← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وَقَوله فدَاء لَك قَالَ الْمَازِني هَذِه اللَّفْظَة مشكلة فَإِنَّهُ لَا يُقَال للباري سُبْحَانَهُ فديتك لِأَن ذَلِك إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي مَكْرُوه يتَوَقَّع حُلُوله بالشخص فيختار شخص آخر أَن يحل ذَلِك بِهِ ويفديه مِنْهُ قَالَ وَلَعَلَّ هَذَا وَقع من غير قصد إِلَى حَقِيقَة مَعْنَاهُ كَمَا يُقَال قَاتله الله وَلَا يُرِيد بذلك حَقِيقَة الدُّعَاء عَلَيْهِ وَكَقَوْلِه ﵊ تربتْ يداك وتربت يمينُكَ وَفِيه كُله ضرب من الِاسْتِعَارَة لِأَن المفادِيَ مبالغ فِي طلب رضَا المفادَى حِين بذل نَفسه عَن نَفسه للمكروه فَكَأَن مُرَاد الشَّاعِر إِنِّي أبذل نَفسِي فِي رضاك وعَلى كل حالٍ فَإِن الْمَعْنى وَإِن أمكن صرفه إِلَى جِهَة صَحِيحَة فإطلاق اللَّفْظ واستعارته والتجوز فِيهِ يفْتَقر إِلَى وُرُود الشَّرْع بِالْإِذْنِ فِيهِ قَالَ وَقد يكون المُرَاد بقوله فدَاء لكَ رجلا يخاطبه وَفصل بَين الْكَلَام بذلك ثمَّ عَاد إِلَى تَمام الأول فَقَالَ مَا أبقينا قَالَ وَهَذَا تَأْوِيل يصحُ مَعَه اللَّفْظ وَالْمعْنَى لَوْلَا أَن فِيهِ تعسفاً اضطررنا إِلَيْهِ لتصحيح الْكَلَام انْتهى فَقيل إِنَّه يُخَاطب بِهَذَا الشّعْر النَّبِي وَالْمعْنَى لَا تُؤَاخِذنَا بتقصيرنا فِي حَقك ونصرك وعَلى هَذَا فَقَوله اللَّهُمَّ لم يقْصد بهَا الدُّعَاء وَإِنَّمَا افْتتح بهَا الْكَلَام والمخاطب بقول الشَّاعِر لَوْلَا أَنْت النَّبِي لَكِن يعكرُ عَلَيْهِ بعد ذَلِك (فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَأ ... وثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا) فَإِنَّهُ دُعَاء لله تَعَالَى وَيحْتَمل أَن يكون فاسأل رَبك أَن ينزل وَيثبت وَالله أعلم وَقَوله إِذا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا أَي إِذا صِيحَ بِنَا لِلْقِتَالِ وَنَحْوه من المكاره وَفِي رِوَايَة أَبينَا بِالْمُوَحَّدَةِ بدل الْمُثَنَّاة أَي أَبينَا الْفِرَار وَقَوله وبالصياح عولوا علينا أَي اسْتَغَاثُوا بِنَا واستفزعونا لِلْقِتَالِ وَقيل هُوَ من التعويل على الشَّيْء وَهُوَ الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ وَقيل هُوَ من العويل وَهُوَ الصَّوْت وَقَوله من هَذَا السَّائِق قَالُوا عَامر قَالَ يرحمه الله قَالَ رجل من الْقَوْم وَجَبت أَي ثبتَتْ لَهُ الشَّهَادَة وستقع قَرِيبا وَكَانَ مَعْلُوما عِنْدهم أَن من دَعَا لَهُ النَّبِي هَذَا الدُّعَاء فِي هَذَا الموطن استشهدَ فَقَالُوا هلا أمتعتنا بِهِ أَي وَدِدْنَا

стр. 702

أَنَّك أخرت الدُّعَاء لَهُ بِهَذَا إِلَى وَقت اخر لنتمتع بمصاحبته ورؤيته مُدَّة وَفِي البُخَارِيّ من حَدِيث أنس أَنه أَتَى خَيْبَر لَيْلًا وَكَانَ إِذا أَتَى قوما بلَيْل لم يغزهم حَتَّى يصبح فَلَمَّا أصبح خرجت الْيَهُود بِمساحِيهِمْ وَمَكَاتِلهمْ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا مُحَمَّد وَالله مُحَمَّد وَالْخَمِيس فَقَالَ النَّبِي خرجت خيبرُ إِنَّا إِذا نزلنَا بِسَاحَة قوم فسَاء صباح الْمُنْذرين وَفِي رِوَايَة فَرفع يَده وَقَالَ الله أكبر خرجت خَيْبَر وَالْخَمِيس الْجَيْش سمى بِهِ لِأَنَّهُ مقسوم بِخَمْسَة أَقسَام الْمُقدمَة والساقة والميمنة والميسرة وَالْقلب وَمُحَمّد خبر مُبْتَدأ أَي هَذَا مُحَمَّد قَالَ السُّهيْلي وَيُؤْخَذ من هَذَا الحَدِيث التفاؤُلُ لِأَنَّهُ ﵊ لما رأى آلَة الْهدم تفاؤل أَن مدينتهم ستخرب انْتهى وَيحْتَمل كَمَا قَالَه فِي فتح الْبَارِي أَن يكون قَالَ خربَتْ خَيْبَر بطرِيق الْوَحْي وَيُؤَيِّدهُ قَوْله بعد ذَلِك إِنَّا إِذا نزلنَا بِسَاحَة قوم فسَاء صباح الْمُنْذرين وَفِي رِوَايَة أَنه صلى الصُّبْح قَرِيبا من خَيْبَر بِغَلَس ثمَّ قَالَ الله أكبر خربَتْ خَيْبَر إِنَّا إِذا نزلنَا بِسَاحَة قوم فسَاء صباح الْمُنْذرين وَقَالَ مغلطاي وَغَيره وَفرق ﵊ الرَّايَات وَلم تكنِ الراياتُ إِلَّا بِخَيْبَر وَإِنَّمَا كَانَت الألوية وَقَالَ الدمياطي وَكَانَت راية النَّبِي السَّوْدَاء من برد لعَائِشَة وَفِي البُخَارِيّ وَكَانَ عَليّ بن أبي طَالب تخلَفَ عَن النَّبِي وَكَانَ رمداً فلحق فَلَمَّا بتنا اللَّيْلَة قَالَ لَأُعْطيَن الرَّايَة غَدا أَو ليأخذن الرَّايَة غَدا رجلا يحبُّ الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله يفتح الله عَلَيْهِ فَلَمَّا أصبح النَّاس غدوا على رَسُول الله كلهم يَرْجُو أَن يعطاها فَقَالَ أَيْن عَليّ بن أبي طَالب فَقَالُوا هُوَ يَا رَسُول الله يشتكي عَيْنَيْهِ فَأرْسل إِلَيْهِ فَأتى بِهِ فبصق رَسُول الله فِي عَيْنَيْهِ ودعا لَهُ فبرأ حَتَّى كَأَن لم يكن بِهِ وجع فَأعْطَاهُ الرَّايَة فَقَالَ عَليّ يَا رَسُول

стр. 703

الله أقاتلهم حَتَّى يَكُونُوا مثلنَا فَقَالَ ائتد على رسلك حَتَّى تنزل بِسَاحَتِهِمْ ثمَّ ادعهم إِلَى الْإِسْلَام وَأخْبرهمْ بِمَا يجب عَلَيْهِم من حق الله فِيهِ فوَاللَّه لِأَن يهدي الله بك رجلا وَاحِدًا خير لَك من أَن يكون لَك حمر النعم ... الحَدِيث وَلما أَن تصاف الْقَوْم كَانَ سيف عَامر قَصِيرا فَتَنَاول سَاق يَهُودِيّ ليضربه فَرجع ذُبَاب سَيْفه فَأصَاب عين ركبة عَامر فَمَاتَ مِنْهُ فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سَلمَة قلت يَا رَسُول الله فدَاك أبي وَأمي زَعَمُوا أَن عَامِرًا حبطَ عمله عَلَيْهِ قَالَ كذب من قَالَ وَإِن لَهُ أَجْرَيْنِ وَجمع بَين إصبعيه إِنَّه لجاهد مُجَاهِد رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا وَعَن يزِيد بن أبي عُبَيْدَة قَالَ رَأَيْت ضَرْبَة بساق سَلمَة فَقلت مَا هَذِه الضَّرْبَة قَالَ هَذِه ضَرْبَة أصابنيها يَوْم خَيْبَر فَأتيت النَّبِي فنفث فِيهَا ثَلَاث نفثات فَمَا اشتكيتها حَتَّى السَّاعَة أخرجه البُخَارِيّ وَعِنْده أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة شَهِدنَا خَيْبَر فَقَالَ رَسُول الله لرجل مِمَّن مَعَه يدعِي الْإِسْلَام هَذَا من أهل النَّار فَلَمَّا حضر الْقِتَال قَاتل الرجل أَشد الْقِتَال حَتَّى كثرت فِيهِ الْجراحَة فكاد بعض النَّاس يرتاب فَوجدَ الرجل ألم الْجراحَة فَأَهوى بِيَدِهِ إِلَى كنَانَة فاستخرج مِنْهَا سَهْما فَنحر نَفسه فَاشْتَدَّ رجال من الْمُسلمين فَقَالُوا يَا رَسُول الله صدَّقَ الله حَدِيثك انتحر فلَان فَقتل نَفسه فَقَالَ قُم يَا فلَان فَأذن لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا مُؤمن وَإِن الله يُؤَيّد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر وَفِي رِوَايَة فَقَالَ رَسُول الله عِنْد ذَلِك إِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة فِيمَا يَبْدُو للنَّاس وَهُوَ من أهل النَّار وَإِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار فِيمَا يَبْدُو للنَّاس وَهُوَ من أهل الْجنَّة

стр. 704

وَقَاتل النَّبِي أهل خَيْبَر وقاتلوه أَشد الْقِتَال وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين خَمْسَة عشرَة وَقتل من الْيَهُود ثَلَاثَة وَتسْعُونَ وَفتحهَا الله عَلَيْهِ حصناً حصناً وَهِي النطاة وحصن الصعب وحصن ناعم وحصن قلعة الزبير والشق وحصن أبي وحصن الْبَراء والقموص والوطيح والسلالم وَهُوَ حصن بني الْحقيق الَّذِي كَانَ لَهُم بِهِ كنز فِي مسك الْحمار وَكَانُوا قد غيبوه فِي خربة فَدلَّ الله رَسُوله عَلَيْهِ فاستخرجه وَقلع عَليّ بَاب خَيْبَر وَلم يحركه سَبْعُونَ رجلا إِلَّا بعد جهد وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق سَبْعَة وَأخرجه من طَرِيقه الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَعنهُ الْبَيْهَقِيّ من جِهَة لَيْث بن أبي سليم عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن عَن جَابر أَن عليا حمل الْبَاب يَوْم خَيْبَر وَأَنه جرب بعد ذَلِك وَلم يحملهُ أَرْبَعُونَ رجلا وَلَيْث ضَعِيف وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ أَن عليا لما انْتهى إِلَى الْحصن اجتبذ أحد أبوابه فَأَلْقَاهُ فِي الأَرْض فَاجْتمع عَلَيْهِ بعده منا سَبْعُونَ رجلا وَكَانَ جهداً أَن أعادوا الْبَاب مَكَانَهُ قَالَ شَيخنَا وَكلهَا واهية وَلذَا أنكرهُ بعض الْعلمَاء انْتهى وَفِي البُخَارِيّ وَتزَوج ﵊ بصفية بنت حُيي بْنِ أَخطب وَكَانَ قد قتل زَوجهَا كنانهْ بن الرّبيع بن أبي الْحقيق وَكَانَت عروساً فَذكر لَهُ جمَالهَا فاصطفاها لنَفسِهِ فَخرج بهَا حَتَّى إِذا بلغت سد الضهباء حلت لَهُ يَعْنِي طهرت من الْحيض فَبنى بهَا ﵊ فَصنعَ حَيْسًا فِي نطع صَغِير ثمَّ قَالَ لأنس آذن من حولك فَكَانَت وليمته على صَفِيَّة قَالَ ثمَّ خرجنَا إِلَى الْمَدِينَة فَرَأَيْت النَّبِي يحوي لَهَا وَرَاءه بعباءة ثمَّ يجلس عِنْد بعيره فَيَضَع ركبته وتضع صَفِيَّة رجلهَا على رُكْبَتَيْهِ حَتَّى تركب وَفِي رِوَايَة فَقَالَ الْمُسلمُونَ إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ أَو مَا ملكَت يَمِينه قَالُوا إِن حجبها فَهِيَ إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَإِن لم يحجبها فَهِيَ مَا ملكت يَمِينه فَلَمَّا

стр. 705

ارتحل وطأ لَهَا وَمد الْحجاب وَفِي رِوَايَة أَنه قتل الْمُقَاتلَة وسبى الذُّرِّيَّة وَكَانَ فِي السَّبي صَفِيَّة فَصَارَت إِلَى دحْيَة الْكَلْبِيّ ثمَّ صَارَت إِلَى النَّبِي فَجعل عتقهَا صَدَاقهَا وَفِي رِوَايَة فَأعْتقهَا وَفِي رِوَايَة قَالَ لدحية خُذ جَارِيَة من السَّبي غَيرهَا وَفِي رِوَايَة لمُسلم أَنه اشترَى صَفِيَّة مِنْهُ بسبعة أرؤس وَإِطْلَاق الشِّرَاء على ذَلِك على سَبِيل الْمجَاز وَلَيْسَ فِي قَوْله بسبعة أرؤس مَا يُنَافِي قَوْله فِي رِوَايَة البُخَارِيّ خُذ جَارِيَة من السَّبي غَيرهَا إِذْ لَيْسَ هُنَا دلَالَة على نفي الزِّيَادَة وَالله أعلم وَإِنَّمَا أَخذ صَفِيَّة لِأَنَّهَا بنت ملك من مُلُوكهمْ وَلَيْسَت مِمَّن توهب لدحية لِكَثْرَة من كَانَ من الصَّحَابَة مثل دحْيَة وفوقه وَقلة من كَانَ فِي السَّبي مثل صَفِيَّة فِي نقاستها فَلَو خصّه بهَا لأمكن تغير خاطر بَعضهم فَكَانَ من الْمصلحَة الْعَامَّة ارتجاعها مِنْهُ واختصاصُهُ ﵊ بهَا فإنَّ فِي ذَلِك رضَا الجميعِ وَلَيْسَ ذَلِك من الرُّجُوع فِي الْهِبَة فِي شَيْء انْتهى وَقَالَ مغلطاي وَغَيره كَانَت صَفِيَّة قبل رأتْ أَن القمَرَ سقَطَ فِي حجرها فتؤول بذلك قَالَ الْحَاكِم وَكَذَا جرى لجويرية وفيهَا حرم لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة كَمَا فِي البُخَارِيّ وَلَفظه فَلَمَّا أَمْسَى النَّاس مسَاء الْيَوْم الَّذِي فتحت عَلَيْهِم يعْنى خَيْبَر أوقدوا نيراناً كَثِيرَة فَقَالَ مَا هَذِه النيرَان على أَي شَيْء توقدون قَالُوا على لحم قَالَ على أَي لحم قَالُوا لحم الْحمر الأنسية فَقَالَ النَّبِي أهريقوها واكسروها فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله أَو نهريقها ونغلسها قَالَ أَو ذَاك وَالْمَشْهُور فِي الإنسية كسر

стр. 706

الْهمزَة منسوبة إِلَى الْإِنْس وهم بَنو آدم وَحكى ضم الْهمزَة ضد الوحشية وَيجوز فتحهَا وَالنُّون أَيْضا مصدر أنست بِهِ آنس أنسا وأنسة وَفِي رِوَايَة نهى يَوْم خَيْبَر عَن لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة وَرخّص فِي الْخَيل قَالَ ابْن أبي أوفى فتحدثنا أَنه إِنَّمَا نهى عَنْهَا لِأَنَّهَا لم تخمس وَقَالَ بَعضهم نهى عَنْهَا أَلْبَتَّة لِأَنَّهَا كَانَت تَأْكُل الْعذرَة قَالَ الْعلمَاء وَإِنَّمَا أَمر بإراقتها لِأَنَّهَا نَجِسَة مُحرمَة وَقيل إِنَّمَا نهى عَنْهَا للْحَاجة إِلَيْهَا وَقيل لأخذها قبل الْقِسْمَة وَهَذَانِ التأويلان لِلْقَائِلين بِإِبَاحَة لحومها وَالصَّوَاب مَا قدمنَا وَأما قَوْله اكسروها فَقَالَ رجل أَو نهريقها ونغسلها قَالَ أَو ذَاك فَهَذَا مَحْمُول على أَنه اجْتهد فِي ذَلِك فَرَأى كسرهَا ثمَّ تغير اجْتِهَاده وَأوحى إِلَيْهِ بغسلها وَأما لُحُوم الْخَيل فَاخْتلف الْعلمَاء فِي إباحتها فمذهب الشَّافِعِي وَالْجُمْهُور من السّلف وَالْخلف أَنه مُبَاح لَا كَرَاهَة فِيهِ وَبِه قَالَ عبد الله بن الزبير وَأنس بن مَالك وَأَسْمَاء بنت أبي بكر وَفِي صَحِيح مُسلم عَنْهَا نحرنا فرسا على عهد رَسُول الله فأكلناه وَنحن بِالْمَدِينَةِ وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فأكلناه نَحن وَأهل بَيت النَّبِي قَالَ فِي فتح الْبَارِي وَيُسْتَفَاد من قَوْلهَا وَنحن بِالْمَدِينَةِ أَن ذَلِك بعد فرض الْجِهَاد فَيرد على من اسْتدلَّ فِي منع أكلهَا لعِلَّة أَنَّهَا من آلَة الْجِهَاد وَقَوْلها وَأهل بَيت النَّبِي رد على من زعم أَنه لَيْسَ فِيهِ أَن النَّبِي اطلع على ذَلِك مَعَ أَن ذَلِك لَو لم يرد لم يظنَ بآل أبي بكر أَنهم يقدمُونَ على فعل شَيْء فِي زَمَنه إِلَّا وَعِنْدهم الْعلم بِجَوَازِهِ لشدَّة اختلاطهم بِهِ عَلَيْهِ الصلاهَ وَالسَّلَام وَعدم

стр. 707

مفارقتهم لَهُ وَهَذَا مَعَ توفر دَاعِيَة الصَّحَابَة إِلَى سُؤَاله ﵊ عَن الْأَحْكَام وَمن ثمَّ كَانَ الرَّاجِح أَن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ كُنَّا نَفْعل كَذَا على عهد رَسُول الله كَانَ لَهُ حكم الرّفْع لِأَن الظَّاهِر اطِّلَاعه على ذَلِك وَتَقْرِيره وَإِذا كَانَ ذَلِك فِي مُطلق الصَّحَابِيّ فَكيف بآل أبي بكر وَقَالَ الطَّحَاوِيّ ذهب أَبُو حنيفَة إِلَى كَرَاهَة أكل الْخَيل وَخَالفهُ صَاحِبَاه وَغَيرهمَا وَاحْتَجُّوا بالأخبار المتواترة فِي حلهَا انْتهى وَقد نقل بعض التَّابِعين الْحل عَن الصَّحَابَة مُطلقًا من غير اسْتثِْنَاء أحد فَأخْرج ابْن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ عَن عَطاء قَالَ لم يزلْ سلفك يأكلونها قَالَ ابْن جريج قلت أَصْحَاب رَسُول الله فَقَالَ نعم وَأما مَا نقل فِي ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس من كراهتها فَأخْرجهُ ابْن أبي شيبَة وَعبد الرَّزَّاق بِسَنَدَيْنِ ضعيفين وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي الْجَامِع الصَّغِير أكره لُحُوم الْخَيل فَحَمله أَبُو بكر الرَّازِيّ على التَّنْزِيه وَقَالَ لم يُطلق أَبُو حنيفَة فِيهِ التَّحْرِيم وَلَيْسَ هُوَ عِنْده كالحمار الأهلي وَصحح أَصْحَاب الْمُحِيط وَالْهِدَايَة والذخيرة عَنهُ التَّحْرِيم وَهُوَ قَول أَكْثَرهم وَقَالَ القرطبى فِي شرح مُسلم مَذْهَب مَالك الْكَرَاهَة وَقَالَ الفاكهي الْمَشْهُور عِنْد الْمَالِكِيَّة الْكَرَاهَة وَالصَّحِيح عِنْد الْمُحَقِّقين مِنْهُم التَّحْرِيم وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بن أبي جَمْرَة الدَّلِيل على الْجَوَاز مُطلقًا وَاضح لَكِن سَبَب كَرَاهَة مَالك لأكلها كَونهَا تسْتَعْمل غَالِبا فِي الْجِهَاد فَلَو انْتَفَت الْكَرَاهَة لكثر اسْتِعْمَالهَا وَلَو كثر لأفضى إِلَى فنائها فيئول إِلَى النَّقْص من إرهاب الْعَدو الَّذِي وَقع الْأَمر بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِن رِبَاطِ آلخَيل تُرهِبُونَ بِه﴾ فعلى هَذَا فالكراهة لسَبَب خَارج وَلَيْسَ الْبَحْث فِيهِ فَإِن الْحَيَوَان الْمُتَّفق على

стр. 708

إِبَاحَته لَو حدث أَمر يَقْتَضِي أَن لَو ذبح لأفضى إِلَى ارْتِكَاب مَحْذُور لامتنع وَلَا يلْزم من ذَلِك القَوْل بِتَحْرِيمِهِ انْتهى وَأما قَول بعض المانعين لَو كَانَت حَلَالا لجازت الْأُضْحِية بهَا فمنتقض بحيوان الْبر فَإِنَّهُ مَأْكُول وَلم تشرع الْأُضْحِية بِهِ وَأما حَدِيث خَالِد بن الْوَلِيد عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ نهى رَسُول الله عَن لُحُوم الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير فَإِنَّهُ ضَعِيف وَلَو سلم لَا ينْهض مُعَارضا لحَدِيث جَابر الدَّال على الْجَوَاز وَقد وَافقه حَدِيث أَسمَاء وَقد ضعف حَدِيث خَالِد بن الْوَلِيد أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ والخطابى وَابْن عبد الْبر وَعبد الْحق وَآخَرُونَ وَزعم بَعضهم أَن حَدِيث جَابر دَال على التَّحْرِيم لقَوْله رخص لِأَن الرُّخْصَة اسْتِبَاحَة الْمَحْظُور مَعَ قيام الْمَانِع فَدلَّ على أَنه رخص لَهُم بِسَبَب المخمصة الَّتِي أَصَابَتْهُم بِخَيْبَر فَلَا يدل ذَلِك على الْحل الْمُطلق وَأجِيب بِأَن أَكثر الرِّوَايَات جَاءَ بِلَفْظ الْإِذْن كَمَا رَوَاهُ مُسلم وَفِي رِوَايَة لَهُ أكلنَا زمن خَيْبَر الْخَيل وحمر الْوَحْش ونهانا النَّبِي عَن الْحمر الْأَهْلِيَّة وَأمر بلحوم الْخَيل فدلَ على أَن المُرَاد بقله رخص أذن ونوقض أَيْضا بِالْإِذْنِ فِي أكل الْخَيل وَلَو كَانَت رخصَة لأجل المخمصة لكَانَتْ الْحمر الْأَهْلِيَّة أولى بذلك لكثرتها وَعزة الْخَيل حِينَئِذٍ فدلَ على أَن الْإِذْن فِي كل الْخَيل إِنَّمَا كَانَ للْإِبَاحَة لَا لخُصُوص الضَّرُورَة وَقد نقل عَن مَالك وَغَيره من الْقَائِلين بِالتَّحْرِيمِ أَنهم احْتَجُّوا للْمَنْع بقوله تَعَالَى ﴿والخيلَ وَالْبِغَال وَالْحمير لتركبوها وزينة﴾ وقرروا ذَلِك بأوجه أَحدهَا أَن اللَّام للتَّعْلِيل فَدلَّ على أَنَّهَا لم تخلق لغير ذَلِك لِأَن الْعلَّة

стр. 709

المنصوصة تفِيد الْحصْر فإباحة أكلهَا تَقْتَضِي خلاف ظَاهر الْآيَة ثَانِيهَا عطف البغال وَالْحمير فَدلَّ على اشتراكها مَعَهُمَا فِي حكم التَّحْرِيم فَيحْتَاج من أفرد حكم مَا عطف عَلَيْهَا إِلَى دَلِيل ثَالِثهَا أَن الْآيَة سيقت مساق الامتنان فَلَو كَانَ ينْتَفع بهَا فِي الْأكل لَكَانَ الامتنان بِهِ أعظم والحكيم لَا يمتن بِأَدْنَى النعم وبترك أَعْلَاهَا لَا سِيمَا وَقد وَقع الامتنان بِالْأَكْلِ فِي الْمَذْكُورَات قبلهَا رَابِعهَا لَو أُبِيح أكلهَا لفاتت الْمَنْفَعَة بهَا فِيمَا وَقع بِهِ الامتنان من الرّكُوب والزينة وَأجِيب بِأَن آيَة النَّحْل مَكِّيَّة اتِّفَاقًا وَالْإِذْن فِي أكل الْخَيل كَانَ بعد الْهِجْرَة من مَكَّة بِأَكْثَرَ من سِتّ سِنِين فَلَو فهم النَّبِي من الْآيَة الْمَنْع لما أذن فِي الْأكل وَأَيْضًا فآية النَّحْل لَيست نصا فِي منع الْأكل والْحَدِيث صَرِيح فِي جَوَازه وَأَيْضًا فَلَو سلمنَا أَن اللَّام للتَّعْلِيل لم نسلم إِفَادَة الْحصْر فِي الرّكُوب والزينة فَإِنَّهُ ينْتَفع بِالْخَيْلِ فِي غَيرهَا وَفِي الْأكل اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا ذكر الرّكُوب والزينة لِكَوْنِهِمَا أغلب مَا تطلب لَهُ الْخَيل وَنَظِيره حَدِيث الْبَقَرَة الْمَذْكُور فِي الصَّحِيحَيْنِ خاطبت راكبها فَقَالَت لم أخلق لهَذَا وَإِنَّمَا خلقت للحرث فَإِنَّهُ مَعَ كَونه أصرح فِي الْحصْر مَا يقْصد بِهِ إِلَّا الْأَغْلَب وَإِلَّا فَهِيَ تُؤْكَل وَينْتَفع بهَا فِي أَشْيَاء غير الْحَرْث اتِّفَاقًا وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ وَاسْتدلَّ بهَا أَي بِآيَة النَّحْل على حُرْمَة لحومها وَلَا دَلِيل فِيهَا إِذْ لَا يلْزم من تَعْلِيل الْعقل بِمَا يقْصد مِنْهُ غَالِبا إِلَّا يقْصد مِنْهُ غَيره أَيْضا انْتهى وَأَيْضًا فَلَو سلم الِاسْتِدْلَال للَزِمَ منع حمل الأثقال على الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير وَلَا قَائِل بِهِ وَأما عطف البغال وَالْحمير فدلالة الْعَطف إِنَّمَا هِيَ وضعية وَهِي ضَعِيفَة وَأما أَنَّهَا سيقت مساق الامتنان فالامتنان إِنَّمَا قصد بِهِ غَالب مَا يَقع بِهِ انتفاعهم بِالْخَيْلِ فَخُوطِبُوا بِمَا ألفوا وَعرفُوا وَلم يَكُونُوا يعْرفُونَ أكل الْخَيل لعزتها فِي بِلَادهمْ بِخِلَاف الْأَنْعَام فَإِن أَكثر انتفاعهم بهَا كَانَ بِحمْل الأثقال وَالْأكل فاقتصر فِي كل من إلصنفين على الامتنان بأغلب مَا ينْتَفع بِهِ فَلَو لزم من ذَلِك الْحصْر فِي هَذَا الشق لأضر

стр. 710

وَأما قَوْلهم لَو أُبِيح أكلهَا لفاتت الْمَنْفَعَة بهَا. . إِلَى آخِره فَأُجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ لَو لزم من الْإِذْن فِي أكلهَا أَن تفنى للَزِمَ مثله فِي الْبَقر وَغَيرهَا مِمَّا أُبِيح أكله وَوَقع الامتنان بِهِ وَإِنَّمَا أطلت فِي ذَلِك لأمر اقْتَضَاهُ وَالله أعلم وفيهَا أَيْضا نهى النَّبِي عَن أكل كل ذِي نَاب من السبَاع وَعَن بيع الْمَغَانِم حَتَّى تقسم وَألا تُوطأ جَارِيَة حَتَّى تستبرأ

стр. 711

وفيهَا سمت النَّبِي زَيْنَب بنت الْحَارِث امْرَأَة سَلام بن مشْكم كَمَا فِي البُخَارِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَلَفظه لما فتحت خَيْبَر أهديت لرَسُول الله شَاة فِيهَا سم فَقَالَ رَسُول الله اجْمَعُوا لي من كَانَ هَاهُنَا من الْيَهُود فَجمعُوا لَهُ فَقَالَ لَهُم رَسُول الله إِنِّي سَائِلكُمْ عَن شَيْء فَهَل أَنْت صادقوني عَنهُ

стр. 712

فَقَالُوا نعم يَا أَبَا الْقَاسِم فَقَالَ لَهُم رَسُول الله من أبوكم قَالُوا أَبونَا فلَان فَقَالَ لَهُم رَسُول الله كَذبْتُمْ بل أبوكم فلَان فَقَالُوا صدقت وبررت قَالَ هَل أَنْتُم صادقوني عَن شَيْء إِن سألتكم فَقَالُوا نعم يَا أَبَا الْقَاسِم وَإِن كذبناك عرفت كذبنَا كَمَا عَرفته فِي أَبينَا فَقَالَ لَهُم رَسُول الله من أهل النَّار فَقَالُوا نَكُون فِيهَا يَسِيرا ثمَّ تخلفوننا فِيهَا فَقَالَ رَسُول الله اخْسَئُوا فِيهَا وَالله لَا نخلفكم فِيهَا أبدا ثمَّ قَالَ هَل أَنْتُم صادقوني عَن شَيْء إِن سألتكم عَنهُ فَقَالُوا نعم فَقَالَ هَل جعلتم فِي هَذِه الشَّاة سُماً فَقَالُوا نعم فَقَالَ مَا حملكم على ذَلِك فَقَالُوا أردنَا إِن كنت كذابا أَن نستريح مِنْك وَإِن كنت نَبيا لم يَضرك وَفِي حَدِيث جَابر عِنْد أبي دَاوُد أَن يهوديةَ من أهل خَيْبَر سمت شَاة مصلية ثمَّ أَهْدَتْهَا إِلَى رَسُول الله فَأَخذهَا رَسُول الله يَأْكُل مِنْهَا وَأكل رَهْط من أَصْحَابه مَعَه فَقَالَ رَسُول الله ارْفَعُوا أَيْدِيكُم وَأرْسل إِلَى الْيَهُودِيَّة فَقَالَ سممت هَذِه الشَّاة فَقَالَت من أخْبرك قَالَ أَخْبَرتنِي هَذِه فِي يَدي لِلذِّرَاعِ قَالَت نعم قلت إِن كَانَ نَبيا فَلم يضرّهُ وَإِن لم يكن نَبيا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ فَعَفَا عَنْهَا وَلم يُعَاقِبهَا وَتُوفِّي أَصْحَابه الَّذين أكلُوا من الشَّاة وَاحْتَجَمَ رَسُول الله على كَاهِله من أجل الَّذِي أكل من الشَّاة وَفِي رِوَايَة جعلت زَيْنَب بنت الْحَارِث امْرَأَة سَلام بن مشْكم تسْأَل أَي الشَّاة أحب إِلَى مُحَمَّد فَيَقُولُونَ الذِّرَاع فعمدت إِلَى عنز لَهَا فذبحتها وصلتها ثمَّ عَمَدت إِلَى سم لَا يطني يَعْنِي لَا يلبث أَن يقتل من سَاعَته وَقد شاورت يهود فِي سموم فَاجْتمعُوا لَهَا على هَذَا السم بِعَيْنِه فسمَت الشَّاة وَأَكْثَرت فِي الذراعين والكتف فَوضعت بَين يَدَيْهِ وَمن حضر من أَصْحَابه وَفِيهِمْ بشر بن الْبَراء وَتَنَاول الذِّرَاع وانتهش مِنْهَا وَتَنَاول بشر بن الْبَراء عظما آخر فَلَمَّا ازدرد لقمته ازدرد بشر بن الْبَراء مَا فِي فِيهِ وَأكل الْقَوْم فَقَالَ ارْفَعُوا أَيْدِيكُم فَإِن هَذَا الذِّرَاع تُخبرنِي أَنَّهَا مَسْمُومَة وَفِيه أَن بشر بن الْبَراء مَاتَ وَفِيه أَنه دَفعهَا إِلَى أَوْلِيَاء بشر بن الْبَراء

стр. 713

فَقَتَلُوهَا رَوَاهُ الدمياطي وَقد اخْتلف هَل عاقبها فَعِنْدَ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَمَا عرض لَهَا وَمن طَرِيق أبي نَضرة عَن جَابر نَحوه قَالَ فَلم يُعَاقِبهَا وَفِيه قَول صَاحب الهمزية // (من الْخَفِيف) // (وبخلْقٍ من النَّبِيِّ كريمٍ ... لم تُقَاصَصْ بِجُرْحِهَا العَجْمَاءُ) وَقَالَ الزُّهْرِيّ أسلمت فَتَركهَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ يحْتَمل أنَه تَركهَا أَولا ثمَّ لما مَاتَ بشر بن الْبَراء من الْأكلَة قَتلهَا وَبِذَلِك أجَاب السُّهيْلي وَزَاد أَنه تَركهَا لِأَنَّهُ كَانَ لَا ينْتَقم لنَفسِهِ ثمَّ قَتلهَا ببشر قصاصا وَيحْتَمل أَن يكون تَركهَا لكَونهَا أسلمت وَإِنَّمَا أخر قَتلهَا حَتَّى مَاتَ بشر لِأَن بِمَوْتِهِ يتَحَقَّق وجوب الْقصاص بِشَرْطِهِ وَفِي مغازي سُلَيْمَان التَّيْمِيّ أَنَّهَا قَالَت إِن كنت كَاذِبًا أرحت النَّاس مِنْك وَقد استبان لي الْآن أَنَّك صَادِق وَأَنا أشهدك وَمن حضر أَنِّي على دينك وَأَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله قَالَ فَانْصَرف عَنْهَا حِين أسلمت وَفِيه مُوَافقَة الزُّهْرِيّ على إسْلَامهَا فَالله أعلم وفيهَا أَيْضا نَام عَن صَلَاة الْفجْر لما وكل بِهِ بِلَالًا كَمَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم أَن رَسُول الله حِين قفل من غَزْوَة خَيْبَر سَار ليله حَتَّى إِذا أدْركهُ الْكرَى عرس وَقَالَ لِبلَال اكلاً لنا اللَّيْل فصلى بِلَال مَا قدر لَهُ ونام وَأَصْحَابه فَلَمَّا قَارب الْفجْر اسْتندَ بِلَال إِلَى رَاحِلَته مواجة الْفجْر فَغلبَتْ بِلَالًا عَيناهُ وَهُوَ مُسْتَند إِلَى رَاحِلَته فَلم يَسْتَيْقِظ وَلَا بِلَال وَلَا أحد من أَصْحَابه حَتَّى ضربتهم الشَّمْس فَكَانَ أَوَّلهمْ استيقاظاً فَقَالَ أَي بِلَال فَقَالَ بِلَال أَخذ بنفسي الَّذِي أَخذ بِنَفْسِك بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله قَالَ اقتادوا فاقتادوا رواحلهم شَيْئا ثمَّ تَوَضَّأ وَأمر بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاة فصلى بهم الْفجْر فَلَمَّا

стр. 714

قضى الصَّلَاة قَالَ من نسي الصَّلَاة فليصلها إِذا ذكرهَا فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿وَأًقِمِ الصَّلَاة لذكري﴾ وفيهَا قدم جَعْفَر وَمن مَعَه من الْحَبَشَة وَاخْتلف فِي فتح خَيْبَر هَل كَانَ عنْوَة أَو صلحا وَفِي حَدِيث عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب وَعَن أنس التصريحُ بِأَنَّهُ كَانَ عنْوَة وَبِه جزم ابْن عبد الْبر ورد على من قَالَ فتحت صلحا قَالَ وَإِنَّمَا دخلت الشُّبْهَة على من قَالَ فتحت صلحا

стр. 715

بالحصنين اللَّذين أسلمهما أهلهما لتحقن دِمَاؤُهُمْ وَهُوَ ضرب من الصُّلْح لَكِن لم يَقع ذَلِك إِلَّا بحصار وقتال وفيهَا سَرِيَّة أبي بكر إِلَى بني كلاب فسبى مِنْهُم وَقتل وَبشير بن سعد إِلَى بني مرّة بِفَدَكَ فِي شعْبَان فِي ثَلَاثِينَ فَقتلُوا وَارْتثَّ بشير وأيضَا إِلَى يمن وجبار فِي شَوَّال وَمَعَهُ ثَلَاثمِائَة فَهَرَبُوا وغنم مِنْهُم وَأسر رجلَيْنِ فَأَسْلمَا والأخرم بن أبي العوجاء السّلمِيّ إِلَى بني سليم فِي ذِي الْحجَّة وَمَعَهُ خَمْسُونَ رجلا فأحدق بهم الْكفَّار فَقَتَلُوهُمْ وَخرج ابْن أبي العوجاء وغالب بن عبد الله الليثى إِلَى الْمِيفَعَة نَاحيَة نجد فِي رَمَضَان فَقتل أُسَامَة نهيك بن مرداس بعد قَوْله لَا إِلَه إِلَّا الله وَقيل إِنَّمَا كَانَ ذَلِك سنة ثَمَان استاقوا نعما وَشاء إِلَى الْمَدِينَة وفيهَا عمْرَة الْقَضِيَّة وَيُقَال الْقَضَاء وَالْقصاص هِلَال ذِي الْحجَّة وَمَعَهُ أَلفَانِ وَأقَام بِمَكَّة ثَلَاثَة أَيَّام وَبنى بميمونة بسرف قَالَ فِي الْمَوَاهِب وَتسَمى عمْرَة الْقَضَاء لِأَنَّهُ قاضى فِيهَا قُريْشًا لَا لِأَنَّهَا قَضَاء عَن الْعمرَة الَّتِي صد عَنْهَا لِأَنَّهَا لم تكن فَسدتْ حَتَّى يجب قَضَاؤُهَا بل كَانَت عمْرَة

стр. 716

تَامَّة وَلِهَذَا عدوا عمر النَّبِي كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَ آخَرُونَ بل كَانَت قَضَاء عَن الْعمرَة الأولى وعدوا عمْرَة الْحُدَيْبِيَة فِي الْعُمر لثُبُوت الْأجر فِيهَا لَا لِأَنَّهُمَا كملت وَهَذَا الْخلاف مَبْنِيّ على الِاخْتِلَاف فِي وجوب الْقَضَاء على من اعْتَمر فصد عَن الْبَيْت فَقَالَ الْجُمْهُور يجب عَلَيْهِ الْهَدْي وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَعَن أبي حنيفَة عَكسه وَعَن أَحْمد رِوَايَة أَنه لَا يلْزمه هدي وَلَا قَضَاء وَأُخْرَى يلْزمه الْقَضَاء وَالْهَدْي فحجة الْجُمْهُور قَوْله تَعَالَى ﴿فَإنْ أحصرتُم فَمَا أستَيسَرَ مِنَ الهديَ﴾ الْبَقَرَة ١٩٦ وَحجَّة أبي حنيفَة أَن الْعمرَة تلْزم بِالشُّرُوعِ فَإِذا حصر صَار لَهُ تَأْخِيرهَا فَإِذا زَالَ الْحصْر أَتَى بهَا وَلَا يلْزم من التَّحَلُّل بَين الإحرامين سُقُوط الْقَضَاء وَحجَّة من أوجبهَا مَا وَقع للصحابة فَإِنَّهُم نحرُوا الْهَدْي حَيْثُ صدوا فاعتمروا من قَابل وَسَاقُوا الْهَدْي وَحجَّة من لم يُوجِبهَا أَن تحللهم بالحصر لم يتَوَقَّف على نحر الْهَدْي بل أَمر من مَعَه هدي أَن ينحره وَمن لَيْسَ مَعَه هدي أَن يحلوا انْتهى قَالَ الْحَاكِم فِي الإكليل تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار أَنه لما أهل ذُو الْقعدَة يَعْنِي سنة سبع أَمر أَصْحَابه أَن يعتمروا قَضَاء لعمرتهم الَّتِي صدهم الْمُشْركُونَ عَنْهَا بِالْحُدَيْبِية وَألا يتَخَلَّف أحد مِمَّن شهد الْحُدَيْبِيَة فَلم يتَخَلَّف مِنْهُم إِلَّا رجال اسْتشْهدُوا بِخَيْبَر وَرِجَال مَاتُوا وَخرج مَعَه من الْمُسلمين أَلفَانِ واستخلف على الْمَدِينَة أَبَا رهم الْغِفَارِيّ وسَاق ﵊ سِتِّينَ بَدَنَة وَحمل السِّلَاح وَالْبيض والدروع والرماح وقاد مائَة فرس فَلَمَّا انْتهى إِلَى ذِي الحليفة قدم الْخَيل أَمَامه عَلَيْهَا مُحَمَّد ابْن مسلمة وَقدم السِّلَاح وَاسْتعْمل عَلَيْهِ بشر بعد وَأحرم ولبى والمسلمون يلبون مَعَه وَمضى مُحَمَّد بن مسلمة فِي الْخَيل إِلَى مر الظهْرَان فَوجدَ بهَا نَفرا من قُرَيْش فَسَأَلُوهُ فَقَالُوا هَذَا رَسُول الله يصبحُ هَذَا الْمنزل غَدا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَأتوا قُريْشًا فَأَخْبرُوهُمْ ففزعوا وَنزل رَسُول الله بمر الظهْرَان وَقدم السِّلَاح إِلَى بطن يأجج كيسمع وينصر وَيضْرب مَوضِع بِمَكَّة حَيْثُ ينظر إِلَى

стр. 717

أنصاب الْحرم وَخلف عَلَيْهِ أَوْس بن خولى الْأنْصَارِيّ فِي مِائَتي رجل وَخرجت قُرَيْش من مَكَّة إِلَى رُءُوس الْجبَال وَقدم رَسُول الله الْهَدْي أَمَامه فحبس بِذِي طوى وَخرج على رَاحِلَته القصوى والمسلمون متوشحون السيوف محدقون برَسُول الله يلبون فَدخل من الثَّنية الَّتِي تطلعه على الْحجُون وَابْن رَوَاحَة آخذ بزمام رَاحِلَته وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس أَنه دخل مَكَّة فِي عمْرَة الْقَضَاء وَابْن رَوَاحَة يمشي بَين يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُول // (من الرجز) // (خَلُّوا بَنِي الكُفَّار عَنْ سَبِيلِهِ ... ) (أليَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ ... ) (ضَرْبًأ يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ ... ) (ويُذْهِلُ الخَليِلَ عَنْ خَلِيلِهِ ... ) فَقَالَ لَهُ عمر يَا بن رَوَاحَة بَين يَدي رَسُول الله وَفِي حرم الله تَقول شعرًا فَقَالَ خَلِّ عَنهُ يَا عمر فلهى أسْرع فيهم من نضح النبل وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق من حَدِيث أنس أَيْضا من وَجْهَيْن بِلَفْظ // (من الرجز) // (خَلُّوا بَنِي الكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ) ... (قَدْ أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهِ ... ) (بِأَنَّ خَيْرَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِهِ ... ) (نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ ... ) (ضَربًا يُزِيلُ الهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ ... ) (ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عنْ خَلِيلِهِ ... ) (يَا رب إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ ... ) وَعند ابْن عقبَة فِي الْمَغَازِي بعد قَوْله (قَدْ أنزَلَ الرَّحْمنُ فِي تَنْزِيلِه ... )

стр. 718

(فِي صُحُفِ تُتْلَى عَلَى رَسُولِهِ ... ) وَزَاد ابْن إِسْحَاق بعد قَوْله // (من الرجز) // (يَا رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ ... ) (إِنِّي رَأَيْتُ الحَقَّ فِي قَبُولِهِ ... ) وَقَالَ ابْن هِشَام إِن قَوْله نَحن ضربناكم على تَنْزِيله إِلَى آخر الشّعْر من قَول عمار بن يَاسر قَالَه يَوْم حنين قَالُوا وَلم يزل رَسُول الله يُلَبِّي حَتَّى اسْتَلم الرُّكْن بِمِحْجَنِهِ مضطبعاً بِثَوْبِهِ وَطَاف على رَاحِلَته والمسلمون يطوفون مَعَه وَقد اضطبعوا بثيابهم وَفِي البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الْمُشْركُونَ إِنَّه يقدم عَلَيْكُم وَفد قد وهنتهم حمى يثرب فَأَمرهمْ أَن يرملوا الأشواط الثَّلَاثَة وَأَن يمشوا بَين الرُّكْنَيْنِ وَلم يمنعهُ أَن يرملوا الأشواط كلهَا إِلَّا الْإِبْقَاء عَلَيْهِم وَفِي رِوَايَة قَالَ ارملوا ليرى الْمُشْركُونَ قوتكم وَالْمُشْرِكُونَ من قبل قعيقعان وَمعنى قَوْله الْإِبْقَاء عَلَيْهِم أَي لم يمنعهُ من أَمرهم بالرمل فِي جَمِيع الْأَوْقَات إِلَّا

стр. 719

الرِّفْق بهم والإشفاق عَلَيْهِم ثمَّ طَاف رَسُول الله بَين الصَّفَا والمروة على رَاحِلَته فَلَمَّا كَانَ الطّواف السَّابِع عِنْد فَرَاغه وَقد وقف الْهَدْي عِنْد الْمَرْوَة قَالَ هَذَا المنحر وكل فجاج مَكَّة منحر فَنحر عِنْد الْمَرْوَة وَحلق هُنَاكَ وَكَذَلِكَ فعل الْمُسلمُونَ وَأمر رَسُول الله نَاسا مِنْهُم إِلَى أَصْحَابهم بِبَطن يأجج فيقيموا على السِّلَاح وَيَأْتِي الْآخرُونَ فيقضوا نسكهم فَفَعَلُوا فَأَقَامَ رَسُول الله بِمَكَّة ثَلَاثًا وَفِي البُخَارِيّ من حَدِيث الْبَراء فَلَمَّا دَخلهَا يعْنى مَكَّة وَمضى الْأَجَل أَتَوا عليا وَقَالُوا قل لصاحبك يخرج عَنَّا فقد مضى الْأَجَل فَخرج النَّبِي فتبعته ابْنة حَمْزَة تنادي يَا عَم يَا عَم فَتَنَاولهَا عَليّ فَأخذ بِيَدِهَا وَقَالَ لفاطمة دُونك بنت عمك فحملتها فختصم فِيهَا على زيد وجعفر قَالَ عَليّ أَنا أَخَذتهَا وَهِي ابْنة عمي وَقَالَ جَعْفَر ابْنة عمي وخالتها تحتي وَقَالَ زيد بنت أخي فَقضى بهَا النَّبِي لخالتها وَقَالَ الْخَالَة بِمَنْزِلَة الْأُم الحَدِيث وَإِنَّمَا أقرهم النَّبِي على أَخذهَا مَعَ اشْتِرَاط الْمُشْركين إِلَّا يخرج بِأحد من أَهلهَا أَرَادَ الْخُرُوج لأَنهم لم يطلبوها وَقَوله الْخَالَة بِمَنْزِلَة الْأُم أَي فِي هَذَا الحكم الْخَاص لِأَنَّهَا تقرب مِنْهَا فِي الحنية والشفقة والاهتداء إِلَى مَا يصلح الْوَلَد

стр. 720

وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن الْخَالَة فِي الْحَضَانَة مُقَدّمَة على الْعمة لِأَن صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب كَانَت مَوْجُودَة حِينَئِذٍ وَإِذا قدمت على الْعمة مَعَ كَونهَا أقرب من الْعَصَبَات من النِّسَاء فَهِيَ مُقَدّمَة على غَيرهَا وَيُؤْخَذ مِنْهُ تَقْدِيم أقَارِب الْأُم على أقَارِب الْأَب انْتهى قَالَ ابْن عَبَّاس وَتزَوج مَيْمُونَة وَهُوَ محرم وَبنى بهَا وَهُوَ حَلَال وَقد استدرك ذَلِك على ابْن عَبَّاس وعُدَ من وهمه قَالَ سعيد بن الْمسيب وَهِلَ ابْن عَبَّاس وَإِن كَانَت خَالَته مَا تزوَجها إِلَّا بعد مَا حل ذكره البُخَارِيّ وَهِلَ بِكَسْر الْهَاء أَي غلط وَقَالَ يزِيد بن الْأَصَم عَن مَيْمُونَة تزَوجنِي رَسُول الله وَنحن حلالان بسرف رَوَاهُ مُسلم وسيأتى فِي الخصائص أَن لَهُ النكاحَ فِي حالِ الْإِحْرَام على أصح الْوَجْهَيْنِ عِنْد الشَّافِعِيَّة وَفِي هَذِه السّنة قدم حَاطِب من عِنْد الْمُقَوْقس ملك مصر جريج بن مينا وَمَعَهُ الْهَدَايَا وفيهَا رد رَسُول الله ابْنَته زَيْنَب على زَوجهَا أبي الْعَاصِ بن الرّبيع وَأخرج عمَارَة أَو فَاطِمَة أَو غير ذَلِك على الْخلاف فِي اسْمهَا بنت حَمْزَة من عِنْد الْمُشْركين أَو على بِإِذْنِهِ فاختصم فِيهَا زيد وجعفر وَعلي فِي الحَدِيث الْمَشْهُور وَأرْسل الرُّسُل إِلَى الْمُلُوك أول الْمحرم وَقيل آخر سنة سِتّ عبد الله ابْن حذافة السَّهْمِي إِلَى كسْرَى فمزق كِتَابه فَدَعَا عَلَيْهِ بتمزيق ملكه فملكهم لَا يزَال ممزقاً وَعَمْرو بن الْعَاصِ إِلَى ملكَي عُمَان عبد وجيفر ابْني الجلندي فَأَسْلمَا وسليط بن عَمْرو إِلَى هَوْذَة بن عَليّ بِالْيَمَامَةِ وشجاع بن وهب إِلَى الْحَارِث بن أبي شمر الغساني ملك البلقاء والْعَلَاء الْحَضْرَمِيّ إِلَى الْمُنْذر بن سَاوَى بِالْبَحْرَيْنِ فأسِلم وَأَبا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَمعَاذًا إِلَى الْيمن وعمراً الضمرِي إِلَى مُسَيْلمَة

стр. 721

وَعَيَّاش بن الربيعة إِلَى الْحَارِث ومسروح ونعيم بن عبد كلال ودحية الْكَلْبِيّ بكتابه إِلَى هِرقل ليدفعه إِلَى عَظِيم بصرى ليدفعه إِلَى هِرقل وَحَدِيثه الصَّحِيح مَشْهُور إِلَى جمَاعَة كَثِيرَة وفيهَا لبس الْخَاتم أَو فِي آخر السَّادِسَة

стр. 722

(حوادث السّنة الثَّامِنَة) فِيهَا غَزْوَة مُؤْتَةَ بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْوَاو بِغَيْر همز لأكْثر الروَاة وَبِه جزم الْمبرد وَجزم ثَعْلَب والجوهري وَابْن فَارس بِالْهَمْز وَحكى غَيرهم الْوَجْهَيْنِ وَهِي من عمل البلقاء بِالشَّام فِي جُمَادَى الأولى وَهِي سَرِيَّة أَمر فِيهَا زيد بن حَارِثَة على ثَلَاثَة آلَاف رجل وَقَالَ إِن قتل فجعفر فَإِن قتل فعبد الله بن رَواحة فَإِن قتل فليرتض الْمُسلمُونَ بِرَجُل مِنْهُم فَقتلُوا كَذَلِك فَأخذ الرَّايَة ثَابت بن أقرم الْعجْلَاني إِلَى أَن اصْطَلحُوا على خَالِد فَفتح الله بِهِ وَقتل مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة وَأخذ غنيمَة كَثِيرَة وَذَلِكَ أَن رَسُول الله كَانَ أرسل الْحَارِث بن عُمَيْر الْأَزْدِيّ بِكِتَاب إِلَى ملك بصرى فَلَمَّا نزل مُؤْتَة عرض لَهُ شُرَحْبِيل الغساني فَقتله وَلم يقتل لرَسُول الله رَسُول غَيره فَأمر رَسُول الله زيد بن حَارِثَة على ثَلَاثَة آلَاف وَقَالَ إِن قتل. . إِلَى آخر مَا تقدم وَفِي حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر عِنْد أَحْمد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح إِن قتل زيد فأميركم جَعْفَر ... الحَدِيث قَالُوا وَعقد لَهُم لِوَاء أَبيض وَدفعه إِلَى زيد بن حَارِثَة وأوصاهم أَن يَأْتُوا مقتل الْحَارِث بن عُمَيْر وَأَن يدعوا من هُنَاكَ إِلَى الْإِسْلَام فَإِن أجابوا وَإِلَّا استعانوا عَلَيْهِم بِاللَّه وقاتلوهم وَخرج مشيعاً لَهُم حَتَّى بلغ ثنية الْوَدَاع فَوقف فودعهم فَلَمَّا سَارُوا نَادَى والمسلمون دفع الله عَنْكُم وردكم سَالِمين غَانِمِينَ فَقَالَ ابْن رَوَاحَة // (من الْبَسِيط) // (لَكنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً ... وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا) فَلَمَّا فصلوا من الْمَدِينَة سمع الْعَدو بمسيرهم فَجمعُوا لَهُم وَقَامَ فيهم شُرَحْبِيل ابْن عَمْرو فَجمع أَكثر من مائَة ألف وَقدم الطَّلَائِع أَمَامه وَقد نزل الْمُسلمُونَ مَعَان بِفَتْح الْمِيم مَوضِع من أَرض الشَّام وَبلغ النَّاس كَثْرَة الْعَدو وتجمعهم

стр. 723

وَأَن هِرقل نزل بِأَرْض البلقاء فِي مائَة ألف من الْمُشْركين فأقاموا لَيْلَتَيْنِ لينظروا فِي أَمرهم وَقَالُوا نكتب إِلَى رَسُول الله فنخبره الْخَبَر فشجعهم عبد الله بن رَوَاحَة على الْمُضِيّ فَمَضَوْا إِلَى مُؤْتَة ووافاهم الْمُشْركُونَ فجَاء مِنْهُم مَا لَا قِبَلَ لأحد بِهِ من الْعدَد وَالسِّلَاح والكراع والديباج وَالْحَرِير وَالذَّهَب والتقى الْمُسلمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فقاتل الْأُمَرَاء يَوْمئِذٍ على أَرجُلهم فَأخذ اللِّوَاء زيد بن حَارِثَة فقاتل وَقَاتل الْمُسلمُونَ مَعَه على صفوفهم حَتَّى قتل طَعنا بِالرِّمَاحِ ثمَّ أَخذ الرَّايَة جَعْفَر بن أبي طَالب فَنزل عَن فرس لَهُ شقراء وَقَاتل حَتَّى قتل ضربه رجل من الرّوم فَقَطعه نِصْفَيْنِ فَوجدَ فِي أحد نصفيه بضعَة وَثَمَانُونَ جرحا وَفِيمَا أقبل من بدنه اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ ضَرْبَة بِسيف وطعنة بِرُمْح قَالَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَوجدنَا فِي جسده بضعاً وَتِسْعين من طعنة ورمية وَفِي رِوَايَة أَن ابْن عمر وَقَفَ على جَعْفَر يَوْمئِذٍ وَهُوَ قَتِيل قَالَ فعددت بِهِ خمسين بَين طعنة وضربة لَيْسَ فِيهَا شَيْء فِي دبره وَذكر ابْن إِسْحَاق بِإِسْنَاد حسن وَهُوَ عِنْد أبي دَاوُد من طَرِيقه عَن رجل من مرّة قَالَ وَالله لكَأَنِّي أنظر إِلَى جَعْفَر بن أبي طَالب حِين اقتحم عَن فرس لَهُ شقراء فعقرها ثمَّ تقدَم فقاتل حَتَّى قتل قَالُوا ثمَّ أَخذ اللِّوَاء عبد الله بن رَوَاحَة فقاتل حَتَّى قتل فَأخذ اللِّوَاء ابْن أقرم الْعجْلَاني إِلَى أَن اصْطلحَ النَّاس على خَالِد بن الْوَلِيد فَأخذ اللِّوَاء وانكشف النَّاس فَكَانَت الْهَزِيمَة فَتَبِعهُمْ الْمُشْركُونَ فَقتل من قتل من الْمُسلمين وَقَالَ الْحَاكِم قَاتلهم خَالِد بن الْوَلِيد فَقتل مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة وَأصَاب غنيمَة وَقَالَ ابْن سعد إِنَّمَا انهزم بِالْمُسْلِمين وَقَالَ ابْن إِسْحَاق انْحَازَتْ كل طَائِفَة من غير هزيمَة

стр. 724

وَرفعت الأَرْض لرَسُول الله حَتَّى نظر إِلَى معترك الْقَوْم وَعَن عبد الله بن الزبير قَالَ حَدثنِي أبي الَّذِي أرضعني وَكَانَ أحد بني مرّة قَالَ شهِدت مُؤْتَة مَعَ جَعْفَر بن أبي طَالب وَأَصْحَابه فَرَأَيْت جعفراً حِين التحم الْقِتَال اقتحم عَن فرس لَهُ شقراء ثمَّ عقرهَا وَقَاتل الْقَوْم حَتَّى قتل خرجه الْبَغَوِيّ فِي مُعْجَمه وَقطعت فِي تِلْكَ الْوَقْعَة يَدَاهُ جَمِيعًا ثمَّ قتل فَقَالَ رَسُول الله إِن الله أبدله بيدَيْهِ جناحين يطير بهما فِي الْجنَّة حَيْثُ شَاءَ خرجه أَبُو عَمْرو وَفِي البُخَارِيّ عَن عَائِشَة ﵂ لما جَاءَ قتل ابْن رَوَاحَة وَابْن حَارِثَة وجعفر بن أبي طَالب جلس رَسُول الله يعرف مِنْهُ الْحزن الحَدِيث وَأخرج الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن عَن عبد الله بن جَعْفَر قَالَ قَالَ رَسُول الله هَنِيئًا لَك أَبوك يطير مَعَ الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله قَالَ رَأَيْت جَعْفَر بن أبي طَالب يطير مَعَ الْمَلَائِكَة أخرجه التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم // (وَفِي إِسْنَاده ضعف) // لَكِن لَهُ شَاهد من حَدِيث عَليّ عِنْد ابْن سعد وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَيْضا عَن النَّبِي قَالَ مرّ بِي جَعْفَر اللَّيْلَة فِي ملاً من الْمَلَائِكَة وَهُوَ مخضب الجناحين بِالدَّمِ أخرجه التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم بِإِسْنَادِهِ على شَرطه وَأخرج أَيْضا هُوَ وَالطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا دخلت البارحة الْجنَّة فَرَأَيْت فِيهَا جَعْفَر بن أبي طَالب يطير مَعَ الْمَلَائِكَة وَفِي طَرِيق أُخْرَى عَنهُ

стр. 725

أَن جعفراً يطير مَعَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل لَهُ جَنَاحَانِ عوضه الله من يَدَيْهِ وَإسْنَاد هَذَا جيد فقد عوّضه الله عَن قطع يَدَيْهِ فِي هَذِه الْوَقْعَة حَيْثُ أَخذ اللِّوَاء بِيَمِينِهِ فَقطعت ثمَّ أَخذه بِشمَالِهِ فَقطعت ثمَّ احتضنه فَقتل قَالَ السُّهيْلي لَهُ جَنَاحَانِ لَيْسَ كَمَا يسْبق إِلَى الْفَهم كجناحي الطير وريشه لِأَن الصُّورَة الْآدَمِيَّة أشرف الصُّور كلهَا فَالْمُرَاد بالجناحين صفة ملكية وَقُوَّة روحانية وَقَالَ الْعلمَاء فِي أَجْنِحَة الْمَلَائِكَة إِنَّهَا صِفَات ملكية لَا تفهم إِلَّا بالمعاينة فقد ثَبت أَن لجبريل سِتّمائَة جنَاح وَلَا يعْهَد للطير ثَلَاثَة أَجْنِحَة فضلا عَن أَكثر من ذَلِك وَإِذا لم يثبت خبر فِي بَيَان كيفيتها فنؤمنُ بهَا من غير بحث عَن حَقِيقَتهَا قَالَ حَافظ ابْن حجر وَهَذَا الَّذِي جزم بِهِ فِي مقَام الْمَنْع وَالَّذِي حَكَاهُ عَن الْعلمَاء لَيْسَ صَرِيحًا فِي الدّلَالَة على مَا ادَّعَاهُ وَلَا مَانع من الْحمل على الظَّاهِر إِلَّا من جِهَة مَا ذكره من الْمَعْهُود وَهُوَ قِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد وَهُوَ ضعيفٌ وَكَون الصُّور البشرية أشرف الصُّور لَا يمنعُ من حَمْلِ الْخَبَر على ظَاهره لِأَن الصُّور بَاقِيَة وَقد روى الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل من مُرْسل عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة أَن جناحي جَعْفَر من ياقوت وَجَاء فِي جناحي جِبْرِيل أَنَّهُمَا من لُؤْلُؤ أخرجه ابْن مَنْدَه فِي تَرْجَمَة ورقة وَذكر مُوسَى بن عقبَة فِي الْمَغَازِي أَن يعلى بن أُميَّة قدم بِخَبَر أهل مُؤْتَة فَقَالَ لَهُ رَسُول الله إِن شئتَ فَأَخْبرنِي وَإِن شئتَ فأخبرتك قَالَ أَخْبرنِي فَأخْبرهُ خبرهم فَقَالَ وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا تركتَ من حَدِيثهمْ حرفا لم تذكره وَعند الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي الْيُسْر الْأنْصَارِيّ أَن أَبَا عَامر الْأَشْعَرِيّ هُوَ الَّذِي أخبر النَّبِي بمصابهم وفيهَا فتح مَكَّة فِي رَمَضَان لنقض قُرَيْش الْعَهْد فَخرج وَمَعَهُ عشرَة

стр. 726

آلَاف يَوْم الْأَرْبَعَاء بعد الْعَصْر لعشر مضين من رَمَضَان فَفَتحهَا صلحا أَو عنْوَة على الْخلاف وَخرج سادس شَوَّال إِلَى حنين فَهَزَمَهُمْ وَقتل من الْمُشْركين أَكثر من سبعين وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين أَرْبَعَة ونادى مناديه من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه وَأخذ مِنْهَا غَنَائِم فَقَسمهَا بالجعرانة وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي زَاد الْمعَاد الْفَتْح الْأَعْظَم الْمُبين الَّذِي أعز الله بِهِ دينه وَرَسُوله وجنده وَحرمه الْأمين واستنقذ بِهِ بَلَده وبيته الَّذِي جعله هدى للْعَالمين من أَيدي الْكفَّار وَالْمُشْرِكين وَهُوَ الْفَتْح الَّذِي استبشر بِهِ أهل السَّمَاء وَضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء وَدخل النَّاس بِهِ فِي دين الله أَفْوَاجًا وأشرَقَ بِهِ وَجه الأَرْض ضِيَاء وابتهاجا خرج لَهُ بكتائب الْإِسْلَام وجنود الرَّحْمَن لنقض قُرَيْش الْعَهْد الَّذِي وَقع بِالْحُدَيْبِية لِأَنَّهُ كَانَ قد وَقع الشَّرْط أَن من أحب أَن يدْخل فِي عقد رَسُول الله وَعَهده فعل وَمن أحب أَن يدْخل فِي عقد قُرَيْش وَعَهْدهمْ فعل فَدخلت بَنو بكر فِي عقد قُرَيْش وَعَهْدهمْ وَدخلت خُزَاعَة فِي عقد رَسُول الله وَعَهده وَكَانَ بَين بني بكر وخزاعة حروب وقتلى فِي الْجَاهِلِيَّة فتشاغلوا عَن ذَلِك لما ظهر الْإِسْلَام فَلَمَّا كَانَت الْهُدْنَة خرج نَوْفَل بن مُعَاوِيَة الديلِي من بني بكر فِي بني الديل حَتَّى بيَّتَ خُزَاعَة وهم على مَاء لَهُم يُقَال لَهُ الْوَتِير فَأصَاب مِنْهُم رجلا يُقَال لَهُ مُنَبّه واستيقظت لَهُم خُزَاعَة فَاقْتَتلُوا إِلَى أَن دخلُوا الْحرم وَلم يتْركُوا الْقِتَال وأمدت قُرَيْش بني بكر بِالسِّلَاحِ وَقَاتل بَعضهم مَعَهم لَيْلًا فِي خُفْيَة وَخرج عَامر الْخُزَاعِيّ فِي أَرْبَعِينَ رَاكِبًا من خُزَاعَة فقدموا على رَسُول الله يخبرونه بِالَّذِي أَصَابَهُم ويستنصرونه فَقَامَ وَهُوَ يجر رِدَاءَهُ وَيَقُول لَا نصرت إِن لم أَنْصُركُمْ بِمَا أنْصر بِهِ نَفسِي

стр. 727

وَفِي المعجم الصَّغِير للطبراني من حَدِيث مَيْمُونَة أَنَّهَا سمعته يَقُول فِي متوضئه لَيْلًا لبيْك لبيْك ثَلَاثًا نصرت نصرت ثَلَاثًا فَقَالَت كَأَنَّك تكلم إنْسَانا فَهَل كَانَ مَعَك أحد فَقَالَ هَذَا راجز بني كَعْب يستصرخني وَيَزْعُم أَن قُريْشًا أعانَتْ عَلَيْهِم بني بكر ثمَّ خرج ﵊ فَأمر عَائِشَة أَن تجهزه وَلَا تُعْلِم أحدا قَالَت فَدخل عَلَيْهَا أَبُو بكر فَقَالَ يَا بنية مَا هَذَا الجهاز فَقَالَت مَا أَدْرِي فَقَالَ وَالله مَا هَذَا زمَان غَزْو بني الْأَصْفَر فَأَيْنَ يُرِيد رَسُول الله قَالَت وَالله لَا علم لي قَالَت فَأَقَمْنَا ثَلَاثًا ثمَّ صلى الصُّبْح بِالنَّاسِ فَسمِعت الراجز ينشد // (من الرجز) // (يَا رّبِّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا ... ) (حِلْفَ أَبِينَا وَأبِيهِ الأَتْلَدَا ... ) (إِنَّا وَلَدْنَاكَ فَكُنْتَ الوَلَدَا ... ) (ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِع يَدَا ... ) (إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا ... ) (وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤّكَّدَا ... ) (وزعَمُوا أنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا ... ) (فَانْصُرْ هَدَاكَ اللهُ نصْرًا أَيّدَا ... ) (وادْعُ عِبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا ... ) (فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدَا ... ) (أَبْيَضَ كَالْبَدْرِ تَنَمَّى صُعُدَا ... ) (إِن سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا ... ) قَالَ فِي الْقَامُوس وَتَربد بالراء تغير انْتهى وَزَاد ابْن إِسْحَاق (هُمْ بَيَّتُونَا بالْوَتيرِ هُجَّدَا ... )

стр. 728

(وقَتَّلُونَا رُكَّعًأ وَسُجَّدا ... ) (وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا ... ) (وَهمْ أذَلُ وَأقَل عَدَدَا) فَقَالَ لَهُ رَسُول الله نصرت يَا عَمْرو بن سَالم فَكَانَ ذَلِك مَا هاج فتح مَكَّة وَقد ذكر الْبَزَّار من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بعض الأبيات وَقدم أَبُو سُفْيَان بن حَرْب على رَسُول الله الْمَدِينَة يسْأَله أَن يجدد الْعَهْد وَيزِيد فِي الْمدَّة فَدخل على ابْنَته رَملَة زوج النَّبِي فَذهب ليجلس على فرَاش رَسُول الله فَقَالَت مَكَانك فطوته عَنهُ وَقَالَت إِنَّك رِجْس فَقَالَ لَهَا لقد أَصَابَك بعدِي شَر يَا بنية فَلَمَّا أَتَى رَسُول الله سَأَلَهُ فِيمَا جَاءَ لصدده فَأبى عَلَيْهِ وَلم يجبهُ فَكلم أَبَا بكر ثمَّ عمر ثمَّ عليا فَلم يجبهُ أحد مِنْهُم فَدخل بَيت فَاطِمَة بنت رَسُول الله فَقَالَ لَهَا يَا بنة مُحَمَّد إِنِّي دَاخل على ابْنك الْحسن أَن يجير بَين النَّاس فَقَالَت مَا بلغ ابْني أَن يجير بَين النَّاس فَقَالَ لعَلي إِنَّك أمسُ الْقَوْم بِي رحما فَمَا تُشِير بِهِ عَليّ فَقَالَ لَهُ عَليّ إِنَّك سيد كنَانَة وَمَا أرى لَك إِلَّا أَن تقوم فتجير بَين النَّاس وَمَا أرَاهُ مجديَاً شَيْئا فغدا على النَّاس فِي الْمَسْجِد فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنِّي قد أجرت بَين النَّاس ثمَّ ركب نَاقَته فَعَاد إِلَى مَكَّة فَقَالُوا مَاذَا صنعت فَأخْبرهُم بِمَا كَانَ فَقَالُوا أفأجاز ذَلِك مُحَمَّد وَأَبُو بكر وَعمر فَقَالَ لَا فَقَالُوا مَا زِدْت على أَن لعب بك ابْن أبي طَالب وتجهزَ رسولُ الله من غير إِعْلَام أحد بذلك فَكتب حَاطِب كتابا وأرسله إِلَى مَكَّة يخبر بذلك فَأطلع الله نبيه على ذَلِك فَقَالَ ﵊ لعَلي بن أبي طَالب وَالزُّبَيْر والمقداد انْطَلقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَة خَاخ فَإِن بهَا ظَعِينَة مَعهَا كتاب فَخُذُوهُ مِنْهَا قَالَ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَة فَإِذا نَحن بِالظَّعِينَةِ قُلْنَا أَخْرِجِي الْكتاب قَالَت مَا معي كتاب فَقُلْنَا لتخْرجن الْكتاب أَو لنلقين الثِّيَاب قَالَ فَأَخْرَجته من عقاصها فأتينا بِهِ رَسُول الله فَإِذا فِيهِ من حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى نَاس من الْمُشْركين بِمَكَّة يُخْبِرهُمْ بِبَعْض أَمر رَسُول الله فَقَالَ يَا حَاطِب مَا هَذَا قَالَ يَا رَسُول الله لَا تعجَل عَليّ إِنِّي كنت امْرأ مُلْصقًا فِي

стр. 729

قُرَيْش يَقُول كنت حليفاً وَلم أكن من أَنْفسهَا وَكَانَ من مَعَك من الْمُهَاجِرين لَهُم قَرَابَات يحْمُونَ أَهْليهمْ وَأَمْوَالهمْ فَأَحْبَبْت إِذْ فَاتَنِي ذَلِك من النّسَب فيهم أَن أَتَّخِذ عِنْدهم يدا يحْمُونَ قَرَابَتي وَلم أَفعلهُ ارْتِدَادًا عَن ديني وَلَا رِضاً بالْكفْر بعد الْإِسْلَام فَقَالَ رَسُول الله أما إِنَّه قد صدقكُم فَقَالَ عمر يَا رَسُول الله دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق فَقَالَ إِنَّه قد شهد بَدْرًا وَمَا يدْريك لَعَلَّ الله اطلع على من شهد بَدْرًا فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿يَا أيُها الذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدوي وَعَدُوكُم أوَلياءَ تُلقُون إلَيهِم بِالمَوَدةِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿فقد ضل سَوَاء السَّبِيل﴾ قَالَ فِي فتح الْبَارِي وَإِنَّمَا قَالَ عمر ﵁ دَعْنِي يَا رَسُول الله أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق مَعَ تَصْدِيق رَسُول الله لحاطب فِيمَا اعتذر بِهِ لما كَانَ عِنْد عمر من الْقُوَّة فِي الدّين وبغض الْمُنَافِقين فَظن أَن من خَالف مَا أَمر بِهِ النَّبِي اسْتحق القتلَ لكنه لم يجْزم بذلك فَلذَلِك اسْتَأْذن فِي قَتله وَأطلق عَلَيْهِ منافقَاً لكَونه أبطن خلاف مَا أظهر وَعذر حَاطِب مَا ذكره فَإِنَّهُ صنع ذَلِك متأولاً أَن لَا ضَرَر فِيهِ وَعند الطَّبَرِيّ من طَرِيق الْحَارِث عَن على فِي هَذِه الْقِصَّة فَقَالَ أَلَيْسَ قد شهد بَدْرًا وَمَا يدْريك لَعَلَّ الله اطلع على أهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم فأرشد إِلَى عِلّة ترك قَتله وَعند الطَّبَرِيّ أَيْضا عَن عُرْوَة فَإِنِّي غَافِر لكم وَهَذَا يدل على أَن المُرَاد بقوله غفرت أَغفر على طَرِيق التَّعْبِير عَن الْآتِي بالواقع مُبَالغَة فِي تحَققه قَالَ وَالَّذِي يظْهر أَن هَذَا الْخطاب خطاب إكرام وتشريف تضمن أَن هَؤُلَاءِ حصلت لَهُم حَالَة غفرت بهَا ذنوبهم السالفة وتأهلوا أَن يغْفر لَهُم مَا يسْتَأْنف من الذُّنُوب اللاحقة وَقد أظهر الله صدق رَسُوله فِي كل مَا أخبر عَنهُ بِشَيْء من ذَلِك فَإِنَّهُم لم يزَالُوا على أَعمال أهل الْجنَّة إِلَى أَن فارقوا الدُّنْيَا وَلَو قدر صُدُور شَيْء من أحدهم لبادر إِلَى التَّوْبَة ولازم الطَّرِيقَة المثلى يعلم ذَلِك من أَحْوَالهم بِالْقطعِ من اطلع على سيرهم قَالَه الْقُرْطُبِيّ

стр. 730

وَذكر بعض أهل الْمَغَازِي وَهُوَ فِي تَفْسِير يحيى بن سَلام أَن لفظ الْكتاب الَّذِي كتبه حَاطِب أما بعد يَا معشر قُرَيْش فَإِن رَسُول الله جَاءَكُم بِجَيْش كالليل يسير كالسيل فوَاللَّه لَو جَاءَكُم وَحده لنصره الله وأنجز لَهُ فانظروا لأنفسكم كَذَا حَكَاهُ السُّهيْلي وروى الْوَاقِدِيّ بِسَنَد مُرْسل أَن حاطبَاً كتب إِلَى سُهَيْل بن عَمْرو وَصَفوَان بن أُميَّة وَعِكْرِمَة أَن رَسُول الله أذنَ فِي النَّاس بالغزو لَا أرَاهُ يُرِيد غَيْركُمْ فَأَحْبَبْت أَن تكون لي عنْدكُمْ يَد انْتهى وَبعث رَسُول الله إِلَى من حوله من الْعَرَب فجلبهم أسلم وغفار وَمُزَيْنَة وجهينة وَأَشْجَع وسليم فَمنهمْ من وافاه بِالْمَدِينَةِ وَمِنْهُم من لحقه بِالطَّرِيقِ فَكَانَ الْمُسلمُونَ فِي غَزْوَة الْفَتْح عشرَة آلَاف وَفِي الإكليل وَشرف الْمُصْطَفى اثْنَا عشر ألفا وَيجمع بَينهمَا بِأَن الْعشْرَة آلَاف خرج بهَا من نفس الْمَدِينَة ثمَّ تلاحق بِهِ الألفان واستخلف على الْمَدِينَة ابْن أم مَكْتُوم وَقيل أَبَا رهم الْغِفَارِيّ وَخرج ﵊ يَوْم الْأَرْبَعَاء لعشر خلون من رَمَضَان بعد الْعَصْر فِي ثَمَان من الْهِجْرَة قَالَه الْوَاقِدِيّ وَعند أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي سعيد قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله عَام الْفَتْح لليلتين خلتا من شهر رَمَضَان فَمَا قَالَه لَيْسَ بِقَوي لمُخَالفَته مَا هُوَ أصحُ وَفِي تعْيين هَذَا التَّارِيخ أَقْوَال أخر مِنْهَا عِنْد مُسلم لست عشرَة وَلأَحْمَد ثَمَانِي عشرَة وَفِي أُخْرَى لثنتي عشرَة وَالَّذِي فِي الْمَغَازِي لِابْنِ عقبَة لتسْع عشرَة مَضَتْ وَهُوَ مَحْمُول على الِاخْتِلَاف فِي أول الشَّهْر وَوَقع فِي أُخْرَى تسع عشرَة أَو سبع عشرَة على الشَّك وَلما بلغ الكدِيد بِفَتْح الْكَاف المَاء الَّذِي بَين قديد وَعُسْفَان أفطر فَلم

стр. 731

يزل مُفطرا حَتَّى انْسَلَخَ الشَّهْر رَوَاهُ البُخَارِيّ وَفِي أُخْرَى لَهُ أفطر وأفطروا ... الحَدِيث وَكَانَ الْعَبَّاس قد خرج قبل ذَلِك بأَهْله وَعِيَاله مُسلما مُهَاجرا فلقي رَسُول الله بِالْجُحْفَةِ وَكَانَ قبل ذَلِك مُقيما بِمَكَّة على سقايته وَرَسُول الله عَنهُ رَاض وَكَانَ مِمَّن لقِيه بِالطَّرِيقِ أَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث ابْن عَمه ﵊ وَأَخُوهُ من إِرْضَاع حليمة السعدية وَمَعَهُ وَلَده جَعْفَر بن أبي سُفْيَان وَكَانَ أَبُو سُفْيَان يألف رَسُول الله فَلَمَّا بعث عَادَاهُ وهجاه وَكَانَ لقاؤهما لَهُ ﵊ بالأبواء وأسلما قبل دُخُول مَكَّة وَقيل بل لقِيه هُوَ وَعبد الله بن أبي أُميَّة ابْن عمته عَاتِكَة بنيت عبد الْمطلب بَين السقيا وَالْعَرج فَأَعْرض عَنْهُمَا لما كَانَ يلقى مِنْهُمَا من شدَّة الأذَى والهَجوِ فَقَالَت لَهُ أم سَلمَة لَا يكنِ ابْن عمك وَابْن عَمَّتك أَشْقَى الناسِ بك وَقَالَ عَليّ لأبي سُفْيَان فِيمَا حَكَاهُ ابْن عَمْرو وَصَاحب ذخائر العقبى ائْتِ رَسُول الله من قبل وَجهه فَقل لَهُ مَا قَالَ إخْوَة يُوسُف ليوسف ﴿تَاللهِ لَقَد آثَرَكَ الله علينا وَإِن كُنَّا لخاطئين﴾ فَإِنَّهُ لَا يرضى أَن يكون أحد أحسن مِنْهُ قولا فَفعل ذَلِك أَبُو سُفْيَان فَقَالَ ﴿لَا تَثْرِيب عَلَيكمٌ اليوَمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ وَيُقَال إِنَّه مَا رفع رَأسه إِلَى رَسُول الله مُنْذُ أسلم حَيَاء مِنْهُ قَالُوا ثمَّ سَار رَسُول الله فَلَمَّا كَانَ بِقديد عقد الألوية والرايات وَدفعهَا إِلَى الْقَبَائِل ثمَّ نزل مر الظهْرَان عشَاء فَأمر أَصْحَابه فأوقدوا عشرَة آلَاف نَار وَلم يبلغ قُريْشًا مسيره وهم مغتمون لما يخَافُونَ من غَزوه إيَّاهُم فبعثوا أَبَا سُفْيَان بن حَرْب وَقَالُوا إِن لقِيت مُحَمَّدًا فَخذ لنا مِنْهُ أَمَانًا فَخرج أَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَحَكِيم بن حزَام وَبُدَيْل بن وَرْقَاء حَتَّى أَتَوا مر الظهْرَان فَلَمَّا رَأَوْا الْعَسْكَر أفزعهم قَالَ البُخَارِيّ فَإِذا هم بنيران كَأَنَّهَا نيران عَرَفَة فَقَالَ أَبُو سُفْيَان مَا هَذِه كَأَنَّهَا نيران عَرَفَة فَقَالَ بديل بن وَرْقَاء نيران بني عَمْرو فَقَالَ أَبُو سُفْيَان بَنو عَمْرو أقَل من ذَلِك فَرَآهُمْ نَاس من حَرَسِ رَسُول الله فأدركوهم فَأَخَذُوهُمْ

стр. 732

فَأتوا بهم إِلَى رَسُول الله فَأسلم أَبُو سُفْيَان فَلَمَّا سَار قَالَ للْعَبَّاس احْبِسْ أَبَا سُفْيَان عِنْد حطم الْخَيل حَتَّى ينظر إِلَى الْمُسلمين فحبسه الْعَبَّاس فَجعلت الْقَبَائِل تمر مَعَ النَّبِي كَتِيبَة كَتِيبَة على أبي سُفْيَان فمرت كَتِيبَة فَقَالَ يَا عَبَّاس من هَذِه قَالَ هَذِه غفار قَالَ مَا لي وَلِغفار ثمَّ مرت جُهَيْنَة فَقَالَ مثل ذَلِك حَتَّى أَقبلت كَتِيبَة لم ير مثلهَا قَالَ من هَذِه قَالَ هَؤُلَاءِ الْأَنْصَار عَلَيْهِم سعد بن عبَادَة مَعَه الرَّايَة فَقَالَ سعد بن عبَادَة يَا أَبَا سُفْيَان الْيَوْم يَوْم الملحمة الْيَوْم تستحل الْحُرْمَة فَقَالَ أَبُو سُفْيَان يَا عَبَّاس حبذا يَوْم الذمَار بِالْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَة أَي الْهَلَاك قَالَ الْخطابِيّ تمنى أَبُو سُفْيَان أَن يكون لَهُ يَد فيحمي قومه وَيدْفَع عَنْهُم وَقيل هَذَا يَوْم الْغَضَب للحريم والأهل والانتصار لَهُم مِمَّن قدر عَلَيْهِ وَقيل هَذَا يَوْم يلزمك فِيهِ حفظي وحمايتي من أَن ينالني مَكْرُوه وَقَالَ ابْن إِسْحَاق زعم بعض أهل الْعلم أَن سَعْدا قَالَ الْيَوْم يَوْم الملحمة الْيَوْم تستحل الْحُرْمَة فَسَمعَهَا رجل من الْمُهَاجِرين فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا آمنُ أَن يكون لسعد فِي قُرَيْش صولة فَقَالَ لعَلي أدْركهُ فَخذ الرَّايَة مِنْهُ فكنْ أنْتَ الَّذِي تدخلُ بهَا وَقد روى الْأمَوِي فِي الْمَغَازِي أَن أَبَا سُفْيَان قَالَ للنَّبِي لما حاذاه أمرتَ بقتل قَوْمك قَالَ لَا فَذكر لَهُ مَا قَالَ سعد بن عبَادَة ثمَّ ناشده الله والرَحِمَ فَقَالَ يَا أَبَا سُفْيَان الْيَوْم يَوْم المرحمة ن الْيَوْم يَوْم يعز الله قُريْشًا وَأرْسل إِلَى سعد فَأخذ الرَّايَة مِنْهُ فَدَفعهَا إِلَى ابْنه قيس وَعند ابْن عَسَاكِر من طَرِيق أبي الزبير عَن جَابر قَالَ لما قَالَ سعد بن عبَادَة ذَلِك عارضت امْرَأَة من قُرَيْش رَسُول الله فَقَالَت // (من الْخَفِيف) // (يَا نبيَّ الهُدَى إِلَيْك لَجَا ... حَتى قُرَيشٍ وَلاتَ حِينَ لجاءِ) (حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ سَعَةُ الأَرْضِ ... وَعَادَاهُمُ إلهُ السَّمَاءِ) (التقَتْ حَلْقَتَا البِطَانِ عَلَى القَوْمِ ... ونُودُوا بالصَّيْلَمِ الصَّلْعَاءِ) (إِنَّ سَعْداً يُرِيدُ قاصمة الظَّهْرِ ... بأَهْلِ الحجُونِ والبطحاءِ)

стр. 733

(خَزْرَجِيٌّ لَوْ يَسْتَطِيعُ مِنَ الغَيْظِ ... رَمَانَا بِالنَّسْرِ والعوَّاءِ) (وَغِرُ الصَّدْرِ لَا يَهِمُّ بِشَيءٍ ... غَيْرِ سَفْكِ الدما وسَبْىِ النِّسَاءِ) (قد تلظَّى عَلَى البِطَاحِ وجاءَتْ ... عِنْدَ هِنْدٍ بالسَّوْأَةِ السَّوْدَاءِ) (إِذْ يُنَادِي بِذُلٍّ حَيٍّ قُريشٍ ... وابنُ حَرب بِذَا مِنَ الشُهَدَاءِ) (فَلَئِنْ أقحَمَ اللوَاء ونَادَى ... يَا حمَاةَ اللِّواءِ أَهْلَ اللِّواءِ) (ثمَّ ثابَتْ إِليه مَنْ بهمُ الخَزْرجُ ... والأوسُ أَنْجُمُ الهَيْجَاءِ) (لتَكُونن بالبِطَاحِ قُرَيْشٌ ... فقعة القَاعِ فِي أَكُفِّ الإِمَاءِ) (فَانْهَيَنْهُ فإِنهُ أَسَدُ الأُسْد ... لَدَى الغَابِ والغاً فِي الدّمَاءِ) (إِنَّهُ مُطْرِقٌ يُدِيِرُ لَنَا الأَمْرَ ... سكوناً كالحيَّةِ الصَّمَّاءِ) قلت وَفِي سيرة ابْن سيد النَّاس عزوا هَذَا الشّعْر لِضِرَار بن الْخطاب الفِهري فَلَمَّا سمع هَذَا الشّعْر دَخلته رأفة لَهُم وَرَحْمَة فَأمر بالراية فأخذَتْ من سعد وَدفعت إِلَى ابْنه قيس وَعند أبي يعلى من حَدِيث الزبير أَن النَّبِي دَفعهَا إِلَيْهِ فَدخل مَكَّة بلواءين وَإِسْنَاده ضَعِيف جدا لكنْ جزم مُوسَى بن عقبَة فِي الْمَغَازِي عَن الزُّهْرِيّ أَنه دَفعهَا إِلَى الزبير بن الْعَوام فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقْوَال فِيمَن دفعت إِلَيْهِ الرَّايَة الَّتِي نزعت من سعد وَالَّذِي يظْهر فِي الْجمع أَن عليا أرسل بهَا لينزعها وَيدخل بهَا ثمَّ خشِي تغير خاطر سعد فَأمر بدفعها إِلَى ابْنه قيس ثمَّ إِن سَعْدا خشِي أَن يَقع من ابْنه شَيْء يُنكره فَسَأَلَ النَّبِي أَن يَأْخُذهَا مِنْهُ فَأَخذهَا الزبير حِينَئِذٍ

стр. 734

قَالَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ ثمَّ جاءَتْ كَتِيبَة فِيهَا رَسُول الله وَأَصْحَابه وَرَايَة النَّبِي مَعَ الزبير فَلَمَّا مر رَسُول الله بِأبي سُفْيَان قَالَ ألم تعلم مَا قَالَ سعد بن عبَادَة قَالَ مَا قَالَ قَالَ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ كذب سعد وَلَكِن هَذَا يَوْم يعظم الله فِيهِ الْكَعْبَة وَيَوْم تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَة قَالَ وَأمر رَسُول الله أَن تركز رايته بالحجون قَالَ وَقَالَ عُرْوَة وَأَخْبرنِي نَافِع بن جُبَير بن مطعم قَالَ سَمِعت الْعَبَّاس يَقُول للزبير بن الْعَوام يَا أَبَا عبد الله هَا هُنَا أَمرك رَسُول الله أَن تركز الرَّايَة قَالَ نعم وَأمر رَسُول الله خَالِد بن الْوَلِيد أَن يدْخل من أَعلَى مَكَّة من كَدَاء بِالْفَتْح وَالْمدّ وَدخل النَّبِي من كُدى بِالضَّمِّ وَالْقصر فَقتل من خيل خَالِد يَوْمئِذٍ رجلَانِ حُبَيْش بن الْأَشْقَر وكرز بن جَابر الفِهري قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر وَهَذَا مُخَالف للأحاديث الصَّحِيحَة الْآتِيَة أَن خَالِدا دخل من أَسْفَل مَكَّة وَالنَّبِيّ من أَعْلَاهَا يعْنى حَدِيث ابْن عمر أَنه أقبل يَوْم الْفَتْح من أَعلَى مَكَّة على رَاحِلَته مردفاً أُسَامَة بن زيد وَحَدِيث عَائِشَة أَنه دخل عَام الْفَتْح من كداء الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّة وَغَيرهمَا قَالَ وَقد سَاق ذَلِك مُوسَى بن عقبَة سياقاً وَاضحا فَقَالَ وَبعث رَسُول الله الزبير بن الْعَوام على الْمُهَاجِرين وخيلهم وأمرهن يدخلنَ من كداء من أَعلَى مَكَّة وَأمره أَن يغرز رايته بالحجون وَلَا يبرح حَتَّى يَأْتِيهِ وَبعث خَالِد بن الْوَلِيد فِي قبائل قضاعة وسُلَيم وَغَيرهم وَأمره أَن يدْخل من أَسْفَل مَكَّة وَأَن يغرز رايته عِنْد أدنى الْبيُوت وَبعث سعد بن عبَادَة فِي كَتِيبَة الْأَنْصَار فِي مُقَدّمَة رَسُول الله وَأمرهمْ أَن يكفوا أَيْديهم عَن الْقِتَال وَلَا يقاتلوا إِلَّا من قَاتلهم واندفع خَالِد بن الْوَلِيد حَتَّى دخل من أَسْفَل مَكَّة وَقد تجمع بَنو بكر وَبَنُو الْحَارِث بن عبد منَاف وناس من هُذَيْل وَمن الْأَحَابِيش الَّذين استنصرت بهم قُرَيْش فَقَاتلُوا خَالِدا فَقَاتلهُمْ فَانْهَزَمُوا وَقتل من بني بكر نَحْو من عشْرين رجلا وَمن هُذَيْل ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة حَتَّى انْتهى بهم الْقَتْل إِلَى الْحَزْوَرَة إِلَى بَاب الْمَسْجِد حَتَّى دخلُوا الدّور فارتفعت طَائِفَة مِنْهُم على الْجبَال وَصَاح أَبُو سُفْيَان من دخل دَار

стр. 735

أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن فَقَالَت لَهُ زَوجته هِنْد بنت عتبَة وَأخذت بشاربه اقْتُلُوا الحميت الدسم الأحمش قُبحتَ من طَلِيعَة قوم وَمَا تغني دَارك ثمَّ قَالَ وَمن دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن وَمن أغلق بَابه وكف يَده فَهُوَ آمن قَالَ وَنظر رَسُول الله إِلَى البارقة فَقَالَ مَا هَذَا وَقد نهيت عَن الْقِتَال فَقَالُوا نظن أَن خَالِدا قوتل وبدىء بِالْقِتَالِ فَلم يكن لَهُ بُد من أَن يقاتلهم قَالَ وَقَالَ رَسُول الله بعد أَن اطْمَأَن لخَالِد بن الْوَلِيد لم قاتلتَ وَقد نهيتك عَن الْقِتَال فَقَالَ هم بدءونا بِالْقِتَالِ وَقد كَفَفْت يَدي مَا استطعتُ فَقَالَ قَضَاء الله خير وَعند ابْن إِسْحَاق فَلَمَّا نزل مر الظهْرَان رقت نفس الْعَبَّاس لأهل مَكَّة فَخرج لَيْلًا رَاكِبًا بغلة النَّبِي لكَي يجد أحدا فَيعلم أهل مَكَّة بمجيء النَّبِي فيستأمنوه فَلَمَّا بلغ الْأَرَاك سمع الصَّوْت أبي سُفْيَان بن حَرْب وَحَكِيم بن حزَام يتناجيان فَقَالَ الْعَبَّاس أَبَا حَنْظَلَة فَقَالَ أَبُو سُفْيَان أَبَا الْفضل فتلاقيا فَقَالَ أَبُو سُفْيَان واصباح قُرَيْش إِن دَخلهَا عَلَيْهِم عنْوَة فَأرْدف أَبَا سُفْيَان خَلفه وأتى بِهِ النَّبِي وَانْصَرف الْآخرَانِ ليعلما أهل مَكَّة روى أَن عمر بن الْخطاب لما رأى أَبَا سُفْيَان رَدِيف الْعَبَّاس قَالَ أَبُو سُفْيَان عَدو الله الْحَمد لله الَّذِي أمكن مِنْك من غير عقد وَلَا عهد قَالَ الْعَبَّاس ثمَّ عدا فركضتُ البغلة فسبقته بِمَا تسبق البغلة الرجل البطيء فَدخل بِهِ على رَسُول الله فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي قد أجرته فَقَالَ اذْهَبْ بِهِ يَا عَبَّاس إِلَى رحلك فَإِذا أَصبَحت فَأتني بِهِ فَذهب فَلَمَّا أصبح غَدا بِهِ على رَسُول الله فَوقف عمر بن الْخطاب على رَأسه وَقَالَ دَعْنِي يَا رَسُول الله أضْرب عُنُقه فَقَالَ الْعَبَّاس أما إِنَّه لَو كَانَ من آل الْخطاب لما قلت هَذَا فَقَالَ لَهُ رَسُول الله وَيحك يَا أَبَا سُفْيَان ألم يَأن لَك أَن تعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَالَ بِأبي أَنْت وَأمي مَا أحلمَكَ وأكرمك وأوصَلَكَ قَالَ وَيحك يَا أَبَا سُفْيَان ألم يَأن لَك أَن تعلم إِنِّي رَسُول الله فَقَالَ بِأبي أَنْت وَأمي مَا أحلمَكَ وأكرمك وأوصَلَكَ أما هَذِه فَفِي النَّفس مِنْهَا شَيْء فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس وَيحك أسلم واشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قبل أَن تضرب عُنُقك فَأسلم وَشهد شَهَادَة الْحق وَفِي رِوَايَة أَن أَبَا سُفْيَان قَالَ للنَّبِي

стр. 736

حِينَئِذٍ فَمَا أصنع بالعُزى فَقَالَ لَهُ عمر بن الْخطاب ﵁ تخرأ عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان إِنَّك يَا ابْن الْخطاب رجل فَاحش وَلم أخاطبك إِنَّمَا أخاطب ابْن عمي فَقَالَ الْعَبَّاس يَا رَسُول الله إِن أَبَا سُفْيَان رجل يحب الْفَخر فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئا قَالَ نعم وَأمر فَنَادَى مناديه من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن وَمن دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن وَمن أغلق عَلَيْهِ بَابه فَهُوَ آمن إِلَّا المستثنين وهم كَمَا قَالَه مغلطاي وَغَيره عبد الله بن سعد بن أبي سرح أسلم وَابْن خَطَلٍ قَتله أَبُو بَرزَة وقينتاه وهما فَرتَنَا بِالْفَاءِ الْمَفْتُوحَة وَالرَّاء الساكنة والمثناة الْفَوْقِيَّة وَالنُّون وقُلَيبَة بِالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَة مُصَغرًا أسلمت إِحْدَاهمَا وَقتلت الْأُخْرَى وسَارَة مولاة لبني الْمطلب وَيُقَال كَانَت مولاة عمر بن ضبع بن هِشَام وأرْنَب علم امْرَأَة وقرينة قتلت وَعِكْرِمَة بن أبي جهل أسلم والْحَارث بن نفَيْل قَتله عَليّ وَمقيس بن صُبَابة بِمُهْملَة مَضْمُومَة وموحدتين الأولى خَفِيفَة قَتله نميلَة اللَّيْثِيّ وَهَبَّار بن الْأسود أسلم وَهُوَ الَّذِي عرض لِزَيْنَب بنت رَسُول الله حِين هَاجَرت فَنَخَسَ بَعِيرهَا حَتَّى سقطَت على صَخْرَة وأسقطت جَنِينهَا وَكَعب بن زُهَيْر أسلم وَهِنْد بنت عتبَة أسلمت وَوَحْشِي بن حَرْب أسلم انْتهى وَابْن خَطَلٍ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة والطاء الْمُهْملَة وَابْن نُقَيدٍ بِضَم النُّون وَفتح الْقَاف وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة آخِره دَال مُهْملَة وَقد جمع الْوَاقِدِيّ عَن شُيُوخه أَسمَاء من لم يُؤمن يَوْم الْفَتْح وَأمر بقتل عشرَة أنفس سِتَّة رجال وَأَرْبع نسْوَة روى أَحْمد وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ أقبل رَسُول الله وَقد بعث على إِحْدَى المجنبتين خَالِد بن الْوَلِيد وَبعث الزبير على الْأُخْرَى وَبعث أَبَا عُبَيْدَة على الحُسر بِضَم الْمُهْملَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة أَي الَّذين بِغَيْر سلَاح فَقَالَ لي يَا أَبَا هُرَيْرَة اهتف لي بالأنصار فهتفت بهم فَجَاءُوا فطافوا بِهِ فَقَالَ لَهُم ترَوْنَ إِلَى أوباش قُرَيْش وأتباعهم فَقَالَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ على الْأُخْرَى احصدوهم حصداً حَتَّى توافوني بالصفا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَانْطَلَقْنَا فَمَا نشَاء أَن نقْتل أحدا مِنْهُم إِلَّا قَتَلْنَاهُ فجَاء أَبُو سُفْيَان فَقَالَ يَا رَسُول الله أُبيحت خضراء قُرَيْش لَا قّريشَ بعد الْيَوْم فَقَالَ من أغلق بَابه

стр. 737

فَهُوَ آمن قَالَ فِي فتح الْبَارِي وَقد تمسك بِهِ من قَالَ إِن مَكَّة فتحت عنْوَة وَهُوَ قَول الْأَكْثَر وَعَن الشَّافِعِي وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد إِنَّهَا فتحت صلحا لما وَقع من هَذَا التَّأْمِين ولإضافة الدّور إِلَى أَهلهَا لِأَنَّهَا لم تقسم وَلِأَن الْغَانِمين لم يملكُوا دورها وَإِلَّا لجَاز إِخْرَاج أهل الدّور مِنْهَا وَحجَّة الْأَوَّلين مَا وَقع التَّصْرِيح بِهِ من الْأَمر بِالْقِتَالِ ووقوعه بِخَالِد بن الْوَلِيد وبتصريحه ﵊ بِأَنَّهَا أحلتْ لَهُ سَاعَة من نَهَار وَنَهْيه عَن التأسي بِهِ فِي ذَلِك وَأَجَابُوا عَن ترك الْقِسْمَة بِأَنَّهَا لَا تَسْتَلْزِم عدم الْقِسْمَة وَقد تفتح الْبَلَد عنْوَة ويمن على أَهلهَا وتترك لَهُم دُورهمْ قَالَ وَأما قَول النَّوَوِيّ وَاحْتج الشَّافِعِي بالأحاديث الْمَشْهُورَة أَن النَّبِي صَالحهمْ على مر الظهْرَان قبل دُخُول مَكَّة فَفِيهِ نظر لِأَن الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ إِن كَانَ مُرَاده مَا وَقع من قَوْله من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن كَمَا تقدم وَكَذَا من دخل الْمَسْجِد كَمَا عِنْد ابْن إِسْحَاق فَإِن ذَلِك لَا يُسمى صلحا إِلَّا إِذا الْتزم من أَشَارَ إِلَيْهِ بذلك الْكَفّ عَن الْقِتَال وَالَّذِي ورد فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ظَاهر فِي أَن قُريْشًا لم يلتزموا ذَلِك لأَنهم اسْتَعدوا للحرب وَإِن كَانَ مُرَاده بِالصُّلْحِ وقوعَ عقده فَهَذَا لم ينْقل وَمَا أَظُنهُ عَنى إِلَّا الِاحْتِمَال الأول وَفِيه مَا ذكرته انْتهى ثمَّ دخل فِي كتيبته الخضراء وَهُوَ على نَاقَته الْقَصْوَاء بَين أبي بكر وَأسيد بن حضير فَرَأى أَبُو سُفْيَان مَا لَا قبل لَهُ بُد فَقَالَ للْعَبَّاس يَا أَبَا الْفضل لقد أصبح مَالك ابْن أَخِيك عَظِيما فَقَالَ الْعَبَّاس وَيحك إِنَّه لَيْسَ بملكٍ وَلكنهَا النُّبُوَّة قَالَ نعم روى أَنه وضع رَأسه تواضعاً لله لما رأى مَا أكْرمه الله بِهِ من الْفَتْح حَتَّى إِن رَأسه ليكاد يُمْسِي مقدم رَحْله شكرا وخضوعاً لعظمته إِذْ أحل لَهُ بَلَده وَلم يحله

стр. 738

لأحد قبله وَلَا لأحد بعده وَفِي البُخَارِيّ من حَدِيث أنس أَن النَّبِي دخل مَكَّة يَوْم الْفَتْح وعَلى رَأسه المِغْفَرُ بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْفَاء زرد ينسج من الدروع على قدر الرَّأْس وَفِي الْمُحكم هُوَ مَا يَجْعَل من فضل درع الْحَدِيد على الرَّأْس مثل القلنسوة فَلَمَّا نَزعه جَاءَهُ رجل فَقَالَ ابْن خطل مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة فَقَالَ اقتله وَفِي حَدِيث سعيد بن يَرْبُوع عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم أَن رَسُول الله قَالَ أَرْبَعَة لَا نؤمنهم لَا فِي حل وَلَا فِي حرم الْحُوَيْرِث بن نُقيد وهلال بن خطل وَمقيس بن صُبَابة وَعبد الله بن أبي سرح قَالَ فَأَما هِلَال بن خطل فَقتله الزبير ... الحَدِيث وَحَدِيث سعد بن أبي وَقاص عِنْد الْبَزَّار وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل نَحوه قَالَ أَرْبَعَة نفر وَامْرَأَتَانِ وَقَالَ اقْتُلُوهُمْ وَإِن وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلقين بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة فَذكره لَكِن قَالَ عبد الله بن خطل بدل هِلَال وَقَالَ عِكْرِمَة بدل الْحُوَيْرِث وَلم يسم الْمَرْأَتَيْنِ وَقَالَ فَأَما عبد الله بن خطل فَأدْرك وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة فَاسْتَبق إِلَيْهِ سعيد بن حُرَيْث وعمار بن يَاسر فَسبق سعيد عماراً وَكَانَ أشب الرجلَيْن فَقتله الحَدِيث وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ أَن أَبَا بَرزَة الْأَسْلَمِيّ قتل ابْن خطل وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة // (وَإِسْنَاده صَحِيح مَعَ إرْسَاله) // وَرَوَاهُ أَحْمد من وَجه آخر وَهُوَ أصح مَا ورد فِي تعْيين قَاتله وَبِه جزم البلاذري وَغَيره من أهل الْأَخْبَار وَتحمل بَقِيَّة الرِّوَايَات على أَنهم ابتدروا قَتله وَكَانَ الْمُبَاشر لَهُ مِنْهُم أَبُو بَرزَة وَيحْتَمل أَن يكون غَيره شَاركهُ فِيهِ فقد جزم ابْن هِشَام فِي السِّيرَة بِأَن سعيد بن حُرَيْث

стр. 739

وَأَبا بَرزَة الْأَسْلَمِيّ اشْتَركَا فِيهِ وَإِنَّمَا أَمر بقتل ابْن خطل لِأَنَّهُ كَانَ مُسلما فَبَعثه مُصدقا يعْنى لأخذ الصَّدقَات وَبعث مَعَه رجلا من الْأَنْصَار وَكَانَ مَعَه مولى يَخْدمه وَكَانَ مُسلما وَنزل منزلا فَأمر الْمولى أَن يذبح تَيْسًا ويصنع لَهُ طَعَاما ونام فَاسْتَيْقَظَ وَلم يصنع لَهُ شَيْئا فَعدا عَلَيْهِ فَقتله ثمَّ ارْتَدَّ مُشْركًا وَكَانَت لَهُ قينتان تُغنيَانِ بِهِجَاء رَسُول الله وَأما الْجمع بَين الْأَقْوَال فِي اسْمه أَنه كَانَ يُسمى عبد الْعُزَّى فَلَمَّا أسلم سمى عبد الله وَأما من قَالَ هِلَال فألبس عَلَيْهِ بِأَخ لَهُ اسْمه هِلَال وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد من حَدِيث مُصعب لما كَانَ يَوْم الْفَتْح أَمن رَسُول الله النَّاس إِلَّا أَرْبَعَة نفر فَذكرهمْ ثمَّ قَالَ وَأما ابْن أبي سرح فَاخْتَبَأَ عِنْد عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ فَلَمَّا دَعَا رَسُول الله النَّاس إِلَى الْبيعَة جَاءَ بِهِ حَتَّى أوقفهُ على رَسُول الله فَقَالَ يَا نَبِي الله بَايع عبد الله فَرفع رَأسه فَنظر إِلَيْهِ ثَلَاثًا كل ذَلِك يَأْبَى فَبَايعهُ بعد ثَلَاث ثمَّ أقبل على أَصْحَابه فَقَالَ أما كَانَ رجل رشيد يقوم إِلَى هَذَا حِين كَفَفْت عَن بيعَته يقْتله فَقَالُوا يَا رَسُول الله مَا نَدْرِي مَا فِي نَفسك أَلا أَوْمَأت إِلَيْنَا قَالَ إِنَّه لَا يَنْبَغِي لنَبِيّ أَن تكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين. . الحَدِيث قَالَ مَالك كَمَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَلم يكن رَسُول الله فِيمَا نرى يَوْمئِذٍ محرما انْتهى وَقَول مَالك هَذَا رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن مَالك جَازِمًا بِهِ أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْغَرِيب وَيشْهد لَهُ مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر يَوْم فتح مَكَّة وَعَلِيهِ عِمَامَة سوداءُ بِغَيْر إحرامِ وروى ابْن أبي شيبَة // (بِإِسْنَاد صَحِيح) // عَن طَاوس قَالَ لم يدْخل النَّبِي مَكَّة إِلَّا محرما إِلَّا يَوْم فتح مَكَّة

стр. 740

وَقد اخْتلف الْعلمَاء هَل يجبُ على من دخل مَكَّة الْإِحْرَام أم لَا فَالْمَشْهُور من مَذْهَب الشَّافِعِي أَن من قَصدهَا لغير النّسك لَا يجبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَام مُطلقًا وَفِي قَول يجب إِن لم يتَكَرَّر دُخُوله كحطاب وحشاش وصياد وَالْمَشْهُور عَن الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة الْوُجُوب وَفِي رِوَايَة عَن كل مِنْهُم لَا يجب وَجزم بِهِ الْحَنَابِلَة باستثناء ذوى الْحَاجَات المتكررة وَاسْتثنى الْحَنَفِيَّة من كَانَ دَاخل الْمِيقَات وَالله أعلم وَقد زعم الْحَاكِم فِي الإكليل أَن بَين حَدِيث أنس فِي المغفر وَبَين حَدِيث جَابر فِي الْعِمَامَة السَّوْدَاء مُعَارضة وتعقبوه بِاحْتِمَال أَن يكون أول دُخُوله كَانَ على رَأسه المغفر ثمَّ أزاله وَلبس الْعِمَامَة بعد ذَلِك فَحكى كل مِنْهُمَا مَا رَآهُ وَيُؤَيِّدهُ أَن فِي حَدِيث عَمْرو بن حُرَيْث أَنه خطب النَّاس وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء أخرجه مُسلم أَيْضا وَكَانَت الْخطْبَة عِنْد بَاب الْكَعْبَة وَذَلِكَ بعد تَمام الدُّخُول وَهَذَا الْجمع للْقَاضِي عِيَاض وَقَالَ غَيره يجمع بِأَن الْعِمَامَة السَّوْدَاء كَانَت ملفوفة فَوق المغفر وَكَانَت تَحت المغفر وقاية لرأسه الشريف من صدأ الْحَدِيد فَأَرَادَ أنس بِذكر المغفر كَونه دخل متأهباً للحرب وَأَرَادَ جَابر بِذكر الْعِمَامَة كَونه دخل غير محرم وَفِي البُخَارِيّ عَن أُسَامَة بن زيد أَنه قَالَ زمن الْفَتْح يَا رَسُول الله أَيْن تنزل بِنَا غَدا قَالَ وَهل ترك لنا عَقِيلٌ من منزل وَفِي رِوَايَة هَل ترك لنا عَقِيلٌ من رباع أَو دور وَكَانَ عقيلٌ ورث أَبَا طَالب وطالباً وَلم يرثْ عَليّ وَلَا جَعْفَر شَيْئا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسلمين وَكَانَ عقيل وطالب كافرينِ إِذْ ذَاك فَكَانَ عمر بن الْخطاب يَقُول لَا يَرث الْكَافِر الْمُؤمن وَلَا الْمُؤمن الْكَافِر وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ قَالَ ﵊ منزلنا إِن شَاءَ الله إِذا فتح
следующие страницы →