Полный текст (2 217 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وَوَقع فِي البُخَارِيّ أَنه ﵊ قَالَ يَوْم الْأَحْزَاب من يأتينا بِخَبَر الْقَوْم فَقَالَ الزبير أَنا ثمَّ قَالَ من يأتينا بِخَبَر الْقَوْم فَقَالَ الزبير أَنا قَالَهَا ثَلَاثًا وَقد أشكل ذكر الزبير فِي هَذِه فَقَالَ ابْن الملقن وَقع هُنَا أَن الزبير هُوَ الَّذِي ذهب وَالْمَشْهُور أَنه حُذَيْفَة بن الْيَمَان قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر هَذَا الْحصْر مَرْدُود فَإِن الْقِصَّة الَّتِي ذهب الزبير لكشفها غير الْقِصَّة الَّتِي ذهب حُذَيْفَة لكشفها فقصة الزبير كَانَت لكشف بني قُرَيْظَة هَل نقضوا الْعَهْد بَينهم وَبَين الْمُسلمين ووافقوا قُريْشًا على محاربة الْمُسلمين وقصة حُذَيْفَة كَانَت لما اشْتَدَّ الْحصار على الْمُسلمين بالخندق وتمالأت عَلَيْهِ الطوائف ثمَّ وَقع بَين الْأَحْزَاب الِاخْتِلَاف وحذرت كل طَائِفَة من الْأُخْرَى وَأرْسل الله عَلَيْهِم الرّيح وَاشْتَدَّ الْبرد تِلْكَ اللَّيْلَة فَانْتدبَ ﵊ من يَأْتِيهِ بِخَبَر قُرَيْش فَانْتدبَ لَهُ حُذَيْفَة بعد تكراره طلبَ ذَلِك وقصته فِي ذَلِك مَشْهُورَة لما دخل بَين قُرَيْش فِي اللَّيْل وَعرف قصتهم وفى البُخَارِيّ من حَدِيث عبد الله بن أبي أوفى قَالَ دَعَا رسولُ الله
على الْأَحْزَاب فَقَالَ اللَّهُمَّ منزل الْكتاب سريعَ الْحساب اهزم الْأَحْزَاب اللَّهُمَّ اهزمهم وزلزلهم وروى أَحْمد عَن أبي سعيد قَالَ قُلْنَا يَوْم الخَنْدَق يَا رَسُول الله هَل من شَيْء تَقوله فقد بلغت القلوبُ منا الْحَنَاجِر قَالَ نعم اللَّهُمَّ اسْتُرْ عوراتنا وآمن
стр. 667
روعاتنا قَالَ وَضرب الله وجوهَ أَعْدَائِنَا بِالرِّيحِ وَفِي ينبوع الْحَيَاة لِابْنِ ظفر قيل إِنَّه
دَعَا فَقَالَ يَا صريخَ المكروبين يَا مجيبَ الْمُضْطَرين اكشف هَمي وغمي وكربي فَإنَّك ترى مَا نزل بِي وبأصحابي فَأَتَاهُ جِبْرِيل فبشره بِأَن الله يُرْسل عَلَيْهِم ريحًا وجنوداً فَأعْلم أَصْحَابه وَرفع يَدَيْهِ قَائِلا شكرا شكرا وهبت ريح الصِّبَا لَيْلًا فَقلعت الْأَوْتَاد وَأَلْقَتْ عَلَيْهِم الْأَبْنِيَة وكفأت الْقُدُور وَسَفتْ عَلَيْهِم التُّرَاب ورمتهم بالحصباء وسمعوا فى أرجاء عَسْكَرهمْ التَّكْبِير وقعقة السِّلَاح فارتحلوا هرباً فِي ليلتهم وَتركُوا مَا استثقلوه من مَتَاعهمْ قَالَ فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَرسَلنا عَليهِم رِيحاً وَجُنوداً لم تَرَوْهَا﴾ الْأَحْزَاب ٩ وفى البُخَارِيّ عَن عَليّ أَن رَسُول الله
قَالَ يَوْم الخَنْدَق مَلأ الله بُيُوتهم وقبورهم نَارا كَمَا شغلونا عَن الصَّلَاة الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس وَمُقْتَضى هَذَا أَنه اسْتمرّ اشْتِغَاله بِقِتَال الْمُشْركين حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس ويعارضه مَا فِي // (صَحِيح مُسلم) // عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ حبس الْمُشْركُونَ
стр. 668
رَسُول الله
عَن صَلَاة الْعَصْر حَتَّى احْمَرَّتْ الشَّمْس أَو اصْفَرَّتْ فَقَالَ رَسُول الله
شغلونا عَن الصَّلَاة الْوُسْطَى الحَدِيث وَمُقْتَضى هَذَا أَنه لم يخرج الْوَقْت بِالْكُلِّيَّةِ قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد مُشِيرا إِلَى الْجمع بَين مَا فِي البُخَارِيّ وَمَا فِي مُسلم فَلَا تعَارض الْحَبْس انْتهى ذَلِك الْوَقْت إِلَى الْحمرَة وَلم تقع الصَّلَاة إِلَّا بعد الْمغرب انْتهى وفى البُخَارِيّ عَن عمر بن الْخطاب أَنه جَاءَ يَوْم الخَنْدَق بَعْدَمَا غربت الشَّمْس فَجعل يسب كفار قُرَيْش وَقَالَ مَا كدتُ أصلى الْعَصْر حَتَّى كَادَت الشَّمْس تغرب فَقَالَ رَسُول الله
وَالله مَا صليتها فنزلنا مَعَ النَّبِي
بطحان فَتَوَضَّأ للصَّلَاة وتوضئنا لَهَا فصلى الْعَصْر بعد مَا غربت الشَّمْس ثمَّ صلى بعْدهَا الْمغرب وَقد يكون ذَلِك للاشتغال بِأَسْبَاب الصَّلَاة وَغَيرهَا وَمُقْتَضى هَذِه الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة أَنه لم يفت غير الْعَصْر وَفِي الْمُوَطَّأ الظّهْر وَالْعصر وَفِي التِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود أَن الْمُشْركين شغلوا رَسُول الله
عَن أَربع صلوَات يَوْم الخَنْدَق وَقَالَ لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْس إِلَّا أَن أَبَا عُبَيْدَة لم يسمع من عبد الله فَمَال ابْن الْعَرَبِيّ إِلَى التَّرْجِيح وَقَالَ الصَّحِيح أَن الَّتِي اشْتغل عَنْهَا
стр. 669
وَاحِدَة هِيَ الْعَصْر وَقَالَ النَّوَوِيّ طَرِيق الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات أَن وقْعَة الخَنْدَق بقيت أَيَّامًا فَكَانَ هَذَا فِي بعض الْأَيَّام وَهَذَا فِي بَعْضهَا قَالَ وَأما تَأْخِيره ﵊ صَلَاة الْعَصْر حَتَّى غربت الشَّمْس فَكَانَ قبل نزُول صَلَاة الْخَوْف قَالَ الْعلمَاء يحْتَمل أَنه آخرهَا نِسْيَانا لَا عمدا وَكَانَ السَّبَب فِي النسْيَان الِاشْتِغَال بِأَمْر الْعَدو وَيحْتَمل أَنه آخرهَا عمدا للاشتغال بالعدو فَكَانَ هَذَا عذرا فِي تَأْخِير الصَّلَاة قبل نزُول صَلَاة الْخَوْف وَأما الْيَوْم فَلَا يجوز تَأْخِير الصَّلَاة عَن وَقتهَا بِسَبَب الْعَدو والقتال بل يُصَلِّي صَلَاة الْخَوْف على حسب الْحَال وَقد اخْتلف فِي المُرَاد بِالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَجمع الْحَافِظ الدمياطي فِي ذَلِك مؤلفاً مُفردا سَمَّاهُ كشف المغطى عَن الصَّلَاة الْوُسْطَى فَبلغ تِسْعَة عشر قولا وهى الصُّبْح وَالظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب أَو جَمِيع الصَّلَوَات وَهُوَ يتَنَاوَل الْفَرَائِض والنوافل وَاخْتَارَهُ ابْن عبد الْبر وَالْجُمُعَة وَصَححهُ القَاضِي حُسَيْن فِي صَلَاة الْخَوْف من تعليقته وَالظّهْر فِي الْأَيَّام وَالْجُمُعَة يَوْم الْجُمُعَة وَالْعشَاء لِأَنَّهَا بَين صَلَاتَيْنِ لَا تقصران وَالصُّبْح وَالْعشَاء أَو الصُّبْح وَالْعصر لقُوَّة الْأَدِلَّة فَظَاهر الْقُرْآن الصُبْح وَنَصّ السّنة الْعَصْر وَصَلَاة الْجَمَاعَة أَو الْوتر وَصَلَاة الْخَوْف أَو صَلَاة عيد الْأَضْحَى أَو الْفطر أَو صَلَاة الضُّحَى أَو وَاحِدَة من الْخمس غير مُعينَة أَو الصُّبْح أَو الْعَصْر على الترديد وَهُوَ غير القَوْل السَّابِق أَو التَّوْفِيق انْتهى
стр. 670
وَانْصَرف
من غَزْوَة الخَنْدَق يَوْم الْأَرْبَعَاء لسبع لَيَال بَقينَ من ذِي الْقعدَة وَكَانَ قد أَقَامَ بالخندق خَمْسَة عشر يَوْمًا وَقيل أَرْبَعَة وَعشْرين يَوْمًا وَقَالَ عَلَيْهِ الصلاه وَالسَّلَام لن تغزوكم بعد عامكم هَذَا وفى ذَلِك علم من أَعْلَام النُّبُوَّة فَإِنَّهُ ﵊ اعْتَمر فِي السّنة السَّادِسَة فصدته قُرَيْش عَن الْبَيْت وَوَقعت الْهُدْنَة بَينهم إِلَى أَن نقضوها وَكَانَ ذَلِك سَبَب فتح مَكَّة فَوَقع الْأَمر كَمَا قَالَ ﵊ وسيأتى ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقد أخرج الْبَزَّار من حَدِيث جَابر بِإِسْنَاد حسن شَاهدا لهَذَا وَلَفظه أَن النَّبِي
قَالَ يَوْم الْأَحْزَاب وَقد جمعُوا لَهُ جموعاً كَثِيرَة لَا يغزونكم بعْدهَا أبدا وَلَكِن أَنْتُم تغزونهم وَلما دخل
الْمَدِينَة يَوْم الْأَرْبَعَاء هُوَ وَأَصْحَابه وَوَضَعُوا السِّلَاح جَاءَهُ جِبْرِيل ﵇ معتجراً بعمامة من إستبرق على بغلة عَلَيْهَا قيطفة ديباج وَفِي البُخَارِيّ من حَدِيث عَائِشَة أَنه لما رَجَعَ
وَوضع السِّلَاح اغْتسل وَأَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ قد وضعت السِّلَاح وَالله مَا وضعناه اخْرُج إِلَيْهِم وَأَشَارَ إِلَى بني قُرَيْظَة وَعند ابْن إِسْحَاق إِن الله يَأْمُرك يَا مُحَمَّد بِالْمَسِيرِ إِلَى بني قُرَيْظَة فَإِنِّي عَامِد إِلَيْهِم فمزلزلَ بهم فَأمر رَسُول الله
مُؤذنًا فأذّن فِي النَّاس من كَانَ سَامِعًا مُطيعًا فَلَا يصلين الْعَصْر إِلَّا ببني قُرَيْظَة وَعند ابْن عَائِذ قُم فَشد عَلَيْك سِلَاحك فوَاللَّه لأذقنهم دق الْبيض على الصَّفَا وَبعث يَوْمئِذٍ منادياً يُنَادي يَا خيل الله ارْكَبِي
стр. 671
وَعند الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ وَبعث عليا على الْمُقدمَة وَخرج
فِي أَثَره وَعند ابْن سعد ثمَّ سَار إِلَيْهِم فِي الْمُسلمين وهم ثَلَاثَة آلَاف وَالْخَيْل سِتَّة وَثَلَاثُونَ فرسا قَالَ وَذَلِكَ يَوْم الْأَرْبَعَاء لسبع بَقينَ من ذِي الْقعدَة وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة ابْن أم مَكْتُوم على مَا قَالَه ابْن هِشَام وَنزل ﵊ على بِئْر من آبار بني قُرَيْظَة وتلاحق بِهِ النَّاس فَأتى رجال بعد الْعشَاء الْآخِرَة وَلم يصلوا الْعَصْر لقَوْله
لَا يصلين أحد الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة فصلوا الْعَصْر بهَا بعد الْعشَاء الْآخِرَة فَمَا عابهم الله تَعَالَى بذلك وَلَا عنفهم بِهِ رَسُول الله
وَفِي البُخَارِيّ عَن ابْن عمر أدْرك بَعضهم الْعَصْر فِي الطَّرِيق فَقَالَ بَعضهم لَا نصلي حَتَّى نأتيها وَقَالَ بَعضهم بل نصلي لم يرد منا ذَلِك فَذكر ذَلِك للنَّبِي
فَلم يعنف وَاحِدًا مِنْهُم كَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ من البُخَارِيّ أَنَّهَا الْعَصْر واتفقَ جَمِيع أهل الْمَغَازِي وَوَقع فِي مُسلم أنهَا الظهرُ مَعَ اتفَاقِ البُخَارِيّ وَمُسلم على رِوَايَته عَن شيخِ وَاحِد بِإِسْنَاد وَاحِد وَوَافَقَ مُسلما أَبُو يعلى وَآخَرُونَ وَجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِاحْتِمَال أَن يكون بَعضهم قبل الْأَمر كَانَ صلى الظّهْر
стр. 672
وَبَعْضهمْ لم يصلها فَقيل لمن لم يصلها لَا يصلين أحد الظّهْر وَلمن صلاهَا لَا يصلين أحد الْعَصْر وَجمع بَعضهم بِاحْتِمَال أَن تكون طَائِفَة مِنْهُم راحت بعد طَائِفَة فَقيل للطائفة الأولى الظّهْر وللطائفة الَّتِي بعْدهَا الْعَصْر وَالله أعلم قَالَ ابْن إِسْحَاق وحاصرهم ﵊ خمْسا وَعشْرين لَيْلَة حَتَّى أجهدهم الْحصار وَعند ابْن سعد خمس عشرَة وَعند ابْن عقبَة بضع عشرهَ لَيْلَة وَقذف الله فِي قُلُوبهم الرعب فَعرض عَلَيْهِم رئيسهم كَعْب بن أَسد أَن يُؤمنُوا فَقَالَ لَهُم يَا معشر يهود قد نزل بكم من الْأَمر مَا ترَوْنَ وَإِنِّي أعرض إِلَيْكُم خلالاً ثَلَاثًا فَخُذُوا أَيهَا شِئْتُم قَالُوا وَمَا هِيَ قَالَ نُبَايِع هَذَا الرجل ونصدقه فوَاللَّه لقد تبين أَنه نَبِي مُرْسل وَأَنه الَّذِي تجدونه فِي كتابكُمْ فتأمنون بِهِ على دمائكم وَأَمْوَالكُمْ وأبنائكم ونسائكم فَأَبَوا قَالَ فَإِذا أَبَيْتُم عَليّ هَذِه فَهَلُم نقْتل أبناءنا وَنِسَاءَنَا ثمَّ نخرج إِلَى مُحَمَّد وَأَصْحَابه رجَالًا مصلتين بِالسُّيُوفِ لم نَتْرُك وَرَاءَنَا ثقلاً حَتَّى يحكم الله بَيْننَا وَبَين مُحَمَّد فَإِن يهْلك نهلك وَلم نَتْرُك وَرَاءَنَا مَا نخشى عَلَيْهِ فَقَالُوا أَي عَيْش لنا بعد أَبْنَائِنَا ونسائنا قَالَ فَإِن أَبَيْتُم عَليّ هَذِه فَإِن اللَّيْلَة لَيْلَة السبت وَعَسَى أَن يكون مُحَمَّد وَأَصْحَابه قد أمنُوا فِيهَا فانزلوا لَعَلَّنَا نصيب من مُحَمَّد وَأَصْحَابه غرَّة قَالُوا نفسد سبتنا ونحدث فِيهِ مَا لم يحدث فِيهِ من كَانَ قبلنَا إِلَّا من علمت فَأَصَابَهُ مَا لم يخف عَلَيْك من المسخ وَأَرْسلُوا إِلَى رَسُول الله
أَن ابْعَثْ إِلَيْنَا أَبَا لبَابَة وَهُوَ رِفَاعَة بن عبد الْمُنْذر نستشره فِي أمرنَا فَأرْسلهُ إِلَيْهِم فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ إِلَيْهِ الرِّجَال وجهش إِلَيْهِ النِّسَاء وَالصبيان يَبْكُونَ فِي وَجهه فرق لَهُم وَقَالُوا يَا أَبَا لبَابَة أَتَرَى أَن ننزل على حكم مُحَمَّد قَالَ نعم وَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنه الذّبْح
стр. 673
قَالَ أَبُو لبَابَة فوَاللَّه مَا زَالَت قَدَمَايَ من مكانهما حَتَّى عرفت أَنِّي خُنْت الله وَرَسُوله ثمَّ انْطلق أَبُو لبَابَة على وَجهه فَلم يَأْتِ رَسُول الله
حَتَّى ارْتبط فِي الْمَسْجِد إِلَى عَمُود من عمده وَقَالَ لَا أَبْرَح من مَكَاني هَذَا حَتَّى يَتُوب الله عَليّ مِمَّا صنعت وَعَاهد الله أَلا يطَأ بني قُرَيْظَة أبدا وَلَا أرى فِي بلد خنتُ الله وَرَسُوله فِيهِ أبدا فَلَمَّا بلغ رَسُول الله
خبرُه وَكَانَ قد اسْتَبْطَأَهُ قَالَ أما لَو جَاءَنِي لاستغفرتُ لَهُ وَأما إِذْ فعل مَا فعل فَمَا أَنا بِالَّذِي أطلقهُ من مَكَانَهُ حَتَّى يَتُوب الله عَلَيْهِ قَالَ وَأقَام أَبُو لبَابَة وَقَالَ أَبُو عمر وروى وهب عَن مَالك عَن عبد الله بن أبي بكر أَن أَبَا لبَابَة ارْتبط بسلسلة ثَقيلَة بضع عشرَة لَيْلَة حَتَّى ذهب سَمعه فكاد لَا يسمع وَكَاد يذهب بَصَره وَكَانَت ابْنَته تحله إِذا حضرت الصَّلَاة أَو أَرَادَ أَن يذهب لحاله فَإِذا فرغ أعادته وَعَن عبد الله بن قسط أَن تَوْبَة أبي لبَابَة نزلت على رَسُول الله
وَهُوَ فِي بَيت أم سَلمَة قَالَت أم سَلمَة فَسمِعت رَسُول الله
من السحر وَهُوَ يضْحك قَالَت فَقلت ممَّ تضحك أضْحك الله سنك قَالَ تيب على أبي لبَابَة قَالَت أَفلا أُبَشِّرهُ يَا رَسُول الله قَالَ بلَى إِن شِئْت قَالَ فَقَامَتْ على بَاب حُجْرَتهَا وَذَلِكَ قبل أَن يضْرب الْحجاب فَقَالَت يَا أَبَا لبَابَة أبشر فقد تَابَ الله عَلَيْك قَالَت فثار النَّاس إِلَيْهِ لِيُطْلِقُوهُ فَقَالَ لَا وَالله حَتَّى يكون رَسُول الله
هُوَ الَّذِي يُطلقنِي بِيَدِهِ فَلَمَّا مر عَلَيْهِ خَارِجا إِلَى صَلَاة الصُّبْح أطلقهُ وروى الْبَيْهَقِيّ فِي دلائله بِسَنَدِهِ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى (اعْتَرَفُوا
стр. 674
بِذُنوبِهِم﴾ التَّوْبَة ١٠٢ قَالَ هُوَ أَبُو لبَابَة إِذْ قَالَ لقريظة مَا قَالَ وَأَشَارَ إِلَى حلقه بِأَن مُحَمَّدًا يذبح إِن نزلتم على حكمه وَقد روينَا عَن ابْن عَبَّاس مَا دلّ على أَن ارتباطه بِسَارِيَة الْمَسْجِد كَانَ بتخلفه عَن غَزْوَة تَبُوك كَمَا قَالَ ابْن الْمسيب قَالَ وَفِي ذَلِك نزلت هَذِه الْآيَة وَلما اشْتَدَّ الْحصار ببني قُرَيْظَة أذعنوا أَن ينزلُوا على حكم رَسُول الله
فحكَم فيهم سعد بن معَاذ وَكَانَ قد جعله فِي خيمةٍ فِي الْمَسْجِد الشريف لامْرَأَة من أسلم يُقَال لَهَا رفيدة وَكَانَت تداوي الْجَرْحى فَلَمَّا حكَمه أَتَاهُ قومُه فَحَمَلُوهُ على حمارة وَقد وطئوا لَهُ بوسادة من أَدَم وَكَانَ رجلا جسيماً ثمَّ أَقبلُوا مَعَه إِلَى رَسُول الله
فَلَمَّا انْتهى سعد إِلَى رَسُول الله
وَالْمُسْلِمين قَالَ ﵊ قومُوا إِلَى سيدكم فَأَما الْمُهَاجِرُونَ من قُرَيْش فَيَقُولُونَ إِنَّمَا أَرَادَ رَسُول الله
الْأَنْصَار وَأما الْأَنْصَار فَيَقُولُونَ عَم بهَا رَسُول الله
المسلمن فَقَالُوا إِن رَسُول الله
قد ولاك أَمر مواليك لتَحكم فيهم فَقَالَ سعد فَإِنِّي أحكم فيهم أَن يقتل الرِّجَال وتقسم الْأَمْوَال وتسبى الذَّرَارِي وَالنِّسَاء فَقَالَ ﵊ لقد حكمت فيهم بِحكم الله من فَوق سَبْعَة أَرقعَة والرقيع السَّمَاء سميت بذلك لِأَنَّهَا رُقعت بالنجوم وَوَقع فِي البُخَارِيّ قَالَ قضيتَ فيهم بِحكم الله وَرُبمَا قَالَ بِحكم الملِكِ بِكَسْر اللَّام وفى رِوَايَة مُحَمَّد بن صَالح لقد حكمت الْيَوْم فيهم بِحكم الله الَّذِي حكم بِهِ من فَوق سبع سموات وفى حَدِيث جَابر عَن ابْن عَائِذ فَقَالَ احكم فيهم يَا سعد فَقَالَ الله
стр. 675
وَرَسُوله أَحَق بالحكم قَالَ قد أَمرك الله أَن تحكم فيهم وفى هَذِه الْقِصَّة جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي زَمَنه
وَهِي مَسْأَلَة اخْتلف فِيهَا أهل أصُول الْفِقْه وَالْمُخْتَار الْجَوَاز سَوَاء كَانَ فِي حَضرته أم لَا وَإِنَّمَا استبعد الْمَانِع وُقُوع الِاعْتِمَاد على الظَّن مَعَ إِمْكَان الْقطع وَلَا يضر ذَلِك لِأَنَّهُ بالتقرير يصير قَطْعِيا وَقد ثَبت وُقُوع ذَلِك بِحَضْرَتِهِ
كَمَا فِي هَذِه الْقِصَّة وَغَيرهَا وَانْصَرف
يَوْم الْخَمِيس لسبع لَيَال كَمَا قَالَه الدمياطي أَو لخمس كَمَا قَالَه مغلطاي خلون من ذِي الْحجَّة وَأمر ﵊ ببني قُرَيْظَة فأدخلوا الْمَدِينَة وحفر لَهُم أخدُود فِي السُّوق وَجلسَ
وَمَعَهُ أَصْحَابه وأُخرجوا إِلَيْهِ فَضربت أَعْنَاقهم فَكَانُوا مَا بَين سِتّمائَة إِلَى سَبْعمِائة وَقَالَ السُّهيْلي المكثر يَقُول إِنَّهُم مَا بَين الثَّمَانمِائَة إِلَى التسْعمائَة وفى حَدِيث جَابر عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان بِإِسْنَاد صَحِيح إِنَّهُم كَانُوا أَرْبَعمِائَة مقَاتل فَيحْتَمل فِي طَرِيق الْجمع أَن يُقَال إِن البَاقِينَ كَانُوا أتباعا وَاصْطفى
لنَفسِهِ الْكَرِيمَة رَيْحَانَة فَتَزَوجهَا وَقيل كَانَ يَطَؤُهَا بِملك الْيَمين وَأمر بالغنائم فَجمعت فَأخْرج الْخمس من الْمَتَاع والسبي ثمَّ أَمر بِالْبَاقِي فَبيع مِمَّن يُريدهُ وقسمه بَين الْمُسلمين فَكَانَت على ثَلَاثَة آلَاف واثنين وَسبعين سَهْما للْفرس سَهْمَان ولصاحبه سهم وَصَارَ الْخمس إِلَى محمية بن جُزْء الزبيدِيّ فَكَانَ النَّبِي
يعْتق مِنْهُ ويهب ويُخدم مِنْهُ من أَرَادَ وَكَذَلِكَ بِمَا صَار إِلَيْهِ من الرثة وَهُوَ السقط من الْمَتَاع وانفجر جرج سعد بن معَاذ فَمَاتَ شَهِيدا وفى البُخَارِيّ أَنه دَعَا اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنه لَيْسَ أحد أحب إِلَيّ أَن أجاهدهم فِيك من قوم كذبُوا رَسُولك اللَّهُمَّ إِني
стр. 676
أَظن أَنَّك قد وضعتَ الْحَرْب فافجرها وَاجعَل موتِي فِيهَا فانفجرت من ليلته فَلم يرعهم إِلَّا الدَّم يسيل إِلَيْهِم فَقَالُوا يَا أهل الْخَيْمَة مَا هَذَا الَّذِي يأتينا من قبلكُمْ فَإِذا جرح سعد يغذو أَي يسيل يُقَال غذا الْجرْح إِذا سَالَ مَا فِيهِ دَمًا فَمَاتَ مِنْهَا وَقد كَانَ ظن سعد مصيباً ودعاؤه فِي هَذِه الْقِصَّة مجاباً وَذَلِكَ أَنه لم يَقع بَين الْمُسلمين وَبَين قُرَيْش من بعد وقْعَة الخَنْدَق حربٌ يكون ابْتِدَاء الْقَصْد فِيهَا من الْمُشْركين فَإِنَّهُ
تجهز إِلَى الْعمرَة فصدوه عَن دُخُول مَكَّة وَكَاد الْحَرْب أَن يَقع بَينهم فَلم يَقع كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وهُوَ اَلذي كَفَّ أيديَهُم عَنْكُم وَأَيْدِيكُمْ عنهُم بِبَطنِ مَكَةَ من بَعدِ أَن أَظْفَرَكم عَلَيْهِم﴾ ثمَّ وَقعت الْهُدْنَة وَاعْتمر ﵊ من قَابل وَاسْتمرّ ذَلِك إِلَى أَن نقضوا الْعَهْد فَتوجه إِلَيْهِم غازياً ففتحت مَكَّة فعلى هَذَا فَالْمُرَاد بقوله أَظن أَنَّك قد وضعت الْحَرْب أَي لن يقصدونا محاربين وَهُوَ كَقَوْلِه ﵊ تغزونهم وَلَا يغزونكم كَمَا تقدم وَقد بَين سَبَب انفجار جرح سعد فِي مُرْسل حميد بن هِلَال عِنْد ابْن سعد وَلَفظه أَنه مرت بِهِ عنز وَهُوَ مُضْطَجع فَأصَاب ظلفُها موضعَ النَّحْر فانفجرت حَتَّى مَاتَ وَحضر جنَازَته سَبْعُونَ ألف ملك واهتز لمَوْته عرش الرَّحْمَن // (رَوَاهُ الشَّيْخَانِ) // قَالَ النَّوَوِيّ اخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيله فَقَالَت طَائِفَة هُوَ على ظَاهره واهتزاز الْعَرْش تحركه فَرحا بقدوم روح سعد وَجعل الله تَعَالَى فِي الْعَرْش تمييزاً حصل بِهِ هَذَا وَلَا مَانع مِنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإن مِنهَا لَمَا يهبِطُ من خَشْيَة الله﴾ وَهَذَا القَوْل هُوَ ظَاهر الحَدِيث وَهُوَ الْمُخْتَار قَالَ الْمَازرِيّ قَالَ بَعضهم وَهُوَ على حَقِيقَته وَإِن الْعَرْش تحرّك لمَوْته قَالَ
стр. 677
وَهَذَا لَا يُنكر من جِهَة الْعقل لِأَن الْعَرْش جسم من الْأَجْسَام يقبل الْحَرَكَة والسكون قَالَ لَكِن لَا تحصل فَضِيلَة سعد بذلك إِلَّا أَن يُقَال إِن الله تَعَالَى جعل حركته عَلامَة للْمَلَائكَة على مَوته وَقَالَ آخَرُونَ المُرَاد بالاهتزاز الاستبشار وَالْقَبُول ومِنْهُ قَول الْعَرَب فلَان يَهْتَز للمكارم لَا يُرِيدُونَ اضطرابَ جِسْمه وحركته وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ ارتياحه إِلَيْهَا وإقباله عَلَيْهِ قَالَ الْحَرْبِيّ وَهُوَ كِنَايَة عَن تَعْظِيم شأنِ وَفَاته وَالْعرب تنسبُ الشَّيْء الْمُعظم إِلَى أعظم الْأَشْيَاء فَيَقُولُونَ أظلمت لمَوْت فلَان الأَرْض وَقَامَت لَهُ الْقِيَامَة وَقَالَ جمَاعَة المُرَاد اهتزاز سَرِير الْجِنَازَة وَهُوَ النعش وَهَذَا القَوْل بَاطِل يردهُ صَرِيح الرِّوَايَات الَّتِي ذكرهَا مُسلم وَالله أعلم انْتهى وَقيل المُرَاد باهتزاز الْعَرْش اهتزاز حَمَلة الْعَرْش وَصحح الترمذيُ من حَدِيث أنس قَالَ لما حملت جَنَازَة سعد بن معَاذ قَالَ المُنَافِقُونَ مَا أخف جنَازَته فَقَالَ النَّبِي
إِن الملائكةَ كَانَت تحمله وَعَن الْبَراء قَالَ أهديت لرَسُول الله
حلَّة حَرِير فَجعل أَصْحَابه يمسونها ويعجبون من لينها فَقَالَ
أتعجبون من لين هَذِه لمَنَاديلُ سعد بن معَاذ فِي الْجنَّة خير مِنْهَا وألين هَذَا لفظ رِوَايَة أبي نعيم فِي مستخرجه على مُسلم والمناديل جمع منديل بِكَسْر الْمِيم فِي الْمُفْرد وَهُوَ مَعْرُوف قَالَ الْعلمَاء هَذِه إِشَارَة إِلَى عظم منزلَة سعد فِي الْجنَّة وَأَن أدنى ثِيَابه فِيهَا خير من هَذِه لِأَن المناديل أدنى الثِّيَاب لِأَنَّهُ معد للوسخ والامتهان فَغَيره أفضل مِنْهُ انْتهى وَأخرج ابْن سعد وَأَبُو نعيم من طَرِيق مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن مُحَمَّد بن شُرَحْبِيل بن حَسَنَة قَالَ قبض إِنْسَان يَوْمئِذٍ من تُرَاب قَبره قَبْضَة فَذهب بهَا ثمَّ
стр. 678
نظر إِلَيْهَا بعد ذَلِك فَإِذا هِيَ مسك قَالَ فَقَالَ رَسُول الله
سُبْحَانَ الله سُبْحَانَ الله حَتَّى عُرِفَ ذَلِك فِي وَجهه فَقَالَ الْحَمد لله لَو كَانَ أحد ناجياً من ضمة الْقَبْر لنجا مِنْهَا ضُم ضَمّة ثمَّ فرج الله عَنهُ وَأخرج ابْن سعد عَن أبي سعيد قَالَ كنت فِيمَن حفر لسعد قَبره فَكَانَ يفوح علينا الْمسك كلما حفرنا قَالَ الْحَافِظ مغلطاي وَغَيره فِي هَذِه السّنة فُرِضَ الْحَج وَقيل سنة سِتّ وَصَححهُ غير وَاحِد وَهُوَ قَول الْجُمْهُور وَقيل سنة سبع وَقيل سنة ثَمَان وَرجحه جمَاعَة من الْعلمَاء وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 679
(حَوَادِثَ السنَةِ السَّادِسَةِ)
فِيهَا غَزْوَة بني لحيان فِي ربيع الأول انْتهى فِيهَا
إِلَى غران وادٍ عِنْد عسفان فِي مِائَتي رجل فَهَرَبُوا فَأَقَامَ يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ يبْعَث السَّرَايَا لكل نَاحيَة فَلم يَجدوا أحدا فَرجع للمدينة بعد تِسْعَة عشر يَوْمًا قَائِلا آيبون تائبون لربنا حامدون وفى الْمَوَاهِب لحيان بِكَسْر اللَّام وَفتحهَا لُغَتَانِ فِي ربيع الأول سنة سِتّ من الْهِجْرَة وَذكرهَا ابْن إِسْحَاق فِي جُمَادَى الأولى فِي رَأس سِتَّة أشهر من قُرَيْظَة قَالَ ابْن حزم الصَّحِيح أَنَّهَا فِي الْخَامِسَة قَالُوا وجد رَسُول الله
على عَاصِم بن ثَابت وَأَصْحَابه وَجْداً شَدِيدا فأظهر أَنه يُرِيد الشَّام وعسكر فِي مِائَتي رجل وَمَعَهُمْ عشرُون فرسا واستخلف على الْمَدِينَة عبد الله بن أم مَكْتُوم ثمَّ أسْرع الْمسير حَتَّى انْتهى إِلَى بطن غران وَاد بَين أمج وَعُسْفَان وَبَينهَا وَبَين عسفان خَمْسَة أَمْيَال حَيْثُ مصاب أَصْحَاب الرجيع الَّذين قتلوا ببئر مَعُونَة فترحم عَلَيْهِم ودعا لَهُم فَسمِعت بِهِ بَنو لحيان فَهَرَبُوا فِي رُءُوس الْجبَال فَلم يقدر مِنْهُم على أحد فَأَقَامَ يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ يبْعَث السرايَا فِي كل ناحيةِ ثمَّ خرج حَتَّى أَتَى عسفان فَبعث أَبَا بكر فِي عشرَة فوارس لتسمع بِهِ قُرَيْش فيذعرهم فَأتوا كرَاع الغميم ثمَّ رجعُوا وَلم يلْقوا أحدا وَانْصَرف
وَلم يلق كيداً وَهُوَ يَقُول آيبون تائبون عَابِدُونَ لربنا حامدون وَغَابَ عَن الْمَدِينَة أَربع عشرَة لَيْلَة وَقيل سَبْعَة عشرَة لَيْلَة وفيهَا غَزْوَة الغابة وَهِي غَزْوَة ذِي قَرَدٍ فِي ربيع الأول فِي خَمْسمِائَة
стр. 680
غَابَ خمس لَيَال وَصلى صَلَاة الْخَوْف أَيْضا وقَرَد بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء وبالدال الْمُهْملَة وَهُوَ مَاء على بَرِيد من الْمَدِينَة قبل الْحُدَيْبِيَة وَعند البُخَارِيّ أَنَّهَا كَانَت قبل خَيْبَر بِثَلَاثَة أَيَّام وفى مُسلم نَحوه قَالَ مغلطاي وفى ذَلِك نظر لإِجْمَاع أهل السّير على خلَافهَا انْتهى قَالَ الْقُرْطُبِيّ شَارِح مُسلم لَا يخْتَلف أهل السّير أَن غَزْوَة ذِي قرد كَانَت قبل الْحُدَيْبِيَة وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر مَا فِي الصَّحِيح من التَّارِيخ لغزوة ذِي قرد أصح مِمَّا ذكره أهل السّير انْتهى وسببها أَنه كَانَ لرَسُول الله
عشرُون لقحة وَهِي ذَوَات اللَّبن الْقَرِيبَة الْعَهْد بِالْولادَةِ ترعى بِالْغَابَةِ وَكَانَ ابْن أبي ذَر فِيهَا فَأَغَارَ عَلَيْهِم عُيَيْنَة بن حصن الفِزَاري لَيْلَة الْأَرْبَعَاء فِي أَرْبَعِينَ فَارِسًا فاستاقوها وَقتلُوا ابْن أبي ذَر وَقَالَ ابْن إِسْحَاق كَانَ فيهم رجل من غفار وَامْرَأَة فَقتلُوا الرجل وَسبوا الْمَرْأَة فركبت نَاقَة لَيْلًا حِين غفلتهم تُرِيدُ النَّبِي
ونذرت لَئِن نجت لتنحرنها فَلَمَّا قدمت على النَّبِي
أخْبرته بذلك فَقَالَ لَا نذر فِي مَعْصِيّة وَلَا لأحد فِيمَا لَا يملك وَنُودِيَ يَا خيل الله ارْكَبِي وَكَانَ أول مَا نُودي بهَا وَركب رَسُول الله
فِي خَمْسمِائَة وَقيل سَبْعمِائة واستخلف على الْمَدِينَة
стр. 681
ابْن أم مَكْتُوم وَخلف سعد بن عبَادَة فِي ثَلَاثمِائَة يَحْرُسُونَ الْمَدِينَة وَقد كَانَ عقد لِلْمِقْدَادِ بن عَمْرو لِوَاء فِي رمحه وَقَالَ لَهُ امْضِ حَتَّى تلحقك الْخُيُول وَأَنا على أثرك فَأدْرك أخريات الْعَدو وَقتل أَبُو قَتَادَة مسْعدَة فَأعْطَاهُ رَسُول الله
فرسه وسلاحه وَقتل عكاشة بن مُحصن أبان بن عَمْرو وَقتل من الْمُسلمين مُحرز بن نَضْلَة قَتله مسْعدَة وَأدْركَ سَلمَة بن الْأَكْوَع الْقَوْم وَهُوَ على رجلَيْهِ فَجعل يرميهم بِالنَّبلِ وَيَقُول // (من الرجز) //
(خُذْهَا وَأَنا ابْن الْأَكْوَع ... وَالْيَوْم يَوْم الرضع)
يَعْنِي يَوْم هَلَاك اللئام من قَوْلهم لئيم راضع أَي رضع اللؤم فِي بطن أمه وَقيل مَعْنَاهُ الْيَوْم يعرف من أَرْضَعَتْه الْحَرْب من صغره وتدرب بهَا وَيعرف غَيره وَلحق رَسُول الله
النَّاس والخيول عشَاء قَالَ سَلمَة فَقلت يَا رَسُول الله إِن الْقَوْم عطاش فَلَو بعثتني فِي مائَة رجل استنقذتُ مَا فِي أَيْديهم من السَّرْح وَأخذت بأعناق الْقَوْم فَقَالَ
ملكتَ فَأَسْجِحْ وَهِي بِهَمْزَة قطع ثمَّ سين مُهْملَة ثمَّ جِيم مَكْسُورَة ثمَّ حاء مُهْملَة أَي فارفق وَأحسن والسجَاحة السهولة أَي لَا تَأْخُذ بالشدة بل ارْفُقْ فقد حصلت النكاية فِي الْعَدو وَللَّه الْحَمد ثمَّ قَالَ إِنَّهُم الْآن ليقرون فِي غطفان وَذهب الصَّرِيخ إِلَى بني عَمْرو بن عَوْف فَجَاءَت الأمداد فَلم تزل الْخَيل تَأتي وَالرِّجَال على أَقْدَامهم وعَلى الْإِبِل حَتَّى انْتَهوا إِلَى رَسُول الله
بِذِي قرد فاستنقذوا عشر لقاح وأفلت الْقَوْم بِمَا بَقِي وَهِي عشر وَصلى رَسُول الله
بِذِي قرد صَلَاة الْخَوْف وَأقَام يَوْمًا وَلَيْلَة وَرجع وَقد غَابَ خمس لَيَال وَقسم فِي كل مائَة من أَصْحَابه جَزوراً ينحرونها
стр. 682
وفيهَا غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة هِلَال ذِي الْقعدَة فِي ألف وَأَرْبَعمِائَة وَبَايع بيعَة الرضْوَان تَحت الشَّجَرَة على الْمَوْت حِين أرسل عُثْمَان فحبسوه فِي مَكَّة ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ جَاءَ سُهَيْل بن عَمْرو فِي الصُّلْح فواعدهم
عشر سِنِين فَأَقَامَ بضعَة عشر يَوْمًا هُنَاكَ وَهُوَ مُعْتَمر فتحلَل من عمرته وَرجع فَنزلت عَلَيْهِ فِي الطَّرِيق سُورَة الْفَتْح وَفِي الْمَوَاهِب الْحُدَيْبِيَة بتَخْفِيف الْيَاء وتشديدها بِئْر سمي الْمَكَان بهَا وَقيل شَجَرَة وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ قَرْيَة قريبَة من مَكَّة أَكْثَرهَا فِي الْحرم وَهِي على تِسْعَة أَمْيَال من مَكَّة خرج ﵇ من الْمَدِينَة يَوْم الِاثْنَيْنِ هِلَال ذِي الْقعدَة سنة سِتّ من الْهِجْرَة للْعُمْرَة وَأخرج مَعَه زَوجته أم سَلمَة فِي ألف وَأَرْبَعمِائَة وَيُقَال وَخَمْسمِائة وَقيل ألف وثلاثمائة وَالْجمع بَين هَذِه الْأَقْوَال أَنهم كَانُوا أَكثر من ألف وَأَرْبَعمِائَة فَمن قَالَ ألف وَخَمْسمِائة جبر الْكسر وَمن قَالَ وَأَرْبَعمِائَة ألغاه وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الْبَراء ألف وَأَرْبَعمِائَة أَو أَكثر وَاعْتمد على هَذَا الْجمع النَّوَوِيّ وَأما رِوَايَة ألف وثلاثمائة فَيمكن حَمْلُها على مَا اطلع عَلَيْهِ واطلع غَيره على زِيَادَة مِائَتَيْنِ لم يطلع هُوَ عَلَيْهِم وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة وَأما قَول ابْن إِسْحَاق إِنَّهُم كَانُوا سَبْعمِائة فَلم يُوَافقهُ أحد عَلَيْهِ قَالَه استنباطاً من قَول جَابر نحرنا الْبَدنَة عَن عشرَة وَكَانُوا نحرُوا سبعين بَدَنَة وَهَذَا لَا يدل على أَنهم لم ينحروا غير الْبدن مَعَ أَن بَعضهم لم يكن أحرم أصلا وَجزم مُوسَى بن عقبَة أَنهم كَانُوا ألفا وسِتمِائَة وَعند ابْن أبي شيبَة من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع ألف وَسَبْعمائة
стр. 683
وَحكى ابْن سعد ألفا وَخَمْسمِائة وَخَمْسَة وَعشْرين واستخلف على الْمَدِينَة ابْن أم مَكْتُوم وَلم يخرج مَعَه بسلاحِ إِلَّا سلَاح الْمُسَافِر السيوف فِي الْقرب وَفِي البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي عَن الْمسور بن مخرمَة ومروان بن الحكم قَالَ خرج رَسُول الله
عَام الْحُدَيْبِيَة فِي بضع عشرَة مائَة من أَصْحَابه فَلَمَّا كَانَ بِذِي الحليفة قلد الْهدى وأشعر وَأحرم مِنْهَا وَفِي رِوَايَة أحرم مِنْهَا بِعُمْرَة وَبعث عينا لَهُ من خُزَاعَة وَسَار النَّبِي
حَتَّى إِذا كَانَ بغدير الأشطاط أَتَاهُ عينه فَقَالَ إِن قُريْشًا جمعُوا لَك جموعاً وَقد جمعُوا لَك الْأَحَابِيش وهم مقاتلوك وصادُوك عَن الْبَيْت ومانعوك فَقَالَ أَشِيرُوا عَليّ أَيهَا النَّاس أَتَرَوْنَ أَن أميل إِلى عِيَالهمْ وذراري هَؤُلَاءِ الَّذين يُرِيدُونَ أَن يصدونا عَن الْبَيْت فَقَالَ أَبُو بكر يَا رَسُول الله خرجت عَامِدًا لهَذَا الْبَيْت لَا تُرِيدُ قتال أحد وَلَا حَرْب أحد فَتوجه لَهُ فَمن صدنَا عَنهُ قَاتَلْنَاهُ قَالَ امضوا على اسْم الله وروى أَحْمد كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول مَا رَأَيْت أحدا قطّ كَانَ أَكثر مُشَاورَة لأَصْحَابه من رَسُول الله
وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ حَتَّى إِذا كَانُوا بِبَعْض الطَّرِيق قَالَ النَّبِي
إِن خَالِد بن الْوَلِيد بالغميم فِي خيل لقريش طَلِيعَة فَخُذُوا ذَات الْيَمين فوَاللَّه مَا شعر بهم خَالِد حَتَّى إِذا هم بقترة الْجَيْش فَانْطَلق يرْكض نذيراً لقريش وَسَار النَّبِي
حَتَّى إِذا كَانَ بالثَّنية الَّتِي يهْبط عَلَيْهِم مِنْهَا بَركت رَاحِلَته فَقَالَ النَّاس حل حل فألحت يَعْنِي تمادتْ على عدم الْقيام فَقَالُوا خلأت القصوى خلأت القصوى فَقَالَ النَّبِي
مَا خلأت القصوى وَمَا ذَاك لَهَا بِخلق وَلَكِن
стр. 684
حَبسهَا حَابِس الْفِيل أَي حَبسهَا الله عَن دُخُول مَكَّة كَمَا حبس الْفِيل عَن دُخُولهَا ومناسبة ذَلِك أَن الصَّحَابَة لَو دخلُوا مَكَّة على تِلْكَ الصُّورَة وصدهم قُرَيْش لوقع بَينهم الْقِتَال المفضى إِلَى سفك الدِّمَاء وَنهب الْأَمْوَال كَمَا لَو قدر دُخُول الْفِيل لَكِن سبق فِي علم الله أَنه سيدخل فِي الْإِسْلَام مِنْهُم خَلْق كثير وسيخرج من أصلابهم نَاس يسلمُونَ ويجاهدون ثمَّ قَالَ
وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خطة يعظمون فِيهَا حرمات الله إِلَّا أَعطيتهم إياهَا ثمَّ زجرها فَوَثَبت قَالَ فَعدل عَنْهُم حَتَّى نزل بأقصى الْحُدَيْبِيَة على ثَمد قَلِيل المَاء يَعْنِي حُفْرَة فِيهَا مَاء قَلِيل يتبرضه النَّاس تبرضاً أَي يأخذونه قَلِيلا قَلِيلا فَلم يلبث النَّاس حَتَّى نَزَحُوهُ وشكي إِلَى رَسُول الله
الْعَطش فَانْتزع سَهْما من كِنَانَته ثمَّ أَمرهم أَن يَجْعَلُوهُ فِيهِ فوَاللَّه مَا زَالَ يَجِيش بِالريِّ حَتَّى صدرُوا عَنهُ فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ جَاءَ بديل بن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ فِي نَفَرٍ من قومه من خُزَاعَة وَكَانُوا عَيْبَة نصح لرَسُول الله
من أهل تهَامَة فَقَالَ إِنِّي تركت كَعْب بن لؤَي وعامر بن لؤَي نزلُوا أعداد مياه الْحُدَيْبِيَة مَعَهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادُوك عَن الْبَيْت والعُوذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة جمع عَائِذ وَهِي النَّاقة ذَات اللَّبن والمطافيل الْأُمَّهَات الَّتِي مَعهَا أطفالُهَا يُرِيد أَنهم خَرجُوا لَهُم بذوات الألبان من الْإِبِل ليروو بألبانها وَلَا يرجِعوا حَتَّى يمنعوه أَو كني بذلك عَن النِّسَاء مَعَهُنَّ الْأَطْفَال وَالْمرَاد أَنهم خَرجُوا بنسائهم وَأَوْلَادهمْ لإِرادة طول الْمقَام ليَكُون أدعى إِلى عدم الْفِرَار فَقَالَ رَسُول الله
إِنَّا لم نأت لقِتَال أحدٍ وَلَكنَّا جِئْنَا معتمرين وَإِن قُريْشًا قد نهكتهم الْحَرْب فأضرت بهم فإِن شَاءُوا ماددتهم مُدَّة ويخلوا بيني وَبَين النَّاس فإِن أظهر فَإِن شَاءُوا أَن يدخلُوا فِيمَا دخل فِيهِ النَّاس فعلوا وَإِلَّا فقد جموا يعْنى استراحوا وَإِن أَبَوا فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لأقاتلنهم على أَمْرِي حَتَّى تنفرد سالفتي أَي صفحة الْعُنُق كنى بذلك عَن الْقَتْل أَو لينفذن الله أمره فَقَالَ بديل سأبلغهم مَا تَقول فَانْطَلق حَتَّى أَتَى
стр. 685
قُريْشًا فَقَالَ إِنَّا قد جئناكم من عِنْد هَذَا الرجل وسمعناه يَقُول قولا فإِن شِئْتُم أَن نعرضه عَلَيْكُم فعلنَا فَقَالَ سفهاؤهم لَا حَاجَة لنا أَن تخبرنا عَنهُ بِشَيْء وَقَالَ ذَوُو الرَّأْي مِنْهُم هَات مَا سمعته فَقَالَ سمعته يَقُول كَذَا وَكَذَا فَحَدثهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِي
فَقَامَ عُرْوَة بن مَسْعُود فَقَالَ أَي قوم ألستم بالوالد قَالُوا بلَى قَالَ أولست بِالْوَلَدِ قَالُوا بلَى قَالَ فَهَل تتهموني قَالُوا لَا قَالَ ألستم تعلمُونَ أَنِّي استنفرت أهل عكاظ فَلَمَّا بلحوا عليّ أَي تمنعوا من الْإِجَابَة جِئتُكُمْ بأهلي وَوَلَدي وَمن أَطَاعَنِي قَالُوا بلَى قَالَ إِن هَذَا قد عرض عَلَيْكُم خطة رشد أَي خصْلَة خير وَصَلَاح اقبلوها ودعوني آته فَأَتَاهُ فَجعل يكلم النَّبِي
فَقَالَ النَّبِي
نَحوا من قَوْله لبديل فَقَالَ عُرْوَة عِنْد ذَلِك أَي مُحَمَّد أَرَأَيْت إِن استأصلتَ قَوْمك هَل سمعتَ بأحدٍ من الْعَرَب اجتاح أَصله قبلك وِإن تكن الْأُخْرَى فَإِنِّي وَالله لَا أرى وُجُوهًا وَإِنِّي لأرى أشواباً يعْنى أخلاطاً من النَّاس خليقاً أَن يفرُّوا ويدَعوك فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر ﵁ امصص بظر اللات أَنَحْنُ نفر عَنهُ أَو ندعه قَالَ الْعلمَاء وَهَذَا مُبَالغَة من أبي بكر فِي سَب عُرْوَة فإِنه أَقَامَ معبود عُرْوَة وَهُوَ صنمه مقَام أمه وَحمله على ذَلِك مَا أغضبهُ بِهِ من نِسبته الْفِرَار إِليهم والبَظر بِالْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَة والظاء الْمُعْجَمَة الساكنة قِطْعَة تبقى بعد الْخِتَان فِي فرج الْمَرْأَة وَاللات اسْم صنم وَالْعرب تطلق هَذَا اللَّفْظ فِي معرض الذَّم انْتهى فَقَالَ عُرْوَة من هَذَا فَقَالُوا أَبُو بكر فَقَالَ أما وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَد كَانَت لَك عِنْدِي لم أجزك بهَا لأجبتك قَالَ وَجعل يكلم النَّبِي
فَكلما تكلم أَخذ بلحيته
والمغيرة بن شُعْبَة قَائِم على رَأس النَّبِي وَمَعَهُ السَّيْف وَعَلِيهِ المغفر فَكلما أَهْوى عُرْوَة بِيَدِهِ إِلَى لحية النَّبِي
ضرب يَده بنعل السَّيْف وَقَالَ اكفف يدك عَن لحية النَّبِي
قَالَ الْعلمَاء وَقد كَانَت عادةُ الْعَرَب أَن يتَنَاوَل الرجل لحية من يكلمهُ لَا سِيمَا عِنْد الملاطفة وَفِي الْغَالِب إِنما يصنع ذَلِك النظير بالنظير فَكَانَ النَّبِي
يُفْضِي
стр. 686
لعروة استمالةً وتأليفاً والمغيرة يمنعهُ إجلالاً للنَّبِي
وتعظيماً قَالَ فَرفع عُرْوَة رَأسه فَقَالَ من هَذَا قَالَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة فَقَالَ أَي غُدَر أَلَسْت أسعى فِي غدرتك وَكَانَ الْمُغيرَة صحب قوما فِي الْجَاهِلِيَّة وَأخذ أَمْوَالهم ثمَّ جَاءَ فَأسلم فَقَالَ النَّبِي
أما الْإِسْلَام فَأقبل وَأما المَال فلست مِنْهُ فِي شَيْء ثمَّ إِن عُرْوَة جعل يرمق أَصْحَاب النَّبِي
بِعَيْنِه فَيرى أَنهم مَا تنخم رَسُول الله
نخامة إِلَّا وقعتْ فِي يَد رجل مِنْهُم فَذَلِك بهَا وَجهه وَجلده وَإِذا أَمرهم أمرا ابتدروا لأَمره وإِذا تَوَضَّأ كَادُوا يقتتلون على وضوئِهِ وَإِذا تكلم خفضوا أَصْوَاتهم عِنْده وَمَا يحدُّون إِليه النّظر تَعْظِيمًا لَهُ قَالَ فِي فتح الْبَارِي فِيهِ إِشَارَة إِلَى الرَّد على مَا خشيه من فرارهم فكأنهم قَالُوا بِلِسَان الْحَال من يُحِبهُ هَذِه الْمحبَّة ويعظمه هَذَا التَّعْظِيم كَيفَ يظنّ بِهِ أَنه يفر عَنهُ ويسلمه لعَدوه بل هم أَشد اغتباطاً بِهِ وبدينه وَنَصره من هَذِه الْقَبَائِل الَّتِي تداعى بَعْضهَا لمُجَرّد الرَّحِم وَالله أعلم انْتهى قَالَ فَرجع عُروة إِلى أَصْحَابه فَقَالَ أَي قوم وَالله لقد وفدت على الْمُلُوك ووفدت على قَيْصر وكسرى وَالنَّجَاشِي وَالله إنْ رأيتُ ملكا قطّ يعظمه أَصْحَابه مَا يعظم أَصْحَاب مُحَمَّد مُحَمَّدًا وَالله إِن يتنخم نخامة إِلَّا وَقعت فِي كف رجل مِنْهُم فدلك بهَا وَجهه وَجلده وإِذا أَمرهم ابتدروا أمره وَإِذا توضَأ كَادُوا يقتتلون على وضوئِهِ وَإِذا تكلم خفضوا أَصْوَاتهم عِنْده وَمَا يحدُّون إِليه النّظر تَعْظِيمًا لَهُ وِإنه قد عرض عَلَيْكُم خطة رشد فاقبلوها فَقَالَ رجل من بني كنَانَة دَعونِي آته فَقَالُوا ائته فَلَمَّا أشرف على النَّبِي
قَالَ رَسُول الله
هَذَا فلَان وَهُوَ من قوم يعظمون البُدنَ فابعثوها لَهُ فبعثوها لَهُ واستقبله النَّاس يلبون فَلَمَّا رأى ذَلِك قَالَ سُبْحَانَ الله مَا يَنْبَغِي لهَؤُلَاء أَن يصدوا عَن الْبَيْت فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابه قَالَ رَأَيْت الْبدن قد أعلمت وأشعرت فَمَا أرى أَن يصدوا عَن الْبَيْت فَقَامَ رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ مِكرَزُ بن حَفْص بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْكَاف وَفتح الرَّاء بعْدهَا زَاي فَقَالَ دَعونِي آته فَلَمَّا أشرف عَلَيْهِم قَالَ النَّبِي
هَذَا مكرز وَهُوَ رجل فَاجر فَجعل يكلم النَّبِي
فَبَيْنَمَا هُوَ يكلمهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْل
стр. 687
ابْن عَمْرو قَالَ معمر فَأَخْبرنِي أَيُّوب عَن عِكْرِمَة أَنه لما جَاءَ سُهَيْل قَالَ النَّبِي
إِنَّه قد سهل من أَمركُم مَا صَعب وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق فَأرْسلت قُرَيْش سُهَيْل بن عَمْرو فَقَالَت اذْهَبْ إِلى هَذَا الرجل فَصَالحه فَقَالَ النَّبِي
قد أَرَادَت قُرَيْش الصُّلْح حِين بعثت هَذَا فَلَمَّا انْتهى إِلَى النَّبِي
جرى بَينهمَا القَوْل حَتَّى وَقع بَينهمَا الصلحُ على أَن تُوضَع الحربُ بَينهم عشر سِنِين وَأَن يَأْمَن بَعضهم بَعْضًا وَأَن يرجع عَنْهُم عَامهمْ هَذَا وَقَالَ معمر قَالَ الزُّهْرِيّ فِي حَدِيثه فجَاء سُهَيْل بن عَمْرو فَقَالَ هَات اكْتُبْ بَيْننَا وَبَيْنك كتابا فَدَعَا النَّبِي
عليا وَقَالَ اكْتُبْ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَقَالَ سُهَيْل أما الرَّحْمَن الرَّحِيم فوَاللَّه مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِن اكْتُبْ بِاسْمِك اللَّهُمَّ كَمَا كنت تكْتب فَقَالَ الْمُسلمُونَ وَالله لَا نكتبها إِلَّا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَقَالَ النَّبِي
اكْتُبْ بِاسْمِك اللَّهُمَّ ثمَّ قَالَ هَذَا مَا قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله وَفِي حَدِيث عبد الله بن مُغفل عِنْد الْحَاكِم فَكتب هَذَا مَا صَالح مُحَمَّد رسولُ الله أهل مَكَّة ... الحَدِيث فَقَالَ سُهَيْل وَالله لَو كُنَّا نعلم أَنَّك رسولُ الله مَا صَدَدْنَاك وَلَا قَاتَلْنَاك وَلَكِن اكْتُبْ مُحَمَّد بن عبد الله فَقَالَ النَّبِي
وَالله إِنِّي لرَسُول الله وِإن كذبتموني وَفِي رِوَايَة لَهُ يعْنى البُخَارِيّ وَلمُسلم فَقَالَ النَّبِي
لعَلي امحه فَقَالَ مَا أَنا بِالَّذِي أمحاه وَهِي لُغَة فِي أمحوه قَالَ الْعلمَاء وَهَذَا الَّذِي فعل عَليّ من بَاب الْأَدَب وَالْمُسْتَحب لِأَنَّهُ لم يفهم من النَّبِي
تحتم محو عَليّ نَفسه وَلِهَذَا لم يُنكر عَلَيْهِ وَلَو حتم محوه لنَفسِهِ لم يجز لعَلي تَركه انْتهى ثمَّ قَالَ
أَرِنِي مَكَانهَا فَأرَاهُ مَكَانهَا فمحاها
стр. 688
وَكتب ابْن عبد الله وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي فَأخذ رَسُول الله
الْكتاب وَلَيْسَ يحسن أَن يكْتب فَكتب مَكَان رَسُول الله
هَذَا مَا قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد الله قَالَ فِي فتح الْبَارِي وَقد تَمسك بِظَاهِر هَذِه الرِّوَايَة أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ وَادّعى أَن النَّبِي
كتب بِيَدِهِ بعد أَن لم يكن يُحْسن أَن يكْتب فشنع عَلَيْهِ عُلَمَاء الأندلس فِي زَمَانه ورموه بالزندقة وَأَن الَّذِي قَالَه يُخَالف الْقُرْآن حَتَّى قَالَ قَائِلهمْ شعرًا // (من الْبَسِيط) //
(بَرِئْتُ مِمَّنْ شَرَى دُنْيَا بِآخِرَةٍ ... وَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَدْ كَتَبَا)
فَجَمعهُمْ الْأَمِير فاستظهر الْبَاجِيّ عَلَيْهِم بِمَا لَدَيْهِ من الْمعرفَة وَقَالَ هَذَا لَا يُنَافِي الْقُرْآن بل يُؤْخَذ من مَفْهُوم الْقُرْآن أَنه قيد النَّفْي بِمَا قبل وُرُود الْقُرْآن قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كنتَ تَتلُوا مَن قَبله مِن كِتابِ وَلَا تَخُطهُ بيمِينِك﴾ وَبعد أَن تحققت أمْنِيته وتقررت بذلك معجزته وَأمن الارتياب فِي ذَلِك لَا مَانع من أَن يعرف الْكِتَابَة بعد ذَلِك من غير تَعْلِيم فَتكون معْجزَة أُخْرَى وَذكر ابْن دحْيَة أَن جمَاعَة من الْعلمَاء وافقوا الْبَاجِيّ على ذَلِك مِنْهُم شَيْخه أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ وَأَبُو الْفَتْح النَّيْسَابُورِي وَآخَرُونَ من عُلَمَاء إفريقية وَاحْتج بَعضهم لذَلِك بِمَا أخرجه ابْن أبي شيبَة من طَرِيق مُجَالد عَن عون بن عبد الله مَا مَاتَ رَسُول الله
حَتَّى كتب وَقَرَأَ قَالَ مُجَاهِد فَذَكرته لِلشَّعْبِيِّ فَقَالَ صدق قد سَمِعت من يذكر ذَلِك وَقَالَ القَاضِي عِيَاض وَردت آثارٌ تدل على مَعْرفَته حُرُوف الْخط وَحسن تصورها كَقَوْلِه لكَاتبه تضع الْقَلَم على أُذُنك فَإِنَّهُ أذكر لَك وَقَوله لمعاوية ألق الدواة وحرف الْقَلَم وَفرق السِّين وَلَا تعور الْمِيم إِلَى غير ذَلِك قَالَ وَهَذَا وَإِن لم يثبت أَنه كتب فَلَا يبعد أَن يرْزق علم وضع الْكِتَابَة فإِنه أُوتِيَ علم كل شَيْء وَأجَاب الْجُمْهُور بِضعْف هَذِه الْأَحَادِيث وَعَن قصَّة الْحُدَيْبِيَة بِأَن الْقِصَّة وَاحِدَة
стр. 689
وَالْكَاتِب فِيهَا هُوَ عَليّ بن أبي طَالب وَقد صرح فِي حَدِيث الْمسور بن مخرمَة بِأَن عليا هُوَ الَّذِي كتب فَيحمل على أَن النُّكْتَة فِي قَوْله فَأخذ الْكتاب وَلَيْسَ يحسن أَن يكْتب لبَيَان أَن قَوْله أَرِنِي إِيَّاهَا أَنه إِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى أَن يرِيه مَوضِع الْكَلِمَة الَّتِي امْتنع عليّ من محوها لكَونه كَانَ لَا يحسن الْكِتَابَة وعَلى أَن قَوْله بعد ذَلِك فَكتب فِيهِ حذف تَقْدِيره فمحاها فَأَعَادَهَا لعَلي فَكتب أَو أطلق كتب بِمَعْنى أَمر بِالْكِتَابَةِ وَهُوَ كثير كَقَوْلِه كتب إِلى كسْرَى وَقَيْصَر وعَلى تَقْدِير حمله على ظَاهره فَلَا يلْزم من كِتَابَة اسْمه الشريف فِي ذَلِك الْيَوْم وَهُوَ لَا يحسن الْكِتَابَة أَن يصير عَالما بِالْكِتَابَةِ وَيخرج عَن كَونه أميَّاً ككثير من الْمُلُوك وَيحْتَمل أَن يكون جرب يَده بِالْكِتَابَةِ حِينَئِذٍ وَهُوَ لَا يحسن فَخرج الْمَكْتُوب على وفْق المُرَاد فَيكون معْجزَة أُخْرَى فِي ذَلِك الْوَقْت خَاصّا وَلَا يخرج بذلك عَن كَونه أُمِّيا وَبِهَذَا أجَاب أَبُو جَعْفَر السمناني أحد أَئِمَّة الْأُصُول من الأشاعرة وَتَبعهُ ابْن الْجَوْزِيّ وَتعقب ذَلِك السُّهيْلي وَغَيره بِأَن هَذَا وَإِن كَانَ مُمكنا وَيكون آيَة أُخْرَى لكنه يُنَاقض كَونه أُمِّيا لَا يكْتب وَهِي الْآيَة الَّتِي قَامَت بهَا الْحجَّة وأفحم الجاحد وانحسمت الشُّبْهَة فَلَو جَازَ أَن يصير يكْتب بعد ذَلِك لعادت الشُّبْهَة وَقَالَ المعاند كَانَ يحسن يكْتب لكنه كَانَ يكتم ذَلِك قَالَ السُّهيْلي والمعجزات يستحيلُ أَن يدْفع بَعْضهَا بَعْضًا وَالْحق أَن معنى قَوْله فَكتب أَمر عليا أَن يكْتب انْتهى قَالَ وَفِي دَعْوَى أَن كِتَابَة اسْمه الشريف فَقَط على هَذِه الصُّورَة يسْتَلْزم مناقضة المعجزة وَيثبت كَونه غير أُمِّي نظر كَبِير وَالله أعلم انْتهى وَأما قَوْله اكْتُبْ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَقَوله أما الرَّحْمَن الرَّحِيم فوَاللَّه مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِن اكْتُبْ بِاسْمِك اللَّهُمَّ. . إِلَى آخِره فَقَالَ الْعلمَاء وافقهم ﵊ فِي ترك كِتَابَة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَكتب بِاسْمِك اللَّهُمَّ وَكَذَا وافقهم فِي مُحَمَّد بن عبد الله وَترك كِتَابَة رَسُول الله
стр. 690
للْمصْلحَة المهمة الْحَاصِلَة بِالصُّلْحِ مَعَ أَنه لَا مفْسدَة فِي هَذِه الْأُمُور أما الْبَسْمَلَة وباسمك اللَّهُمَّ فمعناها واحدْ وَكَذَا قَوْله مُحَمَّد بن عبد الله هُوَ أَيْضا رَسُوله وَلَيْسَ فِي ترك وصف الله تَعَالَى فِي هَذَا الْموضع بالرحمن الرَّحِيم مَا يَنْفِي ذَلِك وَلَا فِي ترك وَصفه
هَذَا بالرسالة مَا ينفيها فَلَا مفْسدَة فِيمَا طلبوه وَإِنَّمَا كَانَت الْمفْسدَة تكون لَو طلبُوا أَن يكْتب مَا لَا يحل من تَعْظِيم آلِهَتهم وَنَحْو ذَلِك انْتهى قَالَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فَكتب هَذَا مَا قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد الله فَقَالَ
على أَن يخلوا بَيْننَا وَبَين الْبَيْت فنطوف بِهِ فَقَالَ سُهَيْل وَالله لَا تتحدَث الْعَرَب؛ أَنا أخدنا ضغطة، وَلَكِن ذَلِك من الْعَام الْمقبل فَكتب فَقَالَ سُهَيْل: وعَلى أَنه لَا يَأْتِيك منا رجل وَإِن كَانَ على دينك إِلَّا رَددته إِلينا قَالَ الْمُسلمُونَ سُبْحَانَ الله كَيفَ يرد إِلَى الْمُشْركين وَقد جَاءَ مُسلما الضغطة بِالضَّمِّ قَالَ فِي الْقَامُوس الضّيق وَالْإِكْرَاه انْتهى فَإِن قلت مَا الْحِكْمَة فِي كَونه ﵊ وَافق سهيلاً على أَنه لَا يَأْتِيهِ مِنْهُم رجل وَإِن كَانَ على دين الْإِسْلَام إِلَّا يردهُ إِلى الْمُشْركين فَالْجَوَاب أَن الْمصلحَة المترتبة على هَذَا الصُّلْح مَا ظهر من ثمراته الباهرة وفوائده الظَّاهِرَة الَّتِي كَانَت عَاقبَتهَا فتح مَكَّة وَإِسْلَام أَهلهَا كلهم وَدخُول النَّاس فِي دين الله أفواجَاً وَذَلِكَ أَنهم قبل الصُّلْح لم يَكُونُوا يختلطون بِالْمُسْلِمين وَلَا تتظاهر عِنْدهم أُمُور النَّبِي
كَمَا هِيَ وَلَا يخلون بِمن يعلمهُمْ بهَا مفصَّلة فَلَمَّا حصل صلح الْحُدَيْبِيَة اختلطوا بِالْمُسْلِمين وَجَاءُوا إِلَى الْمَدِينَة وَذهب الْمُسلمُونَ إِلى مَكَّة وخلوا بأهليهم وأصدقائهم وَغَيرهم مِمَّن يستنصحونه وسمعوا مِنْهُم أَحْوَال النَّبِي
ومعجزاته الظَّاهِرَة وأعلام نبوته المتظاهرة وَحسن سيرته وَجَمِيل طَرِيقَته وعاينوا بِأَنْفسِهِم كثيرا من ذَلِك فمالت نفوسُهم إِلى الْإِيمَان حَتَّى بَادر خلق كثير مِنْهُم إِلى الْإِسْلَام قبل فتح مَكَّة فأسلموا بَين صلح الْحُدَيْبِيَة وَفتح مَكَّة وازداد الْآخرُونَ ميلًا إِلى الْإِسْلَام فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح أَسْلمُوا كلهم لما كَانَ قد تمهد لَهُم من الْميل وَكَانَت الْعَرَب غير قُرَيْش فِي
стр. 691
الْبَوَادِي قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِذَا جَاءَ نصرُ الله وَالفَتحُ وَرَأيت الناسَ يَدخلوُنَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجًا﴾ فَالله وَرَسُوله أعلم انْتهى قَالَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فبينماهم كَذَلِك إِذْ دخل أَبُو جندل بن سُهَيْل بن عَمْرو يُوسُف فِي قيوده قد خرج من أَسْفَل مَكَّة حَتَّى رمى بِنَفسِهِ بَين أظهر الْمُسلمين فَقَالَ سُهَيْل هَذَا يَا مُحَمَّد أول مَا أقاضيك عَلَيْهِ أَن ترده إِلَيّ فَقَالَ
إِنَّا لم نمض الْكتاب بعد قَالَ فوَاللَّه إِذن لَا أصالحك على شَيْء أبدا قَالَ النَّبِي
فأجزه إِلي قَالَ مَا أَنا بمجيزه لَك قَالَ بلَى فافعل قَالَ مَا أَنا بفاعلِ قَالَ مكرز بلَى قد أجزنا ذَلِك قَالَ أَبُو جندل أَي معشر الْمُسلمين أُرَدُ إِلى الْمُشْركين وَقد جِئْت مُسلما إِلَّا ترَوْنَ مَا قد لقِيت وَكَانَ عُذبَ فِي الله عذَابا شَدِيدا زَاد ابْن إِسْحَاق فَقَالَ النَّبِي
يَا أَبَا جندل اصبر واحتسب فإِنا لَا نغدر وَإِن الله جَاعل لَك فرجا ومخرجاً ووثب عمر يمشي إل جنبه وَيقرب مِنْهُ قَائِم السَّيْف وَيَقُول اصبر فإِنما هم الْمُشْركُونَ وَإِن دم أحدهم كَدم الْكَلْب يعرض لَهُ بقتل أَبِيه فَلَمَّا لم يفعل قَالَ عمر ضنَّ الرجل بِأَبِيهِ قَالَ الخطَابي تأوَّل العلماءُ مَا وَقع فِي قصَّة أبي جندل على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الله قد أَبَاحَ التقية للْمُسلمِ إِذا خَافَ الْهَلَاك وَرخّص لَهُ أَن يتَكَلَّم بالْكفْر مَعَ إِضْمَار الإِيمان إِن لم يُمكنهُ التورية فَلم يكن رده إِليهم إسلاماً لأبي جندل إِلى الْهَلَاك مَعَ وجود السَّبِيل إِلى الْخَلَاص من الْمَوْت بالتقية وَالْوَجْه الثَّانِي أَنه إِنَّمَا رده إِلى أَبِيه وَالْغَالِب أَن أَبَاهُ لم يبلغ بِهِ إِلى الْهَلَاك وَإِن عذبه أَو سجنه فَلهُ مندوحة بالتقية أَيْضا وَأما مَا يخَاف عَلَيْهِ من الْفِتْنَة فإِن ذَلِك امتحان من الله يَبْتَلِي بِهِ صَبر عباده الْمُؤمنِينَ وَاخْتلف الْعلمَاء هَل يجوز الصُّلْح مَعَ الْمُشْركين على أَن يرد إِلَيْهِم من جَاءَ مُسلما من عِنْدهم أم لَا
стр. 692
فَقيل نعم على مَا دلّت عَلَيْهِ قصَّة أبي جندل وَأبي بَصِير وَقيل لَا وَأَن الَّذِي وَقع فِي الْقِصَّة مَنْسُوخ وَأَن ناسخه حَدِيث أَنا بَرِيء من مُسلم بَين الْمُشْركين وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة تفصل بَين الْعَاقِل وَالْمَجْنُون وَالصَّبِيّ فَلَا يُرَدان وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة منَاط جَوَاز الرَّد أَن يكون الْمُسلم بِحَيْثُ لَا تجب عَلَيْهِ الْهِجْرَة من دَار الْحَرْب وَالله أعلم قَالَ فِي فتح الْبَارِي قَالَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فَقَالَ عمر بن الخطَاب فَأتيت النَّبِي
فَقلت ألستَ نَبِي الله حَقًا قَالَ بلَى قلت ألستَ على الْحق وعدونا على الْبَاطِل قَالَ بلَى قلت فَلم نعطي الدَنية فِي ديننَا إِذن قَالَ إِنِّي رَسُول الله وَلست أعصيه وَهُوَ ناصري قلت أَو لست كنت تحدثنا أَنا نأتي الْبَيْت فنطوف بِهِ قَالَ بلَى فأخبرتك أَنا نأتيه الْعَام قلت لَا قَالَ فَإنَّك آتيه ومطوف بِهِ قَالَ فَأتيت أَبَا بكر فَقلت يَا أَبَا بكر أَلَيْسَ هَذَا نبيَّ الله حَقًا قَالَ بلَى قلت أَلسنا على الْحق وعدونا على الْبَاطِل قَالَ بلَى قلت فَلم نعطي الدَنية فِي ديننَا إِذن قَالَ أَيهَا الرجل إِنَّه رَسُول الله
وَلَيْسَ يَعْصِي ربه وَهُوَ ناصره فَاسْتَمْسك بغرزه فوَاللَّه إِنَّه على الْحق قلت أَو لَيْسَ كَانَ يحدثنا أَنا سنأتي الْبَيْت فنطوف بِهِ قَالَ بلَى أفأخبرك أَنا نأتيه الْعَام قلت لَا قَالَ إِنَّك آتيه فمطوف بِهِ قَالَ الْعلمَاء لم يكن سُؤال عمر ﵁ وَكَلَامه الْمَذْكُور شَكاً بل طلبا لكشف مَا خَفِي عَلَيْهِ وحثاً على إِذلال الْكفَّار وَإِظْهَار الإِسلام كَمَا عرف فِي خلقه وقوته فِي نصرته الدّين وإِذلال المبطلين وَأما جَوَاب أبي بكر لعمر ﵄ بِمثل جَوَاب النَّبِي
فَهُوَ من الدَّلَائِل الظَّاهِرَة على عظم فَضله
стр. 693
وبارع علمه وَزِيَادَة عرفانه ورسوخه وزيادته فِي كل ذَلِك على غَيره وَكَانَ الصُّلْح بَينهم مُدَّة عشر سِنِين كَمَا فِي السّير وَأخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عمر وَلأبي نعيم فِي مُسْند عبد الله بن دِينَار كَانَت أَربع سِنِين وَكَذَا أخرجه الْحَاكِم فِي البيع من الْمُسْتَدْرك وَالْأول أشهر وَكَانَ الصُّلْح على وضع الْحَرْب بِحَيْثُ يَأْمَن النَّاس ويكف بَعضهم عَن بعض وَألا يدْخل الْبَيْت إِلَّا الْعَام الْقَابِل ثَلَاثَة أَيَّام وَلَا يدخلوها إِلَّا بجلبان السِّلَاح وَهُوَ القراب بِمَا فِيهِ والجلبان بِضَم الْجِيم وَسُكُون اللَّام شبه الجراب من الْأدم يوضع فِيهِ السَّيْف مغموداً وَرَوَاهُ القتيبي بِضَم الْجِيم وَاللَّام وَتَشْديد الْبَاء وَقَالَ هِيَ أوعية السِّلَاح بِمَا فِيهَا وَفِي بعض الرِّوَايَات إِلَّا بجلبان السِّلَاح السَّيْف والقوس وِإنما اشترطوا ذَلِك ليَكُون علما وأمارة السّلم إِذْ كَانَ دُخُولهمْ صلحا وَقَالَ مكي بن أبي طَالب القيرواني فِي تَفْسِيره وَبعث ﵊ بِالْكتاب إِلَيْهِم مَعَ عُثْمَان بن عَفَّان وَأمْسك سُهَيْل بن عَمْرو عِنْده فَأمْسك الْمُشْركُونَ عُثْمَان فَغَضب الْمُسلمُونَ وَقَالَ مغلطاي فاحتبسته قُرَيْش عِنْدهَا فَبلغ النَّبِي
أَن عُثْمَان قد قتل فَدَعَا النَّاس إِلَى بيعَة الرضْوَان تَحت الشَّجَرَة على الْمَوْت وَقيل على أَلا يَفروا انْتهى وَوضع النَّبِي
شِمَاله فِي يَمِينه وَقَالَ هَذِه عَن عُثْمَان وَفِي البُخَارِيّ فَقَالَ
بِيَدِهِ الْيُمْنَى هَذِه بيعَة عُثْمَان فَضرب بهَا على يَده ... الحَدِيث
стр. 694
وَلما سمع الْمُشْركُونَ بِهَذِهِ خَافُوا فبعثوا بعثمان وَجَمَاعَة من الْمُسلمين وَفِي هَذِه الْبيعَة نزل قَوْله تَعَالَى ﴿إنَ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنمَا يُبَايِعُونَ الله يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ ١٠ وَقَوله تَعَالَى ﴿لقد رَضِي اللهُ عَنِ المُؤمنِينَ﴾ وَحلق النَّاس مَعَ النَّبِي
ونحروا هداياهم بِالْحُدَيْبِية قَالَ مغلطاي وَأرْسل الله ريحًا فَحملت شُعُورهمْ فألقتها فِي الْحرم وَأقَام
بِالْحُدَيْبِية بضعَة عشر يَوْمًا وَقيل عشْرين يَوْمًا ثمَّ قفل وَفِي نفوس بَعضهم شَيْء فَأنْزل الله تَعَالَى سُورَة الْفَتْح يسليهم بهَا وَيذكرهُمْ نعْمَة الله فَقَالَ تَعَالَى ﴿إنّا فَتحَنَا لَكَ فتحا مُبينًا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَأنس والبراء بن عَازِب الْفَتْح هُنَا فتح الْحُدَيْبِيَة وَوُقُوع الصُّلْح بعد أَن كَانَ المُنَافِقُونَ يظنون أَن لن يَنْقَلِب الرَّسُول والمؤمنون إِلى أَهْليهمْ أبدا أَي حسبوا إِلَّا يرجِعوا بل يقتلُون كلهم وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وأثابهم فتحا قَرِيبا﴾ فَالْمُرَاد فتح خَيْبَر على الصَّحِيح فَإِنَّهَا وَقعت فِيهَا الْمَغَانِم الْكَثِيرَة للْمُسلمين وَقد روى أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم عَن مجمع بن حَارِثَة قَالَ شَهِدنَا الْحُدَيْبِيَة فَلَمَّا انصرفنا وجدنَا رَسُول الله
وَاقِفًا عِنْد كرَاع الغميم وَقد جمع النَّاس قَرَأَ عَلَيْهِم ﴿إنَا فَتحَنَا لَكَ فَتحاً مُبينَاً﴾ الْحُدَيْبِيَة وَغفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وتبايعوا بيعَة الرضْوَان وأطعموا نخيل خَيْبَر وَظَهَرت الرّوم على فَارس وَفَرح الْمُسلمُونَ بنصر الله وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿إذَا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ وَقَوله
لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح فَفتح مَكَّة بالِاتِّفَاقِ
стр. 695
قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فَبِهَذَا يرْتَفع الإِشكال وتجتمع الْأَقْوَال وَالله أعلم ثمَّ رَجَعَ
إِلَى الْمَدِينَة وَفِي هَذِه السّنة كسفت الشَّمْس وظَاهَرَ أَوْس بن الصَّامِت من امْرَأَته خَولَةَ وفيهَا استسقى فِي رَمَضَان ومطر النَّاس فَقَالَ النَّبِي
أصبح من النَّاس مُؤمن بِاللَّه وَكَافِر بالكواكب قَالَه مغلطاي وَجزم الدمياطي فِي سيرته بِأَن تَحْرِيم الْخمر كَانَ فِي سنة الْحُدَيْبِيَة وَذكر ابْن إِسْحَاق أَنه كَانَ فِي وقْعَة بني النَّضِير وَهِي بعد أحد وَذَلِكَ سنة أَربع على الرَّاجِح وَفِيه نظرا لِأَن أنسا كَانَ الساقي يَوْم حرمت وَأَنه لما سمع الْمُنَادِي بتحريمها بَادر فأراقها وَلَو كَانَ سنة أَربع لَكَانَ أنس يصغر عَن ذَلِك وَأخرج النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ بسندٍ صحيحٍ عَن ابْن عَبَّاس إِنما نزل تَحْرِيم الْخمر فِي قبيلتين من الْأَنْصَار شربوا فَلَمَّا ثمل الْقَوْم عَبث بَعضهم بِبَعْض فَلَمَّا أَن صحوا جعل الرجل يرى فِي وَجهه وَرَأسه الْأَثر فَيَقُول صنع هَذَا أخي فلَان وَكَانُوا إخْوَة لَيْسَ فِي قُلُوبهم ضغائن فَيَقُول وَالله لَو كَانَ بِي رحِيما مَا صنع بى هَذَا حَتَّى وَقعت فِي قُلُوبهم الضغائن فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ﴿يَا أَيُهَا الذَينَ آمَنُوا إنمَا اَلخمُر وَاَلْمَيسِرُ﴾ إِلَى ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ فَقَالَ نَاس من المتكلفين هِيَ رِجْس وَهِي فِي بطن فلَان وَفُلَان وَقد قتل يَوْم أحد فَأنْزل الله ﴿لَيسَ عَلَى الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلوا الصَّالحاتِِ جنَاح فِيمَا طَعمُوا﴾ إِلَى ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ وَآيَة تَحْرِيم الْخمر نزلت فِي عَام الْفَتْح قبل الْفَتْح وَالله أعلم
стр. 696
وفيهَا سَرِيَّة مُحَمَّد بن مَسلمة فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا إِلى القرظاء من بني بكر بن كلاب بضرية وَهِي على سبع لَيَال من الْمَدِينَة عَاشر الْمحرم فَلَمَّا أَغَارُوا عَلَيْهِم هربوا فعنم وَجَاء آخر الْمحرم وَمَعَهُ ثُمَامَة بن أَثَال أَسِيرًا وعكاشة بن مُحصن الْأَسدي فِي ربيع الأول إِلَى مَاء لبني أَسد يُقَال لَهُ عمْرَة مَرْزُوق فِي أَرْبَعِينَ فغنم وَلم يلق كيداً وَمُحَمّد بن مسلمة أَيْضا إِلَى ذِي القصَة فِي ربيع الأول مَعَه عشرَة إِلى بني ثَعْلَبَة وهم مائَة فَقتلُوا إِلَّا ابْن مسلمة فَبعث إِلَيْهِم أَبَا عُبَيْدَة فِي ربيع الآخر بِأَرْبَعِينَ رجلا فغنموا نعما وَشاء وأسروا رجلا فَأسلم وَزيد بن حَارِثَة فِي ربيع الآخر إِلى بني سليم بالجموع فغنموا نعما وَشاء ثمَّ إِلى الْعيص فِي جُمَادَى الأولى وَمَعَهُ مائَة وَسَبْعُونَ رَاكِبًا يعْتَرض عيرًا لِصَفْوَان بن أُميَّة فَأسر مِنْهُم نَاسا مِنْهُم أَبُو الْعَاصِ بن الرّبيع فَأَجَارَتْهُ زَوجته زَيْنَب ابْنة رَسُول الله
ثمَّ إِلى الطَرَف مَاء على سِتَّة وَثَلَاثِينَ ميلًا من الْمَدِينَة فِي جُمَادَى الْآخِرَة بِخَمْسَة عشر لبني ثَعْلَبَة فَأصَاب نعما وَشاء ثمَّ إِلَى حسمى وَرَاء وَادي الْقرى فِي جُمَادَى الْآخِرَة إِلى قوم من جذام قطعُوا الطَّرِيق على دحْيَة فَقتل مِنْهُم قتلا ذريعاً وَأصَاب مَغَانِم كَثِيرَة ثمَّ ردهَا عَلَيْهِم
جَمِيعهَا لما جَاءَهُ زيد بن رِفَاعَة وَسَأَلَهُ فِي ذَلِك وَأسلم
стр. 697
ثمَّ إِلَى وادى الْقرى فِي رَجَب فَقتل من الْمُسلمين قَتْلَى وَارْتثَّ زيد ثمَّ إِلَى أم قرفة فَاطِمَة بنت ربيعَة الفزارية بِنَاحِيَة وَادي الْقرى فربطها بَين بَعِيرَيْنِ حَتَّى مَاتَت وَفِي مُسلم أَن أَمِير هَذِه السّريَّة أَبُو بكر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف إِلَى دومة الجندل فِي شعْبَان يَدْعُو أَهلهَا إِلَى الْإِسْلَام فَأسلم كثير بن الْأَصْبَغ بن عمر الْكَلْبِيّ وَكَانَ نَصْرَانِيّا فَتزَوج عبد الرَّحْمَن ابْنَته تماضر فَولدت لَهُ أَبَا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَضرب الْجِزْيَة على من لم يسلم وَعلي بن أبي طَالب إِلَى بني سعد بِفَدَكَ فغنم نعما وَشاء وَعبد الله بن عتِيك لقِتَال أبي رَافع عبد الله أَو سَلام ابْن أبي الْحقيق على الْخلاف فِيهِ فِي رَمَضَان وَمَعَهُ أَرْبَعَة نفر فَقَتَلُوهُ فِي دَاره بِخَيْبَر وَعبد الله بن رَواحة فِي ثَلَاثِينَ رجلا إِلَى أَسِير بن رزام الْيَهُودِيّ بِخَيْبَر فَقتل وَقتل مَعَه نَحْو الثَّلَاثِينَ وكرز بن جَابر فِي عشْرين رجلا إِلَى العرنيين الَّذين اجتووا الْمَدِينَة فَأمر النَّبِي
أَن يشْربُوا من لقاحه ويتداووا فَلَمَّا أَصْبحُوا قتلوا راعي النَّبِي
يساراً النوبي وَاسْتَاقُوا اللقَاح فَأتى بهم فَقطع أَيْديهم وسمل أَعينهم وَكَانُوا ثَمَانِيَة وَنزل ﴿إِنمَا جزاؤا الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله﴾ وَعَمْرو بن أُميَّة الضمرِي انْظُر وَمَعَهُ سَلمَة بن أسلم ليصادفا غرَّة من أبي سُفْيَان
стр. 698
بن حَرْب فيقتلاه فَفطن لذَلِك وهرب وَسبب ذَلِك أَن أَبَا سُفْيَان أرسل إِلَى النَّبِي
من يقْتله غدراً فَأقبل الرَّسُول وَمَعَهُ خنجر ليغتاله فَلَمَّا رَآهُ النَّبِي
قَالَ إِن هَذَا ليريدُ غدراً فَجَذَبَهُ أسيد بن الْحضير بداخلة إزَاره فَإِذا بالخنجر فَسقط فِي يَده فَقَالَ
اصدقنى مَا أَنْت قَالَ وَأَنا آمن قَالَ نعم فَأخْبرهُ بِخَبَرِهِ فخلى عَنهُ
وَبعث عَمْرو بن أُميَّة وَمَعَهُ سَلمَة بن أسلم وَيُقَال جَبَّار بن صَخْر إِلَى أبي سُفْيَان وَقَالَ إِن أصبْتُمَا مِنْهُ غرَّة فاقتلاه وَمضى عَمْرو بن أُميَّة يطوف بِالْبَيْتِ لَيْلًا فَرَآهُ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان فَأخْبر قُريْشًا بمكانه فخافوا وطلبوه وَكَانَ فاتكاً فِي الْجَاهِلِيَّة فحشد لَهُ أهل مَكَّة وتجمعوا فهرب عَمْرو وَسَلَمَة فلقي عَمْرو عبيد الله بن مَالك التَّمِيمِي فَقتله وَقتل آخر وَلَقي رسولَين لقريش بعثا يتجسسان الْخَبَر فَقتل أَحدهمَا وَأسر الآخر فَقدم بِهِ الْمَدِينَة فَجعل عَمْرو يخبر رَسُول الله
وَهُوَ ﵊ يضْحك
стр. 699
(حوادث السّنة السَّابِعَة)
فِيهَا غَزْوَة خَيْبَر فِي جُمَادَى الأولى وَقَاتل بهَا
أَشد الْقِتَال وَقتل من أَصْحَابه خَمْسَة وَمن الْيَهُود ثَلَاثَة وَتسْعُونَ وَفتحهَا الله عَلَيْهِ حصناً حصناً وفيهَا حرم لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة وَنهى عَن أكل كل ذِي نَاب من السبَاع وَعَن بيع الْمَغَانِم حَتَّى تقسم وَألا تُوطأ جَارِيَة حَتَّى تستبرأ وَعَن مُتْعَة النِّسَاء وَوضعت لَهُ السم فِي الشَّاة زَيْنَب بنت الْحَارِث امْرَأَة سَلام بن مشْكم فَأَخْبَرته الذِّرَاع بذلك وَفتح وَادي الْقرى فِي جُمَادَى الْآخِرَة بعد مَا حَاصَرَهُمْ أَرْبعا أَو أَكثر وَصَالَحَهُ أهل تيماء على الْجِزْيَة قَالَ فِي الْمَوَاهِب هِيَ مَدِينَة كَبِيرَة ذَات حصون ومزارع على ثَمَانِيَة برد من الْمَدِينَة إِلَى جِهَة الشَّام قَالَ ابْن إِسْحَاق خرج
فِي بَقِيَّة الْمحرم سنة سبع فَأَقَامَ يحاصرها بضع عشرَة لَيْلَة إِلَى أَن فتحهَا وَقيل كَانَت فِي آخر سنة سِتّ وَهُوَ مَنْقُول عَن مَالك وَبِه جزم ابْن حزم قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر وَالرَّاجِح مَا ذكره ابْن إِسْحَاق وَيُمكن الْجمع بِأَن من أطلق سنة سِتّ بناه على أَن ابْتِدَاء السّنة من شهر الْهِجْرَة الْحَقِيقِيّ وَهُوَ ربيع الأول وَأغْرب ابْن سعد وَابْن أبي شيبَة فرويا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ خرجنَا مَعَ رَسُول الله
إِلَى خَيْبَر لثمان عشرَة من رَمَضَان وَإِسْنَاده حسن لكنه خطأ ولعلها كَانَت إِلَى حنين فتصحفت
стр. 700
وتوجيهه بِأَن غَزْوَة خَيْبَر كَانَت ناشئة عَن غَزْوَة الْفَتْح وغزوة الْفَتْح خرج
فِيهَا فِي رَمَضَان جزما قَالَ وَذكر الشَّيْخ أَبُو حَامِد فِي التعليقة أَنَّهَا كَانَت سنة خمس وَهُوَ وهم وَلَعَلَّه انْتِقَال من الخَنْدَق إِلَى خَيْبَر وَكَانَ مَعَه ﵊ ألف وَأَرْبَعمِائَة راجل وَمِائَتَا فَارس وَمَعَهُ أم سَلمَة زَوجته وَفِي البُخَارِيّ من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع قَالَ خرجنَا مَعَ النَّبِي
إِلَى خَيْبَر فسرنا لَيْلًا فَقَالَ رجل من الْقَوْم لعامر يَا عَامر هَل تسمعنا من هنيهاتك وَكَانَ عامرٌ رجلا شَاعِرًا فَنزل يَحْدُو بالقوم يَقُول
(اللهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا)
(فَاغْفِرْ فِدَاءٌ لَكَ مَا أبقينَا ... وَثَبِّت الأقدامَ إِنْ لَاقَيْنَا)
(وَأَلْقِينْ سَكِينةً عَلَيْنَا ... إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنّا أَتَيْنَا)
(وَبالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا ... )
وَفِي رِوَايَة إِيَاس بن أبي سَلمَة عَن أَبِيه عَن أَحْمد فِي هَذَا الرجز زِيَادَة
(إِنّ الذِينّ قَدْ بَغُوا عَلَيْنَأ ... إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا)
(وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسَتغنَيْنَا ... )
فقَال رَسُول الله
كَمَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ من هَذَا السَّائِق قَالُوا عَامر بن الاكوع قَالَ يرحمه الله قَالَ رجل من الْقَوْم وَجَبت يَا نَبِي الله لَوْلَا أمتعتنا بِهِ ... الحَدِيث وَفِي رِوَايَة أَحْمد فَجعل عَامر يرتجز ويسوق الركاب وَهَذِه كَانَت عَادَتهم إِذا أروادوا تنشيط الْإِبِل فِي السّير ينزل بَعضهم فيسوقها ويحدو فِي تِلْكَ الْحَال وَقَوله اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْت مَا اهتدينا كَذَا الرِّوَايَة قَالُوا وَصَوَابه فِي الْوَزْن لاهم أَو تَالله كَمَا فِي الحَدِيث الآخر
стр. 701
وَقَوله فدَاء لَك قَالَ الْمَازِني هَذِه اللَّفْظَة مشكلة فَإِنَّهُ لَا يُقَال للباري سُبْحَانَهُ فديتك لِأَن ذَلِك إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي مَكْرُوه يتَوَقَّع حُلُوله بالشخص فيختار شخص آخر أَن يحل ذَلِك بِهِ ويفديه مِنْهُ قَالَ وَلَعَلَّ هَذَا وَقع من غير قصد إِلَى حَقِيقَة مَعْنَاهُ كَمَا يُقَال قَاتله الله وَلَا يُرِيد بذلك حَقِيقَة الدُّعَاء عَلَيْهِ وَكَقَوْلِه ﵊ تربتْ يداك وتربت يمينُكَ وَفِيه كُله ضرب من الِاسْتِعَارَة لِأَن المفادِيَ مبالغ فِي طلب رضَا المفادَى حِين بذل نَفسه عَن نَفسه للمكروه فَكَأَن مُرَاد الشَّاعِر إِنِّي أبذل نَفسِي فِي رضاك وعَلى كل حالٍ فَإِن الْمَعْنى وَإِن أمكن صرفه إِلَى جِهَة صَحِيحَة فإطلاق اللَّفْظ واستعارته والتجوز فِيهِ يفْتَقر إِلَى وُرُود الشَّرْع بِالْإِذْنِ فِيهِ قَالَ وَقد يكون المُرَاد بقوله فدَاء لكَ رجلا يخاطبه وَفصل بَين الْكَلَام بذلك ثمَّ عَاد إِلَى تَمام الأول فَقَالَ مَا أبقينا قَالَ وَهَذَا تَأْوِيل يصحُ مَعَه اللَّفْظ وَالْمعْنَى لَوْلَا أَن فِيهِ تعسفاً اضطررنا إِلَيْهِ لتصحيح الْكَلَام انْتهى فَقيل إِنَّه يُخَاطب بِهَذَا الشّعْر النَّبِي
وَالْمعْنَى لَا تُؤَاخِذنَا بتقصيرنا فِي حَقك ونصرك وعَلى هَذَا فَقَوله اللَّهُمَّ لم يقْصد بهَا الدُّعَاء وَإِنَّمَا افْتتح بهَا الْكَلَام والمخاطب بقول الشَّاعِر لَوْلَا أَنْت النَّبِي
لَكِن يعكرُ عَلَيْهِ بعد ذَلِك
(فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَأ ... وثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا)
فَإِنَّهُ دُعَاء لله تَعَالَى وَيحْتَمل أَن يكون فاسأل رَبك أَن ينزل وَيثبت وَالله أعلم وَقَوله إِذا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا أَي إِذا صِيحَ بِنَا لِلْقِتَالِ وَنَحْوه من المكاره وَفِي رِوَايَة أَبينَا بِالْمُوَحَّدَةِ بدل الْمُثَنَّاة أَي أَبينَا الْفِرَار وَقَوله وبالصياح عولوا علينا أَي اسْتَغَاثُوا بِنَا واستفزعونا لِلْقِتَالِ وَقيل هُوَ من التعويل على الشَّيْء وَهُوَ الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ وَقيل هُوَ من العويل وَهُوَ الصَّوْت وَقَوله من هَذَا السَّائِق قَالُوا عَامر قَالَ يرحمه الله قَالَ رجل من الْقَوْم وَجَبت أَي ثبتَتْ لَهُ الشَّهَادَة وستقع قَرِيبا وَكَانَ مَعْلُوما عِنْدهم أَن من دَعَا لَهُ النَّبِي
هَذَا الدُّعَاء فِي هَذَا الموطن استشهدَ فَقَالُوا هلا أمتعتنا بِهِ أَي وَدِدْنَا
стр. 702
أَنَّك أخرت الدُّعَاء لَهُ بِهَذَا إِلَى وَقت اخر لنتمتع بمصاحبته ورؤيته مُدَّة وَفِي البُخَارِيّ من حَدِيث أنس أَنه
أَتَى خَيْبَر لَيْلًا وَكَانَ إِذا أَتَى قوما بلَيْل لم يغزهم حَتَّى يصبح فَلَمَّا أصبح خرجت الْيَهُود بِمساحِيهِمْ وَمَكَاتِلهمْ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا مُحَمَّد وَالله مُحَمَّد وَالْخَمِيس فَقَالَ النَّبِي
خرجت خيبرُ إِنَّا إِذا نزلنَا بِسَاحَة قوم فسَاء صباح الْمُنْذرين وَفِي رِوَايَة فَرفع يَده وَقَالَ الله أكبر خرجت خَيْبَر وَالْخَمِيس الْجَيْش سمى بِهِ لِأَنَّهُ مقسوم بِخَمْسَة أَقسَام الْمُقدمَة والساقة والميمنة والميسرة وَالْقلب وَمُحَمّد خبر مُبْتَدأ أَي هَذَا مُحَمَّد قَالَ السُّهيْلي وَيُؤْخَذ من هَذَا الحَدِيث التفاؤُلُ لِأَنَّهُ ﵊ لما رأى آلَة الْهدم تفاؤل أَن مدينتهم ستخرب انْتهى وَيحْتَمل كَمَا قَالَه فِي فتح الْبَارِي أَن يكون قَالَ خربَتْ خَيْبَر بطرِيق الْوَحْي وَيُؤَيِّدهُ قَوْله بعد ذَلِك إِنَّا إِذا نزلنَا بِسَاحَة قوم فسَاء صباح الْمُنْذرين وَفِي رِوَايَة أَنه
صلى الصُّبْح قَرِيبا من خَيْبَر بِغَلَس ثمَّ قَالَ الله أكبر خربَتْ خَيْبَر إِنَّا إِذا نزلنَا بِسَاحَة قوم فسَاء صباح الْمُنْذرين وَقَالَ مغلطاي وَغَيره وَفرق ﵊ الرَّايَات وَلم تكنِ الراياتُ إِلَّا بِخَيْبَر وَإِنَّمَا كَانَت الألوية وَقَالَ الدمياطي وَكَانَت راية النَّبِي
السَّوْدَاء من برد لعَائِشَة وَفِي البُخَارِيّ وَكَانَ عَليّ بن أبي طَالب تخلَفَ عَن النَّبِي
وَكَانَ رمداً فلحق فَلَمَّا بتنا اللَّيْلَة قَالَ لَأُعْطيَن الرَّايَة غَدا أَو ليأخذن الرَّايَة غَدا رجلا يحبُّ الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله يفتح الله عَلَيْهِ فَلَمَّا أصبح النَّاس غدوا على رَسُول الله
كلهم يَرْجُو أَن يعطاها فَقَالَ أَيْن عَليّ بن أبي طَالب فَقَالُوا هُوَ يَا رَسُول الله يشتكي عَيْنَيْهِ فَأرْسل إِلَيْهِ فَأتى بِهِ فبصق رَسُول الله
فِي عَيْنَيْهِ ودعا لَهُ فبرأ حَتَّى كَأَن لم يكن بِهِ وجع فَأعْطَاهُ الرَّايَة فَقَالَ عَليّ يَا رَسُول
стр. 703
الله أقاتلهم حَتَّى يَكُونُوا مثلنَا فَقَالَ ائتد على رسلك حَتَّى تنزل بِسَاحَتِهِمْ ثمَّ ادعهم إِلَى الْإِسْلَام وَأخْبرهمْ بِمَا يجب عَلَيْهِم من حق الله فِيهِ فوَاللَّه لِأَن يهدي الله بك رجلا وَاحِدًا خير لَك من أَن يكون لَك حمر النعم ... الحَدِيث وَلما أَن تصاف الْقَوْم كَانَ سيف عَامر قَصِيرا فَتَنَاول سَاق يَهُودِيّ ليضربه فَرجع ذُبَاب سَيْفه فَأصَاب عين ركبة عَامر فَمَاتَ مِنْهُ فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سَلمَة قلت يَا رَسُول الله فدَاك أبي وَأمي زَعَمُوا أَن عَامِرًا حبطَ عمله عَلَيْهِ قَالَ
كذب من قَالَ وَإِن لَهُ أَجْرَيْنِ وَجمع بَين إصبعيه إِنَّه لجاهد مُجَاهِد رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا وَعَن يزِيد بن أبي عُبَيْدَة قَالَ رَأَيْت ضَرْبَة بساق سَلمَة فَقلت مَا هَذِه الضَّرْبَة قَالَ هَذِه ضَرْبَة أصابنيها يَوْم خَيْبَر فَأتيت النَّبِي
فنفث فِيهَا ثَلَاث نفثات فَمَا اشتكيتها حَتَّى السَّاعَة أخرجه البُخَارِيّ وَعِنْده أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة شَهِدنَا خَيْبَر فَقَالَ رَسُول الله
لرجل مِمَّن مَعَه يدعِي الْإِسْلَام هَذَا من أهل النَّار فَلَمَّا حضر الْقِتَال قَاتل الرجل أَشد الْقِتَال حَتَّى كثرت فِيهِ الْجراحَة فكاد بعض النَّاس يرتاب فَوجدَ الرجل ألم الْجراحَة فَأَهوى بِيَدِهِ إِلَى كنَانَة فاستخرج مِنْهَا سَهْما فَنحر نَفسه فَاشْتَدَّ رجال من الْمُسلمين فَقَالُوا يَا رَسُول الله صدَّقَ الله حَدِيثك انتحر فلَان فَقتل نَفسه فَقَالَ قُم يَا فلَان فَأذن لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا مُؤمن وَإِن الله يُؤَيّد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر وَفِي رِوَايَة فَقَالَ رَسُول الله
عِنْد ذَلِك إِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة فِيمَا يَبْدُو للنَّاس وَهُوَ من أهل النَّار وَإِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار فِيمَا يَبْدُو للنَّاس وَهُوَ من أهل الْجنَّة
стр. 704
وَقَاتل النَّبِي
أهل خَيْبَر وقاتلوه أَشد الْقِتَال وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين خَمْسَة عشرَة وَقتل من الْيَهُود ثَلَاثَة وَتسْعُونَ وَفتحهَا الله عَلَيْهِ حصناً حصناً وَهِي النطاة وحصن الصعب وحصن ناعم وحصن قلعة الزبير والشق وحصن أبي وحصن الْبَراء والقموص والوطيح والسلالم وَهُوَ حصن بني الْحقيق الَّذِي كَانَ لَهُم بِهِ كنز فِي مسك الْحمار وَكَانُوا قد غيبوه فِي خربة فَدلَّ الله رَسُوله عَلَيْهِ فاستخرجه وَقلع عَليّ بَاب خَيْبَر وَلم يحركه سَبْعُونَ رجلا إِلَّا بعد جهد وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق سَبْعَة وَأخرجه من طَرِيقه الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَعنهُ الْبَيْهَقِيّ من جِهَة لَيْث بن أبي سليم عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن عَن جَابر أَن عليا حمل الْبَاب يَوْم خَيْبَر وَأَنه جرب بعد ذَلِك وَلم يحملهُ أَرْبَعُونَ رجلا وَلَيْث ضَعِيف وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ أَن عليا لما انْتهى إِلَى الْحصن اجتبذ أحد أبوابه فَأَلْقَاهُ فِي الأَرْض فَاجْتمع عَلَيْهِ بعده منا سَبْعُونَ رجلا وَكَانَ جهداً أَن أعادوا الْبَاب مَكَانَهُ قَالَ شَيخنَا وَكلهَا واهية وَلذَا أنكرهُ بعض الْعلمَاء انْتهى وَفِي البُخَارِيّ وَتزَوج ﵊ بصفية بنت حُيي بْنِ أَخطب وَكَانَ قد قتل زَوجهَا كنانهْ بن الرّبيع بن أبي الْحقيق وَكَانَت عروساً فَذكر لَهُ جمَالهَا فاصطفاها لنَفسِهِ فَخرج بهَا حَتَّى إِذا بلغت سد الضهباء حلت لَهُ يَعْنِي طهرت من الْحيض فَبنى بهَا ﵊ فَصنعَ حَيْسًا فِي نطع صَغِير ثمَّ قَالَ لأنس آذن من حولك فَكَانَت وليمته على صَفِيَّة قَالَ ثمَّ خرجنَا إِلَى الْمَدِينَة فَرَأَيْت النَّبِي
يحوي لَهَا وَرَاءه بعباءة ثمَّ يجلس عِنْد بعيره فَيَضَع ركبته وتضع صَفِيَّة رجلهَا على رُكْبَتَيْهِ حَتَّى تركب وَفِي رِوَايَة فَقَالَ الْمُسلمُونَ إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ أَو مَا ملكَت يَمِينه قَالُوا إِن حجبها فَهِيَ إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَإِن لم يحجبها فَهِيَ مَا ملكت يَمِينه فَلَمَّا
стр. 705
ارتحل وطأ لَهَا وَمد الْحجاب وَفِي رِوَايَة أَنه
قتل الْمُقَاتلَة وسبى الذُّرِّيَّة وَكَانَ فِي السَّبي صَفِيَّة فَصَارَت إِلَى دحْيَة الْكَلْبِيّ ثمَّ صَارَت إِلَى النَّبِي
فَجعل عتقهَا صَدَاقهَا وَفِي رِوَايَة فَأعْتقهَا وَفِي رِوَايَة قَالَ
لدحية خُذ جَارِيَة من السَّبي غَيرهَا وَفِي رِوَايَة لمُسلم أَنه
اشترَى صَفِيَّة مِنْهُ بسبعة أرؤس وَإِطْلَاق الشِّرَاء على ذَلِك على سَبِيل الْمجَاز وَلَيْسَ فِي قَوْله بسبعة أرؤس مَا يُنَافِي قَوْله فِي رِوَايَة البُخَارِيّ خُذ جَارِيَة من السَّبي غَيرهَا إِذْ لَيْسَ هُنَا دلَالَة على نفي الزِّيَادَة وَالله أعلم وَإِنَّمَا أَخذ
صَفِيَّة لِأَنَّهَا بنت ملك من مُلُوكهمْ وَلَيْسَت مِمَّن توهب لدحية لِكَثْرَة من كَانَ من الصَّحَابَة مثل دحْيَة وفوقه وَقلة من كَانَ فِي السَّبي مثل صَفِيَّة فِي نقاستها فَلَو خصّه بهَا لأمكن تغير خاطر بَعضهم فَكَانَ من الْمصلحَة الْعَامَّة ارتجاعها مِنْهُ واختصاصُهُ ﵊ بهَا فإنَّ فِي ذَلِك رضَا الجميعِ وَلَيْسَ ذَلِك من الرُّجُوع فِي الْهِبَة فِي شَيْء انْتهى وَقَالَ مغلطاي وَغَيره كَانَت صَفِيَّة قبل رأتْ أَن القمَرَ سقَطَ فِي حجرها فتؤول بذلك قَالَ الْحَاكِم وَكَذَا جرى لجويرية وفيهَا حرم
لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة كَمَا فِي البُخَارِيّ وَلَفظه فَلَمَّا أَمْسَى النَّاس مسَاء الْيَوْم الَّذِي فتحت عَلَيْهِم يعْنى خَيْبَر أوقدوا نيراناً كَثِيرَة فَقَالَ
مَا هَذِه النيرَان على أَي شَيْء توقدون قَالُوا على لحم قَالَ على أَي لحم قَالُوا لحم الْحمر الأنسية فَقَالَ النَّبِي
أهريقوها واكسروها فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله أَو نهريقها ونغلسها قَالَ أَو ذَاك وَالْمَشْهُور فِي الإنسية كسر
следующие страницы →