Полный текст (2 217 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
(أم قَطْعَهُمْ مألوفَهُمْ أم زهدهُمْ ... فِي الجاهِ والرتبةِ مهما تَسمو)
(أم دَفْنَهُم وجودَهُم فِي تربةِ الخُمُولِ ... عافٍ اسمُهُمْ والرسْمُ)
(أم صَبْرهم على الأَذى أم صفْحُهُمْ ... مَعَ اقتدارٍ إنْ رُمُوا أَن يُصْمُوا)
(أم كونَهُمْ مذ بايَعُوا اللهَ على ... نفوسِهِمْ بشأنها مَا اهتَمُّوا)
(قد استوَى عندهُم فِي جَنْبِ مَرْضاة ... الإلهِ مَدْحُهُمْ والذَمُّ)
(تراهُمُ كالأرضِ يُلْقَى فَوْقهَا الْقُبْحُ ... فيبدى الحسنَ مِنْهَا الكتْمُ)
(مآثرٌ حباهُم الله بهَا ... مِنْ دونِ عليا مستماها النجْمُ)
(مَاذَا عسَى يُحْصى المديح مِنْ ثَنَا ... قوْمٍ لَهُم فِي الذكْرِ ذكْرٌ ضَخْمُ)
(أَعَزَّهُمْ ذُو العِزِّ أَن يعرفَهُمْ ... مَنْ لَا لَهُ مِنَ اليقينِ سَهْمُ)
(فهُمْ خبايا فِي زَوَايَا غَيْرَةِ اللهِ ... وفِي طرزِ الوجودِ رَقْمُ)
(حياهُمُ الله وَأَحْيَانا بِهِمْ ... لَعَلَّنَا إليهمُ نُضَمَّ)
(وقَدِّسِ اللهُمَّ رُوحَ ... اليافعيِّ إِنَّه بمثلِهِ يُؤْتَمُّ)
(جزاه مَوْلَانَا الرِّضَا فَإِنَّهُ ... مُصَنِّف بَحر حجى خِضَمُّ)
(قد قامَ بِاللَّه وقالَ الْحق فِي ... تأليفِهِ والحقُّ لَا يغمُّ)
(فَهُوَ كتابٌ قد حوَى مباحثَاً ... يُلْقَمُ أحجاراً لَدَيْهَا الخصْمُ)
(وَمن يكُنْ قِيَامه لله لَا ... لنفْسِهِ فَدَسْتُهُ الأتمُّ)
(حبرته برسْمِ مولى أصلُهُ ... أزكَى الأصولِ فَهُوَ عَنهُ يَسْمُو)
(فَرْعُ الذينَ هُمْ أَئِمَّة الورَى ... وهُمْ معاقلُ الهُدّى والعصْمُ)
(بيتُ النبيِّ وَالَّذين حُبُّهُمْ ... دِينِي وإيماني بِهِ يتمُّ)
(كُلُّ كمالٍ فِي الورَى فَإِنَّمَا ... هم روحُهُ والعالمونَ جِسْمُ)
(تَوارَثُوا ملكَ المعالِي خلفا ... عنْ سلفٍ كل أَتَاهُ قسمُ)
(مَا نَالَ مِنْ قربِ الإلهِ نائلٌ ... إِلَّا بهمْ وَمَا مقالِي زَعْمُ)
(مدينةُ العلْمِ عليٌّ بابُهَا ... نَص بِهِ لَدَى الجدالِ حسْمُ)
(يَأَهْلَ بيتٍ لَا يضامُ جارُهُمْ ... إِنِّي بكُمْ يَا قومُ مستذمُّ)
(وليسَ إِلَّا أنْتُمُ وَسِيلَتِي ... يَوْمَ عَنِ الرضيعِ تسلو الأُمُّ)
стр. 842
(أنتُمْ لخيرِ عدةٍ وعدة ... إِذا نبا السيفُ وطاش السهْمُ)
(أعظِمْ بكُمْ غوثاً إِذا عظيمةٌ ... توهن الجِلْد لَهَا والعظْمُ)
(أنتمْ ضياءُ الكونِ كلَّ زمنٍ ... تنيرُهُ مِنْكُم بُدُور تِمٌّ)
(كيفَ وشمسُ الفلواتِ جدكمْ ... لكُمْ تسامى عربها والعُجْمُ)
(لَا وَالَّذِي أَعلَى بِهِ أقدارَكُمْ ... لأنتُمُ الأعلَوْنَ حَقًا فاسموا)
(هَذَا هُوَ الْفَخر الَّذِي لَا يُدَّعَى ... حسْبُ الدَّعِيِّ خزيُهُ والإثْمُ)
(وَمَا جرَى مِنَ العظائِمِ الَّتِي ... من كَيِّهَا على القلوبِ وسْمُ)
(تلكَ بأمْرِ اللهِ وَالله لَهُ ... مشيئةٌ فِي خلقِهِ وحُكْمُ)
(مَا كانَ فِي أمِّ الكتابِ مبرمَاً ... فمستحيلٌ حَلُّهُ والبرمُ)
(ومَنْ بِهَذَا الفضْلِ أولَى منكُمُ ... والأمثلُونَ لِلأشدِّ سمُّوا)
(على لسانٍ صادقٍ مُنَبأ ... بالغيْبِ وحيَا لَيْسَ فِيهِ رَجْمُ)
(هَذَا على أَنِّي كنْتُ لم أطِق ... سماعَ مجْرى الطّفِّ أَو أصمُّ)
(كأنَّ وقْعَ ذكرِهِ فِي مسمعِي ... وقْعُ الحسامِ بالحشا يحمُّ)
(حتَّى أريتُ مَا بِهِ من حُكْمٍ ... عَن رُتَبٍ لأَهْلهَا تتمُّ)
(سَعَادَة قَعْسَاء دُونَ بَعْضهَا ... يَهُونُ كُلُّ كارثٍ يهمُّ)
(نالَ بهَا حَهْدَ الشقاءِ أهلُهُ ... وفَازَ بالزلفَى ذووها العظْمُ)
(وَهَذِه الدُّنْيَا أَقَلُّ خطراً ... مِنْ أَن تكونَ للحَبِيبِ قسْمُ)
(وأنتمُ الأحبابُ والحبُّ وَمَا ... للفضْلِ غَيْرِ بيتكُمْ ملمُّ)
(بحبِّكُمْ قُدِّمَ من قدَّمه الله ... على الأمَّةِ فَهُوَ القدْمُ)
(برغْمِ أنفِ رافضيٍّ مُفْرِطٍ ... مفرِّطٍ فِيمَا عَلَيْهِ الجّمُّ)
(عجبْتُ من عصبَة إفْكٍ أبغضوا ... حبيبَ مَنْ إِلَى هَوَاهُ انضمُّوا)
(وهْو أحبُّ صاحبٍ إِلَى الإمامِ ... حَسْبَمَا دَلَّ عَلَيْهِ العِلْمُ)
(قد نسبوا إِلَى عليٍّ نِسْبَة ... يجلُّ عَنْهَا قدرُهُ وَيْسمُو)
(إِذْ يزعمونَ غَصْبَ قومٍ حقَّهُ ... وهْوَ كَمَا علمْتُ ذَاك القرْمُ)
стр. 843
(فأيُّ وجهٍ لسكوتِ مثلِهِ ... عَنْ مِثْلِها إِن صَحَّ هَذَا الزعْمُ)
(كيفَ نقُول يَا غلاة الأمْر فِي ... قَضيَّةٍ مَا جَاءَ فِيهَا حُكْمُ)
(أجاهلاً كانَ عليٌّ أَن مَا ... قَدْ تَمَّ بَغْيٌ ولديْكُمْ علْمُ)
(حاشا جنابَ بَاب حصْنِ العلمِ أنْ ... يجهَلَ أمرا ضرُّهُ أَعَمُّ)
(أَو قيلَ أغضَى عَالما يلزمَكُمْ ... إقرارُهُ الظالمُ وَهُوَ ظُلْمُ)
(وَهَذِه أدهَى من الألى استَحوا ... مِنَ الإمامِ ويْحَكُمْ وزمُّوا)
(أعاجزاً كَانَ عنِ الدفاعِ أَمْ ... خافَ المماتَ وَهُوَ ذاكَ الشهْمُ)
(رأتْ بَنو هاشِمَ حَقًا دونه ... حيلَ وعَنْ صاحِبِهِمْ لم يَحْمُوا)
(جُبْنٌ بهم أم بالسيوفِ فللٌ ... أم بالرقَى قد حُلَّ مِنْهُم عَزْمُ)
(أم أجْمَعَ الكلُّ على الباطِلِ مِنْ ... أَجْلِ أبي بَكْرٍ لبئسَ الزعْمُ)
(أهكذا مَنْ حَبَّ قومَاً ينتحِي ... تنقيصَهُمْ أينَ الذكا والفهْمُ)
(كَيفَ يقالُ فِي الصحابةِ الكِرام ... إنهُمْ بغَيْرِ حقٍّ هَمُّوا)
(وهُمْ أجَلُّ رُتْبَة مِمَّا إِلَى ... جنابِهِمْ فِي ضمْنِ ذَا ينضمُّ)
(حاشا قلوباً أرضعَتْ ثدْي الهُدَى ... فِي مهْدِ قربِ الوحْيِ مِمَّا نمُّوا)
(لَو علمُوا حَقِّيَةَ الأمْرِ لَمَا ... خِيفَ لديهمْ فِي الْإِلَه خَصْمُ)
(بل عصبَةُ الجهلِ بحمْقِ رأيِهمْ ... قد حاولوا أَن يَمْدَحُوا فذمُّوا)
(عزَوْا إِلى الكاملِ فِي مِدْحتِهِمْ ... نقائصاً سماعُها يُصِمُّ)
(نبرأ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ جملَة ... إِلَى الَّذِي إلَيْه فِيهِ الحُكْمُ)
(ونرتجي مِنْهُ هِدَايَةً إِلى ... مناهِجِ الحقِّ لَهَا نَؤُمُّ)
(وبالرسولِ والذينَ مَعَهُ ... لقدْ تشفَّعْنَا لما يهمُّ)
(أوفِرْ لنا اللهُمَّ من حُبهِمُ ... حظَّا بهمْ لِشَمْلنَا يَلُمُّ)
(واجعلْ لنا هَذَا الكتابَ حُجَّةً ... ومشرعاً لَهُ رضَاكَ خَتْمُ)
(وارحَمْ بِهِ مؤلفاً وكاتبَاً ... وقارئاً وسامعَاً يأتمُّ)
(واجْزِ الجزاءَ الأوفر الأوفَى لِمَنْ ... بكتبه استَخْدَمَنَا لتَسْمُو)
(السَّيِّد ابْن السَّيِّد ابْن سيدٍ ... عقْد فخارٍ لم يشنهُ فَصْمُ)
стр. 844
(عبد الْكَرِيم ابْن الكَرِيم صِنوه ... فَخُلُقٌ ومَحْتِدٌ وإسْمُ)
(بِجَدِّهِ وجِدِّهِ وجُودِهِ ... لُذْ واعتصِمْ واغْنَ عَدَاكَ العُدْمُ)
(خدمْتُ علياه بِهِ ممتثلاً ... لأمْرِهِ وهْوَ عليَّ حَتْمُ)
(أعملْتُ أقلامي بِهِ قامَتْ على ... أُمِّ الرءوسِ طاعَة تَؤُمُّ)
(لَا بِدْعَ أَن طابَتْ فَمن تاريخِهِ ... محاسنٌ لنَشْرِها أَشَمُّ)
(مَعَ اعترافِي بالقصُورِ راجياً ... مِنْهُ الَّذِي عَوَّدِنيهِ الحلْمُ)
(حسْبُ الطروسِ مفخراً أَن نالها ... بسَعْيها فِي راحَتَيْكُمْ لَثْمُ)
(أَو قصر المَدْح فَفِي تاريخِهِ ... محامدٌ لُحسْنِهِ تَتِمُّ)
وَالْحَاصِل أَنه وَردت الْأَحَادِيث فِي شَأْن خلَافَة أبي بكر الصّديق وَهِي الْأَحَادِيث الْأَرْبَعَة عشر الْآتِيَة الْمُسْتَدلّ على حقية خِلَافَته وأحقيته بهَا الْمصدر بهَا الْأَحَادِيث الْآتِيَة فَإِنَّهَا تَنْبِيه سَابق مِنْهُ ﵊ وَتَقْرِير لَاحق من الصَّحَابَة وَشَهَادَة مِنْهُم بِصِحَّة خِلَافَته وَأَنَّهَا لم تكن إِلَّا بِحَق إِذْ بَعْضهَا مُصَرح بخلافته على التَّرْتِيب الْوَاقِع مِنْهُ ﵊ تَارَة من فهم الصَّحَابَة خُصُوصا أَحَادِيث مرائيه
فَإِنَّهَا أَحَادِيث مُتَّفق على صِحَّتهَا وَكَذَلِكَ حَدِيث الْأَمر بالاقتداء بِأبي بكر وَفهم الصَّحَابَة رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم من ذَلِك التَّنْبِيه على الْخلَافَة وَحَدِيث استخلافه ﵊ لما ذهب
ليصلح بَين بني عَمْرو بن عَوْف بقباء وَحَدِيث استخلافه عَلَيْهَا أَيْضا فِي مرض
стр. 845
وَفَاته وَهُوَ من أوضح الْأَدِلَّة وَعَلِيهِ اعْتمد عمر وَعلي وَغَيرهمَا من الصَّحَابَة فِي الِاسْتِدْلَال على خِلَافَته وعَلى أحقيته بهَا وَوَجهه أَنه كَانَ ﵊ قد تأهب للنقلة إِلَى ربه فعين أَبَا بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ للْإِمَامَة ثمَّ عورض بِعرْض غَيره عَلَيْهِ لذَلِك فَمنع مِنْهُ ثمَّ لما تقدم غَيره كره ذَلِك وَصرح بِالْمَنْعِ ثمَّ أكده بكرار الْمَنْع فَقَالَ لَا لَا لَا ثمَّ أرْدف ذَلِك بِمَا فِيهِ تَعْرِيض بالخلافة بل تَصْرِيح بقوله يَأْبَى الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر فَذكر ذَلِك بتكرار كل ذَلِك مَعَ علمه
بِأَن ذَلِك مَظَنَّة الْخلَافَة فَإِنَّهُ كَانَ ﵊ إمَامهمْ فِي الصَّلَاة وَالْحَاكِم عَلَيْهِم فَلَمَّا أَقَامَ أَبَا بكر ذَلِك الْمقَام مَعَ توفر هَذِه الْقَرَائِن الحالية والمقالية علم أَنه أَرَادَ ذَلِك وَفِي قَوْله يَأْبَى الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر إِشَارَة بل أفْصح عبارَة وَلَوْلَا اعْتِمَاده
على تِلْكَ الْإِشَارَة المصرحة بِإِرَادَة الْخلَافَة لما أهمل أمرهَا وَأَشَارَ إِلَى أَن الْعُدُول عَن أبي بكر إِلَى غَيره من الوقائع الْعَظِيمَة فِي الدّين بقوله يَأْبَى الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر وَإِنَّمَا كَانَ عدم التَّصْرِيح بهَا مِنْهُ
اكْتِفَاء بنصبه إِمَامًا عِنْد إِرَادَة الِانْتِقَال عَنْهُم وإحالته على فهم ذَلِك عَنهُ وَلم يُصَرح بالتنصيص عَلَيْهَا لِأَنَّهُ ممتثل لما يُوحى إِلَيْهِ لَا ينفذ شَيْئا إِلَّا بِأَمْر ربه بالتنصيص لينفذ قَضَاؤُهُ وَقدره سُبْحَانَهُ فِي ابتلاء قوم عميت أَبْصَارهم بِمَا ابْتَلَاهُم بِهِ وَلَيْسَ فضل من انْقَادَ للحق بزمام الْإِشَارَة ودله نور بصيرته عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ فَإِن من لم يعْتَقد ذَلِك بعد بُلُوغ هَذِه الْأَحَادِيث وَالْعلم بِتِلْكَ الْقَرَائِن الحالية والمقالية فَالظَّاهِر عناده ورده للحق بعد تبينه وَمِنْهَا حَدِيث الْحِوَالَة يَعْنِي الْمَرْأَة الَّتِي تَعْنِي الْمَوْت فَقَالَ ائتي أَبَا بكر وَهُوَ من أَدِلَّة الْأَدِلَّة وأوضحها وحديثها من أصح الْأَحَادِيث وَإِن صحت الزِّيَادَة على مَا رَوَاهُ مُسلم وَهِي قَوْله ﵊ فَإِنَّهُ الْخَلِيفَة بعدِي
стр. 846
كَانَ ذَلِك نصا فِي الْبَاب وكحديث إِرَادَة كتب الْعَهْد وَقَوله
فَإِنِّي أَخَاف أَن يتَمَنَّى متمن أَو يَقُول قَائِل أَنا أولى وَفِي رِوَايَة كَيْلا يطْمع فِي الْأَمر طامع أَو يتَمَنَّى متمن ثمَّ قَالَ ويأبى الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر وَفِي رِوَايَة أَبى الله والمؤمنون أَن يخْتَلف عَلَيْهِ وَهَذَا صَرِيح فِي الْبَاب أَنه نَص على إِمَامَته بتوليه من جِهَته
وَأَنه لم يكْتب بل عرف بِأَنَّهُ يكون الْخَلِيفَة بعده فَجعل الله سُبْحَانَهُ ذَلِك بِإِجْمَاع الْمُسلمين فَعلم بِمَا تقرر إِجْمَاع الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ على حقية خلَافَة الصّديق وَأَنه أهل لَهَا وَذَلِكَ كَاف لَو لم يرد نَص عَلَيْهَا بل الْإِجْمَاع أقوى من النُّصُوص الَّتِي لم تتواتر لِأَن مفاده قَطْعِيّ ومفادها ظَنِّي وَحكى بأسانيد صَحِيحَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ من قَالَ إِن عليا كَانَ أَحَق بِالْولَايَةِ من أبي بكر فقد خطأ الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَمَا أرَاهُ يرتقع لَهُ مَعَ هَذَا عمل إِلَى السَّمَاء وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَن عمار بن يَاسر نَحوه كَيفَ والنصوص القرآنية والسنية ظَاهِرَة أما نُصُوص السّنة الدَّالَّة على خِلَافَته الْوَارِدَة عَنهُ
فقد ذكرنَا بَعْضهَا هُنَا إِجْمَالا وَسَيَأْتِي بَاقِيهَا فِي ذكر الْأَحَادِيث الَّتِي فِي شَأْن أبي بكر وَهِي الْأَرْبَعَة عشر حَدِيثا الَّتِي فِي أَولهَا الْمُسْتَدلّ بهَا عَلَيْهَا وَأما النُّصُوص القرآنية فَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الذِينَ آمَنوا مَن يَرتَدَ مِنكُم عَن دينه فسوفَ يَأتِي اللهُ بِقَوم يُحُبهُم وَيُحِبونَه﴾ إِلَى قَوْله ﴿واسِع عَلِيمُ﴾ الْمَائِدَة ٥٤ وَذَلِكَ أَنه لما ارْتَدَّت الْعَرَب بعد مَوته ﵊ جاهدهم أَبُو بكر وَالصَّحَابَة حَتَّى ردهم إِلَى الْإِسْلَام كَمَا سَيَأْتِي شرح ذَلِك قريبَاً وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿قل للمخالفين مِنَ الأعرإبِ سَتدعَونَ إِلىَ قَومٍ أولي بَأسِ شَدِيدِ﴾ إِلَى ﴿أليمَاً﴾ الْفَتْح ١٦
стр. 847
أخرج ابْن أبي حَاتِم عَن جوَيْرِية أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم هم بَنو حنيفَة وَمن ثمَّ قَالَ ابْن أبي حَاتِم وَابْن قُتَيْبَة وَغَيرهمَا هَذِه الْآيَة حجَّة على خلَافَة الصّديق لِأَنَّهُ الَّذِي دَعَا إِلَى قِتَالهمْ وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ سَمِعت الإِمَام أَبَا الْعَبَّاس بن سُرَيج يَقُول خلَافَة الصّديق فِي الْقُرْآن فِي هَذِه الْآيَة قَالَ لِأَن أهل الْعلم أَجمعُوا على أَنه لم يكن بعد نُزُولهَا قتال دعوا إِلَيْهِ إِلَّا دُعَاء أبي بكر لَهُم وَلِلنَّاسِ إِلَى قتال أهل الرِّدَّة وَمن منع الزَّكَاة قَالَ فَدلَّ ذَلِك على وجوب خلَافَة أبي بكر الصّديق وافتراض طَاعَته إِذْ أخبر الله أَن الْمُتَوَلِي عَن ذَلِك يعذبه عذابَاً أليمَاً قَالَ ابْن كثير وَمن فسر الْقَوْم بِأَنَّهُم فَارس وَالروم فالصديق هُوَ الَّذِي جهز الجيوش إِلَيْهِم وَتَمام أَمرهم كَانَ على عهد عمر وَعُثْمَان وهما فرعا الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فَإِن قلت يُمكن أَن يُرَاد بالداعي فِي الْآيَة النَّبِي
أَو عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قلت لَا يُمكن ذَلِك مَعَ قَوْله لن تتبعونا وَمن ثمَّ لم يدعوا إِلَى محاربة لأولئك فِي حَيَاته
إِجْمَاعًا وَأما عَليّ فَلم يتَّفق لَهُ فِي خِلَافَته قتال لطلب الْإِسْلَام أصلا بل لطلب الْإِمَامَة ورعاية حُقُوقهَا وَأما من بعده فهم عندنَا ظلمَة وَعند غَيرنَا كفار فَتعين أَن ذَلِك الدَّاعِي الدَّاعِي الَّذِي يجب باتباعه الْأجر الْحسن الْمَوْعُود بِهِ فِي الْآيَة وبعصيانه الْعَذَاب الْأَلِيم الْمَوْعُود بِهِ فِيهَا أَيْضا أحد الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة وَحِينَئِذٍ فَيلْزم عَلَيْهِ خلَافَة أبي بكر على كل تَقْدِير لِأَن حقية خلَافَة الْأَخيرينِ فرع عَن حقية خِلَافَته إِذْ هما فرعاها الناشئان عَنْهَا المترتبان عَلَيْهَا وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَدَ اللهُ الذَينَ آمَنُوا مِنكم وَعمِلوُا الصالحاتِ ليستَخلِفَنهُم فِي الأرضِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿لَا يشركِوُنَ بيِ شَيئاً﴾ النُّور ٥٥ قَالَ الْعَلامَة ابْن كثير هَذِه الْآيَة منطبقة على خلَافَة الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأخرج ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الحميد الْمهرِي قَالَ إِن خلَافَة أبي بكر وَعمر فِي كتاب الله بقوله تَعَالَى ﴿وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا﴾ النُّور ٥٥ الْآيَة وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿للِفُقَراء الْمُهَاجِرين﴾ إِلَى قَوْله ﴿أُولَئِكَ هم الصادقون﴾
стр. 848
الْحَشْر ٨ وَجه الدّلَالَة تَسْمِيَة الله إيَّاهُم صَادِقين وَمن شهد لَهُ الله سُبْحَانَهُ بِالصّدقِ لَا يكذب فَعلم أَن مَا أطبقوا عَلَيْهِ من قَوْلهم لأبي بكر يَا خَليفَة رَسُول الله هم صَادِقُونَ فَحِينَئِذٍ كَانَت الْآيَة شاهدة على خِلَافَته أخرجه الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ عَن الإِمَام أبي بكر بن عَيَّاش وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿اهدِنَا الصِّرَاط المُستَقِيم صرَاط الَّذين أنعمتَ عليهِم﴾ الفاتحه ٦، ٧ قَالَ الْفَخر الرَّازِيّ هَذِه الْآيَة تدل على خِلَافَته أبي بكر لِأَن تَقْدِير الْآيَة اهدنا صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم وَالله تَعَالَى بَين فِي الْآيَة الْأُخْرَى الَّذين أنعم عَلَيْهِم بقوله ﴿فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النبين وَالصدِيقِينَ وَالشُهَداء وَالصالِحينَ﴾ النِّسَاء ٦٩ وَلَا شكّ أَن رَأس الصديقين وَرَئِيسهمْ أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَكَانَ معنى الْآيَة أَن الله أَمر أَن نطلب الْهِدَايَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَبُو بكر وَسَائِر الصديقين وَلَو كَانَ أَبُو بكر ظالمَاً لما جَازَ الِاقْتِدَاء بِهِ فَثَبت بِمَا ذَكرْنَاهُ دلَالَة الْآيَة على إِمَامَة أبي بكر وحقيتها وَاعْلَم أَنه
لم ينص بالخلافة على أحد بِعَيْنِه عِنْد الْمَوْت وَإِنَّمَا وَردت مِنْهُ ظواهر تدل على أَنه علم بإعلام الله تَعَالَى لَهُ أَنَّهَا لأبي بكر فَأخْبر بِتِلْكَ الظَّوَاهِر وَلم يُؤمر بالتنصيص على أحد بِعَيْنِه وَقد مرت الْإِشَارَة إِلَى هَذَا الْمَعْنى فِيمَا تقدم قَرِيبا وَلَو وَجب على الْأمة مبايعة غير أبي بكر الصّديق ﵁ لبالغ ﵊ فِي تَبْلِيغ ذَلِك الْوَاجِب إِلَيْهِم بِأَن ينص عَلَيْهِ نصا جلياً بِنَقْل شهير حَتَّى يبلغ الْأمة مَا لَزِمَهُم فَلَمَّا لم ينْقل ذَلِك مَعَ توفر الدَّوَاعِي إِلَى نَقله دلّ على أَنه لَا نَص وتوهم أَن عدم تبليغه للْأمة لعلمه بِأَنَّهُم لَا يأتمرون بأَمْره فَلَا فَائِدَة فِي التَّبْلِيغ بَاطِل فَإِن ذَلِك غير مسْقط عِنْد وجوب التَّبْلِيغ ﵊ أَلا ترى أَنه بلغ سَائِر التكاليف للآحاد الَّذين علم مِنْهُم أَنهم لَا يأتمرون فَلم يسْقط الْعلم بِعَدَمِ ائتمارهم التَّبْلِيغ عَنهُ وَاحْتِمَال أَنه بلغ أَمر الْإِمَامَة سرا للْوَاحِد والاثنين وَأَنه نقل كَذَلِك لَا يُفِيد لِأَن سَبِيل مثل هَذِه الشُّهْرَة لصيرورته بِتَعَدُّد التَّبْلِيغ وَكَثْرَة المبلغين أمرا مَشْهُورا إِذْ هُوَ من أهم الْأُمُور لما يتَعَلَّق بِهِ من مصَالح الدّين وَالدُّنْيَا مَعَ مَا فِيهِ من دفع مَا قد يتَوَهَّم فِيهِ من إثارة الْفِتْنَة وَاحْتِمَال أَنه بلغ ذَلِك مشتهراً وَلم ينْقل
стр. 849
أَو نقل وَلم يشْتَهر فِيمَا بعد عصره بَاطِل أَيْضا إِذْ لَو اشْتهر لَكَانَ سَبيله أَن ينْقل نقل الْفَرَائِض لتوفر الدَّاعِي على نقل مهمات الدّين فالشهرة هُنَا لَازِمَة لوُجُود النَّص فَحَيْثُ لَا شهرة وَلَا نَص بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدّم يَعْنِي على التَّعْيِين لوَاحِد بِعَيْنِه لَا لعَلي وَلَا لغيره فَلَزِمَ من ذَلِك بطلَان مَا تنقله الروافض وَغَيرهم من الأكاذيب يسوّدون بِهِ أوراقهم من نَحْو أَنْت الْخَلِيفَة من بعدِي مُخَاطبا بِهِ عليا كرم الله تَعَالَى وَجهه وَمن خبر سلمُوا على عَليّ بإمرة الْمُؤمنِينَ مِمَّا لَا وجود لَهُ فضلا عَن اشتهاره كَيفَ وَمَا نقلوه من هذَيْن الْحَدِيثين وَمَا شابههما مِمَّا يرونه حَدِيثا من قَوْله
لعَلي أَنْت قَاضِي دِيني بِكَسْر الدَّال وَمَا يرونه حَدِيثا أَيْضا من قَوْله
عَليّ خير الْبشر فَمن أبي فقد كفر فَهَذِهِ الْأَحَادِيث كذب بَاطِلَة مَوْضُوعَة مفتراة عَلَيْهِ
أَلا لعنة الله على الْكَاذِبين وَلم ينْقل أحد من أَئِمَّة الحَدِيث أَن شَيْئا من هَذِه الْأَحَادِيث بلغ مبلغ الْآحَاد المطعون فِيهَا بل كلهم مجمعون على أَنَّهَا افتراء وَكذب مَحْض وَبِنَاء مرفض من أَبنَاء رفض فَإِن زعم هَؤُلَاءِ الجهلة الكذبة على الله وَرَسُوله وعَلى أَئِمَّة الْإِسْلَام ومصابيح الظلام أَن هَذِه الْأَحَادِيث صحت عِنْدهم قُلْنَا لَهُم هَذَا محَال إِذْ كَيفَ تنفردون بِصِحَّة تِلْكَ الْأَخْبَار مَعَ أَنكُمْ لم تتصفوا قطّ بِرِوَايَة وَلَا بِصُحْبَة مُحدث ويجهل تِلْكَ الْأَحَادِيث مهرَة الحَدِيث وسُياقه الَّذين أفنوا أعمارهم فِي الرحلات والأسفار الْبَعِيدَة وبذلوا جهدهمْ فِي طلبه وَفِي السَّعْي إِلَى كل من ظنُّوا عِنْده قَلِيلا مِنْهُ حَتَّى جمعُوا الْأَحَادِيث ونقبوا عَنْهَا وَعَلمُوا صحيحها من سقيمها ودونوها فِي كتبهمْ على غَايَة من الِاسْتِيعَاب وَنِهَايَة من التَّحْرِير وَكَيف لَا وَالْأَحَادِيث الموضوعات جَاوَزت مئات الألوف وهم مَعَ ذَلِك يعْرفُونَ وَاضع كل حَدِيث مِنْهَا وَسبب وَضعه وَالْحَامِل لواضعه على الْكَذِب والافتراء
стр. 850
على رَسُول الله
فجزاهم الله خير الْجَزَاء إِذْ لَوْلَا حسن صنعهم لاستولى المبطلون والمتمردة المفسدون على الدّين وغيروا معالمه وخلطوا الْحق بكذبهم حَتَّى لَا يتَمَيَّز عَنهُ فضلوا وأضلوا ضلالا مُبينًا لَكِن لما حفظ الله تَعَالَى على نبيه شَرِيعَته من الزيغ والتبديل وَجعلُوا من أكَابِر عُلَمَاء أمته فِي كل عصر طَائِفَة على الْحق لَا يضرهم مَن خذلهم لم يبال الدّين بهؤلاء الكذبة المبطلين الجهلة فَلذَلِك قطعت الْعَادة المطردة القطيعة بكذبهم واختلاقهم فِيمَا زعموه من نَص على عَليّ صَحَّ عِنْدهم دون غَيرهم إِن هَذَا إِلَّا اخْتِلَاق نَعُوذ بِاللَّه من مثله وَأما قَول عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَانَت بيعَة أبي بكر فلتة لَكِن وقى الله شَرها فَمن عَاد إِلَى مثلهَا فَاقْتُلُوهُ فَهَذِهِ اللَّفْظَة مِمَّا تشبث بِهِ الروافض وَقَالُوا إِنَّهَا قادحة فِي حقية خلَافَة أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَذَلِكَ من غباوتهم وجهالاتهم إِذْ لَا دلَالَة فِي ذَلِك لما زعموه لِأَن مَعْنَاهُ أَن الْإِقْدَام على مثل ذَلِك من غير مشورة الْغَيْر وَمن غير حُصُول الِاتِّفَاق عَلَيْهِ مَظَنَّة للفتنة فَلَا يقدمن أحد على مثل ذَلِك على أَنِّي أقدمت عَلَيْهِ فَسلمت على خلاف الْعَادة ببركة صِحَة النِّيَّة وَخَوف الْفِتْنَة لَو حصل توان فِي هَذَا الْأَمر لَا أَنَّهَا فلتة بِمَعْنى على غير الْحق وَالصَّوَاب فَهَذَا شَيْء عُجاب وَهَذَا أحد متعلقاتهم الَّتِي يعتمدونها وعقائدهم الَّتِي يعتقدونها وَسَيَأْتِي بَيَانهَا قَرِيبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن قيل مَا ذكرتموه مِمَّا أوردتموه فِي حق أبي بكر واستدللتم بِهِ على أَنه الْخَلِيفَة بعد رَسُول الله
معَارض بِمَا جَاءَ فِي حق عَليّ ﵁ فقد وَردت أَحَادِيث تدل على أَنه الْخَلِيفَة بعد رَسُول الله
فَمِنْهَا حَدِيث سعد بن أبي وَقاص وَابْن عَبَّاس أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي قَالَ لَهُ ذَلِك وَقد اسْتَخْلَفَهُ لما ذهب إِلَى غَزْوَة تَبُوك // (أخرجه الشَّيْخَانِ) // وَأحمد فِي مُسْنده والحافظ أَبُو الْقَاسِم الدِّمَشْقِي فِي الموافقات وَغَيرهم وَجه الدّلَالَة أَن
стр. 851
مُوسَى اسْتخْلف هَارُون عِنْد ذَهَابه إِلَى ربه فَمُقْتَضى التنظير بَينهمَا أَن يكون خَلِيفَته عِنْد ذَهَابه إِلَى ربه كَمَا كَانَ هَارُون من مُوسَى وَذَلِكَ ظَاهر جلي وَمِنْهَا حَدِيث يَوْم غَدِير خُم مَن كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ إِلَى آخر الحَدِيث // (أخرجه أَحْمد وَأَبُو حَاتِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالْبَغوِيّ) // وَفِي بعض طرقه ألستم تعلمُونَ إِنِّي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ من كنت مَوْلَاهُ فَإِن هَذَا يَعْنِي عليا مَوْلَاهُ وَجه الدّلَالَة أَن الْمولى فِي اللُّغَة الْعَتِيق وَالْمُعتق وَابْن الْعم والعصبة وَمِنْه ﴿خفت الْمولى من وراءى﴾ مَرْيَم ٥ وَسموا بذلك لأَنهم يلونه فِي النّسَب من الْوَلِيّ وَهُوَ الْقرب ويطاق على الحليف وَالْجَار والناصر وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِك بِأَن الله مولى الَّذين ءامنوا وَأَن الْكَافرين لَا مولى لَهُم﴾ مُحَمَّد ١١ وَفِي قَول ابْن عَرَفَة وَالْوَلِيّ وَمِنْه الْآيَة قَالَ بَعضهم أَي وليهم والقائم بأمرهم وَأما الْكَافِر فقد خذله وعاداه وَمِنْه أَيْضا قَوْله
أَي امْرَأَة نكحت بِغَيْر إِذن مَوْلَاهَا فنكاحها بَاطِل فَهَذِهِ ثَمَانِيَة أوجه لَا يَصح الْحمل على شَيْء من الْأَرْبَعَة الأول مِنْهَا إِذْ لَا معنى لَهُ فِي الحَدِيث وَكَذَا لَا يَصح على الْمَعْنى الْخَامِس إِلَّا على وَجه بعيد فَإِنَّهُ يُرَاد بالحليف النَّاصِر والمتبادر إِلَى الذِّهْن خِلَافه إِذْ الحليف من وجدت مِنْهُ صُورَة المحالفة حَقِيقَة وَالْمجَاز خلاف الظَّاهِر وَكَذَا لَا يَصح الْحمل على الْمَعْنى السَّادِس وَهُوَ الْجَار إِلَّا أَن يُرِيد بِهِ المجير بِمَعْنى النَّاصِر وَمِنْه وَإِنِّي جَار لكم أَي مجير فَرجع إِلَى معنى النَّاصِر فَتعين أحد الْمَعْنيين النَّاصِر وَالْمولى بِمَعْنى الْمُتَوَلِي وأيا مَا كَانَ أَفَادَ الْمَقْصُود إِذْ مَعْنَاهُ من كنت مُتَوَلِّي أمره والناظر فِي مصْلحَته وَالْحَاكِم عَلَيْهِ فعلي فِي حَقه كَذَلِك ويقابل هَذَا الْمَعْنى بقوله ألستم تعلمُونَ إِنِّي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم
стр. 852
وَمَا ذَاك إِلَّا لما ذَكرْنَاهُ من النّظر فِيمَا يصلحهم وَفِي الْأَحْكَام عَلَيْهِم أَو يكون مَعْنَاهُ من كنت ناصره ومنصفه مِمَّن ظلمه والآخذ لَهُ بِحقِّهِ وبثأره فعلي من حَقه كَذَلِك وَقد تعذر وَصفه بذلك فِي حَيَاة النَّبِي
فَتعين أَن يكون المُرَاد بِهِ بعد وَفَاته وَمِنْهَا وَهُوَ أقواها سنداً ومتناً حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن إِن عليا مني وَأَنا مِنْهُ وَهُوَ ولي كل مُؤمن بعدِي // (أخرجه أَحْمد) // وَالتِّرْمِذِيّ وَأَبُو حَاتِم وَحَدِيث بُرَيْدَة لاتقع فِي عَليّ فَإِنَّهُ مني وَأَنا مِنْهُ وَهُوَ وَلِيكُم بعدِي أخرجه أَحْمد وَحَدِيثه الآخر من كنت وليه فعلي وليُّه وَجه الدّلَالَة أَن الْوَلِيّ فِي اللُّغَة الْمولى قَالَه الْفراء وَالْمُتوَلِّيّ وَمِنْه ﴿أنَتَ ولي فيِ آلدُنيَا وَالآخِرةَ﴾ يُوسُف ١٠١ أَي متولى أمرى فيهمَا وضد الْعَدو يعبي الْمُحب والناصر وَلَا يتَّجه حمله على الْمُحب وَلَا على الْمُتَوَلِي إِذْ لَا يكون لتقييده بالبعدية معنى فِي الْحَدِيثين الْأَوَّلين فَإِنَّهُ ﵁ تَعَالَى كَانَ محباً مُتَوَلِّيًا للْمُؤْمِنين حَيَاة الْمُصْطَفى
وَبعد وَفَاته والْحَدِيث الثَّالِث مَحْمُول على الْأَوَّلين فِي إِرَادَة البعدية حملا للمطلق على الْمُقَيد فَتعين أحد الْمعَانِي الثَّلَاثَة وأيا مَا كَانَ أَفَادَ الْمَقْصُود أما بِمَعْنى النَّاصِر فقد تقدم تَوْجِيهه فِي الحَدِيث قبله وَأما معنى الأول فَإِن حمل الْمولى على معنى الْمُحب فَلَا تصح إِرَادَته بِمَعْنى الْمُتَوَلِي فَظَاهر فِي الْمَقْصُود بل صَرِيح وَالله أعلم قُلْنَا الْجَواب من وَجْهَيْن أما الأول فَإِن الْأَحَادِيث الْمُعْتَمد عَلَيْهَا فِي خلَافَة أبي بكر ﵁ مُتَّفق على صِحَّتهَا وَهَذِه الْأَحَادِيث غايتها أَن تكون حَسَنَة وَإِن صَحَّ مِنْهَا شَيْء عِنْد بَعضهم فَلَا يصلح معارضَاً لما اتّفق عَلَيْهِ
стр. 853
وَمن عَجِيب أَمر هَؤُلَاءِ الجهلة أَنا إِذا استدللنا عَلَيْهِم بالأحاديث الصَّحِيحَة الدَّالَّة صريحَاً على خلَافَة أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَخَبَر اقتدوا باللذين من بعدِي وَغَيره من الْأَخْبَار الناصة على خِلَافَته قَالُوا هَذَا خبر وَاحِد وَلَا يُغني فِيمَا يطْلب فِيهِ الْيَقِين وَإِذا أَرَادوا أَن يستدلوا على مَا زعموه من النَّص على خلَافَة عَليّ أَتَوا بأخبار لَا تدل على زعمهم كَخَبَر من كنت مَوْلَاهُ وَخبر أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى مَعَ أَنَّهَا آحَاد وَإِمَّا بأخبار بَاطِلَة كَاذِبَة متيقنة الْبطلَان وَاضِحَة الْوَضع والبهتان لَا تصل إِلَى دَرَجَة الْأَحَادِيث الضعيفة الَّتِي هِيَ أدنى مَرَاتِب الْآحَاد كَخَبَر أَنْت الْخَلِيفَة من بعدِي وَمَا بعده مِمَّا تقدم ذكره آنِفا فَتَأمل هَذَا التَّنَاقُض الصَّرِيح وَالْجهل الْقَبِيح لكِنهمْ لفرط جهلهم وعنادهم وميلهم عَن الْحق يَزْعمُونَ التَّوَاتُر فِيمَا يُوَافق مَذْهَبهم الْفَاسِد وَإِن أجمع أهل الحَدِيث والأثر على أَنه كذب مَوْضُوع مختلق ويزعمون فِيمَا يُخَالف مَذْهَبهم أَنه آحَاد بل وباطل وَإِن اتّفق أُولَئِكَ على صِحَّته وتواتر رِوَايَته تحكماً مِنْهُم وعناداً أَو زيغاً عَن الْحق فقوتلوا وَبِكُل شَرّ قوبلوا الْوَجْه الثَّانِي من وَجْهي الْجَواب تَسْلِيم صِحَّتهَا مَعَ بَيَان أَن لَا دَلِيل لَهُم فِيهَا أما قَوْله فِي الحَدِيث الأول إِن مُوسَى اسْتخْلف هَارُون عِنْد ذَهَابه إِلَى ربه إِلَى آخر مَا قيل قُلْنَا الْجَواب من وَجْهَيْن الأول نقُول هَذَا عدُول عَمَّا نطق بِهِ لِسَان الْحَال والمقال فَإِنَّهُ ﵊ قَالَ لعلى تِلْكَ الْمقَالة حِين اسْتَخْلَفَهُ لما توجه إِلَى غَزْوَة تَبُوك وَذَلِكَ اسْتِخْلَاف حَال الْحَيَاة فَلَمَّا رأى تألمه بِسَبَب التَّخَلُّف إِمَّا أسفا مِنْهُ على الْجِهَاد أَو بِسَبَب مَا عرض لَهُ من أَذَى الْمُنَافِقين على مَا سنبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَرِيبا قَالَ لَهُ تِلْكَ الْمقَالة إِيذَانًا لَهُ بعلو مكانته مِنْهُ إِلَى إِقَامَته مقَام نَفسه فالتنظير بَينه وَبَين هَارُون إِنَّمَا كَانَ من اسْتِخْلَاف مُوسَى لَهُ مُنْضَمًّا إِلَى الْأُخوة وَشد الأزر والعضدية وَكَانَ ذَلِك كُله حَال الْحَيَاة مَعَ قيام مُوسَى فِيمَا اسْتَخْلَفَهُ بعد يشْهد بذلك صُورَة الْحَال فَلْيَكُن الحكم فِي عَليّ
стр. 854
كَذَلِك مُنْضَمًّا إِلَى مَا ثَبت لَهُ من أخوة النَّبِي
وَشد أزره وعضده بِهِ غير أَنه لَا يُشَارِكهُ فِي النُّبُوَّة كَمَا شَارك هَارُون مُوسَى فَلذَلِك قَالَ
إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي أَو بعد بعثتي على سَبِيل التنظير وَلَا إِشْعَار فِي ذَلِك بِمَا بعد الْوَفَاة لَا بِنَفْي وَلَا بِإِثْبَات بل نقُول وَلَو حمل على مَا بعد الْوَفَاة لم يَصح تَنْزِيل عَليّ من النَّبِي
منزلَة هَارُون من مُوسَى لانْتِفَاء ذَلِك فِي هَارُون فَإِنَّهُ لم يكن الْخَلِيفَة بعد مُوسَى هَارُون وَإِنَّمَا كَانَ الْخَلِيفَة بعده يُوشَع بن نون وَأما هَارُون فقد مَاتَ فِي حَيَاة مُوسَى فَعلم قطعا أَن المُرَاد بِهِ الِاسْتِخْلَاف حَال الْحَيَاة لمَكَان التشابه وَلَا يوحد إِلَّا فِي حَال الْحَيَاة لَا يُقَال عدم اسْتِخْلَاف مُوسَى هَارُون بعد وَفَاته إِنَّمَا كَانَ لفقد هَارُون حِينَئِذٍ وَلَو كَانَ هَارُون حَيا لاستخلفه وَلم يسْتَخْلف غَيره بِخِلَاف عَليّ مَعَ النَّبِي
وَإِنَّمَا يتم دليلكم أَن لَو كَانَ هَارُون حَيا بعد وَفَاته واستخلف غَيره لأَنا نقُول الْكَلَام مَعكُمْ فِي تَبْيِين أَن المُرَاد بِهَذَا القَوْل الِاسْتِخْلَاف فِي حَال الْحَيَاة لمَكَان التَّنْزِيل منزلَة هَارُون من مُوسَى ومنزلة هَارُون من مُوسَى فِي الِاسْتِخْلَاف لم تتَحَقَّق إِلَّا فِي حَال الْحَيَاة فَثَبت أَن المُرَاد بِهِ مَا تحقق لَا أَمر آخر وَرَاء ذَلِك وَإِنَّمَا يتم متعلقكم مِنْهُ أَن لَو حصل اسْتِخْلَاف هَارُون بعد وَفَاة مُوسَى ثمَّ نقُول هَب أَن المُرَاد الِاسْتِخْلَاف عِنْد الذّهاب إِلَى الرب فَلم قُلْتُمْ إِن ذَلِك بِالْمَوْتِ وَإِنَّمَا يكون ذَلِك كَذَلِك أَن لَو لم يكن إِلَّا بِهِ وَهُوَ مَمْنُوع إِذْ الذّهاب المُرَاد إِلَى الرب سُبْحَانَهُ فِي الْحَيَاة أَيْضا وَهل كَانَ ذهابُ مُوسَى إِلَى ربه إِلَّا فِي حَال حَيَاته وَالصَّلَاة مُنَاجَاة وَالدُّعَاء كَذَلِك وَالْحجاج والعمار وفدُ الله تَعَالَى فَهَل الذّهاب إِلَى شَيْء من ذَلِك إِلَّا ذَهَابًا إِلَى الرب حَقِيقَة ومطابقتها أوقع من مُطَابقَة الذّهاب بِالْمَوْتِ فَكل ذَاهِب إِلَى طَاعَة ربه ذَاهِب إِلَى ربه لِأَنَّهُ مُتَوَجّه إِلَيْهِ بهَا وَإِن كَانَ فِي بعض التَّوَجُّه أوقع مِنْهُ فِي غَيره وَهَذِه كالأنواع مِنْهُ
стр. 855
فَيكون النَّبِي
اسْتخْلف عليا وَهُوَ ذَاهِب إِلَى ربه بِالْخرُوجِ إِلَى طَاعَته فِي الْجِهَاد كَمَا اسْتخْلف مُوسَى هَارُون فِي حَال حَيَاته ذَاهِبًا إِلَى ربه سُبْحَانَهُ وَالله أعلم الْوَجْه الثَّانِي أَن سِيَاق هَذَا القَوْل خبر وَلَو كَانَ المُرَاد بِهِ مَا بعد الْوَفَاة لوقع لَا محَالة كَمَا وَقع كل مَا أخبر بِوُقُوعِهِ فَإِن خَبره
حق وَصدق ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهوى إِن هُوَ إِلا وَحي يوحَى﴾ النَّجْم ٣، ٤ وَلما لم يَقع عُلم قطعا أَنه لم يرد ذَلِك وَقَوله ﵊ إِنَّه لَا يَنْبَغِي أَن أذهب إِلَّا وَأَنت خليفتي على أَهلِي فَإِنَّهُ
لم يستخلفه إِلَّا عَلَيْهِم والقرابةُ مُنَاسبَة لذَلِك وَأما على الْمَدِينَة فالمستخلف مُحَمَّد بن سَلمَة وَقيل سِبَاع بن عرفطة وَذكره ابْن إِسْحَاق فَقَالَ خلف رَسُول الله
فِي غَزْوَة تَبُوك عليا على أَهله وَأمره بِالْإِقَامَةِ فيهم فأرجفَ المُنَافِقُونَ وَقَالُوا مَا خَلفه إِلَّا استثقالاً قَالَ فَأخذ عَليّ سلاحه وَخرج حَتَّى لحق برَسُول الله
وَهُوَ نَازل بالجرف فَقَالَ يَا نَبِي الله زعم المُنَافِقُونَ أَنَّك مَا خلفتني إِلَّا أَنَّك استثقلتني فتخففت مني فَقَالَ ﵊ كذبُوا وَلَكِنِّي خلفتك لما تركت ورائي فَارْجِع فَاخْلُفْنِي فِي أَهلِي وَأهْلك أَلا ترْضى يَا عَليّ أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي أَو يكون الْمَعْنى إِلَّا وَأَنت خليفتي فِي أَهلِي فِي هَذِه الْقَضِيَّة على تَقْدِير عُمُوم استخلافه فِي الْمَدِينَة إِن صَحَّ ذَلِك وَيكون ذَلِك لِمَعْنى اقْتَضَاهُ فِي تِلْكَ الْمدَّة عَلِمَهُ رَسُول الله
وجهله غَيره يدل عَلَيْهِ أَنه
اسْتخْلف غَيره رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي قضايا كَثِيرَة ومرات عديدة أَو يكون الْمَعْنى الَّذِي يَقْتَضِيهِ حالك وأمرك أَلا أذهب فِي جهةٍ إِلَّا وَأَنت خليفتي لِأَنَّك مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى لمَكَان قربك وأخذك عني لَكِن قد يكون شخوصُكَ معي فِي وَقت أَنْفَع لي من استخلافك أَو يكونُ الْحَال يَقْتَضِي أَن
стр. 856
المصلحةَ فِي استخلافِ غَيْرك فيتخلف حكم الِاسْتِخْلَاف عَن مُقْتَضَاهُ بمعارض أقوى مِنْهُ يَقْتَضِي خِلَافه وَلَيْسَ فِي شيءِ من هَذَا كُله دَلِيل على أَنه الْخَلِيفَة بعد مَوته
وَأما الحَدِيث الثَّانِي فَقَوله فِيهِ فَتعين أحد مَعْنيين إِمَّا النَّاصِر وَإِمَّا الْمولى بِمَعْنى الْمُتَوَلِي فَنحْن نقُول بِمُوجبِه لَا بالتقدير الَّذِي قدروه وَالْمعْنَى الَّذِي عَلَيْهِ نزلوه لَا بل يكون التَّقْدِير من كنتُ ناصرَهُ فعلي ناصرهُ لِأَن عليا جلَّى من الكروب فِي الحروب مَا لم يجله غَيره وَفتح الله على يَدَيْهِ فِي زَمَنه
مَا لم يفتح على يَد غَيره وشهرةُ ذَلِك تغني عَن الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ والتطويل فِيهِ وَإِذا كَانَ بِهَذِهِ المثابة كَانَ ناصراً من كَانَ النَّبِي
ناصره لما أشاد الله بِهِ من دعائم الْإِسْلَام المثبتة لِرَبِّهَا مِنْهُ فِي عنق الْخَاص وَالْعَام بنصرة الْمُسلمين وإشادة منار الدّين وَيكون الْمَعْنى من كنت ناصرَهُ فعلي ناصره وَإِن كَانَ ذَلِك وَاجِبا على كل وَاحِد من الصَّحَابَة بل من الْأمة لَكِن أثبت بذلك لعَلي نوع اختصاصٍ لِأَنَّهُ أقربهم إِلَيْهِ وأولاهم بالانتصار لمن نَصره وَهَذَا أولى من حمل النَّاصِر على الْمَعْنى الَّذِي ذَكرُوهُ لما يسْتَلْزم ذَلِك من الْمفْسدَة الْعَظِيمَة والوصمة الفظيعة فِي جلة أَصْحَاب رَسُول الله
من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار على مَا سنقرره فِي الْجَواب عَن الحَدِيث الثَّالِث الَّذِي أخرجه أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ عَن عمرَان بن حُصَيْن مِمَّا يدل على أَنه لَا يجوز حمله على معنى الِاسْتِخْلَاف بعده ﵊ وَلَا على معنى الْمُتَوَلِي ليَكُون التَّقْدِير فعلي وليه أَي مُتَوَلِّي أمره بعده فَلَا يَصح ذَلِك إِذْ الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَنه لم يرد
ذَلِك فِي الْحَالة الراهنة فَيكون هَذَا الحَدِيث الثَّانِي كالحديث الثَّالِث الَّذِي سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفِي قَرِيبا على أَنا نقُول لم لَا يجوز أَن يكون المُرَاد الْوَلِيّ الْمُنعم اسْتِعَارَة من مولى الْعتْق التفاتاً إِلَى الْمَعْنى الْمُتَقَدّم آنِفا فِي معنى النَّاصِر فَيكون التَّقْدِير من أنعم الله عَلَيْهِ بالهداية على يَدي نبيه إِلَى الْإِسْلَام وَالْإِيمَان حَتَّى اتّصف النَّبِي
بِأَنَّهُ مَوْلَاهُ فقد أنعم الله عَلَيْهِ أَيْضا باستقامة أَمر دينه وأمانه من أَعدَاء الدّين وخذلانهم وَقُوَّة الْإِسْلَام وإشادة دعائمه على يَد عَليّ بن أبي طَالب بِمَا
стр. 857
اخْتصَّ بِهِ من دون غَيره مِمَّا تقدم بَيَانه مِمَّا يصحح الاتصاف بِأَنَّهُ مولى لَهُ أَيْضا وَقد حكى الْهَرَوِيّ عَن أبي الْعَبَّاس أَن معنى الحَدِيث من أَحبَّنِي وتولاني فليحب عليا وليتولهُ قَالَ فِي الرياض النضرة وَفِي هَذَا عِنْدِي بُعدْ يَعْنِي مَا حَكَاهُ الْهَرَوِيّ إِذْ كَانَ قياسهُ على هَذَا التَّقْدِير أَن يَقُول من كَانَ مولَايَ فَهُوَ مولى عَليّ وَيكون الْمولى بِمَعْنى الْوَلِيّ ضد الْعَدو فَلَمَّا كَانَ الْإِسْنَاد إِلَى اللَّفْظ على الْعَكْس من ذَلِك بَطل هَذَا الْمَعْنى وَلَو قَالَ مَعْنَاهُ من كنت أتولاه وأحبه فعلي يَتَوَلَّاهُ وَيُحِبهُ كَانَ أنسبَ للفظ الحَدِيث وَهُوَ ظَاهر لمن تَأمله نعم يتَّجه مَا ذكره الْهَرَوِيّ من وَجه آخر بِتَقْدِير حذفٍ فِي الْكَلَام على وَجه الِاخْتِصَار تَقْدِيره من كنت مَوْلَاهُ فسبيلُ الْمولى يَعْنِي وَحقه أَن يحب ويتولى فعلي أَيْضا مَوْلَاهُ لقُرْبه مني ومكانته من تأييد الْإِسْلَام فَيُحِبهُ وليتوله كَذَلِك وَأما الحَدِيث الثَّالِث فَقَوْلهم فَيتَعَيَّن حمل الْوَلِيّ على النَّاصِر أَو الْمُتَوَلِي ... إِلَى آخر مَا قَالُوهُ قُلْنَا الْجَواب عَنهُ من وَجْهَيْن أَيْضا الأول القَوْل بِالْمُوجبِ على الْمَعْنيين مَعَ الْبَيَان بِأَنَّهُ لَا دَلِيل لكم فِيهِ أما على معنى النَّاصِر فَلَمَّا بَيناهُ فِي الحَدِيث قبله وَأما بِمَعْنى الْمُتَوَلِي فقد كَانَ ذَلِك إِذْ قد تولى عَليّ ﵁ أَمر الْأمة بالخلافة وَإِن كَانَ بعده من كَانَ بعده فقد صدق عَلَيْهِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه تولى الْأمة بعده ﵊ حَقِيقَة وَمثل هَذَا قد ورد وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِب عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه النَّبِي
رأى فِي مَنَامه حوريةَ فَقَالَ لَهَا لمن أَنْت فَقَالَت للخليفة من بعْدك عُثْمَانُ وَحِينَئِذٍ فَتكون فَائِدَة ذكره
ذَلِك للتّنْبِيه على فَضِيلَة عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ والتمرنِ على محبته فَإِنَّهُ سيلي عَلَيْكُم ويتولى أَمركُم وَمن تتَوَقَّع إمرته فَالْأولى أَن يمرن القلبُ على مودته ومحبته ومجانبة بغضه ليَكُون أدعى إِلَى الانقياد وأسرع للطواعية وَأبْعد
стр. 858
عَن الْخلف وَيشْهد لهَذَا الْمَعْنى وَغَيره حثه
فِي هَذِه الْخطْبَة على أهل بَيته عُمُوما وعَلى عَليّ خُصُوصا ويرشد إِلَيْهِ أَيْضا مَا ابْتَدَأَ بِهِ
هَذَا الحَدِيث وَلَفظه عِنْد الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد صَحِيح أَنه
خطب بغدير خم ثامن عشر ذِي الْحجَّة مرجعه من حجَّة الْوَدَاع تَحت شجرات بُرِّح لَهُ مَا تحتهَا بعد صَلَاة الظّهْر فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنَّه قد نَبَّأَنِي اللطيفُ الْخَبِير أَنه لم يُعَمر نَبِي إِلَّا نصف عمر الَّذِي يَلِيهِ من قبله وَإِنِّي لأَظُن أَنِّي يُوشك أَن أدعى فَأُجِيب وَإِن مستول وَإِنَّكُمْ مسؤولون فَمَاذَا أَنْتُم قَائِلُونَ قَالُوا نشْهد أَنَّك قد بلغت وجهدت وَنَصَحْت فجزاك الله خيرا فَقَالَ ألستم تَشْهَدُون أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَأَن جنته حق وناره حق وَأَن الْمَوْت حق وَأَن الْبَعْث بعد الْمَوْت حق وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور قَالُوا بلَى نشْهد بذلك قَالَ اللَّهُمَّ أشهد ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس إِن الله مولَايَ وَأَنا مولى الْمُؤمنِينَ وَأَنا أولى بهم من أنفسهم وَفِي رِوَايَة ألستم تعلمُونَ أَنِّي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم قَالُوا بلَى قَالَ فَمن كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ من وَالَاهُ وَعَاد من عَادَاهُ وانصر من نَصره واخذل من خذله وأدر الْحق مَعَه أَيْنَمَا دَار ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس إِنِّي فَرَطُكم وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ على الْحَوْض حوضاً عرضه كَمَا بَين بُصرى إِلَى صنعاء فِيهِ عدد نُجُوم السَّمَاء قِدحانٌ من فضَّة وَإِنِّي سَائِلكُمْ حِين تردون عَليّ وَإِنِّي تَارِك فِيكُم الثقلَيْن فانظروا كَيفَ تخلفوني فيهمَا الثّقل الْأَكْبَر كتاب الله سببٌ طرفه بيد الله وطرفه بِأَيْدِيكُمْ فاستمسكوا بِهِ لَا تضلوا وَلَا تبدلوا وعترتى أهل بَيْتِي فَإِنَّهُ قد نَبَّأَنِي اللَّطِيف الْخَبِير أَنَّهُمَا لن يفترقا حَتَّى يردا على الْحَوْض وَيشْهد لَهُ أَيْضا أَن سبَب ذَلِك كَمَا نَقله الْحَافِظ شمس الدّين بن الْجَوْزِيّ
стр. 859
عَن ابْن إِسْحَاق أَن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ تكلم فِيهِ بعضُ من كَانَ مَعَه فِي الْيمن فَلَمَّا قضى
حجه خطب هَذِه الْخطْبَة تَنْبِيها على قدره وردا على من تكلم فِيهِ كبريدة بن الْحصيب كَمَا فِي البُخَارِيّ أَنه كَانَ يبغضه وَسبب ذَلِك مَا صَححهُ الذَّهَبِيّ أَنه خرج مَعَه إِلَى الْيمن فَرَأى مِنْهُ جفوة فنقصه للنَّبِي فَجعل وَجه النَّبِي
يتَغَيَّر فَقَالَ يَا بريده لَا تقع فِي عليّ فَإِن عليا مني وَأَنا مِنْهُ وَهُوَ وَلِيكُم بعدِي وَلَا يجوز حمله على أَنه الْمولى عقب وَفَاته
فِي الْأَحَادِيث كلهَا لوجوه الأول أَن لفظ الحَدِيث لفظ الْخَبَر مِمَّن لَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى وَلَو كَانَ المُرَاد بِهِ كَذَلِك لوقع لَا محَالة كَمَا وَقع كل مَا أخبر عَنهُ فَلَمَّا لم يَقع ذَلِك دَلَّ على أَن المُرَاد بِهِ غَيره لَا يُقَال لم لَا يجوز أَن يكون المُرَاد بِلَفْظ الْخَبَر الْأَمر لأَنا نقُول يلْزم على ذَلِك محذوران الأول صرف اللَّفْظ عَن ظَاهره وَذَلِكَ مَرْجُوح وَالظَّاهِر رَاجِح فَوَجَبَ الْعَمَل بِهِ الثَّانِي أَن ذَلِك يعْنى أَمر الْخلَافَة أَمر عَظِيم مُهِمّ فِي الدّين تتوفر عَلَيْهِ دواعي الْمُسلمين وَمثل ذَلِك لَا يكْتَفى فِيهِ بالألفاظ المجملة بل يجب فِيهِ التَّصْرِيح بِنَصّ الظَّاهِر الْوَجْه الثَّانِي لُزُوم مفْسدَة عَظِيمَة فِي الْحمل على ذَلِك هِيَ نسبةُ الْأمة إِلَى الِاجْتِمَاع على الضَّلَالَة واعتقادُ خطأ جَمِيع الصَّحَابَة باجتماعهم على تَوْلِيَة أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَذَلِكَ منفي بقوله
لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضَلَالَة وَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْمصير إِلَيْهِ دفع لهَذَا الْمَحْذُور وَنفي للظلم وَالْخَطَأ
стр. 860
عَن الجم الْغَفِير الْمَشْهُود لَهُم بِأَنَّهُم كَالنُّجُومِ من اقْتدى بِأَيِّهِمْ اهْتَدَى خُصُوصا من أمَرَ
بالاقتداء بِهِ من بعده وَشهد بِالرشد لمن أطاعه وَمَا تدعيه الرافضة من أَن عليا وَمن تَابعه فِي ترك الْمُبَادرَة إِلَى بيعَة أبي بكر إِنَّمَا بَايعُوهُ بعد ذَلِك تقية فَلَا إِجْمَاع على بيعَة أبي بكر فِي نفس الْأَمر فَهَذَا غايةُ الْفساد لما يلْزم عَلَيْهِ من نِسْبَة القبائح والرذائل وَقد قدمنَا بَيَان ذَلِك وَكَيْفِيَّة مبايعته من إرْسَال ابْنه الْحسن إِلَى أبي بكر وخطبة عَليّ كرم الله وَجهه واعتذاره بالعذر الْحسن الْجَمِيل فَانْظُرْهُ فِي أول خلَافَة الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الثَّالِث أَن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي أبي بكر دلّت على أَنه الخليفةُ عقيب وَفَاته
وَقد بَين وَجه دلالتها كَمَا ستراها قَرِيبا على خِلَافَته مصدرا بهَا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي شَأْنه وَأَحَادِيث عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مترددةٌ بَين احْتِمَالَيْنِ فِي الْحمل على أحدِهما توفيق بَين الْأَحَادِيث كلهَا وَنفى للمحذور اللَّازِم فِي حق الصَّحَابَة كَمَا قَرَّرْنَاهُ وَفِي الْحمل على الثَّانِي إِلْغَاء لبعضها وَتَقْرِير لذَلِك الْمَحْذُور فَكَانَ الْحمل على مَا يحصل بِهِ التَّوْفِيق وينفي بِهِ الْمَحْذُور أولى عملا بالأحاديث كلهَا وَكَيف يتَطَرَّق خلافُ ذَلِك إِلَى الْوَهم وَقد روى عَن عَليّ وَغَيره من الصَّحَابَة رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم مَا يشْهد بِصِحَّتِهِ وتتبادر الأفهام عِنْد سَمَاعه إِلَى أَنه مَانع من تطرق تِلْكَ الأوهام أم كَيفَ يحل اعْتِقَاد غير ذَلِك والإجماعُ على خِلَافه فالإجماع على خلَافَة أبي بكر قاضِ بِالْقطعِ بحقيتها لِأَن مفَادَ الْإِجْمَاع القطعُ ومفاد خبر الْوَاحِد ظَنِّي وَلَا تعَارض بَين قَطْعِيّ وظني بل يعْمل بالقطعي ويلغي الظني على أَن الظني لَا عبرةَ بِهِ جملَة كَافِيَة عِنْد الشِّيعَة فَإِن قيل أَي إجماعِ انْعَقَد مَعَ تخلف مثل عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَبني هَاشم أجمع والمقداد وخَالِد بن سعد بن الْعَاصِ وَابْن عَبَّاس وَأبي ذَر وعمار بن يَاسر وَهَؤُلَاء من جِلةِ أهل العقد والحل قُلْنَا كَانَ تأخرهُم إِمَّا لتأثر خواطرهم بترك الْمُشَاورَة فِي أَمر الْبيعَة والاستبداد بهَا دونهم فَإِن الزبير وَطَلْحَة قد أفصحا بذلك وبادرا بالبيعة فِي الْيَوْم الثَّانِي وَإِمَّا للتروي اجْتِهَادًا مِنْهُم فَلَمَّا ظهر لَهُم الْأَمر بَايعُوا وَالله أعلم بالحقائق سُبْحَانَهُ
стр. 861
الْوَجْه الثَّالِث من أوجه الْجَواب عَن الحَدِيث الثَّالِث لم لَا يجوز أَن يكون الْوَلِيّ هُنَا بِمَعْنى الْمُحب الموَالِي ضد الْعَدو وَالتَّقْدِير وَهُوَ متوليكم ومحبكم بعدِي وَيكون المُرَاد بالبعدية هُنَا البعدية فِي الرُّتْبَة لَا بعدية وَفَاته
أَي الْمُتَقَدّم فِي تولي الْمُسلمين ومحبتهم أَنا ثمَّ على فِي الدرجَة الثَّانِيَة لمكانته مني وقربه ومناسبته فَهُوَ أولى بمحبة من أحبه وتولي من أتولاه ونصرة من أنصره وإحارة من أجيره وَالْحَاصِل أَن هَذَا الحَدِيث يَعْنِي حَدِيث من كتب مَوْلَاهُ لَيْسَ نصا على إِمَامَة عَليّ كرم الله وَجهه وَكَيف يكون نصا وَلم يحْتَج بِهِ هُوَ وَلَا الْعَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَلَا غَيرهمَا وَقت الْحَاجة إِلَى الِاحْتِجَاج وَإِنَّمَا احْتج بِهِ عَليّ فِي خِلَافَته يَقُول رَاوِي ذَلِك أَبُو الطُّفَيْل كَمَا عِنْد أَحْمد وَالْبَزَّار جمع عَليّ النَّاس بالرحبة يَعْنِي بالعراق لما آلتْ إِلَيْهِ الخلافةُ فَقَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهُم أُشهد الله من شهد يَوْم غَدِير خم إِلَّا قَامَ وَلَا يقوم رجل يَقُول نبئت وَبَلغنِي إِلَّا رجل سمعتْ أذنَاهُ ووعى قلبه فَقَامَ سبعةَ عشرَ صحابياً وَفِي رِوَايَة ثَلَاثُونَ فَقَالَ هاتوا مَا سَمِعْتُمْ فَذكرُوا الحَدِيث الْمُتَقَدّم وَمن جملَته من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ فَقَالَ صَدقْتُمْ وَأَنا عَلَى ذَلِك من الشَّاهِدين فَلَو كَانَ نصا لاحتج بِهِ وَمنع غَيره كَمَا منع أَبُو بكرِ الْأَنْصَار بِخَبَر الْأَئِمَّة من قُرَيْش فأطاعوه مَعَ كَونه خبرَ واحدٍ وَتركُوا الْإِمَامَة وادعاءها
стр. 862
لأَجله فَكيف حِينَئِذٍ يتَصَوَّر وجود نَص جلي يقيني لعَلي وَهُوَ بَين قوم لَا يعصون خبرَ الْوَاحِد فِي أَمر الْإِمَامَة وهم من الصلابة فِي الدّين بِالْمحل الأرفع بِشَهَادَة بذلهِمُ الأنفسَ والأموالَ ومهاجرتهم الْأَهْل والأوطانَ وقتلهم الْأَوْلَاد والآباءَ فِي نصرةِ الدّين وَلم يحْتَج عَليّ عَلَيْهِم بذلك النَّص الْجَلِيّ بل وَلَا قَالَ أحد مِنْهُم عَنهُ طلع النزاع فِي أَمر الْإِمَامَة لم يتنازعون فِيهَا وَالنَّص الْجَلِيّ قد عين فلَانا لَهَا فَإِن زعم زاعم أَن عليا قَالَ لَهُم ذَلِك فَلم يطيعوه كَانَ جَاهِلا ضَالًّا مفترياً مُنْكرا للضروريات فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لم يقلهُ كرم الله وَجهه إِلَّا عِنْدَمَا آلت إِلَيْهِ الْخلَافَة بِشَهَادَة رَاوِيه أبي الطُّفَيْل وَلم يحْتَج بِهِ عِنْد وَفَاته
فسكوتُه عَن الِاحْتِجَاج بِهِ إِلَى أَيَّام خِلَافَته قَاض على من عِنْده أدنى فهم وعقل بِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْهُ أَنه لَا نَص فِيهِ على خِلَافَته عقيب وَفَاته
стр. 863
على أَن عليا نَفسه صرح بِأَنَّهُ
لم ينص عَلَيْهِ وَلَا على غَيره كَمَا سَيَأْتِي عَنهُ وَفِي البُخَارِيّ وَغَيره حَدِيث خُرُوج عَليّ وَالْعَبَّاس من عِنْد النَّبِي
وَقَول الْعَبَّاس وَقد أَخذ بيد عَليّ إِنَّك بعد ثَلَاث عبدُ الْعَصَا وَالله لأرى أَن رَسُول الله
متوفي فِي وَجَعه هَذَا وَإِنِّي لأعرف الْمَوْت فِي وُجُوه بني عبد الْمطلب فلنذهب إِلَى رَسُول الله
نَسْأَلهُ فِيمَن يكون هَذَا الْأَمر فَإِن كَانَ فِينَا علمنَا ذَلِك وَإِن كَانَ فِي غَيرنَا أمرناه فأوصى بِنَا فَقَالَ عَليّ وَالله إِن سألناها رَسُول الله
فَمَنَعَنَاهَا لَا يعطيناها الناسُ أبدا فَهَذَا صَرِيح فِيمَا ذَكرْنَاهُ من أَنه
لم ينص على أحد عِنْد مَوته وكل عَاقل يجْزم بِأَنَّهُ حَدِيث من كنت مَوْلَاهُ لَيْسَ نصا فِي إِمَامَة عَليّ وَإِلَّا لَم يَحتج هُوَ وَالْعَبَّاس إِلَى مُرَاجعَته
الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث البُخَارِيّ مَعَ قرب الْعَهْد جدا بيومئذ بَينهمَا نَحْو الشَّهْرَيْنِ وتجويز النسْيَان على سَائِر الصَّحَابَة السامعين لخَبر يَوْم الغدير مَعَ قرب الْعَهْد وهم من هم فِي الْحِفْظ والذكاء والفطنة وَعدم التَّفْرِيط والغفلة فِيمَا سَمِعُوهُ مِنْهُ
محَال عادي يجْزم الْعَاقِل بِأَدْنَى بديهة أَنهم لم يَقع مِنْهُم نِسْيَان وَلَا تَفْرِيط وبأنهم حالَ بيعتهم لأبي بكر كَانُوا ذاكرين لذَلِك الحَدِيث عَالمين بِهِ وَبِمَعْنَاهُ فَزعم الشِّيعَة والرافضة أَن الصَّحَابَة رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم علمُوا هَذَا النَّص وَلم ينقادوا لَهُ عناداً أَو مُكَابَرَة بِالْبَاطِلِ وَقَوْلهمْ إِنَّمَا تَركهَا عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِ تقية كذب وافتراء أَيْضا لما قدمْنَاهُ فِيمَا مر وَمِنْه إِنَّمَا كَانَ فِي مَنْعَة من قومه وعشيرته مَعَ كثرتهم وشجاعتهم وَأَنه احْتج أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على الْأَنْصَار لما قَالُوا منا أَمِير ومنكم أَمِير بِخَبَر الْأَئِمَّة من قُرَيْش فَكيف سلمُوا لَهُ هَذَا الِاسْتِدْلَال ولأي شَيْء لم يَقُولُوا ورد النَّص على إِمَامَة عَليّ فَكيف تحتج أَنْت بِمثل هَذَا الْعُمُوم وَقد أخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أبي حنيفَة النُّعْمَان بن ثَابت رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ أصل عقيدة الشِّيعَة تضليل الصَّحَابَة رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم وَإِنَّمَا نبه عَليّ الشِّيعَة لأَنهم أقل فحشاً فِي عقائدهم من الرافضة وَذَلِكَ لِأَن الرافضة يَقُولُونَ بتكفير الصَّحَابَة لأَنهم عاندوا بترك النَّص على إِمَامَة عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
стр. 864
بل زَاد أَبُو كَامِل وَهُوَ من رؤوسهم الْمُتَقَدِّمين فَكفر عليا زاعما أَنه أعَان الكفارَ على كفرهم وأيدهم على كتمان ذَلِك وعَلى ستر مَا لَا يتم الدّين إِلَّا بِهِ لِأَنَّهُ لم يرو عَن عَليّ كرم الله وَجهه أَنه احْتج بِالنَّصِّ على إِمَامَته بل تَوَاتر عَنهُ إِن أفضلَ الْأمة أَبُو بكر وَعمر فَإِنَّهُ قبل من عمر إِدْخَاله إِيَّاه فِي الشورى وَقد اتخذ الْمُلْحِدُونَ كَلَام هَؤُلَاءِ السفلة الكَذَبة ذَرِيعَة لطعنهم فِي الدّين وَالْقُرْآن وَقد تصدى بعض الْأَئِمَّة للرَّدّ عَلَيْهِم وَمن جملَة مَا قَالَه أُولَئِكَ الْمُلْحِدُونَ كَيفَ يَقُول الله ﴿كنُتُم خيرَ أُمةٍ أُخرِجَت لِلناسِ﴾ آل عمرَان ١١٠ وَقد ارْتَدُّوا بعد وَفَاة نَبِيّهم إِلَّا نَحْو سِتَّة أنفس مِنْهُم لامتناعهم من تَقْدِيم أبي بكر وَعدم رضاهم ببيعته فَانْظُر إِلَى حجَّة الملحد تجدها عينَ حجَّة الرافضة قَاتلهم الله تَعَالَى أَنِّي يؤفكون بل هم أَشد ضَرَرا على الدّين من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر فرق الضلال كَمَا صرح بِهِ عَليّ ﵁ بقوله تفترق الْأمة على ثَلَاث وَسبعين فرقة شَرها من ينتحل حبنا وَيُفَارق أمرنَا وَوَجهه مَا اشتملوا عَلَيْهِ من افترائهم قبائحَ الْبدع وغاياتِ العناد والكذبَ حَتَّى تسلطت الملاحدةُ بِسَبَب ذَلِك على الطعْن فِي الدّين وأئمة الْمُسلمين بل قَالَ القاضى أَبُو بكر الباقلاني إِن فِيمَا ذهبت إِلَيْهِ الرافضةُ مِمَّا ذكر إبطالاً لِلْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ إِذا أمكن اجتماعُ الصَّحَابَة على الكتم للنصوص أمكن فيهم الكذبُ والتواطؤ عَلَيْهِ لغَرَض فَيمكن أَن سَائِر مَا نقلوه من الْأَحَادِيث زور وَيُمكن أَن الْقُرْآن عُورضَ بِمَا هُوَ أفْصح مِنْهُ كَمَا تدعيه الْيَهُود وَالنَّصَارَى فكتمته الصَّحَابَة وَكَذَا مَا نَقله سَائِر الْأُمَم عَن جَمِيع الرُّسُل يجوز
стр. 865
الْكَذِب فِيهِ والزور والبهتان لأَنهم أقرُّوا ذَلِك فِي هَذِه الْأمة الَّتِي قد جَاءَ الْقُرْآن بِأَنَّهَا خير أمة أخرجت للنَّاس فادعاؤهم إِيَّاه فِي بَاقِي الْأُمَم أَحْرَى وَأولى فَتَأمل الْمَفَاسِد الَّتِي ترتبت على مَا أصَّلَهُ هَؤُلَاءِ وَقد أخرج الْبَيْهَقِيّ عَن الشَّافِعِي ﵁ مَا من أهل الْأَهْوَاء أَشد زوراً من الرافضة وَكَانَ إِذا ذكرهم عابهم بالرذالة والسقاطة وَأَنَّهُمْ لَا يتَوَجَّه مَعَهم خطاب وَلَا يرجعُونَ إِلَى رشد وَلَا إِلَى صَوَاب وَعَن الْحسن بن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ لما قدم عَليّ ﵁ الْبَصْرَة فِي أثر طَلْحَة وَالزُّبَيْر يُرِيد قِتَالهمْ قَالَ لَهُ ابْن الْكواء وَقيس بن عباد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَلا تخبرنا عَن مسيرك هَذَا الَّذِي سرت فِيهِ ستتولى على الْأمة وتضرب النَّاس بَعضهم بِبَعْض أَعهد من رَسُول الله
إِلَيْك فحدثنا بِهِ فَأَنت الموثوق بِهِ الْمَأْمُون على مَا سَمِعت قَالَ أما أَن يكون عِنْدِي من رَسُول الله
عهد فَلَا وَالله لَئِنْ كنت أولَ من صدق بِهِ لَا أكونُ أول من كذب عَلَيْهِ وَلَو كَانَ عِنْدِي من النَّبِي
عهد بذلك مَا تركت أخوي تيم وعدي يقومان على منبره ولقاتلتهما لَو لم أجد إِلَّا بردى وَلَكِن رَسُول الله
لم يُقتل قتلا وَلم يمت فَجْأَة مكث فِي مَرضه أَيَّامًا وليالي يَأْتِيهِ الْمُؤَذّن فيؤذنه بِالصَّلَاةِ فيأمر أَبَا بكر فَيصَلي بِالنَّاسِ وَهُوَ يرى مَكَاني وَلَقَد أرادتِ امْرَأَة من نِسَائِهِ صرفَهُ عَن أبي بكر فَأبى وَغَضب وَقَالَ أنتن صواحبُ يُوسُف يظهرن خلاف مَا يبدين مروا أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ فَلَمَّا قبض الله نبيه
وقعنا فِي أمورنا ثمَّ اخترنا لدنيانا من رضيه رَسُول الله
لديننا وَكَانَت الصلاةُ أعظمَ أَرْكَان الْإِسْلَام وقواعِد الدّين فبايَعنا أَبَا بكر فَكَانَ لذَلِك أَهلا لم يخْتَلف عَلَيْهِ منا اثْنَان فأديتُ إِلَى أبي بكر حَقه وعرفتُ لَهُ طَاعَته وغزوتُ مَعَه فِي جُنُوده وكنتُ آخذ إِذا أَعْطَانِي وأغزو إِذا أغزاني وأضرب بَين يَدَيْهِ الحدودَ بسوطي فَلَمَّا قبض ولاها عمر فَأخذ بِسنة صَاحبه وَمَا يعرف من أمره فَبَايَعْنَاهُ وَلم يخْتَلف عَلَيْهِ منا اثْنَان فأديتُ إِلَى عمر حَقه وعرفتُ لَهُ طَاعَته وغزوتُ مَعَه فِي جُنُوده وكنتُ آخذ إِذا أَعْطَانِي وأغزو إِذا أغزاني وأضرب بَين يَدَيْهِ الحدودَ بسوطي فَلَمَّا قبض تذكرتُ فِي نفس قَرَابَتي وسابقتي وفضلي وَأَنا أَظن أَن لَا يعدل بِي
стр. 866
وَلَكِن خَشِي أَلا يعملُ الخليفةُ بعده ذَنبا إِلَّا لحقه فِي قَبره فَأخْرج مِنْهَا نَفسه وَولده وَلَو كَانَت مُحَابَاة مِنْهُ لآثر وَلَده وَلَكِن برِئ مِنْهَا إِلَى ستةِ نفر من قُرَيْش أَنا أحدهم فَلَمَّا اجْتمع الرهطُ تذكرتُ فِي نَفسِي قَرَابَتي وسابقتي وَأَنا أَظن أَن لن يعدلُوا بِي فَأخذ عبدُ الرَّحْمَن بن عَوْف مواثيقَ على أَن نسْمع ونطيع لِمَنْ ولاه الله أمرنَا ثمَّ أَخذ بيد عُثْمَان فَضرب يَده على يَده فَنَظَرت فِي أَمْرِي فَإِذا طَاعَتي قد سبقت بيعتي وَإِذا ميثاقي قد أُخِذَ لغيري فَبَايعْنَا عُثْمَان فأديتُ لَهُ حقهُ وعرفتُ لَهُ طَاعَته وغزوتُ مَعَه فِي جُنُوده وكنتُ آخذ إِذا أَعْطَانِي وأغزو إِذا أغزاني وأضرب بَين يَدَيْهِ بسوطي فَلَمَّا أُصِيب عُثْمَان نظرتُ فِي أَمْرِي فَإِذا الخليفتان اللَّذَان أخذاها بِعَهْد رَسُول الله
إِلَيْهِمَا فِي الصَّلَاة قد مضيا وَهَذَا الَّذِي أَخذ لَهُ مِيثَاق قد أصيبَ فبايعني أهلُ الْحَرَمَيْنِ وأهلُ هذَيْن المصرين أخرجه أَبُو أَحْمد حَمْزَة بن الْحَارِث وَأَبُو الْفضل ابْن خيرون وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْن عَسَاكِر والذهبي وَغَيرهم وَابْن السمان فِي الْمُوَافقَة وَزَاد بعد قَوْله وَأهل هذَيْن المصرين قَوْله ثمَّ إِن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان جَاءَ يضربني بِأَهْل الشَّام فَكنت وَالله أَحَق بهَا مِنْهُ وَالله لَو أَن أَبَا بكر حِين بُويِعَ نازعوه لقَاتل وَلَو أَن عمر نوزع حِين بُويِعَ لقَاتل فَقَالَا صدقت يَا أَبَا الْحسن وبررت واحتججت وَكنت أَحَق بهَا مِنْهُ وَفِي رِوَايَة عَبدة أَنَّهُمَا قَالَا لَهُ أخبرنَا عَن قتالك هذَيْن الرجلَيْن يعنيان طَلْحَة وَالزُّبَيْر وهما صاحباك فِي الْهِجْرَة وَفِي بيعَة الرضْوَان وَفِي الشورى قَالَ بايعاني بِالْمَدِينَةِ وخلعاني بِالْبَصْرَةِ وَلَو أَن رجلا بَايع أَبَا بكر ثمَّ خلعه قَاتَلْنَاهُ أَلا وَلَو أَن رجلا بَايع عمر ثمَّ خلعه قَاتَلْنَاهُ قلت كَأَنِّي أنظر وأسمع رَافِضِي الِاعْتِقَاد يُنكر هَذِه الروايةَ وَيبْطل إسنادها وينقض مبناها ويقوض عمادها إِلَّا قَوْله فِيهَا وَأَنا أَظن أَن لَا يعدلُوا بِي ... إِلَى قَوْله فَبَايعْنَا عُثْمَان فَإِنَّهُ يتَّخذ ذَلِك شبهةَ دليلٍ وبرهانٍ لما يَعْتَقِدهُ من الْكَذِب وَالْبَاطِل والبهتان عَلَيْهِ من الله مَا يسْتَحق قلت وَمن جملَة زعم الرافضة أَن عليا إِنَّمَا سكت عَن النزاع والثيار فِي أَمر
стр. 867
الْخلَافَة وطلبها لِأَن النَّبِي
أوصاه أَلا يُوقع بعده فتْنَة وَلَا يسل سَيْفا وَسمعت من بعض غُلاتِهِم أَن عليا كَانَ يتحدث مَعَ فَاطِمَة فِي شَأْن الْخلَافَة وَكَأَنَّهَا تلومه فِي سُكُوته فَأذن الْمُؤَذّن حِينَئِذٍ فَقَالَ لَهَا عَليّ ﵁ لَوْلَا خوفي انْقِطَاع هَذَا الصَّوْت أَو الذّكر مُشِيرا إِلَى الْأَذَان لجعلتُ أرْضهَا سماءها فَإِن صَحَّ كَلَام هَذَا الغالي فقد اخْتلفت العلتان عَلَيْهِم الْوَصِيَّة فِي الأول وَالْخَوْف فِي الثَّانِي وكلا العلتين معلولٌ بِأَنَّهُ افتراء وَكذب وضلالة وحمق وغباوة وجهالة عَمَّا يَتَرَتَّب على ذَلِك إِذْ كَيفَ يعقل مَعَ هَذَا الَّذِي زعموه أَنه جعله إِمَامًا والياً على الْأمة بعده وَمنعه من سل السَّيْف على من امْتنع من قبُول الْحق وَلَو كَانَ مَا زعموه صَحِيحا لما سل كرم الله وَجهه السيفَ فِي حَرْب صفّين وَغَيرهَا وَقَاتل بِنَفسِهِ وَأهل بَيته وشيعته وبارز الألوفَ مِنْهُم وَحده أَعَاذَهُ الله من مُخَالفَة وَصِيَّة رَسُول الله
وَأَيْضًا فَكيف يتعقلون أَنه
يوصيه بِعَدَمِ سل السَّيْف على من يَزْعمُونَ فيهم أَنهم مجاهرون بأقبح أَنْوَاع الْكفْر من مُخَالفَة أمره
وَدفع من نَصَ على أَنَّهَا لَهُ والتمالؤِ والاجتماعِ على إعطائها لغير من هِيَ لَهُ وَمنع فَاطِمَة ﵂ إرثها بِغَيْر دَلِيل فهما وَمن نحا نَحْوهمَا عِنْدهم مرتدون حماهم الله من ذَلِك وَرَضي الله عَنْهُم فجهادُ مثل هَؤُلَاءِ حتم على الْأمة عُمُوما وعَلى الْخَلِيفَة خُصُوصا قَالَ بعض أَئِمَّة أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ من العترة الطاهرة وَقد تأملتُ كلماتِهم يَعْنِي الرافضة فَرَأَيْت قوما أعْمَى اللهُ بصائرهم فَلم يبالوا بِمَا يَتَرَتَّب على مقالتهم من الْمَفَاسِد أَلا ترى إِلَى قَوْلهم إِن عمر ﵁ قاد عليا بحمائل سَيْفه وَحصر فَاطِمَة فهابت فَأسْقطت ولدا اسْمه المحسن فقصدوا بِهَذِهِ الْفِرْيَة القبيحة والغباوة الَّتِي أورثتهم الْعَار والبوار والفضيحة إيغارَ الصُّدُور على عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَلم يبالوا بِمَا يَتَرَتَّب وَيلْزم على ذَلِك من نسبةِ عَليّ إِلَى الذلة وَالْعجز والخَوَر بل نِسْبَة جَمِيع بني هَاشم وهم أهل النجدة والنخوة والأنفة إِلَى ذَلِك الْعَار الَّذِي لَا أقبحَ مِنْهُ عَلَيْهِم بل نِسْبَة جَمِيع الصَّحَابَة رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم إِلَى ذَلِك مَعَ مَا استفاض وتواتر عَنْهُم من غيرتهم لنبيهم وَدينهمْ وَشدَّة غضبهم عِنْد
стр. 868
انتهاك حرماته حَتَّى قَاتلُوا فَقتلُوا الآباءَ والأبناءَ فِي طَلَبهمْ مرضاة الله تَعَالَى ومرضاة رَسُوله لَا يُتَوَهَّمُ إلحاقُ أدنى نقصِ أَو السُّكُوت على بَاطِل من هَؤُلَاءِ الْعِصَابَة الكمل الَّذين طهرهم الله من كل رِجْس ودنس وَنقص على لِسَان نبيه فِي الْكتاب وَالسّنة كَمَا تقدم بِوَاسِطَة صحبتهم لَهُ
وَمَوته وَهُوَ رَاض عَنْهُم وبسبب صدقهم فِي محبته واتباعه إِلَّا عبد أضلّهُ الله وخذله فباء مِنْهُ تَعَالَى بعظيم الخسار والبوار وأحله نَار جَهَنَّم وَبئسَ الْقَرار نسْأَل الله السَّلامَة من الموبقات فِي الْحَيَاة وَبعد الْمَمَات آمين ولهذه الطائفةِ الرذلة شبه لَا حاجةَ لنا إِلَى إيرادها وتسويد الطِّرْس بسوادها فقد ردهَا الْأَئِمَّة المتقدمون والمتأخرون فِي غير مَا كتاب وأماطوا عَن مشوهاتها الْخمار والنقاب وَقد رَوَتْ أقاويلَ الْأَئِمَّة المعتبرين من أهل الْبَيْت فِي الترضي عَن الشَّيْخَيْنِ وتوليهما وَالثنَاء عَلَيْهِمَا الأئمةُ الحفاظُ الَّذين عَلَيْهِم المعوّل فِي معرفَة الحَدِيث والْآثَار وتمييز صحيحها من سقيمها بأسانيدهم الْمُتَّصِلَة فَمِنْهَا مَا أخرجه أَبُو نعيم عَن الإِمَام الْحسن الْمثنى ابْن الْحسن السبط أَنه لما قيل لَهُ ذَلِك أَي أَن خبر من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ نصُّ فِي إِمَامَة عليِّ قَالَ أما وَالله لَو يَعْنِي بذلك الإِمارة وَالسُّلْطَان لأفصح لَهُم بِهِ فَإِن رَسُول الله
كَانَ أنصح للْمُسلمين ولقال لَهُم ياأيها النَّاس هَذَا ولي أَمْرِي والقائم عَلَيْكُم بعدِي فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطيعُوا مَا كَانَ من هَذَا شَيْء فوَاللَّه لَئِن كانَ الله ورسولهُ اختارَا عليَّاً لهَذَا الْأَمر والقيامِ بِهِ للْمُسلمين من بعده ثمَّ تَرَكَ عَليّ أَمر الله وَرَسُوله أنْ يقومَ بِهِ أَو يعْذر فِيهِ إِلَى الْمُسلمين إنْ كانَ أعظم النَّاس خطيئةَ لَعَلي إِذْ ترك أَمر الله وَرَسُوله وحاشاه من ذَلِك وَفِي رِوَايَة عَنهُ وَلَو كَانَ هَذَا الْأَمر كَمَا تَقول وَأَن الله اخْتَار عليا للْقِيَام على النَّاس لَكَانَ أعظم النَّاس خَطِيئَة أَن ترك أَمر رَسُول الله
وَلم يقم بِهِ فَقَالَ الرجل ألم يقل رَسُول الله
من كنت مَوْلَاهُ فَقَالَ الْحسن مَا تقدم ذكره وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَن الإِمَام أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه لما قدم
стр. 869
الْمَدِينَة سألَ أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد الباقر عَن أبي بكر وَعمر فترحم عَلَيْهِمَا فَقَالَ لَهُ أَبُو حنيفَة إِنَّهُم يَقُولُونَ عندنَا بالعراق إِنَّك تتبرأ مِنْهُمَا فَقَالَ معَاذ الله كذبُوا وَرب الْكَعْبَة ثمَّ ذكر لأبي حنيفَة تزويجَ عَليّ ابنتَه أم كُلْثُوم بنت فَاطِمَة من عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأَنه لَو لم يكن لَهَا أَهلا لما زوجه إِيَّاهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو حنيفَة لَو كتبت إِلَيْهِم فَقَالَ لَا يطيعونني بالكتب وتزويج عَليّ أم كُلْثُوم لعمر ﵁ يقطع بِبُطْلَان مَا زعمته الرافضة فِيهِ قلت وَجه الْقطع مَا يلْزم أَن عليا زوج ابْنَته أم كُلْثُوم من كافرٍ على زعمهم الْفَاسِد معلومٍ كفرُه وسببُ كفره فيبطلوا أصلَهم فِي اعْتِقَاد العصمةِ لواجبها إِذْ تَزْوِيج الْكَافِر بالمسلمة حرَام بِنَصّ ﴿لَا هُنَ حِل لَهم وَلَا هُم يحلوُنَ لَهنُ﴾ الممتحنة ١٠ وَهَذِه الرِّوَايَة عَن الْحسن وأشباههُا من الرِّوَايَات زور عِنْدهم وافتراء وَكذب صراح لَا شُبْهَة فِيهِ وَلَا مراء لِأَنَّهَا تَفُت فِي أعضادهم وتنكث قواهم وتبت قوتهم وَتحل عراهم وَمِنْهَا مَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عَن عبد الله الْمَحْض بن الْحسن الْمُتَقَدّم ذكره لقب بالمحض لِأَنَّهُ أول من جمع ولادَة الْحسن والحشين وَالْحُسَيْن لِأَن أمه فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَكَانَ شيخَ بني هَاشم وَرَئِيسهمْ أَنه سُئِلَ أتمسح على الْخُفَّيْنِ فَقَالَ أَمسَح عَلَيْهِمَا قد مسح عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ لَهُ السَّائِل إِنَّمَا أَسأَلك أنتَ أتمسح عَلَيْهِمَا قَالَ ذَلِك أعجزُ لَك أخبر عَن عمر وتسألني عَن رَأْيِي فعمر خيرٌ مني وملء الأَرْض من مثلي فَقيل لَهُ هَذَا تقية فَقَالَ نَحن بَين الْقَبْر والمنبر اللَّهُمَّ هَذَا قولي فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة فَلَا يسمع قولي أحد بعدِي ثمَّ قَالَ من هَذَا الَّذِي يزْعم أَن عليا كَانَ مقهورا وَأَن النَّبِي
أمره بِأَمْر فَلم ينفذهُ فَكفى بِهَذَا إزراء ومنقصة وَمِنْهَا مَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عَن ولد عبد الله الْمَحْض وَهُوَ السَّيِّد مُحَمَّد الملقب بِالنَّفسِ الزكية أَنه قَالَ لما سُئِلَ عَن الشَّيْخَيْنِ لَهُمَا عِنْدِي أفضلُ من عَليّ وَمِنْهَا مَا أخرجه عَن مُحَمَّد الباقر أَنه قَالَ أجمع بَنو فَاطِمَة على أَن نقُول فِي الشَّيْخَيْنِ أحسنَ مَا يكون من القَوْل
стр. 870
وَمِنْهَا مَا أخرجه أَيْضا عَن جَعْفَر الصَّادِق عَن أَبِيه مُحَمَّد الباقر أَن رجلا جَاءَ إِلَى أَبِيه زين العابدين عَليّ بن الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فَقَالَ لَهُ أَخْبرنِي عَن أبي بكر فَقَالَ عَن الصّديق فَقَالَ الرجل وتسميه الصّديق فَقَالَ لَهُ ثكلتك أمك وَقد سَمَّاهُ صديقا رَسُول الله
والمهاجرون وَالْأَنْصَار وَمن لم يسمه صديقَاً فَلَا صدق الله قولَهُ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة فَأحب أَبَا بكر وَعمر وَمِنْهَا مَا أخرجه أَيْضا عَن عُرْوَة عَن عبد الله سَأَلت أَبَا جَعْفَر مُحَمَّدًا الباقر عَن حلية السَّيْف فَقَالَ لَا بَأْس بهَا قد حلي أَبُو بكر الصّديق ﵁ سَيْفه قَالَ قلت وَتقول الصّديق قَالَ نعم الصّديق نعم الصّديق فَمن لم يقل الصّديق فَلَا صدق الله قولَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأخرجه ابْن الْجَوْزِيّ فِي صفة الصفوة وَزَاد فَوَثَبَ وثبةً واستقبل فَقَالَ نعم الصّديق نعم الصّديق وَمِنْهَا مَا أخرجه أَيْضا عَن جَعْفَر الصَّادِق أَنه قَالَ مَا أَرْجُو من شَفَاعَة عَليّ شَيْئا إِلَّا وَأَنا أَرْجُو من شَفَاعَة أبي بكر مثله وَلَقَد ولدني مرَّتَيْنِ وَمِنْهَا مَا أخرجه عَن زيد بن عَليّ أَنه قَالَ لمن تَبرأ مِنْهُمَا أعلم وَالله أَن البراءةَ من الشَّيْخَيْنِ البراءةُ من عَليّ فَتقدم أَو تَأَخّر وَمِنْهَا مَا أخرجه الْحَافِظ عمر بن شبة أَن زيدا هَذَا قيل لَهُ إِن أَبَا بكر انتزع من فاطمةَ فَدكَ فَقَالَ إِنَّه كَانَ رحِيما وَكَانَ يكره أَن يُغير شَيْئا تَركه رَسُول الله
فَأَتَتْهُ فَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَقَالَت لَهُ إِن رَسُول الله
أَعْطَانِي فدك فَقَالَ هَل لَك بَينه فَشهد لَهَا عَليّ وَأم أَيمن فَقَالَ لَهَا فبرجل وَامْرَأَة تستحقينها ثمَّ قَالَ زيد وَالله لَو رَجَعَ الأمرُ فِيهَا إِلَيّ لقضيتُ بِقَضَاء أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَمِنْهَا مَا أخرجه عَنهُ أَيْضا قَالَ انطلقتِ الْخَوَارِج فبرئت مِمَّن دون أبي بكر وَعمر وَلم يستطيعوا أَن يَقُولُوا فيهمَا شَيْئا وانطلقتم أَنْتُم فطفرتم أَي وثبتم فَوق ذَلِك فبرئتم مِنْهُمَا فَمن بَقِي فوَاللَّه مَا بَقِي أحد إِلَّا برئتم مِنْهُ يُخَاطب بذلك الرافضة لما قَالُوا لَهُ ابرأ من الشَّيْخَيْنِ وَنحن نُبَايِعك فَأبى فَقَالوا إِنَّا نرفضك فَقَالَ اذْهَبُوا فَأنْتم الرافضة فَمن حِينَئِذٍ سموا الرافضة وسيمت
стр. 871
شيعتهُ بالزيدية وَمِنْهَا مَا أخرجه ابْن عَسَاكِر عَن سَالم بن أبي الْجَعْد قلت لمُحَمد ابْن الْحَنَفِيَّة هَل كَانَ أَبُو بكر أولَ الْقَوْم إسلاماً قَالَ لَا قلت فَبِمَ علا أَبُو بكر وَسبق حَتَّى لَا يذكر أحد غير أبي بكر قَالَ لِأَنَّهُ كَانَ أفضلَهم إسلاماً حِين أسلم حَتَّى لحق بربه وَمِنْهَا مَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عَن سَالم بن أبي حَفْصَة وَهُوَ شيعي لكنه ثِقَة قَالَ سَأَلت أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بن على وجعفر بن مُحَمَّد عَن الشَّيْخَيْنِ فَقَالَا يَا سَالم تولهما وابرأ من عدوهما فَإِنَّهُمَا كَانَا إمامَي هدَى وَمِنْهَا مَا أخرجه أَيْضا عَنهُ قَالَ دخلت على أبي جَعْفَر فَقَالَ وَأرَاهُ قَالَ ذَلِك من أَجلي اللَّهُمَّ إِنِّي أتولى أَبَا بكر وَعمر وأحبهما اللَّهُمَّ إِن كَانَ فِي نَفسِي غير هَذَا فَلَا نالتني شَفَاعَة مُحَمَّد
يَوْم الْقِيَامَة وَمِنْهَا مَا أخرجه أَيْضا عَنهُ دخلتُ على جَعْفَر بن مُحَمَّد وَهُوَ مَرِيض فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أحب أَبَا بكر وَعمر وأتولاهما اللَّهُمَّ إِن كَانَ فِي نَفسِي غير هَذَا فَلَا نالتني شَفَاعَة مُحَمَّد
وَمِنْهَا مَا أخرجه عَنهُ أَيْضا قَالَ قَالَ لي يَا سَالم أيسب الرجل جَدَهُ أَبُو بكرٍ جدي لَا نالتني شَفَاعَة مُحَمَّد إِن لم أكن أتولاهما وَأَبْرَأ من عدوهما وَمِنْهَا مَا أخرجه عَن جَعْفَر الصَّادِق أَنه قيل لَهُ إِن فلَانا يزْعم أَنَّك تتبرأ من أَبى بكر وَعمر فَقَالَ برىء الله من فلَان إِنِّي لأرجو أَن يَنْفَعنِي الله بِقَرَابَتِي من أبي بكر وَلَقَد مَرضت فأوصيت إِلَى خَالِي عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَمِنْهَا مَا أخرجه هُوَ والحافظ عمر بن شبة عَن كثير قلت لأبى جَعْفَر وَمُحَمّد ابْن عَليّ أَخْبرنِي أظَلَمَكم أَبُو بكر وَعمر من حقكم شَيْئا فَقَالَ ومُنزلِ القرآنِ على عَبده ليَكُون للْعَالمين نذيراً مَا ظلمنَا من حَقنا مَا يزن حَبَّة خَرْدَل قَالَ قلت أفأتولاهما جعلني الله فدَاك قَالَ نعم يَا كثير تولهما فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالَ
стр. 872
وَجعل يصك عنق نَفسه وَيَقُول مَا أصابكَ فبعنقي ثمَّ قَالَ برىء الله ورسولهُ من الْمُغيرَة بن سعيد وَأبي زَيْنَب فَإِنَّهُمَا كذبا علينا أهلَ الْبَيْت وَمِنْهَا مَا أخرجه أَيْضا عَن بسام الصَّيْرَفِي قلت لأبي جَعْفَر مَا تَقول فِي أبي بكر وَعمر فَقَالَ وَالله إِنِّي لأتولاهما وَأَسْتَغْفِر لَهما وَمَا أدْركْت أحدا من أهل بَيْتِي إِلَّا وَهُوَ يتولاهما وَمِنْهَا مَا أخرجه أَيْضا عَن إِمَام الْمَذْهَب مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن جَعْفَر بن أبي طَالب قَالَ وَليَنا أَبُو بكر خيرُ خَليفَة وأرحَمُه لنا وأحنَاهُ علينا وَفِي رِوَايَة فَمَا وَليَنا أحد من النَّاس مثله وَفِي أُخْرَى فَمَا رَأينَا قطّ مَنْ كَانَ خيرَاً مِنْهُ وَمِنْهَا مَا أخرجه يَعْنِي الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد الباقر أَنه قيل لَهُ إِن فلَانا حَدثنِي أَن عَليّ بن الْحُسَيْن قَالَ ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صدروهم مِّن غِلٍّ﴾ الْحجر ٤٧ نزلت فِي أبي بكر وَعمر وَعلي قَالَ وَالله فيهم نزلت ففيمن نزلت إِلَّا فيهم قيل فَأَي غل هُوَ قَالَ غل الْجَاهِلِيَّة إِن بني تيم وَبني عدي وَبني هَاشم كَانَ بَينهم شَيْء فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَمَّا أسلم هَؤلاءِ القومُ تحَابوا فأخذتْ أبَا بكر الخاصرةُ فَجعل عَليّ يسخن يَده ويكمد بهَا خاصرةَ أبي بكر فَنزلت هَذِه الْآيَة فيهم وَمِنْهَا مَا أخرجه أَيْضا عَن على أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي هَذِه الْبُطُون الثَّلَاثَة تيم وعدي وَبني هَاشم وَقَالَ مِنْهُم أَنا وَأَبُو بكر وَعمر وَمِنْهَا مَا أخرجه أَيْضا عَن مُحَمَّد الباقر وَأَنه قيل لَهُ هَل كَانَ أحد من أهل الْبَيْت يسب أَبَا بكر وَعمر قَالَ معَاذ الله بل يتولونهما وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهما وَيَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِمَا وَمِنْهَا مَا أخرجه أَيْضا عَن أبي جَعْفَر أَيْضا عَن أَبِيه عَليّ بن الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَنه قَالَ لجَماعَة خَاضُوا فِي أبي بكر وَعمر ثمَّ فِي عُثْمَان أَلا تخبروني أَنْتُم الْمُهَاجِرُونَ الْأَولونَ ﴿الذِينَ أُخْرِجُوأ مِن دِياَرِهِم وَأموَالِهِم يبتَغُونَ فَضلاً مِّنَ اللهِ ورضوانا وينصرون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ هُمُ الصّاَدِقوُنَ﴾ الْحَشْر ٨ قَالُوا لَا / قَالَ فَأنْتم (وَالَّذين تبوءو الدَّارَ وَالإيمانَ مِن قبلِهم يحبِونَ مَن هَاجَرَ إِلَيْهِم وَلَا
стр. 873
يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا وَيُؤثِرونَ عَلى أنفُسِهم) ﴿إِلَى﴾ (المُفلحُونَ﴾ الْحَشْر ٩ قَالُوا لَا قَالَ أما أَنْتُم فقد برئتم أَن تَكُونُوا فِي أحد هذَيْن الْفَرِيقَيْنِ وَأَنا أشهد أَنكُمْ لَسْتُم من ﴿وَالَّذين جَاءُوا مِن بعدهمِ يَقُولونَ رَبًنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الذينَ سَبَقُونَا بالإيمانِ﴾ ﴿إِلَى﴾ (رَءوف رَحيِم﴾ الْحَشْر ١٠ وَمِنْهَا مَا أخرجه أَيْضا عَن فُضَيْل بن مَرْزُوق سَمِعت إِبْرَاهِيم بن الْحسن ابْن الْحسن أَخا عبد الله بن الْحسن يَقُول وَالله قد مَرَقَت علينا الرافضة كَمَا مرقت الحرورية عَلَى عَلِيً وَمِنْهَا مَا أخرجه عَنهُ أَيْضا سَمِعت الْحسن بن الْحسن يَقُول لرجل من الرافضة لَئِن أمكن الله مِنْكُم لنقطعن أَيْدِيكُم وأرجلكم من خلاف وَلَا نقبل مِنْكُم تَوْبَة وَمِنْهَا مَا أخرجه أَيْضا عَن مُحَمَّد بن حَاطِب قَالَ ذكر عُثْمَان عِنْد الْحسن وَالْحُسَيْن فَقَالَ هَذَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَي عَليّ أَتَاكُم الْآن يُخْبِركُمْ عَنهُ إِذْ جَاءَ عَليّ قَالَ الزُّهْرِيّ مَا أَدْرِي أسمعهم يذكرُونَ عُثْمَان أم سَأَلُوهُ عَنهُ فَقَالَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عُثْمَان من الَّذين ﴿اتقَوا وآمَنُوا ثُمَ اتقوأ وأحسَنُوأ وَالله يُحِبُ المحسنِينَ﴾ الْمَائِدَة ٩٣ وَمِنْهَا مَا أخرجه أَيْضا عَن مُحَمَّد بن حَاطِب من طرق قَالَ دخلتُ عَلَى عَليّ ﵁ فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي أردْت الْحجاز وَإِن النَّاس يَسْأَلُونِي فَمَا تَقول فِي قتل عُثْمَان وَكَانَ عَليّ مُتكئا فَجَلَسَ فَقَالَ يَا بن حَاطِب وَالله إِنِّي لأرجو أَن أكونَ أَنا وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَنَزَعنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّن غِلٍّ﴾ الْحجر ٤٧ الْآيَة وَمِنْهَا مَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن سَالم بن أبي الْجَعْد قَالَ كنت جَالِسا عِنْد مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة فَذكرُوا عُثْمَان فنهانا مُحَمَّد وَقَالَ كفوا فغدونا يَوْمًا آخر فنلنا مِنْهُ أَكثر مِمَّا كَانَ قبل فَقَالَ ألم أنهكم عَن هَذَا الرجل قَالَ وَابْن عَبَّاس جَالس عِنْده فَقَالَ يَابْنَ عَبَّاس أَتَذكر عَشِيَّة الْجمل وَأَنا عَن يَمِين عَليّ وَفِي يَدي الرَّايَة وَأَنت عَن يسَاره إِذْ سمع هدة فِي المربد فَأرْسل رَسُولا فجَاء الرَّسُول فَقَالَ هَذِه عَائِشَة تلعن قتلةَ عُثْمَان فِي المربد فَرفع عَليّ يَدَيْهِ حَتَّى بلغ
стр. 874
بهما وَجهه مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا وَقَالَ أَنا ألعن قتلة عُثْمَان لعنهم الله فِي السهل والجبل قَالَ فَصدقهُ ابْن عَبَّاس ثمَّ أقبل علينا فَقَالَ فيّ وَفِي هَذَا لَكُم شاهدُ عدل وَأخرج عَن مَرْوَان بن الحكم أَنه قَالَ مَا كَانَ أحد أدفعَ عَن عُثْمَان من عَليّ قيل لَهُ فَمَا بالكم تسبونه على المنابر قَالَ إِنَّه لَا يَسْتَقِيم لنا الْأَمر إِلَّا بذلك وَمِنْهَا مَا أخرجه أَيْضا عَن الْحسن بن مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة قَالَ يأهل الْكُوفَة اتَّقوا الله وَلَا تَقولُوا فِي أبي بكر وَعمر مَا ليسَا لَهُ بِأَهْل وَأخرج أَيْضا عَن جُنْدُب الْأَسدي أَن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن آتاهُ قوم من أهل الْكُوفَة والجزيرة فَسَأَلُوهُ عَن أبي بكر وَعمر فَالْتَفت إِلَيّ وَقَالَ انْظُر إِلى أهل بلدك يَسْأَلُونِي لَهُما عِنْدِي أفضل من عَليّ وَأخرج آدم عَن عبد الله بن الْحسن أَنه قَالَ وَالله لَا يَقبَلُ الله توبةَ عبد تَبرأ مِنْهُمَا وإنهما ليعرضان على قلبِي فأدعو الله لَهما أَتَقَرَّب بِهِ إِلَى الله وَمِنْهَا مَا أخرجه أَيْضا عَن عبد الْجَبَّار الْهَمدَانِي أَن جعفراً الصادقَ أَتَاهُم وهم يُرِيدُونَ أَن يرتحلوا من الْمَدِينَة فَقَالَ إِنَّكُم إِن شَاءَ الله من صالحي مصركم فأبلغوني عني من زعم إِنِّي إِمَام مفترَضُ الطَّاعَة فَإِنِّي مِنْهُ بَرِيء وَمن زعم إِنِّي بَرِيء من أبي بكر وَعمر فَأَنا مِنْهُ بَرِيء وَمِنْهَا مَا أخرجه أَيْضا عَنهُ ﵁ أَنه قَالَ إِن الخبثاء من أهل الْعرَاق يَزْعمُونَ أَنا نقع فِي أبي بكر وَعمر وهما وَالِدَايَ أَي لِأَن أمه أم فَرْوَة ابنةُ الْقَاسِم الْفَقِيه ابْن مُحَمَّد بن أبي بكر وأمهما أَسمَاء بنت عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر وَمن ثمَّ سبق لَهُ قَوْله ولدني أَبُو بكر مرَّتَيْنِ وَمِنْهَا مَا أخرجه أَيْضا عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد الباقر قَالَ من لم يعرف فضلَ أبي بكر وَعمر فقد جهل بِالسنةِ قَالَ بعض الْأَئِمَّة صدق وَالله إِنَّمَا نَشأ من الشِّيعَة والرافضة وَغَيرهمَا مَا نَشأ من الْبدع والضلالات من جهلهم بِالسنةِ وَفِي الطيوريات بِسَنَدِهِ إِلَى جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رجل لعَلي ﵁ نسمعك تَقول فِي الْخطْبَة اللَّهُمَّ أَصْلحنَا بِمَا أصلحت بِهِ الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين فمَن هم فاغرورقت عَيناهُ فَقَالَ هما حبيبا نبيي أَبُو بكر
стр. 875
وَعمر إِمَامًا الْهدى وشيخَا الْإِسْلَام ورَجُلا قُرَيْش المقتدى بهما بعد رَسُول الله
مَنِ اقْتدى بهما عُصِم وَمن اتبع آثارهما هُدِيَ الصراطَ الْمُسْتَقيم وَمن تمسك بهما فَهُوَ من حزب الله قلت وَمِنْهَا مَا رَأَيْته فِي شرح الْمَقَاصِد للعلامة السعد التَّفْتَازَانِيّ ﵀ وَنَصه نعم مَا قَالَ الْمَأْمُون العباسي وجدت أَرْبَعَة فِي أَرْبَعَة الزّهْد فِي الْمُعْتَزلَة وَالْكذب فِي الرافضة والمروءة فِي أَصْحَاب الحَدِيث وَحب الرياسة فِي أَصْحَاب الرَّأْي ثمَّ قَالَ أَوْلَاد الوَصيً الموسومون بالدراية المعتصمون بالرواية لم تكن مَعَهم هَذِه التعصبات والأحقاد وَلَا هَذِه البواطن الخبيثة فِي سوء الِاعْتِقَاد وَلم يذكرُوا عَن الصَّحَابَة إِلَّا الكمالات والترضي عَنْهُم والترحم عَلَيْهِم فِي سَائِر الْحَالَات وَلم يسلكوا مَعَ رُؤَسَاء الْمذَاهب من عُلَمَاء الْإِسْلَام إِلَّا طَرِيق الإجلال والإعظام وَهَا هُوَ الإِمَام عَليّ الرضي ابْن الإِمَام مُوسَى الكاظم مَعَ جلالة قدره ونباهة ذكره وَكَمَال علمه وهداه وورعه وتقاه قد كتب على ظهر كتاب عهد الْمَأْمُون لَهُ بالخلافة مَا يُنبئ عَن قبُول عَهده ووفور شكره وحمده والتزام مَا شَرط عَلَيْهِ فَكتب فِي أثْنَاء سطور الْعَهْد تَحت قَول الْمَأْمُون وسميته الرضي رَضِي الله تَعَالَى عَنْك وأرضاك وَتَحْت قَوْله وَتَكون لَهُ الإمرة الْكُبْرَى بعدِي بل جُعلتُ فدَاك وَفِي مَوضِع آخر وصلتك رحم وجزيت خيرا قَالَ وَهَذَا الْعَهْد بخطهما مَوْجُود إِلَى الْآن فِي المشهد الرضوي بخراسان وآحادُ الشيعةِ فِي هَذَا الزَّمَان لَا يسمحون بالترضي عَن كبار الصَّحَابَة فضلا عَن بني الْعَبَّاس فقد رَضوا مِنْهُم رَأْسا بِرَأْس وَمن الْبَين الْوَاضِح فِيمَا أوردنا هَذِه الرِّوَايَات فِي شَأْنه مَا كتبه أميرُ الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب قد جعلتُ هَكَذَا لآل بني كاكلة على كَافَّة بَيت مَال الْمُسلمين كل عَام مِائَتي مِثْقَال ذَهَبا عينا إبريزاً كتبه عمر بن الْخطاب فَكتب أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ ﴿للهِ الْأَمر من قبل وَمن بعد ويَومَئِذٍ يفرح المُؤمنونَ بِنَصر الله﴾ الرّوم ٤ أَنا أول من اتبع أمرَ من أعز الْإِسْلَام وَنصر الدّين وَالْأَحْكَام ورسمتُ بِمثل مَا رسم لآل بني كاكلة فِي كل عَام مِائَتي مِثْقَال ذَهَبا عينا إبريزا واتبعث أَثَره وَجعلت لَهُم مثل مَا رسم عمر إِذْ
стр. 876
وَجب عَليّ وعَلى جَمِيع الْمُسلمين اتِّبَاع ذَلِك كتبه عَليّ بن أبي طَالب وَهَذَا بخطهما مَوْجُود الْآن فِي ديار الْعرَاق فَهَذِهِ أقاويل الْأَئِمَّة المعتبرين من أهل الْبَيْت رَوَاهَا عَنْهُم الأئمةُ الحفاظُ الَّذين عَلَيْهِم المعوّل فِي معرفَة الحَدِيث والْآثَار وتمييز صحيحها من سقيمها بأسانيدهم الْمُتَّصِلَة فَكيف يسع المتمسكَ بِحَبل أهل الْبَيْت الزاعمَ حبهم أَن يعدل عَمَّا قَالُوهُ من تَعْظِيم أبي بكر وَعمر واعتقادهم خِلَافَتهمَا وَمَا كَانَا عَلَيْهِ وَقد صَرَّحُوا بتكذيب من نقل عَنْهُم خِلَافه وَمَعَ ذَلِك ينْسب إِلَيْهِم مَا تبرءوا مِنْهُ ورأوه ذماً فِي حَقهم حَتَّى قَالَ الإِمَام زين العابدين بن عَليّ بن الْحُسَيْن ﵃ يأيها النَّاس أحبونا حب الْإِسْلَام فوَاللَّه مَا برح بِنَا حبكم حَتَّى صَار علينا عاراً وَفِي رِوَايَة حَتَّى بغضتمونا إِلَى النَّاس أَي بِسَبَب مَا نسبوه إِلَيْهِم مِمَّا هم برَاء مِنْهُ فلعن الله مَنْ كَذَبَ على هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وَرَمَاهُمْ بالزور والبهتان
(أفْضَلِيةُ أبي بَكْرِ الصّديق ﵁
اعْلَم أَن الَّذِي أطبق عَلَيْهِ عُلَمَاء الْأمة واْجمع عَلَيْهِ عُظَمَاء الْأَئِمَّة أَن أفضل هَذِه الْأمة أَبُو بكر الصّديق ثمَّ عمر ثمَّ اخْتلفُوا فالأكثرون على أَن الْأَفْضَل عُثْمَان ثمَّ عَليّ وَهُوَ الْمَشْهُور عَن الإِمَام مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَجزم الْكُوفِيُّونَ وَمِنْهُم سُفْيَان الثَّوْريّ بتفضيل عَليّ على عُثْمَان وَقيل بِالْوَقْفِ عِنْد التَّفَاضُل بَينهمَا وَهُوَ رِوَايَة عَن مَالك فقد حكى أَبُو عبد الله الْمَازِني عَن الْمُدَوَّنَة أَن مَالِكًا سُئِلَ أَي النَّاس أفضل بعد نَبِيّهم فَقَالَ أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ قَالَ أَو فِي ذَلِك شكّ فَقيل وَعلي وَعُثْمَان فَقَالَ مَا أدْركْت أحدا ممَنْ يُقْتدي بِهِ يفضل أَحدهمَا على الآخر وَمَال إِلَى الْوَقْف إمامُ الْحَرَمَيْنِ عبد الْملك بن أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ فَقَالَ فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالإرشاد مَا نَصه لم يقم عندنَا دَلِيل قَاطع على تَفْضِيل بعض الْأَئِمَّة على بعض إِذْ الْعقل لَا يشْهد على ذَلِك وَالْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي فضائلهم متعارضة وَلَا يُمكن تَلَقي التَّفْضِيل من مَنعِ إمامةِ المفضولِ وَلَكِن الغالبَ على الظَّن أَن أَبَا بكر أفضل الْخَلَائق بعد رَسُول الله
ثمَّ عمر أفضلهم بعده وتتعارض الظنون
стр. 877
فِي عُثْمَان وَعلي انْتهى وَنقل الوقفَ ابنُ عبد الْبر عَن جمَاعَة من السّلف وَيحيى الْقطَّان وَابْن معِين وَأما حِكَايَة أبي مَنْصُور الإجماعَ على أَفضَلِيَّة عُثْمَان عَلَى عَلِي فمدخولة وَإِن نقل ذَلِك عَنهُ بعضُ الْحفاظ لما بَيناهُ من الْخلاف ثمَّ الَّذِي مَال إِلَيْهِ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ إِمَام الأشاعرة أَن تفضيلَ أبي بكر على من بعده قَطْعِيّ وَخَالفهُ القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني فَقَالَ إِنَّه ظَنِّي وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي إرشاده وَجزم بِهِ صَاحب الْمُفْهم فِي شرح مُسلم وَيُؤَيِّدهُ قَول ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب ذكر عبد الرَّزَّاق عَن معمر قَالَ لَو أَن رجلا قَالَ عَليّ عِنْدِي أفضل من أبي بكر وَعمر لم أعنفه إِذا ذكر فضل الشَّيْخَيْنِ وأحبهما وَأثْنى عَلَيْهِمَا بِمَا هما لَهُ أهل فذكرتُ ذَلِك لوكيع فأعجبه واشتهاه انْتهى وَلَيْسَ ملحظُ عدمِ تعنيفهِ قَائِل ذَلِك إِلَّا أَن التفضيلَ المذكورَ ظَنِّي لَا قَطْعِيّ فَإِن قلت قد نقل ابْن عبد الْبر أَن السّلف اخْتلفُوا فِي تَفْضِيل أبي بكر على عَلِي فقد رُوِيَ عَن سلمَان وَأبي ذَر والمقداد بن عبمرو وخباب بن الْأَرَت وَجَابِر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَزيد بن أَرقم وعمار بن يَاسر أَن عليا أول من أسلم وفضله هَؤُلَاءِ على غَيره فَكيف يَصح الْإِجْمَاع مَعَ خلاف هَؤُلَاءِ وهم من أَعْيَان الصَّحَابَة رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ قيل فِي جَوَاب ذَلِك أما عَن الأول وَهُوَ قَوْله إِن السّلف اخْتلفُوا فبأن الْأَئِمَّة إِنَّمَا أَعرضُوا عَن هَذِه الْمقَالة يعْنى قَوْله اخْتلفُوا لشذوذها ذَهَابًا إِلَى أَن شذوذ الْمُخَالف لَا يقْدَح فِيهِ أَو رَأَوْا أَنَّهَا حَادِثَة بعد انْعِقَاد الْإِجْمَاع فَكَانَت تِلْكَ المقالةُ فِي حيّز الطرح وَالرَّدّ وَأما عَن الثَّانِي فَلَا يَقْتَضِي من تَفْضِيلهمْ عليا أَنهم قَائِلُونَ بأفضليته على أبي بكر مُطلقًا بل إِمَّا من حَيْثُ تقدمه عَلَيْهِ إسلاماً بِنَاء على القَوْل بذلك أَو مُرَادهم بتفضيل عَليّ عَلَى غَيره من عدا الشَّيْخَيْنِ لقِيَام الْأَدِلَّة الصَّرِيحَة الصَّحِيحَة على أفضليتهما على من عداهما فَإِن قلت مَا مُسْتَند الْإِجْمَاع على أَفضَلِيَّة أبي بكر عَلَى عَليّ فَان كَانَت من أَدِلَّة
стр. 878
الْكتاب أَو السّنة فقد قَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وناهيك بِهِ علما وزهداً وورعاً وديناً لم يرد فِي حق أحدٍ من الْآيَات وَالْأَحَادِيث مَا ورد فِي حق عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَإِن كَانَت من غَيرهمَا من الْأَشْيَاء الَّتِي يسْتَحق بهَا أَصْحَاب رَسُول الله
الْفضل فقد قَالَ الإِمَام أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن بن على المَسْعُودِيّ مُبينًا لذَلِك بقوله الْأَشْيَاء الَّتِي يسْتَحق بهَا أَصْحَاب رَسُول الله
الْفضل هِيَ السَّبق إِلَى الْإِيمَان وَالْهجْرَة والنصرة لرَسُول الله
والقربى مِنْهُ والقناعة وبذل النَّفس لَهُ وَالْعلم بِالْكتاب والتنزيل وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله والورع والزهد وَالْقَضَاء والحلم وَالْفِقْه وَالْعلم وكل ذَلِك فلعلي مِنْهُ النَّصِيب الْأَكْبَر والحظ الأوفر إِلَى مَا انْفَرد بِهِ من قَوْله أَنْت أخي وَهُوَ
لَا ضد لَهُ وَلَا ند وَقَوله أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى وَقَوله من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ وَقَوله فِي حَدِيث الطَّائِر اللَّهُمَّ أَدخل إِلَيّ أحب خلقك إِلَيْك يَأْكُل معي من هَذَا الطَّائِر فَدخل عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَهَذَا وَغَيره من فضائله وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الْخِصَال مِمَّا تفرق فِي غَيره قلت قد صَرَّحُوا بِأَن الْإِجْمَاع حجَّة على كل أحد وَإِن لم يعرف مُسْتَنده لِأَن الله عصم هَذِه الْأمة من أَن تَجْتَمِع على ضَلَالَة وَيدل على ذَلِك بل يُصَرح بِهِ قولهُ تَعَالَى ﴿وَمَن يشاقِقِ الرَسُولَ مِن بَعدِ مَا تَبَين لَهُ الهُدَى وَيَتبع غيرَ سَبِيلِ المُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وسَاءَت مَصِيراً﴾ النِّسَاء ١١٥ على أَنا نقُول كَثْرَة وُرُود الْآيَات وَالْأَحَادِيث لَا يسْتَلْزم أفضليةَ من وَردت فِي حَقه على من ورد دونهَا فِي حَقه إِذْ قد تكون الْآيَة الْوَاحِدَة والْحَدِيث الْوَاحِد
стр. 879
يدلان على مجامعِ فضائلَ ومزايا مناقبَ لَا تدل عَلَيْهَا آيَات كَثِيرَة وَأَحَادِيث كَذَلِك فَلَا شَاهد لكم فِي قَول الإِمَام أَحْمد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَحَدِيث مَا فَضلكُمْ أَبُو بكر بِصَلَاة وَلَا وَلَا إِنَّمَا فَضلكُمْ بِشَيْء وقر فِي صَدره وأمثال هَذَا الحَدِيث يرد تنميقاتِ المَسْعُودِيّ وتصنيفاته وَالْحق أَن فِي كَون الْإِجْمَاع حجَّة قَطْعِيَّة خلافًا فالذى عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنه حجَّة قَطْعِيَّة مُطلقًا فَيقدم على الْآحَاد كلهَا وَلَا يُعَارضهُ دليلٌ أصلا وَيكفر أَو يبدعُ ويضلِّل مخالفُه وَقَالَ الإِمَام الرَّازِيّ والآمدي إِنَّه ظَنِّي مُطلقًا وَالْحق فِي ذَلِك التَّفْصِيل فَمَا اتّفق عَلَيْهِ المعتبرون حجَّة قَطْعِيَّة وَمَا اخْتلفُوا فِيهِ كالإجماع السكوتي وَالْإِجْمَاع الَّذِي ندر مخالفه فَهُوَ ظَنِّي وَقد علمت بِمَا قَرّرته لَك أَن لهَذَا الْإِجْمَاع مُخَالفا نَادرا وهم الْجَمَاعَة المذكورون سلمَان وَمن بعده فَهُوَ وَإِن لم يعْتد بِهِ فِي الْإِجْمَاع لكنه يورثه انحطاطاً عَن الْإِجْمَاع الَّذِي لَا مُخَالف لَهُ فَالْأول ظَنِّي وَهَذَا قَطْعِيّ وَكَانَ الْأَشْعَرِيّ من الْأَكْثَرين الْقَائِلين بِأَنَّهُ قَطْعِيّ مُطلقًا كَمَا تقدم ذَلِك عَنهُ وَمِمَّا يُؤَيّد أَنه ظَنِّي أَن المجمعينَ أنفسهم لم يقطعوا بالأفضلية الْمَذْكُورَة وَإِنَّمَا ظنوها فَقَط كَمَا هُوَ الْمَفْهُوم من عباراتهم وإشاراتهم وَسبب ذَلِك أَن الْمَسْأَلَة اجتهادية وَقد وَردت فِي أبي بكر وَعلي نُصُوص ظَاهِرَة فِي تَفْضِيل كل وَهِي لَا تفِيد الْقطع لِأَن غالبها فِي المحلين آحادْ والآحاد ظنية الدّلَالَة فَكيف تفِيد الْقطع وَلَيْسَ الاختصاصُ بكثرةِ أَسبَاب الثَّوَاب مُوجبا الزيادةَ المستلزمةَ للأفضلية قطعا بل ظنا لِأَنَّهُ تفضُّلٌ من الله تَعَالَى وثبوتُ الْإِمَامَة لأبي بكر وحقيتها وَإِن كَانَ قَطْعِيا للْإِجْمَاع عَلَيْهَا لَا يُفِيد الْقطع بأفضليته على عَليّ بل غَايَته الظَّن كَيفَ وَلَا قَاطع على بطلَان إِمَامَة المفضولِ مَعَ وجود الْفَاضِل بل صِحَّتهَا هُوَ مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ لكننا وجدنَا السّلف فضلوهما على من عداهما وَحسن ظننا بهم قاضٍ بِأَنَّهُم
стр. 880
لَو لم يطلعوا على دَلِيل فِي ذَلِك لما أطبقوا عَلَيْهِ فلزمنا اتباعهم فِيهِ ظنا وتفويض مَا هُوَ الْحق فِيهِ يَقِينا إِلَى الله تَعَالَى بل وجدنَا أَنه ورد عَن على نَفسه أَن أَبَا بكر أفضل الْأمة قَالَ الْعَلامَة الذَّهَبِيّ وَقد تَوَاتر عَنهُ ذَلِك فِي خِلَافَته وكرس مَمْلَكَته وَبَين الجم الْغَفِير ثمَّ بسط الْأَسَانِيد الصَّحِيحَة فِي ذَلِك قَالَ وَرَوَاهُ عَن عليّ نَيف وَثَمَانُونَ نفسا وعَددَ مِنْهُم جمَاعَة ثمَّ قَالَ فقبح الله الرافضة مَا أجهلهم وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ لَا أجد أحدا فضلني على أبي بكر وَعمر إِلَّا حددته حدَّ المفتري وَصَحَّ عَن مَالك عَن جَعْفَر الصَّادِق عَن أَبِيه الباقر أَن عليا وقف على عمر بن الْخطاب وَهُوَ مسجى بعد مَوته فَقَالَ مَا أقلت الغبراء وَلَا أظلت الخضراء أحدا أحب إِلَيّ أَن ألْقى الله بصحيفتِه مِنْ هَذَا المسجى ثمَّ قَالَ صلى الله عَلَيْك يَا عمر ودعا لَهُ وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ أَن أَبَا جُحَيْفَة كَانَ يرى أَن عليا أفضل الْأمة فَسمع أَقْوَامًا يخالفونه فَحزن حزنا شَدِيدا فَقَالَ لَهُ عَليّ بعد أَن أَخذه بِيَدِهِ مَا أحزنك يَا أَبَا جُحَيْفَة فَذكر لَهُ الْخَبَر فَقَالَ لَهُ إِلَّا أخْبرك بِخَير الْأمة خَيرهَا أَبُو بكر وَعمر قَالَ أَبُو جُحَيْفَة فأعطيتُ الله عهدا أَلا أكتم هَذَا الحديثَ بعد أَن شافهني بِهِ عَليّ مَا بقيت وَقَول الشِّيعَة والرافضة إِنَّمَا ذكر ذَلِك عَلِيٌّ تِقَيَّة كذبٌ وافتراء على الله إِذْ كَيفَ يَتَوهم ذَلِك مَنْ لَهُ أدنى عقل أَو فهم مَعَ ذكره لَهُ فِي زمن خِلَافَته على مِنْبَر الْكُوفَة وَهُوَ لم يدخلهَا إِلَّا بعد فَرَاغه من حَرْب أهل الْبَصْرَة وَذَلِكَ أقوى مَا كَانَ أمرا وأنفذ أحكاماً وَذَلِكَ بعد مُدَّة مديدة من موت أبي بكر وَعمر فَكيف يتعقل وُقُوع مثل
следующие страницы →