُحْبَة الْحَاج الْمصْرِيّ فاضطربت أَحْوَال النَّاس وَكثر النهب وَالْخَوْف فِي الطرقات وَرجع حجاج الْبَحْر من الطَّرِيق وَكَانُوا قَرِيبا من جدة وَكَانَ عذر الشريف بَرَكَات إِذا شكا النَّاس إِلَيْهِ مَا يلقون يَقُول اشكوا إِلَى سُلْطَان الْبَلَد واطلبوا مِنْهُ أمانها فقد أمنتها إِذْ كنت سُلْطَانا وَأما الْآن فَأَنا
стр. 1933
وَاحِد مِنْكُم فَلَمَّا اسْتَقر هزاع جَاءَتْهُ النَّاس يصطرخون من كل جَانب التُّجَّار وَغَيرهم من النَّاس وَرُبمَا سبوه فَضَاقَ خاطره وَلم يَنْتَظِم أمره فَدخل على عَمه إِبْرَاهِيم بن بَرَكَات فَشَكا إِلَيْهِ حَاله فَأمره بِالْخرُوجِ فِي صحبته فَخرج إِلَيْهَا والشريف بَرَكَات يَوْمئِذٍ مُقيم بِمَاء يُقَال لَهُ الْعد بَين جدة وحدة ثمَّ أمره بِالْوُقُوفِ بجدة وَتقدم إِلَى بَرَكَات فَقَالَ لَهُ إِن أَخَاك هزاع بجدة فِي ألفي فَارس من التّرْك وَلَا طَاقَة لنا بمقاومتهم فَإِن أَحْبَبْت تعرضت بَيْنكُمَا بهدنة يَأْمَن النَّاس فِيهَا ويحجون إِلَى عَاشر الْمحرم على أَن يعطيك أَخُوك هزاع ثَلَاثَة آلَاف أشرفي قبل يَوْم النَّحْر فَإِن فعل ذَلِك وَإِلَّا فَلَا ذمَّة لَهُ فَرضِي بذلك بَرَكَات ظنا أَن قَول عَمه إِن هزاعاً فِي ألفي فَارس حق فسكن بعض خوف النَّاس وَرجع هزاع إِلَى مَكَّة وَكَانَ الْحَج ضَعِيفا وَلم يحجّ الشريف بَرَكَات فِي هَذَا الْعَام وَسلم هزاع إِلَى أَخِيه بَرَكَات مَا الْتَزمهُ عَمه إِبْرَاهِيم من المَال وَلما عزم الركب الْمصْرِيّ علم هزاع أَنه لَا طَاقَة لَهُ بمقاومة أَخِيه بَرَكَات فَتوجه صُحْبَة الركب الشَّامي فَتَبِعَهُ الشريف بَرَكَات فحماه الركب الشَّامي مِنْهُ فَرجع بَرَكَات إِلَى مَكَّة وَأمنت النَّاس وَخرج هزاع إِلَى يَنْبع وَجمع جموعاً مِنْهَا وَعَاد لِحَرْب بَرَكَات مرّة ثَانِيَة وَذَلِكَ يَوْم الْأَحَد التَّاسِع من جُمَادَى الأولى عَام سبع وَتِسْعمِائَة فَالْتَقوا فِي طرف البرقاء فانكسر فِيهَا بَرَكَات أَيْضا وَهزمَ وَقتل أَخُوهُ أَبُو دعيج فِي سَبْعَة من الْأَشْرَاف من بني أبي نمي وَقتل من الأتراك الَّذين مَعَ بَرَكَات سَبْعَة وَقيل أَرْبَعَة عشر نَفرا وَكَانَ مَعَ هزاع من الْخَيل مِائَتَا فَارس وَمن الرجل ثَلَاثَة آلَاف وَخَمْسمِائة وَمَعَ بَرَكَات خَمْسمِائَة فَارس وَرجل كثير فَلَمَّا انهزم بَرَكَات توجه إِلَى الْيمن فَأَقَامَ بالليث وَوصل هزاع إِلَى ظَاهر جدة فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثامن الشَّهْر الْمَذْكُور ونادى بالأمان وَقرر أحوالها وَجعل مُحَمَّد بن رَاجِح بن شميلة وزيره بهَا وعبداً من قواده حَاكما وَأرْسل أَخَاهُ جازان إِلَى مَكَّة ليقرر أحوالها ثمَّ لحقه إِلَيْهَا فِي عساكره ووصلت إِلَيْهِ المراسيم وَالْخلْع السُّلْطَانِيَّة من الْبَحْر من سُلْطَان مصر على يَد أَمِير يُقَال لَهُ إلْيَاس فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثامن عشر الشَّهْر الْمَذْكُور فَأرْسل لَهُ الشريف هزاع بستين جملا وَثَلَاثِينَ رَاحِلَة وَأمره بالطلوع
стр. 1934
إِلَى مَكَّة فوصل إِلَيْهَا فَلبس الخلعة وقرئت المراسيم وَاسْتمرّ سُلْطَانا إِلَى أَن توفّي يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس عشر رَجَب الْفَرد من السّنة الْمَذْكُورَة بوادي الْآبَار فَحمل إِلَى مَكَّة وَدفن بهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء صباحاً وَلما فرغ من دَفنه تولى إمرة مَكَّة أَخُوهُ الشريف جازان بعده بمساعدة القَاضِي أبي السُّعُود بن ظهيرة وإعانته لَهُ بِنَفَقَة وَسلَاح فَلَمَّا علم بذلك بَرَكَات سَار إِلَى مَكَّة فَدَخلَهَا منتصف شعْبَان وفر مِنْهُ جازان وَلما اسْتَقر بهَا بَرَكَات جَاءَتْهُ من مصر خلع ومراسيم بالاعتذار إِلَيْهِ من مباطنة أَمِير الْحَاج لأخويه هزاع وجازان فَلبس الخلعة وَطَاف بهَا وَكَانَ قَاضِي مَكَّة أَبُو السُّعُود بن ظهيرة مباطناً لجازان فَكتب إِلَيْهِ يستحثه ويعده بالإعانة ووعده أَن يقبض لَهُ على بَرَكَات إِذا وصل جازان قرب مَكَّة وَعين لذَلِك الْقَبْض لَيْلَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان فظفر الشريف بَرَكَات بِكِتَاب أَبى السُّعُود فاستدعاه فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ وَكَانَ قد أظهر السرُور والفرح بِولَايَة بَرَكَات أوقفهُ على الْكتاب فَأنْكر ذَلِك فَقبض عَلَيْهِ فِي سَابِع رَمَضَان وَأخذ أَمْوَاله وعقاره وعذبه ثمَّ بعث بِهِ وَأَهله إِلَى جَزِيرَة القنفذة وَأمر نَائِبه عَلَيْهَا أَن يركبه سنبوقاً ويغرقه فَفعل ذَلِك بِهِ وغرق يَوْم الْأَحَد الثَّانِي من ذِي الْحجَّة سنة سبع وَتِسْعمِائَة وَأَوْلَاده وَعِيَاله ينظرُونَ إِلَيْهِ ثمَّ إِن الشريف بَرَكَات توجه مَعَ الْحَاج إِلَى يَنْبع لكَون أَخِيه جازان نهب الْحَاج الشَّامي عِنْد خليص حَال قدومه إِلَى مَكَّة فحاربه مَعَ أَهلهَا سادس عشر ذِي الْحجَّة الْحَرَام سنة سبع وَتِسْعمِائَة فَكسر بَرَكَات كسرة ثَالِثَة ونهبوا نهباً فَاحِشا وَقتل وَلَده إِبْرَاهِيم مَعَ جمَاعَة من عسكره وَعَاد بَرَكَات إِلَى مَكَّة مَرِيضا ثمَّ مَاتَ بهَا وَلَده السَّيِّد عجلَان ثمَّ جَاءَهُ الْخَبَر أول صفر سنة ثَمَان وَتِسْعمِائَة بمجىء أَخِيه جازان بعسكر عَظِيم وبركات مَرِيض لَا يُمكنهُ الْمُحَاربَة فَتوجه إِلَى جِهَة الْيمن وَأقَام بهَا إِلَى شهر رَجَب حَتَّى شفى وَجمع جموعاً كَثِيرَة وَعَاد لمَكَّة فلقى بهَا أَخَاهُ جازان بالمنحني فقاتله بهَا فانكسر بَرَكَات كسرة رَابِعَة وفر جمَاعَة الْأَشْرَاف آل أبي نمي إِلَى جِهَة جبل حراء لمباطنتهم لجازان فَثَبت هُوَ وَبَعض خواصه للحرب سَاعَة ثمَّ
стр. 1935
توجه إِلَى الْيمن أَيْضا فَتَبِعَهُ جازان بعسكره فخلفه الشريف بَرَكَات فِي خيل قَليلَة وَعَاد من غير طَرِيقه وَدخل مَكَّة فِي غيبَة جازان يَوْم الْجُمُعَة حادي عشر شعْبَان ففرح بِهِ أَهلهَا لظلم أَخِيه جازان فِيهَا وبذلوا الهمة فِي مساعدته ونصرته وحفروا خنادق علو مَكَّة وأسفلها وحاربوا أعداءه من خلفهَا وَعَاد إِلَيْهِ جازان فِي صبح الْأَرْبَعَاء ثَالِث عشري رَمَضَان من أَسْفَل مَكَّة من جِهَة المسفلة وحاربهم مَعَ سكانها مرّة خَامِسَة وَأظْهر لَهُ الأتراك همة عالية حَتَّى هزم جازان وتركهم وَلم يتبع مِنْهُم أحدا وَقتل جمَاعَة من الْفَرِيقَيْنِ وجرح آخَرُونَ وَتوجه جازان مُنْهَزِمًا إِلَى جِهَة حِدة وَأقَام هُوَ وَجَمَاعَة ببئر شميس وهم خائفون وجلون والعسكر يتخطفهم كل سَاعَة لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى أرْسلُوا يطْلبُونَ النجدة من أهل يَنْبع فَجَاءَهُمْ عَسْكَر كَبِير ورحلوا مَعَهم لِحَرْب مَكَّة مرّة سادسة فِي صبح يَوْم السبت رَابِع شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَجَاءُوا من شعب أذاخر والخرمانية من أَعْلَاهَا وَكَانَ الشريف بَرَكَات وَاقِفًا مَعَ خواصه خلف الخَنْدَق من بَاب المعلاة فَانْهَزَمَ عسكره من غير قتال وَثَبت هُوَ والأتراك وأذاق عداهُ الْحَرْب والعراك لشجاعته وهمته وقوته ونجدته حَتَّى زحزحهم عَن مَصَافهمْ وَكَانَ تَحْتَهُ فرس يُقَال لَهَا الجرادة وَأَنه أقحمها الخَنْدَق وَهُوَ بمفرده ففر مِنْهُ الْجَيْش باْجمعه وَهُوَ يضْرب بِالسَّيْفِ قذالهم حَتَّى أبعدوا عَنهُ قَاصِدين الينبع فذرع بعد ذَلِك عرض الخَنْدَق فَكَانَ سَبْعَة أَذْرع ثمَّ إِنَّه توجه إِلَى الْيمن فَدخل الْأَعْدَاء مَكَّة وأهانوا أَهلهَا وآذوهم لمساعدتهم الشريف بَرَكَات وحبهم لَهُ فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ وصلت تجريدة من مصر فَخرج الْأَعْدَاء هاربين فَعَاد الشريف بَرَكَات إِلَى مَكَّة ثَالِث عشر ذِي الْقعدَة من عَام ثَمَان وَتِسْعمِائَة وَتوجه لملاقاة مقدم التجريدة الْمقر الْأَشْرَف قيت الرَّحبِي فواجهوه بِالطَّاعَةِ والكرامة وخلع عَلَيْهِ بالزاهر وَدخل مَعَه مَكَّة بإخوانه وَعَسْكَره وَابْن عَم أَبِيه عنقًا حَتَّى وصلوا إِلَى مدرسة الْأَشْرَف قايتباي بالمسعى فَقبض على الشريف بَرَكَات وَوضع فِي الْحَدِيد مَعَ بعض إخْوَته وَجَمَاعَة وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ وَحج بهم كَذَلِك ثمَّ ذهب بهم إِلَى مصر وَمر بهم على الينبع وَاتفقَ مَعَ أَهلهَا على تَوْلِيَة جازان على مَكَّة وَدخل قيت الرَّحبِي ببركات وَمن مَعَه مصر على هَذِه الصّفة فَأنْكر النَّاس عَلَيْهِم
стр. 1936
ذَلِك وَمَا هان ذَلِك على السُّلْطَان الغوري وتعب من ترك مكهَ فِي أَيدي العصاة وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو الطّيب أَحْمد بن الْحُسَيْن العليف الْمَكِّيّ قصيدته الكافية يسلي بهَا الشريف بَرَكَات ويحثه على الصَّبْر وَهِي هَذِه // (من الطَّوِيل) //
(عزيزٌ على بيتِ النبوَّةِ والمُلْكِ ... مقامٌ على ذُلِّ المهانةِ والفَتْكِ)
(وأعظَمُ مَا يلقَى الكريمُ من الأذَى ... على النفْسِ مَا يلقى من الضيْمِ والضنْكِ)
(برَغْم الْعلَا والمجْدِ والسَّيفِ والندَى ... حَصَلْتَ أَبَا عجلانَ فِي قبضةِ التُّركِ)
(وعزَّ على العلياءِ حجلكَ أدهم ... وطوقك لَا مِنْ خَالص التبر فِي السبكِ)
(وتلكَ لعَمْرُ اللهِ أدهَى مصيبةٍ ... أصمَّ بهَا الحاكي عَن الحادثِ المحْكِي)
(عدمتُ الليالى مَا أمَرَّ صورفَهَا ... وأخلَقَهَا باللوْمِ فِي الفعلِ والتَّركِ)
(أذُلٌّ وغُلِّ بعد عِزِّ ومنعةٍ ... وأَسْرُ النَّوَى بعد الأسرَّةِ والمُلْكِ)
(لحا الله دهراً لَا يدومُ سرورُهُ ... على حَالَة إِلَّا استحالَتْ على وشْكِ)
(بنفسي أَبَا عجلانَ والفئةَ الألَى ... بنوا مجدَهُمْ بالسمهريَّةِ والبركِ)
(ونالوا المعالِى بالعوالِى فأصبحَتْ ... بهمْ بيضَةُ العلياءِ مرفوعَةَ السَّمْكِ)
(ملوكٌ رعينا الجُودَ حَولَ حماهُمُ ... خصيباً وساهمناهُمُ المالَ الشرْكِ)
(رحَلْتُم فربعُ الأنسِ مَا زَالَ موحشاً ... خلياً وستْرُ العِزِّ أصبَحَ فِي هتْكِ)
(وغادرتُم فِي الكَرْبِ جيرانَ طيبةٍ ... كَذَا جيرةُ البَطْحَاءِ وَالْحرم المكِّي)
(وأسلمتُمُ كلَّ القلوبِ إِلَى الأسَى ... فَهَذَا الورَى مَا بينَ باكٍ ومستَبْكِي)
(وَلما استقلَّتْ للمسيرِ جمالُكُمْ ... وحادى النَّوى يَشْكى إِلَيْنَا بِمَا يشكِي)
(وسرتُمْ وَسَار الجُودُ يَمْشى أمامَكُمْ ... وظلَّتْ بَنو الآمال مِنْ خلفِكُمْ تبكْي)
(وإنَّ الجبالَ الشُّمَّ والمجدَ والعُلَا ... تَسيرُ بهَا بُزْلُ الجمالِ على وشْكِ)
(فَلَا اكتحلَتْ بالنومِ عَيْني بَعْدَكُمْ ... وَلَا ابتسمَتْ غُرُّ الثغور عَن الضحْكِ)
(وَلَا باتَ ذُو ملكٍ قريراً بملْكِهِ ... وَلَا مهجَة إِلَّا على لاعج مُنْكِي)
(فصبراً أَبَا عجلانَ للحادِثِ الَّذِي ... يَثُولُ إِلَى عُقبى السلامَةِ والفَكِّ)
(حرامٌ على العلياء تنكحُ خاطباً ... سواك وَإِن كانَتْ تَئُولُ إِلَى فركِ)
(أَرَادَ بك الحسادُ كيداً فصادفوا ... جنابكَ لَا يحْكى لكَيْدٍ وَلَا يحكِي)
(فجاءُوكَ من أبنا أبيكَ لعَجزهم ... فَلِلهِ أَرْحَام تقطعن عَن شَبكَ)
стр. 1937
(فهانوا عَلَيْهِم بعد ذَاك فأصبَحُوا ... يسومُونَهُم بالذلِّ والخسفِ والهَتْكِ)
(وأنتَ أَبَا عجلانَ ملْءُ عُيُونِهِمْ ... كمالاً وأَهْدَاهم إِلَى الرُّشْدِ والنُّسْكِ)
(فليْسَ لَهَا إلاك كُفْءٌ وصاحبٌ ... وَمَا زالَتِ العلياءُ مانعةَ الشركِ)
(وَلَا عَنْ رضَا مِنْهُم تركْتَ وَرُبمَا ... يكونُ ظهورُ الفضْلِ للشَّيْء بالتَّرْكِ)
(لعَمْركَ مَا ساموك خطَّةَ عاجزٍ ... توهَّمها الْجَانِي سَبِيلا إِلَى المسْكِ)
(سوَى أَن رأَوْا فيكَ الكمالَ لدِينهِمْ ... فأدوا بك الطاعاتِ فِي الحَجِّ والنُّسْكِ)
(وَمَا استَصْحَبُوا علياكَ إِلَّا ليأمنوا ... مِن الخَوْف فِى الأموالِ والخيلِ والبَرْكِ)
(وَلَو شئْتَ حكَّمْتَ المهنَّدَ والقنا ... عليهِمْ ولكنْ سِرْتَ فِي طَاعَة الملْكِ)
(لَئِن بَلَغَتْ منكَ اللَّيَالِي جَهَالَة ... فَمَا زالَتِ النكبا تهبُّ على الفُلْكِ)
(وإنْ نالتِ الأعداءُ منْكَ بزَعْمها ... فيا طالما كانَتْ بِمَا نِلْتَهُ تَحْكِي)
(ورُبَّ ابتسامٍ جاءَ من جانبِ البكا ... ورُبَّ بكاءٍ جَاءَ من جانِب الضحْكِ)
(أمَا فِي رَسُولِ اللهِ يُوسُف أسوةٌ ... لمثلِكَ مَحْبُوسًا على الظُّلْمِ والإفكِ)
(أَقَامَ جميلَ الصَّبْر فِي السجْنِ بُرْهةً ... فآلَ بِهِ الصَّبْرُ الجميلُ إِلَى المُلْكِ)
(فعما قريبٍ يورقُ العودُ بالمنى ... وتعبقُ أرجاءُ الْعلَا منكَ بالمسْكِ)
(وَتَأْتِي علىٌ رغم العدوِّ مملَّكًا ... وتظفرُ بالتقليدِ والتاجِ والزمْكِ)
(ويرجعُ بَاقِي الْعَيْش حلوٌ اكما مضَى ... وتأوي إِلَى سامِى سَرِيرِكَ والمُلْكِ)
ثمَّ إِن الغوري أطلق الشريف بَرَكَات من الغل ورتب لَهُ مَعَ جماعته النَّفَقَات وَصَارَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ الشريف بَرَكَات وَإِلَى أمرائه ففر إِلَى مَكَّة وَذَلِكَ أَوَاخِر سنة تسع وَتِسْعمِائَة فظفر فِي طَرِيقه بقاصد أعدائه مُتَوَجها إِلَى السُّلْطَان وَهُوَ السَّيِّد بطاح الْحُسَيْنِي فَقتله وفاز بِمَا مَعَه من المَال والهدية وَفِي مُدَّة غيِبته بِمصْر قتل الأتراك المقيمون بِمَكَّة أَخَاهُ جازان وَذَلِكَ أَنه لما كَانَ صبح يَوْم الْجُمُعَة التَّاسِع من شهر رَجَب سنة تسع وَتِسْعمِائَة قتل الشريف جازان بن مُحَمَّد فِي المطاف عِنْد بَاب الْكَعْبَة فِي الشوط الثَّالِث من طَوَافه قَتله جمَاعَة من الأتراك بمواطأة من أَخِيه حميضة بن مُحَمَّد وولوا أَخَاهُ حميضة فحج بِالنَّاسِ ذَلِك الْعَام ثمَّ إِن الشريف بَرَكَات واجه الْحَاج الْمصْرِيّ فِي طَرِيقه من مصر إِلَى مَكَّة هَارِبا من
стр. 1938
مصر كَمَا تقدم ورحل وَذَلِكَ بمواطأة الدويدار وَوصل إِلَى مَكَّة سَابِع ذِي الْحجَّة مَعَه جَيش عَظِيم من بني لَام وَأهل الشرق وَسَائِر المفسدين فَمنع النَّاس من الْوُقُوف يَوْم الْخَمِيس حَتَّى صَالحه أُمَرَاء الْحَاج على أَرْبَعَة آلَاف أشرفي يسلمونها ويخلى بَينهم وَبَين الْوُقُوف يَوْم الْجُمُعَة فَفعل ووقف النَّاس بِعَرَفَات ومزدلفة وَمنى وهرب حميضة وَدخل بَرَكَات مَكَّة ثمَّ توجه إِلَى زِيَارَة جده الْمُصْطَفى ثمَّ قصد جِهَة الشرق فَتزَوج بالشريفة غبية بَيت حميدان بن شامان الْحُسَيْنِي فَحملت مِنْهُ بالسيد الْجَلِيل ذى الْمجد الأثيل ذِي الْعِزّ والسعد أبي نمي مُحَمَّد فِي أَوَائِل سنة إِحْدَى عشرَة وَتِسْعمِائَة وولدته لَيْلَة تَاسِع ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ طالعه سَعْدا أكبر ارْتَفع بولادته كل شَرّ مُنْذُ ظهر وتوالت على وَالِده البشائر وصفت مِنْهُ عَن الأكدار السرائر وَكَانَ وَالِده يمسح على ناصيته وَيَقُول كنت فِي أكدار وكروب مُتَوَالِيَة حَتَّى ظَهرت لي هَذِه الناصية وَلم يزل أَبُو نمي راقياً معارج الْمجد مستخدماً للإقبال والعز والسعد ثمَّ إِن السُّلْطَان الغوري أرسل بتفويض إمرة الْحجاز إِلَى الشريف بَرَكَات فَقدم أَخَاهُ السَّيِّد قايتباي فِي ولَايَة مَكَّة وأشرك مَعَه وَلَده عَليّ بن بَرَكَات وَكَانَ كل مِنْهُمَا يختلع وينفرد عَنْهُمَا الشريف بَرَكَات بِالدُّعَاءِ فِي خطْبَة الْجُمُعَة وَكَانَ بَينه وَبَين أَخِيه قايتباي صداقة عَظِيمَة ودامت إِلَى أَن مَاتَ السَّيِّد قايتباي يَوْم الْأَحَد حادي عشري صفر الْخَيْر عَام ٩١٨ ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة بِأَرْض حسان من وَادي مر وَحمل على أَعْنَاق الرِّجَال وَمَعَهُ أَخُوهُ الشريف بَرَكَات وَصلى عَلَيْهِ بِالْمَسْجِدِ وطيف بِهِ أسبوعاً كعادة أسلافه وُلَاة مَكَّة وَدفن بالمعلاة ثمَّ إِن الشريف بَرَكَات أرسل وَلَده الشريف أَبَا نمي إِلَى الْقَاهِرَة وصحبته السَّيِّد عرار بن عجل وَفِي خدمته القَاضِي صَلَاح الدّين بن ظهيرة الشَّافِعِي وَالْقَاضِي نجم الدّين بن يَعْقُوب الْمَالِكِي وَذَلِكَ فِي سنة ٩١٨ ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة وَسن السَّيِّد أبي نمي إِذْ ذَاك ثَمَان سِنِين فأكرمهم السُّلْطَان الغوري وقابلهم بِكُل جميل وَحكى عَن مزِيد حذق الشريف أبي نمي أَن السُّلْطَان الغوري وَضعه فِي حجره وَقَالَ مَا سورتك فَأَجَابَهُ إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا فأعجب الغوري ذَلِك وتفاءل بِهِ وأشركه مَعَ وَالِده الشريف بَرَكَات فِي نصف ولَايَة مَكَّة وَهُوَ بذلك السن فَصَارَ
стр. 1939
يخْطب لَهُ مَعَ أَبِيه على مَنَابِر الْحَرَمَيْنِ الشريفين ثمَّ حجت خوند أم السُّلْطَان الغوري وَولده النَّاصِر مُحَمَّد وصحبتهما كَاتب السِّرّ مَحْمُود بن إنجا فِي سنة عشْرين وَتِسْعمِائَة فأكرمهم الشريف بَرَكَات وَقَامَ بهم أحسن قيام وطلبوا مِنْهُ السّفر مَعَهم لمجازاته وإكرامه فوافقهم على ذَلِك وَسَار مَعَهم إِلَى الْقَاهِرَة ودخلها مرّة ثَالِثَة فأنعم عَلَيْهِ الغوري بخلع سنية وإكرامات مرضية لم يسْبق إِلَى مثلهَا وَلم يُشَارِكهُ أحد فِي فَضلهَا وهنأه الشُّعَرَاء بذلك مِنْهُم العليف الْمَشْهُور بالقصيدة الْآتِي ذكرهَا بعد وبقصيدة أُخْرَى مِنْهَا قَوْله // (من الْخَفِيف) //
(أَنْتَ ربُّ القضيبِ والبُرْدِ والسيْفِ ... ورَبُّ الكُمَيْتِ والمزراقِ)
(لَو رأى المصطفَى أناسٌ عيَانًا ... حَلَفُوا أنكَ ابنُهُ بالطَّلاقِ)
(سِرْتَ نَحْو المليكِ مَعْ صاحِبِ السرْرِ ... على مَتْنِ سابحٍ سبَّاقِ)
(فَذَكرنَا مَسْرَى النبيِّ وجِبْرِيلَ ... إِلَى الحقِّ فَوق ظهرِ البُراقِ)
(فتلاقَى البحران جمعا على المَرْجِ ... فطوبَى لبَحْرك الدفاقِ)
(وبلغْتَ الذى بلغْتَ بتدبيرٍ ... من اللهِ فوقَ سبْعٍ طباقٍ)
(ثمَّ أَصبَحت فى حماك وَقد تَمْمَتْ ... بِمَا كَانَ من رضَا واتفاقِ)
وَمِنْهُم الفاضلة الأديبة ستيتة بنت القَاضِي كَمَال الدّين مَحْمُود بن شيرين القاهرية وَذكرت الإنعامات الَّتِي انْفَرد بهَا الشريف بَرَكَات فِي قصيدة دالية هِيَ قَوْلهَا // (من الطَّوِيل) //
(قِفُوا واسمعوا قولا صَحِيحا لَهُ سَنَدْ ... عَن الإشرفِ الغوريِّ مَا عَنهُ يعتمدْ)
(وَمَا نالَ مَوْلَانَا الشَّريف من العطا ... ثَمَانِيَة مَا نالَهَا قبله أحَدْ)
(فأوَّلها يدعَى لَهُ بمقامِهِ ... كَمَا يُدْعَ للسُّلْطَان هَذَا بِهِ انفردْ)
(وأسمعه القيناتِ فى وَسْطِ دارِهِ ... وذلكَ ثانِى مَا ذكرْتُ من العدَدْ)
(وثالثُهَا يوضعْ لَهُ بإزائِهِ ... لمرتبة علياءَ فى بِرِّهِ اجتهدْ)
(ورابعُها يطعمْهُ بِالْيَدِ مَا يشا ... كوالِدِ مولودٍ إِذا يُعْنَ بالولَدْ)
(وخامسها سارا فَلم ير نَعله ... تمهل حَتَّى حَامِل النَّعْل قد وَرَدْ)
(وسادسها جازَا جَمِيعًا بداره ... فأنزله بَين العساكِرِ وانْفَرَدْ)
стр. 1940
(وسابعُهَا فرشُ المصلَّى بيدِّه ... وصلَّوْا جَمِيعًا هَكَذَا غَايَة المَدَدْ)
(وثامنها مَا كَانَ يَوْم وداعِهِ ... وَأَكَبَّتْ أعده ووفَّاه مَا وَعَدْ)
(وَزَاد ثَلَاثًا رفْعَة لمقامِهِ ... بسنجقه والطبل والجند للبودْ)
(وَقد نَالَ هَذَا مِنْهُ بالبرِّ والتُّقَى ... وصِدْقِ مقالٍ وَالْوَفَاء لما وَعَدْ)
(وَذَلِكَ فضْلُ الله يؤتيه مَنْ يشا ... ويخسأ عَوَّاء كَذَاك ومَنْ حَسَدْ)
وَهَذِه ستيتة بنت شيرين أديبة عَجِيبَة فاضلة كَامِلَة من جملَة تلامذتها الشَّيْخ الْعَلامَة جَار الله بن فَهد الْقرشِي الظهيري وَكَانَ الشريف بَرَكَات بليغاً مصقعاً لَهُ النّظم الرَّائِق والنثر الْفَائِق فَمن نظمه قَوْله فِي الغوري فِي سفرته الثَّانِيَة إِلَى الْقَاهِرَة عَام تسع وَتِسْعمِائَة وَهُوَ قَوْله // (من الطَّوِيل) //
(هَلُمُّوا معى نَحْو الصلاحِ وسارعُوا ... إِلَى جامعِ للذكْرِ والحُسِن جامعُ)
(تأسَّسَ بنياه على الخَيْرِ والتقَى ... ألسْتَ ترَاهُ بالمحاسِنِ ساطِعُ)
(أيا قانصوه اسمَعْ بحقِّكَ قصَّتي ... فإنى لِشَرْحِ الحالِ نَحْوك رافِعُ)
(بليتُ بجور مِنْ زمانٍ أمضَّني ... ومالى وَلَا فى الناسِ غَيْرَكَ نافعُ)
(وحقِّكَ مَا أفنيتُ مالى ومُهْجَتي ... سوَى لرضا السلطانِ واللهُ سامعُ)
(فَإِن يكُ قد أرضاكَ مَا قَدْ لَقيته ... فإنى بِهِ راضٍ بَلَى ثمَّ قانعُ)
(ولى أسوةٌ فِي النَّاسِ بالسَّادة الألَى ... لَكَمْ بذلوا أرواحَهُمْ ثمَّ بَايَعُوا)
ونظم الغوري موشحاً وَسَأَلَ من الشريف بَرَكَات أَن يُعَارضهُ ومطلع موشح الغوري
(يَا غزالاً بلحظِهِ يُنْشِى ... نشأَةَ الأكْوَسِ)
فَقَالَ الشريف بَرَكَات
(أكتم السِّرَّ وَيْكَ لَا تُفْشِى ... بالرَّشَا الألعسِ)
(فَهُوَ يزرى الغصونَ إذْ يمشى ... فِي الرداءِ السندسِي)
(مَا على الصبِّ فى الهوَى عَار ... إنْ تمادَى الكَمَدْ)
(إِن لى فى الغرامِ أوطار ... واصطبارى نَفَدْ)
(واللَّواحى فى لومهم جاروا ... وَأَنا أُبدى الجَلَدْ)
(رَبِّ يَا ذَا الجلالِ وَالْعرش ... كُنْ بِهِ مؤنسِي)
стр. 1941
(وبوصل الحبيبِ فى الْفرش ... جُدْ وَلَا تَحْبِسِ)
(يَا غزالاً بوصله تدْرك ... كلَّ مَا يستطابْ)
(غايتى فِي الغرامِ مِنْ أَمرك ... أننى مستَرَابْ)
(جُدْ لمن فى هَوَاك لَا يُشْرك ... زينبًا والربابْ)
(لم أزلْ فِي وصاله أرشي ... كى يجى مَجْلِسِي)
(هَل لهَذَا القتيلِ مِنْ أرش ... يَا مُنَى الأنفسِ)
وَكَانَ ﵀ شهماً عِنْد الْوَفَاء وَحفظ العهود وإكرام الشُّعَرَاء والوفود مَعَ الْعِفَّة والصيانة وملازمة الْخَيْر والديانة وَإِظْهَار الْخيرَات ومواصلة المبرات أوقف بعض الْجِهَات على أَنْوَاع الصلات وَبنى رِبَاطًا سفل مَكَّة وَأَسْكَنَهُ الْفُقَرَاء فى حَيَاته وَأقر الله عينه بمشاركة وَلَده أبي نمي لَهُ فِي الْولَايَة كَمَا شَارك هُوَ وَالِده ثمَّ لما قدر الله تَعَالَى زَوَال دولة الغوري وأفضى ملك مصر والحرمين إِلَى مَوْلَانَا السُّلْطَان سليم خَان ملك الرّوم وَذَلِكَ فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَجهه أَبوهُ الشريف بَرَكَات مرّة ثَانِيَة إِلَى مُوَاجهَة السُّلْطَان الْأَعْظَم والخاقان الأكرم السُّلْطَان سليم خَان فوصل إِلَيْهِ إِلَى الْقَاهِرَة بعد حربه للغوري وَدخل مصر سنة ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة فقابله الخنكار بالعناية وَالرِّعَايَة وَأقر الشريف بَرَكَات على مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْولَايَة وَأبقى أَبَا نمي على مُشَاركَة وَالِده فَعَاد أَبُو نمي قرير الْعين وَاسْتمرّ الشريف بَرَكَات مشاركاً لَهُ وَلَده أَبُو نمي حَتَّى قضى نحبه لَيْلَة الْأَرْبَعَاء رَابِع عشري ذِي الْقعدَة الْحَرَام سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة بِمَكَّة الشَّرِيفَة على فرَاشه ثمَّ صلي عَلَيْهِ يَوْم الْأَرْبَعَاء بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وطيف بِهِ حول الْكَعْبَة أسبوعاً كعادة أسلافه وُلَاة مَكَّة الْكِرَام وَدفن بالمعلاة وبنيت عَلَيْهِ قبَّة عَظِيمَة وَهِي مَوْجُودَة إِلَى الْآن وَكَانَ مُدَّة ولَايَته مشاركاً لِأَبِيهِ مُحَمَّد وَولده أبي نمي وَإِخْوَته نَحْو ثَلَاث وخسمين سنة وَعمر إِحْدَى وَسبعين سنة وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد ثقبة وَأَبُو الْقَاسِم وحازم وواصل وَسَنَد وَعلي وَأَبُو نمي مُحَمَّد هَذَا الْمَذْكُور بعده وَقد تقدم فِي تَرْجَمَة وَالِده بَرَكَات أَنه ولد لَيْلَة تَاسِع ذِي الْحجَّة الْحَرَام سنة إِحْدَى
стр. 1942
عشرَة وَتِسْعمِائَة وَأَن أمه عبِّيَّة بنت حميدان بن شامان الحسينى وَكَانَ يكنى نجم الدّين شَارك أَبَاهُ بَرَكَات فِي ولَايَة مَكَّة كَمَا تقدم وعمره ثَمَان سِنِين ولاه الغوري وَهِي آخر ولَايَة صدرت من الشراكسة سنة ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة ثمَّ أبقاه السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان على مُشَاركَة وَالِده سنة ثَلَاث وَعشْرين لما قدم عَلَيْهِ بِالْقَاهِرَةِ بعد حربه للغوري واستيلائه على مصر وَهِي أول ولَايَة صدرت من العثامنة ثمَّ اسْتَقل بأعباء السلطنة بعد موت أَبِيه وَكَانَ استقلاله بهَا فِي سنّ عشْرين سنة فوصلت إِلَيْهِ المراسيم السُّلْطَانِيَّة السليمانية فخمدت بولايته الْفِتَن وابتهج بِملكه وَجه الزَّمن وَلم يزل ممتعاً بمكارم الشيم متقلباً فِي صنوف النعم وَقد رزق الذُّرِّيَّة الصَّالِحَة ودانت لَهُ رِقَاب الْأُمَم وَلما كَانَ موسم خمس وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وصل إِلَى مَكَّة الباشا سُلَيْمَان من جِهَاد الفرنج بالديار الْهِنْدِيَّة عَازِمًا إِلَى الديار الرومية فَأرْسل مَعَه الشريف أَبُو نمي وَلَده السَّيِّد أَحْمد بن أبي نمي لمواجهة السُّلْطَان سُلَيْمَان بن سليم خَان وَفِي خدمته السَّيِّد عرار بن عجل وَالْقَاضِي إِبْرَاهِيم بن ظهيرة وَالْقَاضِي تَاج الدّين الْمَالِكِي فوصلوا الْقَاهِرَة ثمَّ توجهوا مِنْهَا إِلَى الديار الرومية فِي الْبر فوصلوا بالسلامة والعز والكرامة وَاجْتمعَ السَّيِّد أَحْمد بالسلطان سُلَيْمَان وَجلسَ على يسَاره فقابله بالإكرام وعامله بالاحترام وأشركه مَعَ وَالِده أبي نمي فِي ولَايَة مَكَّة وَذَلِكَ سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَأقَام مُدَّة متوعكاً بالروم حَتَّى فَاتَهُ الْحَج فِي ذَلِك الْعَام وَمَات السَّيِّد عرار بالطاعون ثمَّ عَاد إِلَى الْقَاهِرَة عَام سبع وَأَرْبَعين قَالَ الشَّيْخ محيى الدّين عبد الْقَادِر مُحَمَّد الشهير بالجزيري فِي كِتَابه دُرَر الْفَوَائِد المنظمة فَعَاد الشريف أَحْمد إِلَى مَكَّة عَام سبع وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَهُوَ فِي غَايَة الرّفْعَة وَالْجَلالَة مُتَوَلِّيًا مَا كَانَ وَالِده يَتَوَلَّاهُ وأنعم عَلَيْهِ السُّلْطَان سُلَيْمَان بِعلم مكمل بطبلخانة سلطانية رُومِية على أكمل هَيْئَة فاخرة فمبقتضى ذَلِك صَار الشريف فِي مَنْعَة وَحمى مِمَّن يرد إِلَى الأقطار الحجازية من أُمَرَاء الْحَاج وَغَيرهم من أكَابِر الأورام وَمن أَرَادَ الِاجْتِمَاع بِهِ من أكابرهم يَأْتِي إِلَيْهِ إِلَى بَيته وَمحل عزه مُنْفَردا وَفِي جمَاعَة قَليلَة فيقصده للسلام عَلَيْهِ وَلَا يذهب
стр. 1943
الشريف لأحد مِنْهُم أصلا وَتوجه قَاصِدا مَكَّة فلاقاه وَالِده أَبُو نمي فِي وَادي مر وَجعل لَهُ سماطاً عَظِيما حَضَره الْأَعْيَان ثمَّ قُرِئت مراسيمه بِمَكَّة بالعشر الأول من ربيع الأول سنة سبع وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وألبس الخلعة السلطانة وَطَاف بهَا وَصَارَ يَدعِي لَهُ على المنابر وسعت إِلَى أبوابه الشُّعَرَاء والأكابر وَمِمَّنْ مدحه مهنئاً للشريف أَحْمد بِالْولَايَةِ الْعَلامَة وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن عبد الله باكثير بقصيدة راتية هِيَ هَذِه // (من الطَّوِيل) //
(وفَتْ صبَّهَا بعد الجفا غادَةٌ عَذْرا ... ومذ لامَهَا قالَتْ لعلَّ لَهَا عُذْرَا)
(وزارَتْ ولكنْ بعد طولِ تشوُّقٍ ... إِلَيْهَا وَلَا لَوْمَ عَلَيْهَا وَلَا إزْرَا)
(وجاءته والأشواقُ جاذبةٌ لَهَا ... وشاكَتْهُ مَا تَلقاهُ وهْوَ بِهِ أدرَى)
(وأطفَتْ ببردِ الوصلِ حرَّ بِعَادِهِ ... فباتَ وَلَا يشكو بعاداً وَلَا حَرَّا)
(وأصبَحَ فى أهلِ الغرام منعمًا ... بمَنْ لحظُهَا يبرى وَمِنْه الضنا يبرا)
(مهاةُ فلاةٍ غادةٌ عربيَّةٌ ... عقيلةُ حَيِّ كالضَّراغِم بل أضْرَى)
(عزيزة قوم مُسْتَحِيل وصالها ... وَلَو بذل العشاق أنفسهم مهْرا)
(محجَّبة مَا إنْ تُنَالُ لناظِرٍ ... جعلْنَ لَهَا بيض الظبا والقَنَا خِدْرَا)
(ممنعة لَحْظ الحسام رقيبها ... يكلّم من يحلو لَهُ لَفظهَا المُرَّا)
(رَدَاحٌ كساهَا الحُسْنُ حُلَّته كَمَا ... بمقلتها هاروتُ قد أَودَعَ السِّحْرا)
(مهفهفةٌ كاللَّدنِ أمَّا سوارها ... فمثرٍ وَأما بندُهَا يشتكي الفَقْرَا)
(لَهَا اللهُ خودٌ حِين تخطو تخالها ... من التِّيهِ والإعجاب ثاملة سَكْرَى)
(إِذا ارتجَّ مِنْهَا الردفُ واهتزَّ قَدُّهَا ... ولاح مُحياها وأسبَلَتِ الشَّعْرا)
(رأيتَ كثيباً فَوْقه غُصْن بانةٍ ... عَلَيْهِ هلالٌ والظلامُ لَهُ سِتْرَا)
(رَنَتْ جوذرًا ماسَتْ قَضِيبًا تأرَّجَتْ ... عبيراً سطَتْ ليثاً ولكنَّها أجرا)
(بَدَت قمرًا طرْقى وقلبي منازلٌ ... لَهَا أغرقَتْ هَذَا وَذَا أجَّجَتْ جمرا)
(لَهَا كَفَلٌ كالحقْفِ يقْعد قدها ... إِذا نهضَتْ قد أَتْعَبَ العِطْفَ والخَصْرا)
(طويلةُ مجْرى العقْدِ والجيد قد حلا ... بعقْدٍ حكى فِي النّظم مبسمها الدرَّا)
(إِذا ابتسمَتْ خلْتَ الشَّتيتَ ووشمها ... لآلٍ بهَا خَفَّتْ زُمُرّدَةً خضرًا)
стр. 1944
(عَلَيْهَا جَرَى ظَلْمٌ يعز مذاقُهُ ... فَلم ندر ظَلْمًا ذَلِك العذبُ أم خمرًا)
(أدارَتْ على العشَّاقِ خَمْرَ عيونها ... فأضْحَوْا نشاوَى هائمين بهَا سَكْرَى)
(فَلَا تعجبوا مِنْ كَسْرِ أجفانها إذَنْ ... فبالشرعِ كاسُ الخمرِ يَسْتَوْجبُ الكَسْرا)
(كتمْتُ هَواهَا غير أنَّ محاجري ... بِمَا صنته خَطّ ابْن مقلتها سَطْرَا)
(تمنُّ على المضنَى بإرسال طيفها ... إِلَيْهِ ومَنْ ذاق الصبابة لَا يكْرَى)
(رعا الله دهراً كنْتُ سلطانَ عشقِهِ ... وكانتْ غصونُ العمْرِ يافعةً خضرًا)
(وَلما مضَى عصْرُ الشبيبة وانقضَى ... ومَرَّ وَمَا أحلاه مِنْ زمَنٍ مَرَّا)
(ونَبَّهنى مِنْ نومِ جهلي وشيبتي ... صَباحُ مشيبٍ لاحَ فِي مَفْرِقِى فَجْرَا)
(دَعَاني هَواهَا للتصَابِى فَلم أُجِبْ ... وقُلْتُ لَهُ أرهقتني فِي الهوَى عُسْرا)
(أبعد مشيبي تبْتَغِى مني الصِّبَا ... لقد جئْتَ يَا داعى الهوَى خُطَّةً نَكْرًا)
(فَمَالِي وللتَّشبيب بالغِيدِ والظِّبا ... وبالوشمة الخَضْرا وبالوجنة الحَمْرَا)
(وقلبيَ قَدْ أطلقته من يَد الهوَى ... وَكَانَ لسلطانِ الغرامِ من الأسْرَى)
(وفكْرِىَ عَن صوْغِ المديحِ فطمتُهُ ... سَوى صَوْغِ مدحي فِي ابْن فَاطِمَة الزَّهرا)
(أَبى الظفر المنصورِ أحمَدَ مَنْ رَقَى ... سماءَ المعالى وامتطى الأنجُمَ الزهْرا)
(وَمن قد علا هامَ الممالكِ مذ نشا ... ودبَّرها مِنْ قبْلِ أَن يبلغ العَشْرَا)
(ومَنْ جَرَّ من فَوق النجومِ ذيولَهُ ... فقنعتِ الجوزا وعممت النَّسْرَا)
(علا ذروةَ فِي المَجْدِ أكسَبَ فخرُهَا ... بَنِى هاشمٍ عِزَّا كسا جدّهُمْ فخرا)
(ومِنْ دوحة السبطَيْنِ أنبع غُصْنه ... وَمن نفْحة الريحانَتَيْنِ ملي عطرا)
(بِهِ افتخرَتٍْ آلُ النبيِّ وعظمَتْ ... قريشٌ وسادَتْ قَومهَا مُضَرُ الحمرا)
(وَمن حَازَ فِي سنِّ الشبيبة رُتْبَة ... مِنَ العقلِ والتدبيرِ فاقَ بهَا عُمْرَا)
(يدبِّرُ أمْرَ الملكِ مِنْهُ بهمَّةٍ ... لَهُ علَتِ السُيُّوق واعتلَتِ الغفرا)
(ويعلو سريرَ الملكِ ليثاً موقراً ... مهيباً كَمَا يَعْلُو المُطَهّمةَ الشَّقْرا)
(ويحميه رأْيٌ مِنْهُ ضاهى رماحه ... إِذا مَا حَمَتْهُ أَو ضوازمه البَتْرَا)
(شهابٌ إِذا مَا رمْتَ رَأيا وإنْ تردْ ... أَخا غارةٍ يروي القنا خلته ذمرا)
(شُجَاع ربى بَيْنَ الأسنةِ والظبا ... ومنذُ نشا أرْضى الصَّوارم والسمرا)
(إِذا جال فِي الهيجَاءِ والخيلُ تدَّعي ... فإنَّ كماةَ الحربِ تجعلهُ سِتْرا)
стр. 1945
(هزبرٌ تخافُ الأسْدُ منْ سطواته ... ألستَ ترَاهَا خيفة تسكُنُ القفرا)
(جوادٌ لقد أخطا الَّذِي قاسَ جودَهُ ... بسحبٍ وَهَذَا كفُّهُ يمطرُ التبرا)
(عطاياه لَا تحصَى بعدِّ وَلَا فَمٍ ... وَلَا قلمٍ بل بَعْضهَا جَلَّ أَن يُدْرَى)
(مجمعة فِيهِ مآثرُ مَنْ غَدا ... معاصره والآتِيينَ ومَنْ مَرَّا)
(شريفُ السجايا من لؤَيِّ بن غالبٍ ... محاسنه تُتْلَى وإحسانه تَتْرَى)
(وَلَا عيبَ فِيهِ غَيْر إفراطِ سؤددٍ ... وبذل نوالٍ يسترقُّ بِهِ الحرا)
(أَبى الله إِلَّا أنْ تكونَ لَهُ الْعلَا ... على كُلِّ مَنْ فِي الأرضِ مِنْ خلقه طرا)
(من المسجِدِ الميمونِ أحمدُ قد سَرَى ... إِلَى المسجدِ الأقصَى فسبحانَ مَنْ أَسْرَى)
(ويمَّم ملكَ الرومِ ممتطياً على ... نَجَائِب عز فِي الغُدُوِّ وَفِي المَسْرَى)
(وَسَار لسلطانِ البسيطةِ مَنْ لَهُ ... جميعُ ملوكِ الأرضِ خاضعة قهرا)
(مليكٌ لَهُ ملكٌ كملكِ سَمِيِّهِ ... وأكبره عَنْ أَن أفوه بِهِ ذِكْرَا)
(تكفَّل للدنيا بأرزاقِ أهْلِهَا ... فكلُّ ابْن أثنى لَا يجوعُ وَلَا يَعْرَى)
(ومدَّ على أبنائها مِنْ أمانِهِ ... رواقاً فَلَا يخشونَ بؤساً وَلَا ضُرَّا)
(وألبسهم جلبابَ عدلٍ طرازه ... لكم ذمَّتى أنْ لَا مخاف وَلَا ذُعْرَا)
(ونوَّلَ كلاًّ مَا يريدُ فَمن يردْ ... غِنًى أَو حَيَاة ذَاك رزقا وَذَا عُمرَا)
(خليفةُ عدلٍ بالإمامةِ قائمٌ ... وَإِن جلَّ ذاتاً عَنْهُمَا وَعلا قَدْرًا)
(لَهُ البسطةُ العظمَى على الخلقِ كُلّ مَنْ ... تحيطُ بِهِ الخضرا وتحملُهُ الغبرا)
(لَهُ الملكُ والكرسىُّ والتاجُ والعلا ... لَهُ الوقْتُ والأملاكُ تعنو لَهُ قَسْرَا)
(تخرُّ إِلَى الأذقانِ فِي عَتَبَاتِهِ ... سُجُودًا عَلَيْهَا لَا ثمينَ لَهُ صغرا)
(وتلثمُ حَصْبًا بابِهِ بمباسمٍ ... لَهُم شَرُفَتْ عَن كَونهَا تلثم الدُّرَّا)
(وتعتدُّهُ فخراً ومقدمُ أحمدٍ ... عَلَيْهِ مَعَ التَّعظيمِ تعتدُّهُ فخْرا)
(بِهِ هزَّتِ اسطنبولُ مِعْطَفَ تائِهِ ... وأضحَى بِهِ إيوانها باسماً ثغرا)
(وشرّفَ مِنْهَا ملْكها ومليكها ... ودَوْلتها هزَّتْ وشدَّتْ بِهِ أزرا)
(وجرَّ بِهِ إقليمها ذَيْلَ معجبٍ ... وفَاق أقاليمَ البسيطةِ إذْ جَرَّا)
(ومَعْ عِظَمِ الخنكارِ لما بدا لَهُ ... محيَّاه كادَتْ أَن تخفَّ بِهِ السِّرَّا)
(وَلما رأى نورَ النُّبُوةِ ساطعًا ... يُضىءُ لَهُ من صبْحِ غرَّته الزهْرَا)
стр. 1946
(وَشَاهد مِنْهُ صُورَة نَبَويَّةٌ ... جمالُ سناها يَبْهَرُ العقلَ والفِكْرا)
(ملا عينه مِنْهُ وقاراً وَهيْبَةً ... وحَمَّلها منِ نُورِ طلعته وِقْرا)
(وشرَّفها مِنْهُ بمرأَى جلالهِ ... وهيبته مرأَى النبيِّ بالاستقرا)
(وَقرَّبَهُ مِنْهُ وأدنَى محلهُ ... وأجلسَهُ من تَخْتِ سلطانِهِ الصَّدْرا)
(وبالَغَ فِي تَعْظِيمه خَافِضًا لَهُ ... جناحَ اتضاعٍ مَا أشابَ بِهِ كِبْرا)
(وَأَدْنَاهُ مِنْهُ ثمَّ حَيَّاهُ مطرقًا ... ووافاه بالبشرَى وأهْدَى لَهُ البشْرا)
(وَفيَّأَهُ مِنْ جودِهِ ظلَّ رَوْضَة ... أمانيه مِنْ أكمامها أطلعتْ زهرا)
(وأثمَرَ فِيهَا غرس رجواه مُدْنِيًا ... إِلَيْهِ قطوفاً لَا تُكَلِّفُهُ هَصْرا)
(وأينع فِيهَا غُصْن آماله كَمَا ... مطامعه مِنْهَا مزاودها شكْرا)
(وأفق رجاه عَمه سُحْب فَضله ... وأجرَى لَهُ مِنْهَا بجريته نَهْرَا)
(وَألبسهُ تشريفةً عاقداً لَهُ ... ولايةَ مُلْك من زبيدَ إِلَى مِصْرا)
(وَأَعْطَاهُ مَا الآمالُ تنفدُ دونَهُ ... وكُلُّ الأمانِى دون غَايَته حَسْرَى)
(وأكرَمَ مثواه وأحْسَنَ نزله ... وأدْخَلَهُ من ملكِهِ جنَّة خضرًا)
(هُنَا طرفه فِيهَا وأَمْرَى جنانه ... فَلِلهِ مَا أهنا وَللَّهِ مَا أمْرَى)
(بِهِ قد تسلَّى عَن حبيبٍ ومنزلٍ ... فَأصْبح لم ينشدْ قِفَا نبك من ذِكْرى)
(ولكنهُ عَن ذكْرِ والدِهِ وعنْ ... رعاياه لم يغفُلْ وَلم يستطعْ صَبْرَا)
(فحرك مِنْهُ ساكنَ الشَّوقِ باعثٌ ... يحثُّ مطايا عزمه مِنْهُ بالإغْرَا)
(فَعَاد إِلَى أوطانِهِ عودَ مُرْهَفٍ ... إِلَى غمدِهِ من بعد أَن جَاوَزَ النَّحْرا)
(وَجَاء كَمَا يرضى المَمَالِك والعلا ... وبيض الظِّبا وَالْملك والنَّهْى والأَمْرَا)
(وأصبَحَ نجاب السُّرورِ مخلقاً ... وَقد أرَّج الأرجاء مِنْ عِطْره نَشْرَا)
(وطَبَّقَتِ الأرضُ التَّهَانى لعودِهِ ... إِلَى ملكٍ يشدو لَهَا هاتِف السرَّا)
(فقلَّصه مُذْ بلَّغته دياره ... حرَام على الأكوار تعلو لَهَا الظّهْرَا)
(علينا لَهَا لَثْمُ النحورِ وفرشنا ... خدوداً لممشاها لنوفي لَهَا النذرا)
(فيابا سُلَيْمَان النَّدَى وَالَّذِي اعْتَلَى ... عَلَى صهوةِ العلياءِ مذ شَرِبَ الدرا)
(لِيَهْنِكَ مَا قُلِّدتَّ فاستَخْدِم الظبا ... وسُمْرَ القنا والسعْدَ والعِزَّ والنصرا)
(فمثلكَ لم ننظرْ مليكاً مُعظَّمًا ... تُظَلّلُهُ الخضراءُ فِي حلَّةٍ صفرا)
стр. 1947
(فَلَا زلْتَ سلطانَ الحجازِ وفخرَهُ ... وتاجَ بني الزهرا وغُرَّتها والغرَّا)
(فهمْ سبَبُ التقوَى وهم أنجُمُ الهدَى ... وهُمْ شرَفُ الدُّنْيَا وهُمْ سادة الأُخْرَى)
(بهم تفرجُ الغما بهم يُكْشَفُ البلا ... بهم تُرْفَعُ اللأوا بهم نَدْفَعُ الضرا)
(بهم يأمنُ الناسُ المخاوفَ فِي غدٍ ... إِذا خيف أَن تُعْطى الصَّحائِفُ باليُسْرَى)
(وهم أهلُ بيتٍ أذهَبَ الله رجْسَهُمْ ... وَطهَّرهُم من أنْ يُنِيطَ بهم وِزْررا)
(وهم نعمةُ البارى على الخَلْق إِذْ غَدَوْا ... نجاةً لَهُم لكنَّ نعْمَته الكُبْرَى)
(على خلقه فِي الأرضِ نَجْمُ الْعلَا أَبُو ... نميَّ الَّذِي قد فاق فِي عَدْلِهِ كِسْرَى)
(مليكٌ لَهُ نورُ النبوةِ هالةٌ ... مُحَيَّاهُ مِنْهَا قد أضاءَ لنا بَدْرا)
(مليكٌ لَهُ نَهْرُ الرسالةِ موردٌ ... فأكْرمْ بمورودٍ وأكْرمْ بِهِ نَهرا)
(بِهِ شرَّفَ الله الزَّمانَ وَأَهله ... وحَلَّى بِهِ الدُّنْيَا وزانَ بِهِ الأخْرَى)
(وأنطَقَ أفْوَاهَ الثَّنَاءِ بحمدِهِ ... وأجرَى لَهُ من كلِّ ناطقهِ شُكْرا)
(وتوج هاماتِ المنابرِ باسمه ... وزان بِهِ الأقْلَامَ والطرْسَ والحِبْرَا)
(وأرسَلَ جبريلَ الأمينَ لجدِّهِ ... خديماً وَفِي أوصافِهِ أنزلَ الذكْرَا)
(فَمَاذَا عسَى فِيهِ يقالُ ومدحُهُ ... أَتَانَا بِهِ التَّنْزيلُ فى سُورة تُقْرَا)
(ومَنْ كَانَ جبرائيلُ حَامِلَ مَدْحِهِ ... ومادحه الْقُرْآن لَا يرتَضِى الشِّعْرَا)
(وَلَو نُظِّمَتْ زهر النجومِ قلائداً ... بجنْبِ علاهُ كانَ فِي حَقِّهِ هجْرَا)
(هُوَ ابنُ الألَى مدُّوا سرادقَ مَجْدِهِمْ ... وفخرهم فَوق السِّمَاكَيْنِ والنّسْرَا)
(ملوكٌ غطاريفٌ جحاجحُ نُخبةٌ ... ليوثٌ غيوثٌ سَادَةٌ قادةٌ غرَّا)
(صناديدُ صِيدٌ أوجبَ الله مدحَهُمْ ... وحسبهم إلَاّ مَوَدَّتَهُم أجْرَا)
(وهم أهلُ بيتٍ لَا صلاةَ لكُلِّ مَنْ ... يصلِّى وَلَا يجْرِي لَهُم ضمنهَا ذِكْرَا)
(وهم تَاج أَرْكَان الصَّلَاة وَذكرهمْ ... طراز على عطفي تحياته الْأُخْرَى)
(غَدا حُبُّهُمْ فرضا وطاعَتُهُمْ هُدَى ... وقُرْبهم مَنْجًى وبغضهم كُفْرَا)
(ومدحهم فخراً وَلَا سِيمَا أَبُو ... رُمَيْثَةَ مِنْهُم حُبُّهُ زَادَنِى فخرَا)
(هُوَ الملكُ المنصورُ أندى الورَى يدا ... وأغزرُهُمْ حظَّا وأوسعُهمْ صَدْرَا)
(وأرجحُهُمْ عقلا وأشرفهم أَبَا ... وأصوبُهُمْ رَأيا وأكثرُهُمْ بِرَّا)
(يفوقُ ملوكَ الأرضِ عزَّا وهمَّةً ... وبأسَا وجودا يفضحُ الليْثَ
стр. 1948
(يصيِّرُ حد السَّيْف كلَاّ بحلمه ... ويتركُ وردَ الماءِ مِنْ عزمِهِ جمرا)
(إِذا مَا دَهَى أمرٌ من الخَطْبِ فادحٌ ... تبيتُ بردِّ الأمْرِ مقلته سَهْرَا)
(وَلم يستَتِرْ إِلَّا بضوءِ حسامِهِ ... وَلم يستشِرْ إِلَّا الرُّدَينْيَّةَ السَّمْرَا)
(وَإِن رام أمرا فالقضاءُ مُسَاعِدٌ ... لَهُ واللَّيالى لَيْسَ تَعْصِى لَهُ أمرا)
(هُوَ البَطل المقْدَامُ فِي يومِ غارةٍ ... يقوم مقَاما يُرْعِدُ العسكَر المجرا)
(عواليه فِي نَظْمِ الكلى جَادَ صنعها ... كَمَا فِي الطّلَا أسيافُهُ جادَتِ النثرا)
(إِذا اربدَّ تفترُّ الأَسِنَّةُ والظبا ... وتَجْرِى بُكَا عينِ النضار إِذا افترَّا)
(يَدَاهُ لنفعِ الخلقِ مملوءةٌ ندًى ... فيمناه واليسرَى بهَا اليُمْن واليسرا)
(ورُبَّ يراعٍ تشخصُ البيضُ هَيْبَة ... لسطوتِهِ والسُّمْرُ تنظُرُه شَزْرَا)
(إِذا مَا جرَى فِي الطرْس قُلْ قَدَرٌ جَرَى ... فَإِن شَاءَه خيرا وَإِن شاءه شَرَّا)
(مليكٌ إِذا حاولت ضبطَ صفاتِهِ ... فلنْ تستطعْ ضَبطًا لذاك وَلَا حَصْرَا)
(فيا با نُمَىّ الْملك وَالْملك الَّذِي ... يجلُّ عَن الألقابِ والمدحِ والإطرا)
(لقد صدَحَتْ فِي الكونِ صادحةُ الهنا ... تُغَرِّدُ فِيهِ بالمسَرَّةِ والبشرَى)
(بمَقْدَمِ مَنْ أنتجته وادخَرْتَهُ ... وليّاً لعهدِ الملكِ أَعْظِمْ بِهِ ذُخْرا)
(بمقدمه ورق البشائِر قد شَدَتْ ... وكلُّ فؤادٍ من بشائرها استرا)
(وَقد عَمَّ أقطارَ الحجازِ قدومُهُ ... سُرُورًا كَمَا عَمَّ العراقَيْنِ مَعْ بُصْرَى)
(ووافَى وكلُّ شيقٌ لِلقَائه ... كَمَا اشتاقَ حيٌّ عامَ إجدابِهِ القطرا)
(وَقد آنسَ البيتَ الشريفَ وَأَهله ... ومكَّة والركْنَ المكرمَ والحِجْرا)
(وأضحَى محيّا مكةٍ متهللاً ... سُرُورًا بمرآه وناظرُهُ قَرَّا)
(وَكَانَ لَهُ عيداً وَلكنه غَدَا ... لباغِضِهِ نحْرًا وحاسده فِطْرا)
(وخلعته الصَّفْرَاء مِنْهَا لَقَدْ رَمَوْا ... سَوَادًا وذكْرَاها ملا سمعَهُمْ وقْرا)
(بِهِ قد تحلَّتْ والمراسيمُ شُرِّفَتْ ... وَشرف مُهْديها لَهُ والذى يَقْرَا)
(فَدُمْ وليدُمْ والملكُ طوعُ يديكما ... ومدحُكُمَا يستغرقُ الحمدَ والشُّكْرا)
(وهاكَ من الدُّرِّ النضيدِ قصيدةً ... تَغَارُ قوافِى الشعْرِ مِنْ رَسْمهَا بالرَّا)
(منقَّحةَ المعنَى مُصَحَّحَة الْبَنَّا ... مهذَّبة الأَلْفَاظِ طَيِّبَةَ المقرا)
(تضوَّعَ رَيَّاها عليكَ وَلم أكُنْ ... على مِثْلِ كافورٍ أضِيعُ لَهَا نشرا)
стр. 1949
(لعمرِيَ لَا أرضَى القريضَ بِضَاعةً ... ويَبْخَسنِى لَو أنني قُلْتُهُ دُرَّا)
(وَمَا الشعْرُ إِلَّا دونَ قَدْرِى وَبَعض مَا ... لذاتي مِنْ فضلٍ وَلم ينضبطْ حصرا)
(وُدونَكَهَا مِسْكُ الصَّلاةِ خِتَامُهَا ... على أحمدَ المحمودِ فِي الفتْحِ والإِسْرَا)
هَذَا مَا ذكره الكثيري فِي الْوَسِيلَة وَغَيره وَقد ذكر السَّيِّد مُحَمَّد السَّمرقَنْدِي ذَلِك مفصلا مَعَ زيادات وَبَعض مخالفات أَحْبَبْت ذكر جَمِيعه تتميماً للفائدة قَالَ تشرف مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات بن مُحَمَّد بن أبي نمي بن بَرَكَات بن حسن بن عجلَان بحماية الْحَرَمَيْنِ الشريفين بعد وَفَاة وَالِده الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات سنة ثَلَاث وَتِسْعمِائَة وَكَانَ سُلْطَان مصر يَوْمئِذٍ مُحَمَّد ابْن السُّلْطَان قايتباي ثمَّ فِي جُمَادَى من الْعَام الْمَذْكُور تولى الشريف يحيى بن سبيع إمرة الينبع وَوَقعت بِمَكَّة فتْنَة عَظِيمَة بَين الشريف بَرَكَات وأخيه هزاع وارتحل هزاع مَعَ أَخِيه أَحْمد الجازاني فِي خَمْسمِائَة فَارس من ذويهما ونزلوا بالينبع وكاتبوا السُّلْطَان فِي إمرة مَكَّة بِمِائَة ألف دِينَار جَدِيد وافترقت الدولة مَعَ الْأَخَوَيْنِ فرْقَتَيْن لَكِن سعد بَرَكَات غَالب ثمَّ إِن السُّلْطَان برز أمره العالي بِتَعْيِين الْمقر الْكَرِيم البدري مُحَمَّد بن مزهر لإخماد الْفِتْنَة الْمَذْكُورَة وَفِي عَام سِتّ وَتِسْعمِائَة تسلطن الْملك قانصوه الغوري بتخت مصر فَجهز للشريف هزاع بن مُحَمَّد خلعة سنية بإمرة مَكَّة المشرفة صُحْبَة أَمِير الْحَاج فلاقاه من يَنْبع وَلبس التشاريف السُّلْطَانِيَّة وَسبق إِلَى مَكَّة لتمهيد الْبِلَاد وتطمين الْعباد فلاقاه الشريف بَرَكَات خَارج مَكَّة فاقتتلا قتالاً شَدِيدا فانكسر هزاع وَلحق بأمراء الْحَاج فأعانوه وَأَقْبلُوا بجموعهم من العساكر وَالْحجاج على الشريف بَرَكَات فولى عَن محاربتهم إِلَى جدة وَمَا يَليهَا وَنهب بعض عساكره كل مَا مروا بِهِ وَدخل الْحجَّاج مَكَّة وَمَعَهُمْ الشريف هزاع وهم على غَايَة الْخَوْف والوجل من الشريف بَرَكَات وَترك أَكثر النَّاس الْحَج خوفًا على أنفسهم وَأَوْلَادهمْ وأهاليهم ثمَّ إِن الشريف بَرَكَات جمع عساكره وتوابعهم وَنزل ببدر راجياً من الله مَا حصل لجده ﵊ من النَّصْر فَعَاد الْحَاج الْمصْرِيّ والشامي بعد قَضَاء الْمَنَاسِك والشريف هزاع مَعَهم حماية لَهُم فَلَمَّا قرب من بدر ولى هَارِبا إِلَى يحيى
стр. 1950
ابْن سبيع بالينبع فَعَاد الشريف بَرَكَات إِلَى مَكَّة وَأقَام بهَا وَاسْتمرّ هزاع بالينبع وَالْحَرب بَينهمَا سِجَال وَفِي عَام سبع وَتِسْعمِائَة مَاتَ الشريف هزاع فَدفن بِمَكَّة وَبعد مَوته عقد مجْلِس فِي الْحطيم صَدره القَاضِي أَبُو السُّعُود بن إِبْرَاهِيم بن ظهيرة وَفِيه الْقُضَاة والحكام والأمراء من الْعَرَب والأورام وَفِيهِمْ الشريف جازان وَمَالك بن رومي شيخ طَائِفَة زبيد وأعيان الشرفاء الْكِرَام وتفاوضوا فِيمَن يَلِيق لإمرة مَكَّة المشرفة وَطَالَ بَينهم الْكَلَام فَقَالَ مَالك بن رومي مَا أَمِير مَكَّة وسلطانها إِلَّا جازان وَمَا كَانَ هزاع إِلَّا بِهِ وبركات مَا لَهُ إِلَّا السَّيْف فَسكت الْحَاضِرُونَ جَمِيعهم طَويلا فَقَالَ القَاضِي أَبُو السُّعُود فَمن يَليهَا الْآن وَتَكون فِي وَجهه فَقَالَ مَالك الشريف جازان وَبَنُو إِبْرَاهِيم مَعَه فِي ذَلِك فَنُوديَ لجازان فِي شوارع مَكَّة بالبلاد ثمَّ كَانَ بَين الشريف بَرَكَات والشريف جازان حروب مُتعَدِّدَة ومواقف متكررة لحق ضررها الْحَاج وَاخْتلفت كلمة العربان وَخَرجُوا على الْحجَّاج ونهبوا أَمْوَالهم وَقتلُوا رِجَالهمْ فِي جَمِيع الطرقات وَسَائِر الْمنَازل وَفِي هَذَا الْعَام وَهُوَ عَام سبع وَتِسْعمِائَة رفعت الشكوى إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة بِأَن جازان استولى على مَكَّة وَمَعَهُ الشريف يحيى بن سبيع وَجمع من بني إِبْرَاهِيم وَأَنَّهُمْ صادروا من كَانَ بهَا من التُّجَّار والرؤساء وَأخذُوا من الْمولى شمس الدّين الْعَيْنِيّ خَمْسَة وَعشْرين ألف دِينَار وَأَن بني إِبْرَاهِيم تحكموا فِي أهل مَكَّة بالبلص وَالْفساد وَأَن يحيى ابْن سبيع هَذَا رَأس الْفِتْنَة وضجت المجاورون وعزم الْجَمِيع على الْهَرَب من مَكَّة فِي أَرْبَعِينَ مركبا أعدوها ببندر جدة فَمَنعهُمْ الشريف جازان وَوَعدهمْ بِرَفْع المكاره عَنْهُم وطمن خواطرهم وَالْتزم لَهُم أَن يُجهز مَعَ كل مُسَافر من الْحجَّاج من يوصله إِلَى مأمنه فَلم يقبلُوا مِنْهُ ذَلِك لِأَن ميلهم إِلَى الشريف بَرَكَات أَكثر وَقُلُوبهمْ محبَّة لَهُ وَذَلِكَ لعدم طمعه فِي أَمْوَالهم وكف الْأَذَى عَنْهُم بِكُل طَرِيق بِحَيْثُ يدْفع من مَاله لأهل الشَّوْكَة من العربان سكان الْبَوَادِي لأجل حماية الْحجَّاج وعطفوا على الشكوى عدَّة مكاتيب لمولانا الشريف بَرَكَات أَن يُقيم بِمَكَّة أَمِيرا لَهَا وَجَمِيع من بهَا من الْعَسْكَر والرعايا عون لَهُ على جازان عناية من الله تَعَالَى بِهِ فوصل إِلَيْهَا فَلَمَّا بلغ ذَلِك الشريف جازان أقبل مُحَاربًا للشريف بَرَكَات فاقتتلا قتالاً شَدِيدا فِي
стр. 1951
مَوَاقِف عديدة وَصدق مَعَ الشريف بَرَكَات من ذكر فِيمَا وعدوه بِهِ من الْإِعَانَة فَكَانَت الكسرة على جازان فهرب إِلَى الْيمن ثمَّ وصلت الْحجَّاج وَلم يكن بِمَكَّة أحد من جمَاعَة جازان غير ولد يحيى بن سبيع فَلبس الخلعة نِيَابَة عَن جازان بولايته السَّابِقَة وَكَانَ مَوْلَانَا الشريف بِمَكَّة على غَايَة من الْقُوَّة والشوكة فَلم يحدث بِمَكَّة حَادِثا إجلالاً لشعائر الدّين وحقناً لدماء الْمُسلمين فَلَمَّا شَاهد ذَلِك أُمَرَاء الْحَاج ورؤساء الوفاد ألزموا الشريف بَرَكَات بالتوجه إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة لتحصل لَهُ كرامات بالإمرة وَغَيرهَا من مراداته السّنيَّة مُكَافَأَة لصنيعه الْمَذْكُور وسعيه المشكور فتوجة وَتوجه مَعَه إخْوَته قايتباي وَأَبُو الْخَيْر وعنقا فقابلهم السُّلْطَان مُقَابلَة عَظِيمَة وألبسهم خلعاً تلِيق بأحسابهم النَّبَوِيَّة الْكَرِيمَة وَاسْتمرّ على غَايَة الاحترام والاحتشام مَعَ الْكِفَايَة التَّامَّة من اللبَاس وَالشرَاب وَالطَّعَام فوردت بمحضرهم إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة كتب من نائبهم بِمَكَّة المحمية بِأَن الشريف جازان لم تسكن مَعَ ولَايَته الْفِتَن وَحصل لأهل مَكَّة من جماعته أَنْوَاع الظُّلم والجور والمحن وَبِأَن الْأَمِير بكباش مَكَّة المشرفة صَار يُؤمن الشريف جازان وَيظْهر لَهُ الشَّفَقَة والمحبة فَصَارَ يتَرَدَّد بِالْحرم الشريف وَيكثر الطّواف فاتفق أَن هجم عَلَيْهِ طَائِفَة من الأتراك المماليك وقتلوه بالمطاف ضربا بالخناجر والسكاكين ثمَّ احتزوا رَأسه وَأَن الباش الْمَذْكُور ألبس أَخَاهُ الشريف حميضة خلعة بإمرة مَكَّة لغيبة الشريف بَرَكَات عَنْهَا وَأَن النَّاس يتمنون الشريف بَرَكَات راضين عَنهُ فَلَمَّا وصل الْخَبَر إِلَى مصر بذلك توجه الشريف بَرَكَات مَعَ أَخَوَيْهِ الْمَذْكُورين من مصر إِلَى الْحجاز من غير إِذن من السُّلْطَان ثمَّ أرسل مطالعة إِلَى السُّلْطَان يذكر فِيهَا أَنه عبد لمولانا السُّلْطَان وَإِنَّمَا توجه خوفًا من الطَّاعُون فَمنع السُّلْطَان جَمِيع من كَانَ مَعَ بَرَكَات من عِيَال وَأَتْبَاع من التَّوَجُّه إِلَيْهِ ورسم عَلَيْهِم بِمصْر المحروسة فَلَمَّا كَانَ موسم عَام تسع وَتِسْعمِائَة برز أَمِير الْحَاج الْمصْرِيّ فِي شَوْكَة عَظِيمَة وعساكر جرارة وَزِيَادَة فِي السِّلَاح والمدافع خوفًا من الشريف بَرَكَات فَلَمَّا بلغ
стр. 1952
الشريف بَرَكَات الْخَبَر أرسل رَسُولا إِلَى أَمِير الْحَاج وصل إِلَيْهِ فِي عُيُون الْقصب مَعَه مكاتيب مضمونها أَن الْحَج يتَوَجَّه مَعَ سَلامَة الله تَعَالَى لَا خوف عَلَيْهِ وَأَنه فِي خدمَة السُّلْطَان بحراسة الْحَاج وتطمين سَائِر الْحجَّاج بِمَكَّة وعرفة حَتَّى يؤدوا الْمَنَاسِك جَمِيعهَا ويعلنوا بِالدُّعَاءِ لمولانا السُّلْطَان ثمَّ يعودون إِلَى أوطانهم وَأَنه باذل نَفسه وَأَوْلَاده وَإِخْوَته ورجالهم ومالهم فَلَمَّا بلغ الْخَبَر إِلَى السُّلْطَان رَضِي عَن الشريف بَرَكَات رضَا تَاما وجهز إِلَيْهِ عِيَاله وَأَتْبَاعه وَبَلغت الْأَخْبَار أهل مَكَّة فتهيئوا لِلْحَجِّ بعد عزمهم على تَركه وَكَانَت سنة هنيَّة وَأهل مَكَّة فَرِحُونَ بِمَا آتَاهُم الله من فضلَة بِوُجُود الشريف بَرَكَات بَين أظهرهم على عَادَته الجميلة ثمَّ إِن الشريف حميضة قَابل الْحَاج الْمصْرِيّ مَعَ يحيى بن سبيع بالينبع وَلبس الخلعة بتولية الباش الْمَذْكُور فَبلغ ذَلِك الشريف بَرَكَات فَمَنعه من دُخُول مَكَّة وَكَانَ مَعَه طَائِفَة من بني إِبْرَاهِيم وحلفائهم فأشاروا عَلَيْهِ بِالْخرُوجِ على الْحَاج وقتالهم وَقتل جمَاعَة الشريف بَرَكَات وَأخذ أَمْوَالهم فَفَعَلُوا ذَلِك وحصلت شدَّة عَظِيمَة من النهب وَالْقَتْل ثمَّ أجمع رَأْيهمْ على دُخُول مَكَّة ووقوفه مُنْفَردا بِعَرَفَة وَألا يَقع بَينهمَا حَرْب حَتَّى يَنْقَضِي زمن الْمَوْسِم وَيدْفَع حيمضة إِلَى الشريف بَرَكَات خَمْسَة آلَاف دِينَار ذَهَبا فَلَمَّا وصل بَنو إِبْرَاهِيم إِلَى مَكَّة تحركت نُفُوسهم الخبيثة وضغائنهم السَّابِقَة فنهبوا بعض دور مَكَّة وعاثوا حَتَّى فِي الْحرم الشريف فبادر الباش وَمن مَعَه لقتالهم وَقتل أَرْبَعَة من أعيانهم وَذهب الشريف حميضة مَعَ يحيى بن سبيع إِلَى الينبع وجمعوا جموعاً على نِيَّة أَخذ الْحَج وَقطع الطَّرِيق فَلَمَّا وصل خبر ذَلِك إِلَى السُّلْطَان رسم بِالْقَبْضِ على جَمِيع من بِمصْر من بني إِبْرَاهِيم والصيادلة المتسببين بالشوارع كالصيارف والعطارين وَنَحْوهم والإحاطة بِسَائِر أَمْوَالهم وَقَبضهَا وَأخذ مَا بِأَيْدِيهِم من السِّلَاح خُصُوصا من أَرَادَ اللحوق بِيَحْيَى بن سبيع وَمن مَعَه ثمَّ عين تجهيزة عَظِيمَة من الْأَبْطَال والشجعان وأعيان الفرسان ومقدمهم الْأَمِير خاير بك الأِشقر وَأمرهمْ بِالْقَبْضِ على جَمِيع من خرج من الطَّاعَة وَحمل من يَلِيق حمله وَقتل من يسْتَحق الْقَتْل
стр. 1953
فَلَمَّا وصل الْخَبَر إِلَى يحيى بن سبيع جهز قَاصِدا مَعَه عشرُون ألف دِينَار بِشَرْط إبِْطَال التجهيزة الْمَذْكُورَة وَأَن كل من بالحجاز طائع فَلَمَّا وصلت زَادَت فِي غضب السُّلْطَان فَجهز زِيَادَة على الْأَوَّلين أُمَرَاء متعددين وَصرح لَهُم أَن يفتكوا بِيَحْيَى بن سبيع وبينى إِبْرَاهِيم وبجميع من يناصرهم وَيكثر سوادهم وَأَن يمهدوا جَمِيع الأقطار الحجازية فَالْتَقوا مَعَ يحيى بن سبيع وَمَالك بن رومي والشريف حميضة وَجَمِيع بني إِبْرَاهِيم وتوابعهم غرَّة شَوَّال بالدهناء بِالْقربِ من يَنْبع وَسبق الْخَبَر إِلَى مَكَّة إِلَى مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات وَأَن جمَاعَة من بني إِبْرَاهِيم تواعدوا على تبييت العساكر السُّلْطَانِيَّة وَأَن يأتوهم لَيْلًا مُتَفَرّقين إيهاماً للكثرة وَلِأَنَّهُم لَا يعْرفُونَ الْبِلَاد والغريب أعمى فَركب الشريف بَرَكَات من فوره فَوَافَقَ وُصُوله نزُول الْعَسْكَر وَلَيْسَ عِنْد بني إِبْرَاهِيم من وُصُوله خبر فَاجْتمع من بني إِبْرَاهِيم سَبْعُونَ فَارِسًا وقصدوا مَا قصدُوا فَركب الشريف بَرَكَات سَرِيعا وفاجأهم بالدهناء وَقَاتلهمْ من الظّهْر إِلَى اللَّيْل ففر أهل الْخَيل وَوَقع الْقَتْل فِي الرجالة واقتلع مِنْهُم خيولاً وَظهر عَلَيْهِم ظهوراً هاشمياً والعساكر السُّلْطَانِيَّة ينظرُونَ إِلَى موقف مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات وشجاعته وَقُوَّة بأسه حَتَّى تحيرت عُقُولهمْ ثمَّ عزموا لقَضَاء حجهم وَأَدَاء مناسكهم وَفِي سنة إِحْدَى عشرَة وَتِسْعمِائَة كَانَ مولد مَوْلَانَا الشريف أبي نمي بن بَرَكَات كَمَا سَيَأْتِي ذكره وَفِي سنة إِحْدَى عشرَة وَتِسْعمِائَة حج الشَّيْخ أَجود بن زايد فِي جمع عَظِيم يُقَال إِنَّهُم يزِيدُونَ على ثَلَاثِينَ ألفا وَفِي سنة ثَلَاث عشرَة وَتِسْعمِائَة وصل مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات إِلَى جبل الروحاء بِالْقربِ من الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَقتل مَالك بن رومي الزبيدِيّ الَّذِي كَانَ سَببا فِي نهب مَكَّة المشرفة وَقتل أَوْلَاده الثَّلَاثَة معوض وقادم وداغر وأخاه مشهون بن رومي وَطَائِفَة كَثِيرَة مِنْهُم وَمن أتباعهم من ذَوي روايا وذوى جمَاعَة وَفَرح النَّاس بِقَتْلِهِم وطيف برءوسهم فِي الْبِلَاد وَأرْسل بهَا إِلَى مصر فَنصبت على أَبْوَاب سورها وَكَانَت حجَّة هنيئة وَطَابَتْ الخواطر واطمأنت الْقُلُوب وَفِي سنة خمس عشرَة وَتِسْعمِائَة توجه السَّيِّد عرار بن عجل بهدية من مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات تشْتَمل على أقمشة نفيسة ورقيق جميل وخدام حسان وَعشْرين ألف
стр. 1954
دِينَار ذَهَبا وَعشْرين فرسا مسمية وَمَا يتبع ذَلِك ويناسبه وَثَلَاثَة آلَاف دِينَار للدوادار فقابله السُّلْطَان مُقَابلَة عَظِيمَة وَألبسهُ خلعة لقدومه وخلعة عِنْد تَقْدِيم الْهَدِيَّة وخلعة عِنْد الْوَدَاع وَأرْسل مَعَه هَدِيَّة عَظِيمَة للشريف وخلعاً سنية ثمَّ حلف لَهُ أيماناً مُؤَكدَة أَنِّي رَاض عَن الشريف بَرَكَات رضَا تَاما خُصُوصا لما وصلت إِلَيْنَا رُءُوس زبيد وَمن مَعَهم لِأَن فِي نَفسِي مِنْهُم حرا شَدِيدا بِمُوجب خُرُوجهمْ على الْحجَّاج وقتلهم ونهبهم الْمرة بعد الْمرة وقطعهم الطَّرِيق فِي أَيَّام سلطاني وَكسر ناموسي وَلَو لم يشف خاطري الشريف بَرَكَات من طَائِفَة زبيد بخصوصهم لَخَرَجت إِلَيْهِم بنفسي وَكتب لمولانا الشريف كتبا عَظِيمَة فِيهَا تَعْظِيم تَامّ وخاطبه بِلَفْظ مَوْلَانَا وشريفنا وفوض إِلَيْهِ أَمر الأقطار الحجازية حَتَّى يَنْبع فَلَمَّا وصل السَّيِّد عرار بِمَا مَعَه من الْهَدِيَّة وَالْخلْع وَالشُّكْر التَّام حصل لمولانا الشريف بَرَكَات السرُور التَّام ومدحته الشُّعَرَاء وَمن أعظمهم مَوْلَانَا شهَاب الدّين أَحْمد بن الْحُسَيْن بن العليف الْمُسَمّى شَاعِر الْبَطْحَاء بقصيدة ذكر فِيهَا ظفره بزبيد وَقَتله شيخهم مَالك بن رومي وَقد أَجَاد فَقَالَ // (من الطَّوِيل) //
(ذرى العزِّ مَا قامَتْ عَلَيْهِ الممالكُ ... وَمَا شَيَّدتْهُ المرهفاتُ البَوَاتكُ)
(وَمَا أَعتقَتْ فِيهِ الفوارسُ فِي الوغَى ... وَمَا صافَحَتْ فِيهِ الصِّفَاحُ النَّيازكُ)
(وقتلُ العدا صبرا كَمَا شاءتِ الظبا ... ونيل المنَى والفائتُ المتداركُ)
(وَمَا المجدُ إِلَّا مَا وترت بِهِ العدَى ... فدارَتْ بهم رِيح الْحمام الحَواشكُ)
(وعزم يبيد الخَيْلَ والعيس بالسّرَى ... تكلُّ بِهِ أخفافها والسَّنابِكُ)
(لعمرُكَ مَا تغني الشَّجَاَعةُ فِي الفتَى ... إِذا الرَّأْيُ فِي تَدْبِيرها لَا يُشَاركُ)
(وَلَا يرفعُ الجودُ الجوادَ لفعلِهِ ... إِذا لم يكُنْ والطبعُ للنفسِ مالكُ)
(وَمَا لم يكنْ قطعُ الكريمِ كوصلِهِ ... وَألا فَمَا تغنِى السيوفُ البواتكُ)
(فدى لأبي عجلانَ مَنْ رام سعيَهُ ... ومِنْ دون مَا رام الحتوفُ النواهكُ)
(فتَى تردُ الآمالُ منهلَ جودِهِ ... فتصدرُ عَنهُ وهْوَ جذلانُ ضاحكُ)
(إِذا سارَ سارَ الجودُ يحْدُو ركابَهُ ... وَإِن بركَتْ عَنْ سَيرهَا فَهْوَ باركُ)
(يذودُ عَن المجدِ الأثيلِ بطاعنٍ ... لَهُ عزماتٌ فِي القلوبِ سوالكُ)
(حَمَى حوزةَ العَلياءِ مِنْهُ مهندٌ ... إِذا مَا انتضَى ماضي الغرارينِ باتكُ)
стр. 1955
(وَفِي التاجِ غيثٌ بالحيا متهلِّلٌ ... وَفِي الدرعِ ليثٌ والتريكة زامكُ)
(أباد العدَا فاستَدْرَكَ السَّيْف فَوته ... وَمن قبلهَا فِي الغِمْدِ لَا يتماسكُ)
(وذاقَتْ بِهِ سوء النكالِ بِمَا جَنَتْ ... فأضحَتْ ومثواها الكدَى والدكادكُ)
(شفا بالقنا حرَّ النفوسِ من العدا ... وزالَتْ بِهِ تِلْكَ الهمومُ السوادكُ)
(عزيزٌ عَلَيْهِ أَن ينامَ وَلم تَقُمْ ... بأرضِ العدا بالصافناتِ المعاركُ)
(فتَى الحربِ لَا تثنيه خودٌ عَن الوغَى ... رَدَاحٌ وَلَا تصبيه دُعْجٌ ركاركُ)
(أبَى غيرَ ظلِّ الرمحِ أَن يدْرك المنَى ... فَلَمَّا انقضَى حنَّتْ إِلَيْهِ الأرائكُ)
(وَأقسم لَا يثني عَن الحرْبِ عزمَهُ ... إِلَى أَن ترى فِيهِ الدِّمَاء سوافكُ)
(أباحَ حمَى الأعداءِ مِنْهُ بغارةٍ ... كأنَّ الضحَى فِيهَا من النقعِ حالكُ)
(يؤلّبُ مِنْ أبنا أَبِيه عِصَابَة ... كِرَام سَرَاة كالجبالِ سوامكُ)
(أَقَامُوا صُدورَ الناعجاتِ وجَنْبها ... إِلَيْهَا المَذاَكِى فِي السلاحِ شوائكُ)
(كأَنَّ مواطي الصافناتِ أهلَّةٌ ... ووَطْءَ مطاياهم بُدُورٌ فوالكُ)
(نماهم إِلَى العلياءِ والمجدِ والندَى ... أبوَّةُ صدقٍ أخلَصَتْها السبائكُ)
(مناعيرُ فِي الهيجا مساعيرُ فِي الوغَى ... إِذا نكصَتْ عَنْهَا اللئامُ الضرائكُ)
(يذبُّونَ عَن أحسابِهِمْ بسيوفهم ... إِذا ضربَتْ صفحاً لَدَيْهَا الوكاوكُ)
(ثَوَوْا فِي ظهورِ اليعملاتِ كَأَنَّمَا ... مجالسُهُمْ كيرانها والمياركُ)
(سَرَوْا لاقتناصِ المكرماتِ يذودُهُمْ ... عَن النومِ هَمٌّ بالجوانِحِ سادكُ)
(يهزونَ أشطانَ القنا فِي أكفِّهم ... كأنَّ أعاليها بروقٌ نوابكُ)
(إِذا سَار فيهم خِلْتَ بَدْرًا وأنجماً ... ثوابت فِي أفلاكها لَا دوالكُ)
(ويَقْدُمُهُمْ ماضِى العزيمةِ مقدمٌ ... على الهولِ مَيْمُون اللثام مباركُ)
(يشيح بِهِ ظامِى الفصوصِ مطهَّمٌ ... وأورق مَفْتُول الذراعَيْنِ تامكُ)
(أَبُو حَسَن السَّامِي بنَفْسٍ ووالدٍ ... وَفِي منهجِ العلياءِ والعزِّ سالكُ)
(كريمُ المساعِى صادقُ الْوَعْد مَنْ غَدا ... وليسَ لَهُ فِي المكرماتِ مشاركُ)
(وأنتَ أَبَا عجلانَ رائشُ نبلهم ... إِذا دهمَتْ تِلْكَ الخطوبُ النواهكُ)
(وكَمْ لَك أعضادٌ شدادٌ على العدا ... وأنْتَ لعلياهم سنامٌ وحاركُ)
(إِذا وعد اللهُ الفتَى مِنْهُ نصْرَة ... وعزَّا وسعداً أيدته الملائكُ)
стр. 1956
(أرادتْ زبيدٌ فِي جنابكَ دولة ... فضلَّتْ بهَا أوهامها والشكائكُ)
(غَوَتْ عَن طَرِيق الرشد مِنْهَا سفاهةً ... وجهلاً وغرتها ظنونٌ بواشكُ)
(مَتى كانتِ الأوغادُ ترقَى إِلَى الْعلَا ... وتسمو إِلَى عالي الأمورِ الزكازكُ)
(وتخطبُ أوشاب الشوايا مراتباً ... وتنهضٌ للحرْبِ الزبون الحواتكُ)
(طرقتهمُ وقْتَ الهجيرِ بصكَّةٍ ... عمي لَدَيْهَا فاتك العزمِ فاركُ)
(وطفْتَ عَلَيْهِم يَا همامُ بنيَّةٍ ... كَمَا طافَ بالبيتِ المعظَّم ناسكُ)
(فغادرتَهُمْ صرعَى بكلِّ تنوفةٍ ... تناوحهم ريحُ الصَّبا والروائكُ)
(تَقَاعَسَ مِنْهَا مَالك ومشهون ... وكُلّ لَدَى الهيجاء ألوى مماحكُ)
(وقامَ بهَا ميل المقرّضِ واستوَى ... وَمن قبلهَا فِي مَشْيه يتباوكُ)
(وطار بهَا خوفًا أَخُوهُ وقلَصَتْ ... خصاه وولَّى وَهُوَ حيرانُ عانكُ)
(وزين وبازان بروك وقادمٌ ... وداغر فِي البوغاءِ بئْس المباركُ)
(لعمرُكَ لَو لم تطلُب القومَ غالهم ... بسعدِكَ مِنْ دونِ الطلابِ المهالكُ)
(وأغناك عَنْ حَثِّ المطيةِ رائدٌ ... من الذُّلِّ فيهم حابل النومِ حابكُ)
(لَئِن كنْتَ عَن عمدٍ هدمْتَ عروشَهُمْ ... فَإنَّك بانيها قَدِيما وسامكُ)
(توهَّمها الروميُّ نهضةَ عاجزٍ ... وَلم يَدْرِ أَن الليْثَ بالعيرِ فاتكُ)
(جرى طرفه ملْء العنانِ إِلَى المدى ... وطرف الردى فِي جَفْنه عَنهُ ساهكُ)
(أخذْتَ علية كلَّ نَقب ثنية ... فضاقَتْ عَلَيْهِ بالرحابِ المسالكُ)
(وَمَا زالَ يجْرِي فِي هواهُ وغيه ... وأنْتَ لَهُ وسطَ العرينةِ باركُ)
(وَهَان على الأيامِ مَا هُوَ فاعلٌ ... وَعز على العلياءِ مَا أنتَ تاركُ)
(إِلَى أَن نضَتْ عَنهُ الحياةُ قناعها ... فعاجَلَهُ منْكَ الحمامُ المواشكُ)
(فجرعته كأساً أعلَّ بِمِثْلِهَا ... أَبوك أَبَاهُ فارتدَى وَهُوَ هالكُ)
(وَلم ينجِهِ منْكِ الفرارُ لحينِهِ ... فأصبَحَ مَمْلُوكا وَمن قيلُ مالكُ)
(وَكَيف وأنتَ المُعْلِمُ الفَرْدُ فِي الوغى ... ورمحكَ طعانٌ وسيفكَ باتكُ)
(قضى فِيهِ حُكْم المشرفي بعدله ... فبعداً لَهُ عَن منهجِ العدلِ نازكُ)
(كَذَا فليكُنْ عزمُ الْكَرِيم وَإِنَّمَا ... على قدرٍ عزماتِ الكرامِ المداركُ)
(فِدَاكَ أَبَا عجلانَ كلُّ مملَّكٍ ... فأنتَ سَمَاء والملوكُ حبائكُ)
стр. 1957
(خذِ المدْحَ مني يَا همامُ فَإِنَّمَا ... بقَدْرِ بِنَاء البيتِ تسمو المدامكُ)
(ودَعْ مَا سواى يَا كريمُ فإنني ... أَنا الشاعرُ المحكيُّ والغَيرُ حائكُ)
(ودونَكَ يَابْنَ الأكرمَيْنَ تَحِيَّة ... تفوحُ كمسكٍ أحكمته المداوكُ)
(وأخرَى حباها الله لطفاً وَرَحْمَة ... تهنِّى عليا بالشفا وتباركُ)
(وتهنا بهَا العلياءُ والسيفُ والندَى ... فكلٌّ لما قد كَانَ يشكوه ناهكُ)
(وَقد سرَّنى النصْرُ العزيزُ على العدا ... وحُكْمُ القنا والمغنَمُ المتداركُ)
(سُرُورًا بِهِ عينُ الزمانِ قريرةٌ ... وثغرُ اللَّيَالِي بالتبسُّم ضاحكُ)
(ودُمْ يَا أَبَا عجلانَ ملكا مؤيداً ... تتيه بِهِ الْعليا وتَزْهُو الممالكُ)
(وَلَا زلْتَ تَحْيَا فِي سرورٍ وغبطةٍ ... وشانِيكَ يَحْيَا فِي المذلةِ رامكُ)
وَفِي سنة سبع عشرَة عَاد الشريف رَاجِح من الْقَاهِرَة قَاصِدا أَخَاهُ الشريف بَرَكَات صُحْبَة السَّيِّد عرار بن عجل ليصالحه بشفاعة من السُّلْطَان وَمن أَخِيه السَّيِّد قايتباي فقابله مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات بِالْقبُولِ واصطلحا صلحا شافياً وصارا كَنَفس وَاحِدَة إِلَى أَن مَاتَ كل مِنْهُمَا وَفِي سنة ثَمَان عشرَة توفّي السَّيِّد قايتباي وتعزى فِيهِ أَخُوهُ الشريف بَرَكَات وَتُوفِّي السُّلْطَان بايزيد ملك الرّوم وَتَوَلَّى وَلَده السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان فِي بِلَاده قبل فتح مصر وَفِي هَذَا الْعَام توجه الشريف أَبُو نمي بن بَرَكَات إِلَى مصر المحروسة صُحْبَة القَاضِي عَلَاء الدّين نَاظر الْخَواص السُّلْطَانِيَّة وَمَعَهُ من أَعْيَان مَكَّة شيخ الْإِسْلَام صَلَاح الدّين بن ظهيرة الشَّافِعِي وَشَيخ الْإِسْلَام القَاضِي نجم الدّين بن يَعْقُوب الْمَالِكِي وَولده القَاضِي مُحَمَّد وَالْقَاضِي تَاج الدّين وَجُمْلَة من أَعْيَان السَّادة وَطَائِفَة من أَعْيَان قوادهم بنظام عَظِيم وأبهة وافرة وخيول أصيلة وركائب مسمية مَعَ الملابس الفاخرة وَالسِّلَاح الْمَذْهَب والسروج والأكوار اللائقة بِالزَّمَانِ وَالْمَكَان قَاصِدا منصب آبَائِهِ الْكِرَام من السُّلْطَان الغوري بتخت مصر فَلَمَّا وصلت أَخْبَار خُرُوجه من مَكَّة برزت الْأَوَامِر السُّلْطَانِيَّة إِلَى رَئِيس الزَّمَان القاضى أَحْمد بن الجيعان أَن يخرج لملاقاتهم على أحسن أسلوب فَخرج إِلَيْهِ بفرس عَظِيم وسرج مغرق وكنبوش مَذْهَب وكاملية مخمل بسمور كل ذَلِك من خَاصَّة السُّلْطَان وخزائنه المحفوظة وَمَعَهُمْ مَا يَلِيق من
стр. 1958
الطَّعَام ثمَّ بعد قَلِيل تلقاهم أَمِير كَبِير وباش العساكر المنصورة خير بك الدوادار وَجمع عَظِيم من الْقُضَاة والمباشرين من كَاتب السِّرّ إِلَى من دونه فَلَمَّا وصلوا الْمحل الْمَعْرُوف بِالْبركَةِ ضرب لَهُم مخيم عَظِيم سلطاني وَبسطت لَهُم فرش من الخزانة العامرة جَدِيدَة ومقاعد مشركسة بِالذَّهَب الصّرْف ونصبت لَهُ وسائد سلطانية ثمَّ نزل الشريف أَبُو نمي فِي أعظم خيمة من الخيم السُّلْطَانِيَّة ثمَّ نزل كل رَئِيس من الَّذين مَعَه فِي خيمة هيئت لَهُ ثمَّ مد لَهُم سماط عَظِيم سلطاني تضرب بِهِ الْأَمْثَال ثمَّ بعد فَرَاغه مِنْهُ مد سماط الطَّارِئ من الحلاوات والعسليات وَمَا يلائم ذَلِك ثمَّ بعد فَرَاغه مد سماط الشرابات والفواكه الْمَوْجُودَة ثمَّ ركب فِي موكب عَظِيم لَا يُحْصى كَثْرَة حَتَّى دخل الْبِلَاد فى أعظم منظر وأبهى أٍ سلوب والخاصة والعامة معلنون بِالدُّعَاءِ لَهُ مظهرون الْفَرح وَالسُّرُور بملاقاته ثمَّ سَار إِلَى الْمدرسَة الأشرفية الغورية فَنزل بهَا ثمَّ مد لَهُ سماط بعد سماط كَمَا شرح وَفِي جَمِيع هَذِه الْمدَّة يُخَاطب مَوْلَانَا أركانُ الدولة ورؤساؤها بالألفاظ الملوكية مَعَ ظُهُور غَايَة الْبشر وَكَمَال الْفَرح وَنِهَايَة السرُور وعظيم الهناء وناهيك بِمَجْلِس جمع أَشْرَاف الزَّمن ورؤساء الْوَقْت وعلماء الْعَصْر وفصحاء الدَّهْر ثمَّ ركب مَوْلَانَا الشريف أَبُو نمي من الْمدرسَة الْمَذْكُورَة فِي موكب عَظِيم إِلَى الدِّيوَان وَكَانَ السُّلْطَان حِين ذَاك جَالِسا بصدر الدِّيوَان فَلَمَّا دخل مَوْلَانَا الشريف من بَاب الحوش أشرف عَلَيْهِ السُّلْطَان وَهُوَ فِي الملابس الْحَسَنَة الحسنية بالدليقين والعمامة على القبع والأنوار النَّبَوِيَّة مشرقة عَلَيْهِ والعناية الصمدانية ناظرة إِلَيْهِ تعجب من هَيئته الباهرة وامتلأت عينه بمهابته وطلعته الطاهرة فَأمر أَن ينصب لَهُ كرْسِي بمفرده فَلَمَّا دخل الدِّيوَان قَامَ لَهُ ألفا وَقبل جَبينه الشريف وَقد زَاده الله شرفاً وَأَرَادَ مَوْلَانَا تَقْبِيل يَد السُّلْطَان فَامْتنعَ السُّلْطَان من ذَلِك أدباً مَعَ الْمقَام النَّبَوِيّ والجناب الْعلوِي فغلب على ذَلِك مَوْلَانَا الشريف فَاحْتَضَنَهُ وَسلم عَلَيْهِ وقربه لجانبه وَأَقْبل عَلَيْهِ
стр. 1959
بالمحادثة والملايمة ثمَّ أَجْلِس من مَعَه من الْقُضَاة والأشراف وجابرهم بخطابه العذب وأنصفهم فِي الْجُلُوس غَايَة الْإِنْصَاف ثمَّ أقبل على الشريف أبي نمي وَوَضعه فِي حجره وَكَانَ سنه إِذا ذَاك ثَمَان سِنِين وَقَالَ لَهُ مَا اسْمك فَقَالَ مُحَمَّد أَبُو نمي الغوري فَحصل للغوري سرُور عَظِيم بذلك فَقَالَ لَهُ أَنْت أشطر من أَبِيك وَرَأَيْت فِي نشآت السلافة للْإِمَام عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ أَنه قَالَ لَهُ بعد وَضعه فِي حجره مَا سورتك فَقَالَ إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا وَلم تكن إِذْ ذَاك سورته هِيَ فأعجب السُّلْطَان ذَلِك وتفاءل بِهِ واستبشر قلت كِلَاهُمَا يدل على مزِيد الحذق والذكاء وَلَا عجب إِذا صدر من سلالة الْمُصْطَفى وعندى أَن الأولى وَهِي الَّتِي ذكرهَا السَّمرقَنْدِي أحذق وأذكى لعود الذكاء وأعبق ثمَّ ألبسهُ كاملية سلطانية ثَانِيَة بمسح ذهب بمقلب سمور من خَاص ذخيرته وَقَامَ السُّلْطَان ثَانِيًا لوداعه ثمَّ ركب من القلعة السُّلْطَانِيَّة إِلَى مَحل سكنه ثمَّ رتب لَهُ السماط السلطاني صباحاً وَمَسَاء مَعَ الطَّارِئ وتوابعه مَعَ الافتقادات لَهُ وَلِجَمِيعِ من مَعَه مِمَّا لم يسْبق نَظِيره فِي الدولة السُّلْطَانِيَّة الغورية ثمَّ إِن مَوْلَانَا الشريف اسْتَأْذن فى التَّوَجُّه إِلَى الأقطار الحجازية فَكتب لَهُ توقيع شرِيف جليل خُوطِبَ فِيهِ بِأَلْفَاظ التكريم والتبجيل ثمَّ وَجه إِلَيْهِ من الذَّخَائِر السُّلْطَانِيَّة سنجقاً وَأَرْبَعين مَمْلُوكا وخلعاً سنية لوالده الشريف بَرَكَات ومبغا من النَّقْد لَهُ صُورَة برسم من صرف الطَّرِيق وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الدَّقِيق والأرز وَالسمن وَالْعَسَل وَالسكر وَسَائِر زَاد الطَّرِيق وَكَذَلِكَ جَمِيع من فِي صحبته من الْأَعْيَان أنعم عَلَيْهِم بالعامات مُعجلَة ومرتبات على عَادَة أمثالهم وبرز من مصر على صُورَة جميلَة مَعَ إِظْهَار الإنعامات السُّلْطَانِيَّة وَلما وصل الْخَبَر بقدومه زينت الْبِلَاد وانشرحت صُدُور الْعباد وَخرج لملاقاته الْأَعْيَان من مَكَّة فَدَخلَهَا رافلاً فِي نعم الله تَعَالَى الَّتِي تفضل بهَا عَلَيْهِ وعَلى آبَائِهِ وأجداده فَلَا زَالَت فِي أَوْلَاده ثمَّ فِي أحفاده فَطَافَ بِالْبَيْتِ الْحَرَام ودعي لَهُ على زَمْزَم أُسْوَة آبَائِهِ الْكِرَام ثمَّ قرئَ توقيعه الْكَرِيم بِمحضر جيران بَيت الله الْحَرَام ثمَّ
стр. 1960
خرج إِلَى دَار السَّعَادَة فمدحته الشُّعَرَاء على عَادَة أسلافه بعدة قصائد من أعظمها قصيدة أَحْمد بن الْحُسَيْن العليف أَيْضا يهنئ أَبَاهُ بعوده إِلَى سَرِير ملكه ووصول وَلَده الشريف أبي نمي من الْقَاهِرَة سنة ثَمَان عشرَة الْمَذْكُورَة وَهِي هَذِه // (من الْخَفِيف) //
(خدَمَتْكَ الحظوظُ والأقسامُ ... وجرَتْ باختيارِكَ الأحكامُ)
(وقضَتْ بِالَّذِي تريدُ الليالِي ... واستقامَتْ لأمرِكَ الأيامُ)
(وأطاعَتْكَ المرهفاتُ المواضِي ... والمذاكِى والسمْرُ والأقلامُ)
(وكفَاكَ الْمَحْذُور أَي شريفٍ ... وحَماكَ التدبيرُ والإلهامُ)
(ووقاكَ الإلهُ مَا أضمَرَ الدَّهْرُ ... وَمَا سوَّلَتْ لَهُ الأوهامُ)
(لَا تخفْ مِنْهُ نبوةَ واهتضاماً ... عادةُ اللهِ لَا يضامُ الكرامُ)
(خصَّكَ اللهُ بالعنايةِ مِنْهُ ... وكَلَاكَ الوقارُ والإعظامُ)
(حسبُكَ اللهُ أَن يطيشَ بك ... الظنُّ وأنْ يستفزَّكَ الإيهامُ)
(لَيْسَ للملكِ غَيْر ذاتِكَ كُفْءٌ ... أنتَ للملكِ يَا همامُ نظامُ)
(لكَ فِيهِ وَلَا عَلَيْك امتنانٌ ... قدمٌ راسخٌ ومجدٌ قدامُ)
(وطدتْهُ سيوفُ آبائكَ الغُرّ ... فدانتْ لَهَا الملوكُ العظامُ)
(دون مَا يضمرُ الغبيُّ من الغَدْرِ ... جلادٌ وعْرٌ وموتٌ زؤامُ)
(يكبتُ الغيظُ حاسديك جَمِيعًا ... وتزولُ الأحقادُ والأدغامُ)
(قد بلاكَ الزمانُ حلواً وَمَرا ... فَإِذا الشّهْدُ فِيهِ داءٌ عقامُ)
(ورآاك العدوُّ هضبةَ عزِّ ... دون مرآك شامةٌ وشمامُ)
(لَو على الأمْر عارضتْكَ اللَّيَالِي ... قارعَتْهَا الأقدارُ والأحكامُ)
(لم يكنْ غَيْرُ مَا تريدُ وَلَو كَانَ ... فإنَّ الْعَزِيز مَنْ لَا يضامُ)
(لَا يقيمُ الفتَى على الضَّيْمِ مَا دَامَ ... لَهُ الرمْحُ خَادِمًا والحسامُ)
(وَإِذا أنْكَرَ الديارَ كريمٌ ... فالمطايا دليلهُنَّ الخطامُ)
(ظِلُّهُ رمحُهُ وعصمتُهُ السَّيْفُ ... ومثواهُ صهوةٌ أَو سنامُ)
(لَا يناجِى على العزيمةِ إِلَّا ... نفسَهُ والكريمُ لَا يستضامُ)
(يقطع الأمرَ دونَ كلِّ مشيرٍ ... ويناغي الردَى إِذا القومُ خامُوا)
(لَيْسَ عزًّا إلَاّ صُدُور العوالي ... والظبا والإسراج والإلجامُ)
стр. 1961
(هَكَذَا فلتكُنْ كرام المساعي ... وعَلى مِثْلهَا يكونُ المقامُ)
(فهنيئا أَبَا زُهَيْر بعودٍ ... لسريرِ بِهِ السرورُ دوامُ)
(مَهَّدَتْهُ لَك الخفافُ المواضِي ... وجلاه بعزمِكَ الإقدامُ)
(لم تجدّدْ لَك الْولَايَة عهدا ... أنتَ مِنْ قبلهَا مليكٌ همامُ)
(لَا أهنيكَ بل أهنِّى بك الملكَ ... فقد حزتَهُ وأنتَ غلامُ)
(أنتَ يابا زُهَيْر أعلَى محلا ... فعلام الهناءُ والإعلامُ)
(لم تَرثه كَلَالَة لَا وَلَا العهْدُ ... حديثٌ بِهِ وَلَا الإلمامُ)
(هَدَأَ الملكُ بعد طويلِ جماحٍ ... مذ تولَّيْتَ واستقامَ النظامُ)
(وكساه حلاكَ رونَقَ حسنٍ ... لم تبده الشهورُ والأعوامُ)
(لكَ فِي الملكِ سالفٌ وقديمٌ ... سادةٌ قادةٌ ملوكٌ كرامُ)
(جمعُوا البأْسَ والنَّدَا فِي أكفِّ ... يُسْتَهَلُّ الردَى بهَا والركامُ)
(تستذمُّ الملوكُ مِنْهُم فينجونَ ... وَإِن كَانَ المستذم رمامُ)
(دوَّخوا الدَّهْر والممالكَ حَتَّى ... قَعَدُوا منهمُ الْمُلُوك وَقَامُوا)
(واستباحُوا حماهُمُ وَأَقَامُوا ... ميلهم بَعْدَ عزِّهم فاستقاموا)
(كَسَبُوا العزَّ بالرقاقِ المواضِي ... ورَعُوا الناسَ والملوكُ سوامُ)
(قلدتها الْولَايَة الْبيض والسُّمْرُ ... وطَعْنٌ فذٌّ وضربٌ تُؤَامُ)
(وكماةٌ تسيرُ فِيهَا المنايا ... طائعات كَأَنَّهَا خُدَّامُ)
(من لؤىِّ بن غالبٍ كلُّ فردٍ ... منهمُ فِي اللقاءِ جيشٌ لُهَامُ)
(يُوسعُونَ الجموعَ ضربا وطعناً ... وَلَو انَّ الجموعَ سامٌ وحامُ)
(يستظلُّونَ بالرماحِ وبالبيضِ ... لَدَى الحربِ والطيورُ حيامُ)
(إِن أَصَابُوا فَمَا جَنَوْهُ جُبَارٌ ... أَو أصِيبوا فثارُهُمْ لَا ينامُ)
(كُلٌّ الوى يختالُ للموتِ عجبا ... حِين يُدعَى وثغره بَسَّامُ)
(برماحٍ تعوجُ فِي الهامِ طوراً ... وعَلى الْفَوْز فِي الصُّدُور تقامُ)
(وارِدَات إِذا مرقْنَ لطعنٍ ... قصُرَتْ دون وقعهنَّ السهامُ)
(وصفاح إِذا انتضَوْهَا لحربٍ ... كَانَ من بعضِ تابعيها الحِمامُ)
(مخلصات إِذا برزْنَ من الغِمْدِ ... كأنَّ الفرندَ فِيهَا ضرامُ)
стр. 1962
(مرهفات كأنهنَّ لَدَى الضَّرْبِ ... ركوعٌ وسُجَّد وقيامُ)
(وعتاق إِذا تداعوا لحَرْبٍ ... عزمَتْ قبل أَن يناطَ اللجامُ)
(غاديات إِلَى الوغَى رائحات ... يَسْتَوِي النُّورُ عِنْدهَا والظلامُ)
(قد تبرقَعْنَ بالحديدِ ولكنْ ... عاريات لباسهنَّ القَتَامُ)
(علَّمتها التجاربُ الكرَّ والفرَّ ... وكيْفَ الإقدامُ والإحجامُ)
(لم يزدْنَا البشيرُ عَمَّا علمناه ... وَلَا خامَرَ العقولَ اتهامُ)
(عمركَ الله لَو تراخَى قَلِيلا ... بشَّرتنا بسعدكَ الأحلامُ)
(أنتَ روحٌ للملكِ والغيرُ جسمٌ ... لَا تقاسُ الأرواحُ والأجسامُ)
(ذاتُكَ القطبُ للسيادةِ والآلُ ... نجومٌ وأنتَ بدرٌ تمامُ)
(وَإِذا كَانَ فِي المقاييس قربٌ ... كنتَ نورا وَمن سواك كمامُ)
(كَيفَ يسمو إِلَى معاليكَ قَوْمٌ ... سهرَتْ مقلتاك فِيهَا ونَامُوا)
(أَيْن كَانُوا أَبَا زُهَيْرَ وقَدْ ذُدتَ ... عَن الملكِ والخطوبُ عظامُ)
(حِين أدجَى ضياؤها وتوارَى ... صبحها فانجلَى بك الإظلامُ)
(كنتَ طَلَاّعَ نَقْبها والثنايا ... يومَ أنْتَ المقدَّمُ المقدامُ)
(همةٌ دونهَا الثريا وحَزْمٌ ... واعتزامٌ وسطوةٌ وانتقامُ)
(لم أقلْ مَا أقولُ جهلا ولكنْ ... يظْهر الأمرُ إِذْ يزولُ اللثامُ)
(منصبٌ جلَّ وقعه منكَ لكنْ ... أنتَ أعْلَى مكانةٌ إِذْ تسامُ)
(فاحفظِ الملكَ بالعشائِرِ وَالْمَال ... فأنتَ المجرّبُ الصمصامُ)
(وابذلِ الجهدَ يَا أَخا الخزم فِيهِ ... فالفتَى بعد بذلِهِ لَا يلامُ)
(لَيْسَ يخفَى عَلَيْك يابا زهيرٍ ... سَبَب النَّقْض فِيهِ والإبرامُ)
(وَإِذا الداءُ فِي الخوافِى تعدَّى ... لقدامَى الجناحِ مِنْهُ السقامُ)
(وَإِذا كَانَ فِي السيوفِ اضطرابٌ ... قرعَتْ حَدهَا سيوفٌ كهامُ)
(أنتَ فِي الناسِ كاسمك الْبر فيهم ... بركاتٌ على الأنامِ جسامُ)
(إِن دهراً أتيْتَ فِيهِ لدهْرٌ ... سحرٌ كُله وليلٌ تمامُ)
(أنتَ عينُ الوجودِ فِيهِ ولولاك ... تساوَى الإيجادُ والإعدامُ)
(قصرَتْ عَن مدى خطاكَ المساعِي ... حيثُ كانَتْ لَك المساعي الكرامُ)
стр. 1963
(وتباهَتْ بك الممالكُ فخراً ... وتهادَتْ آثارَكَ الأيامُ)
(وَتسامَيْتَ فَوق فرعِ السماكَيْنِ ... ومِنْ دون أخْمصَيْكَ النعامُ)
(جزْتَ حد الْكَمَال فِي كل وصفٍ ... قصرَتْ عَنهُ فِي الصفاتِ الأنامُ)
(كرمٌ فِي شجاعةٍ ووفاء ... وحياءٌ وحرمةٌ وذمامٌ)
(وارتفاعٌ إِلَى الْعلَا وسُمُوٌّ ... وحنوٌّ ورحمةٌ وانهضامُ)
(وارتياحٌ إِلَى الثنا وسماحٌ ... واحتفالٌ بِشَأْنِهِ واهتمامُ)
(وأيادٍ إِذا استهلَّ نداها ... يستمدُّ الْحَيَاة مِنْهَا الغمامُ)
(لَا يزيدُ الثَّنَاء فيكَ ولكنْ ... يتحلَّى إِذا ذكرت النظامُ)
(عظمَتْ ذاتك الشريفةُ عَنهُ ... ونبَتْ دون وصفِكَ الأفهامُ)
(وتعالَيْتَ أَن يحيطَ بك المدحُ ... وَفِيه براعةٌ وانسجامُ)
(لم أزلْ ظامئاً إِلَى مدْحِ علياك ... وَبِي دَائِما إِلَيْهِ أُوَامُ)
(علَّمتنى هباتك النَّظْم والنَّثْر ... وَكَيف الإنجادُ والإتهامُ)
(أتعَبَتْ فكرتى حسانُ سجاياك ... وأعيا على البليغِ الكلامُ)
(والهنا فِي أبي نُمَيّ المفدى ... والأمانِى والجمعُ والإلتئامُ)
(فرعُ غرسٍ ينمي إِلَى خير أصلٍ ... جَاءَ تال وَفِي السباقِ إمامُ)
(وابنُ ملكٍ ومنبرٍ وسريرٍ ... ومدى الغايةِ الَّتِي لَا ترامُ)
(سيدٌ أدركَ السيادَةَ طفْلا ... وَبنى المكرماتِ وَهُوَ فطامُ)
(خفقَتْ رايةُ السعادةِ والمُلْك لَهُ والبنودُ والأعلامُ)
(وَله اهتزَّ منبرٌ وسريرٌ ... وَبِه استبشَرَ الصَّفَا والمقامُ)
(لَا عجيبٌ إِنْ نَالَ وهْوَ صغيرٌ ... مَا حواه الآباءُ والأعمامُ)
(مَا على الشبل أَن يجوزَ المعالِي ... وأبوهُ الغضنفرُ الضرغامُ)
(فهنيئًا لَهُ السِّيَادَة والمجْدُ ... جَمِيعًا والعزُّ والإحترامُ)
(بَلَغْتَكَ الآمالُ فِيهِ الَّذِي رُمْتَ ... فَللَّه الحمدُ والإنعامُ)
(دمْتَ حَتَّى ترى السيادَةَ والملْكَ ... لأولادِهِ وأنتَ الزمامُ)
(خُذ مديحاً أهداه عبدٌ محبٌّ ... مَا لَهُ فِي فتَى سواكَ مرامُ)
(وَله بالثنا عليكَ وَبِالشُّكْرِ ... وبالمدحِ والدعاءِ غرامُ)
стр. 1964
(أَنا فى مدحِكُمْ جريرٌ وفى الحمْدِ ... جميلٌ وَفِي الهنا هَمَّامُ)
(رشتُمُ بالنوال والجودِ والفضْلِ ... جناحِى كَمَا تراشُ السهامُ)
(قِسْ ثنائي على ثناءِ سوَائِي ... تَدْرِ أَن الكلامَ مِنْهُ كلامُ)
(واقسم اللحْظَ بَيْننَا يَا أَخا الجُودِ ... فأنْتَ المهذَّبُ المقدامُ)
(لَوْ دُعِينَا إِلَى التناصُفِ فى الحُكْم ... لبذَّ الضَّعِيف منا الملامُ)
(وبقَدْرِ البليغِ والبلغ فى القَوْل ... يكُونُ الإعرابُ والإعجامُ)
(وَمن الشعرِ للعقولِ جلاءٌ ... وَمن الشعرِ للنُّهَى بِرْسَامُ)
(يفعلُ المدحُ فِي الكرامِ كَمَا تفْعل ... فِي عقلِ شاربيها المُدَامُ)
(ويفيدُ الكريمَ عزا ومجداً ... ويحطُّ الجوادَ قولٌ سخامُ)
(وَخيَار الرجالِ فى الشعْرِ من كَانَ ... لَهُ فِيهِ بسطةٌ واحتكامُ)
(فابْقَ للملكِ والممالكِ عزّاً ... وَلَك المدحُ مبدأ وختامُ)
(مَا توالَتْ عَلَيْك غُرُّ القوافي ... وتغنَّتْ على الغصونِ حمامُ)
(وعَلى المصطفَى وآلِ كرامٍ ... وصحابٍ تحيةٌ وسَلَامُ)
وَفِي عَام عشْرين وَتِسْعمِائَة حج مُحَمَّد ولد السُّلْطَان الغوري مَعَ والدته فِي تجمل عَظِيم جدا وَخَرجُوا من مصر فِي الْجمال المزينة والأكوار المشركسة والمحاير المرصعة بِالذَّهَب ومحفة خوند فِي ثبتها ذهب مرصع بالجواهر فَخرجت لَهَا السَّادة الْأَعْيَان من أَعْيَان مَكَّة المشرفة وأركان الدولة من حِين قاربت الينبع وقابلها الشريف أَبُو نمي نِيَابَة عَن وَالِده من خليص وَمد لَهَا من الأسمطة والحلويات والفواكه أَصْنَاف مُتعَدِّدَة فِي عدَّة منَازِل وقابلها الشريف بَرَكَات من خَارج مَكَّة فَلَمَّا وصلت رَأس الرَّدْم ترجل كل من لقيها حَتَّى مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات وَأخذ بلجام مركبها إِلَى بَاب السَّلَام ثمَّ حملت محفتها على الْأَعْنَاق إِلَى الْقصر بِبَاب إِبْرَاهِيم فَلَمَّا توسطت الْمَسْجِد وَوَلدهَا بَين يَديهَا قَالَ مقدمها يَا خوند اشكري نعْمَة الله تَعَالَى فَإِن مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات حامي حمى الْحَرَمَيْنِ حَامِل المحفة الشَّرِيفَة إجلالاً وتعظيماً وَقد فرش الديباج تَحت جمال المحفة ثمَّ فرش تَحت الْأَقْدَام بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَهِي تقسم على مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات بِأَن يتْرك الْحمل الْمرة بعد الْمرة فَلَمَّا وصلت الْقصر علو بَاب إِبْرَاهِيم أشارت بِأَن يكون ولد
стр. 1965
السُّلْطَان فِي مدرسة ملك التُّجَّار رامشت وأمير الْحَاج الْمصْرِيّ مَعَ أَرْكَان الدولة فِي خدمتها كأقل العبيد ثمَّ أَمر لَهَا مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات بسماط عَظِيم أبهر الْعُقُول ثمَّ حمل إِلَيْهَا من الأغنام والعسلان والسمون والفواكه مَا لَا يُحْصى وَلَا يحصر ثمَّ تردد عَلَيْهَا مَوْلَانَا الشريف أَبُو نمي بِعَرَفَة وَمنى وَمَكَّة وضاعف إِلَيْهَا من فضل وَالِده الْهَدَايَا والافتقادات والأقمشة الْعَالِيَة والتحف النفيسة لِأَنَّهُ قريب الْعَهْد بموالاتها لَهُ ثمَّ سَافر مَعهَا مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات إِلَى مصر المحروسة فَأقبل عَلَيْهِ السُّلْطَان إقبالاً عَظِيما جدا وشكرت للخوند جميل سَعْيه وجزيل مراعاته فَوَقع ذَلِك عِنْد السُّلْطَان موقعاً عَظِيما سِيمَا حمل المحفة وَمَا فِي مَعْنَاهُ وأنعم عَلَيْهِ بإنعامات جزيلة مِنْهَا خادمان وَعِشْرُونَ مَمْلُوكا وخيول أصيلة وجمال برسم الدّرّ والنسل مِمَّا تقتنيه الْمُلُوك من كبر الجثة وَحسن المنظر وَطيب الأَصْل وغزارة اللَّبن وحلاوته وَيُقَال إِن الْإِبِل الْمَعْرُوفَة بالمصرية من تِلْكَ وجمال للْحَمْل وَعشرَة آلَاف دِينَار حِوَالَة على بندر جدة المعمورة وخلعاً سلطانية نفيسة وَأذن لَهُ فِي الْمسير إِلَى وَطنه فوصل مَكَّة المشرفة فِي شهر رَجَب من الْعَام الْمَذْكُور وزينت الْبِلَاد وصنع الْأَمِير حُسَيْن الْكرْدِي وَهُوَ من أُمَرَاء الغوري بجدة صنع للشريف ضِيَافَة هائلة وقابله هُوَ وأعيان مَكَّة من خَارِجهَا وَكَانَ يَوْم وُصُوله عِنْدهم من أعظم الأعياد وَفِي عَام اثْنَيْنِ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَقعت الْمُقَاتلَة بَين السُّلْطَان الغوري وَالسُّلْطَان سليم بن بايزيد ملك الرّوم بمرج دابق خَارج حلب المحروسة وَغلب السُّلْطَان سليم الغوري وفقد فِي المعركة ثمَّ إِن السُّلْطَان سليم خَان وصل المحروسة بعد قتلة عَظِيمَة بالريدانية بَين العساكر العثمانية ونائب سَيّده السُّلْطَان الغوري طومان باي وَذَلِكَ فِي شهر ذِي الْحجَّة من الْعَام الْمَذْكُور وَلم يحجّ من مصر ركب ووصلت الْكسْوَة للكعبة الشَّرِيفَة بحراً صُحْبَة مزهر الْخَادِم ثمَّ لما اسْتَقر مَوْلَانَا السُّلْطَان سليم وتوطد ملكه لمصر وأعمالها وانتظم لَهُ الْملك من دَار الْخلَافَة الإسلامية قسطنطينية إِلَى غَايَة المملكة المصرية أنهى إِلَيْهِ بعض الحساد أَن جَمِيع الْملك وَالسُّلْطَان طرازه الْأَعْظَم ملك الْحَرَمَيْنِ الشريفين
следующие страницы →