Полный текст (2 217 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وجد فِي نَفسه عَليّ فَرَجَعت إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرتهمْ الَّذِي قَالَ النَّبِي
فَلم ألبث إِلَّا سويعة إِذْ سَمِعت بِلَالًا يُنَادي أَيْن عبد الله بن قيس فأجبته فَقَالَ أجب رَسُول الله
يَدْعُوك فَلَمَّا أَتَيْته قَالَ خُذ هَاتين القرينتين وَهَاتين القرينتين لسِتَّة أَبْعِرَة ابتاعها حِينَئِذٍ من سعد فَانْطَلق بهما إِلَى أَصْحَابك فَقل إِن الله وَإِن رَسُول الله يحملكم على هَؤُلَاءِ فاركبوهن ... الحَدِيث وَقَامَ علبة بن زيد فصلى من اللَّيْل وَبكى وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك أمرت بِالْجِهَادِ ورغبتَ فِيهِ ثمَّ لم تجْعَل عِنْدِي مَا أتقوى بِهِ مَعَ رَسُولك وَلم تجْعَل فِي يَد رَسُولك
مَا يحملني عَلَيْهِ وَإِنِّي أَتصدق على كل مُسلم بِكُل مظْلمَة أصابني فِي مَال أَو جَسَد أَو عرض ثمَّ أصبح مَعَ النَّاس فَقَالَ النَّبِي
أَيْن الْمُتَصَدّق فَليقمْ فأقوم إِلَيْهِ فَأخْبرهُ فَقَالَ
أبشر فوالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لقد كتبت فِي الزَّكَاة المتقبلة رَوَاهُ يُونُس كَمَا ذكره السُّهيْلي فِي الرَّوْض وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وَجَاء المعذرون من الْأَعْرَاب ليؤذن لَهُم فِي التَّخَلُّف فَأذن لَهُم وهم اثْنَان وَثَمَانُونَ رجلا وَقعد الَّذين كذبُوا الله وَرَسُوله واستخلف على الْمَدِينَة مُحَمَّد بن مسلمة قَالَ الدمياطي وَهُوَ عندنَا أثبت مِمَّن قَالَ غَيره انْتهى وَقَالَ الْحَافِظ زين الدّين الْعِرَاقِيّ فِي تَرْجَمَة عَليّ بن أبي طَالب من شرح التَّقْرِيب لم يتَخَلَّف عَن الْمشَاهد إِلَّا فِي تَبُوك فَإِن النَّبِي
خَلفه على الْمَدِينَة وعَلى عِيَاله وَقَالَ لَهُ يَوْمئِذٍ أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص وَرجحه ابْن عبد الْبر وَقيل اسْتخْلف سِبَاع بن عرفطة وتخلف نفر من الْمُسلمين من غير شكّ وَلَا ارتياب مِنْهُم كَعْب بن مَالك ومرارة ابْن الرّبيع وهلال بن أُميَّة وَفِيهِمْ نزل ﴿وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا﴾
стр. 772
وَأَبُو ذَر وَأَبُو خَيْثَمَة ثمَّ لحقاه بعد ذَلِك وَلما رأى ﵊ أَبَا ذَر الْغِفَارِيّ وَكَانَ ﵊ نزل فِي بعض الطَّرِيق قَالَ يمشي وَحده ويعيش وَحده وَيَمُوت وَحده فَكَانَ كَذَلِك وَأمر
لكل بطن من الْأَنْصَار والقبائل من الْعَرَب أَن يتخذوا لِوَاء وَرَايَة وَكَانَ مَعَه ﵊ ثَلَاثُونَ ألفا وَعند أبي زرْعَة سَبْعُونَ ألفا وَفِي رِوَايَة عَنهُ أَيْضا أَرْبَعُونَ ألفا وَكَانَت الْخَيل عشرَة آلَاف فرس وَلما مر ﵊ بِالْحجرِ بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون الْجِيم بديار ثَمُود قَالَ لَا تشْربُوا من مَائِهَا شَيْئا وَلَا يخْرجن أحد مِنْكُم إِلَّا وَمَعَهُ صَاحب لَهُ فَفعل النَّاس إِلَّا أَن رجلَيْنِ من بني سَاعِدَة خرج أَحدهمَا لحَاجَة وَخرج الآخر لطلب بعيره فَأَما الَّذِي خرج لِحَاجَتِهِ فخنق على مذْهبه وَأما الَّذِي خرج لطلب بعيره فاحتملته الرّيح حَتَّى طرحته بجبل طَيء فَأخْبر بذلك رَسُول الله
فَقَالَ ألم أنهكم ثمَّ دَعَا للَّذي خنق على مذْهبه فشفي وَأما الآخر فأهدته طَيء لرَسُول الله
حِين قدم الْمَدِينَة وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي حميد انْطَلَقت حَتَّى قدمنَا تَبُوك فَقَالَ رَسُول الله
تهب اللَّيْلَة عَلَيْكُم ريح شَدِيدَة فَلَا يقم أحد مِنْكُم فَمن كَانَ لَهُ بعير فليشد رَحْله فَهبت ريح شَدِيدَة فَقَامَ رجل فَحَملته الرّيح حَتَّى ألقته بجبل طيىء وروى الزُّهْرِيّ لما مر رَسُول الله
بِالْحجرِ سَجى ثَوْبه على وَجهه واستحث رَاحِلَته ثمَّ قَالَ لَا تدْخلُوا بيُوت الَّذين ظلمُوا أنفسهم إِلَّا وَأَنْتُم باكون خوفًا أَن يُصِيبكُم مَا أَصَابَهُم رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَلما كَانَ
بِبَعْض الطَّرِيق ضلت نَاقَته فَقَالَ زيد بن لصيب وَكَانَ منافقاً أَلَيْسَ مُحَمَّد يزْعم أَنه نَبِي وَيُخْبِركُمْ عَن خبر السَّمَاء وَهُوَ لَا يدْرِي أَن نَاقَته فَقَالَ رَسُول الله
إِن رجلا يَقُول مقَالَة وَإِنِّي وَالله لَا أعلم إِلَّا مَا عَلمنِي الله
стр. 773
وَقد دلَّنِي الله عَلَيْهَا وَهِي فِي هَذَا الْوَادي فِي شعب كَذَا وَكَذَا وَقد حبستها شَجَرَة بزمامها فَانْطَلقُوا حَتَّى تَأْتُونِي بهَا فَانْطَلقُوا فَجَاءُوا بهَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو نعيم وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث معَاذ بن جبل أَنهم وردوا عين تَبُوك وَهِي تبض بِشَيْء من مَاء وَأَنَّهُمْ غرفوا مِنْهَا قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى اجْتمع فِي شَيْء ثمَّ غسل
وَجهه وَيَديه ثمَّ أَعَادَهُ فِيهَا فجرت بِمَاء كثير فاستقى النَّاس ... الحَدِيث وَلما انْتهى
إِلَى تَبُوك أَتَاهُ صَاحب أَيْلَة فَصَالحه وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَة وَأَتَاهُ أهل جربا بِالْجِيم وأذراح بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء والحاء الْمُهْملَة بلدين بِالشَّام بَينهمَا ثَلَاثَة أَيَّام فَأَعْطوهُ الْجِزْيَة وَكتب لَهُم
كتابا وَوجد هِرقل بحمص فَأرْسل خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى أكيدر بن عبد الْملك النَّصْرَانِي وَكَانَ ملكا عَظِيما بدومة الجندل فِي أَرْبَعمِائَة وَعشْرين فَارِسًا فِي رَجَب سَرِيَّة وَقَالَ لَهُ ﵊ إِنَّك ستجده لَيْلًا يصيد الْبَقر فَانْتهى إِلَيْهِ خَالِد وَقد خرج من حصنه فِي لَيْلَة مق ٤ مرّة إِلَى بقر يطاردها هُوَ وَأَخُوهُ حسان فشدت عَلَيْهِ خيل خَالِد فاستأسر أكيدر وَقتل أَخُوهُ حسان وهرب من كَانَ مَعَهُمَا فَدخل الْحصن ثمَّ أَجَارَ خَالِد أكيدر من الْقَتْل حَتَّى يَأْتِي بِهِ رَسُول الله
على أَن يفتح لَهُ دومة الجندل فَفعل وَصَالَحَهُ على ألفي بعير وَثَمَانمِائَة فرس وَأَرْبَعمِائَة درع وَأَرْبَعمِائَة رمح وَفِي هَذِه كتب
كتابا فِي تَبُوك إِلَى هِرقل يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام فقارب الْإِجَابَة وَلم يجب رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أنس وَفِي مُسْند أَحْمد أَن هِرقل كتب من تَبُوك إِلَى النَّبِي
إِنِّي مُسلم فَقَالَ النَّبِي
كذب هُوَ على نصرانيته وَفِي كتاب الْأَمْوَال لأبي عُبَيْدَة بِسَنَد صَحِيح من مُرْسل بكر بن
стр. 774
عبد الله نَحوه وَلَفظه فَقَالَ كذب عَدو الله لَيْسَ بِمُسلم ثمَّ انْصَرف
من تَبُوك بعد أَن أَقَامَ بضع عشرَة لَيْلَة وَقَالَ الدمياطي وَمن قبله ابْن سعد عشْرين لَيْلَة يُصَلِّي بهَا رَكْعَتَيْنِ وَلم يلق بهَا كيداً وَبنى فِي طَرِيقه مَسَاجِد وَأَقْبل ﵊ حَتَّى إِذا نزل بِذِي أَوَان بِفَتْح الْهمزَة بِلَفْظ الأوان للحين وَبَينهَا وَبَين الْمَدِينَة سَاعَة جَاءَهُ خبر مَسْجِد الضرار من السَّمَاء فَدَعَا مَالك بن الدخشم ومعن بن عدي الْعجْلَاني فَقَالَ انْطَلقَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِد الظَّالِم أَهله فَاهْدِمَاهُ وَحَرِّقَاهُ فَخَرَجَا فَحَرقَاهُ وَهَدَمَاهُ وَذَلِكَ بعد أَن أنزل الله فِيهِ ﴿وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا وَكفرا﴾ الْآيَة قَالَ الواحدي قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة وَعَامة أهل التَّفْسِير إِن الَّذين اتَّخذُوا مَسْجِد الضرار قَالُوا نقِيل فِيهِ فَلَا نحضر خلف مُحَمَّد قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَلما بنوا ذَلِك لأغراضهم الْفَاسِدَة عِنْد ذهَاب رَسُول الله
إِلَى تَبُوك قَالُوا يَا رَسُول الله بنينَا مَسْجِدا لذِي الْعلَّة وَاللَّيْلَة الْمَطِيرَة وَنحن نحب أَن تصلي فِيهِ وَتَدْعُو لنا بِالْبركَةِ فَقَالَ ﵊ إِنِّي على جنَاح سفر وَإِذا قدمنَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى صلينَا فِيهِ فَلَمَّا قفل من غَزْوَة تَبُوك سَأَلُوهُ إتْيَان الْمَسْجِد فَنزلت هَذِه الْآيَة وَلما دنا
خرج النَّاس لتلقيه وَخرج النِّسَاء وَالصبيان والولائد يقلن // (من مجزوء الرمل) //
(طَلَعَ البَدرُ علينَا ... منْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاع)
(وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا ... مَا دَعَا للهِ دَاع)
وَقد وهم بعض الروَاة كَمَا قَدمته إِذْ قَالَ إِنَّمَا كَانَ هَذَا عِنْد مقدمه الميدنة وَهُوَ وهم ظَاهر لِأَن ثنيات الْوَدَاع إِنَّمَا هِيَ من نَاحيَة الشَّام لَا يَرَاهَا القادم من مَكَّة
стр. 775
إِلَى الْمَدِينَة وَلَا يَرَاهَا إِلَّا إِذا توجه إِلَى الشَّام وَفِي البُخَارِيّ لما رَجَعَ
من غَزْوَة تَبُوك فَدَنَا من المدينهَ قَالَ إِن بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مسيرًا وَلَا قطعْتُمْ وَاديا إِلَّا كَانُوا مَعكُمْ حَبسهم الْعذر وَهُوَ يُؤَيّد معنى مَا روى نِيَّة الْمَرْء خير من عمله فَإِن نِيَّة هَؤُلَاءِ أبلغ من عَمَلهم فَإِنَّهَا بلغت بهم مبلغ أُولَئِكَ العاملين بأبدانهم وهم على فرشهم فِي بُيُوتهم والمسابقة إِلَى الله تَعَالَى إِلَى الدَّرَجَات الْعلَا بِالنِّيَّاتِ والهمم لَا بِمُجَرَّد الْأَعْمَال وَلما أشرف
على الْمَدِينَة قَالَ هَذِه طابة وَهَذَا أحد جبل يحبنا ونحبه وَلما دخل قَالَ الْعَبَّاس يَا رَسُول الله ائْذَنْ لي أمتدحك قَالَ قل لَا يفضض الله فَاك وَقد تقدم ذكرهَا وَتبين غَرِيب ألفاظها ومعانيها وجاءه
من كَانَ تخلف عَنهُ فعذرهم واستغفر لَهُم وأرجأ أَمر كَعْب وصاحبيه حَتَّى نزلت تَوْبَتهمْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لقد تَابَ اللهُ عَلىَ النبيِ والمهاجرينَ وَالأنصارِ﴾ إِلَى ﴿إنَ الله هُوَ التواب الرَّحِيم﴾ وَالثَّلَاثَة هم كَعْب بن مَالك وهلال بن أُميَّة ومرارة بن ربيعَة وَعند الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل من مُرْسل سعيد بن الْمسيب أَن أَبَا لبَابَة لما أَشَارَ لبني قُرَيْظَة بِيَدِهِ إِلَى حلقه أَنه الذّبْح فَأخْبر عَنهُ رَسُول الله
بذلك فَقَالَ لَهُ
أحسبت أَن الله غفل عَن يدك حَيْثُ تُشِير إِلَيْهِم بهَا إِلَى حلقك فَلبث حينا وَرَسُول الله عَاتب عَلَيْهِ ثمَّ غزا تَبُوكا فَتخلف عَنهُ أَبُو لبَابَة فِيمَن تخلف فَلَمَّا قفل رَسُول الله
مِنْهَا جَاءَ أَبُو لبَابَة يسلم عَلَيْهِ فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله
فَفَزعَ أَبُو لبَابَة فَارْتَبَطَ
стр. 776
بِسَارِيَة التَّوْبَة سبعا وَقَالَ لَا يزَال هَذَا مَكَاني حَتَّى أُفَارِق الدُّنْيَا أَو يَتُوب الله عَليّ ... الحَدِيث وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس من قَوْله تَعَالَى ﴿وآخَرُونَ اعتَرَفوُا بِذُنوبِهِم خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا﴾ قَالَ كَانُوا عشرَة تخلفوا عَن النَّبِي
فِي غَزْوَة تَبُوك فَلَمَّا رَجَعَ
أوثق سَبْعَة مِنْهُم أنفسهم بِسوَارِي الْمَسْجِد وَكَانَ ممر النَّبِي
إِذا رَجَعَ فِي الْمَسْجِد عَلَيْهِم فَقَالَ من هَؤُلَاءِ قَالُوا أَبُو لبَابَة وَأَصْحَاب لَهُ تخلفوا عَنْك يَا رَسُول الله حَتَّى تُطْلِقهُمْ وَتَعْذُرهُمْ قَالَ أقسم بِاللَّه لَا أطلقهُم وَلَا أَعْذرهُم حَتَّى يكون الله الَّذِي يُطْلِقهُمْ رَغِبُوا عني وتخلفوا عَن الْغَزْو فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَآخَرون اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ ١٠٢ فَلَمَّا نزلت أرسل إِلَيْهِم النَّبِي
فأطقوا وعذروا ... الحَدِيث قَالُوا وَلما قدم ﵊ من تَبُوك وجد عُوَيْمِر الْعجْلَاني امْرَأَته حُبْلَى فلاعن ﵊ بَينهمَا وَكَانَت تَبُوك آخر غَزْوَة غَزَاهَا رَسُول الله
وَقَالَ حسان بن ثَابت يعدد أَيَّام الْأَنْصَار مَعَ رَسُول الله
وَيذكر مواطنهم مَعَه فِي أَيَّام غَزوه // (من الْبَسِيط) //
(أَلسْتَ خَيْرَ مَعَدٍّ كلِّهَا نَفرا ... ومَعْشَرًا إنْ هُم عُمُّوا وإِنْ حُصِلُوا)
(قومٌ هُمُ شَهِدُوا بَدْرًا بِأَجْمَعِهِمْ ... مَعَ الرَّسُولِ فَمَا أَلَوْا وَمَا خَذَلُوا)
(وَبَايَعُوهُ فَلَمْ يَنْكُثْ بِهِ أَحَدٌ ... منهُمْ وَلَمْ يَكُ فِي إِيِمَانِهِمْ دَخَلُ)
(ويومَ صَبَّحَهُمْ فِي الشَّعْبِ مِنْ أُحُدٍ ... ضرْبٌ رَصِينٌ كَحَرِّ النَّأرِ مُشْتَعِلُ)
(وَيَوْم ذِي قَرَدٍ يومَ استثَارَ بهمْ ... عَلَى الجِيادِ فَماَ خَامُوا وَمَا نَكَلُوا)
(وذَا العُشَيرةِ جاسُوها بخَيْلِهمُ ... مَعَ الرسولِ عيلهَا البيضُ والأسَلَ)
(ويومَ ودَّانَ أَجْلَوا أهلَهُ رَقَصًا ... بالخَيْلِ حتَّى نَهَانَا الحزنُ والجبلُ)
(وليلَةً طلَبُوا فِيهَا عدُوَّهُمُ ... لله واللهُ يجْزِيهمْ بِمَا عَمِلُوا)
(وغزوةَ يَومَ نَجْدٍ ثمَّ كانَ لَهُمْ ... مَعَ الرَّسُولِ بهَا الأسْلابُ والنَّفَلُ)
стр. 777
(وَلَيْلَة بحنينٍ جَالدُوا معهُ ... فِيهَا يعلهم بالحْربِ إذْ نَهَلُوا)
(وغَزْوةَ القَاعِ فرقْنَا العدوِّ بهِ ... كَمَا تَفرَّقَ دون المشربِ الرَّسلُ)
(ويومَ بُويعَ كانُوا أَهْلَ بيعَتِهِ ... عَلى الجِلَادِ فآسَوْهُ ومَا عَدَلُوا)
(وغزوةَ الفتْحِ كانُوا فِي سريَّتِهِ ... مُرَابِطِينَ فَمَا طاشُوا ومَا عَجِلُوا)
(ويومَ خَيْبرَ كانُوا فِي كَتيبَتِهِ ... يَمْشُونَ كلُّهُمُ مسْتبسِلٌ بَطَلُ)
(بالبيضِ عُرعَشُ تُرعَشُ فِي الأيمَانِ عَارِيةً ... تعوجُ فِي الضِّربِ أَحْيَانًا وتعتَدلُ)
(ويومَ سارَ رَسولُ اللهِ محتَسِبًا ... إِلَى تبوكَ وهمْ راياتُهُ الأولُ)
(وسَاسَةُ الحربِ إنْ حربٌ بدَتْ لهمُ ... حتَّى بَدَا لهُمُ الإقْبَالُ والقَفَلُ)
(أولئكَ القومُ أنصَارُ النبيِّ وهم ... قوْمِي أَصِيرُ إِلَيْهِم حينَ أتَّصِلُ)
(ماتُوا كِرامًا ولمْ تُنْكَثْ عهُودُهمُ ... وقَتْلُهم فِي سَبِيل الله إِذْ قتلُوا)
وَقَالَ حسان بن ثَابت أَيْضا // (من الطَّوِيل) //
(وكنَّا ملوكَ الناسِ قبلَ محمَّدٍ ... فلمَّا أَتى الإسَلامُ كانَ لَنا الفضْلُ)
(وأكرمنَا الله الَّذِي ليسَ غيرُه ... إِلَه بأيامٍ مَضَتْ مَا لَهَا شَكْلُ)
(بنصرِ الإلَهِ والرَّسولِ ودينِهِ ... وألبسنَاهُ اسْما مَضَى مَا لَهُ مثْلُ)
(أُولَئِكَ قومِي خيرُ قَومٍ بأسرِهم ... فَمَا عُدِّ من خَيْرٍ فقومِي لهُ أهلُ)
(يَرُبُّونَ بالمعروفِ معروفَ من مَضَى ... وليسَ عَلَيْهِم دُونَ معروفِهم قفلُ)
(إِذا اختُبطُوا لمْ يفْحِشُوا فِي نديِّهم ... وليسَ عَلَى سُؤالهم عِنْدهم بخلُ)
(وإنْ حارَبُوا أَوْ سَالموا لَمْ يشبهُوا ... فحربُهُمُ حتْفٌ وسَلْمُهُمُ سَهْلُ)
(وَجَارَهُمُ موفٍ بعلْيَاء بَيْتُهُ ... لَهُ مَا ثوى فينَا الكَرامةُ والبَذْلُ)
(وحامِلُهم موفٍ بكلِّ حَمَالةٍ ... تحمَّل لَا غرمٌ عَلَيْهِ وَلَا خذْلُ)
(وقائلهُم بالحقِّ إِن قَال قَائِلٌ ... وحِلْمُهُمُ عَوْدٌ وحكْمُهُمُ عَدْلُ)
(ومنَّا أمينُ المسلِمينَ حياتَهُ ... وَمنْ غسلتْهُ مِنْ جَنَابَتِهِ الرّسْلُ)
وَقَالَ أَيْضا // (من المتقارب) //
(قَوْمى أولئِكَ إِنْ تَسْألِي ... كرامٌ إِذا الضّيفُ يَوْمًا ألَم)
стр. 778
(عِظَامُ القُدُورِ لأيْسِارِهم ... يكبُّونَ فِيهَا السَّمِينَ السَّنِمْ)
(يُواسُوانَ جَارهُمُ فِي الغِنَى ... ويَحْمُونَ مَوْلَاهُمُ إِن ظُلِمْ)
(فكَانُوا مُلُوكًا بَأَرضيهِمُ ... ينادونَ غُضبًا بِأمْرٍ غشمْ)
(مُلوكًا عَلَى النَّاسِ لَمْ يُملَكُوا ... مِنَ الدَّهْرِ يَوْمًا كحِلِّ القَسَمْ)
(فَأَنْبَوْا بِعَادٍ وأَشْيَاعها ... ثَمُود وَبَعض بَقَايَا إرَمْ)
(بيثْربَ قَدْ شيدُوا فِي النَّخِيل ... حُصونًا ودُجنَ فِيهَا النَّعَمْ)
(نَواضِحَ قَدْ علَّمَتْهَا اليهودُ ... علَّ إليكَ وَقَوْلاً هَلمّ)
(وفيهَا اشْتَهوا مِنْ عصِير القِطَافِ ... وعيش رخى عَلَى غيرِهمْ)
(فَسِرْنَا إِليْهِم بأثْقَالِنَا ... عَلَى كلِّ فَحْلٍ هِجَانٍ قِطمْ)
(جَنَبْنَا بِهن جِيَادَ الخيولِ ... والزحفُ مِنْ خَلْفِهِم قَدْ دهَمْ)
(فَطَارُوا سَرَاعاً وقَدْ أُفْزِعُوا ... وجِئْنَا إِليْهِمْ كَأُسْدِ الأَجَمْ)
(عَلَى كُلِّ سَلْهَبَةٍ فِي الصِّيَان ... لَا تَسْتَكينَ لطوُلِ السِّأَمْ)
(وكل كميت مُطَارِ الفُؤَاد ... أمينِ الفُصوصِ كمِثْل الزُّلَمْ)
(عَلَيْهَا فوارسُ قَدْ عوِّدُوا ... قِرَاعَ الكمَاةِ وضرْبَ البُهَمْ)
(ملوكٌ إِذا غَشَمُوا فِي البِلادِ ... لَا يَنْكلُونَ ولكِنْ قُدُمْ)
(فأُبْنَا بِسَادَاتهم والنِّسَاء ... وَأولادهُم فيهمُ تقْتَسمْ)
(ورِثنا مسَاكنُهم بعدَهُم ... وكنَّا ملوكاً بِهَا لم نرِمْ)
(فلمَّا أتانَا الرسولُ الرشيدُ ... بالحقِّ والنُّورِ بعْدَ الظُّلَمْ)
(فَقُلْنَا صَدَقْتَ رَسُولَ المليكِ ... هلُم إِلَيْنَا وفينَا أَقِمْ)
стр. 779
(فَنَشْهَدُ أنَّكَ عبدُ الإِله ... أُرْسِلتَ نورا بدِينِ قيمْ)
(فَإِنَّا وَأْولادنَا جُنَّةٌ ... نَقِيكَ وَفِي مَالِنَا فاحْتَكِمْ)
(فَنَحْنُ ولاتكَ إِنْ كذبُوك ... فَنَادِ نِدَاء وَلَا تَحتشِمْ)
(ونادِ بِمَا كنتَ أخفَيْتَهُ ... نِدَاء جهاراً وَلَا تَكتتِمْ)
(فَسَار الغواةُ بأسيَافِهم ... إِلَيْهِ يظنُّونَ أَن يخْتَرمْ)
(فقُمْنَا إِلَيْهِم بأسْيَافِنَا ... نجالدُ عَنهُ بُغَاةَ الأممْ)
(بكلِّ صقيلٍ لهُ مَيْعَةٌ ... رَقِيق الذُبابِ عَضُوضٍ خّذِمْ)
(إِذا مَا يُصادفُ صمَّ العظَامِ ... لَمْ ينبُ عَنْهَا وَلم ينثَلِمْ)
(فَذلك مَا وَرَّثَتْنَأ القرومُ ... مَجْداً تليدَاً وعزُّا أَشمّ)
(إِذا مرِّ نَسْلٌ كَفَى نسلَهُ ... وغَادرَ نَسْلاً إِذا مَا انفصمْ)
(فَمَا إِنْ من النَّاسِ إِلَّا لَنَا ... عَلَيْهِ وإنْ خَاسَ فضل النَعَمْ)
وفيهَا بنى
فِي طَرِيقه مَسَاجِد حِين رَجَعَ من تَبُوك وَقدم فِي رَمَضَان وَأمر بِمَسْجِد الضرار أَن يحرق وَاشْترى
جمل جَابر مرجعه فَلَمَّا قدمُوا إِلَى الْمَدِينَة أعطَاهُ الْجمل وَالثمن كَمَا تقدم ذكر ذَلِك وفيهَا بعث المصدقين لأخذ الصَّدقَات عُيَيْنَة بن حصن إِلَى بني تَمِيم كغيرهم والوليد بن عقبَة إِلَى بني المصطلق ليَأْخُذ الصَّدَقَة فَخَرجُوا بِالسِّلَاحِ فَرحا بِهِ فولى رَاجعا وَأخْبر بمنعهم فهم
أَن يبْعَث لَهُم جَيْشًا فَنزل ﴿إِن جَاءَكمُ فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وفيهَا سَرِيَّة عبد الله بن عَوْسَجَة إِلَى بني حَارِثَة مستهل صفر يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام فرقعوا بالصحيفة أَسْفَل دلوهم وأبوا الْإِجَابَة فَدَعَا
عَلَيْهِم بذهاب عقلهم فهم إِلَى الْيَوْم فِي رعدة وعجلة واختلاط كَلَام وَقُطْبَة بن عَامر إِلَى خثعم بِنَاحِيَة بيشة من مخاليف مَكَّة فِي صفر فِي عشْرين رجلا فَقتلُوا مِنْهُم وغنموا
стр. 780
وعلقمة بن مُحرز المدلجي إِلَى الْحَبَشَة فِي ثَلَاثمِائَة لما ترَاءى أهل جدة نَاسا من الْحَبَشَة فَخَاضَ إِلَيْهِم فَهَرَبُوا فَلَمَّا رجعُوا وَكَانَ أمره على من تعجل فِي الرُّجُوع وَمَعَهُ عبد الله بن حذافة السَّهْمِي أَو هُوَ الْأَمِير كَمَا فِي بعض الرِّوَايَات فأجج نَارا وأرادهم على الْوُثُوب ثمَّ كف عَن ذَلِك فَبَلغهُ
ذَلِك فَقَالَ من أَمركُم بِمَعْصِيَة فَلَا تطيعوه وعليا إِلَى القلس صنم لطيىء فِي مائَة وَخمسين أَو مِائَتَيْنِ فهدمه وغنم غَنَائِم من آل حَاتِم ثمَّ لما ظفروا بهدمه هرب عدي بن حَاتِم إِلَى الشَّام وكلم النَّبِي
أُخْت عدي سفانة بنت حَاتِم أَن يمن عَلَيْهِ فَمن عَلَيْهِ ثمَّ قدم وَأسلم وعكاشة بن مُحصن إِلَى الْحباب أَرض عذرة وبلي وغَطَفَان أَو فزارهَ وكلب ولعذرة فِيهَا شركَة وَأَبا سُفْيَان والمغيرة لهدم الطاغية وَغَيرهَا فهدماها وأخذا مَالهَا وفيهَا قدم وَفد بني أَسد فَقَالُوا جِئْنَا قبل أَن ترسل إِلَيْنَا فَنزل ﴿يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا﴾ وَتَتَابَعَتْ الْوُفُود تَمِيم وَعَبس وفزارة وَغَيرهم مِمَّا لَا ينْحَصر وفيهَا حج أَبُو بكر الصّديق ﵁ بِالنَّاسِ فِي ثَلَاثمِائَة رجل وَمَعَهُ عشرُون بَدَنَة وَبعث عليا خَلفه بِسُورَة بَرَاءَة لينبذ إِلَى كل ذِي عهد عَهده وَألا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان فأدركه عَليّ بالعرج مبلغا لَا أَمِيرا وَكَانَ حجهم فِي ذَلِك الْعَام فِي ذِي الْقعدَة وفيهَا مَاتَ النَّجَاشِيّ فَخرج
إِلَى الْمصلى وَالنَّاس مَعَه فصلوا عَلَيْهِ وَمَات عبد الله بن أبي الْمُنَافِق فصلى عَلَيْهِ فَنزل ﴿وَلَا تُصَلِّ على أحَدٍ منهُم مَاتَ أبدا﴾ وآلى من نِسَائِهِ شهرا وَلَا عَن بَين عُوَيْمِر الْعجْلَاني أَو هِلَال ابْن أُميَّة وَامْرَأَته خَوْلَة بنت عَاصِم أَو بنت قيس أَو غير ذَلِك على الِاخْتِلَاف لما رَمَاهَا بِشريك بن السحماء فِي شعْبَان عِنْد قدومه من تَبُوك فَوَجَدَهَا حُبْلَى وَنزلت
стр. 781
حِينَئِذٍ آيَة اللّعان قَالَ فِي الْمَوَاهِب حجَّة أبي بكر الصّديق سنة تسع فِي ذِي الْقعدَة كَمَا ذكره ابْن سعد وَغَيره بِسَنَد صَحِيح عَن مُجَاهِد وَوَافَقَهُ عِكْرِمَة بن خَالِد فِيمَا أخرجه الْحَاكِم فِي الإكليل وَقَالَ قوم فِي ذِي الْحجَّة وَبِه قَالَ الدَّاودِيّ والثعلبي وَالْمَاوَرْدِيّ وَيُؤَيِّدهُ أَن ابْن إِسْحَاق صرح بِأَن النَّبِي
أَقَامَ بَعْدَمَا رَجَعَ من تَبُوك رَمَضَان وشوالاً وَذَا الْقعدَة ثمَّ بعث أَبَا بكر أَمِيرا على الْحَج فَهُوَ ظَاهر فِي أَن بعث أبي بكر كَانَ بعد انسلاخ ذِي الْقعدَة فَيكون حجه فِي ذِي الْحجَّة على هَذَا وَالله أعلم وَكَانَ مَعَ أبي بكر ثَلَاثمِائَة رجل من الْمَدِينَة وَعِشْرُونَ بَدَنَة وَفِي البُخَارِيّ وَمُسلم عَن أبي هُرَيْرَة أَن أَبَا بكر بعث فِي الْحجَّة الَّتِي أمره رَسُول الله
قبل حجَّة الْوَدَاع فِي رَهْط يُؤذن فِي النَّاس يَوْم النَّحْر إِلَّا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان ثمَّ أرْدف النَّبِي
بعلي بن أبي طَالب وَأمره أَن يُؤذن بِبَرَاءَة فَأذن مُعْلنا فِي أهل منى بِبَرَاءَة وَألا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان قَالَ فنبذ أَبُو بكر إِلَى النَّاس فِي ذَلِك الْعَام فَلم يحجّ فِي الْعَام الْقَابِل الَّذِي حج فِيهِ رَسُول الله
حجَّة الْوَدَاع مُشْرك فَأنْزل الله تَعَالَى فِي الْعَام الَّذِي نبذ فِيهِ أَبُو بكر إِلَى الْمُشْركين ﴿يَا أَيهَا الَّذين ءامنوا إِنَمَا المُشركوُن نَجَسٌ فَلا يَقرَبُوا المَسجدَ الحَرَامَ بعد عَامهمْ هَذَا﴾ الْآيَة وَقد دلّت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة على نَجَاسَة الْمُشرك يعْنى نَجَاسَة اعْتِقَاده وَأما نَجَاسَة بدنه فالجمهور على أَنه لَيْسَ بِنَجس الْبدن والذات وَذهب بعض الظَّاهِرِيَّة إِلَى نَجَاسَة أبدانهم وَهَذَا ضَعِيف لِأَن أعيانهم لَو كَانَت نَجِسَة كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِير لما طهرهم الْإِسْلَام ولاستوى فِي النَّهْي عَن دُخُول الْمُشْركين المسجدُ الْحَرَام وَغَيره من الْمَسَاجِد فَالْمُرَاد نَجَاسَة الْخبث لما فيهم من خبث الظَّاهِر بالْكفْر وخبث الْبَاطِن بالعداوة قَالَه مقَاتل
стр. 782
وروى النَّسَائِيّ عَن جَابر أَن النَّبِي
لما رَجَعَ من عمْرَة الْجِعِرَّانَة بعث أَبَا بكر على الْحَج فأقبلنا مَعَه حَتَّى إِذا كُنَّا بالعرج ثوَّب بالصبح فَلَمَّا اسْتَوَى للتكبير سمع الرغوة وَرَاء ظَهره فَوقف عَن التَّكْبِير فَقَالَ هَذِه رغوة نَاقَة رَسُول الله
الجدعاء لقد بدا لرَسُول الله
فِي الْحَج فَلَعَلَّهُ أَن يكون رَسُول الله
فنصلي مَعَه فَإِذا عَليّ عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر أَمِير أم رَسُول قَالَ رَسُول أَرْسلنِي رَسُول الله
بِبَرَاءَة أقرأها على النَّاس فِي مَوَاقِف الْحَج فقدمنا مَكَّة فَلَمَّا كَانَ قبل التَّرويَة بِيَوْم قَامَ أَبُو بكر فَخَطب النَّاس فَحَدثهُمْ عَن مناسكهم حَتَّى إِذا فرغ قَامَ عَليّ فَقَرَأَ على النَّاس بَرَاءَة حَتَّى خَتمهَا ثمَّ إِذا كَانَ يَوْم النَّحْر فأفضنا قَامَ أَبُو بكر فَخَطب النَّاس فَحَدثهُمْ عَن إفاضتهم وَعَن نحرهم وَعَن مناسكهم فَلَمَّا فرغ قَامَ عَليّ فقرأعلى النَّاس بَرَاءَة حَتَّى خَتمهَا فَلَمَّا كَانَ يَوْم النَّفر فأفضنا قَامَ أَبُو بكر فَخَطب النَّاس فَحَدثهُمْ كَيفَ ينفرون وَكَيف يرْمونَ وَيُعلمهُم مناسكهم فَلَمَّا فرغ قَامَ عَليّ فَقَرَأَ على النَّاس بَرَاءَة حَتَّى خَتمهَا وَهَذَا السِّيَاق فِيهِ غرابة من جِهَة أَن أَمِير الْحَج سنة الْجِعِرَّانَة إِنَّمَا هُوَ عتاب بن أسيد فَأَما أَبُو بكر ﵁ فَإِنَّمَا كَانَ سنة تسع وَاسْتدلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّة على أَن فرض الْحَج كَانَ قبل حجَّة الْوَدَاع وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِك شهيرة كَثِيرَة وَذهب جمَاعَة إِلَى أَن حج أبي بكر هَذَا لم يسْقط عَنهُ الْفَرْض بل كَانَ تَطَوّعا قبل فرض الْحَج وَلَا يخفي ضعفه وَفِي هَذِه السّنة مَاتَ عبد الله بن أبي ابْن مسلول فجَاء ابْنه عبد الله بن عبد الله إِلَى رَسُول الله
فَسَأَلَهُ أَن يُعْطِيهِ قَمِيصه يُكفن فِيهِ أَبَاهُ فَأعْطَاهُ ثمَّ سَأَلَهُ أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ فَقَامَ عمر ﵁ فَأخذ بِثَوْب رَسُول الله
فَقَالَ يَا رَسُول الله تصلي عَلَيْهِ وَقد نهاك رَبك أَن تصلي عَلَيْهِ فَقَالَ
إِنَّمَا خيرني الله قَالَ ﴿أستَغفِر لَهُم أَو لَا تستَغْفِر لهُم إِن تَستَغفِر لَهُم سبعين مرّة﴾ وسأزيد على السّبْعين قَالَ إِنَّه مُنَافِق فصلى عَلَيْهِ رَسُول الله
فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَلَا تُصَلِّ على أحَدٍ منهُم مَاتَ أبدا وَلَا تَقُم عَلىَ قَبرهِ إنَّهُم كفرُوا باللهِ وَرَسُوله وماتوا وهم فَاسِقُونَ﴾ // (رَوَاهُ الشَّيْخَانِ) //
стр. 783
وفيهَا آلى من نِسَائِهِ
شهرا وجحش شقَّه أَي خدش وَجلسَ فِي مشربَة لَهُ لَهَا درج من جُذُوع فَأَتَاهُ أَصْحَابه يعودونه فصلى بهم جَالِسا وهم قيام فَلَمَّا سلم قَالَ إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ فَإِذا صلى قَائِما فصلوا قيَاما وَإِن صلى قَاعِدا فصلوا قعُودا وَلَا تركعوا حَتَّى يرْكَع وَلَا تَرفعُوا حَتَّى يرفع وَنزل لتسْع وَعشْرين فَقَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّك آلَيْت شهرا فَقَالَ إِن الشَّهْر يكون تسعا وَعشْرين
стр. 784
(حوادث السّنة الْعَاشِرَة)
فِيهَا سَرِيَّة خَالِد فِي ربيع الأول إِلَى بني عبد المدان بِنَجْرَان فأسلموا وجريز ابْن عبد الله البَجلِيّ فِي رَمَضَان فِي مائَة وَخمسين إِلَى ذِي الخلصة بَيت أصنام لدوس وخثعم وبجيلة وَمن ببلادهم وَحَدِيثه فِي البُخَارِيّ قَالَ جرير فكسرناه وقتلنا من وَجَدْنَاهُ عِنْده فَدَعَا
لنا ولأحمس وفيهَا حجَّة الْوَدَاع وَتسَمى حجَّة الْبَلَاغ وَحجَّة الْإِسْلَام خرج يَوْم الْخَمِيس لست بَقينَ أَو يَوْم الْجُمُعَة أَو يَوْم السبت لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة وَمَعَهُ
تسعون ألفا أَو مائَة وَأَرْبَعَة عشر ألفا ووقف فِيهَا يَوْم الْجُمُعَة وَنزل ﴿اليومَ أكمَلتُ لكم دينكُمْ﴾ الْآيَة وَرجع من حجَّة الْوَدَاع لثلاث بَقينَ من ذِي الْحجَّة وفيهَا نزل ﴿يَا أَيهَا الَّذين ءامنوا ليستئذنكم الَّذين ملكت أَيْمَانكُم﴾ الْآيَة وَكَانُوا لَا يَفْعَلُونَهُ قبل ذَلِك وَقدم وَفد نَجْرَان فِي اثْنَي عشر رَاكِبًا أَمِيرهمْ العاقب عبد الْمَسِيح وَالسَّيِّد إمَامهمْ واسْمه الْأَيْهَم وَأَبُو حَارِثَة أسقفهم صالحوه عَن أهل نَجْرَان قَالَ فِي الْمَوَاهِب وَكره ابْن عَبَّاس أَن يُقَال حجَّة الْوَدَاع وَكَانَ
قد أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ يُضحي كل عَام ويغزو الْمَغَازِي فَلَمَّا كَانَ فِي ذِي الْقعدَة سنة عشر من الْهِجْرَة أجمع الْخُرُوج إِلَى الْحَج قَالَ ابْن سعد وَلم يحجّ غَيرهَا مُنْذُ تنبأ إِلَى أَن توفاه الله تَعَالَى وَفِي البُخَارِيّ عَن زيد بن أَرقم أَن النَّبِي
حج بعد مَا هَاجر حجَّة وَاحِدَة لم يحجّ بعْدهَا وَهِي حجَّة الْوَدَاع قَالَ ابْن إِسْحَاق وبمكة أُخْرَى قيل حج
стр. 785
بِمَكَّة حجَّتَيْنِ هَذَا بعد النُّبُوَّة وَقبلهَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله فَخرج
من الْمَدِينَة يَوْم السبت لخمس لَيَال بَقينَ من ذِي الْقعدَة وَجزم ابْن حزم بِأَن خُرُوجه كَانَ يَوْم الْخَمِيس وَفِيه نظر لِأَن أول ذِي الْحجَّة كَانَ يَوْم الْخَمِيس قطعا لما ثَبت وتواتر أَن وُقُوفه بِعَرَفَة كَانَ يَوْم الْجُمُعَة لَكِن ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس صلينَا مَعَ النَّبِي
الظّهْر بِالْمَدِينَةِ أَرْبعا وَالْعصر بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ فَدلَّ على أَن خُرُوجهمْ لم يكن يَوْم الْجُمُعَة وَيحمل قَول من قَالَ لخمس بَقينَ أَي إِن كَانَ الشَّهْر ثَلَاثِينَ فاتفق أَن جَاءَ تسعا وَعشْرين فَيكون يَوْم الْخَمِيس أول ذِي الْحجَّة بعد مُضِيّ أَربع لَيَال لَا خمس وَبهَا الْأَخْبَار هَكَذَا جمع الْحَافِظ عماد الدّين بن كثير الرِّوَايَات وقوى هَذَا الْجمع بقول جَابر إِنَّه خرج لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة أَو أَربع وَصرح بِهِ الْوَاقِدِيّ بِأَن خُرُوجه ﵊ كَانَ يَوْم السبت لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة وَكَانَ خُرُوجه من الْمَدِينَة بَين الظّهْر وَالْعصر وَكَانَ دُخُوله مَكَّة صبح رابعه كَمَا ثَبت فِي حَدِيث عَائِشَة وَذَلِكَ يَوْم الْأَحَد وَهَذَا يُؤَيّد أَن خُرُوجه من الْمَدِينَة كَانَ يَوْم السبت كَمَا تقدم فَيكون مكث فِي الطَّرِيق ثَمَان لَيَال وَهِي الْمسَافَة
стр. 786
الْوُسْطَى وَخرج مَعَه ﵊ تسعون ألفا وَيُقَال مائَة ألف وَأَرْبَعَة عشر ألفا وَيُقَال أَكثر من ذَلِك كَمَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَرجع ﵊ من حجَّة الْوَدَاع لثلاث بَقينَ من ذِي الْحجَّة
стр. 787
(حوادث السّنة الْحَادِيَة عشرَة من الْهِجْرَة)
فِيهَا سَرِيَّة أُسَامَة بن زيد إِلَى أهل أُبنى بالسراة نَاحيَة البلقاء يَوْم الِاثْنَيْنِ لأَرْبَع لَيَال بَقينَ من صفر لغزو الرّوم مَكَان قتل أَبِيه زيد وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر وَغَيرهمَا فَمَرض
فعوقهم ذَلِك وَثقل
فَجعل يَقُول أنفذوا بعث أُسَامَة وَدخل عَلَيْهِ أُسَامَة يَوْم الِاثْنَيْنِ وَقد أصبح مفيقاً فَقَالَ لَهُ اغْدُ على بركَة الله فودعه وَخرج ثمَّ تَأَخّر حَتَّى توفّي رَسُول الله
فَخرج حَتَّى وصل إِلَى أهل أبنى فِي عشْرين لَيْلَة فشن عَلَيْهِم الْغَارة وَكَانَ شعارهم يَا مَنْصُور أمت فَقتل وَحرق وغنم وَقبل وَفَاته ﵊ بِسبع لَيَال أَو ثَلَاث لَيَال أَو ثَلَاث سَاعَات أَو بِأحد وَثَمَانِينَ يَوْمًا أَو عشْرين أَو غير ذَلِك على الْخلاف نزل قَوْله تَعَالَى ﴿وَاتقُوا يَوْمًا ترُجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ الْبَقَرَة ٢٨١ فَهِيَ آخر آيَة نزلت وَفِي البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس إِن آيَة الرِّبَا آخر آيَة نزلت وَالْجمع مُمكن وَفِي آخر مَا نزل أَقْوَال غير ذَلِك وَأما أول مَا نزل ف ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ العلق ١ الْآيَات الْخمس قَالَ الْقشيرِي ثمَّ نون والقلم ثمَّ المزمل ثمَّ المدثر ثمَّ ثَبت ثمَّ كَذَا إِلَى آخر مَا ذكر من التَّرْتِيب ولبسط ذَلِك وتمييز الْمدنِي من الْمَكِّيّ تأليف مَخْصُوصَة لسنا بصددها
(فصل فِي صِفَاته الحسية
)
كَانَ ربعَة بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ أَبيض اللَّوْن مشرباً بحمرة رجل الشّعْر
стр. 788
أسوده يبلغ شحمة أُذُنَيْهِ إِذا طَال وَنصف ذَلِك إِذا قصر لم يبلغ الشيب فِي رَأسه ولحيته عشْرين شَعْرَة وَاسع الجبين أَزجّ الحواجب فِي غير قرن أدعج الْعَينَيْنِ أقنى الْعرنِين سهل الْخَدين ضليع الْفَم أشنب مفلج الْأَسْنَان حُلْو الْمنطق يتلألأ وَجهه كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر حسن الْخلق معتدله عريض الصَّدْر مَوْصُول مَا بَين لبته وسرته بِشعر يجْرِي كالخط أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصَّدْر عالي الْيَدَيْنِ والبطن فِيمَا سوى ذَلِك أجل النَّاس وَأَبْهَاهُ من بعيد وَأحسنه وأحلاه من قريب إِن صمت فَعَلَيهِ الْوَقار وَإِن تكلم سما وعلاه الْبَهَاء بَين كَتفيهِ خَاتم النُّبُوَّة مثل بَيْضَة الْحَمَامَة لَونه لون جسده عَلَيْهِ خيلان روى أَنه مَكْتُوب فِي بَاطِنه الله وَحده لَا شريك لَهُ وَفِي ظَاهره توجه حَيْثُ شِئْت فَإنَّك مَنْصُور ويروى أَيْضا أَن الْمَكْتُوب فِيهِ مُحَمَّد رَسُول الله وَقيل غير ذَلِك يَقُول واصفه
لم أر قبله مثله وَلَا بعده مثله
(فصل فِي صِفَاته المعنوية وأخلاقه
)
قَالَت عَائِشَة كَانَ خلقه الْقُرْآن يغْضب لغضبه ويرضى لرضاه وَكَانَ أحلم النَّاس قيل لَهُ أَلا تَدْعُو على الْمُشْركين قَالَ إِنَّمَا بعثت رَحْمَة وَلم أبْعث عذَابا وَكَانَ أَشْجَع النَّاس قَالَ عَليّ كُنَّا إِذا حمي الْبَأْس والتقى الْقَوْم اتقينا برَسُول الله
وَأَعْدل النَّاس الْقَرِيب والبعيد وَالْقَوِي والضعيف عِنْده سَوَاء
стр. 789
وأعف النَّاس وأسخاهم لَا يسْأَل شَيْئا إِلَّا أعطَاهُ لَا يبيت عِنْده دِينَار وَلَا دِرْهَم فَإِن فضل وَلم يجد من يُعْطِيهِ وفجأه اللَّيْل لم يأو إِلَى منزله حَتَّى يبرأ مِنْهُ إِلَى من يحْتَاج إِلَيْهِ لَا يَأْخُذ مِمَّا أعطَاهُ الله إِلَّا قوت عَامه فَقَط من أيسر مَا يجد وَيَضَع سَائِر ذَلِك فِي سَبِيل الله ثمَّ يعود على قوت عَامه فيؤثر مِنْهُ وَكَانَ أَشد حَيَاء من الْعَذْرَاء فِي خدرها لَا يثبت نظره فِي وَجه أحد غاض الطّرف نظره إِلَى الأَرْض أطول من نظره إِلَى السَّمَاء جلّ نطره الملاحظ وَأكْثر تواضعاً يخصف النَّعْل ويرقع الثَّوْب ويفليه قلت معنى يفليه لَيْسَ من الْقمل كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر لِأَن الْقمل لَا يلْحق جسده الشريف وَإِنَّمَا المُرَاد بالتفلية التنقية من نَحْو قشة أَو غُبَار وَمَا أشبههَا ويخيطه ويخدم فِي مهنة أَهله وَيقطع اللَّحْم مَعَهُنَّ ويجيب دَعْوَة الْحر وَالْعَبْد وَيقبل الْهَدِيَّة وَإِن قلت ويكافىء عَلَيْهَا ويأكلها وَلَا يَأْكُل الصَّدَقَة تستتبعه الْأمة والمسكين فيتبعهما حَيْثُ دَعْوَاهُ ويجيب الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين ويجالسهم ويواكلهم وأصدق النَّاس لهجة وأوفاهم ذمَّة وألينهم عَرِيكَة وَأكْرمهمْ عشرَة وأرحمهم يصغي الْإِنَاء للهرة فَمَا يرفعهُ حَتَّى تروى رَحْمَة لَهَا وأشدهم إِكْرَاما لأَصْحَابه لَا يمد رجله بَينهم ويوسع عَلَيْهِم إِذا ضَاقَ الْمجْلس ويتفقدهم وَيسْأل عَنْهُم من مرض عَاده وَمن غَابَ دَعَا لَهُ وَمن مَاتَ اسْترْجع وأتبع ذَلِك بِالدُّعَاءِ لَهُ وَمن تخوف أَنه وجد فِي نَفسه انْطلق حَتَّى يَأْتِيهِ فِي منزله وَيقبل معذرة المعتذر وَيخرج إِلَى بساتين أَصْحَابه وَيَأْكُل من ضيافتهم وَلَا يطوي بشره عَن أحد وَلَا يدع أحدا يمشي خَلفه وَيَقُول خلوا ظَهْري للْمَلَائكَة وَلَا يدع أحد يمشي مَعَه وَهُوَ رَاكب حَتَّى يحملهُ فَإِن أَبى قَالَ تقدمني إِلَى الْمَكَان الَّذِي تُرِيدُ وَأمر فِي سَفَره باصلاح شَاة فَقَالَ رجل عَليّ ذَبحهَا وَآخر عليَّ سلخها وَآخر عليَّ طبخها فَقَالَ
وعليَّ جمع الْحَطب فَقَالُوا نَحن نكفيك قَالَ قد علمت وَلَكِن اكره أَن أتميز عَلَيْكُم فَإِن الله يكره من عبد أَن يرَاهُ متميزاً بَين أَصْحَابه وَقَامَ بِجمع الْحَطب يخْدم من خدمه مَا ضرب قطّ خادمه وَلَا امْرَأَة وَلَا شَيْئا إِلَّا فِي جِهَاد وَلَا
стр. 790
يترفع على عبيده وإمائه فِي مأكل وَلَا ملبس قَالَ أنس خدمته عشر سِنِين فَمَا قَالَ لي قطّ أُفٍّ وَلَا لِمَ فعلت وَلَا أَلا فعلت أَكثر النَّاس تبسماً وَأَحْسَنهمْ بشرا لَا يهوله شَيْء من أُمُور الدُّنْيَا لَا يحقر فَقِيرا لفقره وَلَا يهاب ملكا لملكه يلبس مَا وجد من مُبَاح ويركب مَا تيَسّر من فرس أَبُو بعير أَو بغلة أَو حمَار ويردف خَلفه عَبده أَو غَيره وَقد روى فِيمَن أردفه أَكثر من ثَلَاثِينَ يمسح وَجه فرسه بِطرف كمه أَو طرف رِدَائه يحب الفأل وَيكرهُ الطَّيرَة إِن جَاءَ مَا يحب قَالَ الْحَمد لله رب الْعَالمين أَو مَا يكره قَالَ الْحَمد لله على كل حَال يحب الطّيب وَيكرهُ الرِيح الرَّديئَة يمزح وَلَا يِقول إِلَّا حَقًا يبْدَأ من لقِيه بِالسَّلَامِ لَا يجلس وَلَا يقوَم إِلَّا على ذكر يجلس حَيْثُ انْتهى بِهِ الْمجْلس وَيَأْمُر بذلك وَلَا يقوم عَمَّن يجالسه حَتَّى يقوم إِلَّا أَن يتعجله أَو يَسْتَأْذِنهُ وَلَا يُقَابل أحدا بِمَا يكره وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيئَة وَلَكِن يعْفُو ويصفح لَا يذم شَيْئا قطّ وَمَا عَابَ طَعَاما قطّ إِن اشتهاه أكله وَإِلَّا تَركه يحفظ جَاره وَيكرم ضَيفه وَمَا خير بَين أَمريْن إِلَّا اخْتَار أيسرهما مَا لم يكن إِثْمًا أَو قطيعة رحم فَيكون أبعد النَّاس مِنْهُ أَكثر جُلُوسه للقباة آتَاهُ الله مَفَاتِيح خَزَائِن الأَرْض فَلم يقبل وَاخْتَارَ الْآخِرَة يعصب الْحجر على بَطْنه من الْجُوع يبيت هُوَ وَأَهله اللَّيَالِي طاوين وَلم يشْبع من خبز بر ثَلَاثًا تباعا وَلَا من خبز الشّعير حَتَّى لَقِي الله إيثاراً على نَفسه لَا فقرا وَلَا بخلا يَأْتِي على أَهله الشَّهْر والشهران لَا يُوقد فِي بَيت من بيوته نَار وَلَا يَأْكُل مُتكئا وَلَا على خوان فرَاشه من أَدَم وحشوة لِيف يلبس الصُّوف وينتعل المخصوف أحب اللبَاس إِلَيْهِ الْحبرَة من برود الْيمن فياه حمرَة وَبَيَاض يلبس الْإِزَار الْوَاحِد لَيْسَ عَلَيْهِ غَيره يعْقد طَرفَيْهِ بَين كَتفيهِ ويلبس يَوْم الْجُمُعَة برده الْأَحْمَر ويعتم وَكَانَ يلبس خَاتمًا فضَّة نقش فصه مُحَمَّد رَسُول الله فِي خِنْصره الْأَيْمن وَرُبمَا لبسه فِي الْأَيْسَر وَيكثر دهن رَأسه ولحيته ويتبخر بِالْعودِ والكافور ويكتحل بالإثمد ويتطيب بالغالية والمسك أَو بالمسك وَحده
стр. 791
(فصل فِي خَصَائِصه
)
فَمن الْوَاجِبَات الْمُشَاورَة فِي الْأُمُور وتخيير نِسَائِهِ بَين أَن يبْقين فِي عصمته أَو لَا ومصابرة الْعَدو الْكثير وتغيير الْمُنكر من غير قيد عدم الْخَوْف وَقَضَاء دين الْمَيِّت الْمُعسر الْمُسلم وَلَيْسَ مِنْهَا وجوب الضُّحَى وَلَا الْأَضْحَى وَلَا الْوتر وَلَا السِّوَاك وَلَا التَّهَجُّد وَنَحْو ذَلِك خلافًا لمن زَعمه وَمن الْمُحرمَات أَخذ الصَّدَقَة وَاجِبَة كَانَت أَو تَطَوّعا وَالشعر والخط وَالْأكل مُتكئا وَأكل ذِي ريح كريه فِي رَأْي قوي وَنزع لأمته إِذا لبسهَا حَتَّى يلقى الْعَدو ومدّ عَيْنَيْهِ لما متع بِهِ النَّاس وخائنة الْأَعْين بِأَن يومىء إِلَى مُبَاح على خلاف مَا يظْهر والمن ليستكثر وإمساك من كرهت نِكَاحه وَمن الْمُبَاحَات مُوَاصلَة الصَّوْم واصطفاء مَا يخْتَار من الْغَنِيمَة كأخذه صَفِيَّة وسيفه ذَا الفقار وَكَانَ لَهُ خمس الْخمس من الْفَيْء وَالْغنيمَة وَأَرْبَعَة أَخْمَاس من الْفَيْء وَدخُول مَكَّة بِلَا إِحْرَام وَإِن اخْتلف فِي غَيره وأبيح لَهُ الْقِتَال بهَا سَاعَة يَوْم الْفَتْح وَكَانَت من ضحوة إِلَى بعد الْعَصْر وَيَقْضِي بِعِلْمِهِ قطعا ولنفسه وَلَو كره وَيشْهد أَيْضا لنَفسِهِ وَولده وَيقبل من يشْهد لَهما وَيحيى الْموَات لنَفسِهِ وَيَأْخُذ الطَّعَام وَالشرَاب من الْمَالِك الْمُحْتَاج لَهما وَيمْكث بِالْمَسْجِدِ جنبا وَمن يختاره مَعَه فِي ذَلِك كَمَا أشركه مَعَه فِي ذَلِك وَلَا ينْتَقض وضوؤه بنومه // (من الْبَسِيط) //
( ... ... ... ... فالعين نَائِمَة وَالْقلب يقظان)
وَله أَن يُزَوّج من نَفسه وَمِمَّنْ شَاءَ بِلَا إِذن ويتولى الطَّرفَيْنِ وَيزِيد على أَربع زَوْجَات بل وعَلى تسع اللَّاتِي اتّفق اجتماعهن وَهُوَ الْعدَد الَّذِي مَاتَ عَنهُ أَيْضا وينكح بِلَا ولي وَلَا شُهُود وَفِي حَالَة إِحْرَامه وبلفظ الْهِبَة من الْمَرْأَة وَبلا مهر لَا حَالا وَلَا مَآلًا وَأكْثر الْمُبَاح لَهُ لم يَقع مِنْهُ
وَمن الْفَضَائِل والكرامات تَحْرِيم أَزوَاجه اللَّاتِي دخل بِهن وفارقهن بِمَوْت أَو غَيره على من سواهُ وَإِنَّمَا هن أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ فِي ذَلِك وَفِي احترامهن لَا فِي نَحْو نظر وخلوة وَتَحْرِيم بناتهن وأخواتهن وَكَذَا من لم يدْخل بِهن على مَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي لظَاهِر الْقُرْآن ونساؤه أفضل النِّسَاء وأفضلهن خَدِيجَة وَعَائِشَة وَأمته خير الْأُمَم وَلَا تَجْتَمِع على ضَلَالَة وصفوفهم كَصُفُوف الْمَلَائِكَة
стр. 792
وَأَصْحَابه خير الْقُرُون ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ وشرعه مؤبد نَاسخ لما خَالفه من الشَّرَائِع وَكتابه معجز يحفظ من التحريف والتبديل مُسْتَمر بعد نبوته ومعجزات غَيره من الْأَنْبِيَاء انقرضت وَنصر بِالرُّعْبِ مسيرَة شهر وَجعلت لَهُ الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا وَأحلت لَهُ الْغَنَائِم وَأعْطِي الشَّفَاعَة وَالْمقَام الْمَحْمُود وَله خمس شفاعات وَأكْثر مِنْهَا فَلهُ الشَّفَاعَة الْعُظْمَى فِي فصل الْموقف وَهِي الأولى فَيفزع الْكل إِلَيْهِ بعد دلَالَة الرُّسُل عَلَيْهِ وَلَو بتوسط الدّلَالَة على من دلّ عَلَيْهِ إِظْهَارًا لعلو مقَامه وانفراده بِتَمَامِهِ والشفاعة فِي قوم يدْخلُونَ النَّار فَلَا يدْخلُونَهَا وَهِي الثَّالِثَة وَفِي نَاس دخلوها فَيخْرجُونَ مِنْهَا وَهِي الرَّابِعَة وَفِي رفع الدَّرَجَات فِي الْجنَّة وَهِي الْخَامِسَة وَله غَيْرهنَّ شَفَاعَته لمن مَاتَ بِالْمَدِينَةِ وَفِي جمع من صلحاء الْمُؤمنِينَ أَن يتَجَاوَز عَنْهُم مَا لَعَلَّهُم قصروا فِيهِ وَفِي تَخْفيف الْعَذَاب عَن بعض هَل النَّار كَمَا فِي عَمه أبي طَالب وَفِي تَخْفيف عَذَاب الْقَبْر كَمَا فِي حَدِيث غرز الجريدتين فِي القبرين وَفِي فتح بَاب الْجنَّة وَالْجَوَاز على الصِّرَاط وَغير ذَلِك وَأرْسل إِلَى النَّاس كَافَّة وَهُوَ سيد ولد آدم وَأول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض وَأول شَافِع وَأول مُشَفع وَأول من يقرع بَاب الْجنَّة وَأكْثر النَّاس تبعا وَأعْطِي جَوَامِع الْكَلم وَكَانَ لَا ينَام قلبه وَيرى من وَرَاء ظَهره كَمَا يرى من قدامه وتطوعه بِالصَّلَاةِ قَاعِدا كتطوعه قَائِما وَإِن لم يكن لَهُ عذر وَلَا يحل لأحد رفع صَوته فَوق صَوته وَلَا نداؤه من وَرَاء الْحُجْرَة وَلَا باسمه بل يَا نَبِي الله يَا رَسُول الله وَنَحْو ذَلِك ومخاطبة الْمُصَلِّي بِالسَّلَامِ عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَلَو خَاطب غَيره بطلت وَيجب على الْمُصَلِّي إجَابَته إِذا دَعَاهُ وَلَا تبطل صلَاته وَتحل لَهُ الْهَدِيَّة دون غَيره من الْحُكَّام وَلَا يجوز عَلَيْهِ وَلَا على غَيره من الْأَنْبِيَاء جُنُون وَلَا احْتِلَام وَمن استهان بِأحد مِنْهُم كفر وَلَا يُورث أحد مِنْهُم بل مَاله
صَدَقَة على الْمُسلمين وَأَوْلَاد بَنَاته ينسبون إِلَيْهِ وَيجب بذل المهج لِسَلَامَةِ مهمته فالنبي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم وَمن رغب فِيهَا وَهِي مُزَوّجَة وَجب على زَوجهَا طَلاقهَا
стр. 793
وفاتته رَكْعَتَانِ بعد الظّهْر فقضاهما بعد الْعَصْر ثمَّ واظب عَلَيْهِمَا وَقَالَ تسموا باسمي وَلَا تكنوا بكنيتي فَقَالَ الشَّافِعِي لَيْسَ لأحد أَن يكنى بِأبي الْقَاسِم وَحمل نَصه على حَال حَيَاته
وَمن رَآهُ فِي الْمَنَام فقد رَآهُ حَقًا فَإِن الشَّيْطَان لَا يتَمَثَّل فِي صورته وَالْأَرْض لَا تَأْكُل لَحْمه وَلَا لحم أحد من الْأَنْبِيَاء وكل نسب وَسبب وصهر مُنْقَطع يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا نسبه وَسَببه وصهره وَله غير ذَلِك مِمَّا لَا ينْحَصر
(فصل فِي معجزاته
)
مِنْهَا وَهُوَ أعظمها الْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي عجز الْجِنّ وَالْإِنْس أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ بل بِعشر سور مِنْهُ بل بِسُورَة بل بِحَدِيث مثله وانشقاق الْقَمَر ونبع المَاء من بَين أَصَابِعه فَشرب مِنْهُ أهل الْعَسْكَر وَتَوَضَّئُوا كل ذَلِك من قدح وَلَا مَاء فِيهِ فَجَاشَ بِالْمَاءِ حَتَّى شرب الْجَيْش وَرووا وهم أُلُوف وفاضت إِلَى الْيَوْم وبالحديبية مرّة بالبئر فأروتهم وهم ألف وَأَرْبَعمِائَة أَو أَكثر وَأطْعم جَيش الخَنْدَق وهم ثَلَاثَة آلَاف من تمرٍ أَتَت بِهِ ابْنة بشير بن سعد إِلَى أَبِيهَا وخالها لم يمْلَأ كفيه فَأَكَلُوا مِنْهُ حَتَّى شَبِعُوا وفضلت فضلَة وَرمى يَوْم حنين جَيش الْكفَّار بقبضة من تُرَاب فعميت عيونهم وحن إِلَيْهِ الْجذع الَّذِي كَانَ يخْطب إِلَيْهِ حِين عمل لَهُ الْمِنْبَر وَكَلمه الذِّرَاع المسموم بِالشَّاة كَمَا سبق وَكَانَ يخبر بالغيوب كَقَوْلِه إِن عمارا تقتله الفئة الباغية وَإِن عُثْمَان تصيبه بلوى تكون بعْدهَا الْجنَّة وَإِن الْحسن بن عَليّ سيد وسيصلح الله بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين فَكَانَ كَذَلِك وَكَانَ إخْبَاره بقتل الْأسود الْعَنسِي الْكذَّاب وَهُوَ بِصَنْعَاء وبمن قَتله وبموت النَّجَاشِيّ بِالْحَبَشَةِ وبترتيب المقتولين فِي غَزْوَة مُؤْتَة كَمَا مضى وإخباره بقتل ابْن خلف ومصارع صَنَادِيد قُرَيْش فَكَانَ كَمَا قَالَ وَخرج وعَلى بَابه قوم ينتظرونه ليؤذوه فَوضع التُّرَاب على رؤوسهم فَلم يروه ودعا شجرتين فأتتاه فاجتمعتا ثمَّ أَمرهمَا فافترقتا وزويت لَهُ الأَرْض
стр. 794
فَرَأى مشارقها وَمَغَارِبهَا وَأخْبر ببلوغ ملك أمته مَا زوى لَهُ مِنْهَا فَكَانَ كَذَلِك فَبلغ ملكهم من أول الْمشرق إِلَى آخر الْمغرب وَلم يتسعوا فِي الْجنُوب وَالشمَال كَمَا أخبر سَوَاء بِسَوَاء وَمسح ضرع شَاة لم ينز عَلَيْهَا الْفَحْل فَدرت وندرت عين قَتَادَة فَسَقَطت فَردهَا بِيَدِهِ الْكَرِيمَة فَكَانَت أصح عَيْنَيْهِ وأحسنهما وَأَحَدهمَا وَكَانُوا يسمعُونَ تَسْبِيح الطَّعَام بَين يَدَيْهِ والحصى بيدَيْهِ وَسلم عَلَيْهِ الْحجر وَالشَّجر ليَالِي بعث وَغَيرهمَا وكلمته الْحَيَوَانَات الْبَعِير وَغَيره فِي حاجاتها وَمِنْهَا إنبات النَّخْلَة فِي سَنَام الْبَعِير وَإِدْرَاك ثَمَرهَا فِي الْحَال ففرقه على الْحَاضِرين فَمن علم الله أَن سيؤمن كَانَت التمرة فِي فَمه تَمْرَة كَمَا هِيَ وَمن علم عدم إيمَانه عَادَتْ التمرة فِي فِيهِ حجرا ذكر ذَلِك الْبَيْهَقِيّ وَغَيره من أَئِمَّة الحَدِيث وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى وَقد بلغ بمعجزاته ﵊ بعض الْأَئِمَّة ثَلَاثَة آلَاف وَزِيَادَة غير الْقُرْآن الْعَظِيم إِذْ كل حرف مِنْهُ معجز فمعجزاته
لَا يدْرك حصرها قَالَ ابْن اسحق فَلَمَّا بُويِعَ أَبُو بكر أقبل النَّاس على جهاز رَسُول الله
يَوْم الثُّلَاثَاء فَحَدثني عبد الله بن أبي بكر وحسين بن عبد الله وَغَيرهمَا من أَصْحَابنَا أَن عَليّ بن أبي طَالب وَالْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَالْفضل بن الْعَبَّاس وَقثم بن الْعَبَّاس وَأُسَامَة بن زيد وشقران مولى رَسُول الله
هم الَّذين توَلّوا غسله وَأَن أَوْس بن خولى أحد بني عَوْف بن الْخَزْرَج قَالَ لعَلي بن أبي طَالب أنْشدك الله يَا عَليّ وحظنا من رَسُول الله
وَكَانَ أَوْس من أَصْحَاب رَسُول الله
وَأهل بدر قَالَ ادخل فَدخل وَجلسَ وَحضر غسل رَسُول الله
فأسنده عَليّ بن أبي طَالب إِلَى صَدره وَكَانَ الْعَبَّاس وَالْفضل وَقثم يقلبونه مَعَه وَكَانَ أُسَامَة بن زيد وشقران موليَاهُ اللَّذَان يصبَّانِ المَاء عَلَيْهِ وَعلي يغسلهُ قد أسْندهُ إِلَى صَدره وَعَلِيهِ قَمِيص يدلكه بِهِ من وَرَائه وَلَا يُفْضِي بِيَدِهِ إِلَى رَسُول الله
وَعلي يَقُول بِأبي أَنْت وَأمي مَا أطيبك حَيا وَمَيتًا وَلم يُر من رَسُول الله
شَيْء مِمَّا يرى من الْمَيِّت
стр. 795
قَالَ ابْن إِسْحَاق وحَدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عَن أَبِيه عباد عَن عَائِشَة قَالَت لما أَرَادوا غسل رَسُول الله
اخْتلفُوا فِيهِ فَقَالُوا وَالله مَا ندي أنجرد رَسُول الله
من ثِيَابه كَمَا نجرد مَوتَانا أَو نغسله وَعَلِيهِ ثِيَابه قَالَت فَلَمَّا اخْتلفُوا ألْقى الله عَلَيْهِم النّوم حَتَّى مَا مِنْهُم من رجل إِلَّا ذقنه فِي صَدره ثمَّ كَلمهمْ مُكَلم من نَاحيَة الْبَيْت لَا يَدْرُونَ من هُوَ أَن غسلوا النَّبِي
وَعَلِيهِ ثِيَابه قَالَت فَقَامُوا إِلَى رَسُول الله
فغسلوه وَعَلِيهِ قَمِيصه يصبون المَاء فَوق الْقَمِيص ويدلكونه والقميص دون أَيْديهم قَالَ فَلَمَّا فرغ من غسل رَسُول الله
كفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب ثَوْبَيْنِ صحاريين وبردة حبرَة أدرج فِيهِ إدراجاً كَمَا حَدثنِي جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن وحَدثني حُسَيْن بن عبد الله عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما أَرَادوا أَن يحفروا لرَسُول الله
وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح يصْرخ كحفر أهل مَكَّة وَكَانَ أَبُو طَلْحَة زيد بن سهل هُوَ الَّذِي كَانَ يحْفر لأهل الْمَدِينَة وَكَانَ يلْحد فَدَعَا الْعَبَّاس رجلَيْنِ فَقَالَ لأَحَدهمَا اذْهَبْ إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح وَقَالَ للْآخر اذْهَبْ إِلَى أبي طَلْحَة اللَّهُمَّ خره لرَسُول الله
فَلَمَّا فرغ من جهاز رَسُول الله
يَوْم الثُّلَاثَاء وضع على سَرِيره فِي بَيته وَقد كَانَ الْمُسلمُونَ اخْتلفُوا فِي دَفنه فَقَالَ قَائِل ندفنه فِي مَسْجده وَقَالَ قَائِل بل ندفنه مَعَ أَصْحَابه فَقَالَ أَبُو بكر إِنِّي سَمِعت رَسُول الله
يَقُول مَا قبض نَبِي إِلَّا دفن حَيْثُ قبض فَرفع فرَاش رَسُول الله
الَّذِي توفّي عَلَيْهِ فحفر لَهُ تَحْتَهُ ثمَّ دخل النَّاس على رَسُول الله
يصلونَ عَلَيْهِ أَرْسَالًا فَدخل الرِّجَال حَتَّى إِذا فرغوا
стр. 796
دخل النِّسَاء حَتَّى إِذا فرغن دخل الصّبيان وَلم يؤم النَّاس على رَسُول الله
أحد ثمَّ دفن رَسُول الله
من وسط اللَّيْل لَيْلَة الْأَرْبَعَاء قَالَ ابْن إِسْحَاق وحَدثني عبد الله بن أبي بكر عَن امْرَأَته فَاطِمَة بنت عمَارَة عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن بن أسعد بن زُرَارَة عَن عَائِشَة قَالَت مَا علمنَا بدفن رَسُول الله
حَتَّى سمعنَا صَوت الْمساحِي من جَوف اللَّيْل لَيْلَة الْأَرْبَعَاء قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَكَانَ الَّذين نزلُوا فِي قبر رَسُول الله
عَليّ بن أبي طَالب وَالْفضل بن عَبَّاس وَقثم بن عَبَّاس وشقران مولى رَسُول الله
وَقد قَالَ أَوْس بن خولى لعَلي بن أبي طَالب أنْشدك الله وحظنا من رَسُول الله
فَقَالَ لَهُ انْزِلْ فَنزل مَعَ الْقَوْم وَقد كَانَ شقران حِين وضع رَسُول الله
فِي حفرته وَبنى عَلَيْهِ قد أَخذ قطيفة قد كَانَ رَسُول الله
يلبسهَا ويفترشها فدفنها فِي الْقَبْر وَقَالَ وَالله لَا يلبسهَا أحد بعْدك أبدا فدفنت مَعَ رَسُول الله
وسيأتى ذكر بَدْء مَرضه ﵊ فِي أول خلَافَة الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَمِمَّا قيل من الرثاء لرَسُول الله
قَول أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ // (من الوافر) //
(أجدكَ مَا لعينِكَ لَا تنامُ ... كأنَّ جفونَهَا فِيهَا كلامُ)
(بوقْعِ مصيبةٍ عظُمَتْ وجلَّتْ ... فدمعُ العينِ أهونُهُ انسجامُ)
(فُجعنا بالنبيِّ وَكَانَ فِينَا ... مقدَّمنا وَسَيِّدنَا الإمامُ)
(وَكَانَ قوامنا وَالرَّأْس فِينَا ... فنحنُ اليومَ لَيْسَ لنا قوامُ)
(ننوحُ ونشتكِى مَا قد لَقِينا ... ويشكُو فقدَهُ البلدُ الحرامُ)
(كأّنَّ أنوفنا لاقينَ جدعاً ... لفقدِ محمدٍ فِيهَا اصطلامُ)
(لفقدِ أغرَّ أبيضَ هاشميٍّ ... إِمَام نبوَّةٍ وَبِه الختامُ)
стр. 797
(أمينٌ مصطفًى للخيرِ يَدْعُو ... كضوءِ البدرِ زايله الظلامُ)
(سأتبعُ هديهُ مَا دمْتُ حَيا ... طوالَ الدهرِ مَا سجع الحمامُ)
(كأنَّ الأرضَ بعْدك طارَ فِيهَا ... فَأَشْعَلَهَا لساكنها ضرامُ)
(وفقد الوَحْي إِذ وليت عَنَّا ... وودعنا مِنَ اللهِ الكلامُ)
(سوَى أَن قد تَرَكْت لنا سِرَاجًا ... تواريه القراطيسُ الكرامُ)
(لقد ورثتنا مِرآةَ صدقٍ ... عليكَ بِهِ التحيةُ والسلامُ)
(من الرحمنِ فِي أعلَى جنانٍ ... من الفردوسِ طابَ بهَا المقامُ)
(رَفِيق أبيكَ إبراهيمَ فِيهِ ... وَمَا فِي مِثل صحبتِهِ ندامُ)
(وَإِسْحَاق وَإِسْمَاعِيل فِيهِ ... بِمَا صَلُّوا لربهمُ وصاموا)
وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ يرثي رَسُول الله
// (من الْكَامِل) //
(مَا زلتُ مذ وضع الفِرَاشَ لجنبه ... وَثوَى مَرِيضا خَائفًا أتوقَّعُ)
(شفقاً عَلَيْهِ أَن يزولَ مَكَانَهُ ... عنَّا فنبقَى بعْدَهُ نتوجَّعُ)
(وَإِذا تحدثنا الحوادثُ منْ لَنَا ... بالوحْيِ من ربِّ رحيمِ يسمعُ)
(ليتَ السماءَ تفطَّرَتْ أكنافُهَا ... وتناثَرَتْ فِيهَا النجومُ الطلعُ)
(لما رأيتُ الناسَ هدَّ جمعيهم ... صوتٌ يُنَادي بالنَّعِيِّ فيسمعُ)
(وسمعْتُ صوتَا قبلَ ذَلِك هدَّني ... عَبَّاس ينعاه بصوتٍ يقطعُ)
(فليبكِهِ أهلُ المدائنِ كلّها ... والمسلمونَ بكُلِّ أرضٍ تجدعُ)
وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه // (من الطَّوِيل) //
(أَلا طرق الناعِي بلَيْلٍ فراعَنِي ... وأرَّقني لما استقلَّ منادياً)
(فقلتُ لَهُ لما رأيتُ الَّذِي أَتَى ... أغَيْرَ رسولِ اللهِ إنْ كنتَ نَاعِيا)
(فحققْت مَا أشفقْتُ منهُ وَلم ينلْ ... وَكَانَ خليلي عدَّةً وجماليَا)
(فواللهِ مَا أنساكَ أحمَدُ مَا مَشَتْ ... بِيَ العيسُ فِي أرضٍ وجاوزْتَ واديَا)
стр. 798
(وكنتُ مَتى أهبطْ من الأرضِ بقْعَة ... أرَى أثرا مِنْهُ جَدِيدا وعافيَا)
(مِنَ الأسدِ قد أخْفى العرين مَخَافَة ... تهادي سباعُ الطيرِ مِنْهُ تَعَادِيا)
(شَدِيد حوى الصَّدرِ مِنهُمْ مشددٌ ... هُوَ المَوْتُ معدياً عَلَيْهِ وَعَادِيا)
وَقَالَ حسان بن ثَابت ﵁ // (من الطَّوِيل) //
(بِطَيْبَةَ رَسْمٌ لِلَّرَسُولِ وَمَعْهَدُ ... مُنِيرٌ وَقَدْ تَعْفُو الرُّسُومُ وَتَهْمُدُ)
(وَلَا تَنْمَحي الآياتُ مِنْ دَارِ حرْمَةٍ ... بِهَا مِنْبَرُ الْهَادِي الَّذِي كَانَ يَصْعَد)
(وَوَاضِحُ آثارٍ وَبَاقِي مَعَالِمٍ ... وَرَبْعٌ لَهُ فِيهِ مُصَلًّى وَمَسْجِدُ)
(بِهَا حُجُرَاتٌ كَانَ يَنْزِلُ وَسْطَهَا ... مِنَ اللهِ نُورٌ يُسْتَضَاءُ وَيُوقَدُ)
(مَشَاهِدُ لَمْ تُطْمَسْ عَلَى الْعَهْدِ آيُهَا ... أَتَاهَا الْبِلَى فَالآيُ مْنهَا تَجَدَّدُ)
(عَرَفْتُ بِهَا رَسْمَ الرَّسُولِ وَعَهْدَهُ ... وَقَبْرًا بِهَا وَارَاهُ فِي التُّرْبِ مُلْحِدُ)
(ظَلِلْتُ بِهَا أَبْكِي الرَّسُولَ فأَسْعَدَتْ ... عُيُونٌ وَمِثْلَاهَا مِنَ الْجَفْن تُسْعِدُ)
(يُذَكِّرْنَ آلاءَ الرَّسُولِ وَمَا أرَى ... لَهَا مُحْصِيًا نَفْسِي فَنَفْسِي تَبَلَّدُ)
(مُفَجَعةٌ قَدْ شَفَّهَا فَقْدُ أحْمَدٍ ... فَظَلَّتْ لآلَاءِ الرَّسُولِ تُعدِّدُ)
(وَمَا بَلَغَتْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ عشيرهُ ... وَلكِنْ لِنَفْسِي بَعْدُ مَا قَدْ تَوَجَّدُ)
(أَطَالَتْ وُقُوفًا تَذْرِفُ الْعَيْن جَهْدَهَا ... عَلَى طَلَلِ الْقَبْرِ الَّذِي فِيهِ أحْمَدُ)
(فَبُورِكْتَ يَا قَبْرَ الرَّسُولِ وَبُورِكَتْ ... بِلَادٌ ثَوَى فِيهَا الرَّشِيدُ الْمُسَدَّدُ)
(وَبُورِكَ لحدٌ مِنْكَ ضُمِّنَ طَيِّبًا ... عَلَيْهِ بِنَاءٌ مْن صَفِيحٍ مُنَضَّدُ)
(تَهَيلُ عَلَيْهِ التُّرْبَ أَيْدٍ وَأعْين ... عَلَيْهِ وَقَدْ غَارَتْ بِذَلِكَ أسْعُدُ)
(لَقَدْ غَيَّبُوا حِلمًا وَعِلْمًا وَحكْمَةً ... عَشِيَّةَ عَلَّوْهُ الثَّرَى لَا يُوَسَّدُ)
стр. 799
(وَرَاحُوا بِحُزْنٍ لَيْسَ فِيهِمْ نَبِيُّهُمْ ... وَقَدْ وَهَنَتْ مِنْهمْ ظُهُورٌ وَأَعْضُدُ)
(يُبَكُّونَ مَنْ تَبْكِي السَّمواتُ يَوْمَهُ ... وَمَنْ قَدْ بَكَتْهُ الأَرْضُ فَالنَّاسُ أَكْمَدُ)
(وَهَلْ عَدَلَتْ يَوْمًا رَزِيَّةُ هَالِكٍ ... رَزِيَّةَ يَوْمٍ مَاتَ فِيهِ مُحَمَّدُ)
(تَقَطَّعَ فِيهِ منْزلُ الْوَحْيِ عَنْهُمُ ... وَقَدْ كَانَ ذَا نُورٍ يَغُورُ وَيُنْجِدُ)
(يَدُلُّ عَلَى الرَّحْمنِ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ ... وَيُنْقِذُ مِنْ هَوْلِ الْخَزَايَا وَيُرْشِدُ)
(إِمَامٌ لَهُمْ يَهْدِيهِمُ الْحَقَّ جَاهِداً ... مُعَلِّمُ صِدْقٍ إِنْ يُطِيعُوهُ يَسْعَدُوا)
(عَفُوٌّ عنِ الزَّلَاّتِ يَقْبَلُ عُذْرَهُمْ ... وَإِنْ يُحْسِنَوا فَاللهُ بِالْخَيْرِ أجْوَدُ)
(وَإِنْ نَابَ أَمْرٌ لَمْ يَقُومُوا بِحَمْلِهِ ... فَمِنْ عِنْدِهِ تَيْسِيرُ مَا يَتَشَدَّدُ)
(فَبَيْنَا هُمُ فِي نِعْمَةِ اللهِ بَيْنهُمْ ... دَلِيلٌ بِهِ نَهْجُ الطَّرِيقَةِ يُقْصَدُ)
(عَزِيزٌ عَلَيْهِ أنْ يَزِيغُوا عَنِ الْهُدَى ... حَرِيصٌ عَلَى أنْ يَسْتَقِيمُوا وَيَهْتَدُوا)
(عَطُوفٌ عَلَيْهِمْ لَا يُثَنِّي جَنَاحَهُ ... إِلَى كَنَفٍ يَحْنُو عَلَيْهِمْ وَيَمْهَدُ)
(فَبَيْنَا هُمُ فِي ذلِكَ النُّورِ إِذْ غَدَا ... إِلَى نُورِهِمْ سَهْمٌ مِنْ الْمَوِتِ مُقْصِدُ)
(فَأَصْبَحَ مَحْمُوداً إِلَى اللهِ رَاجِعًا ... يُبَكِّيهِ جَفْنُ الْمُرْسَلَاتِ وَيَحْمَدُ)
(وَأَمْسَتْ بِلَادُ الحُرْمِ وَحْشاً بِقَاعُهَا ... لِغَيْبَةِ مَا كَانَتْ مِنَ الْوَحي تعْهَدُ)
(قِفَارًا سِوَى مَعْمُورَةِ اللحْدِ ضَافَهَا ... فَقِيدٌ يُبَكِّيهِ بَلَاطٌ وَغَرْقَدُ)
(وَمَسْجِدُهُ فَالْمُوحِشَاتُ لِفَقْدِهِ ... خَلَاءٌ لَهُ فِيهِ مَقَامٌ وَمَقْعَدُ)
(وَبِالْجَمْرَةِ الْكُبْرَى لَهُ ثَمَّ أَوْحَشَتْ ... دِيَارٌ وَعَرْصَاتٌ وَرَيْعٌ وَمَوْلِدُ)
(فَبَكَّى رَسُولَ اللهِ يَا عَيْن عَبْرَةً ... وَلَا أَعْرِفَنْكِ الدَّهْرِ دَمْعُكِ يَجْمُدُ)
(وَمَالَكِ لَا تَبْكِينَ ذَا النَّعْمَةِ الَّتِي ... عَلَى النَّاسِ مِنْهَا سَابِغٌ يَتَغَمَّدُ)
(فَجُودِي عَلَيْهِ بِالدُّمُوعِ وَأَعْوِلي ... لِفَقْدِ الَّذِي لَا مِثْلُهُ الدَّهْرَ يُوجَدُ)
(وَمَا فَقَدَ الْمَاضُونَ مِثْلَ مُحَمَّدٍ ... وَلَا مِثْلُهُ حَتَّى الْقِيامَة يُفْقَدُ)
(أَعَفَّ وَأوْفَى ذِمَّةٌ بَعْد ذِمَّة ... وَأَقْرَبَ مِنْهُ نَائِلاً لَا يُنَكَّدُ)
(وَأَبْذَلَ مِنْهُ للطَّرِيفِ وَتَالِدٍ ... إِذَا ضَنَّ مِعْطَاءٌ بِمَا كَانَ يُتْلِدُ)
(وَأَكْرَمَ صِيتاً فِي الْبُيُوتِ إِذَا انْتَمَى ... وَأَكْرَمَ جَدًّا أَبْطَحِيًّا يُسَوَّدُ)
(وَأَمْنَعَ ذِرْوَاتٍ وَأَثْبَتَ فِي الْعُلَا ... دَعَائِمَ عِزٍّ شَامِخَاتٍ تُشَيَّدُ)
стр. 800
(وَأثْبَتَ فَرْعًا فِي الفُرُوعِ وَمَنْبِتًا ... وَعُودًا غَدَاهُ الْمُزْنُ فَالْعُودُ أَعْيَدُ)
(رَبَاهُ وَلِيداً فَاسْتَتَمَّ تَمَامُهُ ... عَلَى أَكْرَمِ الْخَيْرَاتِ رَبٌّ مُمَجَّدُ)
(تَنَاهَتْ وَصَاةُ الْمُسْلِمِينَ بِكَفِّهِ ... فَلَا الْعِلْمُ مَحبُوسٌ وَلا الرَّأْيُ يُفْنَدُ)
(أَقُولُ وَلَا يلْفَى لِقَوْلِيَ عَائِبٌ ... مِنَ النَّاسِ إلَاّ عَازِبُ الْعَقْلِ مُبْعَدُ)
(وَلَيْسَ هَوَايَ نَازِعًا عَنْ ثَنَائِهِ ... لَعَلِّي بِهِ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ أخْلُدُ)
(مَعَ المُصْطَفَى أرْجُو بِذَاكَ جِوَارَهُ ... وَفِي نَيْلِ ذَاكَ الْيَوْمِ أسْعَى وأَجْهَدُ)
وَقَالَت السيدة فَاطِمَة ﵂ // (من الْكَامِل) //
(مَاذَا علَى مَنْ شمُّرْبَةَ أَحْمَدٍ ... أَلَاّ يشَمَّ من الزَّمَانِ غَوَالِيَا)
(صُبَّتْ عليَّ مَصَائبٌ لَو أنَّهَا ... صُبَّتْ عَلَى الأَيَّامِ عُدْنَ ليالِيَا)
وَقَالَت عَاتِكَة بنت عبد الْمطلب ﵂ // (من الْبَسِيط) //
(عينيَّ جُودَا طوالَ الدَّهْرِ وانَهِرَا ... سَكبًا وسَحَّا بدمْعٍ غيرِ تَقْدِيرِ)
(يَا عينُ واستَحْسِرِي بالدمعِ واحتَفِلِي ... حتَّى الممَاتِ بسَجْلٍ غيرِ مَنْزورِ)
(يَا عين وانهملِي بالدمْعِ واجتهِدِي ... للمصطفَّى دونَ خَلْقِ اللهِ بِالنُّورِ)
(بمستهلِّ من الشؤْبُوبِ ذِي سَبَلٍ ... فقدْ رُزِئْت نبيَّ العدلِ والخيرِ)
(وكنتُ من حَذَرٍ للموتِ مشفقةَ ... وللذي خُطَّ مِن تلكَ المقاديرِ)
(من فَقْدِ أزهَرَ ذِي خلْقٍ وَذي فخرٍ ... صافٍ من العَيْبِ والعاهاتِ والزورِ)
(فاذهَبْ حَمِيداً جزاكَ الله مَغْفِرَةً ... يومَ القيامةِ عِنْدَ النَّفْخِ فِي الصُّورِ)
وَقَالَت أروى أُخْتهَا بنت عبد الْمطلب ﵂ // (من الوافر) //
(أَلا يَا عينُ ويحِكِ أسْعِدِيني ... بدمْعٍ مَا بقيتُ وطَاوِعِينِي)
(أَلا يَا عَين ويحكِ واستَهِلِّي ... على غيْثِ البلادِ وأسعِدِينِي)
(فَإِن عَذَلَتْكِ عَاذِلةٌ فقولِي ... عَلامَ وفيمَ ويحَكِ تعذليني)
стр. 801
(عَلى نُور البلادَ مَعًا جَمِيعًا ... رَسُولِ اللهِ أحمَد فاتْرُكِينِي)
(وَإِنْ لَا تَقْصرِي بالعَذلْ عنِّي ... فَلُومي مَا بَدَا لَكِ أَو دَعِينِي)
(لأمرٍ هَدَّنِي وأَدَكَّ رُكْنِي ... وشَيَّبَ بَعْدَ جِدَّتها قُرُونِي)
وَقَالَت صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب ﵂ // (من الْخَفِيف) //
(لهفَ قَلْبِي وبتُّ كالمسلوبِ ... أرق اللَّيلُ مُقْلَةَ المحرُوبِ)
(مِنْ همومٍ وحَسْرةٍ وَقَذَتْنِي ... ليتَ أنِّي سَبقْتُهَا لِشَعُوبِ)
(حينَ قَالُوا إِنَّ الرسُولَ قد امْسَى ... وافَقَتْهُ مَنِيَّةُ المكتوبِ)
(إذْ رَأينَا أنَّ النبيَّ صَرِيعٌ ... فأَشَابَ القَذَالَ أَي مَشِيبِ)
(إذْ رَأينا بيوتَهُ مُوحِشَاتٍ ... لَيْسَ فيهنَّ بعد عَيْش حبيبِ)
(أَورَثَ القلبَ ذاكَ حزنا طَويلا ... خالَطَ القلبَ فَهْوَ كالمرعُوبِ)
(ليتَ شِعْرِي وكْيفَ أُمسي صحيحَاً ... بعد أنْ بِينَ بالرَّسُولِ القريبِ)
(أعظم الناسِ فِي البريَّةِ حَقًّا ... سيِّدُ الناسِ حبه فِي القُلُوبِ)
(فَإِلى اللهِ ذاكَ أشكُو وحَسْبِي اللهُ ... مولى وحوْبتِي ونَحِيبِي)
وَقَالَت أَيْضا // (من المتقارب) //
(أفاطمُ فابْكِي وَلَا تَسْأَمِي ... بصَحْبِكِ مَا طَلَعَ الكوكَبُ)
(هُوَ المرءُ يبكي بحقٍّ البكا ... هُوَ الماجدُ السيِّدُ الطيبُ)
(فأوحشَتِ الأرضُ من فقْدِهِ ... وإِنَّ البريةَ لَا تنكبُ)
(فَمَا ليَ بَعْدَك حَتَّى الْمَمَات ... إِلَّا الجَوَى الدَّاخِل المُنْصِبُ)
стр. 802
(فَبَكَّى الرسولَ وحقَّتْ لَهُ ... شُهُودُ المدينةِ والغُيَّبُ)
(لِتَبْكِكَ شَمْطَاءُ مَضْرُورةٌ ... إِذا حُجِبَ الناسُ لَا تحجَبُ)
(ليبكِكَ شيخٌ أَبُو ولدةٍ ... يطوفُ بعقوتِهِ أشْهَبُ)
(ويبكك رَكْبٌ إِذا أرمَلُوا ... فَلم يكْفِ مَا طلبِ المطلبُ)
(وتبكي الأباطِحُ مِنْ فقدِهِ ... وتبكيه مَكَّةُ والأَخْشَبُ)
(وتبكي وُعَيْرَةُ مِنْ فَقْدِهِ ... بُحزْنٍ ويُسْعِدُهَا المِثيبُ)
(أَعْيَنيَّ مَا لَكِ لَا تَدْمَعِين ... وحقَّ لدمْعِكِ مَا يَسْكُبُ)
صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه إِلَى يَوْم الدّين وَسلم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح فيا لَهُ فِي مثل ذَلِك خطب جلّ عَن الخطوب ومصاب عَلم دمع الْعين كَيفَ يصوب ورزء غربت لَهُ النيرات وَلَا تعلل بشروقها بعد الْغُرُوب وَجَاءَت هجمة الْمَوْت فَلَا نجاء مِنْهُ لهارب وَلَا فرار مِنْهُ لمطلوب وَلَا صباح لَهُ فيجلو غياهبه الملمة ودياجيه المدلهمة وَلكُل ليل إِذا دجى صباح يئوب وَمن سر أهل الأَرْض ثمَّ بَكَى سأبكي بعيون سرها وَقُلُوب فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون من نَار طويت عَلَيْهَا الأضالع لَا تخبو وَلَا تخمد ومصيبة تستك مِنْهَا المسامع فَلَا يبْلى على مر الجديدين حزنها المجدد
стр. 803
(الْمَقْصد الثَّالِث فِي ذكر الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَذكر خلَافَة الْحسن بن عَليّ ﵃ أَجْمَعِينَ خلَافَة أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
قَالَ ابْن إِسْحَاق ابتدىء رَسُول الله
بشكواه الَّتِي قَبضه الله تَعَالَى فِيهَا إِلَى مَا أَرَادَ بِهِ من كرامته وَرَحمته فِي لَيَال بَقينَ من صفر أَو فِي أول شهر ربيع الأول فَكَانَ أول مَا ابْتَدَأَ بِهِ رَسُول الله
من ذَلِك فِيمَا ذكر لي أَنه خرج إِلَى بَقِيع الْغَرْقَد من جَوف اللَّيْل فَاسْتَغْفر لَهُم ثمَّ رَجَعَ إِلَى أَهله فَلَمَّا أصبح ابتدىء بوجعه من يَوْمه ذَلِك قَالَ ابْن إِسْحَاق وحَدثني عبد الله بن عمر عَن عبيد الله بن جُبَير مولى الحكم عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن أبي مويهبة مولى رَسُول الله
قَالَ بعث إِلَيّ رَسُول الله
من جَوف اللَّيْل فَقَالَ يَا أَبَا مويهبة إِنِّي قد أمرت أَن أسْتَغْفر لأهل البقيع فَانْطَلق معي فَانْطَلَقت مَعَه فَلَمَّا وقف بَين أظهرهم قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الْمَقَابِر لِيهن لكم مَا أَصْبَحْتُم فِيهِ مِمَّا أصبح النَّاس فِيهِ أَقبلت الْفِتَن كَقطع اللَّيْل المظلم تتبع أخراها أولاها الْآخِرَة شَرّ من الأولى ثمَّ أقبل عَليّ فَقَالَ يَا أَبَا مويهة إِنِّي قد أُوتيت مَفَاتِيح خَزَائِن الدُّنْيَا والخلد فِيهَا ثمَّ الْجنَّة فخيرت بَين ذَلِك وَبَين لِقَاء رَبِّي وَالْجنَّة قَالَ أَبُو مويهة فَقلت بِأبي أَنْت وَأمي فَخذ مَفَاتِيح خَزَائِن الدُّنْيَا والخلد فِيهَا ثمَّ الْجنَّة قَالَ لَا وَالله يَا أَبَا مويهبة لقد اخْتَرْت لِقَاء رَبِّي وَالْجنَّة ثمَّ اسْتغْفر لأهل البقيع وَانْصَرف فَبَدَأَ بِهِ فِي صَبِيحَة ذَلِك الْيَوْم وَجَعه الَّذِي قَبضه الله فِيهِ وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت لما رَجَعَ ﵊ من البقيع وجدني وَأَنا أجد صداعَاً فِي رَأْسِي وَأَنا أَقُول وارأساه فَقَالَ بل أَنا وَالله
стр. 804
وارأساه يَا عَائِشَة ثمَّ قَالَ لي وَمَا ضرك لَو مت قبلي فَقُمْت عَلَيْك وكفنتك وَصليت عَلَيْك ودفنتك قَالَت فَقلت وَالله لكَأَنِّي بك لَو قد فعلتَ ذَلِك لقد رجعتَ إِلَى بَيْتِي فأعرست فِيهِ بِبَعْض نِسَائِك قَالَت فَتَبَسَّمَ رَسُول الله
وتتام بِهِ وَجَعه وَهُوَ يَدُور على نِسَائِهِ حَتَّى استعزَّ بِهِ مَرضه يَعْنِي اشْتَدَّ وَهُوَ فِي بَيت مَيْمُونَة فَدَعَا نِسَاءَهُ فاستأذنهن فِي أَن يمرض فِي بَيْتِي فَأذن لَهُ فَخرج ﵊ بَين رجلَيْنِ من أَهله أَحدهمَا الْفضل بن الْعَبَّاس وَرجل آخر هُوَ عَليّ بن أبي طَالب عاصباً رَأسه تخط قدماه حَتَّى دخل بَيْتِي وَلما غمره الوجع قَالَ أريقوا عليّ من سبع قرب من آبار شَتَّى حَتَّى أخرج إِلَى النَّاس فأعهد إِلَيْهِم قَالَت فأقعدناه فِي مخضب لحفصة بنت عمر فصببنا عَلَيْهِ المَاء حَتَّى طفق يَقُول حسبكم حسبكم وَقَالَ الزُّهْرِيّ حَدثنِي أَيُّوب بن بشر أَنه ﵊ خرج عاصباً رَأسه حَتَّى جلس على الْمِنْبَر ثمَّ كَانَ أول مَا تكلم بِهِ أَن صلى على أَصْحَاب أحد واستغفر لَهُم وَأكْثر الصَّلَاة عَلَيْهِم وَقَالَ إِن عبدا خَيره الله بَين الدُّنْيَا وَبَين مَا عِنْده فَاخْتَارَ مَا عِنْد الله قَالَ ففهمها أَبُو بكر ﵁ وَعرف أَنه يُرِيد نَفسه فَبكى وَقَالَ بل نَحن نفديك بِأَنْفُسِنَا وأبنائنا فَقَالَ على رسلك يَا أَبَا بكر ثمَّ قَالَ انْظُرُوا هَذِه الْأَبْوَاب اللافظة فِي الْمَسْجِد فسدوها إِلَّا بَاب أبي بكر ثمَّ استبطأ النَّاس فِي بعث أُسَامَة فَقَالَ أَيهَا النَّاس أنفذوا بعث أُسَامَة
стр. 805
بن زيد فلعمري إِن قُلْتُمْ فِي إمارته لقد قُلْتُمْ فِي إِمَارَة أَبِيه من قبله وَكَانَ قد سمع قَول النَّاس فِي إِمَارَة أُسَامَة أمَّر غُلَاما حَدثا على جلة الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَإنَّهُ لخليق بالإمارة وَإِن كَانَ أَبوهُ لخليقاً بهَا ثمَّ نزل عَن الْمِنْبَر وانكمش النَّاس فِي جهازهم واستُعزَّ أَي اشْتَدَّ برَسُول الله
وَجَعه فَخرج أُسَامَة وَخرج جَيْشه مَعَه حَتَّى نزلُوا الجرف من الْمَدِينَة على فَرسَخ فَضرب بِهِ عسكره وتتام النَّاس وَثقل رَسُول الله
فَأَقَامَ أُسَامَة وَالنَّاس ينتظرون مَا الله قَاض فِي رَسُوله ثمَّ اجْتمع إِلَى رَسُول الله
من نِسَائِهِ أم سَلمَة ومَيْمُونَة وَنسَاء من نسَاء الْمُسلمين مِنْهُنَّ أَسمَاء بنت عُمَيْس وَعِنْده الْعَبَّاس عَمه فَأَجْمعُوا أَن يلدُّوه واللد رفع اللِّسَان وَإِدْخَال المسعط فِي الْحلق من وسط الْفَم فَإِن كَانَ من أحد الشقين فَهُوَ الْإِيجَار وَأما اللدود فَهُوَ الدَّوَاء نَفسه فَلَمَّا أَفَاق ﵊ قَالَ من وضع هَذَا بِي قَالُوا يَا رَسُول الله عمك قَالَ هَذَا دَوَاء أَتَى بِهِ نسَاء جئن من نَحْو هَذِه الأَرْض وَأَشَارَ نَحْو أَرض الْحَبَشَة قَالَ وَلم فَعلْتُمْ ذَلِك قَالَ عَمه خشينا يَا رَسُول الله أَن يكون بك دَاء الْجنب فَقَالَ ﵊ إِن ذَلِك لداء مَا كَانَ الله ليقذفني بِهِ أَو ليعذبني وَفِي رِوَايَة إِنَّهَا لم تسلط عَليّ لَا يبْقى أحد فِي الْبَيْت إِلَّا لد إِلَّا عَمي فَلَقَد لدت مَيْمُونَة وَإِنَّهَا لصائمة لقسم رَسُول الله
عُقُوبَة لَهُم بِمَا صَنَعُوا وَلما كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ الَّذِي قبض فِيهِ رَسُول الله
خرج عاصباً رَأسه إِلَى الصُّبْح وَأَبُو بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَلَمَّا خرج تفرج النَّاس فَعرف أَبُو بكر أَنه رَسُول الله
فنكص عَن مُصَلَّاهُ فَدفع ﵊ فِي ظهر أبي بكر وَقَالَ صل بِالنَّاسِ وَجلسَ رَسُول الله
إِلَى جنبه فصلى قَاعِدا عَن يَمِين أبي بكر
стр. 806
فَلَمَّا فرغ من الصَّلَاة أقبل على النَّاس فَكَلَّمَهُمْ رَافعا صَوته حَتَّى خرج صَوته من بَاب الْمَسْجِد يَقُول أَيهَا النَّاس سعرت النَّار وَأَقْبَلت الْفِتَن كالليل المظلم إِنِّي وَالله مَا تمسكون عَليّ بِشَيْء وَإِنِّي لم أحل إِلَّا مَا أحل الْقُرْآن وَلم أحرم إِلَّا مَا حرم الْقُرْآن فَلَمَّا فرغ رَسُول الله
من كَلَامه قَالَ لَهُ أَبُو بكر يَا رَسُول الله إِنِّي أَرَاك قد أَصبَحت بِنِعْمَة من الله وَفضل كَمَا تحب وَالْيَوْم يَوْم بنت خَارِجَة يَعْنِي زَوجته أفآتيها قَالَ نعم ثمَّ دخل رَسُول الله
وَخرج أَبُو بكر إِلَى أَهله بالسنح بِالسِّين الْمُهْملَة المضمومة والحاء الْمُهْملَة آخر الْحُرُوف اسْم مَكَان بِالْعَالِيَةِ قَالَ وَخرج عَليّ بن أبي طَالب يَوْمئِذٍ على النَّاس من عِنْد رَسُول الله
فَقَالَ لَهُ النَّاس يَا أَبَا الْحسن كَيفَ رَسُول الله
فَقَالَ أصبح بِحَمْد اله بارئاً قَالَ فَأخذ الْعَبَّاس بيد عَليّ ثمَّ قَالَ لَهُ أَنْت وَالله عبد الْعَصَا بعد ثَلَاث أَحْلف بِاللَّه لقد رَأَيْت الْمَوْت فِي وَجه رَسُول الله
كَمَا كنت أعرفهُ فِي وُجُوه بني عبد الْمطلب فَانْطَلق بِنَا إِلَى رَسُول الله
فَإِن كَانَ هَذَا الْأَمر فِينَا عَرفْنَاهُ وَإِن كَانَ فِي غَيرنَا أمرناه فأوصى بِنَا النَّاس فَقَالَ لَهُ عَليّ إِنِّي وَالله لَا أفعل ذَلِك وَالله لَئِن منعناها لَا يؤتيناها أحد بعده فَتوفي رَسُول الله
حِين اشْتَدَّ الضُّحَى من ذَلِك الْيَوْم وروى الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة قَالَ قَالَت عَائِشَة لما رَجَعَ ﵊ ذَلِك الْيَوْم من الْمَسْجِد دخل إليَّ فاضطجع فِي حجري فَدخل عَليّ رجل من آل أبي بكر وَفِي يَده سواك أَخْضَر فَنظر رَسُول الله
إِلَيْهِ نظرا عرفت أَنه يُريدهُ فَقلت أَتُحِبُّ أَن أُعْطِيك هَذَا السِّوَاك قَالَ نعم قَالَت فَأَخَذته فمضغته حَتَّى لينته ثمَّ أَعْطيته إِيَّاه فاستن كأشد مَا رَأَيْته اسْتنَّ بسواك قطّ ثمَّ وَضعه وَوَجَدته ﵊ يثقل فِي حجري فَذَهَبت أنظر
стр. 807
فِي وَجهه فَإِذا بَصَره قد شخص وَهُوَ يَقُول بل الرفيق الْأَعْلَى من الْجنَّة قَالَ ابْن إِسْحَاق وحَدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عَن أَبِيه قَالَ سَمِعت عَائِشَة ﵂ تَقول مَاتَ رَسُول الله
بَين سحرِي وَنَحْرِي وَفِي دَوْلَتِي لم أظلم فِيهِ أحدَاً فَمن سفهي وحداثة سني أَن رَسُول الله
قبض وَهُوَ فِي حجري ثمَّ وضعت رَأسه على وسَادَة ثمَّ قُمْت مَعَ النِّسَاء ألتدم وأضرب وَجْهي وَعَن سَالم بن عبيد الْأَشْجَعِيّ قَالَ لما مَاتَ رَسُول الله
صَار عُثْمَان يضْرب على وَجهه كالنساء وأقعد عَليّ ﵄ وَأخذ عمر ﵁ بقائم سَيْفه وَقَالَ لَا أسمع أحدا يَقُول مَاتَ رَسُول الله
إِلَّا ضربت عُنُقه بسيفي وَيَقُول إِنَّمَا أرسل إِلَيْهِ كَمَا أرسل إِلَى مُوسَى ﵊ فَلبث عَن قومه أَرْبَعِينَ لَيْلَة وَالله إِنِّي لأرجو أَن يقطع أَيدي رجال وأرجلهم فَقَالَ النَّاس يَا سَالم اطلب صَاحب رَسُول الله
قَالَ فَخرجت من الْمَسْجِد فَإِذا بِأبي بكر فَلَمَّا رَأَيْته أجهشت بالبكاء فَقَالَ مَالك يَا سَالم أمات رَسُول الله
فَقلت إِن هَذَا عمر بن الْخطاب يَقُول لَا أسمع أحدا يَقُول مَاتَ رَسُول الله
إِلَّا ضربت عُنُقه بسيفي هَذَا فَأقبل أَبُو بكر حَتَّى دخل فَلَمَّا رَآهُ النَّاس سعوا إِلَيْهِ فَدخل على النَّبِي
وَهُوَ مسجى بِبُرْدَةٍ فَرفع الْبردَة عَن وَجهه وَوضع فَاه على فِيهِ فَقبله فاستنشأ الرّيح ثمَّ سجاه ثمَّ صعد الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ إِن كَانَ مُحَمَّد إِلَهكُم الَّذِي تعبدونه فَإِن إِلَهكُم قد مَاتَ وَإِن كَانَ إِلَهكُم الَّذِي فِي السَّمَاء فَإِن إِلَهكُم حَيّ لَا يَمُوت ثمَّ تَلا ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُول قَد خلت مِن قَبْلِهِ الرسُل﴾ إِلَى ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ قَالَ الزُّهْرِيّ فَأَخْبرنِي سعيد بن الْمسيب أَن عمر بن الْخطاب قَالَ وَالله مَا هُوَ إِلَّا أَن تَلَاهَا أَبُو بكر حَتَّى عقرت وَأَنا قَائِم وخررت إِلَى الأَرْض وَأثبت حِينَئِذٍ أَن رَسُول الله
قد مَاتَ قَالَ فوَاللَّه لكأن النَّاس لم يعلمُوا أَن هَذِه الْآيَة نزلت حَتَّى
стр. 808
تَلَاهَا أَبُو بكر ﵁ يَوْمئِذٍ فَأَخذهَا النَّاس عَن أبي بكر فَإِنَّمَا هِيَ فِي أَفْوَاههم وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه أَن عمر حَدثهُ قَالَ أقبل أَبُو بكر من السنح منزله بِالْعَالِيَةِ حِين بلغه الْخَبَر إِلَى بَيت عَائِشَة ﵂ فَأَذنت لَهُ فَدخل فكشف عَن وَجه رَسُول الله
فَجعل يقبله ويبكي وَيَقُول توفّي والذى نَفسِي بِيَدِهِ صلوَات الله عَلَيْك يَا رَسُول اله مَا أطيبك حَيا وَمَيتًا وَفِي رِوَايَة عَن عَائِشَة فَوضع فَاه بَين عَيْنَيْهِ وَوضع يَدَيْهِ على صدغيه وَقَالَ وانبياه واخليلاه واصفياه أخرجه ابْن عَرَفَة الْعَبْدي ثمَّ خرج إِلَى الْمَسْجِد فَوجدَ عمر يكلم النَّاس وَيَقُول وَهُوَ شاهر سَيْفه من قَالَ إِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ ... إِلَى آخِره فَقَالَ لَهُ على رسلك يَا عمر أنصت فَأبى عمر إِلَّا أَن يتَكَلَّم فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بكر لَا ينصت جَاءَ إِلَى الْمِنْبَر فَقَامَ عَلَيْهِ ونادى أَيهَا النَّاس اجلسوا وأنصتوا فجلسوا وأنصتوا فَتشهد شَهَادَة الْحق ثمَّ قَالَ إِن الله تَعَالَى نعى إِلَيْكُم نَبِيكُم وَهُوَ حَيّ بَين أظْهركُم ونعى لكم أَنفسكُم وَهُوَ الْمَوْت حَتَّى لَا يبقي أحدا أَلا إِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُول قَد خلت مِن قبلِهِ الرسُل﴾ إِلَى قَوْله ﴿الشاكرِين﴾ آل عمرَان ١٤٤ وَقَالَ ﴿إِنك مَيتُ وَإِنَّهُم ميتُونَ﴾ الزمر ٣٠ وَقَالَ ﴿كل نَفسٍ ذائقَةُ الْمَوْت﴾ آل عمرَان ١٨٥ وَقَالَ ﴿وَلَا تَدعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لَا إلَهَ إِلَّا هُو كل شَيءٍ هَالِك إِلَّا وَجهَهُ﴾ الْقَصَص ٨٨ وَقَالَ ﴿كُلُ مَنْ عَلَيْهَا فَانِ وَيبقى وَجهُ رَبِك ذوُ الجَلَالِ وَالإكرامِ﴾ الرَّحْمَن ٢٦، ٢٧ ثمَّ قَالَ إِن الله عمّر مُحَمَّدًا وأبقاه حَتَّى أَقَامَ دين الله وَأظْهر أَمر الله وَبلغ رِسَالَة الله وجاهد أَعدَاء الله حَتَّى توفاه الله على ذَلِك وترككم على الطَّرِيقَة فَلَا يهْلك هَالك إِلَّا بعد التنبه والشفاء والنور فَمن كَانَ الله ربه فَإِن الله حَيّ لَا يَمُوت فليعبده وَمن كَانَ يعبد مُحَمَّدًا أَو يرَاهُ إلهَاً فقد هلك إلهه فَأَقْبَلُوا أَيهَا النَّاس واعتصموا بدينكم وتوكلوا على ربكُم فَإِن دين الله قَائِم وكلمته بَاقِيَة وَإِن الله نَاصِر دينه ومعز أَهله وَإِن كتاب الله بَين أظْهركُم وَهُوَ النُّور والشفاء وَبِه هدى الله مُحَمَّدًا
وَفِيه حَلَال الله وَحَرَامه
стр. 809
وَلَا وَالله مَا نبالي من أجلب علينا من خلق الله إِن سُيُوفنَا مسلولة مَا وضعناها بعد ونجاهد من خَالَفنَا كَمَا جاهدنا مَعَ رَسُول الله
فَلَا يبْقين أحد إِلَّا على نَفسه قَالَ ابْن إِسْحَاق لما قبض ﵊ انحاز هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار بأجمعهم إِلَى سَقِيفَة بني سَاعِدَة منزل سعد بن عبَادَة وَاعْتَزل عَليّ بن أبي طَالب وَبَنُو هَاشم وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة بن عبيد الله وخَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ وعمار بن يَاسر والمقداد بن عَمْرو والبهراني وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَجَمَاعَة آخَرُونَ فِي بَيت فَاطِمَة بنت رَسُول الله
وانحاز الْمُهَاجِرُونَ مَا عدا أُولَئِكَ إِلَى أبي بكر الصّديق وانحاز مَعَهم أسيد بن حضير فِي بني عبد الْأَشْهَل من الْأَنْصَار فانحازت إِلَى أبي بكر وَعمر فَقَالَ إِن هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار مَعَ سعد بن عبَادَة قد انحازوا إِلَيْهِ فَإِن كَانَ لكم بِأَمْر النَّاس حَاجَة فأدركوا النَّاس قبل أَن يَتَفَاقَم الْأَمر وَرَسُول الله
فِي بَيته لم يفرغ عَن أمره وَقد أغلق دونه الْبَاب أَهله قَالَ عمر فَقلت لأبي بكر انْطلق بِنَا إِلَى إِخْوَاننَا حَتَّى نَنْظُر مَا هم عَلَيْهِ فَانْطَلَقْنَا نؤمهم حَتَّى لقيَنا رجلَانِ صالحان فذكرا لنا الَّذِي صنع الْقَوْم وَقَالا أَيْن تُرِيدُونَ يَا معشر الْمُهَاجِرين فَقلت نُرِيد إِخْوَاننَا من الْأَنْصَار فَقَالَا لَا عَلَيْكُم أَن تقربوهم واقضوا أَمركُم يَا معشر الْمُهَاجِرين فَقلت وَالله لنأتينهم فَانْطَلَقْنَا حَتَّى جئناهم فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة فَإِذا هم مجتمعون وَإِذا بَين ظهرانيهم رجل مزمل فَقلت مَا هَذَا قَالُوا سعد بن عبَادَة فَقلت مَا لَهُ قَالُوا وجع فَلَمَّا جلسنا قَامَ خطيبهم فَأثْنى على الله بِمَا هُوَ أَهله وَقَالَ أما بعد فَنحْن أنصار الله وكتيبة الْإِسْلَام وَأَنْتُم يَا معشر الْمُهَاجِرين رَهْط منا وَقد دفت دافة مِنْكُم أَي دبّ قوم مِنْكُم بالاستعلاء والترفع علينا تُرِيدُونَ أَن تختزلونا من أصلنَا وتحضنونا من الْأَمر أَي تنحونا عَنهُ وتستبدوا بِهِ دُوننَا فَلَمَّا سكت أردْت أَن أَتكَلّم وَقد كنت زوّرت مقَالَة أعجبتني أردْت أَن أقولها بَين يَدي أبي بكر فَقَالَ لي أَبُو بكر على رسلك فَكرِهت أَن أعصيه وَكَانَ أعلم مني ثمَّ تكلم فوَاللَّه مَا ترك من كلمة أعجبتني فِي تزويري إِلَّا قَالَهَا فِي بديهته وَأفضل
стр. 810
قَالَ أما بعد فَمَا ذكرْتُمْ من خير فَإِنَّكُم أَهله وَلم تعرف الْعَرَب هَذَا الْأَمر إِلَّا لهَذَا الْحَيّ من قُرَيْش هم أَوسط الْعَرَب نسبا وداراً وَقد رضيت لكم أحد هذَيْن الرجلَيْن أَيهمَا شِئْتُم وَأخذ بيَدي وَيَد أبي عُبَيْدَة فَلم أكره مِمَّا قَالَ غَيرهَا وَكَانَ وَالله أَن أقدَّم فَتضْرب عنقِي لَا يقربنِي ذَلِك من إِثْم أحبَّ إِلَيّ من أَن أتأمر على قوم فيهم أَبُو بكر فَقَالَ الْحباب بن الْمُنْذر من الْأَنْصَار أَنا جُذيلها المحكَك وعُذَيقها المرجب وَقَامَ يحجل بِهَذِهِ الْكَلِمَة منا أَمِير ومنكم أَمِير يَا معشر قُرَيْش وَقَامَ رجل آخر مِنْهُم فَقَالَ إِن رَسُول الله
كَانَ إِذا اسْتعْمل الرجل مِنْكُم يقرن مَعَه رجلا منا فنرى أَن يَلِي هَذَا الْأَمر رجلَانِ مِنْكُم وَمنا وَتَتَابَعَتْ خطباؤهم على ذَلِك وَكثر اللَّغط وَارْتَفَعت الْأَصْوَات حَتَّى خشيت الِاخْتِلَاف فَقَامَ زيد بن ثَابت فَقَالَ يَا معشر الْأَنْصَار تعلمُونَ أَن رَسُول الله
كَانَ من الْمُهَاجِرين وخليفته من الْمُهَاجِرين وَنحن كُنَّا أنصار الله فنكون أنصار خَلِيفَته ثمَّ أَخذ بيد أبي بكر فَقَالَ هَذَا صَاحبكُم فَبَايعهُ عمر ثمَّ بَايعه الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار فَقَالَ قَائِل قتلتم سَعْدا فَقَالَ عمر قتل الله سَعْدا قَالَ عَطاء بن السَّائِب لما اسْتخْلف أَبُو بكر أصبح وعَلى رقبته أَثوَاب يتجر فِيهَا فَلَقِيَهُ عمر وَأَبُو عُبَيْدَة فَكَلمَاهُ فَقَالَ من أَيْن أطْعم عيالي قَالَا انْطلق حَتَّى نفرض لَك قَالَ ففرضوا لَهُ كل يَوْم شطر شَاة وماكسوه فِي الرَّأْس والبطن قَالَ فِي الرياض قَالَ ابْن قُتَيْبَة بُويِعَ أَبُو بكر الصّديق بالخلافة يَوْم قبض ﵊ فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة وبويع بيعَة الْعَامَّة على الْمِنْبَر فِي الْغَد يَوْم الثُّلَاثَاء قَالَ أَبُو عمر وتخلف عَن بيعَته سعد بن عبَادَة وَطَائِفَة من قومه الْخَزْرَج وَطَائِفَة من قُرَيْش ثمَّ بَايعُوهُ بعد غير سعد بن عبَادَة فَإِنَّهُ لم يبايعه وَلم يُبَايع بعده عمر إِلَى أَن مَاتَ بحوران فِي خلَافَة عمر رَضِي الله عَنْهُمَا
следующие страницы →