Полный текст (810 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وزهده وورعه أتى المسجد الأقصى فصل فيه بموضع الجماعة وأتى قبة الصخرة الشريفة وختم فيها القرآن وروى إنه اشترى ى موزاً بدرهم فأكلمنه في ظلها ثم قال إن الحمار إذا وفي عليقه - أو قال علفه - زيد في عمله ثم قام يصلي حتى رحمه من رآه توفي بالبصرة سنة إحدى ى وستين ومائة.
وإبراهيم بن أدهم بن إسحاق من كور بلخ أحد الزهاد وهو من ثقات اتباع التابعين ومن أبناء الملوك خرج يوماً يتصيد وأثار ثعلباً - أو أرنباً - وأسرع في طلبه فهتف به هاتف ألهذا خلقت أم بهذا أمرت؟ ثم هتف به من قربوس سرجه والله ما هذا خلقت ولا بهذا أمرت فنزل عن دابته وترك الإمارة.
ودخل البادية وتزهد وصحب الإمام أبا حنيفة وله متن الكرامات ما هو مشهور بها قدم بيت المقدس وقام بالصخرة الشريفة وسكن الشام وتوفي بمدينة جبلة من أعمال طرابلس وقبره مشهور بها.
قال صاحب (مثير الغرام) إنه مات ببلاد الروم ووفاته في سنة إحدى وستين ومائة.
الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم عالم أهل مصر كان نظير مالك في العلم قيل إنه كان دخله في سنة ثمانين ألف دينار فما وجبت عليه زكاة وفي رواية لا ينقصني عليه عام إلا وعليه دين من كثرة جوده وبره وقدم بيت المقدس قال الليث لما ودعت أبا جعفر - يعني الخليفة - ببيت المقدس قال أعجبني ما رأيت من شدة عقلك فالحمد لله الذي جعل في رعيتي مثلك ويقال إنه كان حنفي المذهب وإنه ولي القضاء بمصر ولد سنة اثنتين وتسعين من الهجرة الشريف وتوفي يوم الخميس منتصف شعبان سنة خمس وسبعين ومائة ودفن يوم الجمعة بالرأفة الصغرى وقبره أحد المزارات قال بعض أصحابه لما دفن الليث ابن سعد سمعنا صوتاً يقول:
ذهب الليث فلا ليث لكم … ومضى العلم غريباً وفتر
стр. 317
قال فالتفتنا فلم نرى أحداً وترجمة الشافعي ﵀ ترجمة عظيمة وكان أتي إلى قبره بالقرافة كل عشية جمعة ويستمر حتى يقرأ على قبره ختماً كاملاً ستمر أهل مصر يفعلون ذلك بقبره في عشية كل جمعه إلى يومنا هذا ويختلفون لك ولهم فيه اعتقاد عظيم وله شهرة ظاهرة وأحوال بارزة نفعنا الله به.
ووكيع بن الجراح بن مليح أبو سفيان الرواسي مولده سنة تسع وعشرين مائة وكان من أعلام وهو من الرواة عن الإمام أحمد بن حنبلة ﵁ روى عنه الإمام أحمد أيضاً وقال عنه ما رأيت أوعى للعلم منه ولا أحفظ.
قدم بيت المقدس وأحرم منه إلى مكة وتوفي يوم عاشوراء ودفن راجعاً ممن الحج سنة تسع - قيل سنة ثمان وتسعين ومائة.
الإمام الأعظم والحبر الأكرم محمد بن إدريس الشافعي المطلبي أحد الأئمة المجتهدين الأعلام وإمام أهل السن ركن الإسلام ولد بغزة من بلاد الشام على الأصح سنة خمسين ومائة وهي التي توفي فيها الإمام الأعظم أبو حنيفة ﵁ وقيل في اليوم الذي مات فيه.
خرج كتاب الأم وكتاب السنن وأشياء كثيرة كلها في أربع سنين قدم المقدس فصلى فيه وقال سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله وسعة رسول الله ﷺ فقيل له ما تقول في محرم قتل زنبوراً؟ فقال قال الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وحدثنا ابن عيينة بن عبد الملك بن عمير عن حذيفة قال قال رسول الله ﷺ من بعدي بأبي بكر وعمر حدثنا ابن عيينة عن مسعود عن قيس بن مسلم بن طارق بن شهاب أن عمر أمر المحرم بقتل الزنبور.
وتوفي الإمام الشافعي ﵁ بمصر يوم الجمعة ودفن من يومه بعد العصر آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين بالقرافة الصغرى وقبره مشهور يزار معنا الله به.
стр. 318
وأما الأئمة الثلاثة ﵃ فلم أطلع على شئ يدل على قدوم أحد منهم بيت المقدس.
والمؤمل بن إسماعيل البصري صدوق وكان شديداً في السنة قدم بيت المقدس وأعطى به قوماً شيئاً وداروا به تلك الأماكن توفي سنة ست ومائتين وبشر بن الحرث الحافي أحد رجال الطريقة من كبار الصالحين وأعيان الأتقياء المتورعين أصله من مرو من قرية من قراها وسكن بغداد وإنما لقب الحافي لأنه جاء الإسكاف يطلب منه شسعاً لأحد نعليه وكان قد انقطع فقال الله الإسكاف ما أكثر كلفتكم على الناس؟ فألقى النعل من رجله وحلف لا يلبس نعلا بعدها ولد سنة خمسين ومائة.
قيل له لم يفرح الصالحون ببيت القدس؟ قال لأنها تذهب الهم ولا تشتغل النفس بها وقال ما بقي عندي من لذات الدنيا إلا أن استلقي على جنبي تحت السماء بجامع بيت المقدس توفي في شهر ربيع الآخر سنة ست - قيل سبع - وعشرين ومائتين ببغداد وقيل بمرو.
وذو النون المصري أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم الصالح المشهور أحد رجال الطريقة قدم بيت المقدس وقال وجدت على صخرة بيت المقدس كل عاص مستوحش وكل مطيع مستأنس وكل خائف هارب وكل راج طالب وكل قانع غني وكل محب ذليل قال فرأيت هذه الكلمات أصول ما استعبد الله به الخلق توفي سنة خمس وأربعين ومائتين.
والسري بن المغلس السقطي قدم بيت المقدس وروى عنه جماعة قال خرجت من الرملة إلى بيت المقدس الشريف فمررت بمشرفة وغدير ماء وعشب نابت فجلست آكل من العشب واشرب من الماء فقلت في نفسي إن كنت أكلت أو شربت في الدنيا حلالاً فهو هذا فسمعت هاتفاً يقول يا سري فالنفقة التي بلغتك من أين؟ توفي سنة إحدى وخمسين ومائتين.
стр. 319
ومحمد بن كرام المتكلم التي تنسب إليه الفرقة الكرامية الذي ينسب إليهم تجويز وضع الأحاديث للترغيب والترهيب وكرام - بفتح الكاف وتشديد الراء - على وزن جمال أبو عبد الله السجستاني العابد ومنهم من يقول محمد بن كرام - بكسر الكاف وتخفيف الراء - روى عن جماعة وكان حبسه طاهر بن عبد الله فلما أطلقه ذهب إلى ثغور الشام ثم عاد إلى نيسابور فحبسه محمد بن طاهر بن عبد الله فطال حبسه وكان يتأهب لصلاة الجمعة فيمنعه السجان فيقول اللهم إنك تعلم إن المنع من غيري أقام ببيت المقدس وكان يجلس للوعظ عند العمود الذي عند مهد عيسى واجتمع عليه خلق كثير ثم تبين لهم إنه يقول إن الأيمان قول فتركه أهل بيت المقدس توفي ببيت المقدس ليلا ودفن بباب أريحا عند قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وله ببيت المقدس نحو عشرين سنة وكانت وفاته في صفر سنة خمس وخمسين ومائتين.
قلت والباب المعروف بباب أريحا قد اندرس لطول المد واستيلاء الإفرنج ولم يبق له أثر والظاهر إنه كان عند انتهاء البناء الذي كان متصلا بطور زيتا وكذلك قبور الأنبياء لا يعلم مكانها لطول المدة واستيلاء الافرنج على الأرض المقدسة.
وصالح بن يوسف ابو شعيب المقنع الواسطي الأصل يقال: انه حج تسعين حجة راجلا في كل حجة يحرم من صخرة بيت المقدس، وكان يدخل بادية تبوك على التجريد والتوكل توفي بمدينة الرملة سنة اثنتين وثمانين ومائتين حكى إنه يستشفي بقبره ويستجاب الدعاء عنده.
قلت ولم يعلم الآن قبره لطول الزمان واستيلاء الإفرنج على تلك الأراضي مدة طويلة رحمه الله تعالى.
وبكر بن سهل الدمياطي المحدث قدم إلى بيت المقدس فجمعوا له ألف دينار حتى روى لهم التفسير توفي في ربيع الأول سنة تسع وثمانين ومائتين
стр. 320
وأحمد بن يحي البراز البغدادي حكي عنه أبو الحسن علي بن محمد الجلال البغدادي إنه أخبره إنه قدم من مكة إلى بيت المقدس فندم على مجيئه وقال تركت الصلاة بمكة بمائة ألف صلاة وهنا بخمس وعشرين ألف صلاة وبمكة تنزل مائة وعشرون ألف رحمه للطائفين والمصلين والناظرين وأراد الخروج إلى مكة فرأى النبي ﷺ وذكر له ما خطر بباله من الفضل فقال النبي ﷺ نعم هناك تنزل الرحمة نزولا وهنا تنصب الرحمة صباً ولو لم يكن لهذا الموضع شأن - وأشار بيده إلى موضع الإسراء عند قبة المعراج - لما أسري بي إليه فأقام الرجل بالقدس إلى أن مات به وكانت هذه الرؤيا في رجب سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.
والشيخ سلامة بن إسماعيل بن جماعة المقدسي الضرير صاحب شرح المفتاح لابن القاص وله أيضاً مصنف مفرد في التقاء الختانين كان عديم النظير في زمانه لأجل مما خصه الله به من حضور القلب وصفاء الذهن وكثر الحفظ وقد ذكره جماعة وأثنوا عليه توفي سنة ثمانين وأربعمائة.
وشيخ الإسلام الإمام العالم الحبر أبو الفرج عبد الواحد بن أحمد بن محمد ابن علي بن أحمد الشيرازي ثم المقدسي الأنصاري الحنبلي شيخ الشام في وقته وهو من أصحاب القاضي أبي يعلي بن الفراء أمام الحنابلة قدم الشام فسكن ببيت المقدس وهو الذي نشر مذهب الإمام أحمد ﵁ فيما حوله ثم أقام بدمشق فنشر المذهب بها وكان له اتباع وتلامذة ويقال إنه اجتمع مع الخضر ﵇ دفعتين وكان يتكلم في عدة أوقات على الخاطر كما كان يتكلم ابن القزويني الزاهد.
له تصانيف منها المبهج والإيضاح والتبصرة في أصول الدين ومختصر في الحدود في أصول الفقه ومسائل الامتحان ويقال إن له كتاب الجواهر في التفسير وهو ثلاث مجلدات توفي يوم الأحد ثامن عشر من ذي الحجة سنة ست وثمانين وأربعمائة بدمشق ودفن بمقبرة الباب الصغير رحمه الله تعالى.
والشيخ العلامة أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي النابلسي الشافعي شيخ
стр. 321
المذهب بالشام صاحب التصانيف مع الزهد والعبادة سمع الحديث وأمل وحدث أقام بالقدس مدة طويلة بالزاوية التي على باب الرحمة المعروفة بالناصرية والظاهر أن تسميتها بالناصرية نسبة للشيخ نصر ثم عرفت بالغزالية لإقامة الغزالي بها ثم قدم دمشق فسكنها وعظم شأنه وحك بعض أهل العلم قال صبحت إمام الحرمين ثم صبحت الشيخ أبا إسحاق فرأيت طريقته أحسن ثم صبحت الشيخ نصر فرأيت طريقته أحسن منهما ولما قدم الغزالي إلى دمشق اجتمع به واستفاد منه.
ومن تصانيفه التهذيب وكتاب التقريب وكتاب الفصول وكتاب الكافي وله شرح متوسط على مختصر شيخه سليمان بن أيوب الرازي سماه الإشارة وكتاب الحجة لتارك المحجة توفي يوم عاشوراء سنة تسعين وأربعمائة بدمشق ودفن بالباب الصغير ﵀.
والفقيه أبو الفضل عطاء شيخ الشافعية بالقدس الشريف فقهاً وعلماً وشيخ الصوفية طريقة كان في زمن الشيخ نصر المقدسي رحمهما الله تعالى.
والشيخ الإمام أبو المعالي المشرف بن المرجا بن إبراهيم المقدسي كان من علماء بيت المقدس له كتاب فضائل البيت المقدس والصخرة وما اتصل بذلك من أخبار وآثار وفضائل الشام وهو كتاب مفيد رواه بالأسانيد عنه أبو القاسم مكي الرميلي - الآتي ذكره بعده - ولم اطلع لأبي المعالي على ترجمة ولا تاريخ وفاة ولكنه كان في عصر أبي القاسم المذكور.
والشيخ أبو القاسم مكي بن عبد السلام بن الحسين بن القاسم الأنصاري الرميلي الشافعي الحافظ مولده سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة كانت الفتاوى تأتي إليه من مصر والشام وغيرهما وكان من الجوالين في الآفاق كثير التعب والنصب والسهر وكان ورعاً سمع بالقدس وبلاد كثيرة وشرع في تاريخ بيت المقدس وفضائله وجمع فيه أشياء كثيرة.
ولما أخذ الإفرنج بيت المقدس في سن اثنتين وتسعين وأربعمائة أخذوه
стр. 322
أسيراً وبعثوه إلى البلاد ينادي في فكاكه بألف دينار لما علموا إنه علماء المسلمين فلم يستفكه أحد فرموه بالحجارة على باب أنطاكية حتى قتلوه ﵀.
وقال السبكي في (طبقات الشافعية) إنهم ببيت المقدس في اليوم الثاني عشر من شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
أبو القاسم عبد الجبار بن أحمد بن يوسف الرازي الشافعي تفقه على الخجندي بأصبهان ثم استوطن بغداد مد ثم انتقل إلى بيت المقدس وسلك سبيل الورع والانقطاع إلى الله تعالى إلى أن استشهد على يد الإفرنج لعنهم الله تعالى حين أخذهم القدس في شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
والغزالي الإمام زين الدين حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الطوسي الشافعي ولد سنة خمسين وأربعمائة ولم يكن للطائفة الشافعية في آخر عصره مثله واشتغل في مبدأ أمره بطوس ثم قدم نيسابور وصار من الأعيان المشار إليهم وارتفعت منزلته.
أقام بدمشق ثم انتقل إلى بيت المقدس مجتهداً في العبادة والطاعة وزيارة المشاهد والمواضع العظيمة وأخذ في التصانيف المشهورة ببيت المقدس فيقال إنه صنف في القدس أحياء علوم الدين وأقام بالزاوية التي على باب الرحمة المعروفة قبل ذلك بالناصرية شرقي بيت المقدس فسميت بالغزالية نسبة إليه وقد خرجت ودثرت توفي بطوس يوم الاثنين رابع عشر جمادي الآخرة سنة خمس وخمسمائة ﵀.
والقاضي محمد بن حسن بن موسى بن عبد الله البلاشاعوني التركي الحنفي ويعرف بالاشتلي ولي قضاء بيت المقدس فشكوا منه فعزل ثم ولي قضاء دمشق وكان عالماً في مذهب أبي حنيفة وهو الذي رتب الإقامة مثنى وكان شديد التعصب توفي في جمادي الآخرة سنة ست وخمسمائة.
والأمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المعروف بابن القيسراني كذا اسمه في تاريخ ابن خلكان وقيل اسمه علي بن أحمد بن محمد بن طاهر
стр. 323
المقدسي الجوال في الآفاق الجامع بين الذكاء والحفظ وحسن التصنيف وجودة الخط ولد ببيت المقدس في سادس شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة وحدث سنة ستين وأول من سمعه الفقيه نصر المقدسي وكان من المشهورين بالحفظ لمعرفة بعلوم الحديث وله في ذلك مصنفات مجموعات تدل على غزارة علمه وجودة معرفته وصنف تصانيف كثيرة منها أطراف الكتب الستة وهي صحيح البخاري ومسلم أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأطراف الغرائب تصنيف الدارقطني وكتاب الأنساب في جزء لطيف وهو الذي ذيله الحافظ أبو موسى الأصبهاني وغير ذلك من الكتب وله شعر حسن وكتب عنه غير واحد من الحفاظ منهم أبو موسى المذكور.
رحل إلى بغداد في سنة سبع وستين وأربعمائة ثم رجع إلى بيت المقدس وحرم منه إلى مكة وتوفي ببغداد يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين وخمسمائة ودفن بالمقبرة العتيقة بالجانب الغربي وكان ولده زرعة طاهر من المشهورين بعلو الإسناد وكثر السماع قدم بغداد للحج وحدث بها بأكثر مسموعاته وسمع منه الوزير أبو المظفر يحي بن هبيرة القيسراني - بفتح القاف والسين المهملة بينهما ياء مثناة من تحتها ثم راء مفتوحة بعد الألف نون - هذه النسبة إلى قيسري بلدة على ساحل البحر ببلاد الشام.
وأبو الغنائم محمد بن علي بن ميمون القرشي الكوفي الحافظ كان ديناً خبيراً رحل إلى الشام وسمع الحديث ببيت المقدس وتوفي سنة عشر وخمسمائة بجبلة وحمل إلى الكوفة.
وأبو روح ياسين بن سهل القابسي الخشاب توفي بنيسابور سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.
وأبو الفتح سلطان بن إبراهيم بن مسلم المقدسي الفقيه الشافعي صاحب الذخائر ولد بالقدس سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة وتفقه على الفقيه نصر حتى برع
стр. 324
في المذهب ودخل مصر بعد السبعين والأربعمائة وكان من الفقهاء بمصر وقرأ عليه أكثرهم روى عنه السلفي وغيره وصنف كتاباً في أحكام التقاء الختانين توفي سنة ثمانية عشر أو في التي بعدها وقيل في سنة خمس وثلاثين وخمسمائة.
الطرطوشي الإمام أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب القرشي الفهري الأندلسي المالكي قدم بيت المقدس وحج على نفقة الإمام أبي بكر الشاشي المستظهر وكان إماماً عالماً زاهداً سكن الشام ودرس بها مولده سنة إحدى وخمسين وأربعمائة تقريباً وتوفي ليلة السبت لأربع بقين من جمادي الأولى سنة عشرين وخمسمائة بثغر الإسكندرية والطرطوشي نسبة إلى طرطوشة وهي مدينة بالأندلس في آخر بلاد المسلمين في شرقي الأندلس على ساحل البحر.
وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى الأموي العثماني المقدسي النابلسي نزل بغداد وتفقه على الشيخ نصر المقدسي وكان يفتي ويدرس وهو من أهل العلم والعمل وتوفي سنة سبع وعشرين وخمسمائة عن خمس وستين سنة.
وأبو عبد الله محمد بن أحمد المقدسي العثماني المشهور بالديباجي من أولاد الديباجي بن عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان ومحمد الديباجي أمه فاطمة بنت الحسن بن علي بن أبي طالب سمي الديباجي لحسنه ولأن ديباجة وجهه كانت تشبه ديباجة وجه رسول الله ﷺ أصله من مكة وأقام ببيت المقدس وكتب الأحاديث بها وسمعها وسكن بغداد بدرب السلسلة وهو فقيه فاضل حسن السيرة قوال بالحق كان يقال له سمي النبي ﷺ وشبيهه توفي يوم الأحد سابع عشر من صفر سنة تسع وعشرين وخمسمائة ودفن بالوردية.
وأبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الله الربعي المقدسي الشافعي اشتغل على الشيخ أبي إسحاق وسمع الحديث من الشيخ نصر المقدسي والحافظ أبي بكر
стр. 325
الخطيب ثم دخل الغرب وسكن البرية توفي سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة.
وأبو علي الحسن بن فرج بن حاتم المقدسي الواعظ الشافعي روى عن القاضي الرشيد المقدسي توفي في نصف شعبان سنة خمس وثلاثين وخمسمائة.
والإمام أبو بكر بن العربي محمد بن عبد الله المغربي المعافري الأندلسي الإشبيلي الحافظ المشهور دخل مع أبيه إلى المشرق سنة خمس وثمانين وأربعمائة ولقي الإمام الطرطوشي وتفقه عليه وصحب الشاشي والغزالي قدم بيت المقدس وروى عنه خلق كثير من العلماء توفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
وأبو بكر الجرجاني محمد بن أحمد بن أبي بكر من أهل جرجان من عمل نيسابور قصد هو وأبو سعيد السمعاني زيارة بيت المقدس فذهبا ولم يفترقا حتى رجعا إلى العراق وكان شيخاً صالحاً قيماً بكتاب الله دائم البكاء كثير الحزن مولده سنة خمس وستين وأربعمائة توفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
وتاج الإسلام أبو سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني الشافعي صاحب كتاب الذليل لتاريخ مدينة السلام عدة مجلدات وله تاريخ مرور الأسباب وطراز المذهب في آداب الطلب وتحفة المسافر وعز العزلة والمناسك والتخيير في المعجم الكبير والأماني وغير ذلك قدم بيت المقدس زائراً له وهو في أيدي الكفار وتوفي في غرة ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة.
ومن عباد بيت المقدس المشهورين بالصلاح إدريس بن أبي خولة الأنطاكي وعبد العزيز المقدسي وكانا صالحين ذكرهما ابن الجوزي في صفوة الصفوة وذكر لهما كرامات ولم يؤرخ وفاتهما.
وأما من دخل بيت المقدس واستوطنه من الزهاد والصالحين ممن لم يعرف اسمه فكثير ولهم أخبار ومناقب لم نذكرها لعدم معرفة أسمائهم وبالله التوفيق.
وقد انتهى ذكر ما قصدته من تراجم الأعيان بالقدس الشريف ممن كان به في الزمن السالف قبل استيلاء الإفرنج عليه ولم اظفر بغير ذلك لطول الأزمنة
стр. 326
وانقطاع أخبار السلف باستيلاء الكفار على الأرض المقدسة وسأذكر ما تيسر من أسماء العلماء والأعيان بالقدس الشريف ممن كان به بعد الفتح الصلاحي - كما تقدم الوعد به - إن شاء الله تعالى.
ولنذكر الآن نبذة يسيرة مما وقع ببيت المقدس من الحوادث والأخبار في ذلك الزمان:
فمن ذلك ما وقع في شهور سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة إن الحاكم بأمر الله أبو علي المنصور بن العزيز الفاطمي خليفة مصر أمر بتخريب كنيسة القمامة من بيت المقدس وأباح للعامة ما كان بها من الأموال وأمتعة وغير ذلك وكان ذلك بسبب ما أنهي إليه من الفعل الذي تتعاطاه النصارى يوم الفصح من النار التي يحتالون بها بحيث يتوهم الاغمار من جهلتهم إنها تنزل من السماء وإنها مصبوغة بدهن البيلسان في خيوط الإبريسم الرفاع المدهونة بالكبريت وغيره بالصنعة اللطيفة التي تروج على العظام منهم والعوام وهم إلى الآن يستعملونها في القمامة ويسمى ذلك اليوم عندهم سبت النور ويقع فيه من المنكر بحضور المسلمين ما لا يحل سماعه ولا رؤيته من جهرهم بالكفر ورفع أصواتهم يقولون يا لدين الصليب وإظهار كتبهم ورفع الصلبان على رؤسهم غير ذلك من الأمور التي تقشعر منها الأجساد ثم لما توفي الحاكم بأمر الله في شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة ولي بعده الظاهر لا عزاز دين الله أبو الحسن علي واستمر إلى أن توفي في شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة.
ثم تولى بعده المستنصر بالله أبو تميم معد فهادن ملك الروم على أن يطلق خمسة آلف أسير ليمكن من عمارة قمامة التي كان خربها جده الحاكم في أيام خلافته فأطلق الأسرى وأخرج ملك الروم عليها أموالاً عظيمة.
(قلت) والذي يظهر أن تخريبها لم يكن تخريباً كلياً بل كان في غالبها والله أعلم.
стр. 327
ورأيت في بعض التواريخ إنه في سنة سبع وأربعمائة في ربيع الأول احترق مشهد الحسين بن علي ﵁ بشرارة وقعت من بعض الشعالين من حيث لم يشعر.
وورد الخبر بتشعب الركن اليماني من المسجد الحرام وسقوط جدار بين يدي قبر النبي ﷺ .
وإنه سقطت القبة الكبيرة التي على صخرة بيت المقدس قال الناقل وهذا من أغرب الاتفاقات وأعجبها.
(قلت) ولم اطلع على حقيقة الحال في سقوط القبة التي على الصخرة ولا إعادتها والظاهر أن السقوط كان في بعضها لا في كلها والله أعلم.
وفي سنة خمس وعشرين وأربعمائة كثرت الزلازل بمصر والشام فهدمت أشياء كثيرة ومات تحت الردم خلق كثير وانهدم من الرمل ثلثها وتقطع جامعها تقطعاً وخرج أهلها منها فأقاموا بظاهرها ثمانية أيام ثم سكن الحال فعادوا إليها وسقط بعض حيطان بيت المقدس ووقع من محراب داود قطعة كبيرة ومن مسجد إبراهيم الخليل ﵊ قطعة.
وفي سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة سقط تنور قبة الصخرة ببيت المقدس وفيه خمسمائة قنديل فتطير المقيمون به من المسلمين وقالوا ليكونن في الإسلام حادث عظيم فكان أخذ الأفرنج له على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفي جمادي الأولى سنة ستين وأربعمائة كانت زلزلة بأرض فلسطين أهلكت بلاد الرملة ورمت شرافتين من مسجد رسول الله ﷺ وانشقت الأرض عن كنوز من المال وهلك منها خمسة عشر ألف نسمة وانشقت صخرة بيت المقدس ثم عادت فالتأمت بقدرة الله تعالى وغار البحر مسيرة يوم ودخل الناس في أرضه يلتقطون منه فرجع عليهم فأهلك خلقاً كثيراً منهم فسبحان من يتصرف بعبادة بما يشاء.
стр. 328
وفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة في أيام المستنصر بالله العبيدي خليفة مصر استولى على القدس والرمل آتسز بن أوق الخوارزمي صاحب دمشق.
وفي سنة خمس وستين أقيمت الدعوة العباسية ببيت المقدس وقطعت دعوة الفاطميين ثم استولى آتسز على دمشق بعد استيلائه على القدس والرملة وقطع الخطبة العلوية من دمشق فلم يخطب بعدها لهم بها وأقام الخطبة العباسية يوم الجمعة لخمس بقين من ذي القعدة سنة ثمان وستين وأربعمائة.
فلما قتل آتسز في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة استولى بعده على دمشق تاج الدولة الأمير تتش بن السلطان البارسلان السلجوقي وكان القدس من مضافاته على عادة من تقدمه فقلده للأمير أرتق بن اكسك التركماني جد الملوك أصحاب ماردين واستمر ارتق مالكاً للقدس إلى أن توفي في سنة أربع وثمانين وأربعمائة.
ثم استقر الأمر بعده في القدس لولديه ايلغازي وسقمان ابني ارتق واستمر على ذلك إلى أن قتل تتش صاحب دمشق في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
ثم سار الأفضل بن بدر الجمالي أمير الجيوش من مصر بعسكر الخليفة العلوي وهو المستعلي بأمر الله فاستولى على القدس بالأمان في شعبان سنة تسع وثمانين وأربعمائة.
وسار سقمان وأخوه ايلغازي من القدس وأقام سقمان ببلد الرها وسار أخوه ايلغازي إلى العراق وبقي القدس في يد المصريين.
(ذكر تغلب الإفرنج على بيت المقدس واستيلائهم عليه)
لما فتح الله البيت المقدس على يد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وعمر على يده ثم على يد عبد الملك بن مروان وغيره من الخلفاء - كما سبق شرحه - استمر بأيدي المسلمين الخلفاء من حين الفتح العمري في سنة خمس وعشرين من الهجرة الشريفة إلى اثنتين وتسعين وأربعمائة في خلافة المستظهر بالله هو أبو العباس
стр. 329
أحمد بن المقتدي بأمر الله العباسي خليفة بغداد.
وكان لبثه بأيدي المسلمين أربعمائة سنة وسبعاً وسبعين سنة.
وكان الفاطميون قد تغلبوا على بني العباس وأدعوا الخلافة بالمغرب من أواخر سنة ست وتسعين ومائتين في أيام المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المستنصر العباسي خليفة بغداد ثم بنوا القاهرة واستولوا على الديار المصرية والشام ومكة واليمن وبيت المقدس.
وأولهم عبيد الله المهدي بالله الذي ينسبون إليه ثم ابنه أبو القاسم محمد القائم بأمر الله ثم ابنه أبو الطاهر إسماعيل المنصور بنصر الله ثم أبيه أبو تميم معد المعز الدين بأني القاهرة المحروسة على يد القائد أبي الحسن جوهر المعروف بالكاتب الرومي فإنه جهزه من المغرب لأخذ الديار المصرية فأخذها في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وبن القاهرة المحروسة والجامع الأزهر ثم أرسل يستدعي مخدومه المعز الدين الله فحضر إلى القاهرة واستوطنها في شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة واستمر إلى أن توفي بها في يوم الجمعة السابع عشر من ربيع الأول سنة خمس وستين وثلاثمائة وهو الذي تنسب إليه القاهرة فيقال القاهرة المعزية ولما بناها جوهر سماها المنصورية فلما قدم المعز لدين الله إليها سماها القاهرة.
وقيل إن سبب تسميتها بذلك إنها تقهر من شد عليها ورام مخالفة أمرها.
ولما توفي استقر بعده في الخلافة بمصر ابنه المنصور نزار العزيز بالله ثم ابنه أبو علي المنصور الحاكم بأمر الله الذي أمر بتخريب كنيسة القمامة - كما تقدم - ثم ابنه أبو الحسن على الظاهر لا عزاز دين الله ثم ابنه أبو تميم معد المستنصر بالله الذي مكن الكفار من إعادة كنيسة القمامة - كما تقدم ثم ابنه أبو القاسم أحمد المستعلي بأمر الله.
وسيأتي ذكر من بقي منهم عند ابتداء ذكر الفتح الصلاحي إن شاء الله تعالى.
فلما آل الأمر إلى المستعلي بأمر الله وكانت وفاة أبيه المستنصر في ذي الحجة
стр. 330
سنة سبع وثمانين وأربعمائة ولي الأمر بعد أبيه بالديار المصرية وكان المتولي لتدبير دولته الأفضل أبو القاسم شاهنشاه بن بدر الجمالي أمير الجيوش.
وفي أيام المستعلي بأمر الله اختلفت دولتهم وضعف أمرهم وانقطعت من أكثر مدن الشام دعوتهم وانقسمت البلاد الشامية بين الأتراك والإفرنج وكتان مدبر دولته الأفضل أبو القاسم شاهنشاه بن بدر الجمالي أمير الجيوش وفي أيام المستعلي بأمر الله اختلفت دولتهم وضعف أمرهم وانقطعت من أكثر مدن الشام دعوتهم وانقسمت البلاد الشامية بين الأتراك والإفرنج وكان مدبر دولته الأفضل قد استولى على بيت المقدس في شعبان سنة تسع وثمانين وأربعمائة - كما تقدم - وكان الفاطميون يخافون من الإفرنج خوفاً شديداً فلا يطيقون مقاتلهم بخلاف الدولة الأيوبية.
فلما دخلت سنة تسعين وأربعمائة سار الإفرنج إلى الشام وأخذوا أنطاكية بعد أن حاصروها تسعة أشهر وملوكها في ذي القعدة وحصل بينهم وبين المسلمين وقعات وحروب وولى المسلمون هاربين وكثر القتل فيهم ونهب الإفرنج خيامهم وتقووا بأسلحتهم ثم سار الإفرنج إلى معمرة النعمان فاستولوا عليها ووضعوا السيف في أهلها فقتلوا فيها ما يزيد على ألف إنسان وسبوا السبي الكثير وأقاموا بالمعرة أربعين يوماً وساروا إلي حمص وصالحهم أهلها وذلك في سنة إحدى وتسعين.
فلما دخلت سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة قصد الإفرنج بيت المقدس وهم في نحو ألف ألف مقاتل لعنهم الله وحاصروا بيت المقدس نيفاً وأربعين يوماً وملكوه في ضحى نهار الجمعة لسبع بقين من شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ولبث الإفرنج يقتلون في المسلمين بالقدس الشريف أسبوعا قتا في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألف نفس منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وساداتهم وعباداتهم وزهادهم ممن جاور في هذا الموضع الشريف وغنموا ما لا يقع عليه الحصر وجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً.
ثم حصروا جميع من في القدس من المسلمين بداخل المسجد الشريف واشترطوا عليهم إنهم متى تأخروا عن الخروج بعد ثلاثة أيام قتلوهم عن أخرهم فشرع
стр. 331
المسلمون في الإسراع والمبادرة إلى الخروج فمن شدة إزدحامهم بأبواب المسجد قتل منهم خلق كثير لا يحصيهم إلا الله .
وأخذ الإفرنج من عند الصخرة ألفين وأربعين قنديلاً من فضة زنة كل منهم ثلاثة آلاف وستمائة وتنوراً من فضة وزنه أربعون رطلاً بالشامي وثلاثة وعشرين قنديلا من الذهب.
وهزم الأفضل بن بدر الجمالي أمير الجيوش بظاهر عسقلان أقبح هزيمة.
وكان عند الإفرنج شاعر منتجع إليهم فقال - يخاطب ملك الإفرنج وأسمه صنجلي -:
نصرت بسيفك دين المسيح … فلله درك من صنجلي
وما سمع الناس فيما روي … بأقبح من كسرة الأفضل
فتوصل الأفضل إلى ذبح هذا الشاعر.
وذهب الناس هاربين على وجوههم من الشام إلى العراق ووصل المستنفرون إلى بغداد في رمضان مستغيثين إلى الخليفة والسلطان منهم القاضي بدمشق أبو سعد الهروي واجتمع أهل بغداد في الجوامع واستغاثوا وبكوا حتى إنهم أفطروا من عظم ما جر عليهم.
وندب الخليفة ببغداد - وهو المستظهر بأمر الله أبو العباس أحمد العباسي - الفقهاء إلى الخروج في البلاد ليحرضوا الملوك على الجهاد فخرج الإمام أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي وغير واحد من أعيان الفقهاء وساروا في الناس فلم يفد ذلك شيئاً فأنا لله وإنا إليه راجعون.
ووقع الخلف بين السلاطين السلجوقية فتمكن الإفرنج في البلاد وانزعج المسلمون في سائر ممالك الإسلام بسبب أخذ بيت المقدس غاية الانزعاج ثم استولى الإفرنج على أكثر بلاد السواحل في أيام المستعلي بأمر الله فملكوا يافا وقيسارية وغيرهما من القلاع والحصون وكانت محنة فاحشة فالحكم لله العلي
стр. 332
الكبير وكان الآخذ لهذه البلاد بيت المقدس وغيره بردويل الإفرنجي.
ثم في سنة إحدى عشرة - وقيل أربعة عشرة - وخمسمائة قصد الديار المصرية ليأخذها فانتهى إلى غزة ودخلها وخربها وأحرق مساجدها ورحل عنها وهو مريض فهلك في الطريق قبل وصوله إلى العريش فشق أصحابه بطنه ورموا حشوته هناك فهي ترجم إلى اليوم ورحلوا بجثته فدفنوها بكنيسة قمامة بالقدس الشريف.
وسبخة بردويل هي التي في سبخة الرمل على طريق الشام وهي مما يلي العريش إلى جهة مصر منسوبة إلى بردويل المذكور والحجارة الملقاة هناك والناس يقولون هذا قبر بردويل وإنما هي الحشوة لعنة الله عليه.
ولما أخذ بيت المقدس وغيره من المسلمين قال في ذلك مظفر الابيورديل أبياتاً منها:
مزجنا دماء بالدموع السواجم … فلم يبق منا عرضه للمزاحم
وشر سلاح المرء دمع يفيضه … إذا الحرب شبت نارها بالصوارم
فأيهاً بني الإسلام إن وراءكم … وقائع يلحقن الذري بالمناسم
وكيف تنام العين ملأ جفونها … على هفوات أيقظت كل نائم
فإخوانكم بالشام يضحي قتيلهم … ظهور المذاكي أو بطون القشاعم
تسومهم الروم الهوان وأنتم … تجرون ذيل الخفض فعل المسالم
وكم من دماء قد أبيحت ومن دمي … توار حياء حسنها بالمعاصم
وبين اختلاس الطعن والضرب وقعة … يظل لها الولدان شيب القوادم
وتلك حروب من يغب عن غمارها … ليسلم يقرع بعدها سن نادم
سللنا بأيدي المشركين قواضباً … ستعمل منهم في الطلى والجماجم
يكاد لهن المستكن بطيبة … ينادي بأعلى الصوت يا آل هاشم
أرى أمتي لا يشرعون إلى العدى … رماحهم والدين واهي الدعائم
وتجتنبون النار خوفاً من الردى … ولا تحسبون العار ضربة لازم
стр. 333
أترضي صناديد الأعارب بالأذى … وتغضي على صماة الأعاجم
فليتهموا إذ لم يذودوا حمية … عن الدين شنوا غيرة للمحارم
وإن زهدوا في الأجر إذ حمي الوغى … فهلا أتوه رغبة في المغانم
واستمر بيت المقدس وما جاوره من السواحل بيد الإفرنج إحدى وتسعين سنة فلم ير في الإسلام مصيبة أعظم من ذلك. وعجز ملوك الأرض عن انتزاعه منهم حتى أذن الله وقدر فتحه على يد من اختاره من عبادة في شهر شوال سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.
فأقول - وبالله استعين وعليه أتوكل فهو حسبي ونعم الوكيل -.
(ذكر الفتح الصلاحي)
الذي يسره الله تعالى على يد السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب تغمده الله برحمته
قد تقدم ذكر تغلب الفاطميين على غالب المملكة واستيلائهم عليها وتقدم إن أولهم المهدي بالله عبيد الله وتقدم ذكر من بعده إلى المستعلي بأمر الله الذي أخذ الإفرنج القدس في أيامه فلما مات المستعلي بأمر الله استقر بعده في خلافة مصر ابنه أبو منصور إسماعيل الظاهر بأمر الله ثم ابنه أبو القاسم عيس الفائز بنصر الله ثم ابن عمه أبو محمد عبد الله العاضد لدين الله وهو آخرهم وكان استقراره في خلافة مصر في سنة خمس وخمسين وخمسمائة.
وكان صاحب دمشق في ذلك الزمان السلطان الملك العادل نور الدين أبا القاسم محمود بن زنكي الملقب بالشهيد ﵁.
فلما دخلت سنة أربع وستين وخمسمائة تمكن الإفرنج من البلاد المصرية وتحكموا على المسلمين بها وملكوا بلبيس قهراً في مستهل شهر صفر ونهبوها وقتلوا
стр. 334
أهلها وأسروهم ثم ساروا من بلبيس ونزلوا على القاهرة عاشر صفر وحاصروها وكان وزير العاضد أمير الجيوش شاور فأحرق شاور مدينة مصر خوفاً من أن يملكها الإفرنج وأمر أهلها بالانتقال إلى القاهرة فبقيت النار تحرقها أربعة وخمسين يوماً.
وأرسل العاضد العلوي خليفة مصر إلى السلطان نور الدين الشهيد يستغيث به وأرسل في الكتب شعور النساء.
وصالح شاور الإفرنج على ألف ألف دينار يحملها إليهم فحمل إليهم مائة ألف دينار وسألهم أن يرحلوا عن القاهرة ليقدر على جمع المال وحمله فرحلوا.
ولما وصل إلى السلطان نور الدين كتب العاضد جهز الأمير أسد الدين شيركوه بن شادي إلى الديار المصرية ومعه العساكر النورية وأنفق فيهم الأموال وأعطى شيركوه مائتي ألف دينار سوى الثياب والدواب والأسلحة وغير ذلك وأرسل معه عدة أمراء منهم ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب الذي تسلطن فيما بعد وكان مسير صلاح الدين على كره منه أحب نور الدين مسير صلاح الدين وفيه ذهاب الملك من بين يديه وكره صلاح الدين المسير وفيه سعادته وملكه (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم) فإن نور الدين أمره بالمسير مع عمه شيركوه وكان شيركوه قد قال بحضرة نور الدين تجهز يا يوسف فقال والله لو أعطيتني ملك مصر ما سرت إليها فلقد قاسيت بالإسكندرية ما لا أنساه أبداً فقال شيركوه لنور الدين لا بد من مسيره معي فأمره نور الدين وهو يستقبل فقال نور الدين لا بد من مسيرك مع عمك فشكى الضيقة فأعطاه مما تجهز به فكأنما يساق إلى الموت ولما قرب شيركوه من مصر رحل الإفرنج من ديار مصر على أعقابهم إلى بلادهم فكان هذا المصر فتحاً شديداً.
ووصل أسد الدين شيركوه إلى القاهرة في رابع ربيع الآخر واجتمع
стр. 335
بالعاضد وخلع عليه وعاد إلى خيامه بالخليعة العاضدية وشرع شاور يماطل شيركوه فيما كان بذلة لنور الدين قبل ذلك من تقرير المال وإفراد ثلث البلاد له ومع ذلك فكان شاور يركب كل يوم إلى أسد الدين شيركوه ويعده ويمنيه (وما يعدكم الشيطان إلا غروراً).
ثم إن شاور عزم على أن يعمل دعوة لشيركوه وأمرائه ويقبض عليهم فمنعه ابنه الكامل بن شاور من ذلك ولما رأى عسكر نور الدين من شاور ذلك عزموا على الفتك بشاور واتفق على ذلك صلاح الدين يوسف ومن معه من الأمراء وعرفوا شيركوه بذلك فنهاهم عنه.
واتفق أن شاور قصد شيركوه على عادته فلم يجده في المخيم وكان قد مضى لزيارة قبر الشافعي ﵁ فلقى صلاح الدين شاور وأعلمه برواح شيركوه إلى زيارة الشافعي فسارا ومن معهما جميعاً إلى شيركوه فوثب صلاح الدين ومن معه على شاور وألقوه على الأرض عن فرسه أمسكوه في سابع عشر ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة فهرب أصحابه عنه وأعلموا شيركوه بما فعلوا فحضر ولم يمكنه الإتمام لذلك.
وسمع العاضد الخبر فأرسل إلى شيركوه يطلب منه إنفاذ رأس شاور فقتله وأرسل رأسه إلى العاضد ودخل بعد ذلك شيركوه إلى القصر عند العاضد فخلع عليه خلعة الوزارة ولقبه الملك المنصور أمير الجيوش واستقر في الأمر وكتب له منشوراً بالوزارة وتفويض أمور الخلافة إليه.
ولما لم يبق له منازع أتاه أجله (حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة وهو لا يشعرون) وتوفي في يوم السبت الثاني والعشرين من جمادي الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة فكانت ولايته شهرين وخمسة أيام وهي ابتداء الدولة الأيوبية وكان شيركوه وأيوب ابني شادي من بلددون وأصلهما من الأكراد وخدما عماد الدين زنكي ثم ولده نور الدين محمود وبقيا معه إلى أن أرسل
стр. 336
شيركوه إلى مصر مرة بعد أخرى حتى ملكها وتوفي في هذه السنة على ما ذكرناه.
ولما توفي شيركوه طلب جماعة من الأمراء النورية التقدم على العسكر وولاية الوزارة العاضدية فأحضر العاضد صلاح الدين وولاه الوزارة ولقبه الملك الناصر وثبت قدمه على إنه نائب لنور الدين يخطب له على المنابر بالديار المصرية وكان نور الدين يكتب لصلاح الدين الاسفهسلار ويكتب علامته على رأس الكتاب تعظيماً عن أن يكتب اسمه وكان لا يفرده بكتاب بل إلى الأمير صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية يفعلون كذا وكذا.
ثم أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أباه أيوب وأهله ليتم له السرور وتكون قضيته مشاكلة لقضي يوسف الصديق ﵇ فأرسلهم إليه نور الدين فوصل والده إليه في جماد الآخرة سنة خمس وستين وخمسمائة.
وسلك مع والده من الدب ما جرت به عادته وألبسه الأمر كله فأبى أن يلبسه فحكمه في الخزائن كلها وأعطى صلاح الدين أهله الاقطاعات بمصر وتمكن من البلاد وضعف أمر العاضد.
وفي هذه السنة وهي سنة خمس وستين وخمسمائة سار الإفرنج إلى دمياط وحاصروهم وشحنها صلاح الدين بالرجال والسلاح فحاصروها خمسين يوماً وخرج نور الدين فأغار على بلادهم بالشام فرحلوا عائدين على أعقابهم ولم يظفروا بشيء منها.
وفي سنة ست وستين وخمسمائة سار صلاح الدين من مصر فغزا بلاد الإفرنج قريب عسقلان والرملة وعاد إلى مصر ثم خرج إلى أيلة وحاصرها وهي للإفرنج على ساحل البحر الشرقي ونقل إليها المراكب وحاصرها براً وبحراً وفتحها في العشر الأول من ربيع الآخر واستباح أهلها وما فيها وعاد إلى مصر وعزل قضاة المصريين وكانوا شيعة ورتب قضاة شافعية وذلك في العشرين من جمادي الآخرة سنة ست وستين.
стр. 337
ثم لما دخلت سنة سبع وستين وخمسمائة أقيمت الخطبة العباسية بمصر وقطعت خطبة العاضد لدين الله وانقرضت الدولة العلوية الفاطمية.
وكان سبب الخطبة العباسية بمصر إنه لما تكن الملك الناصر صلاح الدين من مصر وحكم على القصر وأقام فيه قراقوش الأسدي وكن خصياً أبيض وبلغ نور الدين ذلك أرسل إلى صلاح الدين يأمره حتماً جزماً بقطع خطبة العلويين وإقامة الخطبة العباسية فراجعه صلاح الدين في ذلك خوف الفتنة فلم يلتفت إليه نور الدين وأصر على ذلك. وكان العاضد قد مرض، فأمر صلاح الدين الخطباء ان يخطبوا للمستضيء بأمر الله هو ابو محمد الحسن بن المستنجد بالله العباسي خليفة بغداد ويقطعوا خطبة العاضد، فامتثلوا ذلك، ولم ينتطح فيها عنزان.
وكانت قد قطعت الخطابة لبني العباس من ديار مصر في سنة تسع وخمسين وثلثمائة في خلافة المطيع الله العباسي حين تغلب الفاطميون على مصر أيام المعز بالله الفاطمي باني القاهرة الى هذا الآن وذلك مائتا سنة وثمان سنين.
وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلم أحد من أهله بقطع خطبته فتوفي العاضد يوم عاشوراء سنة سبع وستين وخمسمائة ولم يعلم بقطع خطبته.
واستولى صلاح الدين على قصر الخلافة وعلى جميع ما فيه وكانت كثرته تخرج عن الإحصاء ونقل أهل العاضد إلى موضع من القصر ووكل بهم من يحفظهم وخلا القصر من سكانه (كأن لم يغن بالأمس) وهذا العاضد هو آخر خلفاء الفاطميين.
وجملة مدتهم من حين ظهور جدهم المهدي بالله عبيد الله بجلماسة في ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين إلى أن توفي العاضد في التاريخ المذكور مائتان وسبعون سنة ونحو شهر وهذا دأب الدنيا لم تعط إلا واستردت ولم تحل إلا وتمررت ولم تصف إلا وتكررت بل صفوها لا يخلو من الكدر وانقرضت دولتهم في خلافة المستضئ بأمر الله العباسي - كما تقدم -.
стр. 338
ولما وصل خبر الخطبة العباسية بمصر إلى بغداد ضربت لها البشائر عدة أيام وسيرت الخلع مع عماد الدين صندل وهو من خواص الخدام المنسوبة إلى نور الدين وصلاح الدين والخطباء وسيرت الأعلام السود.
ثم توفي والد الملك صلاح الدين وهو الملك الأفضل نجم الدين أبو الشكر أيوب وكان ولده غائباً عن القاهرة في جهة الكرك لأنه كان قاصدها لغزو الإفرنج فلما عاد وجد أباه قد مات وسبب موته إنه ركب بمصر فنفرت به فرسه فوقع فحمل إلى قصره وبقي أياماً ومات في السابع والعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وستين وخمسمائة وكان خيراً عاقلاً حسن السيرة كريماً كثير الإحسان ودفن إلى جانب أخيه شيركوه ثم نقلا بعد سنتين إلى المدينة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
ثم دخلت سنة تسع وستين وخمسمائة فتوفي فيها الملك العادل نور الدين الشهيد هو أبو القاسم محمود بن الملك المنصور عماد الدين أبي الجود زنكي بن أق سنقر تغمده الله برحمته ومولده في شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة وكانت وفاته يوم الأربعاء حادي عشر شوال سنة تسع وستين وخمسمائة وكان ملكه لدمشق في سنة تسع وأربعين وخمسمائة بعد أن ملك حلب وغيرهما من قبل ذلك وكان ملكاً عادلاً مجاهداً خيراً فتح الفتوحات واتسع ملكه وخطب له بالحرمين واليمن ومصر وخطب له في الدنيا على جميع منابر الإسلام وبن السبل والمكاتب وأكمل سور المدينة الشريفة وطبق ذكره الأرض بحسن سيرته وعدله وزهده ﵁.
واستقر بعده في الملك بدمشق ولده الملك الصالح إسماعيل فقصد الملك الناصر صلاح الدين دمشق وأخذها وكان الصالح توجه إلى حلب ليقيم بها.
وثبتت قدم الملك صلاح الدين وقرر أمر دمشق وكان دخوله إليها في سلخ ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة ثم سار إلى حمص وحماه وملكهما ثم إلى حلب وحاصرها فلم يقدر على أخذها لأن أهلها صدوه عنها محبة في الملك الصالح
стр. 339
وآخر الأمر وقع الاتفاق أن يكون للملك الناصر صلاح الدين ما بيده من الشام وللملك الصالح ما بقي بيده منه فصالحهم على ذلك.
ورحل عن حلب وأخذ عدة أماكن وقلاع ممن هي بيده ثم عاد إلى مصر.
فلما توفي الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين في سنة سبع وسبعين وخمسمائة استقر بعده في الملك بحلب عمه عز الدين مسعود.
ثم استقر بحلب عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار واستقر مسعود بسنجار بتراضيهما.
ثم في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة في خامس المحرم سار الملك الناصر صلاح الدين عن مصر إلى الشام ولم يعد بعد ذلك إلى مصر الآن توفي وسار في طريقه على بلاد الإفرنج وغنم ووصل إلى دمشق في صفر ثم سار في ربيع الأول ونزل قرب طبرية وشن الإغارة على بلاد الإفرنج مثل بيسان وجيبين والغور فغنم وقتل ثم سار إلى بيروت وحاصرها وأغار على بلادها ثم سار إلى عدة بلاد.
وفي السنة المذكورة وهي سنة ثمان وسبعين وخمسمائة قصد الإفرنج المقيمون بالكرك والشوبك المسير لمدينة رسول الله ﷺ لينبشوا قبره الشريف وينقلوا جسده الكريم إلى بلادهم ويدفنوه عندهم ولا يمكنوا المسلمين من زيارته إلا بجعل فأنشأ البرنس ارباط صاحب الكرك سفناً حملها على البر إلى بحر القلزم وركب فيها الرجال وسارت الإفرنج ومضوا يريدون المدينة الشريفة.
فكان السلطان صلاح الدين على حوران فلما بلغه ذلك بعث إلى سيف الدولة بن منقذ نائبه بمصر يأمره بتجهيز حسام الدين لؤلؤ الحاجب خلف العدو.
فاستعد لذلك وسار في طلبهم حتى أدركهم ولم يبق بينهم وبين المدينة الشريفة النبوية إلا مسافة يوم وكانوا نيفاً وثلاثمائة وقد انضم إليهم عدة من العربان المرتدة ففرت العربان والتجأ الإفرنج إلى رأس جبل صعب المرتقى فصعد إليهم في نحو
стр. 340
عشرة أنفس وضايقهم فيه فخارت قواهم بعد ما كانوا معدودين من الشجعان وقبض عليهم وقيدوهم وحملهم إلى القاهرة وكان لدخولهم يوم مشهود.
وتولى قتلهم الصوفية والفقهاء وأرباب الديانة بعد ما ساق رجلين من أعيان الإفرنج إلى منى ونحرهما هناك كما تنحر البدن التي تساق هديا إلى الكعبة.
ثم في سنة تسع وسبعين وخمسمائة ملك حمص وآمد وعنتاب وغيرهما ثم سار إلى حلب وحاصرها وأخذها من صاحبها عماد الدين زنكي ابن مودود بن عماد الدين وعوضه عنها سنجار وما معها وتسلم حلبي في صفر من هذه السنة.
ومن الاتفاقات العجيبة أن محيي الدين ابن الزكي قاضي دمشق مدح السلطان بقصيدة منها:
وفتحكم حلباً بالسيف في صفر … مبشر بفتوح القدس في رجب
فوافق فتح القدس في رجب سنة ثلاث وثمانين على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفي سنة ثمانين وخمسمائة غزا السلطان الكرك وضيق على أهلها من الإفرنج وملك ربض الكرك وبقيت القلعة وحصل بين المسلمين والإفرنج القتال فرحل عنها وسار إلى نابلس وأحرقها ونهب ما بتلك النواحي وقتل وأسر وسبي وعاد إلى دمشق.
وفي سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ملك ميافارقين.
وفي سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة أحضر السلطان ولده الملك الأفضل من مصر فأقطعه دمشق ثم أحضر أخاه العادل من حلب وجعل ولده العزيز عثمان نائباً عنه بمصر واستدع نائبه بمصر - هو ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر ابن شاهنشاه - وزاده على حماه سنج والمعرة وكفر طاب وميافارقين واستقر العزيز عثمان والعادل أبو بكر في مصر.
واستمر الحال على ذلك إلى أن دخلت سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة فيها كانت الوقعة العظيمة التي فتح الله بها بيت المقدس وغيره على يد السلطان الأعظم
стр. 341
والليث الهمام المقدم سلطان الإسلام والمسلمين محيي العدل في العالمين قاتل الكفرة والمشركين قاهر والمتمردين جامع كلمة الأيمان قامع عبدة الصلبان رافع علم العدل والإحسان خادم الحرمين الشريفين منقذ البيت المقدس من أهل الزيغ والطغيان الملك الناصر صلاح الدنيا والدين هو أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شادي تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً وذلك في أيام الإمام الأعظم والخليفة الأكرم أمير المؤمنين ابن عم سيد المرسلين وأرث الخلفاء الراشدين الإمام الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن الإمام المستضيء بالله بن محمد بن الحسن بن الإمام المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن الإمام المقتفي لأمر الله أبي عبد الله أبي العباس محمد بن الإمام المستظهر بالله أحمد بن الإمام المقتدي بالله أبي القاسم عبد الله بن محمد الذخيرة بن الإمام القائم بأمر الله أبي جعفر عربد الله بن الإمام القادر عبد الله أبي العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن الإمام المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن الإمام المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق بالله أبي أحمد طلحة بن الإمام المتوكل على أبي الفضل جعفر بن الإمام المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن الإمام الرشيد أبي جعفر هارون بن الإمام المهدي أبي عبد الله محمد بن الإمام المنصور أبي جعفر عبد الله باني مدينة السلام بغداد ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵁ وعن أسلافه الطاهرين.
وقد حكي إن السلطان لما كثرت فتوحاته في السواحل وأوجع فيهم بسهامه وسطوته وكان لا يتجاسر على فتح بيت المقدس لكثرة ما فيه من الأبطال والعدة لكونه كرسي دين النصرانية وكان في بيت المقدس شاب مأسور من أهل دمشق كتب هذه الأبيات وأرسل بها إلى الملك صلاح الدين على لسان القدس فقال:
يا أيها الملك الذي … لمعالم الصلبان نكس
جاءت إليك ظلامة … تسع من البيت المقدس
стр. 342
كل المساجد طهرت … وأنا على شرفي منجس
فكانت هذه الأبيات هي الداعية له إلى فتح بيت المقدس ويقال إن السلطان وجد في ذلك الشاب أهلي فولاه خطابة المسجد الأقصى.
وكان السلطان الملك الناصر ﵀ لما عزم على الفتح كتب يستدعي للجهاد من جميع البلاد وبرز من دمشق يوم السبت مستهل شهر الله المحرم الحرام سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة قبل اجتماع العساكر عليه وحضور من استنفره للجهاد إليه وسافر بمن معه من عسكره وخيم على قصر سلامة من بصر على سمت الكرك خوفاً على الحاج من صاحب الكرك البرنس ارباط فإنه كان شديد العداوة للمسلمين مقداماً على الشر وإثارة الحروب وكان قد عزم على أسر الحجاج فلما أحس بنزول السلطان قريباً منه عاد وأقام بحصنه خشية على نفسه فوصل الحاج في أول صفر إلى وطنهم بدمشق اطمأنت فكرة السلطان عليهم.
وانتظر السلطان وصول العسكر المصري فأبطأ عليه فأمر ولده الملك الأفضل نور الدين علياً أن يقيم برأس الماء ويجمع العساكر الواصلة إليه وتوجه السلطان ومن معه إلى الكرك وضياعه فأحرق فيها ونهب وأسر وسار إلى الشوبك ففعل كذلك ووصل إليه عسكر مصر واستمر على هذا الحال شهرين والملك الأفضل مقيم برأس الماء في جمع عظيم ينتظر ما يأمره به والده.
ثم قوى عزمه على طبرية فسار بمن معه ووصل إلى صفورية فخرج إليهم الإفرنج في جمع كبير والتقى الفريقان فنصر الله المسلمين وظفرهم بالمشركين فقتلوا منهم وأسروا وعد ذلك من حسن تدبير الملك الأفضل فوردت البشائر على السلطان بالكرك.
ثم سار السلطان واجتمع به ولده وقد كثر عسكر الإسلام واجتمع واشتد عزمهم على الجهاد وقوى وسمع الإفرنج بما هم فيه من الكثرة وتحققوا إنهم
стр. 343
مأخوذون وكان بينهم خلف وتنافر فشرعوا حينئذ في الصلح وتوافقوا على اجتماع الكلمة.
ثم إن السلطان سار بالعسكر إلى ديار الإفرنج بعد أن رتب العسكر واستعرضه ورحل على هيئة عظيمة يوم الجمعة سابع عشر ربيع الآخر وخيم على جيبين ثم أصبح سائراً ونزل على الأردن وهو نهر الشريعة والإفرنج قد تأهبوا للحرب بصفورية ورتبوا جيوشهم ورفعوا صلبانهم وكانوا نحو خمسين ألفاً وأكثر والسلطان في كل صباح يسير إليهم ويراميهم.
(فتح طبرية)
ثم قوى عزمه على طبري فسار إليها ونزل عليها وأحضر الحجارين والنقابين وأمرهم بالهدم والنقب وكان ذلك يوم الخميس فنقبوا في برج فهدموه وتسلقوا فيه وتسلموه ودخل الليل.
فلما بلغ الإفرنج ذلك اعتدوا وشدوا عزمهم وعلموا أن طبرية متى أخذت تؤخذ منهم جميع البلاد فاجتمع الإفرنج مع ملوكهم وساروا بفارسهم وراجلهم نحو السلطان ذلك يوم الجمعة فما كذب الخبر واستخار لله تعالى وسار بعسكره.
وجاء يوم الجمعة رابع عشر ربيع الآخر والإفرنج سائرون إلى طبرية فرتب السلطان الاطلاب في مقاتلتهم فحال الليل بين الفريقين.
(وقعة حطين - وهي الوقعة العظمى)
فلما أسفر الصبح ثار الحرب بين الفريقين وصاح المسلمين صبحة رجل واحد فألقى الله الرعب في قلوب الكافرين ووقع البطش في الإفرنج ومكن الله المسلمين منهم فأووا إلى جبل حطين - وهي قرية عندها قبر النبي شعيب ﵊ وانهزم القمس حين أحس بالكسرة وذلك قبل اضطراب الجمع فدهمهم المسلمون
стр. 344
ومالوا عليهم من كل جانب فتثبتوا فأحاط بهم عسكر الإسلام وأوقدوا حولهم النيران فإنه كان تحت أقدام خيولهم حشيش فأمر السلطان بإلقاء النار فيه فاجتمع عليهم حر الشمس وحر النار واشتد بهم العطش وضاق بهم الأمر ووقع السيف فيهم واشتد القتال فنصر الله المسلمين وأطلقوا عليهم السهام وحكموا فيهم السيوف وأبادوا الإفرنج قتلاً وأسراً وأسروا ملكهم ومن معه وسميت هذه الوقعة وقعة حطين وهي من الوقعات المشهورة وقتل من الإفرنج ثلاثون ألفاً من شجعانهم وفرسانهم.
رؤي بعض الفلاحين وهو يقود نيفاً وثلاثين أسيراً قد ربطهم في طنب خيمته وباع منهم واحداً بنعل لبسه في رجله فقيل له في ذلك فقال أحببت أن يقال باع أسيراً بمداس.
وجلس السلطان لعرض أكابر الأسارى فأول من قدم إليه مقدم الرواية وعدة كثيرة منهم ومن الاستبارية وأحضر الملك كي وأخاه جقرى وأود صاحب جبيل وهنقري والبرنس أرباط صاحب الكرك وهو أول من أسر وكان السلطان قد نذر دمه وأقسم إنه إذا ظفر به يعجل بإتلافه لأنه كان قد عبر به بالشوبك قوم من الديار المصرية في حال الصلح فغدر بهم وقتلهم فناشدوه الصلح الذي بينه وبين المسلمين فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي ﷺ وقصد المسير إلى المدينة ومكة المشرفة - كما تقدم ذكره - وبلغ ذلك السلطان فحملته الحمية الدينية على أن نذر دمه.
ولما فتح الله عليه بنصره وجلس في دهليز الخيمة لأنها لم تكن نصبت بعد وعرضت عليه الأسارى فلما حضر بين يديه أجلسه إلى جنب الملك والملك بجنب السلطان وقرعه على غدره وقصده الحرمين الشريفين وذكره بذنبه من حلفه وحنثه ونقضه العهود والمواثيق فقال الترجمان إنه يقول قد جرت بذلك عادة الملوك وكان الملك كي يلهث من الظمأ فآنسه السلطان وسمن رعبه وأتي بماء
стр. 345
مثلوج فشرب منه ثم ناوله البرنس فأخذه من يده فشربه الملعون فقال السلطان للملك إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فيكون أماناً له.
ثم نصبت له الخيام فلما جلس في خيمته أحضر البرنس فلما أقبل عليه أوقفه بين يديه وقال له ها أنا انتصر لمحمد منك ثم عرض عليه الإسلام فلم يقبل فبادره وضربه بالسيف فصرعه ثم أمر برأسه فقطع وجر برجله قدام الملك. فارتاع وانزعج فعرف السلطان منه ذلك فاستدعاه وأمنه وطمنه وقال: لما غدر غدرنا به لأنه تجاوز الحد وتجرأ على الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه.
وكانت هذه النصرة للمسلمين في يوم السبت لخمس بقين من ربيع الآخر.
وبات الناس في تلك الليلة على أتم ترفع أصواتهم سرور بحمد الله تعالى وشكره وتهليله وتكبيره حتى طلع الفجر.
وأما الصليب الأعظم عندهم فإن المسلمين استولوا عليه يوم المصاف ولم يؤسر الملك حتى أخذ صليب الصلبوت وهو الذي إذا رفع ونصب سجد له كل نصراني وركع وهم يزعمون إنه من الخشبة التي صلب عليها معبودهم وقد غلفوه بالذهب وكللوه بالجوهر وكان أخذه عندهم أعظم من أسر الملك وعظمت مصيبتهم بأخذه.
ثم نزل السلطان على صحراء طبرية وندب إلى حصنها من تسليمه بالأمان وكانت الست صاحبة طبرية قد حمته ونقلت إليه كل ما تملكه فأمنها على أصحابها وأموالها وخرجت بمن معها إلى طرابلس بلد زوجها القمس وصارت طبرية للمسلمين وعين لولايتها صارم الدين قيما زاصنجي وكان من الأكابر والسلطان نازل ظاهر طبرية.
فلما أصبح يوم الاثنين سابع عشر من ربيع الآخر طلب السلطان الأسارى من الرواية والاستبارية فأحضر العسكر منهم في الحال مائتين وأمر بضرب أعناقهم وكان عنده جماع من أهل العلم والتصوف فسأل كل واحد في قتل واحد فقتلوه بحضرة السلطان ثم سير ملك الإفرنج وأخاه وهنقرى وصاحب جبيل
стр. 346
ومقدم الرواية وجميع أكابرهم المأسورين إلى دمشق وسجنهم.
(فتح عكا)
ورحل السلطان ظهر يوم الثلاثاء بمن معه من العساكر الإسلامية ونزل عشية بأرض لوبيا فلما أصبح سار وكان في صبيحة الأمير عز الدين أبو فليسة القاسم ابن المهنى الحسيني أمير المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وكان حضر تلك السن صحبة الحجاج وهو ذو شيبة نيرة وحضر مع السلطان هذا الفتح جميعه.
فأقبل السلطان على عكا وخيم قريباً منها وأصبح يوم الخميس ركب لحربها فخرج أهل البلد يطلبون الأمان. فأمنهم وخيرهم بين المقام والانتقال وأمهلهم أياماً حتى ينتقل من يختار النقلة فأسرع الإفرنج في الخروج منها ودخل الجند واستولوا على الدور ونزلوا بها وغنموا منها شيئاً كثيراً.
وكان السلطان جعل للفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري كل ما يتعلق بالزاوية من منازل وضياع فأخذها بما فيها ووهب عكا لولده الملك الأفضل.
ودخلها المسلمون مستهل جمادى الأول وصليت الجمعة بها وجعلت الكنيسة العظم مسجداً جامعاً ورتب فيه القبلة والمنبر وخطب جمال الدين عبد اللطيف بن الشيخ أبي نجيب السهروردي وتولى بها القضاء والخطابة.
وأقام السلطان في خيمة بباب عكا على التل وكتب لأخيه الملك العادل سيف الدين أبي بكر وهو بمصر يعلمه بالفتح فوصلت البشائر للسلطان بوصوله وإنه فتح في طريق حصن مجدل يافا ومدينة يافا عنوة وغنم ما فيها. فتوجه إليه القصاد من أخيه السلطان الملك وأنعم عليهم مما غنمه وسباه بشيء كثير. واستمر السلطان مقيماً بمخيمه وفرق الأمراء لفتح البلاد المجاورة وأمدهم بالعساكر.
стр. 347
(فتح الناصرة وصفورية)
فسار مظفر الدين كو كبوري صاحب أربد الملقب بالملك المعظم إلى الناصرة ومعه حسام الدين ابن طومان وفتحها وأخذ ما فيها وسبى نساءها وأسر رجالها وأما صفورية فهرب أهلها فلم يجدوا بها أحداً وكان بها من الأموال والذخائر ما لا يحصى.
(فتح قيسارية)
وتوجه بدر الدين دلدرم وغرس الدين فلج وجماعة من الأمراء إلى قيسارية ففتحوها بالسيف واستولوا على ما فيها ثم تسلموا أرسوف.
(فتح نابلس)
وسار حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين على سمت نابلس ووصل إلى سبسطية فتسلمها ووجد مشهد زكريا ﵇ قد اتخذه القسوس كنيسة فأعاده مشهداً كما كان ثم قصد نابلس ونازلها وحاصرها ولم يزل مقيماً عليها حتى استأمنوه ووثقوا بأمانة ثم سلموها وخلصت له نابلس وأعمالها وكان معظم أهلها وجميع سكان نواحيها مسلمين وكانوا في شدة عظيمة من الإفرنج.
(فتح الفولة وغيرها)
وكانت الفولة من أحسن الحصون وفيها من العدد والأموال شيء كثير وكانت مجمعهم فلما كان يوم المصاف خرجوا بأجمعهم وحصل لهم ما حصل من القتل والحصر والأسر ولم يبق فيها إلا الأراذل فسلموا الحصن بما فيه إلى السلطان وتسلموا جميع ما بتلك الناحية مثل دبورية وجيبيين ودرعين والطوالية واللجون وبيسان والقيمون وجميع ما لطبرية وعكا من الولايات والزيب ومعليا والبعثة وإسكندرية.
стр. 348
(فتح تبين)
ثم أمر السلطان ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بقصد حصن تبنين فقصده وأخذ في مضايقته وطال حصاره فأرسلوا إلى السلطان وسألوه الأمان واستمهلوا خمسة أيام فأمهلوا بعد أن بذلوا رهائن وأطلقوا ما عندهم من الأسرى فسر السلطان بذلك وأحسن إلى المأسورين وكان هذا دأبة في كل بلد يفتحه فخلص في تلك السنة من الأسرى أكثر من عشرين ألف أسير. وأخلوا القلعة.
ثم ساروا إلى صور صحبة جماعة من عسكر السلطان ورتب في الموضع مملوكه سنقرر الدوري وأوصاه بحفظها.
وكان النزول على تبنين يوم الأحد حادي عشر جمادي الأولى وتسلمها يوم ألحد الثامن عشر منه.
(فتح صيدا)
نزل السلطان عليها يوم الأربعاء الحادي والعشرين من جمادي الأولى وهي مدينة لطيفة على الساحل بها أنهار وبساتين وأشجار فجاءت رسل صاحبها بمفاتيحها وقد أخلاها وتسلمها السلطان ونصبت عليها رايات الإسلام أقيمت بها الجمعة والجماعة.
(فتح بيروت)
ثم سار السلطان إلى بيروت وكان النزول عليها يوم الخميس ثاني عشر جمادي الأول ووقع القتال واشتد ثم نقب السور حتى كاد يقع البرج وضاق الأمر بهم فطلبوا الأمان وأن يكتب لهم السلطان مثالا بذلك فكتب لهم وأمنهم. وتسلم السلطان بيروت يوم الخميس التاسع والعشرين من جمادي الأولى.
стр. 349
(فتح جبيل)
ولما كان السلطان على بيروت وصل إليه كتاب الصفي بن القابض من دمشق يتضمن أن صاحب جبيل أذعن بتسليمها ويطلق فرسم السلطان بإحضاره وهو مقيد فأحضر بين يديه وسمح بتسليم بلده وتسلمها السلطان وأطلقه ولم تكن عاقبة إطلاقه حميدة فإنه كان ممن أعظم الإفرنج وأشدهم عداوة للمسلمين وكان معظم أهل صيدا وبيوت وجبيل مسلمين وكانوا في ذل كبير من مساكنه الإفرنج ففرج الله عنهم.
وكان تسليم جبيل يوم الثلاثاء سابع عشر من جمادي الأولى والسلطان يومئذ على بيروت وكان كل من استأمن من الكفار مضى إلى صور وصارت منزلهم وهي التي فر القمس إليها يوم كسرتهم على حطين.
(هلاك القمس ودخول المر كيس إلى صور)
لما عرف القمس السلطان منها أخلاها وتوجه إلى طرابلس فهلك بها وكان المركيس من أكبر طواغيت الكفر ولم يكن وصل إلى بلاد الساحل قبل هذا العام واتفق وصوله إلى ميناء عكا ولم يعلم بفتحها ولا ما فيها من المسلمين فلما قدم عليها تعجب من أهلها لكونهم لم يتلقوه ورأى من فيها غير هيئة النصارى فارتاب لذلك وسأل عن الحال فأخبروه بما وقع ففكر في النجاة وقصد الفرار فلم تهب له ريح وسأل عن البلد ومن إليه أمره فقيل له الملك الأفضل فقال: خذوا لي منه أماناً حتى أدخل فجيء إليه بالأمان فقال: ما أثق غلا بخط يده فما زال يردد الرسل ويدبر الحيل حتى وافقته الريح فأقلع وتوجه إلى صور وضبطها بمن فيها وأرسل رسله إلى الجزائر يستعدي ويستنفر وثبت في صور وبقي كلما فتح السلطان بلداً بالأمان يسير أهلها في حفظ السلطان إلى صور فاجتمع إليه أهل
стр. 350
البلد المفتوحة بأجمعهم وشرع المركيس يحفر الخندق ويحكمه وسنذكر ما كان من أمره إن شاء الله تعالى.
(فتح عسقلان وغزة والرملة والداروم وغيرها)
وكان النزول على عسقلان يوم الأحد سادس عشر جمادي الآخرة ولما فرغ السلطان من فتح بيروت وجبيل عاد عابراً على صيدا وصرفند وجاء إلى صور ولم يكترث بأمرها وكان قد استحضر ملك الإفرنج ومقدم الراوية وشرط معهما واستوثق منهما إنه يطلقهما من الأسر إذا تمكن من بقية البلاد فانزعج المركيس صور واشتد خوفه.
واجتمع السلطان بأخيه الملك العادل واتفقا على المسير ونزل على عسقلان وحاصرها ورماها بالمناجيق واشتد القتال وراسلهم عند ذلك الملك المأسور وأشار عليهم بعدم مخالفته وترددت الرسل ثم أذعنوا بأنهم يسلمون عسقلان على أن يخرجوا بأموالهم بعد أخذهم الميثاق واليمين وذلك في السبت سلخ جمادي الآخرة فكان حصارها أربعة عشر يوماً وكان بين فتح عسقلان وأخذ الإفرنج لها من المسلمين خمس وثلاثون سنة فإنهم كانوا أخذوها من المسلمين في السابع والعشرين من جمادي الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
وممن استشهد على عسقلان من الأمراء الكبار إبراهيم بن حسين المهراني وهو أول أمير استشهد.
وكان السلطان قد أخذ في طريقه إليها الرملة ويبنا وبيت لحم والخليل وأقام بها حتى تسلم حصون الداروم وغزة والنطرون وبيت جبريل واجتمع بالسلطان ولده صاحب مصر الملك العزيز عثمان بعسقلان فقرت عينه بقدومه واعتضد به وكان قد استدعى الأساطيل فحضرت والحاجب لؤلؤ مقدمها وشرع يقطع الطريق على سفن العدو ومراكبه ويقف له في جزائر البحر وسنذكر ذلك في محله إن شاء الله تعالى.
стр. 351
(فتح بيت المقدس)
ثم رحل السلطان من عسقلان إلى القدس الشريف وسمع خبره من في القدس فاشتد رعبهم وكان بها من مقدمي الإفرنج باليان بن بارزان والبطرك الأعظم ومن كلا الطائفتين الاستبارية والراوية وضاقت بهم منازلهم فأخذوا في تدبير أنفسهم وأيسوا وصاروا في هرج ومرج واشتد بهم الكرب.
وأقبل السلطان بعساكر الإسلام وهو في أبهته وهيئته المرهب ونزل على القدس الشريف من جهة الغرب يوم الأحد خامس عشر رجب وكان في القدس يومئذ ستون ألف مقتل من الإفرنج وقد وقفوا دون البلد للمبارزة وقاتلوا أشد القتال واستمر الحربين الفريقين فانتقل السلطان يوم الجمعة لعشرين من رجب إلى الجانب الشمالي وخيم هناك وضيق على الإفرنج ونصب المناجيق ورمى بها حتى تهدم غالب السور ثم أخذ المسلمون في نقب السور مما يلي وادي جهنم واشتد القتال وتباشر أهل الإسلام بالفتح (وكان يوماً عسيراً على الكافرين غير يسير). فبرز من الإفرنج ابن بارزان ليطلب الأمان من السلطان فلم يجبه السلطان إلى ذلك وقال لا خذها إلا بالسيف مثل ما أخذها الإفرنج من المسلمين.
فتعرضوا للتضرع وعاودوه في طلب الأمان وعرفوه ما هم عليه من الكثرة وإنهم إن آيسوا من الأمان قاتلوا خلاف ذلك ولا يحرج أحد منهم حتى يجرح عشرة ويخربوا الدور وقبة الصخرة ويقتلوا كل من عندهم من أسارى المسلمين - وهم ألوف - ويعدموا ما عندهم من الأموال وكذلك الذراري.
فعقد السلطان محضراً للمشورة وأحضر أكابر دولته وأكثر عساكره وشاورهم في الأمر ودار الكلام بينهم واجتمع رأيهم على الصلح بشرط أن يؤدي كل من بها من الرجال عشرة دنانير ومن النساء خمسة ويؤدي عن الطفل ديناران وأي من عجز عن الأداء كان أسيراً.
стр. 352
فأجاب الإفرنج إلى ذلك ودخل ابن بارزان والبطرك ومقدم الرواية والاستبارية في الضمان وبذل ابن بارزان ثلاثين ألف دينار عن الفقراء وسلموا البلد يوم الجمعة قبيل الظهر وقت الصلاة السابع والعشرين من رجب على هذا الشرط ولم تتفق يومئذ صلاة الجمعة لضيق الوقت وكان فيه أكثر من مائة ألف إنسان من الرجال والنساء والصبيان وأغلقت أبواب المدينة ورتب النواب لعرضهم واستخراج المال منهم ووكل بكل باب أمين ومقدم كبير يضبط من بدخل ويخرج فمن أدى ما عليه مكن من الخروج ومن لم يؤد قعد في الحبس وحصل التفريط من العمال في المال وشرعوا يواطئون الإفرنج في ذلك لارتشائهم منهم فمنهم من دلي من السور بالحبال ومنهم من ظهر مختفياً ومنهم من وقعت فيه شفاعة.
وكانت في القدس ملكة مترهبة ولها مال كثير فمن عليها السلطان بالإفرنج ولم يتعرض منها إلى شيء وكانت زوجة الملك المأسور ابنة الملك أيادي فخلصت بمن معها ومن تبعها وكذلك الابرنسانية ابنة فليب أم هنقرى أعفيت من الوزن واستطلق صاحب البيرة زهاء خمسمائة أرمني ادع إنهم من بلده وإنهم حضروا للزيارة وطلب مظفر الدين كوكبوري ألف أرمني ادعى إنهم من الزهاد فأطلقهم السلطان.
وكان السلطان قد رتب عدة دواوين في كل ديوان منها عدة من النواب المصريين ومنهم من الشاميين فمن أخذ من أحد من الدواوين خطاً بالأداء انطلق مع الطلقاء بعد عرض خطه على من الباب من الأمناء والوكلاء
وحصل من الأمناء مواطأة واختلاس كثير في المال ومع ذلك حصل لبيت المال ما يقارب مائة ألف دينار. وبقي من الإفرنج جماعة في الأسر لعدم القيام بما عليهم.
стр. 353
(ذكر يوم الفتح)
وهو يوم سابع عشري رجب - كما تقدم - واتفق فتح بيت المقدس في يوم كان مثل ليلة معراج النبي ﷺ ورفعت الأعلام الإسلامية على أسواره وجلس السلطان للقاء الأكابر والأمراء والمتصوفة والعلماء وهو جالس على هيئة التواضع وعليه الأبهة والوقار وحوله أهل العلم والفقهاء وعليهم السكينة والجلال وقد ظهر السرور على أهل الإسلام بنصرتهم على عدوهم المخذول وزينت بلاد الآلام لفتح بيت المقدس وتسامع الناس بهذا النصر والفتح فوفدوا للزيارة من سائر البلاد.
وأما الإفرنج فشرعوا في بيع أمتعتهم واستخراج ذخائرهم وباعوها بالهوان وتقاعد الناس في الشراء فابتاعوها بأرخص ثمن وكان ما يساوي عشرة دنانير يباع بأقل من دينار وأخذوا ما في كنائسهم من أواني الذهب والفضة والستور وجمع البطرك كل من كان على القبر من صفائح الذهب والفضة وجميع ما كان في القمامة فقال العماد الكاتب للسلطان هذه أموال جزيلة تبلغ مائتي ألف دينار والأمان في أموالهم لا على أموال الكنائس والديارات فلا نتركها لهم فقال السلطان إذا تأولنا عليهم نسبونا إلى الغدر فنحن نجزيهم على ظاهر الأمان ولا ندعهم يتكلمون في حق المسلمين وينسبوهم إلى الغدر والنكث بل ندعهم يثنون عنا الجميل أخذ الإفرنج ما خف حمله وتركوا ما ثقل.
وانتقل بعضهم إلى صور وبقي منهم زهاء خمسة ألفاً لم يؤدوا ما شرط عليهم فدخلوا في الرق وكان الرجال نحو سبعة آلاف فاقتسمهم المسلمون وأحصيت النساء والصبيان ثمانية لاف نسمة.
وما أصيب الإفرنج من حين خرجوا إلى الشام في سنة تسعين وأربعمائة إلى أن بمصيبة مثل هذه الواقعة ووصل المستنفرون من الكفار إلى أقصى بلاد الإفرنج
стр. 354
ومثلوا صورة المسيح ﵇ وصورة النبي ﷺ وهو بيده عصا وهو يقصد المسيح ليضربه والمسيح منهزم منه وأقاموا الشناع والغوغاء في بلادهم لذلك واشتد ملوكهم واعتدوا وجهزوا العساكر لقصد بلاد الإسلام ومحاربة الملك صلاح الدين رحمه الله تعالى
ولما استقر بيت المقدس مع المسلمين وطهره الله من المشركين سأل النصارى في الإقامة به ببذل الجزية وأن يدخلوا في الذمة فأجيبوا إلى ذلك.
ولما تسلم السلطان القدس أمر بإظهار المحراب وكان الراوية قد بنوا في جهة جداراً وتركوه هوياً وقيل اتخذوه مستراحاً وبنوا غربي القبلة داراً وسيعة وكنيسة فهدم ما قدام المحراب من الأبنية ونصب المنبر وأظهر المحراب ونقض ما أحدثوه بين السواري وفرش المسجد بالبسط وعلقت القناديل وكان يوماً مشهوداً ظهر فيه عز الإسلام وعلت كلمة الإيمان وبطلت نغمات القسس والرهبان وعلت أصوات أهل التوحيد بالقرن وخرس الناقوس وسمع الأذان وعزل الإنجيل وتول القرن وبطل ما كان بالمسجد الأقصى من الكفر والطغيان وعبد فيه الملك الديان.
وقد تقدم أن من الاتفاقات العجيبة أن محيي الدين زكي قاضي دمشق لما فتح السلطان صلاح الدين حلب في صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة مدحه بقصيدة منها:
وفتحكم حلباً بالسيف في صفر … مبشر بفتوح القدس في رجب
فكان كما قال وفتح القدس في رجب - كما تقدم - فقيل لمحيي الدين من أين لك هذا؟ فقال أخذته من تفسير ابن برجان في قوله تعالى؟ (ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) وكان الإمام أبو الحكم ابن برجان الأندلسي قد صنف تفسيره المذكور في سنة عشرين وخمسمائة وبيت المقدس إذ ذاك في يد الإفرنج لعنهم الله تعالى.
قال ابن خلكان في تاريخه - في ترجمة ابن الزكي - ولما وقفت أنا على
стр. 355
هذا البيت وهذه الحكاية لم أزل أطلب تفسير ابن برجان حتى وجدته على هذه الصورة قال ولكن رأيت هذا الفصل مكتوباً على الحاشية بخط غير الأصل ولا أدري هل كان من أصل الكتاب أم هو ملحق وذكر له حساباً طويلاً وطريقاً في استخراج ذلك حتى حرره من قوله (في بضع سنين) انتهى.
(ذكر أول خطبة بعد الفتح)
ولما فتح السلطان القدس تطاول إلى الخطابة يوم الجمعة كل واحد من العلماء الذين كانوا في خدمته حاضرين وجهز كل واحد منهم خطبة بليغة طمعاً في أن يكون هو الذي يعين لذلك والسلطان لا يعين الخطبة لأحد.
فلما دخل يوم الجمعة رابع شعبان واجتمع الناس لصلاة الجمعة حتى امتلأ الجامع ونصبت الأعلام على المنبر وتكلم الناس فيمن يخطب والأمر مبهم حتى حان الزوال وأذن المؤذن للجمعة فرسم السلطان وهو بقبة الصخرة للقاضي محيي الدين محمد بن زكي الدين علي القرشي أن يخطب وهي أول جمعة صليت بالمسجد الأقصى الشريف بعد الفتح وأعاره العماد الكاتب أهبة سوداء كانت عنده من تشريف الخلافة لبسها في الحال.
فلما رقى على المنبر استفتح بسورة الفاتحة فقرأها إلى آخرها ثم قال (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين).
ثم قرأ سورة الأنعام (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسم عنده ثم أنتم تمترون وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون).
ثم قرأ من سورة سبحان الذي أسرى (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً).
следующие страницы →