Полный текст (708 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وفيهَا: تغلب الفرنج بِنَاحِيَة دمشق بعد ملكهم عسقلان حَتَّى استعرضوا كل مَمْلُوك وَجَارِيَة بِدِمَشْق من النَّصَارَى، فأطلقوا مِنْهُم كل من أَرَادَ الْخَلَاص قهرا فخشي نور الدّين أَن يملكُوا دمشق، فاستمال أَهلهَا فِي الْبَاطِن، ثمَّ حاصرها فَفتح لَهُ الْبَاب الشَّرْقِي، فَملك الْمَدِينَة وَحصر مجير الدّين أبق بن مُحَمَّد بن بوري بن طغتكين فِي القلعة وبذل لَهُ أقطاعاً من جُمْلَتهَا حمص، فَسلم إِلَيْهِ وَأَعْطَاهُ عوض حمص بالس فَلم يرضها، وَسَار عَنْهَا وَأقَام بِبَغْدَاد وَبنى دَارا قرب النظامية وسكنها حَتَّى مَاتَ.
وفيهَا: أَو الَّتِي بعْدهَا ملك نور الدّين قلعة تل بَاشر من الفرنج.
ثمَّ دخلت سنة خمسين وَخَمْسمِائة " فِيهَا حصر الْخَلِيفَة المقتفي دقوقاً وبلغه حَرَكَة عَسْكَر الْموصل إِلَيْهِ فَرَحل عَنْهَا.
وفيهَا: هجم الغز نيسابور بِالسَّيْفِ، وَقيل كَانَ مَعَهم سنجر وَله من السلطنة اسْمهَا يدّخر طَعَام وَقت إِلَى وَقت لتقصيرهم فِي حَقه.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَخمسين وَخَمْسمِائة: فِيهَا لم تبْق من إفريقية مَعَ الفرنج سوى المهدية وسوسه.
وفيهَا: قبض زين الدّين عَليّ كوجل نَائِب قطب الدّين مودود بن زنكي صَاحب الْموصل على الْملك سُلَيْمَان شاه بن مُحَمَّد بن ملك شاه السلجوقي، وَكَانَ سُلَيْمَان قد قدم بَغْدَاد، وخطب لَهُ بالسلطنة هَذِه السّنة، وقلده المقتفي وخلع عَلَيْهِ وَخرج بعسكر الْخَلِيفَة ليملك بِلَاد الْجَبَل، فاقتتل هُوَ وَابْن عَمه السُّلْطَان مُحَمَّد بن مَحْمُود بن ملك شاه، فَانْهَزَمَ سُلَيْمَان شاه يُرِيد بَغْدَاد فَمر على شهر زور فَأسرهُ عَليّ كوجل بعسكر الْموصل، وحبسه بقلعة الْموصل مكرماً حَتَّى كَانَ مِنْهُ مَا سَيذكرُ سنة خمس وَخمسين.
وفيهَا: تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة توفّي خوارزم شاه أتسز بن مُحَمَّد بن أنوش تكين قلج فَاسْتعْمل شَدِيد الْحَرَارَة فَهَلَك، ومولده سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ حسن السِّيرَة، وَملك بعده ابْنه أرسلان.
وفيهَا توفّي الْملك مَسْعُود: بن قلج أرسلان بن سُلَيْمَان بن قتلمش بن أرسلان بن سلجوق صَاحب قونيه وَالروم، وَملك بعده ابْنه قلج أرسلان.
وفيهَا: فِي رَمَضَان هرب سنجر السُّلْطَان من أَمِير الغز إِلَى قلعة ترمذ ثمَّ إِلَى جيحون وَوصل دَار ملكه بمرو فمدة أسره من سادس جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين إِلَى رَمَضَان سنة إِحْدَى وَخمسين وَخَمْسمِائة.
وفيهَا: يابع عبد الْمُؤمن لوَلَده مُحَمَّد بن بِولَايَة الْعَهْد وَكَانَت لأبي حَفْص عمر من أَصْحَاب ابْن تومرت من أكبر الْمُوَحِّدين، فَأجَاب إِلَى خلع نَفسه وَولَايَة ابْن عبد الْمُؤمن.
وفيهَا: اسْتعْمل عبد الْمُؤمن ابْنه عبد الله على بجاية، وَابْنه عمر على تلمسان، وَابْنه
стр. 422
عليا على فاس، وَابْنه أَبَا سعيد على سبته والجزيرة الخضراء ومالقه وَكَذَلِكَ غَيرهم.
وفيهَا: سَار الْملك مُحَمَّد بن مَحْمُود السلجوقي من هَمدَان بعساكر وَحصر بَغْدَاد، وحصن المقتفي دَار الْخلَافَة واعتد للحصار وَاشْتَدَّ الْأَمر على أهل بَغْدَاد، فَبلغ مُحَمَّدًا أَن أَخَاهُ ملك شاه وايل دكر صَاحب بِلَاد أران وَمَعَهُ الْملك أرسلان بن طغرل بك بن مُحَمَّد وايل دكر، كَانَ متزوجاً بِأم أرسلان، قد دخلُوا هَمدَان، فَرَحل الْملك مُحَمَّد عَن بَغْدَاد نحوهم فِي ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَخَمْسمِائة.
وفيهَا: احترقت بَغْدَاد حَتَّى دَار الْخلَافَة وَغَيرهَا.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْحسن بن الْخلّ شيخ الشَّافِعِيَّة فِي بَغْدَاد من أَصْحَاب الشَّاشِي عَالم عَامل، وَتُوفِّي ابْن الْآمِدِيّ الشَّاعِر من النّيل فِي طبقَة الْغَزِّي والأرجاني، وعمره فَوق التسعين.
وفيهَا: قتل فِي الْحمام مظفر بن حَمَّاد صَاحب البطيحة، وتولاها ابْنه.
وفيهَا: توفّي الوأواء الْحلَبِي الشَّاعِر الْمَشْهُور.
وفيهَا: توفّي أَبُو جَعْفَر بن مُحَمَّد البُخَارِيّ بإسفراين عَالم بالفلسفة.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَخَمْسمِائة:
أَخْبَار بني منقذ والزلازل
فِيهَا: فِي رَجَب زلزل الشَّام فَخرجت حماة وشيزر وحمص وحصن الأكراد، وطرابلس وأنطاكية وَغَيرهَا من مجاوراتها، وَوَقعت الأسوار والقلاع، فَقَامَ نور الدّين أتم قيام وتدارك بالعمارة، وأغار على الفرنج ليشغلهم عَن الْإِسْلَام، وَهلك مَا لَا يُحْصى حَتَّى أَن معلم كتاب بحماه فَارق الْمكتب وَجَاءَت الزلزلة فَسقط الْمكتب على الصّبيان فَلم يحضر أحد يسْأَله عَن صبي، وَكَانَ بعض أُمَرَاء نور الدّين بِالْقربِ من شيزر فَصَعدَ إِلَيْهَا خربة وتسلمها نور الدّين وَعمر أسوارها، وَكَانَ بَنو منقذ الكنانيين يتوارثونها من أَيَّام صَالح بن مرداس؛ قَالَه ابْن الْأَثِير، وَقَالَ ابْن خلكان وَابْن أبي الدَّم: استولى بَنو منقذ على شيزر سنة أَربع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة أَخذهَا من الرّوم عَليّ بن مقلد بن نصر بن منقذ، وَكتب إِلَى بَغْدَاد كتابي من حَضْرَة شيزر رحمهمَا الله تَعَالَى وَقد رَزَقَنِي الله من الِاسْتِيلَاء على هَذَا الْعقل الْعَظِيم مَا لم يتأت لمخلوق فِي هَذَا الزَّمَان، وَإِذا عرف الْأَمر على حَقِيقَته علم أَنِّي هاروت هَذِه الْأمة وَسليمَان الْجِنّ والمردة، وأنني أفرق بَين الْمَرْء وَزَوجته واستزل الْقَمَر من مَحَله أَنا أَبُو النَّجْم وشعري شعري نظرت إِلَى هَذَا الْحصن فَرَأَيْت أمرا يذهل الْأَلْبَاب يسع ثَلَاثَة آلَاف رجل بالأهل وَالْمَال، ويمسكه خمس نسْوَة فعمدت إِلَى تل بَينه وَبَين حصن الرّوم يعرف بالجراص، وَيُسمى هَذَا التل تل الجسر فعمرته حصناً وجمعت فِيهِ أَهلِي وعشيرتي ونفرت ونفرة على حصن الجراص فَأَخَذته بِالسَّيْفِ من الرّوم وَمَعَ ذَلِك فَلَمَّا أخذت من بِهِ من الرّوم أَحْسَنت إِلَيْهِم وأكرمتهم ومزجتهم بأهلي وخلطت خنازيرهم بغنمي ونواقيسهم بِصَوْت
стр. 423
الْأَذَان، فَرَأى أهل شيزر فعلي ذَلِك فأنسوا بِي وَوصل إِلَيّ مِنْهُم قريب نصفهم فبالغت فِي إكرامهم وَوصل إِلَيْهِم مُسلم بن قُرَيْش الْعقيلِيّ فَقتل من أهل شيزر نَحْو عشْرين رجلا فَلَمَّا انْصَرف مُسلم عَنْهُم سلمُوا الْحصن إِلَيّ وَكَانَ مَا قَالَه ابْن الْأَثِير أولى لِأَن حماه وشيزر فتحتا على يَد أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ﵁.
وَاسْتمرّ الشَّام للْمُسلمين إِلَى حُدُود سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة فَملك الفرنج غَالب الشَّام لقِتَال بعض مُلُوك الْمُسلمين بَعْضًا، وَلم يذكر ملكهم لشيزر، قَالَ ابْن الْأَثِير: فَلَمَّا انْتهى ملك شيزر إِلَى نصر بن عَليّ بن نصر بن منقذ، اسْتمرّ فِيهَا إِلَى أَن مَاتَ سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَعند مَوته اسْتخْلف أَخَاهُ مرشد بن عَليّ على حصن شيزر فَقَالَ مرشد: وَالله لأوليته ولأخرجن من الدُّنْيَا كَمَا دَخَلتهَا، ومرشد وَالِد مؤيد الدولة أُسَامَة فولاها نصر أَخَاهُ الصَّغِير سُلْطَان بن عَليّ وَاسْتمرّ مرشد مَعَ أَخِيه سُلْطَان على أجمل صُحْبَة مُدَّة، وَكَانَ لمرشد أَوْلَاد نجباء وَلَيْسَ لسلطان ولد فَلَمَّا جَاءَ لسلطان أَوْلَاد خشِي عَلَيْهِم من أَوْلَاد أَخِيه مرشد وسعى بَينهمَا فَتغير كل مِنْهُمَا على الآخر، فَكتب سُلْطَان إِلَى مرشد يعاتبه وَكَانَ مرشد شَاعِرًا فَأَجَابَهُ:
(شكت هجرنا والذنب فِي ذَاك ذنبها ... فيا عجبا من ظَالِم جَاءَ شاكياً)
(وطاوعت الواشين فِي وطالما ... عصيت عذولاً فِي هَواهَا وواشياً)
(وَمَال بهاتيه الْجمال إِلَى القلى ... وهيهات إِن أَمْسَى لَهَا الدَّهْر قاليا)
(وَلما أَتَانِي من قريضك جَوْهَر ... جمعت الْمعَانِي فِيهِ والمعاليا)
(وَكنت هجرت الشّعْر حينا لِأَنَّهُ ... تولى برغمي حِين ولى شبابيا)
(وَقلت أخي يرْعَى بني وأسرتي ... ويحفظ عهدي فيهم وذماميا)
(فَمَا لَك لما أَن حَنى الدَّهْر صعدتي ... وثلم مني صَارِمًا كَانَ مَاضِيا)
(تنكرت حَتَّى صَار برك قسوة ... وقربك مني جفوة وتنائياً)
(على أنني مَا حلت عَمَّا عهدته ... وَلَا غيرت هذي السنون وداديا)
وتماسك الْأَمر بَينهمَا إِلَى أَن توفّي مرشد سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة، فأظهر سُلْطَان التَّغَيُّر على أَوْلَاد مرشد وجاهرهم بالعداوة ففارقوا شيزر، وَقصد أَكْثَرهم نور الدّين وَشَكوا إِلَيْهِ عمهم فَغَاظَهُ ذَلِك وَلم يُمكنهُ قَصده لاشتغاله بالفرنج وبقى سُلْطَان كَذَلِك إِلَى أَن توفّي، وَولي أَوْلَاده فَلَمَّا خربَتْ القلعة بالزلزلة فِي هَذِه السّنة لم ينج من بني منقذ بهَا أحد فَإِن صَاحبهَا مِنْهُم ختن وَلَده ودعا النَّاس وَجَمِيع بني منقذ إِلَى دَاره فَأسْقطت الزلزلة الدَّار عَلَيْهِم فهلكوا عَن آخِرهم إِلَّا وَاحِدًا مِنْهُم طلب بَاب الدَّار فرفسه حصان بِالْبَابِ لصَاحب شيزر مِنْهُم فَقتله.
قلت:
(إِذا مَا قضى الله أمرا فَمن ... يرد الْقَضَاء الَّذِي ينفذ)
стр. 424
(عجبت لشيزر إِذْ زلزلت ... فَمَا لبني منقذ منقذ)
وَقد أذكرني هَذَا شَيْئا وَهُوَ أَن القَاضِي فَخر الدّين عُثْمَان بن الْبَارِزِيّ الْحَمَوِيّ قَاضِي الْقُضَاة بحلب، كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى ولاني الحكم بشيرز فَلَمَّا دَخَلتهَا صرعتني بِزَفْرَةٍ هوائها، وَأرْسلت إِلَى الوخم على فَتْرَة من مَائِهَا، وزارتني الْحمى غبا حَتَّى ازددت للْمَوْت حبا، فَكتبت إِلَيْهِ عاتباً عَلَيْهِ:
(أَبَا باعثي أَقْْضِي بشيزر مَا الَّذِي ... أردْت قضي أشغالهم أم قضي نحبي)
(حكيت بهَا الناعور حَالا لأنني ... بَكَيْت عَليّ جسمي وَردت على قلبِي)
وكتبت إِلَى ابْنه كَمَال الدّين مُحَمَّد:
(قيل لي شيزر نَار ... وَبهَا القَاضِي مخلد)
(قلت لَا أمكث فِيهَا ... أَنا من حزب مُحَمَّد)
فَلَمَّا وقف على ذَلِك أعفاني مِنْهَا وَالله أعلم.
وفيهَا: فِي ريبع الآخر توفّي السُّلْطَان سنجر السلجوقي بالقولنج ثمَّ الإسهال، كَانَ مهيباً كَرِيمًا، وَلما وصل خَبره إِلَى بَغْدَاد قطعت خطبَته واستخلف سنجر على خُرَاسَان الْملك مَحْمُود بن مُحَمَّد بن بغداخان ابْن أُخْت سنجر فَأَقَامَ خَائفًا من الغز.
وفيهَا: استولى أَبُو سعيد عبد الْمُؤمن على غرناطة من الملثمين وانقرضت دولة الملثمين وَلم تبْق لَهُم غير جَزِيرَة ميورقة، ثمَّ فتح أَبُو سعيد المرية من الفرنج بعد ملكهم لَهَا عشر سِنِين.
وفيهَا: أَخذ نور الدّين بعلبك من ضحاك البقاعي، ولاه إِيَّاهَا صَاحب دمشق.
وفيهَا: قلع الْخَلِيفَة المقتفي بَاب الْكَعْبَة وَعمل عوضه بَابا مصفحاً بِالْفِضَّةِ المذهبة، وَعمل لنَفسِهِ من الْبَاب تابوتاً يدْفن فِيهِ.
وفيهَا: مَاتَ مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف بن مُحَمَّد الخجندي رَئِيس الشَّافِعِيَّة بأصبهان مقدم عِنْد السلاطين.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَخمسين وَخَمْسمِائة: فِيهَا قصد ملك شاه بن مَحْمُود السلجوقي قُم وقاشان ونهبهما، وَكَانَ أَخُوهُ السُّلْطَان مُحَمَّد بعد رحيله عَن حِصَار بَغْدَاد قد مرض طَويلا فَأرْسل إِلَى أَخِيه ملك شاه أَن يكف عَن النهب، ويجعله ولي عَهده فَلم يقبل ملك شاه ذَلِك، ثمَّ سَار ملك شاه إِلَى خوزستان وَأَخذهَا من صَاحبهَا شملة التركماني.
وفيهَا: توفّي بميافارقين معِين الدّين أَبُو الْفضل يحيى بن سَلامَة بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الْخَطِيب الحصكفي، ومولده بطنزة.
وَمن شعره:
(وخليع بت أعذله ... وَيرى عذلي من الْعَبَث)
стр. 425
(قلت إِن الْخمر مخبثة ... قَالَ حاشاها من الْخبث)
(قلت فالأرفاث تتبعها ... قَالَ طيب الْعَيْش فِي الرَّفَث)
(قلت مِنْهَا الْقَيْء قَالَ أجل ... شرفت عَن مخرج الْحَدث)
(وسأسلوهما فَقلت مَتى ... قَالَ عِنْد الْكَوْن فِي الجدث)
قلت: نَشأ بحصن كيفا، وَقَرَأَ الْأَدَب على التبريزي بِبَغْدَاد وأجاد فِي الْفِقْه على مَذْهَب الشَّافِعِي، ثمَّ ولي خطابة ميافارقين، وَكَانَ إِلَيْهِ أَمر الْفَتْوَى واشتغل عَلَيْهِ النَّاس قَالَ فِيهِ الْعِمَاد الْأَصْفَهَانِي فِي الخريدة، كَانَ عَلامَة الزَّمَان فِي علمه، ومعري الأَصْل فِي نثره ونظمه.
أنْشد لَهُ بَعضهم خَمْسَة أَبْيَات كالخمسة السيارات وَهِي:
(أَشْكُو إِلَى الله من نارين وَاحِدَة ... فِي وجنتيه وَأُخْرَى مِنْهُ فِي كَبِدِي)
(وَمن سقامين سقم قد أحل دمي ... من الجفون وسقم حل فِي جَسَدِي)
(وَمن نمومين دمعي حِين أذكرهُ ... يذيع سري وواش مِنْهُ بالرصد)
(وَمن ضعيفين صبري حِين أذكرهُ ... ووده وَيَرَاهُ النَّاس طوع يَدي)
(مهفهف رق حَتَّى قلت من عجب ... أخصره خنصري أم جلده جلدي)
وَمن مليح شعره مغنياً:
(ومسمع غناءه ... يُبدل بالفقر الْغنى)
(أبصرته فَلم تخب ... فراستي لما دنا)
(وَقلت من ذَا وَجهه ... كَيفَ يكون محسناً)
(ورمت أَن أروج ... الظَّن بِهِ ممتحناً)
(فَقلت من بَينهم ... هَات أخي غن لنا)
(فاشتال مِنْهُ حَاجِب ... وحاجب مِنْهُ انحنى)
(وامتلأ الْمجْلس من ... فِيهِ غثاء منتناً)
(وَصَاح صَوتا مُنْكرا ... يخرج عَن حد الْبَنَّا)
(فَذا يسد أَنفه ... وَذَا يسد الأذنا)
(وَمِنْهُم جمَاعَة ... تستر عَنهُ الأعينا)
(فَقلت يَا قوم اسمعوا ... أما الْمُغنِي أَو أَنا)
(وَحين ولى شخصه ... قَرَأت فيهم مُعْلنا)
(الْحَمد لله الَّذِي ... أذهب عَنَّا الحزنا)
وَقد ذكرت بِهَذَا بَيْتَيْنِ لي فِي هجو مغن وهما:
(غنى لنا يَوْم ... فَمَاتَ بدار رفاقي)
(يَا ليتنا فِي حجاز ... إِذا شدا فِي الْعرَاق)
стр. 426
وبيتين لي أَيْضا فِي مدح مغن وهما:
(ومغن إِن شداكم منشداً ... أعذب الغي وأغوى العذبا)
(كالصبا هبت بأغصان الصِّبَا ... تطرب الْحَيّ وتحيي الطربا)
وَالله أعلم.
ذكر فتح المهدية
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَخمسين وَخَمْسمِائة: وفيهَا: نَازل عبد الْمُؤمن المهدية وَأَخذهَا من الفرنج يَوْم عَاشُورَاء سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة وَملك جَمِيع إفريقية وَأعَاد إِلَيْهَا الْحسن بن عَليّ الصنهاجي صَاحبهَا أَولا ورحل إِلَى الْمغرب.
وفيهَا: توفّي السُّلْطَان مُحَمَّد بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن ملك شاه السلجوقي فِي ذِي الْحجَّة بالسل بِبَاب هَمدَان، ومولده سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَخَمْسمِائة، وَكَانَ كَرِيمًا عَاقِلا، وَلما حَضَره الْمَوْت أودع ابْنه الصَّغِير عِنْد أقسنقر الأحمديلي علما أَن العساكر لَا تطيع مثله فَرَحل بِهِ إِلَى بَلَده مراغة، وَلما مَاتَ طلبت طَائِفَة من الْأُمَرَاء تمْلِيك أَخِيه ملك شاه وَطلبت طَائِفَة سُلَيْمَان شاه بن مُحَمَّد بن ملك شاه الَّذِي كَانَ معتقلاً بالموصل وهم الْأَكْثَر وَطلبت طَائِفَة أرسلان بن طغرل بك الَّذِي مَعَ ايل دكر وَسَار أَخُوهُ ملك شاه إِلَى أَصْبَهَان فملكها.
وفيهَا: مرض نور الدّين بن زنكي مَرضا أرجف لَهُ بِمَوْتِهِ بقلعة حلب فَحَضَرَ أَخُوهُ أَمِير ميران قلعة حلب وَسَار شيركوه من حمص ليستولي على دمشق وَبهَا أَخُوهُ نجم الدّين أَيُّوب، فَأنْكر أَيُّوب ذَلِك وَقَالَ: أهلكتنا وَأَشَارَ على شيركوه فَعَاد إِلَى حلب مجداً وَجلسَ نور الدّين فِي شباك فَرَآهُ النَّاس فَتَفَرَّقُوا عَن أَخِيه أَمِير ميران واستقام الْحَال.
وفيهَا: أَزَال عَليّ بن مهْدي ملك بني نجاح كَمَا مر وَعلي من قَرْيَة العنيزة من سواحل زييد، كَانَ أَبوهُ مهْدي صَالحا، وَنَشَأ عَليّ كأبيه متمسكاً بالصلاح، حج وتعرف بالعراقيين، ثمَّ صَار واعظاً عَالما بالتفسير، حَافِظًا يتحدث فِي شَيْء من أَحْوَاله المستقبلات فَيصدق فمالت إِلَيْهِ الْقُلُوب، واستفحل أمره، فَسَار وَأقَام بالجبال إِلَى سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة.
ثمَّ عَاد إِلَى أملاكه وَكَانَ يَقُول فِي وعظه: دنا الْوَقْت أزف الْأَمر كأنكم بِمَا أَقُول لكم وَقد رَأَيْتُمُوهُ عيَانًا. ثمَّ عَاد إِلَى حصن الشّرف بالجبال لبطن من خولان فأطاعوه وَسَمَّاهُمْ الْأَنْصَار وسمى من صعد مَعَه من تهَامَة الْمُهَاجِرين، وَأقَام سبا على خولان والتويتي على الْمُهَاجِرين وسمى كلا مِنْهُمَا شيخ الْإِسْلَام وجعلهما نقيبين على الطَّائِفَتَيْنِ لَا يخطبه غَيرهمَا وهما يوصلان كَلَامه إِلَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَكَلَام الطَّائِفَتَيْنِ وحوائجهما إِلَيْهِ، وَشن الغارات حَتَّى أخلى الْبَوَادِي وَقطع الْحَرْث والقوافل، وَاسْتمرّ يحاصر زبيد حَتَّى قتل فاتك بن مُحَمَّد آخر مُلُوك بني نجاح، قَتله عُبَيْدَة وَجرى بَين ابْن مهْدي وَعبيد فاتك حروب كَثِيرَة، وَآخِرهَا أَنه انتصر
стр. 427
وَاسْتقر فِي دَار الْملك بزبيد يَوْم الْجُمُعَة رَابِع عشر رَجَب من هَذِه السّنة أَعنِي سنة أَربع وَخمسين وَخَمْسمِائة، وَبَقِي فِي الْملك شَهْرَيْن وَأحد عشر يَوْمًا، وَمَات فِي شَوَّال فَملك الْيمن ابْنه مهْدي ثمَّ ابْنه عبد النَّبِي بن مهْدي، ثمَّ خرجت المملكة عَن عبد النَّبِي الْمَذْكُور إِلَى أَخِيه عبد الله ثمَّ عَادَتْ إِلَى عبد النَّبِي وَاسْتمرّ إِلَى أَن فتح الْيمن توران شاه بن أَيُّوب من مصر سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة، وَأسر عبد النَّبِي وَهُوَ آخِرهم.
وَكَانَ مَذْهَب عَليّ بن مهْدي التَّكْفِير بِالْمَعَاصِي، وَقتل من يُخَالف اعْتِقَاده من أهل الْقبْلَة واستباحة وَطْء نِسَائِهِم، واسترقاق ذَرَارِيهمْ وَقتل من شرب الْخمر وَسمع الْغناء. وَكَانَ حَنَفِيّ الْفُرُوع، وَأَصْحَابه يَعْتَقِدُونَ فِيهِ فَوق مَا يَعْتَقِدهُ النَّاس فِي الْأَنْبِيَاء ﵈.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة:
ذكر مسير سُلَيْمَان شاه إِلَى هَمدَان وَقَتله
لما مَاتَ مُحَمَّد بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن ملكشاه أرْسلت الْأُمَرَاء وطلبوا عَمه سُلَيْمَان شاه بن مُحَمَّد بن ملكشاه ليولوه السلطنة، وَكَانَ قد اعتقل بالموصل مكرماً فجهزه قطب الدّين مودود بن زنكي صَاحب الْموصل بجهاز يَلِيق بالسلطنة، وَسَار مَعَه زين الدّين عَليّ كجك بعسكر الْموصل إِلَى هَمدَان وَأَقْبَلت العساكر إِلَيْهِم، وَكَانَ عِنْد سُلَيْمَان تهور وإدمان شرب حَتَّى فِي رَمَضَان فَأَهْمَلَهُ الْعَسْكَر وصاروا لَا يحْضرُون بَابه، وَكَانَ قد رد الْأُمُور إِلَى شرف الدّين كردبازو من مَشَايِخ الخدام السلجوقية وَعِنْده دين وتدبير، فَشرب سُلَيْمَان يَوْمًا بالكشك ظَاهر هَمدَان فَحَضَرَ كردبازو ولامه فكشف بعض مساخر سُلَيْمَان لَهُ سوأته فحقد كردبازو وَعمل لَهُ دَعْوَة عَظِيمَة فِي دَاره وَقَبضه فِيهَا وحبسه مُدَّة ثمَّ أرسل إِلَيْهِ من خنقه، وَقيل سمه فَلَمَّا مَاتَ سَار إيلدكر فِي عشْرين ألفا وَمَعَهُ أرسلان شاه بن طغرل بك بن مُحَمَّد بن ملكشاه بن ألب أرسلان وَوصل هَمدَان فَلَقِيَهُ كردبازو وأنزله فِي دَار المملكة، وخطب لَهُ بالسلطنة وَكَانَ لأيلدكر من أم أرسلان شاه أَوْلَاد مِنْهُم البهلوان مُحَمَّد وقزل أرسلان عُثْمَان فبقى أيلدكر أتابك أرسلان والبهلوان أَخُو أرسلان لامه حَاجِبه، وَهَذَا أيلدكر كَانَ قد اشْتَرَاهُ السُّلْطَان مَسْعُود ثمَّ أقطعه أران من بِلَاد أذربيجان فَعظم، وَلما خطب لأرسلان شاه فِي تِلْكَ الْبِلَاد طلب ايلدكر أَن يخْطب لَهُ أَيْضا بِبَغْدَاد على عَادَة السلجوقية فَلم يجب إِلَى ذَلِك.
وفيهَا: توفّي الفائز بنصر الله أَبُو الْقَاسِم عِيسَى بن إِسْمَاعِيل الظافر خَليفَة مصر، وخلافته سِتّ سِنِين وَنَحْو شَهْرَيْن، ولي وعمره خمس سِنِين، وَلما مَاتَ دخل الصَّالح بن زريك الْقصر وَسَأَلَ عَمَّن يصلح فأحضر لَهُ مِنْهُم إِنْسَان كَبِير السن فَقَالَ بعض أَصْحَاب الصَّالح لَهُ: لَا يكون عَبَّاس أحزم مِنْك حَيْثُ اخْتَار الصَّغِير فأحضر العاضد لدين الله أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن الْأَمِير يُوسُف بن الْحَافِظ مراهقاً، وَبَايع لَهُ وزوجه الصَّالح ابْنَته وَنقل مَعهَا مَا لَا سمع بِمثلِهِ.
стр. 428
وفيهَا: ثَانِي ربيع الأول (توفّي المقتفي) لأمر الله الْخَلِيفَة أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن المستظهر بعلة التراقي، ومولده ثَانِي ربيع الآخر سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَأمه أم ولد، وخلافته أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَسِتَّة عشرَة يَوْمًا، وَكَانَ حسن السِّيرَة، أَقَامَ حشمة الدولة العباسية وَقطع عَنْهَا طمع السلاطين بذل الْأَمْوَال لأَصْحَاب الْأَخْبَار حَتَّى كَانَ لَا يفوتهُ شَيْء.
" بُويِعَ ابْنه " يُوسُف المستنجد بِاللَّه الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ مِنْهُم، وَأمه طَاوس أم ولد، وَبَايَعَهُ أَهله وأقاربه، فَمنهمْ عَمه أَبُو طَالب وَأَخُوهُ أَبُو جَعْفَر بن المقتفي، وَكَانَ أكبر من المستنجد، ثمَّ بَايعه الْوَزير ابْن هُبَيْرَة، وقاضي الْقُضَاة وَغَيرهم.
وفيهَا: فِي رَجَب توفّي خسروشاه بن بهْرَام شاه صَاحب غزنة وَكَانَ عادلاً، وَملك بعده ابْنه ملكشاه، وَقيل توفّي خسروشاه فِي حبس غياث الدّين الغوري، وَأَنه آخر مُلُوك بني سبكتكين حَسْبَمَا مر سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
وفيهَا: توفّي ملكشاه بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بأصفهان مسموماً.
وفيهَا: حج أَسد الدّين شيركوه بن شادي مقدم جَيش نور الدّين مَحْمُود بن زنكي.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَخمسين وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي ربيع الآخر توفّي عَلَاء الدّين الْحُسَيْن بن الْحُسَيْن ملك الْغَوْر، وَكَانَ عادلاً.
وَملك بعده ابْن أَخِيه غياث الدّين مُحَمَّد كَمَا مر سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة.
وفيهَا: تقدم الْمُؤَيد آي بِهِ بإمساك أَعْيَان نيسابور كَانُوا رُؤَسَاء للحرامية، وَأخذ الْمُؤَيد يقتل المفسدين فخربت نيسابور حَتَّى مَسْجِد عقيل مجمع الْعلمَاء والكتب الْوَقْف وَسبع عشرَة مدرسة شافعية، وأحرق وَنهب عدَّة من خَزَائِن الْكتب، وَأمر بإصلاح سور الشاذياخ، وسكنها هُوَ وَالنَّاس، فَلم يبْق بنيسابور أحد.
بنى الشاذياخ عبد الله بن طَاهِر أَمِير خُرَاسَان لِلْمَأْمُونِ ثمَّ خرجت ثمَّ جددت أَيَّام ألب أرسلان السلجوقي ثمَّ تشعثت حَتَّى أصلحها آي بِهِ.
وفيهَا: فِي رَمَضَان (قتل الْملك الصَّالح) طلائع بن زريك الأرمني وَزِير العاضد الْعلوِي جهزت عَلَيْهِ عمَّة العاضد من قَتله وَهُوَ دَاخل الْقصر بالسكاكين وَحمل إِلَى بَيته جريحاً، وعتب على العاضد فتبرأ وَحلف وَأرْسل عمته إِلَيْهِ فَقَتلهَا، وَسَأَلَ من العاضد تَوْلِيَة ابْنه زريك، فولاه الوزارة ولقبه الْعَادِل.
وللصالح طلائع شعر حسن، فَمِنْهُ فِي الْفَخر:
(أَبى الله إِلَّا أَن يدين لنا الدَّهْر ... ويخدمنا فِي ملكنا الْعِزّ والنصر)
(علمنَا بِأَن المَال تفنى ألوفه ... وَيبقى لنا من بعده الْأجر وَالذكر)
стр. 429
(خلطنا الندى بالبأس حَتَّى كأننا ... سَحَاب لَدَيْهِ الْبَرْق والرعد والقطر)
وفيهَا: ملك عِيسَى بن قَاسم بن أبي هَاشم مَكَّة، وَكَانَ أميرها قَاسم بن أبي فليته بن قَاسم فصادر المجاورين واعيان مَكَّة وهرب، فَلَمَّا وصل الْحَاج رتب أَمِير الْحَاج مَكَانَهُ عَمه عِيسَى الْمَذْكُور، ثمَّ جمع قَاسم وَقصد عِيسَى فَرَحل عِيسَى عَنْهَا فملكها قَاسم فكاتب الْعَرَب عِيسَى فَقدم إِلَيْهِم وهرب قَاسم إِلَى جبل أبي قبيس فَسقط عَن فرسه فَقتله أَصْحَاب عِيسَى فَغسله عِيسَى وَدَفنه بالمعلاة عِنْد أَبِيه أبي فليتة واستقرت مَكَّة لعيسى.
وفيهَا: عبر عبد الْمُؤمن الْمجَاز إِلَى الأندلس وَبنى على جبل طَارق مَدِينَة حَصِينَة أَقَامَ بهَا شهرا ثمَّ عَاد إِلَى مراكش.
وفيهَا: ملك قرا أرسلان صَاحب حصن كيفا قلعة شَاتَان من الأكراد وخربها وأضاف عَملهَا إِلَى حصن طَالب.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة: فِيهَا نَازل نور الدّين حارم، وَبهَا الفرنج وَعَاد لم يملكهَا.
وفيهَا: سَار الكرج فِي جمع عَظِيم وملكوا أردوين ونهبوها فَجمع أيلدكر صَاحب أذربيجان وغزاهم.
وفيهَا: وَقع قتال بَين صَاحب مَكَّة وأمير الْحَاج فَرَحل الْحَاج وَلم يقدر بَعضهم على الطّواف.
قَالَ ابْن الْأَثِير: وَكَانَ مِمَّن حج وَلم يطف جدته أم أَبِيه فوصلت بلادها على إحرامها فاستفتت الشَّيْخ أَبَا الْقَاسِم بن البرزي فَأفْتى أَنَّهَا إِذا دَامَت على مَا بَقِي من إحرامها إِلَى قَابل وطافت كمل حَجهَا، ثمَّ تفدي وتتحل ثمَّ تحرم إحراماً ثَانِيًا وتقف بِعَرَفَات وتكمل مَنَاسِك الْحَج فَتَصِير لَهَا حجَّة ثَانِيَة فَفعلت كَمَا قَالَ فتم حَجهَا الأول وَالثَّانِي.
وفيهَا: مَاتَ الكيا الصباحي صَاحب ألموت الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَقَامَ ابْنه مقَامه فأظهر التَّوْبَة.
وفيهَا: فِي الْمحرم توفّي الشَّيْخ عدي بن مُسَافر الزَّاهِد بِبَلَد الهكارية من أَعمال الْموصل، أَصله من بلد بعلبك وانتقل إِلَى الْموصل، وَتَبعهُ أهل السوَاد وَالْجِبَال وأحسنوا بِهِ الظَّن.
قلت: قَالَ الشَّيْخ الإِمَام نور الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن يُوسُف بن جرير بن معضاد بن فضل اللَّخْمِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي كِتَابه بهجة الْأَسْرَار ومعدن الْأَنْوَار إِن شيخ الْإِسْلَام محيي الدّين عبد الْقَادِر الجيلي كَانَ يُنَوّه بِذكر عدي ويثني عَلَيْهِ كثيرا وَشهد لَهُ بالسلطنة وَقَالَ: لَو كَانَت النُّبُوَّة تنَال بالمجاهدة لنالها عدي بن مُسَافر.
وَعَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الله البطايحي قَالَ: كَانَ الشَّيْخ عدي إِذا سجد سمع لمخه
стр. 430
فِي رَأسه صَوت كصوت وَقع الْحَصَاة فِي الْقرعَة الْيَابِسَة من شدَّة المجاهدة وَأقَام فِي أول أمره فِي المفازات وَالْجِبَال والصحاري مُجَردا وسائحاً يَأْخُذ نَفسه بأنواع المجاهدات، وَكَانَت الْجبَال تألفه والهوام وَالسِّبَاع تألفه فِيهَا وَهُوَ أحد من تصدر لتربية المريدين الصَّادِقين بِبِلَاد الشرق، وانْتهى إِلَيْهِ تسليكهم وكشف مشكلات أَحْوَالهم، وَغسل تَاج العارفين أَبَا الْوَفَاء رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَهُوَ شَاب.
وَعَن الشَّيْخ الصَّالح أبي عبد الله مُحَمَّد بن كَامِل الْحُسَيْنِي البيساني قَالَ: سَمِعت الشَّيْخ الْعَارِف أَبَا مُحَمَّد شاورالسيني الْمحلي بهَا يَقُول: صنع الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد وَلِيمَة ودعا إِلَيْهَا جَمِيع مَشَايِخ الْعرَاق وعلمائها فَحَضَرُوا كلهم إِلَّا الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَالشَّيْخ عديا وَالشَّيْخ أَحْمد بن الرِّفَاعِي رَحْمَة الله عَلَيْهِم، فَلَمَّا انْصَرف النَّاس قَالَ الْوَزير للخليفة: إِن الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَالشَّيْخ عديا وَالشَّيْخ أَحْمد لم يحضروا؟ فَقَالَ الْخَلِيفَة: فَكَأَن لم يحضر إِذن أحد، ثمَّ أَمر حَاجِبه أَن يَأْتِي الشَّيْخ عبد الْقَادِر فيدعوه وَأَن يبطق إِلَى جبل الهكار وَإِلَى أم عُبَيْدَة ليحضر الشَّيْخ عديا وَالشَّيْخ أَحْمد قَالَ: فَقَالَ لي الشَّيْخ عبد الْقَادِر قبل أَن يقوم الْحَاجِب من مجْلِس الْخَلِيفَة وَقبل أَن تسطر البطاقات: يَا شاور اذْهَبْ إِلَى الْمَسْجِد الَّذِي بِظَاهِر بَاب الحلبة تَجِد فِيهِ الشَّيْخ عدي بن مُسَافر وَمَعَهُ اثْنَان فادعهم إِلَيّ ثمَّ اذْهَبْ إِلَى مَقْبرَة الشونيزي تَجِد فِيهَا الشَّيْخ أَحْمد بن الرِّفَاعِي وَمَعَهُ اثْنَان فادعهم إِلَيّ، قَالَ: فَذَهَبت إِلَى الْمَسْجِد الَّذِي بِظَاهِر الحلبة فَوجدت الشَّيْخ عديا وَمَعَهُ اثْنَان، فَقلت: يَا سَيِّدي أجب الشَّيْخ عبد الْقَادِر فَقَالَ: سمعا وَطَاعَة، وَقَامُوا فَذَهَبت مَعَهم فَقَالَ لي الشَّيْخ عدي: يَا شاور الا تذْهب إِلَى الشَّيْخ أَحْمد كَمَا امرك الشَّيْخ؟ قلت بلَى فَأتيت مَقْبرَة الشونيزي فَوجدت الشَّيْخ أَحْمد وَمَعَهُ اثْنَان فَقلت: يَا سَيِّدي أجب الشَّيْخ عبد الْقَادِر فَقَالَ: سمعا وَطَاعَة، وَقَامُوا فتوافى الشَّيْخَانِ فِي بَاب رِبَاط الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَقت الْمغرب فَقَامَ إِلَيْهِم الشَّيْخ وتلقاهم فَمَا لَبِثُوا غير يسير حَتَّى جَاءَ الْحَاجِب إِلَى الشَّيْخ فوافاهما عِنْده فأسرع إِلَى الْخَلِيفَة وَأخْبرهُ باجتماعهم، فَكتب الْخَلِيفَة إِلَيْهِم بِخَطِّهِ يسألهم الْحُضُور وَبعث إِلَيْهِم وَلَده وحاجبه فَأَجَابُوهُ وذهبوا، وَأَمرَنِي الشَّيْخ بِالْمَسِيرِ مَعَه، فَلَمَّا كُنَّا بالشط إِذا الشَّيْخ عَليّ بن الهيتي رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَتَلقاهُ الْمَشَايِخ وَسَار مَعَهم فَأتى بِنَا إِلَى دَار حَسَنَة وَإِذا الْخَلِيفَة فِيهَا قَائِم مشدود الْوسط وَمَعَهُ خادمان وَلَيْسَ فِي الدَّار سواهُم، فَتَلقاهُمْ الْخَلِيفَة وَقَالَ لَهُم: يَا سادة إِن الْمُلُوك إِذا اجتازوا برعاياهم بسطوا لَهُم الْحَرِير ليطؤه، وَوضع لَهُم ذيله وسألهم أَن يمشوا عَلَيْهِ فَفَعَلُوا، وانْتهى بِنَا إِلَى سماط مُهَيَّأ فجلسوا وأكلوا وأكلنا مَعَهم، ثمَّ خَرجُوا وَأتوا إِلَى زِيَارَة قبر الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ وَكَانَت لَيْلَة شَدِيدَة الظلمَة فَجعل الشَّيْخ عبد الْقَادِر كلما مر بِحجر أَو خَشَبَة أَو جِدَار أَو قبر أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَيْهِ فيضيء كضوء الْقَمَر ويمشون فِي نوره إِلَى أَن يَنْتَهِي ضوءه فيشير الشَّيْخ إِلَى آخر فيضيء وَمَا زَالُوا يَمْشُونَ فِي النُّور وَلَيْسَ فيهم من يتَقَدَّم الشَّيْخ عبد الْقَادِر إِلَى قبر الإِمَام أَحْمد، فَدخل الْمَشَايِخ الْأَرْبَعَة يزورون ووقفنا على بَاب المزار حَتَّى خَرجُوا فَلَمَّا أَرَادوا ان يتفرقوا قَالَ الشَّيْخ عدي
стр. 431
للشَّيْخ عبد الْقَادِر: أوصني، قَالَ: أوصيك بِالْكتاب وَالسّنة ثمَّ تفَرقُوا.
وَعَن خَادِم الشَّيْخ عدي قَالَ: خدمته سبع سِنِين، وَشهِدت لَهُ خارقات إِحْدَاهمَا إِنِّي صببت على يَدَيْهِ يَوْمًا مَاء فَقَالَ لي: مَا تُرِيدُ؟ فَقلت أُرِيد تِلَاوَة الْقُرْآن فَإِنِّي لَا أحفظ مِنْهُ سوى الْفَاتِحَة وَسورَة الْإِخْلَاص وَحفظه عَليّ عسير جدا فَضرب بِيَدِهِ فِي صَدْرِي فَحفِظت الْقُرْآن كُله فِي وقتي، وَقلت لَهُ يَوْمًا: يَا سَيِّدي أَرِنِي شَيْئا من المغيبات فَأَعْطَانِي منديله وَقَالَ: ضَعْهُ على وَجهك فَوَضَعته، ثمَّ قَالَ لي: ارفعه فَرَفَعته فَرَأَيْت الْمَلَائِكَة الْكَاتِبين وَرَأَيْت مَا يسطرونه من أَعمال الْخَلَائق فأقمت على هَذِه الْحَالة ثَلَاثَة أَيَّام فتكدر عَليّ عيشي فاستغثت إِلَيْهِ، فَوضع ذَلِك المنديل على وَجْهي ثمَّ رفعته فاستتر عني ذَلِك الْأَمر كُله.
قَالَ: وَوصف لي يَوْمًا الشَّيْخ عقيلاً المنبجي وَهُوَ شيخ الشَّيْخ عدي فأطنب فِي ذكره. فَقلت: يَا سَيِّدي هَل لَك ان ترينيه فَأَعْطَانِي مرْآة وَأَمرَنِي أَن انْظُر فِيهَا فَنَظَرت شخصي ثمَّ توارى عني شخصي وَظهر لي شخص أرَاهُ وَلَا يخفي عني من وَجهه شَيْء فَقَالَ لي الشَّيْخ عدي: تأدب فَإِنَّهُ الشَّيْخ عقيل ودمت سَاعَة طَوِيلَة أنظرهُ كَذَلِك ثمَّ توارى عني وَظهر لي شخصي.
وَهُوَ الشَّيْخ شرف الدّين أَبُو الْفَضَائِل عدي بن مُسَافر بن إِسْمَاعِيل بن مُوسَى بن مَرْوَان بن الْحسن بن مَرْوَان بن الحكم بن مَرْوَان الْأمَوِي.
وَفِي هَذَا الْكتاب الْمَذْكُور أَن أَصله من حوران، وَأَنه توفّي سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة بلاكش.
وَكَانَ فَقِيها عَالما فصيحاً رَحْمَة الله عَلَيْهِ وعلينا، بِهِ ولعمري مَا أنصف الْمُؤلف فِي تَرْجَمته، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي صفر وزر شاور للعاضد الْعلوِي كَانَ يخْدم الصَّالح طلائع بن زريك فولاه الصَّعِيد ثمَّ عَزله الْوَزير الْعَادِل بن الصَّالح بن زريك فَجمع شاور جموعه وقصده فهرب وطرده وأمسكه وَقَتله وانقرضت بِهِ دولة بني زريك.
وَفِيه يَقُول عمَارَة اليمني:
(ولت ليَالِي بني زريك وانصرمت ... والمدح وَالشُّكْر فيهم غير منصرم)
(كَأَن صَالحهمْ يَوْمًا وَعَاد لَهُم ... فِي صدر ذَا الدست لم يقْعد وَلم يقم)
ووزر شاور وتلقب بأمير الجيوش وَأخذ أَمْوَال بني زريك، ثمَّ جمع الضرغام ونازعه فِي الوزارة فِي رَمَضَان، فَانْهَزَمَ شاور واستنجد بِنور الدّين، وَتمكن ضرغام وَقتل كثيرا من أُمَرَاء المصريين، فضعفت الدولة بذلك حَتَّى خرجت الْبِلَاد من أَيْديهم.
وفيهَا: فِي جمادي الْآخِرَة توفّي عبد الؤمن بن عَليّ فِي سلا وَأخْبر عِنْد مَوته أَن ابْنه
стр. 432
مُحَمَّدًا لَا يصلح وَأَن ابْنه يُوسُف يصلح فقدموه وَبَايَعُوهُ وَولَايَة عبد الْمُؤمن ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وَكسر، وَكَانَ سائسا سفاكاً للدم على الذَّنب الصَّغِير مُعظما للدّين وَالصَّلَاة وَجمع النَّاس على فروع مَالك وأصول الْأَشْعَرِيّ.
وفيهَا: ملك الْمُؤَيد آي بِهِ قومس فَأرْسل إِلَيْهِ أرسلان بن طغرل بك خلعة وألوية فَلبس الْمُؤَيد الْخلْع وخطب لَهُ فِي بِلَاده.
وفيهَا: كبس الفرنج نور الدّين فِي البقيعة تَحت حصن الأكراد فَركب نور الدّين فرسا وَفِي رجله الشَّجَّة فقطعها كردِي فنجا نور الدّين وَقتل الْكرْدِي فَوقف على مخلفيه الْوُقُوف وَسَار إِلَى بحيرة حمص وتلاحقه الْمُسلمُونَ.
وفيهَا: أجلى المستنجد بني أَسد أهل الْحلَّة المزيدية فَقتل مِنْهُم وهرب الْبَاقُونَ وتشتتوا لفسادهم وسلمت بِلَادهمْ إِلَى ابْن مَعْرُوف.
وفيهَا: توفّي سديد الدولة مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن إِبْرَاهِيم بن الْأَنْبَارِي كَاتب إنْشَاء الْخلَافَة، فَاضل أديب عمره نَحْو تسعين.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَخمسين وَخَمْسمِائة: فِيهَا بذل شاور الهارب من ضرغام لنُور الدّين ثلث أَمْوَال مصر بعد رزق جندها أَن أَعَادَهُ إِلَى الوزارة فَأرْسل مَعَه أَسد الدّين شيركوه بن شاذي فِي عَسْكَر فوصل مصر وَهزمَ عَسْكَر ضرغام عِنْد قبر السيدة نفيسة، وَعَاد شاور وزيراً للعاضد ثمَّ لم يقم شاور لنُور الدّين بِشَيْء من شَرطه، فَسَار أَسد الدّين وَاسْتولى على بلبيس والشرقية، فاستنجد شاور بالفرنج مَعَ عَسْكَر مصر، وحصروا شيركوه ببلبيس ثَلَاثَة أشهر، وَبلغ الفرنج حَرَكَة نور الدّين، وَأَخذه حارم فصالحوا شيركوه، فَرجع إِلَى الشَّام بعسكره سالما.
وفيهَا: فِي رَمَضَان فتح نور الدّين قلعة حارم من الفرنج؛ وَقَاتلهمْ فانتصر، وَقتل وَأسر، وَمِمَّنْ أسر الْبُرْنُس صَاحب أنطاكية، والقومس صَاحب طرابلس.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة فتح نور الدّين بانياس من الفرنج: كَانَت بيدهم من سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة.
وفيهَا: توفّي جمال الدّين أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي مَنْصُور الْأَصْبَهَانِيّ وَزِير مودود بن زنكي صَاحب الْموصل فِي شعْبَان مَقْبُوضا عَلَيْهِ من جِهَة مخدومة من سنة ثَمَان وَخمسين، وَكَانَ قد تعاهد الْوَزير وشيركوه أَن من مَاتَ مِنْهُمَا نَقله الآخر إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة، فنقله شيركوه، ورتب من يقْرَأ الْقُرْآن عِنْد شيله وحطه وَنُودِيَ فِي كل بلد نزلوه بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَلما أَرَادوا الصَّلَاة عَلَيْهِ بالحلة صعد شَاب على مَوضِع موتفع وَأنْشد:
(سرى نعشه فَوق الرّقاب وطالماً ... سرى جوده فَوق الركاب ونائله)
(يمر على الْوَادي فتثني رماله ... عَلَيْهِ وبالنادي فتثني أرامله)
стр. 433
وطيف بِهِ حول الْكَعْبَة وَدفن بِالْمَدِينَةِ فِي رِبَاط بناه لنَفسِهِ وَبَين قَبره وقبر النَّبِي ﷺ َ - نَحْو خَمْسَة عشر ذِرَاعا.
وجمال الدّين هَذَا هُوَ الَّذِي جدد مَسْجِد الْخيف بمنى، وَبنى الْحجر بِجَانِب الْكَعْبَة وزخرف الْكَعْبَة وبذل جملَة طائلة لصَاحب مَكَّة وللمقتفي حَتَّى مكنه من ذَلِك، وَبنى الْمَسْجِد الَّذِي على عَرَفَات وَعمل الدرج إِلَيْهِ وَعمل بِعَرَفَات مصانع المَاء، وَبنى سوراً على الْمَدِينَة، وَبنى على دجلة جِسْرًا عِنْد جَزِيرَة ابْن عمر بِالْحجرِ المنحوت وَالْحَدِيد، والرصاص، والكلس، فَقبض قبل أَن يفرغ، وَبنى الرَّبْط وَغَيرهَا.
وفيهَا: توفّي نصر بن خلف ملك سجستان وعمره فَوق الْمِائَة وملكة ثَمَانُون سنة، وَملك بعده ابْنه أَبُو الْفَتْح أَحْمد.
وفيهَا: توفّي الإِمَام عمر الْخَوَارِزْمِيّ خطيب بَلخ ومفتيها وَالْقَاضِي أَبُو بكر المحمودي ذُو التصانيف، وَله مقامات فارسية.
ثمَّ دخلت سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي ربيع الأول توفّي شاه مازندران رستم بن عَليّ بن شهريار بن قَارن، وَملك بعده ابْنه عَلَاء الدّين الْحسن.
وفيهَا: ملك الْمُؤَيد آي بِهِ هراة.
وفيهَا: كَانَ بَين قلج أرسلان بن مَسْعُود صَاحب قونية وَغَيرهَا وَبَين باغي أرسلان بن الدانشمند صَاحب ملطية حروب انهزم فِيهَا قلج أرسلان وَاتفقَ موت باغي أرسلان فِي تِلْكَ الْمدَّة فَملك ملطية ابْن أَخِيه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن الدانشمند وَاسْتولى ذُو النُّون بن مُحَمَّد بن الدانشمند على قيسارية.
وَملك شاهان شاه بن مَسْعُود أَخُو قلج أرسلان مَدِينَة أنكورية، واصطلحوا على ذَلِك.
وفيهَا: توفّي عون الدّين بن هُبَيْرَة الْوَزير واسْمه يحيى بن مُحَمَّد بن المظفر، وَدفن بمدرسته الحنبلية بِبَاب الْبَصْرَة، كَانَ يعظمه المقتفي، وَلما مَاتَ قبض على أَوْلَاده وَأَهله.
قلت: هَذَا مُشكل، فالمقتفي توفّي سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة، والوزير توفّي هَذِه السّنة وَإِن كَانَ الْوَزير هُوَ الَّذِي قبض على أَوْلَاد المقتفي وَأَهله فَأَيْنَ النَّقْل بِهِ وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي الشَّيْخ الإِمَام أَبُو الْقَاسِم عمر بن عِكْرِمَة بن البرزي الشَّافِعِي تلميذ الكيا أوحد فِي الْفِقْه من جَزِيرَة ابْن عمر.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْحسن هبة الله بن صاعد بن هبة الله بن التلميذ وَقد ناهز الْمِائَة، كَانَ طَبِيب الْخلَافَة حظي عِنْد المقتفي حاذقاً أديباً عَالما مُصِيب الْفِكر قسيساً لِلنَّصَارَى يتعجب مِنْهُ الْفُضَلَاء كَيفَ حرم الْإِسْلَام، وَكَانَ بَينه وَبَين أبي البركات هبة الله بن ملكان الْحَكِيم تنافس على الْعَادة، وَكَانَ أَبُو البركات يَهُودِيّا فَأسلم شَيخا وجذم فتداوى وبرأ مِنْهُ، لَكِن عمي، وَكَانَ متكبراً وَابْن التلميذ متواضع فَعمل ابْن التلميذ فِيهِ.
(لنا صديق يَهُودِيّ حماقته ... إِذا تكلم تبدو فِيهِ من فِيهِ)
стр. 434
(يتيه وَالْكَلب أَعلَى مِنْهُ منزلَة ... كَأَنَّهُ بعد لم يخرج من التيه)
وَلابْن التلميذ أَيْضا:
(يَا من رماني عَن قَوس فرقته ... بِسَهْم هجر على تلافيه)
(ارْض لمن غَابَ عَنْك غيبته ... فَذَاك ذَنْب عِقَابه فِيهِ)
وَله أقراباذين وحواشي كليات القانون وَشَيْخه فِي الطِّبّ أَبُو الْحسن هبة الله بن سعيد صَاحب الْمُغنِي فِي الطِّبّ وَصَاحب الْإِقْنَاع.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي ربيع الآخر توفّي الشَّيْخ عبد الْقَادِر بن أبي صَالح الجيلي بِبَغْدَاد ومولده سنة سبعين وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ حنبلي الْمَذْهَب.
قلت: هُوَ الشَّيْخ محيي الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الْقَادِر بن أبي صَالح مُوسَى جنكي دوست بن أبي عبد الله بن يحيى الزَّاهِد بن مُحَمَّد بن دَاوُد بن مُوسَى بن عبد الله بن مُوسَى الجون بن عبد الله الْمَحْض المجل بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ سبط أبي عبد الله الصومعي ينْسب إِلَى جيل بِكَسْر الْجِيم بِلَاد مُتَفَرِّقَة وَرَاء طبرستان، وَيُقَال لَهَا أَيْضا جيلان وَكيل وكيلان والصومعي الْمَذْكُور من جلة مَشَايِخ جيلان، لَهُ الْأَحْوَال والكرامات، وَأمه أم الْخَيْر أمة الْجِيَاد فَاطِمَة بنت أبي عبد الله الصومعي، لَهَا أَحْوَال وكرامات، قَالَت غير مرّة: لما وضعت ابْني عبد الْقَادِر كَانَ لَا يرضع ثدييه فِي نَهَار رَمَضَان، وغم على النَّاس هِلَال رَمَضَان فأتوني وسألوني عَنهُ فَقلت: لم يلتقم الْيَوْم ثدياً، ثمَّ اتَّضَح أَن ذَلِك الْيَوْم كَانَ من رَمَضَان.
وَقَوله فِي النّسَب الجون: هُوَ لقب لمُوسَى، وَكَانَ آدم اللَّوْن، وَله تَقول أمة هِنْد بنت أبي عُبَيْدَة:
(إِنَّك أَن تكون جوناً انزعا ... أَجْدَر أَن تَضُرهُمْ أَو تنفعا)
وحملت بِهِ وَهِي ابْنة سِتِّينَ سنة، وَيُقَال: لَا تحمل لستين سنة إِلَّا قرشية وَلَا لخمسين إِلَّا عَرَبِيَّة وَأم ابْنه عبد الله أم سَلمَة بنت مُحَمَّد بن طَلْحَة بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق ﵃، والمحض لقب لعبد الله بِمَعْنى الْخَالِص لِأَن أَبَاهُ الْحسن بن الْحسن بن عَليّ وَأمه فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن بن عَليّ فنسبه من أَبَوَيْهِ خَالص لسلامته من الموَالِي وانتهائه إِلَى عَليّ كرم الله وَجهه، والمجل بِضَم الْمِيم وَفتح الْجِيم من الإجلال اسْم مفعول من أجللته.
وَفَاطِمَة: هَذِه خلف عَلَيْهَا بعد الْحسن ابْن الْحسن.
عبد الله الْمطرف: بن عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان وَولد لَهُ مُحَمَّد الديباج لقب بِهِ لحسنه، ولقب أَبوهُ بالمطرف لجماله، وَأم الْمطرف حَفْصَة بنت عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵃.
والمطرف بِضَم الْمِيم وَفتح الرَّاء من أطرفته بِكَذَا، وَكَانَ الشَّيْخ نحيف الْبدن ربع
стр. 435
الْقَامَة عريض الصَّدْر واللحية طويلها أسمر مقرون الحاجبين حفياً ذَا صَوت جَهورِي، كَانَ يجلس لوعظه رجلَانِ وَثَلَاثَة، ثمَّ تسامعوا وازدحموا فَجَلَسَ فِي الْمصلى بِبَاب الحلبة ثمَّ ضَاقَ بهم الوسع فَحمل الْكُرْسِيّ إِلَى خَارج الْبَلَد وَجعل فِي الْمصلى وَجَاء النَّاس على الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير وَالْجمال يقفون بمدار الْمجْلس كالسور، وَكَانَ يحضر مَجْلِسه نَحْو من سبعين ألفا، وَأَن الْأَوْلِيَاء وَالْمَلَائِكَة ليزدحمون فِي مَجْلِسه، وَمن لَا يرى فِيهِ أَكثر مِمَّن يرى.
وَعَن الشَّيْخ أبي زَكَرِيَّا يحيى بن أبي نصر بن عمر الْبَغْدَادِيّ المشاه الصحراوي قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول: استدعيت الجان مرّة بالعزائم وأبطأت عَليّ إجابتهم أَكثر من عادتي ثمَّ أَتَوْنِي وَقَالُوا لي: لَا تعد تستدعينا إِذا كَانَ الشَّيْخ عبد الْقَادِر يتَكَلَّم على النَّاس، فَقلت: وَلم؟ قَالُوا بالحضرة، قلت وَأَنْتُم أَيْضا؟ قَالُوا: إِن ازدحامنا بمجلسه أَشد من ازدحام الْإِنْس، وَإِن منا طوائف كَثِيرَة أسلمت وتابت على يَدَيْهِ.
وَعَن أبي الْبَقَاء عبد الله بن الْحُسَيْن الْحَنْبَلِيّ العكبري قَالَ: سَمِعت يحيى بن نجاح الأديب يَقُول: قلت فِي نَفسِي أُرِيد أحصي كم يقص الشَّيْخ عبد الْقَادِر شعرًا من الثَّوَاب فِي مجْلِس وعظه، فَحَضَرت الْمجْلس وَمَعِي خيط فَكلما قصّ شعرًا عقدت عقدَة تَحت ثِيَابِي فِي الْخَيط وَأَنا فِي آخر النَّاس وَإِذا بِهِ يَقُول: أَنا أحل وَأَنت تعقد.
وَعَن الْخضر الْحُسَيْنِي الْموصِلِي أَن الشَّيْخ كَانَ يتَكَلَّم فِي أول مَجْلِسه بأنواع الْعُلُوم وَكَانَ إِذا صعد الْكُرْسِيّ لَا يبصق أحد وَلَا يتمخط وَلَا يَتَنَحْنَح وَلَا يتَكَلَّم وَلَا يقوم هَيْبَة لَهُ إِلَى وسط الْمجْلس فَيَقُول الشَّيْخ مضى القال وعطفاً بِالْحَال فيضطرب النَّاس اضطراباً شَدِيدا ويتداخلهم الْحَال والوجد، وَكَانَ يعد من كراماته أَن أقْصَى النَّاس فِي مَجْلِسه يسمع صَوته كَمَا يسمعهُ أَدْنَاهُم مِنْهُ على كثرتهم، وَكَانَ يتَكَلَّم على خواطر أهل الْمجْلس ويواجههم بالكشف.
وَكَانَ النَّاس يضعون أَيْديهم فِي مَجْلِسه فَتَقَع على رجال بَينهم يدركونهم باللمس وَلَا يرونهم ويسمعون وَقت كَلَامه فِي الفضاء حسا وصياحاً، وَرُبمَا سمعُوا وجبة سَاقِطَة من الجو إِلَى أَرض الْمجْلس وَذَلِكَ رجال الْغَيْب وَغَيرهم.
وَعَن الْحَافِظ أبي زرْعَة طَاهِر بن مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي الرَّازِيّ قَالَ: حضرت مجْلِس الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلي بِبَغْدَاد سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة فَسَمعته يَقُول: إِنَّمَا كَلَامي على رجال يحْضرُون مجلسي من وَرَاء جبل قَاف أَقْدَامهم فِي الْهَوَاء وَقُلُوبهمْ فِي حَضْرَة الْقُدس، تكَاد قلانسهم وطواقيهم تحترق من شدَّة شوقهم إِلَى رَبهم ، وَكَانَ ابْنه عبد الرَّزَّاق إِذْ ذَاك جَالِسا على الْمِنْبَر تَحت رجل أَبِيه فَرفع رَأسه إِلَى الْهَوَاء فشخص سَاعَة ثمَّ غشى عَلَيْهِ واحترقت طاقيته وزيقه فَنزل الشَّيْخ وأطفأها، وَقَالَ: وَأَنت أَيْضا يَا عبد الرَّزَّاق مِنْهُم، وَقَالَ: فَسَأَلت عبد الرَّزَّاق مَا أغشاه؟ فَقَالَ: لما نظرت إِلَى الْهَوَاء رَأَيْت
стр. 436
رجَالًا واقفين مطرقين منصتين لكَلَامه وَقد ملأوا الْأُفق وَفِي لباسهم وثيابهم النَّار، وَمِنْهُم من يصبح ويعد فِي الْهَوَاء وَمِنْهُم من يسْقط إِلَى أَرض الْمجْلس وَمِنْهُم من يرعد فِي مَكَانَهُ وَكَانَ يكْتب مَا يَقُول فِي مَجْلِسه أَرْبَعمِائَة محبرة عَالم وَغَيره، قَالَه فِي بهجة الْأَسْرَار.
وَكَانَ ﵁ كثيرا مَا يخطو فِي الْهَوَاء فِي مَجْلِسه على رُؤُوس النَّاس خطوَات ثمَّ يرجع إِلَى الْكُرْسِيّ، وَكم مَاتَ فِي مَجْلِسه من رجل، وَكَانَ يحضرهُ مثل الشَّيْخ بغابن بطو وَالشَّيْخ أبي سعد القيلوني وَالشَّيْخ عَليّ بن الهبتي وَالشَّيْخ نجيب الدّين عبد الْقَادِر السهروردي وَالشَّيْخ أبي حَكِيم بن دِينَار وَالشَّيْخ ماجد الْكرْدِي وَالشَّيْخ مطر الباذراني وَالْقَاضِي أبي يعلى مُحَمَّد بن الْفراء وَالْقَاضِي أبي الْحسن عَليّ بن الدَّامغَانِي وَالْإِمَام أبي الْفَتْح بن المنى.
وَكَانَ الشَّيْخ عدي بن مُسَافر غير مرّة يخرج من زاويته بلاكش إِلَى الْجَبَل ويدير دارة بعكازة ويدخلها وَيَقُول: من أَرَادَ أَن يسمع كَلَام الشَّيْخ عبد الْقَادِر فَلْيدْخلْ هَذِه الدارة فيدخلها أكَابِر أَصْحَابه ويسمعون كَلَامه وَرُبمَا كتب بَعضهم مَا يسمعهُ، وأرخ ذَلِك الْيَوْم وَيَأْتِي بَغْدَاد ويقابل مَا كتبه بِمَا كتبه أهل بَغْدَاد من كَلَام الشَّيْخ فِي ذَلِك الْيَوْم فيتفقان.
وَكَانَ الشَّيْخ عبد الْقَادِر يَقُول: فِي الْوَقْت الَّذِي يدْخل فِيهِ الشَّيْخ عدي الدارة لأهل مَجْلِسه عبر الشَّيْخ عدي بن مُسَافر فِيكُم.
وَقَالَ الشَّيْخ عَليّ الفرنتي: رَأَيْت أَرْبَعَة من الْمَشَايِخ يتصرفون فِي قُبُورهم كتصرف الْأَحْيَاء: الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَالشَّيْخ مَعْرُوف الْكَرْخِي وَالشَّيْخ عقيل المنبجي وَالشَّيْخ حَيَاة بن قيس ﵃.
وَقدم رضى الله عَنهُ بَغْدَاد سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة، وَقَرَأَ الْقُرْآن وأتقنه، وتفقه على كثيرين مذهبا وَخِلَافًا وأصولاً، وَسمع الحَدِيث من خلق أكَابِر، وَقَرَأَ الْأَدَب على أبي زَكَرِيَّا يحيى بن عَليّ التبريزي تلميذ أبي الْعَلَاء المعري وَصَحب الشَّيْخ الْعَارِف أَبَا الْخَيْر قدوة الْمُحَقِّقين حماداً الدياس وَأخذ عَنهُ علم الطَّرِيقَة وَأخذ الْخِرْقَة الشَّرِيفَة من يَد القَاضِي أبي سعد المخرمي، وَلَقي جمَاعَة من أَعْيَان زهاد الزَّمَان وَعُظَمَاء العارفين بالعجم وَالْعراق.
وَلَقَد كَانَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَحْمد بن تَيْمِية الْحَنْبَلِيّ ﵀ يَقُول: كرامات الشَّيْخ عِنْد الْقَادِر ثَابِتَة بالتواتر، والمؤلف ﵀ قصر فِي تَرْجَمته وَأطَال القَوْل فِي ذكر من قد لَا يعبأ الله بِهِ وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا عَاد شيركوه بألفي فَارس إِلَى الديار المصرية من عِنْد نور الدّين فاستولى على الجيزة فاستنجد شاور بالفرنج والتقوا عَليّ الإيوان فَهَزَمَهُمْ شيركوه.
ثمَّ ملك الْإسْكَنْدَريَّة وَجعل فِيهَا ابْن أَخِيه صَلَاح الدّين يُوسُف وَاجْتمعَ عَسْكَر مصر والفرنج وحصروا صَلَاح الدّين بالإسكندرية ثَلَاثَة أشهر، فَسَار شيركوه إِلَيْهِم فَصَالحهُمْ على
стр. 437
تَسْلِيم الْإسْكَنْدَريَّة إِلَيْهِم ويحملون لَهُ مَالا فَعَاد عَنْهُم واصطلح الفرنج والمصريون على شحنة للفرنج بِالْقَاهِرَةِ، وَتَكون أَبْوَابهَا بيد فرسانهم، وَلَهُم من دخل مصر كل سنة مائَة ألف دِينَار.
وفيهَا: فتح نور الدّين صافيتا والعريمة.
وفيهَا: عصى غَازِي بن حسان صَاحب منبج على نور الدّين فسير إِلَيْهِ عسكراً فحصروه وَأخذ مِنْهُ منبج وأقطعها لقطب الدّين نيال أخي غَازِي الْمَذْكُور، إِلَى أَن أَخذهَا مِنْهُ صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَخَمْسمِائة.
وفيهَا: توفّي فَخر الدّين قرا أرسلان بن دَاوُد بن سقمان بن أرتق صَاحب حصن كيفا، وَملك بعده ابْنه نور الدّين مَحْمُود.
قلت: وفيهَا تَقْرِيبًا توفّي الشَّيْخ ماجد الْكرْدِي بجبل حمرين من الْعرَاق، وَكَانَت لَهُ كرامات ظَاهِرَة وأحوال فاخرة، تخرج بِصُحْبَتِهِ أَعْيَان، وَقصد من كل أفق وَمَكَان.
وَمن كَلَامه: الصمت عبَادَة من غير عناء، وزينة من غير حلي وهيبة من غير سُلْطَان وحصن من غير سور، وراحة الْكَاتِبين، وغنية من الِاعْتِذَار وَكفى بِالْمَرْءِ علما أَن يخْشَى الله تَعَالَى، وَكفى بِهِ جهلا أَن يعجب بِنَفسِهِ، وَالْعجب فضل حمق يُغطي بِهِ صَاحبه عُيُوب نَفسه، فَلم يدر أَيْن يذهب بِهِ فَصَرفهُ إِلَى الْكبر وَمَا خلق الله سُبْحَانَهُ من عَجِيبَة إِلَّا ونقشها فِي صُورَة الْآدَمِيّ، وَلَا أوجد أمرا غَرِيبا إِلَّا وسلكه فِيهَا، وَلَا أبرز سرا إِلَّا وَجعل فِيهِ مِفْتَاح علمه، فَهُوَ نُسْخَة مختصرة من الْعَالم.
وَعَن الشَّيْخ ذِي الكرامات مَكَارِم القوساني ذِي الشُّهْرَة الْعَظِيمَة بقوسان، قَالَ: جَاءَ رجل من أَصْحَابنَا إِلَى الشَّيْخ ماجد الْكرْدِي مودعاً حَاجا فِي غير أشهر الْحَج على قدم التَّجْرِيد بِلَا زَاد وَلَا رَفِيق، فَأخْرج لَهُ الشَّيْخ ماجد ركوته وَقَالَ: هَذَا مَاء إِن أردْت الْوضُوء وَلبن إِن عطشت وَسَوِيق إِن جعت، فَوجدَ مِنْهَا الرجل كل مَا قَالَه الشَّيْخ سفرا وَإِقَامَة بالحجاز ورجوعاً إِلَى الْعرَاق، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا فَارق زين الدّين عَليّ كجك بن بكتكين نَائِب مودود بن زنكي مخدومه، وَاسْتقر فِي أربل إقطاعه وَاقْتصر عَلَيْهَا لعماه وطرشه.
وفيهَا: توفّي عبد الْكَرِيم أَبُو سعد مُحَمَّد بن الْمَنْصُور بن أبي بكر المظفر السَّمْعَانِيّ الْفَقِيه الْمروزِي الشَّافِعِي مكثر من سَماع الحَدِيث، سَافر فِي طلبه إِلَى بِلَاد يطول ذكرهَا، تزيد شُيُوخه على أَرْبَعَة آلَاف، وَله كتاب الْأَنْسَاب ثَمَانِيَة مجلدات، وذيل تَارِيخ مرو.
وَكَانَ ابْن الْجَوْزِيّ يَقُول: إِنَّه كَانَ يَأْخُذ الشَّيْخ بِبَغْدَاد ويغربه إِلَى مَا فَوق نهر عِيسَى، وَيَقُول: حَدثنِي فلَان بِمَا وَرَاء النَّهر وَهَذَا بَارِد فَأَي حَاجَة للسمعاني إِلَى هَذَا التَّدْلِيس، وَقد سَافر إِلَى مَا وَرَاء النَّهر وذنبه عِنْد ابْن الْجَوْزِيّ أَنه شَافِعِيّ، فَابْن الْجَوْزِيّ لم يبْق على أحد غير الْحَنَابِلَة.
стр. 438
ومولده السَّمْعَانِيّ فِي شعْبَان سنة سِتّ وَخَمْسمِائة، وَهُوَ إِمَام ابْن إِمَام ابْن إِمَام أَبُو إِمَام، فَإِن ابْنه أَبَا المظفر عبد الرَّحِيم كَانَ رحْلَة أَيْضا، ونسبته أَيْضا إِلَى سمْعَان بطن من تَمِيم.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا ملك نور الدّين قلعة جعبر من صَاحبهَا شهَاب الدّين مَالك بن عَليّ بن مَالك بن سَالم بن مَالك بن بدران بن الْمُقَلّد بن الْمسيب الْعقيلِيّ، كَانَت بِأَيْدِيهِم من أَيَّام السُّلْطَان ملك شاه وَلم يقدر نور الدّين عَلَيْهَا إِلَّا بعد أَن أسرت بَنو كلاب صَاحبهَا فَاسْتَحْضرهُ واجتهد بِهِ على تَسْلِيمهَا فَأبى فَأرْسل عَسْكَر مقدمه فَخر الدّين مَسْعُود بن أبي عَليّ الزَّعْفَرَانِي وَردفهُ بعسكر مقدمه مجد الدّين أبي بكر بن الداية رَضِيع نور الدّين وحصروها فَمَا نالوها وَفِي الآخر عوضه عَنْهَا سروج وأعمالها والملوحة وَعشْرين ألف دِينَار مُعجلَة، وناب فِي بزاعة وتسلمها.
قلت: وفيهَا توفّي الشَّيْخ عَليّ بن الهيتي ببلدة زريدان من أَعمال نهر الْملك وَقد زَاد على مائَة وَعشْرين سنة وقبره بهَا يزار.
وَكَانَت لَهُ كرامات ظَاهِرَة وأفعال خارقة، وَهُوَ أحد من تذكر عَنهُ القطبية وَأحد الْأَرْبَعَة الَّذين تسميهم مَشَايِخ الْعرَاق البروة على معنى أَنهم يبرؤن الأكمة والأبرص وهم الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلي، وَالشَّيْخ عَليّ بن الهيتي، وَالشَّيْخ بَقَاء بن بطو، وَالشَّيْخ أَبُو سعد القليوبي.
وَكَانَ قد اعترى الصمم الشَّيْخ مُحَمَّد الْخياط الْوَاعِظ الْبَغْدَادِيّ وَجرى ذكر البروة فَقَالَ: اللَّهُمَّ بحرمتهم عاف سَمْعِي فَزَالَ صممه فِي الْحَال، قَالَ أَبُو الْفرج الصرصري وَأَنا رَأَيْته أَصمّ، ورأيته يسمع التناجي، وألبس أَبُو بكر الصّديق ﵁ أَبَا بكر بن هوار فِي الْيَوْم خرقتين ثوبا وطاقية، فَاسْتَيْقَظَ فوجدهما عَلَيْهِ وأعطاهما لمريده الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الشنبكي وأعطاهما الشنبكي لمريده تَاج العارفين أبي الْوَفَاء وأعطاهما تَاج العارفين لمريده الشَّيْخ عَليّ بن الهيتي وأعطاهما ابْن الهيتي لمريده الشَّيْخ عَليّ بن إِدْرِيس، ثمَّ فقدتا من بعده، وَابْن الهيتي الَّذِي أَتَاهُ الْخطاب يَا ملكي تصرف فِي ملكي.
وَقَالَ عبد الْقَادِر: كل من دخل بَغْدَاد من الْأَوْلِيَاء من عَالم الْغَيْب، أَو الشَّهَادَة، فَهُوَ فِي ضيافتنا وَنحن فِي ضِيَافَة الشَّيْخ عَليّ بن الهيتي، وَكَانَ يتَمَثَّل بِهَذِهِ الأبيات:
(إِن رحت أطلبه لَا يَنْقَضِي سَفَرِي ... أَو جِئْت أحضرهُ أوحشت فِي الْحَضَر)
(فَمَا أرَاهُ وَلَا يَنْفَكّ عَن نَظَرِي ... وَفِي ضميري وَلَا أَلْقَاهُ فِي عمري)
(فليتني غبت عَن جسمي بِرُؤْيَتِهِ ... وَعَن فُؤَادِي وَعَن سَمْعِي وَعَن بَصرِي)
وَفِي بهجة الْأَسْرَار أَنه قَالَ: لَو دنت نملة دهماء فِي لَيْلَة ظلماء على صَخْرَة سَوْدَاء من جبل قَاف وَلم يعلمني بهَا رَبِّي مِنْهُ إِلَيّ بِلَا وَاسِطَة، ويطلعني عَلَيْهَا عيَانًا لتفطرت مرارتي.
وَركب مرّة دَابَّته وأتى بَلْدَة من أَعمال نهر الْملك وَنزل عِنْد رجل فاحتفل بِهِ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ: إذبح هَذِه الدَّجَاجَة وَهَذِه وَهَذِه فَفعل فَخرج من بطونها حبات ذهب، وَكَانَت أُخْته
стр. 439
قد فقدت عنبرية من ذهب فاتهمها أَهلهَا وهموا بقتلها تِلْكَ اللَّيْلَة، فَقَالَ: إِن الله أطلعني على مَا فِي نفوسكم واستأذنت رَبِّي فِي أَن أكشف لكم عَن هَذِه الْقَضِيَّة، وأنفذكم من الهلكة، فَأذن لي، وكراماته كَثِيرَة مَشْهُورَة وَالله أعلم.
ذكر ملك شيركوه مصر، وَقتل شاور وبتداء الدولة الأيوبية
فِيهَا: فِي ربيع الأول سَار أَسد الدّين شيركوه بن شاذي بالعسكر النوري إِلَى مصر وَكَانَ قد أرسل العاضد الْخَلِيفَة يستغيث بِنور الدّين، وَأرْسل فِي الْكتب شُعُور النِّسَاء لِأَن الفرنج ملكوا بلبيس قتلا وسبياً ونهباً، وحصروا الْقَاهِرَة فِي عَاشر صفر، وأحرق شاور مصر لِئَلَّا يملكهَا الفرنج، وَأمر أَهلهَا بالانتقال إِلَى الْقَاهِرَة، وَبقيت النَّار تحرقها أَرْبَعَة وَخمسين يَوْمًا، وصانع شاور الفرنج على ألف ألف دِينَار.
وَمِمَّنْ أرسل نور الدّين مَعَ شيركوه إِلَى مصر ابْن أَخِيه صَلَاح الدّين يُوسُف كَارِهًا أحب نور الدّين مسيره.
وَفِيه: ذهَاب الْملك من بَيته وَكره صَلَاح الدّين الْمسير.
وَفِيه: ملكه وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَهُوَ خير لكم، وَعَسَى أَن تحبوا شَيْئا وَهُوَ شَرّ لكم.
وَمن جملَة مَا أعْطى نور الدّين شيركوه لهَذِهِ الْحَرَكَة مِائَتي ألف دِينَار سوى الثِّيَاب وَالدَّوَاب وَالسِّلَاح وأنفقت فِي الْعَسْكَر، فَلَمَّا قَارب شيركوه مصر رَحل عَنْهَا الفرنج إِلَى بِلَادهمْ وَوصل الْقَاهِرَة فِي رَابِع ربيع الآخر وَاجْتمعَ بالعاضد، وخلع عَلَيْهِ وَعَاد إِلَى خيامه، وأجرى على شيركوه الإقامات وماطله شاور فِيمَا كَانَ بذل لنُور الدّين من تَقْرِير الال وإفراد ثلث المَال وَصَارَ يعده ويمنيه ويركب إِلَيْهِ وعزم على عمل دَعْوَة يقبض فِيهَا على شيركوه فَمَنعه ابْنه الْكَامِل بن شاور، فعزم الْعَسْكَر النوري على الفتك بشاور وَلَا سِيمَا صَلَاح الدّين، وجرد بك، فنهاهم شيركوه عَنهُ.
وَاتفقَ أَن شاور ركب إِلَى شيركوه على عَادَته فَلم يجده وَكَانَ قد مضى لزيارة قبر الإِمَام الشَّافِعِي فَسَار صَلَاح الدّين وجرد بك مَعَ شاور إِلَى شيركوه ووثب صَلَاح الدّين وجرد بك وَمن مَعَهُمَا على شاور وألقوه إِلَى اأرض وأمسكوه فِي سَابِع ربيع الآخر فهرب أَصْحَابه، ثمَّ لم يُمكن شيركوه إِلَّا إتْمَام ذَلِك وَبلغ العاضد ذَلِك فَطلب مِنْهُ إرْسَال رَأس شاور فَقتله وَأرْسل إِلَى العاضد بِرَأْسِهِ ثمَّ دخل شيركوه الْقصر فَخلع عَلَيْهِ العاضد خلع الوزارة، ولقبه الْملك الْمَنْصُور أَمِير الجيوش، وَكتب منشوره بالإنشاء الفاضلي، وَكتب العاضد بِخَطِّهِ على طرته هَذَا عهد لم يعْهَد لوزير بِمثلِهِ فتقلد أَمَانَة رآك أَمِير الْمُؤمنِينَ أَهلا لحملها وخد كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ بِقُوَّة واسحب ذيل الفخار بِأَن اعتزت خدمتك إِلَى نبوة النُّبُوَّة.
стр. 440
وَفِيه يَقُول الْعِمَاد الْكَاتِب من قصيدة أرسلها من الشَّام إِلَيْهِ:
(بالجد أدْركْت مَا أدْركْت لَا اللّعب ... كم رَاحَة جنيت من دوحة التَّعَب)
(يَا شيركوه بن شاذي الْملك دَعْوَة من ... نَادَى فَعرف خير ابْن بِخَير أَب)
(تمل من ملك مصر رُتْبَة قصرت ... عَنْهَا الْمُلُوك فطالت سَائِر الرتب)
وَفِي شيركوه وَقتل شاور يَقُول عرقلة الدِّمَشْقِي:
(لقد فَازَ بِالْملكِ الْعَقِيم خَليفَة ... لَهُ شيركوه العاضدي وَزِير)
(هُوَ الْأسد الضاري الَّذِي جلّ خطبه ... وشاور كلب للرِّجَال عقور)
(طَغى وبغى حَتَّى لقد قَالَ صَحبه ... على مثلهَا كَانَ العنيز يَدُور)
(فَلَا رحم الرَّحْمَن تربة قَبره ... وَلَا زَالَ فِيهَا مُنكر وَنَكِير)
وَأما الْكَامِل بن شاور فَلَمَّا قتل أَبوهُ دخل الْقصر فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ وَلما بلغ شيركوه الأمنية أَتَتْهُ الْمنية فَتوفي يَوْم السبت الثَّانِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا، فولايته شَهْرَان وَخَمْسَة أَيَّام.
شيركوه وَأَيوب
ابْنا شاذي من بلد دوين من الأكراد الروادية قصدا الْعرَاق وخدما بهروز شحنة السلجوقية بِبَغْدَاد.
وَكَانَ أَيُّوب أكبر من شيركوه فَجعله بهروز مستحفظاً على قلعة تكريت وَلما كسر عَسْكَر الْخَلِيفَة زنكي وَمر على تكريت خدماه، ثمَّ قتل شيركوه إنْسَانا بتكريت فأخرجهما بهروز من تكريت فلحقا بزنكي فأقطعهما إقطاعات جليلة ثمَّ جعل أَيُّوب مستحفظاً لقلعة بعلبك لما فتحهَا، وَلما حاصره عَسْكَر دمشق بعد موت زنكي سلمهَا إِلَيْهِم على إقطاع كثير شرطوه لَهُ، وَبَقِي أَيُّوب من أكبر أُمَرَاء دمشق وَبَقِي شيركوه بعد زنكي مَعَ نور الدّين، وأقطعه حمص والرحبة وَقدمه على الْعَسْكَر لشجاعته.
وَلما أَرَادَ نور الدّين ملك دمشق أَمر شيركوه فكاتب أَخَاهُ أَيُّوب فساعد على ذَلِك، وبقيا مَعَ نور الدّين إِلَى أَن أرسل شيركوه إِلَى مصر مرّة بعد أُخْرَى حَتَّى ملكهَا.
وَلما توفّي شيركوه طلب جمَاعَة من الْأُمَرَاء النورية التَّقَدُّم على الْعَسْكَر، وَولَايَة الوزارة العاضدية مِنْهُم عز الدولة الياروقي، وقطب الدّين نيال بن حسان المنبجي، وَسيف الدّين عَليّ بن أَحْمد المشطوب الهكاري، وشهاب الدّين مَحْمُود الحارمي خَال صَلَاح الدّين فأحضر العاضد صَلَاح الدّين وولاه الوزارة، ولقبه بِالْملكِ النَّاصِر فَلم يطعه المذكورون.
وَكَانَ مَعَ صَلَاح الدّين الْفَقِيه عِيسَى الهكاري فاستمال إِلَى صَلَاح الدّين المشطوب والحارمي، وَقَالَ للحارمي: هَذَا ابْن أختك وَملكه لَك، وَكَذَا فعل بالباقين فمالوا إِلَيْهِ إِلَّا
стр. 441
الياروقي قَالَ: أَنا لَا أخدم يُوسُف وَعَاد إِلَى نور الدّين بِالشَّام وَثَبت قدم صَلَاح الدّين على أَنه نَائِب نور الدّين.
وَكَانَ نور الدّين يُكَاتب صَلَاح الدّين بالأمير الأسفهسلار وعلامته على رَأس الْكتاب تَعَظُّمًا عَن أَن يكْتب اسْمه.
وَكَانَ لَا يفرده بِكِتَاب بل إِلَى الْأَمِير صَلَاح الدّين وكافة الْأُمَرَاء بالديار المصرية يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا.
ثمَّ أرسل صَلَاح الدّين يطْلب من نور الدّين أَبَاهُ أَيُّوب وَأَهله فأرسلهم فَأَعْطَاهُمْ بِمصْر الإقطاعات وَتمكن من الْبِلَاد وَضعف أَمر العاضد وهجر صَلَاح الدّين الشّرْب وَاللَّهْو، وتقمص الْجد.
قَالَ ابْن الْأَثِير: رَأَيْت كثيرا مِمَّن ابْتَدَأَ الْملك يتنقل الْملك إِلَى غير عقبه، تغلب مُعَاوِيَة وَملك فانتقل إِلَى بني مَرْوَان بعده وَملك السفاح فانتقل إِلَى عقب أَخِيه الْمَنْصُور وَملك نصر بن أَحْمد الساماني فانتقل إِلَى أَخِيه إِسْمَاعِيل وعقبه، ثمَّ ملك عماد الدولة بن بويه فانتقل إِلَى عقب أَخِيه ركن الدولة.
ثمَّ ملك طغرل بك السلجوقي فانتقل إِلَى عقب أَخِيه دَاوُد، ثمَّ ملك شيركوه فانتقل إِلَى ابْن أَخِيه، ثمَّ لم يبْق فِي عقب صَلَاح الدّين بل انْتقل إِلَى أَخِيه الْعَادِل وعقبه، وَلم يبْق لأَوْلَاد صَلَاح الدّين غير حلب وَسبب ذَلِك كَثْرَة قتل من يتَوَلَّى أَولا، وَأَخذه الْملك وعيون أَهله وَقُلُوبهمْ مُتَعَلقَة بِهِ فَيحرم عقبه، ثمَّ أَن صَلَاح الدّين قتل مؤتمن الْخلَافَة، وَكَانَ مقدم السودَان حفاظ الْقصر فَجرى بَينه وَبينهمْ بَين القصرين وقْعَة عَظِيمَة انهزم فِيهَا السودَان وتبعهم صَلَاح الدّين فأجلاهم قتلا وتشريداً، وَحكم على الْقصر وَأقَام فِيهِ بهاء الدّين قُرَّة قوش الْأَسدي الْخصي الْأَبْيَض وَبَقِي لَا يجْرِي فِي الْقصر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا بِأَمْر صَلَاح الدّين.
وفيهَا: كسر إيلدكز إينانج صَاحب الرّيّ، وأطمع إيلدكز غلْمَان إينانج فِي الإقطاعات إِن قَتَلُوهُ فَقَتَلُوهُ فَلم يَفِ لَهُم وَلحق بَعضهم وَهُوَ الْقَائِل بخوارزم شاه فصلبه لخيانته أستاذه.
وفيهَا: توفّي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الفارقي أحد الزهاد ذَوي الكرامات الْمُتَكَلِّمين على الخواطر وَكَلَامه مَجْمُوع مَشْهُور.
وفيهَا: توفّي ياروق أرسلان مقدم كَبِير تركماني عَظِيم الْخلقَة سكن بِظَاهِر حلب وعمائر أَتْبَاعه بِظَاهِر قونق يعرف بالياروقية.
قلت وفيهَا: توفّي الشَّيْخ أَبُو عمر وَعُثْمَان بن مَرْزُوق بن حميد بن سَلامَة الْقرشِي الْحَنْبَلِيّ بِمصْر، وَدفن بالقرافة شَرْقي قبر الشَّافِعِي وقبره مَعْرُوف أفتى بِمصْر، ودرس وناظر وَخرج وأملى وقصده الطّلبَة.
وَله كرامات ظَاهِرَة، وَمن كَلَامه الطَّرِيق إِلَى معرفَة الله تَعَالَى وَصِفَاته الْفِكر وَالِاعْتِبَار
стр. 442
بِحكمِهِ وآياته، وَلَا سَبِيل للألباب إِلَى معرفَة كنه ذَاته وَلَو تناهت الحكم الإلهية فِي حد الْعُقُول، أَو انحصرت الْقُدْرَة الربانية فِي دَرك الْعُلُوم لَكَانَ ذَلِك تقصيراً فِي الْحِكْمَة ونقصاً فِي الْقُدْرَة وَلَكِن احْتَجَبت أسرار الْأَزَل عَن الْعُقُول كَمَا استنرت سبحات الْجلَال عَن الْأَبْصَار، فقد رَجَعَ معنى الْوَصْف فِي الْوَصْف، وعمى الْفَهم عَن الدَّرك، وَدَار الْملك فِي الْملك، وانْتهى الْمَخْلُوق إِلَى مثله وَأسْندَ الطّلب إِلَى شكله، وخشعت الْأَصْوَات للرحمن، فَلَا تسمع إِلَّا همسا، فَجَمِيع الْمَخْلُوقَات من الذّرة إِلَى الْعَرْش سبل مُتَّصِلَة إِلَى مَعْرفَته، وحجج بَالِغَة على أزليته، والكون جَمِيعه ألسن ناطقة بوحدانيته، وَالْعلم كُله كتاب يقْرَأ حُرُوف أشخاصه المتبصرون على قدر بصائرهم.
قيل: أَنه كَانَ من أوتاد مصر، وَزَاد النّيل سنة زِيَادَة عَظِيمَة وَخيف الْغَرق فاستغاث النَّاس بِهِ فَأتى إِلَى شاطئ النّيل وَتَوَضَّأ مِنْهُ فنقص فِي الْحَال نَحْو ذراعين وَنزل حَتَّى زرع النَّاس فِي الْيَوْم الثَّانِي، وَلم يطلع النّيل سنة وغلا السّعر وَفَاتَ أَكثر وَقت الزَّرْع وَخيف الْهَلَاك فَتَوَضَّأ فِي شاطئ النّيل بإبريق كَانَ مَعَ خادمه فَزَاد النّيل فِي ذَلِك الْيَوْم، وَتَتَابَعَتْ زِيَادَته حَتَّى انْتهى إِلَى حَده وبورك فِي زرع تِلْكَ السّنة ببركة الشَّيْخ.
وَكَانَ يطوى لَهُ الْبعيد، وكراماته مَجْمُوعَة وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا حصر الفرنج دمياط، وَكَانَت مشحونة بِالرِّجَالِ والذخائر من جِهَة صَلَاح الدّين خمسين يَوْمًا، وأغار نور الدّين على بِلَادهمْ فرحلوا وَمَا ظفروا بهَا، قَالَ صَلَاح الدّين: مَا رَأَيْت أكْرم من العاضد أرسل إِلَيّ مُدَّة مقَام الفرنج على دمياط ألف ألف دِينَار مصرية سوى الثِّيَاب وَغَيرهَا.
وفيهَا: حاصر نور الدّين الكرك ثمَّ رَحل عَنْهَا.
وفيهَا: زلزل الشَّام عَظِيما فاشتغل كل من الْمُسلمين والفرنج بعمارة مَا خرب عَن الْحَرْب.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة مَاتَ قطب الدّين مودود بن زنكي صَاحب الْموصل بالحمى المحرقة وعمره أَرْبَعُونَ تَقْرِيبًا، وَملكه إِحْدَى وَعِشْرُونَ سنة وَخَمْسَة أشهر وَنصف.
وَكَانَ حسن السِّيرَة، وَصرف أَرْبَاب الدولة الْملك عَن ابْنه عماد الدّين زنكي بن مودود إِلَى سيف الدّين غَازِي بن مودود وَهُوَ الْأَصْغَر فَسَار زنكي إِلَى عَمه نور الدّين مستنصراً بِهِ.
وفيهَا: توفّي طغرل بك بن قاروت بك صَاحب كرمان، وَملك بعده ابْنه بهْرَام شاه ونزعه أَخُوهُ أرسلان شاه فاتفق موت أرسلان شاه.
وفيهَا: توفّي مجد الدّين أَبُو بكر بن الداية رَضِيع نور الدّين مقطع حلب وحارم وقلعة جعبر فَأقر نور الدّين أَخَاهُ عليا على ذَلِك.
стр. 443
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن طغرل بحماة مكابداً للفقر، وَله سلوان المطاع، وَكتاب نجباء الْأَبْنَاء، وَشرح مقامات الحريري، ومولده بصقلية، قلت: وَله ينبوع الْحَيَاة فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْعَظِيم، وَله خير الْبشر بِخَير الْبشر وَغير ذَلِك وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي تَاسِع ربيع الآخر توفّي المستنجد بِاللَّه أَبُو المظفر يُوسُف بن المقتفي بن المستظهر بِاللَّه، ومولده مستهل ربيع الآخر سنة عشر وَخَمْسمِائة.
كَانَ أسمر، تَامّ الْقَامَة، طَوِيل اللِّحْيَة، مرض وخشية أستاذ دَاره عضد الدولة أَبُو الْفرج ابْن رَئِيس الرؤساء، وقطب الدّين قيماز، فوصف لَهُ الطَّبِيب دُخُول الْحمام بإشارتهما ليهلك، فَدَخلَهَا وأغلق الْبَاب فَمَاتَ وأحضر عضد الدولة وقطب الدّين.
المستضيء بِأَمْر الله: وَهُوَ الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ مِنْهُم ابْن المستنجد، وشرطا عَلَيْهِ أَن يكون عضد الدولة وزيراً، وَابْنه كَمَال الدّين أستاذ الدَّار وقطب الدّين أَمِير الْعَسْكَر فأجابهم فَبَايعُوهُ يَوْم موت أَبِيه بيعَة خَاصَّة وَفِي غده بيعَة عَامَّة وَكَانَ حسن السِّيرَة أطلق كثيرا من المكوس وشدد على المفسدين، واسْمه الْحسن وكنيته أَبُو مُحَمَّد وَلم ينل الْخلَافَة من اسْمه الْحسن غير الْحسن بن عَليّ والمستضيء.
وفيهَا: انتزع نور الدّين الْموصل من غَازِي ابْن أَخِيه وقررها وَأطلق مكوسها ثمَّ وَهبهَا لسيف الدّين غَازِي وَأعْطى زنكي بن مودود سنجار.
وفيهَا: غزا صَلَاح الدّين الفرنج قرب عسقلان وَعَاد إِلَى مصر ثمَّ حصر أيله بحراً وَبرا وَهِي على سَاحل الْبَحْر الشَّرْقِي، وَفتحهَا من الفرنج فِي ربيع الآخر، واستباح أَهلهَا وَمَا فِيهَا.
وَعَاد صَلَاح الدّين وَهدم دَار الشّحْنَة وَتسَمى دَار المعونة بِمصْر وبناها مدرسة للشَّافِعِيَّة، وَبنى دَار الْعدْل مدرسة للشَّافِعِيَّة، وعزل الْقُضَاة الشِّيعَة، ورتب قَضَاء شافعية، وَذَلِكَ فِي الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة.
وَكَذَلِكَ اشْترى تَقِيّ الدّين عمر ابْن أخي صَلَاح الدّين منَازِل الْعِزّ وبناها مدرسة للشَّافِعِيَّة.
وفيهَا: توفّي القَاضِي ابْن الْجلَال من أَعْيَان كتاب المصريين صَاحب ديوَان الْإِنْشَاء بهَا.
ذكر الْخطْبَة العباسية بِمصْر وانقراض الدولة العلوية
ثمَّ دخلت سنة سبع وَسِتِّينَ خَمْسمِائَة: وفيهَا فِي ثَانِي جُمُعَة من الْمحرم قطعت خطْبَة العاضد لدين الله أبي مُحَمَّد عبد الله بن الْأَمِير يُوسُف بن الْحَافِظ لدين الله أبي الميمون عبد الْمجِيد بن أبي الْقَاسِم مُحَمَّد بن الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي تَمِيم معد بن الظَّاهِر لإعزاز دين الله
стр. 444
أبي الْحسن عَليّ بن الْحَاكِم بِأَمْر الله أبي عَليّ مَنْصُور بن الْعَزِيز بِاللَّه أبي مَنْصُور نزار بن الْمعز لدين الله أبي تَمِيم بن الْمَنْصُور بِاللَّه أبي الظَّاهِر إِسْمَاعِيل بن الْقَائِم بِأَمْر الله أبي الْقَاسِم مُحَمَّد بن الْمهْدي بِاللَّه أبي مُحَمَّد عبيد الله أول الْخُلَفَاء العلويين من هَذَا الْبَيْت.
وَسبب ذَلِك: أَن نور الدّين أرسل إِلَى صَلَاح الدّين يَأْمُرهُ حتما جزما بِقطع الْخطْبَة العلوية وَإِقَامَة الْخطْبَة العباسية فَرَاجعه خوف الْفِتْنَة، فأصر نور الدّين وَمرض العاضد فَأمر صَلَاح الدّين بِالْخطْبَةِ للمستضيء وَقطع خطْبَة العاضد فَلم ينتطح فِيهِ عنزان، فَاشْتَدَّ مرض العاضد وَلم يُعلمهُ بذلك أحد من أَهله فَتوفي فِي يَوْم عَاشُورَاء وَلم يعلم بِقطع خطبَته، فَجَلَسَ صَلَاح الدّين للعزاء وَاسْتولى على قصر الْخلَافَة وعَلى نفائسه وتحفه وَكتبه وَمَا لَا يُحْصى، فَمِنْهُ جبل باقوت وَزنه سَبْعَة عشر درهما، وَكَانَ بِالْقصرِ طبل للقولنج إِذا ضرب بِهِ الْإِنْسَان حبق فَكسر بِلَا علم، وَنقل أهل العاضد إِلَى مَوضِع من الْقصر ووكل بهم من يحفظهم وَتصرف فِي العبيد وَالْإِمَاء بيعا وعتقا وَهبة. وَكَانَ العاضد فِي الْمَرَض قد طلب صَلَاح الدّين فظنها خديعة فَلم يمض إِلَيْهِ، فَلَمَّا توفّي نَدم لتخلفه عَنهُ وَجَمِيع من خطب لَهُ بالخلافة مِنْهُم أَرْبَعَة عشر الْمهْدي والقائم والمنصور والمعز والعزيز وَالْحَاكِم وَالظَّاهِر والمستنصر والمستعلي والآمر والحافظ والظافر والفائز والعاضد، ومدتهم من ظُهُور الْمهْدي بسجلماسة فِي ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ إِلَى أَن توفّي العاضد فِي هَذِه السّنة مِائَتَان وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سنة تَقْرِيبًا. وَلما وصل خبر الْخطْبَة العباسية بِمصْر إِلَى بَغْدَاد ضربت البشائر أَيَّامًا وسيرت الْخلْع مَعَ عماد الدّين صندل من خَواص الدولة المقتفوية إِلَى نور الدّين وَصَلَاح الدّين والخطباء، ووسيرت الْأَعْلَام السود.
وَكَانَ العاضد قد رأى فِي مَنَامه أَن عقرباً خرجت من مَسْجِد بِمصْر مَعْرُوف بالعاضد ولدغته فَاسْتَيْقَظَ واستدعى معبراً فَعبر لَهُ بأذى يصله من شخص بِالْمَسْجِدِ فَتقدم بإحضار من فِيهِ فأحضر شخص صوفي اسْمه نجم الدّين الخوبشاني فاستخبره العاضد عَن مُقَدّمَة وَسبب مقَامه بِالْمَسْجِدِ فَأخْبرهُ بِالصَّحِيحِ فِي ذَلِك، وَرَآهُ العاضد أَضْعَف من أَن يَنَالهُ بمكروه فوصله بِمَال وَقَالَ لَهُ: ادْع لنا يَا شيخ وَأمره بالإنصراف، فَلَمَّا أَرَادَ صَلَاح الدّين إِزَالَة الدولة العلوية وَالْقَبْض عَلَيْهِم كَانَ نجم الدّين الخوبشاني من جملَة من بَالغ بالإفتاء بمساويهم وسلب الْإِيمَان عَنْهُم فَصحت الرُّؤْيَا.
وفيهَا: جرى بَين نور الدّين وَصَلَاح الدّين الوحشة بَاطِنا فَإِن صَلَاح الدّين نَازل الشوبك وَهِي للفرنج، ثمَّ رَحل خوفًا أَن يَأْخُذهُ فَلم يبْق لنُور الدّين مَا يعوقه عَن مصر، وَبلغ ذَلِك نور الدّين فكتمه وَجمع صَلَاح الدّين بِمصْر أَقَاربه وأكابره، وَقَالَ: بَلغنِي أَن نور الدّين يقصدنا فَمَا الرَّأْي؟ فَقَالَ تَقِيّ الدّين عمر ابْن أَخِيه: نقاتله، فَأنْكر نجم الدّين أَيُّوب أبوهم ذَلِك، وَقَالَ: أَنا والدكم لَو رَأَيْت نور الدّين نزلت وَقبلت الأَرْض بَين يَدَيْهِ أكتب إِلَيْهِ
стр. 445
لَو جَاءَنِي من عنْدك إِنْسَان وَاحِد وربط المنديل فِي عنقِي وجرني إِلَيْك سارعت إِلَى ذَلِك وانفضوا، ثمَّ خلا أَيُّوب بِأَبِيهِ وَقَالَ: لَو قصدنا نور الدّين أَنا كنت أول من يمنعهُ ويقاتله، وَلَكِن إِذا أظهرنَا ذَلِك يتْرك نور الدّين جَمِيع مَا هُوَ فِيهِ ويقصدنا وَلَا نَدْرِي مَا يكون من ذَلِك، وَإِذا أظهرنَا لَهُ الطَّاعَة تَمَادى الْوَقْت بِمَا يحصل بِهِ الْكِفَايَة من عِنْد الله فَكَانَ كَمَا قَالَ.
وفيهَا: توفّي الْأَمِير مُحَمَّد بن مردبيس صَاحب شَرْقي الأندلس: مرسيه وبلنسيه وَغَيرهمَا، فَسلم أَوْلَاده بِلَاده ليوسف بن عبد الْمُؤمن فسر بذلك وَتزَوج أختهم وأجزل لَهُم وَكَانَ قد قصدهم فِي مائَة ألف فكفي الْقِتَال.
وفيهَا: عبر الخطا نهر جيحون، فَسَار خوارزم شاه أرسلان بن أتسز بن مُحَمَّد بن أنوشتكين إِلَى لِقَائِه، فَرجع خوارزم شاه لمرضه، وَأرْسل عسكراً فَقَاتلُوا الخطا فَانْهَزَمَ عَسْكَر خوارزم شاه وَأسر مقدمهم وَرجع الخطا إِلَى بِلَادهمْ.
وفيهَا: اتخذ نور الدّين الْحمام الهوادي المناسيب لتصل الْأَخْبَار إِلَيْهِ فِي يَوْمه.
وفيهَا: عزل المستضئ وزيره عضد الدولة ابْن رَئِيس الرؤوساء مكْرها من جِهَة قيماز.
وفيهَا: مَاتَ يحيى بن سعدون الْأَزْدِيّ الأندلسي الْقُرْطُبِيّ إِمَام فِي الْقِرَاءَة والنحو وَغَيره بالموصل.
وفيهَا: توفّي أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد بن أَحْمد بن أَحْمد بن الخشاب الْبَغْدَادِيّ، تضلع من الْأَدَب والنحو وَالتَّفْسِير والْحَدِيث قَلِيل الاكتراث بالمأكل والملبس.
وفيهَا: توفّي نصر الله بن عبد الله بن مخلوف بن عَليّ بن عبد النُّور ابْن قلاقس الشَّاعِر الإسكندري فِي مدح القَاضِي الْفَاضِل وَفِي كَثْرَة أَسْفَاره يَقُول:
(وَالنَّاس كثر وَلَكِن لَا يقدر لي ... الْأَمر افقة الملاح وَالْحَادِي)
قلت: وَمَا أحسن قَول ابْن عنين فِي كَثْرَة أَسْفَاره فِي الْمشرق:
(أشقق قلب الشرق حَتَّى كأنني ... أفتش فِي سودائه عَن سنا الْفجْر)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا توفّي خوارزم شاه أرسلان بن أتسز بن مُحَمَّد أنوشتكين، وَقد عَاد من قتال الخطا مَرِيضا.
وَملك بعده ابْنه الصَّغِير سُلْطَان شاه مَحْمُود بتدبير والدته، وَلما بلغ ابْنه الْكَبِير عَلَاء الدّين تكش وَهُوَ مُقيم فِي اقطاعه خبر ذَلِك استنجد بالخطا وطرد سُلْطَان شاه، واستنجد سُلْطَان شاه بملوك الْأَطْرَاف، وطرد تكش، وَكَانَ الْحَرْب بَينهم سجالا حَتَّى مَاتَ سُلْطَان شاه سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة، وَاسْتقر تكش فِي ملك خوارزم.
стр. 446
وَفِي تِلْكَ الحروب قتل الْمُؤَيد آي بِهِ، قَتله تكش صبرا، وَملك بعده طغان شاه بن الْمُؤَيد آي بِهِ.
وفيهَا: سَار شمس الدولة توران شاه بن أَيُّوب من مصر إِلَى النّوبَة للتغلب عَلَيْهَا فَلم تعجبه فغنم وَعَاد.
وفيهَا: توفّي شمس الدّين إيلدكز بهمدان.
وَملك بعده مُحَمَّد البهلوان، وَكَانَ إيلدكز مَمْلُوكا للكمال السميرمي وَزِير مَحْمُود، فَلَمَّا ولي مَسْعُود كبره حَتَّى ملك أذربيجان وأصبهان والري، وَكَانَ عسكره خمسين ألفا وخطب فِي بِلَاده بالسلطنه لأرسلان طغرل بك اسْما، وَكَانَ حسن السِّيرَة.
وفيهَا: سَار طَائِفَة من التّرْك من مصر مَعَ قراقوش مَمْلُوك تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه إِلَى إفريقية، وحاصروا طرابلس الغرب ثمَّ فتحهَا قراقوش، وَملك كثيرا من تِلْكَ الْبِلَاد.
وفيهَا: غزا يُوسُف بن عبد الْمُؤمن بِلَاد الفرنج بالأندلس.
وفيهَا: استولى نور الدّين على مرعش وبهسنا ومرزبان وسيواس من بِلَاد قلج أرسلان فَأرْسل يستعطفه فَقَالَ نور الدّين: لَا أرْضى حَتَّى ترد ملطية على ذِي النُّون بن الدانشمند فبذل لَهُ سيواس مصالحة عَنْهَا، فَلَمَّا مَاتَ نور الدّين أَخذ قلج أرسلان سيواس من ابْن الدانشمند.
وفيهَا: حصر صَلَاح الدّين الكرك وواعد نور الدّين بالاجتماع عَلَيْهَا فَلَمَّا قَارب نور الدّين الكرك خافه صَلَاح الدّين، فَعَاد إِلَى مصر وَأرْسل تحفاً إِلَى نور الدّين وَاعْتذر بِمَرَض أَبِيه وَالْخَوْف من ذهَاب مصر لَو مَاتَ فعذره نور الدّين ظَاهرا وَوجد صَلَاح الدّين أَبَاهُ قد مَاتَ بِوُقُوعِهِ عَن فرس نفرت بِهِ فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة مِنْهَا.
وفيهَا: توفّي أَبُو نزار حسن بن أبي الْحسن صافي بن عبد الله بن نزار النَّحْوِيّ ملك النُّحَاة وَقد ناهز الثَّمَانِينَ، كَانَ معجباً بِنَفسِهِ يسْخط على من يخاطبه بِغَيْر ذَلِك.
قَرَأَ الْفِقْه على مَذْهَب الشَّافِعِي والأصولين وَالْخلاف، وبرع فِي النَّحْو وسافر إِلَى خُرَاسَان وكرمان وغزته واستوطن دمشق.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة:
ملك توران شاه الْيمن
أَرَادَ صَلَاح الدّين تَحْصِيل مملكة غير مصر بِحَيْثُ إِن قَاتلهم نور الدّين وَهَزَمَهُمْ التجأوا إِلَى تِلْكَ المملكة فَجهز أَخَاهُ شمس الدولة توران شاه فِي هَذِه السّنة بعسكر إِلَى الْيمن فَجرى بَينه وَبَين عبد النَّبِي الْمُقدم ذكره قتال فَانْهَزَمَ عبد النَّبِي وَملك توران شاه زبيدا وَأسر عبد النَّبِي.
стр. 447
وَملك عدن وَأسر صَاحبهَا ياسراً، وَاسْتولى على الْيمن وأموال عبد النَّبِي وياسر، وَصَارَت الْيمن لصلاح الدّين.
وفيهَا: وَفِي رَمَضَان صلب صَلَاح الدّين جمَاعَة قصدُوا الْوُثُوب عَلَيْهِ وإعادة الدولة العلوية مِنْهُم عبد الصَّمد الْكَاتِب وَالْقَاضِي العويرس وداعي الدعاة وَعمارَة بن عَليّ اليمني الْفَقِيه الشَّاعِر.
وَمن شعره فِي أَحْوَال المصريين:
(رميت يَا دهر كف الْمجد بالشلل ... وجيده بعد حسن الحلى بالعطل)
(لهفي ولهف بني الآمال قاطبة ... على فجيعتها فِي أكْرم الدول)
(يَا عاذلي فِي هوى أَبنَاء فَاطِمَة ... لَك الْمَلَامَة إِن قصرت فِي عذلي)
(تالله زرساحة القصرين وابك معي ... عَلَيْهِمَا لَا على صفّين والجمل)
(وَقل لأهلهما وَالله مَا التحمت ... فِيكُم جروحي وَلَا قرحي بمنديل)
(مَاذَا ترى كَانَت الإفرنج فاعلة ... فِي نسل آل أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ)
(وَقد حصلتم عَلَيْهَا وَاسم جدكم ... مُحَمَّد وأبوكم خير منتعل)
(مَرَرْت بِالْقصرِ والأركان خَالِيَة ... من الْوُفُود وَكَانَت قبْلَة الْقبل)
(وَالله لَا فَازَ يَوْم الْحَشْر مبغضكم ... وَلَا نجا من عَذَاب النَّار غير ولي)
(أئمتي وهداتي والذخيرة لي ... إِذا ارتهنت بِمَا قدمت من عَمَلي)
وَله فيهم:
(غصبت أُميَّة إِرْث آل مُحَمَّد ... سفها وشنت غَارة الشنان)
(وغدت تخَالف فِي الْخلَافَة أَهلهَا ... وتقابل الْبُرْهَان بالبهتان)
(لم تقتنع حكامهم بركوبهم ... ظهر النِّفَاق وغارب الْعدوان)
(وقعودهم فِي رُتْبَة نبوية ... لم يبنها لَهُم أَبُو سُفْيَان)
(حَتَّى أضافوا بعد ذَلِك أَنهم ... أخذُوا بثأر الْكفْر فِي الْإِيمَان)
(فَأنى زِيَاد فِي الْقَبِيح زِيَادَة ... تركت يزِيد يزِيد فِي النُّقْصَان)
وفيهَا: توفّي الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن عماد الدّين زنكي بن أقسنقر صَاحب الشَّام وديار الجزيرة وَغير ذَلِك وَيَوْم الْأَرْبَعَاء حادي عشر شَوَّال بالخوانيق بقلعة دمشق.
كَانَ أسمر طَوِيل الْقَامَة، لَيْسَ لَهُ لحية إِلَّا فِي حنكه، حسن الصُّورَة، متسع الْملك، خطب لَهُ بالحرمين واليمن ومصر، ومولده سنة إِحْدَى عشرَة وَخَمْسمِائة، وَكَانَ من الزّهْد وَالْعِبَادَة على قدم عَظِيم، يُصَلِّي كثيرا من اللَّيْل، عادلاً كاسمه، كَمَا قيل:
(جمع الشجَاعَة والخشوع لرَبه ... مَا أحسن الْمِحْرَاب فِي الْمِحْرَاب)
قلت: وَفِي نور الدّين يَقُول أَبُو الْحُسَيْن بن مُنِير:
стр. 448
(عقد الْحق ألسن المدعينا ... أَنْت خير الْمُلُوك دنيا ودينا)
(بسط الرزق فِي البسيطة ... كَفاك فكلتا يَديك تلقي يَمِينا)
(فيد تحسم النوائب عَنَّا ... وَيَد تقسم الرغائب فِينَا)
وَالله أعلم.
وَكَانَ عَارِفًا بالفقه على مَذْهَب أبي حنيفَة وَلَيْسَ عِنْده تعصب، بنى أسوار مدن الشَّام مثل دمشق وحمص وحماه وحلب وشيرز وبعلبك وَغَيرهَا لما هدمتها الزلازل، وَبنى الْمدَارِس الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة والمشاهد والرباطات، وَلَا يحْتَمل هَذَا الْمُخْتَصر ذكر فضائله.
وَلما توفّي قَامَ ابْنه الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل بِالْملكِ بعده، وعمره إِحْدَى عشرَة سنة، وَحلف لَهُ الْعَسْكَر بِدِمَشْق وَأقَام بهَا وأطاعه صَلَاح الدّين، وخطب لَهُ بِمصْر، وَضرب السِّكَّة باسمه، ودبر دولته الْأَمِير شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الْملك الْمَعْرُوف بِابْن الْمُقدم. وَبلغ موت نور الدّين سيف الدّين غَازِي بن مودود بن زنكي، فَسَار من الْموصل وَملك الْبِلَاد الجزرية.
ثمَّ دخلت سنة سبعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا اجْتمع على رجل من أهل الصَّعِيد يُقَال لَهُ الْكَنْز جمع كثير، وَأظْهر الْخلاف على صَلَاح الدّين فَأرْسل إِلَيْهِ صَلَاح الدّين عسكراً، فَاقْتَتلُوا فَقتل الْكَنْز وَجَمَاعَة وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ، وفيهَا سلخ ربيع الأول.
ملك صَلَاح الدّين دمشق وحمص وحماه
وَسَببه أَن شمس الدّين ابْن الداية أرسل سعد الدّين كمشتكين يَسْتَدْعِي الْملك الصَّالح بن نور الدّين إِلَى حلب فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك، وَلما اسْتَقر بحلب وَتمكن كمشتكين قبض على ابْن الداية وَإِخْوَته، وعَلى الرئيس ابْن الخشاب وَإِخْوَته، واستبد كمشتكين بتدبير الْملك الصَّالح فخافه الْأُمَرَاء بِدِمَشْق فاستدعوا صَلَاح الدّين ليملكوه عَلَيْهِم فوصل إِلَيْهِم فِي جَرِيدَة سَبْعمِائة فَارس فالتقاه الْعَسْكَر وخدموه وَنزل بدار وَالِده أَيُّوب الْمَعْرُوفَة بدار العقيقي، وعصت عَلَيْهِ القلعة وفيهَا الْخَادِم ريحَان من جِهَة الصَّالح فاستماله فَسلم إِلَيْهِ القلعة فصعدها وَأخذ مَا فِيهَا من الْأَمْوَال وَقرر الْأُمُور واستخلف بهَا أَخَاهُ سيف الْإِسْلَام طغتكين، وَسَار إِلَى حمص مستهل جُمَادَى الأولى، وَكَانَت حمص وحماه وقلعة بارين وسلمية وتل خَالِد والرها فِي أقطاع فَخر الدّين مَسْعُود بن الزَّعْفَرَانِي، فَلَمَّا مَاتَ نور الدّين لم يُمكن مَسْعُود الْمقَام بحماه وحمص لسوء سيرته مَعَ النَّاس.
وَكَانَت هَذِه الْبِلَاد لَهُ ولنور الدّين فِي قلاعها نواب حكمهَا إِلَيْهِم إِلَّا بارين فَإِن قلعتها كَانَت لَهُ، وَنزل صَلَاح الدّين على حمص فِي حادي عشر جُمَادَى الأولى وَملك الْمَدِينَة وعصت عَلَيْهِ القلعة فَترك من يضيق عَلَيْهَا ورحل إِلَى حماه فَملك مدينتها مستهل جُمَادَى الْآخِرَة من هَذِه السّنة.
وَكَانَت بقلعتها الْأَمِير عز الدّين جرد بك النوري فَامْتنعَ فِي القلعة، فَذكر لَهُ صَلَاح
стр. 449
الدّين إِن غَرَضه حفظ بِلَاد الصَّالح عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِبه وقصده من جرد بك الْمسير إِلَى حلب فِي رِسَالَة فاستحلفه جرد بك على ذَلِك.
وَسَار برسالة صَلَاح الدّين إِلَى حلب واستخلف بقلعة حماه أَخَاهُ فَلَمَّا وصل جرد بك إِلَى حلب سجنه كمشتكين وَبلغ ذَلِك أَخَاهُ فَسلم قلعة حماة إِلَى صَلَاح الدّين ثمَّ حصر حلب وَبهَا الصُّلْح بن نور الدّين فقاتله عَن حلب وصده وَأرْسل كمشتكين إِلَى سِنَان مقدم الإسماعيلية أَمْوَالًا ليقتلوا صَلَاح الدّين فَوَثَبَ عَلَيْهِ جمَاعَة فَقتلُوا دونه، وَفِي مستهل رَجَب رَحل عَن حلب لنزول الفرنج على حمص، وَنزل صَلَاح الدّين على حماه ثامن رَجَب وَقصد حمص، فَرَحل الفرنج عَنْهَا وَحصر قلعتها، وملكها فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من شعْبَان.
ثمَّ ملك بعلبك فَأرْسل الْملك الصَّالح إِلَى ابْن عَمه سيف الدّين غَازِي صَاحب الْموصل يستنجده فَجهز جَيْشًا صَحبه أَخِيه عز الدّين مَسْعُود بن مودود وَقدم على الْجَيْش عز الدّين مَحْمُود سلفندر أكبر أمرائه، وَطلب أَخَاهُ الْأَكْبَر زنكي صَاحب سنجار لينجده أَيْضا، فَامْتنعَ مصانعة لصلاح الدّين فبذل صَلَاح الدّين فحصره غَازِي بسنجار، ووصلت النجدة إِلَى حلب وَسَارُوا هم وعسكر حلب إِلَى صَلَاح الدّين فبذل صَلَاح الدّين لَهُم وحمص وحماه لتبقى لَهُ دمشق ليَكُون فِيهَا نَائِبا للصالح فَأَبَوا وَسَارُوا إِلَيْهِ فَاقْتَتلُوا عِنْد قُرُون حماه، فانكسر عَسْكَر الْموصل وحلب، وغنم صَلَاح الدّين وَعَسْكَره أَمْوَالهم وتبعهم حَتَّى حصرهم بحلب، وَحِينَئِذٍ قطع خطْبَة الْملك الصَّالح منع سكته واستبد بالسلطنة فأرسلوا إِلَيْهِ على أَن يكون لَهُ مَا بِيَدِهِ من الشَّام، وللصالح مَا بقى بِيَدِهِ مِنْهُ، فَفعل وَرجع عَنْهُم فِي شَوَّال مِنْهَا.
وَفِي الْعشْر الأول من شَوَّال ملك صَلَاح الدّين قلعة بارين من صَاحبهَا فَخر الدّين مَسْعُود بن الزَّعْفَرَانِي النوري.
وفيهَا: ملك البهلوان بن إيلدكز تبريز من ابْن أقسنقر الأحمديلي.
وفيهَا: مَاتَ سملة التركماني صَاحب خوز ستان وَملك ابْنه.
وفيهَا: وَقع بَين الْخَلِيفَة وَبَين قيماز مقدم عسكره فتْنَة فنهب دَار قيماز وهرب إِلَى الْحلَّة ثمَّ إِلَى الْموصل فعطش فَمَاتَ هُوَ وَأكْثر أَصْحَابه قبل وصولهم الْموصل فَحمل وَدفن بِظَاهِر بَاب الْعِمَادِيّ، وَلما هرب قيماز خلع الْخَلِيفَة على عضد الدّين الْوَزير واستوزره.
قلت: وفيهَا تَقْرِيبًا توفّي الشَّيْخ قضيب البان الْموصِلِي بالموصل وَهُوَ أحد الْأَوْلِيَاء الْمَشْهُورين والنبلاء الْمَذْكُورين، لَهُ كرامات ظَاهِرَة وأحوال فاخرة. عَن الشَّيْخ أبي الْحسن على الفريثي قَالَ: دخلت على قضيب البان بِبَيْت لَهُ بالموصل فرأيته ملْء الْبَيْت، ثمَّ عدت إِلَيْهِ فرأيته فِي زَاوِيَة الْبَيْت على قدر العصفور، فَخرجت ثمَّ عدت إِلَيْهِ فرأيته كحالة الْمُعْتَاد، فَقلت: يَا سَيِّدي أَخْبرنِي مَا الْحَالة الأولى وَمَا الْحَالة الثَّانِيَة؟ فَقَالَ: يَا عَليّ أَو رأيتهما؟ قلت: نعم قَالَ: لَا بُد أَن تعمى، أما الْحَالة الأولى: فَكَانَ عِنْدِي بالجمال، وَأما الْحَالة الثَّانِيَة فَكنت عِنْد بالجلال، وكف بصر الشَّيْخ الفريثي قبل مَوته بِيَسِير.
وَعَن أبي مُحَمَّد المارديني مَا خلاصته: أَن شَارِح التَّنْبِيه كَمَال الدّين ابْن يُونُس وَقع
стр. 450
فِي قضيب البان بمدرسة الْموصل، فَدخل عَلَيْهِم قضيب البان فَبُهِتُوا وَقَالَ: يَا ابْن يُونُس أَنْت تعلم كل مَا يُعلمهُ الله تَعَالَى؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَإِنِّي أَنا من الْعلم الَّذِي لَا تعلمه أَنْت، فَلم يدر ابْن يُونُس مَا يَقُول، فَتَبِعَهُ المارديني فَأخذ من الْأَزِقَّة سبع كسر فَأتى بَاب عَجُوز فَقَالَت: يَا قضيب البان أَبْطَأت علينا فناولها الْكسر وَانْصَرف وأتى بَاب الْموصل وَهُوَ مغلق فانفتح لَهُ فَخرج والمارديني خَلفه وَمَشى يَسِيرا وَإِذا نهر يجْرِي عِنْده شَجَرَة فَخلع ثِيَابه واغتسل فِيهِ وَلَيْسَ ثيابًا معلقَة على الشَّجَرَة وَصلى إِلَى الْفجْر، وَغلب على المارديني النّوم إِلَى أَن أيقظه حر الشَّمْس وَهُوَ بصحراء مقفرة خَالِيَة، فتحير فَمر بِهِ ركب فَأَتَاهُم وسألهم وَقَالَ أَنا من الْموصل وَخرجت مِنْهَا اللَّيْلَة وَقت الْعشَاء فأنكروا أمره وَقَالُوا: مَا نَدْرِي أَيْن يكون الْموصل؟ فاستخبره شيخ مِنْهُم مَا قصَّته، فَأخْبرهُ فَقَالَ لَا يقدر على ردك إِلَى الْموصل إِلَّا الَّذِي جَاءَ بك إِلَى هُنَا، يَا أخي أَنْت بِبِلَاد الْمغرب وَبَيْنك وَبَين الْموصل سِتَّة أشهر، وَسَارُوا فجَاء قضيب البان لَيْلًا وَفعل كفعلة الأول وَعند الْفجْر نزع تِلْكَ الثِّيَاب وَلبس ثِيَابه.
قَالَ المارديني: وَسَار وتبعته ثمَّ لم نَلْبَث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى جِئْنَا الْموصل، فَالْتَفت إِلَيّ وعرك أُذُنِي وَقَالَ: لَا تعد إِلَى مثلهَا، وَإِيَّاك وإفشاء الْأَسْرَار، وعزم قَاضِي الْموصل أَن يَقُول للسُّلْطَان فِي إِخْرَاج قضيب البان من الْموصل فِي سره، قَالَ: فَرَأَيْت قضيب البان مُقبلا على هَيئته الْمَعْرُوفَة فَمشى خطْوَة وَإِذا هُوَ عَليّ هَيْئَة كردِي ثمَّ مَشى خطْوَة وَإِذا هُوَ على هَيْئَة بدوي، ثمَّ مَشى خطْوَة وَإِذا هُوَ على هَيْئَة فَقِيه بِصُورَة غير الصُّور الْمُتَقَدّمَة، وَقَالَ لي: يَا قَاضِي هَذِه أَربع صور رأيتهن فَمن هُوَ قضيب البان مِنْهُنَّ حَتَّى تَقول للسُّلْطَان فِي إِخْرَاجه فَلم أتمالك أَن اكببت على يَدَيْهِ أقبلهما وَأَسْتَغْفِر وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسبعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي عَاشر شَوَّال استنجد غَازِي بن مودود بن زنكي صَاحب الْموصل بِصَاحِب حصن كيفا وَصَاحب ماردين واقتتلوا مَعَ صَلَاح الدّين فكسرهم وَوصل غَازِي الْموصل مرغوباً وَقصد بعض القلاع فثبته وزيره وَأخذ صَلَاح الدّين أثقالهم وَحصر بزاعة ثمَّ تسلمها وَفتح منبج عنْوَة وَأسر صَاحبهَا نيال بن حسان، وَكَانَ شَدِيد البغض لصلاح الدّين وَأخذ موجوده ثمَّ أطلقهُ فأقطعه غَازِي الرقة.
ثمَّ نَازل صَلَاح الدّين عزازاً وتسلمها حادي عشر ذِي الْحجَّة فَوَثَبَ إسماعيلي عَلَيْهِ فجرحه فِي رَأسه، فَقبض صَلَاح الدّين يَدي الْإِسْمَاعِيلِيّ وبقى يضْرب بالسكين فَلَا يُؤثر حَتَّى قتل الْإِسْمَاعِيلِيّ.
ووثب ثَان وثالث فقتلا فذعر وَعرض جنده وَأبْعد من أنكرهُ مِنْهُم، ثمَّ نَازل حلب منتصف ذِي الْحجَّة وحصرها وَبهَا الصَّالح بن نور الدّين وَانْقَضَت هَذِه السّنة وَهُوَ محاصرها، فسألوا صَلَاح الدّين فِي الصُّلْح فأجابهم إِلَيْهِ وأخرجوا إِلَيْهِ بِنْتا صَغِيرَة لنُور الدّين فأكرمها وَأَعْطَاهَا كثيرا، وعلموها أَن تطلب قلعة عزاز فسلمها إِلَيْهِم ورحل عَن حلب فِي الْعشْرين من الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَخَمْسمِائة.
стр. 451
وفيهَا: سَار أَمِير الْحَاج الْعِرَاقِيّ طاشتكين وَأمره الْخَلِيفَة بعزل صَاحب مَكَّة مكثر بن عِيسَى فَقَاتلهُمْ فَانْهَزَمَ مكثر وَأقَام أَخَاهُ دَاوُد مَكَانَهُ بِمَكَّة.
وفيهَا: فِي رَمَضَان قدم شمس الدّين توران شاه بن أَيُّوب من الْيمن إِلَى الشَّام وَكتب إِلَى أَخِيه صَلَاح الدّين أبياتاً من شعر ابْن المنجم الْمصْرِيّ الدَّار والوفاة المعري الأَصْل وَهُوَ نَشأ الْملك أبي الْحسن عَليّ بن مفرج وَهِي:
(وإلي صَلَاح الدّين أَشْكُو أنني ... من بعده مضني الجوانح مولع)
(جزعاً لبعد الدَّار عَنهُ وَلم أكن ... لَوْلَا هَوَاهُ لبعد دَار أجزع)
(ولأركبن إِلَيْهِ متن عزائمي ... ويخب بِي ركب الغرام ويوسع)
(ولأسرين اللَّيْل لَا يسري بِهِ ... طيف الخيال وَلَا البروق اللمع)
(وأقد من إِلَيْهِ قلبِي مخبرا ... إِنِّي بجسمي عَن قريب أتبع)
(حَتَّى أشاهد مِنْهُ أسعد طلعة ... من أفقها صبح السَّعَادَة يطلع)
وفيهَا: توفّي الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن الْحسن بن هبة الله بن عَسَاكِر الدِّمَشْقِي نور الدّين من أَعْيَان الشَّافِعِيَّة والمحدثين لَهُ تَارِيخ دمشق ثَمَانُون مجلداً فِيهِ غرائب، وَولد سنة تسع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة.
قلت: وَمن شعره وَلَا باس بِهِ.
(إِلَّا إِن الحَدِيث أجل علم ... وأشرفه الْأَحَادِيث العوالي)
(وأنفع كل نوع مِنْهُ عِنْدِي ... وَأحسنه الْفَوَائِد فِي الأمالي)
(وَإنَّك لن ترى للْعلم شَيْئا ... تحَققه كأفواه الرِّجَال)
(فَكُن يَا صَاح ذَا حرص عَلَيْهِ ... وخذه عَن الرِّجَال بِلَا ملال)
(وَلَا تَأْخُذهُ من صحف فترمى ... من التَّصْحِيف بالداء العضال)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا نهب وَخرب وأحرق صَلَاح الدّين بلد الإسماعيلية وَحصر قلعة مصيات فَسَأَلَهُ شهَاب الدّين الجارمي صَاحب حماه خَال صَلَاح الدّين الصفح عَنْهُم بسؤال سِنَان فَرَحل عَنْهُم إِلَى مصر وَكَانَ بعيد عهد بهَا وَقد قرر الشَّام فَأمر بِبِنَاء السُّور الدائر على مصر والقاهرة والقلعة على جبل المقطم، ودور ذَلِك تِسْعَة وَعِشْرُونَ ألف ذِرَاع وثلاثمائة ذِرَاع بالذراع القاسمي وَلم يزل الْعَمَل فِيهِ حَتَّى مَاتَ صَلَاح الدّين.
وفيهَا: بنى صَلَاح الدّين الْمدرسَة على قبر الإِمَام الشَّافِعِي بالقرافة بِمصْر والمارستان بِالْقَاهِرَةِ.
وفيهَا: توفّي كَمَال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله بن الْقَاسِم الشهرزوري قَاضِي الشَّام
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسبعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا وصل صَلَاح الدّين إِلَى عسقلان فِي
стр. 452
جُمَادَى الأولى، وَشن الغارات على الفرنج فطلعت الفرنج وَهُوَ فِي بعض الْعَسْكَر فَقَاتلهُمْ أَشد قتال فَقتل أَحْمد بن تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بعد أثر جيد فِي الفرنج، وقاربت حملات الفرنج السُّلْطَان فَانْهَزَمَ إِلَى مصر على الْبَريَّة وَمَعَهُ من سلم فَلَقوا مشقة وعطشاً، وَهلك دَوَاب كَثِيرَة، وَأسر الفرنج الْعَسْكَر المتفرق فِي الإغارة، وَأسر الْفَقِيه عِيسَى من أكبر أَصْحَاب صَلَاح الدّين، فافتداه بعد سِنِين بستين ألف دِينَار، وَكتب بِخَط يَده إِلَى أَخِيه توران شاه بِدِمَشْق يذكر لَهُ ذَلِك، وَفِي أَوله:
(ذكرتك والخطى يخْطر بَيْننَا ... وَقد نهلت منا المثقفة السمر)
وَيَقُول فِيهِ:
(لقد أَشْرَفنَا الْهَلَاك غير مر ... وَمَا ثبتَتْ إِلَّا وَفِي نَفسهَا أَمر)
وفيهَا: حصر الفرنج حماه طَمَعا بهزيمة صَلَاح الدّين وَبعده وَبهَا شهَاب الدّين الحارمي خَال صَلَاح الدّين مَرِيضا، وهجموا بعض أطرافها، وكادوا يملكونها، فجد الْمُسلمُونَ فِي الْقِتَال ثمَّ رحلوا عَنْهَا إِلَى حارم فَمَاتَ صَاحب حماه وَمَات ابْن لَهُ جميل قبله بِثَلَاثَة أَيَّام.
وفيهَا: قبض الْملك الصَّالح على كمشتكين متغلباً على الْأَمر، وَكَانَت لَهُ حارم، فعذب كمشتكين وَأَصْحَابه فِيهَا يرونه ليسلموا قلعة حارم فأصروا على الِامْتِنَاع حَتَّى مَاتَ من الْعَذَاب وَوصل الفرنج من حِصَار حماه، وحصروا حارم أَرْبَعَة أشهر، فداراهم الصَّالح بِمَال فرحلوا عَنْهَا بعد بُلُوغ أَهلهَا الْجهد، ثمَّ أرسل الْملك الصَّالح عسكراً حصروها وتسلموها، فاستناب بقلعتها سرخك مَمْلُوك أَبِيه.
وفيهَا: فِي الْمحرم خطب للسُّلْطَان طغرل بك بن أرسلان بن طغرل بك بن مُحَمَّد بن ملك شاه، الْمُقِيم بِبِلَاد إيلدكز، وَكَانَ أَبوهُ أرسلان الْمُقدم ذكره قد توفّي.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة عبر عضد الدّين مُحَمَّد بن عبد الله بن هبة الله وَزِير الْخَلِيفَة دجلة عَازِمًا على الْحَج فَقتله الإسماعيلية وَحمل مجروحاً إِلَى منزله فَمَاتَ ومولده سنة أَربع عشرَة وَخَمْسمِائة.
وفيهَا: توفّي صَدَقَة بن الْحُسَيْن الْحداد الَّذِي ذيل تَارِيخ ابْن الزَّعْفَرَانِي بِبَغْدَاد.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَسبعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا أرسل صَلَاح الدّين إِلَى شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الْملك بن الْمُقدم ليسلم بعلبك إِلَى توران شاه حَسْبَمَا سَأَلَهُ، فعصى بهَا، فَأرْسل صَلَاح الدّين، وحصره طَويلا، ثمَّ عوض عَنْهَا وَسلمهَا إِلَى توران شاه.
وفيهَا: كَانَ غلاء، وَتَبعهُ وباء، وفيهَا: سير صَلَاح الدّين ابْن أَخِيه تَقِيّ الدّين عمر إِلَى حماه، وَابْن عَمه مُحَمَّد بن شيركوه إِلَى حمص فاستقرا بهما. وفيهَا: توفّي سعد بن مُحَمَّد بن سعد الحيص بيص الشَّاعِر.
стр. 453
وَللَّه قَوْله:
(لَا تلمني فِي شقائي بالعلا ... وغد الْعَيْش لربات الحجال)
(سيف عز زانه رونقه ... فَهُوَ بالطبع غَنِي عَن صقال)
قلت: تفقه بِالريِّ وَتكلم فِي المخلاف، وَغلب عَلَيْهِ الْأَدَب وَأخذ النَّاس عَنهُ أدباً وفضلاً كثيرا، وَكَانَ يلبس زِيّ الْعَرَب ويتقلده شيفاً، وَفِيه تيه فَعمل فِيهِ أَبُو الْقَاسِم بن أبي
الْفضل:
(كم تبارى وَكم تطول ... طرطوراً وَمَا فِيك شَعْرَة من تَمِيم)
(فَكل الضَّب واقرط الحنظل ... الْيَابِس واشرب مَا شِئْت بَوْل الظليم)
(لَيْسَ ذَا وَجه من بضيف وَلَا يقرى ... وَلَا يدْفع الْأَذَى عَن حَرِيم)
فإجابه:
(لَا تضع من عَظِيم قدر وَإِن ... كنت مشار إِلَيْهِ بالتعظيم)
(ولع الْخمر بالعقول رمى ... الْخمر بتنجيسها وبالتحريم)
(فالشريف الْكَرِيم ينحط قدرا ... بالتجري على الشريف الْكَرِيم)
وَعمل فِيهِ خطيب الحويزة الْبُحَيْرِي:
(لسنا وحقك حيص بيص ... من الأعارب فِي الصميم)
(وَلَقَد كذبت على بحير ... كَمَا كذبت على تَمِيم)
وَكتب الحيص بيص إِلَى الْوَزير ابْن هُبَيْرَة وَقد طلب مِنْهُ أَن يحضر مائدته فِي شهر رَمَضَان:
(صن مَنْكِبي عَن زحام إِن نصبت لَهُ ... تمكن الطعْن من عَقْلِي وَمن خلقي)
(وَإِن رضيت بِهِ فالذل منقصة ... وَكم تكلفته عمدا وَلم أطق)
(وهبه بعض عطاياك الَّتِي سلفت ... فالجود بالعز فَوق الْجُود بالورق)
(وَإِن توهم قوم أَنه حمق ... فطالما شبه التوقير بالحمق)
وَالله أعلم.
وفيهَا: مَاتَت شهدة بنت أَحْمد بن عمر الأبري سَمِعت من السراج وطراد وقاربت مائَة سنة وَسمع عَلَيْهَا خلق لعلو إسنادها.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا فتح صَلَاح الدّين حصناً كَانَ بناه الفرنج عِنْد بانياس وَبَيت يَعْقُوب.
وَفِيه يَقُول بهاء الدّين عَليّ بن الساعاتي الدِّمَشْقِي:
(أتسكن أوطان النَّبِيين عصبَة ... تمين لَدَى إيمَانهَا وَهِي تحلف)
(نصحتكم والنصح للدّين وَاجِب ... ذَروا بَيت يَعْقُوب فقد جَاءَ يُوسُف)
стр. 454
وفيهَا: كَانَ حصن رعبان بيد شمس الدّين بن الْمُقدم فطمع فِيهِ قلج أرسلان بن مَسْعُود بن قلج أرسلان صَاحب الرّوم فَأرْسل نَحْو عشْرين الْفَا ليحصروه فَسَار إِلَيْهِم تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه فِي ألف فَارس فَهَزَمَهُمْ.
وفيهَا: ثَانِي ذِي الْقعدَة توفّي المستضىء بِأَمْر الله الْحسن بن المستنجد وَأمه أم ولد أرمنية، وخلافته نَحْو تسع سِنِين وَسَبْعَة أشهر، ومولده سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة، وَكَانَ حسن السِّيرَة، حكم فِي دولته الظهير أَبُو بكر بن الْعَطَّار بعد قتل الْوَزير عضد الدّين، فَأخذ ابْن الْعَطَّار بعده الْبيعَة لِابْنِهِ النَّاصِر لدين الله وَهُوَ الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ مِنْهُم فَحكم أستاذ الدَّار مجد الدّين أَبُو الْفضل فَقبض فِي سَابِع ذِي الْقعدَة على ظهير الدّين بن الْعَطَّار وَنقل إِلَى التَّاج وَأخرج مَيتا على رَأس حمال لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثَانِي عشر ذِي الْقعدَة، فألقته الْعَامَّة عَن رَأس الْحمال، وسحب بِحَبل فِي ذكره، وَوَضَعُوا فِي يَده مغرفة، مغموسة فِي الْعذرَة وَيَقُولُونَ: وَقع لنا يَا مَوْلَانَا هَذَا. مَعَ حسن سيرته وعفته عَن أَمْوَالهم، ثمَّ خلص وَدفن.
قلت:
(إِذا نلْت العلى رَاع الرعايا ... فَإِن الْقَوْم أَعدَاء الْمَعَالِي)
(يرَوْنَ علا الْفَتى ذَنبا عَظِيما ... وَإِن أمنوه فِي نفس وَمَال)
وَالله أعلم.
وفيهَا: عوض صَلَاح الدّين أَخَاهُ توران شاه بالإسكندرية عَن بعلبك حسب سُؤَاله. وأقطع بعلبك لفرخشاه بن شاهنشاه بن أَيُّوب، وَأقَام توران شاه بالإسكندرية وَبهَا مَاتَ.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَسبعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي ثَالِث صفر توفّي سيف الدّين غَازِي بن مودود بن زنكي صَاحب الْموصل والجزيرة بالسل وعمره نَحْو ثَلَاثِينَ وولايته عشر سِنِين وَكسر، وَكَانَ مليح الثِّيَاب أَبيض عَاقِلا عادلاً عفيفاً غيوراً وَأوصى بِالْملكِ إِلَى أَخِيه مَسْعُود، وَأعْطى ابْنه سنجر شاه بن غَازِي الجزيرة وقلاعها وَكَانَ مُدبر الدولة مُجَاهِد الدّين قيماز.
وفيهَا: وصل صَلَاح الدّين رعبان فَصَالحه قلج أرسلان صَاحب الرّوم، فَرجع عَنهُ وَشن الغارات على بِلَاد ابْن لبون الأرمني، فَصَالحه على مَال وَأسرى.
وفيهَا: توفّي توران شاه بالإسكندرية، وَكَانَ لَهُ مَعَ الْإسْكَنْدَريَّة أَكثر الْيمن، مَاتَ وَعَلِيهِ مِائَتَا ألف دِينَار غير مَا كَانَ يحمل إِلَيْهِ من الْيمن، وَدخل الْإسْكَنْدَريَّة لسخائه، فَقضى صَلَاح الدّين دينه لما عَاد إِلَى مصر فِي شعْبَان مِنْهَا، واستخلف صَلَاح الدّين بِالشَّام ابْن أَخِيه فرخشاه بن شاهنشاه بن أَيُّوب صَاحب بعلبك.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَسبعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا عزم الْبُرْنُس صَاحب الكرك على
стр. 455
الْمسير إِلَى الْمَدِينَة حرسها الله تَعَالَى فَأَغَارَ مرخشاه على بِلَاده وَأقَام مُقَابِله فَفرق الْبُرْنُس جموعه وثنى عزمه.
قلت:
(قصد الْبُرْنُس مكيدة عظمت ... فانحاز عَنْهَا خاسراً خاسى)
(أيخاف خير الْخلق من أحد ... وَالله يعصمه من النَّاس)
وَالله أعلم.
وفيهَا: استولى عَسْكَر صَلَاح الدّين على الْيمن لاخْتِلَاف نائبي توران شاه فِيهِ بعد مَوته، وهما عز الدّين عُثْمَان بن الزنجبيلي بعدن، وحطان بن كَامِل بن منقذ بزبيد.
وفيهَا: فِي رَجَب توفّي الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل بن نور الدّين مَحْمُود بن زنكي صَاحب حلب، وعمره نَحْو تسع عشرَة سنة بالقولنج وصف لَهُ الْخمر فَمَاتَ وَلم يَسْتَعْمِلهُ وَلم يعرف لَهُ شَيْء مِمَّا يتعاطاه الشبَّان.
وَكَانَ حَلِيمًا عفيف الْفرج وَالْيَد وَاللِّسَان، ملازماً لأمور الدّين وَأوصى بِملك حلب إِلَى ابْن عَمه عز الدّين مَسْعُود بن مودود بن زنكي صَاحب الْموصل فَسَار إِلَيْهَا بعد موت الصَّالح وَمَعَهُ قيماز، وَاسْتقر فِي ملكهَا، فكاتبه أَخُوهُ زنكي صَاحب سنجار أَن يُعْطِيهِ حلب وَيَأْخُذ سنجار، وَأَشَارَ قيماز بذلك، فَأجَاب وَعَاد مَسْعُود إِلَى الْموصل.
وفيهَا: فِي شعْبَان توفّي أَبُو البركات عِنْد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أبي سعد النَّحْوِيّ بن الْأَنْبَارِي.
لَهُ فِي النَّحْو تصانيف حَسَنَة، كَانَ فَقِيها.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَسبعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي خَامِس الْمحرم قصد صَلَاح الدّين الشَّام، وَخرج الْأَعْيَان لوداعه، وَقَالَ: كل فِي فِرَاقه شَيْئا، فَأَنْشد معلم لبَعض أَوْلَاده:
(تمتّع من شميم عرار نجد ... فَمَا بعد العشية من عرار)
فتطير السُّلْطَان وتنكد الْحَاضِرُونَ فَلم يعد صَلَاح الدّين إِلَى مصر مَعَ طول الْمدَّة، وأغار صَلَاح الدّين فِي طَرِيقه على الفرنج وغنم وَوصل دمشق فِي حادي عشر صفر وَاجْتمعَ الفرنج قرب الكرك ليكونوا على طَرِيقه لما سَار فانتهز فرخشاه الفرصة وَفتح بعسكر الشَّام الشقيف وأغار على مَا يجاوره.
وفيهَا: سير السُّلْطَان أَخَاهُ سيف الْإِسْلَام طغتكين إِلَى الْيمن وَبهَا حطَّان بن منقذ الْكِنَانِي وَعز الدّين عُثْمَان الزنجبيلي عادا إِلَى ولايتهما لوفاة نَائِب صَلَاح الدّين الَّذِي عزلهما، فتحصن حطَّان فِي قلعة فأنزله طغتكين بتلطف، وَأحسن صحبته، ثمَّ قبض عَلَيْهِ وَأخذ مَاله، وَمن جملَته سَبْعُونَ غلافاً زردية مَمْلُوءَة ذَهَبا عينا، ثمَّ سجنه فِي قلعة، فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ.
стр. 456
وَأما الزنجبيلي فهرب نَحْو الشَّام وَأرْسل أَمْوَاله فِي الْبَحْر فصادفتهم مراكب فِيهَا أَصْحَاب ظغتكين فَأَخَذُوهَا وصفت الْيمن لسيف الْإِسْلَام طغتكين، وفيهَا نزل صَلَاح الدّين قرب طبرية، وَشن الغارات على مثل بيسان وجينين والغور من بِلَاد الفرنج فغنم وَقتل، ثمَّ عَاد إِلَى دمشق، ثمَّ حصر بيروت وأغار ثمَّ عَاد ثمَّ عبر الْفُرَات من البيرة فَصَارَ مَعَه مظفر الدّين كوك بوري بن عَليّ بن بكتكين صَاحب حران.
واستمال صَلَاح الدّين مُلُوك الْأَطْرَاف فَصَارَ مَعَه نور الدّين مُحَمَّد بن قَرَأَ أرسلان صَاحب حصن كيفا، وحاصر الرها وملكها وَسلمهَا إِلَى كوك بوري ثمَّ أَخذ الرقة من نيال بن حسان المنبجي، فَسَار نيال إِلَى مَسْعُود صَاحب الْموصل ثمَّ ملك صَلَاح الدّين قرقيسيا وماكسين وعرابان والخابور جَمِيعًا، ثمَّ ملك نَصِيبين ثمَّ قلعتها وأقطعها لأبي الهيجاء السمين، ثمَّ حصر الْموصل وَبهَا صَاحبهَا عز الدّين مَسْعُود وَمُجاهد الدّين قيماز، وَقد شحنت رجَالًا وسلاحاً وَأقَام منجنيقاً فأقاموا من دَاخل تِسْعَة مجانيق وضايقها، وَنزل السُّلْطَان قبالة بَاب كِنْدَة وَصَاحب حصن كيفا على بَاب الجسر وبوري عَليّ بَاب الْعِمَادِيّ فِي رَجَب مِنْهَا، وَجرى الْقِتَال فَرَأى فِي الْأَمر طولا، فَرَحل وحاصر سنجار وملكها، واستناب بهَا سعد الدّين بن معِين الدّين أنز من أحسن الْأُمَرَاء صُورَة وَمعنى، ثمَّ قصد حران وعزل فِي طَرِيقه أَبَا الهيجاء السمين عَن نَصِيبين.
وفيهَا: سير الْبُرْنُس صَاحب الكرك أسطولاً فِي بَحر أَيْلَة فرْقَتَيْن فرقة حصرت حصن أيله، وَفرْقَة نَحْو عيذاب يفسدون فِي السواحل بَغْتَة، وَلم يعْهَد بِهَذَا الْبَحْر فرنج قطّ، فعمر الْعَادِل أَبُو بكر نَائِب النَّاصِر بِمصْر أسطولاً فِي بَحر عيذاب، وأرسله مَعَ حسام الدّين لُؤْلُؤ الْحَاجِب مُتَوَلِّي الأسطول بِمصْر فأوقع لُؤْلُؤ بمحاصري أَيْلَة فَقتل وَأسر، ثمَّ طلب الْفرْقَة الثَّانِيَة وَقد عزموا على دُخُول الْمَدِينَة وَمَكَّة حرسهما الله تَعَالَى فَبلغ رابغ فأدركهم بساحل الْحَوْرَاء وَقَاتلهمْ أَشد قتال فَقتل أَكْثَرهم وَأسر البَاقِينَ وَأرْسل بَعضهم إِلَى منى لينحروا بهَا وَعَاد بالباقين فَقتلُوا عَن آخِرهم بِمصْر.
قلت:
(لقد طمع الْبُرْنُس بمستحيل ... فجر لِقَوْمِهِ سفك الدِّمَاء)
(وَلَو ترك النَّبِي بِلَا دفاع ... لدافع عَنهُ أَمْلَاك السَّمَاء)
وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي عز الدّين فرخشاه بن شاهنشاه بن أَيُّوب صَاحب بعلبك وَكَانَ شجاعاً شَاعِرًا وَبلغ صَلَاح الدّين وَهُوَ بالجزيرة مَوته، فَأرْسل شمس الدّين مُحَمَّد بن الْمُقدم ليَكُون بِدِمَشْق وَأقر بعلبك على بهْرَام شاه بن فرخشاه.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْعَبَّاس الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ بن أَحْمد بن الرِّفَاعِي من سَواد وَاسِط، وَكَانَ صَالحا ذَا قبُول عَظِيم عِنْد النَّاس، وَله من التلامذة مَا لَا يُحْصى.
стр. 457
قلت: وَمن كَلَامه لَو تكلم الرجل فِي الذَّات وَالصِّفَات، كَانَ سُكُوته أفضل وَلَو خطى من قَاف إِلَى قَاف كَانَ جُلُوسه أفضل، وَلَو أكل مَلأ الْبَيْت طَعَاما ثمَّ تنفس عَلَيْهِ فأحرقه، كَانَ جوعه أفضل.
قَالَ ابْن خلكان: كَانَ الشَّيْخ أَحْمد فَقِيها شافعياً، أَصله من الْمغرب، ولأتباعه أَحْوَال عَجِيبَة من أكل الْحَيَّات وَهِي حَيَّة وَالنُّزُول إِلَى التنانير وَهِي تتضرم بالنَّار فيطفؤنها.
وَيُقَال: إِنَّهُم فِي بِلَادهمْ يركبون الْأسود وَلم يعقب وَإِنَّمَا الْعقب لِأَخِيهِ وكراماته مَشْهُورَة وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي بقرطبة خلف بن عبد الْملك بن مَسْعُود بن بشكوال الخزرجي الْأنْصَارِيّ من عُلَمَاء الأندلس، لَهُ تصانيف مفيدة، ومولده سنة أَربع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة.
وفيهَا: توفّي بِدِمَشْق قطب الدّين مَسْعُود بن مُحَمَّد بن مَسْعُود النَّيْسَابُورِي الْفَقِيه الشَّافِعِي، إِمَام فِي الْعُلُوم الدِّينِيَّة صنف عقيدة لصلاح الدّين فاقرأها أَوْلَاده الصغار.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا ملك صَلَاح الدّين آمد وَسلمهَا إِلَى نور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان بن دَاوُد بن سقمان بن أرتق صَاحب حصن كيفا، ثمَّ ملك تل خَالِد من عمل حلب، ثمَّ عينتاب سلمهَا إِلَيْهِ صَاحبهَا نَاصِر الدّين مُحَمَّد أَخُو الشَّيْخ إِسْمَاعِيل النوري فأقره عَلَيْهَا وَبَقِي مَعَه وَمن أمرائه وتسلم بعد المحاصرة حلب من زنكي فِي صفر، وعوضه عَنْهَا بسنجار ونصيبين، والخابور والرقة وسروج.
وَكَانَ زنكي قد ضجر من اقتراحات أُمَرَاء حلب عَلَيْهِ فناداه السفلة بحلب: يَا حمَار بِعْت حلب بسنجار.
وَمن عَجِيب الِاتِّفَاق: أَن مُحي الدّين بن الزكي قَاضِي دمشق مدح السُّلْطَان بقصيدة مِنْهَا:
(وفتحكم حَلبًا بِالسَّيْفِ فِي صفر ... مُبشر بفتوح الْقُدس فِي رَجَب)
فَفتح الْقُدس فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة.
وَمِمَّنْ قتل على حِصَار حلب تَاج الدّين بوري أَخُو السُّلْطَان الْأَصْغَر وَعمل عماد الدّين زنكي للسُّلْطَان دَعْوَة حافلة فَبينا هُوَ فِيهَا إِذْ أسره شخص بِمَوْت أَخِيه بوري فَأمر بتجهيزه سرا وَلم يظْهر ذَلِك لِئَلَّا ينكد عَلَيْهِم وَكَانَ يَقُول مَا وَقعت حلب علينا رخيصة بِمَوْت بوري، ووثب أهل قلعة حارم على سرخك نَائِب الصَّالح بهَا، وقبضوا عَلَيْهِ وسلموها للسُّلْطَان بعد امْتِنَاعه عَن التَّسْلِيم ومكاتبة الفرنج، وَقرر صَلَاح الدّين بِلَاد حلب وأقطع عزازاً لِسُلَيْمَان بن حيدر.
وفيهَا: قبض مَسْعُود صَاحب الْموصل على قيماز نَائِبه.
وفيهَا قرر السُّلْطَان ابْنه الْملك الظَّاهِر غَازِي بحلب، ثمَّ سَار وتجهز من دمشق
стр. 458
فَأحرق بيسان، وَشن الإغارات على تِلْكَ النواحي، وَأرْسل إِلَى نَائِبه أَخِيه الْعَادِل بِمصْر أَن يلاقيه إِلَى الكرك، فاجتمعا عَلَيْهَا وحصراها، ثمَّ رحلا عَنْهَا، وَأرْسل ابْن أَخِيه المظفر عمر نَائِبا إِلَى مصر مَوضِع الْعَادِل، وَوصل دمشق وَأعْطى الْعَادِل حلب وقلعتها وأعمالها فِي رَمَضَان مِنْهَا، وأحضر الظَّاهِر مِنْهَا.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة توفّي مُحَمَّد بن بختيار بن عبد الله الشَّاعِر الْمَعْرُوف بالأبله.
وفيهَا: توفّي شاهر بن سكمان بن ظهير الدّين إِبْرَاهِيم بن سكمان القطبي صَاحب خلاط وعمره أَربع وَسِتُّونَ سنة وملكها بعده بكتمر مَمْلُوك أَبِيه صَاحب ميافارقين اخْتَارَهُ أَكثر أهل خلاط وكاتبوه فَحَضَرَ وَملك.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فِيهَا: سَار أَبُو يَعْقُوب يُوسُف بن عبد الْمُؤمن فِي جمع عَظِيم وَحصر شنترين وَمرض فَمَاتَ فِي ربيع الأول وَحمل إِلَى أشبيلية وَمُدَّة ملكه اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سنة وشهور، استقام ملكه لتدبيره الْجيد، وبويع بعده ابْنه يَعْقُوب، وكنيته أَبُو يُوسُف يَوْم وَفَاة أَبِيه لقربهم من الْعَدو، فَأَقَامَ راية الْجِهَاد.
وفيهَا: غزا صَلَاح الدّين الكرك، وأحضر عَسَاكِر مصر مَعَه، وَملك ربضها، فَاجْتمع الفرنج وقصدوه، فَخرج عَنْهَا بالعسكر ليتلقاهم فَوَجَدَهُمْ فِي وعر، فَسَار وأحرق نابلس، وَنهب تِلْكَ النواحي، وَأسر وَقتل وسبى فَأكْثر ثمَّ اسْتَنْفَذَ مَا فِي سبصطية الَّتِي بهَا مشْهد زَكَرِيَّا من أسرى الْمُسلمين ثمَّ سَار إِلَى جينين ثمَّ إِلَى دمشق.
وفيهَا: مَاتَ قطب الدّين إيلغازي بن نجم الدّين البي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق صَاحب ماردين، وَقَامَ بعده ابْنه حسام الدّين بولق أرسلان وَكَانَ هُوَ وأخوته صغَارًا وَدبره مَمْلُوك أَبِيه نظام الدّين البقش حَتَّى كبر وَكَانَ بِهِ هوج فَمَاتَ بولق وَأقَام البقش بعده أَخَاهُ الْأَصْغَر نَاصِر الدّين أرتق أرسلان بن إيلغازي صُورَة، وَكَانَ لُؤْلُؤ مَمْلُوك البقش قد تغلب عَلَيْهِ إِلَى سنة إِحْدَى وسِتمِائَة فَمَرض البقش وَأَتَاهُ نَاصِر الدّين يعودهُ، فَلَمَّا خرج خرج مَعَه لُؤْلُؤ فَقتله نَاصِر الدّين بسكين، ثمَّ عَاد إِلَى البقش فَقتله وَهُوَ مَرِيض وَاسْتقر بماردين بِلَا مُنَازع.
وفيهَا: توفّي شيخ الشُّيُوخ صدر الدّين عبد الرَّحِيم بن إِسْمَاعِيل بن أبي سعيد أَحْمد سَار برسالة الْخَلِيفَة وَمَعَهُ شهَاب الدّين بشير ليصلحا بَين صَلَاح الدّين وَبَين عز الدّين مَسْعُود صَاحب الْموصل، فَلم يَنْتَظِم حَالهمَا ومرضا بِدِمَشْق، ثمَّ سارا إِلَى الْعرَاق فِي الْحر، فَمَاتَ بشير فِي السبخة، وَمَات شيخ الشُّيُوخ فِي الرحبة، وَدفن بمشهد البوق، وَكَانَ أوحد عصره، جمع بَين رياسة الدّين وَالدُّنْيَا.
وفيهَا: فِي الْمحرم أطلق مَسْعُود صَاحب الْموصل مُجَاهِد الدّين قيماز من الْحَبْس وَأحسن إِلَيْهِ.
стр. 459
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا حصر السُّلْطَان الْموصل ثَانِيًا فَأرْسل إِلَيْهِ عز الدّين مَسْعُود والدته وَابْنَة عَمه نور الدّين وَجَمَاعَة من النِّسَاء يطْلبُونَ مِنْهُ ترك الْموصل وَمَا بِأَيْدِيهِم فردهم واستقبح مِنْهُ ذَلِك، وحاصرها، وبلغه وَفَاة شاه أرمن صَاحب خلاط فِي ربيع الآخر مِنْهَا، فَسَار إِلَيْهَا باستدعاء أَهلهَا ليملكها.
وفيهَا: توفّي نور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان بن دَاوُد صَاحب الْحصن وآمد، وَملك بعده إبنه قطب الدّين سقمان صَغِيرا وَدبره القوام بن سماقا الأسعدي، وَحضر سقمان إِلَى صَلَاح الدّين وَهُوَ عَليّ ميافارقين فأقره وَأقَام مَعَه أَمِيرا من أَصْحَاب أبي سقمان وحاصر ميافارقين وَكَانَت لصَاحب ماردين المتوفي، وَبهَا من يحفظها من جِهَة شَاة أرمن صَاحب خلاط المتوفي، وملكها صَلَاح الدّين فِي جُمَادَى الأولى ثمَّ رَجَعَ عَن قصد خلاط إِلَى الْموصل فَجَاءَتْهُ رسل مَسْعُود فِي الصُّلْح، وَاتفقَ مرض السُّلْطَان فَسَار من كفر زمار عَائِدًا إِلَى حران، فلحقته رسل الْموصل بالإجابة إِلَى مَا طلب وَهُوَ أَن تسلم إِلَيْهِ شهرزور وأعمالها وَولَايَة الْقرى بل وَمَا وَرَاء الزاب، ويخطب لَهُ وتضرب لَهُ السِّكَّة باسمه، وتسلم السُّلْطَان ذَلِك وَتمّ الصُّلْح وَوصل إِلَى حران مَرِيضا حَتَّى أيس مِنْهُ ثمَّ عوفي وَعَاد إِلَى دمشق فِي الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة.
وفيهَا: لَيْلَة عيد الْأَضْحَى شرب بحمص صَاحبهَا نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه فَأصْبح مَيتا، قيل دس السُّلْطَان عَلَيْهِ سما لمكاتبته أهل دمشق فِي مَرضه وَأقر السُّلْطَان مَوْضِعه إبنه شيركوه وعمره اثْنَتَا عشرَة سنة.
وفيهَا: توفّي الْحَافِظ مُحَمَّد بن عمر بن أَحْمد الْأَصْفَهَانِي الْمَدِينِيّ إِمَام فِي الْحِفْظ والمعرفة مؤلف فِي عُلُوم الحَدِيث لَهُ المغيث تَكْمِلَة غريبي الْهَرَوِيّ واستدرك عَلَيْهِ ومولده سنة إِحْدَى وَخَمْسمِائة.
قلت: وفيهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَة توفّي الشَّيْخ حَيَاة بن قيس الْحَرَّانِي وَهُوَ أحد الْأَرْبَعَة الَّذين يتصرفون فِي قُبُورهم كتصرف الْأَحْيَاء وَقد تقدم ذكرهم جَاءَهُ الشَّيْخ رغيب الرَّحبِي زَائِرًا فوافاه بعد الصُّبْح جَالِسا وَبَين يَدَيْهِ معزى لَهُ فَسلم عَلَيْهِ وَجلسَ على دكة بإزائه وَبَينهمَا أَكثر من عشرَة أَذْرع فَلم يكلمهُ فَقَالَ فِي نَفسه جِئْت إِلَيْهِ من الرحبة، واشتغل عني بمعزى فَقَالَ: يَا رغيب قد أمرت أَن أعطب فِيك شَيْئا بِسَبَب إعتراضك فاختر إِمَّا من ظاهرك وَإِمَّا من باطنك فَقَالَ لَا يَا سَيِّدي بل من ظاهري فَمد الشَّيْخ حَيَاة إصبعه يَسِيرا فسالت عين الشَّيْخ رغيب على خُذْهُ فَقَامَ وَقبل الأَرْض وَعَاد إِلَى الرحبة ثمَّ رَأَوْهُ بعد سِنِين بِمَكَّة صَحِيح الْعَينَيْنِ فَسَأَلَ فَقَالَ: كنت فِي فِي سَماع ببلدنا وَفِيه رجل من مريدي الشَّيْخ حَيَاة فَوضع يَده على عَيْني فَردَّتْ صَحِيحَة كَمَا ترى وَلما أَشَارَ الشَّيْخ بإصبعه إِلَى عَيْني وسالت على خدي انفتحت فِي قلبِي عين شاهدت بهَا أسراراً، وَقد زَادَت عجائب من آيَات الله تَعَالَى وَبنى بِنَجْرَان مَسْجِدا وَحضر الشَّيْخ رغيب قبلته فنازعه المهندس فِي الْقبْلَة، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ: انْظُر ترى
стр. 460
الْكَعْبَة بإزائك فَنظر فَإِذا الْكَعْبَة لَيْسَ بَينه وَبَينهَا شَيْء يَحْجُبهُ فَخر مغشياً عَلَيْهِ.
وَمن كَلَامه: قيمَة القشور بلبابها وَقِيمَة الْقُصُور ببنائها وَقِيمَة الرِّجَال بألبابها، وَعز العبيد بأربابها وفخر الْأَحِبَّة بأحبابها.
وَمن إنشاده:
(وَإِذا الرِّيَاح مَعَ الْعشي تناوحت ... نبهن حاسدة وهجن غيوراً)
(وأمتن ذَا بِوُجُود وجد دَائِم ... وأقمن ذَا وكشفن عَنهُ ستوراً)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا أحضر السُّلْطَان ابْنه الْأَفْضَل من مصر وأقطعه دمشق، ثمَّ استدعى تَقِيّ الدّين من مصر وزاده على حماه منبج والمعرة وَكفر طَابَ وميارفارقين، وَجعل الْعَادِل والعزيز عُثْمَان ابْنه بِمصْر، وأقطع الْعَادِل عوض حلب حران والرها.
وفيهَا: فِي أَولهَا توفّي البهلوان مُحَمَّد بن إيلدكز صَاحب الْجَبَل وهمدان والري وأصبهان وأذربيجان وَغَيرهَا، وَكَانَ حسن السِّيرَة، وَملك بعده أَخُوهُ عُثْمَان قزل أرسلان، وَكَانَ السُّلْطَان طغرل بك السلجوقي مَعَ البهلوان، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الْخطْبَة، فَتمكن بِمَوْتِهِ، وَاسْتولى على بعض الْبِلَاد، وَجَرت بَينه وَبَين قزل حروب.
وفيهَا: غدر الْبُرْنُس صَاحب الكرك وَأسر قافلة من الْمُسلمين فطلبهم السُّلْطَان بِحكم الْهُدْنَة فَأبى فَنَذر السُّلْطَان قَتله بِيَدِهِ.
وفيهَا: توفّي أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أبي الْوَحْش بري بن عبد الْجَبَّار بن بري الْمصْرِيّ بِمصْر، إِمَام فِي اللُّغَة والنحو، قَرَأَ عَلَيْهِ الْجُزُولِيّ وَغَيره، ومولده بِمصْر سنة تسع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا ضايق السُّلْطَان الكرك خوفًا على الْحجَّاج من الْبُرْنُس وأغار بعض عسكره على بلد عكا وغنموا، ثمَّ حصر مَدِينَة طبرية وَفتحهَا بِالسَّيْفِ وَكَانَت للقومس صَاحب طرابلس، وَكَانَ مهادن السُّلْطَان فَاجْتمع إِلَى الفرنج للحرب.
وقْعَة حطين
وَلما فتحت طبرية اجْتمعت مُلُوك الفرنج فَارِسًا وراجلاً وَسَارُوا إِلَى السُّلْطَان فَركب إِلَيْهِم من عِنْد طبرية لخمس بَقينَ من ربيع الآخر، والتقى الْجَمْعَانِ، وَرَأى القرمس شدَّة الْأَمر فَحمل على من قدامه، وَهُنَاكَ تَقِيّ الدّين صَاحب حماه فَفرج لَهُ وَعطف عَلَيْهِم، فنجى القومس إِلَى طرابلس وَمَات بعد قَلِيل غيظاً وَنصر الله الْمُسلمين، وَأَحْدَقُوا بالفرنج وأبادوهم قتلا وأسراً، وَأسر ملكهم الْكَبِير، والبرنس أرباط صَاحب الكرك وَصَاحب جبيل
следующие страницы →