Полный текст (2 217 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
حِينَئِذٍ فَمَا أصنع بالعُزى فَقَالَ لَهُ عمر بن الْخطاب ﵁ تخرأ عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان إِنَّك يَا ابْن الْخطاب رجل فَاحش وَلم أخاطبك إِنَّمَا أخاطب ابْن عمي فَقَالَ الْعَبَّاس يَا رَسُول الله
إِن أَبَا سُفْيَان رجل يحب الْفَخر فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئا قَالَ نعم وَأمر
فَنَادَى مناديه من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن وَمن دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن وَمن أغلق عَلَيْهِ بَابه فَهُوَ آمن إِلَّا المستثنين وهم كَمَا قَالَه مغلطاي وَغَيره عبد الله بن سعد بن أبي سرح أسلم وَابْن خَطَلٍ قَتله أَبُو بَرزَة وقينتاه وهما فَرتَنَا بِالْفَاءِ الْمَفْتُوحَة وَالرَّاء الساكنة والمثناة الْفَوْقِيَّة وَالنُّون وقُلَيبَة بِالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَة مُصَغرًا أسلمت إِحْدَاهمَا وَقتلت الْأُخْرَى وسَارَة مولاة لبني الْمطلب وَيُقَال كَانَت مولاة عمر بن ضبع بن هِشَام وأرْنَب علم امْرَأَة وقرينة قتلت وَعِكْرِمَة بن أبي جهل أسلم والْحَارث بن نفَيْل قَتله عَليّ وَمقيس بن صُبَابة بِمُهْملَة مَضْمُومَة وموحدتين الأولى خَفِيفَة قَتله نميلَة اللَّيْثِيّ وَهَبَّار بن الْأسود أسلم وَهُوَ الَّذِي عرض لِزَيْنَب بنت رَسُول الله
حِين هَاجَرت فَنَخَسَ بَعِيرهَا حَتَّى سقطَت على صَخْرَة وأسقطت جَنِينهَا وَكَعب بن زُهَيْر أسلم وَهِنْد بنت عتبَة أسلمت وَوَحْشِي بن حَرْب أسلم انْتهى وَابْن خَطَلٍ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة والطاء الْمُهْملَة وَابْن نُقَيدٍ بِضَم النُّون وَفتح الْقَاف وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة آخِره دَال مُهْملَة وَقد جمع الْوَاقِدِيّ عَن شُيُوخه أَسمَاء من لم يُؤمن يَوْم الْفَتْح وَأمر بقتل عشرَة أنفس سِتَّة رجال وَأَرْبع نسْوَة روى أَحْمد وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ أقبل رَسُول الله
وَقد بعث على إِحْدَى المجنبتين خَالِد بن الْوَلِيد وَبعث الزبير على الْأُخْرَى وَبعث أَبَا عُبَيْدَة على الحُسر بِضَم الْمُهْملَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة أَي الَّذين بِغَيْر سلَاح فَقَالَ لي يَا أَبَا هُرَيْرَة اهتف لي بالأنصار فهتفت بهم فَجَاءُوا فطافوا بِهِ فَقَالَ لَهُم ترَوْنَ إِلَى أوباش قُرَيْش وأتباعهم فَقَالَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ على الْأُخْرَى احصدوهم حصداً حَتَّى توافوني بالصفا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَانْطَلَقْنَا فَمَا نشَاء أَن نقْتل أحدا مِنْهُم إِلَّا قَتَلْنَاهُ فجَاء أَبُو سُفْيَان فَقَالَ يَا رَسُول الله أُبيحت خضراء قُرَيْش لَا قّريشَ بعد الْيَوْم فَقَالَ
من أغلق بَابه
стр. 737
فَهُوَ آمن قَالَ فِي فتح الْبَارِي وَقد تمسك بِهِ من قَالَ إِن مَكَّة فتحت عنْوَة وَهُوَ قَول الْأَكْثَر وَعَن الشَّافِعِي وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد إِنَّهَا فتحت صلحا لما وَقع من هَذَا التَّأْمِين ولإضافة الدّور إِلَى أَهلهَا لِأَنَّهَا لم تقسم وَلِأَن الْغَانِمين لم يملكُوا دورها وَإِلَّا لجَاز إِخْرَاج أهل الدّور مِنْهَا وَحجَّة الْأَوَّلين مَا وَقع التَّصْرِيح بِهِ من الْأَمر بِالْقِتَالِ ووقوعه بِخَالِد بن الْوَلِيد وبتصريحه ﵊ بِأَنَّهَا أحلتْ لَهُ سَاعَة من نَهَار وَنَهْيه عَن التأسي بِهِ فِي ذَلِك وَأَجَابُوا عَن ترك الْقِسْمَة بِأَنَّهَا لَا تَسْتَلْزِم عدم الْقِسْمَة وَقد تفتح الْبَلَد عنْوَة ويمن على أَهلهَا وتترك لَهُم دُورهمْ قَالَ وَأما قَول النَّوَوِيّ وَاحْتج الشَّافِعِي بالأحاديث الْمَشْهُورَة أَن النَّبِي
صَالحهمْ على مر الظهْرَان قبل دُخُول مَكَّة فَفِيهِ نظر لِأَن الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ إِن كَانَ مُرَاده مَا وَقع من قَوْله
من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن كَمَا تقدم وَكَذَا من دخل الْمَسْجِد كَمَا عِنْد ابْن إِسْحَاق فَإِن ذَلِك لَا يُسمى صلحا إِلَّا إِذا الْتزم من أَشَارَ إِلَيْهِ بذلك الْكَفّ عَن الْقِتَال وَالَّذِي ورد فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ظَاهر فِي أَن قُريْشًا لم يلتزموا ذَلِك لأَنهم اسْتَعدوا للحرب وَإِن كَانَ مُرَاده بِالصُّلْحِ وقوعَ عقده فَهَذَا لم ينْقل وَمَا أَظُنهُ عَنى إِلَّا الِاحْتِمَال الأول وَفِيه مَا ذكرته انْتهى ثمَّ دخل
فِي كتيبته الخضراء وَهُوَ على نَاقَته الْقَصْوَاء بَين أبي بكر وَأسيد بن حضير فَرَأى أَبُو سُفْيَان مَا لَا قبل لَهُ بُد فَقَالَ للْعَبَّاس يَا أَبَا الْفضل لقد أصبح مَالك ابْن أَخِيك عَظِيما فَقَالَ الْعَبَّاس وَيحك إِنَّه لَيْسَ بملكٍ وَلكنهَا النُّبُوَّة قَالَ نعم روى أَنه
وضع رَأسه تواضعاً لله لما رأى مَا أكْرمه الله بِهِ من الْفَتْح حَتَّى إِن رَأسه ليكاد يُمْسِي مقدم رَحْله شكرا وخضوعاً لعظمته إِذْ أحل لَهُ بَلَده وَلم يحله
стр. 738
لأحد قبله وَلَا لأحد بعده وَفِي البُخَارِيّ من حَدِيث أنس أَن النَّبِي
دخل مَكَّة يَوْم الْفَتْح وعَلى رَأسه المِغْفَرُ بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْفَاء زرد ينسج من الدروع على قدر الرَّأْس وَفِي الْمُحكم هُوَ مَا يَجْعَل من فضل درع الْحَدِيد على الرَّأْس مثل القلنسوة فَلَمَّا نَزعه جَاءَهُ رجل فَقَالَ ابْن خطل مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة فَقَالَ اقتله وَفِي حَدِيث سعيد بن يَرْبُوع عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم أَن رَسُول الله
قَالَ أَرْبَعَة لَا نؤمنهم لَا فِي حل وَلَا فِي حرم الْحُوَيْرِث بن نُقيد وهلال بن خطل وَمقيس بن صُبَابة وَعبد الله بن أبي سرح قَالَ فَأَما هِلَال بن خطل فَقتله الزبير ... الحَدِيث وَحَدِيث سعد بن أبي وَقاص عِنْد الْبَزَّار وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل نَحوه قَالَ أَرْبَعَة نفر وَامْرَأَتَانِ وَقَالَ اقْتُلُوهُمْ وَإِن وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلقين بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة فَذكره لَكِن قَالَ عبد الله بن خطل بدل هِلَال وَقَالَ عِكْرِمَة بدل الْحُوَيْرِث وَلم يسم الْمَرْأَتَيْنِ وَقَالَ فَأَما عبد الله بن خطل فَأدْرك وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة فَاسْتَبق إِلَيْهِ سعيد بن حُرَيْث وعمار بن يَاسر فَسبق سعيد عماراً وَكَانَ أشب الرجلَيْن فَقتله الحَدِيث وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ أَن أَبَا بَرزَة الْأَسْلَمِيّ قتل ابْن خطل وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة // (وَإِسْنَاده صَحِيح مَعَ إرْسَاله) // وَرَوَاهُ أَحْمد من وَجه آخر وَهُوَ أصح مَا ورد فِي تعْيين قَاتله وَبِه جزم البلاذري وَغَيره من أهل الْأَخْبَار وَتحمل بَقِيَّة الرِّوَايَات على أَنهم ابتدروا قَتله وَكَانَ الْمُبَاشر لَهُ مِنْهُم أَبُو بَرزَة وَيحْتَمل أَن يكون غَيره شَاركهُ فِيهِ فقد جزم ابْن هِشَام فِي السِّيرَة بِأَن سعيد بن حُرَيْث
стр. 739
وَأَبا بَرزَة الْأَسْلَمِيّ اشْتَركَا فِيهِ وَإِنَّمَا أَمر بقتل ابْن خطل لِأَنَّهُ كَانَ مُسلما فَبَعثه
مُصدقا يعْنى لأخذ الصَّدقَات وَبعث مَعَه رجلا من الْأَنْصَار وَكَانَ مَعَه مولى يَخْدمه وَكَانَ مُسلما وَنزل منزلا فَأمر الْمولى أَن يذبح تَيْسًا ويصنع لَهُ طَعَاما ونام فَاسْتَيْقَظَ وَلم يصنع لَهُ شَيْئا فَعدا عَلَيْهِ فَقتله ثمَّ ارْتَدَّ مُشْركًا وَكَانَت لَهُ قينتان تُغنيَانِ بِهِجَاء رَسُول الله
وَأما الْجمع بَين الْأَقْوَال فِي اسْمه أَنه كَانَ يُسمى عبد الْعُزَّى فَلَمَّا أسلم سمى عبد الله وَأما من قَالَ هِلَال فألبس عَلَيْهِ بِأَخ لَهُ اسْمه هِلَال وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد من حَدِيث مُصعب لما كَانَ يَوْم الْفَتْح أَمن رَسُول الله
النَّاس إِلَّا أَرْبَعَة نفر فَذكرهمْ ثمَّ قَالَ وَأما ابْن أبي سرح فَاخْتَبَأَ عِنْد عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ فَلَمَّا دَعَا رَسُول الله
النَّاس إِلَى الْبيعَة جَاءَ بِهِ حَتَّى أوقفهُ على رَسُول الله
فَقَالَ يَا نَبِي الله بَايع عبد الله فَرفع رَأسه فَنظر إِلَيْهِ ثَلَاثًا كل ذَلِك يَأْبَى فَبَايعهُ بعد ثَلَاث ثمَّ أقبل على أَصْحَابه فَقَالَ أما كَانَ رجل رشيد يقوم إِلَى هَذَا حِين كَفَفْت عَن بيعَته يقْتله فَقَالُوا يَا رَسُول الله مَا نَدْرِي مَا فِي نَفسك أَلا أَوْمَأت إِلَيْنَا قَالَ إِنَّه لَا يَنْبَغِي لنَبِيّ أَن تكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين. . الحَدِيث قَالَ مَالك كَمَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَلم يكن رَسُول الله
فِيمَا نرى يَوْمئِذٍ محرما انْتهى وَقَول مَالك هَذَا رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن مَالك جَازِمًا بِهِ أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْغَرِيب وَيشْهد لَهُ مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر
يَوْم فتح مَكَّة وَعَلِيهِ عِمَامَة سوداءُ بِغَيْر إحرامِ وروى ابْن أبي شيبَة // (بِإِسْنَاد صَحِيح) // عَن طَاوس قَالَ لم يدْخل النَّبِي
مَكَّة إِلَّا محرما إِلَّا يَوْم فتح مَكَّة
стр. 740
وَقد اخْتلف الْعلمَاء هَل يجبُ على من دخل مَكَّة الْإِحْرَام أم لَا فَالْمَشْهُور من مَذْهَب الشَّافِعِي أَن من قَصدهَا لغير النّسك لَا يجبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَام مُطلقًا وَفِي قَول يجب إِن لم يتَكَرَّر دُخُوله كحطاب وحشاش وصياد وَالْمَشْهُور عَن الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة الْوُجُوب وَفِي رِوَايَة عَن كل مِنْهُم لَا يجب وَجزم بِهِ الْحَنَابِلَة باستثناء ذوى الْحَاجَات المتكررة وَاسْتثنى الْحَنَفِيَّة من كَانَ دَاخل الْمِيقَات وَالله أعلم وَقد زعم الْحَاكِم فِي الإكليل أَن بَين حَدِيث أنس فِي المغفر وَبَين حَدِيث جَابر فِي الْعِمَامَة السَّوْدَاء مُعَارضة وتعقبوه بِاحْتِمَال أَن يكون أول دُخُوله كَانَ على رَأسه المغفر ثمَّ أزاله وَلبس الْعِمَامَة بعد ذَلِك فَحكى كل مِنْهُمَا مَا رَآهُ وَيُؤَيِّدهُ أَن فِي حَدِيث عَمْرو بن حُرَيْث أَنه خطب النَّاس وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء أخرجه مُسلم أَيْضا وَكَانَت الْخطْبَة عِنْد بَاب الْكَعْبَة وَذَلِكَ بعد تَمام الدُّخُول وَهَذَا الْجمع للْقَاضِي عِيَاض وَقَالَ غَيره يجمع بِأَن الْعِمَامَة السَّوْدَاء كَانَت ملفوفة فَوق المغفر وَكَانَت تَحت المغفر وقاية لرأسه الشريف من صدأ الْحَدِيد فَأَرَادَ أنس بِذكر المغفر كَونه دخل متأهباً للحرب وَأَرَادَ جَابر بِذكر الْعِمَامَة كَونه دخل غير محرم وَفِي البُخَارِيّ عَن أُسَامَة بن زيد أَنه قَالَ زمن الْفَتْح يَا رَسُول الله أَيْن تنزل بِنَا غَدا قَالَ
وَهل ترك لنا عَقِيلٌ من منزل وَفِي رِوَايَة هَل ترك لنا عَقِيلٌ من رباع أَو دور وَكَانَ عقيلٌ ورث أَبَا طَالب وطالباً وَلم يرثْ عَليّ وَلَا جَعْفَر شَيْئا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسلمين وَكَانَ عقيل وطالب كافرينِ إِذْ ذَاك فَكَانَ عمر بن الْخطاب يَقُول لَا يَرث الْكَافِر الْمُؤمن وَلَا الْمُؤمن الْكَافِر وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ قَالَ ﵊ منزلنا إِن شَاءَ الله إِذا فتح
стр. 741
الله الْخيف حَيْثُ تقاسموا على الْكفْر يعْنى بِهِ المحصب وَذَلِكَ أَن قُريْشًا وكنانة تحالفت على بني هَاشم وَالْمطلب أَلا يناكحوهم وَلَا يبايعوهم حَتَّى يسلمُوا إِلَيْهِم النَّبِي
كَمَا تقدم وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ أَن يَوْم فتح مَكَّة اغْتسل فِي بَيت أم هانىء ثمَّ صلى الضُّحَى ثَمَانِي رَكْعَات قَالَت لم أره صلى صَلَاة أخف مِنْهَا غير أَنه يتم الرُّكُوع وَالسُّجُود وأجارت أم هانىء حموين لَهَا فَقَالَ النَّبِي
قد أجرنا من أجرت يَا أم هانىء وَالرجلَانِ الْحَارِث بن هِشَام وَزُهَيْر بن أُميَّة بن الْمُغيرَة كَمَا قَالَ ابْن هِشَام وَقد كَانَ أَخُوهَا عَليّ بن أبي طَالب أَرَادَ أَن يقتلهما فأغلقتْ عَلَيْهِمَا بَاب بَيتهَا وَذَهَبت إِلَى النَّبِي
وَلما كَانَ الْغَد من يَوْم الْفَتْح قَامَ ﵊ خَطِيبًا فِي النَّاس فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ومجده بِمَا هُوَ أَهله ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس إِن لله حرم مَكَّة يَوْم خلق السَّمَوَات والأرضَ فهى حرَام بِحرْمَة الله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَلَا يحل لامرىء يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن يسفك بهَا دَمًا أَو يَعضُدَ بهَا شَجَرَة فَإِن أحد ترخص فِيهَا لقِتَال فَقولُوا إِن الله أذن لرَسُوله وَلم يَأْذَن لكم وَإِنَّمَا أحلَّتْ لي سَاعَة من نَهَار وَقد عَادَتْ حرمتهَا الْيَوْم كحرمتها بالْأَمْس فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب ثمَّ قَالَ يَا معشر قُرَيْش مَا ترَوْنَ أَنِّي فَاعل فِيكُم قَالُوا خيرا أَخ كريم وَابْن أَخ كريم قَالَ اذْهَبُوا فَأنْتم الطُّلَقَاء أَي الَّذين أطْلقُوا فَلم يسترقوا وَلم يؤسروا والطليق الْأَسير إِذا أطلق وَالْمرَاد بالساعة الَّتِي أحلتْ لَهُ ﵊ مَا بَين أول النَّهَار وَدخُول الْعَصْر كَذَا قَالَه فِي فتح الْبَارِي قَالَ فِي الْمَوَاهِب وَلَقَد أَجَاد الْعَلامَة أَبُو مُحَمَّد السَّرقسْطِي حَيْثُ يَقُول فِي قصيدته الْمَشْهُورَة // (من الْبَسِيط) //
(وَيَوْم مكَّة إذْ أشرفْتَ فِي أممٍ ... يضيقُ عَنْهَا فِجَاجُ الوَعْثِ والسهلِ)
стр. 742
(خوافقٌ ضَاقَ ذَرْعُ الخافقَيْنِ بهَا ... فِي قائمٍ من عَجَاجِ الخَيْلِ والإِبلِ ... )
(وَجَحْفَلٍ قَذَفَ الأرْجَاءَ ذِي لَجَبٍ ... عَرَمرَمٍ كَزُهَاءِ الليلِ مُنْسَجِلِ)
(وأنتَ صلَّى عليكَ الله تقدمُهُمْ ... فِي بَهْوِ إشراقِ نورٍ مِنْك مُكْتَمِلِ)
(تنيرُ فوقَ أغرِّ الوجهِ منتجبٍ ... متوِّجٍ بعزيزِ النَّصْرِ مُقْتبلِ)
(تسمو أمامَ جنودِ الله مُرْتدياً ... ثوبَ الوَقَارِ لأمرِ اللهِ ممتثلِ)
(خَشَعْتَ تحْتَ بهاء العزِّ حِين سمَتْ ... بكَ المهابةُ فعلَ الخائفِ الوَجِلِ)
(وَقد تباشرْنَ أملاكُ السماءِ بِمَا ... مَلَكْتَ إِذْ نلْتَ مِنْهُ غايةَ الأملِ)
(والأرضُ تَرْجِفُ من زَهْوٍ وَمن فَرَقٍ ... والجوُّ يُزْهِرُ إشراقاً من الجَذَلِ)
(والخيلُ تَخْتَألُ زهواً فِي أَعِنَّتها ... والعيشُ يَنْثَالُ زَهْواً فِي ثنى الجدلِ)
(لَوْلَا الَّذِي خطَّتِ الأقلامُ من قدرٍ ... وسابقٍ مِنْ قضاءٍ غيرِ ذِي حولِ)
(أهلِّ ثهلانُ بالتهليلِ من طربٍ ... وذابَ يذبلُ تهليلاً من الذبلِ)
(المُلكُ لله هَذَا عزَ من عقدَتْ ... لَهُ النبوَّةُ فوقَ العرشِ فِي الأزلِ)
(شعبتَ صدْعَ قريشٍ بعد مَا قذفَتْ ... بهمْ شعوبٌ شعابَ السهلِ والقللِ)
(قَالُوا محمدُ قد زارَتء كتائبُه ... كالأسْدِ تزأرُ فِي أنيابِهِ العصلِ)
(فويلَ مكَّةَ من آثارِ وطأتِهِ ... وويلَ أم قريشٍ من جوى الهبلِ)
(فجدت عفوا بفضلِ العفوِ منكَ ولمْ ... تلممْ وَلَا بأليمِ اللومِ والعذلِ)
(ضربْتَ بالصفحِ صفحاً عَن غوائِلِهِمْ ... طولا أطالَ مقيل النومِ فِي المقلِ)
(رحمتَ واشج أرحامٍ أتيحَ لَهَا ... تحتَ الوشيجِ نَسِيج الروعِ والوجلِ)
(عاذوا بظلِّ كريمِ الْعَفو ذِي لطفٍٍ ... مباركِ الوجْهِ بالتوفيقِ مشتملِ)
(أزكى الخليقةِ أَخْلَاقًا وأظْهرها ... وأَكْرَم الناسِ صفحاً عَن ذوى الزلل)
(وطفْت بِالْبَيْتِ محبوراً وطافَ بِهِ ... مَنْ كانَ عَنهُ قبيل الفتحِ فِي شغلِ)
والجحفل الْجَيْش الْعَظِيم قذف الأرجاء أَي متباعدها واللجب بِالْجِيم الضجة من كَثْرَة الْأَصْوَات والعرمرم الضخم الْكثير الْعدَد وَقَوله كزهاء اللَّيْل شبهه بِاللَّيْلِ فِي سَده الْأُفق واسوداده بِالسِّلَاحِ والمنسحل بِالْحَاء الْمُهْملَة الْمَاضِي فِي سيره يتبع بعضه بَعْضًا قَوْله فِي بهو إشراق نور شبه
стр. 743
الَّذِي يَغْشَاهُ ﵊ ببهو أحَاط بِهِ والبهو الْبناء العالي كالإيوان وَنَحْوه والمنتجب المتخير من أصل نجيب كريم المقتبل الْمُسْتَقْبل ترجف تهتز والزهو الخفة من الطَّرب يَعْنِي أَن الأَرْض اهتزت فَرحا بِهَذَا الْجَيْش وفرقاً من صولته أَي كَادَت تهتز قَالَ تَعَالَى ﴿إِذ جَاءُوكم مِن فَوقكِم وَمِن أسفَلَ مِنكُم وَإِذ زاغت الْأَبْصَار وَبَلغت الْقُلُوب الحنجر﴾ أَي كَادَت تبلغ الجدل جمع جديل وَهُوَ الزِّمَام المضفور وَثني الجدل مَا انثنى على أَعْنَاق الْإِبِل أَي انعطف وثهلان جبل مَعْرُوف وأهَلَ رفع صَوته ويذبلُ جبل أَيْضا والذبل الرماح الذوابل وَهِي الَّتِي لم تقطع من منابتها حَتَّى ذبلت أَي جَفتْ ويبست وتهليلاً أَي جبنا وفزعاً يَعْنِي لَوْلَا مَا سبق من تَقْدِير الله أَن الْجبَال لَا تنطق لرفع ثهلان صَوته وَهَلل من الطَّرب ولذاب يذبل من الْجزع وَالْفرق وَقَوله شعبت أَي جمعت وأصلحت وقذفت أَي فرقت بهم مَخَافَة شعوب وشعوب اسْم للمنية لِأَنَّهَا تفرق الْجَمَاعَات من شعبت أَي فرقت وَهُوَ من الأضداد والشعاب الطّرق فِي الْجبَال والسهل خلاف الْجَبَل والقلل رُءُوس الْجبَال يَعْنِي أَنه
عَفا عَنْهُم بَعْدَمَا تصدعوا أَي تفَرقُوا وهربوا من خَوفه إِلَى كل سهل وجبل وَقَوله كالأسد تزأر فِي أنيابها العصل أَي المعوجة وَالله أعلم وَلما فتح الله مَكَّة على رَسُوله
قَالَ الْأَنْصَار فِيمَا بَينهم أتَرَوْنَ أَن رَسُول الله
إِذْ فتح الله عَلَيْهِ أرضه وبلده يقيمُ بهَا وَكَانَ ﵊ يَدْعُو على الصَّفَا رَافعا يَدَيْهِ فَلَمَّا فرغ من دُعَائِهِ قَالَ مَاذَا قُلْتُمْ قَالُوا لَا شَيْء يَا رَسُول الله فَلم يزل بهم حَتَّى أَخْبرُوهُ فَقَالَ
معَاذ الله الْمحيا محياكم والمماتُ مماتكم وهَم فضَالة بن عُمَيْر بن الملوح أَن يقتل رَسُول الله
وَهُوَ
стр. 744
يطوف بِالْبَيْتِ فَلَمَّا دنا مِنْهُ قَالَ لَهُ رَسُول الله
أفضالة قَالَ نَعَمْ يَا رَسُول الله قَالَ مَاذَا كنت تحدَّثُ بِهِ نَفسك قَالَ لَا شَيْء كنت أذكر الله فَضَحِك رَسُول الله
ثمَّ قَالَ اسْتغْفر الله ثمَّ وضع يَده على صَدره فسكن قلبه وَكَانَ فضَالة يَقُول وَالله مَا رفع يَده عَن صَدْرِي حَتَّى مَا خلق الله شَيْئا أحب إِلَيّ مِنْهُ وَطَاف
بِالْبَيْتِ يَوْم الْجُمُعَة لعشر بَقينَ من رَمَضَان وَكَانَ حول الْبَيْت ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ صنماً فَكلما مر بصنم أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَضِيبِهِ وَهُوَ يَقُول جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقاً فَيَقَع الصَّنَم لوجهه رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَفِي رِوَايَة أبي نعيم قد ألزقها الشَّيَاطِين بالرصاص والنحاس وَفِي تَفْسِير الْعَلامَة ابْن النَّقِيب الْمَقْدِسِي أَن الله تَعَالَى لما أعلمهُ بِأَنَّهُ قد أنْجز لَهُ وعده بالنصر على أعدائه وفتحه مَكَّة وإعلائه كلمة دينه أمره إِذا دخل مَكَّة أَن يَقُول وَقل جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل فَصَارَ
يطعن الْأَصْنَام الَّتِي حول الْكَعْبَة بِمِحْجَنِهِ وَيَقُول جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل فيخر الصَّنَم سَاقِطا مَعَ أَنَّهَا كَانَت كلهَا مثبتة بالحديد والرصاص وَكَانَت ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ صنماً بِعَدَد أَيَّام السّنة قَالَ وَفِي معنى الْحق وَالْبَاطِل لعلماء التَّفْسِير أَقْوَال قَالَ قَتَادَة جَاءَ الْحق الْقُرْآن وَذهب الشَّيْطَان وَقَالَ ابْن جريج جَاءَ الْجِهَاد وَذهب الشّرك وَقَالَ مقَاتل جَاءَت عبَادَة الله وَذَهَبت عبَادَة الشَّيْطَان وَقَالَ ابْن عَبَّاس وجد رَسُول الله
يَوْم الْفَتْح حول الْبَيْت ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ صنماً كَانَت لقبائل الْعَرَب يحجون إِلَيْهَا وينحرون لَهَا فَشَكا الْبَيْت إِلَى الله تَعَالَى فَقَالَ أَي ربِّ حَتَّى مَتى تعبد هَذِه الْأَصْنَام حَولي دُونك فَأوحى الله إِلَيْهِ إِنِّي
стр. 745
سأحدث لَك نوبَة جَدِيدَة يدفُّونَ إِلَيْك دفوف النسور ويحنون إِلَيْك حنين الطير إِلَى بيضها لَهُم عجيج حولك بِالتَّلْبِيَةِ قَالَ وَلما نزلت الْآيَة يَوْم الْفَتْح قَالَ جِبْرِيل ﵊ لرَسُول الله
خُذ مخصرتك ثمَّ ألقها فَجعل يَأْتِي الصَّنَم فيطعن فِي عينه أَو بَطْنه بمخصرته وَيَقُول جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل فَينكب الصَّنَم لوجهه حَتَّى أَلْقَاهَا جَمِيعًا وَبَقِي صنم خُزَاعَة فَوق الْكَعْبَة وَكَانَ من قَوَارِير صفر فَقَالَ يَا عَليّ ارمِ بِهِ فَحَمله عَليّ حَتَّى صعد ورمَى بِهِ وكسره فَجعل أهل مَكَّة يتعجبون مِنْهُ انْتهى وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما قدم
أَبى أَن يدْخل الْبَيْت وَفِيه الْآلهَة فَأمر بهَا فأخرجَتْ فأخرجوا صُورَة إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل فِي أَيْدِيهِمَا الأزلام يَعْنِي القداح الَّتِي كَانُوا يستقسمون بهَا فَقَالَ رَسُول الله
قَاتلهم الله أما وَالله لقد علمُوا أَنَّهُمَا لم يستقسما بهَا قطّ فَدخل الْبَيْت وَكبر فِي نواحيه وَلم يصل رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَعَن ابْن عمر قَالَ أقبل رَسُول الله
عَام الْفَتْح على نَاقَته القَصْوَاء وَهُوَ مردف أُسَامَة حَتَّى أَنَاخَ بِفنَاء الْكَعْبَة ثمَّ دَعَا عُثْمَان بن طَلْحَة فَقَالَ ائْتِنِي بالمفتاح فَذهب إِلَى أمه فَأَبت أَن تعطيه فَقَالَ لتعطينه أَو ليخرجن هَذَا السَّيْف من صلبي فَأَعْطَتْهُ إِيَّاه فجَاء بِهِ إِلَى النَّبِي
فَدفعهُ إِلَيْهِ فَفتح الْبَاب رَوَاهُ مُسلم وروى الفاكهي من طَرِيق ضَعِيفَة عَن ابْن عمر أَيْضا قَالَ كَانَ بَنو طَلْحَة يَزْعمُونَ أَنه لَا يَسْتَطِيع أحد فتح الْكَعْبَة غَيرهم فَأخذ رَسُول الله
الْمِفْتَاح فَفَتحهَا بِيَدِهِ وَعُثْمَان الْمَذْكُور هُوَ عُثْمَان بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة بن عبد الْعزي وَيُقَال لَهُ الحَجَبي بِفَتْح الْمُهْملَة وَالْجِيم وَبَنوهُ يعْرفُونَ الْآن بالشيبيين نِسْبَة إِلَى شيبَة بن عُثْمَان ابْن أبي طَلْحَة وَهُوَ ابْن عَم عُثْمَان وَعُثْمَان هَذَا لَا وَلَدَ لَهُ وَله صُحْبَة وَرِوَايَة وَاسم أم عُثْمَان سُلآفَة بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْفَاء
стр. 746
وَفِي الطَّبَقَات لِابْنِ سعد عَن عُثْمَان بن طَلْحَة قَالَ كُنَّا نفتح الْكَعْبَة فِي الْجَاهِلِيَّة يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فَأقبل النَّبِي
يَوْمًا يُرِيد أَن يدْخل الْكَعْبَة مَعَ النَّاس فأغلطت لَهُ ونلت مِنْهُ فحلم عَليّ ثمَّ قَالَ يَا عُثْمَان لَعَلَّك سترى هَذَا الْمِفْتَاح يَوْمًا بيَدي أَضَعهُ حَيْثُ شئتُ فَقلت لقد هلكَتْ قُرَيْش يَوْمئِذٍ وذلَتْ قَالَ بل عمرت وعزت يَوْمئِذٍ وَدخل الْكَعْبَة فوَقعت كَلمته مني موقعاً ظَنَنْت أَن الْأَمر يَوْمئِذٍ سيصير إِلَى مَا قَالَ فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح قَالَ يَا عُثْمَان ائْتِنِي بالمفتاح فَأَتَيْته بِهِ فَأَخذه منى ثمَّ دَفعه إِلَيّ وَقَالَ خذوها خالدة تالدة لَا يَنْزِعهَا مِنْكُم إِلَّا ظَالِم يَا عُثْمَان إِن الله استأمنكم على بَيته فَكُلُوا مِمَّا يصل إِلَيْكُم من هَذَا الْبَيْت بِالْمَعْرُوفِ فَلَمَّا وليت ناداني فَرَجَعت إِلَيْهِ فَقَالَ ألم يكن الَّذِي قلت لَك قَالَ فَذكرت قَوْله فِي بِمَكَّة قبيل الْهِجْرَة لَعَلَّك سترى هَذَا الْمِفْتَاح يَوْمًا بيَدي أَضَعهُ حَيْثُ شِئْت قلت بلَى أشهد أَنَّك رَسُول الله وَفِي التفسر أَن هَذِه الْآيَة ﴿إِن اللهَ يَأمُرُكُم أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ نزلت فِي عُثْمَان بن طَلْحَة الحَجبي أمره ﵊ أَن يَأْتِيهِ بمفتاح الْكَعْبَة فَأبى عَلَيْهِ وأغلق بَاب الْبَيْت وَصعد إِلَى السَّطْح وَقَالَ لَو علمت أَنه رَسُول الله
لم أمْنَعهُ فَلوى عَليّ يَده وَأخذ مِنْهُ الْمِفْتَاح وَفتح الْبَاب قلت يتَعَيَّن أَن يكون المُرَاد بِالْبَيْتِ فِي وأغلق بَاب الْبَيْت بيتَ نفسِهِ إِذْ لَو كَانَ المُرَاد بِالْبَيْتِ الْكَعْبَة لَا يُمكن عليا كرم الله وَجهه لَيُ يَده وَأما فِي بَيت نَفسه فَيمكن ذَلِك بِنَحْوِ قلع الْبَاب أَو كَسره وَالله أعلم فَدخل
الْبَيْت فَلَمَّا خرج سَأَلَهُ الْعَبَّاس أَن يُعْطِيهِ الْمِفْتَاح وَيجمع لَهُ بَين السِّقَايَة والسدانة فَأنْزل الله الْآيَة وَأمر
عليا أَن يرد الْمِفْتَاح إِلَى عُثْمَان وَيعْتَذر إِلَيْهِ فَفعل ذَلِك عَليّ فَقَالَ أكرهت وَآذَيْت ثمَّ جِئْت ترفق فَقَالَ عَليّ لقد أنزل الله فِي شَأْنك وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْآيَة فَقَالَ عُثْمَان أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فجَاء جِبْرِيل فَقَالَ مَا دَامَ هَذَا الْبَيْت أَو لبنة من لبنَاته قَائِمَة فَإِن الْمِفْتَاح والسدانة فِي أَوْلَاد عُثْمَان فَكَانَ الْمِفْتَاح مَعَه فَلَمَّا مَاتَ دَفعه إِلَى شيبَة فالمفتاح والسدانة فِي
стр. 747
أَوْلَادهم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ ابْن ظفر فِي ينبوع الْحَيَاة قَوْله وَلَو أعلم أَنه رَسُول الله لم أمْنَعهُ هَذَا وهم لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّن أسلم فَلَو قَالَ هَذَا كَانَ مُرْتَدا وَعَن الْكَلْبِيّ لما طلب ﵊ الْمِفْتَاح من عُثْمَان مد بِهِ يَده إِلَيْهِ فَقَالَ الْعَبَّاس يَا رَسُول الله اجْعَلْهَا مَعَ السِّقَايَة فَقبض عُثْمَان يَده بالمفتاح فَقَالَ لَهُ
إِن كنت يَا عُثْمَان تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فهاته فَقَالَ هاكه بالأمانة فَأعْطَاهُ إِيَّاه وَنزلت الْآيَة قَالَ ابْن ظفر وَهَذَا أولى بِالْقبُولِ وَفِي رِوَايَة لمُسلم دخل رَسُول الله
هُوَ وَأُسَامَة بن زيد وبلال وَعُثْمَان بن طَلْحَة الحَجبي فأغلقوا عَلَيْهِم الْبَاب قَالَ ابْن عمر فَلَمَّا فتحُوا كنت أول من ولج فَلَقِيت بِلَالًا فَسَأَلته هَل صلى فِيهِ رَسُول الله
قَالَ نعم بَين العمودين اليمانيين وَذهب عني أَن أسأله كم صلى وَفِي رِوَايَات البُخَارِيّ جعل عموداً عَن يسَاره وعموداً عَن يَمِينه وَثَلَاثَة أعمدة وَرَاءه وَلَيْسَ بَين الرِّوَايَتَيْنِ مُخَالفَة لَكِن قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَكَانَ الْبَيْت يَوْمئِذٍ على سِتَّة أعمدة كَأَنَّهُ يشْعر بِكَوْن مَا عَن يَمِينه أَو يسَاره كَانَ اثْنَيْنِ وَلِهَذَا أعقبه البُخَارِيّ بِرِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أبي أويس الَّتِي قَالَ فِيهَا عمودين عَن يَمِينه وَيُمكن الْجَمِيع بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ حَيْثُ ثَنَّى أَشَارَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْبَيْت فِي زَمَنه
وَحَيْثُ أفرد أَشَارَ إِلَى مَا صَار إِلَيْهِ بعد ذَلِك ويرشد إِلَيْهِ قَوْله وَكَانَ الْبَيْت يومئد لِأَن فِيهِ إشعاراً بِأَنَّهُ تغير عَن هَيئته الأولى وَيحْتَمل أَن يُقَال لم تكن الأعمدة الثَّلَاثَة على سمت وَاحِد بل اثْنَان على سمت وَالثَّالِث على غير سمتهما وَلَفظ الْمُتَقَدِّمين فِي إِحْدَى رِوَايَات البُخَارِيّ مشْعر بذلك وَفِي رِوَايَة لمُسلم جعل عمودين عَن يسَاره وعموداً عَن يَمِينه عكس رِوَايَة إِسْمَاعِيل وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِي وَبشر بن عَمْرو فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا وَجمع بعض الْمُتَأَخِّرين بَين هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ بِاحْتِمَال تعدد الْوَاقِعَة وَهُوَ بعيد
стр. 748
لِاتِّحَاد مخرج الحَدِيث وَقد جزم الْبَيْهَقِيّ بترجيح رِوَايَة إِسْمَاعِيل وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ ابْن الْعَرَبِيّ والقعنبي وَأَبُو مُصعب وَمُحَمّد بن الْحسن وَأَبُو حذافة وَكَذَلِكَ الشَّافِعِي وَابْن مهْدي فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا انْتهى مخلصا من فتح الْبَارِي وَقد بَين مُوسَى بن عقبَة فِي رِوَايَته عَن نَافِع أَن بَين موقفه
وَبَين الْجِدَار الَّذِي استقبله قريب من ثَلَاثَة أَذْرع وَجزم بِرَفْع هَذِه الزِّيَادَة مَالك عَن نَافِع فِيمَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْغَزْو وَلَفظه وَصلى بَينه وَبَين الْقبْلَة ثَلَاثَة أَذْرع وَفِي كتاب مَكَّة للفاكهي والأزرقي أَن مُعَاوِيَة سَأَلَ ابْن عمر أَيْن صلى رَسُول الله
فَقَالَ اجْعَل بَيْنك وَبَين الْجِدَار ذراعين أَو ثَلَاثَة فعلى هَذَا يَنْبَغِي لمن أَرَادَ الِاتِّبَاع فِي ذَلِك أَن يَجْعَل بَينه وَبَين الْجِدَار ثَلَاثَة أَذْرع فَإِنَّهُ تقع قدماه فِي مَكَان قَدَمَيْهِ
إِن كَانَ ثَلَاثَة سَوَاء وَتَقَع ركبتاه أَو يَدَاهُ أَو وَجهه فِي مَحلهمَا إِن كَانَ أقل من ثَلَاثَة أَذْرع وَالله أعلم وَفِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ أَخْبرنِي أُسَامَة أَنه ﵊ لما دخل البَيتَ دَعَا فِي نواحيه كلهَا وَلم يصل فِيهِ حَتَّى خرج فَلَمَّا خرج ركع قبل الْبَيْت رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ هَذِه الْقبْلَة // (رَوَاهُ مُسلم) // وَالْجمع بَينه وَبَين حَدِيث ابْن عمر أَن أُسَامَة أخبرهُ أَن النَّبِي
صلى فِي الْكَعْبَة كَمَا رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِأَن أُسَامَة حَيْثُ أثبتها اعْتمد فِي ذَلِك على غَيره وَحَيْثُ نفاها أَرَادَ مَا فِي علمه لكَونه لم يره حِين صلى وبكون ابْن عمر ابْتَدَأَ بِلَالًا بالسؤال ثمَّ أَرَادَ زِيَادَة الاستثبات فِي مَكَان الصَّلَاة فَسَأَلَ أُسَامَة أَيْضا وَقَالَ النَّوَوِيّ قد أجمع أهل الحَدِيث على الْأَخْذ بِرِوَايَة بِلَال لِأَنَّهُ مُثبت فمعه زِيَادَة علم فَوَجَبَ تَرْجِيحه قَالَ وَأما نفي أُسَامَة فَيُشبه أَنهم لما دخلُوا الْكَعْبَة أغلقوا الْبَاب وَاشْتَغلُوا بِالدُّعَاءِ فَرَأى أُسَامَة النَّبِي
يَدْعُو ثمَّ اشْتغل أُسَامَة فِي نَاحيَة من نواحي الْبَيْت
стр. 749
وَالنَّبِيّ
فِي نَاحيَة أُخْرَى وبلال قريبٌ مِنْهُ ثمَّ صلى النَّبِي
فَرَآهُ بِلَال لقُرْبه مِنْهُ وَلم يره أُسَامَة لبعده واشتغاله وَكَانَت صلَاته ﵊ خَفِيفَة فَلم يرهَا أُسَامَة لإغلاق الْبَاب مَعَ بعده واشتغاله بِالدُّعَاءِ وَجَاز لَهُ نَفيهَا عملا بظنه وَأما بِلَال فتحققها وَأخْبر بهَا انْتهى وتعقبوه بِمَا يطول ذكره وَأقرب مَا قيل فِي الْجمع أَنه
صلى فِي الْكَعْبَة لما غَابَ عَنهُ أُسَامَة من الْكَعْبَة لأمر نَدبه إِلَيْهِ وَهُوَ أَن يَأْتِي بِمَاء يمحو بِهِ الصُّور الَّتِي كَانَت فِي الْكَعْبَة فَأثْبت الصَّلَاة بِلَال لرُؤْيَته لَهَا ونفاها أُسَامَة لعدم رُؤْيَته وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالطَّيَالِسِي عَن أُسَامَة بن زيد قَالَ دخلت على رَسُول الله
فِي الْكَعْبَة وَرَأى صُورَة فَدَعَا بِدَلْو من مَاء فَأَتَيْته بِهِ فَجعل
يمحوها وَيَقُول قَاتل الله قوما يصورُونَ مَا لَا يخلقون وَرِجَاله ثِقَات وَأفَاد الْأَزْرَقِيّ فِي تَارِيخ مَكَّة أَن خَالِد بن الْوَلِيد كَانَ على بَاب الْكَعْبَة يذب عَنهُ
النَّاس وَفِي البُخَارِيّ أَنه
أَقَامَ خمس عشرَة لَيْلَة وَفِي رِوَايَة تسع عشرَة وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد سبع عشرَة وَعند التِّرْمِذِيّ ثَمَانِي عشرَة وَفِي الإكليل أَصَحهَا بضع عشرَة يقصر الصَّلَاة وَقَالَ الفاسي فِي تَارِيخ مَكَّة كَانَ فتح مَكَّة لعشر لَيَال بَقينَ من شهر رَمَضَان وَكَانَ مِمَّا قيل من الشّعْر فِي ذَلِك قَول حسان بن ثَابت الْأنْصَارِيّ // (من الوافر) //
(عَفَتْ ذَاتُ الأَصَابعِ فَالْجِوَاءُ ... إِلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خَلَاءُ)
(دِيَارٌ مِنْ بَنِي الْحَسْحَاسِ قَفْرٌ ... تُعَفِّيهَا الرَّوَامِسُ وَالسَّمَاءُ)
(وَكَانَتْ لَا يَزَالُ بِهَأ أَنِيسٌ ... خِلَالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ)
(فَدَعْ هَذَا وَلَكِنْ مَنْ لِطَيْفٍ ... يُؤَرِّقُنِي إِذَا ذَهَبَ الْعِشَاءُ)
(لِشَعْثَاءَ الَّتِي قد تَيَّمْتُه ... فَلَيْسَ لِقَلْبِه منْهَا شِفَاءُ)
(كَأَنَّ سَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ ... يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ)
стр. 750
(عَلَى أنيابها أَو طعم غض ... من التفاحِ هصَّره الجناء)
(إِذَا مَا الأشْرِبَاتُ ذُكِرْنَ يَوْمًا ... فَهُنَّ لِطَيِّبِ الرَّاحِ الْفِدَاءُ)
(نولِّيهَا الْمَلَامَةَ إِنْ أَلَمْنَا ... إِذَا مَا كَانَ مَغْثٌ أَوْ لِحاءُ)
(وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكنَا مُلُوكًا ... وَأُسْداً مَا يُنْهْنِهُنَا اللِّقَاءُ)
(عَدِمْنَا خَيْلَنَا إِنْ لَمْ تَرَوْهَا ... تُثِيرُ النَّفْعَ مَوْعِدُهَأ كَدَاءُ)
(يُنَازِعْنَ الأَعِنَّةَ مُصْغِيَاتٍ ... عَلَى أَكْتَافِهَا الأسَلُ الظِّمَاءُ)
(تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ... يُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ)
(فَإِمَّا تُعْرِضُوا عَنّا اعْتَمَرْنَا ... وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ)
(وَإِلَاّ فَاصْبِروا لِجِلَادِ يَوْمٍ ... يُعِزُّ الله فِيهِ مَنْ يَشَاءُ)
(وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ الله فِينَا ... وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ)
(وَقَالَ الله قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا ... يَقُولُ الْحَقَّ إِنْ نَفَعَ الْبَلَاءُ)
(شَهِدْتُ بِهِ فَقُومُوا صَدِّقُوهُ ... فَقُلْتُمْ لَا نَقُومُ وَلَا نَشَاءُ)
(وَقَالَ الله قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا ... هُمُ الأنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ)
(لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ ... سِبَابٌ أَوْ قَتَالٌ أوْ هِجَاءُ)
(فَنُحْكِمُ بِالْقَوَافي مَنْ هَجَانَا ... وَنَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدِّمَاءُ)
(أَلَا بلِّغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي ... مُغَلْغَلةً فَقَدْ بَرِحَ الْخَفَاءُ)
(بِأَنَّ سُيُوفَنَا تَرَكَتْكَ عَبْداً ... وَعَبْدُ الدَّارِ سَادَتُهَا الإِمَاءُ)
(هَجَوْتَ مُحَمَّداً وَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِندَ اللِه فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ)
(أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيركُمَا الْفِدَاءُ)
(هَجَوْتَ مُبَارَكاً بَرًّا حَنِيفًا ... أَمِينَ الله شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ)
(أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ الله مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ)
(فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ)
(لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ ... وَبَحْرِي لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ)
قَالَ ابْن هِشَام قَالَهَا حسان قبل الْفَتْح وَبَلغنِي عَن الزُّهْرِيّ أَن رَسُول الله
لما رأى النِّسَاء يلطمنَ الْخَيل بِالْخمرِ تَبَسم إِلَى أبي بكر الصّديق
стр. 751
قَالَ ابْن إِسْحَاق وَقَالَ أنس بن زنيم الديلِي يعْتَذر إِلَى رَسُول الله
مِمَّا كَانَ قَالَ فيهم عَمْرو بن سَالم الْخُزَاعِيّ // (من الطَّوِيل) //
(أأنْتَ الَّذِي تُهْدَى مَعَدٌّ بِأَمْرِهِ ... بَلِ اللهُ يَهْدِيهِمْ وَقَالَ لَكَ اشْهَدِ)
(وَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا ... أَبَرَّ وَأَوْفَى ذِمَّةً مِنْ مُحمَّدِ)
(أَحَثَّ عَلَى خَيْرٍ وَأَسْبَغَ نَائِلاً ... إِذَا رَاحَ كَالسَّيْفِ الصَّقِيلِ الْمُهَنَّدِ)
(وَأَكْسَى لِبُرْدِ الْخَالِ قَبْلَ ابْتِذَالِهِ ... وَأَعْطَى لِرَأْسِ السَّابِقِ المُتجَرِّدِ)
(تَعَلَّمْ رَسُولَ الله أَنَّكَ مُدْرِكِي ... وَأَنَّ وَعِيداً مِنْكَ كَالأخْذِ بِالْيَدِ)
(تَعَلَّمْ رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ قَادِرٌ ... عَلَى كُلِّ صِرْم مُتْهِمِينَ ومُنْجِدِ)
(تَعَلَّمْ بِأَنَّ الرَّكْبَ رَكْبَ عُوَيْمِرٍ ... هُمُ الْكَاذِبُونَ المُخْلِفُو كُلِّ مَوْعِدِ)
(وَنَبَّوْا رَسُولَ الله أَنِّي هَجَوتُهُ ... فَلاً حَمَلَتْ سَوطِي إِلَى إِذَن يَدِي)
(سِوَى أننِي قَد قلت ويل أم فتية ... أصيبوا بنحس لَا بِطَلقٍ وَأسْعُدِ)
(أصَابَهُمُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِدِمَائِهِمْ ... كِفَاءً فَعَزَّتْ عَبْرَتِي وَتَبَلُّدِي)
(فَإِنَّكَ قَدْ أَخْفَرْتَ إِنْ كُنْتَ سَاعِياً ... بِعَبْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَابْنَةَ مَهْوَدِ)
(ذُوَيْبٌ وَكُلْثُومٌ وَسَلْمَى تَتَابَعُوا ... جَمِيعاً فَإِلَاّ تَدْمَعِ الْعَيْنِ أَكْمَدِ)
(وَسَلْمَى وَسَلْمَى لَيْسَ حَيٌّ كَمِثْلِهِ ... وَإِخْوتُهُ وَهَلْ مُلُوكٌ كَأَعْبُدِ)
(فَإِنّي لَا دِينًا فَتَقْتُ وَلَا دَمًا ... هَرَقْتُ تَبَيَّن عَالِمَ الْحَقِّ وَاقْصدِ)
فَأَجَابَهُ بُدَيل بن عبد منَاف بن أم أَصْرَم فَقَالَ // (من الطَّوِيل) //
(بَكَى أَنَسٌ رَزْنًا فَأَعْوَزَهُ الْبُكَا ... فَأَلَاّ عَدِيًّا إِذْ تُطَلُّ وَتَبْعُدُ)
(بَكَيْتَ أَبَا عَبْسٍ لِقُرْبِ دِمَائِهَا ... فَتُعْذِرَ إِذْ لَا يُوقِدُ الْحَرْبَ مُوقِدُ)
(أَصَابَهُمُ يَومَ الْخَنَادِمِ فِتْيَةٌ ... كِرامٌ فَسَلْ مِنْهُمْ نُفَيْلٌ وَمَعْبَدُ)
(هُنَالِكَ إِنْ تُسْفَحْ دُمُوعُكَ لَا تُلَمْ ... عَلَيْهِمْ وَإِن لَمْ تَدْمَعِ الْعَيْن فَاكْمَدُوا)
قَالَ ابْن هِشَام وَهَذِه الأبيات فِي قصيدة لَهُ قَالَ ابْن إِسْحَاق وَقَالَ بُجَيرُ بن زُهَيْر بن أبي سلمى فِي يَوْم الْفَتْح // (من الوافر) //
(نَفَى أَهْلَ الْحَبلَّقِ كُلَّ فَجٍّ ... مُزَيْنَةُ غُدْوَةً وَبَنُو خُفَافِ)
стр. 752
(ضَرَبْنَاهُمُ بمَكَّةَ يَوْمَ فَتْح النْنَبِيِّ ... الْخَيْرِ بِالْبِيضِ الْخِفَافِ)
(صَبحنَاهُمْ بِسَبْعٍ مِنْ سُلَيْمٍ ... وَأَلْفٍ مِنْ بَنِي عُثْمَانَ وَافى)
(نَطَا أَكْتَافَهُمْ ضَرْبًا وَطَعْنًا ... وَرَشْقًا بِالْمُرَيَّشَةِ اللِّطَافِ)
(تَرَى بَيْنَ الصُّفُوفِ لَهَا حَفِيفًا ... كَما انْصَاعَ الْفُواقُ مِنَ الرِّصَافِ)
(فَرُحْنَا وَالْجِيَادُ تَجُولُ فِيهِمْ ... بِأَرْمِاح مُقَوَّمَةِ الثِّقَافِ)
(فَأُبْنَا غَانِمِينَ بِمَا اشْتَهَيْنَا ... وَآبُوا نَادِمينَ عَلَى الْخِلَافِ)
(وَأعْطَيْنَا رَسُولَ اللهِ مِنَّا ... مَوَاثِقَنَا عَلَى حُسْنِ التَّصَافِي)
(وَقَدْ سَمِعُوا مَقَالَتَنَا فَهَمُّوا ... غَدَاةَ الرَّوْعِ مِنَّا بِانْصِرافِ)
وفيهَا غَزْوَة حُنَين بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ وَاد فَوق ذِي الْمجَاز وَقيل بَينه وَبَين مَكَّة ثَلَاث لَيَال قرب الطَّائِف وَتسَمى غَزْوَة هوَازن وَذَلِكَ أَن النَّبِي
لما فرغ من فتح مَكَّة وتمهيدها وَأسلم عَامَّة أَهلهَا مشت أَشْرَاف هوَازن وَثَقِيف بَعضهم إِلَى بعض وحشدوا وقصدوا محاربة الْمُسلمين وَكَانَ رئيسهم مَالك بن عَوْف النصري فَخرج إِلَيْهِم رَسُول الله
من مَكَّة يَوْم السبت لست لَيَال خلون من شَوَّال فِي اثْنَي عشر ألفا من الْمُسلمين عشرَة آلَاف من أهل الْمَدِينَة وَأَلْفَانِ مِمَّن أسلم من أهل مَكَّة وهم الطُّلَقَاء يَعْنِي الَّذين خلى عَنْهُم يَوْم فتح مَكَّة وأطلقهم فَلم يسترقَهم واحدهم طليق فعيل بِمَعْنى مفعول وَهُوَ الْأَسير إِذا أطلق سَبيله كَمَا تقدم وَاسْتعْمل
على مَكَّة عتاب بن أسيد وَخرج مَعَه
ثَمَانُون من الْمُشْركين مِنْهُم صَفْوَان بن أُميَّة وَكَانَ
اسْتعَار مِنْهُ مائَة درع بأداتها فوصل إِلَى حنين لَيْلَة الثُّلَاثَاء لعشر لَيَال خلون من شَوَّال فَبعث مَالك بن عَوْف ثَلَاثَة نفر يأتونه بِخَبَر أَصْحَاب رَسُول الله
فَرَجَعُوا إِلَيْهِ وَقد تفرقَت أوصالهم من الرعب وَوجه رَسُول الله
عبد الله بن أبي حَدْرَد الْأَسْلَمِيّ فَدخل عَسْكَرهمْ فَطَافَ بِهِ وَجَاء بخبرهم
стр. 753
وَفِي حَدِيث سهل بن الحنظلية عِنْد أبي دَاوُد بِإِسْنَاد حسن أَنهم سَارُوا مَعَ رَسُول الله
فأطنبوا السّير فجَاء رجل فَقَالَ انْطَلَقت بَين أَيْدِيكُم حَتَّى طلعت جبل كَذَا وَكَذَا فَإِذا أَنا بهوزان عَن بكرَة أَبِيهِم بظعنهم ونعمهم وشياههم اجْتَمعُوا إِلَى حنين فَتَبَسَّمَ
وَقَالَ تِلْكَ غنيمَة الْمُسلمين إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَوله عَن بكرَة أَبِيهِم كلمة للْعَرَب يُرِيدُونَ بهَا الْكَثْرَة وتوفر الْعدَد وَلَيْسَ هُنَاكَ بكرَة فِي الْحَقِيقَة وَهِي الَّتِي يستقى عَلَيْهَا المَاء فاستعيرَتْ هُنَا وَقَوله بظعنهم أَي بنسائهم واحدتها ظَعِينَة وأصل الظعينة الرَّاحِلَة الَّتِي ترحل ويظعن عَلَيْهَا أَي يسَار وَقيل للْمَرْأَة ظَعِينَة لِأَنَّهَا تظعن مَعَ زَوجهَا حَيْثُ مَا ظعن أَو لِأَنَّهَا تحمل على الرَّاحِلَة إِذا ظعنت وَقيل الظعينة الْمَرْأَة فِي الهودج ثمَّ قيل للْمَرْأَة بِلَا هودج وللهودج بِلَا امْرَأَة ظَعِينَة انْتهى روى يُونُس بن بكير فِي زِيَادَة الْمَغَازِي عَن الرّبيع قَالَ قَالَ رجل يَوْم حنين لن نُغلب الْيَوْم من قِلة فشق ذَلِك على النَّبِي
ثمَّ ركب
بغلته الْبَيْضَاء الدلْدل وَلبس درعين والمغفر والبيضة فَاسْتَقْبَلَهُمْ من هوزان مَا لم يرَوا مثله قَط من السوَاد وَالْكَثْرَة وَذَلِكَ فِي غبش الصُّبْح وَخرجت الْكَتَائِب من مضيق الْوَادي فحملوا حَملَة وَاحِدَة فَانْكَشَفَتْ خيل بني سليم مولية وتبعهم أهل مَكَّة وَالنَّاس فَقَالَ أَخُو صَفْوَان بن أُميَّة غلبت هوَازن لَا يرد هاربهم إِلَّا الْبَحْر فَقَالَ لَهُ صَفْوَان أَخُوهُ بفيكَ الكِثْكِثُ لأنْ يَرُبني رجل من قُرَيْش خير لي من أَن يربنِي رجل من هوَازن رئيسهم مَالك بن عَوْف وَلم يثبت مَعَه
يَوْمئِذٍ إِلَّا الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وعَلى بن أبي طَالب وَالْفضل بن الْعَبَّاس وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَأَبُو بكر وَعمر وَأُسَامَة بن زيد فِي أنَاس من أهل بَيته وَأَصْحَابه قَالَ الْعَبَّاس وَأَنا آخذ لجام بغلته أكُفها مَخَافَة أَن تصل إِلَى الْعَدو لِأَنَّهُ
كَانَ يتَقَدَّم فِي نحر الْعَدو وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث آخذ بركابه وَجعل ﵊ يَقُول للْعَبَّاس نَاد يَا معشر الْأَنْصَار يَا أَصْحَاب السمُرَةِ يَعْنِي شَجَرَة بيعَة الرضْوَان الَّتِي بَايعُوهُ تحتهَا إِلَّا يَفروا عَنهُ فَجعل يُنَادي تَارَة يأهل السمرَة
стр. 754
وَتارَة يَا أَصْحَاب سُورَة الْبَقَرَة وَكَانَ الْعَبَّاس رجلا صيتًا فَلَمَّا سمع الْمُسلمُونَ نِدَاء الْعَبَّاس أَقبلُوا كَأَنَّهُمْ الْإِبِل إِذا حنت على أَوْلَادهَا يَقُولُونَ يَا لبيْك يَا لبيْك فتراجعوا إِلَى رَسُول الله
حَتَّى إِن الرجل مِنْهُم إِذا لم يطاوعه بعيره على الرُّجُوع انحدر عَنهُ وأرسله فَرجع بِنَفسِهِ إِلَى رَسُول الله
فَأَمرهمْ ﵊ أَن الحملة فَاقْتَتلُوا مَعَ الْكفَّار فَأَشْرَف رَسُول الله
فَنظر إِلَى قِتَالهمْ فَقَالَ الْآن حَمِيَ الوَطِيسُ وَهُوَ التنورُ وَلم تسمع من أحد قبل النَّبِي
وَتَنَاول
حَصَيَات من الأَرْض ثمَّ قَالَ شَاهَت الْوُجُوه أَي قبحت وَرمى بهَا فِي وَجه الْمُشْركين فَمَا خلق الله مِنْهُم إنْسَانا إِلَّا مَلأ عَيْنَيْهِ من تِلْكَ القبضة وَفِي رِوَايَة مُسلم قَبْضَة من تُرَاب من الأَرْض فَيحْتَمل أَنه رمى بذا مرّة وبالأخرى أُخْرَى وَيحْتَمل أَن يكون أَخذ قَبْضَة وَاحِدَة مخلوطة من حَصى وتراب وَلأَحْمَد وأبى دَاوُد والدارمي من حَدِيث أبي عبد الرَّحْمَن الفِهري فِي قصَّة حنين فولى الْمُسلمُونَ مُدبرين كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿ثمَّ وليتم مُدبرين﴾ فَقَالَ رَسُول الله
أَنا عبد الله أَنا عبد الله وَرَسُوله ثمَّ اقتحَمَ عَن فرسه وَأخذ كَفاً من تُرَاب قَالَ فَأَخْبرنِي الَّذِي كَانَ أدنى إِلَيْهِ مني أَنه ضرب وُجُوههم وَقَالَ شَاهَت الْوُجُوه فَهَزَمَهُمْ الله تَعَالَى قَالَ يعلى بن عَطاء رِوَايَة عَن أبي همام عَن أبي عبد الرَّحْمَن الفِهري فَحَدثني أبناؤهم عَن آبَائِهِم قَالُوا لم يبْق منا أحد إِلَّا امتلأتْ عَيناهُ وفمه تُرَابا وَسَمعنَا صلصلةَ من السَّمَاء كإمرار الْحَدِيد على الطست الْجَدِيد بِالْجِيم قَالَ فِي النِّهَايَة وصف الطست وَهِي مُؤَنّثَة بالجديد وَهُوَ مُذَكّر إِمَّا لِأَن تأنيثها غير حَقِيقِيّ فأوله على الْإِنَاء والظرف أَو لِأَن فعيلاً يُوصف بِهِ الْمُؤَنَّث بِلَا عَلامَة تَأْنِيث كَمَا يُوصف بِهِ الْمُذكر نَحْو امْرَأَة قَتِيل انْتهى وَلأَحْمَد وَالْحَاكِم من حَدِيث ابْن مَسْعُود فحادت بِهِ
بغلته فَمَال السرج
стр. 755
فَقلت ارْتَفع ارتفعك رفعَكَ الله فَقَالَ ناولني كَفاً من تُرَاب فَضرب وُجُوههم وامتلأت أَعينهم تُرَابا وَجَاء الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار سيوفهم بأيمانهم كَأَنَّهَا الشهب فولى الْمُشْركُونَ الأدبار وروى أَبُو جَعْفَر بن جرير بِسَنَدِهِ عَن عبد الرَّحْمَن مولى أم برثن عَن رجل كَانَ فِي الْمُشْركين يَوْم حنين قَالَ لما الْتَقَيْنَا نَحن وَأَصْحَاب رَسُول الله
يَوْم حنين لم يقومُوا لنا حلب شَاة فَلَمَّا لَقِينَاهُمْ جعلنَا نسوقهم فِي آثَارهم حَتَّى انتهينا إِلَى صَاحب البغلة الْبَيْضَاء فَإِذا هُوَ رَسُول الله
قَالَ فتلقانا عِنْده رجال بيض الْوُجُوه حسان فَقَالُوا لنا شَاهَت الْوُجُوه ارْجعُوا قَالَ فَانْهَزَمْنَا وركبوا أكتافنا وَفِي سيرة الدمياطي كَانَ سِيمَا الْمَلَائِكَة يَوْم حنين عمائم حَمْرَاء أرخَوهَا بَين أكتافهم وَفِي البُخَارِيّ عَن الْبَراء سَأَلَهُ رجل من قيس أَفَرَرْتُم عَن رَسُول الله
فَقَالَ لَكِن رَسُول الله
لم يفر كَانَ هوَازن رُمَاة وَإِنَّا لما حملنَا عَلَيْهِم انكشفوا فأكببنا على الْغَنَائِم فَاسْتقْبلنَا بِالسِّهَامِ وَلَقَد رَأَيْت النَّبِي
على بغلته الْبَيْضَاء وَإِن أَبَا سُفْيَان بن الْحَارِث آخذ بزمامها يوكلها فيدفعها فِي نحر الْعَدو وَهُوَ يَقُول // (من مجزوء الرجز) //
(أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ)
وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن صفة النُّبُوَّة يَسْتَحِيل مَعهَا الْكَذِب فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنا النبيُ والنبيُ لَا يكذب فلستُ بكاذب فِيمَا أَقُول حَتَّى انْهَزمُوا بل أَنا مُتَيَقن أَن الَّذِي وَعَدَني الله بِهِ من النَّصْر حق فَلَا يجوز عَليّ الْفِرَار وَأما مَا فِي رِوَايَة مُسلم عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع من قَوْله فَارْجِع مُنْهَزِمًا إِلَى قَوْله مَرَرْت على رَسُول الله
مُنْهَزِمًا فَقَالَ لقد رأى ابْن الْأَكْوَع فَزعًا فَقَالَ
стр. 756
الْعلمَاء قَوْله مُنْهَزِمًا حَال من ابْن الْأَكْوَع كَمَا صرح أَولا بانهزامه وَلم يرد أَن النَّبِي
انهزَمَ وَقد قَالَت الصَّحَابَة كلهم إِنَّه ﵊ مَا انهزم وَلم ينْقل أحد قطّ أَنه انهزم فِي موطن من المواطن وَقد نقلوا إِجْمَاع الْمُسلمين على أَنه لَا يجوز أَن يعْتَقد انهزامه
وَلَا يجوز ذَلِك عَلَيْهِ بل كَانَ الْعَبَّاس وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث آخذين ببغلته يَكُفَّانها عَن إسراع التَّقَدُّم إِلَى الْعَدو وَقد تقدم فِي غَزْوَة أحد مَا نسب لِابْنِ المرابط من الْمَالِكِيَّة مِمَّا حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض فِي الشِّفَاء أَن من قَالَ إِن النَّبِي
هزم يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وغلا قتل وَإِن الْعَلامَة الْبِسَاطِيّ تعقبه بِمَا لَفظه هَذَا الْقَائِل إِن كَانَ يُخَالف فِي أصل الْمَسْأَلَة يَعْنِي حكم الساب فَلهُ وَجه وَإِن وَافق على أَن الساب لَا تقبل تَوْبَته فمشكل انْتهى قَالَ بَعضهم وَقد كَانَ ركُوبه ﵊ البغلة فِي هَذَا الْمحل الَّذِي هُوَ مَوضِع الْحَرْب والطعن وَالضَّرْب تَحْقِيقا لنبوته لما كَانَ الله تَعَالَى خصّه بِهِ من مزِيد الشجَاعَة وَتَمام الْقُوَّة وَإِلَّا فالبغال عَادَة من مراكب الطُّمَأْنِينَة وَلَا يصلح لموطن الْحَرْب فِي الْعَادة إِلَّا الْخَيل فَبين ﵊ أَن الْحَرْب عِنْده كالسلم قوةَ قلب وشجاعة نَفسِ وثقة وتوكلاً على الله تَعَالَى وَقد ركبت الْمَلَائِكَة فِي الْحَرْب مَعَه ﵊ على الْخَيل لَا غير لِأَنَّهَا بصدد ذَلِك عرفا دون غَيرهَا من المركوبات وَلِهَذَا لَا يُسْهَمُ فِي الْحَرْب إِلَّا للخيل والسر فِي ذَلِك أَنَّهَا المخلوقة للكر والفر بِخِلَاف البغال وَالْإِبِل انْتهى وَعند ابْن أبي شيبَة من مُرْسل الحكم بن عتيبة لم يبْق مَعَه ﵊ إِلَّا أَرْبَعَة نفر ثَلَاثَة من بني هَاشم ورجلاً من غَيرهم عَليّ وَالْعَبَّاس بَين يَدَيْهِ وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث آخذ بالركاب وَابْن مَسْعُود من الْجَانِب الآخر وَلَيْسَ يقبل نَحوه أحد إِلَّا قتل وَفِي التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث ابْن عمر لقد رَأَيْتنَا يَوْم حنين وَإِن النَّاس لمولون وَمَا مَعَ رَسُول الله
مائَة رجل
стр. 757
وَفِي شرح مُسلم للنووي إِنَّه ثَبت مَعَه ﵊ اثْنَا عشر رجلا وَكَأَنَّهُ أَخذه من قَول ابْن إِسْحَاق وَوَقع فِي شعر الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب أَن الَّذين ثبتوا مَعَه كَانُوا عشرَة فَقَط وَذَلِكَ لقَوْله // (من الطَّوِيل) //
(نَصَرْنَا رَسُولَ اللهِ فِي الْحَرْبِ تِسْعَةً ... وَقَدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأَقْشَعُوا)
(وَعَاشِرُنَا لآقَى الحِمَامَ بِنَفْسِهِ ... لِمَا مَسَّهُ فِي الله لَا يَتَوَجُّعُ)
وَقد قَالَ الطَّبَرَانِيّ الانهزام المنهيُّ عَنهُ هُوَ مَا وَقع على غير نِيَّة الْعود وَأما الاستطراد للكرة فَهُوَ كالتحيز إِلَى فِئَة وَأما قَوْله ﵊ // (من مجزوء الرجز) //
(أَنَّا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَّا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ)
فَقَالَ الْعلمَاء إِنَّه لَيْسَ بِشعر لِأَن الشَّاعِر إِنَّمَا سمي شَاعِرًا لوجوه مِنْهَا أَنه شعر الْمَقُول وقصده واهتدى إِلَيْهِ وأتى بِهِ كلَاما مَوْزُونا على طَريقَة الْعَرَب مقفُّى فَإِن خلا من هَذِه الْأَوْصَاف أَو بَعْضهَا لم يكن شعرًا وَلم يكن قَائِله شَاعِرًا وَالنَّبِيّ
لم يقصدْ بِكَلَامِهِ ذَلِك الشّعْر وَلَا أَرَادَهُ فَلَا يعد شعرًا وَإِن كَانَ مَوْزُونا وَأما قَوْله ﵊ أَنا ابْن عبد الْمطلب وَلم يقل أَنا ابْن عبد الله فَأُجِيب بِأَن شهرته بجده كَانَت أَكثر من شهرته بِأَبِيهِ لِأَن أَبَاهُ توفّي فِي حَيَاة أَبِيه عبد الْمطلب قبل مولده ﵊ وَكَانَ عبد الْمطلب مَشْهُورا شهرة ظَاهِرَة شائعة وَكَانَ سيد قُرَيْش وَكَانَ كثير من النَّاس يدعونَ النَّبِي
ابْن عبد الْمطلب ينسبونه إِلَى جده لشهرته وَمِنْه حَدِيث ضمام بن ثَعْلَبَة فِي قَوْله أَيّكُم ابْن عبد الْمطلب وَقيل غير هَذَا وَأمر النَّبِي
أَن يقتل من قدر عَلَيْهِ وأفضى الْمُسلمُونَ فِي الْقَتْل إِلَى الذُّرِّيَّة فنهاهم ﵊ عَن ذَلِك وَقَالَ من قتل قَتِيلا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة فَلهُ سلبه واستلبَ طَلْحَة وَحده ذَلِك اليومَ عشرينَ رجلا
стр. 758
قَالَ ابْن الْقيم فِي الْهَدْي النَّبَوِيّ كَانَ الله تَعَالَى وعد رَسُوله إِذا فتح مَكَّة دخل النَّاس فِي دين الله أَفْوَاجًا ودانت لَهُ الْعَرَب بأسرها فَلَمَّا تمّ الْفَتْح الْمُبين اقْتَضَت حكمته أَن أمسك قُلُوب هوَازن وَمن تبعها عَن الْإِسْلَام وَأَن يتجمعوا ويتألبوا لحربه ﵊ ليظْهر أمره تَعَالَى وَتَمام إعزازه لرَسُوله وَنَصره لدينِهِ ولتكون غنائمهم شكراناً لأهل الْفَتْح وليظهر الله تَعَالَى رَسُوله وعباده وقهره لهَذِهِ الشَّوْكَة الْعَظِيمَة الَّتِي لم يلق الْمُسلمُونَ قبلهَا مثلهَا وَلَا يقاومهم بعدُ أحَد من الْعَرَب فاقتضت حكمته سُبْحَانَهُ أَن أذاق الْمُسلمُونَ أَولا مرَارَة الْهَزِيمَة والكسرة مَعَ كَثْرَة عَدَدِهْم وعددهم وَقُوَّة شوكتهم ليطامن رُءُوسًا رفعت بِالْفَتْح وَلم تدخل بَلَده وَحرمه كَمَا دخل ﵊ وَاضِعا رَأسه منحنياً على مركوبه تواضعاً لرَبه وخضوعاً لعظمته أَن أحل لَهُ بَلَده وَلم يحله لأحد قبله وَلَا لأحد بعده ليبينَ سُبْحَانَهُ لمن قَالَ لن نُغلب الْيَوْم من قلَّة أَن النَّصْر إِنَّمَا هُوَ من عِنْد الله تَعَالَى وَأَنه من ينصره فَلَا غالبَ لَهُ وَمن يَخْذُلهُ فَلَا نَاصِر لَهُ وَأَنه سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي تولى نصر رَسُوله وَدينه لَا كثرتكم الَّتِي أَعجبتكُم فَإِنَّهَا لن تغني عَنْكُم شَيْئا فوليتم مُدبرين فَلَمَّا انكسرَتْ قلوبهمِ أرْسلت خلِع الْجَبْر من بريد ﴿أنزَلَ اللهُ سَكيِنتَه عَلىَ رَسُوله وعَلى الْمُؤمنِينَ وَأنزل جُنُودا لم تَرَوْهَا﴾ وَقد اقْتَضَت حكمته تَعَالَى أَن خِلَعَ النصرِ وجوائزه إِنَّمَا تفاض على أهل الانكسار ﴿وَنرُيد أَن نمُنَّ عَلَى الَذِينَ أستُضعِفُوا فيِ الأرضِ﴾ قَالَ وبهاتين الغزاتين أَعنِي حنيناً وبدراً قَاتَلت الْمَلَائِكَة بأنفسها مَعَ الْمُسلمين وَرمى رَسُول الله
وَجه الْمُشْركين فيهمَا انْتهى وَأمر
بِطَلَب الْعَدو فَانْتهى بَعضهم إِلَى الطَّائِف نَحْو نَخْلَة وَقوم مِنْهُم إِلَى أَوْطَاس اسْم مَكَان وَقتل من الْمُشْركين أَكثر من سبعين قَتِيلا وَمِمَّا قيل من الشّعْر فِي غَزْوَة حنين قَول الْعَبَّاس بن مرداس يذكر قَارب بن الْأسود وفراره من بني أَبِيه وَذَا الْخمار وحبسه قومه للْمَوْت // (من الوافر) //
(أَلَا منْ مُبْلِغ غَيْلَانَ عَنِّي ... وَسَوْفَ إِخَالُ يَأْتِيهِ الْخَبِيرُ)
(وَعُرْوَةَ إِنَّمَا أُهْدِي جَوَاباً ... وَقَوْلَا غَيْرَ قَوْلَكُمَا يَسِيرُ)
стр. 759
(بِأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدٌ رَسُولٌ ... لِرَبٍّ لَا يَضِلُّ وَلَا يَجُورُ)
(وَجَدْنَاهُ نَبِيًّا مِثْلَ مُوسى ... فَكُلُّ فَتًى يُخَايِرُهُ مَخِيرُ)
(وَبِئْسَ الأَمْرُ أَمْرُ بَنِي قَسِيٍّ ... بِوَجٍّ إِذْ تُقُسِّمَتِ الأُمُورُ)
(أَضَاعُوا أَمْرَهُمْ وَلِكُلِّ قَوْمٍ ... أَمِيرٌ وَالدَّوَائِرُ قَدْ تَدُورُ)
(فَجِئْنَا أُسْدَ غَابَاتٍ إلَيْهِمْ ... جُنُودُ الله ضَاحِيَةً تَسِيرُ)
(نَؤُمُّ الْجَمْعَ جَمعَ بَنِي قَسيٍّ ... عَلَى حَنَقٍ نَكَادُ لَهُ نَطِيرُ)
(وَأُقْسِمُ لَوْ هُمُو مَكَثُوا لَسِرْنَا ... إِلَيْهِمْ بِالْجُنُودِ ولَمْ يَغُورُوا)
(فَكُنَّا أُسْدَ لِيَّةَ ثَمَّ حَتَّى ... أَبَحْنَاهَا وأُسْلمتِ النُّصُورُ)
(وَيَومٌ كَانَ قَبْلُ لَدَى حُنَيْنٍ ... فَأَقْلَعَ وَالدَّمَاءُ بِهِ تَمُورُ)
(مِنَ الأَيَّامِ لَمْ تَسْمَعْ كَيَوْمٍ ... وَلَمْ يَسْمَعْ بِهِ قَوْمٌ ذُكُورُ)
(قَتَلْنَا فِي الْغُبَارِ بَنِي حُطَيْطٍ ... عَلَى رَايَاتِهَا والْخَيْلُ زُورُ)
(وَلَمْ يَكُ ذُو الْخِمَارِ رَئيسَ قَوْمٍ ... لَهُمْ عَقْلٌ يُعَاتَبُ أَوْ نَكِيرُ)
(أَقَامَ بِهِمْ عَلَى سَنَنِ الْمَنَايَا ... وَقَد بَانَتْ لمبْصِرِهَا الأُمُورُ)
(فَأفْلَتَ مَنْ نَجَا مِنْهُمْ جَرِيضاً ... وَقُتِّلَ مِنْهُمُ بَشَرٌ كَثِيرُ)
(وَلَا يُغْنِي الأُمُور أَخُو التَّوَانِي ... وَلَا الْغَلِقُ الصُّرَيِّرَةُ الْحَصُورُ)
(أَحَانَهُمُ وَحَانَ وَمَلَّكُوهُ ... أُمُورَهُمُ وَأفْلَتَتِ الصُّقُورُ)
(بَنُو عَوْفٍ تَمِيحُ بِهِم جِيَادٌ ... أُهِينَ لَها الْفَصَافِصُ وَالشَّعِيرُ)
(فَلَوْلَا قَاربٌ وَبَنُو أبِيهِ ... تُقُسِّمَتِ الْمَزَارِعُ والْقُصُورُ)
(وَلكِنَّ الرِّيَاسَةَ عُمِّمُوهَا ... عَلَى يُمْنٍ أشَارَ بِهِ الْمُشِيرُ)
(أطَاعُوا قارِبًا وَلَهُمْ جُدُودٌ ... وَأَحْلَامٌ إلَى عِزٍّ تَصِيرُ)
(فَإِنْ يُهْدَوْا إِلَى الإِسْلَامِ يُلْفَوْا ... أُنُوفَ النَّاسِ مَا سَمَرَ السَّمِيرُ)
(وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا فَهُمُ أَذَانٌ ... بِحَرْبِ اللهِ لَيْسَ لَهُمْ نَصِيرُ)
(كَمَا حَكَّتْ بَنِي سَعْدٍ وَحَرْبٌ ... بِرهْطِ بَنِي غَزِيَّةَ عَنْقَفِيرُ)
(كَأّنَّ بَنِي مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ ... إِلَى الإسْلَامِ ضَائِنَةٌ تَخُورُ)
(فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إِنَّا أَخُوكُمْ ... وَقَدْ بَرِئَتْ مَنَ الإِحَنِ الصدُورُ)
стр. 760
(كَأّنَّ الْقَومَ إِذْ جَاءُوا إِلَيْنَا ... مِنَ الْبَغْضَاءِ بَعْدَ السِّلْمِ عُورُ)
قَالَ ابْن هِشَام غيلَان غيلَان بن سَلمَة الثَّقَفِيّ وَعُرْوَة عُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ قَالَ ابْن إِسْحَاق وَلما انهزم الْمُشْركُونَ أَتَوا الطَّائِف وَمَعَهُمْ مَالك بن عَوْف وعسكر بَعضهم بأوطاس وَتوجه بَعضهم نَحْو نَخْلَة وَلم يكن فِيمَن توجه نَحْو نَخْلَة إِلَّا بَنو غيرَة من ثَقِيف وتبعت خيل رَسُول الله
من سلك فِي نَخْلَة من النَّاس وَلم تتبع من سلك الثنايا فَأدْرك ربيعةُ بن رفيع بن أهبان بن ثَعْلَبَة بن ربيعَة ابْن يَرْبُوع بن سماك بن عَوْف بن امرىء الْقَيْس وَكَانَ يُقَال لَهُ ابْن الدغنة وَهِي أمه فَغلبَتْ على اسْمه وَيُقَال ابْن لذغة فِيمَا قَالَه ابْن هِشَام دُرَيْد ابْن الصمةِ فَأخذ بِخِطَام جمله وَهُوَ يظنّ أَنه امْرَأَة وَذَلِكَ أَنه فِي شجار لَهُ فَإِذا هُوَ بِرَجُل فَأَنَاخَ بِهِ فَإِذا شيخ كَبِير فَإِذا هُوَ دُرَيْد بن الصمَّة فتعرفه الْغُلَام فَقَالَ لَهُ دُرَيْد مَاذَا تُرِيدُ بى قَالَ أَقْتلك قَالَ وَمن أَنْت قَالَ أَنا ربيعَة بن رفيع السّلمِيّ ثمَّ ضربه بِسَيْفِهِ فَلم يُغْنِ فِيهِ شَيْئا فَقَالَ بئْسَمَا سلحتك أمك خُذ سَيفي هَذَا من مُؤخر الرحل ثمَّ اضْرِب بِهِ وارفع عَن الْعِظَام واخفض عَن الدِّمَاغ فَإِنِّي كَذَلِك كنت أضْرب الرِّجَال ثمَّ إِذا أتيت أمك فَأَخْبرهَا أَنَّك قد قتلت دُرَيْد بن الصمَّة فَرُب يَوْم قد منعت فِيهِ نِسَاءَك فَزعم بَنو سليم أَن ربيعَة قَالَ لما ضَربته فَوَقع تكشف فَإِذا عجانه وبطون فَخذيهِ مثل القرطاس من ركُوب الْخَيل إعراء فَلَمَّا رَجَعَ ربيعَة إِلَى أمه أخْبرهَا بقتْله إِيَّاه فَقَالَت أما وَالله لقد أعتَقَ أمهاتٍ لكَ ثَلَاثًا وَقَالَت عمْرَة بنت دُرَيْد فِي قتل ربيعَة دريداً // (من الوافر) //
(لَعَمْرُكَ مَا خَشِيتُ عَلَى دُرَيْدٍ ... بِبَطْنِ سُمَيْرَةٍ جَيْشَ الْعَنَاقِ)
(جَزَى عَنهُ الإِلَهُ بَنِي سُلَيْمٍ ... وَعَقَّتْهُمْ بِمَا فَعَلُوا عَقَاقِ)
(وأَسْقَانَا إِذَا قُدْنَا إِلَيْهِمْ ... دِمَاءَ خِيَارِهِمْ عِنْدَ التَّلاقِي)
(فَرُبَّ عَظِيمَةٍ دَافَعْتَ عَنْهُمْ ... وَقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التراقِي)
(وَرُبَّ كَرِيمَةٍ أَعْتَقْتَ مِنْهُمْ ... وَأُخْرَى قَدْ فَكَكْتَ مِنْ الْوَثَاقِ)
стр. 761
(وَرُبَّ مُنَوِّهٍ بِكَ مِنْ سُلَيْمٍ ... أَجَبْتَ وَقَدْ دَعَاكَ بِلَا رِمَاقِ)
(فَكَانَ جَزَاؤُنَا مِنْهُمْ عُقُوقًا ... وَهَمَّا مَاعَ مِنْهُ مُخُّ سَاقِي)
(عَفَتْ آثَارُ خَيْلِكَ بَعْدَ أَيْنٍ ... بِذِي بَقَرٍ إلَى فَيْفِ النُّهَاقِ)
وَقَالَ عَبَّاس بن مرداس // (من الطَّوِيل) //
(تَقَطَّعَ بَاقِي وَصْلِ أُمِّ مُؤَمِّلٍ ... بِعَاقِبَةٍ وَاسْتَبْدَلَتْ نِيَّةً خُلْفَا)
(وَقَدْ حَلَفَتْ بِاللهِ لَا تَقْطَعُ الْقُوَى ... فَمَا صَدَقَتْ فِيهِ وَلَا بَرَّتِ الْحَلْفَا)
(خَفَافِيَّةٌ بَطْنُ الْعَقِيقِ مَصِيفُهَا ... وَتَحْتَلُّ فِي الْبَادِينَ وَجْرَةَ فَالْعُرْفَا)
(فإِنْ تَتْبَعِ الْكُفَّارَ أمُّ مُؤَمَّلٍ ... فَقَدْ زَوَّدَتْ قَلْبِي عَلَى نَأْيِهَا شَغْفَا)
(وَسَوْفَ يُنَبِّيهَا الْخَبِيرُ بأَنَّنَا ... أَبَيْنَا وَلَمْ نَطْلُبْ سِوَى رَبِّنَا حِلْفَا)
(وأنَّا مَعَ الْهَادِي النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ... وَفِيْنَا وَلَمْ يَسْتَوْفِهَا مَعْشَرٌ أَلْفَا)
(بِفِتْيَانِ صِدْقٍ مِنْ سُلَيْمٍ أعزَّةٍ ... أَطَاعُوا فمَا يَعْصُونَ مِنْ أَمْرِهِ حَرْفَا)
(خُفَافٌ وَذَكْوَانٌ وَعَوْفٌ تَخَالُهُمْ ... مَصَاعِبَ زَافَتْ فِي طُرُوقَتِهَا كُلْفَا)
(كَأَنَّ النَّسِيجَ الشُّهْب وَالْبِيضَ مُلْبَسٌ ... اُسُودًا تلاقَتْ فِي مَرَاصِدِهَا غُضْفَا)
(بِنَا عَزَّ دِينُ الله غَيرَ تَنَحُلٍ ... وَزِدْنَا عَلَى الْحَيِّ الَّذِي مَعَهُ ضِعْفَا)
(بِمَكَّةَ إِذْ جِئْنَا كَأّنَّ لِوَاءَنَا ... عُقَابٌ أَرَادَتْ بَعْدَ تَحْلِيقِهَا خَطْفَا)
(عَلَى شُخَّصِ الأَبْصَارِ تَحْسِبُ بَيْنَهَا ... إِذَا هِيَ جَالَتْ فِي مَرَاوِدِهَا عَزْفَا)
(غَدَاةَ وَطِئْنَا الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ نَجِدْ ... لأَمْرِ رَسُولِ اللهِ عَدْلاً وَلَا صِرْفَا)
(بِمُعْتَرَكٍ لَا يَسْمَعُ الْقَوْمُ وَسْطَهُ ... لَنَا زَحمَةً إِلَاّ التَّذَامُرَ والنَّفْقَا)
(بِبِيضٍ نُطِيرُ الْهَامَ عَنْ مُسْتَقَرَّهَا ... وَنَقْطِفُ أعْنَاقَ الْكُمَاةِ بِهَا قَطْفَا)
(وَكَائِنْ تَرَكْنَا مِنْ قَتِيلٍ مُلَحَّبٍ ... وَأَرْمَلَةٍ تَدْعُو عَلَى بَعْلِهَا لَهْفَا)
(رِضَا اللهِ نَنْوِي لَا رِضَا النَّاسِ نَبْتَغِي ... وَللهِ مَا يَبْدُو جَمِيعاً وَمَا يَخْفَى)
وَقَالَ مَالك بن عَوْف يعْتَذر من فراره يَوْمئِذٍ // (من الْكَامِل) //
(مَنَعَ الرُّقَادَ فَمَا أُغَمِّضُ سَاعَةً ... نَعَمٌ بِأَجْزَاعِ الطَّرِيقِ مُخَضْرَمُ)
стр. 762
(سَائِلْ هَوَازِنَ هَلْ أَضُرَّ عَدُوَّهَا ... وَأُعِينُ غَارِمَهَا إِذَا مَا يَغْرَمُ)
(وَكَتِيبَةٍ لَبَّسْتُهَا بِكَتِبَةٍ ... فِئَتَيْنِ مِنْهَا حَاسِرٌ وَمُلأَّمُ)
(وَمُقَدَّم تَعْيَا النُّفُوسُ لِضيقِهِ ... قَدَّمْتُهُ وَشُهُودُ قَوْمِي أعْلَمُ)
(فَوَرَدْتُهُ وَتَرَكْتُ إِخْوَاناً لَهُ ... يَرِدُونَ غَمْرَتَهُ وَغَمْرَتُهُ الدَّمُ)
(فَإِذَا انْجَلَتْ غَمَراتُهُ أَوْرَثْنَنِي ... مَجْدَ الْحَيَاةِ وَمَجْدَ غُنْمٍ يُقْسَمُ)
(كَلَّفْتُمُونِي ذَنْبَ آلِ مُحَمَّدٍ ... وَالله أَعْلَمُ مَنْ أَعَقُّ وَأَظْلَمُ)
(وَخَذَلْتُمُونِي إِذْ أُقَاتِلُ وَاحِداً ... وَخَذَلْتُمُونِي إِذْ تُقَاتِلُ خَثْعَمُ)
(وَإِذَا بَنَيْتُ الْمَجْدَ يَهْدِمُ بَعْضُكُمْ ... لَا يَستَوِي بَانٍ وَآخَرُ يَهْدِمُ)
(وَأَقَبَّ مَخْمَاصِ الشِّتَاءِ مُسَارِعٍ ... فِي الْمَجْدِ يُنْمَى لِلْعُلَا مُتَكَرِّمُ)
(أَكْرَهْتُ فِيهِ أَلَّةً يَزَنِيَّةً ... سَحْمَاءَ يَقْدُمُهَا سِنَانٌ سَلْجَمُ)
(وَتَرَكْتُ حَنَّتَهُ تَرُدُّ وَلِيَّهُ ... وَتَقُولُ لَيْسَ عَلَى فُلَانَهَ مُقْدَمُ)
(وَنَصَبْتُ نَفْسِي لِلرِّمَاحِ مُدَجَّجًا ... مِثْلَ الدريئَةِ تُسْتَحَلُّ وَتُشْرَمُ)
وفيهَا غَزْوَة الطَّائِف خرج
فِي شَوَّال فَحَاصَرَهُمْ ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا أَو ثَلَاثِينَ بل فِي مُسلم عَن أنس حَاصَرَهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَة وَنصب عَلَيْهِم المنجنيق وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين اثْنَا عشر وَقَاتل بِنَفسِهِ وَلم يُؤذن لَهُ فِي فَتحه فَرجع إِلَى الْمَدِينَة بعد غيبَة شَهْرَيْن وَسِتَّة عشر يَوْمًا فَقدم عَلَيْهِ بَعْدُ وفْدُهُمْ فأسلموا وَلما أجمع رَسُول الله
السّير إِلَى الطَّائِف حِين فرغ من حنين قَالَ كَعْب بن مَالك // (من الوافر) //
(قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ رَيْبٍ ... وَخَيْبَرَ ثُمَّ أَجْمَمْنَا السُّيُوفَا)
(نُخَبِّرُهَا وَلَوْ نَطَقَتْ لَقَالَتْ ... قَوَاطِعُهُنَّ دَوْسًا أَوْ ثَقِيفَا)
(فَلَسْتُ لِحَاضِنٍ إِنْ لَم تَرَوْهَا ... بِسَاحَةِ دارِكُمْ مِنَّا أُلوفا)
(وَنَنْتَزِعُ الْعُرُوشَ بِبَطْنِ وَجٍّ ... وَتُصْبِحُ دُورُكُمْ مِنْكُمْ خُلُوفَا)
(وَيَأْتِيكُمْ لَنَا سَرْعَانُ خَيْلٍ ... يُغَادِرُ خَلْفَهُ جَمْعًا كَثِيفَا)
(إِذَا نَزَلُوا بِسَاحَتِكُمْ سَمِعْتُمْ ... لَهَا مِمَّا أَنَاخَ بِهَا رَجِيفَا)
стр. 763
(بِأَيْدِيهِمْ قَوَاضِبُ مُرْهَفَاتٌ ... يُزِرْنَ الْمُسْطَلِينَ بِهَا الْحُتُوفَا)
(كَأَمْثَالِ العقَائِقِ أَخْلَصَتْهَا ... قُيُونُ الْهِنْدِ لَمْ تُضْرَبْ كَتِيفَا)
(تَخَالُ جَدِيَّةَ الأَبْطَالِ فِيهَا ... غَدَاةَ الزَّحْفِ جَادِيًّا مَدُوفَا)
(أَجَدَّهُمُ ألَيْسَ لهُمْ نَصِيحٌ ... مِنَ الأَقْوَامِ كَانَ بِنَا عَرِيفَا)
(يُخَبِّرُهُمْ بِأَنَّا قَدْ جَمَعْنَا ... عِتَاقَ الْخَيْلِ وَالنُّجُبَ الطُّرُوفَا)
(وَأَنَّا قَدْ أَتَيْنَاهُمْ بِزَحْفٍ ... يُحِيط بِسُورِ حِصْنِهِمُ صُفُوفَا)
(رَئِيسُهُمُ النَّبِيُّ وَكَانَ صُلْبًا ... نَقِيُّ الْقَلْبِ مُصْطَبِرّا عَزُوفًا)
(رَشيدَ الأَمْرِ ذَا حُكْمٍ وَعِلْمٍ ... وَحِلْمِ لَمْ يَكُنْ نَزِقًا خَفِيفَا)
(نُطيِعُ نَبِيَّنَا ونُطِيعُ رَبًّاً ... هُوَ الرَّحْمنُ كَانَ بِنَا رَءُوفَا)
(فإِنْ تُلْقُوا إِلَيْنَا السِّلْمَ نَقْبَلْ ... وَنَجْعَلْكُمْ لَنَا عَضُدًا وَرِيفاَ)
(وَإِنْ تَأْبَوْا نُجَاهدْكُمْ وَنَصْبِرْ ... وَلَا يَكُ أمْرُنَا رَعِشًا ضَعِيفَا)
(نُجَالِدُ مَا بَقِينَا أوْ تُنِيبُوا ... إِلَى الإسْلَامِ إِذْعَانًا مُضِيفَا)
(نُجَاهِدُ مَا نُبَالِي مَنْ لَقِينَا ... أأهْلَكْنَا التِّلَادَ أمِ الطَّرِيفَا)
(وَكَمْ مِنْ مَعْشَرٍ أَلَبُوا عَلَيْنَا ... صَمِيمَ الْجِذْمِ مِنْهُمْ وَالْحلِيفَا)
(أتَوْنَا لَا يَرَوْنَ لَهُمْ كِفَاءً ... فَجَدَّعْنَا الْمَسَامِعَ وَالأنُوفَا)
(بِكُلِّ مُهَنَّدٍ لَيْنٍ صَقِيلٍ ... نَسُوقُهُمُ بِهَا سَوْقاً عَنِيفَا)
(لأَمْرِ اللهِ وَالإِسْلَامِ حَتَّى ... يَقُومَ الدِّينُ مُعْتَدِلاً حَنِيفَا)
(وَتُنْسَى اللاتُ وَالْعُزَّى وَوَدٌّ ... وَنَسْلُبُهَا الْقَلائِد وَالشُّنُوفَا)
(فَأَمْسَوْا قَدْ أقرُّوا وَاطمَأَنُّوا ... وَمَنْ لَا يَمْتَنِعْ يَقْبَلْ خُسُوفَا)
قَالَ فِي الْمَوَاهِب بعد ذكر أَن الطَّائِف على ثَلَاث مراحل أَو اثْنَتَيْنِ من مَكَّة من جِهَة الْمشرق كثير الأعناب والفواكه قيل إِن أصبها أَن جِبْرِيل اقتلع الْجنَّة الَّتِي كَانَت لأَصْحَاب الصريم فَسَار بهَا إِلَى مَكَّة فَطَافَ بهَا حول الْبَيْت ثمَّ أنزلهَا هُنَاكَ فَسمى الْموضع بهَا وَكَانَت أَولا بنواحي صنعاء وَاسم الأَرْض وَج بتَشْديد الْجِيم
стр. 764
وَسَار إِلَيْهَا النَّبِي
فِي شَوَّال سنة ثَمَان حِين خرج من حنين وَحبس الْغَنَائِم بالجعرانة وقدَم خَالِد بن الْوَلِيد على مقدمته وَكَانَت ثَقِيف لما انْهَزمُوا من أَوْطَاس دخلُوا حصنهمْ بِالطَّائِف وأغلقوه عَلَيْهِم بعد أَن أدخلُوا فِيهِ مَا يصلحهم لسنة وتهيئوا لِلْقِتَالِ وَلما سَار
مرَ فِي طَرِيقه بِقَبْر أبي رِغَال وَهُوَ أَبُو ثَقِيف فِيمَا يُقَال فاستخرج مِنْهُ غصناً من ذهب وَنزل قَرِيبا من الْحصن وعسْكَرَ هُنَاكَ فرموا الْمُسلمين بِالنَّبلِ رمياً شَدِيدا كَأَنَّهُ رَجل جَراد حَتَّى أُصِيب نَاس من الْمُسلمين بجراحة وَقتل مِنْهُم اثْنَا عشر رجلا فيهم عبد الله بن أبي أُميَّة وَرمى عبد الله بن أبي بكر الصّديق يَوْمئِذٍ بِجرح فاندمل ثمَّ نقض عَلَيْهِ بعد ذَلِك فَمَاتَ مِنْهُ فِي خلَافَة أَبِيه وارتفع
إِلَى مَوضِع مَسْجِد الطَّائِف الْيَوْم وَكَانَ مَعَه من نِسَائِهِ أم سَلمَة وَزَيْنَب فَضرب لَهما قبتين وَكَانَ يُصَلِّي بَين القبتين حِصَار الطَّائِف كُله فَحَاصَرَهُمْ ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا وَيُقَال خَمْسَة عشر يَوْمًا وَنصب عَلَيْهِم المنجنيق وَهُوَ أول منجنيق رمي بِهِ فِي الْإِسْلَام وَكَانَ قدم بِهِ الطُّفَيْل الدوسي مَعَه لما رَجَعَ من سَرِيَّة ذِي الْكَفَّيْنِ وَوضع الْمُسلمُونَ الرَّايَات بِأَصْل الْحصن فَأرْسلت عَلَيْهِم ثَقِيف سِكَك الْحَدِيد المحماة وَهِي أخشاب متسعة الأجواف تدفع فِي جِدَار الْحُصُون فيدخلها الرِّجَال لنقب جدارها فرمتهم ثَقِيف بِالنَّبلِ فَقتل مِنْهُم رجال فَأمر
بِقطع أَعْنَاقهم وَتَحْرِيقهَا فقطعها الْمُسلمُونَ قطعا ذريعاً ثمَّ سَأَلُوهُ أَن يَدعهَا لله وللرحم فَقَالَ ﵊ إِنِّي أدعها لله وللرحم ثمَّ نَادَى مناديه ﵊ أَيّمَا عبد نزل من الْحصن وَخرج إِلَيْنَا فَهُوَ حر قَالَ الدمياطي فَخرج مِنْهُم بضعَة عشر رجلا مِنْهُم أَبُو بكرَة وَعند مغلطاي ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ عبدا وَفِي البُخَارِيّ عَن عُثْمَان النَّهْدِيّ قَالَ سَمِعت سَعْدا وَأَبا بكرَة عَن النَّبِي
قَالَ عَاصِم لقد شهد عِنْدِي رجلَانِ أما أَحدهمَا فَأول من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله
وَأما الآخر فَنزل إِلَى النَّبِي
ثَالِث ثَلَاثَة وَعشْرين من الطَّائِف ... الحَدِيث
стр. 765
وَأعْتق
من نزل مِنْهُم وَدفع كل رجل مِنْهُم إِلَى رجل من الْمُسلمين يمونه فشق ذَلِك على أهل الطَّائِف مشقة شَدِيدَة وَلم يُؤذن لَهُ
فِي فتح الطَّائِف وَأمر عمر بن الْخطاب فَأذن فِي النَّاس بالرحيل فَضَجَّ النَّاس من ذَلِك وَقَالُوا نرحل وَلم تفتح علينا الطَّائِف فَقَالَ
فاغدوا على الْقِتَال فَغَدوْا فَأصَاب الْمُسلمين جراحات فَقَالَ
إِنَّا قافلون غَدا إِن شَاءَ الله فسروا بذلك وأذعنوا وَجعلُوا يرحلون وَرَسُول الله
يضْحك قَالَ النَّوَوِيّ قصد
الشَّفَقَة عَلَيْهِم والرفق بالرحيل عَن الطَّائِف لصعوبة أمره وَشدَّة الْكفَّار الَّذين فِيهِ وتقويهم بحصنهم مَعَ أَنه
علم أَو رجا أَنه سيفتحه بعد هَذَا بِلَا مشقة فَلَمَّا حرص الصَّحَابَة على الْمقَام وَالْجهَاد أَقَامَ وجدّ فِي الْقِتَال فَلَمَّا أَصَابَتْهُم الْجراح رَجَعَ إِلَى مَا كَانَ قَصده أَولا من الرِّفْق وفرحوا بذلك لما رَأَوْا من الْمَشَقَّة الظَّاهِرَة ووافقوا على الرحيل فَضَحِك
تَعَجبا من تغير رَأْيهمْ وفقئت عين أبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب يَوْمئِذٍ فَذكر ابْن سعد أَن النَّبِي
قَالَ لَهُ وَهِي فِي يَده
أَيهمَا أحب إِلَيْك عين فِي الْجنَّة أَو أَدْعُو الله أَن يردهَا عَلَيْك فَقَالَ بل عين فِي الْجنَّة فَرمى بهَا وَشهد اليرموك فقاتل وفقئت عينه الْأُخْرَى يَوْمئِذٍ ذكره الْحَافِظ زين الدّين الْعِرَاقِيّ فِي شرح التَّقْرِيب وَقَالَ
للصحابة قُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده صدق وعده وَنصر عَبده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده فَلَمَّا ارتحلوا قَالَ قُولُوا آيبون تائبون عَابِدُونَ لربنا حامدون صدق الله وعده وَنصر عَبده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده فَانْظُر كَيفَ كَانَ
إِذا خرج للْجِهَاد يعْتد لذَلِك بِجمع الصَّحَابَة واتخاذ الْخَيل وَالسِّلَاح وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من آلَات الْجِهَاد وَالسّفر ثمَّ إِذا رَجَعَ ﵊ يتعرى من ذَلِك وَيرد الْأَمر كُله لمَوْلَاهُ لَا لغيره لقَوْله آيبون تائبون عَابِدُونَ لربنا حامدون صدق الله وعده وَنصر عَبده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده
стр. 766
وَانْظُر إِلَى قَوْله ﵊ وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده فنفى
مَا تقدم ذكره وَهَذَا هُوَ معنى الْحَقِيقَة لِأَن الْإِنْسَان وَفعله خلق لرَبه فَهُوَ لله الَّذِي خلق ودبر وأعان وأجرى الْأُمُور على يَد من شَاءَ وَمن اخْتَار من خلقه فَكل مِنْهُ وَإِلَيْهِ وَلَو شَاءَ الله أَن يبيد أهل الْكفْر من غير قتال لفعل قَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِك وَلَو يشاءُ اللهُ لانتصَرَ مِنهُم وَلَكِن ليبلُوَا بَعضَكم بِبَعض﴾ مُحَمَّد ٤ ليثبت الصابرين وَيجْزِي الثَّوَاب للشاكرين قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَنَبلُوَنكُم حَتى نَعلَمَ المجاَهِدِينَ مِنْكُم وَالصَّابِرِينَ ونبلوا أخباركم﴾ فعلى الْمُكَلف الِامْتِثَال فِي الْحَالَتَيْنِ أَي امْتِثَال تعاطى الْأَسْبَاب تأدباً مَعَ الربوبية كَمَا فعل ذَلِك
أَولا تأدباً مَعَ الربوبية وتشريعاً لأمته ثمَّ يظْهر الله مَا يَشَاء من قدرته الغامضة الَّتِي ادخرها لَهُ ﵊ قَالَه ابْن الْحَاج فِي الْمدْخل وَلما قيل لَهُ يَا رَسُول الله ادْع على ثَقِيف قَالَ اللَّهُمَّ اهد ثقيفاً وائت بهم وَكَانَ ﵊ قد أَمر أَن يجمع السَّبي والغنائم مِمَّا أَفَاء الله على رَسُوله يَوْم حنين فَجمع ذَلِك كُله إِلَى الجعرَانة فَكَانَ بهَا إِلَى أَن انْصَرف ﵊ من الطَّائِف وَكَانَ السَّبي سِتَّة آلَاف رَأس وَالْإِبِل أَرْبَعَة وَعشْرين ألف بعير وَالْغنم أَكثر من أَرْبَعِينَ ألف شَاة وَأَرْبَعَة آلَاف أُوقِيَّة فضَّة واستأنى
بهوازن أَي انْتظر وتربص أَن يقدموا عَلَيْهِ مُسلمين بضع عشرَة ثمَّ بَدَأَ يقسم الْأَمْوَال وَفِي البُخَارِيّ وطفق
يُعْطي رجَالًا الْمِائَة من الْإِبِل مِنْهُم أَبُو سُفْيَان وعيينة بن حصن الْفَزارِيّ والأقرع بن حَابِس التَّمِيمِي وَأعْطى الْعَبَّاس بن مرداس السّلمِيّ سِتِّينَ فسخطها ثمَّ أَتَى إِلَيْهِ ﵊ فَأَنْشد // (من المتقارب) //
(أتجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العَبِيدِ ... بَين عُيَيْنَةَ والأَقْرَع)
(فَمَا كَانَ حِصْنٌ ولَا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ)
стр. 767
(ومَا كُنْتُ دُونَ امرِىءٍ مِنْهُمَا ... ومَنْ تَضَعِ اليَوْمَ لَا يُرْفَعِ)
فَقَالَ ﵊ لعَلي اقْطَعْ لِسَانه عني فأكمل لَهُ مائَة فَقَالَ نَاس من الْأَنْصَار يغْفر الله لرَسُول الله يعْطى قُريْشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دِمَائِهِمْ قَالَ أنس فَحدث رَسُول الله
بمقالتهم فَأرْسل إِلَى الْأَنْصَار فَجَمعهُمْ فِي قبَّة من أَدَم ثمَّ قَالَ لَهُم أما ترْضونَ أَن يذهب النَّاس بالأموال وَالشَّاء وَالْبَعِير وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ إِلَى رحالكُمْ فوَاللَّه لما تنقلبون بِهِ خير مِمَّا يَنْقَلِبُون بِهِ قَالُوا يَا رَسُول الله قد رَضِينَا وَعَن جُبَير بن مطعم قَالَ بَيْنَمَا أَنا مَعَ النَّبِي
وَمَعَهُ النَّاس مقفلون من حنين علقت برَسُول الله
الْأَعْرَاب حَتَّى اضطرته إِلَى سَمُرَة فخطفت رِدَاءَهُ فَوقف
فَقَالَ أعطوني رِدَائي فَلَو كَانَ لي عدد العضاه نعما لقسمته بَيْنكُم ثمَّ لَا تجدوني بَخِيلًا وَلَا كذوباً وَلَا جَبَانًا رَوَاهُ ابْن جرير فِي تهذيبه وَذكر مُحَمَّد بن سعد كَاتب الْوَاقِدِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَنه لما قدم رَسُول الله
من الطَّائِف نزل الْجِعِرَّانَة فقسم الْغَنَائِم ثمَّ اعْتَمر مِنْهَا وَذَلِكَ لليلتين بَقِيَتَا من شَوَّال قَالَ ابْن سيد النَّاس وَهَذَا ضَعِيف وَالْمَعْرُوف عِنْد أهل السّير أَن النَّبِي
انْتهى إِلَى الْجِعِرَّانَة لَيْلَة الْخَمِيس لخمس لَيَال خلون من ذِي الْقعدَة فَأَقَامَ بهَا ثَلَاث عشرَة لَيْلَة فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَاف إِلَى الْمَدِينَة خرج لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من ذِي الْقعدَة لَيْلًا فَأحْرم بِعُمْرَة وَدخل مَكَّة وَفِي تَارِيخ الْأَزْرَقِيّ عَن مُجَاهِد أَنه ﵊ أحرم من وَرَاء الْوَادي حَيْثُ الْحِجَارَة المنصوبة وَعند الْوَاقِدِيّ من الْمَسْجِد الْأَقْصَى الَّذِي تَحت الْوَادي بالعدوة القصوى من الْجِعِرَّانَة فَكَانَت صلَاته ﵊ إِذا كَانَ بالجعرانة بِهِ والجعرَانة موضعَ بَينه وَبَين مَكَّة بريد يَعْنِي اثْنَي عشر ميلًا كَمَا قَالَه الفاكهي وَقَالَ الْبَاجِيّ ثَمَانِيَة عشر ميلًا وَسمي بِامْرَأَة تلقب بالجعرانة كَمَا ذكره السُّهيْلي أَخذهَا السَّيْل فوصل بهَا
стр. 768
إِلَى هَذَا الْمحل فَوجدت ثمَّة فَسمى الْمحل بهَا قَالُوا وَقدم
الْمَدِينَة وَقد غَابَ عَنْهَا شَهْرَيْن وَسِتَّة عشر يَوْمًا قَالَ ابْن هِشَام وَلما أعْطى رَسُول الله
مَا أعْطى فِي قُرَيْش وقبائل الْعَرَب وَلم يُعْط الْأَنْصَار شَيْئا قَالَ حسان بن ثَابت يعاتبه فِي ذَلِك // (من الْبَسِيط) //
(زار الهُمُومُ فماءُ العَيْنِ مُنْحَدِرُ ... سَحًّا إِذا حَفَّلَتْهُ عَبْرَةٌ دررُ)
(وجدا بِشّيْماءَ إِذْ شَيْماءُ بَهْكَنَةٌ ... هَيْفَاءُ لَا دَنَسٌ فِيهَا وَلَا خَوَرُ)
(دَعْ عَنْكَ شيماء إِذْ كانَتْ مَوَدَّتُهَا ... نَزْرًا وَشَرٌّ وِصَالِ الوَاصِلِ النَّزْرُ)
(وائتِ الرَّسُولَ فَقَلْ يَا خَيْرَ مُؤتَمن ... للمُؤْمنينَ إِذَا مَا عُدَّدَ البَشَرُ)
(عَلامَ تُدْعَى سُلَيْمٌ وَهْيَ نَازِحَةٌ ... قُدَّامَ قَوْمٍ هَمُ آووا وَهُم نَصَرُوا)
(سمَّاهُمُ اللهُ أَنْصَارًا بِنَصْرِهِمُ ... ديِنَ الهُدّى وعَوَانُ الحَرْبِ تَسْتَعِرُ)
(وسَارَعُوا فِي سَبيلِ الله واعْتَرَفُوا ... للنَّائِباتِ ومَا خَامُوا ومَا ضَجرُوا)
(والناسُ إلْبٌ عيناَ فيكَ لَيْسَ لَنَا ... إِلَاّ السيُوف وأطْرَافُ القَنَا وزرُ)
(نجالد النَّاسَ لَا نُبقِي عَلَى أحَدِ ... وَلا نُضَيِّعُ مَا تُوحِي بِهِ السُّوَرُ)
(وَلا تهرُّ جُنَاةُ الحرْبِ ناديناَ ... ونحْنُ حينَ تلظَّى نَارُهَا سعر)
(كَمَا رَدَدْنَا ببدرِ دَونَ مَا طَلَبُوا ... أَهْلَ النِّفَاقِ وَفينَا يَنْزِلُ الظِّفَرُ)
(ونَحنُ جُنْدُكَ يَوْم النَّعْفِ من أُحُدٍ ... إِذ حَزَّبَتْ بَطَرًا أَحْزَابَهَا مُضَرُ)
(فَمَا وَنَيْنَا ومَا خَمْنَا وَمَا خبرُوا ... منَّا عَثَارًا وكل النِّاسِ قَدْ عَثَرُوا)
стр. 769
(حوادث السّنة التَّاسِعَة)
فِيهَا غَزْوَة تَبُوك وَهِي الْعسرَة والفاضحة فِي رَجَب لما بلغه أَن الرّوم تجمعت فِي الشَّام مَعَ هِرقل وَقد اشْتَمَلت على أُمُور لِلْمُنَافِقين فضحوا بهَا وفيهَا تَابَ الله على الثَّلَاثَة الَّذين خُلفوا كَعْب بن مَالك ومرارة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة وَأقَام
بضع عشرَة لَيْلَة وَانْصَرف وَلم يلق كيداً قَالَ فِي الْمَوَاهِب وَكَانَت يَوْم الْخَمِيس فِي رَجَب سنة تسع من الْهِجْرَة بِلَا خلاف وذكرُ البُخَارِيّ لَهَا بعد حجَّة الْوَدَاع لَعَلَّه خطأ من النساخ وَكَانَ يَوْمئِذٍ حر شَدِيد وجدب فَلذَلِك لم يُوَر عَنْهَا كعادته فِي سَائِر الْغَزَوَات وَفِي تَفْسِير عبد الرَّزَّاق عَن معمر قَالَ خَرجُوا فِي قلَّة من الظّهْر وَفِي حر شَدِيد حَتَّى كَانُوا ينحرون الْبَعِير فيشربون مَا فِي كرشه من المَاء فَكَانَ ذَلِك عسرة فِي المَاء وَفِي الظّهْر وَالنَّفقَة فسميت غَزْوَة الْعسرَة وسببها أَنه بلغه
من الأنباط الَّذين يقدمُونَ بالزيت من الشَّام إِلَى الْمَدِينَة أَن الرّوم تجمعت بِالشَّام مَعَ هِرقل فندب
النَّاس إِلَى الْخُرُوج وأعلمهم بِالْمَكَانِ الَّذِي يُرِيد لِيَتَأَهَّبُوا لذَلِك وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عمرَان بن الْحصين قَالَ كَانَت نَصَارَى الْعَرَب كتبت إِلَى هِرقل إِن هَذَا الرجل الَّذِي خرج يَدعِي النُّبُوَّة قد أَصَابَتْهُم سنُون فَهَلَكت أَمْوَالهم فَبعث رجلا من عظمائهم وجهز مَعَه أَرْبَعِينَ ألفا فَبلغ ذَلِك النَّبِي
وَلم يكن للنَّاس قُوَّة وَكَانَ عُثْمَان قد عير إِلَى الشَّام فَقَالَ يَا رَسُول الله هَذِه مِائَتَا بعير بأقتابها وأحلاسها وَمِائَتَا أُوقِيَّة قَالَ فَسَمعته يَقُول لَا يضر عُثْمَان مَا عمل بعْدهَا وروى عَن قَتَادَة أَنه قَالَ حمل عُثْمَان فِي
стр. 770
جَيش الْعسرَة على ألف بعير وَسبعين فرسا وَعَن عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة قَالَ جَاءَ عُثْمَان بن عَفَّان بِأَلف دِينَار فِي كمه حِين جهز جَيش الْعسرَة فنثرها فِي حجره
فرأيته
يقلبها فِي حجره وَيَقُول مَا ضرّ عُثْمَان مَا عمل بعد الْيَوْم أخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن غَرِيب وَعند الفضائلي والملا فِي سيرته كَمَا ذكره الطَّبَرِيّ فِي الرياض النضرة من حَدِيث حُذَيْفَة بعث عُثْمَان يعْنى فِي جَيش الْعسرَة بِعشْرَة آلَاف دِينَار إِلَى رَسُول الله
فَكَانَ
يَقُول بِيَدِهِ ويقلبها ظهرا بِبَطن وَيَقُول غفر الله لَك يَا عُثْمَان مَا أسررت وَمَا أعلنت وَمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة مَا يُبَالِي مَا عمل بعْدهَا وَلما تأهب
لِلْخُرُوجِ قَالَ قوم من الْمُنَافِقين لَا تنفرُوا فِي الْحر فَنزل قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تنَفِرُوا فِي الْحر قل نَار جَهَنَّم أَشد حرا لَو كَانُوا يفقهُونَ﴾ وَأرْسل ﵊ إِلَى مَكَّة وقبائل الْعَرَب يستنفرهم وَجَاء البكاءون يستحملونه فَقَالَ ﵊ لَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ وهم سَالم بن عُمَيْر وعلبة بن زيد وَأَبُو ليلى عبد الرَّحْمَن بن كَعْب الْمَازِني والعرباض بن سَارِيَة وهرم بن عبد الله وَعَمْرو بن عتمة وَعبد الله ابْن مُغفل وَعبد الله بن عَمْرو الْمُزنِيّ وَعَمْرو بن الْحمام ومغفل الْمُزنِيّ وحضرمي بن مَازِن والنعمان وسُويد وَمَعْقِل وَعقيل وَسنَان وَعبد الرَّحْمَن وَهِنْد بَنو مقرن وهم الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿تَوَلوَا وأعيُنُهُم تفيض من الدمع حزنا أَلا يَجدوا مَا يُنْفقُونَ﴾ قَالَه مغلطاي وَفِي البُخَارِيّ عَن أبي مُوسَى قَالَ أَرْسلنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُول الله
أسأله الحملان لَهُم فَقلت يَا نَبِي الله إِن أَصْحَابِي أرسلوني إِلَيْك لتحملهم فَقَالَ وَالله لَا أحملكم على شَيْء فَرَجَعت حَزينًا من منع النَّبِي
وَمن مَخَافَة أَن يكون النَّبِي
стр. 771
وجد فِي نَفسه عَليّ فَرَجَعت إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرتهمْ الَّذِي قَالَ النَّبِي
فَلم ألبث إِلَّا سويعة إِذْ سَمِعت بِلَالًا يُنَادي أَيْن عبد الله بن قيس فأجبته فَقَالَ أجب رَسُول الله
يَدْعُوك فَلَمَّا أَتَيْته قَالَ خُذ هَاتين القرينتين وَهَاتين القرينتين لسِتَّة أَبْعِرَة ابتاعها حِينَئِذٍ من سعد فَانْطَلق بهما إِلَى أَصْحَابك فَقل إِن الله وَإِن رَسُول الله يحملكم على هَؤُلَاءِ فاركبوهن ... الحَدِيث وَقَامَ علبة بن زيد فصلى من اللَّيْل وَبكى وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك أمرت بِالْجِهَادِ ورغبتَ فِيهِ ثمَّ لم تجْعَل عِنْدِي مَا أتقوى بِهِ مَعَ رَسُولك وَلم تجْعَل فِي يَد رَسُولك
مَا يحملني عَلَيْهِ وَإِنِّي أَتصدق على كل مُسلم بِكُل مظْلمَة أصابني فِي مَال أَو جَسَد أَو عرض ثمَّ أصبح مَعَ النَّاس فَقَالَ النَّبِي
أَيْن الْمُتَصَدّق فَليقمْ فأقوم إِلَيْهِ فَأخْبرهُ فَقَالَ
أبشر فوالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لقد كتبت فِي الزَّكَاة المتقبلة رَوَاهُ يُونُس كَمَا ذكره السُّهيْلي فِي الرَّوْض وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وَجَاء المعذرون من الْأَعْرَاب ليؤذن لَهُم فِي التَّخَلُّف فَأذن لَهُم وهم اثْنَان وَثَمَانُونَ رجلا وَقعد الَّذين كذبُوا الله وَرَسُوله واستخلف على الْمَدِينَة مُحَمَّد بن مسلمة قَالَ الدمياطي وَهُوَ عندنَا أثبت مِمَّن قَالَ غَيره انْتهى وَقَالَ الْحَافِظ زين الدّين الْعِرَاقِيّ فِي تَرْجَمَة عَليّ بن أبي طَالب من شرح التَّقْرِيب لم يتَخَلَّف عَن الْمشَاهد إِلَّا فِي تَبُوك فَإِن النَّبِي
خَلفه على الْمَدِينَة وعَلى عِيَاله وَقَالَ لَهُ يَوْمئِذٍ أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص وَرجحه ابْن عبد الْبر وَقيل اسْتخْلف سِبَاع بن عرفطة وتخلف نفر من الْمُسلمين من غير شكّ وَلَا ارتياب مِنْهُم كَعْب بن مَالك ومرارة ابْن الرّبيع وهلال بن أُميَّة وَفِيهِمْ نزل ﴿وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا﴾
стр. 772
وَأَبُو ذَر وَأَبُو خَيْثَمَة ثمَّ لحقاه بعد ذَلِك وَلما رأى ﵊ أَبَا ذَر الْغِفَارِيّ وَكَانَ ﵊ نزل فِي بعض الطَّرِيق قَالَ يمشي وَحده ويعيش وَحده وَيَمُوت وَحده فَكَانَ كَذَلِك وَأمر
لكل بطن من الْأَنْصَار والقبائل من الْعَرَب أَن يتخذوا لِوَاء وَرَايَة وَكَانَ مَعَه ﵊ ثَلَاثُونَ ألفا وَعند أبي زرْعَة سَبْعُونَ ألفا وَفِي رِوَايَة عَنهُ أَيْضا أَرْبَعُونَ ألفا وَكَانَت الْخَيل عشرَة آلَاف فرس وَلما مر ﵊ بِالْحجرِ بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون الْجِيم بديار ثَمُود قَالَ لَا تشْربُوا من مَائِهَا شَيْئا وَلَا يخْرجن أحد مِنْكُم إِلَّا وَمَعَهُ صَاحب لَهُ فَفعل النَّاس إِلَّا أَن رجلَيْنِ من بني سَاعِدَة خرج أَحدهمَا لحَاجَة وَخرج الآخر لطلب بعيره فَأَما الَّذِي خرج لِحَاجَتِهِ فخنق على مذْهبه وَأما الَّذِي خرج لطلب بعيره فاحتملته الرّيح حَتَّى طرحته بجبل طَيء فَأخْبر بذلك رَسُول الله
فَقَالَ ألم أنهكم ثمَّ دَعَا للَّذي خنق على مذْهبه فشفي وَأما الآخر فأهدته طَيء لرَسُول الله
حِين قدم الْمَدِينَة وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي حميد انْطَلَقت حَتَّى قدمنَا تَبُوك فَقَالَ رَسُول الله
تهب اللَّيْلَة عَلَيْكُم ريح شَدِيدَة فَلَا يقم أحد مِنْكُم فَمن كَانَ لَهُ بعير فليشد رَحْله فَهبت ريح شَدِيدَة فَقَامَ رجل فَحَملته الرّيح حَتَّى ألقته بجبل طيىء وروى الزُّهْرِيّ لما مر رَسُول الله
بِالْحجرِ سَجى ثَوْبه على وَجهه واستحث رَاحِلَته ثمَّ قَالَ لَا تدْخلُوا بيُوت الَّذين ظلمُوا أنفسهم إِلَّا وَأَنْتُم باكون خوفًا أَن يُصِيبكُم مَا أَصَابَهُم رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَلما كَانَ
بِبَعْض الطَّرِيق ضلت نَاقَته فَقَالَ زيد بن لصيب وَكَانَ منافقاً أَلَيْسَ مُحَمَّد يزْعم أَنه نَبِي وَيُخْبِركُمْ عَن خبر السَّمَاء وَهُوَ لَا يدْرِي أَن نَاقَته فَقَالَ رَسُول الله
إِن رجلا يَقُول مقَالَة وَإِنِّي وَالله لَا أعلم إِلَّا مَا عَلمنِي الله
стр. 773
وَقد دلَّنِي الله عَلَيْهَا وَهِي فِي هَذَا الْوَادي فِي شعب كَذَا وَكَذَا وَقد حبستها شَجَرَة بزمامها فَانْطَلقُوا حَتَّى تَأْتُونِي بهَا فَانْطَلقُوا فَجَاءُوا بهَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو نعيم وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث معَاذ بن جبل أَنهم وردوا عين تَبُوك وَهِي تبض بِشَيْء من مَاء وَأَنَّهُمْ غرفوا مِنْهَا قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى اجْتمع فِي شَيْء ثمَّ غسل
وَجهه وَيَديه ثمَّ أَعَادَهُ فِيهَا فجرت بِمَاء كثير فاستقى النَّاس ... الحَدِيث وَلما انْتهى
إِلَى تَبُوك أَتَاهُ صَاحب أَيْلَة فَصَالحه وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَة وَأَتَاهُ أهل جربا بِالْجِيم وأذراح بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء والحاء الْمُهْملَة بلدين بِالشَّام بَينهمَا ثَلَاثَة أَيَّام فَأَعْطوهُ الْجِزْيَة وَكتب لَهُم
كتابا وَوجد هِرقل بحمص فَأرْسل خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى أكيدر بن عبد الْملك النَّصْرَانِي وَكَانَ ملكا عَظِيما بدومة الجندل فِي أَرْبَعمِائَة وَعشْرين فَارِسًا فِي رَجَب سَرِيَّة وَقَالَ لَهُ ﵊ إِنَّك ستجده لَيْلًا يصيد الْبَقر فَانْتهى إِلَيْهِ خَالِد وَقد خرج من حصنه فِي لَيْلَة مق ٤ مرّة إِلَى بقر يطاردها هُوَ وَأَخُوهُ حسان فشدت عَلَيْهِ خيل خَالِد فاستأسر أكيدر وَقتل أَخُوهُ حسان وهرب من كَانَ مَعَهُمَا فَدخل الْحصن ثمَّ أَجَارَ خَالِد أكيدر من الْقَتْل حَتَّى يَأْتِي بِهِ رَسُول الله
على أَن يفتح لَهُ دومة الجندل فَفعل وَصَالَحَهُ على ألفي بعير وَثَمَانمِائَة فرس وَأَرْبَعمِائَة درع وَأَرْبَعمِائَة رمح وَفِي هَذِه كتب
كتابا فِي تَبُوك إِلَى هِرقل يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام فقارب الْإِجَابَة وَلم يجب رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أنس وَفِي مُسْند أَحْمد أَن هِرقل كتب من تَبُوك إِلَى النَّبِي
إِنِّي مُسلم فَقَالَ النَّبِي
كذب هُوَ على نصرانيته وَفِي كتاب الْأَمْوَال لأبي عُبَيْدَة بِسَنَد صَحِيح من مُرْسل بكر بن
стр. 774
عبد الله نَحوه وَلَفظه فَقَالَ كذب عَدو الله لَيْسَ بِمُسلم ثمَّ انْصَرف
من تَبُوك بعد أَن أَقَامَ بضع عشرَة لَيْلَة وَقَالَ الدمياطي وَمن قبله ابْن سعد عشْرين لَيْلَة يُصَلِّي بهَا رَكْعَتَيْنِ وَلم يلق بهَا كيداً وَبنى فِي طَرِيقه مَسَاجِد وَأَقْبل ﵊ حَتَّى إِذا نزل بِذِي أَوَان بِفَتْح الْهمزَة بِلَفْظ الأوان للحين وَبَينهَا وَبَين الْمَدِينَة سَاعَة جَاءَهُ خبر مَسْجِد الضرار من السَّمَاء فَدَعَا مَالك بن الدخشم ومعن بن عدي الْعجْلَاني فَقَالَ انْطَلقَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِد الظَّالِم أَهله فَاهْدِمَاهُ وَحَرِّقَاهُ فَخَرَجَا فَحَرقَاهُ وَهَدَمَاهُ وَذَلِكَ بعد أَن أنزل الله فِيهِ ﴿وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا وَكفرا﴾ الْآيَة قَالَ الواحدي قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة وَعَامة أهل التَّفْسِير إِن الَّذين اتَّخذُوا مَسْجِد الضرار قَالُوا نقِيل فِيهِ فَلَا نحضر خلف مُحَمَّد قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَلما بنوا ذَلِك لأغراضهم الْفَاسِدَة عِنْد ذهَاب رَسُول الله
إِلَى تَبُوك قَالُوا يَا رَسُول الله بنينَا مَسْجِدا لذِي الْعلَّة وَاللَّيْلَة الْمَطِيرَة وَنحن نحب أَن تصلي فِيهِ وَتَدْعُو لنا بِالْبركَةِ فَقَالَ ﵊ إِنِّي على جنَاح سفر وَإِذا قدمنَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى صلينَا فِيهِ فَلَمَّا قفل من غَزْوَة تَبُوك سَأَلُوهُ إتْيَان الْمَسْجِد فَنزلت هَذِه الْآيَة وَلما دنا
خرج النَّاس لتلقيه وَخرج النِّسَاء وَالصبيان والولائد يقلن // (من مجزوء الرمل) //
(طَلَعَ البَدرُ علينَا ... منْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاع)
(وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا ... مَا دَعَا للهِ دَاع)
وَقد وهم بعض الروَاة كَمَا قَدمته إِذْ قَالَ إِنَّمَا كَانَ هَذَا عِنْد مقدمه الميدنة وَهُوَ وهم ظَاهر لِأَن ثنيات الْوَدَاع إِنَّمَا هِيَ من نَاحيَة الشَّام لَا يَرَاهَا القادم من مَكَّة
стр. 775
إِلَى الْمَدِينَة وَلَا يَرَاهَا إِلَّا إِذا توجه إِلَى الشَّام وَفِي البُخَارِيّ لما رَجَعَ
من غَزْوَة تَبُوك فَدَنَا من المدينهَ قَالَ إِن بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مسيرًا وَلَا قطعْتُمْ وَاديا إِلَّا كَانُوا مَعكُمْ حَبسهم الْعذر وَهُوَ يُؤَيّد معنى مَا روى نِيَّة الْمَرْء خير من عمله فَإِن نِيَّة هَؤُلَاءِ أبلغ من عَمَلهم فَإِنَّهَا بلغت بهم مبلغ أُولَئِكَ العاملين بأبدانهم وهم على فرشهم فِي بُيُوتهم والمسابقة إِلَى الله تَعَالَى إِلَى الدَّرَجَات الْعلَا بِالنِّيَّاتِ والهمم لَا بِمُجَرَّد الْأَعْمَال وَلما أشرف
على الْمَدِينَة قَالَ هَذِه طابة وَهَذَا أحد جبل يحبنا ونحبه وَلما دخل قَالَ الْعَبَّاس يَا رَسُول الله ائْذَنْ لي أمتدحك قَالَ قل لَا يفضض الله فَاك وَقد تقدم ذكرهَا وَتبين غَرِيب ألفاظها ومعانيها وجاءه
من كَانَ تخلف عَنهُ فعذرهم واستغفر لَهُم وأرجأ أَمر كَعْب وصاحبيه حَتَّى نزلت تَوْبَتهمْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لقد تَابَ اللهُ عَلىَ النبيِ والمهاجرينَ وَالأنصارِ﴾ إِلَى ﴿إنَ الله هُوَ التواب الرَّحِيم﴾ وَالثَّلَاثَة هم كَعْب بن مَالك وهلال بن أُميَّة ومرارة بن ربيعَة وَعند الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل من مُرْسل سعيد بن الْمسيب أَن أَبَا لبَابَة لما أَشَارَ لبني قُرَيْظَة بِيَدِهِ إِلَى حلقه أَنه الذّبْح فَأخْبر عَنهُ رَسُول الله
بذلك فَقَالَ لَهُ
أحسبت أَن الله غفل عَن يدك حَيْثُ تُشِير إِلَيْهِم بهَا إِلَى حلقك فَلبث حينا وَرَسُول الله عَاتب عَلَيْهِ ثمَّ غزا تَبُوكا فَتخلف عَنهُ أَبُو لبَابَة فِيمَن تخلف فَلَمَّا قفل رَسُول الله
مِنْهَا جَاءَ أَبُو لبَابَة يسلم عَلَيْهِ فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله
فَفَزعَ أَبُو لبَابَة فَارْتَبَطَ
следующие страницы →