← История

История · id 6624

تاريخ ابن الوردي

ابن الوردي الجد، زين الدين

Полный текст (708 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عَن الْغنم قَالَ هَل بهَا من لبن قَالَت هِيَ أجهد من ذَلِك فَاسْتَأْذن أم معبد ودعا بِالشَّاة وَمسح بِيَدِهِ ضرْعهَا وسمى اللَّهِ ودعا لَهَا فِي شَاتِهَا فتفاجت عَلَيْهِ وَردت واجترت ودعا بِإِنَاء يربض الرَّهْط فَحلبَ ثمَّ سَقَاهَا حَتَّى رويت ثمَّ سقى أَصْحَابه حَتَّى رووا ثمَّ شرب آخِرهم ثمَّ حلب ثَانِيًا حَتَّى مَلأ الْإِنَاء ثمَّ غَادَرَهُ عِنْدهَا وبايعها وَارْتَحَلُوا وَأصْبح صَوت بِمَكَّة عَال لَا يَدْرُونَ من صَاحبه يَقُول: (جزى اللَّهِ رب الْعَرْش خير جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ قَالَا خَيْمَتي أم معبد) (هما نزلا بِالْهدى واهتديا بِهِ ... وَقد فَازَ من أَمْسَى رَفِيق مُحَمَّد) (فَمَا حملت من نَاقَة فَوق رَحلهَا ... أبر وأوفي ذمَّة من مُحَمَّد) (فيال قصي مَا زوى اللَّهِ عَنْكُم ... بِهِ من فعال لَا تجاري وسؤدد) (لِيهن بني كَعْب مَكَان فَتَاتهمْ ... ومقعدها للْمُؤْمِنين بِمَرْصَد) (سلوا أختكم عَن شَاتِهَا وإنائها ... فَإِنَّكُم إِن تسألوا الشَّاة تشهد) (دَعَاهَا بِشَاة حَائِل فتحلبت ... بِهِ من صَرِيح ضرَّة الشَّاة مُزْبِد) (فغادرها رهنا لَدَيْهَا لحالب ... يُرَدِّدهَا فِي مصدر ثمَّ مورد) فَأَجَابَهُ حسان: (لقد خَابَ قوم زَالَ عَنْهُم نَبِيّهم ... وَقدس من يسري إِلَيْهِم وَيَغْتَدِي) (ترحل عَن قوم فضلت عُقُولهمْ ... وَحل على قوم بِنور مُجَدد) (هدَاهُم بِهِ بعد الضَّلَالَة رَبهم ... وأرشدهم من يتبع الْحق يرشد) (وَقد نزلت مِنْهُ على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عَلَيْهِم بِأَسْعَد) (نَبِي يرى مَا لَا يرى النَّاس حَولهمْ ... وَيَتْلُو كتاب اللَّهِ فِي كل مشْهد) (وَإِن قَالَ فِي يَوْم مقَالَة غَائِب ... فَتَصْدِيقُهَا فِي الْيَوْم أَو فِي ضحى الْغَد) (لِيهن أَبَا بكر سَعَادَة جده ... بِصُحْبَتِهِ من يسْعد اللَّهِ يسْعد ... ) وَالله أعلم. وَقدم رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول سنة إِحْدَى يَوْم الأثنين الظّهْر فَنزل قبَاء على كُلْثُوم بن الْهدم وَأقَام بقباء الْإِثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس وَأسسَ مَسْجِد قبَاء الَّذِي نزل فِيهِ ﴿لمَسْجِد أسس على التَّقْوَى﴾ وَخرج من قبَاء يَوْم الْجُمُعَة فَمَا مر على دَار من دور الْأَنْصَار إِلَّا قَالُوا هَلُمَّ يَا رَسُول اللَّهِ إِلَى الْعدَد وَالْعدة ويعترضون نَاقَته فَيَقُول: " خلوا سَبِيلهَا فَإِنَّهَا مأمورة " حَتَّى انْتَهَت إِلَى مَوضِع مَسْجده وَكَانَ مربد السهل وَسُهيْل ابْني عَمْرو يتيمين فِي حجر معَاذ بن عفراء فبركت هُنَاكَ وَوضعت جِرَانهَا فَنزل عَنْهَا ﷺ َ - وَاحْتمل أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ رَحلهَا إِلَى بَيته وَأقَام ﷺ َ - عِنْد أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ حَتَّى بنى مَسْجده ومساكنه وَقيل بل كَانَ مَوضِع الْمَسْجِد لبني النجار وَفِيه نخل وَخرب وقبور الْمُشْركين .

стр. 107

وَتزَوج عَائِشَة ﵂: قبل الْهِجْرَة بعد وَفَاة خَدِيجَة وَدخل بهَا بعد الْهِجْرَة بِثمَانِيَة أشهر وَهِي بنت تسع وَتُوفِّي عَنْهَا وَهِي بنت ثَمَانِي عشرَة سنة. " وآخى بَين الْمُسلمين " فَاتخذ ﷺ َ - عليا أَخا وآخى بَين أبي بكر وخارجة بن زيد الْأنْصَارِيّ وَبَين أبي عُبَيْدَة وَسعد بن معَاذ الْأنْصَارِيّ وَبَين عمر وعتبان بن مَالك النصاري وَبَين عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن الرّبيع الْأنْصَارِيّ وَبَين عُثْمَان بن عَفَّان وَأَوْس بن ثَابت الْأنْصَارِيّ وَبَين طَلْحَة بن عبيد اللَّهِ وَكَعب بن مَالك الْأنْصَارِيّ وَبَين سعيد بن زيد وَأبي بن كَعْب الْأنْصَارِيّ. وَأول مَوْلُود للمهاجرين بعد الْهِجْرَة عبد اللَّهِ بن الزبير وَأول مَوْلُود للْأَنْصَار النُّعْمَان بن بشير. (تَحْويل الْقبْلَة) ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ من الْهِجْرَة: فِيهَا حولت الصَّلَاة إِلَى الْكَعْبَة كَانَت الصَّلَاة بِمَكَّة وَبعد مقدمه إِلَى الْمَدِينَة بِثمَانِيَة عشر شهرا إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَذَلِكَ يَوْم الثُّلَاثَاء منتصف شعْبَان فَاسْتقْبل فِي صَلَاة الظّهْر وَبلغ أهل قبَاء ذَلِك فتحولوا إِلَى جِهَة الْكَعْبَة وهم فِي الصَّلَاة . قلت: كَانَ ﷺ َ - فِي أَصْحَابه فِي منَازِل بني سَلمَة فصلى بهم رَكْعَتَيْنِ من الظّهْر فِي مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ إِلَى الْقُدس. ثمَّ أَمر فِي الصَّلَاة باستقبال الْكَعْبَة وَهُوَ رَاكِع فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة فَاسْتَدَارَ واستدارت الصُّفُوف خَلفه فَأَتمَّ الصَّلَاة فَسُمي مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ وَالله أعلم. وَفِي شعْبَان مِنْهَا فرض صَوْم رَمَضَان. قلت: وفيهَا فرضت صَدَقَة الْفطر، وَفِي شَوَّال مِنْهَا تزوج عَائِشَة، " وفيهَا " تزوج عَليّ فَاطِمَة ﵄ وَالله أعلم؛ وفيهَا أرى عبد اللَّهِ بن زيد بن عبد ربه الْأنْصَارِيّ صُورَة الْأَذَان فِي النّوم وَورد الْوَحْي بِهِ. قلت: قَالَ الشَّيْخ مُحي الدّين النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة: إِن السّنة الأولى فِيهَا شرع الْأَذَان وَأسلم عبد اللَّهِ بن سَلام فاعتمد ذَلِك وَالله أعلم. وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ بعث ﷺ َ - عبد اللَّهِ بن جحش فِي ثَمَانِيَة أنفس إِلَى نَخْلَة بَين مَكَّة والطائف ليتعرفوا أَخْبَار قُرَيْش فَمر بهم عير لقريش فغنموها وأسروا اثْنَيْنِ وحضروا بذلك إِلَيْهِ ﷺ َ - وَهِي أول غنيمَة غنمها الْمُسلمُونَ وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ أَيْضا فِي رَمَضَان. (غَزْوَة بدر الْكُبْرَى) الَّتِي أظهر اللَّهِ بهَا الدّين وَذَلِكَ أَنه قدم لقريش قفل من الشَّام مَعَ أبي سُفْيَان بن حَرْب وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ رجلا فندب ﷺ َ - النَّاس إِلَيْهِم فَبلغ أَبَا سُفْيَان فَبعث وَأعلم قُريْشًا بِمَكَّة بذلك

стр. 108

فَخرج النَّاس من مَكَّة سرَاعًا وَلم يتَخَلَّف من الْأَشْرَاف غير أبي لَهب وَبعث مَكَانَهُ الْعَاصِ ابْن هِشَام وَكَانَت عدتهمْ تِسْعمائَة وَخمسين رجلا فيهم مائَة فرس وَخرج ﷺ َ - من الْمَدِينَة لثلاث خلون من رَمَضَان مِنْهَا وَمَعَهُ ثلثمِائة وَثَلَاث عشر رجلا مِنْهُم سَبْعَة وَسَبْعُونَ من الْمُهَاجِرين وَالْبَاقُونَ أنصار وَمَا فيهم سوى فارسين الْمِقْدَاد بن عَمْرو الْكِنْدِيّ وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَقيل غير الزبير، وَكَانَت الْإِبِل سبعين يتعاقبون عَلَيْهَا فَنزل الصَّفْرَاء وجاءته الْأَخْبَار بِأَن العير قاربت بَدْرًا وَأَن الْمُشْركين خَرجُوا ليمنعوا عَنْهَا ثمَّ ارتحل وَنزل فِي بدر على ادنى مَاء من الْقَوْم وَأَشَارَ سعد بن معَاذ فَبنى لَهُ ﷺ َ - عَرِيشًا فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَمَعَهُ أَبُو بكر وَأَقْبَلت قُرَيْش فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: " اللَّهُمَّ هَذِه قُرَيْش قد أَقبلت بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرهَا تكذب رَسُولك اللَّهُمَّ فَنَصرك الَّذِي وَعَدتنِي " وتقاربوا وبرز من الْمُشْركين عتبَة وَشَيْبَة ابْنا ربيعَة والوليد بن عتبَة فَأمر ﷺ َ - أَن يبارز عُبَيْدَة بن الْحَارِث بن الْمطلب عتبَة، وَحَمْزَة عَم النَّبِي ﷺ َ - شيبَة، وَعلي ﵁ الْوَلِيد وَضرب كل وَاحِد من عُبَيْدَة وَعتبَة، صَاحبه وكر عَليّ وَحَمْزَة على عتبَة فقتلاه واحتملا عُبَيْدَة وَقد قطعت رجله ثمَّ مَاتَ. وتزاحف الْقَوْم وَرَسُول اللَّهِ وَمَعَهُ أَبُو بكر على الْعَريش وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُول: " اللَّهُمَّ إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة لَا تعبد فِي الأَرْض اللَّهُمَّ أنْجز لي مَا وَعَدتنِي " وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى سقط رِدَاؤُهُ فَوَضعه أَبُو بكر عَلَيْهِ وخفق رَسُول اللَّهِ ثمَّ انتبه فَقَالَ: " أبشر يَا أَبَا بكر فقد أَتَى نصر اللَّهِ ". ثمَّ خرج من الْعَريش يحرض النَّاس على الْقِتَال وَأخذ حفْنَة من الْحَصْبَاء وَرمى بهَا قُريْشًا وَقَالَ: " شَاهَت الْوُجُوه " وَقَالَ لأَصْحَابه: " شدوا عَلَيْهِم " فَكَانَت الْهَزِيمَة وَكَانَت الْوَقْعَة صَبِيحَة الْجُمُعَة لسبع عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان وَحمل عبد اللَّهِ بن مَسْعُود رَأس أبي جهل إِلَيْهِ فَسجدَ النَّبِي ﷺ َ - شكرا لله تَعَالَى وَقتل أَبُو جهل وَهُوَ ابْن سبعين سنة وَقتل أَخُوهُ الْعَاصِ بن هِشَام وَنصر اللَّهِ نبيه بِالْمَلَائِكَةِ قَالَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربكُم فَاسْتَجَاب لكم إِنِّي مُمِدكُمْ بِأَلف من الْمَلَائِكَة﴾ وَبلغ أَبَا لَهب بِمَكَّة مصاب بدر فَمَاتَ كمدا بعد سبع لَيَال وعدة قَتْلَى بدر الْمُشْركين سَبْعُونَ رجلا والأسرى كَذَلِك. وَمن الْقَتْلَى أَيْضا هِشَام قَتله المحدد بن زِيَاد، وَنَوْفَل بن خويلد أَخُو خَدِيجَة وَكَانَ من شياطين قُرَيْش وَهُوَ الَّذِي قرن أَبَا بكر وَطَلْحَة بن خويلد لما أسلما فِي حَبل قَتله عَليّ ﵁، وَعُمَيْر بن عُثْمَان بن عَمْرو التَّمِيمِي قَتله عَليّ أَيْضا، ومسعود بن أبي أُميَّة المَخْزُومِي قَتله حَمْزَة، وَعبد اللَّهِ بن الْمُنْذر المَخْزُومِي قَتله عَليّ، ومنبه بن الْحجَّاج السَّهْمِي قَتله أَبُو بشر الْأنْصَارِيّ، وَابْنه الْعَاصِ بن مُنَبّه قَتله عَليّ، وَأَخُوهُ نبيه بن الْحجَّاج اشْترك فِيهِ حَمْزَة وَسعد بن أبي وَقاص، وَأَبُو الْعَاصِ بن قيس السَّهْمِي قَتله عَليّ ﵁. وَكَانَ من جملَة الأسرى الْعَبَّاس وابنا أَخِيه عقيل بن أبي طَالب وَنَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَبعد انْقِضَاء الْقِتَال أَمر رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - بسحب الْقَتْلَى إِلَى القليب وَكَانُوا أَرْبَعَة

стр. 109

وَعشْرين من صَنَادِيد قُرَيْش وَأقَام بعرصة بدر ثَلَاث لَيَال وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين أَرْبَعَة عشر سِتَّة من الْمُهَاجِرين وَثَمَانِية أنصار وَلما وصل إِلَى الصَّفْرَاء رَاجعا من بدر أَمر عليا ﵁ فَضرب عنق النَّضر بن الْحَارِث وَكَانَ من عداوته إِذْ تَلا النَّبِي ﷺ َ - يَقُول لقريش مَا يأتيكم مُحَمَّد إِلَّا بأساطير الْأَوَّلين. قلت: وَلما قتل النَّضر ثمَّ أنشدته ابْنَته: (مَا كَانَ ضرك لَو مننت وَرُبمَا ... من الْفَتى وَهُوَ المغيظ المحنق) فَقَالَ ﷺ َ - " لَو سمعته مَا قتلته " وَالله أعلم، ثمَّ أَمر بِضَرْب عنق عقبَة بن أبي معيط بن أُميَّة وَكَانَ عُثْمَان ﵁ قد تخلف بِالْمَدِينَةِ بِأَمْر النَّبِي ﷺ َ - بِسَبَب مرض زَوجته رقية بنت رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَمَاتَتْ رقية فِي غيبَة رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَمُدَّة الْغَيْبَة تِسْعَة عشر يَوْمًا . (غَزْوَة بني قينقاع) ثمَّ كَانَت غَزْوَة بني قينقاع، هم نقضوا مَا كَانَ بَينهم وَبَينه ﷺ َ - من الْعَهْد فَخرج إِلَيْهِم منتصف شَوَّال مِنْهَا فَتَحَصَّنُوا فَحَاصَرَهُمْ خمس عشرَة لَيْلَة ونزلوا على حكمه ﷺ َ - فكتفوا وَهُوَ يُرِيد قَتلهمْ فَكَلمهُ عبد اللَّهِ بن أبي سلول الخزرجي الْمُنَافِق وَكَانَ هَؤُلَاءِ حلفاء الْخَزْرَج فَأَعْرض عَنهُ فَأَعَادَ السُّؤَال فَأَعْرض عَنهُ فَأدْخل يَده فِي جيب رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَقَالَ يَا رَسُول اللَّهِ أحسن فَقَالَ وَيحك أَرْسلنِي فَقَالَ لَا وَالله حَتَّى تحسن فَقَالَ ﷺ َ - هم لَك ثمَّ أجلاهم وغنم الْمُسلمُونَ أَمْوَالهم ثمَّ كَانَت غَزْوَة السويق . (غَزْوَة السويق) وَذَلِكَ أَن أَبَا سُفْيَان حلف لَا يمس الطّيب وَالنِّسَاء حَتَّى يَغْزُو مُحَمَّدًا ﷺ َ - بِسَبَب قَتْلَى بدر فَخرج فِي مِائَتي رَاكب وَبعث قدامه رجَالًا إِلَى الْمَدِينَة فوصلوا إِلَى العريض وَقتلُوا رجَالًا من الْأَنْصَار وَبلغ ذَلِك رَسُول اللَّهِ فَركب فِي طلبه وهرب ابو سُفْيَان وَأَصْحَابه وَجعلُوا يلقون جرب السويق تَخْفِيفًا فسميت غَزْوَة السويق. (غَزْوَة قرقرة الكدر) ثمَّ كَانَت " غَزْوَة قرقرة الكدر " وَقيل كَانَت سنة ثَلَاث وَهِي مِمَّا يَلِي جادة الْعرَاق إِلَى مَكَّة بلغَة ﷺ َ - أَن بِهَذَا الْموضع جمعا من سليم وغَطَفَان فَخرج لقتالهم فَلم يجد أحدا فاستاق مَا وجد من النعم وَرجع إِلَى الْمَدِينَة. وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ مَاتَ عُثْمَان بن مَظْعُون ﵁ وفيهَا الْوَقْعَة بِذِي قار بَين بكر بن وَائِل وَبَين جَيش كسْرَى برويز وَغَلَبَة الهرمزان وانهزمت الْفرس وَقتل الهرمزان. وفيهَا هلك أُميَّة بن أبي الصَّلْت من رُؤَسَاء الْكفَّار قَرَأَ الْكتب واطلع على الْبعْثَة فَكفر حسدا لِأَنَّهُ رجا أَن يكون هُوَ الْمَبْعُوث سَافر إِلَى الشَّام وَرجع عقيب وقْعَة بدر فَمر بالقليب وَفِيه قَتْلَى بدر وَمِنْهُم عتبَة وَشَيْبَة ابْنا خَال أُميَّة فجدع أُذُنِي نَاقَته وَقَالَ قصيدة مِنْهَا:

стр. 110

(أَلا بَكَيْت على الْكِرَام ... بني الْكِرَام أولي الممادح) (كبكا الْحمام على فروع الأيك فِي الْغُصْن الجوانح ... ) (يبْكين حزني مستكينات يرحن مَعَ الروائح ... ) (أمثالهن الباكيات المعولات من النوائح ... ) (مَاذَا ببدر والعقيقل من مرازبة جحاجح ... ) (شمط وشبان بهاليل مغاوير دحادح ... ) (أَن قدر تغير بطن مَكَّة فَهِيَ موحشة الأباطح ... ) وَاسم أبي الصَّلْت عبد اللَّهِ بن ربيعَة. ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث: فِيهَا فِي رَمَضَان ولد الْحسن بن عَليّ ﵄ وفيهَا قتل مُحَمَّد بن مسلمة الْأنْصَارِيّ كَعْب بن الْأَشْرَف الْيَهُودِيّ قلت: وفيهَا تزوج الرَّسُول ﷺ َ - حَفْصَة بنت عمر ﵄ وَتزَوج عُثْمَان أم كُلْثُوم وَالله أعلم . (غَزْوَة أحد) وَكَانَت غَزْوَة أحد وَذَلِكَ أَنه اجْتمع قُرَيْش ثَلَاثَة آلَاف فيهم سَبْعمِائة دارع وَمِائَتَا فَارس قائدهم أَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَمَعَهُ زَوجته هِنْد بنت عتبَة وَأَرْبع عشرَة امْرَأَة يضربن بِالدُّفُوفِ ويبكين قَتْلَى بدر وَسَارُوا من مَكَّة حَتَّى نزلُوا ذَا الحليفة قبالة الْمَدِينَة يَوْم الْأَرْبَعَاء لأَرْبَع مضين من شَوَّال سنة ثَلَاث وَرَأى النَّبِي ﷺ َ - الْمقَام بِالْمَدِينَةِ وقتالهم بهَا وَكَذَا رأى عبد اللَّهِ بن أبي بن سلول الْمُنَافِق وَبَاقِي الصَّحَابَة رَأَوْا الْخُرُوج لقتالهم فَخرج ﷺ َ - فِي ألف من الصَّحَابَة وَصَارَ بَين الْمَدِينَة وَاحِد فانخذل عَنهُ ابْن أبي بن سلول فِي ثلث النَّاس وَقَالَ أطاعهم وعصاني علام نقْتل أَنْفُسنَا هَهُنَا وَرجع بِمن تبعه من أهل النِّفَاق وَنزل ﷺ َ - الشّعب من أحد وَجعل ظَهره إِلَى أحد. ثمَّ كَانَت الْوَقْعَة يَوْم السبت لسبع مضين من شَوَّال وعدة أَصْحَابه سَبْعمِائة فيهم مائَة دراع وفرسان فرس لرَسُول اللَّهِ فرس لأبي بردة ولواء رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - مَعَ مُصعب بن عُمَيْر من بني عبد الدَّار وعَلى ميمنة الْمُشْركين خَالِد بن الْوَلِيد وعَلى ميسرتهم عِكْرِمَة بن أبي جهل ولواؤهم مَعَ بني عبد الدَّار وَجعل ﷺ َ - الرُّمَاة وهم خَمْسُونَ وَرَاءه وَلما الْتَقَوْا قَامَت هِنْد فِي النسْوَة مَعهَا وضربن بِالدُّفُوفِ خلف الرِّجَال وَهِي تَقول: (ويها بني عبد الدَّار ... ) (ويها حماة الأدبار ... ) (ضربا بِكُل بتار ... ) وَقَاتل حَمْزَة قتالا شَدِيدا وَقتل أَرْطَاة حَامِل لِوَاء الْمُشْركين وَمر بِهِ سِبَاع بن عبد الْعُزَّى وَكَانَت أمه ختانة مَكَّة فَقَالَ حَمْزَة هَلُمَّ يَا ابْن مقطعَة البظور وضربه فَكَأَنَّمَا أَخطَأ رَأسه فَبينا هُوَ مشتغل بسباع إِذْ ضربه وَحشِي الحبشي عبد جُبَير بن مطعم بِحَرْبَة فَقتله، قلت: وَفِي ذَلِك يَقُول حسان:

стр. 111

(مَا لشهيد بَين أرماحكم ... شلت يدا وَحشِي من قَاتل) وَالله أعلم. وَقتل ابْن قمئة اللَّيْثِيّ مُصعب بن عُمَيْر حَامِل لِوَاء رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فَأعْطى النَّبِي عليا ﵁ وَانْهَزَمَ الْمُشْركُونَ فطمعت الرُّمَاة فِي الْغَنِيمَة وفارقوا مكانهم الَّذِي أَمرهم النَّبِي بِهِ فَأتى خَالِد مَعَ خيل الْمُشْركُونَ من خلف وَوَقع الصَّارِخ أَن مُحَمَّدًا قتل وانكشف الْمُسلمُونَ فَقتل من الْمُسلمين سَبْعُونَ وَمن الْمُشْركين اثْنَان وَعِشْرُونَ وأصابت حِجَارَة الْمُشْركين رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - حَتَّى وَقع وَأُصِيبَتْ رباعيته وشج وَجهه وكملت شفته وَالَّذِي أَصَابَهُ عتبَة بن ابي وَقاص أَخُو سعد وسال الدَّم على وَجهه وَهُوَ يَقُول: " كَيفَ يفلح قوم خضبوا وَجه نَبِيّهم وَهُوَ يَدعُوهُم إِلَى رَبهم " فَنزل قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء أَو يَتُوب عَلَيْهِم أَو يعذبهم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ﴾ وَدخلت حلقتان من المغفر فِي وَجه رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - من الشَّجَّة وَنزع أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح إِحْدَى الحلقتين من وجهة ﷺ َ - فَسَقَطت ثنية أبي عُبَيْدَة الْوَاحِدَة. ثمَّ نزع الْأُخْرَى فَسَقَطت ثنيته الْأُخْرَى ومص سِنَان أَبُو أبي سعيد الْخُدْرِيّ الدَّم من وَجهه وازدرده فَقَالَ ﷺ َ -: " من مس دمي دَمه لم تصبه النَّار " وأًصابت طَلْحَة يَوْمئِذٍ ضَرْبَة فشلت يَده وَهُوَ يدافع عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَظَاهر ﷺ َ - يَوْمئِذٍ بَين درعين ومثلث هِنْد وصواحبها بالقتلى من الْمُسلمين فجدعن الآذان والأنوف واتخذن مِنْهَا قلائد وبقرت هِنْد عَن كبد حَمْزَة ولاكتها قلم تسغها وَضرب زَوجهَا أَبُو سُفْيَان برمحه شدق حَمْزَة وَصعد الْجَبَل وصرخ بِأَعْلَى صَوته الْحَرْب سِجَال يَوْم بِيَوْم بدر اعْل هُبل. وَلما انْصَرف أَبُو سُفْيَان وَمن مَعَه نَادَى إِن مَوْعدكُمْ الْعَام الْقَابِل فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - لوَاحِد قل هُوَ بَيْننَا وَبَيْنك ثمَّ سَار الْمُشْركُونَ إِلَى مَكَّة فالتمس ﷺ َ - حَمْزَة فَوَجَدَهُ وَقد بقر بَطْنه وجدع أَنفه وأذناه فَقَالَ لَئِن أظهرني اللَّهِ على قُرَيْش لامثلن بِثَلَاثِينَ مِنْهُم ثمَّ قَالَ: " جَاءَنِي جِبْرِيل فَأَخْبرنِي أَن حَمْزَة مَكْتُوب فِي أهل السَّمَوَات السَّبع حَمْزَة بن عبد الْمطلب أَسد اللَّهِ وَأسد رَسُوله ". ثمَّ أَمر بِحَمْزَة فسجي بِبرْدِهِ ثمَّ صلى عَلَيْهِ فَكبر سبعا ثمَّ أَتَى بالقتلى يوضعون إِلَى حَمْزَة فَيصَلي عَلَيْهِم وَعَلِيهِ مَعَهم حَتَّى صلى عَلَيْهِ اثْنَتَيْنِ وَسبعين صَلَاة. قَالَ الْمُؤلف ﵀: وَهَذَا دَلِيل لأبي حنيفَة فِي الصَّلَاة على الشَّهِيد خلافًا للشَّافِعِيّ قلت: تمسك الشَّافِعِي بِمَا روى جَابر وَأنس أَنه قتل من الصَّحَابَة يَوْم أحد اثْنَان وَسَبْعُونَ قَتِيلا فَأَمرهمْ النَّبِي ﷺ َ - أَن تنْزع عَنْهُم الْجُلُود وَالْفراء وَالْحَدِيد وَأَن يدفنوا بثيابهم وَدِمَائِهِمْ وَلم يغسلوا وَلم يصل عَلَيْهِم وَالله أعلم. ثمَّ أمره بِحَمْزَة فَدفن ﵁ وَاحْتمل نَاس من الْمُسلمين قتلاهم إِلَى الْمَدِينَة فدفنوهم بهَا ثمَّ نهى عَن مثله وَقَالَ ادفنوهم حَيْثُ صرعوا.

стр. 112

ثمَّ دخلت سنة أَربع: فِيهَا فِي صفر قدم عَلَيْهِ ﷺ َ - قوم من عضل والقارة وطلبوا مِنْهُ ان يبْعَث مَعَهم من يفقه قَومهمْ فِي الدّين فَبعث مَعَهم سِتَّة هم ثَابت بن أبي الْأَفْلَح وخبيب بن عدي ومرثد بن أبي مرْثَد الغنوي وخَالِد بن البكير اللَّيْثِيّ وَزيد بن الدثنة وَعبد اللَّهِ بن طَارق وَقدم عَلَيْهِم مرْثَد بن أبي مرْثَد فَلَمَّا وصلوا إِلَى المرجيح مَاء لهذيل على أَرْبَعَة عشر ميلًا من عسفان غدروا بهم وقاتلوهم فَقتل ثَلَاثَة وَأسر ثَلَاثَة وهم زيد وخبيب وَعبد اللَّهِ فَأَخَذُوهُمْ إِلَى مَكَّة فهرب طَارق فِي الطَّرِيق وَقَاتل إِلَى أَن قَتَلُوهُ بِالْحِجَارَةِ وَبَاعُوا زيدا وخبيبا بِمَكَّة من قُرَيْش فَقَتَلُوهُمَا صبرا. وفيهَا: فِي صفر قدم أَبُو برَاء عَامر بن مَالك بن جَعْفَر ملاعب الأسنة عَلَيْهِ ﷺ َ - وَلم يسلم وَلم يبعد من الْإِسْلَام وَقَالَ لَهُ لَو بعثت رجَالًا من اصحابك إِلَى أهل نجد يَدعُونَهُمْ رَجَوْت أَن يَسْتَجِيبُوا لَك فَقَالَ أَخَاف على أَصْحَابِي فَقَالَ أَبُو برَاء أَنا لَهُم جَار فَبعث ﷺ َ - الْمُنْذر بن عُمَيْر الْأنْصَارِيّ فِي أَرْبَعِينَ من خِيَار الْمُسلمين فيهم عَامر بن فهَيْرَة مولى أبي بكر فنزلوا بِئْر مَعُونَة على أَربع مراحل من الْمَدِينَة وبعثوا بكتابه ﷺ َ - إِلَى عَدو اللَّهِ عَامر بن الطُّفَيْل فَقتل الَّذِي أحضر الْكتاب وَجمع الجموع وَقصد الْمَذْكُورين فتقاتلوا وقتلم عَن آخِرهم إِلَّا كَعْب بن زيد فَبَقيَ فِيهِ رَمق وتوارى بالقتلى. ثمَّ لحق بِالنَّبِيِّ ﷺ َ - وَاسْتشْهدَ يَوْم الخَنْدَق وَكَانَ فِي سرح الْقَوْم عَمْرو بن امية الضمرِي وَرجل من الْأَنْصَار فرأيا الطير تحوم حول المعسكر فقصد المعسكر فَوجدَ الْقَوْم مقتولين فقاتل الأنصارى وَقتل وَأسر عَمْرو وَأعْتقهُ عَامر بن الطُّفَيْل لكَونه من مُضر وَلحق عَمْرو برَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَأخْبرهُ فشق عَلَيْهِ. (غَزْوَة بني النَّضِير) وفيهَا: غَزْوَة بني النَّضِير من الْيَهُود سَار ﷺ َ - إِلَيْهِم وحاصرهم فِي ربيع الأول وَنزل تَحْرِيم الْخمر وَهُوَ محاصر لَهُم. قلت: قَالَ فِي الرَّوْضَة إِن غَزْوَة بني النَّضِير سنة ثَلَاث وَإِن تَحْرِيم الْخمر بعد غَزْوَة أحد وَالله أعلم. وَلما مضى عَلَيْهِم سِتّ لَيَال سَأَلُوهُ ﷺ َ - أَن يجليهم على أَن لَهُم ثلث مَا حملت الْإِبِل من أَمْوَالهم إِلَّا السِّلَاح فأجابهم إِلَيْهِ فَخَرجُوا وَمَعَهُمْ الدفوف والمزامير تجلدا وَكَانَت أَمْوَالهم فَيْئا يقسمها حَيْثُ شَاءَ فَقَسمهَا على الْمُهَاجِرين دون الْأَنْصَار الأسهل بن حنيفَة وَأَبا دُجَانَة فذكرا فَأَعْطَاهُمَا مِنْهُ شَيْئا وَمضى من بني النَّضِير إِلَى خَيْبَر نَاس وَإِلَى الشَّام نَاس. قلت: وَفِي سنة أَربع قصرت الصَّلَاة وَنزل التميم وَتزَوج أم سَلمَة وَالله أعلم. (غَزْوَة ذَات الرّقاع) وفيهَا: غَزْوَة ذَات الرّقاع، وَفِي جمادي الأولى قلت: فِي الرَّوْضَة أَن غَزْوَة ذَات الرّقاع فِي سنة خمس فِي الْمحرم وَالله أعلم. سميت بذلك لأَنهم رقعوا فِيهَا راياتهم فتقارب النَّاس

стр. 113

وَلم يكن بَينهم حَرْب وَفِي هَذِه الْغَزْوَة جَاءَ رجل من غطفان إِلَيْهِ ﷺ َ - فَقَالَ يَا مُحَمَّد: أُرِيد أَن أنظر إِلَى سَيْفك هَذَا وَكَانَ محلى بِفِضَّة فَدفعهُ إِلَيْهِ فاستله وهم بِهِ فَكَتبهُ اللَّهِ ثمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّد مَا تخافني فَقَالَ لَهُ لَا مَا أَخَاف مِنْك ثمَّ رد سَيْفه إِلَيْهِ فَأنْزل اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اذْكروا نعْمَة اللَّهِ عَلَيْكُم إِذْ هم قوم أَن يبسطوا إِلَيْكُم أَيْديهم فَكف أَيْديهم عَنْكُم﴾ وَفِي سنة أَربع فِي شعْبَان. " غَزْوَة بدر الثَّانِيَة " خرج ﷺ َ - لميعاد أبي سُفْيَان وأتى بَدْرًا ينْتَظر أَبَا سُفْيَان فَرجع أَبُو سُفْيَان إِلَى مَكَّة من أثْنَاء الطَّرِيق فَلَمَّا لم يَأْتِ انْصَرف ﷺ َ - إِلَى الْمَدِينَة وفيهَا ولد الْحُسَيْن ﵁. ثمَّ دخلت سنة خمس: فِيهَا فِي شَوَّال . (غَزْوَة الخَنْدَق) قلت: فِي الرَّوْضَة أَنَّهَا فِي سنة أَربع على الْأَصَح وَالله أعلم، وَهِي غَزْوَة الْأَحْزَاب بلغَة تحزب قبائل الْعَرَب فحفر الخَنْدَق حول الْمَدِينَة قيل أَشَارَ بِهِ سلمَان الْفَارِسِي وَهُوَ أول مشْهد شهده مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَظَهَرت للنَّبِي فِي حفر الخَنْدَق معجزات. مِنْهَا أَن كدية أَي صَخْرَة اشتدت عَلَيْهِم فَدَعَا بِمَاء وتفل فِيهِ ونضحه عَلَيْهَا فانهالت تَحت الْمساحِي. وَمِنْهَا أَن أُخْت النُّعْمَان بن بشر الأنصارى بعثتها أمهَا بِقَلِيل تمر إِلَى أَبِيهَا وخالها عبد اللَّهِ بن رَوَاحه فمرت برَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فَدَعَاهَا وَقَالَ هَاتِي مَا مَعَك با بنية فصبته فِي كفيه فَمَا امتلأتا ثمَّ دَعَا بِثَوْب وبدد ذَلِك التَّمْر عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ لإِنْسَان: " اُصْرُخْ فِي أهل الخَنْدَق أَن هلموا إِلَى الْغَدَاء " فَجعلُوا يَأْكُلُون مِنْهُ وَجعل يزِيد حَتَّى صدر أهل الخَنْدَق عَنهُ وَأَنه يسْقط من أَطْرَاف الثَّوْب. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ جَابر قَالَ: كَانَت عِنْدِي شويهة غير سَمِينَة فَأمرت امْرَأَتي أَن تخبز قرص شعير وَأَن تشوي تِلْكَ الشَّاة لرَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَكُنَّا نعمل فِي الخَنْدَق نَهَارا وننصرف إِذا أمسينا فَلَمَّا انصرفنا من الخَنْدَق قلت يَا رَسُول اللَّهِ صنعت لَك شويهة وَمَعَهَا شَيْء من خبز الشّعير وَأَنا أحب أَن تَنْصَرِف إِلَى منزلي فَأمر رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - من يصْرخ فِي النَّاس مَعَه إِلَى بَيت جَابر وَأَقْبل رَسُول اللَّهِ وَالنَّاس مَعَه فَقدم لَهُ ذَلِك فبرك وسمى اللَّهِ ثمَّ أكل وتواردها النَّاس كلما صدر قوم جَاءَ قوم حَتَّى صدر أهل الخَنْدَق عَنْهَا. وَقَالَ سلمَان الْفَارِسِي ... ... . كنت قَرِيبا من رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَأَنا أعمل فِي الخَنْدَق فتغلظ عَليّ الْموضع الَّذِي كنت أعمل فِيهِ فَلَمَّا رأى رَسُول اللَّهِ شدَّة الْمَكَان أَخذ الْمعول وَضرب بِهِ ضَرْبَة لمعت تَحت الْمعول برقة ثمَّ ضرب أُخْرَى فلمعت برقة أُخْرَى ثمَّ ضرب أُخْرَى فلمعت برقة أُخْرَى، قَالَ: فَقلت بِأبي أَنْت وَأمي مَا هَذَا الَّذِي يلمع تَحت الْمعول؟ فَقَالَ:

стр. 114

" أَرَأَيْت ذَلِك يَا سلمَان " فَقلت نعم فَقَالَ: " أما الأولى فَإِن اللَّهِ فتح عَليّ بهَا الْيمن وَأما الثَّانِيَة فَإِن اللَّهِ فتح بهَا عَليّ الشَّام وَالْمغْرب وَأما الثَّالِثَة فَإِن اللَّهِ فتح بهَا عَليّ الْمشرق ". وَفرغ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - من الخَنْدَق وَأَقْبَلت قُرَيْش فِي أحابيشها وَمن تبعها من كنَانَة فِي عشرَة آلَاف وَأَقْبَلت غطفان وَمن تبعها من أهل نجد وَكَانَ بَنو قُرَيْظَة وَكَبِيرهمْ كَعْب بن أَسد قد عاهدوه ﷺ َ - فَمَا زَالَ عَلَيْهِم أَصْحَابهم من الْيَهُود حَتَّى نقضوا الْعَهْد وصاروا مَعَ الْأَحْزَاب فَعظم الْخطب حَتَّى ظن الْمُؤْمِنُونَ كل الظَّن وَنجم النِّفَاق حَتَّى قَالَ معتب بن قُشَيْر: كَانَ مُحَمَّد يعدنا أَن نَأْكُل كنوز كسْرَى وَقَيْصَر وأحدنا الْيَوْم لَا يَأْمَن على نَفسه أَن يذهب إِلَى الْغَائِط، وَأقَام الْمُشْركُونَ بضعا وَعشْرين لَيْلَة وَرَسُول اللَّهِ مقابلهم وَلَيْسَ بَينهم قتال غير المراماة بِالنَّبلِ. ثمَّ خرج عَمْرو بن ود من ولد لؤَي بن غَالب يُرِيد المبارزة فبرز إِلَيْهِ عَليّ ﵁ فَقَالَ عَمْرو: يَا ابْن أخي وَالله مَا أحب أَن أَقْتلك فَقَالَ عَليّ: لكني وَالله أحب أَن أَقْتلك، فحمى عَمْرو وَنزل عَن فرسه فعقره وَأَقْبل إِلَى عَليّ فتقاتلا وتجاولا وعلاهما غبرة وَسمع الْمُسلمُونَ التَّكْبِير فَعَلمُوا أَن عليا قَتله وانكشفت الغبرة وَإِذا عَليّ على صَدره يذبحه. ثمَّ أهب اللَّهِ ريح الصِّبَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اذْكروا نعْمَة اللَّهِ عَلَيْكُم إِذْ جاءتكم جنود فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا وجنودا لم تَرَوْهَا﴾ وَكَانَ ذَلِك فِي أَيَّام شَاتِيَة فكفأت قدورهم وطرحت آنيتهم وَوَقع بَينهم الِاخْتِلَاف فرحلت قُرَيْش مَعَ ابي سُفْيَان ورحلت غطفان. (غَزْوَة بني قُرَيْظَة) وَأصْبح ﷺ َ - فَانْصَرف عَن الخَنْدَق رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة وَوضع الْمُسلمُونَ السِّلَاح فَأَتَاهُ جِبْرِيل الظّهْر يَأْمُرهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى بني قُرَيْظَة فَأمر مناديا يُنَادي من كَانَ سَامِعًا مُطيعًا فَلَا يُصَلِّي الْعَصْر إِلَّا ببني قُرَيْظَة، وَقدم عليا ﵁ برايته إِلَى بني قُرَيْظَة ثمَّ نزل النَّبِي ﷺ َ - على بِئْر من أبارهم وتلاحق النَّاس وأتى قوم بعد الْعشَاء الْآخِرَة وَلم يصلوا الْعَصْر لقَوْله ﷺ َ - لَا يصل أحد الْعَصْر إِلَّا ببني قُرَيْظَة فَلم يُنكر عَلَيْهِم ذَلِك وحاصر بني قُرَيْظَة خمْسا وَعشْرين لَيْلَة وَقذف اللَّهِ فِي قُلُوبهم الرعب فنزلوا على حكمه ﷺ َ -. وَكَانُوا حلفاء الْأَوْس فَسَأَلته الْأَوْس فيهم كَمَا أطلق بني قينقاع حلفاء الْخَزْرَج بسؤال عبد اللَّهِ بن أبي بن سلول فَقَالَ: " أَلا ترْضونَ أَن يحكم فيهم سعد بن معَاذ وَهُوَ سيد الْأَوْس " قَالُوا بلَى ظنا مِنْهُم أَنه يحكم بإطلاقهم، فَأمر بإحضار سعد وَكَانَ بِهِ جرح فِي أكحله من الخَنْدَق فَحملت الْأَوْس سَعْدا على حمَار وطؤا لَهُ عَلَيْهِ بوسادة وَكَانَ جسيما. ثمَّ أَقبلُوا بِهِ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وهم يَقُولُونَ لسعد يَا أَبَا عَمْرو أحسن إِلَى مواليك فَقَالَ ﷺ َ -: " قومُوا إِلَى سيدكم " والمهاجرون يَقُولُونَ إِنَّمَا أَرَادَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - الْأَنْصَار وَالْأَنْصَار يَقُولُونَ قد عَم بهَا الْمُسلمين فَقَامُوا إِلَيْهِ وَقَالُوا إِن رَسُول اللَّهِ قد حكمك فِي مواليك فَقَالَ

стр. 115

سعد أحكم فيهم أَن تقتل الرِّجَال وتقسم الْأَمْوَال وتسبى الذَّرَارِي وَالنِّسَاء، فَقَالَ ﷺ َ - " لقد حكمت فيهم بِحكم اللَّهِ من فَوق سَبْعَة أَرقعَة " ثمَّ رَجَعَ ﷺ َ - إِلَى الْمَدِينَة وَحبس بني قُرَيْظَة فِي بعض دور الْأَنْصَار وَأمر فحفر لَهُم خنادق ثمَّ بعث بهم فَضربت أَعْنَاقهم فِيهَا وَكَانُوا نَحْو سَبْعمِائة رجل ثمَّ قسم سَبَايَا بني قُرَيْظَة فَأخْرج الْخمس وَاصْطفى لنَفسِهِ رَيْحَانَة بنت عَمْرو فَكَانَت فِي ملكه حَتَّى مَاتَ ثمَّ انفجر جرح سعد بن معَاذ فَمَاتَ ﵁. وَاسْتشْهدَ فِي حَرْب الخَنْدَق سِتَّة مِنْهُم سعد، وَكَانَ سعد قد سَأَلَ اللَّهِ لما جرح على الخَنْدَق أَن لَا يميته حَتَّى يَغْزُو بني قُرَيْظَة لغدرهم بالعهد فاستجيب لَهُ، وغزوة بني قُرَيْظَة فِي ذِي الْقعدَة مِنْهَا. قلت: " وَفِي سنة خمس صلى صَلَاة الْخَوْف وَالله اعْلَم، وَأقَام بِالْمَدِينَةِ حَتَّى خرجت السّنة. ثمَّ دخلت سنة سِتّ: فِيهَا فِي جمادي الأولى خرج إِلَى بني لحيان طلبا بثأر أهل الرجيع فَتَحَصَّنُوا برؤوس الْجبَال فَنزل عسفان تخويفا لأهل مَكَّة ثمَّ عَاد. (غَزْوَة ذِي قرد) ثمَّ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ أَيَّامًا فَأَغَارَ عُيَيْنَة بن حصن الْفَزارِيّ على لقاح رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَهِي بِالْغَابَةِ فَخرج النَّبِي يَوْم الْأَرْبَعَاء حَتَّى وصل إِلَى ذِي قرد لأَرْبَع خلون من ربيع الأول فاستنقذ بَعْضهَا وَعَاد إِلَى الْمَدِينَة، وَكَانَت غيبته خمس لَيَال. وَذُو قرد - مَوضِع على لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة على طَرِيق خَيْبَر . (غَزْوَة بني المصطلق) كَانَت فِي شعْبَان من هَذِه السّنة وَقيل سنة خمس قلت: وَفِي سنة سِتّ كسفت الشَّمْس وَنزل الظِّهَار وَالله أعلم. كَانَ قَائِد بني المصطلق الْحَارِث بن أبي ضرار ولقيهم رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - على مَاء لَهُم يُقَال لَهُ الْمُريْسِيع واقتتلوا فَهزمَ اللَّهِ بني المصطلق فَقتل وسبى وغنم وَوَقعت جوَيْرِية بنت قائدهم الْحَارِث فِي سهم ثَابت بن قيس فكاتبته على نَفسهَا فَأدى عَنْهَا رَسُول الله ﷺ َ - كتَابَتهَا وَتَزَوجهَا فَقَالَ النَّاس أَصْهَار رَسُول اللَّهِ فَأعتق بتزويجه إِيَّاهَا مائَة من أهل بَيت بني المصطلق فَكَانَت عَظِيمَة الْبركَة على قَومهَا، وَفِي هَذِه الْغُزَاة قتل رجل من الْأَنْصَار رجلا من الْمُسلمين خطأ يَظُنّهُ كَافِرًا والقتيل هِشَام من بني لَيْث بن بكر. وَكَانَ أَخُوهُ مقيس مُشْركًا فَقدم الْمَدِينَة وَأظْهر الْإِسْلَام طَالبا دِيَة أَخِيه فَأمر لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - بهَا وَأقَام قَلِيلا ثمَّ عدا على قَاتل أَخِيه فَقتله ثمَّ خرج إِلَى مَكَّة مُرْتَدا وَمن قَوْله لَعنه اللَّهِ: (حللت بِهِ وتري وَأدْركت ثورتي ... وَكنت إِلَى الْأَوْثَان أول رَاجع)

стр. 116

وَهُوَ مِمَّن أهْدر النَّبِي دَمه يَوْم فتح مَكَّة وَفِي هَذِه الْغَزْوَة ازْدحم جَهْجَاه الْغِفَارِيّ أجِير عمر ﵁ وَسنَان الْجُهَنِيّ حَلِيف الْأَنْصَار على المَاء وتقاتلا فَصَرَخَ الْغِفَارِيّ يَا معشر الْمُهَاجِرين وصرخ الْجُهَنِيّ يَا معشر الْأَنْصَار فَغَضب عبد اللَّهِ بن أبي بن سلول الْمُنَافِق وَعِنْده رَهْط من قومه فِيهِ زيد بن أَرقم فَقَالَ أبي بن سلول أَو قد فَعَلُوهَا قد كاثرونا فِي بِلَادنَا أما وَالله لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل. ثمَّ قَالَ لمن حضر من قومه هَذَا مَا فَعلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ أَحْلَلْتُمُوهُم بِلَادكُمْ وَقَاسَمْتُمُوهُمْ على أَمْوَالكُم لَو أَمْسَكْتُم عَنْهُم مَا بِأَيْدِيكُمْ لتحولوا عَنْكُم فَأخْبر زيد بن أَرقم النَّبِي ﷺ َ - بذلك وَعِنْده عمر بن الْخطاب فَقَالَ يَا رَسُول اللَّهِ مر بِهِ عبد اللَّهِ بن بشير فليقتله فَقَالَ ﷺ َ -: " كَيفَ يتحدث النَّاس إِذن إِن مُحَمَّدًا يقتل أَصْحَابه ". ثمَّ أَمر بالرحيل فِي وَقت لم يكن ليرحل فِيهِ ليقطع مَا النَّاس فِيهِ فَلَقِيَهُ أسيد بن حضير وَقَالَ ": يَا رَسُول اللَّهِ رحت فِي سَاعَة لم تكن لتروح فِيهَا فَقَالَ: " أَو مَا بلغك مَا قَالَ عبد اللَّهِ بن أبي بن سلول " فَقَالَ: وماذا قَالَ، فَأخْبرهُ بمقاله فَقَالَ أسيد: أَنْت وَالله تخرجه إِن شِئْت أَنْت الْعَزِيز وَهُوَ الذَّلِيل وَبلغ ابْن عبد اللَّهِ بن أبي بن سلول، واسْمه أَيْضا عبد اللَّهِ، وَكَانَ حسن الْإِسْلَام مقَالَة أَبِيه فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ بَلغنِي أَنَّك تُرِيدُ قتل أبي فَإِن كنت فَاعِلا فمرني فَأَنا أحمل إِلَيْك رَأسه فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: " بل نرفق بِهِ ونحسن صحبته ". وَلما رَجَعَ النَّبِي من هَذِه الْغَزْوَة وَكَانَ بِبَعْض الطَّرِيق قَالَ " أهل الْإِفْك مَا قَالُوا " وهم مسطح بن أَثَاثَة بن عباد بن عبد الْمطلب وَهُوَ ابْن خَالَة أبي بكر وَحسان بن ثَابت، وَعبد اللَّهِ بن أبي بن سلول الْمُنَافِق وَأم حَسَنَة بنت جحش فرموا عَائِشَة بالإفك مَعَ صَفْوَان بن الْمُعَطل صَاحب النَّاقة فَلَمَّا أنزل اللَّهِ براءتها جلدهمْ ﷺ َ - ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ إِلَّا عبد اللَّهِ بن أبي بن سلول فَلم يجلده، وَفِي هَذِه الْغُزَاة - أَعنِي غزَاة بني المصطلق - نزل التَّيَمُّم. قلت: قَالَ فِي الرَّوْضَة: إِن التَّيَمُّم نزل فِي سنة أَربع كَمَا قدمت، وَالله أعلم. (عمْرَة الْحُدَيْبِيَة) ثمَّ خرج ﷺ َ - فِي ذِي الْقعدَة مِنْهَا مُعْتَمِرًا لَا يُرِيد حَربًا بالمهاجرين وَالْأَنْصَار فِي ألف وَأَرْبَعمِائَة وسَاق الْهَدْي وَأحرم بِالْعُمْرَةِ وَسَار حَتَّى وصل ثنية المرار مهبط الْحُدَيْبِيَة أَسْفَل مَكَّة وَأمر بالنزول فَقَالُوا ننزل على غير مَاء فَأعْطى رجلا سَهْما من كِنَانَته وغرزه فِي جَوف القليب فَجَاشَ حَتَّى صدر النَّاس عَنهُ فَبعثت قُرَيْش عُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ سيد أهل الطَّائِف إِلَيْهِ وَقَالَ: إِن قُريْشًا لبسوا جُلُود النمور وعاهدوا اللَّهِ أَن لَا تدخل عَلَيْهِم مَكَّة عنْوَة أبدا ثمَّ جعل عُرْوَة يتَنَاوَل لحية رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَهُوَ يكلمهُ، والمغيرة بن شُعْبَة وَاقِف على رَأس رَسُول اللَّهِ فَجعل يقرع يَده وَيَقُول: كف يدك عَن وَجه رَسُول اللَّهِ قبل أَن لَا ترجع إِلَيْك، فَقَالَ عُرْوَة مَا افظك وأغلظك فَتَبَسَّمَ ﷺ َ - ثمَّ قَامَ عُرْوَة من عِنْده وَهُوَ يرى مَا يصنع

стр. 117

أَصْحَابه لَا يتَوَضَّأ إِلَّا ابتدروا وضوءه وَلَا يبصق إِلَّا ابتدروا بصاقه وَلَا سقط من شعره شَيْء إِلَّا أَخَذُوهُ. فَرجع إِلَى قُرَيْش وَقَالَ لَهُم: إِنِّي جِئْت كسْرَى وَقَيْصَر فِي ملكهمَا فوَاللَّه مَا رَأَيْت ملكا فِي قومه مثل مُحَمَّد فِي أَصْحَابه ثمَّ دَعَا ﷺ َ - عمر بن لخطاب ﵁ ليَبْعَثهُ إِلَى قُرَيْش يعلمهُمْ إِنَّه لم يَأْتِ لِحَرْب وَإِنَّمَا جَاءَ زَائِرًا ومعظما لهَذَا الْبَيْت فخافهم عمر لغلظته عَلَيْهِم وعداوته لَهُم فَبعث ﷺ َ - عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ إِلَى أبي سُفْيَان وأشراف قُرَيْش فعرفهم ذَلِك فَقَالُوا: إِن أحبببت أَن تَطوف بِالْبَيْتِ فَطُفْ، فَقَالَ: مَا كنت لأفعله حَتَّى يطوف رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فحبسوه وَبلغ رَسُول اللَّهِ أَن عُثْمَان قتل فَقَالَ: " لَا نَبْرَح حَتَّى نُنَاجِز الْقَوْم ". " ودعا ﷺ َ - إِلَى بَيْعه الرضْوَان " تَحت الشَّجَرَة فَكَانَ يُقَال بايعهم رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - على الْمَوْت وَكَانَ جَابر يَقُول: لم يُبَايِعنَا إِلَّا على أننا لَا نفر وَلَا يتَخَلَّف أحد من الْمُسلمين إِلَّا الْجد بن قيس استتر بناقته وَبَايع ﷺ َ - لعُثْمَان فِي غيبته فَضرب بِإِحْدَى يَدَيْهِ على الْأُخْرَى ثمَّ أَن قُريْشًا بعثوا سُهَيْل بن عَمْرو فِي الصُّلْح فَأجَاب ﷺ َ - فَقَالَ عمر: يَا رَسُول الله أَلَسْت برَسُول اللَّهِ ولسنا بِالْمُسْلِمين قَالَ: بلَى، قَالَ: فعلام نعطي الدنية فِي ديننَا، فَقَالَ: " أَنا عبد اللَّهِ وَرَسُوله وَلنْ أُخَالِف أمره وَلنْ يضيعني " ثمَّ دَعَا عليا ﵁ فَقَالَ: " أكتب بِسم اللله الرَّحْمَن الرَّحِيم: فَقَالَ: سُهَيْل لَا أعرف هَذَا وَلَكِن اكْتُبْ بِاسْمِك اللَّهُمَّ فَقَالَ ﷺ َ -: " اكْتُبْ بِاسْمِك اللَّهُمَّ، ثمَّ قَالَ: " اكْتُبْ هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ " فَقَالَ سُهَيْل: لَو شهِدت إِنَّك رَسُول اللَّهِ لم أقاتلك وَلَكِن اكْتُبْ بِاسْمِك وَاسم أَبِيك، فَقَالَ: ﷺ َ -: " اكْتُبْ هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ سُهَيْل بن عَمْرو على وضع الْحَرْب عَن النَّاس عشر سِنِين وَأَنه من احب أَن يدْخل فِي عقد مُحَمَّد وَعَهده دخل فِيهِ وَمن احب أَن يدْخل فِي عقد قُرَيْش وَعَهْدهمْ دخل فِيهِ " وَأشْهد على الْكتاب رجَالًا من الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين وَكَانَ الصَّحَابَة خَرجُوا من الْمَدِينَة لَا يَشكونَ فِي فتح مَكَّة لرؤيا رَآهَا النَّبِي ﷺ َ - فداخل النَّاس من الصُّلْح أَمر عَظِيم حَتَّى كَادُوا يهْلكُونَ. وَلما فرغ ﷺ َ - من ذَلِك نحر هَدِيَّة وَحلق رَأسه فنحروا وحلقوا ويومئذ قَالَ: " يرحم اللَّهِ المحلقين قَالُوا والمقصرين يَا رَسُول اللَّهِ قَالَ يرحم اللَّهِ المحلقين حَتَّى اعادوا وَأعَاد ذَلِك ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ: والمقصرين " ثمَّ قفل إِلَى الْمَدِينَة وَأقَام حَتَّى خرجت السّنة. ثمَّ دخلت سنة سبع قلت: فِيهَا تزوج أم حَبِيبَة ومَيْمُونَة وَصفِيَّة وجاءته مَارِيَة وَبغلته دُلْدُل وَقدم جَعْفَر وَأَصْحَابه من الْحَبَشَة وَأسلم أَبُو هُرَيْرَة، وَالله أعلم. (غَزْوَة خَيْبَر) خرج فِي منتصف الْمحرم مِنْهَا إِلَى خَيْبَر وحصرهم وَفتحهَا حصنا حصنا حصن ناعم ثمَّ حصن القموص وَأصَاب مِنْهَا سَبَايَا مِنْهُنَّ صَفِيَّة بنت كَبِيرهمْ حييّ بن أَخطب فَتَزَوجهَا

стр. 118

وَجعل عتقهَا صَدَاقهَا وَهُوَ من خواصه ثمَّ حصن المصعب أَكْثَرهَا طَعَاما وودكا ثمَّ الوطيح والسلالم آخر حصون خَيْبَر افتتاحا وَرُبمَا كَانَت تاخذه ﷺ َ - الشَّقِيقَة فيلبث الْيَوْم واليومين لَا يخرج فَلَمَّا نزل خَيْبَر أَخَذته فَأخذ أَبُو بكر الرَّايَة فقاتل قتالا شَدِيدا. ثمَّ عمر فقاتل شَدِيدا وَقَالَ ﷺ َ -: " أما وَالله لَأُعْطيَن الرَّايَة غَدا رجلا يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ اللَّهِ وَرَسُوله كرارا غير فرار يَأْخُذهَا عنْوَة "، فتطاول الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار إِلَيْهَا وَكَانَ عَليّ أرمد فتفل فِي عَيْنَيْهِ فَزَالَ وجعهما ثمَّ أعطَاهُ الرَّايَة وَعَلِيهِ حلَّة حَمْرَاء وَخرج مرحب صَاحب الْحصن وَهُوَ يَقُول: (قد علمت خَيْبَر أَنِّي مرحب ... شاكي السِّلَاح بَطل مجرب) فَقَالَ عَليّ ﵁: (أَنا الَّذِي سمتني أُمِّي حيدره ... أكيلهم بِالسَّيْفِ كيل السندرة) فاختلفا بضربتين فقدت ضَرْبَة عَليّ المغفر وَرَأس مرحب وَسقط وَفتحت على يَد عَليّ بعد حِصَار بضع عشرَة لَيْلَة، وَحكى أَبُو رَافع مولى رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - أَن يَهُودِيّا ضرب عليا فَطرح ترسه من يَده فَتَنَاول بَابا فتترس بِهِ وَقَاتل حَتَّى فتح الله عَلَيْهِ ثمَّ أَلْقَاهُ، فَلَقَد رَأَيْتنِي فِي سَبْعَة نفر ثامنهم نجهد على أَن نقلب ذَلِك الْبَاب فَمَا نقلبه، وَفتحت فِي صفر وساقاهم النَّبِي ﷺ َ - على النّصْف من ثمارهم ويخرجهم مَتى شَاءَ وَكَذَلِكَ ساقى أهل فدك فَكَانَت خَيْبَر للْمُسلمين وفدك خَالِصَة لَهُ لِأَنَّهَا فتحت بِغَيْر إيجَاف وَلم يزل يهود خَيْبَر كَذَلِك إِلَى ان أجلاهم عمر ﵁، وَانْصَرف ﷺ َ - من خَيْبَر إِلَى وَادي الْقرى فحاصره وافتتحه عنْوَة وَلما وصل الْمَدِينَة قَالَ: " مَا أردي بِأَيِّهِمَا أسر بِفَتْح خَيْبَر أم بقدوم جَعْفَر ". " وخلاصة تزَوجه بِأم حَبِيبَة " أَنَّهَا كَانَت قد هَاجَرت مَعَ زَوجهَا عبيد اللَّهِ بن جحش فَتَنَصَّرَ عبيد اللَّهِ فَكتب ﷺ َ - إِلَى النَّجَاشِيّ يطْلب الْمُهَاجِرين ويخطبها فَزَوجهَا مِنْهُ ابْن عَمها خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة بِالْحَبَشَةِ وَأصْدقهَا النَّجَاشِيّ عَنهُ ﷺ َ - أَرْبَعمِائَة دِينَار وَبلغ أَبَاهَا أَبَا سُفْيَان فَقَالَ ذَلِك الْفَحْل الَّذِي لَا يقرع أَنفه، وكلم رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - الْمُسلمين أَن يدخلُوا الَّذين حَضَرُوا من الْحَبَشَة فِي سِهَامهمْ من مغنم خَيْبَر فَفَعَلُوا، وَفِي خَيْبَر سمته الْيَهُودِيَّة فِي الشَّاة فلاك مِنْهَا قِطْعَة فَأَخْبَرته الشَّاة أَنَّهَا مَسْمُومَة فلفظها، وَقَالَ فِي مرض مَوته: " إِن أكله خَيْبَر لم تزل تعاودني وَهَذَا زمَان انْقِطَاع أَبْهَري ". " وفيهَا بعث رسله إِلَى الْمُلُوك " يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام فَأرْسل إِلَى " كسْرَى برويز " عبد اللَّهِ بن حذافة فمزق كِتَابه فَقَالَ مزف اللَّهِ ملكه ثمَّ بِعْت كسْرَى إِلَى باذان عَامله بِالْيمن أَن ابْعَثْ إِلَيّ هَذَا الرجل الَّذِي فِي الْحجاز فَبعث باذان إِلَى النَّبِي ﷺ َ - رجلَيْنِ اسْم أَحدهمَا

стр. 119

خرخرة وَكتب مَعَهُمَا يَأْمر النَّبِي ﷺ َ - بِالْمَسِيرِ إِلَى كسْرَى فدخلا عَلَيْهِ وَقد حلقا لحاهما فكره النَّبِي النّظر إِلَيْهِمَا وَقَالَ: " ويلكما من أمركما بِهَذَا "؟ قَالَا رَبنَا - يعنيان كسْرَى - فَقَالَ: " لَكِن رَبِّي أَمرنِي أَن أعفي عَن لحيتي وأقص شاربي " فأعلماه بِمَا قدما لَهُ وَقَالا: إِن فعلت كتب فِيك باذان إِلَى كسْرَى وَإِن أَبيت فَهُوَ مهلكك. فَأخر الْجَواب إِلَى الْغَد وأتى الْخَبَر من السَّمَاء إِلَيْهِ أَن اللَّهِ قد سلط على كسْرَى ابْنه شيرويه فَقتله فَأَخْبرهُمَا رَسُول اللَّهِ بذلك وَقَالَ: " إِن ديني وسلطاني سيبلغ ملك كسْرَى فقولا لباذان أسلم " فَرَجَعَا إِلَى باذان وأخبراه بذلك، وَورد كتاب شيرويه إِلَى باذان بقتل أَبِيه كسْرَى وَأَن لَا يتَعَرَّض إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَأسلم باذان هُوَ وناس من فَارس. وَأرْسل دحْيَة بن خَليفَة الْكَلْبِيّ إِلَى " قَيْصر " ملك الرّوم فَأكْرمه وَوضع كتاب النَّبِي ﷺ َ - على فَخذه ورد دحْيَة ردا جميلا، وَأرْسل حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى ملك مصر " الْمُقَوْقس " جريج بن مَتى فَأكْرمه وَأهْدى للنَّبِي ﷺ َ - أَربع جوَار وَقيل اثْنَتَيْنِ الْوَاحِدَة مَارِيَة أم ابْنه إِبْرَاهِيم وَأهْدى أَيْضا لَهُ البغلة دلدلا وَحِمَاره يعفورا. وَكَانَ قد أرسل إِلَى " النَّجَاشِيّ " عَمْرو بن أُميَّة فَقبل كِتَابه وَأسلم على يَد جَعْفَر بن أبي طَالب فِي الْهِجْرَة إِلَيْهِ وَأرْسل شُجَاع بن وهب الْأَسدي إِلَى " الْحَارِث " بن أبي شمر الغساني فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابه قَالَ هَا أَنا سَائِر إِلَيْهِ فَقَالَ ﷺ َ -: " باد ملكه ". وَأرْسل سليط بن عَمْرو إِلَى " هَوْذَة " بن عَليّ ملك الْيَمَامَة النَّصْرَانِي فَقَالَ إِن جعل الْأَمر لي من بعده سرت إِلَيْهِ وَأسْلمت ونصرته وَإِلَّا قصدت حربه فَقَالَ ﷺ َ -: " لَا وَلَا كَرَامَة اللَّهُمَّ اكفنيه " فَمَاتَ بعد ذَلِك. وَكَانَ قد أرسل هَوْذَة الرّحال بِالْحَاء وَقيل بِالْجِيم إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَأسلم وَقَرَأَ الْبَقَرَة وَرجع إِلَى الْيَمَامَة وارتد وَشهد أَن النَّبِي ﷺ َ - أشرك مَعَه مُسَيْلمَة الْكذَّاب فِي النُّبُوَّة، وَأرْسل الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ إِلَى " الْمُنْذر " بن ساوة ملك الْبَحْرين من قبل الْفرس فَأسلم وَجَمِيع الْعَرَب بِالْبَحْرَيْنِ. وفيهَا فِي ذِي الْقعدَة خرج مُعْتَمِرًا " عمْرَة الْقَضَاء " وسَاق مَعَه سبعين بَدَنَة وَلما قرب خرجت لَهُ قُرَيْش عَنْهَا وتحدثوا أَن مُحَمَّدًا فِي عسر وَجهد فاصطفوا لَهُ عِنْد دَار الندوة فَلَمَّا دخل الْمَسْجِد اضطبع بِأَن جعل وسط رِدَائه تَحت عضده الْأَيْمن وطرفيه على عَاتِقه الْأَيْسَر ثمَّ قَالَ: " رحم اللَّهِ امْرأ أَرَاهُم الْيَوْم قُوَّة " وَرمل فِي أَرْبَعَة أَشْوَاط من الطّواف ثمَّ سعى بَين الصَّفَا والمروة وَتزَوج فِي سَفَره هَذَا مَيْمُونَة بنت الْحَارِث زوجه بهَا الْعَبَّاس فِي الْإِحْرَام، وَهُوَ من خواصه، ثمَّ عَاد إِلَى الْمَدِينَة.

стр. 120

" ثمَّ دخلت سنة ثَمَان ": فِيهَا قدم خَالِد بن الْوَلِيد وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَعُثْمَان بن طَلْحَة بن عبد الدَّار فأسلموا. وفيهَا فِي جمادي الأولى. (غَزْوَة مؤته) أول الْغَزَوَات فِي الرّوم، بعث ثَلَاثَة آلَاف وَأمر عَلَيْهِم زيد بن حَارِثَة مَوْلَاهُ، وَقَالَ " إِن أُصِيب فجعفر بن أبي طَالب وَإِن أُصِيب فعبد اللَّهِ بن رَوَاحَة "، فَقَالَ أَبُو بكر: حَسبك يَا رَسُول اللَّهِ فَإِنِّي أَتَخَوَّف أَن لاتعد أحدا إِلَّا قتل. قلت: وَجلسَ ﷺ َ - على الْمِنْبَر وكشف لَهُ معتركهم فَقَالَ: " أَخذ الرَّايَة زيد بن حَارِثَة حَتَّى اسْتشْهد " فصلى عَلَيْهِ وَقَالَ " اسْتَغْفرُوا لَهُ " ثمَّ قَالَ: " أَخذ الرَّايَة جَعْفَر حَتَّى اسْتشْهد " فصلى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: " اسْتَغْفرُوا لأخيكم جَعْفَر " ثمَّ قَالَ: " أَخذ الرَّايَة عبد اللَّهِ بن رَوَاحَة فاستشهد ثمَّ دخل الْجنَّة " فَأخْبر ﷺ َ - أَصْحَابه بِقَتْلِهِم فِي السَّاعَة الَّتِي قتلوا فِيهَا، وَالله أعلم. وَلما قتل هَؤُلَاءِ ﵃ اتّفق الْمُسلمُونَ على خَالِد فَأخذ الرَّايَة وَكَانَت الرّوم وَالْعرب المتنصرة فِي نَحْو مائَة ألف وَرجع خَالِد بِالنَّاسِ إِلَى الْمَدِينَة، ومؤتة دون دمشق بِأَدْنَى البلقاء، وَسبب هَذِه الْغُزَاة أَنه أرسل الْحَارِث بن عُمَيْر إِلَى ملك بصرى بكتابه فَعرض لَهُ بمؤتة عَمْرو بن شُرَحْبِيل الغساني فَقتله وَلم يقتل لَهُ ﷺ َ - رَسُول غَيره، وفيهَا . (نقض الصُّلْح وَفتح مَكَّة) وَذَلِكَ أَن بني بكر كَانُوا فِي عقد قُرَيْش وخزاعة فِي عقد النَّبِي ﷺ َ - فلقي فِي هَذِه السّنة بَنو بكر خُزَاعَة فَقتلُوا مِنْهُم بإعانة بعض قُرَيْش فَانْتقضَ عَهدهم وندمت قُرَيْش فَقدم أَبُو سُفْيَان ليجدد الْعَهْد وَدخل على أم حَبِيبَة فطوت عَنهُ فرَاش النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ: يَا بنية أرغبت بِهِ عني أم رغبت بن عَنهُ، فَقَالَت: هُوَ فرَاش رَسُول اللَّهِ وَأَنت مُشْرك نجس، فَقَالَ لقد أَصَابَك بعدِي شَرّ، ثمَّ أَتَاهُ فَكَلمهُ فَلم يرد شَيْئا وأتى كبار الصَّحَابَة مثل أبي بكر وَعلي فَمَا أجاباه فَعَاد وَأخْبر قُريْشًا، وتجهز رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَقصد أَن يبغت قُريْشًا بِمَكَّة من قبل أَن يعلمُوا بِهِ فَكتب حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَيْهِم مَعَ سارة مولاة بني هَاشم يعلمهُمْ بذلك فَأطلع اللَّهِ رَسُوله على ذَلِك، وَأرْسل عليا وَالزُّبَيْر وأخذا مِنْهَا الْكتاب فَقَالَ لحاطب: " مَا حملك على هَذَا " فَقَالَ: وَالله إِنِّي مُؤمن مَا بدلت وَلَا غيرت وَلَكِن لي بَين أظهرهم أهل وَولد وَلَيْسَ لي عشيرة فصانعتهم فَقَالَ عمر دَعْنِي أضْرب عُنُقه فَإِنَّهُ مُنَافِق فَقَالَ ﷺ َ -: " لَعَلَّ اللَّهِ قد اطلع على أهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم ". ثمَّ خرج من الْمَدِينَة لعشر من رَمَضَان وَمَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار وَطَوَائِف من الْعَرَب وَكَانَ جَيْشه عشرَة آلَاف حَتَّى قَارب مَكَّة فَركب الْعَبَّاس بغلة النَّبِي ﷺ َ - لَعَلَّه يجد رجلا يعلم قُريْشًا ليأتوا رَسُول اللَّهِ ويستأمنوه وَإِلَّا هَلَكُوا قَالَ فَسمِعت صَوت أبي سُفْيَان بن حَرْب

стр. 121

وَحَكِيم بن حزَام وَبُدَيْل بن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ خَرجُوا متجسسين فَقلت أَبَا حَنْظَلَة يَعْنِي أَبَا سُفْيَان فَقَالَ أَبَا الْفضل قلت: نعم قَالَ لبيْك فدَاك أبي وَأمي مَا وَرَاءَك قلت قد أَتَاكُم رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فِي عشرَة آلَاف فَقَالَ مَا تَأْمُرنِي بِهِ قلت تركب لأستأمن لَك رَسُول اللَّهِ وَإِلَّا تضرب عُنُقك. فردفني وَجئْت بِهِ إِلَى رَسُول اللَّهِ وَجَاءَت طريقي على عمر بن الْخطاب فَقَالَ عمر: أَبَا سُفْيَان الْحَمد لله الَّذِي أمكن مِنْك بِغَيْر عقد وَلَا عهد، ثمَّ اشْتَدَّ نَحْو رَسُول اللَّهِ، وأدركته فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ دَعْنِي أضْرب عُنُقه، وَسَأَلَهُ الْعَبَّاس فِيهِ فَقَالَ ﷺ َ -: " قد أمناه، وأحضره يَا عَبَّاس بِالْغَدَاةِ " فَرجع بِهِ الْعَبَّاس إِلَى منزله وجاءه بِهِ بِالْغَدَاةِ. فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: " يَا أَبَا سُفْيَان أما آن أَن تعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّهِ " قَالَ بلَى، قَالَ: " وَيحك ألم يَأن لَك أَن تعلم أَنِّي رَسُول اللَّهِ " فَقَالَ: بِأبي وَأمي أما هَذِه فَفِي النَّفس مِنْهَا شَيْء، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس: وَيحك تشهد قبل أَن يضْرب عُنُقك؛ فَتشهد وَأسلم مَعَه حَكِيم بن حزَام وَبُدَيْل بن وَرْقَاء ثمَّ أَمر الْعَبَّاس أَن يذهب بِأبي سُفْيَان إِلَى مضيق الْوَادي ليشاهد جنود اللَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّه يحب الْفَخر فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئا يكون فِي قومه. فَقَالَ ﷺ َ -: " من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن وَمن دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن وَمن أغلق عَلَيْهِ بَابه فَهُوَ آمن وَمن دخل دَار حَكِيم بن حزَام فَهُوَ آمن " قَالَ الْعَبَّاس: فَخرجت بِهِ كَمَا أَمرنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فِي كتيبته الخضراء من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، فَقَالَ لقد أصبح ملك ابْن أَخِيك عَظِيما، فَقلت وَيحك إِنَّهَا النُّبُوَّة، فَقَالَ نعم، ثمَّ امْر ﷺ َ - أَن يدْخل الزبير بِبَعْض النَّاس من كداء، وَسعد بن عبَادَة سيد الْخَزْرَج بِبَعْض النَّاس من ثنية كداء، وَأمر عليا أَن يَأْخُذ الرَّايَة مِنْهُ فَيدْخل بهَا لما بلغه من قَول سعد: الْيَوْم يَوْم الملحمة الْيَوْم تستحل الْحُرْمَة، وَأمر خَالِدا أَن يدْخل من أَسْفَل مَكَّة فِي بعض النَّاس، وَكلهمْ لم يقاتلوا نَهَاهُم ﷺ َ - عَن الْقِتَال إِلَّا أَن خَالِدا لقِيه جمَاعَة من قُرَيْش فَرَمَوْهُ بِالنَّبلِ ومنعوه الدُّخُول فَقَاتلهُمْ وَقتل ثَمَانِيَة وَعشْرين مُشْركًا، فَقَالَ ﷺ َ -: " الم أنهه عَن الْقِتَال " فَقَالُوا إِن خَالِدا قوتل فقاتل، وَقتل اثْنَان من الْمُسلمين وَفتحت مَكَّة يَوْم الْجُمُعَة لعشر بَقينَ من رَمَضَان عنْوَة بِالسَّيْفِ، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، وَقَالَ أَبُو حنيفَة فتحت صلحا. وَلما أمكنه اللَّهِ من رِقَاب قُرَيْش قَالَ: " مَا تروني فَاعِلا بكم "؟ قَالُوا لَهُ خيرا أَخ كريم وَابْن أَخ كريم قَالَ: " فاذهبوا فَأنْتم الطُّلَقَاء " وَلما اطْمَأَن النَّاس خرج إِلَى الطّواف فَطَافَ سبعا على رَاحِلَته واستلم الرُّكْن بمحجن كَانَ فِي يَده وَدخل الْكَعْبَة وَرَأى فِيهَا الشخوص على صور الْمَلَائِكَة وَصُورَة إِبْرَاهِيم وَفِي يَده الأزلام يستقسم بهَا فَقَالَ: " قَاتلهم اللَّهِ جعلُوا شَيخنَا يستقسم بالأزلام مَا شَأْن إِبْرَاهِيم والأزلام ". ثمَّ أَمر بِتِلْكَ الصُّور فطمست وَصلى فِي الْبَيْت. قلت: وَكَانَ حول الْبَيْت ثلثمِائة وَسِتُّونَ صنما قد أوثقت إِلَى جِدَاره بالرصاص فَجعل

стр. 122

- ﷺ َ - كلما مر بصنم مِنْهَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقضيب فِي يَده وَيَقُول: " جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل أَن الْبَاطِل كَانَ زهوقا " فَيَقَع الصَّنَم لوجهه من غير أَن يمسهُ شَيْء، وَفِي ذَلِك يَقُول فضَالة اللَّيْثِيّ: (لَو مَا رَأَيْت مُحَمَّدًا وَجُنُوده ... بِالْفَتْح يَوْم تكسر الْأَصْنَام) (لرأيت نور اللَّهِ أصبح بَيْننَا ... والشرك يغشى وَجهه الإظلام) وَالله أعلم. وأهدر دم سِتَّة رجال وَأَرْبع نسْوَة أحدهم " عِكْرِمَة " بن أبي جهل ثمَّ استأمنت لَهُ زَوجته أم حَكِيم فَأَمنهُ وَأسلم، الثَّانِي هَبَّار بن الْأسود، وَالثَّالِث " عبد اللَّهِ " بن سعد بن أبي سرح أَخُو عُثْمَان بن عَفَّان من الرضَاعَة فَأَتَاهُ بن عُثْمَان وَسَأَلَهُ فِيهِ فَصمت طَويلا ثمَّ أَمنه فَأسلم. وَقَالَ ﷺ َ -: " إِنَّمَا صمت ليقوم أحدكُم فيقتله " فَقَالُوا هلا أَوْمَأت إِلَيْنَا فَقَالَ " إِن الْأَنْبِيَاء لَا تكون لَهُم خَائِنَة الْأَعْين " وَكَانَ هَذَا قد أسلم قبل الْفَتْح وَكتب الْوَحْي فَكَانَ يُبدل الْقُرْآن ثمَّ أرتد وعاش إِلَى خلَافَة عُثْمَان وولاه مصر، الرَّابِع " ابْن صبَابَة " لقَتله الْأنْصَارِيّ الَّذِي قتل أَخَاهُ خطأ وارتد، الْخَامِس " عبد اللَّهِ " بن هِلَال كَانَ قد أسلم ثمَّ قتل مُسلما وارتد، السَّادِس " الْحُوَيْرِث " بن نفَيْل كَانَ يُؤْذِي رَسُول اللَّهِ ويهجوه فَقتله عَليّ ﵁. " وَأما النِّسَاء " فإحداهن " " هِنْد " زوج أبي سُفْيَان تنكرت مَعَ نسَاء قُرَيْش وبايعته فَلَمَّا عرفهَا قَالَت: أَنا هِنْد فَاعْفُ عَمَّا سلف فَعَفَا ﷺ َ - وَأذن بِلَال الظّهْر على الْكَعْبَة فَقَالَت جوَيْرِية بنت أبي جهل لقد أكْرم اللَّهِ أبي حِين لم يشْهد نهيق بِلَال على ظهر الْكَعْبَة، وَقَالَ الْحَارِث بن هِشَام لَيْتَني مت قبل هَذَا، وَقَالَ خَالِد بن أسيد لقد أكْرم اللَّهِ أبي فَلم ير هَذَا الْيَوْم، فَخرج عَلَيْهِم ﷺ َ - ثمَّ ذكر لَهُم مَا قَالُوهُ، فَقَالَ الْحَارِث: أشهد أَنَّك رَسُول اللَّهِ وَمَا اطلع على هَذَا أحد فَنَقُول أخْبرك. وَمن المهدرات " سارة " حاملة كتاب حَاطِب. (غَزْوَة خَالِد بني جذيمة) وَبعد فتح مَكَّة بعث ﷺ َ - السَّرَايَا حولهَا إِلَى النَّاس يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام وَلم يَأْمُرهُم بِقِتَال، وَكَانَت بَنو خُزَيْمَة قد قتلوا فِي الْجَاهِلِيَّة عوفا أباعبد الرَّحْمَن وَعم خَالِد كَانَا أَقبلَا من الْيمن، وَأخذُوا مَا مَعَهُمَا. وَكَانَ من السَّرَايَا الَّتِي بعثها ﷺ َ - تدعوا إِلَى الْإِسْلَام سَرِيَّة مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد فَنزل على مَاء لبني خُزَيْمَة فَأَقْبَلُوا بِالسِّلَاحِ فَقَالَ لَهُم خَالِد: ضَعُوا السِّلَاح فَإِن النَّاس قد أَسْلمُوا، فوضعوه، وَأمر بهم خَالِد فكتفوا ثمَّ عرضهمْ على السَّيْف فَقتل من قتل مِنْهُم، وَبلغ النَّبِي ذَلِك فَرفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء حَتَّى بَان بَيَاض إبطية وَقَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا صنع خَالِد " ثمَّ أَمر عليا ﵁ أَن يُؤَدِّي لَهُم الدِّمَاء وَالْأَمْوَال فَفعل، وَكَانَ قد فضل مَعَ عَليّ قَلِيل مَال فَدفعهُ إِلَيْهِم تطييبا لقُلُوبِهِمْ فأعجب النَّبِي ذَلِك، وَأنكر

стр. 123

عبد الرَّحْمَن بن عَوْف على خَالِد فعله فَقَالَ خَالِد: ثأرت أَبَاك، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن: بل ثأرت عمك الْفَاكِه وَفعلت فعل الْجَاهِلِيَّة فِي الْإِسْلَام. وَبلغ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - خصامهما فَقَالَ: " يَا خَالِد دع عَنْك أَصْحَابِي فوَاللَّه لَو كَانَ لَك أحد ذَهَبا ثمَّ أنفقته فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى مَا أدْركْت غدْوَة أحدهم وَلَا روحته "، وفيهَا فِي شَوَّال غَزْوَة حنين . (غَزْوَة حنين) وَاد بَينه وَبَين مَكَّة ثَلَاث لَيَال وَلما فتحت مَكَّة تجمعت هوزان لحربه ﷺ َ - ومقدمهم مَالك بن عَوْف النضري، وانضمت إِلَيْهِم ثَقِيف أهل الطَّائِف وَبَنُو سعد بن بكر الَّذِي رضع فيهم ﷺ َ -، وَحضر بَنو جشم وَفِيهِمْ دُرَيْد بن الصمَّة وَقد جَاوز الْمِائَة لرأيه وَقَالَ رجزا: (يَا لَيْتَني فِيهَا جذع ... أخب فِيهَا وأضع) وَبلغ ذَلِك رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فَخرج من مَكَّة لست من شَوَّال - وَكَانَ يقصر الصَّلَاة بِمَكَّة من يَوْم فتحهَا إِلَى خُرُوجه هَذَا - وَخرج مَعَه اثْنَا عشر ألفا أَلفَانِ من مَكَّة وَعشرَة آلَاف كَانَت مَعَه، وَمَعَهُ صَفْوَان بن أُميَّة لم يسلم بعد بل استمهل بِالْإِسْلَامِ شَهْرَيْن وأعاره مائَة درع وَمَعَهُ أَيْضا جمع من الْمُشْركين وانْتهى رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - إِلَى حنين وَالْمُشْرِكُونَ بأوطاس فَقَالَ دُرَيْد عَن أَوْطَاس: نعم مجَال الْخَيل لَا حزن ضرس وَلَا سهل دهس، وَركب بغلته الدلْدل. وَقَالَ رجل من الْمُسلمين عَن جَيْشه ﷺ َ - لن يغلب هَؤُلَاءِ من قلَّة، وَفِي ذَلِك نزل ﴿وَيَوْم حنين إِذْ أَعجبتكُم كثرتكم فَلم تغن عَنْكُم شَيْئا﴾ والتقوا فانكشف الْمُسلمُونَ وانحاز ﷺ َ - ذَات الْيمن فِي نفر من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَأهل بَيتهمْ وحيئذ ظهر حقد أهل مَكَّة فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: لَا تَنْتَهِي هزيمتهم دون الْبَحْر وَكَانَت الأزلام مَعَه فِي كِنَانَته وصرخ كلدة اسْكُتْ فض اللَّهِ فَاك وَالله لِأَن يربنِي رجل من قُرَيْش أحب إِلَيّ من أَن يربنِي رجل من هوَازن. وَاسْتمرّ ﷺ َ - ثَابتا قلت: وَلما انهزم الصَّحَابَة يَوْم حنين قَالَ ﷺ َ -: للْعَبَّاس " نَاد بهم " فَقَالَ: يَا رَسُول الله كَيفَ يبلغهم صوتي، أَو مَتى يسمعُونَ ندائي، فَقَالَ: " عَلَيْك النداء وعَلى اللَّهِ الْبَلَاغ " فناداهم الْعَبَّاس وَأَقْبلُوا يأمون الصَّوْت كَأَنَّهُمْ إبل حنت إِلَى أَوْلَادهَا، وَالله أعلم. وتراجعوا واقتتلوا شَدِيدا فَقَالَ ﷺ َ - لبغلته الدلْدل: " الْبَدِيِّ الْبَدِيِّ " فَوضعت بَطنهَا على الأَرْض، وَأخذ حفْنَة من تُرَاب فَرمى بهَا فِي وَجه الْمُشْركين فهزموا واتبعهم الْمُسلمُونَ يقتلُون وَيَأْسِرُونَ. وَكَانَ فِي السَّبي الشيماء السعدية أُخْته ﷺ َ - من الرضَاعَة فأرته عَلامَة عضته فِي ظهرهَا فعرفها وَبسط لَهَا رِدَاءَهُ وزودها وردهَا إِلَى قَومهَا حَسْبَمَا سَأَلت .

стр. 124

وَلما انْهَزَمت ثَقِيف من حنين إِلَى الطَّائِف سَار ﷺ َ - " وحاصرهم بِالطَّائِف " نيفا وَعشْرين يَوْمًا حَتَّى بالمنجنيق، وَأمر بِقطع أعتابهم ثمَّ رَحل عَنْهُم وَنزل الْجِعِرَّانَة وَبهَا غَنَائِم هوَازن وَأَتَاهُ بعض هوَازن وسألوه فَرد عَلَيْهِم نصِيبه وَنصِيب بني عبد الْمطلب ورد النَّاس أَبْنَاءَهُم ونساءهم، ثمَّ لحق مَالك بن عَوْف مقدمهم بِهِ ﷺ َ - فَأسلم وَاسْتَعْملهُ على قومه وعَلى من أسلم من تِلْكَ الْقَبَائِل، وعدة السَّبي الَّذِي أطلقهُ سِتَّة آلَاف، ثمَّ قسم الْأَمْوَال، وعدة الْإِبِل أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألفا وَالْغنم أَكثر من أَرْبَعِينَ ألفا وَالْفِضَّة أَرْبَعَة آلَاف أُوقِيَّة وَأعْطى الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم مثل أبي سُفْيَان. قلت: ثمَّ حسن إِسْلَامه وَالله أعلم، وَمثل سهل بن عَمْرو، وَعِكْرِمَة بن أبي جهل والْحَارث بن هِشَام، صَفْوَان بن أُميَّة، وَهَؤُلَاء من قُرَيْش. وَأعْطى الْأَقْرَع بن حَابِس التَّمِيمِي، وعيينة بن حصن بن حُذَيْفَة بن بدر الذبياني، وَمَالك بن عَوْف مقدم هوَازن، أعْطى كل وَاحِد من الْأَشْرَاف مائَة من الْإِبِل، والآخرين أَرْبَعِينَ أَرْبَعِينَ، وَأعْطى الْعَبَّاس بن مرداس أباعر لم يرضها وَقَالَ فِي ذَلِك: (أَتجْعَلُ نَهْبي وَنهب العبيد ... بَين عُيَيْنَة والأقرع) (وَمَا كَانَ حصن وَلَا حَابِس ... يَفُوقَانِ مرداس فِي مجمع) (وَمَا كنت دون امرىء مِنْهُمَا ... وَمن تضع الْيَوْم لَا يرفع) فَقَالَ: " إقطعوا عني لِسَانه " فَأعْطِي حَتَّى رَضِي، وَلم يُعْط الْأَنْصَار من ذَلِك شَيْئا فوجدوا فِي أنفسهم فَدَعَاهُمْ وَقَالَ: " أوجدتم يَا معشر الْأَنْصَار فِي لعاعة من الدنية ألفت بهَا قوما ليسلموا ووكلتكم إِلَى إسلامكم أما ترْضونَ أَن يذهب بِالنَّاسِ بالبعير وَالشَّاء وترجعون برَسُول اللَّهِ إِلَى رحالكُمْ أما وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت امْرَأَة من الْأَنْصَار وَلَو سلك النَّاس شعبًا لَسَلَكْت شعب الْأَنْصَار اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْأَنْصَار وَأَبْنَاء الْأَنْصَار وَأَبْنَاء أَبنَاء الْأَنْصَار ". ويومئذ قَالَ ذُو الْخوَيْصِرَة من تَمِيم لم تعدل هَذِه الْقِسْمَة وَلَا أُرِيد بهَا وَجه اللَّهِ فَقَالَ ﷺ َ -: " سيخرج من ضئضىء هَذَا الرجل قوم يخرجُون من الدّين كَمَا يخرج السهْم من الرَّمية لَا يُجَاوز إِيمَانهم تراقيهم " فَخرج مِنْهُ حرقوص بن زُهَيْر البَجلِيّ الْمَعْرُوف بِذِي الثدية أول من بُويِعَ من الْخَوَارِج بِالْإِمَامَةِ وَأول مارق من الدّين. " ثمَّ اعْتَمر " وَعَاد إِلَى الْمَدِينَة واستخلف على مَكَّة عتاب بن أسيد بن أبي الْعيص بن أُميَّة وَهُوَ شَاب لم يبلغ عشْرين سنة وَترك مَعَه معَاذ بن جبل يفقه النَّاس، وَحج بِالنَّاسِ هَذِه السّنة عتاب على مَا كَانَت الْعَرَب تحج. وفيهَا ولد إِبْرَاهِيم بن النَّبِي ﷺ . وفيهَا مَاتَ حَاتِم بن عبد اللَّهِ بن الحشرج من ولد طي بن أدد، ويكنى بِأبي سفانة بنته الَّتِي أَتَت النَّبِي بعد الْبعْثَة وَشَكتْ حَالهَا، وَكَانَ شَاعِرًا مجيدا وَيضْرب بجوده الْمثل.

стр. 125

قلت: وفيهَا توفيت زَيْنَب، وفيهَا غلا السّعر فَقَالُوا سعر لنا "، وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة تسع: وَهُوَ ﷺ َ - بِالْمَدِينَةِ وَتَتَابَعَتْ الْوُفُود وَدخل النَّاس فِي دين اللَّهِ أَفْوَاجًا وَورد عَلَيْهِ عُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ سيد ثَقِيف وَكَانَ غَائِبا عَن حِصَار الطَّائِف فَأسلم وَحسن إِسْلَامه فَقَالَ: أمضي إِلَى قومِي وأدعوهم فَقَالَ لَهُ ﷺ َ -: " إِنَّهُم قاتلوك " فَكَانَ كَمَا قَالَ، ووفد كَعْب بن زُهَيْر بن أبي سلمى بعد ان أهْدر دَمه، ومدح النَّبِي ﷺ َ - بقصيدته الْمَشْهُورَة وَهِي. (بَانَتْ سعاد فقلبي الْيَوْم متبول ... ) فَأعْطَاهُ بردته واشتراها مُعَاوِيَة ﵁ فِي خِلَافَته من أهل كَعْب بِأَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم ثمَّ توارثها الْخُلَفَاء حَتَّى أَخذهَا التتر. وفيهَا فِي رَجَب أعلم النَّاس بالتجهز لغزو الرّوم، وَكَانَ إِذا أَرَادَ غزَاة ورى بغَيْرهَا إِلَّا فِي هَذِه لقُوَّة الْعَدو وَبعد الطَّرِيق والجدب وَالْحر وَالنَّاس فِي عسرة " فَسُمي جَيش الْعسرَة ". وَكَانَت الثِّمَار قد طابت فتجهزوا على كره وَأمر الْمُسلمين بِالنَّفَقَةِ فأنفق أَبُو بكر جَمِيع مَاله وَأنْفق عُثْمَان ثلثمِائة بعير طَعَاما وَألف دِينَار فَقَالَ ﷺ َ -: " لَا يضر عُثْمَان مَا صنع بعد الْيَوْم " وتخلف عبد اللَّهِ بن أبي الْمُنَافِق وتخلف ثَلَاثَة من الْأَنْصَار وهم كَعْب بن ماللك ومرارة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة. واستخلف ﷺ َ - على أَهله عليا فَأَرْجَفَ بِهِ المُنَافِقُونَ وَقَالُوا مَا خَلفه إِلَّا استثقالا، فَأخذ سلاحه وَلحق بِهِ فَأخْبرهُ بِمَا قَالَه المُنَافِقُونَ فَقَالَ: " كذبُوا إِنَّمَا خلفتك لما ورائي فَارْجِع فَاخْلُفْنِي فِي أَهلِي أما ترضي أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون بن مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي " وَكَانَ مَعَ النَّبِي ﷺ َ - ثَلَاثُونَ ألفا فَكَانَت الْخَيل عشرَة آلَاف ولقوا فِي الطَّرِيق حرا وعطشا ووصلوا الْحجر أَرض ثَمُود فنهاهم عَن مائَة ووصلوا " تَبُوك ". فَأَقَامَ بهَا عشْرين لَيْلَة وَقدم عَلَيْهِ بهَا يوحنا صَاحب أَيْلَة فَصَالحه على الْجِزْيَة فبلغت جزيتهم ثلثمِائة دِينَار وَصَالح أهل أذرح على مائَة دِينَار فِي كل رَجَب وَأرْسل خَالِدا إِلَى أكيدر بن عبد الْملك صَاحب دومة الجندل الْكِنْدِيّ النَّصْرَانِي فَقتل أَخَاهُ وَقدم بأكيدر عَلَيْهِ ﷺ َ - فَصَالحه على الْجِزْيَة ثمَّ قدم ﷺ َ - الْمَدِينَة فِي رَمَضَان فَاعْتَذر إِلَيْهِ الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا فَنهى عَن كَلَامهم واعتزلوا وَضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ ثمَّ نزلت تَوْبَتهمْ بعد خمسين لَيْلَة. وَلما دخل الْمَدِينَة قدم عَلَيْهِ وَفد الطَّائِف فِي ثَقِيف وَأَسْلمُوا وسألوه أَن يدع اللات الَّتِي كَانُوا يعبدونها لَا يَهْدِمهَا إِلَى ثَلَاث سِنِين فأبي فنزلوا إِلَى شهر فَأبى وسألوه أَن يعفيهم من الصَّلَاة فَقَالَ: " لَا خير فِي دين لَا صَلَاة فِيهِ " فَأَجَابُوا وَأرْسل مَعَهم الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَأَبا سُفْيَان بن حَرْب فهدما اللات وَخرج نسَاء ثَقِيف حسرى يبْكين عَلَيْهَا

стр. 126

وفيهَا بعث أَبَا بكر ليحج بِالنَّاسِ وَمَعَهُ عشرُون بدنه لرَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وثلثمائة رجل فَلَمَّا كَانَ بِذِي الحليفة أرسل عليا ﵁ فِي أَثَره وَأمره بِقِرَاءَة آيَات من أول سُورَة الْبَقَرَة على النَّاس وَأَن يُنَادي أَن لَا يطوف بِالْبَيْتِ بعد السّنة عُرْيَان وَلَا يحجّ مُشْرك فَعَاد أَبُو بكر وَقَالَ: يَا رَسُول الله أنزل فِي شَيْء؟ قَالَ: " لَا وَلَكِن لَا يبلغ عني إِلَّا أَنا أَو رجل مني أَلا ترْضى يَا أَبَا بكر إِنَّك كنت معي فِي الْغَار وصاحبي على الْحَوْض " قَالَ: بلَى، فَسَار أَبُو بكر أَمِيرا على الْمَوْسِم وَعلي يُؤذن بِبَرَاءَة يَوْم الْأَضْحَى وَأَن لَا يحجّ مُشْرك وَلَا يطوف عُرْيَان. وفيهَا فِي ذِي الْقعدَة مَاتَ عبد اللَّهِ بن أبي بن سلول الْمُنَافِق. قلت: وفيهَا توفيت أم كُلْثُوم وَالنَّجَاشِي، وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة عشر: وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ وجاءته وُفُود الْعَرَب قاطبة وَأسلم أهل الْيمن وملوك حمير، وَبعث عليا ﵁ إِلَى الْيمن فَقَرَأَ كِتَابه عَلَيْهِم فَأسْلمت هَمدَان كلهَا فِي يَوْم وَاحِد. ثمَّ تتَابع أهل الْيمن على الْإِسْلَام وَكتب إِلَيْهِ ﷺ َ - بذلك فَسجدَ شكرا لله تَعَالَى، ثمَّ أَمر عليا بِأخذ صدقَات نَجْرَان وجزيتهم فَفعل وَعَاد فلقي رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فِي حجَّة الْوَدَاع (ذكر حجَّة الْوَدَاع) خرج ﷺ َ - حَاجا لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة وَاخْتلف فِي حجَّته هَل كَانَ قرانا أَو تمتعا أَو إفرادا وَالْأَظْهَر الْقرَان، حج ﷺ َ - وَلَقي عليا ﵁ محرما فَقَالَ: " حل كَمَا حل أَصْحَابك " فَقَالَ إِنِّي أَهلَلْت بِمَا أهل بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فَبَقيَ على إِحْرَامه، وَنحر رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - الْهَدْي عَنهُ، وَعلم ﷺ َ - النَّاس مَنَاسِك الْحَج وَالسّنَن وَنزلت ﴿الْيَوْم يئس الَّذين كفرُوا من دينكُمْ فَلَا تخشوهم واخشون الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ . فَبكى أَبُو بكر ﵁ لما سَمعهَا كَأَنَّهُ استشعر أَن لَيْسَ بعد الْكَمَال إِلَّا النُّقْصَان وَأَنه قد نعيت إِلَيْهِ ﷺ َ - نَفسه وخطب النَّبِي النَّاس بِعَرَفَة خطْبَة بَين فِيهَا الْأَحْكَام مِنْهَا " يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر وَإِن الزَّمَان اسْتَدَارَ كَهَيئَةِ يَوْم خلق اللَّهِ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَإِن عدَّة الشُّهُور عِنْد اللَّهِ اثْنَا عشر شهرا " وتمم حجه وَسميت حجَّة الْوَدَاع لِأَنَّهُ لم يحجّ بعْدهَا . ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى عشرَة: (ذكر وَفَاته ﷺ َ -) أَقَامَ ﷺ َ - بِالْمَدِينَةِ بعد قدومه من حجَّة الْوَدَاع حَتَّى خرجت سنة عشر وَالْمحرم ومعظم صفر من سنة إِحْدَى عشرَة وابتدأ بِهِ مَرضه فِي أَوَاخِر صفر قيل لليلتين بَقِيَتَا مِنْهُ وَهُوَ فِي بَيت زَيْنَب بنت جحش، وَكَانَ يَدُور على نِسَائِهِ حَتَّى اشْتَدَّ مَرضه فِي بَيت مَيْمُونَة بنت الْحَارِث

стр. 127

فَجمع نِسَاءَهُ واستأذنهن أَن يمرض فِي بَيت إِحْدَاهُنَّ فَأذن لَهُ أَن يمرض فِي بَيت عَائِشَة ﵂ فانتقل إِلَيْهَا. وَكَانَ قد جهز جَيْشًا مَعَ مَوْلَاهُ أُسَامَة بن زيد وأكد فِي مسيره فِي مَرضه، وَعَن عَائِشَة قَالَت: " جَاءَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَبِي صداع وَأَنا أَقُول وارأساه قَالَ بل أَنا يَا عَائِشَة أَقُول وارأساه ثمَّ قَالَ مَا ضرك لَو مت قبلي فَقُمْت عَلَيْك وكفنتك وَصليت عَلَيْك ودفنتك فَقلت كَأَنِّي بك وَالله لَو فعلت ذَلِك وَرجعت إِلَى بَيْتِي تعزيت بِبَعْض نِسَائِك فَتَبَسَّمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - ". وَفِي أثْنَاء مَرضه وَهُوَ فِي بَيت عَائِشَة خرج بَين الْفضل بن الْعَبَّاس وَعلي بن أبي طَالب ﵄ حَتَّى جلس على الْمِنْبَر فَحَمدَ اللَّهِ ثمَّ قَالَ: " يَا أَيهَا النَّاس من كنت جلدت لَهُ ظهرا فَهَذَا ظَهْري فليستقد مني وَمن كنت شتمت لَهُ عرضا فَهَذَا عرضي فليسقد مِنْهُ وَمن أخذت لَهُ مَالا فَهَذَا مَالِي فليأخذ مِنْهُ وَلَا يخْشَى الشحناء من قبلي فَإِنَّهَا لَيست من شأني ". ثمَّ نزل وَصلى الظّهْر ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَر فَعَاد إِلَى مقَالَته فَادّعى عَلَيْهِ رجل ثَلَاثَة دَرَاهِم فَأعْطَاهُ عوضهَا ثمَّ قَالَ: " أَلا أَن فضوح الدُّنْيَا أَهْون من فضوح الْآخِرَة " ثمَّ صلى على أَصْحَاب اُحْدُ واستغفر لَهُم ثمَّ قَالَ: " إِن عبدا خَيره اللَّهِ بَين الدُّنْيَا وَبَين مَا عِنْده فَاخْتَارَ مَا عِنْده " فَبكى أَبُو بكر وَقَالَ: فَدَيْنَاك بِأَنْفُسِنَا، ثمَّ أوصى بالأنصار وَلما اشْتَدَّ بِهِ وَجَعه قَالَ: " ائْتُونِي بداوة وبيضاء أكتب لكم كتابا لَا تضلون بعدِي أبدا " فتنازعوا، فَقَالَ: " لَا يَنْبَغِي عِنْد نَبِي تنَازع ". فَقَالُوا إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - يهجر فَذَهَبُوا يعيدون عَلَيْهِ فَقَالَ: " دَعونِي فَمَا أَنا فِيهِ خير مِمَّا تَدعُونِي إِلَيْهِ ". وَكَانَ فِي أَيَّام مَرضه يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَإِنَّمَا انْقَطع ثَلَاثَة أَيَّام فَلَمَّا أذن بِالصَّلَاةِ أول مَا انْقَطع قَالَ: " مروا أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ ". قلت: وَسَار فَاطِمَة ﵂ فِي مَرضه فَبَكَتْ، ثمَّ سَارهَا فَضَحكت فَلَمَّا مَاتَ أخْبرت بِأَنَّهُ قَالَ لي فِي الأولى إِنِّي ميت من وجعي هَذَا فَبَكَيْت، وَقَالَ فِي الثَّانِيَة إِنَّك أول أَهلِي لُحُوقا بِي فَضَحكت، فَكَانَ كَمَا قَالَ، وَالله أعلم. وتزايد بِهِ مَرضه حَتَّى توفّي يَوْم الأثنين ضحوة النَّهَار وَقيل نصفه، قَالَت عَائِشَة: " رَأَيْت رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَهُوَ يَمُوت وَعِنْده قدح فِيهِ مَاء يدْخل يَده فِي الْقدح ثمَّ يمسح وَجهه بِالْمَاءِ ثمَّ يَقُول اللَّهُمَّ أَعنِي على سَكَرَات الْمَوْت قَالَت وَثقل فِي حجري فَذَهَبت أنظر فِي وَجهه وَإِذا بَصَره قد شخص وَهُوَ يَقُول بل الرقيف الْأَعْلَى فَلَمَّا قبض وضعت رَأسه على وسَادَة ". ووفاته ﷺ َ - يَوْم الْإِثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول فعلى هَذِه الرِّوَايَة يَوْم وَفَاته مُوَافق ليَوْم مولده وَلما مَاتَ ارْتَدَّ أَكثر الْعَرَب إِلَّا أهل الْمَدِينَة وَمَكَّة والطائف فَلم يدخلهَا ردة .

стр. 128

وَكَانَ عَامل رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - على مَكَّة عتاب بن أسيد فاستخفى خوفًا على نَفسه فارتجت مَكَّة وَكَاد أَهلهَا يرتدون فَقَامَ سُهَيْل بن عَمْرو على بَاب الْكَعْبَة وَصَاح بِقُرَيْش وَغَيرهم فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أهل مَكَّة كُنْتُم آخر من أسلم فَلَا تَكُونُوا أول من ارْتَدَّ وَالله لَيتِمَّن اللَّهِ هَذَا الْأَمر كَمَا قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -، فَامْتنعَ أهل مَكَّة من الرِّدَّة وَتَوَلَّى غسله عَليّ وَالْعَبَّاس وَالْفضل وَقثم ابْنا الْعَبَّاس وَأُسَامَة بن زيد وشقران مولى النَّبِي ﷺ َ - فَكَانَ الْعَبَّاس وابناه يقلبونه وَأُسَامَة وشقران يصبَّانِ المَاء وَعلي يغسلهُ وَعَلِيهِ قَمِيصه وَهُوَ يَقُول: بِأبي أَنْت وَأمي طبت حَيا وَمَيتًا وَلم ير مِنْهُ مَا يرى من الْمَيِّت. وكفن فِي ثَلَاثَة اثواب ثَوْبَيْنِ صحاريين وَبرد حبرَة أدرج فِيهَا إدراجا وَدفن تَحت فرَاشه الَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ وحفر لَهُ أَبُو طَلْحَة الأنصارى وَنزل فِي قَبره عَليّ وَالْفضل وَقثم. قلت: وصلوا عَلَيْهِ أفذاذا، وَالله أعلم. وَدفن قيل يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي يَوْم وَفَاته وَقيل لَيْلَة الْأَرْبَعَاء وَهُوَ الْأَصَح وَقيل بَقِي ثَلَاثًا لم يدْفن. قلت: وسمعوا صَوتا من السَّمَاء بعد مَوته ﷺ َ - يُنَادي وامحمداه وَهَذِه مُصِيبَة أصيبها الْمُسلمُونَ لم يصابوا قطّ بِمِثْلِهَا كل مُصِيبَة تهون عِنْدهَا، وَالله أعلم. (صفته ﷺ َ -) وَصفه عَليّ ﵁ فَقَالَ: لَيْسَ بالطويل وَلَا بالقصير ضخم الرَّأْس كث اللِّحْيَة شثن الْكَفَّيْنِ والقدمين ضخم الكراديس مشربا وَجهه بحمرة وَقيل كَانَ أدعج الْعَينَيْنِ سبط الشّعْر سهل الْخَدين كَأَن عُنُقه إبريق فضه. وَقَالَ أنس لم يشنه اللَّهِ بالشيب كَانَ فِي مقدم لحيته عشرُون شَعْرَة بَيْضَاء وَفِي مفرق رَأسه شَعرَات بيض وَرُوِيَ أَنه كَانَ يخضب بِالْحِنَّاءِ والكتم وَكَانَ بَين كَتفيهِ خَاتم النُّبُوَّة وَهُوَ بضعَة نَاشِزَة حولهَا شعر مثل بَيْضَة الْحَمَامَة تشبه جسده وَقيل كَانَ لَوْنهَا أَحْمَر. (خلقه ﷺ َ -) كَانَ أرجح النَّاس عقلا وأفضلهم رَأيا يكثر الذّكر ويقل اللَّغْو دَائِم الْبشر مطيل الصمت لين الْجَانِب سهل الْخلق، وَكَانَ عِنْده الْقَرِيب والبعيد وَالْقَوِي والضعيف فِي الْحق سَوَاء يحب الْمَسَاكِين وَلَا يحقر فَقِيرا لفقره وَلَا يهاب ملكا لملكه يؤلف قُلُوب أهل الشّرف ويؤلف أَصْحَابه وَلَا ينفرهُمْ.

стр. 129

يصابر من جالسه حَتَّى يكون الرجل هُوَ المنصرف وَمَا صافحه أحد فَترك يَده حَتَّى يكون ذَلِك هُوَ الَّذِي يتْرك يَده يتفقد أَصْحَابه وَيسْأل النَّاس عَمَّا فِي النَّاس يحلب العنز وَيجْلس على الأَرْض ويخصف النَّعْل ويرقع الثَّوْب. خرج من الدُّنْيَا وَلم يشْبع من الْخبز الشّعير، يَأْتِي على آل مُحَمَّد الشَّهْر والشهران لَا يُوقد فِي بَيت من بيوته نَار إِن هُوَ إِلَّا التَّمْر وَالْمَاء وَكَانَ يعصب على بَطْنه الْحجر من الْجُوع. وَأَوْلَاده كلهم من خَدِيجَة إِلَّا إِبْرَاهِيم فَمن مَارِيَة ولد فِي سنة ثَمَان فِي ذِي الْحجَّة وَتُوفِّي سنة عشر، قَالَ المَسْعُودِيّ: عَاشَ سنة وَعشرَة أشهر. وَأَوْلَاده الذُّكُور من خَدِيجَة الْقَاسِم وَبِه يكنى وَالطّيب والطاهر وَعبد اللَّهِ وماتوا صغَارًا، وَالْإِنَاث أَربع فَاطِمَة زوج عَليّ، وَزَيْنَب زوج أبي الْعَاصِ وَفرق بَينهمَا ﷺ َ - بِالْإِسْلَامِ ثمَّ ردهَا إِلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الأول لما أسلم، ورقية، وَأم كُلْثُوم تزوج بهما عُثْمَان مُرَتبا. قلت: وَتُوفِّي جَمِيع أَوْلَاده فِي حَيَاته غير فَاطِمَة ﵃، وَالله أعلم . (زَوْجَاته ﷺ َ -) وزوجاته خمس عشرَة دخل بِثَلَاث عشرَة وَجمع بَين إِحْدَى عشرَة وَقيل دخل بِإِحْدَى عشرَة وَتُوفِّي عَن تسع غير سريته مَارِيَة وَهن عَائِشَة بنت أبي بكر، وَحَفْصَة بنت عمر، وَسَوْدَة بنت زَمعَة، وَزَيْنَب بنت جحش، ومَيْمُونَة، وَصفِيَّة، وَجُوَيْرِية، وَأم حَبِيبَة، وَأم سَلمَة ﵃. (وَكتابه ﷺ َ -) أَبُو بكر، وَعمر، وَعُثْمَان، وَعلي، وَأبي بن كَعْب وَهُوَ اول من كتب لَهُ، وَزيد بن ثَابت، وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، وَكتب لَهُ عبد اللَّهِ بن سعيد بن أبي سرح ارْتَدَّ ثمَّ أسلم يَوْم الْفَتْح. قلت: وعماته سِتّ أم حَكِيم، وَهِي الْبَيْضَاء، وبرة، وعاتكة، وَصفِيَّة، وأروى ، وَأُميَّة. " وسرارية " مَارِيَة، وَرَيْحَانَة بنت زيد، وَجَارِيَة وهبتها لَهُ زَوجته زَيْنَب، وَأُخْرَى أَصَابَهَا فِي السَّبي. " ومواليه " سِتَّة وَخَمْسُونَ: أسلم ويكنى أَبَا رَافع، وأحمر ويكنى أَبَا عسيب، وَأُسَامَة بن زيد، وأفلح، وأنسه ويكنى أَبَا سرح، وأيمن بن أم أَيمن، وثوبان ويكنى أَبَا عبد اللَّهِ، وذكوان وَقيل هُوَ مهْرَان وَقيل هُوَ طهْمَان، وَرَافِع، ورباح الْأسود الْآذِن عَلَيْهِ، وَزيد بن حَارِثَة، وَزيد بن بولا، وسابق، وَسَالم، وسلمان الْفَارِسِي أَعَانَهُ النَّبِي ﷺ َ - فِي كِتَابَته، وسليم ويكنى أَبَا كَبْشَة، وَسعد، وَأَبُو كندر، وشقران واسْمه صَالح، وضميرة بن

стр. 130

أبي ضميرَة، وَعبيد اللَّهِ بن أسلم، وَعبيد بن عبد الْغفار، وفضالة الْيَمَانِيّ، وكيسان ومهران، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن وَهُوَ سفينة، ومدعم، وَنَافِع، ونفيع وكنيته أَبُو بكرَة، وَنبيه، وواقد، ووردان، وَهِشَام، ويسار، وَأَبُو أثيلة، وَأَبُو الْحَمْرَاء، وَأَبُو رَافع، ووالد الْبَهِي، وَأَبُو ضَمرَة، وَأَبُو عبيد واسْمه سعد، وَأَبُو مريهبة، وَأَبُو وَاقد، وكركره، ومابور، وَأَبُو لبَابَة، وَأَبُو لَقِيط، وَأَبُو هِنْد. " ومولياته " أم أَيمن وَاسْمهَا بركَة، وَأُمَيْمَة، وحيضرة، ورضوى، وَرَيْحَانَة، وسلمى، ومارية، ومَيْمُونَة بنت سعد، ومَيْمُونَة بنت أبي عسيب، وَأم ضَمرَة، وَأم عَيَّاش. " ومراكبه " السكب أول خيله، والمرتجز اشْتَرَاهُ من الْأَعرَابِي وَشهد فِيهِ خُزَيْمَة، واللزاز أهداه الْمُقَوْقس، والظرف، والورد، والنحيف كَانَ سَرْجه من لبد وَيُقَال اللحيف، واليعسوب، وَكَانَت لَهُ النَّاقة العضباء، وَهِي الْقَصْوَاء وَهِي الجدعاء وَلم يكن بهَا غضب وَلَا جدع، وحمار يُقَال لَهُ عفير، وَالله أعلم. " وسلاحه " سَيْفه ذُو الفقار غنمه ببدر من مُنَبّه بن الْحجَّاج السَّهْمِي وَقيل من غَيره والفقار الْحفر، وَثَلَاثَة أسياف غنمها من بني قينقاع وَقدم مَعَه إِلَى الْمَدِينَة لما هَاجر سيفان شهد بِأَحَدِهِمَا بَدْرًا ورماح وَثَلَاث قسي ودرعان وترس كَانَ فِيهِ تِمْثَال فَأصْبح وَقد أذهبه اللَّهِ. " وغزواته " سبع وَعِشْرُونَ وَقيل أقل، قَاتل ﷺ َ - مِنْهَا فِي تسع: بدر، وَأحد، والمريسيع، وَالْخَنْدَق، وَقُرَيْظَة، وخيبر، وَالْفَتْح، وحنين، والطائف؛ وَرُوِيَ أَنه قَاتل فِي بني النَّضِير، وَفِي غزَاة وَادي الْقرى مُنْصَرفه من خَيْبَر، وَفِي الغابة. " وسراياه " سِتّ وَخَمْسُونَ سَرِيَّة وَهَذِه الْأَعْدَاد هِيَ الْمُعْتَمدَة من الْكتب الْمُعْتَمدَة قلت: " ومؤذنوه " بِلَال بن رَبَاح أَوَّلهمْ، وَعَمْرو بن أم مَكْتُوم الْأَعْمَى، وَأَبُو مَحْذُورَة الجُمَحِي. و" كَانَ يضْرب الرّقاب بَين يَدَيْهِ " عَليّ، وَابْن الزبير، وَمُحَمّد بن سَلمَة، والمقداد، وَعَاصِم بن أبي الْأَفْلَح. " وحرسه " إِلَى أَن عصمه اللَّهِ من النَّاس سعد بن أبي وَقاص، وَسعد بن معَاذ وَعباد بن بشر، وَأَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ، وذكوان بن عبد قيس، وَمُحَمّد بن مسلمة، وبلال وَالله أعلم. (ذكر أَصْحَابه) الْأَكْثَر على أَن الصَّحَابِيّ كل من اسْلَمْ وَرَأى النَّبِي ﷺ َ - وَصَحبه وَإِن لم يرَوا وَإِن لم تطل صحبته وَقيل إِن طَالَتْ الصُّحْبَة فَهُوَ صَحَابِيّ وَقيل إِن اجْتمع الْأَمْرَانِ، وَأما عَددهمْ على القَوْل الْأَكْثَر فَروِيَ أَنه سَار عَام فتح مَكَّة فِي عشرَة آلَاف مُسلم، وَفِي حنين فِي اثْنَتَيْ عشر ألفا؛ وَفِي حجَّة الْوَدَاع فِي أَرْبَعِينَ ألفا؛ وَكَانُوا عِنْد وَفَاته مائَة ألف وَأَرْبَعَة وَعشْرين ألفا.

стр. 131

قلت: قَالَ أَبُو زرْعَة: قبض رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - عَن مائَة ألف وَأَرْبَعَة عشر ألفا من الصَّحَابَة مِمَّن روى عَنهُ وَسمع مِنْهُ. " وأفضلهم الْعشْرَة " أَبُو بكر، وَعمر، وَعُثْمَان، وَعلي، وَطَلْحَة بن عبيد اللَّهِ، وَالزُّبَيْر بن الْعَوام، وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَسعد بن أبي وَقاص، وَسَعِيد بن زيد، وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح ، والمهاجرون أفضل من الْأَنْصَار على الْإِجْمَال وَأما على التَّفْصِيل فسباق الْأَنْصَار أفضل من متأخري الْمُهَاجِرين. وَمِنْهُم " أهل الصّفة " فُقَرَاء لَا منَازِل لَهُم وَلَا عشائر ينامون فِي الْمَسْجِد ويظلون فِيهِ، و " صفة " الْمَسْجِد مثواهم فنسبوا إِلَيْهَا كَانَ يعشي مَعَه بَعضهم وَيفرق بَعضهم على الصَّحَابَة يعشونهم، وَمن مشاهيرهم أَبُو هُرَيْرَة وواثلة بن الْأَسْقَع وَأَبُو ذَر ﵃. وَفِي مُدَّة مَرضه ﷺ َ - قتل " الْأسود الْعَنسِي " عبهلة بن كَعْب وَيُقَال لَهُ ذُو الْخمار لِأَنَّهُ كَانَ يَقُول: يأتيني ذُو خمار شعبذ وَأرى الْجُهَّال الْأَعَاجِيب، وسبى بمنطقة وتنبأ كذبا وكاتبه أهل نَجْرَان وأخرجوا عَمْرو بن حزم وخَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ وسلموهما إِلَى الْأسود، ثمَّ ملك صنعاء وَصفا لَهُ ملك الْيمن واستفحل أمره وَكَانَ خَلِيفَته فِي مذْحج عَمْرو بن معدي كرب. فَلَمَّا بلغ النَّبِي ﷺ َ - ذَلِك بعث رَسُولا إِلَى الأنبار وَأمرهمْ أَن يخاذلوا الْأسود إِمَّا غيلَة وَإِمَّا مصادمة، وَأَن يستنجدوا رجَالًا من حمير وهمدان. وَكَانَ الْأسود قد تغير على قيس بن عبد يَغُوث فَاجْتمع بِهِ جمَاعَة مِمَّن كاتبهم النَّبِي ﷺ َ - وتحدثوا فِي قتل الْأسود فوافقهم واجتمعوا بِامْرَأَة الْأسود، وَكَانَ الْأسود قد قتل أَبَاهَا فَقَالَت: وَالله إِنَّه أبْغض النَّاس إِلَيّ وَلَكِن الحرس محيطون بقصرة فانقبوا عَلَيْهِ الْبَيْت، فواعدوها على ذَلِك ونقبوا الْبَيْت وَدخل عَلَيْهِ شخص اسْمه فَيْرُوز الديلمي فَقتل الْأسود وَاحْترز رَأسه فخار خوار الثور فابتدر الحرس فَقَالَت زَوجته: هَذَا النَّبِي يُوحى إِلَيْهِ، فَلَمَّا طلع الْفجْر أمروا الْمُؤَذّن فَقَالَ: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ وَأَن عبهلة كَذَّاب، وَكتب أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - بذلك فورد الْخَبَر من السَّمَاء إِلَى النَّبِي ﷺ َ - وَأعلم أَصْحَابه بقتل الْأسود وَوصل الْكتاب بقتل الْأسود فِي خلَافَة أبي بكر كَمَا قَالَ ﷺ َ -. وروى عبد اللَّهِ بن أبي بكر أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " أَيهَا النَّاس إِنِّي قد رَأَيْت لَيْلَة الْقدر ثمَّ انتزعت مني وَرَأَيْت فِي يَدي سِوَارَيْنِ من ذهب فكرهتمها فَنَفَخْتهمَا فطَارَا فَأَوَّلْتهمَا هذَيْن الْكَذَّابين صَاحب الْيَمَامَة وَصَاحب صنعاء وَلنْ تقوم السَّاعَة حَتَّى يخرج ثَلَاثُونَ دجالًا كلهم يزْعم أَنه نَبِي "، وَقتل الْأسود قبل وَفَاته ﷺ َ - بِيَوْم وَلَيْلَة وَأول خُرُوجه إِلَى أَن قتل أَرْبَعَة أشهر، وَسَيَأْتِي ذكر مُسَيْلمَة صَاحب الْيَمَامَة .

стр. 132

(أَخْبَار أبي بكر الصّديق وخلافته ﵁ وَلما قبض اللَّهِ نبيه ﷺ َ - قَالَ عمر: من قَالَ إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - مَاتَ عَلَوْت رَأسه بسيفي هَذَا وَإِنَّمَا ارْتَفع إِلَى السَّمَاء، فَقَرَأَ أَبُو بكر ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ فَرجع الْقَوْم إِلَى قَوْله. وَبَادرُوا " سَقِيفَة بني سَاعِدَة " فَبَايع عمر أَبَا بكر وأنثال النَّاس يبايعونه فِي الْعشْر الْأَوْسَط من ربيع الأول سنة إِحْدَى عشرَة خلا جمَاعَة من بني هَاشم، وَالزُّبَيْر، وَعتبَة بن أبي لَهب، وخَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ، والمقداد بن عَمْرو، وسلمان الْفَارِسِي، وَأَبُو ذَر، وعمار بن يَاسر، والبراء بن عَازِب، وَأبي بن كَعْب، وَأَبُو سُفْيَان من بني أُميَّة؛ ومالوا مَعَ عَليّ ﵃ وَقَالَ فِي ذَلِك عتبَة بن أبي لَهب: (مَا كنت أَحسب أَن الْأَمر منصرف ... عَن هَاشم ثمَّ مِنْهُم عَن أبي حسن) (عَن أول النَّاس إِيمَانًا وسابقة ... وَاعْلَم النَّاس بِالْقُرْآنِ وَالسّنَن) (وَآخر النَّاس عهدا بِالنَّبِيِّ وَمن ... جِبْرِيل عون لَهُ فِي الْغسْل والكفن) (من فِيهِ مَا فيهم لَا يمترون بِهِ ... وَلَيْسَ فِي الْقَوْم مالله فِيهِ من الْحسن) وروى الزُّهْرِيّ عَن عَائِشَة أَن عليا لم يُبَايع حَتَّى مَاتَت فَاطِمَة ﵂ بعد سِتَّة أشهر لمَوْت أَبِيهَا ﷺ َ - فَأرْسل عَليّ إِلَى أبي بكر فَأَتَاهُ فِي منزله فَبَايعهُ وَقَالَ عَليّ مَا نفسنا عَلَيْك مَا سَاقه اللَّهِ إِلَيْك من فضل وَخير وَلَكنَّا نرى إِن لنا فِي هَذَا الْأَمر شَيْئا فاستبددت بِهِ دُوننَا وَمَا ننكر فضلك. وَلما اسْتخْلف أَبُو بكر كَانَ أُسَامَة بن زيد مبرزا، وَكَانَ عمر من جملَة جَيش أُسَامَة على مَا عينه رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - ثمَّ خرج أَبُو بكر إِلَى معسكر أُسَامَة واستحضهم وشيعهم وَهُوَ ماش وَأُسَامَة رَاكب فَقَالَ أُسَامَة: يَا خَليفَة رَسُول اللَّهِ وَالله لتركبن أَو لأنزلن فَقَالَ أَبُو بكر: وَالله لَا تنزلن وَلَا ركبت وَمَا عَليّ أَن أغبر قدمي سَاعَة فِي سَبِيل اللَّهِ، وَلما أَرَادَ الرُّجُوع قَالَ أَبُو بكر لأسامة إِن رَأَيْت أَن تعينني بعمر فافعل، فَأذن أُسَامَة لعمر فِي الْمقَام. وَفِي أَيَّام أبي بكر ﵁ " ادَّعَت سجَاح بنت الْحَارِث بن سُوَيْد التميمة النُّبُوَّة " واتبعهما بَنو تَمِيم وأخوالها من تغلب وَغَيرهم من بني ربيعَة، وقصدت مُسَيْلمَة الْكذَّاب وَلما وصلت إِلَيْهِ قصدت الِاجْتِمَاع بِهِ فَقَالَ لَهَا ابعدي أَصْحَابك فَفعلت فَضرب لَهَا قبَّة مبخرة فَقَالَت لَهُ: مَاذَا أُوحِي إِلَيْك، وَقَالَ: مَاذَا أُوحِي إِلَيْك فَكل مِنْهَا أبدى منطقا ركيكا سمجا بَارِدًا، وأنشدها شعرًا. قلت: حذفت مَا قَالَاه وحذفت الشّعْر لقبحه وصنت هَذَا الْكتاب، وَالله أعلم. فأقامت عِنْده ثَلَاثًا ثمَّ انصرفت وَلم تزل فِي أخوالها من تغلب حَتَّى نفاهم مُعَاوِيَة عَام بُويِعَ فَأسْلمت سجَاح وَمَاتَتْ بِالْبَصْرَةِ. وَفِي أَيَّامه أَيْضا " قتل مُسَيْلمَة الْكذَّاب " أرسل أَبُو بكر خَالِدا بِجَيْش فقاتل مُسَيْلمَة

стр. 133

وَهزمَ مُسَيْلمَة وَمن مَعَه وَقَتله وَحشِي بالحربة الَّتِي قتل بهَا حَمْزَة بشركه رجل من الْأَنْصَار. قلت: لما عزي رَسُول اللَّهِ بِحَمْزَة حِين قَتله وَحشِي بِأحد قَالَ بَعضهم ويل لوحشي من النَّار فَقَالَ ﷺ َ -: " أما حَمْزَة فَأَجله قد انْقَضى وَأما وَحشِي فَسَوف يدْرك الشّرف من بعده ". فَقَالُوا كَيفَ يَا رَسُول اللَّهِ قَالَ: " هُوَ يقتل مُسَيْلمَة الْكذَّاب " فَكَانَ كَمَا قَالَ ﷺ َ -. كَانَ مقَام مُسَيْلمَة بِالْيَمَامَةِ وَقدم على النَّبِي ﷺ َ - فِي وَفد بني حنيفَة فَأسلم ثمَّ ارْتَدَّ وَادّعى النُّبُوَّة اسْتِقْلَالا ثمَّ مُشَاركَة مَعَ النَّبِي ﷺ َ -، وَقتل فِي قِتَاله جمَاعَة من الْقُرَّاء من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فَلذَلِك أَمر أَبُو بكر بِاتِّفَاق من عَليّ بن أبي طَالب وَسَائِر الصَّحَابَة ﵃ بِجمع الْقُرْآن فِي مصحف وَأحد وَترك عِنْد حَفْصَة زوج النَّبِي ﷺ َ - (فَائِدَة) قلت: قَالَ الشَّيْخ مُحي الدّين النَّوَوِيّ فِي (كتاب التِّبْيَان فِي آدَاب حَملَة الْقُرْآن) : إِن الْقُرْآن الْعَزِيز كَانَ مؤلفا فِي زمن النَّبِي ﷺ َ - على مَا هُوَ فِي الْمَصَاحِف الْيَوْم وَلَكِن لم يكن مجموعا فِي مصحف وَاحِد بل كَانَ مَحْفُوظًا فِي صُدُور الرِّجَال فَكَانَ طوائف من الصَّحَابَة يَحْفَظُونَهُ كُله وَطَوَائِف يحفظون أبعاضا مِنْهُ فَلَمَّا كَانَ زمن أبي بكر الصّديق وَقتل كثير من حَملَة الْقُرْآن كتبه فِي مصحف وَجعله فِي بَيت حَفْصَة، وَالله أعلم. وَلما كَانَ زمن عُثْمَان ﵁ وَرَأى اخْتِلَاف النَّاس فِي الْقرَاءَات كتب من ذَلِك الْمَكْتُوب الَّذِي عِنْد حَفْصَة الَّذِي أَجمعت الصَّحَابَة عَلَيْهِ مصاحف وأرسلها إِلَى الْأَمْصَار وأبطل مَا سواهَا وَذَلِكَ بِاتِّفَاق مِنْهُ وَمن عَليّ بن أبي طَالب وَسَائِر الصَّحَابَة ﵃. وَفِي أَيَّام أبي بكر منعت بَنو يَرْبُوع الزَّكَاة وَكَبِيرهمْ مَالك بن نُوَيْرَة فَارس شَاعِر قدم على النَّبِي ﷺ َ - وَأسلم فولاه صَدَقَة قومه فَلَمَّا منع الزَّكَاة أرسل أَبُو بكر إِلَيْهِ خَالِدا فِي معنى الزَّكَاة فَقَالَ مَالك: أَنا آتِي بِالصَّلَاةِ دون الزَّكَاة، فَقَالَ خَالِد: أما علمت أَن الصَّلَاة وَالزَّكَاة مَعًا لَا تقبل وَاحِدَة دون الْأُخْرَى، فَقَالَ مَالك: قد كَانَ صَاحبكُم يَقُول ذَلِك، قَالَ خَالِد: وَمَا ترَاهُ لَك صاحبا وَالله لقد هَمَمْت أَن أضْرب عُنُقك، ثمَّ تجاولا فِي الْكَلَام فَقَالَ خَالِد: إِنِّي قَاتلك، قَالَ: أَو بذلك أَمرك صَاحبك، قَالَ: وَهَذِه بعد تِلْكَ، وَكَانَ عبد اللَّهِ بن عمر وَأَبُو قَتَادَة الْأنْصَارِيّ حاضرين فَكلما خَالِدا فِي أمره فكره كَلَامهمَا فَقَالَ مَالك: يَا خَالِد ابعثنا إِلَى أبي بكر فَيكون هُوَ الَّذِي يحكم فِينَا فَقَالَ خَالِد لَا أقالني اللَّهِ إِن أقلتك وَتقدم إِلَى ضرار بن الْأَزْوَر بِضَرْب عُنُقه فَالْتَفت مَالك إِلَى زَوجته وَقَالَ لخَالِد هَذِه الَّتِي قتلتني وَكَانَت فِي غَايَة الْجمال فَقَالَ خَالِد بل اللَّهِ قَتلك برجوعك عَن الْإِسْلَام فَقَالَ مَالك أَنا على الْإِسْلَام فَقَالَ خَالِد يَا ضرار عُنُقه فَضرب عُنُقه وَجعل رَأسه أثفية وَقبض خَالِد امْرَأَته قيل

стр. 134

اشْتَرَاهَا من الْفَيْء وَقيل اعْتدت بِثَلَاث حيض وَتَزَوجهَا وَقَالَ لِابْنِ عمر وَلأبي قَتَادَة احضرا النِّكَاح فأبيا، وَفِي ذَلِك يَقُول الشَّاعِر: (أَلا قل لحي أوطؤا بالسنابك ... تطاول هَذَا اللَّيْل من بعد مَالك) (قضى خَالِد بغيا عَلَيْهِ بعرسه ... وَكَانَ لَهُ فِيهَا هوى قبل ذَلِك) (فَأمْضى هَوَاهُ خَالِد غير عاطف ... عنان الْهوى عَنْهَا وَلَا متمالك) (فَأصْبح ذَا أهل وَأصْبح مَالك ... إِلَى غير أهل هَالكا فِي الهوالك) وقبح عمر عِنْد أبي بكر فعل خَالِد فَقَالَ أَبُو بكر: إِن خَالِدا تَأَول فَأَخْطَأَ، فَقَالَ اعزله قَالَ: مَا كنت أغمد سَيْفا سَله اللَّهِ عَلَيْهِم، وَندب متمم بن نُوَيْرَة أَخَاهُ مَالِكًا بالأشعار فَمن ذَلِك قصيدة مِنْهَا: (وَكُنَّا كندماني جذيمة حقبه ... من الدَّهْر حَتَّى قيل لن يتصدعا) (وعشنا بِخَير فِي الْحَيَاة وَقَبلنَا ... أصَاب المنايا رَهْط كسْرَى وتبعا) (فَلَمَّا تفرقنا كَأَنِّي ومالكا ... لطول اجْتِمَاع لم نبت لَيْلَة مَعًا) وَفِي أَيَّام أبي بكر الصّديق فتحت الْحيرَة بالأمان على الْجِزْيَة " ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَسنة ثَلَاث عشرَة " وفيهَا: " وقْعَة اليرموك " الَّتِي كَانَت سَبَب فتوح الشَّام وَكَانَت سنة ثَلَاث عشرَة، وَبلغ هِرقل وَكَانَ بحمص هزيمَة الرّوم باليرموك فَرَحل وَجعل حمص بَينه وَبَين الْمُسلمين وَلما فرغ خَالِد وَأَبُو عُبَيْدَة من اليرموك قصدا دمشق فَجمع صَاحب بصرى الجموع ثمَّ ان الرّوم طلبُوا الصُّلْح فصولحوا على كل رَأس بِدِينَار وجريب حِنْطَة. وَاخْتلف فِي " وَفَاة أبي بكر " ﵁ فَقيل سَببهَا أَن الْيَهُودِيَّة سمته فِي أرز، وَقيل فِي حسو فَأكل هُوَ والْحَارث بن كلدة فَقَالَ الْحَارِث: أكلنَا طَعَاما مسموما سم سنة، فماتا بعد سنة، وَعَن عَائِشَة أَنه اغْتسل وَكَانَ يَوْمًا بَارِدًا فَحم خَمْسَة عشر يَوْمًا لَا يخرج إِلَى صَلَاة وَأمر عمر أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ وعهد بالخلافة إِلَى عمر، ثمَّ توفّي مسَاء لَيْلَة الثُّلَاثَاء بَين الْمغرب وَالْعشَاء لثمان بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة فخلافته سنتَانِ وَثَلَاثَة أشهر وَعشر لَيَال وعمره ثَلَاث وَسِتُّونَ، وغسلته زَوجته أَسمَاء بنت عُمَيْس وَحمل على السرير الَّذِي حمل عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ َ - وَصلى عَلَيْهِ عمر فِي مَسْجِد رَسُول اللَّهِ بَين الْقَبْر والمنبر وَأوصى أَن يدْفن إِلَى جنب رَسُول اللَّهِ فحفر لَهُ وَجعل رَأسه عِنْد كَتِفي رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَكَانَ ﵁ حسن الْقَامَة خَفِيف العارضين معروق الْوَجْه غائر الْعَينَيْنِ ناتئ الْجَبْهَة أجنى عاري الأشاجع يخضب بِالْحِنَّاءِ والكتم. (خلَافَة عمر بن الْخطاب) ابْن نفَيْل بن عبد الْعُزَّى ﵁، بُويِعَ بالخلافة يَوْم وَفَاة أبي بكر وَقَالَ فِي أول خطبَته: يَا أَيهَا النَّاس وَالله مَا فِيكُم أحد أقوى عِنْدِي من الضَّعِيف حَتَّى آخذ الْحق لَهُ وَلَا

стр. 135

أَضْعَف عِنْدِي من الْقوي حَتَّى أَخذ الْحق مِنْهُ، ثمَّ أول شَيْء أَمر بِهِ عزل خَالِد بن الْوَلِيد ﵁ عَن إمرة الْجَيْش وَولى أَبَا عُبَيْدَة ﵁ على الْجَيْش وَالشَّام وَهُوَ أول من سمي أَمِير الْمُؤمنِينَ ثمَّ نَازل أَبُو عُبَيْدَة دمشق من جِهَة بَاب الْجَابِيَة، وخَالِد من جِهَة بَاب توما وَبَاب شَرْقي، وَعَمْرو بن الْعَاصِ من جِهَة أُخْرَى، وحاصروها نَحْو سبعين لَيْلَة، وَفتح خَالِد مَا يَلِيهِ بِالسَّيْفِ فَخرج أهل دمشق من الْجَانِب الآخر وبذلوا الصُّلْح لأبي عُبَيْدَة، وفتحوا لَهُ الْبَاب فَأَمنَهُمْ فَالتقى مَعَ خَالِد فِي وسط الْبَلَد وَفِي أَيَّام عمر فتح الْعرَاق. ثمَّ دخلت سنة أَربع عشرَة: فِيهَا فِي الْمحرم أَمر عمر بِبِنَاء الْبَصْرَة وَقيل سنة خمس عشرَة. قلت: وَكَانَ ﷺ َ - قد أخبر أَنَّهَا تكون مصرا من الْأَمْصَار فَكَانَ كَمَا قَالَ، وَالله أعلم. وفيهَا توفّي أَبُو قُحَافَة أَبُو أبي بكر الصّديق وعمره سبع وَتسْعُونَ سنة بعد وَفَاة ابْنه أبي بكر ﵄. ثمَّ دخلت سنة خمس عشرَة: فِيهَا فتحت حمص بعد دمشق صَالحهمْ أَبُو عُبَيْدَة بعد حِصَار طَوِيل على مَا صَالح عَلَيْهِ أهل دمشق ثمَّ سَار إِلَى " حماه " وَكَانَت عَظِيمَة زمن سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ وَذكرت فِي أَخْبَار دَاوُد وَسليمَان وَكَذَلِكَ كَانَت زمن اليونان وَفِي الْفتُوح وَقَبله صغرت هِيَ وشيرز وكانتا من عمل حمص وَكَانَت حمص كرْسِي هَذِه الْبِلَاد وَصَالح أهل حماه أَبَا عُبَيْدَة على الْجِزْيَة وَالْخَرَاج وَجعل كنيستهم الْعُظْمَى جَامعا وَهُوَ بِالسوقِ الْأَعْلَى ثمَّ جدد فِي خلَافَة الْمهْدي من بني الْعَبَّاس وَكَانَ مَكْتُوبًا على لوح مِنْهُ أَنه جدد من خراج حمص. ثمَّ صَالح أَبُو عُبَيْدَة أهل " شيرز والمعرة " على صلح أهل حماه، وَكَانَ يُقَال لَهَا معرة حمص، ثمَّ قيل معرة النُّعْمَان بن بشير الْأنْصَارِيّ كَانَت مُضَافَة إِلَيْهِ مَعَ حمص فِي خلَافَة مُعَاوِيَة. قلت: قَالَ ابْن خلكان فِي تَارِيخه إِن النُّعْمَان بن بشير تدبر المعرة فنسبت إِلَيْهِ، وَالله أعلم. ثمَّ فتح أَبُو عُبَيْدَة " اللاذقية " عنْوَة، وجبلة، وأنطرسوس ثمَّ نَازل " قنسرين " وَكَانَت كرْسِي مَمْلَكَته حلب، وَالْيَوْم حلب من أَعمالهَا وَبهَا جمع عَظِيم من الرّوم فتقاتلوا فانتصر الْمُسلمُونَ، ثمَّ صالحوه على صلح حمص على أَن يخربوا الْمَدِينَة فخربت ثمَّ فتح حلب وأنطاكية ومنبج ودلوك وسرمين ويبرين وعزاز وَالشَّام من هَذِه النَّاحِيَة ثمَّ فتح خَالِد مرعش وأجلاهم وخربها وَفتح حصن الْحَدث كل ذَلِك سنة خمس عشرَة وَقيل سِتّ عشرَة. فآيس هِرقل من الشَّام وَسَار إِلَى قسطنطينية من الرها والتفت إِلَى الشَّام عِنْد مسيره وَهُوَ على نشز وَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا سوريا سَلام لَا اجْتِمَاع بعده وَلَا يعود إِلَيْك رومي بعْدهَا إِلَّا خَائفًا حَتَّى يُولد الْوَلَد المشؤوم وليته لم يُولد فَمَا أجل فعله وَأمر فتنته على الرّوم.

стр. 136

ثمَّ فتحت قيسارية وصبصطية وَبهَا قبر يحيى بن زَكَرِيَّاء ﵇، ونابلس ولد ويافا وَتلك الْبِلَاد وَطَالَ حِصَار بَيت الْمُقَدّس واعتاص عَلَيْهِم. قلت: وَكَانَ النَّبِي ﷺ َ - قد قَالَ لعمر ﵁: " إِنَّك ستفتح بَيت الْمُقَدّس بِلَا قتال " فَسَار عمر إِلَى الشَّام وَفتحهَا بِلَا سيف كَمَا قَالَ ﷺ َ - بعد أَن اسْتخْلف عمر على الْمَدِينَة عليا ﵄ وَالله أعلم. وفيهَا أَي سنة خمس عشرَة وضع عمر الدَّوَاوِين وَفرض الْعَطاء للْمُسلمين وَقيل سنة عشْرين فَقيل لَهُ ابدأ بِنَفْسِك فَامْتنعَ وَبَدَأَ بِالْعَبَّاسِ فرض لَهُ خَمْسَة وَعشْرين ألفا ثمَّ بَدَأَ بالأقرب فَالْأَقْرَب من رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَفرض لأهل بدر خَمْسَة آلَاف خَمْسَة آلَاف، وَفرض لمن بعدهمْ إِلَى الْحُدَيْبِيَة وبيعة الرضْوَان أَرْبَعَة أُلَّاف أَرْبَعَة آلَاف، ثمَّ لمن بعدهمْ ثَلَاثَة آلَاف ثَلَاثَة آلَاف، ثمَّ لأهل الْقَادِسِيَّة وَأهل الشَّام أَلفَيْنِ أَلفَيْنِ، وَلمن بعد الْقَادِسِيَّة واليرموك ألفا ألفا، ولروادفهم خَمْسمِائَة خَمْسمِائَة، ثمَّ ثلثمِائة ثلثمِائة، ثمَّ مِائَتَيْنِ وَخمسين مِائَتَيْنِ وَخمسين. وفيهَا كَانَت وقْعَة " الْقَادِسِيَّة " تولى حَرْب الْأَعَاجِم فِيهَا سعد بن أبي وَقاص ومقدم الْعَجم رستم، ودام الْقِتَال الشَّديد أَيَّامًا الْيَوْم الأول " يَوْم أعواث " ثمَّ يَوْم " عماس " ثمَّ " لَيْلَة الهرير " تركُوا فِيهِ الْكَلَام وهر واهريرا حَتَّى أَصْبحُوا ثمَّ الظّهْر هبت ريح عاصف فَمَال الْغُبَار على الْكفَّار وانْتهى الْقَعْقَاع وَأَصْحَابه إِلَى سَرِير رستم وَقد قَامَ رستم عَنهُ واستظل ببغال عَلَيْهَا مَال وصلت من كسْرَى للنَّفَقَة فشدوا على رستم فهرب ولحقه هِلَال بن عَلْقَمَة فَأخذ بِرجلِهِ وَقَتله وَجَاء بِهِ وَطَرحه بَين أرجل البغال وَصعد السرير ونادى قتلت رستم وَرب الْكَعْبَة. وتمت الْهَزِيمَة على الْعَجم وَقتل مِنْهُم مَا لَا يُحْصى ثمَّ نزل سعد غربي دجلة على نهر شير قبالة مَدَائِن كسْرَى وَلما شَاهد إيوَان كسْرَى كبروا وَقَالُوا هَذَا كسْرَى هَذَا مَا وعد اللَّهِ وَرَسُوله. ثمَّ دخلت سنة سِتّ عشرَة: وَأقَام سعد على نهر شير إِلَى أَيَّام من صفر، ثمَّ عبروا دجلة، وهرب الْفرس من الْمَدَائِن نَحْو حلوان، وَكَانَ كسْرَى يزدجرد قد قدم عِيَاله إِلَى حلوان وَخرج هُوَ وَمن مَعَه بِمَا قدرُوا عَلَيْهِ فَدخل الْمُسلمُونَ الْمَدَائِن وَقتلُوا كل من وجدوه وَنزل سعد بِالْقصرِ الْأَبْيَض وَاتخذ إيوَان كسْرَى مصلى واحتاط على أَمْوَال تخرج عَن الإحصاء، وأدركوا بغلا وَقع فِي المَاء عَلَيْهِ تَاج كسْرَى ومنطقته وَدِرْعه وَغير ذَلِك مكللا بالجوهر، واستوهب سعد مَا يخص أَصْحَابه من بِسَاط كسْرَى وَكَانَ على هَيْئَة رَوْضَة صورت فِيهِ الزهور بالجواهر على قضبان الذَّهَب وَبعث بِهِ إِلَى عمر فَقَطعه عمر وَقِسْمَة بَين الْمُسلمين فَأصَاب عليا ﵁ قِطْعَة مِنْهُ فَبَاعَهَا بِعشْرين ألف دِرْهَم، وَأقَام سعد بِالْمَدَائِنِ وَبعث جَيْشًا إِلَى جلولا وَكَانَ قد اجْتمع بهَا الْفرس. فجرت وقْعَة " جلولا " وَقتل من الْفرس مَا لَا يُحْصى فَسَار كسْرَى يزدجرد عَن حلوان

стр. 137

وقصدها الْمُسلمُونَ واستولوا عَلَيْهَا ثمَّ فتحُوا تكريت والموصل ثمَّ قرقيسا وماسبذان عنْوَة. وفيهَا قدم جبلة بن الْأَيْهَم على عمر فَتَلقاهُ الْمُسلمُونَ وَدخل فِي زِيّ حسن وَبَين بديه جنائب وَلبس أَصْحَابه الديباج. وفيهَا حج عمر فحج مَعَه جبلة فوطىء رجل من فَزَارَة إزَاره فِي الطّواف فَلَطَمَهُ جبلة فهشم أَنفه فَشَكَاهُ الْفَزارِيّ إِلَى عمر فَقَالَ: إِمَّا أَن ترضيه وَإِمَّا أقدته مِنْك، قَالَ أتقيده مني وَأَنا ملك وَهُوَ سوقة، قَالَ: يَا جبلة إِنَّه قد جمعك وإياه الْإِسْلَام فَمَا تفضله إِلَّا بالعافية، قَالَ: وَالله لقد رَجَوْت أَن أكون فِي الْإِسْلَام أعز مني فِي الْجَاهِلِيَّة، قَالَ عمر: هُوَ ذَاك قَالَ: إِذا أتنصر، قَالَ إِن تنصرت ضربت عُنُقك، قَالَ أخرني إِلَى غَد، قَالَ ذَلِك لَك، فهرب هُوَ وَأَصْحَابه إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة إِلَى هِرقل فتنصروا، وَأكْرمهمْ هِرقل وأقطع لَهُ، ثمَّ نَدم جبلة على فعله ذَلِك وَمضى رَسُول عمر إِلَى هِرقل وَشَاهد مَا فِيهِ جبلة من النِّعْمَة. قلت: وَلما اجْتمع رَسُول عمر بجبلة لامه على الرِّدَّة فَقَالَ إِن كنت تضمن لي أَن يزوجني عمر ابْنَته ويوليني الْأَمر بعده رجعت، فضمن الرَّسُول التَّزْوِيج وَلم يضمن الثَّانِيَة، ثمَّ نصب مَوَائِد الذَّهَب وصحاف الْفضة فَامْتنعَ الرَّسُول مِنْهَا وَأكل فِي الخلنج وَجِيء بطساس الْفضة وأباريق الذَّهَب فَامْتنعَ الرَّسُول وَغسل يَدَيْهِ فِي الصفر، ثمَّ وضعت عشرَة كراسي مرصعة عَن يَمِينه وَعشرَة عَن شِمَاله وَجلسَ عَلَيْهَا جوَار حسان عَلَيْهِنَّ الْحلِيّ، ثمَّ طيب بِوَاسِطَة طَائِر عَجِيب الْخلقَة فَقَالَ للجواري اللَّاتِي عَن يَمِينه: بِاللَّه أضحكننا فَقُلْنَ وخفقت عيدانهن: (لله در عِصَابَة نادمتهم ... يَوْمًا بجلق فِي الزَّمَان الأول) (يسقون من ورد البريض عَلَيْهِم ... رَاحا تصفق بالرحيق السلسل) (أَوْلَاد جَفْنَة حول قبر أَبِيهِم ... قبر ابْن مَارِيَة الْكَرِيم الْمفضل) (يغشون حَتَّى مَا تهر كلابهم ... لَا يسْأَلُون عَن السوَاد الْمقبل) (ثمَّ الأنوف كَرِيمَة أحسابهم ... بيض الْوُجُوه من الطّراز الأول) فَقَالَ جبلة: هَذَا لحسان، ثمَّ الْتفت إِلَى اللواتي عَن يسَاره وَقَالَ: بِاللَّه أبكيننا فَقُلْنَ: (لمن الدَّار أقفرت بمعان ... بَين أَعلَى اليرموك فالخمان) (ذَاك مغنى لآل جَفْنَة فِي الد ... هر محلا لحادث الْأَزْمَان) (قد أَرَانِي هُنَاكَ دهرا مكينا ... عِنْد ذِي التَّاج مقعدي ومكاني) (ودنا الفصح فالولائد ... ينظمن سرَاعًا أَكلَة المرجان) وَقَالَ: هَذَا لحسان ثمَّ أنشأ: (تنصرت للإتراف من أجل لطمة ... وَمَا كَانَ فِيهَا لَو سمحت بهَا ضَرَر) (تكنفني مِنْهَا لجاج ونخوة ... وبعت لَهَا الْعين الصَّحِيحَة بالعور) (فياليت أُمِّي لم تلدني وليتني ... رجعت إِلَى القَوْل الَّذِي قَالَ لي عمر)

стр. 138

(وَيَا لَيْتَني أرعى الْمَخَاض بقفرة ... وَكنت أَسِيرًا فِي ربيعَة أَو مُضر) ثمَّ أَن الرَّسُول أخبر عمر ﵁ بذلك كُله وَبعث مَعَه جبلة خَمْسمِائَة دِينَار لحسان بن ثَابت فَقَالَ حسان: (إِن ابْن جفن من بَقِيَّة معشر ... لم يغرهم آباؤهم باللوم) (لم ينسني بِالشَّام إِذْ هُوَ رَبهَا ... كلا وَلَا منتصرا بالروم) وَلَام عمر الرَّسُول هلا ضمن لَهُ الْأَمريْنِ فَإِن جبلة كفؤ لبنته وَأما ولَايَة الْأَمر فَهِيَ بيد اللَّهِ يُورثهَا من يَشَاء من عبَادَة قَالَ الرَّسُول فعدت من عِنْد عمر إِلَى جبلة لأضمن لَهُ مَا اشْترط فَوجدت النَّاس منصرفين من جنَازَته فَعلمت أَن الشَّقَاء قد غلب عَلَيْهِ فِي أم الْكتاب. ثمَّ دخلت سنة سبع عشرَة: فِيهَا اختطت الْكُوفَة وتحول سعد إِلَيْهَا. وفيهَا اعْتَمر عمر ﵁ وَأقَام بِمَكَّة عشْرين لَيْلَة ووسع الْمَسْجِد الْحَرَام وَهدم منَازِل قوم أَبَوا بيعهَا وَجعل أثمانها فِي بَيت المَال وَتزَوج أم كُلْثُوم بنت عَليّ - أمهَا فَاطِمَة ﵃. وفيهَا وقْعَة الْمُغيرَة بن شُعْبَة ولاه عمر الْبَصْرَة وَكَانَ قبالة علية الْمُغيرَة عَلَيْهِ فِيهَا أَرْبَعَة وهم: أَبُو بكرَة مولى النَّبِي ﷺ َ -، وَأَخُوهُ لأمه زِيَاد بن أَبِيه، وَنَافِع بن كلدة، وشبل بن معبد، فَرفعت الرّيح الكوة عَن الْعلية فَإِذا الْمُغيرَة على أم جميل بنت الأرقم بن عَامر بن صعصعة فَكَتَبُوا إِلَى عمر بذلك، فَعَزله واستقدمه مَعَ الشُّهُود وَولى الْبَصْرَة أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَلَمَّا قدم إِلَى عمر شهد أَبُو بكرَة وَنَافِع وشبل عَلَيْهِ بالزنى وَلم يفصح زِيَاد وَقَالَ عمر قبل أَن يشْهد أرى رجلا أَرْجُو أَن لَا يفضح اللَّهِ بِهِ رجلا من اصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -، فَقَالَ زِيَاد: رَأَيْته جَالِسا بَين رجْلي امْرَأَة وَرَأَيْت رجلَيْنِ مرفوعتين كأذني حمَار ونفسا يَعْلُو وأستا ينبو عَن ذكر وَلَا أعرف مَا وَرَاء ذَلِك فَقَالَ عمر هَل رَأَيْت الْميل فِي المكحلة قَالَ: لَا؛ قَالَ فَهَل تعرف الْمَرْأَة لَا وَلَكِن أشبههَا، فجلد الشُّهُود الثَّلَاثَة حد الْقَذْف، وَزِيَاد أَخُو أبي بكرَة لأمه فَلم يكلمهُ أَبُو بكرَة بعْدهَا. وفيهَا فتح الْمُسلمُونَ الأهواز من يَد الهرمزان من عُظَمَاء الْفرس وفتحوا رامهرمز وتستر ثمَّ نزل الهرمزان من القلعة على حكم عمر فَأرْسل مَعَ وَفد مِنْهُم أنس بن مَالك والأحنف بن قيس فوصلوا بِهِ الْمَدِينَة وَقد ألبسوه الديباج الْمَذْهَب وعَلى رَأسه تاجه مكللا بالياقوت فوجدوا عمر نَائِما بِالْمَسْجِدِ وَلَيْسَ لَهُ حرس وَلَا حجاب فَاسْتَيْقَظَ للجبلة وَقَالَ لَهُ اللَّهِ الَّذِي أذلّ بِالْإِسْلَامِ هَذَا وأشباهه وَنزع مَا عَلَيْهِ وألبس ثوبا صفيفا، ثمَّ قَالَ لَهُ كَيفَ رَأَيْت عَاقِبَة الْغدر وعاقبة أَمر اللَّهِ فَقَالَ الهرمزان: نَحن وَإِيَّاكُم فِي الْجَاهِلِيَّة لما خلى اللَّهِ بيني وَبَيْنكُم غلبناكم وَلما كَانَ اللَّهِ الْآن مَعكُمْ غلبتمونا وَطلب مَاء فَأتي بِهِ وَقَالَ: أَخَاف أَن يقتلني وَأَنا أشْرب فَقَالَ عمر لَا بَأْس عَلَيْك حَتَّى تشرب فَرمى الْإِنَاء فانكسر فقصد عمر قَتله فَقَالَت

стр. 139

الصَّحَابَة: إِنَّك أمنته بِقَوْلِك لَا بَأْس عَلَيْك إِلَى أَن تشرب، وَلم يشرب ذَلِك المَاء، ثمَّ أسلم وَفرض لَهُ أَلفَيْنِ. ثمَّ دخلت سنة ثَمَانِي عشرَة: فِيهَا أمحل الْحجاز فاستعان عمر الْأَمْصَار فَكَانَ مِمَّن قدم عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَة بأَرْبعَة آلَاف رَاحِلَة زادا فقسم عمر حَتَّى أرخصت الْمَدِينَة وَلما اشْتَدَّ الْقَحْط استقسى بِالْعَبَّاسِ فسقوا وَأَقْبل النَّاس يتمسحون بأذيال الْعَبَّاس. وفيهَا كَانَ طاعون عمواس بِالشَّام مَاتَ بِهِ أَبُو عُبَيْدَة ﵁ واستخلف أَبُو عُبَيْدَة " معَاذ بن جبل " فَمَاتَ بالطاعون فاستخلف عَمْرو بن الْعَاصِ، وَمَات فِي هَذَا الطَّاعُون خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا وَمكث شهرا وطمع الْعَدو وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ مثله. وفيهَا سَار عمر إِلَى الشَّام فقسم مَوَارِيث الْمَوْتَى بِهِ ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة فِي ذِي الْقعدَة. ثمَّ دخلت سنة تسع عشرَة: وَسنة عشْرين فِيهَا فتحت مصر والإسكندرية على يَد عَمْرو بن الْعَاصِ وَالزُّبَيْر فَنزلَا عين شمس بِقرب المطرية ففتحاها وَبعث عَمْرو بن الْعَاصِ أَبْرَهَة بن الصَّباح إِلَى الفرما وَضرب عَمْرو فسطاطه مَوضِع جَامعه بِمصْر الْآن واختطت مصر وَبني الْجَامِع ثمَّ فتح الْإسْكَنْدَريَّة عنْوَة بعد قتال شَدِيد. وفيهَا توفّي بِلَال بن رَبَاح مُؤذن النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ مولى أبي بكر الصّديق وَاسم أمه حمامة وَهُوَ من مولدِي الْحَبَشَة أسلم بعد إِسْلَام أبي بكر وَلم يُؤذن بعد النَّبِي ﷺ َ - طلب من أبي بكر أَن يُرْسِلهُ فِي الْجِهَاد فَسَأَلَهُ أَبُو بكر أَن يُقيم مَعَه فَأَقَامَ، ثمَّ ولي عمر فَسَأَلَهُ ذَلِك فأبي، وَسَار إِلَى دمشق وَبهَا مَاتَ وَدفن بِبَاب الصَّغِير. ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَعشْرين: فِيهَا وقْعَة نهاوند مَعَ الْأَعَاجِم ومقدمهم الفرزان جمع مائَة وَخمسين ألفا وَجَرت بَينهم حروب كَثِيرَة آخرهَا كسرة الْأَعَاجِم وفناؤهم وهرب الفرزان وَوصل إِلَى ثنية هَمدَان فَوجدَ بغالا محملة عسلا عوقته، فَنزل عَن فرسه هَارِبا فِي الْجَبَل فَتَبِعَهُ الْقَعْقَاع رَاجِلا وَقَتله فَقيل إِن لله جندا من عسل. وفيهَا فتحت الدينور والصيمرة وهمدان وأصفهان. وفيهَا توفّي خَالِد بن الْوَلِيد وقبره قيل بِالْمَدِينَةِ وَقيل بحمص. ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين: فِيهَا فتحت أذربيجان والري وجرجان وقزوين وزنجان وطبرستان. وفيهَا صَالح عَمْرو بن الْعَاصِ أهل برقة على الْجِزْيَة ثمَّ حاصر طرابلس الغرب وَفتحهَا عنْوَة. وفيهَا غزا الْأَحْنَف بن قيس خُرَاسَان وَحَارب يزدجرد وافتتح هراة عنْوَة ثمَّ سَار إِلَى مرو وَكتب يزدجرد إِلَى ملك التّرْك يستمده وَإِلَى ملك السَّنَد وَإِلَى ملك الصين وَانْهَزَمَ

стр. 140

يزدجرد إِلَى بَلخ ثمَّ هزموه فَعبر نهر جيحون وَأبي صلح الْمُسلمين فطرده عسكره وصالحوا الْمُسلمين وبقوا بأماكنهم وَسَار يزدجرد مَعَ ملك التّرْك فِي حاشيتته وَأقَام بفرغانة زمن عمر كُله. وفيهَا توفّي أبي بن كَعْب بن قيس من ولد مَالك بن النجار ويكنى أَبَا الْمُنْذر أَمر اللَّهِ نبيه أَن يقْرَأ عَلَيْهِ الْقُرْآن وَقَالَ: " اقْرَأ أمتِي أبي بعدِي "، وَقيل توفّي سنة ثَلَاثِينَ فِي خلَافَة عمر ﵄. ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَعشْرين: فِيهَا طعن أَبُو لؤلؤة فَيْرُوز عبد الْمُغيرَة بن شُعْبَة عمر ﵁ وَهُوَ فِي الصَّلَاة فِي خاصرته وَتَحْت سرته لست بَقينَ من ذِي الْحجَّة. قلت: وَكَانَ أَبُو لؤلؤة نَصْرَانِيّا. " وَتُوفِّي عمر " يَوْم السبت سلخ ذِي الْحجَّة وَدفن يَوْم الْأَحَد هِلَال الْمحرم سنة أَربع وَعشْرين وَمُدَّة خِلَافَته عشر سِنِين وَسِتَّة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام، وَدفن عِنْد النَّبِي ﷺ َ - وَأبي بكر ﵄. قلت: مر يَوْمًا عمر بن الْخطاب ﵁ على رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فَقَالَ ﵇: " لَا يزَال بَيْنكُم وَبَين الْفِتْنَة بَاب شَدِيد الغلق مَا دَامَ هَذَا بَين أظْهركُم فَإِذا فارقكم انْفَتح ذَلِك الْبَاب " فَكَانَ كَمَا قَالَ ﵇، لِأَن الْفِتْنَة كلهَا نجمت بعد مَقْتَله وناحت الْجِنّ عَلَيْهِ قبل مَقْتَله بِثَلَاث فَقَالَت: (أبعد قَتِيل بِالْمَدِينَةِ أَصبَحت ... لَهُ الأَرْض تهتز الْعضَاة بأسواق) (جزا اللَّهِ خيرا من أَمِير وباركت ... يَد اللَّهِ فِي ذَاك الْأَدِيم الممزق) (فَمن يسع أَو يركب جناحي نمعامة ... ليدرك مَا قَدمته الْيَوْم يسْبق) (قضيت أمورا ثمَّ غادرت بعْدهَا ... بوائق فِي أكمامها لم تفتق) (وَمَا كنت أخْشَى أَن تكون وَفَاته ... بكفي شقي أَزْرَق الْعين مطرق) وَنسب بَعضهم هَذِه الأبيات إِلَى مزرد بن ضرار، وَالله اعْلَم. وعهد بالخلافة إِلَى النَّفر الَّذين مَاتَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَهُوَ عَنْهُم رَاض وهم عَليّ وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد بعد أَن عرضهَا على عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فأبي. وَكَانَ عمر طَوِيل الْقَامَة أَبيض أصلع أشيب وعمره ثَلَاث وَسِتُّونَ وَقيل سِتُّونَ وَقيل خمس وَخَمْسُونَ وفضله وعدله وزهده مَشْهُور حرس بِنَفسِهِ لَيْلَة قفلا نزلُوا بِنَاحِيَة السُّوق هُوَ وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَهُوَ أول من كتب التَّارِيخ وَأول من عس بِاللَّيْلِ وَأول من نهى عَن بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَأول من جمع على صَلَاة الْجِنَازَة بِأَرْبَع تَكْبِيرَات، وَكَانُوا من قبل يكبرُونَ أَرْبعا وخمسا وستا، وَأول من جمع على إِمَام يُصَلِّي التَّرَاوِيح، وَأول من ضرب بِالدرةِ وَدون الدَّوَاوِين وخطب مرّة وَعَلِيهِ إِزَار فِيهِ اثْنَتَا عشرَة رقْعَة وَمر فِي بعض حجاته بضجنان فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّهِ الْمُعْطِي من شَاءَ مَا شَاءَ كنت أرعى إبل الْخطاب فِي هَذَا الْوَادي وَكَانَ

стр. 141

فظا يرعبني إِذا عملت ويضربني إِذا قصرت وَقد أَصبَحت وَلَيْسَ بيني وَبَين اللَّهِ أحد وفضائله ﵁ اكثر من أَن تحصر. ثمَّ دخلت سنة أَربع وَعشْرين: فِيهَا عقب موت عمر اجْتمع أهل الشورى وهم: عَليّ وَعُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد اللَّهِ بن عمر ﵃، وَشرط عمر أَن يكون ابْنه عبد اللَّهِ شَرِيكا فِي الرَّأْي وَلَا يكون لَهُ حَظّ فِي الْخلَافَة، وَجعل الْمدَّة ثَلَاثَة أَيَّام وَقَالَ: لَا يمْضِي الْيَوْم الرَّابِع إِلَّا وَلكم أَمِير، وَإِن أختلفتم فكونوا مَعَ الَّذين مَعَهم عبد الرَّحْمَن، (خلَافَة عُثْمَان ﵁ ثمَّ بُويِعَ عُثْمَان بالخلافة لثلاث مضين من الْمحرم مِنْهَا، وَهُوَ عُثْمَان بن عَفَّان بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف، وَأمه أروى بنت كريز بن ربيعَة. وَأقر عُثْمَان وُلَاة عمر سنة لِأَنَّهُ أوصى بذلك، ثمَّ عزل الْمُغيرَة بن شُعْبَة عَن الْكُوفَة وولاها سعد بن أبي وَقاص، ثمَّ عَزله وولاها الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط كَانَ أَخا عُثْمَان من أمه. ثمَّ دخلت سنة خمس وَعشْرين: فِيهَا توفّي أَبُو ذَر الْغِفَارِيّ واسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة بالربذة، وَقيل: توفّي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ بهَا. قلت: حكى شَيخنَا صدر الدّين بن الْوَكِيل ﵀ أَن رجلا سَأَلَ بعض السّلف بِأَن قَالَ: أعمر أخرج أَبَا ذَر؟ فَقَالَ لَهُ: كَذبُوك، وتصحيف ذَلِك أعثمان أخرج أَبَا ذَر، وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَعشْرين: فِيهَا عزل عُثْمَان عَمْرو بن الْعَاصِ عَن مصر وولاها عبد اللَّهِ بن سعد بن أبي سرح العامري أَخا عُثْمَان من الرضَاعَة وَكَانَ النَّبِي ﷺ َ - قد أهْدر دم سعد الْمَذْكُور يَوْم الْفَتْح فشفع فِيهِ عُثْمَان فَأَطْلقهُ. وَفِي خِلَافَته ﵁ فتحت إفريقية بتولي ابْن أبي سرح الْمَذْكُور وَبعث بالخمس إِلَى عُثْمَان، وَلما فتحت أَمر عُثْمَان عبد اللَّهِ بن نَافِع بن الْحصين أَن يسير إِلَى جِهَة الأندلس، فغزا تِلْكَ الْجِهَة وَعَاد إِلَى إفريقية وَأقَام بهَا من قبل عُثْمَان، وَرجع عبد اللَّهِ بن سعد إِلَى مصر. ثمَّ دخلت سنة سبع وَعشْرين وَسنة ثَمَان وَعشْرين: فِيهَا استأذنه مُعَاوِيَة فِي غَزْو الْبَحْر فَأذن لَهُ، فَجهز مُعَاوِيَة إِلَى قبرس جَيْشًا، وَسَار إِلَيْهَا أَيْضا عبد اللَّهِ بن سعد من مصر فَقَاتلُوا جَمِيعًا أَهلهَا، ثمَّ صولحوا على جِزْيَة سَبْعَة آلَاف دِينَار فِي كل سنة بعد قتل وَسبي كثير فِي قبرس. ثمَّ دخلت سنة تسع وَعشْرين: فِيهَا عزل عُثْمَان أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن الْبَصْرَة وولاها ابْن خَاله عبد اللَّهِ بن عَامر بن كريز، ثمَّ عزل الْوَلِيد بن عقبَة عَن الْكُوفَة لكَونه

стр. 142

شرب الْخمر وَصلى بِالْمُسْلِمين الْفجْر أَرْبعا وَهُوَ سَكرَان، ثمَّ الْتفت إِلَى النَّاس وَقَالَ: هَل ازيدكم؟ فَقَالَ ابْن مَسْعُود: مَا زلنا مَعَك فِي زِيَادَة مُنْذُ الْيَوْم. وَفِي ذَلِك يَقُول الحطيئة: (شهد الحطيئة يَوْم يلقى ربه ... أَن الْوَلِيد أَحَق بالعذر) (نَادَى وَقد فرغت صلَاتهم ... أأزيدكم سكرا وَمَا يدْرِي) (فَأَبَوا أَبَا وهب وَلَو أذنوا ... لقرنت بَين الشفع وَالْوتر) ثمَّ دخلت سنة ثَلَاثِينَ: فِيهَا بلغ عُثْمَان مَا وَقع فِي أَمر الْقُرْآن وَأَن أهل الْعرَاق يَقُولُونَ: قراءتنا أصح لأَنا قَرَأنَا على أبي مُوسَى، وَأهل الشَّام يَقُولُونَ: قراءتنا أصح لأَنا قَرَأنَا على الْمِقْدَاد، وَكَذَلِكَ غَيرهم. فَحمل النَّاس بِاتِّفَاق الصَّحَابَة على الْمُصحف الَّذِي كتب زمن أبي بكر وأودع عِنْد حَفْصَة ﵂ وَنسخ مِنْهُ مصاحف للأمصار تولى نسخهَا بِأَمْر زيد بن ثَابت وَعبد اللَّهِ بن الزبير وَسَعِيد بن الْعَاصِ وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام المَخْزُومِي، وَقَالَ عُثْمَان: إِذا اختلفتم فِي كلمة فاكتبوها بِلِسَان قُرَيْش فَإِنَّمَا نزل الْقُرْآن بلسانهم. وفيهَا سقط من عُثْمَان خَاتم النَّبِي ﷺ َ - كَانَ من فضَّة فِيهِ ثَلَاثَة أسطر مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ كَانَ يتختم بِهِ وَيخْتم بِهِ الْكتب إِلَى الْمُلُوك، ثمَّ تختم بِهِ أَبُو بكر، ثمَّ عمر، ثمَّ عُثْمَان إِلَى أَن سقط فِي بِئْر أريس. قلت: قَالُوا: وَكَانَ أمره صافيا إِلَى سُقُوط الْخَاتم الْمَذْكُور، وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ: فِيهَا هلك كسْرَى يزدجرد آخر مُلُوكهمْ قيل: قَتله أهل مرو وَقتل بنيه التّرْك وَقتل أَصْحَابه فهرب هُوَ إِلَى بَيت رجل ينْقل الأرحاء فَقتله ثمَّ قتل. وفيهَا عَصَتْ خُرَاسَان فَفَتحهَا الْمُسلمُونَ ثَانِيًا. وفيهَا مَاتَ أَبُو سُفْيَان بن حَرْب. ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ: فِيهَا توفّي عبد اللَّهِ بن مَسْعُود بن عَاقل بن حبيب بن شمح من ولد مدركة بن إلْيَاس بن مُضر وَفِي مدركة يجْتَمع مَعَ النَّبِي ﷺ َ -، وَهُوَ أحد الْقُرَّاء عَظِيم فِي الصَّحَابَة وعدة بَعضهم فِي الْعشْرَة الْمَقْطُوع لَهُم بِالْجنَّةِ بدل أبي عُبَيْدَة ﵃. ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ: فِيهَا تكلم جمَاعَة بِأَن عُثْمَان ولى جمَاعَة من أهل بَيته لَا يصلحون للولاية، فَكتب سعيد بن الْعَاصِ وَالِي الْكُوفَة إِلَيْهِ بذلك فَأمره عُثْمَان أَن يسير الَّذين تكلمُوا بذلك إِلَى مُعَاوِيَة بِالشَّام، فأرسلهم وَفِيهِمْ الْحَارِث بن مَالك الأشتر النَّخعِيّ وثابت بن قيس النَّخعِيّ وَجَمِيل بن زِيَاد وَزيد بن صوحان الْعَبْدي وَأَخُوهُ صعصة وجندب بن زُهَيْر وَعُرْوَة بن الْجَعْد وَعَمْرو بن الْحمق، فقدموا على مُعَاوِيَة وَجرى بَينهم كَلَام كثير وحذرهم الْفِتْنَة، فَوَثَبُوا وَأخذُوا بلحية مُعَاوِيَة ورأيه فَكتب بذلك إِلَى عُثْمَان، فَكتب إِلَيْهِ عُثْمَان أَن يردهم إِلَى سعيد بن الْعَاصِ فردهم إِلَى سعيد، فأطلقوا ألسنتهم فِي عُثْمَان ﵁ وَاجْتمعَ إِلَيْهِم أهل الْكُوفَة.

стр. 143

ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَلَاثِينَ: وفيهَا قدم سعيد إِلَى عُثْمَان وَأخْبرهُ بِمَا فعله أهل الْكُوفَة وَأَنَّهُمْ يختارون أَبَا مُوسَى، فولى عُثْمَان أَبَا مُوسَى الْكُوفَة، فخطبهم أَبُو مُوسَى وَأمرهمْ بِطَاعَة عُثْمَان فَأَجَابُوا. وتكاتب نفر من الصَّحَابَة أَن أقدموا فالجهاد عندنَا، ونال النَّاس من عُثْمَان وَلَيْسَ أحد من الصَّحَابَة ينْهَى عَن ذَلِك وَلَا يذب إِلَّا نفر مِنْهُم: زيد بن ثَابت وَأَبُو أسيد السَّاعِدِيّ وَكَعب بن مَالك وَحسان بن ثَابت، وَمِمَّا نقموا عَلَيْهِ رد الحكم بن الْعَاصِ طريد رَسُول الله وطريد أبي بكر وَعمر، وإعطاؤه مَرْوَان بن الحكم خمس غَنَائِم إفريقية وَهُوَ مَال عَظِيم، وَفِي ذَلِك يَقُول عبد الرَّحْمَن الْكِنْدِيّ: (سأحلف بِاللَّه جهد الْيَمين ... مَا ترك اللَّهِ أمرا سدى) (وَلَكِن خلقت لنا فتْنَة ... لكَي نبتلي بك أَو نبتلي) (دَعَوْت اللعين فأدنيته ... خلافًا لسنة من قد مضى) (وَأعْطيت مَرْوَان خمس الْعباد ... ظلما لَهُم وحميت الْحمى) وأقطع مَرْوَان فدك وَهِي صَدَقَة رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - الَّتِي طلبتها فَاطِمَة ﵂ من أبي بكر ﵁، وَلم يكن بلغَهَا قَوْله ﷺ َ -: " نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة " وَلم تزل فدك فِي يَد مَرْوَان حَتَّى انتزعها عمر بن عبد الْعَزِيز وردهَا صَدَقَة. وفيهَا توفّي الْمِقْدَاد بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة، تبناه الْأسود بن عبد يَغُوث فِي الْجَاهِلِيَّة فَعرف بِهِ، وَلما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ قيل: الْمِقْدَاد بن عَمْرو؛ وَمَا كَانَ يَوْم بدر صَاحب فرس فِي الْمُسلمين غير الْمِقْدَاد فِي قَول، وَشهد مَعَ النَّبِي ﷺ َ - الْمشَاهد كلهَا وَعمر نَحْو سبعين سنة. ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَلَاثِينَ: فِيهَا قدمت جموع من مصر والكوفة وَالْبَصْرَة، وَكَانَ هوى المصريين مَعَ عَليّ ﵁، وَهوى الْكُوفِيّين مَعَ الزبير، وَهُوَ الْبَصرِيين مَعَ طَلْحَة، فَدَخَلُوا الْمَدِينَة وثاروا على عُثْمَان يَوْم الْجُمُعَة وَهُوَ على الْمِنْبَر وَقَاتل جمَاعَة من الْمَدِينَة عَنهُ مِنْهُم: سعد بن أبي وَقاص وَالْحسن بن عَليّ وَزيد بن ثَابت وَأَبُو هُرَيْرَة، فَأرْسل عُثْمَان يعزم عَلَيْهِم بالانصراف فانصرفوا، وَصلى عُثْمَان بعد مَا نزلت الجموع فِي الْمَسْجِد ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثمَّ منعُوهُ الصَّلَاة فصلى بِالنَّاسِ الغافقي أَمِير جمع مصر، وَلزِمَ أهل الْمَدِينَة بُيُوتهم وَعُثْمَان مَحْصُور فِي دَاره أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَقيل: خمسين. ثمَّ اتّفق عَليّ مَعَ عُثْمَان على مَا طلبه النَّاس مِنْهُ من عزل مَرْوَان عَن كِتَابَته وَعبد اللَّهِ بن أبي سرح عَن مصر فَأجَاب، وَفرق عَليّ النَّاس عَنهُ، ثمَّ اجْتمع مَرْوَان بعثمان فَرده عَن ذَلِك، وَلَكِن عزل ابْن أبي سرح عَن مصر وولاها مُحَمَّد بن أبي بكر. وَتوجه مَعَ مُحَمَّد بن أبي بكر مهاجرون وأنصار، فَبينا هم فِي الطَّرِيق وَإِذا عبد عَليّ هجين يجهده فَقَالُوا لَهُ: إِلَى أَيْن؟ قَالَ: إِلَى الْعَامِل بِمصْر، قَالُوا: هَذَا عَامل مصر - يعنون مُحَمَّد بن أبي

стр. 144

بكر -. قَالَ: بل الْعَامِل الآخر - يَعْنِي ابْن أبي سرح -، ففتشوه فوجدوا مَعَه كتابا مَخْتُومًا بِخَتْم عُثْمَان يَقُول: إِذا جَاءَك مُحَمَّد بن أبي بكر وَمن مَعَه بأنك مَعْزُول فَلَا تقبل واحتل لقتلهم وأبطل كِتَابهمْ وقر فِي عَمَلك. فَرجع مُحَمَّد وَمن مَعَه وجمعوا الصَّحَابَة بِالْمَدِينَةِ على الْكتاب، وسألوا عُثْمَان عَنهُ فاعترف بالختم وَخط كَاتبه وَحلف بِاللَّه أَنه لم يَأْمر بذلك، فطلبوا مِنْهُ مَرْوَان ليسلمه إِلَيْهِم بِسَبَب ذَلِك فَامْتنعَ، فحنقوا وجدوا فِي قِتَاله، فَأَقَامَ عَليّ ابْنه الْحسن يذب عَنهُ، وَأقَام الزبير ابْنه عبد اللَّهِ، وَطَلْحَة ابْنه مُحَمَّدًا، بِحَيْثُ جرح الْحسن ﵁ وانصبغ بِالدَّمِ. ثمَّ تسوروا على عُثْمَان من دَار بِجنب دَاره، وَنزل عَلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم مُحَمَّد بن أبي بكر فَقَتَلُوهُ صَائِما يَتْلُو فِي الْمُصحف لثمان عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمُدَّة خِلَافَته ﵁ اثْنَتَا عشرَة سنة إِلَّا اثْنَتَيْ عشر يَوْمًا، وعمره سَبْعُونَ، وَقيل: أثنتان وَثَمَانُونَ، وَقيل: تسعون. وَمكث ثَلَاثَة أَيَّام لم يدْفن منع محاربوه من دَفنه، ثمَّ امْر عَليّ ﵁ بدفنه. وَكَانَ معتدل الْقَامَة، حسن الْوَجْه بِوَجْهِهِ أثر جدري، عَظِيم اللِّحْيَة، أسمر اللَّوْن، أصلع، يصفر لحيته، تزوج ابْنَتي رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فَسُمي ذَا النورين، كَاتبه مَرْوَان بن الحكم، وقاضيه زيد بن ثَابت، جهز جَيش الْعسرَة من مَاله، وَأصَاب النَّاس مجاعَة فِي غزَاة تَبُوك فَاشْترى طَعَاما يصلح الْعَسْكَر وجهز بِهِ عيرًا، فَلَمَّا وصل ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ َ - رفع يَده إِلَى السَّمَاء قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي قد رضيت عَن عُثْمَان فارض عَنهُ، وَدخل يَوْمًا على النَّبِي ﷺ َ - فَجعل ثَوْبه عَلَيْهِ وَقَالَ: " كَيفَ لَا أستحي مِمَّن تَسْتَحي مِنْهُ الْمَلَائِكَة ". قلت: وَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: يَا عُثْمَان إِن اللَّهِ عَسى أَن يلبسك قَمِيصًا فَإِن أرادك المُنَافِقُونَ على خلعة فَلَا تخلعه حَتَّى تَلقانِي يَوْم الْقِيَامَة. وَقَالَ لَهُ يَوْمًا وَقد دخل عَلَيْهِ: " كَيفَ أَنْت يَا عُثْمَان إِذا لقيتني يَوْم الْقِيَامَة وأوداجك تشخب دَمًا فَأَقُول من فعل بك هَذَا فَتَقول بَين خاذل وَقَاتل وآمر ". ثمَّ وَقع النَّاس بعده من الْفِتَن وَالْقَتْل فِي محذورين، وَأَقْبَلت عَلَيْهِم سحب أهواء مظْلمَة بقتل ذِي النورين، واستقبحت الْعُقَلَاء فقد صورته المستحسنة على هَذِه الصُّورَة، واستهجنت الفصحاء صرف عُثْمَان قَتِيلا من غير تناسب وَلَا ضَرُورَة وَمَا أحسن قَول كَعْب بن مَالك فِيهِ: (وكف يَدَيْهِ ثمَّ أغلق بَابه ... وأيقن أَن اللَّهِ لَيْسَ بغافل) (وَقَالَ لأهل الدَّار لَا تَقْتُلُوهُمْ ... عَفا اللَّهِ عَن كل امرىء لم يُقَاتل) (فَكيف رَأَيْت اللَّهِ صب عَلَيْهِم الْعَدَاوَة ... والبغضاء بعد التواصل) (وَكَيف رَأَيْت الْخَيْر أدبر بعده ... عَن النَّاس إدبار الرِّيَاح الحوافل) وَالله أعلم.

стр. 145

(أَخْبَار عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَاسم أبي طَالب: عبد منَاف بن عبد الْمطلب، وَأم عَليّ فَاطِمَة بنت أَسد بن هَاشم، فَهُوَ ابْن هاشميين؛ بُويِعَ بالخلافة يَوْم قتل عُثْمَان ﵁، وَلما سَأَلُوهُ الْبيعَة قَالَ: لَا حَاجَة لي فِي أَمركُم من اخترتم رضيت بِهِ وأكون وزيرا خيرا من أَن أكون أَمِيرا. فَأَبَوا إِلَّا مبايعته، فَأتى الْمَسْجِد فَبَايعُوهُ، وَقيل: بُويِعَ فِي بَيته؛ أول من بَايعه طَلْحَة وَكَانَت يَده مشلولة من أحد، فَقَالَ حبيب بن ذُؤَيْب: إِنَّا لله أول من بَدَأَ بالبيعة يَد شلاء لَا يتم هَذَا الْأَمر، وَبَايَعَهُ الزبير، قَالَ عَليّ لَهما: إِن أحببتما أَن تبَايعا بايعا وَإِن أحببتما بايعتكما، فَقَالَا: بل نُبَايِعك، وَقَالَ عَليّ لسعد بن أبي وَقاص: بَايع، فَقَالَ: حَتَّى يُبَايع النَّاس وَالله مَا عَلَيْك مني بَأْس فخلى سَبيله، وَتَأَخر أَيْضا عبد اللَّهِ بن عمر. وبايعته الْأَنْصَار إِلَّا نَفرا قَلِيلا، مِنْهُم: حسان وَكَعب بن مَالك ومسلمة بن مخلد وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ والنعمان بن بشير وَمُحَمّد بن مسلمة وفضالة بن عبيد وَكَعب بن عجْرَة وَزيد بن ثَابت، كَانَ هَؤُلَاءِ قد ولاهم عُثْمَان على الصَّدقَات وَغَيرهم، وَلم يبايعه أَيْضا سعيد بن زيد وَعبد اللَّهِ بن سَلام وصهيب وَأُسَامَة بن زيد وَقُدَامَة بن مَظْعُون والمغيرة بن شُعْبَة وَسموا لذَلِك الْمُعْتَزلَة. وَسَار النُّعْمَان بن بشير بِثَوْب عُثْمَان مُلَطَّخًا بِالدَّمِ إِلَى الشَّام، فَكَانَ مُعَاوِيَة يعلق قَمِيص عُثْمَان على الْمِنْبَر تحريضا على قتال عَليّ ﵁. وَقيل: بقيت الْمَدِينَة بعد عُثْمَان خمْسا والغافقي وَمن مَعَه يَلْتَمِسُونَ من يقوم بِالْأَمر، وَطَلْحَة فِي حَائِط لَهُ، وَسعد وَالزُّبَيْر قد خرجا من الْمَدِينَة، وَبَنُو أُميَّة قد هربوا، وباعد عَليّ المصريين، وَالزُّبَيْر الْكُوفِيّين، وَطَلْحَة الْبَصرِيين وَمَعَ اجْتِمَاعهم على قتل عُثْمَان كَانُوا مُخْتَلفين فِي من يَلِي غَيره حَتَّى أَتَوا عليا وَشَكوا مَا ابتلوا بِهِ وَمَا نزل بِالْإِسْلَامِ، ثمَّ يَوْم الْجُمُعَة لخمس بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ صعد الْمِنْبَر واستعفى فَلم يعفوه، فَبَايعهُ أَولا طَلْحَة، ثمَّ لحق طَلْحَة وَالزُّبَيْر بعائشة بِمَكَّة. وَكَانَ ابْن عَبَّاس بِمَكَّة لما قتل عُثْمَان، ثمَّ قدم الْمَدِينَة بعد الْبيعَة لعَلي فَوَجَدَهُ مستخليا بالمغيرة بن شُعْبَة، قَالَ: فَسَأَلته مَا قَالَ لَهُ فَقَالَ عَليّ: أَشَارَ عَليّ بِإِقْرَار مُعَاوِيَة وَغَيره من عُمَّال عُثْمَان إِلَى أَن يباعوا ويستقر الْأَمر فأبيت، ثمَّ أَتَانِي الْآن وَقَالَ: الرَّأْي مَا رَأَيْته، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِنَّه نصحك فِي الْمرة الأولى وغشك فِي الثَّانِيَة وَإِنِّي أخْشَى أَن ينْتَقض عَلَيْك الشَّام وَأمره بِإِقْرَار مُعَاوِيَة، فَقَالَ عَليّ: وَالله لَا أعْطِيه إِلَّا السَّيْف ثمَّ تمثل: (وَمَا ميتَة إِن متها غير عَاجز ... بِعَارٍ إِذا مَا غالت النَّفس غولها) قَالَ: فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنْت رجل شُجَاع وَلست صَاحب رَأْي، فَقَالَ عَليّ: إِذا عصيتك فأطعني، فَقلت أيسر مَا لَك عِنْدِي الطَّاعَة، وَخرج الْمُغيرَة وَلحق بِمَكَّة. ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ: فِيهَا أرسل عَليّ عماله إِلَى الْبِلَاد، فَبعث إِلَى الْكُوفَة
следующие страницы →