Полный текст (2 217 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
وَفِي سنة تسع وَسِتِّينَ يَوْم الْجُمُعَة لعشر بَقينَ من شَوَّال مِنْهَا توفّي مَوْلَانَا السَّيِّد عمار بن بَرَكَات بن جَعْفَر بن أبي نمي فِي الديار الْهِنْدِيَّة رَحمَه الله تَعَالَى وفيهَا أَوَاخِر شهر رَمَضَان توفّي بالقرية الْمُسَمَّاة بالآبار من بَلْدَة الطَّائِف الحميدة الْآثَار وَدفن فِي سوح ضريح الحبر ابْن عَبَّاس طيب الأنفاس مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا الْعَلامَة الْعُمْدَة الصَّدْر الفهامة القَاضِي عِصَام الدّين بن عَليّ زَاده العصامي نتيجة الْفُضَلَاء الْكِرَام وسلالة الْعلمَاء الْأَعْلَام الرَّاوِي حَدِيث الْمجد عَن أسلافه الأماثل وَالْحَاوِي محَاسِن سلسلة آبَائِهِ الْفُضَلَاء الَّتِي لم يفصلها بِحَمْد الله جَاهِل والرافع عماد بَيتهمْ والمجيب منادى صيتهم وصوتهم بَيت فضل لم ينشأ بِهِ إِلَّا قَاض وخطيب فنن فَضله فِي رياض الْمَعَالِي رطيب ولد بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وَأخذ الْعلم عَن وَالِده وَعَن مَوْلَانَا السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم وَعَن ابْن عَمه مَوْلَانَا الشَّيْخ عبد الْملك بن جمال الدّين العصامي وَغَيرهم ولازم الإقراء والتدريس على الدَّوَام فِي الْمَسْجِد الْحَرَام على طَريقَة الْعلمَاء الكاملين وَالْأَئِمَّة الواصلين وَخلف ابْنَيْنِ نجيبين كَامِلين هما مَوْلَانَا القَاضِي عَليّ ومولانا المرحوم القَاضِي مُحَمَّد انْتقل مُحَمَّد بعد سنوات عَن ابْنَيْنِ نجيبين أَيْضا وتصدر مَوْلَانَا القَاضِي على مَكَانَهُ للإقراء والإفادات وَهُوَ كآبائه على طَرِيق خير وَصَلَاح قد أشرق نورهما عَلَى محياه ولاح أَطَالَ الله بَقَاءَهُ للدّين ونفع بِعُلُومِهِ الْمُسلمين آمين وَفِي سنة سبعين حصل غلاء بِمَكَّة وصلت فِيهِ كيلة الْحبّ إِلَى سَبْعَة عشر محلقاً فَأَشَارَ شَيخنَا الْعَلامَة مُحَمَّد البابلي على مَوْلَانَا الشريف زيد بِإِبْطَال التسعير فَأطلق مناديه بذلك وَأَن كل من عِنْده حب أَو مَا يقتات بِهِ يَبِيعهُ بِسعْر الله فأظهر كل من عِنْده الْحبّ وجلب من سَائِر الْبلدَانِ حَتَّى كثر وَرخّص السّعر وَسبب الغلاء كَثْرَة الْجَرَاد بِأَرْض الْحجاز واليمن وأعقبه الدبا فَأكل جَمِيع الْأَشْجَار والزراعات وطبق بعض الأدباء تَارِيخا على قَوْله غلاء وبلاء نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُمَا وَمن كل مخوف
стр. 2102
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين عمرت زَمْزَم وَالْبناء الَّذِي عَلَيْهَا مَا عدا الْجِهَة الْقبلية وأدير بَاب المصعد إِلَى قبتها إِلَى الْجِهَة الجنوبية فأرخ ذَلِك قَاضِي مَكَّة عامئذ وَهُوَ بعض الأروام الْوَاصِل مِنْهُم كل عَام جَدِيد قَاض جَدِيد بِأَبْيَات بالتركية آخرهَا بَيت التَّارِيخ بِالْعَرَبِيَّةِ هُوَ
(قلتُ تاريخُهُ بلفظٍ حَلٍ ... قَدْ بنى الزمزمَ محمَّدُ خَانْ)
وَهِي أَبْيَات دون عشرَة منقورة فِي حجر على بَاب زَمْزَم إِلَى الْآن فسبحان الْحَكِيم وَفِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف يَوْم السبت بعد الظّهْر سَابِع شعْبَان مِنْهَا حصل مطر سَالَ مِنْهُ سيل كَبِير مَلأ الْمَسْجِد وغرق فِيهِ نَحْو سِتَّة أنفس فتصدى مَوْلَانَا الشريف زيد لتنظيفه ونادى فِي النَّاس وَحضر بِنَفسِهِ وَكَذَلِكَ صنجق جدة الْأَمِير سُلَيْمَان بك وَهُوَ يَوْمئِذٍ شيخ الْحرم الْمَكِّيّ وقائم على عمَارَة المقامات وترميم المشاعر وَعمل الْأَشْرَاف وَالْعُلَمَاء والخطباء والمدرسون بِأَيْدِيهِم بعد أَن عمل مَوْلَانَا الشريف زيد بِيَدِهِ وبذل هُوَ والسنجق مَالا جزيلاً وأعمل الهمة فِي ذَلِك فتم تنظيفه من سَائِر جهاته فِي سَبْعَة أَيَّام وَللَّه الْحَمد وَالشُّكْر وَقَالَ صاحبنا المرحوم مَوْلَانَا السَّيِّد أَحْمد ابْن المرحوم مَوْلَانَا السَّيِّد أبي بكر بن سَالم ابْن شَيْخَانِ مؤرخاً دُخُول السَّيْل // (من الْخَفِيف) //
(قهقَهَ الرعدُ عِنْدَمَا ابتسَمَ البَرْقُ ... فأبكَى الغَمَام قَطْر المياهِ)
(وأذابا قلوبَنَا الخوفُ والرعْبُ ... فويلٌ لغافلِ القَلْب ساهِى)
(وأتانا طوفانُ نوحٍ وبالمَوْتِ ... قَطعنَا لَوْلَا جنابُ الإلهِ)
(إِن تقُلْ أَوْضِحُوا فسابعُ شعبانَ ... وسبْت ليومِ سِتّ مُضَاهِى)
(أَو تردْ عَامه المهيلَ فأرِّخْ ... باتَ سيلٌ يطوفُ بالبيْتِ دَاهِى)
وَفِي سنة أَربع وَسبعين وَألف عمرت المقامات الْأَرْبَعَة مقَام الْخَلِيل وَبَاقِي الثَّلَاثَة وطلاء جَمِيع قباب الْمَسْجِد بالنورة ظَاهرا وَبَاطنا ورممت جَمِيع المشاعر بِعَرَفَات مَسْجِد إِبْرَاهِيم وقبة جبل الرَّحْمَة والمشعر بِمُزْدَلِفَة وَمَسْجِد الْخيف بمنى وأعلام الجمرات وحدود الْحرم وَفِي سنة سِتّ وَسبعين خرج مَوْلَانَا الشريف زيد رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى بِلَاد جُهَيْنَة
стр. 2103
لطلب ثأر السَّيِّد مساعد استجره وَالِد مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا المُصَنّف هَذَا الْكتاب برسمه المشرف بلقبه الشريف واسْمه متع الله بحياته مَوْلَانَا المرحوم السَّيِّد غَالب بن مُحَمَّد ولي الدَّم الْأَدْنَى فَتوجه بِجَمِيعِ من مَعَه من السَّادة الْأَشْرَاف وأتباعهم وعساكره وعساكر مصر رُتْبَة مَكَّة إِلَيْهِم وَأقَام ببدر وَتوجه مَوْلَانَا المرحوم السَّيِّد حمود بن عبد الله إِلَى زِيَارَة جده
وَكنت زَائِرًا مَعَه فِي كنف جنابه على خيله وركابه وفيهَا كَانَ وُرُود الأغا عماد أَفَنْدِي الرُّومِي فاتجه بِهِ مَوْلَانَا السَّيِّد حمود فِي الطَّرِيق وَذَلِكَ أَنه لما وصلنا إِلَى الْخيف الْمنزل الْمَعْرُوف وجدنَا مخيمه بهَا فَمَال إِلَيْهِ السَّيِّد حمود مَعَ بعض أَوْلَاده وَبني إخْوَته وَبني عَمه ودخلوا عَلَيْهِ فَقَامَ ساعياً حافياً من بُعد فَكَانَ أول اجتماعه بِهِ هُنَاكَ فَجَلَسَ عِنْده حينا من الزَّمَان ثمَّ خرج وَتوجه للزيارة ثمَّ لما رَجَعَ وجد مَوْلَانَا الشريف زيد مُقيما ببدر فَنزل بمحشوش اسْم مَاء قرب بدر ثمَّ توجها مَعًا إِلَى حرابة جُهَيْنَة وَكَانَ المرحوم السَّيِّد أَبُو الْقَاسِم ابْن السَّيِّد حمود هُوَ الْقَائِم مقَام مَوْلَانَا الشريف زيد بِمَكَّة المشرفة عامئذ وَكَانَت الأمطار قد كثرت بالحجاز فرخصت الأسعار جدا حَتَّى يبع الإردب الْقَمْح بِثَلَاثَة حُرُوف عددي والمن والجبن بمحلقين والألبان واللحوم والخيرات كَثِيرَة وَمثل مَكَّة فِي هَذَا مَا حولهَا من الأقطار وَللَّه الْحَمد وَالشُّكْر ثمَّ دخلت سنة سبع وَسبعين وَألف كَانَ هلالها بالأحد فِي فجر لَيْلَة الثُّلَاثَاء ثالثه كَانَت وَفَاة سُلْطَان الْحَرَمَيْنِ ونواحيهما والمالىء بعدله وأمنه دانيهما وقاصيهما مَوْلَانَا المرحوم الشريف زيد ابْن الشريف محسن بن الْحُسَيْن بن الْحسن فَصَعدت روحه إِلَى معالم الْعَرْش والكرسي وأفيض عَلَيْهِ من الرضْوَان سابغ الرّوح الْقُدسِي كَانَ ﵀ متخلقاً بالأخلاق المحمدية متصفاً بِالصِّفَاتِ الكمالية كَانَ كثير الْحلم وَالصَّبْر والشفقة على الرّعية بِحَيْثُ يسمع بأذنيه مِنْهُم الأسية وَيَعْفُو ويصفح تأسياً بجده خير الْبَريَّة وَلم يضْبط عَلَيْهِ أَنه قتل شخصا بِغَيْر حق فِي هَذِه الْمدَّة الطَّوِيلَة المرضية وَكَانَ الأقطار والرعية فِي زَمَنه آمِنَة مطمئنة فِي عيشة هنيَّة وَهُوَ حقيق بِأَن يلقب مهْدي الزَّمَان رَحمَه الله تَعَالَى وَأَسْكَنَهُ فسيح الْجنان
стр. 2104
كَانَ وِلَادَته رَحمَه الله تَعَالَى وَأعَاد على الْمُسلمين من بركانه بعد مُضِيّ دَرَجَتَيْنِ من شروق شمس يَوْم الْإِثْنَيْنِ السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر شعْبَان الْمُعظم سنة سِتّ عشرَة بعد الْألف ببلدة بيشة من أَعمال الشرق قلت قد أَخْبرنِي مَوْلَانَا الْخَطِيب الْعَلامَة اللبيب تتيجة الْفُضَلَاء وَعين الْأَعْيَان النبلاء برهَان الدّين الْخَطِيب وَالْإِمَام بمسجده ﵊ إِبْرَاهِيم ابْن الْعَلامَة الفهامة وَاحِد عصره بِلَا خلاف ونسيج وَحده كلمة ائتلاف مَوْلَانَا المرحوم الْخَطِيب أَحْمد بن عبد الله الشهير بالبري نقلا عَن وَالِده الْمَذْكُور أَنه حضر فِي مجْلِس مَوْلَانَا المرحوم الشريف زيد بعض متعاطي علم الرمل فَضرب تخته ثمَّ قَالَ لمولانا الشريف زيد ﵀ قد دلّ الرمل الصَّحِيح على أَنه كَانَ وَقت علوق والدتك بنطفتك عِنْد الزَّوَال فِي شهر رَمَضَان فِي عَام خَمْسَة عشر بعد الْألف فاستغرب مَوْلَانَا الشريف ذَلِك لمَكَان شهر الصَّوْم ثمَّ إِنَّه سَأَلَ والدته عَن هَذَا الْمَعْنى فأجابت نعم كَانَ سَيِّدي أَبوك غازياً فِي شهر رَمَضَان لبَعض الْعَرَب فجَاء بعد أَن أدْرك من النَّصْر والنجح الأرب وَكَانَ وُصُوله فِي ذَلِك الْوَقْت الَّذِي ذكره هَذَا الرجل فَوَقع عَليّ فأدركت الْحمل بك من حيني هَكَذَا أَخْبرنِي حفظه الله تَعَالَى نقلا عَن وَالِده الْخَطِيب أَحْمد الْبري الْمَذْكُور فعلى هَذَا تكون مُدَّة حمل مَوْلَانَا الشريف زيد زَادَت على تِسْعَة أشهر وَلَا مَانع من ذَلِك فَإِن أقْصَى مُدَّة الْحمل عِنْد السَّادة الْحَنَفِيَّة سنتَانِ وَعند السَّادة الشَّافِعِيَّة أَربع سِنِين وَقد اتّفق مكث الْحمل تِلْكَ الْمدَّة لأشخاص كَثِيرَة وَكَانَت مُدَّة ولَايَته خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة وشهراً وأياماً ﵀ رَحْمَة وَاسِعَة وَغفر لَهُ مغْفرَة جَامِعَة آمين وَلما مَاتَ وَقعت بِمَكَّة رجة عَظِيمَة فِي التَّوْلِيَة على الْمُسلمين وفيمن يقوم مقَامه بَين وَلَده الشريف سعد وَبَين السَّيِّد حمود بن عبد الله وَقَامَ كل من الرجلَيْن أَشد قيام وَجمع الجموع وبذل المَال وتحصنوا فِي الْبيُوت والمنائر وانضم الْأَشْرَاف جَمِيعهم إِلَى السَّيِّد حمود وَلم يبْق مَعَ الشريف سعد إِلَّا السَّيِّد مبارك بن مُحَمَّد الْحَارِث وَالسَّيِّد رَاجِح بن قايتباي وَالسَّيِّد عبد الْمطلب بن مُحَمَّد وَالسَّيِّد مُضر ابْن المرتضى وَالسَّيِّد الْحُسَيْن بن يحيى وَالسَّيِّد فَارس بن بَرَكَات وَالسَّيِّد مُحَمَّد
стр. 2105
ابْن أَحْمد بن عَليّ وَهُوَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْمُنَادِي وَكَانَ فِي مَكَّة رجل عَظِيم الشَّأْن قد ورد فِي الْعَام الَّذِي قبل هَذَا الْعَام وَهُوَ عَام سِتّ وَسبعين ورد سنجقا ل جدة وشيخاً لحرم مَكَّة وَهُوَ عماد أَفَنْدِي الْمُتَقَدّم الذّكر أنفًا فَردُّوا الْأَمر إِلَيْهِ وأحضر خلعة عِنْده وَالرسل تسْعَى من الشريف سعد إِلَيْهِ إِلَى الضحوة فاتفق الرَّأْي أَن يُلبسوا الخلعة الشريف سعد فَأَخذهَا من تَحت ركبته شخص من أكَابِر عَسْكَر مصر يُقَال لَهُ المسلماني وَذهب بهَا إِلَى الشريف سعد فلبسها فِي بَيته من غير وعد قلت وَكَانَ مجْلِس عماد أغا فِي الْمَسْجِد فِي دكة عِنْد بَاب رِبَاط الداودية وَقد كنت إِذْ ذَاك وَاقِفًا أنظر فَبعد أَن أخذت الخلعة قيل لَهُ إِن ابْن الشريف زيد مُحَمَّد يحيى هُوَ الْمولى وَقد أَخذ لَهُ وَالِده أمرا سلطانياً بذلك فَقَالَ لمن أَخذ الخلعة قُولُوا للشريف سعد بِشَرْط أَنَّك قَائِم مقَام قَائِم مقَام هَكَذَا سمع أُذُنِي فَبعد أَن ذَهَبُوا بهَا وَمَشوا قَلِيلا دخل الْمَسْجِد من بَاب بني سهم الْمُسَمّى بِبَاب الْعمرَة جمَاعَة من الْأَشْرَاف مِنْهُم مَوْلَانَا السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله وَالسَّيِّد مبارك بن الْفضل بن مَسْعُود وَعبد الله بن أَحْمد وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن حراز وَغَيره فِي نَحْو ثَمَانِيَة عشرَة أشخاص فوقفوا على عماد وَرَأَوا جمَاعَة للأتراك بيدهم الخلعة قد قاربوا بَاب الْمَسْجِد النَّافِذ إِلَى بَيت الشريف فَقَالَ لَهُم عماد نَحن ألبسنا الشريف سعد بِشَرْط أَنه قَائِم مقَام أَخِيه مُحَمَّد يحيى لِأَنَّهُ هُوَ الْقَائِم بعد أَبِيه المرحوم زيد بِأَمْر سلطاني فَلم يردوا عَلَيْهِ خطابا ثمَّ إِنَّهُم رجعُوا من الْبَاب الَّذِي دخلُوا مِنْهُ ثمَّ إِنِّي أَحْبَبْت الْإِحَاطَة التَّامَّة بالْخبر وَذَهَبت إِلَى منزل مَوْلَانَا السَّيِّد حمود فَإِذا الْخُيُول على الْبَاب وَإِذا الْمجْلس وَالْبركَة غاصان بالسادة الْأَشْرَاف فَلم أستقر فِي الْمجْلس إِلَّا وَالسَّيِّد حمود ﵀ خَارِجا من مَحل الْحَرِيم معتماً عِمَامَة زرقاء عَلَيْهِ صوف عودي فَخرج إِلَى الْبركَة وَجلسَ لَحْظَة خَفِيفَة وَقَامَ عَامِدًا للنزول إِلَى مَوْلَاهُ المرحوم الشريف زيد وغسله ومعاناة تَجْهِيزه وَدَفنه وَمَعَهُ نَحْو ثَلَاثَة أشخاص من بني عَمه لَا أذكرهم الْآن فَلَمَّا كَانَ فِي أثْنَاء الدرج نازلاً إِذا السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَارِث لاقاه طالعاً فمذ
стр. 2106
رَآهُ السَّيِّد حمود وقف وَقَالَ لَا قطع الله هَذِه الزائلة وَكَانَ جَوَاب السَّيِّد أَحْمد سمع أُذُنِي قَوْله إِذا جاءتك الرِّجَال كن زبرة فَرجع مَعَه ثمَّ جهز مَوْلَانَا الشريف زيد وَأخرج إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام بعد صَلَاة الظّهْر وَخرج مَعَه اثْنَان من الْأَشْرَاف أَحدهمَا وَلَده السَّيِّد حسن بن زيد وَالْآخر من أَوْلَاد عَمه وَأما بَاقِي الْعَسْكَر والأتباع فَلم يخرج مِنْهُم إِلَّا النزر الْيَسِير لاشتغالهم بِمَا هم فِيهِ وطلعوا بِهِ إِلَى المعلاة وَدفن فِي قبَّة المرحوم مَوْلَانَا الشريف أَبُو طَالب فِي جَانِبه إِلَى جِهَة الْقبْلَة وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم وَخرج مَعَه أهل مَكَّة وَبكى عَلَيْهِ الصَّغِير قبل الْكَبِير وَالْحكم لله الْعلي الْكَبِير وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم أعظم مُصِيبَة على الْمُسلمين وَلَكِن نرْجِع إِلَى قَول رب الْعَالمين ﴿الَّذين إِذا أصبتهم قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رجعون أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوت مِن رَبِّهِم وَرَحمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ اَلمُهتَدُونَ﴾ الْبَقَرَة ١٥٧ وَمِمَّا قيل فِي تَارِيخ وَفَاته قَول أخينا الْفَاضِل الأريب الشَّيْخ أَحْمد بن قَاسم الخلي وَهُوَ تَارِيخ عَظِيم عَجِيب هُوَ قَوْله من الْخَفِيف
(ماتَ كهفُ الورَى مليكُ ملوكِ اْلأَرْضِ ... مَنْ لَمْ يَزَلْ مَدَى الدَّهْرِ مُحْسِنْ)
(فالمعاني قالَتْ لنا أرِّخُوهُ ... قد ثَوَى فِي الجنانِ زيدُ بْنُ محْسِنْ)
ولمولانا قَاضِي الْمُسلمين بِبَلَد الله الْأمين الإِمَام الْعَلامَة الْقدْوَة الفهامة مَوْلَانَا القاضى عبد المحسن ابْن مَوْلَانَا الشَّيْخ سَالم القلعي مؤرخاً لوفاته قَوْله من الْكَامِل
(يَا أهلَ مكَّةَ إنَّ سيدنَا الَّذِي ... مَلَكَ الحجازَ وكانَ فِيهِ الأرشَدُ)
(رَبُّ السماحةِ والشجاعةِ والحيا ... والحلْمِ وصفاه التقَى والسؤددُ)
(لَقِىَ الإلهَ فَكَانَ تاريخِى لَهُ ... زيدُ بن محسِن فِي الجنانِ مخلَّدُ)
وَمِمَّا قيل فِيهِ قَول الشَّيْخ مُحَمَّد بن حَكِيم الْملك رَحمَه الله تَعَالَى راثياً أَبَاهُ الشريف محسن ومادحاً لَهُ من الْبَسِيط
(صوادحُ البانِ وهْنًا شجوُهَا بادِى ... فمَنْ عذيرُ فَتى فى فَتِّ أكبادِ)
(سبٌّ إِذا غنَّتِ الورقاءُ أرَّقه ... تذكيرُهَا نغماتِ الشادِنِ الشادِى)
(فباتَ يرعفُ من عينَيْه تحسبُهُ ... يزبرجُ المدمَعَ الوكَّافَ بالجادي)
стр. 2107
(جافى المضاجعَ إلْف السهدِ ساورَهُ ... سُمُّ الأساودِ أَو أنيابُ آسادِ)
(لَهُ إِذا الليلُ واراه نشيجُ شَجٍ ... وجذوةٌ فِي حشاهُ ذاتُ إيقادِ)
(سمَّاره حينَ يضنيهِ توحُّشُهُ ... فيشرئبُّ إِلَى تأنيسِ عُوَّادِ)
(وجْدٌ وهمٌّ وأحزانٌ وبرحُ جوىً ... ولوعةٌ تتلظَّى والأسَى سادِى)
(أضناهُ تفريقُ شملٍ ظلَّ مجتمعا ... وضَنَّ بالعودِ دهْرٌ خطبه عادِى)
(فالعمرُ مَا بَين ضرِّ يَنْقَضِي وضناً ... والدهْرُ مَا بَين إيعادٍ وإبعادِ)
(لَا وصْل سلمى وَذَات الْخَال يرقُبُهُ ... وَلَا يؤمّلُ من سعدَى لإسعادِ)
(أشجَى فؤادىَ واستوهَى قوى جلدي ... أقوَى ملاعب بَين النصْبِ والوادِى)
(عفَّتْ محاسنهَا الأيامُ فاندرسَتْ ... واستبدلَتْ وَحْشَة من أُنْسُهَا البادِى)
(وعطَّلَتْهَا الرزايا وَهِي حاليةٌ ... بساكنيها وورَّادٍ وروَّادِ)
(وعاث صرفُ الليالِى فِي مَعَالمها ... فَمَا يجيبُ الصدَى فِيهَا سوى الصادِى)
(دوارج المور مارَتْ فِي معاهدها ... فغادَرَتها عَفا الساحاتِ والنادِى)
(وناعبُ البينِ نَادَى بالشتاتِ بهَا ... فأهلُهَا بَين أغوارٍ وأنجادِ)
(وصوحَتْ بالبلا أطلالُهَا وخلَتْ ... رحابها الفيحُ من هِنْدٍ وَمن هادِى)
(أضحَتْ قفاراً تجرُّ الراسياتِ بهَا ... ريحُ جنوبٍ وَشَمل ذيلها الخادِى)
(كَأَنَّهَا لم تكُنْ يَوْمًا لبيض مَهًا ... مراتعاً قد خلَتْ فيهنَّ من هادِى)
(وَلم تظلَّ مغانيها بغانيةٍ ... تغنى إِذا مَا روى مِنْ بَدْرها رادِى)
(وَلَا عطا بَينهَا رِيم وَلَا طلقٌ ... بهَا بدورُ دُجًى فِي بُرْجِ منطادِ)
(وَلَا تثنَّتْ بهَا لمياءُ ساحبة ... ذيل النَّعيم دلالاً بَين أندادِ)
(فارقْتُهَا فكإني لم أظَلَّ بهَا ... فِي ظِلٌ عيشٍ يجلى عذْرَ حسادِ)
(أجني قطوفَ فكاهاتٍ محاضرةٍ ... طوراً وطوراً أُنَاجِي زينةَ الْهَادِي)
(هيفاءُ يزرِى إِذا ماسَتْ تمايلها ... بأملَدٍ من غصونِ البانِ مَيَّادِ)
(بجانِبِ الجيدِ يهوى القرْط مرتعداً ... مهواهُ حد سحيق فَوق أكبادِ)
(شفاتها بَين حُرِّ الدّرّ قد خزنَتْ ... ذخيرة النحْلِ ممزوجاً بهَا الجادِى)
(إِذا نضَتْ عَن محياها النقابَ صَبَا ... مستهتراً كُلُّ سَجَّادٍ وعَبَّادِ)
(وَإِن تجلَّتْ فَفِيمَا قد جلَتْهُ دُجًى ... لنا بِهِ فِي الدآدي أيُّما هادِى)
стр. 2108
(وميضُ برقِ ثناياها إِذا ابتسمَتْ ... بعارضِ الدمعِ من مهجورها حادِى)
(وناظرانِ لَهَا يرتدُّ طرفُهُمَا ... مهما رنَتْ عَن قتيلٍ مَا لَهُ وادِى)
(وصبحُ غُرَّتها فِي ليلِ طُرَّتها ... يوماىَ من وَصْلها أَو هجرها العادِى)
(تلكَ الربوعُ الَّتِي كانَتْ ملاعبها ... أخنَى عَلَيْهَا الَّذِي أخنَى على عَادِ)
(إِلَى مراتعِ غزلانِ الصريمِ بهَا ... يحنُّ قلبِي المعنَّى مَا شدا شادِى)
(بعدا لدهْرٍ رماني بالفراقِ بهَا ... وَلَا سقَى كنفيه الرائحُ الغادى)
(عَمْرِى لقد عظمَتْ تِلْكَ الفوداحُ منْ ... خطوبِهِ وتعدَّتْ حدّ تعدادِ)
(فقدْ نسيتُ وأنستْنِى بوائقه ... تِلْكَ الَّتِي دهدهَتْ أصلاد أطوادِ)
(مصارعٌ لبني الزهرا وأحمدَ قَدْ ... أذكرْنَ فخا ومَنْ أردى بهَا الهادِى)
(لفقدِهِمْ وعَلى المطلولِ مِنْ دمهم ... تبكِى السماءُ بدمْعٍ رائحٍ غادِى)
(وشَقَّ جيبَ الغمامِ البرْقُ من حزنٍ ... عليهمُ لَا علىَ أبناءِ عبَّادِ)
(كَانُوا كعقْد لجيدِ المجدِ مذْ فرطَتْ ... من ذَاك واسطةٌ أودى بتبدادِ)
(وهْوَ المليكُ الَّذِي للملكِ كَانَ حِمًى ... مذْ ماسَ من بُردِهِ فِي خيرِ أبرادِ)
(كانتْ لجيرانِ بيتِ الله دولتُهُ ... مهادَ أمْنٍ لسرحِ الخوفِ ذوادِ)
(وَكَانَ طوداً بدَسْتِ الْملك مُحْتَبِيًا ... ولاقتناصِ الْمَعَالِي أَي نهادِ)
(ثوَى بصَنْعَا فيا لله مَا اشتملَتْ ... عَلَيْهِ من مجدِهِ فِي ضيقِ ألحادِ)
(فقد حويتِ بِهِ صنعاءُ من شرفٍ ... كَمَا حوَتْ صعدةٌ بالسيد الهادِى)
(فحبذا أنتِ يَا صنعاءُ من بلدٍ ... وَلَا تغشى زياداً وكْف رعَّادِ)
(مصابُهُ كَانَ رزءاً لَا يوازنُهُ ... رزءٌ ومفتاح أرزاءِ وأسبادِ)
(وَكَانَ رَأْسا على الأشرافِ مُنْذُ هوَى ... تتابعوا إثْرَهُ عَن شبهِ ميعادِ)
(كهفُ المضافِ إِذا مَا أزمةٌ أزمَتْ ... من خطبِ نائبةٍ للمتنِ هدادِ)
(كهفُ المضافِ إِذا مَا أمحلَتْ سنةٌ ... يضنُّ فِي محْلها الطائىُّ بالزادِ)
(كهفُ المضافِ إِذا كَرَّ الْجِيَاد لَدَى ... حَرّ الجلادِ أثار النقْعَ بالوادي)
(كهفُ المضافِ متَى مَا يستباحُ حمى ... لفقدِ حامٍ بورد الكَرِّ عوادِ)
(كهفُ المضافِ إِذا الْجَلِيّ بِهِ نزلَتْ ... وَلم تجدْ كاشفاً مِنْهَا بمرصادِ)
(كهفُ المضافِ إِذا حلُّ المغارم فِي ... نيلِ العلَا أثقل الْأَعْنَاق كالطادِ)
стр. 2109
(كهفُ المضافِ إِذا نَادَى الصريخُ ولَمْ ... يجدْ لَهُ مصرخاً كالغيثِ للصادِى)
(كهفُ المضافِ إِذا الدهْرُ العسوفُ سَطَا ... بضيْمِ جارٍ لنيلِ العِزِّ معتادِ)
(بل لهْفَ نَفْسِ ذَوي الآمالِ قاطبةَ ... عليهمُ خيْر مرتادٍ لمرتادِ)
(كانتْ بهم تزدهِى فِي السلْمِ أنديةٌ ... وَفِي الوغَى كُلُّ قدادٍ وميَّادِ)
(على الأرائِكِ أقمارٌ تضىءُ ومِنْ ... تحتِ الترائِكِ آسادٌ لمستادِ)
(تشكُو عداهُمْ إِذا شاكى ... شكٌ القنا مَا صفا مِنْ نسخِ زرادِ)
(إِلَى النحورِ وَمَا تحوي الصدورُ وَمَا ... وارَتْهُ فِي جُنْحها ظلماتُ جسادِ)
(جَناجنًا فُلُقًا تَحْوِى جَآ جِئُوهَا ... مِمَّا يقصِّدُ فِيهَا كل قَصَّادِ)
(بادوا فبادَ من الدُّنْيَا بأجْمعِهَا ... من كانَ فكَّاك أصفادٍ بأصفادِ)
(وَقد ذوَتْ زهرةُ الدُّنْيَا لفقدِهِمُ ... وأُلْبسَتْ بعْدهَا أثوابَ إحدادِ)
(واجتثَّ غرس الْأَمَانِي من فجيعَتِهِمْ ... وأنشدَ الدهْرُ تقنيطاً لروادِ)
(يَا ضيفُ أقفَرَ بيتُ المكرماتِ فخذْ ... فِي ضمِّ رحلكَ واجْمعْ فضلةَ الزادِ)
(يَا قلبُ لَا تيأَسَنْ من هولِ مصرعِهِمْ ... وعَزِّ نفسكَ فِي بؤسٍ وإِنكادِ)
(بمَنْ غَدا خلفا يَا جبَّذا خلفٌ ... فِي الملكِ من خيرِ آباءٍ وأجدادِ)
(بحائزٍ إرثَهُمْ حاوي مفاخِرِهم ... عَمَّا حوَى الألْفُ من آحادِ أعدادِ)
(وذاكَ زيدٌ أدامَ الله دولتَهُ ... وزادَهُ مِنْهُ تأييداً بأعدادِ)
(سما بِهِ النسَبُ الوضَّاحُ حيثُ غَدا ... طريقُهُ جَامعا أشتاتَ أتلادِ)
(لقد حوَى من رفيعاتِ المكارِمِ مَا ... يَكْفِي لمفخَرِ أجداد وأحفادِ)
(أَلَيْسَ قد نَالَ ملكا فِي شبيبتِهِ ... مَا ناله مَنْ سعَى أعمارَ آمادِ)
(أليْسَ فِي وهَجِ الهيجا مواقفُهُ ... مشكورةً بَين أعداءٍ وأضدادِ)
(أَلَيْسَ أصبَحَ بِالتَّنْعِيمِ سابحُهُ ... لج المنايا ليحمي قُلَّ أجنادِ)
(أليْسَ نبئتَ يَوْم الليثِ أنَّ لَهُ ... وثباتِ ليثٍ يزجّى ذودَ نقادِ)
(أليْسَ يومَ العطا تحكِى أناملهُ ... خلجانَ بحْرٍ بفيضِ التبرِ مدادِ)
(أليْسَ قد راحَ فِي تأسيسِ دولتِهِ ... منْ جده الْمُصْطَفى رمْز بإرشادِ)
(دامَتْ معاليه والنعمَى يذال لَهُ ... مصونها وَهْوَ ملحوظٌ بإسعادِ)
стр. 2110
(مَا لاحَ برقٌ وَمَا ناحَتْ على فَنَنٍ ... صوادحُ البانِ وَهنا شجوها بادِى)
وَمِمَّا قيل فِيهِ أَيْضا قَول الإِمَام الْفضل بن عبد الله الطَّبَرِيّ الْحُسَيْنِي // (من الْبَسِيط) //
(يَا مىُّ حَيا الحيا أَحْيَا محياكِ ... هَلَاّ بأعتاب عتبي فَاهَ لي فاكِ)
(مَنْ لي إليكِ وَقد أودَى صدودكِ بِي ... وَلَا تزالينَ طَوْعًا لي أفَّاكِ)
(يَا هَذِه لم أزَلْ من بُعْدِهَا وَدُنُوّ ... السقْمِ من بعْدهَا موثوق أشراكِ)
(تيهي أطيلي التجنِّى والجفاء وَمَا ... أردتِّ فاقضِيهِ بِي فالحسْنُ ولاكِ)
(رفقا رويداً كإني بالعذولِ علَى ... تطاولِ الصدِّ فِي ذَا الصبِّ عزاكِ)
(إِن لم يعز عزا عَيْني وقَدْ حُظِرَتْ ... مرآكِ فليَهْنِ قلبى وهْوَ مرعاكِ)
(حسبِى دَلِيلا على شوقِى المبِّرحِ بِي ... أنِّى لَثَمْتُ عذولي حينَ سَمَّاكِ)
(والجفْنُ فِي أرقٍ والقلْبُ فِي حرقٍ ... والعينُ فِي غرقٍ إنسانُهَا باكى)
(يَا مهجةَ الصبِّ غير الصبْرِ ِليس وقَدْ ... حنَّتْ بِمَا قد لاقَيْت عينَاكِ)
(وَيَا عذولِى لُمِ اكْفُفِ اضْلُل اهْدِ تَرَفَّقْ ... لِجِّ دَعْ أَوْجِبِ اطْلَاقِى وإمساكِى)
(وَيَا أسيرةَ حجليها أرَى سَرَفًا ... لُبْسَ الحلى وَقد منّعْت مرآكِ)
(عطفا علَى حالِ مَنْ لَا يَبْتَغِي بَدَلا ... ولبْسَ يشفيه مِنْ مشفيه إلاكِ)
(وأجملي الودَّ واخَشَىْ عدْلَ ذى الشَّرَفِ المؤيَد ... العزِّ مولاىَ ومولاكِ)
(زيدُ بن محسِنَ سلطانُ الأنامِ إمامُ ... الحضرتَيْنِ أمانُ الخائفِ الباكى)
(كهفُ الضيوفِ وثَلَاّمُ الصفوفِ ... وَمَنَّاحُ الصنوفِ وَفَاء دون تَشْكَاكِ)
(وباسلٌ لَو رأَى شزراً على حنقٍ ... للموْتِ مَا اخترم المَشْكُوّ والشاكي)
(ألقاسمُ الجودَ فِي سامٍ وَذي ضعةٍ ... كواسم الْجُود فِي نبْتٍ وأشواكِ)
(يُلقى فَيلقى بفَضْلٍ غير محتجبٍ ... وشأو شانٍ علا فِي غَيْرِ إدراكِ)
(وَنُهْبَة لَو رأى الضلال صُورتها ... لأصْبَحُوا بَين أخيارٍ ونُسَّاكِ)
(يهتزُّ للعَفْوِ من حلمٍ وَلَا طرب الْمثموُل ... من شمْسِ شماسٍ وبتراكِ)
(مهذَّبٌ رَأْيه والعزْمُ ناصرُهُ ... أغناه عَنْ أزرِ أعرابٍ وأتراكِ)
(وَذي سَطَا كمْ تشاكَى بأسَهُ شاكي ... فِي الملتقَى وتحامَى بَطْشَهُ شاكى)
(ثبْتُ الجنانِ إِذا كَانَ الخميسُ وغا ... كَأَنَّهُ بَين ظِلِّ الضالِ والراكِ)
стр. 2111
(كم أضحَكَ السْيفَ من باكٍ يجدِّلُهُ ... والزحْف مَا بَين مفْتَاكٍ وفَتَّاكِ)
(ومَنْ يكنْ ذَا خليلِ غير صارمِهِ ... والعزم يوشكُ أَن يفجا بأضراكِ)
(وَذي كعوبٍ لَهُ من طولِ حامِلِهِ ... طولٌ بمجتمعِ الجَنْبَيْنِ شكاكِ)
(مُخَاطب بلسانٍ ناطقٍ بعجائبِ ... المنايا بديهاً يَا لَهُ حاكي)
(هُوَ المليكُ الذى أسْنَى الممالك والأزْمَان ... مِنْ بعدِ إسناءٍ وإحلاكِ)
(وطَبَّقَ الأرضَ عدلا والضواحىَ ... فالضِّدَانِ فِي أمرِهِ المَنْكى والناكي)
(ونادَتِ الغُبُر الخضراء لَو عقَلَتْ ... غيظاً بِهِ ضرَّتى أبعدتِّ مرماكِ)
(وذكْرُهُ أرَّجُ الأرجاءَ شاسعةٌ ... فَطِيبُ رِيحِ الصِّبَا مِنْ عَرْفه الزاكِى)
(يَا نفْسَ آمِلِهِ بُشْرَاكِ بشراكِ ... وَلَو قضيْت بإذنِ الله أحياكِ)
(أَو رمْتِ أجناد عُدْم أَو نويْتِ بِمَا ... أعياكِ محمله أغنَى وأقنَاكِ)
(أوْرَدَ أَمْسَك حَالا أَو مُضِى غدٍ ... بسعده كَانَ مَا تبغين يلقاكِ)
(وَيَا سيادتَهُ مِنْ أَن يطاولها ... مثلٌ وإياه حاشاهُ وحاشَاكِ)
(ودولَة فِي حياةِ العمْرِ غرتُهَا ... مَا الدهْرُ حَتَّى انْقِضَاء الدهْرِ ينساكِ)
(وَيَا ليالِيهِ قد دامَتْ بسؤددِهِ ... من أينَ للملكِ شرواه وشرواكِ)
(وَيَا أيادِى أيادِيهِ السنيَّة لَا ... ينفكُّ حسنكِ مَقْرُونا بحسناكِ)
(لَو كَانَ فى عَصْرِهِ بعد النبوةِ مبعوثٌ ... لَكَانَ بِلَا دفعٍ وإشراكِ)
(لَو طُرِّزَتْ باسمه الراياتُ مَا حذرَتْ ... أصحابُها غلبا أَو حطم دهاكِ)
(وقالتِ العينُ لَو ترنو إِلَيْهِ بهَا ... سناه يَا أرْضُ عني كَانَ أغناكِ)
(وَلَو تقدّّم عهدا كَانَ ممتدحَ الآياتِ ... فِي طَىِّ منشوراتِ إصكاكِ)
(فالحمدُ بعدُ لَهُ والحمْدُ قبلُ لمَنْ ... حبا الأنامَ سريَّاً أَصله الزاكِى)
(لَا زالَ واقِىَ مَنْ والَى ولاذَ بِهِ ... وقْعَ الخطوبِ بعزِّ مِنْهُ فَتَّاكِ)
(يَابْنَ الأُلى للعُلَا شادوا منيعَ حِمى ... يحجه كُلّ كفافٍ وفكَّاكِ)
(بالمجدِ سادوا وداسُوا هامَ شانِئِهِمْ ... وَسيف عزمٍ لروح القرنِ سفاكِ)
(قد ذاد فِي شرفِ البطحاءِ أنكَ فِي ... جِيرَانهَا خيْرُ فَعَّالٍ وتَرَّاكِ)
(مولى الْجَمِيل ومنجاةُ الدخيلِ ومنحاةُ ... الخذيلِ سرى بِعَين أملاكِ)
стр. 2112
(كافِيَّةٌ بُسِطَتْ وزنا وقافيَةً ... تلوحُ كالدُّرِّ أَو ياقوتِ أسلاكِ)
(يقولُ لَو خالها الحِلِّىُّ خاطره ... حلاك يَا مَنْ صَنِيع الْفضل حلاّكِ)
(وباعَ قيراطه الْبُرْهَان منبخساً ... يزيفه فِي انتقادٍ كُلُّ حَكَّاكِ)
(وقالَ واسمك يَا ذَا العِزِّ واسطها ... لطلعةِ البَدْرِ أَن لَا بَدْرَ إلاكِ)
(تبغِى القبولَ وقَدْ جاءَتْ مُعَارضَة ... أَمْثَال كفى وفكِّى قيد أسراكِ)
ثمَّ وَليهَا الشريف سعد ابْن الشريف زيد ابْن الشريف محسن بن حُسَيْن بن حسن وَلبس الخلعة ونادي مناديه فِي الْبِلَاد يسمعهُ الْحَاضِر والباد وَالنَّاس حوله لَهُم ضجيج كالرعد الْبِلَاد بِلَاد الله وبلاد السُّلْطَان وبلاد الشريف سعد وانجلت البصائر والأبصار ذهبت الْحيرَة وَرَبك يفعل مَا يَشَاء ويختار مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة وَقد أرخ صاحبنا وعزيزنا الشَّيْخ الأكرم الشَّيْخ أَحْمد بن قَاسم الخلي جُلُوسه فَقَالَ وَفِيه لطف إِدْخَال بديع // (من مخلَع الْبَسِيط) //
(قامَ بأمْرِ البلادِ سعدٌ ... أيَّدَ رَبُّ السماءِ مُلْكَهْ)
(بغايةِ المجدِ أرِّخُوهُ ... قد نِلْتَ بالسيفِ أمْرَ مَكَّهْ)
ولمولانا المرحوم الإِمَام فضل ابْن الإِمَام عبد الله الطَّبَرِيّ فِي ذَلِك قَوْله // (من مخلع الْبَسِيط) //
(قَالُوا لنا اليَوْمَ ماتَ زيدٌ ... والناسُ تخشى وقوعَ عَرْكَهْ)
(والقومُ يسَّاءلونَ هَذَا ... قَالَ لذا منْ يرومُ ملْكَهْ)
(فقلتُ والقيلُ قد تناهَى ... والخلْقُ فِي ضَجَّةٍ ورَبْكَهْ)
(بَيْتا صَحِيحا لَهُم جَوَابا ... مُؤَرِّخا فِيهِ رُمْتُ سَبْكَهْ)
(يبايعوهُ يملِّكُوهُ ... سعْدُ بن زيدٍ شريفُ مَكَّهْ)
ولأخينا المرحوم القَاضِي أَحْمد ابْن القَاضِي مرشد الدّين الْعمريّ الْحَنَفِيّ قَوْله مؤرخاً // (من مجزوء الْكَامِل) //
(شمسُ الخلافةِ أشرَقَتْ ... وبدا منيراً سَعْدُهَا)
(مذ حازَهَا الشرَفُ الَّذِي ... بِعُلَاهُ زُيِّنَ عِقْدُهَا)
(سعدُ الَّذِي تاريخُهُ ... خَيْرُ الملوكِ سعيدها)
وَكَانَ مَعَ الشريف زيد مملوكان أَحدهمَا تركي الْجِنْس اسْمه ذُو الفقار وَالْآخر
стр. 2113
حبشِي اسْمه بِلَال أما الأول فَكَانَ عِنْد مَوْلَانَا الشريف من زمَان حَتَّى كبر وَصَارَ شَيخا للعسكر اللهام فَقَامَ عَلَيْهِم أحسن قيام وَكَانَ ذَا هَيْبَة وَرَأى سديد صَاحب قُوَّة وبأس شَدِيد فَدَعَاهُ مَوْلَانَا الشريف فِي بعض السَّاعَات إِلَيْهِ وأوصاه على بنيه وعولته رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَلَمَّا انْتقل الشريف إِلَى دَار الْآخِرَة امتثل مَوْلَاهُ أوامره وَقَامَ على قَدَمَيْهِ وشمر وكشف عَن ساعديه وَشد المئزر ورتب العساكر فِي الْمدَارِس بلصق الْمَسْجِد الْحَرَام الْمَعْمُور ووزعهم على المنائر والدور وَوضع المدافع على رُءُوس المنافذ والطرقات وَضبط قانون الْحِرَابَة من سَائِر الْجِهَات هَذَا ومولانا السَّيِّد حمود لم يبرح من بَيته مَعَ بني عَمه وشيعته ونار الْفِتْنَة قَائِمَة أَشد قيام قُلْنَا يَا نَار كوني بردا وَسَلام ثمَّ بعد ذَلِك جلس مَوْلَانَا الشريف سعد للتهنئة وَالسُّرُور وتأطد لَهُ الْملك بفأل اسْمه والحبور ودعا مَشَايِخ الْعَرَب وَأهل الدَّرك وألزم كلا بجهته وَلم يَقع وَللَّه الْحَمد بِمَكَّة المشرفة شئ من النهب أَو الْقَتْل أَو الْخَوْف ﴿فَليَعبُدُوا رَب هَذا البيتِ اَلَذِي أَطعَمَهُم مِن جوُع وءامنهم مِن خَوْفِ﴾ قُرَيْش ٣ ٤ وَمن لطف الله سُبْحَانَهُ أَن كَانَ انْتِقَال مَوْلَانَا الشريف زيد رَحمَه الله تَعَالَى بعد انْقِضَاء الْحَج وَتوجه كل إِلَى بَلَده وَكَانَ بِمَكَّة المشرفة يَوْمئِذٍ بعض تجار من حجاج الشَّام تخلفوا عَن أَمِيرهمْ وَقد جرت الْعَادة بذلك أَنهم يُقِيمُونَ مُدَّة لقَضَاء حوائجهم بعده ثمَّ يتوجهون ويجتمعون بِهِ فِي الْمَدِينَة المنورة فَلَمَّا أَرَادوا السّفر طلبُوا من مَوْلَانَا الشريف سعد حفظه الله تَعَالَى أَن يَأْمر من يوصلهم الْمَدِينَة خوفًا على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ فأجابهم إِلَى ذَلِك كَانَ الله لَهُ وَأرْسل مَعَهم السَّيِّد فَارس ابْن المرحوم بَرَكَات بن حسن وَمَعَهُمْ جمع من الْعَسْكَر فأوصلوهم الْمَدِينَة الشَّرِيفَة سَالِمين وَللَّه الْحَمد والْمنَّة ثمَّ أَمر حَاكم الطَّائِف وَكَانَ بِمَكَّة جمع من أهل الطَّائِف من الْحجَّاج قد أحْصرُوا عَن أَوْلَادهم وَأَمْوَالهمْ وَلم يُمكنهُم التَّوَجُّه شَفَقَة فَجهز جمَاعَة من الْعَسْكَر صُحْبَة
стр. 2114
الْحَاكِم الْمَذْكُور فَسَارُوا بهم من ليلهم فوصلوا إِلَى الطَّائِف من طَرِيق يعرج ونادى مناديه فِي الْبِلَاد من سَاعَته وَلما وصل الْخَبَر بوفاة الشريف زيد رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى الطَّائِف قبل وُصُول الْحَاكِم اضْطَرَبَتْ الْبِلَاد اضطراباً شَدِيدا وعزل السُّوق وكل أغلق بَابه وَنزع ثِيَابه وَدفن أَسبَابه إِلَى أَن وصل الْحَاكِم فاطمأنت حِينَئِذٍ الخواطر من البوادى والحواضر وَكَانَ إِذْ ذَاك مَوْلَانَا السَّيِّد زين العابدين بن عبد الله بن حسن بِالطَّائِف وَأَوْلَاده وَأَتْبَاعه فَلَمَّا وصل هَذَا الْخَبَر ركبُوا الْجِيَاد وداروا الْبِلَاد ونأدوا بالأمان فخمدت بذلك دَاعِيَة الْبَغي والطغيان وطمنوا النَّاس وَأمرُوهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى السُّوق وَبسط الدكاكين فَفَعَلُوا وامتثلوا وحمدوا رَبهم وشكروا وَكَانَ وُصُول الْحَاكِم آخر ذَلِك النَّهَار وَلما كَانَ يَوْم الرَّابِع من انْتِقَال مَوْلَانَا الشريف وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة أَرَادَ الْخَطِيب أَن يخْطب فَوقف عَن الْخطْبَة لسَبَب من الْأَسْبَاب يدريه أولو الْأَلْبَاب فصلى النَّاس الظّهْر وَأما مَكَّة فَخَطب الْخَطِيب بهَا ودعا للشريف سعد بالنصر والتأييد وَالنَّاس فِي عَيْش رغيد وَفِي هَذَا الْوَقْت وَقع طراد فى جِهَة المشناة قَرِيبا من وادى وَج بَين قبيلتين قُرَيْش والحمدة من ثَقِيف وَاسْتمرّ إِلَى وَقت الْعَصْر وَحصل بَينهمَا بعض جراحات وَكَانَ بِمَكَّة المشرفة يَوْمئِذٍ جمَاعَة من الْأَعْرَاب أهل خيل وركاب لما بَلغهُمْ موت الشريف زيد ﵀ انْطَلقُوا على رُءُوسهم إِلَى الْبِلَاد وكل من وجدوه فِي طريقهم أَخَذُوهُ بالظلم والعناد وَأَكْثرُوا فِي الأَرْض الْفساد إِن رَبك لبالمرصاد وَمَا كَانَ من طَرِيق الْحجاز فَوَقع فِيهَا الْخَوْف والنهب وَالْقَتْل وَالضَّرْب وكل من ظفر بِصَاحِبِهِ أَخذه وَأهل الْقرى تَرفعُوا عَن الطرقات واجتمعوا فِي بعض الْجِهَات خوفًا على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وَفِي الْيَوْم الثَّالِث من موت مَوْلَانَا الشريف سامحه الله تَعَالَى وَهُوَ يَوْم الْخَمِيس وَقع اضْطِرَاب كَبِير من بعد الظّهْر إِلَى بعد الْعَصْر بَين مَوْلَانَا الشريف سعد ومولانا السَّيِّد حمود وكل مِنْهُمَا جمع جيوشه وتحصنوا فِي الْبيُوت والمنائر وركبوا جمَاعَة السَّيِّد حمود فى الضلع الذى خلف بَيته والجبل الْمَعْرُوف بجبل عمر وتراموا بالرصاص من بعد وَلم تحصل مُوَاجهَة ثمَّ إِنَّهُم اسْتمرّ بهم الْحَال وكل يَوْم يُصْبِحُونَ فِي قيل وَقَالَ وكل من الشريفين واثب على قَدَمَيْهِ كسبع
стр. 2115
الصيال سُبْحَانَ الله يُؤْتِي الْملك من يَشَاء وَهُوَ الْكَبِير المعتال فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث عشر من يَوْم الْوَفَاة وَقع الِاتِّفَاق بَين مَوْلَانَا الشريف سعد ومولانا السَّيِّد حمود على قدر مَعْلُوم من الْمَعْلُوم وعينت جهاته وَكَانَ يَوْمًا عَظِيما عندنَا أَيهَا النَّاس وَحصل بذلك الْأَمْن وارتفع الْبَأْس وَأمر مَوْلَانَا الشريف بالزينة ثَلَاثَة أَيَّام وَظهر السرُور وزالت الحزون وَرَبك يعلم مَا تكن صُدُورهمْ وَمَا يعلنون وَكتب محْضر من الشريف سعد عَلَيْهِ خطوط الْأَعْيَان من الأفندي وَشَيخ الْحرم والمفتي وأعيان الْبِلَاد على مَرَاتِبهمْ وعساكر مصر كَذَلِك وَذهب بِهِ بِلَال أغا إِلَى مصر المحروسة فأوصله باشا مصر وَمَعَهُ مَكْتُوب آخر من عَبده إِلَى الْأَبْوَاب الْعلية فَلَمَّا وصل فتح وَقُرِئَ فِي سَاعَة مباركة طالعها سعد السُّعُود ثمَّ أَمر برد الْجَواب على مَا يسر الخواطر والألباب ﴿واللهُ يَرزقُ مَن يشاءُ بِغَيْرِ حِساب﴾ الْبَقَرَة ٢١٢ وَلذَلِك كتب مَوْلَانَا السَّيِّد حمود محضراً لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا خطوط السَّادة الْأَشْرَاف فَأرْسلهُ صُحْبَة رجل مصري يُسمى الشَّيْخ عِيسَى فَقدر الله أَنه مَاتَ عقب دُخُوله مصر بيومين فوجدوا الْعرض فِي تركته وَلم يصل مقْصده وَكَذَلِكَ كتب عرضا مَوْلَانَا السَّيِّد مُحَمَّد يحيى بن زيد من الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَكَانَ بهَا وَوضع أَعْيَان الْمَدِينَة خطوطهم عَلَيْهِ وَالْتزم بِأَرْبَعِينَ ألف دِينَار للوزير الْأَعْظَم قلت قد كَانَ أخرج مَوْلَانَا الشريف لوَلَده السَّيِّد مُحَمَّد يحيى أمرا سلطانياً بِولَايَة مَكَّة فَلم يتَمَكَّن من إِنْفَاذه خشيَة مَا يَتَرَتَّب على ذَلِك من الْمَفَاسِد وَعدم الرِّضَا من بَقِيَّة أَوْلَاده وَبنى عَمه وَكَانَ فِي كل سنة غَالِبا لم يحجّ مَعَه إِلَّا اثْنَان من أَوْلَاده هما حسن وَمُحَمّد يحيى وَكَانَ السَّيِّد مُحَمَّد يحيى بِالْمَدِينَةِ فَطَلَبه لِلْحَجِّ فِي ذَلِك الْعَام وَهُوَ عَام سِتّ وَسبعين فَامْتنعَ لأمر يُريدهُ الله فَقَالَ مَوْلَانَا الشريف زيد عِنْد امْتِنَاعه ﴿إنَكَ لَا تَهدي من أَحببت﴾ الْقَصَص ٥٦ وَكَانَ الشريف سعد ابتعد نَحْو الشرق فجَاء وتقرب من وَالِده وَحج مَعَه ذَلِك الْعَام وَكَانَ من أمره مَا كَانَ وَالْكل فعل الله سُبْحَانَهُ وَأنْشد لِسَان الْحَال عَن الشريف سعد فِيمَا قصد وَأم // (من الْكَامِل) //
(وَإِذا السَّعَادَة لاحظتك عيونها ... نم)
وَاسْتمرّ النَّاس منتظرين لوُرُود الْخَبَر السلطاني والتشريف الخاقاني نَحْو سِتَّة
стр. 2116
أشهر وَفِي كل شهر يَأْتِي المبشر من مصر المحروسة بِتمَام الْأَمر لمولانا الشريف سعد ويلبس خلعة الْبشَارَة وَفِي ذَلِك إِشَارَة لأهل الْإِشَارَة وَلما كَانَ يَوْم الْخَمِيس خَامِس عشر جُمَادَى الْآخِرَة حصل بَين بعض الْعَسْكَر وَالْعَبِيد شنآن بالمعلاة فتراموا بِالْحِجَارَةِ وسلت السيوف وَلم يَقع بَينهم قتال وَكَانَ هُنَاكَ بعض أَوْلَاد الشريف حفظهم الله تَعَالَى فَقَامُوا بَينهم وَأَصْلحُوا الْقَضِيَّة ثمَّ دخل علينا شهر رَجَب الْأَصَم فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة رَابِع الشَّهْر عِنْد الْغُرُوب حصل بَين مَوْلَانَا الشريف سعد وَبَين جمَاعَة السَّيِّد حمود شنآن كَبِير وَصَاح الصائح فِي الْعَسْكَر فَاجْتمعُوا وكل وَاحِد مِنْهُمَا جمع جموعه وتزبروا وتحصنوا فِي الْبيُوت وَالْجِبَال وتراموا بالبندق لَيْلَتَيْنِ بيوميهما على الشاخص والخيال وَلم يفقد من كل طَائِفَة إِلَّا رجل أَو رجلَانِ وَمَات من الرّعية شخصان خطأ من غير قصد وكل ذَلِك مَعَ فرَاغ الْآجَال فَلَمَّا كَانَ وَقت الضُّحَى وَقع الصُّلْح بَينهم ونادى الْمُنَادِي بالأمان فأمنت النَّاس وَاسْتَبْشَرُوا وحمدوا رَبهم وشكروا ثمَّ إِنَّه اسْتمرّ الْحَال هَكَذَا إِلَى الْيَوْم الثَّانِي وَالْعِشْرين من الشَّهْر الْمَذْكُور فَجَاءَت البشري بالتحقيق بِأَن الْأَمر قد برز لمولانا الشريف سعد فَلَمَّا كَانَ صبح يَوْم الْجُمُعَة سادس عشري رَجَب الْمَذْكُور دخل رَسُول مَوْلَانَا السُّلْطَان مُحَمَّد خَان نَصره الله وأيد بِهِ الْإِسْلَام إِلَى مَكَّة المشرفة حرسها الله تَعَالَى بِالْبَيْتِ الْحَرَام فِي موكب عَظِيم وَمَعَهُ خلعة نفيسة من مَوْلَانَا السُّلْطَان وَمُصَلَّاهُ الَّذِي يصلى عَلَيْهِ ومكتوبان مَعَه من هُنَالك بِأَن الْأَمر لَهُ من غير شريك وَلَا مُنَازع فِي ذَلِك فَدَخَلُوا بهَا من بَاب السَّلَام إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام فلبسها فِي الحضرة الشَّرِيفَة تجاه بَيت الله وَالْمقَام بِحَضْرَة السَّادة الْكِرَام وَالْعُلَمَاء الْأَعْلَام وجيوش الْإِسْلَام مَا بَين خَاص وعام ثمَّ قرئَ المرسوم السلطاني وَفِيه غَايَة التَّعْظِيم والإجلال وَنشر محَاسِن لمولانا الشريف سعد أعزه الله بجاه جده الْأمين وَالْوَصِيَّة على الرّعية وَالْقِيَام بمصالحهم وأمان الزوار وَالْحجاج والمعتمرين وَهُوَ مُفند مستبين مُحَرر مؤيد بِنَصّ ﴿إِنَّا فتحنا لَكَ فَتحاً مُبينا ليغَفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَمَ مِن ذَنْبِكَ وَما تأخرَ﴾ الْفَتْح ١ ٢ وَمَعَ ذَلِك كَانَ
стр. 2117
لَفظه عذباً وجيزاً مبشراً بِنَصّ ﴿ويُتِمَ نِعمَتَهُ عليكَ وَيهديَكَ صِرَاطاً مستَقِيماً وَيَنصُرَكَ اللهُ نَصراً عَزيزا﴾ الْفَتْح ٢ ٣ ثمَّ إِنَّه توجه إِلَى الْبَيْت الشريف ووقف بِالْبَابِ وَالْتزم بالملتزم والأعتاب وَذهب إِلَى دَار السَّعَادَة وَجلسَ للتهنئة مَسْرُورا وَكَانَ ذَلِك فِي الْكتاب مسطوراً وَنُودِيَ بالزينة سبع لَيَال بعد أَن كَانَ النَّاس فِي حَالَة مخوفة فِي ذَلِك الْيَوْم فاطمأن البال وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال وَلما لبس الخلعة وَاسْتقر لَهُ الْأَمر وسرى عَنهُ مَا كَانَ يجده من الكيد والقهر وَبدل الله الْعسر باليسر وأيده بالنصر مدحه الْفُضَلَاء بقصائد مجيدة وأشعار بأمطار سَمَاء الأفكار مجيدة وَكنت مِمَّن تشرف بالانتظام فى سلك نظامهم النَّضِير عوده اللامع فِي أفق الْمَعَالِي مزايا ممدوحهم وسعوده فَقلت من بَحر الطَّوِيل من الْعرُوض المقبوضة وَالضَّرْب التَّام والقافية من الْمُتَوَاتر قولي // (من الطَّوِيل) //
(سقَى الغَيْثُ ذَيَّاكَ الأُبَيْرِقَ والسقْطَا ... فأنْبَتَ فِي أرجائِهِ الرنْدَ والأرْطَا)
(وحَيَّا رُبا تلكَ المعاهدِ فاكتسَتْ ... رياضٌ لَهَا من نسْجِ إبرته بَسْطَا)
(معاهدُ لمياء البديد تعطَّرَتْ ... ومائِثُ ميثاها بِمَا تسحَبُ المِرْطَا)
(لَهَا بَشَرٌ كالماءِ إِذْ قَلْبها صفا ... وناظرُهَا كالسيْفِ لكنه أسطَى)
(إِذا مَا دجا ليلٌ حكى ليلَ جَوْرها ... وإنْ لاحَ نجمُ الأفقِ سمنا بِهِ القرْطَا)
(رداحٌ إِذا لاحَتْ فكالشمْسِ أَو رنَتْ ... فكالظَّبْىِ أَو ماسَتْ ترى الحلَّ والرَّبطَا)
(أراشَتْ لأحشائِى رواشقَ مُقْلِةٍ ... ترَى نبلها يُصْمِى الفؤادَ إِذا أخْطَا)
(هىَ السِّحْرُ إِلَّا أَنه سرّ خالقٍ ... عَلَيْهِ يصيرُ الحبرُ مِنْ رقِّها أوْطَا)
(لَهَا سلْكُ دُرِّ ضمنَ خاتمٍ عسجدٍ ... طلى لعسًا يَا حسنَ حتْمٍ حوى سِمْطا)
(وجيدٌ أعارَ الريم حسنَ التفاتِهِ ... فَلَا صَيد فِيهِ لَا تَرَاهُ وَلَا لعْطَا)
(ومهضمُ كشحٍ مخمص الغورِ رقةً ... لَهُ جَسَدِى من بعضِ أسقامِهِ أعطَى)
(كَمَا قد أنالَ الجسْم فَتْرَة جَفْنها ... نحولاً فكافاها عَلَى وَفقه المعطَى)
(رهينة خدْرٍ يكسبُ الحلى حُسْنها ... جمالاً وَلَوْلَا ذاكَ للشَّيْنِ مَا غطَّى)
стр. 2118
(كأنْ قد براها الله حسنا كَمَا تشا ... فيا طولَ ذاكَ الحسْنِ فِي القامِةِ الوسْطَى)
(سَقَاهَا ومرباها سُحُوحٌ مِنَ الحيا ... ورَوَّى على أكنافها الأثل والخمْطا)
(فيا شَوْقَ أحشائِى للحظَةِ لَحْظها ... وَإِنِّي بهَا إذْ قد نأتْ دارها شَحْطَا)
(بلَى قد نأتْ عني وَلَا بَيْنَ بَيْننَا ... وبُدِّلْتُ مِنْ عين الرضَا بالجفا سخْطَا)
(كذلكَ أخلاقُ الغوانِى ومَنْ يرمْ ... بهنَّ الوفا كالمبتغِى فِي الأضا قرْطَا)
(ومَنْ لم يذُدْ ذَوْدَ التصابِى وسربه ... قصارَاهُ فِيهِ أَن يذلَّ وينحَطَّا)
(ويمسي صريعَ العينِ لَا ناصرٌ لَهُ ... سوَى عَبْرة يَرْوِى تفجُّرُهَا سطَّا)
(نعَمْ لَو نحا فِي كلِّ أمرٍ يئودُهُ ... مليكَ الورَى سعد بن زيد لما شطَّا)
(مليكٌ لَهُ من طينةِ المجْدِ جوهرٌ ... بِهِ ازدانَتِ الدُّنْيَا وقدْمًا هِيَ الشمْطَا)
(شريفُ الْعلَا والذاتِ والوصْفِ منتمٍ ... إِلَى خَيْرِ أصلٍ طابَ فِي قنسه ربْطَا)
(مليكٌ رقا فِي قنةِ المجدِ رتبَةً ... تجلُّ سواهَا أَن يقاسَ بهَا هبْطَا)
(شريفٌ أتيحَتْ فِيهِ أسرارُ والِدٍ ... هُوَ القطْبُ لَا ريباً بذاكَ وَلَا غمطا)
(مليكُ بلادِ الله سعد الْعلَا ومَنْ ... يشابه أَبَاهُ فِي علاهُ فَمَا أخْطَا)
(طويلُ الْبَنَّا رحْبُ القنا منهلُ الْغِنَا ... مزيلُ العنا مولى المنا باللُّهَا سفْطَا)
(عريضُ الجدا غوْثُ الندا موردُ الندا ... حمامُ العِدَى مردِى الردَا للهُدَى فرطَا)
(فيا ابنَ رسولِ الله وابْنَ وصيِّهِ ... ودرةَ عقْدٍ أنْتَ أنْتَ لَهُ وسْطَا)
(لقد حطْتَ أكنافَ الخلافةِ عَزمَة ... وقمْتَ بهَا حفظا وشَيدَّتها ضبْطَا)
(وأيدتَّهَا بالحزْمِ والرأْىِ حينئذْ ... ثبتَّ جنَانًا لَا فزوعاً وَلَا قنْطَا)
(فأنسيتَنَا حزْنًا وَلم نَنْسَ من مضَى ... تغشَّتْ شآبيبُ الرضَا رمْسَهُ همطَا)
(أَبى الله إِلَّا أَن تحلَّ محلَّهُ ... بمرتبةٍ عزت لغيرك أنْ تمطَى)
(فوافَاكَ بالتأييدِ مَا كَانَ كامناً ... مِنَ الأَزَلِ العُلْوِىِّ ينتظرُ الشرْطَا)
(فَمَا خطَّ تقليداً على الطرسِ كاتبٌ ... ولكنْ قضاءُ الله من قبلِهِ خَطَّا)
(إِذا أبرمَتْ فِي سابقِ العلْمِ لامرئٍ ... عنايته استغنَى الْعَشِيرَة والرهْطَا)
(ولكنَّنى أرجُو منَ الله جمعَهُمْ ... على خيرِ حالٍ مَا رجاه بمستْبطَا)
(فطأ فِي الْعلَا فالسعْدُ وطأ لاسمِهِ ... أَشَارَ لذا بحْرُ الطويلِ رَوِىّ الطَّا)
(إليكَ ابنَ خَيْرِ الناسِ عذراءَ مِدْحَة ... غَذَتْهَا القوافي لَا سنادٌ وَلَا إِيطا)
стр. 2119
(أتاكَ بهَا فكِرى الكليلُ ومَهْرُهَا ... قَبُولُكَهَا منِّى وحَسْبى بِهِ إعْطَا)
(سأملأُ ديوانِى بمدحِكَ مِدْحَة ... لشعرِىَ كَىْ يستوجبَ الحمْدَ والغبطا)
(فدُمْ وابْقَ واسلَمْ لَا برحْتَ مؤيداً ... على العزِّ مهما أنْ تحاوله تعطَى)
(وَلَا زلْتَ محفوظَ الجنابِ عزيزَهُ ... رعاياكَ لَا تخشَى اهتضاماً وَلَا قَنْطَا)
(مدى الدَّهرِ مَا طابَ القَرِيضُ بمدحِكُمْ ... فأخجَلَ مسكَ الختْمِ والند والقُسْطَا)
وَلما تمّ أَمر الصُّلْح بَين الشريف سعد وَبَين السَّيِّد حمود واستقرت الْبِلَاد وَأَهْلهَا لِأَن استقرارهم باستقراره وتعبهم بتعبه وَهُوَ مَعَهم كالرأس مَعَ الْجَسَد وكالمضغة وَهِي الْقلب كَمَا ورد جَاءَهُ مَوْلَانَا السَّيِّد حمود رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى بَيته مُوَافقا لَهُ فِيمَا يُحِبهُ ويهواه هُوَ وَأَتْبَاعه يهنونه ويباركون لَهُ فِيمَا منحه الله وَأَعْطَاهُ وَصَارَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ بكرَة وَعَشِيَّة مظْهرا لَهُ الود والصداقة مليناً لَهُ القَوْل من غير تَعب وَلَا حَمَاقَة وَكَانَ فِي هَذِه الْمدَّة يَطْلُبهُ مَا كَانَ وَزِيَادَة وَلم يُخَالِفهُ مَوْلَانَا الشريف فِي قَول وَلَا فعل بل يجِيبه إِلَى مَا أَرَادَهُ أدام الله نعمه عَلَيْهِ وإمداده بِحَيْثُ أَن الرّعية نسبت هَذِه الْمُوَافقَة مِنْهُ إِلَى أثر عمل من الْأَعْمَال من الحركات والسكنات لَكِن إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَفِي هَذِه الْمدَّة كَانَ بِمَكَّة المشرفة غلاء فِي الطَّعَام كالحب وَنَحْوه فِي شعْبَان ورمضان وشوال وَاشْتَدَّ فِي آخر الْوَقْت وَعدم من الْأَسْوَاق ووصلت الكيلة الْحبّ إِلَى خسمة عشر محلقاً والرز كَذَلِك وَفِي أول ذِي الْقعدَة حصل الْفرج بِدُخُول المراكب المصرية وَزَالَ التَّعَب عَن الْمُسلمين ببركة قدوم الْحجَّاج الوافدين ثمَّ إِنَّه حصل تنافر بَين مَوْلَانَا الشريف سعد وَالسَّيِّد حمود من جِهَة عدم الْوَفَاء بالمعلوم الَّذِي لَهُ مَعَ مَا فِي خاطره من التَّعَب فدعته الأنفة إِلَى الْخُرُوج لهَذَا السَّبَب فبرز يَوْم الْأَرْبَعَاء ثامن ذى الْقعدَة الْحَرَام من سنة سبع وَسبعين وَألف وَأقَام بالزاهر مُدَّة وَهُوَ من الغيظ فِي أعظم شدَّة فبرزت إِلَيْهِ لموادعته واستغرقت الْيَوْم أجمع فِي محادثته فَكَانَ من جملَة كَلَامه جَوَابا لقولي لَعَلَّ مَوْلَانَا حفظه الله يتداركه الله بسعة فِيهَا حُصُول المنا فيكفيكم الله بِسَبَبِهَا تَعب الجلا والعنا مَا أرى إِلَّا أَن بَيت الشريف قَتَادَة المستشهد بِهِ فِي سَابق الزَّمَان قد قَارب مصداقه فِي هَذَا الأوان يُشِير إِلَى قَوْله // (من الطَّوِيل) //
(مصارعَ آلِ الُمصطفَى عُدتِّ مِثْلَ مَا ... بدأْتِ ولكنْ صِرْتِ بَين الأقاربِ)
стр. 2120
فَقلت الله يقدر بِخَير ويكفيكم كل ضيم وضير وَلم تزل الرُّسُل بَينهمَا تسْعَى فِي حسم مَادَّة الشقاق وَلم يتَّفق الْحَال إِلَّا على عدم الِاتِّفَاق فَتوجه إِلَى وَادي مر وَأقَام بِمن مَعَه من السَّادة الْأَشْرَاف والأتباع وَالْعَبِيد وسبورهم تصل إِلَى مَكَّة أَسْفَلهَا وأعلاها يدلجون بِاللَّيْلِ إِذا يغشى وَيصلونَ الشَّمْس وَضُحَاهَا وَأخذُوا فرسا من مربطها لبَعض خدام الشريف أَسْفَل الْبَلَد وذهبوا وَلم يذهب إِلَيْهِم أحد كل ذَلِك استحثاث مِنْهُم لِلْخُرُوجِ إِلَى البرَاز والمنازلة والظهور عَن الْعمرَان الَّتِي لَا تطول فِيهَا تِلَاوَة سُورَة المجادلة والشريف سعد حفظه الله لم يستخفه الطيش وَلم ينفذ إِلَيْهِم خاء خيل وَلَا جِيم جَيش وَأَقْبل جمَاعَة من الشَّام وَمن مَدِينَة الرَّسُول ﵊ فصدهم الْخَوْف عَن الدُّخُول لما هم قاصدون إِلَيْهِ ومكثوا أَيَّامًا بقرية من الْقرى وَحصل لَهُم من التَّعَب مَا لَا مزِيد عَلَيْهِ حَتَّى وصل إِلَيْهِم الْحَاج المصرى فَدَخَلُوا مَعَه مَكَّة المشرفة وَلم يزل الشريف سعد متع الله بحياته ولسان حَاله يَتْلُو فِي المبدأ والمعاد ﴿وأفوِضُ أَمرِي إِلَى الله إِن اَللهَ بَصِير بِالعِبادِ﴾ غَافِر ٤٤ وَأما مَوْلَانَا السَّيِّد حمود ﵀ فَإِنَّهُ لما كَانَ يَوْم السبت رَابِع ذِي الْحجَّة الْحَرَام من السّنة الْمَذْكُورَة قدم على الْحَاج الْمصْرِيّ والأمير عَلَيْهِ أزبك بك فَركب إِلَيْهِ هُوَ وَمن مَعَه من السَّادة الْأَشْرَاف والأتباع وَالْعَبِيد فعقدت الْأَشْرَاف من أَنْفسهَا طوقاً عَليّ وطاق الْأَمِير وَعَسْكَره وَلم يدْخل إِلَيْهِ إِلَّا ثَلَاثَة أشخاص مَوْلَانَا السَّيِّد حمود ومولانا السَّيِّد أَحْمد الْحَارِث ومولانا السَّيِّد بشير بن سُلَيْمَان فأنهوا إِلَيْهِ حَالهم وَعدم الْوَفَاء من الشريف سعد فِيمَا الْتزم لَهُم من معاليمهم ومجانيهم وأننا أَيهَا الْأَمِير لَا نَدع أحدا يحجّ إِلَّا إِن أَخذنَا مَا هُوَ لنا وَكَانَ قدره مائَة ألف أشرفي فالتزم للسَّيِّد حمود أَن ينقده الشريف قبل الصعُود خمسين ألفا مِنْهَا فَقبل مَوْلَانَا السَّيِّد حمود الْتِزَامه وخلي سَبيله وَمن مَعَه فَلَمَّا دخل الْأَمِير مَكَّة يَوْم خَامِس ذِي الْحجَّة الْحَرَام خرج إِلَيْهِ الشريف سعد إِلَى المختلع فَلبس الخلعة الْمُعْتَادَة على الْعَادة ثمَّ كَلمه الْأَمِير فِيمَا الْتَزمهُ للسَّيِّد حمود وَمن مَعَه فصَدق الْتِزَامه وَأسلم خَادِم مَوْلَانَا السَّيِّد حمود الْخمسين الْألف قبل الصعُود من السَّيِّد إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بإحالة من مَوْلَانَا الشريف حفظه الله تَعَالَى
стр. 2121
ثمَّ لما دخل أَمِير الشَّامي فِي سَابِع ذِي الْحجَّة توجه مَوْلَانَا الشريف إِلَيْهِ كَذَلِك وَلبس الخلعة الْمُعْتَادَة على الْعَادة ثمَّ فِي الْيَوْم الثَّامِن توجه إِلَى عَرَفَة وَفِي الثَّانِي من أَيَّام منى لبس الخلعة الْمُعْتَادَة وَفِي الْيَوْم الثَّالِث نفر النَّاس إِلَى مَكَّة المشرفة وهم آمنون مستبشرون وَأما أهل مَكَّة وَمن حَولهمْ من الْقرى فَلم يحجّ مِنْهُم فِي هَذَا الْعَام إِلَّا الْقَلِيل وَكَذَلِكَ الْأَعْرَاب لما وَقع بهم من التَّعَب والكدر وَالْخَوْف وَالضَّرَر كل شئ بِقَضَاء وقدَر ثمَّ لما كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ عشْرين ذِي الْحجَّة الْحَرَام وصل مَكَّة مَوْلَانَا السَّيِّد حمود وَمَعَهُ السَّيِّد عبد الْمعِين بن نَاصِر بن عبد الْمُنعم بن حسن وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن عبد الله بن حسن وَالسَّيِّد بشير بن سُلَيْمَان بن مُوسَى بن بَرَكَات بن أبي نمي وَالسَّيِّد مبارك وَنَافِع ابْنا السَّيِّد نَاصِر بن عبد الْمُنعم فِي نَحْو تِسْعَة أشخاص وَمن العبيد نَحْو خَمْسَة وَسِتِّينَ عبدا وَمَا ذَاك إِلَّا لِأَن أَمِير الْحَاج وكبار العساكر قصدُوا الصُّلْح بَينه وَبَين مَوْلَانَا الشريف وَتردد الرُّسُل بَينهم وَبَينه يطلبونه لذَلِك وألزموه بمحاضر من جمَاعَة الأفندي الْأَعْظَم وصلوا إِلَيْهِ إِلَى وَادي مر فجَاء وَحضر عِنْد مَوْلَانَا الأفندي وَحضر الْأُمَرَاء ووجوه أَرْكَان الدولة وعماد أغا وأكابر العساكر فَأرْسل مَوْلَانَا الشريف سعد بِلَال أغا وَكيلا عَنهُ فِي الْخُصُومَة وَالدَّعْوَى فاغتاظ مَوْلَانَا السَّيِّد حمود من ذَلِك وَأَرَادَ الفتك بِهِ فِي ذَلِك الْمجْلس فَذهب مسرعاً فَزعًا فَأرْسل الشريف أَخَاهُ السَّيِّد مُحَمَّد يحيى وَكيلا عَنهُ وتطالبا على يَد الْحَاكِم الشَّرْعِيّ وَطَالَ الْمجْلس وَلم يَقع بَينهمَا اتِّفَاق ثمَّ ادعِي عَلَيْهِ بِمَا أَخذ من طَرِيق جدة من الْأَمْوَال فَلم يثبت عَلَيْهِ وَجه شَرْعِي فِي ذَلِك وَطلب مَوْلَانَا السَّيِّد حمود أَن يتَوَجَّه إِلَى الديار المصرية وَيرْفَع أمره إِلَى الحضرة السُّلْطَانِيَّة فأذنوا لَهُ وَاتفقَ الْحَال على ذَلِك ثمَّ إِنَّه لما توجه الْحَج الشَّامي وَسَائِر الْحجَّاج توجه مَعَهم حَتَّى وصل إِلَى بدر فَتخلف عَنْهُم وَأقَام فِيهَا مُدَّة وَلما دخلت سنة ثَمَان وَسبعين وَألف توجه مَوْلَانَا السَّيِّد حمود من بدر إِلَى يَنْبع فِي شهر صفر مِنْهَا وَأرْسل وَلَده السَّيِّد المرحوم أَبَا الْقَاسِم بن حمود وَأرْسل
стр. 2122
مَوْلَانَا السَّيِّد أَحْمد بن الْحَارِث وَلَده السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد ومعهما السَّيِّد غَالب بن زامل بن عبد لله بن حسن وَجَمَاعَة من ذَوي عنقاء السَّيِّد بشير وَمُحَمّد وظافر بني وَاضح وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن عنقاء وَولده وَأرْسل مَعَهُمَا قوداً هَدِيَّة إِلَى باشا مصر الْمُسَمّى عمر باشا نَحْو سِتَّة أَفْرَاس مِنْهُنَّ البغيلة والهدبا والكحيلة فَسَارُوا إِلَى أَن بلغُوا الْحَوْرَاء الْمنزلَة الْمَعْرُوفَة فلاقاهم قَاصد من إِبْرَاهِيم باشا الْمُتَوَلِي بعد صرف عمر باشا بمكاتيب متضمنة لِلْأَمْرِ بالإصلاح والاتفاق على نهج النجاح فَرجع السَّيِّد غَالب بن زامل صُحْبَة القاصد إِلَى مَكَّة لينْظر مَا يتم عَلَيْهِ الْحَال فتنقطع مَادَّة القيل والقال وَتسقط كلفة الارتحال فَأَقَامَ الْقود وَمن مَعَه بالحوراء نَحوا من خَمْسَة عشر يَوْمًا ينتظرون الْفرج بعد الشدَّة فَلم يصل إِلَيْهِم خبر بعد هَذِه الْمدَّة فَلَمَّا لم يصلهم خبر سَارُوا إِلَى مصر فَدَخَلُوهَا لَيْلَة عيد المولد وَقدمُوا مكاتيبهم والقود لإِبْرَاهِيم باشا فأكرمهم وأعظمهم وأضافهم واحترمهم فاستمر الْحَال كَذَلِك إِلَى شهر جُمَادَى الْآخِرَة وَلم يرجع ذَلِك القاصد من مَكَّة إِلَى مصر فأشيع بهَا أَن السَّادة الْأَشْرَاف قَتَلُوهُ فَحصل الْهَرج والمرج وَجَاءَت الأكاذيب فوجاً بعد فَوْج فَأَشَارَ بعض الأشقياء عَلَى الباشا بإمساك السيدين أَبَا الْقَاسِم ومحمداً فَأمر بنقلهم من محلهم الأول وَهُوَ قايتباي إِلَى بَيت يُوسُف بك وَقد كَانَ وصل السَّيِّد مُحَمَّد يحيى إِلَى مَكَّة أَوَاخِر سنة سبع وَسبعين وَتقدم أَنه هُوَ الَّذِي كَانَ وَكيلا عَن أَخِيه الشريف سعد فِي الدَّعْوَى على السَّيِّد حمود لما حضر بِمَجْلِس أَفَنْدِي الشَّرْع فِي موسم السّنة الْمَذْكُورَة فاستمر مَعَه إِلَى عقب ذهَاب الْحَج ثمَّ طلب من أَخِيه الشريف سعد أَن يَجْعَل لَهُ ربع محصول الْبِلَاد وينادى لَهُ بِهِ فَامْتنعَ الشريف من ذَلِك فَغَضب وبرز من مَكَّة مُتَوَجها إِلَى السَّيِّد حمود وَأقَام بالزاهر مُدَّة ثمَّ إِن هَذَا الْخَبَر بلغ مَوْلَانَا السَّيِّد أَحْمد بن زيد وَكَانَ بالشرق فجَاء مسرعاً ولحقه قبل أَن يتَوَجَّه وأرضاه بجملة من المَال فَلم يرض إِلَّا بالمشاركة بِالربعِ وبالنداء فِي الْحَال وَتوجه وَلحق بالسيد حمود وَاتفقَ مَعَه وَلما لم يحصل اتِّفَاق بَين مَوْلَانَا الشريف سعد وَبَين مَوْلَانَا السَّيِّد حمود بعد وُصُول القاصد للإصلاح أرسل مَوْلَانَا الشريف سعد إِلَى الديار المصرية وَإِلَى مَوْلَانَا السُّلْطَان ذَا
стр. 2123
خبْرَة بِمَا جرى وَمَا كَانَ وَكَذَلِكَ أرسل مَوْلَانَا السَّيِّد حمود رَحمَه الله تَعَالَى وَعرف وَأقَام كل مِنْهُمَا يُعلل ويعسى ويتشوف وبرز مَوْلَانَا الشريف سعد إِلَى الزَّاهِر فِي موكب عَظِيم وَأقَام ينْتَظر فرج الْمولى الْكَرِيم وَكَانَ بروزه يَوْم عشْرين من ربيع الأول من سنة ثَمَان وَسبعين وفيهَا أَعنِي سنة ثَمَان وَسبعين ظفر بِالْبَلَدِ الْمَعْرُوفَة بالقنفذة بِرَجُل يتعاطى السِّكَّة خُفْيَة وَهُوَ مِمَّن يتسمى بِالْقضَاءِ فيسمى القَاضِي عبد الْوَاحِد فَضرب ضربا مبرحاً وحلقت لحيته وأتى بِهِ مَكَّة مكتوفاً مجرحاً ثمَّ أطلق فَذهب إِلَى الْحجاز الْأَعْلَى وَكَانَ أَمر الله هُوَ الْأَعْلَى ولنرجع إِلَى ذكر السيدين الْمَذْكُورين فَنَقُول لما نقلا إِلَى بَيت يُوسُف بك الْمَذْكُور أَقَامُوا عِنْده أَيَّامًا ثمَّ أَمر الباشا إِبْرَاهِيم بتجهيز تجريدة خَمْسمِائَة عَلَيْهَا السنجق يُوسُف بك الْمَذْكُور فنقلوا بعد عزمه إِلَى بَيت أغاة الأنكشارية واحتفظ بهما احتفاظاً تعظم بِهِ البلية وَمنعُوا الْخَارِج والداخل وَلم يقرب مِنْهُمَا صديق وَلَا خل وسارت التجريدة الْمَذْكُورَة وَهِي نَحْو ألف بالخدم وَخَمْسمِائة وَأكْثر مَعَهم الْحجَّاج والتجار والخدام والأرقاء والأجراء وَلما كَانَ يَوْم الْأَرْبَعَاء تَاسِع عشري جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة وصل الْخَبَر بتجهيز مدد من الْعَسْكَر نَحْو خَمْسمِائَة أَو يزِيدُونَ وَمَعَهُمْ مستلم جدة المعمورة وعزل عماد أغا عَن مشيخة الْحرم رفيع القُنة وَللَّه الْحَمد والْمنَّة وفيهَا وصل مَوْلَانَا السَّيِّد سعيد بن شنبر بن الْحسن من بيشة مُتَوَجها إِلَى مَوْلَانَا السَّيِّد حمود وجماعته بالينبع فوصل إِلَيْهِ وَحضر مَعَه الْحِرَابَة الْآتِي ذكرهَا وَكَانَ آخرا وَفَاته بِتِلْكَ الْبَلدة ﵀ برحمته الوسعة وَغفر لَهُ مغْفرَة جَامِعَة وَفِي هَذِه الْمدَّة أَيْضا وَقع فِي طَرِيق الطَّائِف أَن جمَاعَة الحمارة المترددين بَين مَكَّة والطائف من طَرِيق كرا بأموال النَّاس وأمتعتهم نزل عَلَيْهِم جمع من عرب الشرق فَأَخَذُوهُمْ وربطوهم وساقوهم وضربوهم وانتهبوهم ثمَّ سَارُوا بهم إِلَى قرب الْمَبْعُوث ثمَّ أطلقوهم بعد يَوْمَيْنِ عرايا مسلبين مجرحين مضربين
стр. 2124
وفيهَا فِي السَّادِس عشر من شهر رَجَب وصل المبشر من جدة يخبر بوصول رَسُول من الباشا مَعَه خلعة ومرسوم وَفِي لَيْلَة السَّابِع عشر مِنْهُ رَجَعَ مَوْلَانَا الشريف سعد إِلَى دَاره السعيدة فَلَمَّا كَانَ الصَّباح توجه الْعَسْكَر بأجمعهم إِلَى ملاقة رَسُول الباشا فَدَخَلُوا بِهِ فِي موكب عَظِيم إِلَى بَيت مَوْلَانَا الشريف وَلبس الخلعة وَقُرِئَ المرسوم بِحَضْرَة عَسْكَر السُّلْطَان والسادة الْأَعْيَان وَفِيه مَا لَا مزِيد عَلَيْهِ من التَّعْظِيم والتمجيد وَحصل لمولانا بِهِ غَايَة السرُور وللرعية كَمَال الْفَرح والحبور وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء تَاسِع عشر رَجَب الْفَرد الْحَرَام وصل إِلَيْنَا خبر من نَحْو الشَّام حَارِث فِيهِ الْعُقُول والأفهام بواقعة يَنْبع وَمَا جرى فِيهَا من الْأَحْكَام بِتَقْدِير الْملك العلام أَن التجريدة الَّتِي جهزت من مصر أوقع بهم السَّيِّد حمود فِي جَيش لهام من أهل يَنْبع وجهينة وعنزة وخاص وعام فَأَخَذُوهُمْ عَن آخِرهم وقتلوهم وسلبوا أَمْوَالهم وَأسرُوهُمْ وَلم يسلم مِنْهُم إِلَّا نَحْو الْمِائَة وَكَانَ مَعَهم مَال جزيل فَذهب شذر مذر بعد أَن تفرق أَصْحَابه شغر بغر وأمسكوا كَبِيرهمْ السنجق يُوسُف بك وَكَانَ من الْقَتْلَى من السَّادة الْأَشْرَاف خَمْسَة أشخاص هم السَّيِّد شبير بن أَحْمد بن عبد الله وَالسَّيِّد سرُور بن حُسَيْن بن عبد الله وَالسَّيِّد إلْيَاس بن عبد الْمُنعم بن حسن وشخص من ذوى عنقاء يُسمى السَّيِّد زين العابدين بن نَاصِر تغمدهم الله بِالرَّحْمَةِ والرضوان وأسكنهم أَعلَى فراديس الْجنان // (من الطَّوِيل) //
(وقَتْلى أيادي الخيلِ بَيْنَ وجوهِهِمْ ... فخيرُ المنايا مَا يكُونُ مِنَ القَتْلِ)
وانتهبت الْأَعْرَاب الأجمال بالأحمال ثمَّ أَمر مَوْلَانَا السَّيِّد حمود بِجمع حَرِيم السنجق وحريم غَيره فِي مخيم كَبِير وأجرى عَلَيْهِم المصروف والقوت وَقدر الله للسنجق فِي تِلْكَ الأَرْض أَن يَمُوت وَكَانَ اللِّقَاء يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشر رَجَب من سنة ثَمَان وَسبعين الْمَذْكُورَة وَقد كَانَ مَوْلَانَا السَّيِّد حمود أرسل إِلَى الْعَسْكَر قبل قدومهم عَلَيْهِ أَن لَيْسَ لكم طَرِيق علينا إِن لم يكن السَّيِّد أَبُو الْقَاسِم وَالسَّيِّد مُحَمَّد مَعكُمْ فَأَشَارَ بعض كبار الْعَسْكَر على يُوسُف بك الْمَذْكُور بالعدول عَن هَذَا الطَّرِيق وسلوك طَرِيق خَالِيَة عَن التعويق فَأَجَابَهُ السنجق بِفساد رَأْيه وَلم يمتثل وَكَانَ أَمر الله شَيْئا قد فعل
стр. 2125
وزوار الرَّسُول ﵊ الَّذين خَرجُوا على النّصْف من رَجَب لما كَانُوا فِي الطَّرِيق وهم ذاهبون بَلغهُمْ خبر الْعَسْكَر وَمَا وَقع لَهُم فاضطربوا وأشكل عَلَيْهِم الْأَمر وترددوا بَين أَن يرجِعوا إِلَى مأمنهم أَو يتوجهوا إِلَى مقصدهم فَردُّوا الْأَمر إِلَى سيد الْقَافِلَة وكبيرها مَوْلَانَا الشَّيْخ عِيسَى بن مُحَمَّد المغربي الثعالبي وَكَانَ مُتَوَجها مَعَهم فَأَشَارَ عَلَيْهِم بالتوجه من طَرِيق القاحة وَهِي مَعْرُوفَة وَكَانَ سَابِقًا يسلكها الْأَولونَ وفيهَا عمائر وآثار بِنَاء وعيون إِلَّا أَنَّهَا هجرت الْآن فسلكوا بالأمان تِلْكَ الأنحاء وتلقاهم شيخ الْعَرَب وسلطانها الْقَائِم بِخِدْمَة الْحَرَمَيْنِ مُنْذُ أزمان الشهَاب أَحْمد بن رَحْمَة بن مُضيان وَتوجه بهم إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فسلكوها آمِنين وَخَرجُوا على النازية قَرِيبا من الروحاء ثمَّ إِنَّه خرج بهم وأوصلهم إِلَى حَيْثُ لاقاهم وَرَجَعُوا سَالِمين أَوْلَادهم وأخراهم غير أَن بعض الزوار لما وصلوا قرب الْمَدِينَة قَرِيبا من الْمحل الْمُسَمّى مفرح تقدمُوا عَن الْقَافِلَة وَقد جرت الْعَادة بذلك فَرحا وشوقاً إِلَى مَا هُنَالك فَنزل عَلَيْهِم السراق فَأخذُوا مَا مَعَهم فِي تِلْكَ الفجاج وَحصل لَهُم جراحات وشجاج وَأهل الْمَدِينَة الشَّرِيفَة لما بَلغهُمْ مَا وَقع للعسكر وَقع عِنْدهم الِاضْطِرَاب الشَّديد والتعب الَّذِي مَا عَلَيْهِ من مزِيد وانقطعت عَنْهُم سبل الْوَارِد وغلا السّعر فِي المقتات بل لم يجده وَاجِد وَأما أهل مصر فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم الْخَبَر التهبت نيران الْغَضَب فِي أحشائهم فَظهر مِنْهَا بِوُجُوهِهِمْ الشرر فَقتلُوا من ظفروا بِهِ من أَتبَاع السَّيِّد أبي الْقَاسِم وَالسَّيِّد مُحَمَّد وتتبعوهم فِي الْأَمَاكِن اللواتي استخفوا فِيهَا وَنَادَوْا فِي الْبِلَاد بالوعيد الشَّديد لمن ستر خبية أحد مِنْهُم تخذيرا وتنبيهاً وَأمر بالسيدين الْمَذْكُورين إِلَى حبس الدَّم الْمُسَمّى فِي عرفهم عرق خانة وَالْأَمر لله سُبْحَانَهُ بعد أَن طلب الباشا من الْعلمَاء الْفَتْوَى بِجَوَاز قَتلهمْ فَلم يفتوه فَأمر باعتقالهما لما كَانَ والداهما وَبَنُو عَمهمَا اقترفوه وأورثه ذَلِك غيظاً وقهراً أنسياه كَرِيمَة ﴿وَلا تزُر وازِرَةٌ وزرَ أُخْرَى﴾ الاسراء ١٥ فاستمر إِلَى أَن عزل شَيْطَان إِبْرَاهِيم باشا عَام ثَمَانِينَ وَدخل مصر حُسَيْن باشا الْمَعْرُوف بِابْن جَان بلاط مُتَوَلِّيًا لَهَا فَمَا غفل عَن شَأْنهمَا وَلَا لَهَا بل
стр. 2126
سَأَلَ عَن سَبَب حبسهما والداعي إِلَيْهِ وكشف الله عَن بصر بصيرته بِمَا أَفَاضَ من نور الْحق عَلَيْهِ فَأخْبر بِمَا وَقع بالعسكر من أبويهما فَقَالَ هَل كَانَ الْوَاقِع قبل وصولهما أَو بعده فَقيل لَهُ بعده بِمدَّة فَقَالَ لَا ينْسب شئ من ذَلِك إِلَيْهِمَا وَلَا يعد ذَنْب أُولَئِكَ عَلَيْهِمَا وَأمر بإخراجهما واستدناهما وأكرمهما وَأقَام لَهما الْمُقَرّر كل يَوْم وَشهر وخيرهما بَين الْإِقَامَة وَالْعود إِلَى الدَّار وَالْمقر وأنزلهما فِي بَيت نقيب الْأَشْرَاف ووالى عَلَيْهِمَا الإنعام والألطاف فَلَمَّا كَانَ شهر رَمَضَان سنة ثَمَانِينَ استدعاهما ذَات لَيْلَة النَّقِيب إِلَى الْإِفْطَار عِنْده وَأعد من فاخر الْأَطْعِمَة عدَّة فَذهب السَّيِّد أَبُو الْقَاسِم إِلَيْهِ مَعَ جملَة من الأحباب وَأما السَّيِّد مُحَمَّد فَلم يذهب إِلَيْهِ وَكَأَنَّهُ توهم واستراب ثمَّ لما كَانَت اللَّيْلَة الثَّانِيَة دعاهما أَيْضا واستنكر عدم وُصُول السَّيِّد مُحَمَّد إِلَيْهِ فِي اللَّيْلَة الأولى وكلف من الْأَطْعِمَة مَا أظهر بِهِ الْيَد الطُّولى وردد الرسائل إِلَيْهِ تترى مرّة بعد أُخْرَى فقوي الريب عِنْد السَّيِّد مُحَمَّد وَتمكن وَتحقّق ظنا أَن عمل الْبَاطِن مبطن فَامْتنعَ وَاعْتذر بِبَعْض الْأَعْذَار وَذهب إِلَيْهِ السَّيِّد أَبُو الْقَاسِم وَكفى فِي التَّحَرُّز سور الأقدار ثمَّ خرج السَّيِّد مُحَمَّد على ركائب أعدت لَهُ فِي جمَاعَة وَهُوَ شَدِيد الْعَزْم والمُنة حَتَّى وصل إِلَى مَكَّة وَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَأما السَّيِّد المرحوم أَبُو الْقَاسِم ابْن السَّيِّد حمود فاستمر إِلَى أَن أَتَاهُ قَضَاهُ الله بالأجل المحتوم ففاز بِالشَّهَادَةِ من وَجْهَيْن الغربة والطاعون المشئوم فِي شهر شَوَّال سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف ﵀ برحمته وآواه سرح جنته وَفِي هَذَا الْعَام وَقع من عَسْكَر الْمَدِينَة وعامتهم الْقيام على أَفَنْدِي الشَّرْع لحَال اقْتضى الْقيام على مَا زعموه فرجموه أَو كَادُوا أَن يرجموه ثمَّ تعدوا فزادوا فِي العتو والطغيان وانتهكوا حُرْمَة سيد ولد عدنان حَتَّى أَن بَعضهم سحب السِّلَاح فِي الْحرم وَلم يرقب حُرْمَة سيد الْأُمَم وَكَذَلِكَ هجموا على بَيت نَائِبه الشريف
стр. 2127
وَتَكَلَّمُوا عَلَيْهِ وَلم يراعوا من هُوَ منتسب إِلَيْهِ وَحصل أَيْضا لأهل الطَّائِف فِي هَذَا الْعَام تَعب وجوع وَخَوف حَتَّى خشِي كل مِنْهُم تلافه وَاجْتمعت عَلَيْهِم الْكَلِمَات الثَّلَاث برد وجوع ومخافة ووصلت كيلة الْحبّ إِلَى خمسين محلقاً وَغَيرهَا قريب مِنْهَا وَفِي شهر رَجَب الْمَذْكُور من سنة ثَمَان وَسبعين وَألف وَقع بطرِيق الطَّائِف بالقرية الْمَعْرُوفَة بالسيل أَن كَانَت أحمال متوجهة إِلَى الطَّائِف مُشْتَمِلَة على أرز وَسمن وتمر وبن وقماش وَغير ذَلِك تدخل فِي عشْرين بَعِيرًا نزل عَلَيْهِم بعض الْأَعْرَاب من عتيبة أهل الْبَادِيَة فَلم يبقوا مِنْهُم بَاقِيَة وَحصل بَينهم وَبَين أهل السَّيْل قتال فَقتل من أهل الْقرْيَة وَاحِد وَحصل فِي باقيهم جراحات وأخرب الْقَوْم الْبِلَاد اللَّهُمَّ عَلَيْك بِكُل بَاغ ذِي عناد وَكَذَلِكَ اجْتمع طَائِفَة من هَذِه الفئة الباغية والعصبة الطاغية وداروا فِي أَطْرَاف مَكَّة ونواحيهْا يتخطفون النَّاس ويؤذون الْمُسلمين فويل لَهُم من مَالك يَوْم الدّين وَكَذَلِكَ أهل مَكَّة كَانُوا فِي شدَّة وَغَلَاء وَجهد وبلاء طحنوا الفول والحمص وجعلوه خبْزًا فَلم يجز إِلَّا بعض الْإِجْزَاء وَبلغ ثمن الإردب الْقَمْح أَرْبَعِينَ دِينَارا إِلَى خمسين بل عدم بِالْكُلِّيَّةِ وَوزن الْخبز الَّذِي يُبَاع فِي السُّوق بمحلق جَاءَ وَزنه أُوقِيَّة وكل شئ خرج فِي ثمنه عَن معتاده وَلَكِن لطف الله سَار فِي عباده وَمن ظن انفكاك لطفه عَن قدره فَإِنَّمَا ذَاك لقُصُور نظره وَفِي يَوْم الْأَحَد سادس رَمَضَان مِنْهَا اجْتمع الرّعية وتوجهوا إِلَى مَوْلَانَا الشريف وَرفعُوا أَصْوَاتهم بَين يَدَيْهِ يَشكونَ النَّاظر والمحتسب عَلَيْهِ فَأمر بإحضارهما وَحكم بعزلهما وحبسهما لتواتر الْخَبَر عِنْده بظلمهما وبأكلهما الرشا وَسُبْحَان الله يفعل مَا يشا وَفِي هَذِه الْمدَّة وصلت قافلة من مَدِينَة الرَّسُول مَعَهم مَال جزيل فَلَمَّا كَانُوا بالقرية الْمُسَمَّاة مستورة أقبل عَلَيْهِم أَقوام فَأخذُوا جَمِيع مَا مَعَهم قيل إِنَّه يدْخل فِي خمسين ألف وَالله أعلم وَفِي ثامن عشر رَمَضَان الْمَذْكُور وصل إِلَى وَادي مر وَإِلَى جَدة ونواحيهما جملَة
стр. 2128
من قَبيلَة عتيبة عرب الشرق أهل الْفساد والطغيان فِي مائَة مردوفة وَقيل مِائَتَيْنِ فَأخذُوا مَا وجدوا وَانْصَرفُوا قابلهم الله بِمَا اقترفوا فَلَمَّا بلغ مَوْلَانَا الشريف سعد خبرهم أرسل فِي طَلَبهمْ جمعا من الْأَشْرَاف والعسكر عَلَيْهِم اْخوه مَوْلَانَا الشريف أَحْمد فَأخذ فِي أَثَرهم عدَّة لَيَال وَبلغ من الظفر بهم أعظم منال فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من رَمَضَان وصل مَكَّة مُبشر من عِنْده بِأَنَّهُ ظفر بهم وَأَخذهم وقتلهم وَحصل مِنْهُم مَال كَبِير خذلهم الله تَعَالَى وأذل مِنْهُم الْكَبِير وَالصَّغِير وَفِي اللَّيْلَة الْمَذْكُورَة أَيْضا جَاءَ مُبشر من جِهَة مصر بتوجه الْعَسْكَر والمراكب بِالطَّعَامِ لأهل بلد الله الْحَرَام وفيهَا أَيْضا ظهر عَمُود من نور نَحْو الغرب مهيل طَوِيل وغلظه كَطُولِهِ غلظ أعظم النخيل وَحصل بِهِ خوف ورعب للْمُسلمين وَهُوَ من الْآيَات للمعتبرين وَظهر فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة لكنه فِي الطول أَكثر بِحَيْثُ إِنَّه امْتَدَّ إِلَى ثلث السَّمَاء ثمَّ إِنَّه صَار يضعف نوره ويتقهقر إِلَى لَيْلَة الثَّامِن من شَوَّال لم يظْهر لَهُ نور بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا أثر وَالله أعلم بِحَقِيقَة ذَلِك وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الْمَنَافِع والمضار نَسْأَلهُ سُبْحَانَهُ اللطف فِيمَا جرت بِهِ الأقدار وَفِي آخر الشَّهْر وصلت جلاب من الْيمن وسواكن ففرقت على أهل السُّوق وَفَرح بذلك النَّاس وتباشرت بنزول السّعر وَفِي الِاثْنَيْنِ كَانَت السَّمَاء معلولة وَلم يظْهر الْهلَال فَلَمَّا كَانَ وَقت الْعشَاء ثبتَتْ الرُّؤْيَة عِنْد حَاكم الشَّرْع بِشَهَادَة جمع من عدُول الْمُسلمين وَثَبت الْفطر وتواتر الْخَبَر بعد ذَلِك بِهِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَفِي لَيْلَة ثَالِث شَوَّال تباشرت النَّاس بوصول المراكب وتواجدت الْحُبُوب فِي الْأَسْوَاق وَكم لله على النَّاس من نعم على الْإِطْلَاق ثمَّ عقب ذَلِك أَن اشْتَدَّ الْأَمر على الْمُسلمين وَرجع إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ إِن غَالب الْفُقَرَاء والضعفاء يكون الْوَاحِد مِنْهُم مَاشِيا فيطيح فَيَمُوت وَمِنْهُم من يكون جَالِسا فتهفت روحه وَقد شوهد ذَلِك وَصَارَ الْفُقَرَاء يَجْتَمعُونَ فِي المذبح ويتلقون
стр. 2129
الدِّمَاء ليأكلوها وَذكر أَن بجدة كَانُوا يدورون على الطَّعَام فِي السُّوق فَلَا يجدونه وَأَرْسلُوا إِلَى مَكَّة يطلبونه مَعَ أَن جدة مَمْلُوءَة من الطَّعَام لكنه فِي أَيدي التُّجَّار بل الْفجار كَمَا قَالَه سيد الْأَبْرَار للمحتكرين اللَّهُمَّ عَلَيْك بهم وبجميع المفسدين وَأما أهل مَكَّة المشرفة فقد اجْتمع عِنْدهم فِي هَذَا الْعَام من الْأُمَم مَا لَا مزِيد عَلَيْهِ لِأَن الجدب والقحط عَام فِي أَرض الْحجاز ونواحيها وكل من اشْتَدَّ بِهِ الْحَال صَار يَأْتِيهَا هَارِبا من بَلَده إِلَى بَيت الله الْعَتِيق يأتونه من كل فج عميق وحلت الْميتَة والبسس وَالْكلاب بعد أَن بيع مَا يملك من أثاث الْبَيْت وَالثيَاب وَصَارَ الْفُقَرَاء يهجمون على الْبيُوت فتعب مِنْهُم النَّاس وصاروا يغلقون الْأَبْوَاب وَفِي هَذَا الشَّهْر اتّفق أَن جَارِيَة لبَعض الْأَعْرَاب يعْرفُونَ بالمشارية دخلت يَوْمًا بَيْتا فَلم تَجِد فِيهِ إِلَّا امْرَأَة عجوزاً وَهِي من جمَاعَة عَسْكَر مصر فخنفتها فقتلتها وَرَآهَا بعض الْجِيرَان فَدَخَلُوا عَلَيْهَا وأمسكوها ودعوا ابْن بنتهَا فجَاء مَعَ جمَاعَة الْعَسْكَر فَأَخَذُوهَا وطلعوا بهَا إِلَى مَوْلَانَا الشريف فَلم يُثبتوا وحبسوها عِنْدهم يَوْمَيْنِ وَفِي الْيَوْم الثَّالِث عصبوا على قَتلهَا فَقَتَلُوهَا يَوْم الْجُمُعَة رَابِع عشري شَوَّال عِنْد الششمة الْمَعْرُوفَة بالبزابيز قلت وَيُقَال إِنَّهَا كَانَت صَاحِبَة لِابْنِ بنتهَا وَكَانَت المقتولة تنهاه عَنْهَا وتحذره مِنْهَا فظنت أَنَّهَا بقتلها يَخْلُو لَهَا وَجه صَاحبهَا فَكَانَ هُوَ الْقَاتِل لَهَا وَالله أعلم أيا كَانَ ذَلِك وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثامن عشري شَوَّال الْمَذْكُور وصل خبر من جدة بوصول جمَاعَة من الْعَسْكَر الرُّتْبَة بحراً وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء دخلُوا مَكَّة المشرفة وأخبروا بِخُرُوج الْعَسْكَر من مصر وهم يدْخلُونَ فِي ثَلَاثَة آلَاف وبتجهيز المراكب لأهل الْحَرَمَيْنِ وللعسكر وَفِي لَيْلَة الْجُمُعَة غرَّة ذِي الْقعدَة كَانَ حريق بِأَعْلَى مَكَّة بالمعابدة وَفِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة كَانَ أَيْضا حريق بشعب عَامر بِالْقربِ من ضريح وَالِد سَيِّدي أَحْمد البدوي نفعنا الله بِهِ وَفِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة انقض نجم كَبِير مهيل نَحْو الشرق وَفِي لَيْلَة الْخَامِس مِنْهُ
стр. 2130
احْتَرَقَ سوق المعلاة جَمِيعه وَفِي الْيَوْم السَّابِع وصل مُبشر بوصول مركب هندي بِالْقربِ من جدة المعمورة وَوصل مِنْهُ جمَاعَة وَفَرح الْمُسلمُونَ ثمَّ بعده بِنَحْوِ يَوْمَيْنِ دخل مركب من بنقالة وَفِيه خير كثير وَفِي الأول هَدِيَّة سنية لمولانا الشريف ألهمه الله الْعدْل فِي الرّعية وَهَذِه من أعظم السعودات وأيمن الاتفاقات وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي ذِي الْقعدَة الْحَرَام برز عَسْكَر الشريف لما بلغه تحرّك السَّيِّد حمود لنهب يَنْبع فَجهز من مَكَّة نَحْو الْمِائَتَيْنِ عَلَيْهِم بِلَال أغا ليقيموا بينبع الْبَحْر أرسلهم رُتْبَة فاتجهت هَذِه الرُّتْبَة بعسكر التجريدة بواسط لَيْلًا وردهَا مَعَه مقدم التجريدة مُحَمَّد جاوش إِلَى بدر ثمَّ أقبل بِمن مَعَه إِلَى مَكَّة وَأَقْبل مَعَه بِلَال أغا وَذَهَبت الرُّتْبَة إِلَى يَنْبع الْبَحْر فأقامت بِهِ إِلَى وُصُول مَوْلَانَا الشريف سعد مَعَ الْحَاج الْمصْرِيّ وعسكر التجريدة وَفِي هَذِه الْمدَّة اشْتَدَّ الْحَال على أهل مَكَّة حَتَّى أَن غالبهم بَاعَ حوائج بَيته وثيابه وَلم يبْق لَهُ شئ وَصَارَ يسْأَل النَّاس وَمِنْهُم من بَاعَ أَوْلَاده وَمِنْهُم من رمى بهم وَاتفقَ لبَعض أَصْحَابنَا رَحمَه الله تَعَالَى أَنه اشْترى بِنْتا من أَبِيهَا بحرفين وَفِي يَوْم الْخَمِيس خَامِس عشر الشَّهْر الْمَذْكُور أصبح عماد أغا من جدة بعد أَن كَانَ توجه بحراً إِلَى مصر وَوصل الطّور وَرجع لأمر من الْأُمُور وَالله أعلم بِمَا تكن الصُّدُور وَفِي سَابِع عشري الشَّهْر الْمَذْكُور دخلت عشرَة مراكب جدة بالسلامة وَهَذِه أعظم كَرَامَة وفيهَا الْعَسْكَر وَالْحجاج وَالطَّعَام وجرايات أهل مَكَّة وَخير كثير وَذَلِكَ من لطف الله على الْأَنَام وَفِي أول ذِي الْحجَّة الْحَرَام دخل حجاج الْبَحْر مَكَّة المشرفة وَمَعَهُمْ الْعَسْكَر من جدة المعمورة وَحصل بدخولهم فرج كَبِير للْمُسلمين وَدخل فِي الْيَوْم الرَّابِع مِنْهُ الْحَاج الْمصْرِيّ وصحبته خلعة من مَوْلَانَا السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وخلعة أُخْرَى من الباشا كِلَاهُمَا لمولانا الشريف سعد أَطَالَ الله بَقَاءَهُ وَفِي الْيَوْم الْخَامِس دخل الْمحمل الْمصْرِيّ وَكَانَ الْحجَّاج فِي هَذَا الْعَام قليلين فَخرج جمع يسير وَخرج قبلهم الْعَسْكَر المعينون للتجريدة فتلاقوا قبل يَنْبع بيومين
стр. 2131
أَو ثَلَاثَة ودخلوا سَوَاء وَأَقَامُوا فِيهَا أَيَّامًا نَحْو خَمْسَة أَو سِتَّة وهم يكاتبون السَّيِّد حمود ويعرفونه وَهُوَ يُرْسل الْجَواب وَالْكَلَام الشَّديد فحملوا عَلَيْهِ وَأَقْبلُوا فوجدوا الْخيام قفراً والمزار بعيد ثمَّ إِنَّهُم عقدوا بَينهم شُورَى فاتفق الرَّأْي أَن بَعضهم يُقيم لحفظ الْبَلَد وَالْبَعْض الآخر يحجّ وهم الْأَكْثَرُونَ ثمَّ إِنَّه توجه الْعَسْكَر وَمَعَهُمْ سنجقان وَالثَّالِث مُحَمَّد جاوش وَهُوَ رَئِيس الْعَسْكَر وَكَبِيرهمْ وَشَيخ الْحرم وسنجق جدة المعمورة فَدَخَلُوا مَكَّة فِي موكب عَظِيم يَوْم سبع من ذِي الْحجَّة وَفِي الْعَسْكَر اثْنَا عشر كاشفاً تَحت كل كاشف جمَاعَة وَمَعَهُ نقارة مَضْرُوبَة على رَأسه كَمَا هُوَ عَادَة أهل مصر وَفِي الْيَوْم الثَّامِن دخل الْحَاج الشَّامي واليماني وَالْمَدَنِي وَفِيه طلعوا إِلَى عَرَفَات وَأما أهل الْعرَاق وَأهل نجد وَأهل الْحجاز وَسَائِر الْعَرَب لم يحجوا لما حصل لَهُم من التَّعَب والجوع وَالْخَوْف الْمَذْهَب للهجوع وَفِي هَذَا الْعَام جَاءَ الْحجَّاج بِدَرَاهِم محلقة فَاسِدَة مطيرة كاسدة وأخربوا بهَا مُعَاملَة الْبِلَاد بِحَيْثُ إِن كل ثَلَاثَة مِنْهَا بدرهم من الْجِيَاد من حَيْثُ الْقدر وَالْقيمَة فَصَارَ كل يردهَا فغلت الأسعار وَأمْسك كل على مَا عِنْده من الطَّعَام وَهَلَكت الرّعية وَوَقعت الْفِتْنَة بَين الْمُسلمين بِسَبَبِهَا وَبلغ ثمن الشريفي الْأَحْمَر إِلَى ثَلَاثَة وَنصف وَإِلَى أَرْبَعَة إِلَّا ربع والقرش بِخَمْسَة وَسبعين قلت هَذَا فِي تِلْكَ السّنة وَأما الْيَوْم فَهُوَ بسبعة حُرُوف وَنصف انْتهى وَفِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ سادس عشر ذِي الْحجَّة طلع مُحَمَّد جاوش إِلَى المعلاة فِي موكب عَظِيم وَلبس خلعة جَاءَتْهُ من حَضْرَة الباشا وَفِي حَال توجهه قتل سِتَّة أشخاص من أَتبَاع السَّيِّد حمود وأتى بهم من يَنْبع مفرقين اثْنَان بالمسعى وَاثْنَانِ بالمدعي وَاثْنَانِ عِنْد بَاب المعلاة وَفِي يَوْم الْخَمِيس سادس عشري ذِي الْحجَّة الْحَرَام توجه الْحَاج الْمصْرِيّ والعسكر ومولانا الشريف سعد أعزه الله إِلَى يَنْبع نَحْو السَّيِّد حمود وَأقَام أَخَاهُ مَوْلَانَا الشريف أَحْمد مقَامه على مَكَّة المشرفة وَكَانَ يَوْم بروزهم شَدِيد الْحَرَارَة وتحركت فِيهِ السمُوم بالشوب وَهلك بِسَبَبِهِ جمع كَبِير من الْحجَّاج وَالدَّوَاب
стр. 2132
وَذَلِكَ بِلَا شكّ زِيَادَة فِي الْأجر وَالثَّوَاب وَكَانَت الوقفة فِي هَذَا الْعَام بالإثنين من غير شكّ وَلَا خلاف بَين اثْنَيْنِ ثمَّ دخلت سنة تسع وَسبعين فِي يَوْم الثُّلَاثَاء غرَّة محرم الْحَرَام مِنْهَا خرج الْمحمل الشَّامي ثمَّ إِن الْعَسْكَر ومولانا الشريف لما توجهوا إِلَى يَنْبع ضربوا شُورَى فِي أَنهم يُقِيمُونَ هُنَاكَ أَو يتوجهون خلف السَّيِّد حمود أَو يرجعُونَ إِلَى مصر فاتفق الرَّأْي أَنهم يذهبون إِلَى مصر وَأقَام مَوْلَانَا الشريف وَمن مَعَه من الْجَيْش وَمُحَمّد جاوش وَأمْسك مَوْلَانَا الشريف جمَاعَة من المفسدين الَّذين كَانُوا فِي الْحِرَابَة قتلوا فِي عَسْكَر السنجق يُوسُف وَالْحجاج وَأخذُوا أَمْوَالهم وَغَيرهم من العربان وحبسهم فِي السجْن وكبلهم بالقيود والأغلال وغرمهم مَا نهبوه من تِلْكَ الْأَمْوَال وَفِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ سادس صفر من السّنة الْمَذْكُورَة أَعنِي سنة تسع وَسبعين برز مَوْلَانَا الشريف أَحْمد أَسبَابه وَعَسْكَره إِلَى جِهَة الْمَبْعُوث لإِصْلَاح تِلْكَ الْجِهَات والطرقات أصلح الله شئونه فِي السكنات والحركات وَفِي يَوْم الْأَحَد ثَانِي ربيع الآخر وَقع حريق وَقت الْعَصْر كَبِير فِي شعب أجياد وَرَاء جبل أبي قبيس وَسلم الله الْمُسلمين وَفِي رَابِع عشر من جُمَادَى الأولى ورد علينا خبر من الشَّام بوصول خلعة من الباشا لمولانا الشريف سعد أسعده الله تَعَالَى وأسبغ عَلَيْهِ نعمه ووالى وَأَنه لبسهَا يَوْم أَربع مِنْهُ وَمَعَهَا مَكْتُوب بتفويض أَمر الْحَرَمَيْنِ الشريفين ونواحيهما إِلَيْهِ من غير شريك ثمَّ إِنَّه أَمر بقتل أَرْبَعَة من المفسدين وبهدم السُّور الَّذِي يتحصنون فِيهِ فهدموه حجرا حجرا بِأَيْدِيهِم وَكَذَلِكَ أَمر بِإِقَامَة الْجَمَاعَة وَالْجُمُعَة بناديهم وَفِي هَذَا الشَّهْر تَوَاتر الْخَبَر من جِهَة أَرض الْيمن باشتداد الجدب والقحط فِيهَا كالقنفذة وصبيا والتهائم ونواحيها وفى بعض الْأَيَّام بالقنفذة وجدوا فِي دَار امْرَأَة حجامة رجلَيْنِ مقتولين أَحدهمَا مَأْكُول وَالْآخر شرعت فِي أكله وأعضاء أَطْفَال مِنْهَا طرى وَمِنْهَا يَابِس فَأَمْسَكت وغرقت فِي الْبَحْر وَقيل وضعت على الجزيرة الَّتِي أَمَام القنفذة وسط الْبَحْر ففقدت صَبِيحَة لَيْلَة الْوَضع
стр. 2133
وَأما أهل الطَّائِف فَلَحقُوا شدَّة عَظِيمَة بلغت الكيلة الحماط ثَلَاثِينَ محلق غير مَوْجُودَة فَمَا بالك بغَيْرهَا وَمَا صَار أحد يخبز عيشه فى الْقرن لأَنهم يخطفونه من شدَّة الْجُوع ويهربون بل يخبزونه فِي الْبيُوت ويستترون هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَهُ قدرَة نسْأَل الله أَن يمن علينا بنظرة أما الْفَقِير فَمَا أكله غير الْجُلُود وَالْعِظَام والدماء الْميتَة وَلم يَجْسُر أحد يمشي وَحده إِن أحوجه الْأَمر إِلَى الْخُرُوج تسلح وَقَرَأَ حزبه وورده وَكَذَلِكَ أهل الْحجاز الْأَعْلَى هربوا من بِلَادهمْ وتركوها وغالب أهل الْقرى والبادية جَاءُوا إِلَى مَكَّة هاربين وَإِلَى رب الْبَيْت ملتجئين وخاضعين وهم يصيحون الْجُوع الْجُوع ويتضرعون وَفِي الطرقات يتصرعون وَفِي يَوْم عشْرين من هَذَا الشَّهْر أَمر نَائِب الشريف مَوْلَانَا المرحوم السَّيِّد بشير ابْن سُلَيْمَان على مَكَّة لِأَنَّهُ أنابه مَوْلَانَا الشريف أَحْمد عِنْد خُرُوجه إِلَى جِهَة الْمَبْعُوث أَمر بشنق رجل من الْأَعْرَاب فشنق عِنْد الششمة الْمَعْرُوفَة بالبزابيز وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَنه هُوَ وَرجل آخر قتلا رجلا من أَبنَاء الطّواف فِي طَرِيق جدة ومثلا بِهِ وأخذا مَا مَعَه فَأمْسك أَحدهمَا وهرب الآخر وَفِي أول هَذَا الشَّهْر أخبر الثِّقَة عَن جمَاعَة ثِقَات أَنهم وجدوا فِي يَوْم من الْأَيَّام حَيَوَانا يشبه الضبع بِأَعْلَى مَكَّة نَحْو المنحنى فَقدم على حمَار فَرَآهُ بعض النَّاس فَاجْتمعُوا عَلَيْهِ وذهبوا خَلفه فَدخل بعض الْبيُوت وَوجد امْرَأَة فجرحها فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وقتلوه وَلم يعرفوا مَا هُوَ فَسَموهُ الغول وَفِي يَوْم الْأَحَد ثامن عشري الشَّهْر الْمَذْكُور كسفت الشَّمْس بعد اصفرار من غير سَواد نَحْو ساعتين وَلما كَانَ أول جُمَادَى الْأُخْرَى اشْتَدَّ الْبلَاء بِالْمُسْلِمين والفقراء وَالْمَسَاكِين فَعِنْدَ ذَلِك قذف الله تَعَالَى فِي قُلُوب بعض عباده الرَّحْمَة والشفقة فَاجْتمعُوا على أَمر هُوَ أَنهم يجْعَلُونَ شَيْئا من حطام على أهل الْقُدْرَة والطاقة ليَكُون لَهُم ذخيرة عِنْد الله يَوْم الْحَسْرَة والفاقة وهم ثَلَاثَة مِنْهُم الِاثْنَان العالمان العاملان مَوْلَانَا الشَّيْخ عِيسَى ابْن مُحَمَّد المغربي الثعالبي الْجَعْفَرِي ومولانا الشَّيْخ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان وَالثَّالِث قطب الْوُجُود وَالزَّمَان ذُو السِّرّ والبرهان الْوَلِيّ الصَّالح صَاحب القَوْل الرَّاجِح
стр. 2134
مَوْلَانَا السَّيِّد عبد الرَّحْمَن المغربي الشهير بالمحجوب ثمَّ إِنَّه انتدب لخدمة الْفُقَرَاء وَالْقِيَام بمصالحهم بعض الإخوان من أهل الْخَيْر وَالصَّلَاح ونادى مناديهم بِلِسَان الْحَال يَا عباد الله حَيّ على الْفَلاح فابتدروا وتقدموا إِلَى حَضْرَة مَوْلَانَا الْقَائِم مقَام وَهُوَ السَّيِّد بشير بن سُلَيْمَان فأجابهم بالتحية وَالْإِكْرَام وَأَعْطَاهُمْ مَا قدر عَلَيْهِ طَمَعا فِي دَار السَّلَام ثمَّ توجهوا إِلَى كبراء الْبِلَاد فَأعْطِي كل بِقدر مَا قسمه الله وَأَرَادَ وَكتب مَوْلَانَا الشَّيْخ إِلَى مَوْلَانَا الشريف سعد وَكتب أَيْضا إِلَى أَخِيه مَوْلَانَا الشريف أَحْمد فأجابا وأمرا خدامهما وأتباعهما بشئ من الْبر مِقْدَاره عَظِيم ليَكُون لَهما ذخيرة عِنْد رب الْعَالمين إِذْ هُوَ صلَة للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين فَلَمَّا اجْتمع من الدَّرَاهِم وَالطَّعَام مَا فِيهِ الْبركَة رَأَوْا أَن يَجْعَلُوهُ دشيشة مَعَ دشيشة السُّلْطَان مرَّتَيْنِ أول النَّهَار واَخره على الدَّوَام وَالْقدر الَّذِي يطْبخ فِي الْوَقْتَيْنِ أَرْبَعَة أرادب وشئ وَكَانَ فتحهَا فِي خَامِس جُمَادَى الْأُخْرَى من سنة التسع وَالسبْعين فَحصل بهَا نفع كَبِير للْمُسلمين وَالْفَقِير فجزى الله المتصدقين والعاملين عَلَيْهَا والقائمين بهَا أفضل الْجَزَاء ورضى عَنْهُم أحسن الرِّضَا وَفِي يَوْم الْخَمِيس ثامن رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة ورد خبر وَفَاة المرحوم مَوْلَانَا السَّيِّد أَحْمد بن السَّيِّد عَليّ بن باز بن حسن من الْيمن ﵀ رَحْمَة وَاسِعَة وَفِي لَيْلَة سَابِع عشر رَمَضَان حصلت رَحْمَة من السَّمَاء علينا وعَلى أَطْرَاف مَكَّة فَحصل بهَا فرج كَبِير وسرور للْمُسلمين كثير وَفِي ثَالِث شَوَّال وجدت بنت مراهق مقتولة فِي بعض الْأَزِقَّة قَرِيبا من سوق العطارين وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن عَلَيْهَا بعض حلي فَقَتلهَا قاتلها لذَلِك وَفِي الْيَوْم الرَّابِع انْتَقَلت امْرَأَة ودفنت ثمَّ أصبح أَوْلَادهَا يزورونها وَكَانَ يَوْم جُمُعَة فوجدوا قبرها منبوشاً وَإِذا كفنها قد سرق فخافوا وتشوشوا تشوشاً شَدِيدا فتركوها وَجَاءُوا يسْأَلُون عَن الحكم الشَّرْعِيّ هَل تكفن ثَانِيًا أم لَا فأجيبوا بِمَا ذكره الْعلمَاء الْأَعْلَام أَن الْمَيِّت إِذا سرق كَفنه يُكفن ثَانِيًا مَا لم يتفسخ ويتفرق اللَّحْم عَن الْعِظَام
стр. 2135
وَوَقع من بعض السوقة المفسدين أَنه تكلم مَعَ الدولة فِي مظْلمَة يحدثها على الْمُسلمين وَجعل على نَفسه شَيْئا من الدَّرَاهِم ليأخذها من إخوانه الْمُؤمنِينَ ويتقرب بهَا إِلَى الْجَحِيم ويتباعد عَن جنَّة النَّعيم فَبلغ ذَلِك حَاكم الشريف الْقَائِد أَحْمد بن جَوْهَر كَانَ الله لَهُ فِي عونه فَضَربهُ حَتَّى بلغ بِهِ الْهَلَاك ثمَّ حَبسه فشفع فِيهِ فَأخْرج مَحْمُولا إِلَى بَيته وشاع أمره وَظهر وَأقَام ثَلَاثَة أَيَّام وَفِي الرَّابِع أَخذه الْقَضَاء وَالْقدر وَفِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ حادي عشري ذِي الْقعدَة بعد طُلُوع الشَّمْس بساعتين وَقع أَمر مهيل هُوَ أَنه ظهر من عين الشَّمْس أَو بِالْقربِ مِنْهَا ضوء هائل كالنجم ثمَّ إِنَّه استطال وامتد إِلَى جِهَة الْمغرب وَحصل لمن رَآهُ حَال بدئه غشاوة على بَصَره وارتعدت فرائصه وانزعجت مِنْهُ الْقُلُوب وَهُوَ مُشْتَمل على زرقة وصفرة وَحُمرَة ثمَّ إِنَّه ذهب طرفاه وبقى الْوسط واتسع فِي الْعرض فَخرج مِنْهُ صَوت كالرعد وَلم يكن فِي السَّمَاء غيم وَلَا سَحَاب وَظن بعض النَّاس أَنه صَوت مدفع وَاسْتمرّ سَاعَة وَفِيه عِبْرَة لأولى الْأَلْبَاب ثمَّ اضمحل الْبَاقِي من ذَلِك الشعاع إِلَى سَحَاب ثمَّ إِن النَّاس كثر كَلَامهم فِي ذَلِك وَقَالُوا لَا بُد لهَذَا من شَأْن عَظِيم حَيْثُ إِنَّهُم لم يرَوا مثل ذَلِك وَلم يسمعوا بِمثلِهِ فِي الزَّمن الْقَدِيم وَحكى بعض النَّاس أَنه ذكر هَذِه الْحَادِثَة فِي جمع وتحدث بهَا وَإِنَّهُم قَالُوا لم يُشَاهد مثلهَا فِي ماضي الزَّمَان وَكَانَ فيهم رجل أكبر مِنْهُم سنا فَقَالَ أَنا شاهدت مثل ذَلِك وَأعظم مِنْهُ كنت فِي الْخيف فَوق الصَّفْرَاء مُتَوَجها إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَمَعِي جمَاعَة فسرنا بعد شدّ الْأَحْمَال إِلَى الروحاء فَلَمَّا كُنَّا بملاوي الْخيف وَكَانَ الْوَقْت بعد الْمغرب فَإِذا السَّمَاء انفرجت وَخرج مِنْهَا ضوء سَاطِع مَلأ الْوَادي وتساقط مِنْهُ شهب حَتَّى أيقنا بِالْهَلَاكِ فِي تِلْكَ الْبَوَادِي واستغثنا بالرسول وتشهدنا وتشفعنا بِمن نَحوه قصدنا ثمَّ ذهب واضمحل وبقى شئ من الضَّوْء فِي ذَلِك الْمحل فَخرج مِنْهُ صَوت مهيل كالرعد فظننا أَن الْجبَال تساقطت فاستغثنا وتشهدنا كَذَلِك ثمَّ ذهب واضمحل فسرنا سويعة فَإِذا هُوَ قد وَقع مرّة ثَانِيَة وَكُنَّا كلما وصلنا قَرْيَة نسْأَل أَهلهَا عَمَّا رَأينَا فَيَقُولُونَ رَأينَا مَا رَأَيْتُمْ وشاهدناه وَكَانَ عَاما فِي سَائِر الأقطار فسبحان الله الْفَاعِل الْمُخْتَار
стр. 2136
ثمَّ سألناه عَن مُدَّة هَذِه الْوَاقِعَة فَقَالَ لَهَا الْآن سِتّ وَعِشْرُونَ سنة بِهَذِهِ السّنة فَقُلْنَا لَهُ كَيفَ كَانَ عَاقبَتهَا فَقَالَ لم نر إِلَّا الْخَيْر والسلامة وَللَّه الْحَمد والْمنَّة انْتهى وَفِي هَذَا الْيَوْم بِعَيْنِه وَهُوَ الْحَادِي وَالْعشْرُونَ من شهر ذِي الْقعدَة الْحَرَام من سنة تسع وَسبعين وَألف بني الشَّيْخ الْعَلامَة الْعَامِل الْعَارِف الْكَامِل مَوْلَانَا الشَّيْخ مُحَمَّد ابْن سُلَيْمَان المغربي فِي صحن الْمَسْجِد الْحَرَام بعض أَحْجَار ليضع فَوْقهَا حجرا كَبِيرا مَكْتُوب فِيهِ شاخصان من حَدِيد يُسْتَفَاد مِنْهُ بالظل مَا مضى وَمَا بقى من النَّهَار بالتماس جمَاعَة من الْمُسلمين وليكون نَفعه عَاما للْأمة أَجْمَعِينَ فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ جمَاعَة من الجهلة مِمَّن لَا خلاق لَهُم إِن هَذِه الْحَادِثَة الَّتِي وَقعت فِي السَّمَاء بِسَبَب هَذِه الْوَاقِعَة الَّتِي فِي الأَرْض لِأَنَّهُمَا كَانَتَا فِي يَوْم وَاحِد فِي سَاعَة وَاحِدَة فَكَانَ النَّاس فِي شَأْنهَا حيارى وَقَالَ بَعضهم إِن هَذِه صومعة النَّصَارَى وَكثر مِنْهُم القال والقيل فاستعان بِاللَّه تَعَالَى عَلَيْهِم وتلا ﴿حَسبُناً الله وَنِعْمَ اَلْوَكِيلُ﴾ آل عمرَان ١٧٣ فَرفع الْأَمر إِلَى سيد الْجَمِيع مَوْلَانَا الشريف سعد لَا زَالَ من المسعدين فَأمر بوضعها على رغم آناف الْمُعْتَدِينَ وَذَلِكَ قبل وضع الْحجر الَّذِي فِيهِ الْكِتَابَة فجَاء إِلَيْهِ الْمعلم ليضعه فَوق سطح ذَلِك الْبناء فجَاء رَسُول من حَاكم الشَّرْع الشريف وَمنعه فَتوجه إِلَيْهِ الْمعلم فَقَالَ لَهُ لَا تفعل حَتَّى نكتب فِي ذَلِك سؤالا إِلَى الْمُفْتى فَكتب فَأجَاب إِنَّه إِذا كَانَت فِيهِ مصلحَة أَو مَنْفَعَة جَازَ وَضعه بِاتِّفَاق عُلَمَاء الْإِسْلَام وَهَذَا القَوْل من الْحَاكِم الشَّرْعِيّ إِنَّمَا هُوَ بوسوسة بعض الحسدة اللئام وَنَظِير هَذَا الْحجر مَوْجُود فِي مَسْجِد النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَفِي غَيره من الْمَسَاجِد الْكِرَام ثمَّ إِنَّهُم كتبُوا لَهُ مَكْتُوبًا وَفِيه كَلَام لَا يَلِيق بالْمقَام فتعب الشَّيْخ من ذَلِك وَطلب من الْحَاكِم الشَّرْعِيّ أَن يجمع بَينه وَبَين خَصمه فَلم يفعل وَجَاء إِلَى بَيت الشَّيْخ وَاعْتذر وَأمر بِوَضْع الْحجر فَوضع فِي الْيَوْم الثَّانِي وَاسْتمرّ وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي عشري ذِي الْقعدَة دخل مَوْلَانَا الشريف سعد مَكَّة المشرفة فَحل بهَا السُّعُود فِي موكب عَظِيم خَفَقت بِهِ البنود ودعا لَهُ الْمُسلمُونَ بالنصر
стр. 2137
وَالظفر والتأييد حفظه الله تَعَالَى وَفِي يَوْم السبت سادس عشري الشَّهْر الْمَذْكُور دخل جدة مركب من الشَّام وغراب بِهِ مستلم جده وصحبته مكاتيب مضمونها عزل القَاضِي ونائب الْمَسْجِد الْحَرَام وَفِي لَيْلَة الْأَحَد سَابِع عشري الشَّهْر الْمَذْكُور دخل مَكَّة مَوْلَانَا الشريف أَحْمد ابْن الشريف زيد فِي موكب عَظِيم هُوَ بِهِ حقيق وَكَانَ فِي جِهَة الشرق وَدخل شهر ذِي الْحجَّة الْحَرَام اختتام سنة تسع وَسبعين كَانَ أَوله بالخميس فَلَمَّا كَانَ يَوْم الرَّابِع مِنْهُ وصل رَسُول من الْمَدِينَة الشَّرِيفَة يخبر بِأَن صُحْبَة الْحَاج الشَّامي رجلا عَظِيم الشَّأْن يُسمى حسن باشا بِيَدِهِ أوَامِر من مَوْلَانَا السُّلْطَان يحكم فِي الْحَرَمَيْنِ الشريفين ويتبصر فيهمَا نِيَابَة عَن خَليفَة الزَّمَان فَلَمَّا كَانَ قرب الْمَدِينَة الشَّرِيفَة برزت لَهُ عساكرها وكبراؤها فتلقوه بِالْقبُولِ فَدخل فِي موكب عَظِيم وَتوجه إِلَى حَضْرَة الرَّسُول وَالسَّبَب الدَّاعِي إِلَى وُصُول هَذَا الرجل أَن أهل الْمَدِينَة أرْسلُوا جمَاعَة مِنْهُم وَمَعَهُمْ مكاتيب إِلَى الحضرة العليةِ يرفعون إِلَيْهِ من مَوْلَانَا الشريف سعد وَأَتْبَاعه فِيهَا الشكية فَأرْسل هَذَا الرجل ليجري الْحق إِلَى معالمه وينصف الْمَظْلُوم من ظالمه فَلَمَّا اسْتَقر بِالْمَدِينَةِ البهية بِالْمَدْرَسَةِ القايتبائية اجْتمع إِلَيْهِ أهل الْمَدِينَة وَشَكوا إِلَيْهِ الْجور والشطط وَالْحَال الفظيع وَالْأَمر الفرط وسلطوه على جمَاعَة من أَعْيَان الْبَلَد مِمَّن ينتمون إِلَى الشريف سعد ذى الْقدر الخطير فأحضورا فِي حَالَة شنيعة من الإهانة والصفح والسحب وأنواع التَّعْزِير ثمَّ وضعُوا فِي السجْن بعد أَن كبلوا بالحديد وَكَانَ لَهُم عِنْده بِالْقَتْلِ تهديد وَمنع الْخَطِيب من ذكر مَوْلَانَا الشريف سعد بِالدُّعَاءِ على الْمِنْبَر وأذاع عَلَيْهِ فِي بلد جده هَذَا الْمُنكر فَلَمَّا بلغ ذَلِك مَوْلَانَا الشريف تَعب من هَذَا الْفِعْل وَأخذ مِنْهُ الحذر وفوض أمره إِلَى من بِيَدِهِ الْقَضَاء وَالْقدر وَلما برز من المدينهْ مُتَوَجها إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق صَار مناديه يُنَادي فِي الطَّرِيق
стр. 2138
وَفِي الْيَوْم السَّادِس دخل الْحَاج الْمصْرِيّ مَكَّة وَلبس مَوْلَانَا خلعته الْمُعْتَادَة من قديم الزَّمَان وَدخل فِي الْيَوْم الَّذِي قبله الْحجَّاج بِأَمَان وَفِي الْيَوْم السَّادِس أَيْضا دخل الْحَاج الشَّامي ثمَّ بعد الظّهْر بَين الصَّلَاتَيْنِ دخل الباشا حسن الْمَذْكُور فِي موكب عَظِيم بالآلاى والطبول والزمور وَهُوَ رَاكب فِي تخته إِلَى أَن وصل إِلَى بَاب السَّلَام فَنزل وَدخل الْمَسْجِد الْحَرَام وَفِي الْيَوْم السَّابِع دخل الْمحمل الشَّامي وَلبس مَوْلَانَا خلعته الْمُعْتَادَة بعد أَن خرج فِي ذَلِك الموكب السَّامِي وَكَانَ فِي الْعَادة أَن يقسم بعض الصَّدقَات لأهالي مَكَّة قبل الصعُود فبها يَنْتَفِعُونَ وَمِنْهَا يحجون فَمنع من ذَلِك فَلَزِمَ عَن مَنعه الْقعُود وتلوا ﴿إِنا للهِ وَإِنَّا إليهِ رَاجِعوُنَ﴾ الْبَقَرَة ١٥٦ وَكَذَلِكَ مَوْلَانَا الشريف تَعب من أَحْوَاله السَّابِقَة وَقَالَ لَا أحج فِي هَذَا الْعَام إِن لم يظْهر مَا بِيَدِهِ من الْأَوَامِر فننظرها كَاذِبَة أم صَادِقَة وَأرْسل بذلك إِلَيْهِ وَإِلَى الْأُمَرَاء وشدد فِي الْكَلَام وَوَقع فِي الْبِلَاد اضْطِرَاب وانزعاج وعزلت الْأَسْوَاق وغلقت الْأَبْوَاب وخلت الطّرق والفجاج وَجمع مَوْلَانَا الشريف جَيْشه وَقَامَ على قَدَمَيْهِ وشمر ولسان الْحَال ينْطق الله أكبر الله أكبر ثمَّ إِن الْأُمَرَاء وكبار العساكر وأركان الدولة أَتَوا إِلَى مَوْلَانَا الشريف وقبلوا يَدَيْهِ وخضعوا رُءُوسهم وأنصتوا لَدَيْهِ وَقَالُوا أَنْت الأَصْل وَإِن لم تحج فَإِن الْأمة لَا يحجون والتزموا لَهُ بالعهود والمواثيق أَنه لَا يَقع خلاف وكل مَا تريده يكون فَعِنْدَ ذَلِك نَادَى مناديه فِي الْبِلَاد بالأمان والاطمئنان وَأَن النَّاس يحجون آمِنين من السوء والعدوان وَأما أهل الْمَدِينَة فتركوا الْحَج خوفًا على أنفسهم من جريرة مَا فَعَلُوهُ من الآثام والأوزار وَأما الْأَعْرَاب وَأهل الْبَوَادِي فَمنهمْ من ترك الْحَج لخوف الطَّرِيق الْمُوجب للإضرار وَمِنْهُم من توجه لِلْحَجِّ فَبَلغهُمْ فى أثْنَاء الطَّرِيق وُصُول الباشا وَمن مَعَه وَمَا مَعَه من الْأَخْبَار فَرَجَعُوا إِلَى أَهَالِيهمْ ثمَّ إِن مَوْلَانَا الشريف صعد إِلَى عَرَفَات وَلم يحصل شئ من المخالفات وَكَانَت الوقفة بِالْجمعَةِ وَفِي هَذَا الشَّهْر لم يَقع بَين مَوْلَانَا الشريف وَبَين حسن باشا اتِّفَاق إِلَّا أَنه أوصل الْفُقَرَاء حُقُوقهم وكل يَوْم يحْضرُون بَين يَدَيْهِ مَعَ الإهانة من عسكره فَمن النَّاس من يَدْعُو لَهُ وَأَكْثَرهم يدعونَ عَلَيْهِ
стр. 2139
ثمَّ دخلت سنة ثَمَانِينَ وَألف كَانَ هلالها بالسبت فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي مِنْهُ سعى جمَاعَة بَينهمَا بِالصُّلْحِ مِنْهُم أَمِير الْمحمل الشَّامي الْأَمِير عساف ابْن الْأَمِير مُحَمَّد فروخ وَكَانَ الِاجْتِمَاع بَينهم بعد الْعَصْر من الْيَوْم الْمَذْكُور بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام خلف مقَام الْحَنَفِيّ بِحَضْرَة الْخَاص وَالْعَام ثمَّ تفَرقا وَرجع كل مِنْهُمَا إِلَى بَيته بالحبور وَأرْسل كل مِنْهُمَا نوبَته إِلَى بَيت الآخر فدقت الطبول والزمور وَكَانَت سَاعَة مباركة سر بهَا الْكِبَار وَالصغَار فِيهَا إِشْعَار بِحُصُول الْوِفَاق وصفاء الأكدار وَأرْسل كل مِنْهُمَا هَدِيَّة سنية وَالله أعلم بِمَا اشْتَمَلت مِنْهُمَا النِّيَّة وَفِي الْيَوْم الثَّامِن من محرم افْتِتَاح سنة ثَمَانِينَ وَألف توجه بعد الْعَصْر مَوْلَانَا الشريف سعد وَأَخُوهُ مَوْلَانَا الشريف أَحْمد إِلَى حَضْرَة الباشا حسن فقابلهما بالتحية وَالْإِكْرَام وجلسا عِنْده سَاعَة فِي أنس وصفاء وَتعطف فِي الْكَلَام فَلَمَّا أَرَادَا الْقيام ألبس كلا مِنْهُمَا ثوبا نفيساً يَلِيق بهما وَقَامَ لَهما وَمَشى على الْأَقْدَام وخرجا من عِنْده إِلَى الْبَيْت السعيد وقبلا الْحجر الْأسود السعيد وسألا من فضل الله الْمَزِيد وَفِي الْيَوْم الْعَاشِر من الشَّهْر الْمَذْكُور أَرَادَ الباشا السّفر إِلَى جدة المعمورة فَلَمَّا كَانَ بعد الْعَصْر توجه إِلَى حَضْرَة مَوْلَانَا الشريف سعد حفظه الله تَعَالَى بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم وَمكث عِنْده سَاعَة من الزَّمَان وَلم يذقْ عِنْده شَيْئا زعم أَنه صَائِم طلبا للغفران ثمَّ إِن مَوْلَانَا الشريف أَمر بِتَقْدِيم فرس مسرجة محلآة تَسَاوِي سِتّمائَة دِينَار اللَّهُمَّ ألف بَين قُلُوب عِبَادك كَمَا ألفت بَين الثَّلج وَالنَّار ثمَّ إِنَّه لما نزل إِلَى جدة حكم وتكبر وطغى وتجبر وَفِي يَوْم الْخَمِيس ثَالِث ربيع أول من السّنة الْمَذْكُورَة نهب عَسْكَر الشريف السُّوق وَأخذُوا مِنْهُ مَا وجدوه من عَيْش وتمر وَلحم وَسمن وأفسدوا فِي تِلْكَ الأفنية وطلعوا إِلَى قهوة النّخل وَزَعَمُوا أَن فعلهم إِنَّمَا هُوَ للْحَاجة الملجئة من تَأَخّر الجامكية الشريفية وَأَقَامُوا بهَا تِلْكَ اللَّيْلَة ويومها على تِلْكَ العصبية ثمَّ نزلُوا إِلَى أَسْفَل مَكَّة وَأَرَادُوا التَّوَجُّه إِلَى نَحْو الْيمن فَتوجه إِلَيْهِم ابْن الشريف زيد مَوْلَانَا السَّيِّد حسن وصحبته الشَّيْخ أَبُو بكر العرابي وَشَيخ الْعَسْكَر والتزموا
стр. 2140
لَهُم مَا أَرَادوا فَرَجَعُوا إِلَى الْبَلَد فأعطوهم مَا كَانَ لَهُم وَزَادُوا وَفِي لَيْلَة الْخَامِس من شهر ربيع الأول من سنة ثَمَانِينَ وَألف دخل مَكَّة مَوْلَانَا المرحوم السَّيِّد مُحَمَّد يحيى ابْن المرحوم الشريف زيد أسكنهما الله فِي الْجنان الْقُصُور وَحصل بِدُخُولِهِ الهناء وَالسُّرُور فَلَمَّا أصبح الصُّبْح تكلم الْعَسْكَر الَّذين هم بِمَكَّة مقيمون فِي دُخُوله الْبَلَد وَهُوَ من الْجَمَاعَة الَّذين هم الناهبون القاتلون فأجابهم مَوْلَانَا الشريف بِأَن عِنْده مَكْتُوبًا من حَضْرَة الباشا بِأَنَّهُ يصطلح مَعَ بني عَمه فَأخْرجهُ لَهُم وقرأه عَلَيْهِم وسجله عِنْد قَاضِي الْمُسلمين فَسَكَتُوا وَرَجَعُوا وَفِي لَيْلَة الْخَمِيس عَاشر الشَّهْر ثَالِث عشر ربيع الآخر قتل بعض الأتراك زَوجته خنقاً طَمَعا فِي مَالهَا واعتصب لَهُ جمَاعَة وطلبوا الْبَيِّنَة عَلَيْهِ فَلم تقم فخلي سَبيله وَفِي الْيَوْم الْخَامِس عشر مِنْهُ قتل عبد أسود عَتيق لبَعض الْعَرَب رجلا من جماعته كَذَلِك لدنياه وَذَلِكَ عِنْد بِئْر طوئ فبئش مَا نوى وَأمْسك فَأقر فشنق فِي الْيَوْم الثَّانِي فِي مشنق مَحْمُود الْأَعْوَر وَفِي هَذَا الشَّهْر أَو الَّذِي قبله نفى مَوْلَانَا الشريف رجلَيْنِ إِلَى بَلْدَة بيشة أَحدهمَا من أَوْلَاده مَكَّة وَالْآخر من أَشْرَاف الأزبك المجاورين انْتقل هَذَا إِلَى رَحْمَة الله مَوْلَاهُ وَبَقِي الآخر إِذْ أبقاه الله وَفِي يَوْم الْجُمُعَة خَامِس عشر الشَّهْر الْمَذْكُور وَقع بَين عَسْكَر الشريف شنآن وافترقوا فرْقَتَيْن وتقاتلوا ساعتين وَحصل فيهم جراحات وأسفرت عَن سلامات وَكَانَ آغاتهم قد طلع إِلَى المعلاة لزيارة قبر مَوْلَاهُ فأرسلوا لَهُ رَسُولا وَنزل إِلَيْهِم قبل حُضُوره مَوْلَانَا الشريف أَحْمد بن زيد حفظه الله فَفرق جمعهم وأطفأ نارهم وَألف بَينهم وَقبل أعذارهم وَفِي هَذَا الشَّهْر توجه مَوْلَانَا السَّيِّد مُحَمَّد بن زيد إِلَى قَبيلَة بني سعد فِي جمع يسير وهم فِي مَنْعَة وشاهق خطير وَأَرَادَ قِتَالهمْ لخروجهم عَن الطَّاعَة وَأظْهر كل مِنْهُم تمرده وامتناعه فَأرْسل وَعرف أَخَاهُ مَوْلَانَا الشريف سعد فَجمع جمعا وَأمرهمْ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ والذهاب
следующие страницы →