← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وقسموا مَدْخُول الْبِلَاد والإخوان أَربَاعًا ربع لمولانا الشريف وَربع تشيخ فِيهِ مَوْلَانَا السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله ومولانا السَّيِّد نَاصِر بن أَحْمد الْحَارِث ومعهما جمَاعَة من الْأَشْرَاف وَالرّبع الثَّالِث تشيخ فِيهِ مَوْلَانَا الشريف أَحْمد بن غَالب دَامَ علاهُ ومولانا السَّيِّد أَحْمد بن سعيد ومعهما جمَاعَة من الْأَشْرَاف وَالرّبع الرَّابِع تشيخ فِيهِ مَوْلَانَا السَّيِّد عَمْرو ومولانا السَّيِّد غَالب بن زامل ومعهما جمَاعَة من الْأَشْرَاف فَحصل بذلك التشاجر فِي الْقِسْمَة والتعب والتشاحن وَوَقع فِي الْبِلَاد السرقات بل النهب الصَّرِيح وَاخْتلفُوا فِيمَا بَينهم وَلزِمَ من ذَلِك أَن كل صَاحب ربع يكون لَهُ كتبة وخدام يجمعُونَ مَا هُوَ لَهُ واستكتب مَوْلَانَا الشريف أَحْمد متع الله بحياته عسكراً وانضم إِلَيْهِم عبيد ذَوي زيد فَحصل عِنْد الشريف سعيد تَعب من ذَلِك فَأمره بترك الْعَسْكَر فَامْتنعَ وَذكر أَن السوالف سبقت بِمثل هَذَا لصَاحب الرّبع وَشهد بذلك كبار الْأَشْرَاف فَذكر الشريف سعيد أَنه متوهم من هَذَا الْفِعْل وَطلب من يكفله لَهُ فَكَفَلَهُ عشرَة من الْأَشْرَاف واصطلحا على ذَلِك ثمَّ ادّعى الشريف سعيد على الْأَشْرَاف أَن عبيدكم أتلفوا الْبِلَاد وَالْقَصْد من أهل الأرباع أَن يُرْسل كل مِنْهُم شخصا من جَانِبه يعسون الْبِلَاد مَعَ جماعتي فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك فَأرْسل مَوْلَانَا الشريف أَحْمد بن غَالب أَخَاهُ مَوْلَانَا السَّيِّد حسن بن غَالب وَأرْسل مَوْلَانَا السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله ابْنه بَرَكَات بن مُحَمَّد وَأرْسل الشريف سعيد مَوْلَانَا السَّيِّد حَمْزَة بن مُوسَى بن سُلَيْمَان فِي جمَاعَة من الخيالة والدَّبابة مَعَهم الْقَائِد حَاكم الْبِلَاد أَحْمد بن جَوْهَر ثمَّ دخلت سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وصل فِي خَامِس شهر رَمَضَان مِنْهَا إِلَى مَكَّة هَدِيَّة من ملكة آش بلد بأقصى الْهِنْد وَتلك مُقَابل هَدِيَّة كَانَ أهداها إِلَيْهَا مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات مِنْهَا ثَلَاثَة قناطير ذهب مصطنع يصفى على النّصْف خَالِصا وَثَلَاثَة غلايين ذَهَبا وَثَلَاثَة أَرْطَال كافور وجانب عَظِيم من الفرنقل والجاوي وآواق زباد آشى وللكعبة الشَّرِيفَة بِخَمْسَة قناديل ومبخرتين وشمعدانين وللمدينة كَذَلِك قناديل ومباخر وشماعدين فنازع السَّادة الْأَشْرَاف الشريف سعيد طَالِبين الثَّلَاثَة الأرباع مِنْهَا فَامْتنعَ من ذَلِك فَقَامَتْ النُّفُوس بَينهم وَبَينه ثمَّ وَقع الصُّلْح على

стр. 2172

إعطائهم النّصْف مِنْهَا فَأَخَذُوهُ وَفِي سادس عشري ذِي الْقعدَة مِنْهَا فتح الْبَيْت الشريف وَجَاء مَوْلَانَا الشريف سعيد ومولانا السَّيِّد مُحَمَّد بن حمود ونائب الْحرم وعلقوا الْخَمْسَة الْقَنَادِيل بِالْكَعْبَةِ الشَّرِيفَة وفيهَا يَوْم الْأَحَد رَابِع عشر ذِي الْقعدَة الْحَرَام مِنْهَا انْتقل بالوفاة إِلَى رَحمَه الله تَعَالَى مَوْلَانَا السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله رَحمَه الله تَعَالَى رَحْمَة وَاسِعَة وَفِي شهر ذِي الْحجَّة مِنْهَا لم يخرج السَّادة الْأَشْرَاف جَمِيعهم مَعَ الشريف سعيد إِلَى العرضة فَبعد أَن حج النَّاس ونزلوا عقد الشريف سعيد محضراً فِيهِ أَمِير الشَّامي صَالح باشا وَأحمد باشا صَاحب جدة وأمير الْحَاج المصرى ذوالفقار بك وَأمين الصرة والسرادير وأكابر الْحَج وأغواته وشكا من الشريف أَحْمد بن غَالب كِتَابَة الْعَسْكَر وَأَنه مناكد لي فِي الْبِلَاد وَأَنه أفسد عَليّ الْأَشْرَاف وَأَنه حصل مِنْهُ وَمن جماعته الْفساد فِي الْبِلَاد وَأَرْسلُوا السَّيِّد غَالب بن زامل إِلَيْهِ ليحضر فَيظْهر مِمَّن الْخلاف فَامْتنعَ من الْحُضُور فِي بَيت الشريف وَقَالَ إِن كَانَ الْقَصْد الِاجْتِمَاع فَفِي الْمَسْجِد وَإِن كَانَ لكم دَعْوَى فأوكل وَكيلا يسمع مَا تدَّعون بِهِ عَليّ ثمَّ أرْسلُوا إِلَيْهِ عَن كِتَابَة الْعَسْكَر وَمَا بعده فَأجَاب بِمَا أجَاب أَولا أَن هَذِه قَوَاعِد بَيْننَا قد سلفت أَن صَاحب الرّبع لَهُ أَن يكْتب عسكراً وَأما قَوْلكُم إِنَّه قد حصل من جماعتي أَو عسكري مفْسدَة فأطلقوا منادياً فِي الْبِلَاد معاشر النَّاس كَافَّة هَل أحد يشكو مني أَو من جماعتي أَو عسكري شَيْئا أَو أخذُوا حق أحد ظلما أَو ضربوا أحدا فَإِن وجدْتُم مشتكياً صَحَّ مَا قلتموه وَإِلَّا فَلَا وَجه لكم وَأما تركي العرضة فَكَانَ خوفًا أَن يَقع شئ فينسب ذَلِك إليَّ أَو إِلَى جماعتي كل هَذَا والأشراف جَمِيعهم اجْتَمعُوا على قلب رجل وَاحِد وَلم تزل خيولهم مسرجة ودروعهم عيابها غير مشرجة بل قد لبسوها وملئوا الأجياد إِلَى العقد وتحركت الأنفة الهاشمية الَّتِي تأبى الضيم والضهد وَبَلغنِي عَن الثِّقَة أَن صَالح باشا أَمِير الْحَاج الشَّامي كَانَ من جملَة كَلَامه إِلَى الشريف أَحْمد متع الله بحياته إِن لم تصطلحوا طَوْعًا أصلحناكم بِالسَّيْفِ فَأرْسل لَهُ

стр. 2173

فِي الْجَواب السَّيْف لنا يَا بني هَاشم مَا هُوَ لفلاليح الشَّام وَلَكِن إِذا نمت فأحكم تزرير مضربك عَلَيْك وَلما أَن سمع الْأُمَرَاء والأكابر جَوَاب الشريف أَحْمد بالْكلَام الأول وَعَلمُوا أَنه لَا وَجه عَلَيْهِ وَلَا خلاف ينْسب إِلَيْهِ سعوا فِي الصُّلْح بَينه وَبَين الشريف سعيد على أَن يكفل كل مِنْهُمَا جمَاعَة من الْأَشْرَاف وَلَا يتَعَدَّى أحد على صَاحبه وكتبت بَينهمَا حجَّة شَرْعِيَّة وطلبوا من الشريف أَحْمد متع الله بحياته أَن يَأْتِي إِلَى الشريف سعيد فوصل إِلَيْهِ لَيْلَة فِي شهر الْحَج قبل خُرُوج الْحَاج الشَّامي ثمَّ بعْدهَا وصل إِلَيْهِ الشريف سعيد لَيْلَة أُخْرَى وَتمّ الصُّلْح وَللَّه الْحَمد وَأما صَالح باشا فَفِي يَوْم الِاجْتِمَاع الْمَذْكُور وصل فِي نَحْو مائَة من عسكره إِلَى بَيت مَوْلَانَا الشريف أَحْمد متع الله بحياته وَقبل يَده وَاعْتذر مِمَّا تكلم بِهِ فَقبله وقابله بِوَجْهِهِ الطلق الصبيح ولاطفه بِلَفْظِهِ العذب الفصيح وَرفع عَنهُ الملام وأكرمه كَمَا هُوَ طبعه الشريف غَايَة الْإِكْرَام وفيهَا أَعنِي سنة أَربع وَتِسْعين وَألف أَمر مَوْلَانَا الشريف سعيد بالنداء فِي الْبِلَاد ثامن عشر ذِي الْحجَّة الْحَرَام أَن لَا يُقيم أحد من الغرباء بالبلاد من جَمِيع الْأَجْنَاس على حسب مَا ورد بِهِ الْأَمر السلطاني ثمَّ إِن أَرْبَاب الْأَمْوَال من الأتراك وَغَيرهم تكلمُوا مَعَ سرادير الْعَسْكَر وَجعلُوا لَهُم مصلحَة فَاجْتمعُوا وعزموا إِلَى أَحْمد باشا صَاحب جدة وَذكروا لَهُ أَن هَؤُلَاءِ التُّجَّار المصارية أَمْوَالنَا مَعَهم وَأَنَّهُمْ نافعون لنا فِي الْبِلَاد وحسنوا لَهُ التَّكَلُّم مَعَ الشريف سعيد فَأرْسل إِلَى الشريف سعيد فَتكلم مَعَه فِي إبقائهم فساجل على ذَلِك وَأطلق مناديه سَابِع عشري ذِي الْحجَّة الْمَذْكُورَة أَن من كَانَت لَهُ مُدَّة طَوِيلَة يُقيم وَلَا خلاف عَلَيْهِ فَمَا أسْرع انْتِقَاض الحكم بضده بعد تِسْعَة أَيَّام وَفِي ثَانِي عشر شعْبَان مِنْهَا كَانَت وَفَاة وَالِدَة مَوْلَانَا السُّلْطَان الْغَازِي الْمُجَاهِد السُّلْطَان مُحَمَّد خَان كَانَت صَاحِبَة خيرات وصلات تغمدها الله بأتم الرحمات وَفِي عَاشر ذِي الْقعدَة كَانَت وَفَاة شَيخنَا الشَّيْخ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان المغربي الْمَالِكِي السُّوسِي المفتن فِي جَمِيع الْعُلُوم الْمَشْهُور عِنْد الْعَرَب وَالروم توفّي بِدِمَشْق الشَّام مولده سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف قَرَأَ على كبار الْمَشَايِخ بِبَلَدِهِ من

стр. 2174

أَجلهم قَاضِي الْقُضَاة مفتي مراكش ومحققها سيدى عِيسَى السجسْتانِي والعلامة مُحَمَّد بن سعيد المراكشي وَمُحَمّد بن بكر الدلائي وَالشَّيْخ سعيد بن إبراهم الْمَشْهُور بقَدُّورَة مفتي الجزائر سِتِّينَ سنة وتلقن مِنْهُ الذّكر وَلبس الْخِرْقَة ولازم الشَّيْخ مُحَمَّد بن نَاصِر الزرعي أَرْبَعَة أَعْوَام فِي التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه والتصوف وَغَيرهَا وَصَحبه وَتخرج بِهِ ثمَّ رَحل إِلَى الشرق وَدخل مصر فَأخذ بهَا عَن الْعَلامَة الشَّيْخ عَليّ الأَجْهُورِيّ والشهاب الخفاجي وَالشَّيْخ شهَاب الدّين بن سَلامَة القليوبي والعلامة سُلْطَان المراحي وأجازوه وبرع فِي الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان وَالْعرُوض والحساب والفلك والهيئة وَالْحكمَة وَأخذ عَنهُ جمَاعَة كَثِيرُونَ عدَّة فنون وَألف كتبا مفيدة مِنْهَا مُخْتَصر جَامع الْأُصُول لِابْنِ الْأَثِير وَاخْتصرَ التَّلْخِيص وَشَرحه وَوضع حَاشِيَة على التسهيل وحاشية على التَّوْضِيح ومنظومة فِي علم الْمِيقَات وَشَرحهَا وَله جدول جمع فِيهِ مسَائِل الْعرُوض كلهَا واخترع كرة عَظِيمَة فاقت على الكرة الْقَدِيمَة والإصطرلاب وانتشرت فِي الْهِنْد واليمن والحجاز أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ سِنِين عزباً فِي خلْوَة بقايتباي ثمَّ جَاءَ إِلَى مَكَّة وجاور بهَا ثمَّ رَحل إِلَى الرّوم فِي موسم سنة ثَمَانِينَ صُحْبَة أخي الْوَزير الْأَعْظَم أَحْمد باشا الكبرلي وحظي عِنْده حظوة عَظِيمَة وفوض إِلَيْهِ أَمر أوقاف مَكَّة وَغَيرهَا وعمَّر الأربطة الدامرة والمآثر الداثرة وَأَنْشَأَ تربة بالمعلاة وَجعلهَا جداراً أوتاراً متقاطعة فِي نصف قامة على شكل شطرنجي وعدتها ثَلَاثَة آلَاف وَسَبْعمائة قبر بلغت النَّفَقَة عَلَيْهَا من مَال الْوَزير الْمَذْكُور أَرْبَعَة آلَاف أَحْمَر وَمِائَة أَحْمَر كَانَ ابْتِدَاؤُهَا سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف وسعى فِي عزل مَوْلَانَا الشريف سعد وَولى الشريف بَرَكَات بنظره وإشارته وَصَارَ فِي مَكَّة صَاحب الْحل وَالْعقد وأنيطت أمورها جَمِيعهَا إِلَيْهِ ويتردد الشريف بَرَكَات إِلَى بَيته كل يَوْم وَرُبمَا جَاءَ مرَّتَيْنِ فِي الْيَوْم الْوَاحِد وأكابر الْحَاج وأمراؤه يأْتونَ إِلَيْهِ فَمن قبل عَلَيْهِ أذن لَهُ وَمن لَا فَلَا وَلَا يقطع الشريف بَرَكَات أمرا قل أَو جلّ إِلَّا بنظره وَرُبمَا فعل أمرا بِغَيْر نظره فَإِذا علم بِهِ نقضه من يَوْمه إِلَى أَن مَاتَ الْوَزير الْمَذْكُور فضعف أمره وَورد الْأَمر من الْوَزير الآخر مصطفى باشا أَولا

стр. 2175

بالتحذير وَالنَّهْي عَن مُشَاركَة الدولة فِي أمورها من قَلِيل أَو كثير والتنفير عَن المكارشة فِيمَا يتَعَلَّق بهَا من جليل وحقير وَذَلِكَ سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف فأغلق ذَلِك الْبَاب وَصَارَ لَا ينفذ شَيْئا إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب ثمَّ فِي جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة عزم إِلَى بَلْدَة الطَّائِف وصاف بهَا ثمَّ ارتحل مِنْهَا أَوَاخِر شعْبَان فَسقط عَلَى وَادي مر ثمَّ توجه مِنْهُ إِلَى الْمَدِينَة المنورة الشَّرِيفَة فَدَخلَهَا ثَانِي يَوْم من رَمَضَان فَأَقَامَ بهَا نَحْو أَربع سِنِين وابتنى فِي أثْنَاء تِلْكَ الْمدَّة دَارا بلصق جِدَار الْمَسْجِد النَّبَوِيّ الشمالي فَلَمَّا كَانَت سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَألف رَحل مِنْهَا فِي النّصْف من شهر شعْبَان عَائِدًا إِلَى مَكَّة فَدَخلَهَا ثامن عشريه فاستمر بهَا إِلَى أَن ورد الْأَمر ثَانِيًا سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف بتخريجه من الْحَرَمَيْنِ فَخرج إِلَى مَكَّة صُحْبَة الْحَاج الشَّامي موسم سنة ثَلَاث وَتِسْعين كَمَا تقدم ذكر طرف من ذَلِك وَأخذ فِي سَفَره الأول إِلَى الرّوم عَن الشَّيْخ خير الدّين بن مُحَمَّد الرَّمْلِيّ الْحَنَفِيّ وبدمشق عَن الشَّيْخ مُحَمَّد بن بدر الدّين البلباني الْحَنْبَلِيّ وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن كَمَال الدّين نقيب الْأَشْرَاف وَله فهرست بِجَمِيعِ مروياته وأشياخه سَمَّاهَا صلَة الْخلف بموصول السّلف وَوصل فِي سفرته الثَّانِيَة إِلَى دمشق الشَّام فَأَقَامَ بهَا حَتَّى كَانَت وَفَاته فِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة أَربع وَتِسْعين وَألف ﵀ وَتجَاوز عَنهُ انْتهى ثمَّ دخلت سنة خمس وَتِسْعين فِيهَا يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشر محرم الْحَرَام لما أَرَادَ أَحْمد باشا النُّزُول إِلَى جدة حشكت عَلَيْهِ السَّادة الْأَشْرَاف بِسَبَب أَنه استولى على الرّبع من حب الجراية الَّتِي ترد إِلَى مَكَّة بعد أَن كَلمُوهُ فِي ذَلِك فَامْتنعَ فَسَكَتُوا عَنهُ إِلَى يَوْم نُزُوله جدة وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة الْمَذْكُور فتحزبوا جَمِيعًا وَقَالُوا لَا ينزل حَتَّى يُعْطِينَا مَا هُوَ لنا وَلَا يبْقى عِنْده شئ وَكَانَ ذَلِك بعد أَن تقدمه أَهله وَثقله إِلَى جدة فَصَارَ أحير من ضَب واجتمعوا بِبَيْت السَّيِّد مُحَمَّد بن حمود وَأَرْسلُوا إِلَيْهِ السَّيِّد ثقبة فَقَالَ لَهُ إِن نزلت قبل أَن تصلح الْأَشْرَاف يَأْخُذُوا جَمِيع أسبابك الَّتِي تقدّمت وينهبوا حريمك ويقتلوك فأذعن حِينَئِذٍ بوفائهم فَقَالُوا لَا نرضى بذلك حَتَّى تكفل لنا فكفل لَهُم كرد أَحْمد المعمار وَجَمِيع السرادير والوزير عُثْمَان بن زين العابدين حميدان وَكَتَبُوا بذلك حجَّة شَرْعِيَّة وَأَنه إِن حصل مِنْهُ منع لبَعض

стр. 2176

حُقُوقهم فَيكون عاصي الشَّرْع وَالسُّلْطَان ثمَّ خرج من مَكَّة بعد عصر ذَلِك الْيَوْم كالهارب // (من الْبَسِيط) // (أَلْجَدُّ فِي الجِدِّ والحرمانُ فِي الكَسَلِ ... ) وفيهَا تَاسِع ربيع الأول ورد أغا من صَاحب مصر بقفطان للشريف سعيد وبطلب كرد أَحْمد المعمار وَهَذَا كرد أَحْمد كَانَ قد وصل قبل هَذِه السّنة أرْسلهُ الْوَزير الْأَعْظَم مصطفى باشا إِلَى عمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام وَحده وَكَانَت عِمَارَته فِي الْمَسْجِد فرش أروقته بِالْحجرِ الشبيكي وعمارته بجدة إِجْرَاء عين إِلَيْهَا اسْتمرّ فِيهَا نَحْو ثَلَاث سنوات ابتدأها من الْمحل الْمَعْرُوف بالقوز وَعمر بهَا أَيْضا مَسْجِدا ومنارةً وحماماً ووكالةً وَسبب طلبه لما غضب على مرسله الْوَزير الْأَعْظَم مصطفى الْمَذْكُور بِسَبَب الولس الَّذِي نسب إِلَيْهِ مَعَ الْكفَّار على الْمُسلمين وَكَانَ هَذَا كرد أَحْمد من خَواص الْوَزير الْمَذْكُور فجَاء الْأَمر لمولانا الشريف سعيد ففى يَوْم وصل الأغا ختم على بَيت كرد أَحْمد الذى بِمَكَّة وَركب الأغا من يَوْمه إِلَى جدة وَختم على بَيته بهَا وعَلى جَمِيع المَال وأحضروا المهندسين فخمنوا الْعِمَارَة فخمنوا كل ذِرَاع بقرش ريال بعد أَن ذرعوا من الِابْتِدَاء إِلَى الْبَلَد فَبلغ كَذَا وَكَذَا ألف ذِرَاع وَكَذَلِكَ خمنوا مَا صرف على فرش الْمَسْجِد وَحَسبُوا جَمِيع ذَلِك وَكَتَبُوا بِهِ حجَّة شَرْعِيَّة وَخرج من مَكَّة إِلَى جدة فِي شهر ربيع الآخر فَذهب بحرا إِلَى من طلبه وَمِمَّا وَقع فِي هَذِه السّنة من الْعَجَائِب أَن حُرْمَة من جِهَة الشبيكه من نسَاء الْعَرَب وضعت كَلْبا فخافوا الفضيحة فَقَتَلُوهُ ودفنوه وفيهَا أَيْضا جَاءَ نجاب من مصر وَأَخْبرنِي مشافهة أَن بالمويلح الْقرْيَة الْمَعْرُوفَة حُرْمَة ولدت ولدا فَذهب أَبوهُ إِلَى جِهَة السُّوق فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ الْوَلَد الْمَوْلُود لوالده العوافي يَا باه قضيت حَاجَتك وَتكلم بأَشْيَاء كَثِيرَة من سَاعَته وَهَذَا من الْعَجَائِب الَّتِي لم يسمع بِمِثْلِهَا إِلَّا نَادرا وَالْقُدْرَة صَالِحَة وَبعد ذَلِك فقد الْوَلَد فسبحان الْقَادِر على كل شئ وفيهَا تضرر السَّادة من غلو سعر الذَّهَب ووصول الْأَحْمَر إِلَى ثَمَانِيَة حُرُوف

стр. 2177

وَربع وبسببه غلت الأسعار فطلبوا من الشريف أَن يُنَادى بنزول سعره إِلَى أَرْبَعَة حُرُوف لتنزل أسعار المسعرات إِلَى النّصْف من كل شئ فأجابهم إِلَى ذَلِك فتعب من ذَلِك صَاحب جدة أَحْمد باشا وعساكر مصر حِين أرسل لَهُم الشريف بِمثل ذَلِك وَامْتنع من النداء عَلَيْهِ إِلَّا بسبعة حُرُوف وَكَانَ ذَلِك عشري جُمَادَى الأولى ثمَّ إِن عَسْكَر مصر شكوا إِلَى الشريف سعيد أَن هَذَا ضَرُورَة علينا فنسأل الْفضل أَن تجعلوه بِسِتَّة حُرُوف وَنصف لَا علينا وَلَا على السَّادة الْأَشْرَاف خلاف فَأمر الشريف سعيد بالنداء بذلك والفسح بِهِ فَلَمَّا سمعُوا السَّادة الْأَشْرَاف بموافقة الشريف سعيد للأتراك فِيمَا طلبوه تعبوا واجتمعوا فِي بَيت السَّيِّد مبارك الْحَارِث لِأَنَّهُ هُوَ أول من تكلم فِي ذَلِك الشَّأْن ثمَّ ركبُوا إِلَى السَّيِّد غَالب بن زامل وَكَانَ بِالْأَبْطح وَأَخْبرُوهُ بمخالفة الشريف هواهم واتباعه هوى الأتراك فَأتى مَوْلَانَا السَّيِّد غَالب ومولانا السَّيِّد مُحَمَّد بن حمود ومولانا السَّيِّد أَحْمد بن سعيد بن شنبر فَقَالُوا للسَّيِّد مبارك وَبَقِيَّة الْأَشْرَاف القائمين فِي هَذَا الْأَمر إِن الْبِلَاد للشريف وَإِن الْأَمر لَهُ فِي الْمُعَامَلَة وَغَيرهَا ولستم شُرَكَاء للشريف فِي الْأَحْكَام بل فِي الْمَدْخُول فحجوهم بذلك وفيهَا فِي شهر ربيع الآخر وجد رجل من أَبنَاء الْمَدِينَة يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن عمار الصعيدي بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيّ بعد أَن فتش الْمَسْجِد وأغلق فَأخْرجهُ الخدام ثمَّ لما كَانَ من أَعمال شئ من اللَّيْل وجدوه أَيْضا تجاه الْقَبْر الشريف يقْرَأ فِي مصحف فأخرجوه من الْمَسْجِد وَلما كَانَ لَيْلَة الْجُمُعَة وَقت التَّذْكِير دخلُوا لإيقاد قناديل الْحُجْرَة الشَّرِيفَة فوجدوه فِيهَا دَاخِلا تَحت السّتْر نصفه وَنصفه الآخر خَارِجا فتقدموا إِلَيْهِ وأخرجوه وَأتوا بِهِ إِلَى شيخ الْحرم وَأَخْبرُوهُ بِمَا وَقع فَوَضعه فِي بعض المخازن وأغلق الْبَاب وعَلى الْبَاب حرس ثمَّ فتحُوا الْبَاب بعد سَاعَة فَلم يجدوه فسألوا عَنهُ فَإِذا هُوَ فِي بَيته عِنْد وَالِده وَأَهله وَالله أعلم بِحَقِيقَة حَاله وفيهَا يَوْم الثُّلَاثَاء سَابِع عشر رَمَضَان مِنْهَا عدا بعض أَوْلَاد الصاغة بِمَكَّة على أَخِيه فَضَربهُ جنبية عمدا فَقتله رَحمَه الله تَعَالَى وَدخل على السَّيِّد حسن بن غَالب فَدخل بِهِ على أَخِيه مَوْلَانَا الشريف أَحْمد متع الله بحياته فبذل لِأَبَوَيْهِ الدِّيَة

стр. 2178

فامتنعا وسمحا عفوا فألزمه بسكنى بندر جدة فَهُوَ فِيهَا وفيهَا لَيْلَة الْخَمِيس سَابِع عشري رَمَضَان مِنْهَا كَانَت وَفَاة الْحرَّة الطاهرة والدرهَ الثمينة الفاخرة السيدة الشَّرِيفَة عمْرَة بنت سُلْطَان الْحَرَمَيْنِ مَوْلَانَا المرحوم الشريف زيد تغمدها الله برحمته وأستكنها فسيح جنته ودفنت صَبِيحَة ذَلِك الْيَوْم وَكَانَت جنازتها حافلة وفيهَا إرْسَال الشريف سعيد ترجماته المهتار على أغا إِلَى صَاحب مصر يذكر فَسَاد مَكَّة وَأَنَّهَا خربَتْ وَأَحْوَالهَا اضْطَرَبَتْ وَطلب مِنْهُ عسكرا لإصلاحها وفيهَا ثَانِي عشر رَمَضَان كَانَت وَفَاة الْأَمِير الخطير وَالسري الْكَبِير الَّذِي حوى من الْفضل أجمعه وَمن اللَّفْظ أعذبه وأبرعه الْأَمِير الْجَلِيل ذِي الْقدر النَّبِيل وَالْمجد الأثيل وَالْأَصْل الْأَصِيل الْأَمِير يحيى بك ابْن المرحوم على باشا الأحسائى ثمَّ الْمدنِي الْحَنَفِيّ بِطيبَة المنورة مولده سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف بِمَدِينَة الإحساء وَبهَا نَشأ فِي حجر وَالِده وتأدب بأكابر عُلَمَاء بَلَده وَأخذ عَن الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن حسن الأحسائي الْفِقْه والْحَدِيث وعلوم الْعَرَبيَّة وَأَجَازَهُ بمروياته وَجَمِيع مؤلفاته وتلقن الذّكر وَلبس الْخِرْقَة وصافح من طَرِيق المعمرين الشَّيْخ تَاج الدّين النقشبندي الْهِنْدِيّ عَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الشهير بحاجي رمزي قَالَ فصافحني أَبُو سعيد الحبشي قَالَ فصافحني النبى وَله شعر مِنْهُ قَوْله يمدح النبى // (من الْكَامِل) // (أتريدُ جاراً حامياً لكَ سيدَا ... ومقامَ عِزِّ عَالِيا متفرّدَا) (وترود شرقًا للبلاد وغربَهَا ... متفكراً متحيراً متردِّدَا) (وترومُ ذَا والحالُ مِنْك مقصِّرٌ ... عَمَّا طرا والفعْلُ لَيْسَ مسدَّدا) (فعليكَ أَن تردَ النجاةَ وتَتَّقى ... خوفَ الْعقَاب تِلَاوَة والمسْجِدا) (وانزلْ بدارِ الْمُصْطَفى متأدِّبًا ... ولجودِهِ مستمطراً متقصِّدَا) (واعرفْ لفيضِ الفضلِ مِنْهُ مواسماً ... لتكُنْ لَهَا مترقباً مترصِّدَا) (فلعلَّ أَن يحيى كَمَا أحيى بِهِ ... للدِّينِ رسماً قد عَفا وتهدَّدَا) (فاجهَدْ تكُنْ جاراً لَهُ ودخيلَهُ ... وابذلْ لَهُ روحاً ومالاً مجهدا)

стр. 2179

(أفما سمعْتَ لقائلٍ ذِي فطنةٍ ... تسمو بساكِنِهَا فكُنْ مسترشِدَا) (واطلب بغالِى النفسِ منْكَ جوارَهُ ... واتركْ لِسَوْفَ وَلَا تقُلْ مهلا غَدَا) (بلْ قُمْ وسارعْ للمدينةِ رَاغِبًا ... ولمنْ بهَا مستشفعاً متعبدَا) (فَهُوَ الَّذِي يحمي ويغني جَاره ... وَعَلِيهِ قد أوصى وحَثّ وأكَّدَا) (فلقَدْ نصحتُكَ إِن قبلْتَ نصيحَتِى ... وَلما نصحْتُ فعلته متودِّدا) (وجنحْتُ مشتاقاً لطَيْبَةَ قَاصِدا ... غَوْثَ الورَى بَحْرَ الحقائقِ أحمدَا) (بدْرُ الهدَى بالحقِّ أُرْسِلَ رَحْمَة ... للعالمينَ وبالملائكِ أُيِّدَا) (أوَ لَيْسَ قومِي عالمينَ بأنني ... جاوَرْتُ خَيْرَ المرسلينَ محمَّدَا) (وحَلَلْتُ ساحةَ جودِهِ متمسكاً ... بالعروةِ الوثقَى فَلَا أخْشَى الرَّدَى) (حاشاكَ أَن أخشَى وأنْتَ وسيلتي ... وذَخِيرتى حَقًا وأنْتَ المقتدَى) (فعلَيكَ خَيْرَ الخلقِ إِنِّي داخلٌ ... وببابِكَ الأعلَى أقمْتُ مقيَّدَا) (فعسَى بجاهِكَ أَن يمنَّ بعفوها ... ربُّ كريمٌ بالنوالِ تفرَّدَا) (ويجودَ بالغفرانِ مِنْهُ تفضلاً ... وأنالَ عِزَّا من مديحِكَ سَرْمَدَا) (قد قَالَهَا من كَامِل فِي كاملٍ ... يحيا لكَىْ يحيى سعيداً مسعدَا) (دنيا وأخرَى إِذْ لجا لجنابِكُمْ ... أيخيبُ مَنْ أمَّ الجنابَ المُفْرَدَا) (حاشا وحاشا ثُمَّ حاشا أَن يُرَى ... متألما من جَاءكُمْ متعمِّدَا) (وصلاةُ ربِّى دَائِما وسلامُهُ ... تغشَى ربوعَ الْمُصْطَفى والمرقدا) (والآلَ والصحْبَ الكرامَ جميعَهُمْ ... والتابعينَ لَهُم ومَنْ قد وَحَّدَا) (مَا لاحَ نجمٌ فِي السماءِ وَمَا أضا ... نجمٌ وَمَا أشجَى هزارٌ غَرَّدَا) وَقَوله مضمناً // (من الْبَسِيط) // (ظلمتُ نَفْسِى وَلم أعمَلْ بموجبها ... وَمَا علمْتُ بأنَّ الغىَّ يُتْلفنِى) (يأتِى على المرءِ فِي أيامِ محنتِهِ ... حتَّى يرى حسنا مَا ليْسَ بالحسَنِ) كَانَ وَالِده المرحوم على باشا والياً على الأحساء والأمير يحيى هَذَا على القطيف بأَمْره فَأرْسل وَالِده الْمَذْكُور أكبر أَوْلَاده مُحَمَّدًا بهدية إِلَى سُلْطَان الرّوم على جاري الْعَادة فزور كتابا من وَالِده مضمونه أَنه قد كبر فِي السن وَالْتمس من السُّلْطَان أَن يُقيم وَلَده مُحَمَّدًا فِي الْولَايَة على الأحساء مَكَانَهُ بمرسوم سلطاني

стр. 2180

فَأُجِيب إِلَى ذَلِك وَلما وصل مُحَمَّد إِلَى الأحساء أرشى أكَابِر العساكر وأعلمهم بِالْأَمر وتلقاه وَالِده وَإِخْوَته فَلَمَّا اجْتَمعُوا أخرج المرسوم السلطاني وَتَوَلَّى بِمُوجبِه وَأَرَادَ حبس وَالِده وَإِخْوَته فطلبوا مِنْهُ أَن يجهزهم إِلَى الْحَرَمَيْنِ ويعين لَهُم مصرفاً فَجَاءُوا إِلَى الْمَدِينَة وجاوروا بهَا وَتُوفِّي والدهم على باشا بهَا سنة سِتّ وَخمسين ثمَّ فِي موسم خمس وَسبعين توفّي ابْنه أَبُو بكر باشا ابْن على باشا بِعَرَفَة يَوْم عَرَفَة فَحمل فِي محفة إِلَى مَكَّة فَدفن بهَا فِي المعلاة وَكَانَ ذَا شهامة وصرامة سلالة بَيت عز وكرامة ذَا كرم يفوق الْبَحْر بِالْمدِّ وبأس يقصر عَنهُ حد السنان وَالْحَد إِلَى أدب بذ فِيهِ فحول الأدباء وفَاق وممادح قيلت فِيهِ فنفق سوقها لَدَيْهِ أحسن نفاق إِلَى لطف أَخْلَاق تُعير النسيم لطافة وتوصل قاصده وتؤمنه مأموله ومخافه إِلَى قريحة وقادة وذكاء ملك بِهِ زِمَام الْأَدَب وقاده لَهُ الشّعْر الرصين الْمَبْنِيّ البطين الْمَعْنى مِنْهُ مَا كتب بِهِ إِلَى مَوْلَانَا وَشَيخنَا الْعَلامَة أبي مهْدي عِيسَى بن مُحَمَّد الثعالبي الْجَعْفَرِي وَنَصه // (من الْكَامِل) // (يَا مَنْ سما فوْقَ السِّمَاكِ مقامُهُ ... ولقدْ يَرَاكَ الكلُّ أنْتَ إمامُهُ) (حزتَ الفضائلَ والكَمَالَ بأسْرِها ... وعلوْتَ قدرا فيكَ تَمَّ نظامُهُ) (لَو قيلَ مَنْ حازَ العلومَ جميعَهَا ... لأَقُولُ أنْتَ المِسْكُ فيكَ ختامُهُ) (كم صنْتَ من بِكْرِ العلومِ خرائداً ... عَن غيرِ كُفْءٍ لم يجب إكرامُهُ) (فاعلَمْ بإني غَيْر كُفْءٍ لَائِق ... إنْ لم يكنْ ذَا الفضْلُ مِنْك تمامُهُ) ثمَّ أتبعه بنثر صورته لما أَضَاء نور الْمحبَّة فِي قنديل الْقُلُوب صفت مرْآة الْحَقِيقَة فَظهر الْمَطْلُوب فاتضحت الرسوم الطامسة وَبَانَتْ الطّرق الدارسة فاكتحلت عين القريحة فسالت فِي أنهر النُّطْق فأثمرت بالمسطور وَهُوَ الْمَقْدُور وَأما الْمقَام فَهُوَ أنهى من ذَلِك وَأجل وَلَيْسَ يدْرك ذَلِك إِلَّا من وصل وَأما العَبْد فَهُوَ مقرّ أَنه قد قصرت بِهِ الركائب عَن بُلُوغ ذَلِك وعاقته عقبات الْأَسْبَاب عَن سلوك هَذِه المسالك لَكِن حَيْثُ أَن ثِيَاب السّتْر من فَضلكُمْ على أَمْثَاله مسبولة يُمكن أَن

стр. 2181

يدْخل فِي ضمن الْأَمْثَال مَطْلُوبه وَالسَّلَام فَأَجَابَهُ مَوْلَانَا الشمار إِلَيْهِ بقوله // (من الْكَامِل) // (لله درُّكَ يَا فريدَ محامِدٍ ... أربَى على البدرِ التمامِ تمامُهُ) (قد صغْتَ من سرِّ البراعةِ مُفردا ... فاقَ الفرائدَ نثرُهُ ونظامُهُ) (وكسوتَهُ مِنْ جزلِ لفظِكَ سابغاً ... وَشِيَتْ بكلِّ لطيفةٍ أكمامُهُ) (أعربْتَ فِيهِ عنِ اعتقادٍ خالصٍ ... ومكينِ ودِّ أحكمَتْ أحكامُهُ) (وجلوتَهُ يختالُ تيهاً آمنا ... مِنْ أنْ يشابه فِي الوجودِ قوامُهُ) (وحبوْتَ ذَا شكْرٍ ببيتِ قصيدةٍ ... وبفضِّ خَاتمه الْعلي اسرامه) (أَهلا بِهِ فَردا أَتَى من مفردٍ ... وحبا بِهِ ضيفاً يجلُّ مقامُهُ) (حتما علىَّ ولازماً تبجيلُهُ ... فَوْرًا وحقَّا وَاجِبا إكرامُهُ) (لكنْ علِى قدري فلَسْتُ بكُفْءِ مَنْ ... وطئَتْ على هامِ الْعلَا أقدامُهُ) (وإليكَهَا عذرا عَلَى مَهَلٍ أتتْ ... خجلاً لمحتدِكَ العزيزِ مَرَامُهُ) (فاصفَحْ بفضلكَ عَن صحيفةِ وُدِّها ... فالفضْلُ مؤتمٌّ وأنتَ إمامُهُ) (واسحَبْ رداءَ المجدِ غيرَ مدافَعٍ ... فلأنْتَ عنصرُهُ وأنتَ خِتامُهُ) وَله ديوَان شعر مجلدان حاوٍ مَا يفوق الدّرّ والجمان رَحمَه الله تَعَالَى رَحْمَة وَاسِعَة وفيهَا أَعنِي سنة خمس وَتِسْعين اشْتَدَّ الْبلَاء بالسرق لَيْلًا وَنَهَارًا سرّاً بل وجهاراً وَكسرت الْبيُوت والدكاكين وَترك النَّاس صَلَاة الْعشَاء فِي الْمَسْجِد وَالْفَجْر خوف الْقَتْل أَو الطعْن أَو الْكسر وَصَارَت العبيد لَا يأْتونَ إِلَّا ثَمَانِيَة وَعشرَة وَلَا يُبَالِي أحد مِنْهُم بِمن ننصره يدْخلُونَ بَيت الرجل يقفون على رَأسه بِالسِّلَاحِ وَرُبمَا نكح بَعضهم زَوجته وعينه تنظر كَأَنَّهَا حَلَاله الْمُبَاح وانقلب ليل النَّاس نَهَارا لأَنهم إِنَّمَا يبيتُونَ سهارى بل من الْخَوْف سكارى وَكَثُرت الْقَتْلَى فِي الرّعية بأيدي العبيد وَعدم المشتكي النَّاصِر وَفعل كل شقي مَا يُرِيد وَلَا يُجَاب الصائح حِين يَصِيح وَإِن اتّفق أَنه صَاح فَلَا يُوجد فِي مرقده إِلَّا وَهُوَ ذبيح حَتَّى ضُبطت الْقَتْلَى بِمَكَّة فِي شهر رَمَضَان فَكَانَت تِسْعَة أشخاص فضجت

стр. 2182

الْأمة إِلَى الله تَعَالَى أَن ينقذهم من هَذَا الْحَال الوبيل والداء العضيل بِمن يهنأ نقبها ويشد سلبها وَيصْلح اعوجاجها ويؤمن طرقها وفجاجها فَاسْتَجَاب الله دعاءهم فِي الأسحار وآناء اللَّيْل وأطراف النَّهَار بِأَن ولى أمرهَا المرحوم الشريف أَحْمد ابْن مَوْلَانَا المرحوم الشريف زيد تغشاه الله بِالرَّحْمَةِ والرضوان وَشرح مبدأ ذَلِك وتفصيل مَا هُنَالك أَنه لما انْفَصل عَن إمرة مَكَّة هُوَ وَأَخُوهُ مَوْلَانَا الشريف سعد إِلَى الطَّائِف ثمَّ مِنْهَا إِلَى بيشة فَأَقَامَ بهَا وَتوجه مَوْلَانَا الشريف أَحْمد إِلَى ديرة بني حُسَيْن فَإِن لَهُ بهَا أَهلا وَولدا وَاسْتمرّ مُقيما بِتِلْكَ الديرة إِلَى أول ذِي الْقعدَة الْحَرَام فَرَحل مِنْهَا قَاصِدا الْمَدِينَة لزيارة جده ﵊ فَدَخلَهَا لَيْلَة سَابِع الْعشْرين مِنْهَا لَيْلَة دُخُول الْحَاج الشَّامي وواجه بهَا فِي ذَلِك الْعَام باشا الشَّام فقابله بأتم الإجلال وَالْإِكْرَام وَالْتمس مِنْهُ إتْمَام بعض مرام من شرِيف مَكَّة بَرَكَات ثمَّ رَحل من الْمَدِينَة الشَّرِيفَة ثَانِي شهر ذِي الْحجَّة من الْعَام الْمَذْكُور وَنزل على الشَّيْخ حَرْب أَحْمد بن رَحْمَة وَاسْتمرّ عِنْده إِلَى عودة الْحَاج الشَّامي فواجهه الباشا وَأخْبرهُ بِعَدَمِ تَمام ذَلِك المرام بعد أَن أرسل لَهُ الْخَبَر من مَكَّة بالإعلام ثمَّ توجه فِي أول عَام أَرْبَعَة وَثَمَانِينَ إِلَى الْفَرْع وَاسْتمرّ بهَا مُدَّة يسيرَة ثمَّ لما خرج الشريف بَرَكَات إِلَى حرابة حَرْب فِي أواسط السّنة الْمَذْكُورَة عَاد إِلَى حَرْب وَحضر الْحِرَابَة ثمَّ بعد انْقِضَائِهَا توجه أَيْضا إِلَى الْفَرْع ثمَّ وصل إِلَيْهِ أَخُوهُ مَوْلَانَا الشريف سعد وَاسْتمرّ بَين السوارقية وَالْفرع وَأكْثر الْإِقَامَة بالفرع وَلما توعد الشريف بَرَكَات أهل الْفَرْع أَوَائِل سنة خمس تنحيا إِلَى جِهَة وَادي النقيع من ديرة حَرْب من بني السّفر وَبني عَليّ وعَوْف واستمرا وَمن مَعَهُمَا إِلَى شهر رَمَضَان ثمَّ عَن لَهُم التَّوَجُّه إِلَى الْأَبْوَاب الْعَالِيَة فوصلوا إِلَى حول الْمَدِينَة الشَّرِيفَة ونزلوا بِالْغَابَةِ مُجْتَمع الأسيال غربي أحد أَوَاخِر رَمَضَان فعيدوا بذلك الْمحل وَلَيْسَ فِي نزُول الْأسود بِالْغَابَةِ ملامة وَلَا معابة وتقضوا مصَالح وأغراضا وأزوادا مِنْهَا وَقد أَخْبرنِي الثِّقَة أَنَّهُمَا اجْتمعَا بِالْمحل الْمَعْرُوف ببئر وَاسِط بمولانا السَّيِّد مبارك

стр. 2183

الْحَارِث وَكَانَ هُوَ المشير عَلَيْهِمَا بِقصد الْأَبْوَاب الْعَالِيَة ثمَّ ترحلوا من الغابة خَامِس شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة متوجهين إِلَى الشَّام لَا يَمرونَ بحي من الْأَحْيَاء إِلَّا أكْرمهم غَايَة الْإِكْرَام وَمن أعجب الِاتِّفَاق نزولهم على مراح ابْن سحيم من غير علم مِنْهُم بذلك وَكَانَ الشريف سعد قد قتل أَبَاهُ فَلَمَّا علم بهم وَعَلمُوا بِهِ حصل لَهُم كرب عَظِيم فَلم يشعروا إِلَّا وَولده مواجه لَهُ بالعبودية وَالسَّلَام والإجلال والإعظام وأهدر دم وَالِده وَأكْرمهمْ وَذبح الذَّبَائِح ومنح المنائح وَهَذِه وَلَا شكّ معْجزَة من جدهم وكرامة من سَعَادَة جدهم وَلم يزَالُوا على مثل ذَلِك مَعَ كل من مروا عَلَيْهِ من العربان من جمع ووحدان إِلَى أَن وصلوا الشَّام فَتَلقاهُمْ أهل الشَّام وأمراؤها وعلماؤها وكبراؤها وأشرافها ونقباؤها وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً ثمَّ أَقَامُوا بِالشَّام وَأرْسل صَاحب الْأَمر بهَا يسْتَأْذن لَهُم فِي الْوُصُول فَعَاد الْجَواب بِالْإِذْنِ فتوجهوا ودخلوا إِلَى أدرنة فِي ربيع الأول من سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَحصل لَهُم من الْمُقَابلَة واللطف مَا يقصر عَنهُ الْوَصْف فأقاموا بهَا مُدَّة يسيرَة ثمَّ توجهوا بِأَمْر من الدولة الْعلية إِلَى إِسْلَام بَوْل واستمروا بهَا بَقِيَّة سنتهمْ الْمَذْكُورَة ثمَّ دخلت عَلَيْهِم سنة سبع وَثَمَانِينَ وهم بهَا فَلَمَّا كَانَ شهر صفر من السّنة الْمَذْكُورَة وصل مَوْلَانَا السُّلْطَان وَجَمِيع الدولة من أدرنة إِلَى بِلَاد إِسْلَام بَوْل وَفِي شهر ربيع الثَّانِي أنعم على مَوْلَانَا الشريف سعد بِولَايَة المعرة وَأمر بالتوجه إِلَيْهَا وَاسْتمرّ يتجهز إِلَى أَن كَانَ خُرُوجه إِلَيْهَا حادي عشر جُمَادَى الأولى وَاسْتمرّ مَوْلَانَا الشريف أَحْمد بِإِسْلَام بَوْل وَعرضت عَلَيْهِ ولَايَة طرسوس وَهِي بلد على سَاحل بَحر الشَّام وَأُخْرَى بِجِهَة الروملي فَلم يقبل وَاحِدَة مِنْهُمَا وَكَانَ جَوَابه إِن تفضلتم بِولَايَة بِلَادنَا وَإِلَّا فَنحْن تَحت أعتاب السلطنة الْعلية وَاسْتمرّ السُّلْطَان بِإِسْلَام بَوْل إِلَى أواسط شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ توجه إِلَى أدرنة أَيْضا ثمَّ بعد خُرُوجه فِي ثَانِي أَو ثَالِث مرحلة توفّي الْوَزير أَحْمد باشا بعد أَن خرج مَرِيضا فأعيد إِلَى إِسْلَام بَوْل وَدفن بهَا وَتَوَلَّى مَكَانَهُ قَائِم مقَامه مصطفى باشا واستمروا متوجهين إِلَى أدرنة وَأَقَامُوا بهَا إِلَى آخر السّنة الْمَذْكُورَة وَشهر من

стр. 2184

أول سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ ثمَّ عَادوا إِلَى إِسْلَام بَوْل فِي شهر صفر أَيْضا وَتَأَخر الْوَزير أَيَّامًا ثمَّ وصل واستقرت الدولة بِإِسْلَام بَوْل وَاسْتمرّ مَوْلَانَا الشريف أَحْمد مُقيما بهَا تَحت ظلّ الدولة الْعلية وَفِي كل سنة يَتَجَدَّد لَهُ من الْإِكْرَام والترقيات مَا فَوق المرام وَفِي كل شتاء بثلاثمائة بغل محملة من جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْبَيْت وَزيد سنة وَاحِد وَتِسْعين ثَلَاثمِائَة أُخْرَى وحصلت بَينه وَبَين قزلار أغاسى محبَّة أكيدة وَطلب الِاجْتِمَاع بالوالدة فَاجْتمع بهَا وأغدقت عَلَيْهِ سوابغ الإنعام ووعدته بالمرام وَقد سبق وعدها وعد الْملك العلام وَاسْتمرّ كَذَلِك إِلَى سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف فوصل فِيهَا إِلَى الديار الرومية السَّيِّد مُحَمَّد بن مساعد وَالسَّيِّد بشير بن مبارك مرسولين من السَّيِّد أَحْمد بن غَالب من الشَّام فركبا إِلَيْهِ وقيَّلا عِنْده فَأوحى بعض المفسدين إِلَى الْوَزير الْأَعْظَم وَقَالَ إِن إِقَامَة مَوْلَانَا الشريف أَحْمد بِإِسْلَام بَوْل يخْشَى مِنْهَا فَالْأولى عدم إِقَامَته بهَا فَأحْضرهُ الْوَزير وَألبسهُ قفطانا بِولَايَة كرك كَنِيسَة اسْم محمل بَينه وَبَين أدرنة ثَمَان سَاعَات فلكية وَكَانَ قبل ولَايَته بشهرين أرسل بأَخيه الشريف سعد إِلَى الْبَلَد الْمُسَمَّاة ويزه بِكَسْر الوار وَتَخْفِيف الزَّاي وَهِي قَرْيَة أَيْضا من كرك كَنِيسَة بَينهَا وَبَينهَا ثَمَان سَاعَات أَيْضا وَاسْتمرّ كل مِنْهُمَا بمكانه إِلَى سنة أَربع وَتِسْعين فَتوجه السُّلْطَان إِلَى السّفر فَعِنْدَ حُلُوله بأدرنة فسح لَهُم بالتوجه إِلَى حَيْثُ شَاءُوا من الديار الرومية فَتوجه مَوْلَانَا الشريف سعد إِلَى إِسْلَام بَوْل وَاسْتمرّ الشريف أَحْمد فِي بَلَده الْمَذْكُورَة وَطَابَتْ لَهُ وتأنس بهَا إِلَى أَن كَانَت سنة خمس وَتِسْعين فوصل فِيهَا ترجمان مَوْلَانَا الشريف سعيد بِعرْض إِلَى صَاحب مصر يذكر فِيهِ مَا شرحناه من إِفْسَاد مَكَّة بأيدي العبيد والنهب الَّذِي لَا ينقص بل يزِيد وَأَن الْبِلَاد خربَتْ وَالْأَحْوَال اضْطَرَبَتْ وَطلب مِنْهُ عسكراً لإصلاحها ومالا يَسْتَعِين بِهِ على أُمُور نَجَاحهَا وَأظْهر أَنه مغلوب عَلَيْهِ وَأَن كل من أَرَادَ شَيْئا فَمِنْهُ وَإِلَيْهِ فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ أرسل رَسُولا إِلَى الْأَبْوَاب الْعلية بالتعريف بِهَذِهِ الْأَحْوَال وَأرْسل مَعَه الترجمان الْمَذْكُور فوصلا يَوْم عيد الْفطر وَحصل عِنْد السلطنة الْعلية اضْطِرَاب لهَذَا الْخَبَر فاشتورت الدولة واتفقت على إِلَّا يصلح هَذَا الْخلَل إِلَّا أَهله

стр. 2185

العريفون وحماته الَّذين هم فِي بَيت الْملك عريقون وبرز فِي الْوُجُود مَا كَانَ فِي علم الله كَائِنا وَمَا قدر بِهِ لبلده أَن يعود كَمَا كَانَ آمنا فاستدعي مَوْلَانَا السُّلْطَان وَهُوَ مُقيم بأدرنه عِنْد رُجُوعه من السّفر مَوْلَانَا الشريف أَحْمد من محلّة كرك كَنِيسَة الْمَذْكُورَة يَوْم ثَالِث شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة فبادر بالوصول إِلَيْهِ فَدخل عَلَيْهِ بعد صَلَاة الْعَصْر فقابله بالإجلال وَالْإِكْرَام والتحية وَالْقِيَام وَوضع كَفه بكفه وتصافحا من قيام قَائِلا اللَّهُمَّ صلي على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد ﵊ فَكَانَ أول خطاب وَقع بَينهمَا أَن قَالَ لَهُ يَا شرِيف أَحْمد الْحجاز خراب أريدك تصلحه فَوضع مَوْلَانَا الشريف يَده على رَأسه ممتثلاً لِلْأَمْرِ قَائِلا نَوْلَهْ كلمة تُؤدِّي معنى الْقبُول وَالطَّاعَة فَأكْرم بهَا قَوْله فَعندهَا خلع عَلَيْهِ من الفرو القاقم الْأَبْيَض وَهُوَ الَّذِي دخل مَكَّة لابساً لَهُ ثمَّ جلس مَوْلَانَا السُّلْطَان وَأَشَارَ إِلَى مَوْلَانَا الشريف بِالْجُلُوسِ فَجَلَسَ ثمَّ أعَاد عَلَيْهِ قَوْله الأول فَفعل فعله الأول فَفِي الثَّالِثَة فعل مَا فعل فِي الْأَوليين ثمَّ قَالَ يَا بادشاهي الْحجاز يحْتَاج إِلَى فتوح جَدِيد فَأمر حِينَئِذٍ مَوْلَانَا السُّلْطَان بإحضار يازجي وَأمره بِأَن يمليه مَوْلَانَا الشريف أَحْمد مَا يُريدهُ فَيكْتب بمضمون ذَلِك أوَامِر مُتعَدِّدَة ثمَّ قَامَ مَوْلَانَا السُّلْطَان فَخرج مَوْلَانَا الشريف وَقدم لَهُ مركوب من خيل السُّلْطَان بعدته وَتَبعهُ من الْإِكْرَام وَالْإِحْسَان مَا لَا يحصره بنان وَلَا بَيَان ثمَّ توجه مَوْلَانَا الشريف إِلَى سرايته الَّتِي عينت لَهُ بأدرنه وَاسْتمرّ بهَا إِلَى يَوْم التَّاسِع من شَوَّال الْمَذْكُور ثمَّ توجه مَوْلَانَا الشريف إِلَى بَلَده كرك كَنِيسَة وَأقَام بهَا يَوْمَيْنِ وَضم متفرق أُمُوره وأحواله وَأوصى على أَهله وَعِيَاله ثمَّ توجه إِلَى إِسْلَام بَوْل وَبَات بهَا رَابِع عشر الشَّهْر الْمَذْكُور وَقَالَ بهَا نَهَاره ثمَّ توجه إِلَى أسكدار ورحل مِنْهَا يَوْم خَامِس عشر الشَّهْر الْمَذْكُور مُتَوَجها مِنْهَا إِلَى مَكَّة على خيل الْبَرِيد الْمُسَمَّاة فِي عرف أهل الرّوم الولاق فَدخل إِلَى الشَّام وَقد خرج الْحَاج مِنْهَا وَاسْتمرّ مجداً فِي السّير والدءوب بِمَا لَا يحْتَملهُ بشر مِمَّا يشق على الرَّاكِب والمركوب بعزمة تطوى مفاوز الأَرْض طياً وَيَنْقَطِع عَنْهَا سليك

стр. 2186

المقانب كلالا وعياً فَأرْسل إِلَى مَكَّة بِكِتَاب إِلَى مَوْلَانَا الشريف أَحْمد بن غَالب متع الله بحياته وَإِلَى الْوَزير عُثْمَان بن زين العابدين حميدان وَكَانَ قد أرسل إِلَى أَمِير الْحَاج الشَّامي أَن يتربص لَهُ بالعلا فتربص يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ وَوصل مَوْلَانَا الشريف إِلَيْهِ فَدخل مَدِينَة جده سيد الكونين وَلبس الخلعة السُّلْطَانِيَّة بحجرة جده كَمَا لبسهَا فِيهَا أَبوهُ واسترَت الْقُلُوب بِرُؤْيَة محياه وتبلجت الْوُجُوه وَأما الشريف سعيد وَعَمه السَّيِّد عَمْرو فَلم يَزَالَا فى انْتِظَار الْجَواب بِالْمَالِ والعساكر وَمَا علما مَا صنعه الْوَاحِد القاهر وَفِي ثَالِث شَوَّال وصل إِلَى مَوْلَانَا الشريف سعيد قفطان من صَاحب مصر أرْسلهُ إِلَيْهِ بعد أَن عرض إِلَى الْأَبْوَاب وسير مَعَ رَسُوله إِلَيْهَا ترجمان الشريف سعيد كَأَنَّهُ تطمين للفؤاد وتبشير بإتمام مَا أرسل فِي طلبه من ذَلِك المُرَاد وَحين وُصُول الْعَسْكَر إِلَى بَيت الشريف أُصِيب ابْن الشريف بَرَكَات السَّيِّد عبد الله ببندقة أذهبت خنصر يَده وَكَانَ إِذْ ذَاك مشرفاً من طاق خَارِجَة دَار السَّعَادَة فَالْحَمْد الله على السَّلامَة لَا مَانع لما أَرَادَهُ فوصلوا بالقفطان ولبسه الشريف سعيد مُسْتَبْشِرًا بِحُصُول الْأَمَانِي والأمان وَكَانَ فِي ذَلِك الْيَوْم بِعَيْنِه أَعنِي ثَالِث شَوَّال الْمَذْكُور ولَايَة مَوْلَانَا الشريف أَحْمد ﵀ للحرمين بالديار الرومية فسبحان الْحَكِيم وَاسْتمرّ الشريف سعيد إِلَى أَن اتّفق يَوْم سَابِع عشري ذِي الْقعدَة من سنة خمس وَتِسْعين وَألف الْمَذْكُورَة أَن ركب إِلَى أَحْمد باشا صَاحب جدة وَكَانَ قَائِلا بِالْأَبْطح ببستان الْوَزير عُثْمَان وَاسْتمرّ عِنْده إِلَى جَانب يسير من اللَّيْل ثمَّ ركب وَقصد ثنية الْحجُون ذَاهِبًا إِلَى السَّيِّد غَالب بن زامل وَكَانَ نازلاً بِذِي طوى فَلَمَّا جَاوز الْحجُون إِذا هُوَ براعي ذَلُول فاستخبره من أَي الْعَرَب فَقَالَ من بني الصخر فَقَالَ الشريف مَعَك كتاب من السَّيِّد يحيى بن بَرَكَات فَقَالَ لَا وَكَانَ السَّيِّد يحيى قد ذهب لمقابلة الْحَاج الشَّامي فَأمر الشريف بضمه فضم وتهدد بِالْقَتْلِ فَأقر بِأَنَّهُ مُورق من الشريف أَحْمد بن زيد إِلَى مَوْلَانَا الشريف أَحْمد ابْن غَالب متع الله بحياته وَأَنه قد جَاءَ مُتَوَلِّي مَكَّة وَأَنه لحق الْحَاج الشَّامي فِي

стр. 2187

الْعلَا فَذهب بِهِ إِلَى بَيت السَّيِّد عمر واستدعي السَّيِّد غَالب بن زامل وَعبد الله بن هَاشم واشتوروا فِي إِظْهَار هَذَا الْأَمر على أَي وَجه يكون فاتفق الْأَمر على أَن يرسلوا إِلَى السَّيِّد مساعد ابْن الشريف سعد فأرسلوا إِلَيْهِ السَّيِّد عبد الله بن هَاشم فَذهب إِلَيْهِ وَقَالَ نُرِيد السَّيِّد غَالب وَكَانَ نازلاً بِذِي طوى فَلَمَّا خرج مَعَه عطف بِهِ إِلَى طَرِيق بَيت السَّيِّد عَمْرو فَلَمَّا دخل بَيت السَّيِّد عَمْرو استراب من ذَلِك ثمَّ لما رأى الْجَمَاعَة مُجْتَمعين جلس مَعَهم فَقَالَ لَهُ الشريف سعيد يَا سيد مساعد لم أرسل لَك هَذَا الْوَقْت إِلَّا قصدي أودعك أَهلِي وَإِن عمك الشريف أَحْمد بن زيد تولى مَكَّة وَأَنَّك تقوم مقَامه إِلَى أَن يصل فَتَلَكَّأَ عَن ذَلِك حَتَّى قَالَ السَّيِّد غَالب بن زامل نُقِيم سليم أغا ونحفظ نَحن الديرة إِلَى وُصُول صَاحبهَا فَوَافَقَ السَّيِّد مساعد حِينَئِذٍ على الْقيام مقرّ عَمه ثمَّ أرسل الشريف سعيد إِلَى أغوات العساكر الَّذين مَعَه وَقَالَ لَهُم إِن الْأَمر أَتَى إِلَى الشريف أَحْمد بن زيد فَأنْتم اخدموا سيدكم وَخرج الشريف سعيد آخر تِلْكَ اللَّيْلَة وَمِمَّا قيل فِيهِ من الشّعْر قولي حِين رَجَعَ من الديار الرومية موسم سنة سبع وَثَمَانِينَ قصيدة هِيَ // (من الطَّوِيل) // (تجلَّتْ بمرآكَ السعيدِ لنا البُشرَى ... وأَبْدَى الهنا والسعْدَ وجهُكَ والبِشْرَا) (وعادتْ لأحشاها بعودكَ سالما ... قلوبٌ حَشَاها طولُ غيبتكم جَمْرا) (وأضحَى وطيرُ السعدِ يسجَعُ مذ بدا ... محيَّاكَ فِينَا مُسْفِرًا وَاضحا بَدْرا) (وقرتْ عيونٌ طالما أسهرَتْ أَسًى ... فنامتْ سُرُورًا بَعْدُ وانشرحَتْ صَدْرا) (وَمَا خصَّ هَذَا الحالُ بعْدك وَاحِدًا ... بل الناسُ جمعا بالدعا لم تَزَلْ تترى) (سُرُورًا بملقاك السعيدِ مبلغا ... مراماً سما كَمْ من نفوسٍ بِهِ حَسْرى) (فيا ابْن الكِرَامِ الصِّيد مِنْ ألِ هاشمٍ ... سلالة خَيْرِ الخلقِ من ذَا الورى طُرَّا) (وَيَا درَّةَ العقدِ الثمينِ نظامُهُ ... وفَرْعَ الشناخيبِ الميامينِ فِي الذكْرَى) (وَيَا مَنْ لَهُ من طينةِ المَجْدِ جوهرٌ ... تلألأ نورا من صفاتٍ لَهُ زُهْرَا) (وَيَا مَنْ غذى دُرَّ الكمالاتِ يافعاً ... وطفلاً ففاق الشيبَ فِي عقلهَا قَدْرا) (لَهُ مِنْ سَنَام المجدِ ذرْوةُ شأوِهِ ... وَكَانَ لَهَا أَهلا وكانتْ بِهِ أحرَى)

стр. 2188

(لَهُ منطقٌ فصلٌ ورأىٌ مسدَّدٌ ... وجودَةُ نفسٍ طابَ منشقها نَشْرَا) (وَبسط يمينٍ بالنوالِ بنانها ... حكَتْ خُلُجًا فعما بمدِّ الندَى تُجْرَى) (طَوِيل الْبَنَّا رَحْب الفنا مَنْهَل الغِنَى ... مُزِيل العَنَا مولى المُنَى فائضاً بَحْرَا) (عَرِيض الجدا غَوْث النِّدَا مَوْرِد النَّدَا ... حمام العدَى والخيلُ دُهْمٌ حكَتْ شقرا) (إِذا ثوَّبَ الداعِى الصريخُ أجابَهُ ... سعيدٌ على سعدَى فيظفر فى المَسْرَى) (وَلَا عجبٌ فالفرعُ يتبعُ أصلَهُ ... على خيرِ نعتٍ يوجبُ الحمدَ والشُّكْرا) (طموحٌ إِلَى نيلِ العلومِ فؤادُهُ ... على همة تعلُو السماكَيْنِ والنّسْرَا) (لبيبٌ أريبٌ لوذعىٌّ مهذَّبٌ ... لَهُ الفكْرُ والفهْمُ الَّذِي يقلقُ الصخرا) (أديبٌ رَبِّي حجر الْخلَافَة مَهْده ... إِلَى أَن رقى مِنْ سَرْجِ شيظمةٍ ظَهْرَا) (وهز متون البيضِ مِنْ مرهفاتِهِ ... وَكَانَ ابنَ راعيها وَكَانَ بهَا أَدْرَى) (فبوركَ فِيهِ قَارِئًا لعلومِهِ ... وَفِي الروعِ أرواحُ العدَى سَيْفه يَقْرَا) (فحيناً لتقليبِ الكراريسِ كَفُّهُ ... وحيناً يقلبها القواضب والسّمْرَا) (وكَمْ من صفاتٍ فيكَ يعجزُ خاطري ... مداها من الوصْفِ الحميدِ أتتْ كُثْرَا) (وكمْ من سجايا فيكَ طابَتْ أصولهَا ... وَكم جهد مَا يُحْصى البليغُ وَإِن أَطرَى) (فدونَكَ يَا نجلَ الملوكِ قصيدة ... جمعْتُ بهَا من وصفِ مجدِكُمُ النَّزْرا) (مُفَوَّفَةً من خالصِ الودِّ أنشئَتْ ... لمدحكَ صدقا لَا رياءَ وَلَا نُكْرا) (وَقد شرفَتْ لما أتَى فيكَ مدحُهَا ... وزانَتْ مَعَاني حسنِ أوصافِكَ الشعْرَا) (فجاءَتكَ من شوقٍ إليكَ محبَّة ... وَلَا تبتغي إِلَّا قبولَكَهَا مَهْرَا) (فدُمْ وابْقَ واسْلَمْ لَا برحْتَ على المدَى ... مصوناً من الأسوا وَمن حادِثٍ يَطْرَا) (وَلَا برحَتْ أيامُ دهركَ كلُّهَا ... بآثاركَ الحسنَى محجَّلَةً غَرًّا) وَقَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد الْبَصْرِيّ ثمَّ الْمدنِي سامحه الله تَعَالَى // (من الْبَسِيط) // (زارَتْ سعادُ وَهِي بالبشرِ متزرَهْ ... ترمِى بألحاظِهَا سَهْما بِلَا وترهْ) (وَهِي مبرقعةٌ والحسنُ ساترُهَا ... والشعْرُ منسبلٌ جَلَّ الَّذِي فطَرَهْ) (فقلْتُ شيلي الغطا قالَتْ بمعذرةٍ ... ذَا كوكبُ الصبحِ أبدى والظلام سره) (فقلتُ مَا الأمرُ قالتْ إنْ تزر بِغَدٍ ... تَلْقَ البساتينَ فادخُلْ تجتني ثمرَهْ) (فودعَتْنِى وسارَتْ سرت فِي قلق ... والقلْبُ ينشدني من هَجْرِهَا شعرَهْ)

стр. 2189

(ليلُ المحبينَ مطوىٌّ جوانبُهُ ... مشمرٌ مَا قضَى فِي جنحه وطرَهْ) (مَا ذاكَ إِلَّا كأنَّ الصبْحَ نمَّ بهم ... فَأطلع الشمْس ضغناً مضمراً قهرَهْ) (فبتُّ أرقبُ نجمَ الليلِ فِي سهدٍ ... حَتَّى أَتَى الصبْح متبسم بمنفجرهْ) (وصرتُ أسعَى وقلبي هائمٌ جذلٌ ... طرقتُ بَابا لَهَا فِي روضَةٍ عَطِرهْ) (أَفْتَحَ لي الْبَاب واكساني السرُور إِذا ... قد أمَّنى الدهرُ من عَيْن نفى نكرَهْ) (قلتُ الوصالُ فقالَتْ وَهِي معذرةٌ ... هَذَا دلالاً فَإِنِّي خائفَهْ ذعرهْ) (والفَتْ تقولُ بإعْجَاب الدَّلالَ لَهَا ... كَأَنَّهَا دُرَّةٌ من عقد منتثرَهْ) (مَا جابكَ اليومَ يَا غاوى بساحتنا ... عَسَى رضيعُ الْعلَا أبدى لكُمْ فخرَهْ) (فقلتُ هُوَ القصْدُ والمأمولُ يَا أملي ... إِنى أديبٌ غريبٌ أستحقُّ قرهْ) (فاقْر السلامَ لَهُ من سيدٍ سبقَتْ ... مِنْهُ الملاقاةُ فِي مدحٍ نقى درَرهْ) (أَعنِي سعيد بنَ مَوْلَانَا الشريفِ ومَنْ ... راياتُ عِزِّ لَهُ فِي الحربِ مشتهرَهْ) (فَهُوَ شريفُ الَّذِي قامَتْ عدالتُهُ ... وغْدت أمانيه فِي الْبر منتشره) (وَهُوَ العزيزُ الَّذِي فاضَتْ براحتِهِ ... كاسُ المنونِ غزيراً زايداً مررهْ) (وَهُوَ الهزبرُ الَّذِي هابَتْ لسطوتِهِ ... وحشُ الفلاةِ فأمسَتْ ساكنه القفرَهْ) (وَهُوَ المليكُ الَّذِي ماتَتْ حواسدُهُ ... نعم وبادوا حَقِيقا أَن رَأَوْا خبَرهْ) (لَا زالَ فِي شرفٍ كالبدْرِ فِي ترفٍ ... بِآيَة النورِ والأعرافِ والبقرهْ) (يَعْنِيك نظم بدا من سيدٍ بعدتْ ... عَنهُ المنازلُ أمسَى فِي زمَان تِرَهْ) (مُحَمَّد إسمهُ منْ طيْبَة سعدَتْ ... بنورِ خيرِ الورَى طه بِهِ فخرَهْ) (صلَّى عَلَيْهِ إلهُ العرشِ خالقُنَا ... والآلُ والصحْبُ واهْلُ البيتِ والسيرَهْ) ثمَّ وَليهَا مَوْلَانَا الشريف أَحْمد ابْن الشريف زيد ابْن الشريف محسن بن حُسَيْن بن حسن وَذَلِكَ أَنه لما خرج الشريف سعيد آخر تِلْكَ اللَّيْلَة كَمَا ذكرنَا آنِفا ذهب السَّادة المذكورون فِي غدها إِلَى بَيت السَّيِّد نَاصِر بن أَحْمد الْحَارِث وَاجْتمعت العساكر عِنْد بَيت الْحَارِث وذهبوا جَمِيعًا إِلَى أَفَنْدِي الشَّرْع وَأَخْبرُوهُ بالواقع فَحَضَرَ الأفندي وَصَاحب جدة أَحْمد باشا والمفتي والوزير عُثْمَان بن زين العابدين بن حميدان وَكَانَ الِاجْتِمَاع فِي مقَام الْحَنْبَلِيّ فَقَالَت الْأَشْرَاف يجلس السَّيِّد مساعد ابْن الشريف سعد فانفض الْمجْلس على ذَلِك وَنُودِيَ من حِينه

стр. 2190

وَذَلِكَ يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع عشري ذِي الْقعدَة من سنة خمس وَتِسْعين وَألف إِن الْبِلَاد بِلَاد الله وَالسُّلْطَان والشريف أَحْمد بن زيد نَصره الله وَأمر بالزينة سَبْعَة أَيَّام وَجلسَ مَوْلَانَا السَّيِّد مساعد للتهنئة وَلم يبْق صَغِير وَلَا كَبِير إِلَّا أَتَاهُ يهنئه ويهنئون أنفسهم بِمَا أنعم الله عَلَيْهِم بتولية هَذَا الشريف وادَّرَقوا بحماية كَهْف ذكره المنيف فَنَامُوا بعد السهر وصفت سرائرهم من الكدر وَقد أَشرت إِلَى ذَلِك بِقَوْلِي فِي مديحه من قصيدة من الْبَسِيط (بِوَهْمِ ذِكْرِكَ من قبل الْوُصُول صفَتْ ... أحوالها بعد خلْعِ العذرِ والرسنِ) (ثلاثَ عشرَةَ أَعْوَام لَهَا انصرمَتْ ... عمياءَ صمَّاءَ فِي عينٍ وَفِي أذنِ) (مسلوبةُ الأمْنِ ممحوٌّ محاسنُهَا ... عيونُ سكانِها ممنوعَةُ الوسنِ) (حتَّى أَتَاهَا ابنُ أمِّ المجدِ معتزماً ... لحسْمِ داءٍ بهَا بادٍ ومكتمنِ) (فاليومَ عَاد لَهَا إنسانُ مقلتها ... فالدسْتُ مشتملٌ مِنْهُ على حضنِ) وأرخ ولَايَته وَزِير أَخِيه سَابِقًا ذُو النَّعْت الْفَائِق الدّرّ النظيم الْجمال مُحَمَّد على ابْن سليم ببيتين أَجَاد فيهمَا كل الإجادة وَألقى الأدباء لحسن وصفهما البديع إِلَيْهِمَا المقادة وهما // (من الْخَفِيف) // (حِين بُشْرى الشريف أحمَدَ وافَتْ ... مَلأ الْكَوْن بشرها وتجدَّدْ) (عاود التخْتُ مَالِكًا قلتُ أرِّخْ ... عود يمنٍ بذلكَ الْعود أحمدْ) وَقلت أَيْضا مؤرخاً لولايته الميمونة // (من السَّرِيع) // (قضَى إلهُ العرشِ ربُّ السما ... أنَّكَ وَالِي الْفرش صَوَّانُهَا) (وأنْكَ مِنْ بعدِ خرابٍ بهَا ... حسا وَمعنى أنتَ عُمْرَانها) (قالَ حجاىَ وَهُوَ فِي طفحةِ ... السُّكْرِ منَ الأفراحِ نشوانُها) (يجيدُ فِيهِ ضبطُ تاريخِهِ ... أتَى إِلَى مكَّةَ سلطانُهَا) وَلما كَانَ يَوْم سَابِع ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة دخل مَوْلَانَا الشريف أَحْمد من جِهَة أَسْفَل مَكَّة وَصَحبه الْمحمل الشَّامي وَجَمِيع عَسَاكِر مصر وَجَمِيع عَسَاكِر أَمِير الشَّامي صَالح باشا وعساكر صَاحب جدة أَحْمد باشا وعسكر الرُّتْبَة الْقَدِيمَة والجديدة وَكَانَ موكباً عَظِيما فحج بِالنَّاسِ على أحسن مَا يكون من الْأَمْن

стр. 2191

والدعة والسكون وَفِي رَابِع عشر ذِي الْحجَّة أَمر بشنق سَبْعَة أنفس من السراق ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَتِسْعين فِي سَابِع محرم الْحَرَام مِنْهَا قطع مُحَمَّد ولد الْحَاج أَحْمد العصائبي المغربي يَدَاهُ لسرقة بعد أَن شفع فِيهِ صَاحب جدة إِلَى مَوْلَانَا الشريف أَحْمد فَلم يشفعه إيثاراً لإِقَامَة أَحْكَام الدّين ودفعاً لأذية الْمُسلمين وفيهَا كثرت الشرور وَالْخِصَام والدعاوي بَين الْأَنَام الْخَواص والعوام فِي الظلامات السابقات فِي الْأَمْلَاك والحقوق والأوقاف لما رَأَوْا من الْعدْل والإنصاف واصطبر لضجيجهم والهذا والتصديع والأذى حَتَّى أنصف الْمَظْلُوم من ظالمه ورد الْحق إِلَى معالمه كَانَ الله لَهُ فِي الدَّاريْنِ وبلغه من كل مأمول مَا لَا يضبطه الْكمّ والكيف والأين وفيهَا ثَانِي عشر جُمَادَى مِنْهَا قدم الْوَزير مُحَمَّد عَليّ بن سليم وَزِير الشريف سعد من بِلَاد الْيمن وَقد خرج من مَكَّة يَوْم خُرُوج سَيّده الشريف من منى موسم سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَألف بعد أَن رد عقاره الَّذِي بيع فِي غيبته وَأخرج واضعي أَيْديهم عَلَيْهِ بعد أَن سبقت دَعْوَى بالوقفية ووردت شهودها عِنْد قَاضِي الشَّرْع فَكتب لَهُ مَوْلَانَا الشريف أَحْمد بِكُل ذَلِك فوصل إِلَى مَكَّة فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور وفيهَا كَانَت وَفَاة الْعَلامَة أَبى زَكَرِيَّا يحيى ابْن الْفَقِيه الصَّالح مُحَمَّد النابلي الشاوي الملياني المغربي الجزائري شَيخنَا الْعَلامَة والمحقق الفهامة إِمَام الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول مُحَرر الْفُرُوع وَالْأُصُول الْفَحْل الَّذِي لَا يُبَارى فِي فنون الْعُلُوم وَالسَّابِق الَّذِي لَا يجارى فِي مضمار الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم ولد بِمَدِينَة مليانة وَنَشَأ بِمَدِينَة الجزائر وَقَرَأَ بهَا على جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ سعيد مفتي الجزائر وَالشَّيْخ عَليّ بن عبد الْوَاحِد الْأنْصَارِيّ والمحقق مُحَمَّد بن مُحَمَّد بهْلُول السَّعْدِيّ وَالشَّيْخ مهْدي وَأخذ عَنْهُم الْفِقْه والْحَدِيث وَغَيرهمَا من الْعُلُوم وَأَجَازَهُ شُيُوخه وتصدر للإفادة بِبَلَدِهِ وَقدم مصر سنة أَربع وَسبعين وَألف قَاصِدا الْحَج وزار قبر النبى وَرجع إِلَى الْقَاهِرَة وَأخذ عَن الْعَلامَة سُلْطَان المزاحي وَإِمَام الْعَصْر الشَّيْخ الْعَلامَة مُحَمَّد بن عَلَاء

стр. 2192

الدّين البابلى والمحقق مَوْلَانَا الشَّيْخ على الشبرملسى وأجازوه بمروياتهم ثمَّ جلس للتدريس بالجامع الْأَزْهَر فدرس فِي مُخْتَصر خَلِيل وَشرح الألفية للمرادي وعقائد السنوسي وشروحها وَشرح الجُمَل للخونجي لِابْنِ عَرَفَة فِي الْمنطق ثمَّ رَحل إِلَى الرّوم فَدخل دمشق وَعقد بِجَامِع بني أُميَّة درساً وَأخذ عَنهُ جمَاعَة بهَا وَأَجَازَهُمْ ثمَّ دخل قسطنطينية الْعُظْمَى فَعَظمهُ مفتي السُّلْطَان يحيى المنقاري والوزير الْأَعْظَم أَحْمد باشا الكبرلي وَحضر تجاه السُّلْطَان الْأَعْظَم فبحث مَعَ الْعلمَاء وَعرفُوا فَضله ثمَّ عَاد إِلَى مصر وَولي بهَا تداريس فِي مدارس عديدة وَله مؤلفات مِنْهَا حَاشِيَته على أم الْبَرَاهِين نَحْو عشْرين كراساً وَشرح على التسهيل لِابْنِ مَالك ونظم لامية فِي إِعْرَاب الْجَلالَة جمع فِيهَا أقاويل النَّحْوِيين وَمَا لَهُم من الْكَلَام وَشَرحهَا شرحاً حسنا قلت قَرَأت عَلَيْهِ ليَالِي الْمَوْسِم آخر حججه متن السنوسية فِي علم العقائد فَكَانَ فِي التَّقْرِير دونه السَّيْل الهدار والعباب الزاخر التيار أمْلى فِي وُجُوه إِعْرَاب كلمة التَّوْحِيد أَرْبَعمِائَة وَخمسين وَجها بالتعديد فسبحان مفيض مَا شَاءَ على من شَاءَ وَله مؤلف فِي أصُول النَّحْو جعله على أسلوب الاقتراح للسيوطي أَتَى فِيهِ بِكَثِير من الغرائب النحوية أَجَاد فِيهِ وَجعله باسم مَوْلَانَا السُّلْطَان الْأَعْظَم مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم خَان وقرَّظ عَلَيْهِ عُلَمَاء الْقُسْطَنْطِينِيَّة مِنْهُم الْعَلامَة الْمولى يحيى أَفَنْدِي منقاري زَاده وَلَقَد أشرفني وَلَده الشَّيْخ عِيسَى ابْن الشَّيْخ يحيى على ذَلِك التصنيف فَرَأَيْت على ظهر الكراس الأول مِنْهُ تقريظ الأفندي الْمَذْكُور بِخَطِّهِ وَنَصه لَا يخفى على النَّاقِد الْبَصِير أَن هَذَا التَّحْرِير كنسج الْحَرِير مَا نسج على منواله فِي هَذَا الْعَصْر فِي النَّحْو ناح لطيف بمطالعته تَنْشَرِح الصُّدُور وتتلذذ الْأَرْوَاح انْتهى وَكَانَت لَهُ ﵀ قُوَّة فِي الْبَحْث واستحضار للمسائل الغريبة وسعة حفظ مفرطة وبداهة جَوَاب لَا يضل صوب الصَّوَاب كَانَت وَفَاته ﵀ فِي هَذِه السّنة الْمَذْكُورَة بقرية الطّور قَاصِدا مَكَّة فَدفن هُنَاكَ فَاسْتَأْذن وَلَده سَيِّدي عِيسَى صَاحب مصر فنبش عَنهُ وَنَقله إِلَى مصر وَدَفنه بالقرافة ثمَّ مَاتَ وَلَده الْمَذْكُور فِي الْفَصْل الْحَاصِل بِمصْر فِي السّنة الَّتِي بعْدهَا وَدفن هُنَاكَ أَيْضا ﵀ رَحْمَة وَاسِعَة

стр. 2193

وفيهَا يَوْم الْجُمُعَة غرَّة رَجَب مِنْهَا كَانَت وَفَاة مَوْلَانَا وَشَيخنَا الشَّيْخ أَحْمد بن عبد اللَّطِيف البشبيشي الشَّافِعِي شيخ الْمُحَقِّقين وأستاذ المدققين وَبَقِيَّة الصَّالِحين وخاتمة الْعلمَاء العاملين وصدور المدرسين اشْتهر صيته فِي الْأَمْصَار وشاع فَضله فِي الأقطار انْتفع بِهِ الْحَاضِر والباد ورحلت إِلَيْهِ الطّلبَة من أقاصي الْبِلَاد فَصَارَ محط رحالهم ومنتهى آمالهم لحسن تَقْرِيره الْمسَائِل على أسهل وَجه وألطف تركيب وأوجز عبارَة حَتَّى تخرج بِهِ جمع كثير فِي زمن يسير ولد سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف ب بشبيش قَرْيَة من أَعمال الْمحلة وَحفظ بهَا الْقُرْآن على الْعَلامَة سُلْطَان المزاحي ولازمه فِي الْفِقْه والْحَدِيث والعربية والفرائض وَغَيرهَا من الْعُلُوم نَحْو خمس عشرَة سنة ولازم أَيْضا الضياء مَوْلَانَا الشَّيْخ على الشبرملسي فِي العقائد والنحو وَالْأُصُول حَتَّى تخرج بِهِ وَأخذ عَن حَافظ الْعَصْر مَوْلَانَا مُحَمَّد البابلي وَعَن شَافِعِيّ زَمَانه الْعَلامَة مُحَمَّد الشَّوْبَرِيّ وَالشَّيْخ ياسين الْحِمصِي والعلامة سري الدّين الْحَنَفِيّ وَالشَّيْخ حُسَيْن الخفاجي وَالشَّيْخ أَحْمد ابْن عمرَان الفاسي وَغَيرهم وتصدر للإقراء والتدريس بالجامع الْأَزْهَر وَاجْتمعت عَلَيْهِ الأفاضل وَجلسَ فِي مَحل تدريس شَيْخه سُلْطَان المزاحي فلازمه جماعته ودرس فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والعقلية وَحج إِلَى بَيت الله الْحَرَام فِي موسم سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وجاور بِمَكَّة ثَلَاثًا أَو أَرْبعا وَتِسْعين مُجْتَهدا فِي الإفادة والتدريس ناشراً در علمه النفيس ثمَّ عزم موسم سنة أَربع وَتِسْعين صُحْبَة الْحَاج الْمصْرِيّ إِلَى الْقَاهِرَة وَحصل لَهُ أَوَاخِر السّنة الْمَذْكُورَة بِمَكَّة توعك فِي جِسْمه ارتحل مِنْهَا وَهُوَ فِي أثر مِنْهُ وَأقَام بِمصْر إِلَى أَن كَانَت وَفَاته فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور من السّنة الْمَذْكُورَة أَعنِي سنة سِتّ وَتِسْعين بِبَلَدِهِ بشبيش ﵀ رَحْمَة وَاسِعَة وَفِي يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر شعْبَان مِنْهَا دخل شيخ آل ظفير سَلامَة بن مرشد ابْن صويت مَكَّة فِي أَمَان الله وأمان مَوْلَانَا الشريف أَحْمد بن زيد خَاصَّة والأشراف جَمِيعهم عَامَّة وَألقى السّلم وَدخل تَحت الطَّاعَة فَأمر لَهُ الشريف أَحْمد بمضارب نصبت بالمحصب وَأقَام قَرِيبا من شَهْرَيْن فَذكر مَوْلَانَا الشريف للأشراف أَن ابْن صويت جَاءَكُم بأَهْله وحلته وَقد دخل عَليّ فَإِن عفوتم فَأنْتم مَحل الْعَفو فها هُوَ قد استسلم فَأَجَابُوهُ بالسماح وَكَتَبُوا خطوطهم بالسماح عَن ابْن صويت عَن

стр. 2194

حذف

стр. 2195

حذف

стр. 2196

حذف

стр. 2197

جِنَايَته وَذَلِكَ ببركة سيد الْجَمِيع مَوْلَانَا الشريف أَحْمد نظر الله إِلَيْهِ بِعَين عنايته ثمَّ دخلت سنة سبع وَتِسْعين وَألف فِي يَوْم الثُّلَاثَاء عَاشر ربيع الثَّانِي مِنْهَا برز مَوْلَانَا الشريف أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى فِي موكب عَظِيم قَاصِدا الشرق وَمِنْه إِلَى بِلَاد عنزة فَأَقَامَ بالمنحنى ثَمَانِيَة أَيَّام وَفِي يَوْم الْخَمِيس تَاسِع عشر الشَّهْر الْمَذْكُور بعد شروق الشَّمْس توجه إِلَى حَيْثُ قصد فِي دعة الله وكلاءته وَفِي لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ ثَالِث عشري ربيع الآخر وَقع بَيت بحارة الشامية لبَعض تجار المغاربة سَقَطت سقوفه فَهَلَك تَحْتَهُ عشرَة أنفس ذُكُور وإناث مِنْهُم الشَّرِيفَة سلمى بنت السَّيِّد عبد الرَّحْمَن الشهير بالأسد وَسبب ذَلِك سُقُوط جِدَار لجاره على سطحه فَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَفِي سَابِع عشري الشَّهْر الْمَذْكُور وصل قَاصد من الديار الرومية يخبر بِأَن سُلَيْمَان مير أخور ولى الوزراة الْعُظْمَى وَمَعَهُ مِنْهُ إِلَى مَوْلَانَا الشريف أَحْمد ﵀ فرو عَظِيم من السمور بمقلب أَخْضَر وَكَانَ مَوْلَانَا الشريف بالمبعوث فَتوجه بِهِ إِلَيْهِ الرَّسُول فقابلته العساكر حِين وُصُوله إِلَى الْمَبْعُوث ولبسه مَوْلَانَا الشريف وَكتب لَهُ الْجَواب وَمضى وَفِي لَيْلَة السبت تَاسِع عشر جُمَادَى الأولى توفّي الخواجا زين العابدين حميدان وَالِد الْوَزير عُثْمَان فَجْأَة بَات تِلْكَ اللَّيْلَة فَأصْبح مَيتا فَدفن ضحى الْيَوْم الْمَذْكُور رَحمَه الله تَعَالَى وأسبغ رضوانه عَلَيْهِ ووالى وَفِي يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشري الشَّهْر الْمَذْكُور كَانَ انْتِقَال مَوْلَانَا السَّيِّد مُحَمَّد بن يعلى بن حَمْزَة كَذَلِك فَجْأَة بالخبت الْيَمَانِيّ فَحمل إِلَى مَكَّة وَدفن بالمعلاة ﵀ وَفِي سادس عشري جُمَادَى الْآخِرَة سَطَا على بعض الأتراك عبد لَهُ بخنجر فَمَاتَ بعد خَمْسَة أَيَّام فَقطع الْغُلَام يَدَاهُ وَرجلَاهُ وَبرئ وعاش وَفِي يَوْم الْخَمِيس سادس عشر شَوَّال وصل مَوْلَانَا الشريف أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى مَدِينَة جده عَائِدًا من بِلَاد عنزة فَنزل بِالْمحل الْمَعْرُوف ببئر ميزَان بِالْقربِ مِنْهَا وَخرج إِلَيْهِ من أَهلهَا الْقُضَاة والأعيان فَقَالَ بِهِ يَوْمه ثمَّ وصل مِنْهُ إِلَى ضريح سيد الشُّهَدَاء عَم جده عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام فَبَاتَ بِهِ لَيْلَة الْجُمُعَة ثمَّ

стр. 2198

ركب مِنْهُ فَدخل الْمَدِينَة يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر الشَّهْر الْمَذْكُور فزار قبر جده وتملا بأنوار سعده وَفِي يَوْم الْأَحَد سادس عشري الشَّهْر الْمَذْكُور وصل قَاصد من الْوَزير الْمَذْكُور أَيْضا بهدية مِنْهَا فرو وَسيف لمولانا المرحوم الشريف وَوصل مَعَه قفطان لشيخ الْحرم النَّبَوِيّ دَاوُد أغا من الْوَزير الْمَذْكُور أَيْضا فلبسه شيخ الْحرم بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيّ وَاسْتمرّ مَوْلَانَا الشريف بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة إِلَى أَن برز مِنْهَا ثَانِي ذِي الْقعدَة الْحَرَام وَدخل مَكَّة محرما بِالْعُمْرَةِ لَيْلَة هِلَال ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة فَطَافَ لعمرته وسعى شكر الله سَعْيه ثمَّ عَاد إِلَى مخيمه بالزاهر على عَادَة أسلافه الأكرمين ثمَّ دخل صَبِيحَة ذَلِك الْيَوْم فِي موكب يبهر الناظرين وَيسر البادين والحاضرين وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة وصل إِلَى مَكَّة من الْأَبْوَاب الْعَالِيَة قفطان من السمور الملوكي عاليه صوف أَبيض يَصْحَبهُ مرسوم سلطاني ومرقوم خاقاني يفصح بالثناء على مَوْلَانَا الشريف بالنعت الأكرم الأمجد فألبسه بِالْحَطِيمِ وَقُرِئَ ذَلِك المنشور الْكَرِيم وَكَانَ الْوَاصِل بِهِ فَخر الأغوات الْعِظَام إِبْرَاهِيم أغا فَكَانَ أعظم موكب فِي ذَلِك الْمقَام وسر بِهِ الْخَاص وَالْعَام وَفِي يَوْم الْخَمِيس عشري ذِي الْحجَّة مِنْهَا أَمر صَاحب جدة أَحْمد باشا بهدم كل خلْوَة بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام فهدمت وَمَا لم يُمكن هَدمه مِنْهَا لكَونه من بنية الْمَسْجِد فِي نفس جِدَاره أَو لكَونه فَوْقه بِنَاء سَده بِبِنَاء مُدعيًا أَن لذَلِك سَببا هُوَ سَمَاعه بِحُصُول فسق فِي بَعْضهَا وَالله أعلم بالحقائق ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَتِسْعين وَكَانَ هلالها بالإثنين فَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع محرم الْحَرَام مِنْهَا كَانَت وَاقعَة من أَحْمد باشا الْمَذْكُور إِلَى الأفندي عبد الله عتاقي زَاده مفتي السَّادة الْحَنَفِيَّة ثار بِسَبَبِهَا الْخَاص وَالْعَام فاستدعى إِلَى الْحَاكِم الشَّرْعِيّ فَاعْتَذر عَن الْحُضُور خشيَة مَا لَا يخفى على الْعَاقِل من حوادث الْأُمُور ثمَّ استدعاه مَوْلَانَا الشريف لَيْلًا لذَلِك المرام وقبح عَلَيْهِ فعله وأوقر سَمعه بأليم الْكَلَام فاعترف بخطئه وخطله واستعفى طَالبا التجاوز عَن زيغه وزللَه وفيهَا أَوَاخِر الْمحرم الْحَرَام مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاء عمل الْحَائِط على الْمقْبرَة ابتدىء

стр. 2199

من أَعلَى ثنيتى الْحجُون يجدرين واصلين إِلَى الطَّرِيق بَين قبتي الشريف أبي نمي وَولده الشريف حسن منعطفين من ذَلِك الطَّرِيق أَحدهمَا صُعُدا يتَّصل إِلَى قرب حَائِط ابْن دُخان وَالْآخر سُفُلا إِلَى الْمحل الْمَعْرُوف بالحافظية فصلا بِأَبْوَاب مُرْتَفعَة الأعتاب صونا للمقبرة عَن انتهاك حُرْمَة قُبُور الْمُسلمين وَعَن التلويث والوقيد بنزول الْحجَّاج والمسافرين وَكَانَ هَذَا الْخَيْر مسطراً فِي صَحَائِف الْوَزير الْأَعْظَم سُلَيْمَان باشا ومتولي ذَلِك وَزِير مَكَّة عُثْمَان ابْن الخواجا زين العابدين حميدان وَتلك طرق خير رضى الله عَن قاصديها هَذَا مِمَّا أحدث فِي هَذِه السّنة نَسْأَلهُ سُبْحَانَهُ اللطف بِنَا وبالمسلمين فِيهَا وَفِيمَا يَليهَا وفيهَا لَيْلَة الثُّلَاثَاء لأَرْبَع خلون من ربيع الآخر مِنْهَا كَانَت وَفَاة الشَّيْخ الصَّالح ذِي الْقدَم الراسخ الرابح الْعَلامَة الفهامة الراقي أوج المعزة فِي الْفضل والكرامة إِمَام الطَّرِيقَة والحقيقة والمتكلم على معانيهما بالإشارات الدقيقة شَاهد مشَاهد أهل الْعرْفَان عَاقد عقائد أكاليله الَّتِي يخرج مِنْهَا اللُّؤْلُؤ والمرجان منور الْبَصَر والبصيرة موصل الْحُضُور بِحَضْرَة القصيرة الَّتِي عَنْهَا يَد من سواهُ قَصِيرَة مَوْلَانَا وعزيزنا المرحوم بسحاب الرضْوَان المركوم مَوْلَانَا الشَّيْخ مُحَمَّد الشهير بالبخشى الدِّمَشْقِي ﵀ برحمته الواسعة وَغفر لَهُ مغْفرَة جَامِعَة توفّي بِمَكَّة المشرفة فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور وَدفن بالمعلاة أَمَام قبَّة السيدة خَدِيجَة أم الْمُؤمنِينَ وَقد أناف على السِّتين وفيهَا يَوْم الْخَمِيس عشري جُمَادَى الأولى مِنْهَا وَقع النداء بِأَمْر مَوْلَانَا الشريف أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى أَن لَا يُقيم بِمَكَّة أحد من جنس التكرور وَمن وجد بعد ثَلَاث عُوقِبَ بالنكال فتهيأوا واجتمعوا فِي الْيَوْم الثَّالِث آخر النَّهَار بِطرف المعلاة وقرءوا الْفَاتِحَة ثمَّ توجهوا الْبَعْض إِلَى الْمَدِينَة المنورة وَالْبَعْض الآخر إِلَى جدة وَالْبَعْض إِلَى قَرْيَة الطَّائِف وَسبب ذَلِك على مَا قيل أَنه بلغ مَوْلَانَا الشريف تَأتي مفاسد مِنْهُم مِنْهَا وُقُوع سرقات من بَعضهم وفشو عمل السحر مِنْهُم فِي أشرف بِلَاد الله فَكَانَ ذَلِك لذَلِك وَالله يتَوَلَّى السرائر

стр. 2200

وفيهَا يَوْم الثُّلَاثَاء ثامن عشري رَجَب مِنْهَا وصل قَاصد من يَنْبع يخبر بورود مستلم مُحَمَّد بك الْمَعْزُول بِهِ أَحْمد باشا صَاحب جدة ثمَّ فِي لَيْلَة الْخَمِيس غرَّة شعْبَان مِنْهَا وصل المستلم بِصُورَة أَمر سلطاني يعْزل أَحْمد باشا هَذَا صَاحب جدة وَشَيخ حرم مَكَّة والطلب الحثيث لَهُ بِسُرْعَة وعَلى الصُّورَة خطّ قَاضِي عَسْكَر مصر والعدول بِولَايَة السنجق مُحَمَّد بك مَكَانَهُ فَصَعدَ هُوَ ونائب الْحرم السَّيِّد مُحَمَّد وَقد فوض السنجق النِّيَابَة إِلَيْهِ إِلَى مَوْلَانَا الشريف المرحوم فألبسهما مَوْلَانَا الشريف قفطانين وَأقر مِنْهُمَا الخاطر وَالْعين ثمَّ نزل فسجله قَاضِي الشَّرْع وَأرْسل مَوْلَانَا الشريف إِلَى أَحْمد باشا يُخبرهُ بوصول المستلم وَمَا مَعَه وَأقَام المستلم يَوْمه بِمَكَّة وَصلى الْجُمُعَة ثَانِيه ثمَّ توجه إِلَيْهِ إِلَى جدة المعمورة فقابله الْمُقَابل الْحسن وَألبسهُ قفطاناً وَجعل لَهُ حَال دُخُوله موكباً عَظِيما وَمد لَهُ سماطاً ثمَّ فِي يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع شعْبَان وصل أَحْمد باشا إِلَى مَكَّة وتأهب للرحيل على غَايَة السرعة والتعجيل وقاد إِلَيْهِ مَوْلَانَا المرحوم الشريف أَحْمد على طَرِيق الرِّعَايَة والمعونة نَحْو الْعشْرين من نَجَائِب الركائب الميمونة وَكَذَلِكَ قاد إِلَيْهِ مَوْلَانَا الشريف أَحْمد متع الله بحياته ثنتى عشرَة من الركائب إِحْدَاهُنَّ مكملة الْآلَة بالشداد الْمحلى وَمَا يتبعهُ ثمَّ لما كَانَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ عَاشر الشَّهْر الْمَزْبُور توجه خَارِجا من ثنية الْحجُون فِي خيل نَحْو الثَّلَاثِينَ إِذْ يُعدون مَشى مَعَه السَّيِّد عَليّ بن أَحْمد بن عَليّ وَبَعض القواد إِلَى المأمن وَفِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ سادس عشري الشَّهْر الْمَذْكُور وصل إِلَى مَكَّة السنجق مُحَمَّد بك أَمِير اللِّوَاء الْمُتَقَدّم الذّكر فتُلقى بالآلاى والموكب الْعَظِيم فَأَقَامَ إِلَى يَوْم الْجُمُعَة مستهل رَمَضَان وَصلى الْجُمُعَة وَنزل جدة يَوْمه ذَاك وَفِي هَذَا الشَّهْر ورد الْخَبَر عَن قَرْيَة الطَّائِف بِأَن قد طَاف عَلَيْهَا من الدبى طائف فظل يتهافت على الْأَشْجَار والزروع وَعلا تِلْكَ الساحات والربوع يَأْكُل مَا دب عَلَيْهِ ودرج ويقرئ النَّاس كتاب الشدَّة بعد الْفرج وأناف على القمَّل والضفادع وبذل نَفسه لَهُم فِي المآكل والمشارب والمضاجع وَترك الْأَشْجَار عَارِية كَأَنَّهَا محروقة وَالْأَرْض من تِلْكَ الْبُقُول والقطاني مُجَرّدَة مطروقة

стр. 2201

وَفِي يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشر ذِي الْقعدَة الْحَرَام من السّنة المذكوره ورد مُبشر يخبر بنصرة سُلْطَان الْمُسلمين على الْكَفَرَة أَعدَاء الدّين وَأَنه قد قتل وَأسر مِنْهُم مَا ينيف على سبعين ألفا واسترد بعض مَا استولوا عَلَيْهِ من الْبِلَاد وَالْحَمْد لله على حُصُول المُرَاد وَأَن القاصد السلطاني وَاصل عقبه وَهُوَ بِالشَّام وَالله الْمُؤَيد لملة الْإِسْلَام ثمَّ دخلت سنة تسع وَتِسْعين وَألف كَانَ هِلَال محرمها بِالْجمعَةِ فِيهَا يَوْم الْإِثْنَيْنِ حادي عشر محرمها تقلد منصب الوزارة المكية رفيع الْمحل والشان حَضْرَة يُوسُف أغاسنان وانفصل عَنهُ الخواجا عُثْمَان بن زين العابدين حميدان وفيهَا يَوْم الْأَحَد تَاسِع صفر مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاء فتْنَة بَين مَوْلَانَا المرحوم الشريف أَحْمد بن زيد ومولانا الشريف أَحْمد بن غَالب متع الله بحياته لأمر جَار على الْقَوَاعِد نقمه عَلَيْهِ لم تطب بِهِ نَفسه طلب مِنْهُ نقضه فَامْتنعَ فَخرج مَوْلَانَا الشريف متع الله بحياته لَيْلَة الثُّلَاثَاء حادي عشر الشَّهْر الْمَذْكُور إِلَى مَحَله الْمَعْرُوف بالركاني من وَادي مر وانحاز إِلَيْهِ جُمْهُور السَّادة الْأَشْرَاف على مثل رَأْيه وَأَعْطوهُ مواثيقهم أَن الْعَصَا وَاحِدَة وَلم يرجع عَنهُ مِنْهُم إِلَّا اثْنَان وَأخذ أجلة خمسين يَوْمًا ثمَّ عشرَة ثمَّ رَحل هُوَ وَمن مَعَه قبل تَمامهَا أواسط ربيع الأول فتوجهوا مَعَ سَلامَة الله وكلاءته إِلَى جِهَة مصر ثمَّ فِي يَوْم سَابِع عشر الشَّهْر الْمَذْكُور سير مَوْلَانَا المرحوم الشريف أَحْمد خَلفهم من الْعَسْكَر مِائَتَيْنِ وَخمسين اتِّفَاقًا ثمَّ فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثَانِي عشري الشَّهْر أتبعهم بالسيد باز بن هَاشم فِي عشرَة من بني أَبِيه وبالسيد نَاصِر فِي عشرَة من ذَوي جود الله وبالسيد عبد المحسن فِي عشرَة من ذَوي باز وَفِي الْيَوْم الثَّامِن من ربيع الَاخر برزت رُتْبَة من الْعَسْكَر إِلَى بِلَاد الْفَرْع وفيهَا لَيْلَة الْخَمِيس غرَّة جُمَادَى الأولى مِنْهَا اتّفق بِمَكَّة اجْتِمَاع نسَاء لَيْلًا لفرح بِمحل قَرْيَة عشاش بِطرف شعب عَامر فشبت نَار ضَعِيفَة فِي بَعْضهَا فأطفئت فى الْحَال بِقَلِيل مَاء ثمَّ صرخت حُرْمَة كَأَنَّهَا بنت إِبْلِيس النَّار يَا نسَاء فَركب بَعضهنَّ بَعْضًا وازدحمن على الْخُرُوج مستبقات الْبَاب وَقد أغلق خوفًا على متاعهن من النهب فتحايلن عَلَيْهِ فَسقط فابتدرن الْخُرُوج وَكَانَ فِي عتبَة الْبَاب ارْتِفَاع فَوَقع بَعضهنَّ على بعض فَمَاتَ أَربع مِنْهُنَّ فِي الْحَال وتكسر نَحْو خمس وَعشْرين

стр. 2202

وبعضهن أَخذه الخبل من الروعة فَمَا شَاءَ الله كَانَ وفيهَا فِي السَّاعَة الثَّالِثَة من يَوْم الْخَمِيس الثَّانِي وَالْعِشْرين من الشَّهْر الْمَذْكُور انْتقل إِلَى رَحْمَة مَوْلَاهُ الْكَرِيم مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا سُلْطَان الْحَرَمَيْنِ الشريفين حامي حمى المحلين المنيفين سلالة السَّادة القادة الْحَال مِنْهُم مَحل الْيَتِيمَة من القلادة مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا المرحوم الشريف أَحْمد ابْن المرحوم الشريف زيد تغمده الله برحمته ورضوانه وأحله أَعلَى فراديس جنانه وَتَوَلَّى غسله السَّيِّد مُحَمَّد النعمي وأعانه مَوْلَانَا السَّيِّد ثقبة بن قَتَادَة ومولانا السَّيِّد مُحَمَّد بن حمود وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن ابْن الشَّيْخ حنيف الدّين المرشدي ويوسف الملقب شيخ الْقُرَّاء وَمن لابد من الأتباع وَصلى عَلَيْهِ بعد صَلَاة الْعَصْر يَوْمه بعد فتح الْكَعْبَة الشَّرِيفَة وَدُعَاء الريس لَهُ وترحمه عَلَيْهِ بِأَعْلَى قبَّة زَمْزَم مَوْلَانَا الشَّيْخ أَحْمد ابْن الشَّيْخ مُحَمَّد النخلي وَدفن على وَالِده المرحوم الشريف زيد بقبة الشريف أبي طَالب رَحِمهم الله تَعَالَى برحمته وأسكنهم فسيح جنته كَانَت مُدَّة ولَايَته بِاعْتِبَار تَوليته بالأبواب الْعَالِيَة ثَلَاث سنوات وَسَبْعَة أشهر وَتِسْعَة عشر يَوْمًا وَبِاعْتِبَار وُرُود الْخَبَر إِلَى مَكَّة وجلوس ابْن أَخِيه السَّيِّد مساعد قَائِما عَنهُ ثَلَاث سنوات وَخَمْسَة أشهر وَثَلَاثَة وَعشْرين يَوْمًا رَحمَه الله تَعَالَى وَمِمَّا قيل فِيهِ من الشّعْر قَول صاحبنا الْفَاضِل الشَّيْخ سَالم بن أَحْمد بن إِدْرِيس اليمني الصعدي // (من الْكَامِل) // (سمَحَ الزمانُ لنا بملكِ بني حَسَنْ ... فَلِذَا شهدْنَا أَنه زمَنٌ حَسَنْ) (لله مِنْ زمنٍ صفَتْ أوقاتُهُ ... بدوامِ دولةِ مَنْ لَهُ الْعليا شجَنْ) (ألمالكُ الملكُ المؤيَّدُ أحمدُ بْنُ ... المنتقَى زيد المليك المؤتمَنْ) ْ (رأسُ الملوكِ يمينُهُمْ زندُ الرعَّية ... كهفُهُمْ يومَ المخاوفِ والمحنْ) (ملكٌ أَقَامَ السعْد يخدمُهُ على ... رَغْمِ الحسودِ أخي الضغائِنِ والإحَنْ) (ملكٌ لَهُ العزُّ المخلدُ لم يزلْ ... عبدا يحفُّ ركابه طولَ الزمَنْ) (ملكٌ غَدا المجدُ الأَثِيلُ أَلِيَّةً ... نعلا لأخمصه المصانةِ عَنْ دَرَنْ) (ملكٌ لَهُ الفخْرُ المؤيَّدُ قد غَدا ... من جملةِ الأنصارِ والجُنْدِ العَوَنْ) (ملكٌ تتوَّجَ بالسيادةِ والعلا ... وتدرَّعَ الفضْلَ الَّذِي لم يمتهَنْ)

стр. 2203

(ملكٌ لَهُ فِي الجودِ شهرةُ حاتمٍ ... وسماحَةُ الغيثِ الملثِّ إِذا هَتَنْ) (ملكٌ إِذا نزلَ الفقيرُ بسوحِهِ ... أنساه تذكارَ الأقاربِ والوطَنْ) (ملكٌ إِذا أمَّ الفقيرُ نوالَهُ ... أضحَى يطوِّقه أَعَاجِيب المِنَنْ) (ملكٌ لَهُ يومَ العطاءِ طلاقةُ الوجهِ ... الَّذِي ماءُ الحياءِ بِهِ قطَنْ) (ملكٌ لَهُ الخلُقُ الوسيمُ كَذَا لَهُ الخُلُقُ ... العظيمُ كَذَا لَهُ الفعْلُ الحسَنْ) (مِنْ آل طه والبتولِ وحَيْدَرٍ ... مَنْ نخبةِ الأشرافِ أبناءِ الحسَنْ) (مِنْ سادةٍ أضحَى حديثُ علاهم ... تالله يَطْوِى نشره عَنَّا الحَزَنْ) (مِن قادةٍ قطعُوا ببيضِ سيوفِهِمْ ... تلكَ المواضى دَابِرَ القومِ الخوَنْ) (مِن عُصبةٍ سَارُوا على سَنَنْ الْهدى ... قدماً فيا نُعْما بذَيَّاكَ السنَنْ) (مِن فتيةٍ شُمِّ الأنوفِ القائمين ... بحَملِ أعباءِ الفرائضِ والسنَنْ) (وسليل زيدِ الْملك هَذَا المرتضَى ... هُوَ خيرُهُمْ نفسا وأزكاهُمْ هدنْ) (هَذَا الَّذِي مَلأ البِقَاعَ أمانُهُ ... فأراع جيْشَ الخوفِ بعد أَن اطمأَنّ) (حَتَّى رَعَى ذئبُ الفلاةِ مَعَ الظبا ... وتكحَّلَ الجفنُ المسهدُ بالوسَنْ) (هَذَا الذى طافَتْ مكارمُهُ بأرضِ ... الصينِ بالروم المعمرِ باليمنْ) (هَذَا الَّذِي سارَتْ عوارفُهُ من البلدِ ... الحرامِ إِلَى العراقِ إِلَى عَدَنْ) (وَإِلَى مآثِرِ طيبةَ الغَرَّا إِلَى ... أرضِ الْحجاز إِلَى الخبوتِ إِلَى قرَنْ) (هَذَا الَّذِي بكمالِ وافرِ عدلِهِ ... خمدَتْ لظَى نارِ المظالمِ والفتنْ) (صعبُ العزائمِ من فرى بصفاحِهِ ... ورماحه مَنْ شا ومَنْ شَا قد طَعَنْ) (ثبتُ الجنانِ إِذا التقَى الصفَّانِ أثبت ... من كسا جُنن البسالة والمننْ) (طلْقُ اللسانِ إِذا أَشَارَ إِلَى البيانِ ... أجَلُّ مَنْ وهب الفصاحَةَ والفطَنْ) (يَابْنَ الكرامِ الأقدمينَ ومَنْ لَهُم ... غُرَرُ المعالِى لم تزلْ أبدا خدَنْ) (يأيها الملكُ الَّذِي حَمِدَ الورَى ... أفعالَهُ اللَّاتِي بهَا الخيرُ اقترَنْ) (خُذْهَا قصيدةَ مخلصٍ فِي ودِّهِ ... لكَ فِي حميدِ السرِّ مِنْهُ وَفِي العلَنْ) (غَرّاء هذَّبَها الذكاءُ وصاغَهَا الفكْرُ ... الَّذِي هُوَ بالمتاعِبِ فِي وَهَنْ) (هَذَا وَلَوْلَا صحبَةُ الصبْرِ الجميلِ ... لفارَقَ الأهلِينَ واصطَحَبَ الظعَنْ) (فأَجِزْ منضِّدَهَا اللجين فَإِنَّهُ ... رجلٌ عَلَيْهِ الدهْرُ بالدينارِ ضَنّ)

стр. 2204

(واسلَم ودُمْ طولَ الزمانِ مكرماً ... مَا غرَّدَ القمرىْ الطروبُ على فَنَنْ) (وغدَتْ جميعُ الخلقِ تنشدُ فرحةَ ... سَمَحَ الزمانُ لنا بملكِ بني حَسَنْ) وَقَوْلِي رثاء فِيهِ وتأريخاً لوفاته مُخَاطبا نجله السعيد عبد المحسن من // (مخلع الْبَسِيط) // (فاجأنا دهْرُنا المفاجِى ... سَطَا علينا بطُولِ أَيْدِى) (طاشَ حجانا لما دهانا ... بمَنْ حجانا صُرُوف كَيْدِ) (وَهَى عمادُ الوجودِ خرَّتْ ... سَمَّاهُ وانهَارَ كلُّ حَيْدِ) (هدَّتْ رواسي ذُرَى المعالِى ... دُكَّتْ شناخيبُ كل طَوْدِ) (لموتِ سلطانِنا المرجَّى ... أبي سليمانَ زَيْن أَيْدِى) (ألملكُ النائفُ المراقي ... وشائدُ العزِّ أَيَّ شَيْدِ) (حامي حِمَى الملكِ بالعوالِي ... وتاركُ الصِّيدِ شِبْهَ صَيْدِ) (أكرمُ مَنْ نَحوه المطايا ... تُزْجى بهَا دلّها وهَيْدِ) (قِيدَتْ إِلَيْهِ الأمورُ طَوْعًا ... يرسفُ فِي غُلِّهَا بقَيْدِ) (قرتْ عيونٌ جفَتْ كراها ... بِهِ كَذَا الأرضُ بعد مَيْدِ) (شبَّ فؤادٌ بِهِ فلمَّا ... أودَى بِهِ اعتاضَ شيْبَ فَوْدِ) (ناحَتْ عَلَيْهِ بكلِّ صوتٍ ... مكَّةُ من ناشئٍ وعَوْدِ) (فأعظمَ الله فِيهِ أجْرَ الجميعِ ... خُصِّصْتَ فضْلَ زَوْدِ) (ألهمَكَ الصبْرَ فِي رضاهُ ... رَوَّى ثراه سحابُ جودِ) (أسكنَهُ منزلا رفيعاً ... فِي جنَّةِ الخلدِ خَيْر فَيْدِ) (دونَكَ بشرَى بفالِ خيرٍ ... تَارِيخ عامٍ بضبط جَيْدِ) (دَار نعيمٍ حَبَى كريم ... قَرَّ بهَا أحمدُ بْنُ زَيْدِ) ثمَّ وَليهَا الشريف سعيد ابْن الشريف سعد ابْن الشريف زيد ابْن الشريف محسن ابْن حُسَيْن بن حسن وَذَلِكَ أَنه لما توفّي مَوْلَانَا المرحوم الشريف أَحْمد بن زيد تغمده الله بِالرَّحْمَةِ قبل الشُّرُوع فِي تَجْهِيزه أرسل مَوْلَانَا الشريف سعيد حفظه الله تَعَالَى إِلَى أَفَنْدِي الشَّرْع الشريف يطْلب مِنْهُ قفطاناً وَقد حضرت السَّادة الْفُقَهَاء وكبار العساكر عِنْد الأفندي فَقَالَ مَوْلَانَا الأفندي لَا بَأْس أَن تصبروا

стр. 2205

وتمهلوا نَحْو خَمْسَة أَيَّام نرسل لأكابر الْأَشْرَاف ونرى من يختارونه فَيكون هُوَ فَامْتنعَ أغاة الينكشارية وَقَالَ أَنا لَا أُرِيد مصلحَة لَا أُرِيد إِلَّا صَلَاح الْبِلَاد وَإِذا لم يتول هَذَا الرجل تلفت الْبِلَاد فتأثر الأفندي من كَلَامه وَفهم تعريضه بِهِ فَاعْتَذر الأغا إِلَى الأفندي فِي الْحَال فَأعْطَاهُ الأفندي القفطان على أَن يلْبسهُ الشريف قَائِم مقَام إِلَى أَن يرسلوا إِلَى الْأَبْوَاب الْعلية ويعرّفوا بِالْحَال فَأتوا بالقفطان إِلَى الشريف سعيد وَقَالُوا لَهُ مَا قَالَه الأفندي فَقَالَ لَا ألبسهُ إِلَّا اسْتِقْلَالا أَنا ابْن سعد بن زيد فلبسه وَأطلق مناديه بالبلاد وَمَعَهُ السَّيِّد عدنان بن حسن وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن سرُور وَغَيرهمَا ثمَّ أَمر بالزينة ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ أَمر بزينة يَوْمَيْنِ ثمَّ يَوْمَيْنِ إِلَى أَن كملت اثنى عشر يَوْمًا وَفِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ سادس عشري الشَّهْر الْمَذْكُور شهر جُمَادَى الأولى وصل مُورق من يَنْبع من السَّيِّد عبد المحسن يخبر وَالِده على ظن حَيَاته بوصول قابجي يُسمى أَحْمد أغا صحبته مرسوم شرِيف سلطاني وقفطان وَسيف مرهف باسم وَالِده مَوْلَانَا الشريف أَحْمد وقفطان لسنجق جده الْأَمِير مُحَمَّد بك فَكَانَ وُصُول مورقه فِي الْيَوْم الْمَذْكُور بعد وَفَاة وَالِده بأَرْبعَة أَيَّام وفيهَا لَيْلَة الثُّلَاثَاء ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة وصل السَّيِّد مُحَمَّد مير أخور المرحوم الشريف أَحْمد الَّذِي كَانَ قد أرْسلهُ إِلَى الْأَبْوَاب تقدم عَن القابجى بيومين ثمَّ فى سادس الشَّهْر الْمَذْكُور دخلت القفاطين السُّلْطَانِيَّة وَاجْتمعت السَّادة والأعيان والكبار على الْعَادة فِي الْحطيم وَلبس القفطان الشريف سعيد وتمنطق بالصارم المجوهر نصابه من حجر اليشم المفتخر وَقُرِئَ المرسوم السلطاني المتوج بِالِاسْمِ الشريف السُّلَيْمَانِي بعد أَن حول خطابه إِلَى اسْم الشريف سعيد بن سعد فِيهِ التَّصْرِيح بِأَن ابْتِدَاء جُلُوس مَوْلَانَا السُّلْطَان سُلَيْمَان على تخت السلطنة كَانَ يَوْم السبت ثَانِي محرم الْحَرَام من السّنة الْمَذْكُورَة أَعنِي سنة تسع وَتِسْعين وَألف ثمَّ نُودي بالزينة سَبْعَة أَيَّام ثمَّ بعد مُدَّة يسيرَة نزل القابجي الْمَذْكُور إِلَى جدة بالقفطان السلطاني إِلَى حَضْرَة السنجق المكرم أَمِير اللِّوَاء الْأَمِير مُحَمَّد بك فألبسه القفطان الَّذِي هُوَ لَهُ وقابله من الْإِكْرَام بِمَا كَانَ أَهله وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً

стр. 2206

وفيهَا لَيْلَة الْخَمِيس رَابِع عشر الشَّهْر الْمَذْكُور أعنى جُمَادَى الْآخِرَة وَدخل مَكَّة السَّيِّد عبد المحسن وَابْن عَمه السَّيِّد مساعد وغالب الَّذين كَانُوا مَعَهُمَا وَفِي سَابِع عشره خرج على سَبْعَة عشر أَصْحَاب ركائب زوّار قصدُوا طَرِيق زقاقة بعد ركوبهم من الْمنزل الْمُسَمّى مستورة بساعة خمس مردفات مَعَهم خمس من البندق رموهم بِهن فأخدوهم مَا عدا ثَلَاثَة أنفس فروا رَاجِعين إِلَى مستورة فَخرجت عَلَيْهِم أَربع مردفات كَانَت كامنة فَأَخَذُوهُمْ فَرجع الْجَمِيع إِلَى مستورة فِي حَالَة لَيست بمستورة وَللَّه الْأَمر لَا راد لما أَرَادَ وَفِي تَاسِع عشر الشَّهْر الْمَذْكُور كَانَت بِالْمَدِينَةِ وَاقعَة السَّيِّد مُحَمَّد البرزنجي مَعَ السَّيِّد مَحْمُود الكرديين ادّعى على السَّيِّد مُحَمَّد ضربُ السَّيِّد مَحْمُود فَدَعَاهُ الْحَاكِم الشَّرْعِيّ أَولا وَثَانِيا ثمَّ أَتَاهُ قهرا على مَا سمع وَاجْتمعت العساكر من الْعَامَّة لسَمَاع الدَّعْوَى فَأنْكر السَّيِّد مُحَمَّد الْفِعْل وَوَقع بَينه وَبَين الأفندي حَال الله أعلم بحقيقته آل الْأَمر فِيهِ إِلَى حَبسه بِأَسْفَل الْقلَّة الْكَبِيرَة رَأس القلعة وَسَيَأْتِي ذكر تسحُّبه وخلوصه من ذَلِك الْمحل إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَفِي يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشر الشَّهْر الْمَذْكُور كَانَ بروز الشَّيْخ سعيد ابْن المرحوم الشَّيْخ مُحَمَّد المنوفي صُحْبَة الْعرض إِلَى الْأَبْوَاب الْعَالِيَة فِي شَأْن تَوْلِيَة الشريف سعيد بن سعد مَكَّة وَطلب التأييد بِالْأَمر السلطاني فعيق عَن قَصده قبل مجاوزته الْمحل الْمُسَمّى بالمويلح وَأصْبح عذبه الْفُرَات مويلح وَفِي لَيْلَة الْأَحَد حادي عشري شعْبَان وصلت ثَلَاثَة نجاب من بني صَخْر من صَالح باشا صحبتهم مكاتيب من مَوْلَانَا الشريف سعد تَعْزِيَة لابنَة الشريف سعيد وتهنئة هَكَذَا أشيع وَالله أعلم بالحقائق وَفِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء غرَّة رَمَضَان وصل الشَّيْخ سعيد ابْن المرحوم الشَّيْخ مُحَمَّد المنوفي بحراً إِلَى جدة ثمَّ إِلَى مَكَّة فَدَخلَهَا عشَاء اللَّيْلَة الْمَذْكُورَة وَقصد إِلَى بَيت الْوَزير يُوسُف السَّقطِي وَكَانَ الشريف سعيد إِذْ ذَاك عِنْده فَأخْبرهُ بِمَا وَقع لَهُ فِي سفرته هَذَا وَأما الْخَبَر عَن مَوْلَانَا الشريف أَحْمد متع الله بحياته فَإِنَّهُ لما سَار هُوَ وَمن مَعَه من السَّادة والأتبأع فِي شهر ربيع الأول مضى إِلَى أَن انْتهى بِهِ السّير إِلَى مَحل

стр. 2207

يُسمى بحراً بَين الْمحل الْمُسَمّى بالأزلم وَالْمحل الْمُسَمّى كفاف منزلتي الْحَاج الْمصْرِيّ فَأَقَامَ بِهِ وَوصل إِلَيْهِ بِهِ سَابِع عشر جُمَادَى الأولى القابجي أَحْمد أغا صَاحب القفطان الْمُتَقَدّم ذكره فقابله مَوْلَانَا الشريف متع الله بحياته بغاية الْإِكْرَام وَنِهَايَة الإجلال والإعظام كَمَا هُوَ شَأْن طبعه الشريف ودأب خميه الزكي المنيف وَأقَام عِنْده يَوْمَيْنِ ثمَّ رَحل بِمَا أرسل بِهِ لمن أرسل إِلَيْهِ ثمَّ إِن مَوْلَانَا الشريف متع الله بحياته أرسل مَوْلَانَا السَّيِّد شبير ابْن السَّيِّد مبارك مَعَه السَّيِّد دراج الهجالي فِي جمَاعَة من الأتباع إِلَى محافظ مصر حسن باشا بلغه الله من الْخيرَات مَا شَاءَ بِعرْض يتَضَمَّن مَا أَرَادَهُ وَكَانَ رحيل السَّيِّد شبير وَمن مَعَه يَوْم الْخَمِيس ثَانِي عشري الشَّهْر الْمَزْبُور أَعنِي جُمَادَى الأولى وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي توفّي فِيهِ المرحوم الشريف أَحْمد فَدَخَلُوا مصر وأوصلوه الْعرض وَلما كَانَ يَوْم سَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة وصل إِلَى مصر خبر وَفَاة المرحوم الشريف أَحْمد فَحِينَئِذٍ أخرج لَهُم أمرا وقفطاناً باسم مَوْلَانَا الشريف أَحْمد متع الله بحياته وسيره مَعَ كيخيته وَضم إِلَيْهِ أغوات البُلكات من كل بلك جوربجي فَخَرجُوا من مصر ثانى عشر شعْبَان الْمُعظم ثمَّ أعرض إِلَى الْأَبْوَاب الْعَالِيَة لمولانا الشريف أَحْمد متع الله بحياته بالسير الشَّديد على خيل الْبَرِيد لتأييده بِالْأَمر السلطاني والقفطان الخاقاني ثمَّ إِن السَّيِّد شبير بعد خُرُوجه من مصر أرسل إِلَى مَوْلَانَا الشريف متع الله بحياته إِنَّا واصلون إِلَيْكُم عَن قريب صُحْبَة القفطان وَمن مَعَه فَأقبل مَوْلَانَا الشريف أَحْمد متع الله بحياته هُوَ والسادة الْأَشْرَاف وخدامهم وأتباعهم إِلَى الينبع فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا ثمَّ مِنْهَا إِلَى قَرْيَة بدر وَكَانَ دُخُوله إِلَيْهَا خَامِس عشري شهر شعْبَان الْمُعظم فَأَقَامَ بهَا ثمَّ لما كَانَ يَوْم الْجُمُعَة ثامن عشر رَمَضَان وصل إِلَيْهِ القفطان وَمن مَعَه من الأغوات فألبسه بِمَسْجِد الغمامة مِنْهَا وَهُوَ الْموضع الَّذِي بني فِيهِ الْعَريش للنَّبِي فَقعدَ فِيهِ يَوْم وقْعَة بدر الْمَشْهُورَة كَمَا ذكره المؤرخون الأقدمون ثمَّ سَارُوا جَمِيعًا مُقْبِلين إِلَى مَكَّة زَادهَا الله شرفاً وَقد كَانَ جَاءَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ رَابِع عشر

стр. 2208

رَمَضَان الْمَذْكُور مُورق إِلَى مَكَّة من حَضْرَة السنجق مُحَمَّد بك صُحْبَة مَكْتُوب إِلَى حَضْرَة الأفندي وأكأبر عَسَاكِر مصر مضمونه أَنه قد جَاءَنِي صُورَة أَمر من باشا مصر بِولَايَة الشريف أَحْمد بن غَالب وَأَن يبرزوا لمقابلة القفطان وَمن مَعَه فَلَمَّا وصل ذَلِك الْمَكْتُوب طلعوا إِلَى الشريف سعيد وَأَخْبرُوهُ بِمَا فِيهِ وَكَانَ الشريف سعيد قد سمع بِأَن قد نُودي باسم الشريف أَحْمد فِي جدة فأجابهم بقوله إِن كَانَ بيد السَّيِّد أَحْمد بن غَالب أَو السنجق أَمر سلطاني فليأتوا بِهِ وَنحن مطيعون لِلْأَمْرِ السلطاني وَإِن كَانَ غير سلطاني فَحكم الباشا على مصر وصعيدها يعْزل فِيهِ ويولى من شَاءَ وَمَا دون مَكَّة إِلَّا السَّيْف فَقَالَ لَهُ الأفندي عِنْد ذَلِك يَا مَوْلَانَا هَذَا وَزِير مصر يعْزل ويولى فكذبه صَرِيحًا وَقَالَ يعْزل ويولى لمثلك ثمَّ قَالَ لكبار العساكر أَنا لَا أمنع من يُرِيد الْخُرُوج وَلَكِن اعلموا أَن أول خَارج أول من أَضَع فِيهِ السَّيْف وَإِلَّا فالزموا بُيُوتكُمْ لَا مَعنا وَلَا علينا ثمَّ سطر كتابا للسنجق قَالَ لَهُ فِيهِ مثل قَوْله الأول إِن كَانَ مَعَك أَمر سلطاني فَأقبل أَنْت وَمن مَعَك وَإِلَّا فَارْجِع من حَيْثُ جِئْت فوصل الْكتاب إِلَى السنجق وَهُوَ بِالْمحل الْمُسَمّى بحرة من طَرِيق جدة فَأَعَادَ السنجق الْجَواب لابد من الدُّخُول فَلَمَّا سمع الشريف سعيد هَذَا الْجَواب أَمر عساكره بصعود المنائر وشحنت بيُوت أَعلَى مَكَّة وأسفلها بالعسكر وانتقبوا فِي جدرها متارس حِصَار وَأرْسل بِنَحْوِ خمسين خيالاً وَعشْرين دباباً عَلَيْهِم السَّيِّد حسن بن عبد الْكَرِيم بن حسن بن عَليّ بن باز وَقَالَ أَيْنَمَا لقيتموه فَردُّوهُ فَإِن رَجَعَ وَإِلَّا فَكَذَا وَكَذَا فَخَرجُوا بعد صَلَاة الْعشَاء حَتَّى واجهوا مخيمه مُقبلا على أدنى مَحل إِلَى مَكَّة فردوهم ثمَّ سَارُوا هنيهة حَتَّى لاقوه فَتقدم إِلَيْهِ السَّيِّد حسن الْمَذْكُور وَقَالَ يَا سنجق يَقُول لَك الشريف ارْجع وَإِلَّا كَذَا فِي هَذَا الْمَكَان من حذر فقد أنذر ثمَّ قَالَ لمن فِي صُحْبَة السنجق من الْأَشْرَاف وهم السَّيِّد مُحَمَّد ابْن السَّيِّد مساعد وَالسَّيِّد عبد الله بن أَحْمد الْحَارِث وَالسَّيِّد صَالح بن السَّيِّد مساعد يَقُول لكم الشريف مَا لكم دُخُول ديرتي ارْجعُوا من حَيْثُ جئْتُمْ فَرَجَعُوا ثمَّ رَجَعَ السَّيِّد حسن فَوجدَ مورقا من الأفندى وكبار الْعَسْكَر إِلَى السنحق يَعْتَذِرُونَ عَن الْخُرُوج

стр. 2209

إِلَى ملاقاته ويأمرونه بِالدُّخُولِ لَيْلًا هُوَ وَمن مَعَه إِلَى مدرسة الأفندى ليَكُون أمرا بَيت بلَيْل فازداد بهم ريباً إِلَى ريب هَكَذَا أشيع فِي الْبِلَاد وَكَذَا أشيع لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ حادي عشري رَمَضَان أَن بعض عَسْكَر رُتْبَة الْفَرْع مقبل إِلَى مَكَّة لغَرَض لَهُ وجد مَكْتُوبًا مَعَ مُورق أرْسلهُ مُحَمَّد أغا الْبَغْدَادِيّ إِلَى مَوْلَانَا الشريف أَحْمد متع الله بحياته فأوصله إِلَى الشريف سعيد فقرأه ودعا الْبَغْدَادِيّ بعد صَلَاة التَّرَاوِيح ووبخه فَقَالَ مَا وَقع منى شئ من هَذَا وَحلف بحياته أَنه مَا كَاتب فأظهر لَهُ الشريف ذَلِك الْمَكْتُوب ثمَّ أَمر بِهِ فضم وزنجر واستدعي بِعَبْدِهِ فَأخذ من الْحجر المطهر فإمر بضمه مَعَ سَيّده فَرمي برأسيهما من ليلتهما بأقصى أجياد أبي الْقَاسِم وَكسرت إبواب بيوته وَأخذ جَمِيع مَا فِيهَا وَكَانَ شَيْئا كثيرا من أَنْوَاع كَثِيرَة بعد أَن حاصر فِيهَا بالبندق أَرْبَعَة من عبيده رَأْسهمْ عبد حبشِي يُقَال لَهُ شاهين نَحْو الْمِائَتَيْنِ من عبد وعسكري إِلَى تذكير الصُّبْح وَكَمن شاهين خلف الْبَاب فَلَمَّا كسر ودُخل عَلَيْهِ طعن أول دَاخل فَقتله ثمَّ قتلته الْعَسْكَر عِنْد بَاب الشريف وَحمل قَتِيلا وَأُلْقِي فِي الواسعة وَلكُل أجل كتاب ثمَّ إِن حَضْرَة السنجق مُحَمَّد بك اسْتقْبل مَوْلَانَا الشريف أَحْمد متع الله بحياته وَمن مَعَه من السَّادة الْأَشْرَاف والأغوات بالآلاى والنوبة عِنْد انفصالهم من أدنى ملاوي وَادي مر فواجههم وحياهم ثمَّ دَخَلُوهُ مَعًا جَمِيعًا ثمَّ ورد عَلَيْهِم بِهِ مَوْلَانَا السَّيِّد أَحْمد ابْن السَّيِّد سعيد بن شنبر بن حسن فَركب إِلَيْهِ مَوْلَانَا الشريف متع الله بحياته وتلقاه من بُعد واعتنقا بخالص الصَّدَقَة والود وَأَتَاهُ من العنلة فى قريب من خمسين عنان كَانَ الله لَهُ حَيْثُ كَانَ وَفِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء تَاسِع عشري رَمَضَان الْمَزْبُور وصل الْخَبَر أَن مَوْلَانَا الشريف أَحْمد متع الله بحياته نزل بوادي مر هُوَ والسادة الْأَشْرَاف والسنجق وَمن مَعَهم فَأمر الشريف سعيد حِينَئِذٍ الفعلة بِبِنَاء متارس عديدة على رُءُوس جبال الزَّاهِر ومضايق ثنيتي كداء وكدى ورتب فِيهَا العساكر وَفِي غَالب الْأَمَاكِن المطلة على المنافذ وبرز فِي تِلْكَ اللَّيْلَة السَّيِّد مساعد ابْن الشريف سعد فِي عشرَة من السَّادة الْأَشْرَاف وَبَعض خيالة وَنَحْو سِتِّينَ بواردياً وبمدفعين اثْنَيْنِ سحبا بأكتاف الرِّجَال

стр. 2210

لإعواز أقتاب الْجمال وَبَات تِلْكَ اللَّيْلَة بالزاهر وَفِي لَيْلَة الْخَمِيس مستهل شَوَّال لَيْلَة الْعِيد ورد الْخَبَر بوصول مَوْلَانَا الشريف أَحْمد متع الله بحياته إِلَى النوارية مَحل على نصف الْمسَافَة من وَادي مر وَأشيع أَن قَصده الدُّخُول وَذكر اسْمه فِي خطْبَة الْعِيد على مِنْبَر الْحرم الشريف فَأرْسل مَوْلَانَا الشريف سعيد مَوْلَانَا السَّيِّد باز بن هَاشم وَالسَّيِّد وَاصل بن أَحْمد إِلَى مَوْلَانَا الشريف أَحْمد متع الله بحياته يطْلب إرْسَال الْأَمر الَّذِي وصل إِلَيْهِ ليشرف عَلَيْهِ فَلَمَّا وصلا إِلَيْهِ لهَذَا الْغَرَض غضب السنجق مُحَمَّد بك الْمَذْكُور وَمن مَعَه من الأغوات وشرابجية البلكات وَقَالَ لَيْسَ الْأَمر ملعبة وَحصل بَينهم كَلَام فَقَالَ مَوْلَانَا السَّيِّد أَحْمد بن سعيد بن شنبر يَا أَمِير نَحن رفاقة نصطلح ثمَّ أَخذ السيدين الْمَذْكُورين وَتكلم مَعَهُمَا بِكَلَام لم تبلغنَا حَقِيقَته الله أعلم بهَا فَرَجَعَا إِلَى الشريف سعيد فَأَخْبَرَاهُ فعزم حِينَئِذٍ على إخلاء مَكَّة وَالْخُرُوج مِنْهَا وَأمر العساكر بمفارقة المتارس والدور الَّتِي كَانُوا بهَا وَخرج نصف اللَّيْل من لَيْلَة الْجُمُعَة ثَانِي شَوَّال وَخرج مَعَه أَخُوهُ السَّيِّد مساعد وَابْن عَمه السَّيِّد عبد المحسن وَغَيرهمَا وعبيدهما وأتباعهما توجهوا إِلَى قَرْيَة الطَّائِف ثمَّ طلب بعد ذَلِك من مَوْلَانَا الشريف إِقَامَة مُدَّة شَهْرَيْن بهَا فأعطيها وَفِي حَال خُرُوجهمْ دخل مَوْلَانَا السَّيِّد حسن بن غَالب فِي جمَاعَة من الْأَشْرَاف والأتباع لحفظ الْبِلَاد عَن الشغُور وَللَّه عَاقِبَة الْأُمُور وَكَانَت مُدَّة ولَايَته أَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام من غير زِيَادَة وَلَا نقص يجمعها حُرُوف قَوْلك كل لَهُ مدا وَمِمَّا قيل فِيهِ من الشّعْر قولي وقدمتها لَهُ يَوْم الْجُمُعَة سلخ جُمَادَى الأولى من سنة تسع وَتِسْعين وَألف // (من الطَّوِيل) // (سقَى معهداً بَين الأثيلِ وناجمِ ... سحوحُ العهاد الغادياتِ السواجِمِ) (دريساً عفَتهُ الهوجُ مذ بَرِحَ النوَى ... بأهليه تكسُوهُ سمال السمائمِ) (نظرْتُ إِلَى أطلالِهِنَّ ونؤيها ... مثلَّمة فى جنْبِ سُفْعٍ جواثمِ) (كأنَّ الأثافي السودَ كَبِدِي قطعْنَهَا ... ظُبى البَيْنِ أَثلَاثًا كتقسيمِ قاسمِ) (فدرَّتْ بمرآها شئون مدامِعِى ... وظَلْتُ وَإِيَّاهَا كَبَوٍّ ورائمِ) (كأنْ لم تكنْ للغيد مأوىً وَلم تقمْ ... على دوحِهِ ألحانُ وُرْقِ الحمائمِ)
следующие страницы →