← История

История · id 6626

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط النجف

مجير الدين العليمي

Полный текст (810 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

(فتح بيت المقدس) ثم رحل السلطان من عسقلان إلى القدس الشريف وسمع خبره من في القدس فاشتد رعبهم وكان بها من مقدمي الإفرنج باليان بن بارزان والبطرك الأعظم ومن كلا الطائفتين الاستبارية والراوية وضاقت بهم منازلهم فأخذوا في تدبير أنفسهم وأيسوا وصاروا في هرج ومرج واشتد بهم الكرب. وأقبل السلطان بعساكر الإسلام وهو في أبهته وهيئته المرهب ونزل على القدس الشريف من جهة الغرب يوم الأحد خامس عشر رجب وكان في القدس يومئذ ستون ألف مقتل من الإفرنج وقد وقفوا دون البلد للمبارزة وقاتلوا أشد القتال واستمر الحربين الفريقين فانتقل السلطان يوم الجمعة لعشرين من رجب إلى الجانب الشمالي وخيم هناك وضيق على الإفرنج ونصب المناجيق ورمى بها حتى تهدم غالب السور ثم أخذ المسلمون في نقب السور مما يلي وادي جهنم واشتد القتال وتباشر أهل الإسلام بالفتح (وكان يوماً عسيراً على الكافرين غير يسير). فبرز من الإفرنج ابن بارزان ليطلب الأمان من السلطان فلم يجبه السلطان إلى ذلك وقال لا خذها إلا بالسيف مثل ما أخذها الإفرنج من المسلمين. فتعرضوا للتضرع وعاودوه في طلب الأمان وعرفوه ما هم عليه من الكثرة وإنهم إن آيسوا من الأمان قاتلوا خلاف ذلك ولا يحرج أحد منهم حتى يجرح عشرة ويخربوا الدور وقبة الصخرة ويقتلوا كل من عندهم من أسارى المسلمين - وهم ألوف - ويعدموا ما عندهم من الأموال وكذلك الذراري. فعقد السلطان محضراً للمشورة وأحضر أكابر دولته وأكثر عساكره وشاورهم في الأمر ودار الكلام بينهم واجتمع رأيهم على الصلح بشرط أن يؤدي كل من بها من الرجال عشرة دنانير ومن النساء خمسة ويؤدي عن الطفل ديناران وأي من عجز عن الأداء كان أسيراً.

стр. 352

فأجاب الإفرنج إلى ذلك ودخل ابن بارزان والبطرك ومقدم الرواية والاستبارية في الضمان وبذل ابن بارزان ثلاثين ألف دينار عن الفقراء وسلموا البلد يوم الجمعة قبيل الظهر وقت الصلاة السابع والعشرين من رجب على هذا الشرط ولم تتفق يومئذ صلاة الجمعة لضيق الوقت وكان فيه أكثر من مائة ألف إنسان من الرجال والنساء والصبيان وأغلقت أبواب المدينة ورتب النواب لعرضهم واستخراج المال منهم ووكل بكل باب أمين ومقدم كبير يضبط من بدخل ويخرج فمن أدى ما عليه مكن من الخروج ومن لم يؤد قعد في الحبس وحصل التفريط من العمال في المال وشرعوا يواطئون الإفرنج في ذلك لارتشائهم منهم فمنهم من دلي من السور بالحبال ومنهم من ظهر مختفياً ومنهم من وقعت فيه شفاعة. وكانت في القدس ملكة مترهبة ولها مال كثير فمن عليها السلطان بالإفرنج ولم يتعرض منها إلى شيء وكانت زوجة الملك المأسور ابنة الملك أيادي فخلصت بمن معها ومن تبعها وكذلك الابرنسانية ابنة فليب أم هنقرى أعفيت من الوزن واستطلق صاحب البيرة زهاء خمسمائة أرمني ادع إنهم من بلده وإنهم حضروا للزيارة وطلب مظفر الدين كوكبوري ألف أرمني ادعى إنهم من الزهاد فأطلقهم السلطان. وكان السلطان قد رتب عدة دواوين في كل ديوان منها عدة من النواب المصريين ومنهم من الشاميين فمن أخذ من أحد من الدواوين خطاً بالأداء انطلق مع الطلقاء بعد عرض خطه على من الباب من الأمناء والوكلاء وحصل من الأمناء مواطأة واختلاس كثير في المال ومع ذلك حصل لبيت المال ما يقارب مائة ألف دينار. وبقي من الإفرنج جماعة في الأسر لعدم القيام بما عليهم.

стр. 353

(ذكر يوم الفتح) وهو يوم سابع عشري رجب - كما تقدم - واتفق فتح بيت المقدس في يوم كان مثل ليلة معراج النبي ﷺ ورفعت الأعلام الإسلامية على أسواره وجلس السلطان للقاء الأكابر والأمراء والمتصوفة والعلماء وهو جالس على هيئة التواضع وعليه الأبهة والوقار وحوله أهل العلم والفقهاء وعليهم السكينة والجلال وقد ظهر السرور على أهل الإسلام بنصرتهم على عدوهم المخذول وزينت بلاد الآلام لفتح بيت المقدس وتسامع الناس بهذا النصر والفتح فوفدوا للزيارة من سائر البلاد. وأما الإفرنج فشرعوا في بيع أمتعتهم واستخراج ذخائرهم وباعوها بالهوان وتقاعد الناس في الشراء فابتاعوها بأرخص ثمن وكان ما يساوي عشرة دنانير يباع بأقل من دينار وأخذوا ما في كنائسهم من أواني الذهب والفضة والستور وجمع البطرك كل من كان على القبر من صفائح الذهب والفضة وجميع ما كان في القمامة فقال العماد الكاتب للسلطان هذه أموال جزيلة تبلغ مائتي ألف دينار والأمان في أموالهم لا على أموال الكنائس والديارات فلا نتركها لهم فقال السلطان إذا تأولنا عليهم نسبونا إلى الغدر فنحن نجزيهم على ظاهر الأمان ولا ندعهم يتكلمون في حق المسلمين وينسبوهم إلى الغدر والنكث بل ندعهم يثنون عنا الجميل أخذ الإفرنج ما خف حمله وتركوا ما ثقل. وانتقل بعضهم إلى صور وبقي منهم زهاء خمسة ألفاً لم يؤدوا ما شرط عليهم فدخلوا في الرق وكان الرجال نحو سبعة آلاف فاقتسمهم المسلمون وأحصيت النساء والصبيان ثمانية لاف نسمة. وما أصيب الإفرنج من حين خرجوا إلى الشام في سنة تسعين وأربعمائة إلى أن بمصيبة مثل هذه الواقعة ووصل المستنفرون من الكفار إلى أقصى بلاد الإفرنج

стр. 354

ومثلوا صورة المسيح ﵇ وصورة النبي ﷺ وهو بيده عصا وهو يقصد المسيح ليضربه والمسيح منهزم منه وأقاموا الشناع والغوغاء في بلادهم لذلك واشتد ملوكهم واعتدوا وجهزوا العساكر لقصد بلاد الإسلام ومحاربة الملك صلاح الدين رحمه الله تعالى ولما استقر بيت المقدس مع المسلمين وطهره الله من المشركين سأل النصارى في الإقامة به ببذل الجزية وأن يدخلوا في الذمة فأجيبوا إلى ذلك. ولما تسلم السلطان القدس أمر بإظهار المحراب وكان الراوية قد بنوا في جهة جداراً وتركوه هوياً وقيل اتخذوه مستراحاً وبنوا غربي القبلة داراً وسيعة وكنيسة فهدم ما قدام المحراب من الأبنية ونصب المنبر وأظهر المحراب ونقض ما أحدثوه بين السواري وفرش المسجد بالبسط وعلقت القناديل وكان يوماً مشهوداً ظهر فيه عز الإسلام وعلت كلمة الإيمان وبطلت نغمات القسس والرهبان وعلت أصوات أهل التوحيد بالقرن وخرس الناقوس وسمع الأذان وعزل الإنجيل وتول القرن وبطل ما كان بالمسجد الأقصى من الكفر والطغيان وعبد فيه الملك الديان. وقد تقدم أن من الاتفاقات العجيبة أن محيي الدين زكي قاضي دمشق لما فتح السلطان صلاح الدين حلب في صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة مدحه بقصيدة منها: وفتحكم حلباً بالسيف في صفر … مبشر بفتوح القدس في رجب فكان كما قال وفتح القدس في رجب - كما تقدم - فقيل لمحيي الدين من أين لك هذا؟ فقال أخذته من تفسير ابن برجان في قوله تعالى؟ (ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) وكان الإمام أبو الحكم ابن برجان الأندلسي قد صنف تفسيره المذكور في سنة عشرين وخمسمائة وبيت المقدس إذ ذاك في يد الإفرنج لعنهم الله تعالى. قال ابن خلكان في تاريخه - في ترجمة ابن الزكي - ولما وقفت أنا على

стр. 355

هذا البيت وهذه الحكاية لم أزل أطلب تفسير ابن برجان حتى وجدته على هذه الصورة قال ولكن رأيت هذا الفصل مكتوباً على الحاشية بخط غير الأصل ولا أدري هل كان من أصل الكتاب أم هو ملحق وذكر له حساباً طويلاً وطريقاً في استخراج ذلك حتى حرره من قوله (في بضع سنين) انتهى. (ذكر أول خطبة بعد الفتح) ولما فتح السلطان القدس تطاول إلى الخطابة يوم الجمعة كل واحد من العلماء الذين كانوا في خدمته حاضرين وجهز كل واحد منهم خطبة بليغة طمعاً في أن يكون هو الذي يعين لذلك والسلطان لا يعين الخطبة لأحد. فلما دخل يوم الجمعة رابع شعبان واجتمع الناس لصلاة الجمعة حتى امتلأ الجامع ونصبت الأعلام على المنبر وتكلم الناس فيمن يخطب والأمر مبهم حتى حان الزوال وأذن المؤذن للجمعة فرسم السلطان وهو بقبة الصخرة للقاضي محيي الدين محمد بن زكي الدين علي القرشي أن يخطب وهي أول جمعة صليت بالمسجد الأقصى الشريف بعد الفتح وأعاره العماد الكاتب أهبة سوداء كانت عنده من تشريف الخلافة لبسها في الحال. فلما رقى على المنبر استفتح بسورة الفاتحة فقرأها إلى آخرها ثم قال (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين). ثم قرأ سورة الأنعام (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسم عنده ثم أنتم تمترون وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون). ثم قرأ من سورة سبحان الذي أسرى (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً).

стр. 356

ثم قرأ من سورة الكهف - أولها - (الحمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيما لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات إن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً). ثم قرأ من سورة النمل (وقل الحمد لله وسلام على عبادة الذين اصطفى الله خير مما يشركون). ثم قرأ من سور ة سبأ (الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير). ثم قرأ من سورة فاطر (الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنح مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم). ثم شرع في الخطبة فقال الحمد لله معز الإسلام بنصره ومذل الشرك بقهره ومصرف الأمور بأمره ومديم النعم بشكره ومستدرج الكفار بمكره الذي قدر الأيام دولا بعدله وجعل العاقبة للمتقين بفضله وأفاء على عبادة من ظله وأظهر دينه على الدين كله القاهر فوق عباده فلا يمانع والظاهر على خليفته فلا ينازع والآمر بما يشاء فلا يراجع والحاكم بما يريد فيما يدافع أحمده على أظفاره وإظهاره وإعزازه لأوليائه ونصره لأنصاره وتطهير بيته المقدس من أدناس الشرك وأوضاوه حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر جهاره واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد شهادة من طهر بالتوحيد قلبه وأرض به ربه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله رافع الشك وداحض الشرك ورافض الإفك الذي أسرى به ليلاً

стр. 357

من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأقصى وعرج به منه إلى السماوات العلى (إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى) ﷺ وعلى خليفته أبي بكر الصديق السابق إلى الإيمان وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت شعائر الصلبان وعل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك ومكسر الأوثان وعل له وأصحابه والتابعين لهم بإحسان. أيها الناس أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى والدرجة العليا لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة من الأنة الضالة وردها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدي المشركين قريباً من مائة عام وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه وإماطة الشرك عن طرقه بعد أن امتد عليها رواقه واستقر فيها رسمه ورفع قواعده بالتوحيد فإنه بني عليه وسيد بنيانه بالتمجيد فإنه أسس على التقوى من خلفه ومن بين يديه فهو موطن أبيكم إبراهيم ومعراج نبيكم ﵊ وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام وهو مقر الأنبياء ومقصد الأولياء ومدفن الرسل ومهبط الوحي ومنزل به الأمر والنهي وهو أرض المحشر وصعيد المنشر وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله في كتابه المبين وهو المسجد الأقصى الذي صلى فيه رسول الله ﷺ بالملائكة المقربين وهو البلد الذي بعث الله إليه عبده ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروحه عيسى الذي أكرمه برسالته وشرفه بنبوته ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته فقال تعالى ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيداً ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى

стр. 358

عما يشركون لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن الأرض جميعاً ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير﴾. وهو أول القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه فلولا إنكم ممن اختاره الله من عباده واصطفاكم من سكان بلاده لما خصكم الله بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مجار ولا يباريكم في شرفها مبار فطوبى لكم من جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية والوقعات البدرية والعزمات الصديقية والفتوحات العمرية والجيوش العثمانية والفتكات العلوية جددتم للإسلام أيام القادسية والملاحم اليرموكية والمنازلات الخيبرية والهجمات الخالدية فجزا كم الله عن نبيه محمد ﷺ أفضل الجزاء وشكر لكم ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الأعداء وتقبل منكم ما تقربتم به إليه من إهراق الدماء وأثابكم الجنة فهي دار السعداء فاقدروا رحمكم الله هذه النعمة حق قدرها وقوموا لله قانتين بواجب شكرها فله تعالى المنة عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة وترشيحكم لهذه الخدمة فهذا هو الفتح الذي فتحت له أبواب السماء وتبلجت بأنوارها وجوده الظلماء وابتهج به الملائكة المقربون وقر به عينا الأنبياء والمرسلون فماذا عليكم من النعمة أن جعلكم الجيش الذي يفتح على يديه البيت المقدس في آخر الزمان والجند الذي تقوم بسيوفهم بعد فترة من النبوة أعلام الإيمان فيوشك

стр. 359

أن يفتح الله على أيديكم أمثاله وأن يكون التهاني لأهل الخضراء أكثر من التهاني لأهل الغبراء أليس هو البيت الذي ذكره الله في كتابه ونص عليه في محكم خطابه فقال تعالى (سبحان الذي أسر بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير)؟ أليس هو البيت الذي عظمته الملل وأثنت عليه الرسل وتليت فيه الكتب الأربعة المنزلة من الله ؟ أليس هو البيت الذي امسك الله تعالى لأجله الشمس على يوشع أن تغرب وباعد بين خطواتها ليتيسر فتحه ويقرب؟ أليس هو البيت الذي أمر الله موسى أن يأمر قومه باستنقاذه فلم يجبه إلا رجلان وغضب الله عليهم لأجله فألقاهم في التيه عقوبة للعصيان؟ فاحمدوا الله الذي أمض عزائمكم لما نكلت عنه بنو إسرائيل وقد فضلت على العالمين ووفقكم لما خذلت فيه أمم كانت قبلكم من الأمم الماضين وجمع لأجله كلمتكم وكانت شتى وأغناكم بما امضته كان وقد عن سوف وحتى فليهنكم إن الله قد ذكركم به فيمن عنده وجعلكم بعد أن كنتم جنوداً لا هويتكم جنده وشكر لكم الملائكة المنزلون على ما أهديتم لهذا البيت من طيب التوحيد ونشر التقديس والتمجيد وما أمطتم عن طرقهم فيه من أذى الشرك والثليث والاعتقاد الفاجر الخبيث فالآن تستغفر لكم أملاك السماوات وتصلي عليكم الصلوات المباركات فاحفظوا رحمكم الله هذه الموهبة فيكم واحرسوا هذه النعمة عندكم بتقوى الله التي من تمسك بها وسلم ومن اعتصم بعروتها نجا وعصم وأحذروا من أتباع الهوى ومواقعة الردى ورجوع القهقري والنكول عن العدى وأخذوا في انتهاز الفرصة وإزالة ما بقي من الغصة وجاهدوا في الله حق جهاده وبيعوا عباد الله أنفسكم في رضاه إذ جعلكم من خيار عباده وإياكم أن يستزلكم الشيطان وأن يتداخلكم الطغيان فيخبل لكم إن هذا النصر بسيوفكم الحداد وخيولكم الجياد وبجلادكم في مواطن الجلاد لا والله ما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم فاحذروا

стр. 360

عباد الله بعد أن شرفكم الله بهذا الفتح الجليل والمنح الجزيل وخصكم بنصره المبين وأعلق أيديكم بحبله المتين إن تقترفوا كبيراً من مناهيه وإن تأتوا عظيماً من معاصيه (فتكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً وكالذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين) والجهاد الجهاد فهو من أفضل عباداتكم وأشرف عاداتكم انصروا الله ينصركم احفظوا الله يحفظكم أذكروا الله يذكر كم اشكروا الله يزدكم ويشكركم خذوا في حسم الداء وقطع شأفة الأعداء وطهروا بقي الأرض من هذه الأنجاس التي أغضبت الله ورسوله وأقطعوا فروع الكفر واجتثوا أصوله فقد نادت الأيام بالثارات الإسلامية والملة المحمدية الله أكبر فتح الله ونصر غلب الله وقهر أذل الله من كفر وأعلموا رحمكم الله إن هذه فرصة فانتهزوها فريسة فناجزوها وغنيمة فحوزوها ومهمة فأخرجوا لها هممكم وأبرزوها وسيروا إليها سرايا عزماتكم وجهزوها فالأمور بأواخرها والمكاسب بذخائرها فقد أظفركم الله بهذا العدو المخذول وهو مثلكم أو يزيدون فكيف وقد أضحى قبالة الواحد منهم منكم عشرون فقد قال تعالى (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين) أعاننا الله وإياكم على اتباع أوامره والازدجار بزواجره وأيدنا معاشر المسلمين بنصر من عنده (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده) إن أشرف مقال يقال في مقام وأنفذ سهام تمزق عن قس الكلام وامض قول تحل به الإفهام كلام الواحد الفرد العزيز العلام قال الله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر

стр. 361

ما ظننتم أن تخرجوا وظنوا إنهم ما نعتهم حصوتهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار). ثم قال آمركم وإياي عباد الله بما أمر الله به من حسن الطاعة فأطيعوه وأنهاكم وإياي عما نهى الله عنه من قبح المعصية فلا تعصوه أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه. ثم خطب الخطبة الثانية على عادة الخطباء مقتصرة ثم دعا للإمام الناصر خليفة العصر ثم قال: اللهم وأدم سلطان عبدك الخاضع لهيبتك الشاكر لنعمتك المعترف بموهبتك سيفك القاطع وشهابك اللامع والمحامي عن دينك المدافع والذاب عن حرمك الممانع السيد الأجل الملك الناصر جامع كلمة الإيمان وقامع عبدة الصلبان صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين مطهر البيت المقدس من أيدي المشركين أبي المظفر يوسف بن أيوب محيي دولة أمير المؤمنين اللهم عم بدولته البسيطة واجعل ملائكتك براياته محيطة وأحسن عن الدين الحنيفي جزاءه وأشكر عن الملة المحمدية عزمه ومضاءه اللهم ابق للإسلام مهجته ووف للإيمان حوزته وانشر في المشارق والمغارب دعوته اللهم كما فتحت على يديه البيت المقدس بعد أن ظننت الظنون وابتلى المؤمنون فافتح على يديه داني الأرض وقاصيها وملكه صياصي الكفرة ونواصيها فلا تلقاه منهم كتيبة إلا مزقها ولا جماع إلا فرقها ولا طائفة بعد طائفة إلا ألحقها بمن سبقها اللهم أشكر عن محمد ﷺ سعيه وأنفذ في المشارق والمغارب أمره ونهيه اللهم وأصلح به أوساط البلاد أطرافها وأرجاء المماليك وأكنافها اللهم ذلل به معاطس الكفار وأرغم به أنوف الفجار وأنشر ذوائب ملكه على الأمصار وابثث سرايا جنوده في سبل الأقطار. اللهم أثبت الملك فيه وفي عقبه إلى يوم الدين واحفظه في بنيه الغر الميامين وإخوانه

стр. 362

أولي العزم والتمكين، وشد عضده ببقائهم، واقض باعزاز أوليائه وأوليائهم. اللهم كما أجريت على يده في الإسلام هذه الحسنة التي تبقى على الأيام، وتتجدد على ممر الشهور والأعوام، فارزقه الملك الأبدي الذي لا ينفد في دار المتقين، وأجب دعاءه في قوله (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين). ثم دعا بما جرت بها العادة، ونزل وصلى. ولما قضيت الصلاة انتشر الناس، وكان قد نصب سرير الوعظ تجاه القبلة فجلس عليه الشيخ زين الدين أبو الحسن علي بن نجا الأنصاري الحنبلي المعروف بابن نجية وعقد مجلسا للوعظ، وكان واعظا حسنا بليغا. وصلى السلطان الجمعة في قبة الصخرة، وكانت الصفوف ملئ الصحن. ثم رتب في المسجد الأقصى الشريف خطيبا. وكان الملك العادل نور الدين الشهيد قد عزم على فتح بيت المقدس وعمل منبرا بحلب وتعب عليه مدة وقال: فأرسل السلطان صلاح الدين من أحضر المنبر من حلب وجعله في المسجد الأقصى، وهو الموجود في عصرنا هذا. وأما الصخرة فقد كان الإفرنج بنوا عليها كنيسة ومذبحا وجعلوا فيها الصور والتماثيل، فأمر السلطان بكشفها ونقض البناء المحدث فيها، وأعادها كما كانت ورتب لها إماما حسن القراءة، ووقف عليها دارا وأرضا، وحمل إليها وإلى محراب المسجد الأقصى مصاحف وختمات وربعات شريفة، ورتب للصخرة وللمسجد الأقصى خدمة. وكان الإفرنج قد قطعوا من الصخرة قطعا وحملوا منها إلى قسطنطينية ونقلوا منها إلى صقلية، قيل: باعوها بوزنها ذهبا. ولما فتح السلطان القدس كان على رأس قبة الصخرة صليب كبير مذهب فتسلق المسلمون وقلعوه، فسمع لذلك ضجة لم يعهد مثلها من المسلمين للفرح والسرور.

стр. 363

ثم شرع السلطان في العمارة وأمر بترخيم محراب الأقصى وكتب عليها بالفصوص المذهبة ما قراءته بسم الله الرحمن الرحيم أمر بتجديد هذا المحراب المقدس وعمارة المسجد الأقصى الذي هو على التقى مؤسس عبد الله ووليه يوسف بن أيوب أبو المظفر الملك الناصر صلاح الدنيا والدين عندما فتحه الله على يديه في شهور سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وهو يسأل الله ايزاعه شكر هذه النعمة وإجزال حظه من المغفرة والرحمة. وشرع ملوك بني أيوب في فعل الآثار الجميلة بالمسجد الأقصى منهم الملك العادل سيف الدين أبو بكر أخو السلطان. وأما الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه فإنه فعل فعلاً حسناً وهو إنه حضر في قبة الصخرة مع جماعة وتول بيده كنس أرضها ثم غسلها بالماء مراراً ثم اتبع الماء بماء الورد وطهر حيطانها وغسل جدرانها وبخرها ثم فرق مالاً عظيماً على الفقراء وكذلك الملك الأفضل نور الدين علي والملك العزيز عثمان فعلا فيه أنواعاً من البر والخير ووضع الأسلحة برسم المجاهدين في سبيل الله. (محراب داود ﵇ وغيره من المشاهد) أما محراب داود ﵇ فهو خارج المسجد الأقصى في حصن عند باب المدينة وهو القلعة وكان الوالي يقيم بهذا للحصن ويعرف هذا الباب قديماً بباب المحراب والآن بباب الخليل فاعتني السلطان بأحواله ورتب له إماماً ومؤذنين وقواماً وأمر بعمارة جميع المساجد والمشاهد وكان موضع هذه القلعة دار داود ﵇. وكان الملك العادل نازلاً في كنيسة صهيون وأجناده في خيامهم على بابها وفاوض السلطان جلساءه من العلماء في مدرسة للفقهاء الشافعي ورباط للصلحاء الصوفية فعين للمدرسة الكنيسة المعروفة بصندحة فيقال إن فيها قبر حنة أم

стр. 364

مريم وهي عند باب الأسباط وعين لرباط دار البطرك وهي بقرب كنيسة قمامة وبعضها راكب على ظهر قمامة ووقف عليهما أوقافاً حسنة وأمر بإغلاق كنيسة قمامة ومنع النصارى من زيارتها وأشار عليه بعض أصحابه بهدمها. ومنهم من أشار بعدم الهدم لأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لما فتح بيت المقدس أقرهم عليها ولم يهدمها. وأقام السلطان على القدس على تسلم ما بقي بها من الحصون ورحل الملك الأفضل إلى عكا ثم تبعه الملك المظفر إلى عكا أيضاً. ثم أن السلطان فرق ما جمعه على مستحقيه من الجند والفقهاء والفقراء والشعراء فقيل له لو ادخرت هذا المال لأمر يحدث فقال أملي بالله قوي وجمع الأسارى - كانوا الوفا من المسلمين - فكساهم وأحسن إليهم وذهب كل منهم إلى وطنه. ومكث السلطان على القدس ينظر في مصالحه وكان في خدمته الأمير علي بن أحمد المشطوب وكان معه (أهل) صيدا وبيروت وهما بقرب صور وخاف أن يفوته فتحها وكان يحث السلطان على المسي إليها وكان المركيس عند اشتغال المسلمين بالقدس شرع في أحكام سور حصنها وجعل لها خندقاً وضيق طريقها. وكتب السلطان إلى الخليفة الناصر لدين الله يعلمه بالفتح وكتب أيضاً إلى الآفاق رسائل من إنشاء العماد الكاتب فيها من البلاغة والألفاظ الفائقة ما لا يقدر عليه غيره. (ذكر رسالة السلطان للخليفة) وكانت الرسالة إلى الخليفة على يد ضياء الدين بن الشهرزوري يخط القاضي الفاضل من إنشائه وهي أدام الله أيام الديوان العزيز النبوي ولا زال مظفر الجد بكل جاحد غنياً بالتوفيق عن رأي كل رائد موقوف المساعي على اقتناء مطلقات

стр. 365

المحامد مستيقظ النصر والنصل في جفنه راقد وأراد الجود والسحاب على الأرض غير وارد متعدد مساعي الفضل وإن كان لا يلقى إلا بشكر واحد ماضي حكم العدل بعزم لا يمضي إلا بنبل غوى وريش راشد ولا زالت غيوث فضله إلى الأولياء أنواء إلى المرابع وأنوار إلى المساجد وبعوث رعبه إلى الأعداء خيلاً إلى المراقب وخيالاً إلى المراقد كتب الخادم هذه الخدمة تلو ما صدر عنه مما كان يجري مجر التباشير لصبح هذه الخدمة والعنوان لكتاب وصف هذه النعمة فإنها بحر فيه للأقلام سبح طويل ولطف لتحمل الشكر فيه عبء ثقيل وبشر للخواطر في شرحها مآرب ويسر للأسرار في إظهار مشارب والله تعالى في إعادة شكره رضا وللنعمة الراهنة به دوام لا يقال معه هذا مضي ولقد صارت أمور الإسلام إلى أحسن مصائرها واستثبتت عقائد أهله على أبين بصائرها وتقلص ظل رجاء الكافر المبسوط وصدق الله أهل دينه فلما وقع الشرط وقع المشروط وكان الدين غريباً فهو الآن في وطنه والفوز معروضاً فقد بذلت الأنفس في ثمنه وأمر أمر الحق وكان مستضعفاً وأهل ربعه وكان قد عيف حين عفا وحجاء أمر أمر الله وأنوف أهل الشرك راغمة وادلجت السيوف إلى الآجال وهي نائمة وصدق وعد الله في إظهار دينه على كل دين واستطارت له أنوار أبانت أن الصباح عندها حسان الجبين واسترد المسلمون تراثاً كان عنهم آبقاً وظفروا يقظة بما لم يصدقوا إنهم يظفرون به طيفاً على النأي طارقا واستقرت على الأعلام أقدامهم وخفقت على الأقصى أعلامهم وتلاق على الصخرة قبيلهم وشفيت بها وأن كانت صخرة كما يشفى بالماء غليلهم ولما قدم الدين عليها عرق منها سويداء قلبه وهنا كفؤها الحجر الأسود بيت عصمتها من الكافر بحربه وكان الخادم لا يسعى سعيه إلا لهذه العظمى ولا يقاسي تلك البؤسى إلا رجاء هذه النعمى ولا يحارب من يستظلمه في حربه ولا يعاتب بأطراف القنا من يتفادى في عتبه إلا لنكون الكلمة مجموعة فتكون كلمة الله هي العليا وليفوز بجوهر الآخرة لا بالعرض الأدنى

стр. 366

من الدنيا وكانت الألسن ربما سلقته فأنضج قلوبها بالاحتقار وكانت الخواطر ربما غلت عليه مراجلها فأطفأها بالاحتمال والاصطبار ومن طلب خطيراً خاطر ومن رام صفقة رابحة جاسر ومن سما لأن يجلي غمرة غامر وإلا فإن العقود تلين تحت نيوب الأعداء المعاجم فيعظها وتضعف في أيديها مهز القوائم فيفضها هذا إلى كون القعود لا يقضي به فرض الله في الجهاد ولا يراعى به حق الله في العباد ولا يوفي به واجب التقليد الذي تطوقه الخادم من أئمة قضوا بالحق وكانوا به يعدلون خلفاء الله كانوا في مثل هذا اليوم لله يسألون لا جرم إنهم أورثوا أسرارهم وسريرهم خلفهم الأطهر ونجلهم الأكبر وبقيتهم الشريفة وطليعتهم المنيفة وعنوان صحيفة فضلهم لا عدم سواد القلم وبياض الصحيفة فما غابوا لما حضر ولا غضوا لما نظر بل وصلهم الأجر لما كان به موصولاً وشاطروه العمل لما كان عنه مسؤلاً ومنه مقبولا وخلص إليهم إلى المضاجع ما اطمأنت به جنوبه وإلى الصفائح ما عبقت به جيوبها وفاز منها بذكر لا يزال الليل به سميراً والنهار به بصيراً والشرق يهتدي بأنواره بل أن أبدي نوراً في ذاته هتف به الغرب بأن واره فإنه لا تكنه اغساق السدف وذكر لا توازيه أوراق الصحف وكتب الخادم هذا وقد أظفر الله بالعدو الذي تشظت قناته شققا وطارت من فرقة فرقا وفل سيفه فصار عصا وصدعت حصاته وكان الأكثر عدداً وحصا وكلت حملاته وكان قدراً يضرب فيه العنان بالعنان وعقوبة من الله ليس لصاحب بدنها يدان عثرت قدمه وكانت الأرض لها حليفة وغضت عينه وكانت عيون السبوف دونها كثيفة ونام جفن سيفه وكانت يقظته تريق لطف الكرى من الجفون وجدعت أنوف رماحه وطالما كانت شامخة بالمنا أو راعفة بالمنون وأصبحت الأرض المقدسة الطاهرة وكانت الطامث والرب الفرد الواحد وكان عندهم الثالث وبيوت الكفر مهدومة ونيوب الشرك مهتومة وطوائفه المحامية مجمعة على تسليم القلاع الحامية وشجعانه المتوافية مذعنة لبذل القطائع الوافية

стр. 367

لا يرون في ماء الحديد لهم عصره ولا في نار الأنفة لهم نصره قد ضربت عليهم الذلة والمسكنة وبدل الله مكان السيئة الحسنة ونقل بيت عبادته من أيدي أصحاب المشئمة إلى أيدي أصحاب الميمنة وكان الخادم لقيهم اللقاءة الأولى فأمده الله بمداركته وأنجده بملائكته فكسرهم كسرة ما بعدهم جبر وصرعهم صرعة لا ينتعش بعدها بمشيئة الله كفر وأسر منهم ممن أسرت به السلاسل وقتل منهم من فتكت به المناصل وأجلت المعركة عن صرع من الخيل والسلاح والكفار وعن المصاف بخيل فإن قتلهم بالسيوف الأفلاق والرماح الاكسار فنيلوا بثار من السلاح ونالوه أيضاً بثار فكم أهلة سيوف تقارض الضراب بها حتى عادت كالعراجين وكم أنجم قنا تبادلت الطعان حتى صارت كالمطاعين وكم فارسية ركض عليها فارسها الشهم إلى أجل فاختلسه وفغرت تلك القوس فاها فإذا قوها قد نهش القرن على بعد المسافة وافترسه وكان اليوم مشهوداً وكانت الملائكة شهوداً وكان الصليب صارخاً وكان الإسلام مولوداً وكانت ضلوع الكفار لنار جهنم وقوداً واسر الملك وبيده أوثق وثاقه وآكد وصله بالدين وعلائقه وهو صليب الصلبوت وقائد أهل الجبروت ما دهموا قطب أمر إلا وقام بين دهمائهم يبسط لهم باعه فكان مد اليدين في هذه الوقع وداعه لا جرم إنه تتهافت على ناره فراشهم ويجتمع في ظل ظلاله خشاشهم ويقاتلون تحت ذلك الصليب أصلب قتال وأصدقه ويرونه ميثاقاً يبنون عليه أشد عقد وأوثقه ويعدونه سوراً تحفر حوافر الخيل خندقه وفي هذا اليوم أسرت سراتهم ودهيت دهاتهم ولم يفلت منهم معروف إلا القومص وكان لعنه الله ملباً يوم الظفر بالقتال وملياً يوم الخذلان بالاحتيال فنجا ولكن كيف وطار خوفاً من أن يلحقه منسر الرمح أو جناح السيف ثم أخذه الله بعد أيام بيده وأهلكه لموعده فكان لعدتهم فذا لك وانتقل من ملك الموت إلى مالك وبعد الكسرة مر الخادم على البلاد فطواها بما نشر عليها من الراية العباسية السوداء صبغا البيضاء

стр. 368

صنعاً الخافقة هي وقلوب أعدائها الغالبة هي وعزائم أوليائها المستضاء بأنوارها إذا فتح عينها النشر وأشارت بأنامل العذبات إلى وجه النصر فافتتح بلاد كذا وكذا وهذه كلها أمصار ومدن وقد تسمى البلاد بلاداً وهي مزارع وفدن وكل هذه ذوات معاقل ومعاقر وبحار وجزائر وجوامع ومنابر وجموع وعساكر يتجاوزها الخادم بعد أن يحرزها ويتركها وراءه بعد أن ينتهزها ويحصد منها كفراً ويزرع إيماناً ويحطمن منابر جوامعها صلباناً ويرفع أذانا ويبدل المذابح منابر والكنائس مساجد ويبوئ أهل القرن بعد أهل الصلبان للقتال عن دين الله مقاعد ويقر عينه وعيون أهل الإسلام أن يعلق النصر منه ومن عسكره بجار ومجرور وإن يظفر بكل سور ما كان يخاف زلزاله ولا زياله إلى يوم النفخ في الصور ولما لم يبق غلا القدس وقد اجتمع إليه كل شريد منهم وطريد واعتصم بمنعته كل قريب منهم وبعيد وظنوا إنها من الله ما نعتهم وأن كنيستها إلى الله شافعتهم فلما نزلها الخادم رأى بلداً كبلاد وجمعاً كيوم التناد وعزائم قد تألت وتألفت على الموت فنزلت بعرصته وهان عليها مورد السيف وأن تموت بغصته فداور البلد من جانب فإذا أودية عنيقة ولجج وعر غريقة وسور قد انعطف عطف السوار وابرجة قد نزلت مكان الواسطة من عقد الدار فعدل إلى جهة أخرى كان للمطامع عليها معرج وللخيل فيها متولج فنزل عليها وأحاط بها وقرب منها وضرب خيمته بحيث يناله السلاح بأطرافه ويزاحمه السور بأكتافه وقابلها ثم قاتلها ونزلها ثم نازلها وبرز إليها ثم بارزها وحاصرها ثم ناجزها وضمها ضمة ارتقب بعدها الفتح وصدء جمعها فإذا هم لا يبصرون على عبودية الحد عن عنق الصفح فراسلوه ببذل فطيعة إلى مدة وقصدوا نظرة من شدة وانتظار النجدة فعرفهم الخادم في لحن القول وأجابهم بلسان الطول وقدم المنجنيقات التي تتول عقوبات الحصون عصيها وحبالها وأوتر لهم قسيها التي ترمي ولا تفارقها سهامها ولكن تفارق سهامها نصالها فصافحت السور فإذا

стр. 369

سهمها في ثنايا شرفاتها سواك وقدم النصر نسراً من المنجنيق يخلد إخلاده إلى الأرض ويعلو علوه إلى السماك فأناخ مرابع أبراجها واسمع صوت عجيجها صم أعلاجها ورفع المدارع ما بين العنق إلى المرفق مثار عجاجها فأجل السور من السيارة والحرب من النظارة فأمكن النقاب أن يسفر للحرب النقاب وإن يعيد الحجر إلى سيرته الأولى من التراب فتقدم إلى الصخرة فمضغ سرده بأنياب معوله وحل عقده بضربه الأخرق الدال على لطافة أنمله واسمع الصخرة الشريفة أنينه باستقالته أل أن كادت ترق لمقالته وتبرأ بعض الحجارة من بعض وأخذ الحراب عليها موثقاً فلن يبرح الأرض وفتح من السور باباً سد من نجاتهم أبواباً وأخذ يفت في حجرة فقال عنده الكافر يا ليتني كنت تراباً فحينئذ يئس الكافر من أصحاب الدور كما يئس الكفار من أصحاب القبور وجاء أمر الله وغرهم بالله الغرور وفي الحال خرج طاغية كفرهم وزمام أمرهم ابن بارزان سائلا أن تؤخذ البلد بالسلم لا بالعنوة وبالأمان لا بالسطوة وألق بيده إلى التهلكة وعلاه ذل الهلكة بعد عز المملكة وطرح جنبه على التراب وكان جنباً لا يتعاطاه طارح وبذل مبلغاً من القطيعة لا يطمح جنبه على التراب وكان جنباً لا يتعاطاه طارح وبذل مبلغاً من القطيعة لا يطمح إليه أمل طامح وقال هاهنا أساري مسلمون يتجاوزون الألوف وقد تعاقد الإفرنج على إنه أن هجمت عليهم الدار وحملت الحروب على ظهورهم الأوزار بدئ بهم فعجلوا وثن بنساء الإفرنج وأطفالهم فقتلوا ثم استقلوا بعد ذلك فلا يقتل خصم إلا بعد أن ينتصف ولا يفك سيف من يد إلا بعد أن تقطع أو ينقصف فأشار الأمراء بأخذ الميسور من البلد المأسور فإنه لو أخذ حرباً فلا بد أن يقتحم الرجال الأنجاد وتبذل نفوسها في آخر أمر قد نيل من أوله المراد وكانت الجراح في العساكر قد تقد منها ما اعتقل الفتكات وأثقل الحركات فقبل منهم المبذول عن يد وهم صاغرون وانصرف أهل الحرب عن قدرة وهم ظاهرون وملك الإسلام خطة كان عهده بها دمنة سكان فخدمها الكفر إلى أن صارت روضة جنان لا جرم أن الله أخرجهم

стр. 370

منها وأهبطهم وأرض أهل الحق وأسخطهم فإنهم خذلهم الله حموها بالأسل والصفاح وبنوها بالعمد والصفاح وأودعوا الكنائس بها وبيوت الديوبة والاستبارية فيها كل غريبة من الرخام الذي يطرد ماؤه ولا ينطرد لألاؤه قد لطف الحديد في تجزيعه وتفتن في توسيع إلى أن صار الحديد الذي فيه بأس شديد كالذهب الذي فيه نعيم عتيد فما تر إلا مقاعد كالرياض لها من بياض الترخيم رقراق وعمداً كالأشجار لها من التنبيت أوراق وأذعن الخادم برد الأقصى إلى عهده المعهود وأقام له من الأئمة من يوفيه ورده المورود. وأقيمت الخطبة يوم الجمعة رابع شهر شعبان فكادت السماوات يتفطرن للنجوم لا للوجوم والكواكب منها ينتثرن للطرب لا المرجوم ورفعت إلى الله كلمة التوحيد وكان طريقها مسدودة فظهرت قبور الأنبياء وكانت بالنجاسات مكدودة وأقيمت الخمس وكان التثبيت يقعدها وجهرت الألسن بالله أكبر وكان سحر الكفر يقعدها وجهر باسم أمير المؤمنين في وطنه الأشرف من المنبر فرحب به ترحيب من بر لمن بر وخفق علماه في حافتيه فلو طار سرور الطائر بجناحيه وكتاب الخادم وهو مجد في استفتاح بقية الثغور واستشراح ما ضاق بتمادي الحرب من الصدور فإن قوى العساكر قد استنفدت مواردها وأيام الشتاء قد قربت مواردها والبلاد المأخوذة المشار إليها قد جاست العساكر خلالها ونهبت ذخائرها وأكلت غلالها فهي بلاد ترفد ولا تسترفد وتجم ولا تستنفد ينفق عليها ولا ينفق منها وتجهز الأساطيل لبحرها وتقام المرابط لساحلها ويدأب في عمارة أسوارها ومرمات معاقلها وكل مشقة بالإضافة إلى نعمة الفتح محتملة وأطماع الفرنج بعد ذلك مراهبها غير مرجئة ولا معتزلة فإن يدعوا دعوة يرجو الخادم من الله إنها لا تسمع ولن يفكوا أيديهم ممن أطراف البلاد حتى تقطع وهذه الألفاظ لها تفاصيل لا تكاد من غير الألسنة تتشخص ولا بما سوى المشافهة تتلخص فلذلك نفذ الخادم لساناً شارحاً ومبشراً صادحاً يطالع بالخير على سياقته ويعرض بجيش المسرة من

стр. 371

طليعته إلى ساقته وهو فلان فليسمع منه وليرو عنه والرأي أعلى إن شاء الله تعالى والله الموفق. هذا خر الرسالة الفاضلية. ورحل السلطان عن القدس يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر شعبان وودعه ولده الملك العزيز وسار معه قدر مرحلة ثم وصاه وشيعته وصحب أخاه الملك العادل فوصل إلى عكا في أول شهر رمضان فخيم بظاهرها. ثم سار فوصل إلى صور تاسع شهر رمضان يوم الجمعة فنزل بعيداً من سورها ومكث حتى ورد عليه العسكر وتكمل ثم تقدم إليها يوم الخميس الثاني والعشرين من رمضان وحاصرها وحضر إليه ولده الملك الظاهر غياث الدين غازي فشد أزره وزحفوا على الكفار وقطعت الأشجار ورمى عليهم بالمناجيق واشتد الأمر وتعسر الفتح. (ذكر ما تم على الأسطول) وكان السلطان قد تقدم من صور وأحضر إليها من عكا ما كان بها من مراكب الأسطول فوصلت منها عشر شواني مشحونة بالرجال والعدد واتصلت بها مراكب المسلمين من بيروت وجبيل فاستشعر المركيس الضرر منها وعمر الآخر مراكب وكانت مراكب المسلمين بالساحل محفوظة بالعسكر ولا يتمكن الفرنج منها وكل من الفريقين يعالج الآخر. فاطمأن المسلمون واغتروا بالسلامة وبات ليلة خامس شوال وربطوا بقرب ميناء صور وسهروا إلى قريب الصبح فغلب عليهم النوم فيما انتبهوا إلا وسفن الفرنج محيطة بهم فأخذت شواني المسلمين وأسروا منها جماعة فاغتنم السلطان لذلك وكانت هذه أول حادثة حدثت للمسلمين. فأزعج العسكر الإسلامي واشتد حزن المسلمين وأشار الناس بإبعاد بقية

стр. 372

الشواني فسيرت إلى بيروت وركب العسكر في الساحل مباريها وهي بحذائه في البحر فظهر عليها شواني الفرنج فخرج المسلمون إلى البر على وجوههم وتوقعوا إلى الماء خوفاً على أنفسهم وكانوا لا معرف لهم بالقتال وكان في جملة الشواني قطعة رئيسها له خبرة بالأمور فأسرع وفات الفرنج ولم يدركوه فنجا بالمركب ومن فيه وبقيت المراكب الباقية خالية ممن كان فيها فدفعها المسلمون إلى البر وهذا والقتال مشتد بين الفريقين ولما عبر الفرنج على تلك المراكب ظنوا عجز المسلمين وخرجوا للقتال في جمع كبير واشتد الأمر وارتفعت الأصوات ووقع المسلمون في الفرنج فولوا مدبرين وعادوا إلى البلاد وأسر منهم مقدمان وأسر قمص عظيم عندهم وكان الملك الظاهر غازي لم يحضر شيئاً مما تقدم من الوقعات فبادر وضرب عنقه وكان القمص يشبه المركيس فظنوا إنه هو فلما رأى المسلمون هذا الحال وأن السلطان مصمم على ما هو فيه وله قدرة وثبات على القتال اجتمع بعض الأمراء وشرعوا في تدبير أمر يعرض على السلطان يتضمن أن الأمر أمر عسير والأولي تركه والرحيل عن هذا المكان فأطلع السلطان على ما هم فيه فتلطف بهم ووعظهم وقال كيف نخلي هذا المكان ونذهب؟ وإذا سئلنا عنه فماذا نجيب؟ ثم أخرج الأموال وفرقها على العسكر وأمرهم بالثبات فامتثلوا أمره. (فتح حصن هرنين) كان السلطان قد وكل بها بعض أمرائه فاستمر يحاصرها حتى طلب أهلها الأمان فورد الخبر على السلطان بذلك وهو على محاصرة صور فندب بدر الدين ويدرم البارزني - وهو من أكبر عظمائه - فمضى إليهم وتسلمت هرنين بما فيها وتسلمها بيرم أخو صاحب بانياس.

стр. 373

وأقام السلطان على صور يحاصرها فدخل الشتاء وضجر العسكر وكثرت الجرحى وتوالت الأمطار والسلطان يحرضهم على القتال والثبات وكثر القتال واشتد الأمر وما زالوا يراجعون السلطان ويشيرون عليه بالرحيل. وكان السلطان أنفق في تلك المدة أموالاً كثرة على آلة القتال ولا يمكن نقلها، إن تركها تقو بها الكفار فنقضها وفك بعضها وأحرق ما تعذر حمله وحمل بعضها إلى صيدا وبعضها إلى عكا وتأخر السلطان عن قرب صور فشرع العسكر في الانصراف وواعد في المعاودة إلى أوان الربيع وودع الملك المظفر تقي الدين من هناك. وبقي السلطان يتأسف على الفتح فسار إلى عكا وخيم على بابها ثم اشتد البرد فدخل السلطان المدينة وسكن بها وشرع في التأهب إلى الجهاد وإصلاح العدد وإكرام من يغدو إليه وكانت رسل الآفاق من الروم وخراسان والعراق عاكفين على بابه فيما مر يوم ولا شهر إلا ويصل إليه رسول. ورتب أحوال عكا وأمورها ووقف نصف دار الاستبار رباطاً للصوفية ونصفها مدرسة للفقهاء وجعل دار الأسقف بيمارستان للضعفاء. ودخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة والسلطان مقيم بعكا فلما دخل فصل الربيع سار ونزل على سمت حصن كوكب في العشر الأوسط من المحرم قبل تكامل العسكر وحاصره فرأى أن فيه صعوبة ويطول أمره ثم وكل بها قائماً النجمي في خمسمائة مقاتل ورتب على صفد خمسمائة فارس وجهزهم إليها. (ذكر حال الكرك من أول الفتح) قد مضى ذكر ابرنس الكرك وقتله وكانت زوجته ابنة فليب صاحب الكرك مقيمة بالقدس وممن أسر ولدها هنقرى ابن هنري فلما فتح بيت المقدس حضرت إلى السلطان وتخضعت له وتذللت وسألت في فك ولدها من الأسر وصحبتها

стр. 374

زوجة ابنها ابنة الملك وحضرت الملكة مع صاحبة الكرك تسأل في زوجها الملك فأكرمهن السلطان وأحسن إليهن. وإما الملكة فجمع شملها بالملك وتقرر مع صاحبة الكرك إطلاق ابنها على تسليم قلعتي الشوبك والكرك فأستحضر هنقرى من دمشق واجتمع بوالدته وسارا مع جماعة من الأمراء لتسليم القلعتين فلما وصلت هي وولدها لم يطعها أهل الكرك ولم يسلموا وأفحشوا في الخطاب لها. ثم وقع لها كذلك بالشوبك فرجعت إلى السلطان فقبل عذرها وطمن قلبها على ولدها فتوجهت إلى عكا ثم انتقلت إلى صور. وجهز السلطتان العساكر لحصار الكرك والشوبك ثم وصل إلى السلطان وهو على كوكب بهاء الدين قراقوش فندبه لعمارة عكا لعلمه بكفاءته وأمده بالأموال والرجال فسار إلى عكا وشرع في عمارتها وتحصين أسوارها وورد على السلطان الرسل من ملوك الروم وغيرها وأقام السلطان على كوكب إلى آخر صفر فتعسر فتحها. ثم رحل السلطان إلى دمشق ودخل إليها في يوم الخميس سادس شهر ربيع الأول فنثر العدل وفصل الحكومات. فوصل الخبر بوصول العسكر من الشرق وأصبح السلطان بكرة يوم الثلاثاء حادي عشر ربيع الأول على الرحيل ثم سار إلى بعلبك ورحل على سمت اللبوة ووصل إليه عماد الدين صاحب سنجار بالعسكر فتلقاه السلطان أحسن لقاء وأكرمه واجمعوا على دخول بلاد الساحل وتجردوا عن الأثقال وساروا فنزل السلطان على حصن غور وفتحه وغنم ما فيه ثم عاد إلى مخيمه وانقضى شهر ربيع الآخر وقد وصل قاضي جبلة يحث على قصدها وكان بها خلق كثير من المسلمين. ورحل السلطان يوم الجمعة رابع جمادى الأولى إلى جهة الساحل فوصل إلى انطرسوس وحاصرها ونهبها وسبأ أهلها فاحتمى جماعة ببرجين هناك فهدم أحدهما وامتنع الآخر ونقض أسوار انطرسوس وترك البرج الممتنع ورحل العسكر عنها ونزل

стр. 375

على مرقبة وقد أخلاها أهلها وكان الفرنج قد صفوا المراكب في البحر وسار السلطان بالعسكر. ووقع بين المسلمين والإفرنج وقعات وأمور يطول شرحها وقصد جبلة. (فتح جبلة) أشرف السلطان على جبلة بكرة يوم الجمعة ثامن عشر جمادي الأولى وأحاط بها العساكر فطلبوا الأمان على أن يعيدوا ما استرهنوه في أنطاكية من أهلها ويسلموا كل ما لهم من السلاح والعدة والخيل وكان قاضي جبلة هو المتوسط لهم في أخذ الأمان وسلمت إلى المسلمين يوم الخميس. وأقام السلطان بها أياماً يقرر أمورها وكان يعظم قاضي جبلة ويحسن إليه ووقف عليه ملكاً نفيساً وأقره على ولايته بمنصب القضاء وكان حصن بكرائل قد سلم من قبل. (فتح اللاذقية) ورحل السلطان ثالث عشر جمادى الأول يوم الأربعاء وتاب تلك الليلة بالقرب من اللاذقية بجبل عاصم فلما أصبح يوم الخميس كان حصارها واشتد القتال ونقب أسوارها فطلبوا الأمان في يوم الجمعة الخامس والعشرين من جمادي الأولى وصعد إليهم قاضي جبلة يوم السبت وفتحت صلحاً وسلموا القلاع بما فيها ورحل منها جماعة ودخل جماعة في عقد الذمة. ورتب السلطان فيها جماعة من مماليكه وركب السلطان وطاف بالبلد وقرر أمورها ورحل عنها. (فتح حصن صهيون وغيره) رحل السلطان من اللاذقية ظهر يوم الأحد السابع والعشرين من جمادي الأولى وأخذ على سمت صهيون وخيم عليها يوم الثلاثاء التاسع والعشرين

стр. 376

وأحاط العسكر بها يوم الأربعاء وحاصرها فملكوا ثلاثة أسوار بما فيها فطلبوا الأمان وسلموا البلد. ثم سلم حصن صهيون بجميع أعماله وما فيه من الذخائر وتسلم يوم السبت قلعة العبد ويوم الأحد قلعة الجماهريين ويوم الاثنين حصن بلا طنس وسار السلطان في ثاني يوم فتح صهيون ونزل على العاصي وتسلم حصن بكأس يوم الجمعة تاسع جمادى الآخرة ثم حاصر قلعة الشعر وطال القتال حتى أيس منه فخرج من الحصن من يطلب الأمان في ثالث عشر الشهر يوم الثلاثاء وتسلم قلع الشعر. ثم سار ولد السلطان الملك الظاهر القلعة سرمانية فحاصرها وخربها وفتحها يوم الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الآخرة. (فتح حصن برزية) وسار السلطان إلى قلعة برزية وهي من أحصن القلاع فنازلها يوم السبت رابع عشري الشهر ثم تجرد الأحد ورق الجبل فرآها قلعة على سن من الجبل عالية فأدق بها وبالجبل وزحف عليها في يوم الثلاثاء السابع والعشرين من الشهر ورتب عليها الأمراء نوبا فقاتلوا واشتد القتال وتقدم السلطان بنفسه في النوبة الثانية فلما أيقنوا بأنهم ملكوا طلبوا الأمان وسلموا الحصن فلما حصل الفتح عاد السلطان إلى خيامه. وكانت صاحبة حصن برزية أخت زوجة الابرنس صاحبة أنطاكية قد سبيت فأمر بإحضارها وأعتقها وكذلك زوجها وأحضر أيضاً ابنة لهما زوجها وعدة من أصحابها وأدخلهم معهم في الإطلاق وقلد الحصن لأمير من جماعته. وكان فتح هذا الحصن من آيات الله تعالى لحصانته وعدم القدرة عليه فيسر الله فتحه في أيسر وقت.

стр. 377

(فتح حصن دريساك) رحل السلطان وأقام أياماً على جسر الحديد ثم قصد دريساك وهو حصن مرتفع وكان عش الراوية نزل عليه يوم الجمعة ثامن رجب وحصره ورمى برجاً من السور بالنقب فلما كان يوم الثلاثاء تاسع عشر رجب طلبوا الأمان وتسلم الحصن بما فيه يوم الجمعة ثاني عشري الشهر. (فتح حصن بقراس) توجه بكرة السبت إلى بقراس وهي قلعة قريبة من أنطاكية وهي على رأس جبل عالية حصينة وهي للراوية فخيم بقربه في المرج وتقدم جمع كثير من العسكر بينها وبين أنطاكية وصار يركب كل يوم ويقف تجاه أنطاكية وصعد السلطان متجرداً في جماعة من عسكره إلى الجبل بإزاء الحصن ونصب عليه المناجيق من جميع جهاته ورم عليه وحاصره فطلبوا الأمان وتسلم القلعة في ثاني شعبان وحزر ما في بقراس من الغلة فكان تقديراً اثني عشر ألف غرارة. (عقد الهدنة مع أنطاكية) ولما فرغ السلطان من فتح هذه الحصون قصد أنطاكية وكانت قد تلاشت أحوالها وقل ما فيها من القوت وكان الابرنس صاحبها قد أرسل أخا زوجته يسأل في عقد الهدنة وطلب الأمان على ماله وولده لثمانية أشهر من تشرين إلى آخر أيار. وأجابه السلطان إلى ذلك وهادنه وشرط عليه إطلاق من عنده من الأسارى وسار رسول السلطان ومعه شمس الدولة بن منقذ لأجل الأسارى. ورحل السلطان ثالث شعبان إلى سمت حلب ولما رحل السلطان من بقراس

стр. 378

ودع عماد الدين بن زنكي وعساكر البلاد وخلع عليه ومنحه بالتحف النفيسة وأنعم على العسكر بأشياء خلاف ما غنموه وسار في عسكره ووصل حلب ثم سار منها ووصل إلى حماه وبات بها ليلة واحدة ثم سار على طريق بعلبك فجاءها قبل رمضان بأيام وكان العسكر قصدهم الصوم في أوطانهم بدمشق. فلما وصل السلطان إلى دمشق اشتد عزمه وتحرك للجهاد مكن أجل صفد وكوكب وغيرهما وخرج من دمشق في أوائل شهر رمضان. (فتح الكرك وحصونه) ووردت البشائر بتسليم حصن الكرك فإن السلطان لما كان في بلاد أنطاكية لم يزل الحصار على الكرك وكان أخوه الملك العادل بمن معه على تبنين لحفظ البلاد وكان صهره سعد الدين كمشه بالكرك موكلا بحصاره. فراسل الإفرنج الملك العادل في الأمان فامتنع ثم صالحهم وسلموا الحصن. (محاصرة صفد وفتحها) ثم سار السلطان حتى نزل على صفد وجاء الملك العادل وشرعوا في حصار القلعة ورميها بالمناجيق واستمر الحال على ذلك إلى ثامن شوال وصعب فتحها حتى أذن الله تعالى وسهل فأذعنوا وأخرجوا من عندهم من أسرى المسلمين ليشفعوا لهم في طلب الأمان وسلمت للمسلمين وخرج من فيها من الكفار إلى صور. ولما أشرفت صفد على الفتح شرع الإفرنج في تقوية قلعة كوكب وأجمعوا على تسيير مائتي رجل من الأبطال المعدودين ليمكنوا للمسلمين في الطريق فعثر بواحد منهم بعض جند المسلمين فأمسكه وأتي به إلى صارم الدين قايماز فأخبره بالحال وأن الكمين بالوادي فركب إليهم في أصحابه والتقتطهم عن آخرهم وأحضرهم إلى السلطان وهو على صفد وكان فيهم مقدمان من الاستبارية فأحضرا عند السلطان وأنطقهما

стр. 379

الله تعالى وقالا ما نظن أننا بعد ما شاهدناك يلحقنا سوء فمال إلى كلامهما وأمر بإعتاقهما فإن تلك الكلمة أوجبت عدم قتلهما فإنه كان لا يبقي على أحد من الاستبارية والرواية. وفتح الله صفد في ثامن شوال. (حصار كوكب وفتحها) وسار السلطان إلى كوكب وهي في غاية الحصانة فحاصرها وقاتل من فيها أشد قتال وحصل الضيق الزائد لوقوع البرد الشديد وقوة الشتاء وما زال السلطان ملازماً للحصن بالرمي حتى تهدم غالب بنائه ونصر الله المسلمين وملكوا كوكب وأخرجوا الكفار وغنموا أموالهم وكان هذا الفتح في منتصف ذي القعدة. وعرض السلطان القلعة على جماعته فلم يقبلوها فولاها قايماز النجمي على كره منه. ثم تحول السلطان إلى أرض بيسان وأذن للأمراء والجند في الانصراف وسار معه أخوه الملك العادل في مستهل ذي الحجة إلى القدس الشريف ووصل يوم الجمعة ثامن الشهر وصلى في قبة الصخرة وعيد بها يوم الأحد الأضحى ونحر الأضحية وسار يوم الاثنين إلى عسقلان للنظر في مصالحها وتدبير أحوالها وأقام أياماً ثم ودعه أخوه الملك العادل وسار بعسكره إلى مصر ورحل السلطان إلى عكا. ودخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة والسلطان مقيم بعكا يرتب أمورها ويحصنها إلى أن وصل جماعة من مصر فأمرهم بالإقامة فيها وأمر بهاء الدين قراقوش بإتمام بناء سورها ثم سار إلى طبرية ودخل دمشق مستهل شهر صفر ثم خرج منها يوم الجمعة ثالث ربيع الأول متوجهاً إلى شقيف أرنون وأتى مرج عيون وخيم فيه بقرب الشقيف.

стр. 380

واعتد للقتال يوم الجمعة سابع عشر ربي الأول وكان الشقيف في يد أرناط صاحب صيدا فنزل إلى خدمة السلطان يسأله أن يمهله ثلاث أشهر لينقل أهله من صور وأظهر إنه يخاف أن يعلم المركيس بحاله فلا يمكنه من أهله فأجابه السلطان لذلك وشرع أرناط في تحصين نفسه واستعداده للحرب. فعلم السلطان بحقيقة حاله فتقرب السلطان من الشقيف فلما علم صاحب الشقيف بذلك حضر إلى خدمة السلطان وشرع في الاستعطاف له وأزال ما عنده وعاد إلى حصنه ثم حضر وأنهى تخوفه على أهله وسأل المهملة سنة فأرسل السلطان من كشف الحصن فوجده قد تحصن زيادة على ما كان فيه فأمسك صاحب الحصن وقيد وحمل إلى قلع بانياس ثم استحضره في سادس رجب وهدده ثم سيره إلى دمشق وسجنه. وحاصر الحصن في يوم الأربعاء ثامن رجب ورتب عليه عدة من الأمراء لمحاصرته إلى أن تسلمه بعد سنة وأطلق صاحبه. ولما كان السلطان بمرج عيون اجتمع الإفرنج واتفقوا على إقامة المركيس بصورة واجمعوا على حرب المسلمين والمر كيس يمدهم من صور فبلغ السلطان ذلك في يوم الاثنين سابع عشر جمادى الأولى وإنهم على قصد صيدا فركب في الحال والتقى بعسكره مع الإفرنج فهزمهم بإذن الله تعالى ونصر الله المسلمين وأسر من أعيانهم سبعة. وعاد السلطان إلى مخيمه وأقام إلى يوم الأربعاء تاسع عشر جمادى الأولى ثم ركب في ذلك اليوم وتواقع هو والإفرنج واشتد القتال فاستشهد جماع من المسلمين وقتل خلق كثير من المشركين ثم قوم عزم السلطان على قصدهم في مخيمهم وشاع هذا الخبر فخاف الإفرنج وذهبوا إلى صور فاقتضى الحال التأخير. وسار السلطان إلى تبنين صبيحة يوم الخميس السابع والعشرين من الشهر ثم سار منها إلى عكا ورتب أمورها وعاد إلى المعسكر وأقام إلى يوم السبت سادس

стр. 381

جمادى الآخرة فبلغه أن الإفرنج ينتشرون في الأرض فأمر السلطان بتكمين كمائن لهم وإذا رأوهم يطاردونهم. وسار السلطان يوم الاثنين فتواقعوا بين يدي الإفرنج في واد لا ينفذ فحصرهم الإفرنج فلم يقدروا على السلوك من الوادي فاستشهدوا رحمهم الله تعالى. (مسير الإفرنج إلى عكا) وصل الخبر يوم الأربعاء ثامن رجب أن العدو على قصد عكا وأن جماعة منهم سبقوا إلى النوافير ونزلوا باسكندرونة وتوقعوا مع جماعة من المسلمين فكتب السلطان للعسكر يجمعهم ورحل الإفرنج يوم الأحد ثاني عشر رجب ونزلوا على عين عبد فأصبح السلطان على الرحيل وجاء عصر يوم الثلاثاء والسلطان نازل بأرض كفر كنا ثم أصبح يوم الأربعاء خامس عشر الشهر ونزل على جبل الخروبة وترك الأثقال بأرض صفورية ونزل الإفرنج على عكا من البحر إلى البحر محتاطين بها يحاصرونها واجتمعت العساكر فصار العدو حول البلد وأحاط المسلمون بالإفرنج ومنعوهم من الطرق واشتد القتال واستدارت الإفرنج بعكا ومنعوا من الدخول والخروج وذلك يوم الأربعاء والخميس سلخ رجب فأصبح السلطان يوم الجمعة مستهل شعبان على عكا. وتباشر المسلمون بالنصر وثار الحرب وأصبحوا يوم السبت على ذلك وحمل الناس من جانب البحر شمالي عكا حملة شديدة وانهزم الإفرنج إلى تل الصياصية وأخلوا ذلك الجانب وانفتح للمسلمين طريق عكا ودخل العسكر إليها وخرج واستطرقت إليها الجيوش وأطلع السلطان على الإفرنج من سورها وخرج عسكر البلد للقتال وتشاور المسلمون فيما بينهم ودبروا الحيل في القتال العدو المخذول. فلما كان يوم الأربعاء ثامن شعبان ركب الإفرنج خر النهار بأجمعهم

стр. 382

وتقدموا وحملوا على المسلمين فصدمهم المسلمون فول الكفار هاربين مدبرين وقتل وجرح منهم ودخل الليل وبات الحرب على حاله وانتقل السلطان ليلة الاثنين حادي عشر الشهر إلى تل الصياصية لأنه مشرف عليهم للعلو. وبلغ السلطان أن الإفرنج يخرجون للاحتشاش وينتشرون في الأرض فانتدب جماعة من العربان فأغاروا عليهم وحالوا بينهم وبين خيامهم وحشروهم وأبادوهم قتلا وقطعوا رؤسهم وأحضروها عند السلطان وذلك يوم السبت سادس عشر شهر شعبان وسر المسلمون وتباشروا هذا والقتال على عكا متصل. ((نادرة)) ومن النوادر الواقعة إنه أفلت من بعض مراكب الإفرنج حصان من الخيول الموصوفة عندهم فلم يقدروا على إمساكه وما زال في البحر وهم حوله إلى أن دخل ميناء البلد فتسارع المسلمون إليه وأخذوه وأهدوه إلى السلطان فتباشر المسلمون بالنصر ورآه الإفرنج من إمارات خذلانهم. (الوقعة الكبرى) وأصبح الإفرنج يوم الأربعاء لعشرين من شعبان وقد رفعوا صلبانهم وتقدموا وزحف أبطالها وقد عبئ السلطان الميمنة والميسرة وشرع يمر بالصفوف ويقوي عزم العساكر واشتد القتال واستشهد جماعة من المسلمين وول العسكر الإسلامي منهزماً فمنهم من وصل طبرية ومنهم من وصل دمشق وبقي المسلمون في شدة عظيمة حتى أدركهم الله تعالى بالنصر وهو إنه لما تمت الكسرة على المسلمين وصل جماعة من الإفرنج إلى خيمة السلطان ولم يتبعهم من يعضدهم فهابوا الوقوف هناك فانحدروا عن التل فاستقبلهم المسلمون وتبعوهم وظفروا بهم فقتلوا منهم وضربوا رقابهم واشتد الحرب وثبت المسلمون فمالوا على ميسرة الإفرنج

стр. 383

قفلوها ووضعوا فيهم السيوف فأبادوهم قتلا وممن قتل مقدم عسكرهم وتبعهم المسلمون حتى كلت سيوفهم وقتل من الإفرنج خمسة لاف فارس وقتل مقدم الراوية. وحكي عنه أنه قال عرضنا في مائة ألف وعشرة لاف ومن العجب أن الذين ثبتوا من المسلمين لم يبلغوا ألفاً فردوا مائة ألف فكان الواحد من المسلمين يقتل من الكفار ثلاثين وأربعين. وأرسل السلطان بهذه النصرة البشائر إلى دمشق وعاد السلطان إلى مكانه وعزم على إنه يصالح العدو وتفقد العسكر فإذا هو قد غاب وذلك أن بعض الغلمان والأوباش لما وقعت الوقع ظنوا أن عسكر الإسلام انهزم فنهبوا الأثقال وانهزموا وانهزم جماعة من الجند فمضى العسكر وراء الغلمان فتأخر من أجل ذلك العزم على المسير وانتعش الإفرنج لذلك. وكثرت جيف الإفرنج المقتولين فشك المسلمون نتن رائحتها فرسم السلطان بحملها على العجل ورميها في النهر فحمل أكثر من خمسة آلاف جثة. ثم في يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان حضرا أكابر الأمراء عند السلطان ودار الكلام بينهم في المشورة فأشاروا بالانصراف لهجوم البرد والشتاء وإن أبدانهم وخيولهم قد ضعفت وإن السلطان يراسل البلاد ويجمع الجموع ثم يحضر للجهاد في سبيل الله تعالى هذا والسلطان متكره من هذه المقالات وليس عنده ملل وفي كل يوم على العسكر ويقوي عزمهم. فانتقل ليلة الثلاثاء رابع شهر رمضان إلى الخروبة عند الأثقال وأمر من بعكا بغلق الباب وشرع الإفرنج في حفر خندق على معسكرهم حوالي عكا من البحر إلى البحر وتحصنوا وتستروا وأقام السلطان بالخيم وهو متوعك فمن الله تعالى عليه بالعافية وصرف الأجناد الغرباء ليرجعوا في الربيع وأقام بمماليكه فما مضى يوم إلا وفيه وقعة والمماليك ظافرون بالإفرنج.

стр. 384

وفي يوم الاثنين ثالث شهر رمضان أخذ المسلمون بعكا مركباً للإفرنج مقلعاً إلى صور فيه ثلاثون رجلاً وامرأة واحدة ورزمة من الحرير فغنموه وتباشروا واشتد أزرهم بذلك. (وصول ملك الألمان) ورد أخبر ب وصول ملك الألمان إلى قسطنطينية في عدد كثير على قصد العبور إلى بلاد الإسلام وإنه في ثلاثمائة ألف مقاتل وقد قطع الروم إلى جهة الشام فانزعج المسلمون لذلك وندب السلطان الرسل إلى جميع الأمصار يستنفر للجهاد فوصل الملك العادل سيف الدين من مصر في نصف شوال في جيش عظيم فحصل به السرور وقو المسلمون ونزل في مخيمه وأرسل السلطان إلى رجال دمشق والبلاد فحضروا وشرع المسلمون في كل يوم يعالجون الإفرنج ولهم معهم في كل ليلة كبسة. وفي يوم الثلاثاء ثالث عشر ذي القعدة وصل الأسطول من مصر وعدته خمسون شونة (١) فإن السلطان لما وصل الإفرنج إلى عكا كتب إلى مصر بتجهيز وتكثير رجاله وعدده فصادف مراكب الإفرنج في البحر فأول ما ظفر الأسطول بشونة للإفرنج فقتل مقاتليه ووقعت بينهم وقعة كبر وتفرقت سفن الإفرنج وصارت البشائر للمسلمين بوصول الأسطول. ولما اشتد البرد وكثرت الأمطار واستظهر البلد برجال الأسطول وكانوا زهاء عشرة لاف بحري فامتلأ البلد وشرعوا يتلصصون على الكفار وكبسوا ليلة سوق الخمارات وسبوا عد من النساء الحسان فكان في ذلك نكاية عظيمة للكفار وأمكن الله المسلمين منهم وشرعوا في نهبهم وأسرهم في كل وقت.

стр. 385

(ذكر نساء الإفرنج) ثم وصلت مركب فيها ثلاثمائة امرأة إفرنجية من النساء الحسان اجتمعن من الجزائر الإسعاف العزبان وسبلن أنفسهن وفروجهن للعزبان ورأين أن هذه قربة ما ثم أفضل منها وعند الإفرنج أن العزباء إذا مكنت الأعزب لا حرج عليها وتسامع عسكر الإسلام بهذه القضية فأبق من المماليك والجهال جماعة وذهبوا إليهن. ووصلت أيضاً في البحر امرأة كبيرة القدر وهي ملكة بلدها وفي خدمتها خمسمائة فارس. وفي الإفرنج نساء يلبس هيئة الرجال ويقاتلن وفي يوم الوقعة أسر جماعة منهن فلم يعرفن حتى سلبن وعرين. وأما العجائز فحضر منهن جماعة وهن ينشدن تارة ويحرصن وينخين الرجال لعنة الله عليهن. وفي هذه السنة ندب السلطان الرسل إلى البلاد لاستنفار المجاهدين وتوفي الفقيه ضياء الدين عيس الهكاري بمنزلة الخروبة سحر ليلة الثلاثاء تاسع ذي القعدة سنة خمس وثمانين وكان من الأعيان وله منزلة عند السلطان وحمل من يومه إلى القدس ودفن به. ودخلت سنة ست وثمانين وخمسمائة والسلطان مقيم بعسكره بمنزلة الخروبة وعكا محصورة وخرجت هذه السنة والحصر مستمر ووقعت وقائع وهلك من الإفرنج عدد لا يقع عليه الحصر. (وقع الرمل) وكان السلطان يركب أحياناً للصيد وهو لا يبعد من المخيم فركب يوماً في صفر فأبعد والكركبة على الرمل وساحل البحر فخرج الإفرنج وقت العصر

стр. 386

فتسامع المسلمون يهم فخرجوا إليهم وزحفوا عليهم وطردوهم وأحاطوا بهم ورموهم حتى فرغ النشاب فلما علم الإفرنج بذلك تجاسروا وحملوا حملة واحدة حتى ردوا المسلمين إلى النهر فثبت جماعة واستشهد جماعة ودخل الليل وحال بين الفريقين. (فتح شقيف أرنون) وفي يوم الأحد خامس عشر ربيع الأول تسلم بالأمان شقيف أرنون وكان صاحب صيدا معتقلاً بدمشق لأجله فسلمه بما فيه وأخرج عنه وسار إلى صور ورحل السلطان ونزل على تل كيسان يوم الأربعاء ثامن عشر ربيع الأول. (مقاتلة الإفرنج عكا) وكان السلطان قد رتب طيوراً البطاقات منه إلى من بعكا وتعيد إليه الجواب منهم وكان يأتي إليه الخبر أيضاً على يد العوامين في البحر وكان الإفرنج شرعوا ففي عمل أبراج من خشب وأتقنوها وزحفوا فيها إلى السور وتساعدوا على طم الخنادق فوصل إلى السلطان عوام يخبره بالحال فركب وزحف إلى الإفرنج في عشرين من ربيع الأول يوم الجمعة وسار إلى القتال بخيلة ورجله وضايقهم حتى دخل الليل. فلما أصبح يوم السبت صبحهم بالحرب واستمر إلى آخر النهار وأصبح يوم الأحد على القتال وأيده الله تعالى بالنصر واستمر القتال. فلما كان يوم السبت الثامن والعشرين من الشهر بعد الظهر وإذا بنار في أحد الأبراج موقدة فأحدقت النار بالبر حتى أحرقته ثم أحرقت البرج الثاني ثم الثالث وسقطت الثلاثة أبراج بقدرة الله تعالى فحصل للمسلمين السرور بذلك ودمر الله الكافرين.

стр. 387

والعجب أن الأبراج كانت متباعدة وقد أبعدها الإفرنج بمسافات وكل واحد منها على جانب من البلد فاحترقت في واحد وكان سبب حرقها إن رجلاً يعرف بعلي بن عريف الحسين بدمشق كان استأذن السلطان في دخول عكا للجهاد وأقام بها وشرع يعمل النفط ويركب عقاقيره والناس يسخرون منه فلما قدمت الأبراج إلى البلد رمي عليها بالنفوط وغيرها فلم يفد فحضر ابن العريف إلى بهاء الدين قراقوش واستأذنه في الرمي فأذن له على كره فإن الصناع قد أيسوا فلما إذن له بهاء الدين قراقوش رمى أحد الأبراج فأحرقه وانتقل إلى الثالث فأحرقه ولم يكن ذلك بصنعه بل وفقه الله تعالى له. وخرج المسلمون من البلد فحفروا الخندق وجاؤا إلى موضع الحريق واستخرجوا الحديد من موضع الحريق وما وجدوا من الزرديات وغيرها ولله الحمد والمنة. (وصول الأسطول من مصر) كان السلطان أمر بتعمير أسطول آخر من مصر فلما كان يوم الخميس ثامن جمادي الأولى ظهر الأسطول فركب السلطان ليشغل الإفرنج عن قتال الأسطول فعمر الإفرنج أسطولاً وتلاقى هو وأسطول المسلمين فجاءت مراكب المسلمين ونطحت مراكبهم وأخذ المسلمون مركباً للإفرنج وأخذ الإفرنج مركباً للمسلمين وأتصل الحرب في البحر إلى غروب الشمس فقتل من الإفرنج عدة كثيرة وسلم المسلمون. (قصة ملك الألمان) صح الخبر أن ملك الألمان عبر من قسطنطينية بجنوده فقيل إنهم أقاموا

стр. 388

في قفار ومواضع مدة شهر لا يجدون الطعام فصاروا يذبحون خيلهم ويأكلونها ويكسرون قنطارياتهم لعدم الحطب ويشعلونها في البرد الشديد وزمان الثلج وحصل لهم من الشدة ما لا يكاد يوصف وضعف حالهم وذلك من لطف الله بالمسلمين. فلما وصل إلى بلاد قلج أرسلان بن مسعود حصل بينه وبين الكفار طراد وقتال ثم أرسلا واصطلحا وتهاديا واقتضى الحال بينهما أن ملك الألمان يدخل إلى البلاد الشامية وإنه يسير في بلاده وأعطاه عشرين مقدماً من أكابر أمرائه ليكونوا معه حتى يصل المأمن فلما وصل إلى بلاد الأرمن غدر بالرهائن وتأول عليهم بأن التركمان سرقوا منه في طريقه. ونزل على طرطوس وهناك نهر فتواردت عليه العساكر وازدحموا فقصد ملك الألمان النزول إلى النهر ليغتسل فقال هل تعرفون موضعاً يمكن العبور منه؟ فقال له واحد هنا مخاضة ضيقة لا يدخل فيها إلا واحد بعد واحد فدخل في تلك المخاضة فقوى عليه الماء فصدمته شجرة في وجهه شجت جبينه وتورط في الماء فتعبوا في إخراجه فلما خرج بقي مريضاً ثم لك لعنة الله وخلقه ولده فقيل إنهم سلقوه في قدر حتى تخلص عظمه وانهرى لحمه وجمعوا عظامه في كيس ليدفن في كنيسة قمامة بالقدس حسبما أوصى به. ووصل الخبر إلى السلطتان بهلاك الكافر وأن ولده خلفه وهو واصل في جمع كبير فعزم السلطان على استقباله وصده ثم تثبت وأرسل العساكر إلى البلاد التي هي في طريق هذا الكافر القادم ووقع المرض في الإفرنج وأمر السلطان بهدم سور طبرية وهدم يافا وأرسوف وقيسارية وهدم صور وصيدا وجبيل ونقل أهلها إلى بيروت. وأما ولد ملك الألمان فمرض أياماً في بلاد الأرمن وهلك أصحابه من الجوع ووقع الموت في خيلهم ثم ساروا من بلاد الأرمن وحصل له ولعسكره شدة عظيمة.

стр. 389

(الواقعة العادلية) كان الإفرنج لما صح عندهم وصول ملك الألمان إلى البلاد في جميع كبير قالوا إذا جاء صار الأمر له ولا يبقى لنا كلام معه فنحن نهجم على المسلمين ونظفر بهم قبل قدومه فخرجوا ظهر يوم الأربعاء لعشرين من جمادى الآخرة في جمع كبير وقصدوا مخيم الملك العادل فوقف الملك العادل. ومن معه من الأمراء وحمل معه العسكر الحاضر قبل أن تتصل به بقية العساكر فكسر الإفرنج كسرة فاحشة وركبت العادلية أكتافهم وحكموا فيهم السيوف. وكان السلطان قد ركب مع جماعة من المماليك فوصل وشاهد ما سره وقتل من الإفرنج زهاء عشرة لاف ولم يبلغ من استشهد من المسلمين عشرة أنفس وكتب السلطان إلى بغداد ودمشق وغيرهما يبشر بذلك. (ذكر ما تجدد للإفرنج بوصول الكندهرى) وما زال الإفرنج في وهن وضعف حتى وصل من البحر رجل يقال له كندهرى وهو عندهم عظيم القدر أفاض عليهم الأموال فوق أهل الكفر وشاع هذا الخبر فتشاور السلطان وأكابره ورحل يوم الأربعاء السابع والعشرين من جمادي الآخرة إلى منزله الأول بالخروبة واشتغل بتدبير أمره والأخبار متواردة من عكا مع السباحين وبطاقات الحمام وأخبار ملك الألمان متواصلة بضعف حاله وتلاشي أحواله. (حريق المنجنيقات) وفي رجب من السنة المذكورة أنفق الكندهري على الرجال فأعط عشرة آلاف رجل في يوم واحد ليجدوا معه في القتال وضايق عكا ونصب عليها المناجيق

стр. 390

فاشتد عزم المسلمين ممن بعكا وخرجوا بالفارس والراجل وحالوا بين الإفرنج وبينهما وخرج الزراقون من البلد ورموا النار فيها فاحترق جميعها وقتل فيذلك اليوم من الأفرنج سبعون فارساً وأسر منهم خلق كثير فخمد الإفرنج بذلك وكان من جملتها منجيقان كبيران مصروف أحدهما ألف وخمسمائة دينار وكان ذلك في الليلة الأولى من شعبان. (وصول ولد ملك الألمان الذي قام مقام أبيه إلى الإفرنج بعكا) وصل إلى السلطان خبر وصوله في سادس شعبان وحذرهم من شاهدهم بخمسة ألفاً ووصل في البحر إلى عكا آخر النهار سادس شهر رمضان فرآه الإفرنج وليس له وقع فقالوا ليته لم يصل إلينا فأخذ يحرضهم ويقوى عزمهم فعرفوه قوة بأسس المسلمين فأظهر لهم قوة وعزماً فلما عرفوا جهله قالوا له نخرج للمسلمين لعلنا نظفر بهم فاجتمعوا وساروا إلى مخيم السلطان. فركب من خيمته وتقدم إلى تل كيسان ووقف ينهض العسكر وحال بينهم الليل وحصل للألمان مشقة فلما لم يبلغوا قصدهم من العسكر أخذوا في القتال البلد وحصاره. (ذكر برج الذبان) وعند ميناء عكا في البحر برج يعرف ببرج الذبان منفرد عن البلد قصد الإفرنج حصاره قبل مجيء ملك الألمان في الثاني والعشرين من شعبان بمراكب جهزوها من البحر وشحنوها بالآلات والعدد ومنها مركب عظيم لما قرب من البرج رميت عليه النار فاحترق بكل ما فيه وملؤا بطة أخرى بالأحطاب فسر فيها النفط فأحرقها وكان الإفرنج في مراكب من ورائها فانقلب الريح على الإفرنج وتطاير الشرر من بطة الحطب وعاد الإفرنج فالتهبوا وانقلب بهم السفينة فاحترقوا وغرقوا واحتمى برج الذبان فلم يظفروا منه بشيء.
следующие страницы →