← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

إِنَّه حَدِيث مَوْضُوع وَإِن كَانَ فِي سنَن أبي دواد قَالَ الْمزي وَأَنا أقوله انْتهى قَالَ الْحَافِظ وَهَذِه مُكَابَرَة وَمِنْهُم مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان بن حَرْب بن أُميَّة الْقرشِي الْأمَوِي العبشمي ولى لعمر ﵁ الشَّام وَأقرهُ عُثْمَان قَالَ ابْن إِسْحَاق وَكَانَ أَمِيرا عشْرين سنة وَخَلِيفَة عشْرين سنة وروى فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد من طَرِيق الْعِرْبَاض بن سَارِيَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله يَقُول اللَّهُمَّ علم مُعَاوِيَة الْكتاب والحساب وقه الْعَذَاب وَهُوَ مَشْهُور بِكِتَابَة الْوَحْي وروى الإِمَام أَحْمد وَوَصله أَبُو يعلى فَقَالَ عَن مُعَاوِيَة وَالطَّبَرَانِيّ وَرِجَال الْأَوَّلين رجال الصَّحِيح عَن سعيد بن عمر بن سعد ابْن أبي وَقاص أَن أَبَا هُرَيْرَة اشْتَكَى وَأَن مُعَاوِيَة أخد الإدارة فَبَيْنَمَا هُوَ يوضىء رَسُول الله رفع رَأسه إِلَيْهِ مرّة أَو مرَّتَيْنِ وَهُوَ يتَوَضَّأ فَقَالَ يَا مُعَاوِيَة إِن وليت أمرا فَاتق واعدل وَلَفظ الصَّغِير للطبراني بِرِجَال وثقوا وَفِيهِمْ خلاف وفى سَنَده انْقِطَاع عَن مسلمة بن مخلد أَن رَسُول الله قَالَ لمعاوية اللَّهُمَّ علمه الْكتاب والحساب وقه الْعَذَاب وَمكن لَهُ فِي الْبِلَاد مَاتَ فِي رَجَب سنة سِتِّينَ وَقد قَارب الثَّمَانِينَ وَمِنْهُم شُرَحْبِيل بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة بعْدهَا بَاء مَكْسُورَة فتحتية سَاكِنة ابْن حَسنة وَهِي أمه وَمِنْهُم خَالِد بن الْوَلِيد سيف الله أسلم بَين الْحُدَيْبِيَة وَالْفَتْح مَاتَ سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَعشْرين

стр. 492

وَمِنْهُم عَمْرو بن الْعَاصِ أسلم عَام الْحُدَيْبِيَة ولي إمرة مصر مرَّتَيْنِ وَهُوَ الفاتح لَهَا وَمَات بهَا سنة نَيف وَأَرْبَعين وَقيل بعد الْخمسين وَمِنْهُم الْمُغيرَة بن شُعْبَة الثَّقَفِيّ أسلم قبل الْحُدَيْبِيَة ولي إمرة الْبَصْرَة ثمَّ الْكُوفَة مَاتَ سنة خمسين على الصَّحِيح وَأما أمراؤه ﵊ فَمنهمْ باذان بن سامان من ولد بهْرَام أمره على الْيمن وَهُوَ أول أَمِير فِي الْإِسْلَام وَأول من أسلم من مُلُوك الْعَجم وَأمر على صنعاء خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ وَولى زِيَاد بن لبيد الْأنْصَارِيّ حَضرمَوْت وَولى أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ زبيد وعدن وَولى معَاذ بن جبل الْجند وَولى أَبَا سُفْيَان بن حَرْب نَجْرَان وَولى ابْنه يزِيد تيماء وَولى عَتاب بن أسيد بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمُثَنَّاة فَوق وَفتح الْهمزَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة مَكَّة وَإِقَامَة الْمَوْسِم وَالْحج بِالْمُسْلِمين سنة ثَمَان من الْهِجْرَة وَهُوَ عَام فتحهَا وَولى عَليّ ابْن أبي طَالب الْقَضَاء بِالْيمن وَولى عَمْرو بن الْعَاصِ عُمان وَأما مؤذنوه ﵊ فَأَرْبَعَة اثْنَان بِالْمَدِينَةِ بِلَال وَسعد بن عَائِذ أَو ابْن عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بِسَعْد الْقرظ أَو الْقرظِيّ وَاثْنَانِ بِمَكَّة عَمْرو بن أم مَكْتُوم وَأَبُو مَحْذُورَة أما بِلَال فَهُوَ ابْن رَبَاح وَأمه حمامة مولى أبي بكر الصّديق ﵁ وَهُوَ أول من أذن لرَسُول الله وَلم يُؤذن بعده لأحد من الْخُلَفَاء إِلَّا أَن عمر ﵁ لما قدم الشَّام حِين فتحهَا أذن بِلَال فَتذكر النَّاس النَّبِي قَالَ أسلم مولى عمر ﵁ فَلم أر أَكثر باكيا من يومىء وَتوفى بِلَال سنة سبع عشرَة أَو عشْرين ب داريا وَدفن بِبَاب كيسَان وَله بضع وَسِتُّونَ سنة وَقيل دفن بحلب وَقيل بِدِمَشْق وَأما سعد بن عَائِذ أَو ابْن عبد الرَّحْمَن الْقرظِيّ مولى عمار فَأذن لَهُ ﵊ بقباء وَبَقِي إِلَى ولَايَة الْحجَّاج على الْحجاز وَذَلِكَ سنة أَربع وَسبعين من الْهِجْرَة

стр. 493

وَأما عَمْرو بن أم مَكْتُوم الْقرشِي الْأَعْمَى فَأسلم وَأذن لَهُ ﵊ وَهَاجَر إِلَى الْمَدِينَة وَأما أَبُو مَحْذُورَة بِالْحَاء الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة واسْمه أَوْس الجُمَحِي الْمَكِّيّ أَبُو معير بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْعين وتحريك التَّحْتِيَّة مَاتَ بِمَكَّة سنة تسع وَخمسين وَقيل تَأَخّر إِلَى بعد ذَلِك قَالَ فِي الرَّوْض الْأنف وَأَبُو مَحْذُورَة الجُمَحِي واسْمه سَلمَة بن معير وَقيل سَمُرَة فَإِنَّهُ لما سمع الْأَذَان وَهُوَ مَعَ فتية من قُرَيْش خَارج مَكَّة أَقبلُوا يستهزئون ويحكون صَوت الْمُؤَذّن غيظا فَكَانَ أَو مَحْذُورَة هَذَا من أحْسنهم صَوتا فَرفع صَوته مستهزئا بِالْأَذَانِ فَسَمعهُ رَسُول الله فَأمر بِهِ فَمثل بَين يَدَيْهِ وَهُوَ يظنّ أَنه مقتول فَمسح رَسُول الله ناصيته وصدره بِيَدِهِ الشَّرِيفَة قَالَ فَامْتَلَأَ قلبِي وَالله إِيمَانًا ويقيناً وَعلمت أَنه رَسُول الله فَألْقى عَلَيْهِ رَسُول الله الْأَذَان وَعلمه إِيَّاه فَأمره أَن يُؤذن لأهل مَكَّة وَهُوَ ابْن سِتّ عشرَة سنة فَكَانَ مؤذنهم حَتَّى مَاتَ ثمَّ عقبه بعده يتوارثون الْأَذَان وَكَانَ هَؤُلَاءِ المؤذنون المذكورون مِنْهُم من يرجع الْأَذَان ويثني الْإِقَامَة وبلال لَا يرجع ويفرد الْإِقَامَة فَأخذ الشَّافِعِي بِإِقَامَة بِلَال وَأهل مَكَّة أخذُوا بِأَذَان أبي مَحْذُورَة وَإِقَامَة بِلَال وَأخذ أَبُو حنيفَة وَأهل الْعرَاق بِأَذَان بِلَال وَإِقَامَة أبي مَحْذُورَة وَأخذ أَحْمد بِأَذَان بِلَال وإقامته وَخَالفهُم مَالك فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِعَادَة التَّكْبِير وتثنية لفظ الْإِقَامَة وَكَانَ خَطِيبه ﵊ ثَابت بن قيس بن شماس بِمُعْجَمَة وَمِيم مُشَدّدَة وَآخره سين مُهْملَة وَهُوَ خزرجي شهد لَهُ النَّبِي بِالْجنَّةِ وَكَانَ خَطِيبه وخطيب الْأَنْصَار وَاسْتشْهدَ يَوْم الْيَمَامَة سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَقد تقدم ذكره وَأما شعراؤه فمدحه بالشعر جمَاعَة من رجال الصَّحَابَة وَنِسَائِهِمْ جمعهم الْحَافِظ أَبُو الْفَتْح ابْن سيد النَّاس فِي قصيدة ثمَّ شرحها فِي مجلدة سَمَّاهَا فتح الْمَدْح ورتبهم على حُرُوف المعجم قَارب بهم الْمِائَتَيْنِ وَأما شعراؤه الَّذين كَانُوا بِسَبَب المناضلة عَنهُ والهجاء لكفار قُرَيْش فَإِنَّهُم ثَلَاثَة حسان بن ثَابت بن الْمُنْذر بن عَمْرو بن حرَام الْأنْصَارِيّ وَكَانَ يقبل بالهجو

стр. 494

على أنسابهم دَعَا لَهُ ﵊ فَقَالَ اللَّهُمَّ أيده بِروح الْقُدس فَيُقَال إِنَّه أَعَانَهُ جِبْرِيل ﵇ بسبعين بَيْتا وفى الحَدِيث إِن جِبْرِيل مَعَ حسان مَا نافح أَي دَافع وَالْمرَاد هجاء الْمُشْركين ومجاوبتهم على أشعارهم وَلما جَاءَهُ ﵊ بَنو تَمِيم وشاعرهم الْأَقْرَع بن حَابِس فَنَادَوْهُ يَا مُحَمَّد اخْرُج إِلَيْنَا نفاخرك ونشاعرك فَإِن مَدْحنَا زين وذمنا شين فَلم يزدْ ﵊ على أَن قَالَ ذَلِك الله إِذا مدح زَان واذا ذمّ شان إِنِّي لم أبْعث بالشعر وَلم أُؤمر بالهجر وَلَكِن هاتوا فَأمر ﵊ ثَابت بن قيس خَطِيبه أَن يُجيب على خطبتهم فَخَطب ثَابت فغلبه فَقَامَ شَاعِرهمْ الْأَقْرَع بن حَابِس فَقَالَ // (من الطَّوِيل) // (أَتَيْنَاكَ كَيْمَا يَعْرِفَ النَّاسُ فَضْلَنَا ... إِذَا خَلَفُونَا عِنْدَ ذِكْرِ المَكَارِمِ) (وَأَنَّا رُءُوسُ النَّاسِ فِي كُلِّ مَعْشَرٍ ... وَأّنْ لَيْسَ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ كَدَارِمِ) فَأمر ﵊ حسانا أَن يجِيبه فَقَالَ // (من الطَّوِيل) // (بَنِي درَاِمِ لَا تَفْخَرُوا إِنَّ فَخْرَكُمْ ... يَعُودُ وَبَالاً عِنْدَ ذِكْرِ المَكَارِم) (هَبَلْتُمْ عَلَيْنَا تَفْخَرُونَ وَأَنْتُمُ ... لَنَا خَوَلٌ مَا بَيْنَ ظِئْرٍ وَخَادِمِ) وَكَانَ أول من أسلم شَاعِرهمْ عَاشَ حسان مائَة وَعشْرين سنة سِتِّينَ مِنْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَام وَكَذَا عَاشَ أَبوهُ ثَابت وجده الْمُنْذر وجد أَبِيه حرَام كل وَاحِد مِنْهُم مائَة وَعشْرين سنة وَتُوفِّي حسان سنة أَربع وَخمسين من الْهِجْرَة قلت وَهَؤُلَاء الْوَفْد الَّذين أنزل فِي شَأْنهمْ ( ﴿إنَ اَلًذِين يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الحجرات أَكْثَرهم لَا يعْقلُونَ وَلَو أَنهم صَبَرُوا﴾ وَالله أعلم وَعبد الله بن رَواحة وَكَانَ يعير قُريْشًا بالْكفْر وَكَعب بن مَالك وَكَانَ يخوفهم بِالْحَرْبِ وَكَانُوا لَا يبالون قبل الْإِسْلَام بأهاجي ابْن رَوَاحَة ويألمون من أهاجي حسان فَلَمَّا دخل من دخل مِنْهُم الْإِسْلَام وجد أهاجي ابْن رَوَاحَة أَشد وأشق قَالَ فِي زَاد الْمعَاد وَكَانَ أَشَّدهم على الْكفَّار حسان

стр. 495

ابْن ثَابت وَكَعب بن مَالك يعيرهم بالشرك وَالْكفْر وَأما حُداته فَأَرْبَعَة أَنْجَشَة بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْجِيم وبالشين الْمُعْجَمَة كَانَ عبدا أسود حسن الحداء يَحْدُو بِالنسَاء فحدا بأمهات الْمُؤمنِينَ فِي حجَّة الْوَدَاع فأسرعت الْإِبِل فَقَالَ ﵊ رويدك يَا أَنْجَشَة رفقا بِالْقَوَارِيرِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وفى صَحِيح مُسلم وَكَانَ لرَسُول الله حاد حسن الصَّوْت فَقَالَ لَهُ رَسُول الله رويدك يَا أَنْجَشَة لَا تكسر الْقَوَارِير يَعْنِي ضعفة النِّسَاء وَفِي الْمَوَاهِب كَانَ يَحْدُو وينشد القريض وَالرجز فَقَالَ ﵊ لَهُ ذَلِك القَوْل يشبههن بِالْقَوَارِيرِ من الزّجاج لِأَنَّهُ يسْرع إلَيْهِنَّ الْكسر فَلم يَأْمَن عليهمن أَن يصيبهن أَو يَقع فِي قلوبهن حداؤه فَأمره بالكف وفى الْمثل الْغناء رقية الزِّنَا وَقيل أَرَادَ أَن الْإِبِل إِذا سَمِعت الحداء أسرعت فِي الْمَشْي واشتدت فأزعجت الرَّاكِب وأتعبته فَنَهَاهُ عَن ذَلِك بقوله رفقا بِالْقَوَارِيرِ لِأَن النِّسَاء يضعفن عَن شدَّة الْحَرَكَة هَذِه عِبَارَته قلت لَا ريب أَن هَذَا هُوَ المُرَاد من الحَدِيث وَالْعلَّة

стр. 496

فِي النَّهْي لَا سواهُ يُؤَيّدهُ مَا رَوَاهُ ابْن سعد عَن مُجَاهِد عَن طَاوس قَالَ كَانَ رَسُول الله فِي سفر فَبينا هُوَ يسير بِاللَّيْلِ وَمَعَهُ رجل يسايره إِذْ سمع حَادِيًا يَحْدُو وَقوم أَمَامه فَقَالَ لصَاحبه لَو أَتَيْنَا حادى الْقَوْم فَقَرَّبْنَا حَتَّى غشينا الْقَوْم فَقَالَ رَسُول الله مِمَّن الْقَوْم فَقَالُوا من مُضر فَقَالَ ﵊ وَأَنا من مُضر دنا حادينا يسمع حاديكم فسمعنا حاديكم فأتيناكم زَاد طَاوس نسْمع حداءه فَقَالُوا يَا رَسُول الله أما إِن أول من حدا منا رجل فِي سفر ضرب غُلَاما لَهُ على يَده بعصا فَانْكَسَرت يَده فَجعل الْغُلَام يَقُول وَهُوَ يُشِير يَا يَدَاهُ يَا يَدَاهُ فسارت الْإِبِل على صَوته وَقطعت أَوديَة بِسُرْعَة وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا قَول الشَّاعِر // (من مجزوء الْكَامِل) // (إنْ كُنْتَ تُنْكِرُ أّنَّ فِي الأَلْحَانِ ... تَأْثِيرّا وَنَفْعَا) (فَانْظُرْ إِلَى الإِبِلِ الَّتِي ... لَا شَكَّ أَغْلَظُ مِنْكَ طَبْعَا) (تُصْغِي إِلَى صَوْتِ الُحُدَاةِ ... فَتَقْطَعُ الفَلَوَاتِ قَطْعَا) وَالْعجب من صَاحب الْمَوَاهِب كَيفَ جعل الْمَعْنى الأول هُوَ المُرَاد من الحَدِيث فَجعل عِلّة النَّهْي خوف أَن يصبهن أَو يَقع فِي قلوبهن حداؤه وأردفه بإيراد الْمثل الَّذِي أوردهُ فليته لم يُورِدهُ وَهُوَ معنى غير لَائِق التَّعْلِيل بِهِ فِي آحَاد حرائر نسَاء الْمُسلمين فَكيف يُعلل بِهِ فِي المحدوِّ بِهن فِي الْوَاقِع وَهن أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ على أَن تَشْبِيه النِّسَاء بِالْقَوَارِيرِ من الزّجاج فِي الضعْف وَسُرْعَة الْكسر إِلَيْهَا إِنَّمَا يلائم الْمَعْنى الثَّانِي الَّذِي حَكَاهُ بِصِيغَة التمريض فَمَا مَرضه هُوَ الصَّحِيح وَمَا صَححهُ فقدمه هُوَ الْمَرِيض إِذْ لَا تمكن صِحَّته إِلَّا بِضَرْب من الْمجَاز مَعَ أَنَّك أَيهَا الْمنصف لَو نظرت إِلَيْهِ فِي جادة الشَّرْع وجدته قَرِيبا من عدم الْجَوَاز وَالله أعلم وعامر بن الْأَكْوَع بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْكَاف وَفتح الْوَاو وبالعين الْمُهْملَة هُوَ عَم سَلمَة بن الْأَكْوَع وَفِي البُخَارِيّ من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع قَالَ خرجنَا مَعَ النَّبِي إِلَى خَيْبَر فسرنا لَيْلًا فَقَالَ رجل من الْقَوْم لعامر يَا عَامر أَلا تسمعنا من هنياتك وَكَانَ عَامر رجلا شَاعِرًا فَنزل يَحْدُو بالقوم // (من الرجز) // (تاللهِ لَوْلَا الله مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا)

стр. 497

(فَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا أَتَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامِ إِنْ لَا قَيْنَا) (وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا) (وَبِالصّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا ... ) وفى رِوَايَة فِي هَذَا الرجز زِيَادَة: (إنَّ الذِينَ قَدْ بَغوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أرَادُوا فتنَةً أَبَيْنَا) (ونَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا ... ) فَقَالَ ﵊ من هَذَا السَّائِق قَالُوا عَامر بن الْأَكْوَع قَالَ يرحمه الله فَقَالَ رجل من الْقَوْم وَجَبت يَا رَسُول الله لَو أمتعتنا بِهِ وفى رِوَايَة أَحْمد فَجعل عَامر يرتجز ويسوق الركاب وَهَذِه كَانَت عَادَتهم إِذا أَرَادوا تنشيط الْإِبِل من السّير ينزل بَعضهم فيسوقها ويحدو فِي تِلْكَ الْحَال وَقَوله ﵊ من هَذَا السَّائِق فَقَالُوا عَامر بن الْأَكْوَع فَقَالَ يرحمه الله فَقَالَ رجل من الْقَوْم وَجَبت أَي ثبتَتْ لَهُ الشَّهَادَة وستقع قَرِيبا وَكَانَ مَعْلُوما عِنْدهم أَن من دَعَا لَهُ بِهَذَا الدُّعَاء فِي مثل هَذَا الموطن اسْتشْهد فَلذَلِك قَالُوا هلا أمتعتنا بِهِ أَي وَدِدْنَا أَنَّك أخرت الدُّعَاء لَهُ بِهَذَا إِلَى وَقت آخر لنتمتع بمصاحبته ورؤيته مُدَّة وَاسْتشْهدَ ﵁ يَوْم خَيْبَر وَعبد الله بن رَواحة كَانَ يَحْدُو بَين يَدَيْهِ ﵊ فِي السّفر روى التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل من حَدِيث أنس أَنه دخل مَكَّة فِي عمْرَة الْقَضَاء وَابْن رَوَاحَة آخذ بزمام رَاحِلَته يرتجز فَيَقُول // (من الرجز) // (خَلُّوا بَنِي الكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ ... قَدْ أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهِ) (بِأَنَّ خَيْرِ القَتْلِ فِي سَبِيلِهِ ... أليَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ) (ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ ... وَيُذْهِلُ الَخلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ) (يَا رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ ... إِنِّي رَأَيْتُ الْحَقَّ فِي قَبُولِهِ) والبراء بن مَالك قَالَ أنس كَانَ الْبَراء بن مَالك يَحْدُو بِالرِّجَالِ وأنجشة يَحْدُو بِالنسَاء وَمن حراسه أَبُو قَتَادَة الْأنْصَارِيّ حارس رَسُول الله وفى اسْمه أَقْوَال أشهرها

стр. 498

الْحَارِث بن ربعي شهد أحدا والمشاهد كلهَا وروى عَن رَسُول الله مائَة وَسبعين حَدِيثا قيل إِنَّه شهد بَدْرًا وَلم يَصح وَمِنْهُم أَبُو رَيْحَانَة رجل من الْأَنْصَار روى الإِمَام أَحْمد بِرِجَال ثِقَات وَالطَّبَرَانِيّ عَنهُ ﵁ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله فِي غزَاة فأتينا ذَات لَيْلَة على شرف فبتنا عَلَيْهِ فأصابنا عَلَيْهِ برد شَدِيد حَتَّى رَأَيْت من يحْفر فِي الأَرْض من حُفْرَة فَيدْخل فِيهَا ويلقي عَلَيْهِ جُحْفَته يعْنى الترس فَلَمَّا رأى رَسُول الله ذَلِك بِالنَّاسِ قَالَ من يحرسنى اللَّيْلَة وأدعو الله دُعَاء يكون فِيهِ فضلا فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار أَنا يَا رَسُول الله فَفتح ﵊ بِالدُّعَاءِ فَأكْثر مِنْهُ قَالَ أَبُو رَيْحَانَة فَلَمَّا سَمِعت مَا دَعَا بِهِ رَسُول الله قلت أَنا رجل آخر فَقَالَ ادنه فدنوت فَقَالَ من أَنْت فَقلت أَنا أَبُو رَيْحَانَة فَدَعَا لي بِدُعَاء دون دُعَائِهِ للْأَنْصَارِيِّ وَمِنْهُم سعد بن معَاذ يَوْم بدر حِين نَام فِي الْعَريش ذكره ابْن عبد قيس وَمِنْهُم الْمُغيرَة بن شُعْبَة حِين وقف على رَأسه بِالسَّيْفِ يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَعُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ يكلمهُ ﵊ ويلمس لحيته فَضرب الْمُغيرَة يَده بنعل السَّيْف وَقَالَ اكفف يدك عَن لحية رَسُول الله وَكَانَ إِذْ ذَاك عُرْوَة لم يسلم وَمِنْهُم مُحَمَّد بن مسلمة حرسه يَوْم أحد وَمِنْهُم الزبير بن الْعَوام يَوْم الخَنْدَق وَمِنْهُم مرْثَد بن أبي مرْثَد الغنوي بوادي الْقرى ذكره ذكْوَان بن عبد قيس وَمِنْهُم أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَقت دُخُوله بصفية بِخَيْبَر أَو بِبَعْض الطّرق فَدَعَا لَهُ ﵊ فَقَالَ لَهُ حرسك الله يَا أَبَا أَيُّوب كَمَا بت تحرس نبيه قَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف فحرس الله أَبَا أَيُّوب بِهَذِهِ الدعْوَة حَتَّى أَن الرّوم لتحرس قَبره ويستسقون بِهِ وَذَلِكَ أَنه غزا مَعَ يزِيد بن مُعَاوِيَة سنة خمسين من الْهِجْرَة فَلَمَّا بلغُوا الْقُسْطَنْطِينِيَّة توفّي أَبُو أَيُّوب هُنَاكَ شَهِيدا وَكَانَ قد أوصى إِلَى يزِيد أَن يدفنه فِي أقرب مَوضِع من مَدِينَة الرّوم فَركب الْمُسلمُونَ وَمَشوا بِهِ حَتَّى إِذا لم يحدوا مساغاً دفنوه فسألتهم الرّوم عَن شَأْنهمْ فَأَخْبرُوهُمْ أَنه كَبِير من أكَابِر أَصْحَاب رَسُول الله فَقَالَت الرّوم ليزِيد بن مُعَاوِيَة مَا أحمقك وأحمق من

стр. 499

أرسلك أأمنت أَن ننبشه بعْدك فنحرق عِظَامه فأقسم لَهُم يزِيد لَئِن فعلوا ذَلِك ليهدمن كل كَنِيسَة لَهُم بِأَرْض الْعَرَب وينبش قُبُورهم فَحِينَئِذٍ حلفوا لَهُ بدينهم ليكرمن قَبره وليحرسنه مَا اسْتَطَاعُوا فَذَلِك أثر دَعوته ﵊ وَمِنْهُم سعد بن أبي وَقاص بوادي الْقرى روى أَبُو الْقَاسِم عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز اللّغَوِيّ عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت بَات رَسُول الله ذَات لَيْلَة فَقَالَ لَيْت رجلا صَالحا يَحْرُسنِي قَالَت إِذْ سَمِعت السَّلَام عَلَيْكُم فَقَالَ من هَذَا قَالَ أَنا سعيد بن أبي وَقاص أَنا أَحْرُسُك يَا رَسُول الله قَالَت فَنَامَ رَسُول الله حَتَّى سَمِعت غَطِيطه وَمِنْهُم عباد بن بشر وَهُوَ الَّذِي كَانَ على حرسه فَلَمَّا نزلت آيَة ( ﴿وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾ خرج ﵊ فَأخْبرهُم وَصرف الحرس وَأما خيله ﵊ فالسكب بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْكَاف يُقَال فرس سكب أَي كثير الجري كَأَنَّمَا يصب جريه صبا وَأَصله من سكب المَاء يسكبه وَهُوَ أول فرس ملكه اشْتَرَاهُ ﵊ بِعشر أَوَاقٍ وَكَانَ أغر محجلاً طلق الْيُمْنَى كميتا وَقَالَ ابْن الْأَثِير كَانَ أدهم والمرتجز سمي بِهِ لحسن صهيله مَأْخُوذ من الرجز الَّذِي هُوَ ضرب من الشّعْر وَكَانَ أَبيض وَهُوَ الَّذِي شهد فِيهِ خُزَيْمَة بن ثَابت فَجعل ﵊ شَهَادَته بِشَهَادَة رجلَيْنِ وَقَالَ من شهد لَهُ خُزَيْمَة كفى أَو كَمَا قَالَ والظرب بالظاء الْمُعْجَمَة آخِره مُوَحدَة وَاحِد الظراب للجيل الصَّغِير سمي بِهِ لكبره وسمنه وَقيل لقُوته وصلابة رجلَيْهِ أهداه لَهُ فَرْوَة بن عَمْرو الجذامي واللحيف بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاء أهداه لَهُ ربيعَة بن أبي الْبَراء سمي لسمنه وَكبره كَأَنَّهُ يلحف الأَرْض أَي يغطيها بذيله لطوله فعيل بِمَعْنى فَاعل يُقَال لحفت الرجل باللحاف طرحته عَلَيْهِ ويروى بِالْجِيم وبالخاء الْمُعْجَمَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَلم يتحققه

стр. 500

وَالْمَعْرُوف بِالْحَاء الْمُهْملَة قَالَه ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة واللزاز سمى بِهِ لتلززه واجتماع خَلقه لز بِهِ الشَّيْء لزق بِهِ كَأَنَّهُ يلزق بالمطلوب لسرعته وَهَذَا أهداه لَهُ الْمُقَوْقس والورد قَالَ ابْن سعد أهداه لَهُ تَمِيم الدَّارِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأعْطَاهُ عمر فَحمل عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله ثمَّ وجده يُبَاع برخص فَاشْتَرَاهُ وسبحة بِالضَّمِّ وَالْمُوَحَّدَة من قَوْلهم فرس سابح إِذا كَانَ حسن مد الْيَدَيْنِ فِي الجري قَالَ ابْن التِّين هِيَ فرس شقراء اشْتَرَاهَا من أَعْرَابِي من جُهَيْنَة بِعشر من الْإِبِل فَهَذِهِ سَبْعَة مُتَّفق عَلَيْهَا وَذكر ابْن بَنِينَ فِيمَا حَكَاهُ الْحَافِظ الدمياطي الْبَحْر فِي خيله ﵊ قَالَ وَكَانَ اشْتَرَاهُ من تجر قدمُوا من الْيمن فَسبق عَلَيْهِ مَرَّات فَجَثَا ﵊ على رُكْبَتَيْهِ وَمسح وَجهه وَقَالَ مَا أَنْت إِلَّا بَحر فَسمى بحراً قَالَ ابْن الْأَثِير وَكَانَ لَونه كميتاً والسجل بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم ذكره عَليّ بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن ابْن عَبدُوس الْكُوفِي وَلَعَلَّه مَأْخُوذ من قَوْلهم سجلت فِي المَاء فانسجل إِذا صببته فانصب وَذُو لملة بِكَسْر اللَّام وَشد الْمِيم ذكره ابْن حبيب وَذُو العُقار بِضَم الْعين وَشد الْقَاف وَحكى بَعضهم تخفيفها والسرحان بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء ذكره ابْن خالويه والطرف بِكَسْر الطَّاء وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا ذكره ابْن قُتَيْبَة فِي المعارف وَذكر أَن فِي رِوَايَة أَنه هُوَ الَّذِي اشْتَرَاهُ ﵊ من الْأَعرَابِي وَشهد لَهُ خُزَيْمَة ابْن ثَابت فِيهِ والمرتجل بِكَسْر الْجِيم ذكره ابْن خالويه من قَوْلهم ارتجل الْفرس ارتجالاً إِذا خلط العَنَق بِشَيْء من الهملجة والمرواح بِكَسْر الْمِيم من أبنية الْمُبَالغَة كالمطعام مُشْتَقّ من الرّيح لسرعته أَو من الرواح لتوسعه فِي الجرى أهداه لَهُ قوم من مذْحج ذكره ابْن سعد وملاوح بِضَم الْمِيم وَكسر الْوَاو ذكره ابْن خالويه وَالْمَنْدُوب ذكره بَعضهم فِي خيله وَكَانَ دفتا سَرْجه من لِيف

стр. 501

وَأما سلاحه ﵊ فَكَانَ لَهُ تِسْعَة أسياف مَأْبُور وَهُوَ أول سيف ملكه ﵊ وَهُوَ الَّذِي يُقَال إِنَّه قدم بِهِ إِلَى الْمَدِينَة فِي الْهِجْرَة العضب بِعَين مُهْملَة وضاد مُعْجمَة وَمَعْنَاهُ الْقَاطِع أرْسلهُ إِلَيْهِ سعد بن عبَادَة حِين سَار إِلَى غَزْوَة بدر ذُو الفقار لِأَنَّهُ كَانَ وَسطه مثل فقار الظّهْر وَيجوز فِي فائه الْفَتْح وَالْكَسْر وَصَارَ إِلَيْهِ يَوْم بدر وَكَانَ للعاصي بن مُنَبّه بن الْحجَّاج الجُمَحِي فَكَانَ هَذَا السَّيْف لَا يُفَارِقهُ ﵊ يكون مَعَه فِي كل حَرْب يشهدها وَكَانَت قائمته وقبيعته وحلقته وذؤابته وبكراته وَنَعله من فضَّة وَهُوَ الَّذِي صَار إِلَى الإِمَام عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فَقيل لَا سيف إِلَّا ذُو الفقار وَلَا فَتى إِلَّا عَليّ القلعي بِضَم الْقَاف وَفتح اللَّام وَهُوَ الَّذِي أَصَابَهُ من قلع مَوضِع بالبادية البتار أَي الْقَاطِع الحتف وَهُوَ الْمَوْت المخذم وَهُوَ الْقَاطِع الرسوب أَي الَّذِي يمْضِي فِي الضَّرْبَة ويغيب فِيهَا وَهُوَ فعول من رسب يُرْسل إِذا ذهب إِلَى أَسْفَل وَإِذا ثَبت أصَاب ﵊ المخذم والرسوب من الْفلس بِضَم الْفَاء وَسُكُون اللَّام اسْم صنم كَانَ لطيء وَكَانَ لَهُ سيف اسْمه وأرماحه ﵊ المثوى قَالَ ابْن الْأَثِير سمى بذلك لِأَنَّهُ يثوى المطعون بِهِ من الثوى وَهُوَ الْإِقَامَة والمثنى ورمحان آخرَانِ وَكَانَ لَهُ ﵊ حَرْبَة كَبِيرَة اسْمهَا الْبَيْضَاء وحربة صَغِيرَة دون الرمْح شبه العكازة يُقَال لَهَا العنزة وَكَانَت تركز أَمَامه وَيُصلي إِلَيْهَا فِي السّفر وَبِذَلِك اغْترَّ بعض العنزيين فَقَالَ صلى النَّبِي إِلَيْنَا ظنا مِنْهُ أَنَّهَا الْقَبِيلَة الَّتِي هُوَ مِنْهَا وَإِنَّمَا هِيَ العكازة كَمَا رَأَيْت وَأما أدراعه ﵊ فسبع ذَات الفضول بالضاد الْمُعْجَمَة لطولها أرسلها إِلَيْهِ سعد بن عبَادَة حِين سَار إِلَى بدر وَهِي الَّتِي رَهنهَا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام

стр. 502

عِنْد أبي الشَّحْم الْيَهُودِيّ على ثَلَاثِينَ صَاعا من شعير وَكَانَ الدّين إِلَى سنة وَذَات الوشاح وَذَات الْحَوَاشِي والسغدية بِالسِّين الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة وَهِي درع عكبراء لقينقاعي قيل وَهِي درع دَاوُد ﵊ الَّتِي لبسهَا حِين قتل جالوت وَفِضة وَكَانَ أَصَابَهَا من بني قينقاع والبتراء لقصرها والخرنق باسم ولد الأرنب وَكَانَ عَلَيْهِ ﵊ يَوْم أحد دِرْعَانِ ذَات الفضول وَفِضة وَكَانَ عَلَيْهِ يَوْم خَيْبَر دِرْعَانِ ذَات الفضول والسغدية وَأما أقواسه ﵊ فَكَانَت سِتَّة الأولى الزَّوْرَاء وَثَلَاث من سلَاح بني قينقاع الروحاء والصفراء وشوحط والكتوم كسرت يَوْم أحد فَأَخذهَا قَتَادَة والسداد وَكَانَت لَهُ جعبة تسمى الكافور وَكَانَت لَهُ منْطقَة من أَدِيم فِيهَا ثَلَاث حلق من فضَّة والإبزيم من فضَّة والطرف من فضَّة وَأما أتراسه فَكَانَ لَهُ ﵊ ترس اسْمه الزلوق يزلق عَنهُ السِّلَاح وترس يُقَال لَهُ الْعتْق وترس أهْدى إِلَيْهِ فِيهِ صُورَة عِقَاب أَو كَبْش فَوضع يَده عَلَيْهِ فَأذْهب الله تِلْكَ الصُّورَة وَأما غنمه ولقاحه فَكَانَت لَهُ مائَة شَاة وَكَانَت لَهُ سبع أعنز ترعاهن أم أَيمن جَارِيَته الحبشية وَكَانَت لَهُ من اللقَاح القصوى وَهِي الَّتِي هَاجر عَلَيْهَا إِلَى الْمَدِينَة والعضباء والجدعاء وَلم يكن بهما عضب وَلَا جدع وَإِنَّمَا سميتا بذلك وَقيل كَانَ بأذنها عضب وَقيل العضباء والجدعاء وَاحِدَة والعضباء هِيَ الَّتِي كَانَت لَا تسبق فجَاء أَعْرَابِي على قعُود لَهُ فسبقها فشق ذَلِك على الْمُسلمين فَقَالَ ﵊ إِن حَقًا على الله أَلا يرفع شَيْئا من هَذِه الدُّنْيَا إِلَّا وَضعه وغنم ﵊ يَوْم بدر جملا لأبي جهل فِي أَنفه برة من فضَّة فأهداه إِلَى الْكَعْبَة يَوْم

стр. 503

الْحُدَيْبِيَة ليغيظ بذلك الْمُشْركين وَكَانَت لَهُ خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ لقحة أرسل بهَا إِلَيْهِ سعد ابْن عبَادَة وَكَانَ لَهُ ﵊ من البغال خمس الأولى شهباء أهداها لَهُ الْمُقَوْقس مَعَ مَارِيَة وَأُخْتهَا فِيمَا أهداه إِلَيْهِ ﵊ وَالثَّانيَِة فضَّة أهداها لَهُ فَرْوَة بن عَمْرو الجذامي وَالثَّالِثَة أهداها لَهُ ابْن العكماء صَاحب أَيْلَة الرَّابِعَة من دومة الجندل الْخَامِسَة أهداها لَهُ النَّجَاشِيّ وَقيل إنَّهُنَّ سِتّ وَالسَّادِسَة أهداها لَهُ كسْرَى قَالَ فِي الْمَوَاهِب وَفِيه نظر وَكَانَ لَهُ ﵊ من الْحمير عفير أهداه لَهُ الْمُقَوْقس وَكَانَ لَهُ آخر يُسمى يَعْفُور أخرج ابْن عَسَاكِر عَن أبي مَنْظُور قَالَ لما فتح رَسُول الله خَيْبَر أصَاب حمارا أسود فَكلم رَسُول الله الْحمار فَكَلمهُ الْحمار فَقَالَ لَهُ رَسُول الله مَا اسْمك فَقَالَ يزِيد بن شهَاب أخرج الله من نسل جدي سِتِّينَ حمارا كلهم لَا يركبهم إِلَّا نَبِي وَقد كنت أتوقعك أَن تركبني لم يبْق من نسل جدي غَيْرِي وَلَا من الْأَنْبِيَاء غَيْرك قد كنت قبلك لرجل يَهُودِيّ وَكنت أتعثر بِهِ عمدا فَكَانَ يجيع بَطْني وَيضْرب ظَهْري فَقَالَ لَهُ ﵊ فَأَنت يَعْفُور فَكَانَ رَسُول الله يَبْعَثهُ إِلَى بَاب الرجل فَيَأْتِي الْبَاب فيقرعه بِرَأْسِهِ فَإِذا خرج إِلَيْهِ صَاحب الدَّار أَوْمَأ إِلَيْهِ أَن أجب رَسُول الله فَلَمَّا قبض رَسُول الله جَاءَ إِلَى بِئْر كَانَت لأبي الْهَيْثَم بن التيهَان الْأنْصَارِيّ فتردى فِيهَا جزعاً على رَسُول الله فَمَاتَ رَوَاهُ أَبُو نعيم بِنَحْوِهِ من حَدِيث معَاذ بن جبل ﵁ وَكَانَ لَهُ ﵊ فسطاط يُسمى الْكن وَكَانَ لَهُ محجن قدر ذِرَاع أَو أَكثر يمشي ويركب بِهِ يعلقه بَين يَدَيْهِ على بعير وَكَانَت لَهُ مخصرة تسمى العرجون وَكَانَ لَهُ قضيب من الشوحط يُسمى الممشوق وَكَانَ لَهُ قدح يُسمى الريان وَآخر يُسمى مغيثاً وَآخر مضبب بسلسلة من فضَّة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع مِنْهُ وَآخر من عيدَان بِفَتْح الْعين اسْم شَجَرَة مَعْرُوفَة وَآخر من زجاج وتور من حِجَارَة بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوق يُسمى المخضب وركوة تسمى الصادرة ومخضب من نُحَاس ومغتسل من صفر ومدهن وربعة إسكندرية تجْعَل فِيهَا الْمرْآة ومشط من عاج وَهُوَ الذبل ومكحلة يكتحل مِنْهَا عِنْد النّوم وَكَانَ فِي الربعة أَيْضا المقراض والسواك وَهَذِه الربعة أهداها لَهُ الْمُقَوْقس صَاحب إسكندرية مَعَ مَارِيَة وَمَا مَعهَا

стр. 504

وَكَانَت لَهُ قَصْعَة تسمى الغراء بِأَرْبَع حلق وَكَانَ لَهُ صَاع وَمد وقطيفة وسرير قوائمه من سَاج وفراش من أَدَم حشوه لِيف وَخَاتم من فضَّة ملوى بفصة وَخَاتم من فضَّة فصه مِنْهُ يَجعله فِي يَمِينه وَقيل كَانَ أَولا فِي يَمِينه ثمَّ حوله إِلَى يسَاره منقوش عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله ثَلَاثَة أسطر قَالَ الإِمَام الْإِسْنَوِيّ فِي حفظي أَن أول الأسطر قَرَأت مُحَمَّد ثمَّ فَوْقه رَسُول ثمَّ فَوْقه الله فسطر اسْم الله الْأَعْلَى وَأهْدى لَهُ النَّجَاشِيّ خُفَّيْنِ سادجين فلبسهما وَكَانَ لَهُ ﵊ ثَلَاث جبات يلبسهن فِي الْحَرْب وجبة سندس أَخْضَر وجبة ممالسة وعمامة يُقَال لَهَا السَّحَاب وَأُخْرَى سَوْدَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ

стр. 505

(الْبَاب السَّابِع من الْمَقْصد الثَّانِي) فِي الْحَوَادِث من أول سنى هجرته إِلَى وَفَاته ﵊ لما دخل ﵊ الْمَدِينَة الشَّرِيفَة أَقَامَ بهَا عشر سِنِين وَقبض فِي الْحَادِيَة عشرَة تتجدد لَهُ فِي كل سنة أُمُور وَشَرَائِع لَا تَنْحَصِر فلنذكر شَيْئا من ذَلِك على التَّرْتِيب نبدأ بِمَا فِي كل سنة من غَزْوَة ثمَّ من سَرِيَّة ثمَّ من غَيرهمَا ٣ - (حوادث السّنة الأولى من الْهِجْرَة) لما اسْتَقر ﵊ بِالْمَدِينَةِ وَاجْتمعَ عَلَيْهِ أَصْحَابه وَقَامُوا بنصره وَصَارَت الْمَدِينَة لَهُم دَار إِسْلَام ومعقلاً وملجأ يلجئون إِلَيْهِ شرع الله تَعَالَى جهادَ الْأَعْدَاء فَبعث الْبعُوث والسرايا وغزا وَقَاتل هُوَ وَأَصْحَابه حَتَّى دخل النَّاس فِي دين الله أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا وَكَانَ عدد مغازيه الَّتِي خرج فِيهَا بِنَفسِهِ سبعا وَعشْرين قَاتل فِي تسع مِنْهَا بِنَفسِهِ بدر وَأحد والمريسيع وَالْخَنْدَق وَقُرَيْظَة وخيبر وَفتح مَكَّة وحنين والطائف وَهَذَا على قَول من قَالَ إِن مَكَةَ فتحت عنْوَة وَكَانَت سراياه الَّتِي بعث بهَا سبعا وَأَرْبَعين سَرِيَّة وَقيل إِنَّه قَاتل فِي بني النَّضِير قَالَ فِي فتح الْبَارِي السّريَّة بِفَتْح السِّين وَكسر الرَّاء وَتَشْديد التَّحْتِيَّة هِيَ الَّتِي تخرج بِاللَّيْلِ والسارية هِيَ الَّتِي تخرج بِالنَّهَارِ وَقيل سميت بذلك لِأَنَّهَا تخفي ذهابها وَهَذَا يقتضى أَنَّهَا أُخذت من السِّرّ وَلَا يَصح لاخْتِلَاف الْمَادَّة وهى قِطْعَة من الْجَيْش تخرج مِنْهُ وتعود إِلَيْهِ وَهِي من مائَة إِلَى خَمْسمِائَة فَمَا زَاد على خَمْسمِائَة يُقَال لَهُ منسر بالنُّون ثمَّ السِّين الْمُهْملَة فَإِن زَاد على الثَّمَانمِائَة سمي جَيْشًا فَإِن زَاد على أَرْبَعَة آلَاف سمي جحفلاً وَالْخَمِيس الْجَيْش الْعَظِيم وَمَا افترق من السّريَّة يُسمى بَعْثاً والكتيبة مَا اجْتمع وَلم ينتشر

стр. 506

وَكَانَ أول بعوثه ﵊ على رَأس سَبْعَة أشهر فِي رَمَضَان بعث حَمْزَة بن عبد الْمطلب مرّة على ثَلَاثِينَ رجلا من الْمُهَاجِرين وَقيل من الْأَنْصَار وَفِيه نظر لِأَنَّهُ لم يبْعَث أحدا من الْأَنْصَار حَتَّى غزا بهم بَدْرًا خرج حَمْزَة ﵁ وَمن مَعَه يعترضون عيرًا لقريش فيهم أَبُو جهل اللعين فَلَقِيَهُ فِي ثَلَاثمِائَة رَاكب فبلغوا سيف الْبَحْر من نَاحيَة الْعيص فَلَمَّا تصافوا حجز بَينهم مجدي بن عَمْرو الْجُهَنِيّ وَكَانَ ﵊ قد عقد لَهُ لِوَاء أَبيض واللواء هُوَ الْعلم الَّذِي يحمل فِي الْحَرْب يعرف بِهِ مَوضِع صَاحب الْجَيْش وَقد يحملهُ أَمِير الْجَيْش نفسْه وَقد يدْفعه لمقدم المعسكر وَقد صرح جمَاعَة من أَئِمَّة اللُّغَة بترادف اللِّوَاء والراية لَكِن روى أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ عَن ابْن عَبَّاس كَانَت راية رَسُول الله سوداءَ ولواؤُه أبيضَ وَمثله عِنْد الطَّبَرَانِيّ عَن بُرَيْدَة وَعند ابْن عدي عَن أبي هُرَيْرَة وَزَاد فِيهِ مَكْتُوب لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وَهُوَ ظَاهر فِي التغاير فَلَعَلَّ التَّفْرِقَة بَينهمَا عرفية وَذكر ابْن إِسْحَاق وَكَذَا أَبُو الْأسود عَن عُرْوَة أَن أول مَا حدثت الرَّايَات يَوْم خَيْبَر وَمَا كَانُوا يعْرفُونَ قبل ذَلِك إِلَّا الألوية انْتهى ثمَّ فِيهَا سَرِيَّة عُبَيْدَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب إِلَى بطن رابغ فِي شَوَّال فِي سِتِّينَ رجلا وَعقد لَهُ ﵊ لِوَاء أَبيض حمله مسطح بن أَثَاثَة بن عباد بن الْمطلب فلقي أَبَا سُفْيَان بن حَرْب وَكَانَ على الْمُشْركين وَقيل مكرز بن

стр. 507

حَفْص وَقيل عِكْرِمَة بن أبي جهل فِي مِائَتَيْنِ من الْمُشْركين وَلم يكن بَينهم قتال إِلَّا أَن سعد بن أبي وَقاص رَمَى بِسَهْم فَكَانَ أولَ سهم رمى بِهِ فِي سَبِيل الله فِي الْإِسْلَام قَالَ ابْن إِسْحَاق وَكَانَت راية عُبَيْدَة أولَ راية عقدت فِي الْإِسْلَام وَقد تقدم أَن أول راية عقدت لِحَمْزَة وَإِنَّمَا أشكل أمرهَا لِأَنَّهُ بعثهما مَعًا فَاشْتَبَهَ ذَلِك على النَّاس وَهَذَا يشكل بقَوْلهمْ إِن بعث حَمْزَة كَانَ على رَأس سَبْعَة أشهر لَكِن يحْتَمل أَن يكون ﵊ عقد رايتهما مَعًا ثمَّ تَأَخّر خُرُوج أبي عُبَيْدَة إِلَى رَأس الثَّمَانِية لأمرٍ اقْتَضَاهُ ثمَّ فِيهَا سَرِيَّة سعد بن أبي وَقاص إِلَى الخرار بخاء مُعْجمَة فراءين مهملتين وَهُوَ وَاد يصب بالحجاز فِي الْجحْفَة كَانَ ذَلِك فِي ذِي الْقعدَة على رَأس تِسْعَة أشهر وَعقد لَهُ لِوَاء أَبيض حمله الْمِقْدَاد بن الْأسود فِي عشْرين رجلا يعْتَرض عيرًا لقريش فَخَرجُوا على أَقْدَامهم فصبحوا صبح خَامِسَة فوجدوا العير قد مرت بالْأَمْس ثمَّ فِيهَا غير مَا سبق قَرِيبا من بِنَاء الْمَسْجِد والمساكن دعاؤه بِنَقْل وباء الْمَدِينَة إِلَى مهيعة بَريَّة مسبعَة وَهِي الْجحْفَة وَسبب ذَلِك وَعكُ أبي بكر ﵁ وَغَيره من الصَّحَابَة وَذَلِكَ أَنه روى أَن هَوَاء الْمَدِينَة كَانَ عَفِناً وخماً يكون فِيهِ الوباء وَكَانَت مَشْهُورَة بالوباء فِي الْجَاهِلِيَّة فَإِذا دَخلهَا غَرِيب نهق نهيق الْحمار يسمونه التعشير يُقَال لَهُ إِذا أردْت أَن تسلم من الوعك والوباء

стр. 508

فانهق نهيق الْحمار فَإِذا فعل سلم فاستوخم الْمُهَاجِرُونَ هَوَاء الْمَدِينَة وَلم يُوَافق أمزجتَهُم فَمَرض كثير مِنْهُم وضعفوا حَتَّى لم يقدروا على الصَّلَاة قيَاما وَفِي سنَن النَّسَائِيّ وسيرة ابْن هِشَام أَن الصّديق لما قدم الْمَدِينَة أَخَذته الْحمى وعامرَ بنَ فهيرةَ وبلالاً قَالَت عَائِشَة فدخلتُ عَلَيْهِم وهم فِي بيتٍ وَاحِد قبل أَن يضْرب علينا الْحجاب فَقلت يَا أَبَت كَيفَ أَصبَحت فَقَالَ // (من الرجز) // (كُلُّ امْرِىءٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ) فَقلت إِنَّا لله إِن أبي ليهذي فَقلت لعامر بن فهَيْرَة كَيفَ تجدك فَقَالَ // (من الرجز) // (لَقَدْ وَجَدْتُ الْمَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ ... وَالْمَرْءُ يَأتي مَوْتُهُ مِنْ فَوْقِهِ) (كُلُّ امْرِىءٍ مُجَاهِدٌ بِطَوْقِهِ ... كَالثَّوْرِ يَحْمِي أَنْفَهُ بِرَوْقِهِ) قَالَت فَقلت هَذَا وَالله لَا يدْرِي مَا يَقُول ثمَّ قلت لِبلَال كَيفَ أَصبَحت وَكَانَ بِلَال إِذا أقلعت عَنهُ الْحمى يرفع عقيرته وَيَقُول // (من الطَّوِيل) // (أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيِتَنَّ لَيْلَةً ... بِفَخِّ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ) (وَهَلْ أَرِدْنَ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ ... وَيَبْدُو لِعَيْنِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ) ثمَّ يَقُول اللَّهُمَّ الْعَن عتبَة بن ربيعَة وَأُميَّة بن خلف كَمَا أخرجونا إِلَى أَرض الوباء قَالَت عَائِشَة فَدخلت على رَسُول الله فَأَخْبَرته فَقَالَ اللَّهُمَّ حبب إِلَيْنَا الْمَدِينَة كحبنا مَكَّة أَو أَشد حبا وصححها وَبَارك لنا فِي صاعها ومدها وانقل حماها إِلَى مهيعة فَأجَاب الله دعاءه فَجعل هواءها صَحِيحا مُوَافقا لأمزجة الغرباء وَنقل وباءها وحماها وعفونة هوائها إِلَى الْجحْفَة وَهِي يَوْمئِذٍ كَانَت دارَ الْيَهُود وَلم يكن بهَا مُسلم يُقَال كَانَت لَا يدخلهَا الطير إِلَّا حم عَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن النَّبِي قَالَ رَأَيْت امْرَأَة ثائرة

стр. 509

الرَّأْس خرجت من الْمَدِينَة حَتَّى نزلت مهيعة قَالَ صَاحب الْخَمِيس نقلا عَن الصفوة مَهِيعة ك معيشة كلتاهما بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة اسْم للجحفة قلت الْمَشْهُور أَنَّهَا بِسُكُون الْهَاء وَفتح الْيَاء التَّحْتِيَّة بِوَزْن مَسْبعة كَمَا تقدم وَفِي تشويق الساجد إِلَى أشرف الْمَسَاجِد الْجحْفَة بِضَم الْجِيم وَسُكُون الحاءِ قريةٌ تسمى مهيعة على خمس مراحلَ من مَكَّة وَهِي ميقاتُ أهل مصر وَالْمغْرب وَهِي بِقرب رابغ محاذية لَهُ على يسَار الذَّاهِب إِلَى مَكَّة بَينهَا وَبَين الْبَحْر سِتَّة أَمْيَال وغدير خم على ثَلَاثَة أَمْيَال من الْجحْفَة يُسرة عَن الطَّرِيق وَهَذَا الغدير تصب فِيهِ عين وَحَوله شجر كثير ملتف وَهِي الغيضة الَّتِي تسمى خم وَبِهَذَا الغدير قَالَ ﵊ فِي خطبَته هُنَالك من كنت مَوْلَاهُ فعلى مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ والِ من وَالَاهُ إِلَى آخِره وَذَلِكَ منصَرَفَه من حجَّة الْوَدَاع يَوْم ثامن من ذِي الْحجَّة الْحَرَام وفيهَا وَآخَى بعد مقدمه إِلَى الْمَدِينَة بِخَمْسَة أشهر بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَكَانُوا تسعين كل طَائِفَة خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ على الْحق والمساعدة والتوارث وَكَانُوا كَذَلِك حَتَّى نزل بعد بدر قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ وَكتب كتابا بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار \ وفيهَا وادع الْيَهُود وأقرهم وَاشْترط عَلَيْهِم وَلَهُم ذكر السَّبَب فِي كَون الْيَهُود ب الْمَدِينَة قَالَ السُّهيْلي فِي روضه السَّبَب فِي ذَلِك مَعَ أَن الْمَدِينَة وسط أَرض الْعَرَب وَالْيَهُود أصلهم من أَرض كنعان هُوَ أَن بني إِسْرَائِيل كَانَت تغير عَلَيْهِم العماليق من أَرض الْحجاز وَكَانَت مَنَازِلهمْ يثرب والجحفة إِلَى مَكَّة فشكَت بَنو إِسْرَائِيل ذَلِك إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ وعَلى نَبينَا وَسَائِر النبِيينَ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فَوجه إِلَيهِمْ جَيْشًا وَأمرهمْ أَن يقتلوهم وَلَا يبقوا مِنْهُم أحدا فَفَعَلُوا

стр. 510

وَتركُوا مِنْهُم ابْن مَالك لَهُم كَانَ غُلَاما حسنا فرقوا لَهُ يُقَال للْملك الأرقم بن أبي الأرقم فِيمَا ذكره الزبير بن بكار ثمَّ رجعُوا إِلَى الشَّام ومُوسَى قد مَاتَ فَقَالَت لَهُم بَنو إِسْرَائِيل قد عصيتم وخالفتم فَلَا نؤويكم فَقَالُوا نرْجِع إِلَى الْبِلَاد الَّتِي غلبنا عَلَيْهَا فنكون بهَا فَرَجَعُوا إِلَى يثرب فاستوطنوها وتناسلوا بهَا إِلَى أَن نزلت عَلَيْهِم الْأَوْس والخزرج ابْنا ثَعْلَبَة بن قيس بعد سيل العَرم وتفرقهم من بِلَاد الْيمن بِهِ ذكر ذَلِك أَبُو الْفرج الْأَصْفَهَانِي فِي كِتَابه الأغاني وَالَّذِي قَالَه غَيره أَن طَائِفَة من بني إِسْرَائِيل لحقت بِأَرْض الْحجاز حِين دَوّخ بخت نصر البابلي بلادَهُم وجاس هُوَ وقومُه خلال دِيَارهمْ فَحِينَئِذٍ لحق من لحق مِنْهُم بالججار كالقريظة وَالنضير وَسَكنُوا خَيْبَر وَالْمَدينَة وَأما يثرب فاسم رجل من العماليق أول من نزل بهَا وَقد تقدم ذكر هَذَا فِي الْمَقْصد الأول من هَذَا الْكتاب وفيهَا أُرِي عبدُ الله بن زيد بن عبد ربه الأذانَ وَوَافَقَهُ جَمع فِي رُؤْيَاهُ وَبعد شهر من مقدمه زِيدَ فِي صَلَاة الْحَضَر على قَول من قَالَ أول مَا فرضت رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ الَّذِي صَحَّ من حَدِيث عَائِشَة وَالْأَكْثَر على أَنَّهَا فرضت تَامَّة ثمَّ خففت بِالْقصرِ فيْ السّفر لقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَيسَ عَليكم جنَاح أَن تقصرُوا من الصلواة﴾ الْآيَة فيؤوّل حَدِيث عَائِشَة إِمَّا بِأَن الْمَعْنى أول مَا فرضت رَكْعَتَيْنِ بعدهمَا تشهد وَسَلام أَي وَقبل ذَلِك كَانَت الْأَرْبَع بِلَا تشهد أول وَيكون معنى قَوْلهَا أقرَّت فِي السّفر أَي من غير زِيَادَة رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ وَقيل فِي التَّأْوِيل أَيْضا غير ذَلِك وفيهَا بعد دُخُوله ﵊ الْمَدِينَة أسلم عبد الله بن سَلام وَكَانَ

стр. 511

اسْمه الْحصين فَسَماهُ ﵊ عبد الله وَهُوَ من ولد يُوسُف الصّديق بن يَعْقُوب ﵉ وفيهَا كَانَ ابْتِدَاء خدمَة أنس للنَّبِي وفيهَا أسلم سلمَان الْفَارِسِي وفيهَا ولد عبد الله بن الزبير جَاءَت أمه أَسمَاء بنت أبي بكر حَامِلا بِهِ بعد الْهِجْرَة فنفِسَتْ بِهِ فِي قبَاء فِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَهِي الأولى وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة وَفِي الْمَوَاهِب وتاريخ اليافعي وَأسد الغابة ولد بِالْمَدِينَةِ على رَأس عشْرين شهرا من الْهِجْرَة وَقيل فِي السّنة الأولى وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر الْمُعْتَمد أَنه ولد فِي السّنة الأولى للْحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ وَمحل بسط أَحْوَال هَذِه الْحَوَادِث كتب السّير الْمُدَوَّنَة لذَلِك المتناولة الْمَشْهُورَة المسالك لَكنا أردنَا التَّبَرُّك بنفح عبيرها والتكفف بيسيرها عَن تيسيرها

стр. 512

(حَوَادِث السنَةِ الثانِيَةِ مِنَ الهِجرَةِ) فِيهَا كَانَت غَزْوَة الْأَبْوَاء خرج ﵊ فِي صفر وَهِي أول مغازيه كَمَا ذكره ابْن إِسْحَاق وَهِي من ودان على سِتَّة أَمْيَال أَو ثَمَانِيَة مِمَّا يَلِي الْمَدِينَة ولتقاربهما أطلق عَلَيْهَا غَزْوَة ودان أَيْضا وودان قَرْيَة من أُمَّهَات الْقرى وَقيل وَاد فِي الطَّرِيق يقطعهُ المصعدون من حجاج الْمَدِينَة روى أَنه ﵊ اسْتخْلف على الْمَدِينَة سعد بن عبَادَة فِيمَا قَالَه ابْن هِشَام وَخرج فِي صفر فِي سِتِّينَ رجلا من أَصْحَابه يعْتَرض عير قُرَيْش وَبني ضَمرَة بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة فَلَمَّا بلغ الْأَبْوَاء تلقى سيد بني ضَمرَة مخشي بن عَمْرو الضمرِي فَصَالحه على مَا سَيذكرُ فَانْصَرف ﵊ إِلَى الْمَدِينَة بعد مَا وادع مخشي بن عَمْرو وَصَالَحَهُ وَكَانَت الموادعةُ والمصالحة على أَن بني ضَمرَة لَا يغزونه وَلَا يكثرون عَلَيْهِ جمعا وَلَا يعينون عدوا وَلم يلق كيداً أَي حَربًا وفيهَا غَزْوَة بواط اسْم جبل لجهينة على أَرْبَعَة برد من الْمَدِينَة فِي ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة يعْتَرض عيرًا لقريش فِيهَا أُميَّة بن خلف فَرجع وَلم يلق كيداً بواط بِفَتْح الْبَاء وَالْوَاو والطاء الْمُهْملَة وَفِي الْخُلَاصَة رضوى ك كسْرَى جبل على يَوْم من يَنْبع وَأَرْبَعَة أَيَّام من الْمَدِينَة ذُو شعاب وأودية وَبِه مياه وأشجار وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف وَمِنْه تقطع

стр. 513

حِجَارَة المسان وَهُوَ أول تِهَامة وَهُوَ مِمَّا وَقع ب الْمَدِينَة من الْجَبَل الَّذِي تجلى الله فَصَارَ لهيبته جبلا ورضوى من جبال الْجنَّة وَفِي رِوَايَة من الْجبَال الَّتِي بني مِنْهَا الْبَيْت وَفِي الحَدِيث رضوى ﵁ وَقدس قدسه الله وَأحد جبل يحبنا ونحبه وتزعم الكيسانية المنسوبون إِلَى كيسَان وَهُوَ لقب للمختار بن أبي عبيد الثَّقَفِيّ دَاعِيَة مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة أَنه مُقيم ب رضوى حَي يرْزق وينشدون لذَلِك أبياتاً لدعبل فِيهِ سَيَأْتِي ذكرهَا عِنْد ذكره ﵁ خرج ﵊ فِي هَذِه الْغَزْوَة فِي مِائَتي رجل من قُرَيْش وَكَانَ فِي العير أَلفَانِ وَخَمْسمِائة بعير فسْار فَلم يلق كيداً فرجعْ إِلَى الْمَدِينَة وفيهَا غَزْوَة بدر الأولى فِي ربيع الأول لطلب كرز بن جَابر الفِهري لما أغار على سرح الْمَدِينَة ب شغر بلغ سفوان فَلم يلْحق كرزاً وَتسَمى بَدْرًا الأولى لقرب سفوان الْمَذْكُور من بدر هَكَذَا ذكرهَا الشَّمْس الْبرمَاوِيّ قبل غَزْوَة الْعَشِيرَة وَذكرهَا صَاحب الْمَوَاهِب وَالْخَمِيس مؤخرة عَن عزوة الْعَشِيرَة مؤرخة بعْدهَا بِعشْرَة أَيَّام قَالَ ابْن هِشَام وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة زيد بن حَارِثَة وَحمل اللِّوَاء عَليّ بن أبي طَالب وفيهَا غَزْوَة الْعَشِيرَة بالشين الْمُعْجَمَة والتصغير آخرهَا هَاء لم يخْتَلف أهل الْمَغَازِي فِي ذَلِك

стр. 514

وَفِي البُخَارِيّ العشير والعسيرة بِالتَّصْغِيرِ وَالْأولَى بِالْمُعْجَمَةِ بِلَا هَاء وَالثَّانيَِة بِالْمُهْمَلَةِ وبالهاء وَأما غَزْوَة الْعسرَة بِالْمُهْمَلَةِ من غير تَصْغِير فَهِيَ غَزْوَة تَبُوك وَسَتَأْتِي ونسبت هَذِه الْغَزْوَة إِلَى الْمَكَان الَّذِي وصلوا إِلَيْهِ وَهُوَ مَوضِع لبني مُدْلِج ب يَنْبع قلت أفادني بعض مشايخي من أهل مصر أَن محلهَا هُوَ محطة الْحَاج الْمصْرِيّ الْآن ب يَنْبع جائيا وذاهبا خرج إِلَيْهَا فِي جُمَادَى الأولى وَقيل الْأُخْرَى فِي مائَة وَخمسين رجلا وَقيل فِي مِائَتَيْنِ وَمَعَهُمْ ثَلَاثُونَ بَعِيرًا يتعقبونها وَحمل اللِّوَاء حَمْزَة بن عبد الْمطلب خرج يُرِيد قُريْشًا حالَ صدورها من مَكَّة إِلَى الشَّام بِالتِّجَارَة فَخرج إِلَيْهَا ليغنمها فَوَجَدَهَا قد مَضَت ووادع بني مُدْلِج من كنَانَة وَكَانَت نُسْخَة الْمُوَادَعَة فِيمَا ذكره غير ابْن إِسْحَاق بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا كتاب من مُحَمَّد رَسُول الله لبني مُدْلِج فَإِنَّهُم آمنون على أَمْوَالهم وأنفسهم وَأَن لَهُم النَّصْر على من رامهم على أَلا يحاربوا فِي دين الله مَا بل بَحر صوفة وَأَن النَّبِي إِذا دعاهم لنصره أجابوه عَلَيْهِم بذلك ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة أَبَا سَلمَة بن عبد الأس المَخْزُومِي وَقَالَ ابْن إِسْحَاق يَعْنِي على مُقْتَضى رِوَايَة من قدم غَزْوَة الْعَشِيرَة على بدر الأولى لما رَجَعَ من غَزْوَة الْعَشِيرَة لم يقم ب الْمَدِينَة إِلَّا ليَالِي قَلَائِل لَا تبلغ الْعشْر وبَلغهَا صَاحب الْمَوَاهِب فَقَالَ عشر لَيَال حَتَّى أغار كرز بن جَابر الفِهري على سرح الْمَدِينَة

стр. 515

وشغر ك زفر جبل بِأَصْل جماء أم خَالِد وسفوان بِفَتَحَات وادٍ من نَاحيَة بدر وَبِه سميت هَذِه الْغَزْوَة بَدْرًا الأولى وفيهَا فِي كل رَجَب كَمَا فِي الْمَوَاهِب وَالْخَمِيس كَانَت سَرِيَّة عبد الله بن جحش بن رِئَاب الْأَسدي إِلَى بطن نَخْلَة على لَيْلَة من مَكَّة ونخلة بِلَفْظ مُفْردَة النّخل مَوضِع على يَوْم وَلَيْلَة من مَكَّة وَهِي الَّتِي ينْسب إِلَيْهَا بطن نَخْلَة الْوَارِد فِيهَا حَدِيث اسْتِمَاع جن نَصِيبين لقرَاءَته فِي صَلَاة الصُّبْح بهَا سورةَ الْجِنّ الْمَعْنيين بقوله تَعَالَى ( ﴿وَإِذ صَرَفنآ إِلَيْك نَفَراً مِنَ الْجِنّ﴾ سَبْعَة أَو ثَمَانِيَة شاصر وماص ومنشي وناشي والأحقب وَعمر بن جَابر وزوبعة وسرق وَالأَصَح أَنهم سَبْعَة وَأَن الأحقب صفة لأَحَدهم وهما نخلتان شامية ويمانية فالشامية تنصب من الغمير واليمانية من بطن قرن الْمنَازل وَهُوَ طَرِيق الْيمن إِلَى مَكَّة فَإِذا اجْتمعَا فَكَانَا وَاحِدًا فَهُوَ السد ثمَّ يضمهما بطن مَر بَعثه ﵊ فِي ثَمَانِيَة من الْمُهَاجِرين لَيْسَ فيهم من الْأَنْصَار أحد وَقيل اثْنَا عشر رجلا سعد بن أبي وَقاص الزُّهْرِيّ وعكاشة بن مُحصن الْأَسدي وَعتبَة بن غَزوَان بن جَابر السّلمِيّ وَأَبُو حُذَيْفَة بن عتبَة بن ربيعَة العبشمي وَسُهيْل بن بَيْضَاء الْحَارِثِيّ وعامر بن ربيعَة الوائلي الْعَنزي وواقد بن عبد الله بن عبد منَاف التَّمِيمِي وخَالِد بن البكير اللَّيْثِيّ كل اثْنَيْنِ مِنْهُم يعتقبان بَعِيرًا وَكتب لَهُ ﵊ كتابا وَأمره أَلا ينظر فِيهِ حَتَّى يسير يَوْمَيْنِ ثمَّ ينظر فِيهِ فيمضي لما أمره بِهِ وَلَا يستكره أحدا من أَصْحَابه على الْمسير مَعَه فَلَمَّا سَار عبد الله يَوْمَيْنِ فتح الْكتاب فَإِذا فِيهِ إِذا نظرت فِي كتابي هَذَا فَامْضِ حَتَّى تنزل نَخْلَة بَين مَكَّة والطائف فترصد بهَا قُريْشًا وَتعلم لنا من أخبارهم وَفِي رِوَايَة فَإِذا فِيهَا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم أما بعد فسر على بركَة اله بِمن تبعك

стр. 516

من أَصْحَابك حَتَّى تنزل بطن نَخْلَة فترصد بهَا عير قُرَيْش لَعَلَّك أَن تَأتي لنا بِخَبَر فَلَمَّا نظر فِي الْكتاب قَالَ سمعا وَطَاعَة ثمَّ قَالَ لأَصْحَابه قد أَمرنِي رَسُول الله أَن أمضي إِلَى نَخْلَة لنرصد بهَا قُريْشًا حَتَّى آتِي إِلَيْهِ بِخَبَر وَقد نهاني أَن أستكره أحدا مِنْكُم فَمن كَانَ مِنْكُم يُرِيد الشَّهَادَة ويرغب فِيهَا فَلْيَنْطَلِقْ وَمن كره ذَلِك فَليرْجع وَأما أَنا فماض لأمر رَسُول الله فَمضى وَمضى مَعَه أَصْحَابه لم يتَخَلَّف مِنْهُم أحد وسلك على الْمجَاز حَتَّى إِذا كَانَ فَوق الْفَرْع بِمحل يُقَال لَهُ بحران أضلّ سعد بن أبي وَقاص وَعتبَة بن غَزوَان بَعِيرًا فتخلفا فِي طلبه وحبسهما ابتغاؤه وَمضى عبد الله بن جحش فِي بَقِيَّة أَصْحَابه وَفِي الْوَفَاء مضى الْعشْرَة حَتَّى نزلُوا نَخْلَة فمرت بهم عير قُرَيْش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة لقريش فَمنهمْ عَمْرو بن الْحَضْرَمِيّ وَاسم الْحَضْرَمِيّ عبد الله وَالْحكم بن كيسَان وَعُثْمَان بن عبد الله بن الْمُغيرَة وَأَخُوهُ نَوْفَل بن عبد الله المخزوميان فَلَمَّا رَآهُمْ الْقَوْم هابوهم وَقد نزلُوا قَرِيبا مِنْهُم فَقَالَ عبد الله إِن الْقَوْم قد رعبوا مِنْكُم فاحلقوا رَأس رجل مِنْكُم فليعترض لَهُم فحلقوا رَأس عكاشة فَأَشْرَف عَلَيْهِم فَلَمَّا رَأَوْهُ أمنُوا وَقَالُوا قوم عمار لَا بَأْس عَلَيْكُم مِنْهُم وتشاور الْقَوْم فيهم وَذَلِكَ آخر يَوْم من رَجَب فَقَالُوا لَئِن تركْتُم الْقَوْم هَذِه اللَّيْلَة ليدخلن الْحرم وليمتنعن عَلَيْكُم بِهِ وَلَئِن قَتَلْتُمُوهُمْ لنقتلنهم فِي الشَّهْر الْحَرَام وَفِي الْكَشَّاف كَانَ ذَلِك الْيَوْم أول يَوْم من رَجَب وهم يَظُنُّونَهُ من جُمَادَى الْأُخْرَى فتردد الْقَوْم وهابوا الْإِقْدَام عَلَيْهِم ثمَّ شجعوا أنفسهم عَلَيْهِم وَأَجْمعُوا على قتل من قدرُوا عَلَيْهِ مِنْهُم وَأخذ مَا مَعَهم فَرمى وَاقد بن عبد الله اللَّيْثِيّ عَمْرو ابنَ الْحَضْرَمِيّ بِسَهْم فَقتله واستأسروا عُثْمَان بن عبد الله وَالْحكم بن كيسَان وأعجزهم الْبَاقُونَ هرباً وَأَقْبل عبد الله بن جحش بالعير والأسيرين وَقد عزل عبد الله بن جحش لرَسُول الله خُمُس تِلْكَ الْغَنِيمَة وَقسم بَاقِيهَا بَين أَصْحَابه وَذَلِكَ قبل أَن يفْرض الله

стр. 517

الْخمس من الْغَنَائِم لرَسُول الله فَلَمَّا أحل الله الْفَيْء بعد ذَلِك فَأمر بقسمه وَفرض الْخمس فِيهِ ورقع على مَا كَانَ صنعه عبد الله بن جحش فِي تِلْكَ العير فَلَمَّا قدمُوا على رَسُول الله قَالَ مَا أَمرتكُم بِقِتَال فِي الشَّهْر الْحَرَام فوقفَ العيرَ والأسيرين وأبى أَن يَأْخُذ من ذَلِك شَيْئا فَلَمَّا قَالَ ذَلِك رَسُول الله سُقِطَ فِي أَيدي الْقَوْم وظنوا أَنهم قد هَلَكُوا وَعَنَّفَهُمْ إِخْوَتهم من الْمُسلمين فِيمَا صَنَعُوا وَقَالَت قُرَيْش قد اسْتحلَّ مُحَمَّد وَأَصْحَابه الشَّهْر الْحَرَام وسفكوا فِيهِ الدِّمَاء وَأخذُوا الْأَمْوَال وأسروا الرِّجَال وعَير بذلك أهلُ مَكَّة مَن فِيهَا من الْمُسلمين وَقَالُوا يَا معشر الصبَأة قد استحللتم الشَّهْر الْحَرَام وقاتلتم فِيهِ وَكَتَبُوا فِي ذَلِك تشنيعاً وتعييراً قَالَ ابْن إِسْحَاق فَقَالَ من يرد عَلَيْهِم من الْمُسلمين مِمَّن كَانَ ب مَكَّة إِنَّمَا أَصَابُوا مَا أَصَابُوا فِي شعْبَان قلت قَول ابْن إِسْحَاق هَذَا يرد قَول الْكَشَّاف السَّابِق قَرِيبا أَن ذَلِك الْيَوْم أول يَوْم من رَجَب وَيَردهُ أَيْضا قَول أَصْحَاب عبد الله بن جحش لَئِن تركْتُم الْقَوْم إِلَى آخِره إِذْ تمحيض تَعْلِيلهم عدمَ تَركهم إِلَى غَد بتخوفِ امتناعهم بِدُخُول الْحرم قاضٍ بِمَا قَالَه ابْن إِسْحَاق حملا لكَلَام فرسَان الْكَلَام على التَّقْسِيم الصّرْف الْغَيْر المتداخل وَلَا يَسْتَقِيم إِلَّا إِذا كَانَ ذَلِك الْيَوْم آخر يَوْم من رَجَب لَا أول يَوْم من شعْبَان وَإِن جَازَ خِلَافه وَالله أعلم وَقَالَت الْيَهُود نتفاءل على رَسُول الله عَمْرو بن الْحَضْرَمِيّ قَتله وَاقد عَمْرو عمرت الْحَرْب والحضرمي حضرت الْحَرْب وواقد وقدت الْحَرْب فَجعل الله ذَلِك عَلَيْهِم لَا لَهُم فَلَمَّا كثر النَّاس فِي ذَلِك أنزل الله تَعَالَى على رَسُوله ﴿يسئلونك عَنِ الشهرِ الحَرَام قِتَالِ فِيه قُل قِتَال فِيهِ كبَير وصَد عَن سبِيلِ اَللهَ وَكفر بِهِ وَالْمَسْجِد الْحَرَام وإخراح أهلِه مِنهُ أكبَرُ عِندَ اَللهِ والفِتنَةُ أكبَرُ من الْقَتْل﴾ أَي إِن أنكرتموه فِي الشَّهْر الْحَرَام فقد كَانَ صدودُكم عَن سَبِيل الله مَعَ الْكفْر بِهِ وَعَن الْمَسْجِد الْحَرَام وإخراجُكم أهلَه أكبرَ عِنْد الله من قَتل من قُتِل مِنْكُم والفتنة أكبر من الْقَتْل وَكَانُوا يفتنون الْمُسلم عَن دينه حَتَّى يردوه إِلَى الْكفْر بعد إيمَانه فَذَلِك

стр. 518

أكبر عِنْد الله من الْقَتْل فَلَمَّا نزل الْقُرْآن بِهَذَا الْأَمر وَفرج الله عَن الْمُسلمين مَا هم فِيهِ من المشاق قبض ﵊ العير والأسيرين وَبعثت إِلَيْهِ قُرَيْش فِي فك عُثْمَان بن عبد الله وَالْحكم بن كيسَان فَقَالَ ﵊ لَا نفديكموهما حَتَّى يقدم صاحبانا سعد بن أبي وَقاص وَعتبَة بن غَزوَان فَإنَّا نخشاكم عَلَيْهِمَا فَإِن تقتلوهما نقْتل صاحبيكم فَقدم سعد وَعتبَة فأفداهما رَسُول الله مِنْهُم فَأَما الحكم بن كيسَان فَأسلم وَحسن إِسْلَامه وَأقَام عِنْده ﵊ حَتَّى قتل يَوْم بِئْر مَعُونَة شَهِيدا وَأما ابْن عبد الله فلحق بِمَكَّة فَمَاتَ كَافِرًا فَلَمَّا تجلى عَن عبد الله بن جحش وَأَصْحَابه مَا كَانُوا فِيهِ حِين نزل الْقُرْآن طمعوا فِي الْأجر فَقَالُوا يَا رَسُول الله أنطمع أَن تكون لنا غَزْوَة نعطى فِيهَا أجرَ الْمُجَاهدين فَأنْزل الله ﴿إِن الَّذين ءامنوا وَالذِينَ هَاجروا وَجاَهَدُوا فِي سبِيلِ اللهِ أولئكَ يرجون رحمت الله وَالله غَفُور رَحِيم﴾ فوضعهم الله من ذَلِك على أعظم الرَّجَاء قَالَ ابْن هِشَام وَهِي أول غنيمَة غنمها الْمُسلمُونَ قَالَ وَقَالَ عبد الله بن جحش فِي ذَلِك // (من الطَّوِيل) // (تعّدُّون قَتْلِي فِي الحَرامِ عَظيمَةً ... وَأَعظَمُ مِنْهُ لَوْ يَرَى الرُّشْدَ رَاشِدُ) (صُدُودُكُمُ عَمَّا يَقُولُ مُحَمَّدٌ ... وَكُفْرٌ بِهِ وَاللهُ رَاءٍ وَشَاهِدُ) (وَإِخْرَاجِكُمْ مِنْ مَسْجِدِ الله أَهْلَهُ ... لِئَلَاّ يُرَى لله فِي البَيْتِ سَاجِدُ) (فَإنَّا وَإِنْ عَيَّرْتُمُونا بِقَتْلِهِ ... وَأَرْجَفَ بِالإسْلَامِ بَاغٍ وَحَاسِدُ) (سَقَيْنا مِن ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ رِمَاحَنَا ... بِنَخْلَةَ لَمَّا أَوْقَدَ الْحَرْبَ وَاقِدُ) (وَسَارَ ابْنُ عَبْدِ الله عُثْمانُ بَيْنَنَا ... يُنَازِعُهُ غُلٌّ منَ القِدِّ عَانِدُ) فِيهَا فِي نصف شعْبَان وَقيل فِي نصف رَجَب يَوْم الِاثْنَيْنِ وَقيل فِي جُمَادَى الْآخِرَة يَوْم الثُّلَاثَاء بعد سِتَّة عشر شهرا من مقدمه الْمَدِينَة وَقيل سَبْعَة

стр. 519

عشر وَقيل ثَمَانِيَة عشر حولت الْقبْلَة عَن بَيت الْمُقَدّس إِلَى الْكَعْبَة الشَّرِيفَة وَقَالَ الْحَرْبِيّ قدم ﵊ الْمَدِينَة فِي ربيع الأول فصلى إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِلَى تَمام السّنة وَصلى فِي سنة اثْنَتَيْنِ من الْهِجْرَة سِتَّة أشهر ثمَّ حولت الْقبْلَة رُوِيَ أَنه زار أم بشر أم الْبَراء بن معْرور فِي بني سَلمَة فصنعت لَهُ طَعَاما فتغدى هُوَ وَأَصْحَابه وَجَاءَت صلاةُ الظّهْر فصلى بِأَصْحَابِهِ فِي مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ من الظّهْر نَحْو الشَّام ثمَّ أُمِرَ أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة وَهُوَ رَاكِع فِي الرَّكْعَة الثَّالِثَة فَاسْتَدَارَ إِلَى الْكَعْبَة واستقبل الْمِيزَاب ودارت الصُّفُوف خَلفه ثمَّ أتم الصَّلَاة فَسُمي مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ قَالَ ابْن سعد قَالَ الْوَاقِدِيّ هَذَا أثبت من قَول من قَالَ إِنَّهَا فِي مَسْجده ﵊ وَقيل إِن الصَّلَاة كَانَت صَلَاة الْعَصْر يشْهد لَهُ حَدِيث الْبَراء فِي البُخَارِيّ

стр. 520

وَأما أهل قبَاء فَلم يبلغهم الْخَبَر إِلَى صَلَاة الْفجْر من الْيَوْم الثَّانِي كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهَذَا دَلِيل على أَن النَّاسِخ لَا يلْزم حكمه إِلَّا بعد الْعلم بِهِ وَإِن تقدم نُزُوله لأَنهم لم يؤمروا بِإِعَادَة الْعَصْر وَالْمغْرب وَالْعشَاء وَالله أعلم وفيهَا كَانَ فرض صِيَام رَمَضَان بعد تَحْويل الْقبْلَة بِشَهْر فِي شعْبَان على رِوَايَة من روى أَن تَحْويل الْقبْلَة كَانَ فِي رَجَب وفيهَا فرضت زَكَاة الْفطر قبل الْعِيد بيومين وَذَلِكَ قبل أَن تفرض زَكَاة الْأَمْوَال وَقيل إِن الزَّكَاة فرضت فِيهَا وَقيل قبل الْهِجْرَة وَالله أعلم وفيهَا غَزْوَة بدر الْكُبْرَى وَتسَمى الْعُظْمَى وَالثَّانيَِة وَبدر الْقِتَال وَهِي قَرْيَة مَشْهُورَة نسبت إِلَى بدر بن مخلد بن النَّضر بن كنَانَة أول من نزلها وَقيل نسبت لبدر بن الْحَارِث حافر بِئْرهَا وَقيل بدر اسْم للبئر الَّتِي بهَا سيمت بَدْرًا لاستدارتها ولصفائها ورؤية الْبَدْر فِيهَا قَالَ ابْن كثير وَهُوَ يَوْم الْفرْقَان الَّذِي أعز الله فِيهِ الْإِسْلَام وَأَهله وَوضع فِيهِ الشّرك وَخرب مَحَله هَذَا مَعَ قلَّة عدد الْمُسلمين وَكَثْرَة الْعَدو مَعَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ من سوابغ الْحَدِيد وَالْعدة الْكَامِلَة والخيول المسومة والخُيَلاء الزَّائِد فأعز الله رسولَه وَأظْهر وحيه وتنزيلَه وبيض وَجه النَّبِي وقبيلَه وأخزى الشَّيْطَان وجيلَه وَلِهَذَا قَالَ ممتنا على عباده الْمُتَّقِينَ ( ﴿وَلَقَد نصًرَكمٌ اَللهُ ببدرِ وَأَنتم أَذِلة﴾ أَي قَلِيل عددكم لِتَعْلَمُوا أَن النَّصْر من عِنْد الله لَا بكثر العَددِ والعدَدِ فقد كَانَت هَذِه الْغَزْوَة أعظَم الْغَزَوَات فِي الْإِسْلَام

стр. 521

وَحكى الْوَاقِدِيّ بعد أَن ذكر الْأَقْوَال فِي سَبَب تَسْمِيَتهَا بَدْرًا إِنْكَار ذَلِك كُله عَن غير وَاحِد من شُيُوخ بني غفار قَالُوا إِنَّمَا هِيَ مأوانا ومنازلنا وَمَا ملكهَا أحد قطّ يُقَال لَهُ بدر وَإِنَّمَا هِيَ عَلم عَلَيْهَا كَغَيْرِهَا من الْبِلَاد وَهِي على ثَمَانِيَة وَعشْرين فرسخاً من الْمَدِينَة قَالَ ابْن هِشَام فِي السِّيرَة إِن رَسُول الله لما سمع بِأبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب مُقبلا من الشَّام فِي عير لقريش عَظِيمَة فِيهَا أَمْوَال لَهُم وتجارة من تجاراتهم وفيهَا ثَلَاثُونَ رجلا من قُرَيْش أَو أَرْبَعُونَ مِنْهُم أَبُو سُفْيَان بن حَرْب ومخرمة بن نَوْفَل بن أهيب بن عبد منَاف بن زهرَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ بن وَائِل وَهِي العير الَّتِي كَانَ خرج إِلَيْهَا ﵊ فوصل إِلَى الْعَشِيرَة حَال إقبالها من مَكَّة فَلم يُدْرِكهَا فَرجع إِلَى الْمَدِينَة فَأخْبرهُ جِبْرِيل بقفول العير من الشَّام فَأخْبر النَّبِي أَصْحَابه الْمُسلمين فَقَالَ هَذِه عير قُرَيْش قد أَقبلت فِيهَا أَمْوَالهم فاخرجوا إِلَيْهَا لَعَلَّ الله أَن ينفلكموها فَانْتدبَ الْمُسلمُونَ فخف بَعضهم وَثقل بَعضهم وَذَلِكَ أَنهم لم يَظُنُّوا أَن رَسُول الله يلقى حَربًا وَكَانَت العير زهاء ألف وفى أحمالها من التَّمْر وَالشعِير وَالْبر وَالزَّبِيب وَغير ذَلِك وَكَانَ أَبُو سُفْيَان بن حَرْب حِين دنا من الْحجاز يتجسس الْأَخْبَار وَيسْأل من لَقِي من الركْبَان تخوفاً عَن أَمر النَّاس حَتَّى أصَاب خَبرا من بعض الركْبَان أَن مُحَمَّدًا قد اسْتنْفرَ أَصْحَابه لَك ولعيرك فحذر عِنْد ذَلِك واستأجر ضَمْضَم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ فَبَعثه إِلَى مَكَّة وَأمره أَن يَأْتِي قُريْشًا فيستنفرهم إِلَى أَمْوَالهم ويخبرهم أَن مُحَمَّدًا قد عرض لَهَا فِي أَصْحَابه فَخرج ضَمْضَم فَقبل وُصُول ضَمْضَم إِلَى مَكَّة بثلاثٍ رَأَتْ عاتكةُ بنت عبد الْمطلب رُؤْيا أفزعتها وَهِي الرُّؤْيَا الَّتِي تقدم ذِكرُنَاهَا فِي ذكر أَعْمَامه وعماته ﵊ بِمَا أغْنى عَن إِعَادَتهَا هُنَا وَكَانَ خُرُوج النَّبِي وَالْمُسْلِمين من الْمَدِينَة لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة مَضَت من رَمَضَان كَذَا فِي الْمَوَاهِب وَقَالَ ابْن هِشَام لثمان لَيَال وَكَانَ الْقِتَال يَوْم الْجُمُعَة صَبِيحَة السَّابِع عشر من

стр. 522

رَمَضَان وَقيل التَّاسِع عشر مِنْهُ وَالْأول أصح وَلما وصل ضَمْضَم إِلَى مَكَّة وَفعل مَا فعل وحثهم على الْخُرُوج فَقَالَ يَا معشر قُرَيْش اللطيمة اللطيمة أَمْوَالكُم مَعَ أبي سُفْيَان قد عرض لَهَا مُحَمَّد وَأَصْحَابه لَا أرى أَن تدركوها الغوثَ الغوثَ طلع أَبُو جهل على ظهر الْكَعْبَة فَنَادَى النجاءَ النَّجَاء على كل صَعب وَذَلُول عِيركُمْ وَأَمْوَالكُمْ إِن أَصَابَهَا مُحَمَّد لن تُفْلِحُوا إِذن أبدا فتجهز النَّاس سرَاعًا وَقَالُوا أيظن مُحَمَّد وَأَصْحَابه أَن تكون كعير ابْن الْحَضْرَمِيّ كلا وَالله ليعلمن غير ذَلِك وَقَوْلهمْ كعير ابْن الْحَضْرَمِيّ يشيرون بذلك إِلَى العير الَّتِي غنمها عبد الله بن جحش فِي سيرته إِلَى بطن نَخْلَة الْمُتَقَدّم ذكرهَا فِي حوادث السّنة الأولى قبل هَذِه السّنة فَكَانُوا بَين رجلَيْنِ إِمَّا خَارج أَو باعث مَكَانَهُ وأوعبت قُرَيْش وَلم يتَخَلَّف من أَشْرَافهَا أحد إِلَّا أَن أَبَا لَهب بن عبد الْمطلب تخلف وَبعث مَكَانَهُ العَاصِي بن هِشَام بن الْمُغيرَة كَانَت لَهُ عَلَيْهِ أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم أفلس بهَا فاستأجره بهَا على أَن يَجْزِي عَنهُ قَالَ ابْن إِسْحَاق وحَدثني عبد الله بن أبي نجيح أَن أُميَّة بن خلف كَانَ قد أجمع الْقعُود وَكَانَ شَيخا جَلِيلًا جسيماً فَأَتَاهُ عقبَة بن أبي معيط وَهُوَ جَالس فِي الْمَسْجِد بَين ظهراني قومه بمجمرة يحملهَا فِيهَا نَار حَتَّى وَضعهَا تَحت ثَوْبه ثمَّ قَالَ لَهُ يَا أَبَا صَفْوَان استجمر فَإِنَّمَا أَنْت من النِّسَاء فَقَالَ قبحك الله وقبح مَا جِئْت بِهِ ثمَّ تجهز وَخرج مَعَ النَّاس وَلما فرغوا من جهازهم وَأَجْمعُوا على الْمسير ذكرُوا مَا بَينهم وَبَين بني بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة من الْحَرْب والعداوة وَقَالُوا نخشى أَن يَأْتُونَا من خلفنا وَكَاد ذَلِك أَن يثبطهم ويثنيهم فتمثل لَهُم إِبْلِيس فِي صُورَة سراقَة بن مَالك بن جعْشم وَكَانَ من أَشْرَاف كنَانَة وَقَالَ لَهُم أَنا جَار لكم من أَن تَأْتيكُمْ كنَانَة من خلفكم

стр. 523

بِشَيْء تكرهونه فَسَارُوا وَفِي الاكتفا لأبى بكر الكلَاعِي أَنهم كَانُوا يرونه فِي كل منزل على صُورَة سراقَة لَا ينكرونه حَتَّى كَانَ يَوْم بدر والتقى الْجَمْعَانِ وَكَانَ فِي صف الْمُشْركين آخِذا بيد الْحَارِث بن هِشَام أَو بيد أَخِيه أبي جهل بن هِشَام وَرَأى الْمَلَائِكَة نزلت من السَّمَاء وَرَأى جِبْرِيل معتجرا بِبرد يمشى بَين يَدَيْهِ ﵊ وَبِيَدِهِ اللجام يَقُود الْفرس وَمَا ركب بعد وَعلم أَن لَا طاقةَ لَهُ بهم نكص على عَقِبَيْهِ موليا هَارِبا فَقَالَ لَهُ الْحَارِث إِلَى أَيْن أفِرَاراً من غير قتال أتخذلنا فِي هَذِه الْحَالة فَقَالَ إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ وَدفع فِي صدر الْحَارِث فَانْطَلق فَانْهَزَمَ النَّاس وَلما قدمُوا مَكَّة قَالُوا هزمَ الناسَ سراقةُ فَبلغ ذَلِك سراقَة فَقَالَ بَلغنِي أَنكُمْ تَقولُونَ إِنِّي هزمت النَّاس فوَاللَّه مَا شَعرت بمسيركم حَتَّى بلغتني هزيمتكم فَقَالُوا أما أَتَيْتنَا يَوْم كَذَا وكذ فَحلف لَهُم فَلَمَّا أَسْلمُوا علمُوا أَن ذَلِك كَانَ الشَّيْطَان وروى عَن السّديّ والكلبي أَنَّهُمَا قَالَا كَانَ الْمُشْركُونَ حِين خَرجُوا من مَكَّة أخذُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة وَقَالُوا اللَّهُمَّ انصر أهْدى الفئتين وَأَعْلَى الجندين وَأكْرم الحزبين وَأفضل الدينَيْنِ فَفِيهِ نزلت ﴿إِن تَستَفتحوا فَقَد جَاءكمُ اَلفتح﴾ وَكَانَ عدَّة الْمُسلمين ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر وَفِي البُخَارِيّ والكشاف ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر رجلا وَفِي الحَدِيث قَالَ ﵊ لأَصْحَابه يَوْم بدر أَنْتُم الْيَوْم كعدد الْمُرْسلين وَأَصْحَاب طالوت يَوْم عبروا النَّهر سَبْعَة وَسَبْعُونَ مِنْهُم من

стр. 524

الْمُهَاجِرين ومائتان وَسِتَّة وَثَلَاثُونَ من الْأَنْصَار مَعَهم ثَلَاثَة أَفْرَاس فرس الْمِقْدَاد ابْن الْأسود وَالْأسود تبناه وَاسم أَبِيه الْحَقِيقِيّ عَمْرو وَفرس الزبير بن الْعَوام واسْمه اليعبوب وَفرس مَرثد بن أبي مرْثَد الغنوي وَكَانَ مَعَهم من الدروع تِسْعَة وَفِي رِوَايَة سِتَّة وَمن السيوف ثَمَانِيَة أسياف وَمن الظّهْر سَبْعُونَ بَعِيرًا وَثَمَانِية من الْمُسلمين لم يشْهدُوا لعذر إِنَّمَا ضرب لَهُم ﵊ بأجرهم وسهمهم فَكَانُوا كمن حضرها ثَلَاثَة من الْمُهَاجِرين عُثْمَان بن عَفَّان تخلف لتمريض رقية زَوجته ﵁ بنته ﵊ فِي مَرضهَا الَّذِي مَاتَت فِيهِ فِي غيبته ﵊ فِي هَذِه الْغَزْوَة وَالثَّانِي وَالثَّالِث طَلْحَة بن عبيد الله وَسَعِيد بن زيد بعثهما ﵊ عينين يتجسسان خبر العير فسارا حَتَّى بلغا الخرار فَكَمَنَا هُنَاكَ فمرت بهما العير فَبَلغهُ ﵊ الْخَبَر فَخرج من الْمَدِينَة ورجعا إِلَى الْمَدِينَة وَلم يعلمَا بِخُرُوجِهِ ﵊ فقدماها بِخَبَر الْغَيْر فَلم يجداه وَفِي رِوَايَة كَانَ قدومهما الْمَدِينَة فِي الْيَوْم الَّذِي كَانَت فِيهِ الْوَقْعَة فَرَجَعَا إِلَيْهِ فلقياه منصرفاًَ من بدر فَضرب لَهما بسهمهما وأجرهما فَكَانَا كمن حضر وَخَمْسَة من الْأَنْصَار أَبُو لبَابَة رده من الطَّرِيق إِلَى الْمَدِينَة بخلافة الْمَدِينَة وَعَاصِم بن عدي الْعجْلَاني اسْتَعْملهُ على أهل العوالي وحارثة بن حَاطِب بَعثه من الروحاء إِلَى بني عَمْرو بن عَوْف وَالرَّابِع وَالْخَامِس الْحَارِث بن الصمَّة وخوات بن جُبَير سقطا من الْبَعِير فَأَصَابَهُمَا بعض كسر فردهما من الطَّرِيق وَأما عدد الْمُشْركين فَكَانُوا ألفا وَقيل تِسْعمائَة وَخَمْسُونَ رجلا مَعَهم من الْخَيل مائَة وَمن الظّهْر سَبْعمِائة وَمَعَهُمْ القيان والدفوف

стр. 525

وَلما نظر ﵊ إِلَى أَصْحَابه وَرَأى قلَّة عَددهم وعُددهم قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّهُم حُفَاة فاحملهم اللَّهُمَّ إِنَّهُم عُرَاة فاكسُهم اللَّهُمَّ إِنَّهُم جِيَاع فأشبعهم اللَّهُمَّ إِنَّهُم عَالَة فأغنهم فاستجيبت دَعوته ﵊ فَفتح الله عَلَيْهِ فَمَا مِنْهُم رجل إِلَّا رَجَعَ بِخَير وجمل أَو جملين واكتسوا وشبعوا وَدفع ﵊ اللِّوَاء وَكَانَ أَبيض إِلَى مُصعب بن عُمَيْر بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار وَكَانَ أَمَامه ﵊ رايتان سوداوان إِحْدَاهمَا مَعَ عَليّ بن أبي طَالب يُقَال لَهَا الْعقَاب وَالْأُخْرَى مَعَ بعض الْأَنْصَار وَكَانُوا يعتقبون السّبْعين الْبَعِير فَكَانَ رَسُول الله وَعلي بن أبي طَالب ومرثد بن أبي مرْثَد الغنوي يعتقبون بَعِيرًا وَفِي الْكَشَّاف يعتقب النَّفر مِنْهُم الْبَعِير الْوَاحِد وَفِي الحَدِيث إِذا كَانَ عقبَة النَّبِي يَقُولَانِ لَهُ اركب يَا رَسُول الله حَتَّى نمشي عَنْك فَيَقُول لَهما مَا أَنْتُمَا بأقوى على الْمسير مني وَمَا أَنا بأغنى عَن الْأجر مِنْكُمَا قَالَ ابْن إِسْحَاق فسلك طريقَهُ من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة على نقب الْمَدِينَة ثمَّ على العقيق ثمَّ على ذِي الحليفة ثمَّ على أولات الْجَيْش قَالَ ابْن هِشَام ذَات الْجَيْش ثمَّ مر على تريان ثمَّ على ملل ثمَّ على عُمَيْس الْحمام ثمَّ على صخيرات اليمام ثمَّ على السيالة ثمَّ على فج الروحاء ثمَّ على شَوْكَة وَهِي على الطَّرِيق المعتدلة حَتَّى إِذا كَانَ ب عرق الطبية لقوا رجلا من الْأَعْرَاب فَسَأَلُوهُ عَن النَّاس فَلم يَجدوا عِنْده خَبرا فَقَالَ لَهُ النَّاس سلم على رَسُول الله فَقَالَ أوَ فِيكُم رَسُول الله

стр. 526

فَقَالُوا نعم فَسلم عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ إِن كنتَ رسولَ الله فَأَخْبرنِي عَمَّا فِي بطن نَاقَتي هَذِه فَقَالَ لَهُ سَلمَة بن سَلامَة بن وقش الْأنْصَارِيّ لَا تسْأَل رَسُول الله وَأَقْبل إِلَيّ أَنا أخْبرك عَن ذَلِك نزوتَ عَلَيْهَا فَفِي بَطنهَا سخلة فَقَالَ لَهُ ﵊ أفحشت على الرجل ثمَّ أعرض عَن سَلمَة ثمَّ نزل سَجْسَج وَهِي بِئْر الروحاء وَأخذ ﵊ ب الروحاء عينا لَهُ من جُهَيْنَة حليفاً للْأَنْصَار يدعى ابْن الْأُرَيْقِط فَأَتَاهُ بِخَبَر الْقَوْم وسبقت العير رَسُول الله ثمَّ ارتحل من الروحاء حَتَّى إِذا كَانَ ب المنصرف ترك طَرِيق مَكَّة بيسار وسلك ذَات الْيَمين على النازية يُرِيد بَدْرًا فسلك فِي نَاحيَة مِنْهَا حَتَّى جزع وَاديا يُقَال لَهُ صفان بَين النازية وَبَين مضيق الصَّفْرَاء ثمَّ على الْمضيق ثمَّ انصب بِهِ حَتَّى إِذا كَانَ قَرِيبا من الصَّفْرَاء بعث بسبس بن عَمْرو الْجُهَنِيّ حليفَ بني سَاعِدَة وعدي بن أبي الزغباء الْجُهَنِيّ إِلَى بدر يتجسسان لَهُ الْأَخْبَار عَن أبي سُفْيَان وعيره فَمضى العينان حَتَّى نزلا بَدْرًا فأناخا إِلَى تل قريب من المَاء ثمَّ أخذا شناً لَهما فاستقيا فِيهِ ومجدي بن عَمْرو الْجُهَنِيّ على المَاء فسمعا جاريتين من جواري الْحَاضِرَة يتلازمان على المَاء والملزومة تَقول للازمة إِنَّمَا ترد العير غَدا أَو بعد غَد فأعمل لَهُم ثمَّ أقضيك الَّذِي لَك فَقَالَ مجدي بن عَمْرو صدقت ثمَّ خلص بَينهمَا فَلَمَّا سمع عدي وبسبس ذَلِك جلسا على بعير لَهما ثمَّ انْطَلقَا حَتَّى أَتَيَا رَسُول الله فَأَخْبَرَاهُ ثمَّ تقدم أَبُو سُفْيَان العير حذرا حَتَّى ورد المَاء فَقَالَ لمجدي بن عَمْرو هَل أحسست أحدا قَالَ مَا رَأَيْت أحدا إِلَّا أَن راكبين قد أناخا إِلَى هَذَا التل ثمَّ استقيا فِي شن لَهما ثمَّ انْطَلقَا فَأتى أَبُو سُفْيَان مناخَهُمَا فَأخذ من أبعار بعيرهما ففتته فَإِذا فِيهِ كسرات النَّوَى فَقَالَ هَذِه وَالله علائفُ يثرب فَرجع إِلَى أَصْحَابه سَرِيعا فصرف وَجه عيره عَن الطَّرِيق فساحل بهَا وَترك بَدْرًا بيسار وَانْطَلق حَتَّى أسْرع قَالَ ابْن إِسْحَاق ثمَّ ارتحل رَسُول الله وَقد قدم العينان فَلَمَّا اسْتقْبل الصَّفْرَاء وَهِي قَرْيَة بَين جبلين سَأَلَ عَن اسْم جبليهما فَقَالُوا اسْم أَحدهمَا مسلح وَالْآخر مخرى وَسَأَلَ عَن أَهلهَا فَقيل لَهُ يسمون بني النَّار وَبني

стр. 527

حراق بطْنَان من غفار فكرههما والمرورَ بَينهمَا فَتَركهُمَا والصفراء بيسار وسلك ذَات الْيَمين على وادِ يُقَال لَهُ ذَفِرَان وَفِي خُلَاصَة الوفا ذَفِرَان وَاد مَعْرُوف قبل الصَّفْرَاء بِيَسِير يصب سيله فِيهَا من الْمغرب يسلكه الْحَاج الْمصْرِيّ فِي رُجُوعه إِلَى يَنْبع فَيَأْخُذ ذَات الْيَمين كَمَا فعله ﵊ فِي ذَهَابه إِلَى غَزْوَة بدر وَبِه مَسْجِد يتبرك بِهِ على يسَار السالك إِلَى يَنْبع وَأَظنهُ مَسْجِد ذَفِرَان وَفِي الْقَامُوس ذَفِرَان بِكَسْر الْفَاء وَاد قرب الصَّفْرَاء قَالَ وَلما نزل ذَفِرَان أَتَاهُ الْخَبَر عَن قُرَيْش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم فَاسْتَشَارَ النَّاس وَأخْبرهمْ عَن قُرَيْش وَفِي الْكَشَّاف لما كَانَ رَسُول الله ب ذَفِرَان نزل عَلَيْهِ جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن الله وَعدك إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا العير وَإِمَّا قُرَيْش فَحِينَئِذٍ اسْتَشَارَ أَصْحَابه فَقَالَ مَا تَقولُونَ إِن الْقَوْم قد خَرجُوا من مَكَّة على كل صَعب وَذَلُول فالعير أحب إِلَيْكُم أم النفير قَالُوا العير أحب إِلَيْنَا من لِقَاء النفير فَتغير وَجهه ﵊ ثمَّ رد عَلَيْهِم فَقَالَ إِن العير قد مَضَت من سَاحل الْبَحْر وَهَذَا أَبُو جهل قد أقبل قَالُوا يَا رَسُول الله عَلَيْك بالعير ودع الْعَدو فَقَامَ عِنْد غضب النَّبِي أَبُو بكر فَقَالَ وَأحسن ثمَّ قَامَ عمر وَأحسن ثمَّ قَامَ سعد بن عبَادَة فَقَالَ انْظُر أَمرك وامض لما أمرت فوَاللَّه لَو سرت إِلَى عدن أبين مَا تخلف عَنْك رجل من الْأَنْصَار ثمَّ قَامَ الْمِقْدَاد بن الْأسود فَقَالَ يَا رَسُول الله امْضِ لما أَمرك الله فَنحْن مَعَك وَالله مَا نقُول كَمَا قَالَت بَنو إِسْرَائِيل لمُوسَى ﴿فَاَذهَب أَنتَ وَرَبك فَقَاتلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِن اذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ مَا دَامَت منا عين تطرف نُقَاتِل عَن يَمِينك وَعَن يسارك وَمن بَين يَديك وَمن خَلفك فوالذي بَعثك بِالْحَقِّ لَو سرت بِنَا إِلَى برك الغماد

стр. 528

لجالدنا مَعَك دونه حَتَّى تبلغه فَضَحِك رَسُول الله وَقَالَ لَهُ خيرا ثمَّ قَالَ ﵊ أَشِيرُوا عَليّ وَإِنَّمَا يُرِيد الْأَنْصَار وَذَلِكَ أَنهم حِين بَايعُوهُ بِالْعقبَةِ قَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّا برَاء من ذِمَامك حَتَّى تصل إِلَى دِيَارنَا فَإِذا وصلت إِلَيْنَا فَأَنت فِي ذِمَامنَا نَمْنَعك مِمَّا نمْنَع مِنْهُ أبناءنا وَنِسَاءَنَا فَكَانَ ﵊ يتخوف أَلا تكون الْأَنْصَار ترى عَلَيْهَا نصْرَة إِلَّا مِمَّن دهمه ب الْمَدِينَة من عدوه وَأَن لَيْسَ عَلَيْهِم أَن يسير بهم إِلَى عَدو بعيد عَن بِلَادهمْ فَلَمَّا قَالَ ذَلِك قَالَ لَهُ سعد بن معَاذ كَأَنَّك تُرِيدنَا يَا رَسُول الله قَالَ أجل قَالَ فقد آمنا بك وَصَدَّقنَاك وَشَهِدْنَا أَن مَا جِئْت بِهِ هُوَ الْحق وَأَعْطَيْنَاك على ذَلِك مواثيقنا على السّمع وَالطَّاعَة فَامْضِ يَا رَسُول الله لما أردْت فَنحْن مَعَك فوالذي بَعثك بِالْحَقِّ لَو استعرضتَ بِنَا هَذَا الْبَحْر فَخُضْته لَخُضْنَاهُ مَعَك مَا تخلف منا رجل وَاحِد وَمَا نكره أَن تلقى بِنَا عدونا وَإِنَّا لصُبُر فِي الْحَرْب صُدق عِنْد اللِّقَاء لَعَلَّ الله يُرِيك منا مَا تقر بِهِ عَيْنك فسر بِنَا على بركَة الله فَقَالَ سِيرُوا وَأَبْشِرُوا فَإِن الله وَعَدَني إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَالله لكَأَنِّي أنظر الْآن إِلَى مصَارِع الْقَوْم ثمَّ ارتحل ﵊ من ذَفِرَان فسلك على ثنايا يُقَال لَهَا الأصافر ثمَّ انحط مِنْهَا إِلَى بلد يُقَال لَهُ الدَّبة بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي الْقَامُوس الدبة مَوضِع قرب بدر قَالَ ابْن إِسْحَاق وَترك الحنان بِيَمِين وَهُوَ كثيب عَظِيم كالجبل ثمَّ نزل قَرِيبا من بدر فَركب هُوَ وَرجل من أَصْحَابه قَالَ ابْن هِشَام الرجل هُوَ أَبُو بكر الصّديق وَسَار حَتَّى نزل على شيخ من الْعَرَب فَسَأَلَهُ عَن قُرَيْش وَعَن مُحَمَّد وَأَصْحَابه فَقَالَ لَهما الشَّيْخ لَا أخبركما حَتَّى تخبراني من أَنْتُمَا فَقَالَ رَسُول الله إِذا أخبرتنا أخبرناك قَالَ وَذَاكَ بِذَاكَ قَالَ نعم قَالَ الشَّيْخ فَإِنَّهُ بَلغنِي

стр. 529

أَن مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه خَرجُوا يَوْم كَذَا وَكَذَا فَإن كَانَ صدقني الَّذِي أَخْبرنِي فهم الْيَوْم بمَكَان كَذَا وَكَذَا للمكان الَّذِي بِهِ رَسُول الله وَبَلغنِي أَن قُريْشًا خَرجُوا يَوْم كَذَا وَكَذَا فَإِن كَانَ الَّذِي أَخْبرنِي صدقني فهم الْيَوْم بمَكَان كَذَا وَكَذَا للمكان الَّذِي فِيهِ قُرَيْش فَلَمَّا فرغ من خَبره قَالَ مِمَّن أَنْتُمَا فَقَالَ رَسُول الله نَحن من مَاء ثمَّ انصرفا عَنهُ قَالَ يَقُول الشَّيْخ مَا من مَاء من مَاء الْعرَاق أَرَادَ ﵊ أَن يُوهِمهُ أَنه من الْعرَاق وَكَانَ الْعرَاق يُسمى مَاء لِكَثْرَة المَاء فِيهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ ﵊ أَنه خلق من نُطْفَة من مَاء ثمَّ رَجَعَ ﵊ إِلَى أَصْحَابه فَلَمَّا أَمْسَى بعث عَليّ بن أبي طَالب وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَسعد بن أبي وَقاص فِي نفر من أَصْحَابه إِلَى مَاء بدر يَلْتَمِسُونَ الْخَبَر فَأَصَابُوا راوية لقريش فِيهَا غُلَام أسود لبني الْحجَّاج اسْمه أسلم وَغُلَام لبني الْعَاصِ بن سعيد عريض بن يسَار وفر الْبَاقُونَ وَكَانُوا كثيرا وَأول من بلغ قُريْشًا من الْفِرَار رجل اسْمه عجير فَبَلغهُمْ خبر رَسُول الله وَقَالَ يَا آل غَالب هَذَا ابْن أبي كَبْشَة مَعَ أَصْحَابه قد أخذُوا راويتكم مَعَ غلامين منا أَيهَا الوراد فَوَقع فِي جيشهم انزعاج واضطراب وَخَوف فَلَمَّا أَتَوا رَسُول الله بالغلامين سألوهما وَهُوَ ﵊ يُصلي فَقَالَا نَحن سقاة قُرَيْش بعثونا نسقيهم من المَاء فكره الْقَوْم خبرهما ورجوا أَن يَكُونَا لأبي سُفْيَان صاحبِ العير فضربوهما فَلَمَّا أذلقوهما قَالَا نَحن لأبي سُفْيَان فتركوهما وَسلم ﵊ من صلَاته فَقَالَ إِذا صدقاكم ضربتموهما وَإِذا كذباكم تركتموهما صدقا وَالله إنَّهُمَا لقريش أخبراني عَن قُرَيْش قَالَا هم وَالله وَرَاء هَذَا الْكَثِيب الْعَقَنْقَل فَقَالَ لَهما كم الْقَوْم فَقَالَا كثير قَالَ كم عدتهمْ قَالَا مَا نَدْرِي قَالَ كم ينحرون كل يَوْم من الْإِبِل قَالَا يَوْمًا تسعا وَيَوْما عشرا فَقَالَ ﵊ الْقَوْم بَين التسْعمائَة وَالْألف ثمَّ قَالَ لَهما فَمن فيهم من أَشْرَاف قُرَيْش قَالَا عتبَة بن ربيعَة وَشَيْبَة بن ربيعَة وَأَبُو البخْترِي بن هِشَام وَحَكِيم بن حزَام وَنَوْفَل بن خويلد والْحَارث بن عَامر بن نَوْفَل وَطعيمَة بن عدي بن

стр. 530

نَوْفَل وَزَمعَة بن الْأسود وَأَبُو جهل بن هِشَام وَأُميَّة ابْن خلف ونُبيه ومنبه ابْنا الْحجَّاج وَسُهيْل بن عَمْرو بن عبد ود العامري فَأقبل ﵊ على النَّاس قَائِلا هَذِه وَالله مَكَّة قد أَلْقَت أفلاذ كَبِدهَا قَالَ ابْن إِسْحَاق وَلما أَقبلت قُرَيْش ونزلوا الْجحْفَة رأى جهيم بن الصَّلْت بن مخرمَة بن الْمطلب بن عبد منَاف رُؤْيا فَقَالَ إِنِّي أرى فِيمَا يرى النَّائِم وَإِنِّي لبين النَّائِم وَالْيَقظَان إِذْ نظرت إِلَى رجل أقبل على فرس حَتَّى وقف وَمَعَهُ بعير لَهُ ثمَّ قَالَ قتل عتبَة بن ربيعَة وَشَيْبَة بن ربيعَة وَأَبُو جهل بن هِشَام وَأُميَّة بن خلف وَفُلَان وَفُلَان فعد رجَالًا مِمَّن قتل يَوْم بدر من أَشْرَاف قُرَيْش ثمَّ رَأَيْته ضرب فِي لبة بعيره ثمَّ أرْسلهُ فِي الْعَسْكَر فَمَا بَقِي خباء من أخبية الْعَسْكَر إِلَّا أَصَابَهُ نضح من دَمه فبلغت هَذِه الرُّؤْيَا أَبَا جهل فَقَالَ وَهَذَا أَيْضا نَبِي من بني الْمطلب سَيعْلَمُ غَدا من الْمَقْتُول إِن نَحن الْتَقَيْنَا قَالَ ابْن هِشَام وَلما رأى أَبُو سُفْيَان أَنه قد أحرز عيره أرسل إِلَى قُرَيْش إِنَّكُم إِنَّمَا خَرجْتُمْ لتمنعوا رجالكم وَأَمْوَالكُمْ وعيركم فَارْجِعُوا فَقَالَ أَبُو جهل بن هِشَام وَالله لَا نرْجِع حَتَّى نرد بَدْرًا وَكَانَت بدر موسماً من مواسم الْعَرَب يجْتَمع لَهُم بهَا سوق فِي كل عَام فنقيم عَلَيْهَا ثَلَاثًا فننحر الجزر ونطعم الطَّعَام ونسقي الْخمر وتعزف علينا القيان بِالدُّفُوفِ وَتسمع بِنَا الْعَرَب وبمسيرنا وجمعنا فَلَا يزالون يهابوننا أبدا بعْدهَا فامضوا فوافوها فَسُقوا كئوس المنايا مَكَان الْخمر وناحت عَلَيْهِم النوائح مَكَان القيان وَقَالَ أبي بن شريق بن عَمْرو بن وهب الثَّقَفِيّ وَكَانَ حليفاً لبني زهرَة يَا بني زهرَة قد نجى الله لكم أَمْوَالكُم وخلص لكم صَاحبكُم مخرمةَ بن نَوْفَل وَإِنَّمَا نفرتم لتمنعوه وَمَاله فاجعلوا عَليّ عارها وَارْجِعُوا فَإِنَّهُ لَا حَاجَة لكم بِأَن تخْرجُوا فِي ضَيْعَة لَا تسمعوا مَا يَقُول هَذَا يَعْنِي أَبَا جهل فَرَجَعُوا فَلم يشهدها زُهري وَقيل إِن سَبَب رُجُوعه بهم أَنه خلا بِأبي جهل حِين ترَاءى الْجَمْعَانِ فَقَالَ
следующие страницы →