← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

ثمَّ سألناه عَن مُدَّة هَذِه الْوَاقِعَة فَقَالَ لَهَا الْآن سِتّ وَعِشْرُونَ سنة بِهَذِهِ السّنة فَقُلْنَا لَهُ كَيفَ كَانَ عَاقبَتهَا فَقَالَ لم نر إِلَّا الْخَيْر والسلامة وَللَّه الْحَمد والْمنَّة انْتهى وَفِي هَذَا الْيَوْم بِعَيْنِه وَهُوَ الْحَادِي وَالْعشْرُونَ من شهر ذِي الْقعدَة الْحَرَام من سنة تسع وَسبعين وَألف بني الشَّيْخ الْعَلامَة الْعَامِل الْعَارِف الْكَامِل مَوْلَانَا الشَّيْخ مُحَمَّد ابْن سُلَيْمَان المغربي فِي صحن الْمَسْجِد الْحَرَام بعض أَحْجَار ليضع فَوْقهَا حجرا كَبِيرا مَكْتُوب فِيهِ شاخصان من حَدِيد يُسْتَفَاد مِنْهُ بالظل مَا مضى وَمَا بقى من النَّهَار بالتماس جمَاعَة من الْمُسلمين وليكون نَفعه عَاما للْأمة أَجْمَعِينَ فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ جمَاعَة من الجهلة مِمَّن لَا خلاق لَهُم إِن هَذِه الْحَادِثَة الَّتِي وَقعت فِي السَّمَاء بِسَبَب هَذِه الْوَاقِعَة الَّتِي فِي الأَرْض لِأَنَّهُمَا كَانَتَا فِي يَوْم وَاحِد فِي سَاعَة وَاحِدَة فَكَانَ النَّاس فِي شَأْنهَا حيارى وَقَالَ بَعضهم إِن هَذِه صومعة النَّصَارَى وَكثر مِنْهُم القال والقيل فاستعان بِاللَّه تَعَالَى عَلَيْهِم وتلا ﴿حَسبُناً الله وَنِعْمَ اَلْوَكِيلُ﴾ آل عمرَان ١٧٣ فَرفع الْأَمر إِلَى سيد الْجَمِيع مَوْلَانَا الشريف سعد لَا زَالَ من المسعدين فَأمر بوضعها على رغم آناف الْمُعْتَدِينَ وَذَلِكَ قبل وضع الْحجر الَّذِي فِيهِ الْكِتَابَة فجَاء إِلَيْهِ الْمعلم ليضعه فَوق سطح ذَلِك الْبناء فجَاء رَسُول من حَاكم الشَّرْع الشريف وَمنعه فَتوجه إِلَيْهِ الْمعلم فَقَالَ لَهُ لَا تفعل حَتَّى نكتب فِي ذَلِك سؤالا إِلَى الْمُفْتى فَكتب فَأجَاب إِنَّه إِذا كَانَت فِيهِ مصلحَة أَو مَنْفَعَة جَازَ وَضعه بِاتِّفَاق عُلَمَاء الْإِسْلَام وَهَذَا القَوْل من الْحَاكِم الشَّرْعِيّ إِنَّمَا هُوَ بوسوسة بعض الحسدة اللئام وَنَظِير هَذَا الْحجر مَوْجُود فِي مَسْجِد النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَفِي غَيره من الْمَسَاجِد الْكِرَام ثمَّ إِنَّهُم كتبُوا لَهُ مَكْتُوبًا وَفِيه كَلَام لَا يَلِيق بالْمقَام فتعب الشَّيْخ من ذَلِك وَطلب من الْحَاكِم الشَّرْعِيّ أَن يجمع بَينه وَبَين خَصمه فَلم يفعل وَجَاء إِلَى بَيت الشَّيْخ وَاعْتذر وَأمر بِوَضْع الْحجر فَوضع فِي الْيَوْم الثَّانِي وَاسْتمرّ وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي عشري ذِي الْقعدَة دخل مَوْلَانَا الشريف سعد مَكَّة المشرفة فَحل بهَا السُّعُود فِي موكب عَظِيم خَفَقت بِهِ البنود ودعا لَهُ الْمُسلمُونَ بالنصر

стр. 2137

وَالظفر والتأييد حفظه الله تَعَالَى وَفِي يَوْم السبت سادس عشري الشَّهْر الْمَذْكُور دخل جدة مركب من الشَّام وغراب بِهِ مستلم جده وصحبته مكاتيب مضمونها عزل القَاضِي ونائب الْمَسْجِد الْحَرَام وَفِي لَيْلَة الْأَحَد سَابِع عشري الشَّهْر الْمَذْكُور دخل مَكَّة مَوْلَانَا الشريف أَحْمد ابْن الشريف زيد فِي موكب عَظِيم هُوَ بِهِ حقيق وَكَانَ فِي جِهَة الشرق وَدخل شهر ذِي الْحجَّة الْحَرَام اختتام سنة تسع وَسبعين كَانَ أَوله بالخميس فَلَمَّا كَانَ يَوْم الرَّابِع مِنْهُ وصل رَسُول من الْمَدِينَة الشَّرِيفَة يخبر بِأَن صُحْبَة الْحَاج الشَّامي رجلا عَظِيم الشَّأْن يُسمى حسن باشا بِيَدِهِ أوَامِر من مَوْلَانَا السُّلْطَان يحكم فِي الْحَرَمَيْنِ الشريفين ويتبصر فيهمَا نِيَابَة عَن خَليفَة الزَّمَان فَلَمَّا كَانَ قرب الْمَدِينَة الشَّرِيفَة برزت لَهُ عساكرها وكبراؤها فتلقوه بِالْقبُولِ فَدخل فِي موكب عَظِيم وَتوجه إِلَى حَضْرَة الرَّسُول وَالسَّبَب الدَّاعِي إِلَى وُصُول هَذَا الرجل أَن أهل الْمَدِينَة أرْسلُوا جمَاعَة مِنْهُم وَمَعَهُمْ مكاتيب إِلَى الحضرة العليةِ يرفعون إِلَيْهِ من مَوْلَانَا الشريف سعد وَأَتْبَاعه فِيهَا الشكية فَأرْسل هَذَا الرجل ليجري الْحق إِلَى معالمه وينصف الْمَظْلُوم من ظالمه فَلَمَّا اسْتَقر بِالْمَدِينَةِ البهية بِالْمَدْرَسَةِ القايتبائية اجْتمع إِلَيْهِ أهل الْمَدِينَة وَشَكوا إِلَيْهِ الْجور والشطط وَالْحَال الفظيع وَالْأَمر الفرط وسلطوه على جمَاعَة من أَعْيَان الْبَلَد مِمَّن ينتمون إِلَى الشريف سعد ذى الْقدر الخطير فأحضورا فِي حَالَة شنيعة من الإهانة والصفح والسحب وأنواع التَّعْزِير ثمَّ وضعُوا فِي السجْن بعد أَن كبلوا بالحديد وَكَانَ لَهُم عِنْده بِالْقَتْلِ تهديد وَمنع الْخَطِيب من ذكر مَوْلَانَا الشريف سعد بِالدُّعَاءِ على الْمِنْبَر وأذاع عَلَيْهِ فِي بلد جده هَذَا الْمُنكر فَلَمَّا بلغ ذَلِك مَوْلَانَا الشريف تَعب من هَذَا الْفِعْل وَأخذ مِنْهُ الحذر وفوض أمره إِلَى من بِيَدِهِ الْقَضَاء وَالْقدر وَلما برز من المدينهْ مُتَوَجها إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق صَار مناديه يُنَادي فِي الطَّرِيق

стр. 2138

وَفِي الْيَوْم السَّادِس دخل الْحَاج الْمصْرِيّ مَكَّة وَلبس مَوْلَانَا خلعته الْمُعْتَادَة من قديم الزَّمَان وَدخل فِي الْيَوْم الَّذِي قبله الْحجَّاج بِأَمَان وَفِي الْيَوْم السَّادِس أَيْضا دخل الْحَاج الشَّامي ثمَّ بعد الظّهْر بَين الصَّلَاتَيْنِ دخل الباشا حسن الْمَذْكُور فِي موكب عَظِيم بالآلاى والطبول والزمور وَهُوَ رَاكب فِي تخته إِلَى أَن وصل إِلَى بَاب السَّلَام فَنزل وَدخل الْمَسْجِد الْحَرَام وَفِي الْيَوْم السَّابِع دخل الْمحمل الشَّامي وَلبس مَوْلَانَا خلعته الْمُعْتَادَة بعد أَن خرج فِي ذَلِك الموكب السَّامِي وَكَانَ فِي الْعَادة أَن يقسم بعض الصَّدقَات لأهالي مَكَّة قبل الصعُود فبها يَنْتَفِعُونَ وَمِنْهَا يحجون فَمنع من ذَلِك فَلَزِمَ عَن مَنعه الْقعُود وتلوا ﴿إِنا للهِ وَإِنَّا إليهِ رَاجِعوُنَ﴾ الْبَقَرَة ١٥٦ وَكَذَلِكَ مَوْلَانَا الشريف تَعب من أَحْوَاله السَّابِقَة وَقَالَ لَا أحج فِي هَذَا الْعَام إِن لم يظْهر مَا بِيَدِهِ من الْأَوَامِر فننظرها كَاذِبَة أم صَادِقَة وَأرْسل بذلك إِلَيْهِ وَإِلَى الْأُمَرَاء وشدد فِي الْكَلَام وَوَقع فِي الْبِلَاد اضْطِرَاب وانزعاج وعزلت الْأَسْوَاق وغلقت الْأَبْوَاب وخلت الطّرق والفجاج وَجمع مَوْلَانَا الشريف جَيْشه وَقَامَ على قَدَمَيْهِ وشمر ولسان الْحَال ينْطق الله أكبر الله أكبر ثمَّ إِن الْأُمَرَاء وكبار العساكر وأركان الدولة أَتَوا إِلَى مَوْلَانَا الشريف وقبلوا يَدَيْهِ وخضعوا رُءُوسهم وأنصتوا لَدَيْهِ وَقَالُوا أَنْت الأَصْل وَإِن لم تحج فَإِن الْأمة لَا يحجون والتزموا لَهُ بالعهود والمواثيق أَنه لَا يَقع خلاف وكل مَا تريده يكون فَعِنْدَ ذَلِك نَادَى مناديه فِي الْبِلَاد بالأمان والاطمئنان وَأَن النَّاس يحجون آمِنين من السوء والعدوان وَأما أهل الْمَدِينَة فتركوا الْحَج خوفًا على أنفسهم من جريرة مَا فَعَلُوهُ من الآثام والأوزار وَأما الْأَعْرَاب وَأهل الْبَوَادِي فَمنهمْ من ترك الْحَج لخوف الطَّرِيق الْمُوجب للإضرار وَمِنْهُم من توجه لِلْحَجِّ فَبَلغهُمْ فى أثْنَاء الطَّرِيق وُصُول الباشا وَمن مَعَه وَمَا مَعَه من الْأَخْبَار فَرَجَعُوا إِلَى أَهَالِيهمْ ثمَّ إِن مَوْلَانَا الشريف صعد إِلَى عَرَفَات وَلم يحصل شئ من المخالفات وَكَانَت الوقفة بِالْجمعَةِ وَفِي هَذَا الشَّهْر لم يَقع بَين مَوْلَانَا الشريف وَبَين حسن باشا اتِّفَاق إِلَّا أَنه أوصل الْفُقَرَاء حُقُوقهم وكل يَوْم يحْضرُون بَين يَدَيْهِ مَعَ الإهانة من عسكره فَمن النَّاس من يَدْعُو لَهُ وَأَكْثَرهم يدعونَ عَلَيْهِ

стр. 2139

ثمَّ دخلت سنة ثَمَانِينَ وَألف كَانَ هلالها بالسبت فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي مِنْهُ سعى جمَاعَة بَينهمَا بِالصُّلْحِ مِنْهُم أَمِير الْمحمل الشَّامي الْأَمِير عساف ابْن الْأَمِير مُحَمَّد فروخ وَكَانَ الِاجْتِمَاع بَينهم بعد الْعَصْر من الْيَوْم الْمَذْكُور بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام خلف مقَام الْحَنَفِيّ بِحَضْرَة الْخَاص وَالْعَام ثمَّ تفَرقا وَرجع كل مِنْهُمَا إِلَى بَيته بالحبور وَأرْسل كل مِنْهُمَا نوبَته إِلَى بَيت الآخر فدقت الطبول والزمور وَكَانَت سَاعَة مباركة سر بهَا الْكِبَار وَالصغَار فِيهَا إِشْعَار بِحُصُول الْوِفَاق وصفاء الأكدار وَأرْسل كل مِنْهُمَا هَدِيَّة سنية وَالله أعلم بِمَا اشْتَمَلت مِنْهُمَا النِّيَّة وَفِي الْيَوْم الثَّامِن من محرم افْتِتَاح سنة ثَمَانِينَ وَألف توجه بعد الْعَصْر مَوْلَانَا الشريف سعد وَأَخُوهُ مَوْلَانَا الشريف أَحْمد إِلَى حَضْرَة الباشا حسن فقابلهما بالتحية وَالْإِكْرَام وجلسا عِنْده سَاعَة فِي أنس وصفاء وَتعطف فِي الْكَلَام فَلَمَّا أَرَادَا الْقيام ألبس كلا مِنْهُمَا ثوبا نفيساً يَلِيق بهما وَقَامَ لَهما وَمَشى على الْأَقْدَام وخرجا من عِنْده إِلَى الْبَيْت السعيد وقبلا الْحجر الْأسود السعيد وسألا من فضل الله الْمَزِيد وَفِي الْيَوْم الْعَاشِر من الشَّهْر الْمَذْكُور أَرَادَ الباشا السّفر إِلَى جدة المعمورة فَلَمَّا كَانَ بعد الْعَصْر توجه إِلَى حَضْرَة مَوْلَانَا الشريف سعد حفظه الله تَعَالَى بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم وَمكث عِنْده سَاعَة من الزَّمَان وَلم يذقْ عِنْده شَيْئا زعم أَنه صَائِم طلبا للغفران ثمَّ إِن مَوْلَانَا الشريف أَمر بِتَقْدِيم فرس مسرجة محلآة تَسَاوِي سِتّمائَة دِينَار اللَّهُمَّ ألف بَين قُلُوب عِبَادك كَمَا ألفت بَين الثَّلج وَالنَّار ثمَّ إِنَّه لما نزل إِلَى جدة حكم وتكبر وطغى وتجبر وَفِي يَوْم الْخَمِيس ثَالِث ربيع أول من السّنة الْمَذْكُورَة نهب عَسْكَر الشريف السُّوق وَأخذُوا مِنْهُ مَا وجدوه من عَيْش وتمر وَلحم وَسمن وأفسدوا فِي تِلْكَ الأفنية وطلعوا إِلَى قهوة النّخل وَزَعَمُوا أَن فعلهم إِنَّمَا هُوَ للْحَاجة الملجئة من تَأَخّر الجامكية الشريفية وَأَقَامُوا بهَا تِلْكَ اللَّيْلَة ويومها على تِلْكَ العصبية ثمَّ نزلُوا إِلَى أَسْفَل مَكَّة وَأَرَادُوا التَّوَجُّه إِلَى نَحْو الْيمن فَتوجه إِلَيْهِم ابْن الشريف زيد مَوْلَانَا السَّيِّد حسن وصحبته الشَّيْخ أَبُو بكر العرابي وَشَيخ الْعَسْكَر والتزموا

стр. 2140

لَهُم مَا أَرَادوا فَرَجَعُوا إِلَى الْبَلَد فأعطوهم مَا كَانَ لَهُم وَزَادُوا وَفِي لَيْلَة الْخَامِس من شهر ربيع الأول من سنة ثَمَانِينَ وَألف دخل مَكَّة مَوْلَانَا المرحوم السَّيِّد مُحَمَّد يحيى ابْن المرحوم الشريف زيد أسكنهما الله فِي الْجنان الْقُصُور وَحصل بِدُخُولِهِ الهناء وَالسُّرُور فَلَمَّا أصبح الصُّبْح تكلم الْعَسْكَر الَّذين هم بِمَكَّة مقيمون فِي دُخُوله الْبَلَد وَهُوَ من الْجَمَاعَة الَّذين هم الناهبون القاتلون فأجابهم مَوْلَانَا الشريف بِأَن عِنْده مَكْتُوبًا من حَضْرَة الباشا بِأَنَّهُ يصطلح مَعَ بني عَمه فَأخْرجهُ لَهُم وقرأه عَلَيْهِم وسجله عِنْد قَاضِي الْمُسلمين فَسَكَتُوا وَرَجَعُوا وَفِي لَيْلَة الْخَمِيس عَاشر الشَّهْر ثَالِث عشر ربيع الآخر قتل بعض الأتراك زَوجته خنقاً طَمَعا فِي مَالهَا واعتصب لَهُ جمَاعَة وطلبوا الْبَيِّنَة عَلَيْهِ فَلم تقم فخلي سَبيله وَفِي الْيَوْم الْخَامِس عشر مِنْهُ قتل عبد أسود عَتيق لبَعض الْعَرَب رجلا من جماعته كَذَلِك لدنياه وَذَلِكَ عِنْد بِئْر طوئ فبئش مَا نوى وَأمْسك فَأقر فشنق فِي الْيَوْم الثَّانِي فِي مشنق مَحْمُود الْأَعْوَر وَفِي هَذَا الشَّهْر أَو الَّذِي قبله نفى مَوْلَانَا الشريف رجلَيْنِ إِلَى بَلْدَة بيشة أَحدهمَا من أَوْلَاده مَكَّة وَالْآخر من أَشْرَاف الأزبك المجاورين انْتقل هَذَا إِلَى رَحْمَة الله مَوْلَاهُ وَبَقِي الآخر إِذْ أبقاه الله وَفِي يَوْم الْجُمُعَة خَامِس عشر الشَّهْر الْمَذْكُور وَقع بَين عَسْكَر الشريف شنآن وافترقوا فرْقَتَيْن وتقاتلوا ساعتين وَحصل فيهم جراحات وأسفرت عَن سلامات وَكَانَ آغاتهم قد طلع إِلَى المعلاة لزيارة قبر مَوْلَاهُ فأرسلوا لَهُ رَسُولا وَنزل إِلَيْهِم قبل حُضُوره مَوْلَانَا الشريف أَحْمد بن زيد حفظه الله فَفرق جمعهم وأطفأ نارهم وَألف بَينهم وَقبل أعذارهم وَفِي هَذَا الشَّهْر توجه مَوْلَانَا السَّيِّد مُحَمَّد بن زيد إِلَى قَبيلَة بني سعد فِي جمع يسير وهم فِي مَنْعَة وشاهق خطير وَأَرَادَ قِتَالهمْ لخروجهم عَن الطَّاعَة وَأظْهر كل مِنْهُم تمرده وامتناعه فَأرْسل وَعرف أَخَاهُ مَوْلَانَا الشريف سعد فَجمع جمعا وَأمرهمْ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ والذهاب

стр. 2141

فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ وصل الْخَبَر إِلَيْهِ بِأَنَّهُ وَقع الصُّلْح على المَال لتسلم الرّقاب وَدخل جُمَادَى الْأُخْرَى وَكَانَ بالأحد وَفِي الْيَوْم الثَّالِث مِنْهُ آخر النَّهَار انْتقل الْأَخ الْأَعَز المرحوم شهَاب الدّين القَاضِي أَحْمد ابْن القَاضِي مرشد المرشدي الْحَنَفِيّ الْعمريّ رَحمَه الله تَعَالَى وفى يَوْم الْجُمُعَة سادس الشَّهْر ضرب سروا الْعَسْكَر نَاظر السُّوق وأهانه وَمكث النَّاظر الْمَذْكُور أَيَّامًا لَا يخرج من بَيته بِسَبَب جرح رجله من الضَّرْب وَسَببه طلب السردار من النَّاظر أَن يزِيد لَهُ فِي السّعر ليبيع هُوَ وجماعته مَا عِنْدهم من الطَّعَام المحتكر فَمنع من الزِّيَادَة فحقد عَلَيْهِ لذَلِك وتسبب لَهُ بِسَبَب من الْأَسْبَاب حَتَّى بلغ من ضربه مَا يُقَابل بِهِ يَوْم الْحساب وَأما حسن باشا لما وصل جدة دخل بَيته وأغلق بَابه وأجلس أعوانه وحجابه وَجعل حَاكما يحكم على الْمُسلمين حكم الظَّالِمين فَمن جملَة حكم ذَلِك الْحَاكِم على مَا قيل أَنه جعل على كل ميت شَيْئا كَمَا فعل فِرْعَوْن فِيمَن قبله من الْأَوَّلين وتفرق جنده فِي الْبِلَاد إِذْ تأمروها وَكثر أذاهم فِيهَا وَمَا عمروها بِحَيْثُ إِنَّهُم يدْخلُونَ السُّوق وَيَأْخُذُونَ الطَّعَام وَغَيره قهرا من غير رضَا وَإِذا توجه الْمَظْلُوم إِلَى الباشا لم يقدر عَلَيْهِ وَلَا هُنَاكَ أحد يلتجأ إِلَيْهِ وَإِن رفعوا الْأَمر إِلَى حاكمه ضَربهمْ وَأمر بحبسهم وَلم ينْقض لَهُم أرب وَمَعَ ذَلِك لَيْسَ قَوْله إِلَّا بَرى جدي بري زيدى عرب فَمن النَّاس من أمسك بَيته وَمِنْهُم من فر وهرب وَمِنْهُم من رفع هَذَا إِلَى مَوْلَاهُ فارج الكرب ليكشف هَذِه المحنة وَيهْلك من كَانَ السَّبَب وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي رَجَب الْحَرَام دخل سُلْطَان من سلاطين الأعجام وَقد كَانَ أرسل لَهُ مَوْلَانَا الشريف سعد إِلَى جدة رسله يهنونه بالسلامة ويبلغونه التَّحِيَّة والكرامة وصحبتهم خمس أَو سِتّ من التخوت وَتوجه إِلَيْهِ مفتي الْإِسْلَام والخطيب بِبَلَد الله الْحَرَام القَاضِي إِمَام الدّين ابْن القَاضِي أَحْمد المرشدي ولاقاه من نَحْو مرحلة وقابله بالتحية وَالْإِكْرَام وَجَاء مَعَه وَدخل بِهِ الْمَسْجِد الْحَرَام من بَاب السَّلَام وَأرْسل مَوْلَانَا الشريف إِلَيْهِ هَدِيَّة سنية وأنزله فِي بَيت من بيُوت آبَائِهِ الأسلاف الزكية

стр. 2142

ثمَّ بعد ذَلِك أرسل السُّلْطَان الْمَذْكُور لحضرة مَوْلَانَا الشريف مُقَابلا لما أهداه لَهُ من الإنعام مَالا جزيلاً من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَكَذَلِكَ جَاءَ من سُلْطَان الْهِنْد مَال عَظِيم فِي هَذِه الْأَيَّام فَذهب الضّيق والتعب من الْقُلُوب والأجسام وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشري رَجَب الْمَذْكُور انْتقل بالوفاة إِلَى رَحْمَة مَوْلَاهُ مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا ومأوانا وسندنا شَيخنَا شيخ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين خَاتِمَة الْأَئِمَّة الْمُحَقِّقين خَادِم حَدِيث سيد الْمُرْسلين الْجَامِع بَين الْأُصُول وَالْفُرُوع الْحَافِظ لكل متن ومجموع الْحَائِز فضيلتي الْعلم وَالنّسب الْحَائِز طرفِي الْكَمَال الغريزي والمكتسب رَئِيس الْعُلُوم العبقري جَار الله أَبُو مهْدي عِيسَى بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الثعالبي الْجَعْفَرِي الْهَاشِمِي نسبا الْمَالِكِي مذهبا المغربي منشأ ومولداً الحرمي وطناً ومحتداً إِمَام الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَعلم المغربين والمشرقين جَامع أشتات الْعُلُوم النقلية ومبرز خفايا لطائف الآراء الْعَقْلِيَّة محيى رسوم الرِّوَايَة بعد مَا عفت آثارها ومشيد مبانيها بعد مَا انهار منارها وسالك مسالك أَئِمَّة السلوك وَمَالك ملاك أمره فِي مجانبة كل مليك ومملوك ولد بِبَلَدِهِ وَنَشَأ بهَا على اشْتِغَال عَظِيم بالعلوم النافعة وَأخذ عَن عدَّة مَشَايِخ فِي عُلُوم عديدة قلت هُوَ شَيْخي الَّذِي تخرجت بِهِ فِي عدَّة من الْفُنُون إتقاناً عقائداً وأصولاً ونحواً وصرفاً ومنطقاً وبياناً تغمده الله برضوانه وأحله فسيح جنانه آمين وَفِي الْيَوْم السَّابِع وَالْعِشْرين من رَجَب الْمَذْكُور آخر النَّهَار وَقع بَين عَسْكَر الْمَدِينَة وَبَين الْعَرَب قتال زاغت فِيهِ الْأَبْصَار وَكَانَ من الْعَصْر إِلَى وَقت الاصفرار فَلَمَّا أقبل اللَّيْل وَأدبر النَّهَار تفرق الْجَمْعَانِ وَبَات عَسْكَر الْمَدِينَة فى غَايَة التنبه والاحتذار طول ليلهم بالبندق إِلَى وَقت الأسحار وَكَانَ الْقَتْلَى من الْعَرَب نَحْو خَمْسَة عشر رجلا فَلَمَّا أصبح الصَّباح ونادى مُنَادِي الْفَلاح حفروا لَهُم حُفْرَة نَحْو السَّبِيل ودفنوهم بهَا وَقتل من أهل الْمَدِينَة حران وعبدان بذلك تَوَاتر الخبرعن غير وَاحِد من الإخوان وَهَؤُلَاء الْعَرَب من قَبيلَة تعرف بِحَرب وَلم نعلم حَرْب هَذَا جدهم لمن ينْسب وَإِلَى أَي جيل يحْسب وهم جمع كَبِير يشْتَمل على قريب من خمسين فخذاً كل فَخذ يشْتَمل على جمَاعَة لَهُم جد خَاص وَعَلَيْهِم الدَّرك فِي حفظ الطَّرِيق من عسفان

стр. 2143

إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَالشَّيْخ الَّذِي جماعهم عَلَيْهِ وانتماؤهم إِلَيْهِ كَانَ يُسمى أَحْمد بن رَحْمَة أَفَاضَ الله عَلَيْهِ الرَّحْمَة وَلما أقبل اللَّيْل مَنعهم شيخهم الْمَذْكُور عَن الْقِتَال وردهم إِلَى الْمحل الْمُسَمّى بِذِي الحليفة شرعا وبأبيار عَليّ عرفا ثمَّ أرسل لَهُ كَبِير الْمَدِينَة الشَّرِيفَة بِالطَّلَبِ والأمان فَتوجه إِلَيْهِم وَمَعَهُ جمع من العربان فَجعل الْفَرِيقَانِ يختصمان وَيَدعِي كل مِنْهُمَا على الآخر بالبدء بالعدوان على يَد الأفندي وَشَيخ الْحرم والأعيان فأصلحوا بَينهمَا وَانْقطع النزاع عَنْهُمَا وألبس الشَّيْخ خلعة نفيسة وألبس بعض خواصه جوخاً على أَن مَا مضى لَا يُعَاد بذلك وَقع الِاتِّفَاق والأمان وَنَادَوْا على الْقَافِلَة بالرحيل مَعَ التعزيز والتبجيل ثمَّ دخل شهر شعْبَان الْمُعظم وَكَانَ بالأربعاء وَفِي خامسه وصل رَسُول من باشا مصر المحروسة إِلَى حَضْرَة مَوْلَانَا الشريف يبشره بالنصرة المأنوسة لمولانا السُّلْطَان مُحَمَّد خَان أيده الله بالسعد المديد على أهل الشّرك والطغيان أَرْبَاب مالطة وكريد فألبسه مَوْلَانَا الشريف خلعة ثمينة ونادى مناديه سبع لَيَال بالزينة وَذَلِكَ على الْقَوَاعِد الْقَدِيمَة وحصلت بذلك للمسليمن بشرى عَظِيمَة وَمُدَّة محاصرة أهل الْإِسْلَام للكفرة الْمُشْركين اللئام نَحْو ثَلَاثِينَ من الأعوام ثمَّ إِن الْكَفَرَة جعلُوا للْمُسلمين مَالا عَظِيما حَالا ومؤجلاً يأخذونه مِنْهُم كل عَام بالتمام وَأَن لَا يتَعَرَّضُوا للْمُسلمين بِحَال من الْأَحْوَال لَا فِي الْأَسْفَار وَلَا فِي دَار الْمقَام والمدة الَّتِي اتَّفقُوا عَلَيْهَا نَحْو مائَة من الأعوام على ذَلِك وَقع الصُّلْح والاتفاق وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الشقاق فَرَجَعُوا إِلَى أوطانهم بالخيرات والإنعام وَلَهُم فِي الْآخِرَة دَار السَّلَام وَمِمَّا يتَعَلَّق برَسُول الباشا أَنه جَاءَ بعزل أَفَنْدِي الشَّرْع وبتولية القَاضِي عبد المحسن القلعي نِيَابَة الْقَضَاء عَن الأفندي المستجد وبعزل مفتي الْحَنَفِيَّة القَاضِي إِمَام الدّين المرشدي وتولية الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بيري زَاده مقَامه إِذْ لَهُ هُنَاكَ مُسْتَند وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء حادي عشري شعْبَان الْمَذْكُور من سنة ثَمَانِينَ وَألف ورد خبر وقْعَة مَوْلَانَا السَّيِّد حمود مَعَ ظفير الْقَبِيلَة الْمَعْرُوفَة بِنَجْد وَكَانَ فِيهَا عدَّة وقعات

стр. 2144

وقْعَة قفاز مَعَ عَنزة ووقعة بني حُسَيْن ووقعة هتيم العوازم ووقعة مطير وَغَيرهم وَسبب وقْعَة ظفير أَنه انْضَمَّ إِلَى جهامة مَوْلَانَا السَّيِّد حمود قَبيلَة من ظفير يُقَال لَهُم الصمدة ثمَّ انْضَمَّ إِلَيْهِ شيخهم الْأَكْبَر مَعَ جماعته الأدنين وعصبته الأقوين وَكَانَ محباً للسَّيِّد حمود بِمَنْزِلَة الْعين للْإنْسَان وَالْإِنْسَان للعين وَهُوَ ذُو شهامة وصرامة يعرف بِابْن مرشد سَلامَة فَوَقع من جماعته جرم اقْتضى أَن يؤاخذوا بِمَا هُوَ الْمُعْتَاد الْمَنوِي عَلَيْهِم فِي مثله وَهُوَ أَخذ الشعْثَاء والنعامة وَفِي خِيَار أَوَائِل الأباعر وَخيَار تواليها فَلم يرْضوا بذلك وَقَالُوا هُوَ جور وحيف وَلَيْسَ عندنَا دون ذَلِك إِلَّا حد السَّيْف فَأَشَارَ سَلامَة الْمَذْكُور إِلَى مَوْلَانَا السَّيِّد حمود وَقَالَ لَهُ اربطني ولستَ فِي ذَلِك بمُلام فوَاللَّه لتأخذن مَا تُرِيدُ على التَّمام فَقَالَ كلا وَالله لَا ربطتك ونخوة آبَائِي الْكِرَام وَكَيف ذَاك وَفِي بَطْنك من عيشي طَعَام وَكفى بِهِ الْتِزَام ولزام فَذهب سَلامَة إِلَى قومه وَقد تهيئوا لِلْقِتَالِ والنضال والعدوان وتهيأ كَذَلِك مَوْلَانَا السَّيِّد حمود وَمن مَعَه من بني عَمه وَمن الصمدة وعَدوان فانخزلت الطَّائِفَة من الصمدة وَوَلَّتْ نَاحيَة نَاجِية وانكفأ الْجَمْعَانِ بَعضهم على بعض وَاخْتَلَطَ الفرسان فَلم يبن الطول من الْعرض وَقتل من السَّادة الْأَشْرَاف مَوْلَانَا السَّيِّد زين العابدين بن عبد الله ومولانا السَّيِّد أَحْمد بن حُسَيْن بن عبد الله وَالسَّيِّد شنبر بن أَحْمد بن عبد الله وَصوب مَوْلَانَا السَّيِّد ظفير ابْن السَّيِّد زامل بن عبد الله أصاويب وَكَذَلِكَ صوب مَوْلَانَا السَّيِّد باز بن هَاشم بن عبد الله إِلَّا أَن الله سُبْحَانَهُ منَّ بالعافية عَلَيْهِمَا وَللَّه الْحَمد ثمَّ إِن السَّيِّد غَالب بن زامل صبحهمْ بعد مُدَيدة فحلم عَن سِتِّينَ لحية مِنْهُم وَلم يشف عَن وَاحِد من الْقَتْلَى كبده وَلم تزل مَعَهم ظفير فِي قتل وطراد إِلَى أَن أصلح بَينهم مَوْلَانَا المرحوم الشريف أَحْمد بن زيد كَمَا سَيَأْتِي ذكر ذَلِك فِي مَحَله وَفِي تَاسِع عشري رَمَضَان وَقعت بِمَكَّة صَاعِقَة جِهَة الشبيكة قتلت رجلا وَاحِدًا وَفِي رَابِع عشر شَوَّال بلغنَا أَن الباشا حسن اْظهر بويوردي وقرأه على الأتراك بِأَن محصول جدة لَهُ يصرفهُ فِي عمَارَة الْمَسْجِد وَغَيره فتعب مِنْهُ مَوْلَانَا الشريف سعد

стр. 2145

وَأرْسل لَهُ وَنَهَاهُ عَن ذَلِك فَلم يرجع وَفعل فعل القسوس فَقَامَتْ بَينهمَا النُّفُوس وَنزل السَّيِّد مُحَمَّد بن يعلى فِي خيل وَرجل وخدام وواجهه فقابله بالتحية وَالْإِكْرَام وَكَانَ بَينه وَبَين مَوْلَانَا الشريف مباينة وظنن فتعب النَّاس من ذَلِك لما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الْفِتَن وَلَكِن كفى الله الْمخوف وَدفع وَلم يحصل شئ من المكاره وَفِي يَوْم الْخَمِيس سادس عشري الشَّهْر الْمَذْكُور وصل ثَلَاثَة من الْأَعْرَاب بِخَبَر سَار للْمُسلمين بِأَن صَاحب جدة مَعْزُول فأخلع عَلَيْهِم مَوْلَانَا الشريف أدام الله لَهُ النَّصْر والتمكين وَدخل شهر ذِي الْحجَّة الْحَرَام اختتام سنة ثَمَانِينَ وَكَانَ بالإثنين وَفِي يَوْم الْجُمُعَة خَامِس الشَّهْر وصل مبشران أَحدهمَا من أَتبَاع مَوْلَانَا الشريف مِمَّن يتلَقَّى عَن الْحَج الْأَخْبَار وَالْآخر من أَتبَاع عماد أغا وَمن الْحجَّاج وَالزُّوَّارِ يبشران بوصول قفطان لمولانا الشريف من حَضْرَة مَوْلَانَا السُّلْطَان وَفِي الْيَوْم السَّادِس دخل الْحجَّاج مَكَّة المشرفة وَوصل القفطان والمكتوب فَلبس وَقُرِئَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام بَين زَمْزَم وَالْمقَام بِحَضْرَة الْخَاص وَالْعَام وَكَانَ مِمَّن حج فِي الْعَام جمَاعَة من الْأَعْيَان أَرْكَان دولة آل عُثْمَان أَخُو الْوَزير وَعَمه وَابْن أَخِيه وَأمه فَتوجه إِلَيْهِم مَوْلَانَا الشريف حَال الْقدوم لسلام التَّحِيَّة وَأرْسل لَهُم بهدية سنية وَبعد نزولهم إِلَى منى توجه إِلَيْهِم وَنَصّ جَمِيع مَا جرى لَهُ من حسن باشا عَلَيْهِم فأرسلوا إِلَيْهِ فَحَضَرَ وَتَكَلَّمُوا عَلَيْهِ وزجروه فانزجر وَفِي الِاجْتِمَاع بِهِ مرّة ثَانِيَة جمعُوا بَينه وَبَين مَوْلَانَا الشريف وَأَصْلحُوا بَينهمَا الْحَال وَالْحَمْد لله على كل حَال وَكَانَت الوقفة بالثلاثاء وَفِي خَامِس عشري ذِي الْحجَّة الْمَذْكُورَة انْتقل الْأَخ الصَّالح رضى بن حسن الطَّاهِر ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف فِي ثَالِث محرم الْحَرَام يَوْم الْجُمُعَة رَحل الْمحمل الشَّامي وَفِي سادسه انْتقل مَوْلَانَا المرحوم الشَّيْخ عبد الْكَبِير بن مُحَمَّد المتَوَكل وَهُوَ من بَيت سلف صَالح رَحمَه الله تَعَالَى ووالدى وَالْمُسْلِمين

стр. 2146

وَفِي يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر الشَّهْر الْمَذْكُور نُودي لمولانا وَسَيِّدنَا الشريف أَحْمد ابْن المرحوم مَوْلَانَا الشريف زيد فِي الْبِلَاد بِالربعِ وَأمر الْخَطِيب يَدْعُو لَهُ عَلَى الْمِنْبَر مَعَ أَخِيه دَامَ مجدهما وَكَانَ النداء قبيل الصَّلَاة فِي الْيَوْم الْمَذْكُور وَبعد صَلَاة عصر ذَلِك الْيَوْم أرسل إِلَيْهِ الباشا حسن جمَاعَة نوبَته فَضربت فِي بَيته فَأرْسل إِلَيْهِم فَوق مَا كَانُوا يطمعون فَخَرجُوا وهم يتشكرون وَكَذَا فِي الْيَوْم الثَّانِي وَالثَّالِث على مَا مضى عَلَيْهِ الْأَولونَ وَفِي ثَانِي يَوْم جلس للتهنئة والمباركة وألبس الْخَطِيب ثوبا نفيساً وَأنْفق فِي ذَلِك الْيَوْم مَالا على الأتباع والفقراء تبشيراً وتأنيساً وَكَانَ قدومه على الْمُسلمين بِكُل خير وَمِمَّا اتّفق فِي هَذَا الْعَام أَن رجلا من قَبيلَة النفعة يُسمى عُمَيْر ويكنى بِأبي شويمة قتل جمَاعَة مِنْهُم اثْنَان من ثَقِيف من قَبيلَة تسمى الحمَدَة وَلَهُمَا إخْوَة وبنوعم فَكَانُوا فِي طلبه يتجسسون الْأَخْبَار فَدخل فِي هَذِه السّنة بلدَهم وَجَاء رَاكِبًا جَوَاده ووقف إِلَى قبَّة الحبر وزار ثمَّ دخل إِلَى السُّوق فَرَآهُ بعض أقَارِب الْقَتِيل فصاح بِهِ وضربه ضَرْبَة ادَّرَقها ثمَّ ضرب فرسه فَقطع عرقوبها فحركها فَلم تطاوعه للفرار فَسقط إِلَى الأَرْض فَلحقه وَقد صدمه الْجِدَار فَضَربهُ ثَالِثَة على أم رَأسه فشقه فبرك عَلَيْهِ وَأَرَادَ ذبحه فَمَنعه الْحَاضِرُونَ ثمَّ قَامَ نَحْو الْخَلَاء وَهُوَ فى سَكَرَات الْمَوْت فصاح الصائح الحقوا غريمكم قبل الْفَوْت فتلاحقه الرِّجَال يرمونه بِالْحِجَارَةِ والنضال حَتَّى سكن أنينه وَكَانَت هَذِه الْوَاقِعَة يَوْم الْخَمِيس رَابِع ربيع آخر ثمَّ إِن أَوْلَاد عُمَيْر الْمَذْكُور صاحوا فى عشيرتهم وذويهم واستشاروهم على قتلة أَبِيهِم فَأَتَاهُم بَنو سعد وعتيبة وَجمع من العربان ثمَّ اجْتَمعُوا وتهيئوا لِلْقِتَالِ وَحصل فِي الطَّائِف القيل والقال فاجتمعت ثَقِيف واستنصروا حلفاءهم لما بَلغهُمْ وُصُول الْقَوْم إِلَى لية ونواحيها وبالقرب من الْقَوْم قبيلتان من ثَقِيف بَنو مُحَمَّد وثمالة فتوجهوا نَحْو الْقَوْم فَأخذ الْقَوْم ينهزمون إِلَى أَن وصلوا إِلَى عباسة بالخداع مِنْهُم والاحتيال وَهَؤُلَاء الْبَعْض مِنْهُم وَالْبَعْض الآخر كمن واختفى وَرَاء الْجبَال حَتَّى توسطت ثَقِيف فَإِذا الْقَوْم منعطفون عَلَيْهِم والكمين خَارج إِلَيْهِم فاحتاطوا بهم فَقتلُوا الرِّجَال وَأخذُوا الْأَمْوَال وأمسكوا جمَاعَة عِنْدهم مأسورين وهرب باقيهم ثمَّ إِن الْقَوْم نزلُوا إِلَى الْقرْيَة وأخربوها وَأخذُوا الْحُبُوب وَقَطعُوا الثِّمَار وأحرقوا

стр. 2147

بعض الدَّوَابّ بالنَّار وَكَانَ بالقرية أَوْلَاد الشريف وحاكم الشريف فارسلوا إِلَيْهِ فعرفوه فَفِي صَبِيحَة يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع ربيع الآخر من السّنة الْمَذْكُورَة وصل من مَكَّة نَحْو الْمِائَة من الْعَسْكَر أرسلهم مَوْلَانَا الشريف لحفظ الْبَلَد وحراستها وَفِي الْيَوْم التَّاسِع وَالْعِشْرين من الشَّهْر الْمَذْكُور لبس مَوْلَانَا الشريف سعد خلعة النَّصْر والتأييد بِالْأَبْطح جَاءَتْهُ من صَاحب مصر المحروسة بعون الله الْعَزِيز الحميد وَكَانَ مُتَوَجها إِلَى الشرق لإطفاء نَار فتن المفسدين والعتاة المتمردين وَدخل شهر جُمَادَى الأولى وَتوجه مَوْلَانَا الشريف إِلَى الْمَبْعُوث وَوصل فِي سَابِع عشره إِلَيْهِ أيده الله تجاه جده خير مَبْعُوث وَأرْسل قبائل الْعَرَب فَأَجَابُوا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة فنصفهم وأنصفهم وَلَو شَاءَ كشف عَنْهُم من السّتْر قناعه لَكِنَّهَا غير شِيمَة جده صَاحب الشَّفَاعَة ثمَّ وصل مِنْهُ إِلَى الطَّائِف وَفِي هَذَا الْعَام وَقع الصُّلْح بَين مَوْلَانَا الشريف وَالسَّيِّد حمود فَكَانَ وُصُول مَوْلَانَا السَّيِّد حمود ﵀ إِلَى مَوْلَانَا الشريف سعد بِالطَّائِف فلاقاه ملاقاة الابْن الْبَار لِأَبِيهِ وَألبسهُ فِي الْحَال فَرْوَة السمور وَطيب خاطره بِكُل مَا يرضيه ثمَّ بعد يَوْم وَالَّذِي يَلِيهِ عقد مَعَه الْمُبَايعَة على مُحكم الأساس فِي ضريح الحبر ابْن عَبَّاس وَلم يدْخل مَكَّة مَعَه بل تخلف فِي مخاليفها وَكَانَ بِهِ للْمُسلمين أعظم أَسبَاب تأليفها وَفِي شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة وصل رَسُول من باشا مصر وَمَعَهُ مَكْتُوب من مَوْلَانَا السُّلْطَان وَمَعَهُ خلعتان وَاحِدَة مِنْهُمَا لمولانا الشريف سعد وَالْأُخْرَى لمولانا الشريف أَحْمد حرسهما الله تَعَالَى وَكَانَا غائبين فِي أَرض الْحجاز لإِصْلَاح الْبِلَاد وقمع أهل الظُّلم والعِناد فَاجْتمع الْعَسْكَر الَّذين بِمَكَّة ليلاقوا رَسُول مَوْلَانَا السُّلْطَان بالتبجيل والإعظام وليدخلوا بِهِ على مَا جرت بِهِ الْقَوَاعِد فَأتوا بِهِ من أَعلَى مَكَّة وأدخلوه من بَاب السَّلَام وَوَضَعُوا الخلعتين فِي مقَام الْخَلِيل ﵇ وَدخل شهر رَمَضَان وَكَانَ بالثلاثاء وَلما كَانَت لَيْلَة الثَّالِث وَالْعِشْرين مِنْهُ دخل مَوْلَانَا الشريف سعد مَكَّة فِي موكب عَظِيم تَمام وَمكث يَوْمه وَالَّذِي يَلِيهِ ثمَّ نزل الْيَوْم الثَّالِث إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام وَلبس الخلعة الشَّرِيفَة بَين زَمْزَم وَالْمقَام بِحَضْرَة

стр. 2148

السَّادة الْأَعْلَام وعساكر الْإِسْلَام وَقُرِئَ المرسوم السلطاني وَفِيه مَالا مزِيد عَلَيْهِ من التبجيل والإعظام وَكَذَلِكَ مَوْلَانَا الشريف أَحْمد لبس خلعته فِي هَذَا الْيَوْم وَذَلِكَ أَنه طلب من أَخِيه بعد النداء لَهُ بِالربعِ وَالدُّعَاء على الْمِنْبَر أَن يُرْسل إِلَى الحضرة الْعلية وَيعرف بذلك لتصل إِلَيْهِ الخلعة فِي كل عَام وتقرر فَأرْسل وَعرف بذلك فِي مَكْتُوب فَجَاءَهُ الْجَواب على وفْق الْمَطْلُوب وَقد سبقهما إِلَى مثل هَذَا الْآبَاء والجدود وَفضل الله لَيْسَ بمحدود وَفِي يَوْم الْجُمُعَة خَامِس عشري الشَّهْر الْمَذْكُور دخل شخص أعجمي الْمَسْجِد الْحَرَام والخطيب قَائِم على الْمِنْبَر يعظ الْأَنَام فَتقدم نَحْو الْخَطِيب وصرخ صرخة أزعجه بهَا وأشغل جنانه وَالسيف فِي يَده سليل جمع عَلَيْهِ كَفه وبنانه فَأَوْمأ نَحوه بِالسَّيْفِ وقرقر وَقَالَ أَنا الْمهْدي الله أكبر فدافع عَن الْخَطِيب بعض الْحَاضِرين بِالسِّلَاحِ وَالْحجر وَمنعه مِنْهُ وَحجر وَحصل مِنْهُ جراحات لعدة أشخاص فَاجْتمعُوا عَلَيْهِ وضربوه وطرحوه إِلَى الأَرْض وقتلوه ثمَّ إِنَّهُم أخذُوا بِرجلِهِ والى خَارج بَاب السَّلَام سحبوه فَلَمَّا قضيت الصَّلَاة رجعُوا إِلَيْهِ فَأخذُوا بِرجلِهِ وصاروا يجرونه مَعَ الضَّرْب والإهانة والحياة فِيهِ بَاقِيَة فويل لَهُم من الله سُبْحَانَهُ إِلَى أَن وصلوا بِهِ المعلاة وأحرقوه هُنَاكَ بِالْقربِ من بركَة المصى وَهَذَا أَمر عَظِيم تحار فِيهِ الأفكار كَون الْمُسلم يهان هَذِه الإهانة وَيقتل بِغَيْر مُوجب ثمَّ يحرق بالنَّار نَعُوذ بِاللَّه من مكر الله وَدخل شهر الْحجَّة وَكَانَ بالسبت دخل الْحجَّاج يَوْم الخاسم والأمير والمحمل يَوْم السَّادِس وَلبس مَوْلَانَا الشريف سعد والشريف أَحْمد خلعتيهما مَعَ الْمصْرِيّ والشامي وَهَذِه أول خلعة لبسهَا مَوْلَانَا الشريف أَحْمد فِي هَذَا الموكب ثمَّ حجا بِالنَّاسِ وَلما كَانَ الْيَوْم الثَّالِث من أَيَّام منى بعد انتصاف النَّهَار نفر الباشا حسن إِلَى مَكَّة وَإِلَى رمي الْجمار فِي موكب عَظِيم تشخص عِنْده الْأَبْصَار والجند محدقون بِهِ إحداق الهالات بالأقمار فَلَمَّا كَانَ وَاقِفًا عِنْد الْعقبَة لرمي الْجَمْرَة رَمَاه ثَلَاثَة رجال بِثَلَاث بَنَادِق فَخر على وَجهه إِلَى التُّرَاب فَتَلقاهُ جنده ورفعوه إِلَى التخت وتحيروا فِيمَا نزل بهم من هَذَا

стр. 2149

الْمُصَاب بِهَذَا المُصاب ونزلوا بِهِ إِلَى مَكَّة فِي ذل وانكسار وصاروا يقتلُون من لاقوه من النَّاس من غير اخْتِيَار فوصلوا بِهِ إِلَى مَكَّة وَأَغْلقُوا عَلَيْهِ الدَّار وتحصنوا فِي الْبيُوت وَدخل جمع مِنْهُم الْمَسْجِد بِالسِّلَاحِ وَالنَّار ورموا فِيهِ البندق نَحْو بَيت مَوْلَانَا الشريف سعد وهتكوا حُرْمَة بَيت الله ذى الأستار ووجهوا المدافع فِي الْأَرْبَع الْجِهَات واحترس نِهَايَة الاحتراسات ثمَّ إِن مَوْلَانَا الشريف سعد توجه بعسكره إِلَى مَكَّة خَلفه بعد حِين ملبسين مدرعين وَأما الْحجَّاج فَمنهمْ من نفر إِلَى مَكَّة وَأدْخل أَسبَابه وَمِنْهُم من لم ينفر وَجمع أَهله وَمَاله وأغلق بَابه وَلما نزل الْحجَّاج إِلَى مَكَّة واستقروا بهَا مَكَثُوا خَمْسَة أَيَّام وَأكْثر مضطربين وَفِي كل يَوْم تراهم رافعين لأسبابهم وواضعين وكبراء الْحجَّاج والأمراء يسعون بَينهمَا فِي جمع الشتات وَسبب الِاضْطِرَاب أَنه قطع على مَوْلَانَا الشريف اسْتِحْقَاقه من ناصفة جدة فطالبه بهَا فَامْتنعَ وتجبر وتنكر وتنمر فَوَثَبَ عَلَيْهِ مَوْلَانَا الشريف فِي طلب حَقه وَجمع جَيْشه وَكبر فَعِنْدَ ذَلِك أصلح الله الْأَحْوَال وَاتفقَ الْأَمر على إِعْطَاء شئ من المَال وَكَانَ قدره ثَلَاثِينَ ألف قِرْش ثمَّ استعفوا مَوْلَانَا الشريف سعد من الثُّلُث وَأعْطِي عشْرين ألف ريال فَسلمت لمولانا الشريف أعزه الله بجاه النَّبِي والآل ثمَّ لما توجه الْحَاج الْمصْرِيّ يَوْم سَابِع عشري ذِي الْحجَّة الْحَرَام الْمَذْكُور توجه مَعَه حسن باشا ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ اتّفق أَنه لما رَحل حسن باشا صُحْبَة الْحَاج الْمصْرِيّ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة أَقَامَ بهَا فوفد عَلَيْهِ فِيهَا مَوْلَانَا السَّيِّد مُحَمَّد ابْن السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَارِث فألزمه بالذهاب إِلَى وَالِده السَّيِّد أَحْمد الْحَارِث واستلحاقه إِلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة فَذهب السَّيِّد مُحَمَّد الْمَذْكُور فوصل إِلَى أَبِيه بِالْمحل الْمُسَمّى بالشعري من أَرض نجد فَأتى إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة فَلَمَّا حَضَره نَادَى لَهُ بالبلاد بعد أَن ألبسهُ خلعة وَقطع الدُّعَاء للشريف سعد فِي الْخطْبَة

стр. 2150

ودعا للشريف أَحْمد الْحَارِث وَقد كَانَ مَوْلَانَا الشريف سعد خرج صُحْبَة الْحَاج أَو عقبه حَتَّى وصل إِلَى يَنْبع فَأَقَامَ بِهِ وَلما بلغه مَا فعله حسن باشا بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة من قطع اسْمه من الْخطْبَة وتوليته للسَّيِّد أَحْمد الْحَارِث والنداء لَهُ أرسل إِلَى السَّيِّد أَحْمد الْحَارِث كتابا فِي غَايَة اللطافة واللين والرقة لَا الكثافة مضمونه بعد مزِيد الثَّنَاء وَحميد الدُّعَاء إِن هَذَا الْوَاقِع الَّذِي سمعنَا بِهِ من تقمصك برد الْملك وأثوابه فَهَذَا أَمر أَنْت بَيته الْأَعْلَى وَمثلك أَحْرَى بِهِ وَأولى فَإنَّك أَنْت الشَّيْخ وَالْوَالِد الْحَائِز كل كَمَال طريف وتالد فَإِن كَانَ هَذَا مُحكم الأساس فِي الْبُنيان جَار على مُقْتَضى مرسوم السُّلْطَان فَنحْن بِالطَّاعَةِ أعوان وَإِن كَانَ الْأَمر خلاف ذَلِك وَإِنَّمَا كَانَ من تسويلات هَذَا الظَّالِم الغادر وتنميقات ذَلِك المذمم غير الظافر فأجل حلمك أَن تستخفه نكباء الطيش أَو أَن تستنزله أخلاط الأشاوب وغوغاء الْجَيْش فَأرْسل إِلَيْهِ الْجَواب مَوْلَانَا السَّيِّد أَحْمد الْحَارِث بِأَن الْأَمر لم يكن على هواى وَإِنَّمَا هُوَ إِلْزَام مَعَ علمى بِأَن الِابْتِدَاء لَا يكون لَهُ تَمام فاستشعر حسن باشا أَن من نِيَّة مَوْلَانَا الشريف سعد الْمسير إِلَيْهِ فتهيأ لِلْقِتَالِ واعتد ولفق مَعَ عَسَاكِر الْمَدِينَة مَا قدر عَلَيْهِ بالجد لَا الْجد وصنع أكراً من حَدِيد قَرِيبا من مِائَتَيْنِ تسمى قنابر تملأ بالرصاص وَالْحَدِيد يرْمى بهَا من بعد إِلَى الْجَيْش فَيفْسد فِيهِ ملأها المتناثر وَكلما أَرَادَ الْمسير ثبطه السَّيِّد أَحْمد الْحَارِث وثناه وَأظْهر لَهُ الرَّأْي فِي عدم الْمسير ومناه فعزم مَوْلَانَا الشريف سعد وَأَخُوهُ مَوْلَانَا الشريف أَحْمد إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة الظَّالِم أَهلهَا إِذْ ذَاك وصمم على الْقِتَال عزماً لَيْسَ مَعَه انفراك وَكَانَ مَوْلَانَا السَّيِّد حمود ﵀ نازلاً بالمبعوث فِي المربعة المنسوبة إِلَى مَوْلَانَا السَّيِّد مُحَمَّد الْحَارِث وَكنت إِذْ ذَاك نازلاً عِنْده فى تِلْكَ الْبقْعَة وصلت إِلَيْهِ اشتياقا لمحياه السعيد وفرحاً بعد طول الْغَيْبَة بأنس الرّجْعَة فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْأَحَد ثَانِي عشر جُمَادَى الأولى بَين صَلَاتي الظّهْر وَالْعصر من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ الْمَذْكُورَة إِذْ نَحن بِفَارِس على فرس عري يدك الأَرْض دكاً فَأقبل حَتَّى دنا فَإِذا هُوَ السَّيِّد أَحْمد بن السَّيِّد حسن بن حراز رَسُولا من مَوْلَانَا السَّيِّد أَحْمد الْحَارِث والباشا

стр. 2151

حسن بمكتوبين يستدعيان مَوْلَانَا السَّيِّد حمود للانضمام إِلَيْهِمَا فَفتح المكتوبين وقرأهما وتمقل ألفاظهما ومعناهما فنبذهما إِلَيّ وَقَالَ اقرأهما ثَانِيًا عَليّ فقرأتهما فَإِذا مَضْمُون الأول الَّذِي من الباشا حسن بعد الثَّنَاء وَالْوَصْف الْحسن إننا قد ولينا أَخَاكُم السَّيِّد أَحْمد الْحَارِث بِأَمْر سلطاني مَعنا صَحِيح فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى وَالْقَصْد أَن تجمعُوا الشمل وَلَا تشقوا الْعَصَا وتكونوا عوناً لأخيكم على من خَالف وَعصى وَلكم مَا تريدونه من الْجِهَات والمعينات وَزِيَادَة فَوق مَا جرت بِهِ القوانين وَالْعَادَة وَهَذَا حَاصِل مَا فِيهِ فَلَا حَاجَة إِلَى التكثير وَلَا ينبئك مثل خَبِير ومضمون كتاب مَوْلَانَا السَّيِّد أَحْمد بعد الْعبارَة وَإِظْهَار الود والاشتياق والحنو والإشفاق إِنَّنِي يَا أَخُوك لم يكن لي هَذَا الْأَمر ببال وَلم ألتفت إِلَيْهِ بالقال وَلَا بِالْحَال وَإِنَّمَا لَحِقَنِي ولدك مُحَمَّد إِلَى الشعري وَكرر عَليّ القَوْل مرّة بعد أُخْرَى وَلم أوافقه حَتَّى رَأَيْت جدك النبى فِي الْمَنَام قَائِلا لي وَافق مُحَمَّدًا وخلاك هلام فَحِينَئِذٍ رجعتُ وَكَانَ مَا سَمِعت وَالْقَصْد إِنِّي أَخُوك الَّذِي تعرفه وَلَا تنكره فَأقبل إِلَيْنَا فَهُوَ أعظم جميل نذكرهُ وَالسَّلَام ثمَّ فكر مَوْلَانَا السَّيِّد حمود سَاعَة فَكَأَنَّهُ كشفت لَهُ الفراسة عَن وَجه الْغَيْب قناعه وَقَالَ كَأَنِّي برَسُول الشريف يصابحنا إِن لم يماس فَكَأَنَّهُ فِي مرْآة الْغَيْب نَاظر فَقبل الْغُرُوب إِذا الرَّاكِب المنيخ بالفناء ابْن بسيان جاسر فَتقدم إِلَيْهِ وَقبل يَدَيْهِ وَأخرج مكتوبين أَحدهمَا من مَوْلَانَا الشريف سعد وَالْآخر من أَخِيه مَوْلَانَا الشريف أَحْمد مضمونها استحثاثه فِي الْمسير إِلَيْهِمَا والحضور لديهما وَأَن حسن باشا قد شمر عَن سَاقيه للحرب وكشر عَن نابيه لِلطَّعْنِ وَالضَّرْب وَاسْتشْهدَ مَوْلَانَا الشريف سعد بقول الشَّاعِر // (من الوافر) // (وَمَا غلظتْ رقابُ الأُسْدِ حتَّى ... بأنفسها تولَّتْ مَا عَنَاهَا) وَأتبعهُ بقوله وَأَنت تعلم أَن الْأَمر الَّذِي يعنانا يعناك وأدري بِمَا يَئُول إِلَيْهِ الْأَمر فِي ذَاك وَهَذِه ألف دِينَار صُحْبَة الْوَاصِل الْمَذْكُور إِلَيْك فَأدْرك أدْرك أدام الله فَضله عَلَيْك وَاسْتشْهدَ مَوْلَانَا الشريف أَحْمد بِبَيْت الهمزية ثمَّ إِنِّي قلت لمولانا مَا صَوَاب الرأيين وَيتَوَجَّهُ الْعَزْم إِلَى أَي الْوَجْهَيْنِ فَقَالَ إِلَى سعد صَاحب الْفضل ومولاه فبيني وَبَينه فِي ضريح الحبر عتلات الله فَلَو

стр. 2152

اعترضني عبد الله لكفحت وَجهه بِالسَّيْفِ دونه وَالله ثمَّ وَالله ثمَّ توجه على الركاب يَوْمه الثَّانِي وقوض الأخبية وَفَارق المباني حَتَّى وصل إِلَى مَوْلَانَا الشريف سعد وأخيه وهما بِالْمحل الَّذِي عذب بحلولهما بعد أَن كَانَ اسْمه ملحة فوافاه الْقَضَاء بِمَا وَافق مُرَاده وأنتج نجحه من وُرُود القاصد بعزل حسن باشا وَطَلَبه وانخرام حسابه وتقطع سَببه ثمَّ ارتحل من الْمَدِينَة فَلَمَّا كَانَ بطرِيق غَزَّة وَتلك النواحي توفّي فَدفن فِي ذَلِك الْمحل الناحي وَأَتَتْ إِلَى مَوْلَانَا الشريف سعد خلعة باشوية صُحْبَة ذَلِك القاصد وَكَانَ إرسالها ضربا من المكايد ثمَّ فِي أَوَاخِر ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة قبل قدوم الْحَاج بِقَلِيل قدم مُحَمَّد جاوش بجيوش نَحْو أَرْبَعَة أَو خَمْسَة آلَاف ضرب أوطاقه فِي أَسْفَل مَكَّة الزَّاهِر بِمن مَعَه من العساكر وصاروا يدْخلُونَ مَكَّة عشرَة سَوَاء خَمْسَة سَوَاء وَثَمَانِية سَوَاء ويعودون إِلَى خيامهم خَارج مَكَّة للمبيت ثمَّ قدم صُحْبَة الْحَاج الشَّامي شخص يُسمى حُسَيْن باشا السلحدار بِنَحْوِ أَلفَيْنِ وَقد وسد من تِلْكَ الديار أَن يعْمل بِمَا يتوراه نظره ويختار فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم السَّابِع من ذِي الْحجَّة خرج لملاقاة الْمحمل الشريف الشَّامي على الْعَادة إِلَّا أَنه لم يخرج إِلَّا من الثَّنية الْعليا الْمُسَمَّاة بالحجون أَعلَى الْبِلَاد فَوقف إِلَى أَن يصل بهَا الْوَاصِل كَمَا هُوَ عَادَة الْأَوَائِل فَلم يصل إِلَيْهِ أحد بل طلب مِنْهُ أَن يَأْتِي إِلَى مخيم الْأَمِير وَهَذَا الْأَمر على شهامته غير يسير فعطف عنان فرسه رَاجعا من طَرِيق الشبيكة إِلَى مَكَّة المشرفة فخشوا من وُقُوع فتْنَة يذهب فِيهَا الأقوياء والضعفاء فأرسلوها مَعَ من لحقه بهَا فِي أثْنَاء الطَّرِيق وهُدُوا بذلك إِلَى طَرِيق الرشاد والتوفيق ثمَّ صعد الْحجَّاج إِلَى عَرَفَات وأفاضوا إِلَى الْمزْدَلِفَة ثمَّ منى ذَات المثوبات فَلَمَّا كَانَ يَوْم النَّفر وَهُوَ الْيَوْم الثَّانِي من أَيَّام منى ترددت الرُّسُل من الشريف إِلَى أَمِير الْحَاج الشَّامي لما هُوَ الْمُعْتَاد من الخلعة الَّتِي صحبتهَا المرسوم السلطاني الَّتِي يلبسهَا ذَلِك الْيَوْم مَعَ المرسوم الَّذِي يقْرَأ فيسمعه القاصي والداني فَلم يُؤْت بهَا إِلَيْهِ فَعلم مَوْلَانَا الشريف أَن الْمدَار بِهَذِهِ العساكر الْقَبْض عَلَيْهِ فأضمر الصولة

стр. 2153

عَلَيْهِم والمسير وَلم يبال بذلك الْجمع وَإِن كَانَ حصره عسير ثمَّ رجح الانكفاف بالذهاب وإغلاق مَا للشرور من سَائِر الْأَبْوَاب ففر وَمن مَعَه على الْخَيل والركاب فجزاه الله عَن الْمُسلمين أحسن جَزَاء بِحرْمَة مُحَمَّد وَمن وَالَاهُ وَلما كَانَ ظهر الْيَوْم الثَّانِي عشر حضر حُسَيْن باشا وَمُحَمّد جاوش وأكابر الدولة وأمراء الْحَاج واستدعوا جمَاعَة من الْأَشْرَاف مِنْهُم مَوْلَانَا المرحوم السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَارِث ومولانا السَّيِّد بشير بن سُلَيْمَان ومولانا الشريف بَرَكَات بن مُحَمَّد وَأظْهر أمرا سلطانياً بِصَرِيح اسْم مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات فِي شرافة مَكَّة وَأَنَّهَا تَحت تصرفه وَله ملكهَا ملكة وألبس خلعة الْولَايَة فِي ذَلِك الْجمع وَنزل إِلَى مَكَّة المشرفة فِي موكب يبهر الْعين ويدهش السّمع وَنزل إِلَى بَيت أَبِيه الْمَعْرُوف بزقاق ظاعنة ووقفت على بَابه الْخُيُول صافنة وهرعت السادات إِلَيْهِ والأعيان والحضر والعربان يهنئونه بِالْملكِ وَالْولَايَة وَيدعونَ لَهُ بطول الْبَقَاء والثبات بِتَوْفِيق الْعِنَايَة وَمَا أسْرع من انقلاب الْحَال وَلكُل زمَان دولة وَرِجَال وأرخ بَعضهم عَام ولَايَته بقوله نثراً مَا نَصه بَارك الله لنا فِي بَرَكَات إِلَّا أَنه لسنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَالتَّوْلِيَة إِنَّمَا كَانَت فِي موسم اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ لَكِن التَّفَاوُت بِزِيَادَة سنة أَو نَقصهَا عِنْد أهل التَّارِيخ مغتفر وَكَانَت مُدَّة ولَايَة مَوْلَانَا الشريف سعد سِتّ سِنِين إِلَّا أحدا وَعشْرين يَوْمًا وَورد فِي ذَلِك الْمَوْسِم كتاب من الْوَزير الْأَعْظَم أَحْمد باشا الكبرلي لمولانا السَّيِّد حمود بن عبد الله وَكتاب من باشا مصر لَهُ أَيْضا وَكَذَلِكَ كِتَابَانِ من الْوَزير الْمَذْكُور وَمن باشا مصر لمولانا السَّيِّد أَحْمد الْحَارِث وَكَذَلِكَ كِتَابَانِ للمرحوم السَّيِّد بشير بن سُلَيْمَان والمضمون من الْجَمِيع وَاحِد والعبارات مختلفات أما كتاب مَوْلَانَا السَّيِّد حمود الَّذِي من الْوَزير فنصه فرع ذؤابة هَاشم ونبعة وشيج المحامد والمكارم السَّيِّد حمود نظم الله عقوده وأباد حسوده آمين وَبعد فَلَا يخفى عَلَيْكُم أَن الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام ومطاف طواف الْإِسْلَام هُوَ أول بَيت وضع للنَّاس وَأسسَ على التَّقْوَى مِنْهُ الأساس وَأَنه لم يزل فِي هَذِه الدولة العثمانية الْعلية آمنا وَأَهله من النوائب وروضاً مخصباً بأحاسن الأطايب إِلَى أَن ظهر من السَّيِّد سعد من الْأَمر الشنيع مَا يشيب عِنْده الطِّفْل الرَّضِيع وَمَا كَفاهُ ذَلِك حَتَّى

стр. 2154

شدد الخناق على أهل الْمَدِينَة البهية وأذاقهم كأس الْمنون روية فَلَمَّا بلغ هَذَا الْحَال السّمع الْكَرِيم السلطاني أَمر بعزل السَّيِّد سعد عَن شرافة مَكَّة وتفويضها إِلَى الشريف بَرَكَات ليعْمَل بهَا بِحسن التَّصَرُّفَات وتكونوا لَهُ معينا وظهيراً وناصحاً ومشيراً وكل من يتَفَرَّع غصنه من دوحة فَاطِمَة الزهراء وتتصل نسبته إِلَى الذُّرِّيَّة الغراء تهدونه إِلَى طَرِيق الْخَيْر وَالصَّلَاح وترشدونه إِلَى معالم النجح والفلاح وَأَنْتُم على مَا تعهدونه من التكريم والتبجيل وَالله على مَا نقُول وَكيل وَمِمَّا قيل فِيهِ قولي هَذِه القصية // (من الْبَسِيط) // (صَبٌّ أَلَمَّ بِهِ طيفُ الكرَى فصَبَا ... وعَنْ أحِبَّاهُ لم يردُدْ عَلَيْهِ نَبَا) (وَقد تغذَّى لبانَ الحبِّ مُنْذُ نشا ... وَلم يزلْ بالغوانِى مغرماً طَرِبا) (تناهَبَتْ عقله سودُ اللحاظِ فَلَمٍ ... يُبْقِينَ فِيهِ لغيرِ الغِيدِ مُطَّلبَا) (فصارَ يصبُو إِلَى سعدَى وآونةً ... إِلَى سعادَ وأياماً يَجُرُّ رَبًّا) (وَلَا ملامَ عَلَيْهِ فالتنقُّلُ منْ ... سَلْمَى للبْنَى لدَى شرع الهوَى نُدِبا) (فيا عذولَىَّ كُفَّا عَن ملامكما ... فَلَا أرَى لِىَ فِي نُصْحَيْكما أَرَبَا) (لله عَقْلٌ أضلته الحسانُ على ... عِلْمٍ فهَامَ بهَا نأْيًا ومقتربَا) (مِنْ كُلِّ ممنوعةٍ روس الأسنةِ لَو ... رامَ التصوُّرَ إدراكٌ لَهَا حُجِبا) (مرقوبة الحفْظِ حدُّ السَّيْف يرقُبُهَا ... فهلْ سمعتُمْ بسيفٍ عدَّ فِي الرقبا) (عقيلةُ الحىِّ من سمرِ الرماحِ لَهَا ... سورٌ وَفِي صفحاتِ المرهفاتِ خبا) (وخدْرُهَا الثانِ من ستْرِ الحشاء فَمِنْ ... نياطي القلبِ قد مدَّتْ لَهَا طُنُبَا) (هَا مقلتي لَهَبُ الهجرانِ سَيَّلَهَا ... على الخدودِ فظنُّوا مدمعي سكبَا) (مَنْ لي بمَنْ فوَّقَتْ من قوسِ حاجبها ... سَهْما أراشَتْهُ بالأهدابِ قد هُدِبَا) (معسولة الثغْرِ يطفي بردُ ريقتها ... نيرانَ مَنْ بلظَى هجرانها الْتَهَبَا) (لمياءُ رشفُ رضابٍ من موشمها ... درياق مَنْ بهواها قلبُهُ لسبَا) (يهدي الَّذِي قد أضلتهُ ذوائبها ... جبينها لامعاً باد ومنتقبَا) (كَأَنَّهُ البرقُ أَو كالصبْحِ أَو كضيا ... سَعْدِ بنِ زيدٍ إِذا مَا قامَ منتدبا) (أَبَا مسَاعد راعيها مملكها ... مَنْ حَلَّ رتبةَ مجدٍ جازَتِ الشهبا) (خلاصَةُ العنْصُرِ الزاكِى المطهَّر مِنْ ... جذرِ الْوَصِيّ الرَّضِىْ أكرِمْ بِذَاكَ أَبَا)

стр. 2155

(عليْهِ سربالُ تقواهُ وعفَّته ... وَمن شمائِلِ علياه رِدًا وقَبَا) (أغرُّ أزهَرُ فيَّاضٌ أناملُهُ ... من معشرٍ فِي رياضِ المجدِ نبت رَبًّا) (محاسنُ السادةِ الماضينَ قد جمعَتْ ... فِيهِ كجَمْعِ الغديرِ القطْرَ منسكبَا) (سمحٌ إِذا سيمَ للجدوَى يميدُ كَمَا ... يمِيدُ حاشاهُ صرْفَ الراحِ مَنْ شربا) (لَهُ يَدٌ خُلِقَتْ للجودِ فهْوَ لَهَا ... طبع كَمَا العينُ للإبصارِ قد رتبا) (هُوَ المحكّمُ عضبيه إِذا انتضَيَا ... يومي جلاد جدالٍ مفْصلاً أشبا) (مفوهٌ فِي كلا عضبَيْهِ متَّسعٌ ... كلْمًا وكلْمًا إِذا مَا قَالَ أَو ضَرَبَا) (يمناهُ واليُمْنُ يمتدانِ فِي لُزَزٍ ... قد أدركَا فِي مداهُ السبْقَ والقصبَا) (مستأسدٌ بَيْنَ عينَيْهِ عَزَائِمه ... إِذا تراءَتْ لَهُ أكرومَهٌ وثَبَا) (وَلَا تعاظمه أقطَارُ محمدةٍ ... وَلَو غَدا منْكب الجوزا لَهَا سَبَبَا) (وَلَا يميلُ من العلياءِ إنْ صعُبَتْ ... وَلَا يضلُّ صَوَاب الرأىِ إِن نَشِبَا) (إليكَ يَا ابنَ الكرامِ الأطولين يدا ... فِي المكرماتِ وَفِي الهيجا أحدَّ شَبَا) (عروسَ فِكْرٍ كوشْىِ الروضِ باكرَهُ ... غيثٌ فَرَفَّ بنورٍ مزهرٍ وَربا) (يحلُو بهَا فَم راويها فتحسبُهُ ... صَبًّا ترشَّفَ من عذب اللُّما ضَرَبا) (وتنشقُ الْورْد مِنْهَا أذنُ سامعها ... حتَّى ترَاهُ إِلَى إنشادِهَا طَرِبَا) (خلائقٌ كفتيتِ المسكِ طيبَة ... تلاق طيب سَرَاة سادَة نجبا) (فَاسْلَمْ على كاهلِ العلياءِ مرتقياً ... وصافن الْمجد غَطَّى مِنْهُمَا عقبا) (ودُمْ على خفضِ عيشٍ مَا يرنقُهُ ... ريبُ الحوادثِ مَا هَبَّ النسيمُ صَبَا) ولاتساق الْمَقُول نقُول ثمَّ وَليهَا مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن بَرَكَات بن أبي نمى قيل ولَايَته بسعي الشَّيْخ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان المغربي السُّوسِي وَذَلِكَ أَن الشَّيْخ مُحَمَّد الْمَذْكُور تشفع عِنْد الشريف سعد فِي رجل أزبكي كَانَ يُسمى السَّيِّد مُحَمَّد الفصيحي فعل جرما مَعَ مَوْلَانَا الشريف سعد فَلم يشفعه فِيهِ وَذَلِكَ فِي سنة ثَمَانِينَ وَألف فاتفق أَن أَخا الْوَزير الْأَعْظَم حج فِي موسم تِلْكَ السّنة وَكَانَ لَهُ ولع بِعلم الْفلك فَاجْتمع بالشيخ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْمَذْكُور فَأخذ عَنهُ فِي ذَلِك فَطلب من الشَّيْخ أَن يُسَافر مَعَه إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة فسافر مَعَه وَاجْتمعَ بالسلطان وَطلب

стр. 2156

مِنْهُ اْن يزِيل أَشْيَاء بِمَكَّة المشرفة فَأمر السُّلْطَان بإبطالها مِنْهَا أَن صَدَقَة السُّلْطَان جقمق كَانَت تقسم على أَرْبَاب الْبيُوت حبوباً وَكَانَت سَابِقًا تطبخ شربة وخبزاً للْفُقَرَاء أَصْحَاب الْقدح فَردَّتْ إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ سَابِقًا وأضيف إِلَى ذَلِك حب السُّلْطَان قايتباي وَمِنْهَا تَوليته على جَمِيع الأربطة وَألا تكون إِلَّا لمن يَسْتَحِقهَا بِشَرْط الْوَاقِف وَمِنْهَا إبِْطَال الدفوف فِي الزوافي وَمِنْهَا منع النِّسَاء من الْخُرُوج لَيْلَة المولد الشريف وَتمّ جَمِيع ذَلِك وَجعله نَاظرا على جَمِيع أوقاف الْحَرَمَيْنِ وَسَيَأْتِي ذكر وُرُود الْأَمر بِعَدَمِ إِقَامَته فِي الْحَرَمَيْنِ بعد وَفَاة مُسْتَنده الْوَزير أَحْمد باشا الكبرلي ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَألف خرج فِيهَا مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات وصبحته مُحَمَّد جاوش بالعساكر فِي طلب الشريف سعد فسلك طَرِيق الثَّنية إِلَى الطَّائِف وَكَانَ الشريف سعد قد سلكها وَنزل بِالطَّائِف ثمَّ ارْتَفع عَنهُ إِلَى عباسة ثمَّ إِلَى تربة ثمَّ إِلَى بيشة فَأَقَامَ بهَا فَتَبِعَهُ الشريف بَرَكَات وَمُحَمّد جاوش بِمن مَعَهُمَا حَتَّى انْتهى فِي التّبعِيَّة إِلَى قريب من الْبَلَد الْمُسَمَّاة تَرَبَة ثمَّ عَاد الشريف بَرَكَات إِلَى الْمَبْعُوث ثمَّ إِلَى الطَّائِف فَأَقَامَ وفيهَا فِي شهر رَجَب عدا السَّيِّد حيدرة على عَمه السَّيِّد عَليّ بن حُسَيْن فَقتله غيلَة يُقَال سَبَب ذَلِك الَّذِي قَامَت بِهِ نفس السَّيِّد حيدرة غرارة من الْحبّ حلف كل مِنْهُمَا أَن الآخر لَا يَأْخُذهَا وَهِي بوادي مر فَركب السَّيِّد عَليّ بن حُسَيْن من مَكَّة يُرِيد وَادي مر فَسمع بِهِ السَّيِّد حيدرة فَوَجَدَهُ فِي الْمحل الْمُسَمّى أَبُو الدُّود ممرحاً مُتكئا فَأَتَاهُ من خَلفه فَدخل حِينَئِذٍ على بعض الْأَشْرَاف فَلم يمض كبار الْأَشْرَاف دخله فنهج إِلَى الْيمن ثمَّ إِلَى مصر ثمَّ إِلَى مَكَّة دخيلاً مَعَ الْمحمل صُحْبَة أَمِير الْحَاج الشَّامي وَبَاعَ عقاره وَمَا يتَعَلَّق بِهِ ثمَّ رَجَعَ إِلَى مصر فتوفى بهَا بِالْفَضْلِ مَعَ من توفّي ثمَّ إِن الشريف بَرَكَات اسْتمرّ بِالطَّائِف إِلَى شعْبَان فَأَتَاهُ الْخَبَر بوصول خلع سلطانية ومراسيم خاقانية وصل بهَا القاصد إِلَى مَكَّة وَوضعت فِي مقَام الْخَلِيل

стр. 2157

على عَادَة التكريم والتبجيل فجَاء إِلَى مَكَّة أواسط شعْبَان هُوَ وَمن مَعَه من الْأَشْرَاف والأتراك والعربان ثمَّ فِي أواخره كَانَ الْقَبْض على رجل من الْأَعْيَان ثمَّ فِي لَيْلَة السَّابِع من رَمَضَان قبض على آخر وحملا من ليلتهما على الأدهم ثمَّ حدر بهما إِلَى جدة وأركبا غارب اليم ثمَّ قبض على ثَلَاثَة من حَوَاشِي الدولة وَفعل بهم مَا فعل بالأولين نَعُوذ بِاللَّه من سوء القولة وَمثل ذَلِك فعل هَذَا القاصد بِجَمَاعَة من أهالي الْمَدِينَة المنورة فافتدوا أنفسهم بِمَال سلموه لَهُ الله أعلم بكميته ثمَّ خرج مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات فِي الموكب حَتَّى نزل بقبة الدفتردار إِبْرَاهِيم صَائِما بهَا لطيب النسيم فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة الرَّابِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان قدر الله وَفَاة ابْنه السَّيِّد مُحَمَّد بن بَرَكَات فَنزل من يَوْمئِذٍ إِلَى الْبَلَد واصطبر رَغْبَة فِي الْأجر على لاعج الْحزن والكمد ثمَّ خرج فِي أثْنَاء شَوَّال إِلَى جِهَة ركبة استدعاه السَّيِّد حمود ابْن عبد الله ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَألف فِيهَا كَانَ خُرُوج الشريف بَرَكَات والسادة الْأَشْرَاف والعساكر والعربان إِلَى قتال حَرْب وشيخهم أَحْمد بن رَحْمَة كَانَ الظفر فِيهَا للشريف بَرَكَات وَلم تنفعهم خنادقهم الَّتِي حفروا بل كَانَت قبوراً لَهُم حِين قبروا فاستبيحت دِيَارهمْ ونهبت أَمْوَالهم وَهَلَكت نِسَاؤُهُم وأطفالهم وَقتل خيارهم وفيهَا يَوْم الْوَقْعَة الْمَذْكُورَة فِي موقف المصاف اصْطلحَ مَوْلَانَا السَّيِّد حمود بن عبد الله هُوَ ومولانا من صُنف هَذَا الْكتاب برسمه وَشرف بشريف لقبه واسْمه مَوْلَانَا الشريف أَحْمد بن غَالب متع الله بحياته عَن شَحْنَاء كَانَت بَينهمَا قبل ذَلِك سَبَب الصُّلْح على مَا بلغنَا أَنه اتجه بِهِ وهم يتشاوفون الْقَوْم فأقسم عَلَيْهِمَا مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات أَن يصطلحا فِي ذَلِك الْوَقْت فاعتنقا حِينَئِذٍ واصطلحا رحم الله من سلف وَأبقى من خلف ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف فِي سَابِع رَجَب مِنْهَا كَانَ خُرُوج مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات إِلَى أهل الْفُرُوع وَخرج مَعَه من جدة سنجقها بعسكره ونوبته

стр. 2158

ومدافعه فتلاقيا على عسفان أَو بعده فصَام بِمحل قريب مِنْهَا يُسمى قويزة وَعِيد بِهِ ثمَّ توجه فَنزل بِأم الْعِيَال مِنْهَا وَنزل السَّيِّد نَاصِر ابْن السَّيِّد أَحْمد الْحَارِث بِالْمحل الْمُسَمّى أَبُو ضباع فدانوا لَهُ وأطاعوه وتنصلوا مِمَّا اقترفوه قلت لما كُنَّا فِي رابغ الْمنزل الْمَعْرُوف عائدين من الْفَرْع صُحْبَة مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات وَكنت قد خرجت مَعَه ﵀ إِلَى الْفَرْع بإلزام من الشَّيْخ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان إِمَامًا لَهُ ومدرساً لَهُ ولابنه الشريف سعيد ابْن الشريف بَرَكَات دخلت عَلَيْهِ فَقَالَ لي يعِيش رَأسك فِي المغربي فَقلت أَي المغاربة فَقَالَ عبد الرَّحْمَن المحجوب فَقلت ﵀ رَحْمَة وَاسِعَة فَلم يتَكَلَّم بشئ فَعلمت من قَوْله وسكوته أَنه سرى بغض شَيْخه الشَّيْخ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان للسَّيِّد عبد الرَّحْمَن إِلَيْهِ بِحَيْثُ إِنَّه تسبب لبَعض خَواص السَّيِّد عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور فِي أَذَى بليغ وإهانة من الشريف بَرَكَات وَبَلغنِي أَنه قَالَ لبَعْضهِم حِين مَاتَ السَّيِّد مَاتَ إِلَهكُم الْيَوْم فَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه نسْأَل الله السَّلامَة وفيهَا أَعنِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف فِي سادس صفر مِنْهَا كَانَت وَفَاة مَوْلَانَا المرحوم لَيْث السراة الصَّيْد من بنى هِشَام غوث الطريد فَمَا لجاره من حاشم رَأس بني حسن الْمَشْهُورين فَارس أبطال قُرَيْش الْمَذْكُورين مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا السَّيِّد حمود ابْن الشريف عبد الله بن الْحسن بن أبي نمي بن بَرَكَات اختصه مَوْلَانَا الشريف زيد واستدناه واستخلصه دون رباعته واجتباه فَزَوجهُ بابنته لصدق نِيَّته وخلوص طويته وَألقى إِلَيْهِ مهمات الْبِلَاد من الحواضر والبواد وَفِي يَوْم وَفَاة مَوْلَانَا الشريف زيد لم يشك أحد أَنه يقوم بعده ذَلِك الْمقَام كَانَ فِي ظن أَرْكَان الدولة فضلا عَن الْعَوام وَلَكِن لم يرد الله أَن يتقمصها وَلَا أَن يأوي طيره قفصها وَلَقَد سَأَلته ﵀ فِي مُدَّة ذهَاب عرض مَوْلَانَا الشريف سعد وَعرضه إِلَى الْأَبْوَاب مَاذَا يخمنه مَوْلَانَا فِي الْجَواب فَأَجَابَنِي بقوله ﴿قل اللَّهُمَّ ملك اَلمُلكِ﴾ آل عمرَان ٢٦ الْآيَة وَذَلِكَ جَوَاب مثله وَدفن من الْغَد خلف مَسْجِد الحبر ابْن عَبَّاس وَبني على قَبره تَابُوت وحوط عَلَيْهِ حوطة فسيحة ﵀ وَنور ضريحه

стр. 2159

وَفِي تَاسِع رَجَب مِنْهَا توفّي مَوْلَانَا السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَارِث بِمَكَّة المشرفة كَانَ ﵀ آيَة فِي الْعقل والذكاء مرجعاً للأشراف فِي جَمِيع أُمُورهم وَإِذا حكم بِأَمْر لم يقدر أحد أَن يسْتَدرك عَلَيْهِ فِيهِ شَيْئا لحسن أَحْكَامه وَشدَّة إحكامه وَكَانَ قد ولاه حسن باشا فِي طيبَة كَمَا مر ذكر ذَلِك مُدَّة سِتَّة أشهر أَو قَرِيبا مِنْهَا وَلما رَجَعَ عماد أفندى إِلَى الديار الرومية سُئِلَ عَمَّن يسْتَحق الْملك إِذْ ذَاك من السَّادة الْأَشْرَاف فَقَالَ ثَلَاثَة لَا غير أَحْمد بن الْحَارِث وحمود بن عبد الله وَبشير بن سُلَيْمَان وَدفن فِي قبَّة السَّيِّد مَسْعُود ابْن الشريف حسن وَوضع عَلَيْهِ تَابُوت عَظِيم رَحمَه الله تَعَالَى رَحْمَة وَاسِعَة ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف فِيهَا كَانَ خُرُوج الشريف سعيد صُحْبَة الْحَاج الشَّامي إِلَى الديار الرومية بعروض من الشريف بَرَكَات يطْلب فِيهَا أَن يكون وَلَده الشريف سعيد ولي عَهده فَكتب لَهُ أَمر سلطاني وَأَن يكون هُوَ صَاحب مَكَّة بعد وَفَاة أَبِيه فَكَانَ ذَلِك بِرَأْي الشَّيْخ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان وتدبيره فتم لَهُ ذَلِك كُله بعد وَفَاة أَبِيه وَفِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف يَوْم الْخَمِيس ثامن شَوَّال مِنْهَا وَقع حَادث غَرِيب وكارث عَجِيب هُوَ أَنه وَقع فِي ليلته أَن لُوِّث الْحجر الْأسود وَبَاب الْكَعْبَة ومصلى الْجُمُعَة وأستار الْبَيْت الشريف بشئ يشبه الْعذرَة فِي النتن والخبث فَصَارَ كل من يُرِيد تَقْبِيل الْحجر يتلوث وَجهه ويداه فَفَزِعت النَّاس من ذَلِك وضجت الأتراك وَاجْتمعت وَغسل الحَجَر والحِجر وَالْبَاب والأستار بِالْمَاءِ وبقى الأتراك وَالْحجاج والمجاورون فِي أَمر عَظِيم وَكَانَ إِذْ ذَاك رجل من فضلاء الأروام يلقب درس عَام فَكَانَ يرى جمَاعَة من الأرفاض بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَينظر صلَاتهم وسجودهم وحركاتهم عِنْد الْبَيْت وَالْمقَام فيتحرق لذَلِك ويتأوه فَلَمَّا وَقع هَذَا الْوَاقِع قَالَ لَيْسَ هَذَا إِلَّا فعل هَؤُلَاءِ الأرفاض اللئام الَّذين يلازمون الْمَسْجِد الْحَرَام وَكَانَ حِينَئِذٍ مَعَ قَضَاء الْملك العلام السَّيِّد مُحَمَّد مُؤمن

стр. 2160

الرضوي قَاعِدا خلف الْمقَام يَتْلُو كتاب الله ذى الْجلَال وَالْإِكْرَام فَأتوا إِلَيْهِ وَأخذت الختمة من يَدَيْهِ وَضرب على رَأسه وسحب حَتَّى أخرج من بَاب الْمَسْجِد الْمَعْرُوف بِبَاب الزِّيَادَة فَطرح خَارج الْبَاب وَضرب بِالْحِجَارَةِ والكسارات حَتَّى زهق فَمَاتَ وَفِي حَال مسكهم إِيَّاه من الْمَسْجِد كَلمهمْ فِيهِ شخص شرِيف من السَّادة الرفاعية يُسمى السَّيِّد شمس الدّين فعدوا عَلَيْهِ وألحقوه بِهِ فَضرب حَتَّى مإت وجُر ثمَّ أَصَابُوا آخر فضربوه وأخرجوه وقتلوه وعَلى من قبله طرحوه ثمَّ فعلوا ذَلِك برابع ثمَّ بخامس وَلَقَد رَأَيْتهمْ مطروحين وبقى بَعضهم على بعض الْآتِي والذاهب يوسعهم السب والركض وَلَقَد رَأَيْت ذَلِك الشئ وتأملته فَإِذا هُوَ لَيْسَ من القاذورات وَإِنَّمَا هُوَ من أَنْوَاع الخضروات عجين بعدس ممخخ وأدهان معفنات فَصَارَ رِيحه ريح النَّجَاسَات وَكَانَ هَذَا الْفِعْل عِنْد مغيب الْقَمَر من تِلْكَ اللَّيْلَة لَيْلَة الْخَمِيس ثامن الشَّهْر الْمَذْكُور وَلم يُعلم الْفَاعِل لذَلِك وَغلب عَليّ بعض الظنون أَن ذَلِك جعل عمدا وَسِيلَة إِلَى قتل أُولَئِكَ وَالله الْعَالم بالسرائر وَهُوَ مُتَوَلِّي البواطن والظواهر وفيهَا فِي لَيْلَة النَّحْر حصل مطر عَظِيم بعد نفر الْحَاج من عَرَفَة وَاسْتمرّ إِلَى بعد نصف اللَّيْل وَفِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف رَابِع عشري ذِي الْحجَّة الْحَرَام مِنْهَا سَالَتْ أَوديَة طيبَة المنورة على ساكنها الصَّلَاة وَالسَّلَام بِمَا لم يسمع بهيئته الاجتماعية فِي سَابق الدهور والأعوام سَالَ أَبُو جيد سيلاً هائلاً أخرب جَمِيع مَا حوله من الديار وأحدث فِي الحدائق الدمار وأحدق بِالْمَدِينَةِ وَخرب كثيرا من الدّور الَّتِي تحفها وَكَاد أَن يدخلهَا من بَاب الْمصْرِيّ ورجفت الْبِلَاد وانزعجت الْعباد وضجت الْأَصْوَات بِالدُّعَاءِ وَجَرت الْعُيُون بالدمع من الْبكاء وَلَكِن بِحَمْد الله لم يهْلك فِيهِ إِلَّا شخص أَو شخصان وَتلك معْجزَة للرسول معْجزَة ولأصحابه كَرَامَة وَصَارَت تَحِيَّة النَّاس بَعضهم لبَعض نهنيكم بالسلامة وَالْحَاصِل أَنه أَمر حير الأفكار وَقصر عَن تَفْصِيله بَيَان الْأَخْبَار وَكَانَ فِي ذَلِك

стр. 2161

الْيَوْم بِعَيْنِه سيل بوادي الصَّفْرَاء سد مَا بَين الجبلين وَلم يضر من الْقَافِلَة أحدا من النَّاس سوى أَنه أَخذ امْرَأَة وَوَلدهَا بالحمراء بَين الصَّفْرَاء والخيف وَذهب بِبَعْض نخيل الْخيف إِلَى الْحَمْرَاء وَذهب بِبَعْض الْجمال والأحمال فَعَن الْبَحْر حدث وَلَا حرج وَفِي سنة تسعين وَألف يَوْم الْأَحَد الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان مِنْهَا كَانَت وقْعَة مُحَمَّد بن أَحْمد الخلفاني وَزِير الْمَدِينَة الشَّرِيفَة من جِهَة الشريف بَرَكَات سَببهَا ثيار عَسْكَر عَلَيْهِ ودعواهم أَنه سبّ السُّلْطَان فَاجْتمعُوا على بَابه وَدعوهُ إِلَى الشَّرْع الشريف فَأجَاب إِن هَذَا الْجمع يتفرق وَيتَعَيَّن الْخصم فَأنْزل مَعَه فَأَبَوا عَن ذَلِك وكتبت لَهُم حجَّة بعصيانه الشَّرْع فوصلوا إِلَى بَيته وكسروا عَلَيْهِ الْبَاب وَكَانَ مَعَه جمَاعَة فِي الْبَيْت فأخرجوهم على أَمَان الله وأمان السُّلْطَان فَلَمَّا خَرجُوا قتلوهم فَكَانَ مِمَّن قتل الْقَائِد مُتعب بن إِدْرِيس حَاكم الْبَلَد إِذْ ذَاك وَولده وَأَخُوهُ ورفيع وَلَده وَابْن دريعة الظَّاهِرِيّ وَعمْرَان الزبيدِيّ ورفاع وخُضير والعمري وَعبيد للخلفاني وَفِي جُمْلَتهمْ مِثْقَال عَتيق الْجمال مُحَمَّد عَليّ بن سليم كَانَ مستخدماً عِنْد الخلفانى كل هَذَا فى صحوة يَوْم الْأَحَد الْمَذْكُور وَأما قتل الخلفاني فَكَانَ عِنْد الزَّوَال من يَوْمه فَكَانَ آخر من قتل لِأَنَّهُ اختفى عِنْد الْحَرِيم حَتَّى دلتهم عَلَيْهِ امْرَأَة دخلت كَأَنَّهَا متوجعة لَهُ فَأخْبرت بمكانه أَو رَأَتْهُ فدلت عَلَيْهِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ عِنْد الْحَرِيم وقتلوه ثمَّ سحبوه من أَعلَى الْبَيْت إِلَى أَن أَخْرجُوهُ إِلَى قَارِعَة الطَّرِيق وَاسْتمرّ طريحاً إِلَى آخر النَّهَار وَأوحى إِلَى مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات أَسمَاء الفاعلين وَكَانُوا قَرِيبا من ثَلَاثِينَ نَفرا فَعرض فيهم إِلَى الْأَبْوَاب فورد الْأَمر بِقطع جوامكهم وتخريجهم من الْبِلَاد فَقطعت وأخرجوا ثمَّ عَاد إِلَى الْمَدِينَة بَعضهم بعد سنوات بشفاعات وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا وَفِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين أَوَاخِر شهر شَوَّال ظهر نجم لَهُ ذَنْب طَوِيل إِلَى جِهَة الشرق وَاسْتمرّ إِلَى آخر السّنة ثمَّ اضمحل وفيهَا يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثَانِي عشر ذِي الْحجَّة الْحَرَام مِنْهَا والركب الْمصْرِيّ فِي نفير السّير من مَكَّة أمْطرت السَّمَاء كأفواه الْقرب بل كأفواه الْغُرُوب وسالت الأودية من

стр. 2162

سَائِر الْجنُوب وَحصل سيل عَظِيم أخرب الدّور وأتلف من الْأَمْوَال مَا لَا يُحْصى وَأخذ الْجمال محملات وَأغْرقَ نَحْو خَمْسمِائَة نفس وَدخل الْمَسْجِد الْحَرَام وَعلا على مقَام إِبْرَاهِيم ومقام الْمَالِكِي والحنبلي وَعلا قفل بَاب الْكَعْبَة وَأكْثر الغرقى غرباء لِأَنَّهُ أَتَى وَقت الشَّديد وَذَلِكَ أول الزَّوَال وَسقط كثير من الدّور واقتلع الجميزة الَّتِي بسوق اللَّيْل وَلَقَد شاهدت وَأَنا بِبَاب الْمَسْجِد النَّافِذ على بَيت الشريف وَالْمَاء مَلأ الطَّرِيق وَهُوَ مكور فِي الْمَسْجِد شاهدت قطراً من الْجمال عَلَيْهِ الركْبَان من رجال وَنسَاء وصبيان دهمه السَّيْل فانحاز إِلَى رَأس الزقاق الْغَيْر النَّافِذ جنب دَار السَّعَادَة وَرَأَيْت المَاء وصل من الْجمل وَهُوَ قَائِم تَحت دَار السَّعَادَة إِلَى منحره ثمَّ ازْدَادَ عَلَيْهِ المَاء فاقتلع ذَلِك الْقطر بِمَا عَلَيْهِ وتدهور فِيهِ وعَلى هَذَا فقس وَصعد جمَاعَة من الْعَسْكَر على سطح رواق الْمَسْجِد الْيَمَانِيّ أَمَام دَار السَّعَادَة وطلبوا حِبَالًا ليدلوها فيمسكها من أَخذه السَّيْل فيرفعوه فَأمر لَهُم المرحوم الشريف بَرَكَات بحبال ترمى من سطح دَار السَّعَادَة إِلَى سطح الرواق الْمَذْكُور وَرمى هُوَ بِنَفسِهِ بعض تِلْكَ الحبال فرحمه الله تَعَالَى مَا كَانَ أرحمه وأرأفه فنجا بذلك خلق كثير وَسبح بعض الْجمال فِي الْمَسْجِد حَتَّى انْتهى إِلَى الْمِنْبَر فارتقع عَلَيْهِ فَصَارَ مرتفعاً على الْمِنْبَر يَدَاهُ وعنقه مرتفعان عَن المَاء وَبَاقِيه فِيهِ وَكَانَ طوفان وَالْعِيَاذ بِاللَّه وَلم يبْق من درج بَاب الزِّيَادَة الَّتِي فِي دَاخل الْمَسْجِد إِلَّا أَربع سنَن وَلم يبْق من طول أعمدة الرخام إِلَّا نَحْو الرّبع أَو أقل وأرخ بَعضهم سنته بقوله طَغى المَاء وَخرج أَمِير الْحَاج بالمحمل بَين العشاءين فِي نفر نَحْو الْعشْرين بِغَيْر نوبَة وَلَا موكب وَلَا ضوء وَلَا ثوب زِينَة وَخرج من أَعلَى مَكَّة فَلَمَّا كَانَ بسوق المعلاة وَقع جمل الْمحمل فِي حُفْرَة من حفر السَّيْل فَمَا طلع إِلَّا بِجهْد جهيد فسبحان الله الفعال لما يُرِيد وَفِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف رَابِع عشر صفر توفّي الشَّيْخ حسن بن عَليّ الدهان ولد بِمَكَّة سنة أَربع وَألف وَدفن بالمعلاة وَقد ناهز التسعين وَفِي صفر الْمَذْكُور خرج مَوْلَانَا الشريف أَحْمد بن غَالب متع الله بحياته من مَكَّة مفارقاً للمرحوم الشريف بَرَكَات فِي نَحْو خَمْسَة وَعشْرين أَو ثَلَاثِينَ من السَّادة

стр. 2163

ذَوي مَسْعُود وَغَيرهم فَدخلت السَّادة الْأَشْرَاف فِي الصُّلْح بَينهمَا فَلم يتم فَخرج بهم إِلَى الركاني من وَادي مر واجتمعوا هُنَاكَ وتأهبوا وَسَارُوا مِنْهُ فِي شهر ربيع الثَّانِي قَاصِدين الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة فوصلوا إِلَى الشَّام فأنزلهم متوليها حُسَيْن باشا السلحدار بَيت نقيب الْأَشْرَاف وأجرى عَلَيْهِم الْأَنْعَام والألطاف وَعرف بشأنهم إِلَى الْأَبْوَاب فَأمروا بِكِتَابَة عرض بِمَا يشكونه فكتبوه وأرسلوه مَعَ اثْنَيْنِ مِنْهُم هما السَّيِّد مُحَمَّد بن مساعد وَالسَّيِّد بشير بن مبارك فوعدوا بإزاحة شكواهم وفيهَا فِي حادي عشري ربيع الأول مِنْهَا وَقعت فتْنَة سَببهَا عبد السَّيِّد حسن بن حمود بن عبد الله اخْتصم مَعَ عسكري من عَسْكَر الرُّتْبَة عِنْد الششمة سَطَا العسكري على العَبْد وضربه وَأخذ سلاحه فاستحث السَّيِّد حسن الْأَشْرَاف والعبدُ العبيد واجتمعوا عِنْد مَوْلَانَا المرحوم السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله فانفلتت شرذمة من العبيد نَحْو الْخمسين شاهرين السِّلَاح فوصلوا إِلَى الْمَرْوَة فهربت الأتراك وَأَرَادُوا الرُّجُوع فَرَمَاهُمْ بعض الأتراك الساكنين فِي الرّبع بالأحجار فأرادوا الطُّلُوع إِلَيْهِم فكسروا بعض الدكاكين الَّتِي تَحْتَهُ بِظَنّ أَنه بَاب الرّبع فوجدوه ملآن من النّحاس والجوخ والأثاث فنهبوا جَمِيع ذَلِك وفعلوا بدكان آخر جنبه مثل ذَلِك وصوبوا نَحْو ثَلَاثَة من التّرْك بِالسِّلَاحِ وَقتلُوا رجلا من المجاورين كَانَ يحتجم عِنْد حلاق بالمروة ثمَّ ذَهَبُوا ثمَّ خرجت الأتراك وَجَاءُوا إِلَى الأفندي وَأَرْسلُوا إِلَى مَوْلَانَا الشريف يطْلبُونَ الْغُرَمَاء فصُبروا فَلم يصبروا وَأتوا إِلَى بَيت الشريف وَبَيت السَّيِّد أَحْمد الْحَارِث وَكَانَ بِهِ جمَاعَة من عَسْكَر الشريف فَرَمَوْهُمْ من بَيت الْحَارِث فَقتلُوا من التّرْك أَيْضا اثْنَيْنِ فَرَجَعُوا وَأرْسل مَوْلَانَا الشريف إِلَى الْأَشْرَاف يطلبهم الْغُرَمَاء فامتنعوا وَخرج الْأَشْرَاف إِلَى الشَّيْخ مَحْمُود وَقَالُوا من يطْلب الْغُرَمَاء يَأْتِي وَالْعَبِيد خَرجُوا جَمِيعًا حَتَّى عبيد الشريف نَفسه وَالْحَاكِم إِلَى بركَة الماجن ووجدوا جمَاعَة من الأتراك مقيلين فَأخذُوا جَمِيع مَا مَعَهم وضربوهم ونهبوا قَرِيبا من أَرْبَعمِائَة رَأس من الْغنم ثمَّ أرسل الشريف بَرَكَات أَخَاهُ السَّيِّد عَمْرو فَرد العبيد ثمَّ قصد مَوْلَانَا الشريف تسكين الْفِتْنَة فَأمر على عَبْدَيْنِ كَانَا محبوسين فِي سَرقَة أَن يشنقا فشنقا فَلم تطب نفوس الأتراك بعد رُؤْيَتهمَا ثمَّ وجد السَّيِّد يحيى

стр. 2164

ابْن الشريف بَرَكَات وَكَانَ يعس الْبَلَد عَبْدَيْنِ سارقين فَضرب أعناقهما وَرمى بجثتيهما تَحت جميزة المعلاة وَذكروا للأتراك أَنَّهُمَا الْغُرَمَاء فرضوا واصطلح السَّادة الْأَشْرَاف مَعَ الشريف ودخلوا مَكَّة ثمَّ حصل لمولانا الشريف بَرَكَات مرض وَاسْتمرّ نَحْو شهر زمَان فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة الْخَمِيس ثامن عشري ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة أَعنِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين توفّي شرِيف مَكَّة مَوْلَانَا المرحوم الشريف بَرَكَات بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن بَرَكَات بن أبي نمي وَدفن وَقت الضحوة يَوْمه فِي حوطة الشَّيْخ النَّسَفِيّ بِوَصِيَّة مِنْهُ وَلم يحصل للنَّاس لَا خوف وَلَا فزع وَكَانَت مُدَّة ولَايَته عشر سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر وَسِتَّة عشر يَوْمًا ﵀ رَحْمَة وَاسِعَة آمين وَمِمَّا قيل فِيهِ من الشّعْر قولي قصيدة حِين عوده من ذَهَابه لخفارة الْحَاج الشَّامي فوصل الْبِلَاد الْمُسَمَّاة بالحِجر ديار ثَمُود فَوَافَقَ حَال دُخُوله حُصُول مطر بهَا اشرت إِلَى ذَلِك فِي القصيدة وَهِي // (من الْبَسِيط) // (مَا ظَلَّلَ البيرق الْمَنْصُور سُلْطانَا ... إِلَّا وكُلُّهُمُ فِي ظِلِّ مَوْلانا) (أَبَا زُهَيْر الْعلَا بَرَكَات سيِّدنا ... وَإِلَى البسيطةِ عجماناً وعُرْبَانا) (حامي حِمَى مكَّة الغَرَّا وطيبةَ مَعْ ... أقطارِ أنحائها حفْظًا وإتْقَانا) (ذُو هِمَّةٍ همة الإسكندرىِّ غدَتْ ... أقلُّهَا وَبهَا كَمْ دَان بلدانا) (وعزمةٍ فِي مُهِمِّ الخَطْبِ صَادِقَةٍ ... تُصَيِّرُ الإِمْتِنَاعَ الصرْفَ إِمْكانَا) (تأمينُ حجاجِ بيتِ الله قمْتَ لَهُ ... بالنفْسِ والمالِ والأبناءِ إذعانا) (فَحُطْتَهُمْ مثلَ حوطِ الابنِ كافلُه ... وكَمْ بذلكَ قد أذهَبْتَ ذهْبَانا) (فِي طاعةِ الله والسلطانِ لَا برحَتْ ... لَهُ ملائكَةُ الرحْمَنِ أعوانا) (مولَى ملوكِ الورَى الغازِى مُحَمَّد خَان ... زادَهُ الله نصرا أَيْنَمَا كَانَا) (وشُرِّفَتْ بك أرضُ الحِجْرِ إِذْ سقيَتْ ... غيثاً بمقدمِكَ الميمونِ هَتَّانا) (حَتَّى لقَد ظَنَّ فِي الأجداثِ هالكُهُمْ ... لأَنْ ينالَ من الرحمنِ غفرانا) (أنتَ الَّذِي بكَ تاهَتْ مكَّةٌ وزهَتْ ... بحسنِ أَيَّامه عدلا وإحسانا) (أنتَ الَّذِي بكَ ضمَّ الشمل ناثره ... مِنْ بعدِ تفريقِهِ مثنَى ووُحْدَانا) (أيُّ الملوكِ بلادُ الله بلدتُهُ ... تمسي رعيَّته لله جِيرَانا)

стр. 2165

(أىُّ الملوكِ على كُل مودته ... حتَّى مَلَائِكَة الرحمنِ والجانا) (أىُّ السلاطينِ لَوْلَا صِيتُ هيبته ... لم يمكنِ الحَجُّ من بغدادَ إنْسَانا) (وَلَا تيَسّر للعبَّادِ فِي غَسَقٍ ... أَن يلمسوا لاستلامِ البيتِ أركانا) (بِيُمْنِ طلعته الغَرَّا قد امتلأتْ ... جميعُ وِجْهَاتنا أمنا وإيمانا) (مباركُ الإسمِ والأفعالِ قد خلصَتْ ... لله نيتُهُ سرا وإعلانا) (لَهُ سريرَةُ صدقٍ لَا يزالُ بهَا ... يشيدُ حَقًا لدينِ الله أركانا) (ألفضلُ شيمتُهُ والعدلُ سيرتُهُ ... بالحقِّ ينصفُ مِمَّن عزَّ أَو هانا) (يَا وجْهَ آلِ رسولِ الله قاطبةً ... ومَنْ يمنُّ وَلَا نَلْقَاهُ مَنَّانا) (أهِدى الثناءَ لكُمْ فِي كل آونةٍ ... فِي محفلٍ جحفلٍ مَا زالَ ملآنا) (وَمَا أقصِّرُ أصلا فِي الدعاءِ لكُمْ ... إِذا تلوْتُ قبيلَ الفجْرِ قُرْآنًا) (أَدْعُو بطولِ البقا والمُلْكِ تكنفُهُ ... وقايةُ الله أزمانَا فأزمانا) (لَا زالَ خظُّكَ والنَّصْرُ المؤيدُ وَالسَّعْدُ ... المؤَبَّدُ طولَ الدهْرِ أقرانا) (وَلَا فتئْتَ قريرَ العينِ مبتهجاً ... حَتَّى تَرَى إبْنَ إبْنِ الابنِ سُلْطَانا) (ثمَّ الصلاةُ على جدَّيْكَ مَا عظفَتْ ... أنفاسُ ريحِ الصِّبَا المِسْكِىِّ أغصانا) وَقَالَ مُحَمَّد بن جدوع الْمَشْهُور بالشاعر التغلبي // (من الطَّوِيل) // (دُهِمَتُ بِمَا لَا أرْضى وَلَا اطِيقُ بعضَهُ ... أَتَانِي معاضول كثير بمحفلِ) (نهضت معاما جَدَّمِ العَزْمِ مصرم ... من الْقَهْر خوفًا أَن أَمُوت أَو انْسَلَّ) (فيا لَيْتَني عَن ذَا بعيدٌ ومنزلي ... على الذِّكرِ ِفي ديراتِ بكرٍ وموصلِ) (وَلَا قُمتُ فِي دَار ذراعي قَصِيرَة ... ذليل وَلَا لِى مِن جناها محصّلِ) (يهونُ علىَّ ازوامُ نَفسِي مشقَّة ... وَلَا حالتي هَذِى لىَ المَوْت أسهلِ) (بأقوَى عُبابِ البَحْر مَاء ومَوْجَة ... أَشُوفُ السما فَوْقِى وتحتي وَلَا ازملِ) (ذُهِلْتُ بهَا ممَّا جَرَى كُلّ مَا مضَى ... حَفِظْتُ بهَا مِنْ همتي كُلّ مجهلِ) (وكَمْ ليلةٍ بَيْضَا سَرَيْتُ وليلةٍ ... بهَا الليلُ غدرا كالقَمِيصِ الْمفصل)

стр. 2166

(إِذا مَا تَنَحَّى الليلُ وَقفا وجدتُّنى ... على كُلِّ فَجَّا الصدرِ وَجْناء مرقلِ) (كَبِيرةِ عُثْنُونِ القَفَا صَيْعَرِيَّةٍ ... كَأنَّ مَرَافِقْهَا عنِ الزّورِ تفتلِ) (لَهَا اعلامُ شَيْبٍ كَنَّهُنَّ مَرَاوحٌ ... أَوَ اكْمَامُ رَقَّاصٍ إِن اقْفى وأقْبلِ) (بخدِّ كظهرِ الذِّيبِ وعرا قطعنها ... وَمَرا بصفصاف بداويَّةٍ خلى) (وَيَا طالما اسْتازى بغُرْضة نَاقَتي ... فُرُوخ القَطَا وَابْن النَّعَامِ المجفَّلِ) (مِن ازْوامِ حَرِّ القَيْظِ فِي هَوْجَرِيَّةٍ ... فَرَائِدُهَا فِي الآلِ تَخْفَى وتعتلي) (تَتِمُّ بهَا الأنْظارُ شتَّى كَثِيرَة ... كأنَّ بهَا البيضَ الهواري تُسللِ) (بهَا القوز غرفى كَالقَواويقِ غطَّس ... على الرُّوسِ فِي وسطِ المعمَّى المطوَّلِ) (صلبتُ النَّضَا فِيهَا بالادْلاجِ والسُّرى ... رجا كُل عادِىًّ قديمٍ منَ اوَّلِ) (من الهجر رَا دمْنَ الكلا فِي جنوبهِ ... كأنَّهُ بَدْرٌ فِي كلاتيَّ جَدْولِ) (وَكَمْ هَام فيهَا قسمتَاه رَاقِدًا ... أنَاس على الأناس فاغْفى وأغفلِ) (وَكَثر خُوار القوامِ فِينَا وأيقنوا ... بلدراك من شوفِ احْدِهم يَوْم يكفلِ) (خليلىَّ لَا تخشونَ منِّى معرة ... عليَّ لكُمْ ميرادكم أيٌّ منهلِ) (فَصلْنَ وصيل الرَّمْلِ فِي مُدْلَهِمَّةٍ ... خَلصنَ وَكَمْ فِيهَا دَلِيل تَوجَّلِ) (وردتهُ والأفَّان مَا أَنا بخابرٍ ... سوى العزمِ إِلَّا انَّهْ بالاذكار وصْفَ لي) (أنخنَا عَلَيْهَا العيسَ مِنْ بَعْدِ سريه ... وَدرت لدَوْسِ الدائسات تأملي) (ولمينِ حط الغرب عجلا فَقيل لي ... أما يَرْدهَا إِلَّا رشاء موصّلِ) (ولمينِ وصلت الحبال بجدة ... وإكتربَتْ عضدي فِي المغربِ فْجُزْ لي) (أَرَى كُلَّهمْ يلطِمْ بكفَّيهِ خدَّهُ ... وَبَعْضَهمَا مِنْ خَوفةِ الموْت هلَّلِ) (فَقُلْتُ لَهُمْ لَا تَحْزَنُونَ فَانا لكم ... أطوع من لدنِ الأديمِ المبللِ)

стр. 2167

(نزلتُ بهَا واسقيتُ ربعى بِسُرْعَة ... وصدَّرتهم روبا وصملانهم ملي) (ولسْتُ بقوَّالٍ وَلا هُوْ بِصَادِقٍ ... وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا إذَا قَالَ يفعلِ) (أَمَا ضَام وانا من عرانينِ تَغْلبٍ ... لَنَا فِي نِزَارٍ نِسبةٌ مَا تُبدلِ) (فَإِن قَصَّرَتْ عَن فعلِ آباي همَّتى ... تكملن أَعْمَامِى وأَفْعال مخولِى) (وَلَا أَقْصَرَتْ عَن هؤلا بل لحقْتُهم ... حَميدة افْعَالى صدوقٌ بِمِقْوَلى) (ولي ثِقَة فِي سيد إِبْنِ سيِّد ... مَنِ اختارهُ المولَى علينا لَنَا وَلِى) (أَبُو سَعدٍ برْكات بن مُحَمَّد ... لهُ نَسب عدل بِطه موصّلِ) (على الزين كم فرق من اصنام لَا بِهِ ... وَكم عكفوا بِهْ مِنْ رَسُولٍ ومرسلٍ) (وكَمْ لطم الضَّدْ الْقوي بغارةٍ ... بِكُل ابْلَحِ ذَرْبٍ تصَلْصَل من علِ) (على الْخَيل لدنين وَلَو مَا تعاودوا ... وَكم عطفوا بِصْدورهم روس ذبلِ) (وكمْ فرقُوا بالسيَّف محزوم ضَرْبَة ... سرايَاه فِيهَا مِنْ عراةٍ وكمّلِ) (علَى رَأْي حزَّام الحُرُوب انْ تفاختَتْ ... إِلَى هدم جمع عَنِ الْجمع يعزلِ) (وَمِنْه يخلي الإبن عَم ابْن عَمه ... والابنا عَن اباها تغض وتنسلِ) (أغارتْ مُلُوك الرُّومِ واستنصروا بِهِ ... وقبلَهْ عَسَاكِرْهُمْ تذل وتخذلِ) (تقلل مِنْ وادِى قُرَيْش وجُرْهُم ... عَلَى ضُمَّرِ من طُول ممشَاهُ محلِ) (وَقب تجابذهنَّ الارْسَان حزب ... مَطَاوِيِعِ لَدْنات المَرَاضِع قفّلِ) (فلمَّا تبيّنْ وجْه ممشَاهُ صَائِل ... نشُوف ثَقِيل الطَّعن أقفى وأشْملِ) (وأنكَرَ بَعْضٌ بَعْدَ الاجماعِ بعضَهُمْ ... وهُمْ قَبْلَ ذاكم فكَّكوا وَشر محملِ) (وطاع الضجر الصَّلِيب وَلَا قسا ... وَمِنْه تخلى العَارِض الفَرْد منْ بلي)

стр. 2168

(وكَمْ مِنْ عَزِيزٍ عِنْدَ ملْقَاه غالي ... دَعَاهُ على التَّالى قَطِيع مهملِ) (من اوزام هَا الجَمْع الْقوي بمثْلِهِ ... وحَرْجَمَتِ الأظْعَانُ فِي كُلِّ منزلِ) (بهَا الحدب لزمن النواصي بمكنه ... ولابق بيْنَات المطاهير محْولِ) (وخفوا عَنْ اطفالٍ وشيبٍ كثيرةٍ ... وَحُورٍ عَلَى ابَنَاها تحِنّ وتُعْوِلِ) (وكَمْ طَلَبُوا مِنْهُ الرحا فِي مراحِهِمْ ... على اطْفَالِهِمْ مِنْ مأخَذِ القومٍ يعقلِ) (عَسَاهُمْ يتوبوا عَنْ مناخاة ميمر ... مصالاه قَبْلَ الفِعْلِ للخَصْمِ يقتلِ) (بقَوْمٍ إِذا زموا على الضَّدِّ واجملوا ... بالافْكَارِ مِنْ دارٍ لدار تحول) (وَمن عطوة واما بهَا من عَطِيَّة ... وَمن رمك فِيهَا أصيل ومصهل) (وَمن عرض مَا اعطى كم حكوا من جهامة ... بهَا نَاقَة حمرا وخوارة خلى) (معَاذًا بِهِ الحارات بِالْقربِ حسر ... وَلَو كَانَ أزين من بهَا الشَّمْس واجمل) (كليل مقاو الطّرف عَنْهُن دَائِما ... مدى الْعُمر مَعَ حدثها مَا تخَلّل) (فَإِن غَابَ عَنْهَا بَعْلهَا فَهُوَ سترهَا ... رءوف بهَا كنه ولي مُوكل) (فدَاه دويني قَلِيل أَمَانَة ... من الْخَوْف الأَرْض بْجارتيه تزلزل) (فجزني على مدحي بميصال ديرتي ... فَكل غَرِيب نَاقص لَو تطول) (ولي أُسْوَة بالليث وان كَانَ نَادِر ... بِلَا غابتهْ لزما يكل وينكل) (وللحر عادات إِلَى رب مَا كرن ... من اطول مَا فى الأَرْض مَا ينزل اسفل) (وصلوا على خير البرايا مُحَمَّد ... عددْ مَا مَشوا لهْ من حفايا وَنقل) ثمَّ تولى الشريف سعيد ابْن الشريف بَرَكَات ابْن السَّيِّد مُحَمَّد ابْن السَّيِّد إِبْرَاهِيم ابْن السَّيِّد بَرَكَات ابْن الشريف أبي نمي يَوْم موت وَالِده الشريف بَرَكَات قبل أَن يجهزه ذهب السَّيِّد عَمْرو بن مُحَمَّد فِي جمَاعَة من الْأَشْرَاف إِلَى حَضْرَة أَفَنْدِي الشَّرْع وطلبوا مِنْهُ قفطاناً فَسَأَلَهُمْ الأفندي هَل رَضوا السَّادة الْأَشْرَاف فَقَالَ لَهُ السَّيِّد عَمْرو نعم رَضوا بذلك فَأتوا مِنْهُ بقفطان فألبسوه للشريف سعيد ثمَّ نودى بالبلاد باسمه وَمَعَ المنادى مَوْلَانَا الْحُسَيْن بن يحيى ومولانا السَّيِّد عبد الله بن هَاشم ثمَّ جهز الشريف بَرَكَات وَصلى عَلَيْهِ فاتح بَيت الله مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا الشَّيْخ عبد الْوَاحِد ابْن المرحوم سيدنَا ومولانا الشَّيْخ مُحَمَّد الشيبي الْقرشِي العبدرى بِوَصِيَّة

стр. 2169

مِنْهُ وَدفن فِي الْمحل الْمُتَقَدّم ذكره ثمَّ عقد مجْلِس يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي يَوْم الْوَفَاة بِالْحَطِيمِ حَضَره الْأَشْرَاف وَالْعُلَمَاء والأعيان والعساكر فأظهر الشريف سعيد أمرا سلطانياً مضمونه إِنَّه لما أرْسلهُ مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات إِلَى حَضْرَة مَوْلَانَا السُّلْطَان مُحَمَّد خَان أنعم عَلَيْهِ بِالْملكِ بعد أَبِيه فقرئ بِمحضر ذَلِك الْجمع فسكنت الخواطر وَالْأَحْوَال لموجب ذَلِك الْأَمر الْوَاجِب الِامْتِثَال فَلِذَا لم تقع مُخَالفَة من أحد وَللَّه الْحَمد والْمنَّة ثمَّ حصل بَين الشريف سعيد وَالسَّيِّد نَاصِر ابْن المرحوم أَحْمد الْحَارِث بعض مقاومة من جِهَة وعد لم يتم فَقَامَتْ نفس السَّيِّد نَاصِر وعضد مَعَه جمَاعَة من الْأَشْرَاف مِنْهُم السَّيِّد مُحَمَّد بن يعلى وَذَوي جود الله فِي خَمْسَة وَعشْرين شريفاً فَمَا زَالُوا يسعون بَينهم بِالصُّلْحِ حَتَّى اصْطَلحُوا وَللَّه الْحَمد وَفِي ثَانِي عشر رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة أَعنِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف وصل أغا صحبته قفطان من صَاحب مصر لمولانا الشريف سعيد بن بَرَكَات جَاءَ بحراً وَخرج من يَنْبع وَفِي ثامن عشر رَمَضَان مِنْهَا ورد مُورق السميري يخبر أَن السَّيِّد زيد بن حَمْزَة رَسُول الشريف سعيد إِلَى الْأَبْوَاب وصل إِلَى يَنْبع ويخبر أَن القفطان السلطاني وَاصل بحراً وَفِي سادس عشريه وصل السَّيِّد حَمْزَة إِلَى مَكَّة وَفِي رَابِع شَوَّال مِنْهَا ورد إِلَى الأفندي أَمر سلطاني بِإِخْرَاج الشَّيْخ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان من الْحَرَمَيْنِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس فَأرْسل إِلَيْهِ الأفندي يَأْمُرهُ بِالْخرُوجِ فَطلب مهلة ثَلَاثَة أَيَّام فأمهل ثمَّ لم يَأْمَن على نَفسه فَلَمَّا أَتَوْهُ على الْوَعْد امْتنع فجَاء إِلَيْهِ العساكر إِلَى بَيته فصاح وَصَاح أهل بَيته من نسَاء وَأَطْفَال وخدم فَتَرَكُوهُ ومضوا إِلَى الشريف وأفندي الشَّرْع وأخبروهما بِمَا وَقع فأرسلوا إِلَيْهِ مَوْلَانَا السَّيِّد ثقبة ابْن قَتَادَة فحاوله على الْخُرُوج فَأَجَابَهُ إِنِّي ممتثل الْأَمر وَإِنَّمَا تمهلوني إِلَى الْحَج فَتوجه السَّيِّد ثقبة فِي الْإِمْهَال إِلَيْهِ عِنْد الشريف وأفندي الشَّرْع فأمهلاه ثمَّ خرج صُحْبَة الْحَاج الشَّامي وَفِي ثامن عشر شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة دخل الأغا بالقفطان والمرسوم

стр. 2170

السلطانيين فلبسه مَوْلَانَا الشريف سعيد فِي الْحطيم وَقُرِئَ المرسوم على الْعَادة بالتبجيل والتعظيم وَالتَّصْرِيح بتفويض أَمر الْحَرَمَيْنِ إِلَيْهِ والتعويل فِي حراستهما عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ ذَلِك النَّهَار موكب عَظِيم وفيهَا وصلت صَدَقَة من ملك الْهِنْد إِلَى الْحَرَمَيْنِ قدرهَا مائَة ألف ربية أَرْبَعُونَ ألفا للشريف وَسِتُّونَ لمَكَّة وَالْمَدينَة فَكَتَبُوا أَسمَاء النَّاس فِي دفتر وعدوهم بالتقسمة ثمَّ اقْتضى رَأْيهمْ أَن يأخذوها جَمِيعًا ويأمروا أهل مَكَّة بِأَن يكتبوا باستلامها فَكتب أهل مَكَّة بذلك وَأرْسل إِلَى أهل الْمَدِينَة وَطلب مِنْهُم أَن يسمحوا كَمَا سمح أهل مَكَّة بذلك فَكَانَ جَوَاب أَفَنْدِي الْمَدِينَة وَشَيخ حرمهَا وأغوات العساكر مَا نَصه إِن هَذَا شئ لعامة النَّاس فَلَا يسعنا السماح عَن جمَاعَة مَا نعتقد رضاهم وأبوا أَن يجيبوا بِغَيْر هَذَا فَلَمَّا وصل الْخَبَر بذلك عَنْهُم دبروا تدبيراً آخر لَا حَاجَة بِنَا إِلَى كشفه وَأَرْسلُوا بِهِ إِلَى السُّلْطَان أورنك زيب صُحْبَة السَّيِّد مُحَمَّد البرزنجي فَلم يُعْط قبولاً وَلم يواجه السُّلْطَان هُوَ وَمن مَعَه أصلا ثمَّ عَاد إِلَى مَكَّة بعد ذَلِك فِي سنة خمس وَتِسْعين وَقد كَانَ فِي غنية وَعزة عَن مثل هَذِه الرسَالَة الَّتِي هَذَا شَأْنهَا وَقد أخذت مِنْهُ المكاتيب من بندر سُورَت وَأرْسلت إِلَى السُّلْطَان وَذَلِكَ لما بلغ السُّلْطَان حَقِيقَة الْحَال وَقد كَانَ المرحوم مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات عرض إِلَى الْأَبْوَاب لما فَارقه مَوْلَانَا الشريف أَحْمد بن غَالب متع الله بحياته وَمن مَعَه فَعرف أَن السَّادة الْأَشْرَاف أتعبوه بِالطَّلَبِ الشطيط وَأَنه بَالغ فِي إرضائهم بِكُل وَجه فَقَالَ إِلَى حد أَنِّي رضيت أَن أجعَل لَهُم مغل ثَلَاثَة أَربَاع الْبِلَاد وَيكون لى ربع فَكَانَ جَوَابه أَنهم أبرزوا لَهُ أمرا سلطانياً بذلك فورد إِلَى مَكَّة بعد مدَّته فِي الْحَج آخر سنة ثَلَاث وَتِسْعين الْمَذْكُورَة وَلم يُرد مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات طلب هَذَا الْأَمر وَإِنَّمَا لما أرسل إِلَى الْأَبْوَاب متنصلاً عَن الْمُخَالفَة على السَّادة الْأَشْرَاف ومبيناً أَنه ساع فِي ملائمة هواهم بِحَيْثُ إِنَّه رَضِي بِأَن يَجْعَل ذَلِك لَهُم ظنت الدولة العثمانية أَن ذَلِك مُرَاد لَهُ ومطلوب فَأخْرج لَهُ أَمر بذلك فَلَمَّا وصل كتمه الشريف سعيد فتحققته السَّادة الْأَشْرَاف وطلبوه من الشريف فَأحْضرهُ على مَا أشيع مجْلِس الشَّرْع وسجل مضمونه

стр. 2171

وقسموا مَدْخُول الْبِلَاد والإخوان أَربَاعًا ربع لمولانا الشريف وَربع تشيخ فِيهِ مَوْلَانَا السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله ومولانا السَّيِّد نَاصِر بن أَحْمد الْحَارِث ومعهما جمَاعَة من الْأَشْرَاف وَالرّبع الثَّالِث تشيخ فِيهِ مَوْلَانَا الشريف أَحْمد بن غَالب دَامَ علاهُ ومولانا السَّيِّد أَحْمد بن سعيد ومعهما جمَاعَة من الْأَشْرَاف وَالرّبع الرَّابِع تشيخ فِيهِ مَوْلَانَا السَّيِّد عَمْرو ومولانا السَّيِّد غَالب بن زامل ومعهما جمَاعَة من الْأَشْرَاف فَحصل بذلك التشاجر فِي الْقِسْمَة والتعب والتشاحن وَوَقع فِي الْبِلَاد السرقات بل النهب الصَّرِيح وَاخْتلفُوا فِيمَا بَينهم وَلزِمَ من ذَلِك أَن كل صَاحب ربع يكون لَهُ كتبة وخدام يجمعُونَ مَا هُوَ لَهُ واستكتب مَوْلَانَا الشريف أَحْمد متع الله بحياته عسكراً وانضم إِلَيْهِم عبيد ذَوي زيد فَحصل عِنْد الشريف سعيد تَعب من ذَلِك فَأمره بترك الْعَسْكَر فَامْتنعَ وَذكر أَن السوالف سبقت بِمثل هَذَا لصَاحب الرّبع وَشهد بذلك كبار الْأَشْرَاف فَذكر الشريف سعيد أَنه متوهم من هَذَا الْفِعْل وَطلب من يكفله لَهُ فَكَفَلَهُ عشرَة من الْأَشْرَاف واصطلحا على ذَلِك ثمَّ ادّعى الشريف سعيد على الْأَشْرَاف أَن عبيدكم أتلفوا الْبِلَاد وَالْقَصْد من أهل الأرباع أَن يُرْسل كل مِنْهُم شخصا من جَانِبه يعسون الْبِلَاد مَعَ جماعتي فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك فَأرْسل مَوْلَانَا الشريف أَحْمد بن غَالب أَخَاهُ مَوْلَانَا السَّيِّد حسن بن غَالب وَأرْسل مَوْلَانَا السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله ابْنه بَرَكَات بن مُحَمَّد وَأرْسل الشريف سعيد مَوْلَانَا السَّيِّد حَمْزَة بن مُوسَى بن سُلَيْمَان فِي جمَاعَة من الخيالة والدَّبابة مَعَهم الْقَائِد حَاكم الْبِلَاد أَحْمد بن جَوْهَر ثمَّ دخلت سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وصل فِي خَامِس شهر رَمَضَان مِنْهَا إِلَى مَكَّة هَدِيَّة من ملكة آش بلد بأقصى الْهِنْد وَتلك مُقَابل هَدِيَّة كَانَ أهداها إِلَيْهَا مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات مِنْهَا ثَلَاثَة قناطير ذهب مصطنع يصفى على النّصْف خَالِصا وَثَلَاثَة غلايين ذَهَبا وَثَلَاثَة أَرْطَال كافور وجانب عَظِيم من الفرنقل والجاوي وآواق زباد آشى وللكعبة الشَّرِيفَة بِخَمْسَة قناديل ومبخرتين وشمعدانين وللمدينة كَذَلِك قناديل ومباخر وشماعدين فنازع السَّادة الْأَشْرَاف الشريف سعيد طَالِبين الثَّلَاثَة الأرباع مِنْهَا فَامْتنعَ من ذَلِك فَقَامَتْ النُّفُوس بَينهم وَبَينه ثمَّ وَقع الصُّلْح على

стр. 2172

إعطائهم النّصْف مِنْهَا فَأَخَذُوهُ وَفِي سادس عشري ذِي الْقعدَة مِنْهَا فتح الْبَيْت الشريف وَجَاء مَوْلَانَا الشريف سعيد ومولانا السَّيِّد مُحَمَّد بن حمود ونائب الْحرم وعلقوا الْخَمْسَة الْقَنَادِيل بِالْكَعْبَةِ الشَّرِيفَة وفيهَا يَوْم الْأَحَد رَابِع عشر ذِي الْقعدَة الْحَرَام مِنْهَا انْتقل بالوفاة إِلَى رَحمَه الله تَعَالَى مَوْلَانَا السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله رَحمَه الله تَعَالَى رَحْمَة وَاسِعَة وَفِي شهر ذِي الْحجَّة مِنْهَا لم يخرج السَّادة الْأَشْرَاف جَمِيعهم مَعَ الشريف سعيد إِلَى العرضة فَبعد أَن حج النَّاس ونزلوا عقد الشريف سعيد محضراً فِيهِ أَمِير الشَّامي صَالح باشا وَأحمد باشا صَاحب جدة وأمير الْحَاج المصرى ذوالفقار بك وَأمين الصرة والسرادير وأكابر الْحَج وأغواته وشكا من الشريف أَحْمد بن غَالب كِتَابَة الْعَسْكَر وَأَنه مناكد لي فِي الْبِلَاد وَأَنه أفسد عَليّ الْأَشْرَاف وَأَنه حصل مِنْهُ وَمن جماعته الْفساد فِي الْبِلَاد وَأَرْسلُوا السَّيِّد غَالب بن زامل إِلَيْهِ ليحضر فَيظْهر مِمَّن الْخلاف فَامْتنعَ من الْحُضُور فِي بَيت الشريف وَقَالَ إِن كَانَ الْقَصْد الِاجْتِمَاع فَفِي الْمَسْجِد وَإِن كَانَ لكم دَعْوَى فأوكل وَكيلا يسمع مَا تدَّعون بِهِ عَليّ ثمَّ أرْسلُوا إِلَيْهِ عَن كِتَابَة الْعَسْكَر وَمَا بعده فَأجَاب بِمَا أجَاب أَولا أَن هَذِه قَوَاعِد بَيْننَا قد سلفت أَن صَاحب الرّبع لَهُ أَن يكْتب عسكراً وَأما قَوْلكُم إِنَّه قد حصل من جماعتي أَو عسكري مفْسدَة فأطلقوا منادياً فِي الْبِلَاد معاشر النَّاس كَافَّة هَل أحد يشكو مني أَو من جماعتي أَو عسكري شَيْئا أَو أخذُوا حق أحد ظلما أَو ضربوا أحدا فَإِن وجدْتُم مشتكياً صَحَّ مَا قلتموه وَإِلَّا فَلَا وَجه لكم وَأما تركي العرضة فَكَانَ خوفًا أَن يَقع شئ فينسب ذَلِك إليَّ أَو إِلَى جماعتي كل هَذَا والأشراف جَمِيعهم اجْتَمعُوا على قلب رجل وَاحِد وَلم تزل خيولهم مسرجة ودروعهم عيابها غير مشرجة بل قد لبسوها وملئوا الأجياد إِلَى العقد وتحركت الأنفة الهاشمية الَّتِي تأبى الضيم والضهد وَبَلغنِي عَن الثِّقَة أَن صَالح باشا أَمِير الْحَاج الشَّامي كَانَ من جملَة كَلَامه إِلَى الشريف أَحْمد متع الله بحياته إِن لم تصطلحوا طَوْعًا أصلحناكم بِالسَّيْفِ فَأرْسل لَهُ

стр. 2173

فِي الْجَواب السَّيْف لنا يَا بني هَاشم مَا هُوَ لفلاليح الشَّام وَلَكِن إِذا نمت فأحكم تزرير مضربك عَلَيْك وَلما أَن سمع الْأُمَرَاء والأكابر جَوَاب الشريف أَحْمد بالْكلَام الأول وَعَلمُوا أَنه لَا وَجه عَلَيْهِ وَلَا خلاف ينْسب إِلَيْهِ سعوا فِي الصُّلْح بَينه وَبَين الشريف سعيد على أَن يكفل كل مِنْهُمَا جمَاعَة من الْأَشْرَاف وَلَا يتَعَدَّى أحد على صَاحبه وكتبت بَينهمَا حجَّة شَرْعِيَّة وطلبوا من الشريف أَحْمد متع الله بحياته أَن يَأْتِي إِلَى الشريف سعيد فوصل إِلَيْهِ لَيْلَة فِي شهر الْحَج قبل خُرُوج الْحَاج الشَّامي ثمَّ بعْدهَا وصل إِلَيْهِ الشريف سعيد لَيْلَة أُخْرَى وَتمّ الصُّلْح وَللَّه الْحَمد وَأما صَالح باشا فَفِي يَوْم الِاجْتِمَاع الْمَذْكُور وصل فِي نَحْو مائَة من عسكره إِلَى بَيت مَوْلَانَا الشريف أَحْمد متع الله بحياته وَقبل يَده وَاعْتذر مِمَّا تكلم بِهِ فَقبله وقابله بِوَجْهِهِ الطلق الصبيح ولاطفه بِلَفْظِهِ العذب الفصيح وَرفع عَنهُ الملام وأكرمه كَمَا هُوَ طبعه الشريف غَايَة الْإِكْرَام وفيهَا أَعنِي سنة أَربع وَتِسْعين وَألف أَمر مَوْلَانَا الشريف سعيد بالنداء فِي الْبِلَاد ثامن عشر ذِي الْحجَّة الْحَرَام أَن لَا يُقيم أحد من الغرباء بالبلاد من جَمِيع الْأَجْنَاس على حسب مَا ورد بِهِ الْأَمر السلطاني ثمَّ إِن أَرْبَاب الْأَمْوَال من الأتراك وَغَيرهم تكلمُوا مَعَ سرادير الْعَسْكَر وَجعلُوا لَهُم مصلحَة فَاجْتمعُوا وعزموا إِلَى أَحْمد باشا صَاحب جدة وَذكروا لَهُ أَن هَؤُلَاءِ التُّجَّار المصارية أَمْوَالنَا مَعَهم وَأَنَّهُمْ نافعون لنا فِي الْبِلَاد وحسنوا لَهُ التَّكَلُّم مَعَ الشريف سعيد فَأرْسل إِلَى الشريف سعيد فَتكلم مَعَه فِي إبقائهم فساجل على ذَلِك وَأطلق مناديه سَابِع عشري ذِي الْحجَّة الْمَذْكُورَة أَن من كَانَت لَهُ مُدَّة طَوِيلَة يُقيم وَلَا خلاف عَلَيْهِ فَمَا أسْرع انْتِقَاض الحكم بضده بعد تِسْعَة أَيَّام وَفِي ثَانِي عشر شعْبَان مِنْهَا كَانَت وَفَاة وَالِدَة مَوْلَانَا السُّلْطَان الْغَازِي الْمُجَاهِد السُّلْطَان مُحَمَّد خَان كَانَت صَاحِبَة خيرات وصلات تغمدها الله بأتم الرحمات وَفِي عَاشر ذِي الْقعدَة كَانَت وَفَاة شَيخنَا الشَّيْخ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان المغربي الْمَالِكِي السُّوسِي المفتن فِي جَمِيع الْعُلُوم الْمَشْهُور عِنْد الْعَرَب وَالروم توفّي بِدِمَشْق الشَّام مولده سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف قَرَأَ على كبار الْمَشَايِخ بِبَلَدِهِ من

стр. 2174

أَجلهم قَاضِي الْقُضَاة مفتي مراكش ومحققها سيدى عِيسَى السجسْتانِي والعلامة مُحَمَّد بن سعيد المراكشي وَمُحَمّد بن بكر الدلائي وَالشَّيْخ سعيد بن إبراهم الْمَشْهُور بقَدُّورَة مفتي الجزائر سِتِّينَ سنة وتلقن مِنْهُ الذّكر وَلبس الْخِرْقَة ولازم الشَّيْخ مُحَمَّد بن نَاصِر الزرعي أَرْبَعَة أَعْوَام فِي التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه والتصوف وَغَيرهَا وَصَحبه وَتخرج بِهِ ثمَّ رَحل إِلَى الشرق وَدخل مصر فَأخذ بهَا عَن الْعَلامَة الشَّيْخ عَليّ الأَجْهُورِيّ والشهاب الخفاجي وَالشَّيْخ شهَاب الدّين بن سَلامَة القليوبي والعلامة سُلْطَان المراحي وأجازوه وبرع فِي الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان وَالْعرُوض والحساب والفلك والهيئة وَالْحكمَة وَأخذ عَنهُ جمَاعَة كَثِيرُونَ عدَّة فنون وَألف كتبا مفيدة مِنْهَا مُخْتَصر جَامع الْأُصُول لِابْنِ الْأَثِير وَاخْتصرَ التَّلْخِيص وَشَرحه وَوضع حَاشِيَة على التسهيل وحاشية على التَّوْضِيح ومنظومة فِي علم الْمِيقَات وَشَرحهَا وَله جدول جمع فِيهِ مسَائِل الْعرُوض كلهَا واخترع كرة عَظِيمَة فاقت على الكرة الْقَدِيمَة والإصطرلاب وانتشرت فِي الْهِنْد واليمن والحجاز أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ سِنِين عزباً فِي خلْوَة بقايتباي ثمَّ جَاءَ إِلَى مَكَّة وجاور بهَا ثمَّ رَحل إِلَى الرّوم فِي موسم سنة ثَمَانِينَ صُحْبَة أخي الْوَزير الْأَعْظَم أَحْمد باشا الكبرلي وحظي عِنْده حظوة عَظِيمَة وفوض إِلَيْهِ أَمر أوقاف مَكَّة وَغَيرهَا وعمَّر الأربطة الدامرة والمآثر الداثرة وَأَنْشَأَ تربة بالمعلاة وَجعلهَا جداراً أوتاراً متقاطعة فِي نصف قامة على شكل شطرنجي وعدتها ثَلَاثَة آلَاف وَسَبْعمائة قبر بلغت النَّفَقَة عَلَيْهَا من مَال الْوَزير الْمَذْكُور أَرْبَعَة آلَاف أَحْمَر وَمِائَة أَحْمَر كَانَ ابْتِدَاؤُهَا سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف وسعى فِي عزل مَوْلَانَا الشريف سعد وَولى الشريف بَرَكَات بنظره وإشارته وَصَارَ فِي مَكَّة صَاحب الْحل وَالْعقد وأنيطت أمورها جَمِيعهَا إِلَيْهِ ويتردد الشريف بَرَكَات إِلَى بَيته كل يَوْم وَرُبمَا جَاءَ مرَّتَيْنِ فِي الْيَوْم الْوَاحِد وأكابر الْحَاج وأمراؤه يأْتونَ إِلَيْهِ فَمن قبل عَلَيْهِ أذن لَهُ وَمن لَا فَلَا وَلَا يقطع الشريف بَرَكَات أمرا قل أَو جلّ إِلَّا بنظره وَرُبمَا فعل أمرا بِغَيْر نظره فَإِذا علم بِهِ نقضه من يَوْمه إِلَى أَن مَاتَ الْوَزير الْمَذْكُور فضعف أمره وَورد الْأَمر من الْوَزير الآخر مصطفى باشا أَولا

стр. 2175

بالتحذير وَالنَّهْي عَن مُشَاركَة الدولة فِي أمورها من قَلِيل أَو كثير والتنفير عَن المكارشة فِيمَا يتَعَلَّق بهَا من جليل وحقير وَذَلِكَ سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف فأغلق ذَلِك الْبَاب وَصَارَ لَا ينفذ شَيْئا إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب ثمَّ فِي جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة عزم إِلَى بَلْدَة الطَّائِف وصاف بهَا ثمَّ ارتحل مِنْهَا أَوَاخِر شعْبَان فَسقط عَلَى وَادي مر ثمَّ توجه مِنْهُ إِلَى الْمَدِينَة المنورة الشَّرِيفَة فَدَخلَهَا ثَانِي يَوْم من رَمَضَان فَأَقَامَ بهَا نَحْو أَربع سِنِين وابتنى فِي أثْنَاء تِلْكَ الْمدَّة دَارا بلصق جِدَار الْمَسْجِد النَّبَوِيّ الشمالي فَلَمَّا كَانَت سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَألف رَحل مِنْهَا فِي النّصْف من شهر شعْبَان عَائِدًا إِلَى مَكَّة فَدَخلَهَا ثامن عشريه فاستمر بهَا إِلَى أَن ورد الْأَمر ثَانِيًا سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف بتخريجه من الْحَرَمَيْنِ فَخرج إِلَى مَكَّة صُحْبَة الْحَاج الشَّامي موسم سنة ثَلَاث وَتِسْعين كَمَا تقدم ذكر طرف من ذَلِك وَأخذ فِي سَفَره الأول إِلَى الرّوم عَن الشَّيْخ خير الدّين بن مُحَمَّد الرَّمْلِيّ الْحَنَفِيّ وبدمشق عَن الشَّيْخ مُحَمَّد بن بدر الدّين البلباني الْحَنْبَلِيّ وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن كَمَال الدّين نقيب الْأَشْرَاف وَله فهرست بِجَمِيعِ مروياته وأشياخه سَمَّاهَا صلَة الْخلف بموصول السّلف وَوصل فِي سفرته الثَّانِيَة إِلَى دمشق الشَّام فَأَقَامَ بهَا حَتَّى كَانَت وَفَاته فِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة أَربع وَتِسْعين وَألف ﵀ وَتجَاوز عَنهُ انْتهى ثمَّ دخلت سنة خمس وَتِسْعين فِيهَا يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشر محرم الْحَرَام لما أَرَادَ أَحْمد باشا النُّزُول إِلَى جدة حشكت عَلَيْهِ السَّادة الْأَشْرَاف بِسَبَب أَنه استولى على الرّبع من حب الجراية الَّتِي ترد إِلَى مَكَّة بعد أَن كَلمُوهُ فِي ذَلِك فَامْتنعَ فَسَكَتُوا عَنهُ إِلَى يَوْم نُزُوله جدة وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة الْمَذْكُور فتحزبوا جَمِيعًا وَقَالُوا لَا ينزل حَتَّى يُعْطِينَا مَا هُوَ لنا وَلَا يبْقى عِنْده شئ وَكَانَ ذَلِك بعد أَن تقدمه أَهله وَثقله إِلَى جدة فَصَارَ أحير من ضَب واجتمعوا بِبَيْت السَّيِّد مُحَمَّد بن حمود وَأَرْسلُوا إِلَيْهِ السَّيِّد ثقبة فَقَالَ لَهُ إِن نزلت قبل أَن تصلح الْأَشْرَاف يَأْخُذُوا جَمِيع أسبابك الَّتِي تقدّمت وينهبوا حريمك ويقتلوك فأذعن حِينَئِذٍ بوفائهم فَقَالُوا لَا نرضى بذلك حَتَّى تكفل لنا فكفل لَهُم كرد أَحْمد المعمار وَجَمِيع السرادير والوزير عُثْمَان بن زين العابدين حميدان وَكَتَبُوا بذلك حجَّة شَرْعِيَّة وَأَنه إِن حصل مِنْهُ منع لبَعض
следующие страницы →