← История

История · id 6626

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط النجف

مجير الدين العليمي

Полный текст (810 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ونصركم على الأعداء وأورثكم البلاد ومكن لكم في الأرض فلا يكون جزاؤه منكم إلا الشكر وإياكم والعمل بالمعاصي فإن العمل بالمعاصي كفر للنعم وقلما كفر قوم بما أنعم الله عليهم ثم لم يفزعوا إلى التوبة إلا سلبوا عزهم وسلط عليهم عدوهم ثم نزل وحضرت الصلاة فقال يا بلال ألا تؤذن لنا رحمك الله قال بلال يا أمير المؤمنين والله ما أردت أن أؤذن لأحد بعد رسول الله ﷺ ولكن سأطيعك إذا أمرتني في هذه الصلاة وحدها. فلما أذن بلال وسمعت الصحابة صوته ذكروا نبيهم ﷺ فبكوا بكاء شديداً ولم يكن من المسلمين يومئذ أطول بكاء من أبي عبيدة ومعاذ ابن جبل حتى قال لهما عمر حسبكما رحمكما الله فلما قضى صلاته انصرف أمير المؤمنين راجعاً إلى المدينة واجتهد فيما هو بصدده من إقامة شعائر الإسلام والنظر في مصالح المسلمين والجهاد في سبيل الله ولم يزل كذلك حتى توفي ﵁ ونفعنا به وجمع بيننا وبينه في دار كرامته إنه ولي الحسنات وغافر السيئات عنه وكرمه. وقد حكى المصنفون لفضائل بيت المقدس قصة الفتح من طرق كثيرة بروايات وألفاظ مختلفة فأحسن ما رأيته منها ما نقتله هنا والله الموفق. (ذكر وفاة عمر ﵁ روي أنه خرج لصلاة الصبح في جماعه فضر به أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لما وقف يصلي بخنجر برأسين وطعنه ثلاث طعنات إحداهما تحت سرته وهي التي قتلته وطعن اثن عشر رجلاً من أهل المسجد فمات منهم ستة ثم نحر نفسه بخنجره فمات لعنة الله. ولما طعنه أبو لؤلؤة وقع على الأرض ثم قال أفي الناس عبد الرحمن بن عوف؟ قالوا نعم قال مروه يصل بالناسي وقال لولده عبد الله انظر من الذي

стр. 282

قتلني فقال يا أمير المؤمنين ذلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فقال الحمد لله الذي لم يجعل قتلي على يد رجل سجد الله سجدة واحدة. ثم بعث ابنه عبد الله عائشة ﵂ فقال قل لها يقرأ عليك عمر السلام - ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم أمير المؤمنين - ويقول لك إنه لاحق بربه أفتأذنين له أن يدفن مع صاحبيه فجاء عبد الله إلى عائشة فأستأذن عليها فأذنت له فبلغها رسالة أمير المؤمنين عمر ﵁ فتأوهت وبكت وقالت لقد كنت أشم رائحة رسول الله ﷺ في أبي بكر فلما مات أبو بكر كنت أشم رائحته في أمير المؤمنين عمر ما لي والدنيا أفقد فيها الأحباب واحداً بعد واحد ثم قالت له بلغ أمير المؤمنين مني السلام وقل له ألا إنها كانت قد أدخرت ذلك لنفسها ولكنها آثرتك اليوم على نفسها. فلما رجع عبد الله قال له عمر ما وراءك يا عبد الله؟ قال الذي تحب قد أذنت لك عائشة قال الحمد لله ما كان شيء أهم إلي من ذلك فإذا أنا قبضت فارجع إلي عائشة فاستأذنها ثانياً فربما تكون استحيت مني وأنا حي فلا تستحي مني وأنا ميت وأوصاهم أن يقتصروا في كنفه ولا يتغالوا. وتوفي يوم السبت سلخ ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة الشريفة ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين وغسله ابنه عبد الله وحمل على سرير رسول الله ﷺ وصلي عليه في مسجده وصلي بهم عليه صهيب وكبر عليه أربعاً ونزله في قبره ابنه عبد الله وعثمان بن عفان وسعيد ابن زيد وعبد الرحمن بن عوف. وكانت خلافته ﵁ عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام وتوفي وهو ابن ثلاث وستين على الصحيح المشهور. والصحيح أن رسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب ﵁ وعمر وعلي وعائشة ثلاث وستون سنة.

стр. 283

وكان عمر ﵁ طويلاً أصلع أبيض تعلوه حمرة وقيل كان دم شديد الآدمة كث اللحية وعليه أكثر أهل العلم وفضائله أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر جاهد في الله حق جهاده فجيش الجيوش وفتح البلاد ومصر الأمصار وأعز الإسلام وأذل الكفر وأجل اليهود والنصارى من بلاد الحجاز وفي أيامه فتح العراق والموصل ومصر والإسكندرية وغيرها وهو الذي اختط الكوفة ووسع في المسجد الحرام وعمر مسجد رسول الله ﷺ والمسجد الأقصى وهو أول من جمع الناس لصلاة التراويح وأول من كتب التاريخ وأرخ من السنة التي هاجر فيها رسول الله ﷺ وأول من عس بالليل وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد وأول من جمع الناس في صلاة الجنازة على أربع تكبيرات وكانوا يكبرون أربعاً وخمساً وستاً وأول من حمل الدرة وضرب بها ودون الدواوين ولو لم يكن من فضائله إلا فتح هذا البيت المقدس وتطهيره من الشرك لكفاه ﵁ ونفعنا ببركته وبركات علومه في الدنيا والآخرة. وأما من دخل بيت المقدس من الصحابة ﵃ فهم خلق كثير لا يحصيهم إلا الله سبحانه وتعال ولنذكر جماعة من أعيانهم تبركاً بذكرهم ونجعل ترتيب أسمائهم على الوفيات من غير استقصاء في ذكر تراجمهم فأقول - وبالله التوفيق -: أبو عبيدة بن الجراح واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح توفي في طاعون عمواس سنة ثمانية عشر من الهجرة الشريفة وقبره في قرية يقال لها عثمان تحت جبل عجلون بين فقارس والعادلية بزاوية دير علا من الغور الغربي ووفاته في خلافة عمر وله ثمان وخمسون سنة. معاذ بن جبل الأنصاري ﵁ استخلفه أبو عبيدة على الناس عند موته فمات أيضاً بالطاعون بناحية الأردن في سنة ثمان عشرة وله ثمان وثلاثون

стр. 284

سنة وقيل ثلاثون وثلاثون سنة وقبره بالقصر الذي من الغور. ومات من العسكر في هذا الطاعون خمسة وعشرون ألف نفس وطال مكثه شهراً وطمع العدو في المسلمين. بلال بن رباح مول أبي بكر الصديق وهو مؤذن رسول الله ﷺ شهد فتح بيت المقدس مع عمر بن الخطاب ﵁ ولم يؤذن بعد رسول الله ﷺ سوى مرة واحدة لما أمر عمر بالأذان بعد الفتح - كما تقدم - توفي بدمشق في سنة تسعة عشر من الهجرة ودفن عند الباب الصغير وهو ابن بضع وستين سنة وقيل مات بحلب سنة عشرين وقيل ثمانية عشر والله أعلم. عياض بن غنم ﵁ ابن عم أبي عبيدة دخل بيت المقدس وبن فيها حماماً وله رواية عن النبي ﷺ وتوفي في سنة عشرين مكن الهجرة. خالد بن الوليد ﵁ سيف الله المسلول توفي سنة إحدى وعشرين من الهجرة الشريفة واختلف في موضع قبره فقيل بحمص وقيل بالمدينة. أبو ذو الغفاري واسمه جندب بن جنادة دخل بيت المقدس وكانت وفاته بالربذة في سنة اثنتين وثلاثين والله أعلم. أبو الدرداء عويمر ﵁ توفي بدمشق في سنة اثنتين وثلاثين وقيل إحدى وثلاثين في خلافة عثمان ﵁. عبادة بن الصامت الأنصاري ﵁ وجهه عمر إلى الشام قاضياً ومعلماً وأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين وهو أول ولي قضاها سكن بيت المقدس ومات بفلسطين ودفن ببيت المقدس وقيل بالرملة والأول أشهر وكانت وفاته في سنة أربع وثلاثين للهجرة والآن قبره لا يعرف ببيت المقدس ولا بالرملة واندرس لاستيلاء الإفرنج على تلك الناحية. سليمان الفارسي توفي سنة ست وثلاثين من الهجرة ودفن بالمدائن عن مائتين وخمسين سنة ويقال أكثر ذكره النووي في التهذيب والكرماني

стр. 285

وابن الجوزي في صفوة الصفوة قال أهل العلم بالسير كان سليمان من المعمرين أدرك وصي عيسى بن مريم ورد بعض العلماء هذا القول وقال إنه لم يبلغ المائة والله أعلم. أبو مسعود الأنصاري عقبة بن عمرو البدري سكن بدراً ولم يشهدها على الراجح وتوفي في سنة تسع وثلاثين من الهجرة وقيل سنة أربعين. تميم الداري بن أوس ﵁ وفدهو وأخوه نعيم على رسول الله ﷺ سنة تسع وأسلما صحب تميم رسول الله ﷺ وغزا معه ورو عنه ولم يزل بالمدينة حتى تحول إلى الشام بعد قتل عثمان وكان أميراً على بيت المقدس وهو الذي اقطعه النبي ﷺ أرض حبرون وسنذكر نسخة الإقطاع فيما بعد عند ذكر بلد سيدنا الخليل ﵊ إن شاء الله تعالى وتوفي سنة أربعين من الهجرة الشريفة. عمرو بن العاص السهمي توفي سنة ثلاث وأربعين من الهجرة في خلافة معاوية. عبد الله بن سلام أبو الحارث الإمام الحبر الإسرائيلي المشهود له بالجنة قدم بيت المقدس من خواص الصحابة كان اسمه الحصين فغيره النبي ﷺ بعبد الله شهد فتح بيت المقدس توفي سنة ثلاث وأربعين من الهجرة. سعيد بن زيد أحد العشرة المشهود لهم بالجنة قدم بيت المقدس زمن الفتح توفي سنة إحدى وخمسين من الهجرة بالعقيق وقيل بالكوفة وله بضع وسبعون سنة. أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص اسمه مالك بن وهب ﵁ قدم بيت المقدس وأحرم منه بعمرة إحدى العشرة المشهود لهم بالجنة مات في قصره بالعقيق على أميال من المدينة فحمل إلى المدينة وصلت عليه أزواج النبي ﷺ في حجرهن ودفن بالبقيع في سنة خمس - وقيل ست - وخمسين من الهجرة وهو ابن بضع وسبعين سنة.

стр. 286

مرة بن كعب الفهري ﵁ نزل بالشام وتوفي سنة سبع وخمسين من الهجرة بالأردن. شداد بن أوس ابن أخي حسان بن ثابت نزل بالشام ناحية فلسطين وكان ممن أوتي العلم والحلم والحكمة. يروي إنه لما دنت وفاة النبي ﷺ قام ثم جلس ثم قام ثم جلس فقال رسول الله ﷺ يا شداد ما سبب قلقك؟ فقال يا رسول الله ضاقت بي الأرض فقال ألا أن الشام ستفتح وبيت المقدس سيفتح أن شاء الله تعالى وتكون أنت وولدك من بعدك أئمة بها إن شاء الله فكان كما أخبر ﷺ وكان ذا عبادة واجتهاد توفي سنة ثمان وخمسين من الهجرة وله خمس وسبعون سنة وقيل مات سنة إحدى وأربعين وقبره ظاهر ببيت المقدس يزار في مقبرة باب الرحمة تحت سور المسجد الأقصى ﵁. أبو هريرة ﵁ واسمه عبد الرحمن بن صخر قدم بيت المقدس وشهد فتحه مات بمدينة رسول الله ﷺ في سنة تسع وخمسين من الهجرة وهو ممن لازم خدمة النبي ﷺ وروى عنه الكثير وليس هو المدفون بقرية يبنى التي هي من أعمال مدينة غزوة وإنما بها بعض ولده. معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين قدم بيت المقدس وقدم عليه عمرو بن العاص فبايعه على طلب عثمان وكتباً كتاباً بينهما بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تعاهد عليه معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ببيت المقدس بعد مقتل عثمان وحمل كل واحد منهما صاحبه الأمانة أن بيننا عهد الله على التناصر والتخالص والتناصح في أمر الله والإسلام ولا يخذل أحدنا صاحبه بشيء ولا يتخذ من دونه وليجة ولا يحول بيننا ولد ولا والد أبداً ما حيينا فيما استطعنا توفي بدمشق في النصف من رجب في ستة ستين من الهجرة وله ثمان وسبعون سنة وقيل ست وثمانون سنة وقيل غير ذلك وصلى عليه الضحاك ودفن بمقبرة دمشق.

стр. 287

عبد الله بن عمرو بن العاص اسلم قبل أبيه ولم يكن أصغر من أبيه إلا باثنتي عشرة سنة وكان يقرأ القرآن والتوراة ويصوم يوماً ويفطر يوماً توفي في سنة خمس وستين من الهجرة. عبد الله بن عباس ﵄ مولده قبل الهجرة بثلاث سنين ودعا له النبي ﷺ فقال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل فكان كذلك وكان يسم الحبر لكثرة علومه وأهل من بيت المقدس في الشتاء توفي سنة ثمان وستين من الهجرة بالطائف بقرية تدعى السلامة وقبره ظاهر معروف بها عليه قبة مبنية وحولها مسجد جامع. عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قدم بيت المقدس وأهل منه بعمرة توفي سنة وسبعين من الهجرة بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر وله سبع وثمانون سنة. عوف بن مالك بن عوف الأشجعي أبو محمد شهد فتح بيت المقدس ونزل بحمص وهو صحابي جليل توفي سنة ثلاث وسبعين من الهجرة بايع رسول الله ﷺ على أن يعبد الله ولا يشرك به شيئاً والصلوات الخمس وإن لا يسأل الناس شيئاً. أبو جمعة الأنصاري واسمه جندب بن سباع وقيل جنيد بن سباع وقيل ابن وهب وقيل ابن فديك قدم بيت المقدس ليصلي فيه يعد من الشاميين مات بالشام أول المحرم سنة سبع وسبعين من الهجرة. واثلة بن الأسقع الهوازني أسلم والنبي ﷺ متوجه إلى تبوك ويقال إنه خدمة ثلاث سنين وهو من أهل الضفة سكن البصرة ثم الشام وشهد المغازي بدمشق وحمص ثم تحول إلى بيت المقدس ومات به وهو ابن مائة سنة وقيل مات بدمشق في خر خلافة عبد الملك بن مروان سنة خمس - أو ست - وثمانين من الهجرة ﵁.

стр. 288

أبو أمامة صدى بن عجلان الباهلي سكن بيت المقدس ودمشق الشام وكان آخر من أتى الشام من الصحابة ﵁ شهد حجة الوداع وهو ابن ثلاثين سنة توفي سنة ثمان - وقيل ست - ثمانين من الهجرة. محمود بن الربيع نعيم وقيل أبو محمد في الصحيح من حديث الزهري عن محمود بن الربيع كان يزعم أنه أدرك رسول الله ﷺ وهو ابن خمس سنين وزعم إنه عقل مجة مجها رسول الله ﷺ في وجهه نزل بيت المقدس وأهل منه بحج وعمرة وهو ختن عبادة بن الصامت مات شنة تسع وتسعين من الهجرة وهو ابن ثلاث وتسعين سنة. يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب كان أميراً بالشام على جند من الأجناد ولما مات أمر عمر مكانه أخاه معاوية بن أبي سفيان. أبو ريحانة واسمه شمعون - بشين معجمة وقيل بالمهملة - شمعون القرظي من بني قريظة يقال من بني النضير ويقال له رسول الله ﷺ كانت ابنته ريحانة سرية رسول الله ﷺ وسكن أبو ريحانة بيت المقدس وكان يعظ في المسجد الأقصى. الشريد بن سويد قدم بيت المقدس لأنه كان قد نذر أن يصلي فيه أن فتح الله مكة على رسول الله ﷺ واستأذنه في ذلك فأذن له. ابن أبي الجدعا وهو عبد الله بن أبي الجدعا التميمي ويقال له الكناني ويقال له العبدي. فيروز الديلمي أبو عبد الله ويقال أبو عبد الرحمن ويقال أبو الضحاك ويقال الحميري لنوله بحمير وهو من أبناء فارس من فرس صنعاء فيروز من الذين بعثهم كسرى إلى اليمن فنفوا الحبشة منها وغلبوا عليها سكن بيت المقدس ويقال إنه مات بها وقبره به مات في خلافة عثمان.

стр. 289

ذو الأصابع التميمي يقال الخزاعي ويقال الجهني سكن بيت المقدس وهو من أهل اليمن من المدد الذين نزلوا ببيت المقدس. أبو محمد النجاري - بالجيم - الأنصاري البدري قال صاحب (مثير الغرام) أظنه مسعود بن أويس بن زيد بن أصرم بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك النجاري كذا نسبه الواقدي وغيره وهو الذي زعم أن الوتر واجب فقال عبادة بن الصامت كذب أبو محمد قيل توفي في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وقيل شهد صفتين مع علي. سلام بن قيصر قيل سلامة له صحبة وكان والياً لمعاوية على بيت المقدس وله عقب به وأنكر بعضهم صحبته والله أعلم. أبو أبي بن أم حرام ويقال أبي ويقال عبد الله بن أبي وقيل عبد الله ابن كعب وقيل عبد الله بن عمرو بن شمعون بن خليفة بن قيس وأمه أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم أسلم قديماً ويعد في الشاميين سكن بيت المقدس. وكان ربيب عبادة بن الصامت وهو آخر من مات من الصحابة ببيت المقدس. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب فيمن ذكر إنه كان ببيت المقدس من الصحابة والتابعين ومات به عبادة بن الصامت وشداد بن أوس وأبو أبي بن أم حرام وأبو ريحانة وسلامة بن قيصر وفيروز الديلمي وذو الأصابع وأبو محمد النجاري والله أعلم. عصيف بن الحارث وهو الصواب في اسمه قدم بيت المقدس هو وأهله فصلى فيه وجماعة من الصحابة. صفية بنت حي أم المؤمنين ﵂ قدمت بيت المقدس فصلت فيه وصعدت على طور زيتا فصلت وقامت طرف الجبل فقالت من هاهنا يتفرق

стр. 290

الناس يوم القيام إلى الجنة وإلى النار توفيت في سنة خمسين وقيل اثنتين وخمسين وقيل ست وثلاثين ودفنت بالبقيع ﵂. وحكى صاحب (مثير الغرام) أن حبراً من الأحبار بيت المقدس قدم المدينة بعد موت النبي ﷺ وقال يروى عن أبي هريرة ﵁ قال لما توفي رسول الله ﷺ لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول فلما كان صبيحة الخميس إذا نحن بشيخ أبيض الرأس واللحية متلثم بعمامة على قعود له فجاء فنزل فعقل بعيره بباب المسجد فناد السلام عليكم ورحمة الله هل فيكم محمد رسول الله؟ فقال علي ما تريد؟ فقال أنا حبر من أحبار بيت المقدس قرأت التوراة ثمانين سنة وتدبرتها أربعين سنة صفاحاً فوجدت فيها ذكر محمد وإنه ليس بكاذب ولا أقوال لكذب وقد جئت أطلب الإسلام على يديه فذكر أثراً طويلاً مع علي ﵁. (ذكر المهدى الذي يكون في آخر الزمان بالقدس الشريف) روى صاحب (مثير الغرام) عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ ينزل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع الناس ببلاء أشد منه حتى تضيق عليهم الأرض بما رحبت وحتى تملأ الأرض جوراً وظلماً ثم إن الله يبعث رجلاً يملأ به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجراً يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض لا تدخر الأرض من بذرها شيئاً إلا أخرجته ولا السماء من قطرها شيئاً إلا صبه الله عليهم مدراراً يعيش فيهم سبع سنين أو ثماني سنين أو تسعاً يتمنى الأحياء الأموات بما صنع الله بأهل الأرض من الخير. ورواه أبو القاسم البغوي بنحوه وفيه وينزل بيت المقدس. وروي عن علي قال المهدي يولد بالمدينة من أهل بيت النبي ﷺ واسمه اسم نبي ويهاجر ببيت المقدس

стр. 291

وعن محمد بن الحنفية قال تخرج راية سوداء لبني العباس ثم تخرج من خراسان أخر سوداء وثيابهم بيض على مقدمتهم رجل يقال له شعيب بن صالح مولى بني تميم يهزمون أصحاب السفياني حتى ينزل بيت المقدس يوطئ للمهدي سلطانه ويفد إليه ثلاثمائة من الشام يكون بين خروجه وبين أن يسلم إليه الأمر ثلاث وسبعون شهراً. وعن شريح بن عبيد عن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب ومشايخهم قالوا يخرج شعيب بن صالح مول بني تميم مختفياً إلي بيت المقدس يوطئ للمهدي منزله إذا بلغه خروجه إلى الشام. وعن محمد بن علي قال إذا سمع العابد الذي بمكة بالخسف خرج مع اثني عشر ألفاً فيهم الإبدال حتى ينزلوا بإيليا - يعني بيت المقدس - الأثر. وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا رأيتم خليفتين خليفة بيت المقدس يقتل الذي هو دونه يعني بالخليفة الذي ببيت المقدس المهدي والذي دونه السفياني. وعن سليمان بن عيس قال بلغني إنه على يد المهدي تابوت السكينة من بحيرة طبرية حتى يحمل فيوضع بين يديه في بيت المقدس فإذا نظرت إليه اليهود أسلموا إلا قليلاً منهم ثم يموت المهدي. وأما ما روي عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ إنه قال لا يزداد الأمر إلا شدة ولا الناس غلا شحاً ولا الدنيا إلا إدباراً ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق ولا مهدي إلا عيسى بن مريم فقال الحافظ أبو محمد إنه حديث أمر جداً لا يعارض ما تقدم. وعن هشام بن عمار قال سمعت أن رجلاً انتقل إلى بيت المقدس فقيل له ما نقلك إليها؟ قال بلغني إنه لا يزال في بيت المقدس رجل يعمل عمل آل داود والله أعلم.

стр. 292

(ذكر بناء عبد الملك بن مروان لقبه الصخرة الشريفة) والمسجد الأقصى الشريف وما وقع في ذلك لما توفي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وعهد بالخلافة إلى النفر الذين مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راضوهم عثمان وعلي وطلح والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ﵃ وشرط أن يكون ابنه عبد الله شريكاً في الرأي ولا يكون له حظ في الخلافة. بويع بعده بالخلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله واستقر فيها لثلاث مضت من المحرم سنة أربع وعشرين من الهجرة واستمر إلى أن استشهد في يوم الأربعاء لثماني عشر ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوماً وفضائله ومناقبه مشهورة. ثم استقر بعده في الخلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وبويع له بالخلاف في يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة ووقع بينه وبين معاوية بن أبي سفيان ما هو مشهور مما ليس في ذكره فائدة والسكوت عنه أولى واستمر إلي أن استشهد بالكوفة. وكانت وفاته ليلة الأحد تاسع عشر رمضان سنة أربعين من الهجرة وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر. ثم استقر بعده في الخلافة ولده الحسن ﵁ بويع له يوم وفاة والده واستمر في الخلافة نحو ستة أشهر وهي تمام ثلاثين لوفاة رسول الله ﷺ . وقد روي عن النبي ﷺ إنه قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يعود ملكاً عضوضاً. وكان آخر ولاية الحسن تمام ثلاثين سن وسلم الأمر لمعاوية فاستقر في الخلاف في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الهجرة الشريفة.

стр. 293

واستمر في الخلافة نحو عشرين سنة إلى أن توفي بدمشق في النصف من رجب سنة ستين من الهجرة وكان يلقب بالناصر لحق الله تعالى. فلما توفي استقر بعده في الخلافة ولده يزيد ولقب نفسه بالمنتصر على أهل الزيغ وكان قد بويع له بالخلافة قبل وفاة أبيه ثم جددت له البيعة بعد وفاته فأساء السيرة وجار على الرعية وتجاهر بالمعاصي. فلما اشتهر جوره كثر ظلمه وقتل ل الرسول ﷺ اجتمع أهل المدينة على إخراج عامله عثمان بن محمد بن أبي سفيان ومروان بن الحكم وسائر بني أمية وذلك بإشارة عبد الله بن الزبير. فلما بلغ ذلك يزيد بن معاوية سير الجيوش إلى أهل المدينة وجهز عليهم مسلم ابن عقبة المزني فانتهب المدينة الشريفة وقتل أهلها ثم قصد مكة فمات قبل وصوله إليها واستخلف على الجيش الحصين بن نمير. فأتى مكة وحاصر ابن الزبير أربعين يوماً ونصب المناجيق وهدم الكعبة الشريفة وأحرقها وكان ذلك قبل موت يزيد بأحد عشر يوماً. فأهلك الله يزيد ومات وكان موته بحوارين من عمل حمص لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين من الهجرة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة وكانت مدة خلافته ثلاث سنين وثمانية أشهر. وكانت سيرته أقبح السير ولو لم يكن منها إلا قتل الحسين في أيامه وما وقع منه في حق ذرية النبي ﷺ لكفاه ذلك في قبح السيرة. واستقر بعده في الخلافة بدمشق ولده معاوية بن يزيد بن معاوية ولقب بالراجع إلى الله وكان صالحاً فلم يعتن بالخلافة ولا باشرها وأقام ثلاثة أشهر وقيل دون ذلك وتوفي ﵀. وكان الناس حين موت يزيد بايعوا عبد الله بن الزبير بمكة وتلقب خادم بيت الله.

стр. 294

وكان مروان بن الحكم بالمدين فقصد المسير إلى عبد الله بن الزبير ومبايعته ثم توجه من بني أمية إلى الشام. وبايع أهل البصرة ابن الزبير واجتمع له الحجاز والعراق واليمن وبعث إلى مصر فبايعه أهلها وبايع له في الشام نمر الضحاك بن قيس وبايع له بحمص النعمان بن بشر الأنصاري وبايع له بقلسرين بشر بن دفر بن الحارث الكلابي وكاد يتم له الأمر بالكلية. وشرع ابن الزبير في بناء الكعبة شرفها الله تعالى وكان ذلك في سنة أربع وستين من الهجرة الشريفة وكانت حيطانها قد مالت من ضرب المنجنيق فهدمها وحفر أساسها وشهد عنده سبعون من شيوخ قريش وذلك أن قريشاً حين بنوا الكعبة عجزت نفقتهم فنقصوا من سعة بنا ء البيت سبعة أذرع من أساس إبراهيم الخليل ﵊ الذي أسسه هو وإسماعيل ﵇ فبناه عبد الله بن الزبير وزاد فيه السبعة أذرع وأدخل الحجر في الكعبة وأعادها على ما كانت عليه أولاً وجعل لها بابين باب يدخل منه وباب يخرج منه. فلم يزل البيت على ذلك حتى قتل الحجاج ابن الزبير - كما سنذكره إن شاء الله تعالى -. فلما مات معاوية بن يزيد بن معاوية بالشام بويع بالخلافة لمروان بن الحكم ولقب بالمؤتمن بالله وافترق الناس فرقتين فرقة تهوي بني أمية وفرقة تهوي ابن الزبير ووقع بينهم خلاف وجرى بينهم وقائع وحروب. ثم استقر أمر الشام لمروان ودخلت مصر تحت طاعته ثم أمر الناس بالبيعة لولده عبد الملك ومن بعده لأخيه عبد العزيز فما كان بأسرع من أن انقضت مدة مروان فمات بالطاعون بدمشق فجأة لثلاث خلون من رمضان سنة خمس وستين من الهجرة وكانت مدة ولايته تسعة أشهر وثمانية عشر يوماً وعمره ثلاث وستون سنة.

стр. 295

فلما مات بويع لولده عبد الملك بالخلافة في ثالث شهر رمضان سنة خمس وستين ولقب بالموفق لأمر الله وهو أول من سمي عبد الملك في الإسلام وأول من ضرب الدراهم والدنانير في الإسلام وكان النقش على الجانب الواحد الله أحد وعل الآخر الله الصمد وكانت الدراهم قبل ذلك رومية وكسروية ولما ولي الخلافة وعد الناس - يوم بويع - بخير ودعاهم إلى إحياء الكتاب والسنة وإقامة العدل. فلما دخلت سنة ست وستين ابتدأ ببناء قبة الصخرة الشريفة وعمارة المسجد الأقصى الشريف وذلك لأنه منع الناس عن الحج لئلا يميلوا مع ابن الزبير فضجوا فقصد أن يشغل الناس بعمارة هذا المسجد عن الحج فكان ابن الزبير يشنع على عبد الملك بذلك. وكان من خبر البناء أن عبد الملك بن مروان حين حضر إلى بيت المقدس وأمر ببناء القبة على الصخرة الشريفة بعث الكتب في جميع عمله والي سائر الأمصار إن عبد الملك قد أراد أن يبني قبة على صخرة بيت المقدس تقي المسلمين من الحر والبرد وأن يبني المسجد وكره أن يفعل ذلك دون رأي رعيته فلتكتب الرعية إليه برأيهم وما هم عليه. فوردت الكتب عليه من سائر عمال الأمصار نر رأي أمير المؤمنين موافقاً رشيداً إن شاء الله يتم له نوى من بناء بيته وصخرته ومسجده ويجري ذلك على يديه ويجعله تذكرة له لمن مضى من سلفه. فجمع الصناع لعمله وأرصد للعمارة مالاً كثيراً يقال إنه خراج مصر سبع سنين ووضعه بالقبة الكائنة أمام الصخرة من جهة الشرق بعد أن أمر ببنائها وهي من جهة الزيتون وجعلها حاصلاً وشحنها بالأموال ووكل على صرف المال في عمارة المسجد والقبة وما يحتاج إليه أبا المقدام رجاء بن حياة بن جود الكندي وكان من العلماء الأعلام ومن جلساء عمر بن عبد العزيز ﵁ وضم

стр. 296

إليه رجلاً يدع يزيد بن سلام مول عبد الملك بن مروان من أهل بيت المقدس وولديه. ويقال: إن عبد الملك وصف ما يختاره من عمارة القبة وتكوينها للصناع فصنعوا له وهو ببيت المقدس القبة الصغيرة التي هي شرقي قبة الصخرة التي يقال لها قبة السلسلة فأعجبه تكوينها وأمر ببنائها كهيئتها وأمر رجاء ويزيد بالنفقة عليها والقيام بأمرها وإن يفرغا المال عليها افراغاً دون أن ينفقاه انفاقاً. وأخذوا في البناء والعمارة عند القبة من شرقي المسجد إلى غربيه حتى أكملوا العمل وفرغ البناء ولم يبق للمتكلم فيه كلام وكان البناء الذي هو في صدر المسجد إلى غربيه من السور الذي عند مهد عيس إلى المكان المعروف الآن بجامع المغاربة. فكتب رجاء ويزيد إلى عبد الملك بدمشق قد أتم الله ما أمر به أمير المؤمنين من بناء قبة صخرة بيت المقدس والمسجد الأقصى ولم يبق لمتكلم فيه كلام وقد بقي مما أمر به أمير المؤمنين من النفقة عليه - بعد أن فرغ البناء وأحكم - مائة ألف فيصرفها أمير المؤمنين فيما أحب. فكتب إليهما أمير المؤمنين قد أمرت بها لكما جائزة لما وليتما مكن عمارة البيت الشريف المبارك. فكتبا إليه نحن أولى أن نزيده من حلي نسائنا فضلا عن أموالنا فاصرفها في أحب الأشياء إليك. فكتب إليهما بأن تسبك وتفرغ على القبة فسبكت وأفرغت عليها فما كان أحد يقدر أن يتأملها مما عليها من الذهب وهيأ لها جلالا من لبود وأدم توضع من فوقها فإذا كان الشتاء ألبستها لتكنها من الأمطار والرياح والثلوج. ثم بعد انتقال الخلافة إلى المنتقم لله الوليد بن عبد الملك انهدم شرقي المسجد ولم يكن في بيت المال حاصل فأمر بضرب ذلك وإنفاقه على ما انهدم منه. وكانت ولاية الوليد في شوال سنة ست وثمانين ومات في جماد الآخرة سنة ست وتسعين من الهجرة.

стр. 297

وكان رجاء بن حياة ويزيد بن سلام قد حفا الصخرة بدرأبزين ساسم ومن خلف الدرابزين ستور الديباج مرخاة بين العمد وكان كل يوم اثنين وخميس يأمران بالزعفران فيدق أو يطحن ثم يعمل من الليل بالمسك والعبر والماء ورد الجوري ويخمر بالليل ثم يأمر الخدم بالغداة فيدخلون حمام سليمان يغتسلون ويتطهرون ثم يأتون إلى الخزانة التي فيها الخلوق فيلقون أثوابهم عنهم ثم يخرجون أثواباً جدداً من الخزانة مروية وهروية وشيئاً يقال له العصب ومناطق محلاة يشدون بها أوساطهم ثم يأخذون الخلوق ويأتون به إلى الصخرة فيلطخون ما قدروا أن تناله أيديهم حتى يغمروه كله وما لا تناله أيديهم غسلوا أقدامهم ثم يصعدون على الصخرة حتى يلطخوا ما بقي منها وتفرغ آنية الخلوق ثم يأتون بمجامر الذهب والفضة والعود القماري والند مطري بالمسك والعنبر فترخى الستور حول الأعمدة كلها ثم يأخذون البخور ويدورون حولها حتى يحول البخور بينهم وبين القبة من كثرته ثم تشمر الستور فيخرج البخور ويفوح من كثرته حتى يبلغ إلى رأس السوق فيشم الريح من يمر من هناك وينقطع البخور من عندهم ثم يناد مناد في صف البرازين وغيرهم ألا أن الصخرة قد فتحت للناس فمن أراد الصلاة فيها فليأت فتقبل الناس مبادرين إلى الصلاة في الصخرة فأكثر الناس من يدرك أن يصلي ركعتين وأقلهم أربعاً فمن شم رائحته قال هذا ممن دخل الصخرة ثم تغسل آثار أقدامهم بالماء وتمسح بالآس الأخضر وتنشف بالمناديل وتغلق الأبواب وعلى كل باب عشرة من الحجبة ولا تفتح إلا يوم الاثنين ويوم الخميس ولا يدخلها في غيرهما إلا الخدم. وعن أبي بكر بن الحارث ﵁ قال كنت أسرجها في الخلاف عبد الملك كلها باللبان والزنبق الرصاصي قال كانت الحجبة يقولون له يا أبا بكر مر لنا بقنديل ندهن به ونتطيب به فكان يجبهم إلى ذلك وكان يفعل بها ذلك في أيام خلاف عبد الملك بن مروان كلها.

стр. 298

قال الوليد وحدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور بن ثابت قال حدثني أبي عن أبيه عن جده قال كان في السلسلة التي في وسط القبة على الصخرة درة ثمينة وقرنا كبش إبراهيم وتاج كسرى معلقات في أيام عبد الملك بن مروان فلما صارت الخلافة إلى بني هاشم حولوها إلى الكعب حرسها الله تعالى. وكان الفراغ من عمارة قبة الصخرة والمسجد الأقصى في سنة ثلاث وسبعين من الهجر الشريفة وهي السنة التي قتل فيها عبد الله بن الزبير. وكان من خبره أن عبد الملك بن مروان لما صفا له الوقت وثبت أمره في الخلافة بعث الحجاج بن يوسف الثقفي إلى حرب عبد الله بن الزبير بمكة فأتى الحجاج الطائف فأقام بها شهراً ثم زحف إلى مكة فحاصر ابن الزبير في هلال ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين ودام الحصار حتى غلت الأسعار وأصاب الناس مجاعة وزاد الحجاج في الحصار والقتال ورمى الكعبة بالمنجنيق فلما رميها رعدت السماء وأبرقت وجاءت صاعقة تتبعها أخر فقتلت من أصحاب الحجاج اثني عشر رجلاً. واشتد القتال وخرج ابن الزبير فقاتل قتالاً شديداً وتكاثرت أهل الشام الوفاً من كل جانب فشدخوه بالحجارة فانصرع فأكب عليه موليان له فقتلوا جميعاً وتفرق أصحابه وأمر به الحجاج فصلب وكان ذلك في يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادي الآخرة سنة ثلاث وسبعين من الهجرة الشريف بعد قتال سبعة أشهر. وكان له من العمر حين قتل نحو ثلاث وسبعين سنة وهو أول من ولد للمهاجرين بعد الهجرة لأنه بويع له سنة أربع وستين. وكان سلطانه بالحجاز والعراق وخراسان وأعمل الشرق وكان كثير العبادة مكث أربعين سنلم ينزع ثوبه عن ظهره وكانت خلافته تسع سنين؟ وكان ﵁ له جمة مفروقة طويلة.

стр. 299

ولما صلب علق الحجاج إلى جانبه كلباً ميتاً ومنع والدته من دفنه وكان لها من العمر مائة سنة وهي أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ وكانت تدعى بذات النطاقين ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره بصلبه فكتب إليه يلومه ويقول هلا خليت بينه وبين أمه فأذن لها فدفنته وماتت بعده بقليل. وبعث الحجاج إلى عبد الملك يعلمه بما زاده ابن الزبير في الكعبة فأمر عبد الملك بهدمه ورده إلي ما كان عليه في حياة رسول الله ﷺ وأن يجعل له باباً واحداً ففعل الحجاج ذلك وهو البناء الموجود في عصرنا. وقد تقدم ذكر ما وقع من البناء والهدم في الكعبة وخلاصة الأمر إن سيدنا إبراهيم الخليل ﵊ بني الكعبة وهي بيت الله الحرام - كما تقدم عند ذكره - بعد مضي مائة سنة من عمره واستمر بناؤه نحو ألفي سنة وسبعمائة وخمس وسبعين سنة إلى أن هدمته قريش في سنة خمس وثلاثين من مولد رسول الله ﷺ وبنوه - كما تقدم - وهو البناء الثاني واستمر نحو اثنتين وثمانين سنة. ثم هدمه الحصين وأحرقه في أيام يزيد بن معاوية - كما تقدم - وذلك في سنة أربع وستين من الهجرة. ثم بناه عبد الله بم الزبير على قواعد إبراهيم وهو البناء الثالث واستمر نحو تسع سنين، ثم هدمه الحجاج وقتل ابن الزبير في سنة ثلاث وسبعين من الهجرة. ثم بناه الحجاج وأخرج الحجر من البيت وجعله على ما كان عليه في حياة رسول الله ﷺ وهو البناء الرابع وكان في سنة أربع وسبعين من الهجرة واستمر على ما هو عليه إلى هذا التاريخ وهو آخر سنة تسعمائة. وكانت الكعبة تكسى القباطي ثم كسيت البرود وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف. وأما ذرع جدران الكعبة الشريفة فطول جدارها الشرقي من أعلا

стр. 300

الشاخص إلى أرض المطاف ثلاثة وعشرون ذراعاً وثلث ذراع بذراع الحديد وكذلك جدرانها الثلاث سوى الشامي فإنه ينقص عن الشرقي ربع ذراع والجدار الغربي ينقص عن الجدار الشرقي ثمن ذراع والجدار اليماني كالشرقي سواء بسواء ذكر ذلك الفارسي في تاريخه المختصر وذكر هو وغيره من المؤرخين عرض البيت الشريف من كل جهة وحرروا ذلك وليس هذا محل ذكره خشية الإطالة. وأما أخبار توسعه المسجد الحرام وعمارته فأول من وسعه عمر بن الخطاب ﵁ بدور اشتراها ودور هدمها على من أبي البيع وترك ثمنها لأربابها في خزان الكعب وذلك في خمس عشر من الهجرة وكذلك فعل عثمان في سنة ست وعشرين من الهجرة. ثم وسع عبد الله بن الزبير من جانبه الشرقي والشامي واليماني. ثم وسع المنصور العباسي من جانبه الشمالي والغربي وكان ما زاده مثل ما كان من قبل وابتدأ في العمل في المحرم سنة سبع وثلاثين ومائة وفرغ في ذي الحجة سنة أربعين ومائة. ثم إن الخليفة المهدي - هو أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور العباسي - حج في سنة ستين ومائة وجرد الكعبة وطلى جدرانها بالمسك والعنبر من أعلاها إلى أسفلها ووسع المسجد من جانبيه اليماني والغربي حتى صار على ما هو عليه اليوم خلا الزيادتين فإنهما احدثا بعده وكانت الكعب الشريف في جانب المسجد ولم تكن متوسطة فهدم حيطان المسجد واشتر الدور والمنازل وأحضر المهندسين وصير الكعب في الوسط وكانت توسعته في نوبتين الأول في سنة إحدى وستين والثانية في سنة سبع وستين ومائة وهي السنة التي عمر فيها مسجد رسول الله ﷺ وليس لأحد من الأمراء في عمار المسجد الحرام من النفقة مثل ما للمهدي ﵀.

стр. 301

وممن عمره من غير توسعه عبد الملك بن مروان رفع جدرانه وسقفه بالساج وعمره ابنه الوليد وسقفه بالساج المزخرف وازره من داخله بالرخام وزيد فيه بعد المهدي زيادة دار الندوة بالجانب الشامي والزيادات المعروفة بزيادة باب إبراهيم بالجانب الغربي. وكانت إنشاء زيادة دار الندوة في زمن المعتضد العباسي وابتداء الكتابة إليه فيها في سن إحدى وثمانين ومائتين وكان عمل الزيادة التي بباب إبراهيم في سنة ست وسبعين وثلاثمائة ووقع في المسجد الحرام بعد ذلك عمارات كثيرة. وأما ذرع المسجد الحرام غير الزيادتين فذكره بعض المؤرخين باعتبار ذراع اليد وحرره بعضهم بذراع العمل الجدير فكان طوله من جداره الغربي إلى جداره الشرقي المقابل له ثلاثمائة ذراع وستة وخمسين ذراعاً وثمن ذراع بالذراع الحديد فيكون ذلك بذراع اليد أربعمائة وسبعة أذرع وذلك من وسط جداره الغربي الذي هو جدار رباط الجوزي إلى وسط جداره الشرقي عند باب الجنائز ثم يمر به في الحجر ملاصقاً جدار الكعبة الشامي وكانت عرضه من جداره الشامي إلى جداره اليماني مائتي ذراع وستاً وستين ذراعاً بذراع الحديد فيكون بذراع اليد ثلاثمائة ذراع وأربعة أذرع وذلك ممن وسط جداره القديم عند العقود إلى وسط جداره اليماني الذي فيما بين باب الصفا وباب أجياد يمر به فيما بين مقام إبراهيم والكعبة وهو إلى المقام أقرب. وأما ذرع زيادة دار الندوة فهو أربعة وسبعون ذراعاً إلا ربع ذراع بالحديد وذلك ممن جدار المسجد الحرام الكبير إلى الجدار المقابل له الشامي منها وعنده باب مناوتها هذا ذرعها طولاً وأما عرضاً فسبعون ذراعاً ونصف ذراع وذلك من وسط جدارها الشرقي إلى وسط جدارها الغربي. وأما زيادة باب إبراهيم فذرعها طولا تسع وخمسون ذراعاً إلا سدس ذراع وذلك من الأساطين التي هي في موازاة المسجد الكبير إلى العتبة التي هي في باب

стр. 302

هذا الزيادة وأما ذرعها عرضاً فاثنان وخمسون ذراعاً وربع ذراع وذلك من صدر باب الجوزي إلى جدار رباط رامشت. وأما عدد أبواب المسجد الحرام فتسعة عشر باباً تفتح على ثمان وثلاثين طاقة فمنها في الجانب الشرقي باب بني شيبة بثلاث طاقات وباب السلام وباب الجنائز طاقتان وباب العباس ثلاث طاقات وباب علي ثلاث طاقات وفي الجانب اليماني باب بازان وباب البغلة وباب الصفا وباب أجياد الصغير وباب المجاهدين وباب مدرسة الشريف عجلان وباب أم هاني وكل من أبواب هذا الجانب طاقتان إلا باب الصفا فخمسة وفي الجانب الغربي باب غرورة وهم تصحيف الخروزة وهو طاقتان وباب إبراهيم نسبة لإبراهيم الخياط كان عندهم وبعضهم نسبة لإبراهيم الخليل ﵊ وهو بعيد وهو طاقة واحدة وباب العمرة طاقة واحدة وفي الجانب الشمالي باب السدة وباب دار العجلة وباب الزيادة واحدة وباب السكينة وكل منها طاقتان لا باب الزيادة فهو طاقة. وعدة ما فيه من المنائر خمس منارات وزيدت منارة سادسة لمدرسة السلطان الملك الأشرف قايتباي نصره الله تعالى. ومما وقع في الكعبة الشريف في سنة سبع عشرة وثلاثمائة في أيام المهدي بالله عبيد الله أول خلفاء الفاطميين وكان خليفة بغداد في ذلك العصر المقتدر بالله أبو الفضل جعفر العباسي أن أبا طاهر سليمان القرمطي صاحب البحرين قصد مكة ودخلها يوم التروية وهو ثامن ذي الحجة فنهب أموال الحجاج وقتل الناس في رحاب مكة وشعابها حتى في المسجد الحرام وفي جوف الكعبة ودفن القتلى في بئر زمزم وفي المسجد الحرام وأمر بقلع الكعبة ونزع كسوتها عنها وشققها بين أصحابه وهدم قبة زمزم وأمر بقلع الحجر الأسود وأخذه إلى هجر واستمر ببلادهم ثنتين وعشرين سنة ولم يرد إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. ولما صنف الإمام أبو القاسم عمر بن الحسين الخرقي الحنبلي كتاب الخلاصة

стр. 303

في فقه مذهب الإمام أحمد ﵁ قال في كتاب الحج - في باب ذكر الحج ودخول مكة - وإذا دخل المسجد الحرام فالمستحب أن يدخل من باب بني شيبة فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر الله تعالى ثم أتى الحجر الأسود إن كان وإنما قال ذلك لأن تصنيفه الكتاب كان. حال كون الحجر الأسود بأيدي القرامطة حين أخذوه من مكانه فإن أبا القاسم ﵀ توفي بدمشق المحروسة في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة قبل إعادة الحجر إلى مكانه بخمسين سنة. (ذكر صفة المسجد الأقصى وما كان عليه في زمن عبد الملك وبعده) روى الحافظ بهاء الدين بن عساكر إنه كان فيه في ذلك الوقت من الخشب المسقف سوى أعمدة خشب ستة آلاف خشبه وفيه من الأبواب خمسون باباً. قال القرطبي منها باب داود وباب سليمان وباب حطة وباب محمد ﵊ وباب التوبة الذي تاب الله على داود فيه وباب الرحمة وأبواب الأسباط أبواب وباب الوليد وباب الهاشمي وباب الخضر وباب السكينة) وكان فيه من العمد ستمائة عمود من رخام وفيه من المحاريب سبعة ومن السلاسل لقناديل أربعمائة سلسلة إلا خمسة عشر منها مائتا سلسلة وثلاثون سلسل في المسجد الأقصى والباقي في قبة الصخرة الشريفة وذرع السلاسل أربعة آلاف ذراع ووزنها ثلاثة وأربعون ألف رطل بالشامي وفيه من القناديل خمسة آلاف شقفة وسبعمائة ووزن الشقفة سبعون رطلا بالشامي غير الذي على قبة الصخرة. وكل ذلك عمل في أيام عبد الملك بن مروان ورتب له من الخدم القوام

стр. 304

ثلاثمائة خادم اشتريت له من خمس بيت المال كلما مات منهم واحد قام مكانه ولده أو ولد ولده أو من أهلهم يجري عليهم ذلك أبداً ما تناسلوا. وفيه من الصهاريج أربعة وعشرون صهريجاً كباراً وفيه من المنابر أربعة ثلاثة منها صف واحد غربي المسجد وواحدة على باب الأسباط. وكان له من الخدم اليهود الذين لا يؤخذ منهم جزية عشرة رجال وتوالدوا فصاروا عشرين لكنس أوساخ المسجد الناشئ في المواسم والشتاء والصيف ولكنس المطاهر التي حول الجامع وله من الخدم النصارى عشرة أهل بيت يتوارثون خدمته لعمل الحصر ولكنس حصر المسجد وكنس القناة التي يجري فيه الماء إلى الصهاريج وكنس الصهاريج أيضاً وغير ذلك. وله من الخدم اليهود جماعة يعملون الزجاج القناديل والأقداح والثريات وغير ذلك لا يؤخذ منهم جزية ولا من الذين يقومون بالقش لفتائل القناديل جارياً. عليهم وعلى أولادهم أبداً ما تناسلوا من عهد عبد الملك بن مروان وهلم جرا وتوفي عبد الملك بن مروان بدمشق في يوم الخميس لخمس عشرة ليل مضت من رمضان سنة ست وثمانين من الهجرة الشريف وعمره ستون سنة وكانت خلافته منذ قتل ابن الزبير واجتماع الناس له ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر تنقص سبع ليال وكان بالشام وما والاها قبل قتل ابن الزبير بسبع سنين ونحو تسعة أشهر. ومات الحجاج في شهر رمضان - وقيل شوال - خمس وتسعين للهجرة وله ثلاث وخمسون سنة وكان موته بواسط وهو الذي بناها وأخفي قبره وأجري عليه الماء. ومات رجاء بن حياة الذي تولى بناء الصخرة والمسجد الأقصى في سنة اثنتي عشرة ومائة، وكان رأسه احمر ولحيته حمراء. ولما ولي سليمان بن عبد الملك الأموي الخلافة بعد أخيه الوليد في سنة ست وتسعين من الهجرة أتى بيت المقدس وأتته الوفود بالبيعة فلم ير وفادة كانت

стр. 305

أهنئ من الوفادة إليه فكان يجلس في قبة في صحن مسجد بيت المقدس مما يلي الصخرة ولعلها القبة المعروفة بقبة سليمان عند باب الدويدارية ويبسط البسط بين يدي قبته عليها النمارق والكراسي فيجلس ويأذن للناس فيجلسون على الكراسي والوسائد والى جانبه الأموال وكتاب الدواوين وقد هم بالإقامة ببيت المقدس واتخذها منزلا وجمع الأموال والناس بها. وكان رحمه الله تعالى يعظم العلماء قال ابن سيرين ﵀ يرحم الله سليمان بن عبد الملك افتتح خلافته بخير فصلى الصلوات لمواقيتها وختمها بخير فاستخلف عمر بن عبد العزيز وكان يلقب بالمهدي بالله الداعي إلى الله توفي سنة ٩٩ هـ تسع وتسعين من الهجرة وله خمس وأربعون سنة ﵀. وعن عطاء عن أبيه قال كانت اليهود تسرج بيت المقدس فلما ولي عمر ابن عبد العزيز أخرجهم وجعل فيه من الخمس فأتاه رجل من أهل الخمس وقال له اعتقني فقال كيف أعتقك ولو ذهبت انظر ما كان لي شعر من شعر جسدك. وكانت ولاية عمر بن عبد العزيز في صفر سنة تسع وتسعين من الهجرة وكان يلقب بالمعصوم بالله وخلافته سنتان وخمسة أشهر وتوفي بدير سمعان من أعمال حمص يوم الجمع لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة ﵁. وروي عن عبد الرحمن بن محمد بن منصور بن ثابت عن أبيه عن جده أن الأبواب كلها كانت ملبسة بصفائح الذهب والفضة في خلافة عبد الملك بن مروان فلما قدم أبو جعفر المنصور العباسي - وكان شرقي المسجد وغربيه قد وقعا - فقيل له يا أمير المؤمنين قد وقع شرقي المسجد وغربيه من الرجفة في سنة ثلاثين ومائة ولو أمرت ببناء هذا المسجد وعمارته فقال ما عندي شيء من المال ثم أمر بقلع الصفائح الذهب والفضة التي كانت على الأبواب فقلعت وضربت دنانير ودراهم أنفقت عليه حتى فرغ. وكانت خلافة المنصور في سنة ست وثلاثين ومائة وهو ثاني الخلفاء من

стр. 306

بني العباس وهو الذي بنى مدينة بغداد وكان الابتداء في بنائها في سنة خمس وأربعين ومائة وتوفي يوم السبت لست ليال خلت من ذي الحج سنة ثمان وخمسين ومائة وله خمس وستون سنة ودفن بمكة. ثم كانت الرجفة الثانية فوقع البناء الذي كان أمر به أبو جعفر ثم قدم المهدي من بعده وهو خراب فرفع ذلك إليه فأمر ببنائه وقال ارث هذا المسجد وطال وخلا من الرجال أنقصوا ممن طوله وزيدوا في عرضه فتم البناء في خلافته وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله المنصور الملقب بالمهدي بويع بالخلافة لست خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة بين الركن والمقام. ولما قدم المهدي يريد بيت المقدس دخل مسجد دمشق ومعه أبو عبد الله الأشعري كاتبه فقال له يا أبا عبد الله سبقنا بنو أمية بثلاث فقال وما هي يا أمير المؤمنين؟ فقال بهذا البيت - يعني المسجد - لا أعلم على ظهر الأرض مثله ونيل الموالي فإن لهم موالي ليس لنا مثلهم ويعمر بن عبد العزيز لا يكون فينا والله مثله أبداً ثم أتى بيت المقدس ودخل الصخرة فقال يا أبا عبد الله وهذه رابعة. وتوفي المهدي في يوم الخميس لثمان بقين من المحرم سنة تسع وتسعين ومائة وله ثمان وأربعون سنة. قال الحافظ ابن عساكر طول المسجد الأقصى سبعمائة ذراع وخمسة وخمسون ذراعاً بذراع الملك وعرضه أربعمائة ذراع وخمسة وستون ذراعا بذراع الملك وكذا قال أبو المعالي المشرف. قال صاحب (مثير الغرام) أتيت إلى زيارة القدس والشام ولكن رأيت قديماً بالحائط الشمالي التي فوق الباب مما يلي باب الدويدارية من داخل السور بلاطة فيها طول المسجد وعرضه وذلك مخالف لما ذكرناه فالذي فيها أن طوله سبعمائة ذراع وأربع وثمانون ذراعاً وعرضه أربعمائة ذراع وخمسة وخمسون ذراعاً

стр. 307

قال ووصف فيها الذراع لكني لم أتحقق ذلك هل هو الذراع المذكور أم غيره لتشعث الكتابة قال وقد ذرع بالحبال طوله وعرضه في وقتنا هذا فجاء قدر طوله من الجهة الشرقية ستمائة ذراع وثلاثة وثمانين ذراعاً ومن الغربية ستمائة ذراع وخمسين ذراعاً وجاء قدر عرضه أربعمائة وثمانية وثلاثين ذراعاً خارجاً عن عرض سورة انتهى. وأما طوله وعرضه في عصرنا هذا - وهو أواخر سنة تسعمائة - فسأذكرهما مستوفياً فيما بعد عند ذكر صفة المسجد الأقصى وما هو عليه في عصرنا فأذكر طوله من جهة القبلة إلى جهة الشمال وعرضه من جهة الشرق إلى جهة الغرب وكذلك داخل الجامع الأقصى من عند المحراب المجاور للمنبر إلى باب الدخول له وعرضه وصحن الصخرة الشريفة وارتفاع القبة واستوفي ذكر ذلك طولا وعرضاً بذراع العمل الذي تذرع به الأبنية في عصرنا وأحرر ذلك حسب الإمكان إن شاء الله تعالى. ومما وجد في بيت المقدس على بعض الصخرات ما نفله أبو سليمان الخطابي في كتاب «العزلة عن ذي النون» إنه قال وجدت صخرة ببيت المقدس عليها أسطر مكتتبة فحيث ترجمتها فإذا عليها مكتوب كل عاص مستوحش وكل مطيع مستأنس وكل خائف هارب وكل راج طالب وكل قانع غني وكل محب ذليل. وعن أبي بكر الطرطوسي ﵀ قال كنت ليل قائماً في المسجد الأقصى فلم يرعني إلا صوت كاد يصدع القلب وهو يقول شعر: أخوف وأمن إن ذا لعجيب … تكلتك من قلب فأنت كذوب أما وجلال الله لو كنت صادقاً … لما كان للاغماض فيك نصيب فوالله لقد أبكى العيون وأشج القلوب. وقال سهل بن حاتم - وكان من العابدين - حدثني أبو سعيد - رجل من الإسكندرية - قال كنت أبيت في بيت المقدس وكان قليلاً ما يخلو من المتهجدين

стр. 308

قال فقمت ذات ليلة بعد ما مضى من الليل طويل فنظرت فلم أر في المسجد متهجداً وذكر إنه سمع قائلاً ينشد شعراً: أيا عجباً للناس لذت عيونهم … مطاعم غمض بعده الموت ينتصب قال فسقطت على وجهي وذهب عقلي فلما أفقت نظرت وإذا لم يبق متهجد إلا قام. وقيل إنه دخل بيت المقدس في زمن بني إسرائيل خمسمائة عذراء لباسهن الصوف يتذاكرن ثواب الله تعالى وعقابه فمتن جميعاً من الخوف. وروى البيهقي عن ابن شهاب إنه صبيحة قبل الحسين بن علي ﵁ لم يرفع حجر في بيت المقدس إلا وجد تحته دم وكذلك يوم قتل والده علي ﵄ وكان قتل الحسين ﵁ بكر بلاء يوم عاشوراء سنة إحدى وستين من الهجرة. (ذكر جماعة من أعيان التابعين) والعلماء والزهاد ممن دخلوا بيت المقدس بعد الفتح العمري وعمارة عبد الملك بن مروان فمنهم من دخله زائراً ومنهم من دخله مستوطناً وذلك قبل استيلاء الإفرنج عليه فمنهم جماعة لم أطلع على تاريخ وفاتهم: وهم أويس بن عامر القرني من بني قرن صح عن رسول الله ﷺ إنه أمر عمر أن يسأله أن يستغفر له قيل إنه اجتمع بعمر ﵁ ببيت المقدس وقيل إنما لقيه في الموسم فقال لعمر قد حججت واعتمرت وصليت في مسجد رسول الله ﷺ ووددت لو إني صليت في المسجد الأقصى فجهزه عمر وأحسن جهازه وأتى المسجد الأقصى فصلى فيه ثم أتي الكوفة وخرج غازياً راجلاً إلى بغداد فأصابه البطن والتجأ إلى أهل خيمة فمات عندهم ومعه

стр. 309

جراب وقضيب فقالوا لرجلين منهم اذهبا فأحفرا له قبراً قالوا فنظرنا في جرابه فإذا فيه ثوبان ليسا من ثياب أهل الدنيا وجاء الرجلان فقالا أصبنا قبراً محفوراً في صخرة كأنما رفعت عنه الأيدي الساعة فكفنوه ثم دفنوه ثم التفتوا فلم يروا شيئاً ويقال قتل بصفتين سنة سبع وثلاثين من الهجرة الشريف، ويقال مات بدمشق ودفن بها والله أعلم. وعبيد عامل عمر ﵁ على بيت المقدس لما وقع الطاعون في بيت المقدس كان عمر استعمله عليه فجعلت الجنائز تغتسل وهو يصلي عليها وجعل لا يحمل الجنائز إلا الشباب. وعمير بن سعد من عمال عمر بن الخطاب ﵁ على حمص. ويعلى بن شداد بن ثابت من الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام حضر فتح بيت المقدس وكان ثقة روى عنه جماعة. وأبو نعيم المؤذن أول ممن أذن ببيت المقدس فكان عبادة بن الصامت والياً على إيليا فأبطأ بصلا الصبح فأقام أبو نعيم الصلاة فصلى فحضر عبادة وهو يصلي فصلى بصلاته. أبو الزبير المؤذن الدارقطني مؤذن بيت المقدس قال جاءنا عمر بن الخطاب ﵁ فقال إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فأحدر أبو سلام الجيشي وأسمه محضور ويقال الباهلي الدمشقي كان يقدم بيت المقدس ويقرأ على عباد بن الصامت ويروى عنه. أبو جعفر الجرشي روي عنه قال دخلت مع عباد بن الصامت مسجد بيت المقدس فرأى رجلا يصلي واضعا نعله عن يمينه - أو عن شماله - فقال له لولا إنك تناجي ربك لعلوت رأسك بهذه العصا تفعل كفعل أهل الكتاب. وخالد بن معدان الكلاعي العبد الصالح الفقيه الكبير كان يسبح في اليوم

стр. 310

أربعين ألف تسبيح أتى بيت المقدس ونزل من على ستة أميال ولم يصل فيه غير خمس صلوات. أم الدرداء هجيمة ويقال جهيمة خطبها معاوية بن أبي سفيان فأبت وقالت سمعت أبا الدرداء يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول المرأة لآخر أزواجها فإن أردت أن تكوني زوجتي في الجن فلا تتخذي من بعدي زوجاً وكانت تأتي من دمشق إلى بيت المقدس فإذا مرت على الجبال قالت لقائدها أسمع الجبال ما وعدها ربها فيقرأ (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً فيذرها قاعاً صفصفاً لا تر فيها عوجاً ولا أمتاً ويوم تسير الجبال وتر الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً) وكانت تجالس المساكين ببيت المقدس وتقيم به نصف سنة وبدمشق نصف سنة. وأبو العوام مؤذن بيت المقدس روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص إن السور المذكور في القرآن هو سور بيت المقدس الشرقي. وقبيض بن دويب عبد الله بن محيريز وهاني بن كلثوم كل هؤلاء كانوا عباداً زهاداً فقبيصة كان عالماً ربانياً مات سنة ثمان وستين من الهجرة وابن محيريز قرشي جمحي مكي نزل بيت المقدس قال رجاء بن حياة إن فخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر فأنا نفتخر بعابدنا ابن محيريز إنما كنت أعد بقاءه أماناً لأهل الأرض مات قبل المائة وهاني عرضت عليه إمارة فلسطين فامتنع وكان الثلاث يقصرون الصلاة من الرمل إلى بيت المقدس. ومحارب بن دثار وكان قاضياً وهو من العلماء الزهاد وحديثه مخرج في كتب الإسلام قال صبحنا القاسم بن عبد الرحمن إلى بيت المقدس فغلبنا على ثلاث على قيام الليل والبسط في النفقة والكف عن الناس. وعبد الله بن فيروز الديلمي مقدسي ثق خرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة وله أخ يقال له الضحاك بن فيروز ثقة أيضاً.

стр. 311

وزياد بن أبي سودة مقدسي روى عن عبادة بن الصامت وأبي هريرة وهو من الثقات. وأبو الحسن الزهري الأندلسي كان مقيماً ببيت المقدس سمعه أبو عبد الله محمد الصوري في بقي بمسمع محمد بن العباس العيني قال سمعت الشبلي وقد سأله رجل فقال له يا أبا بكر ما تقول في رجل كان له حظ في قيام الليل فتركه ثم عاد وهو مجتهد أن يناله فلا يقدر؟ قال فأنشأ يقول: تشاغلتموا عنا بصحبة غيرنا … وأظهرتموا الهجران ما هكذا كن وروى عن جماعة. وإبراهيم بن محمد بن يوسف العرياني نزلت ببيت المقدس ورو عن جماعة وروى عنه جماعة حديثه في كتاب ابن ماجة. وأبو عتبة الخواص عباد الأرسوفي قدم بيت المقدس وكان ثقة قال رأيت ببيت المقدس شيخاً كأنه محترق بنار عليه مدرع سوداء وعمامة سوداء طويل الصمت كريه المنظر كثير الشعر شديد الحزن فقلت يرحمك الله لو غيرت لباسك هذا فقد علمت ما جاء في البياض فبكى وقال هذا أشبه بلباس المصاب وإنما نحن في الدنيا في حداد وكأنا قد دعينا ثم غشي عليه. وعابد ببعض قرى بيت المقدس في زمن ثور بن يزيد قال محمد بن المعتصم سمعت أبي يقول سمعت منبه بن عثمان اللخمي يقول كان ثور بن يزيد قد سكن بيت المقدس وكان رجل متعبد في بعض قر بيت المقدس يجلس إلى ثور ابن يزيد وكان يغدو من قريته مع الفجر فيصلي الصلوات كلها في بيت المقدس وينصرف بعد العشاء الآخرة إلى قريته وقد سمع ثوراً يحدث أن خالد بن معدان حدثه بحديث رفعه إلى النبي ﷺ قال من رأى شيئاً يهوله أو يفزعه فليقل إن الله هو الذي ليس كمثله شيء وهو الواحد القهار ما قالها أحد إلا فرج الله عنه ولو كان بين يديه سور من حديد وانصرف ذلك الرجل

стр. 312

ليلة من الليالي إلي الطريق فإذا بأسود بين يديه قد منعه من المسير فذكر حديث خالد فقاله ففرح الله عنه فمضى فلق حمار وحش فاتحاً فاه يريد ليأكل يده فذكر حديث ثور فقاله فولى الحمار وهو يقول لا يرحم الله ثوراً كما علمك. وعبد الله بن عامر العامري قال سألت راهباً ببيت المقدس فقلت له يا راهب ما أول الدخول في العبادة؟ قال الجوع قلت وما دليل ذلك؟ قال لأن الجسد خلق من تراب والروح من ملكوت السماوات فإذا شبع الجسد ركن إلى الأرض وإذا لم يشبع اشتاق إلى ملكوت قلت ما سبب الجوع؟ قال ملازمة الذكر والخضوع. وأبو عبد الله بن خصيف خرج من شيراز إلى مكة ثم أتي بيت المقدس ثم دخل الشام ﵀. وقاسم الزاهد قال رأيت راهباً على باب بيت المقدس كالولهان لا يرقأ له دمع فهالني أمره فقلت يا أيها الراهب أوصني وصية أحفظها عنك فقال كن كرجل احتوشته السباع والهوام فهو خائف مذعور يخاف أن يسهو فتفترسه أو يلهو فتنهشه فليله ليل مخافة إذا أمن فيه المغترون ونهاره نهار حزن إذا فرح فيه البطالون ثم ولى وتركني فقلت لو زدتني شيئاً عسى الله أن ينفعني به فقال يا هذا أن الظمآن يكفيه من الماء أيسره. ومحمد بن حاتم بن محمد بن عبد الكريم الطائي أبو الحسن الطوسي تفقه على إمام الحرمين وكان صدوقاً خبيراً فقيهاً صوفياً دخل بيت المقدس وسمع به الحديث. أبو محمد عبد الله بن الوليد بن سعد بن بكر الأنصاري الفقيه المالكي سكن مصر ورو بها عن أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني وغيره قال ابن الوليد أنبأنا أبو محمد بن أبي زيد قال جماع آداب الخير وأزمته في أربعة أحاديث قول النبي ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت وقوله من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وقوله - للذي

стр. 313

اختصر له في الوصية - لا تغضب قوله المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه توفي ابن الوليد ببيت المقدس ووفاة ابن أبي زيد في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة فيعلم من ذلك العصر الذي كان فيه ابن الوليد. وجعفر بن محمد النيسابوري قدم بيت المقدس في سنة سبعين وثلاثمائة وقال سمعت الحسن بن الصباغ البراز يقول سمعت الوليد بن مسلم يقول سمعت بلال بن سعد يقول لا ينظر إلى صغر الخطيئة وأنظر من عصيت والله أعلم ومنهم جماعة أرخت وفاتهم وذكرتهم على ترتيب الوفيات وهم: كعب الأحبار ابن مانع الحميري أبو إسحاق كان يهودياً فأسلم في خلافة أبي بكر وقيل عمر قال له العباس ما منعك الإسلام إلي عهد عمر؟ فقال إن أبي كتب لي كتاباً من التوراة ودفعه إلي وقال أعمل بهذا وختم على سائر كتبه وأخذ علي بحق الوالدين لا أفض الخاتم فلما رأيت الإسلام يظهر قالت لي نفسي لعل أباك غيب عنك علم كتبك فلو قرأته ففضت الكتاب فوجدت فيه صفة محمد ﷺ وأمته فأسلمت الآن. سكن الشام ورو عن جماعة من الصحابة كأبي هريرة وتقدم إنه دخل بيت المقدس واستشاره عمر في موضع القبلة وتوفي بحمص سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة في زمن خلافة عثمان ﵁. وإبراهيم بن أبي عبلة العقيلي المقدسي روى عنه الإمامان مالك وابن المبارك توفي سنة اثنتين وخمسين من الهجرة. وجبير بن نصير الحضرمي الحمصي في الطبقة الأولى من التابعين أدرك زمن النبي ﷺ وأسلم زمن أبي بكر الصديق ﵁ أتى بيت المقدس للصلاة ورو عن خالد بن الوليد وأبي الدرداء وعباد بن الصامت والنواس بن سمعان قال جبير خمس خصال قبيحة الحدة في السلطان والحرص في العلماء والشره في الشيوخ والشح في الأغنياء وقلة الحياء في ذوي الأحساب.

стр. 314

توفي جبير سنة خمس وسبعين من الهجرة الشريفة. وعبد الرحمن بن غنم الأشعري كان مسلماً في زمن النبي ﷺ ولكنه لم يفد إليه لكنه لازم معاذ بن جبل منذ بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن حتى مات معاذ وسمع عمر بن الخطاب قال صاحب (مثير الغرام) أظنه قدم بيت المقدس فإنه هو الذي فقه عامة التابعين بالشام وتوفي سنة تسع وسبعين من الهجرة الشريفة. وخالد كان بصخرة بيت المقدس فجاء عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين ﵁ فأخذ بيده وقال يا خالد ما علينا؟ قال عليكم من الله إذن سميع وعين بصيرة فارتعد عمر خوفاً من الله ونزع يده فقال خالد يوشك أن يكون هذا إماماً عادلاً ولزم خالد بيته في خر أمره وقال ما بقي من الناس إلا حاسد أو شامت وتوفي سنة تسعين من الهجرة الشريفة. ومالك بن دينار من الأئمة الأعلام روى عن أنس وأخرج له أصحاب السنن أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة ومحمد بن واسع ثقة زاهد من أهل البصرة من الأزد روى عن أنس بن مالك وغيره أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وجمعته الطريق ومالك بن دينار وعبد الواحد بن زيد وساروا إلى بيت المقدس وتوفي سنة تسع وعشرين ومائة. أم الخير رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية مولاة آل عقيل الصالحة المشهورة كانت من أعيان عصرها وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة وكانت تقول في مناجاتها إلهي أتحرق بالنار قلباً يحبك فهتف بها مرة هاتف ما كنا نفعل هذا فلا تظني بنا ظن السوء ومن وصاياها اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم وأورد لها الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب عوارف المعارف: إني جعلتك في الفؤاد محدثي … وأبحت جسمي من أراد جلوسي

стр. 315

فالجسم مني للحبيب مؤانس … وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي توفيت سن خمس وثلاثين - قيل ثمانين - ومائة قبرها على رأس جبل طور زيتا شرقي بيت المقدس بجوار مصعد السيد عيس ﵇ من جهة القبلة وهو في زاوية ينزل إليها من درج وهو مكان مأنوس يقصد للزيارة. ومن النساء العابدات ببيت المقدس امرأة تسم طافية كانت تأتي بيت المقدس تتعبد فيه وامرأة أخرى تسمى لبابة ذكرهما ابن الجوزي وذكر عدة من العابدات المجهولات الأسماء ولم يؤرخ وفاة واحدة منهن. وسليمان بن طرخان الهيثمي التميمي نزل بالبصر وسمع أنساً وكان يقول إذا دخلت بيت المقدس كأن لا تدخل معي حتى أخرج منه توفي سنة ثلاث وأربعين ومائة. ومقاتل بن سليمان المفسر قدم بيت المقدس فصل فيه وجلس عند باب الصخرة القبلي واجتمع إليه خلق كثير من الناس يكتبون عنه ويسمعون منه فأقبل بدوي يطأ بنعليه على البلاط وطأ شديداً فسمع مقاتل فقال لمن حوله انفرجوا فانفرج الناس عنه فأهو بيده يشير إليه ويزيده بصوته أيها الواطئ أرفق بوطئك فوالذي نفس مقاتل بيده ما تطأ إلا على أجاجين الجنة. وفي كلام آخر قال الإمام الشافعي ﵁ الناس كلهم عيال على ثلاثة مقاتل بن سليمان في التفسير .. وذكر الآخرين توفي مقاتل سنة خمسين ومائة. والأوزاعي عبد الرحمن بن عمر واحد الأئمة الأعلام فقيه الشام كان رأساً في العلم والعبادة قدم بيت المقدس فصلى فيه ثمان ركعات والصخرة وراءه ثم صلى فيه الخمس وقال هكذا فعل عمر بن عبد العزيز ولم يأت شيئاً من المزارات وتوفي في الحمام سنة سبع وخمسين ومائة. وسفيان الثوري هو ابن سعيد بن مسروق الإمام العالم المجمع على جلالته

стр. 316

وزهده وورعه أتى المسجد الأقصى فصل فيه بموضع الجماعة وأتى قبة الصخرة الشريفة وختم فيها القرآن وروى إنه اشترى ى موزاً بدرهم فأكلمنه في ظلها ثم قال إن الحمار إذا وفي عليقه - أو قال علفه - زيد في عمله ثم قام يصلي حتى رحمه من رآه توفي بالبصرة سنة إحدى ى وستين ومائة. وإبراهيم بن أدهم بن إسحاق من كور بلخ أحد الزهاد وهو من ثقات اتباع التابعين ومن أبناء الملوك خرج يوماً يتصيد وأثار ثعلباً - أو أرنباً - وأسرع في طلبه فهتف به هاتف ألهذا خلقت أم بهذا أمرت؟ ثم هتف به من قربوس سرجه والله ما هذا خلقت ولا بهذا أمرت فنزل عن دابته وترك الإمارة. ودخل البادية وتزهد وصحب الإمام أبا حنيفة وله متن الكرامات ما هو مشهور بها قدم بيت المقدس وقام بالصخرة الشريفة وسكن الشام وتوفي بمدينة جبلة من أعمال طرابلس وقبره مشهور بها. قال صاحب (مثير الغرام) إنه مات ببلاد الروم ووفاته في سنة إحدى وستين ومائة. الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم عالم أهل مصر كان نظير مالك في العلم قيل إنه كان دخله في سنة ثمانين ألف دينار فما وجبت عليه زكاة وفي رواية لا ينقصني عليه عام إلا وعليه دين من كثرة جوده وبره وقدم بيت المقدس قال الليث لما ودعت أبا جعفر - يعني الخليفة - ببيت المقدس قال أعجبني ما رأيت من شدة عقلك فالحمد لله الذي جعل في رعيتي مثلك ويقال إنه كان حنفي المذهب وإنه ولي القضاء بمصر ولد سنة اثنتين وتسعين من الهجرة الشريف وتوفي يوم الخميس منتصف شعبان سنة خمس وسبعين ومائة ودفن يوم الجمعة بالرأفة الصغرى وقبره أحد المزارات قال بعض أصحابه لما دفن الليث ابن سعد سمعنا صوتاً يقول: ذهب الليث فلا ليث لكم … ومضى العلم غريباً وفتر

стр. 317

قال فالتفتنا فلم نرى أحداً وترجمة الشافعي ﵀ ترجمة عظيمة وكان أتي إلى قبره بالقرافة كل عشية جمعة ويستمر حتى يقرأ على قبره ختماً كاملاً ستمر أهل مصر يفعلون ذلك بقبره في عشية كل جمعه إلى يومنا هذا ويختلفون لك ولهم فيه اعتقاد عظيم وله شهرة ظاهرة وأحوال بارزة نفعنا الله به. ووكيع بن الجراح بن مليح أبو سفيان الرواسي مولده سنة تسع وعشرين مائة وكان من أعلام وهو من الرواة عن الإمام أحمد بن حنبلة ﵁ روى عنه الإمام أحمد أيضاً وقال عنه ما رأيت أوعى للعلم منه ولا أحفظ. قدم بيت المقدس وأحرم منه إلى مكة وتوفي يوم عاشوراء ودفن راجعاً ممن الحج سنة تسع - قيل سنة ثمان وتسعين ومائة. الإمام الأعظم والحبر الأكرم محمد بن إدريس الشافعي المطلبي أحد الأئمة المجتهدين الأعلام وإمام أهل السن ركن الإسلام ولد بغزة من بلاد الشام على الأصح سنة خمسين ومائة وهي التي توفي فيها الإمام الأعظم أبو حنيفة ﵁ وقيل في اليوم الذي مات فيه. خرج كتاب الأم وكتاب السنن وأشياء كثيرة كلها في أربع سنين قدم المقدس فصلى فيه وقال سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله وسعة رسول الله ﷺ فقيل له ما تقول في محرم قتل زنبوراً؟ فقال قال الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وحدثنا ابن عيينة بن عبد الملك بن عمير عن حذيفة قال قال رسول الله ﷺ من بعدي بأبي بكر وعمر حدثنا ابن عيينة عن مسعود عن قيس بن مسلم بن طارق بن شهاب أن عمر أمر المحرم بقتل الزنبور. وتوفي الإمام الشافعي ﵁ بمصر يوم الجمعة ودفن من يومه بعد العصر آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين بالقرافة الصغرى وقبره مشهور يزار معنا الله به.

стр. 318

وأما الأئمة الثلاثة ﵃ فلم أطلع على شئ يدل على قدوم أحد منهم بيت المقدس. والمؤمل بن إسماعيل البصري صدوق وكان شديداً في السنة قدم بيت المقدس وأعطى به قوماً شيئاً وداروا به تلك الأماكن توفي سنة ست ومائتين وبشر بن الحرث الحافي أحد رجال الطريقة من كبار الصالحين وأعيان الأتقياء المتورعين أصله من مرو من قرية من قراها وسكن بغداد وإنما لقب الحافي لأنه جاء الإسكاف يطلب منه شسعاً لأحد نعليه وكان قد انقطع فقال الله الإسكاف ما أكثر كلفتكم على الناس؟ فألقى النعل من رجله وحلف لا يلبس نعلا بعدها ولد سنة خمسين ومائة. قيل له لم يفرح الصالحون ببيت القدس؟ قال لأنها تذهب الهم ولا تشتغل النفس بها وقال ما بقي عندي من لذات الدنيا إلا أن استلقي على جنبي تحت السماء بجامع بيت المقدس توفي في شهر ربيع الآخر سنة ست - قيل سبع - وعشرين ومائتين ببغداد وقيل بمرو. وذو النون المصري أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم الصالح المشهور أحد رجال الطريقة قدم بيت المقدس وقال وجدت على صخرة بيت المقدس كل عاص مستوحش وكل مطيع مستأنس وكل خائف هارب وكل راج طالب وكل قانع غني وكل محب ذليل قال فرأيت هذه الكلمات أصول ما استعبد الله به الخلق توفي سنة خمس وأربعين ومائتين. والسري بن المغلس السقطي قدم بيت المقدس وروى عنه جماعة قال خرجت من الرملة إلى بيت المقدس الشريف فمررت بمشرفة وغدير ماء وعشب نابت فجلست آكل من العشب واشرب من الماء فقلت في نفسي إن كنت أكلت أو شربت في الدنيا حلالاً فهو هذا فسمعت هاتفاً يقول يا سري فالنفقة التي بلغتك من أين؟ توفي سنة إحدى وخمسين ومائتين.

стр. 319

ومحمد بن كرام المتكلم التي تنسب إليه الفرقة الكرامية الذي ينسب إليهم تجويز وضع الأحاديث للترغيب والترهيب وكرام - بفتح الكاف وتشديد الراء - على وزن جمال أبو عبد الله السجستاني العابد ومنهم من يقول محمد بن كرام - بكسر الكاف وتخفيف الراء - روى عن جماعة وكان حبسه طاهر بن عبد الله فلما أطلقه ذهب إلى ثغور الشام ثم عاد إلى نيسابور فحبسه محمد بن طاهر بن عبد الله فطال حبسه وكان يتأهب لصلاة الجمعة فيمنعه السجان فيقول اللهم إنك تعلم إن المنع من غيري أقام ببيت المقدس وكان يجلس للوعظ عند العمود الذي عند مهد عيسى واجتمع عليه خلق كثير ثم تبين لهم إنه يقول إن الأيمان قول فتركه أهل بيت المقدس توفي ببيت المقدس ليلا ودفن بباب أريحا عند قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وله ببيت المقدس نحو عشرين سنة وكانت وفاته في صفر سنة خمس وخمسين ومائتين. قلت والباب المعروف بباب أريحا قد اندرس لطول المد واستيلاء الإفرنج ولم يبق له أثر والظاهر إنه كان عند انتهاء البناء الذي كان متصلا بطور زيتا وكذلك قبور الأنبياء لا يعلم مكانها لطول المدة واستيلاء الافرنج على الأرض المقدسة. وصالح بن يوسف ابو شعيب المقنع الواسطي الأصل يقال: انه حج تسعين حجة راجلا في كل حجة يحرم من صخرة بيت المقدس، وكان يدخل بادية تبوك على التجريد والتوكل توفي بمدينة الرملة سنة اثنتين وثمانين ومائتين حكى إنه يستشفي بقبره ويستجاب الدعاء عنده. قلت ولم يعلم الآن قبره لطول الزمان واستيلاء الإفرنج على تلك الأراضي مدة طويلة رحمه الله تعالى. وبكر بن سهل الدمياطي المحدث قدم إلى بيت المقدس فجمعوا له ألف دينار حتى روى لهم التفسير توفي في ربيع الأول سنة تسع وثمانين ومائتين

стр. 320

وأحمد بن يحي البراز البغدادي حكي عنه أبو الحسن علي بن محمد الجلال البغدادي إنه أخبره إنه قدم من مكة إلى بيت المقدس فندم على مجيئه وقال تركت الصلاة بمكة بمائة ألف صلاة وهنا بخمس وعشرين ألف صلاة وبمكة تنزل مائة وعشرون ألف رحمه للطائفين والمصلين والناظرين وأراد الخروج إلى مكة فرأى النبي ﷺ وذكر له ما خطر بباله من الفضل فقال النبي ﷺ نعم هناك تنزل الرحمة نزولا وهنا تنصب الرحمة صباً ولو لم يكن لهذا الموضع شأن - وأشار بيده إلى موضع الإسراء عند قبة المعراج - لما أسري بي إليه فأقام الرجل بالقدس إلى أن مات به وكانت هذه الرؤيا في رجب سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. والشيخ سلامة بن إسماعيل بن جماعة المقدسي الضرير صاحب شرح المفتاح لابن القاص وله أيضاً مصنف مفرد في التقاء الختانين كان عديم النظير في زمانه لأجل مما خصه الله به من حضور القلب وصفاء الذهن وكثر الحفظ وقد ذكره جماعة وأثنوا عليه توفي سنة ثمانين وأربعمائة. وشيخ الإسلام الإمام العالم الحبر أبو الفرج عبد الواحد بن أحمد بن محمد ابن علي بن أحمد الشيرازي ثم المقدسي الأنصاري الحنبلي شيخ الشام في وقته وهو من أصحاب القاضي أبي يعلي بن الفراء أمام الحنابلة قدم الشام فسكن ببيت المقدس وهو الذي نشر مذهب الإمام أحمد ﵁ فيما حوله ثم أقام بدمشق فنشر المذهب بها وكان له اتباع وتلامذة ويقال إنه اجتمع مع الخضر ﵇ دفعتين وكان يتكلم في عدة أوقات على الخاطر كما كان يتكلم ابن القزويني الزاهد. له تصانيف منها المبهج والإيضاح والتبصرة في أصول الدين ومختصر في الحدود في أصول الفقه ومسائل الامتحان ويقال إن له كتاب الجواهر في التفسير وهو ثلاث مجلدات توفي يوم الأحد ثامن عشر من ذي الحجة سنة ست وثمانين وأربعمائة بدمشق ودفن بمقبرة الباب الصغير رحمه الله تعالى. والشيخ العلامة أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي النابلسي الشافعي شيخ
следующие страницы →