Полный текст (810 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
فتسامع المسلمون يهم فخرجوا إليهم وزحفوا عليهم وطردوهم وأحاطوا بهم ورموهم حتى فرغ النشاب فلما علم الإفرنج بذلك تجاسروا وحملوا حملة واحدة حتى ردوا المسلمين إلى النهر فثبت جماعة واستشهد جماعة ودخل الليل وحال بين الفريقين.
(فتح شقيف أرنون)
وفي يوم الأحد خامس عشر ربيع الأول تسلم بالأمان شقيف أرنون وكان صاحب صيدا معتقلاً بدمشق لأجله فسلمه بما فيه وأخرج عنه وسار إلى صور ورحل السلطان ونزل على تل كيسان يوم الأربعاء ثامن عشر ربيع الأول.
(مقاتلة الإفرنج عكا)
وكان السلطان قد رتب طيوراً البطاقات منه إلى من بعكا وتعيد إليه الجواب منهم وكان يأتي إليه الخبر أيضاً على يد العوامين في البحر وكان الإفرنج شرعوا ففي عمل أبراج من خشب وأتقنوها وزحفوا فيها إلى السور وتساعدوا على طم الخنادق فوصل إلى السلطان عوام يخبره بالحال فركب وزحف إلى الإفرنج في عشرين من ربيع الأول يوم الجمعة وسار إلى القتال بخيلة ورجله وضايقهم حتى دخل الليل.
فلما أصبح يوم السبت صبحهم بالحرب واستمر إلى آخر النهار وأصبح يوم الأحد على القتال وأيده الله تعالى بالنصر واستمر القتال.
فلما كان يوم السبت الثامن والعشرين من الشهر بعد الظهر وإذا بنار في أحد الأبراج موقدة فأحدقت النار بالبر حتى أحرقته ثم أحرقت البرج الثاني ثم الثالث وسقطت الثلاثة أبراج بقدرة الله تعالى فحصل للمسلمين السرور بذلك ودمر الله الكافرين.
стр. 387
والعجب أن الأبراج كانت متباعدة وقد أبعدها الإفرنج بمسافات وكل واحد منها على جانب من البلد فاحترقت في واحد وكان سبب حرقها إن رجلاً يعرف بعلي بن عريف الحسين بدمشق كان استأذن السلطان في دخول عكا للجهاد وأقام بها وشرع يعمل النفط ويركب عقاقيره والناس يسخرون منه فلما قدمت الأبراج إلى البلد رمي عليها بالنفوط وغيرها فلم يفد فحضر ابن العريف إلى بهاء الدين قراقوش واستأذنه في الرمي فأذن له على كره فإن الصناع قد أيسوا فلما إذن له بهاء الدين قراقوش رمى أحد الأبراج فأحرقه وانتقل إلى الثالث فأحرقه ولم يكن ذلك بصنعه بل وفقه الله تعالى له.
وخرج المسلمون من البلد فحفروا الخندق وجاؤا إلى موضع الحريق واستخرجوا الحديد من موضع الحريق وما وجدوا من الزرديات وغيرها ولله الحمد والمنة.
(وصول الأسطول من مصر)
كان السلطان أمر بتعمير أسطول آخر من مصر فلما كان يوم الخميس ثامن جمادي الأولى ظهر الأسطول فركب السلطان ليشغل الإفرنج عن قتال الأسطول فعمر الإفرنج أسطولاً وتلاقى هو وأسطول المسلمين فجاءت مراكب المسلمين ونطحت مراكبهم وأخذ المسلمون مركباً للإفرنج وأخذ الإفرنج مركباً للمسلمين وأتصل الحرب في البحر إلى غروب الشمس فقتل من الإفرنج عدة كثيرة وسلم المسلمون.
(قصة ملك الألمان)
صح الخبر أن ملك الألمان عبر من قسطنطينية بجنوده فقيل إنهم أقاموا
стр. 388
في قفار ومواضع مدة شهر لا يجدون الطعام فصاروا يذبحون خيلهم ويأكلونها ويكسرون قنطارياتهم لعدم الحطب ويشعلونها في البرد الشديد وزمان الثلج وحصل لهم من الشدة ما لا يكاد يوصف وضعف حالهم وذلك من لطف الله بالمسلمين.
فلما وصل إلى بلاد قلج أرسلان بن مسعود حصل بينه وبين الكفار طراد وقتال ثم أرسلا واصطلحا وتهاديا واقتضى الحال بينهما أن ملك الألمان يدخل إلى البلاد الشامية وإنه يسير في بلاده وأعطاه عشرين مقدماً من أكابر أمرائه ليكونوا معه حتى يصل المأمن فلما وصل إلى بلاد الأرمن غدر بالرهائن وتأول عليهم بأن التركمان سرقوا منه في طريقه.
ونزل على طرطوس وهناك نهر فتواردت عليه العساكر وازدحموا فقصد ملك الألمان النزول إلى النهر ليغتسل فقال هل تعرفون موضعاً يمكن العبور منه؟ فقال له واحد هنا مخاضة ضيقة لا يدخل فيها إلا واحد بعد واحد فدخل في تلك المخاضة فقوى عليه الماء فصدمته شجرة في وجهه شجت جبينه وتورط في الماء فتعبوا في إخراجه فلما خرج بقي مريضاً ثم لك لعنة الله وخلقه ولده فقيل إنهم سلقوه في قدر حتى تخلص عظمه وانهرى لحمه وجمعوا عظامه في كيس ليدفن في كنيسة قمامة بالقدس حسبما أوصى به.
ووصل الخبر إلى السلطتان بهلاك الكافر وأن ولده خلفه وهو واصل في جمع كبير فعزم السلطان على استقباله وصده ثم تثبت وأرسل العساكر إلى البلاد التي هي في طريق هذا الكافر القادم ووقع المرض في الإفرنج وأمر السلطان بهدم سور طبرية وهدم يافا وأرسوف وقيسارية وهدم صور وصيدا وجبيل ونقل أهلها إلى بيروت.
وأما ولد ملك الألمان فمرض أياماً في بلاد الأرمن وهلك أصحابه من الجوع ووقع الموت في خيلهم ثم ساروا من بلاد الأرمن وحصل له ولعسكره شدة عظيمة.
стр. 389
(الواقعة العادلية)
كان الإفرنج لما صح عندهم وصول ملك الألمان إلى البلاد في جميع كبير قالوا إذا جاء صار الأمر له ولا يبقى لنا كلام معه فنحن نهجم على المسلمين ونظفر بهم قبل قدومه فخرجوا ظهر يوم الأربعاء لعشرين من جمادى الآخرة في جمع كبير وقصدوا مخيم الملك العادل فوقف الملك العادل.
ومن معه من الأمراء وحمل معه العسكر الحاضر قبل أن تتصل به بقية العساكر فكسر الإفرنج كسرة فاحشة وركبت العادلية أكتافهم وحكموا فيهم السيوف.
وكان السلطان قد ركب مع جماعة من المماليك فوصل وشاهد ما سره وقتل من الإفرنج زهاء عشرة لاف ولم يبلغ من استشهد من المسلمين عشرة أنفس وكتب السلطان إلى بغداد ودمشق وغيرهما يبشر بذلك.
(ذكر ما تجدد للإفرنج بوصول الكندهرى)
وما زال الإفرنج في وهن وضعف حتى وصل من البحر رجل يقال له كندهرى وهو عندهم عظيم القدر أفاض عليهم الأموال فوق أهل الكفر وشاع هذا الخبر فتشاور السلطان وأكابره ورحل يوم الأربعاء السابع والعشرين من جمادي الآخرة إلى منزله الأول بالخروبة واشتغل بتدبير أمره والأخبار متواردة من عكا مع السباحين وبطاقات الحمام وأخبار ملك الألمان متواصلة بضعف حاله وتلاشي أحواله.
(حريق المنجنيقات)
وفي رجب من السنة المذكورة أنفق الكندهري على الرجال فأعط عشرة آلاف رجل في يوم واحد ليجدوا معه في القتال وضايق عكا ونصب عليها المناجيق
стр. 390
فاشتد عزم المسلمين ممن بعكا وخرجوا بالفارس والراجل وحالوا بين الإفرنج وبينهما وخرج الزراقون من البلد ورموا النار فيها فاحترق جميعها وقتل فيذلك اليوم من الأفرنج سبعون فارساً وأسر منهم خلق كثير فخمد الإفرنج بذلك وكان من جملتها منجيقان كبيران مصروف أحدهما ألف وخمسمائة دينار وكان ذلك في الليلة الأولى من شعبان.
(وصول ولد ملك الألمان الذي قام مقام أبيه إلى الإفرنج بعكا)
وصل إلى السلطان خبر وصوله في سادس شعبان وحذرهم من شاهدهم بخمسة ألفاً ووصل في البحر إلى عكا آخر النهار سادس شهر رمضان فرآه الإفرنج وليس له وقع فقالوا ليته لم يصل إلينا فأخذ يحرضهم ويقوى عزمهم فعرفوه قوة بأسس المسلمين فأظهر لهم قوة وعزماً فلما عرفوا جهله قالوا له نخرج للمسلمين لعلنا نظفر بهم فاجتمعوا وساروا إلى مخيم السلطان.
فركب من خيمته وتقدم إلى تل كيسان ووقف ينهض العسكر وحال بينهم الليل وحصل للألمان مشقة فلما لم يبلغوا قصدهم من العسكر أخذوا في القتال البلد وحصاره.
(ذكر برج الذبان)
وعند ميناء عكا في البحر برج يعرف ببرج الذبان منفرد عن البلد قصد الإفرنج حصاره قبل مجيء ملك الألمان في الثاني والعشرين من شعبان بمراكب جهزوها من البحر وشحنوها بالآلات والعدد ومنها مركب عظيم لما قرب من البرج رميت عليه النار فاحترق بكل ما فيه وملؤا بطة أخرى بالأحطاب فسر فيها النفط فأحرقها وكان الإفرنج في مراكب من ورائها فانقلب الريح على الإفرنج وتطاير الشرر من بطة الحطب وعاد الإفرنج فالتهبوا وانقلب بهم السفينة فاحترقوا وغرقوا واحتمى برج الذبان فلم يظفروا منه بشيء.
стр. 391
(ذكر الكبش وحريقه)
واستأنف الإفرنج عمل ذبابة في رأسها شكل عظيم يقال له الكبش وقد سقفوها مع كبشها بأعمدة الحديد وألبسوا رأس الكبش بعد الحديد بالنحاس خشية عليها من النار وسحبوها فأنزعج المسلمون لذلك وقالوا ليس في هذه حيلة ثم نصب المسلمون مناجيق ورموا بالحجارة فنفر من حولها من الرجال ثم قذفوها بالنار فدخلت من باب الذبابة فاشتعلت النار فيها وخرج منها الإفرنج واحترقت تلك الذبابة ورموها بالمناجيق حتى انهدمت وخرج المسلمون من الثغر وقطعوا رأس الكبش واستخرجوا ما تحت الرماد من الحديد وحملوا منه ما استطاعوا وحصل بذلك النصرة للمسلمين والخذلان للمشركين وكان ذلك يوم الاثنين ثالث عشر رمضان واحترقت البطة يوم الأربعاء خامس عشر.
واتفق في يوم الاثنين هذا من العدو وعل البلد الزحف الشديد ورموا بالمناجيق وخرج المسلمون فطردوهم إلى خيامهم.
(ذكر غير ذلك من الحوادث)
وصل الخبر أن صاحب أنطاكية تحرك على المسلمين فسربت له الكمائن فخرجوا عليه وقتلوا أكبر رجاله وفي هذا التاريخ ألقت الريح بساحل الذيب بطتين خرجتا من عكا بجماعة من الرجال والصبيان والنساء وحصل بين المسلمين والكفار وقائع وغنم المسلمون من الكفار.
وفي عشية الاثنين تاسع رمضان رحل السلطان إلى منزل يعرف بشعزعم لما بلغه من تحرك الإفرنج فخيم هناك وشرع يتواقع هو والإفرنج في كل وقت وغلت الأسعار عند الإفرنج واشتد بهم البلاء وخرج منهم جماعة ولجؤا إلى السلطان مما أصابهم من الجوع فقبلهم وأحسن إليهم فمنهم من اعتذر ومنهم من أسلم وصار في خدم السلطان.
стр. 392
(نوبة رأس الماء)
ولما ضاق بالإفرنج الأمر تشاوروا وعزموا على المصادمة فخرجوا في عدد كثير وذلك في يوم الاثنين حادي عشر شوال بعد أن رتبوا على البلد من يحصرها وكان اليزك على تل الصياصة ونزل العدو تلك الليلة واتصل خبرهم بالسلطان فرحل الثقل وبقي الناس على جرائد الخيل وسار العدو يوم الثلاثاء والعساكر في أحسن أهبة وامتد الجيش في الميمنة إلى الجبل وفي الميسرة إلى النهر بقرب البحر والسلطان في القلب.
فسار حتى وقف على تل عند الخروبة وحوله أولاده وأخوه وخواص أمرائه وأمراء القبائل من الأكراد وسار الإفرنج شرقي النهر مواجهين حتى وصلوا إلى رأس النهر فانقلبوا الغربية ونزلوا التل بينه وبين البحر والسلطان في خيمة لطيفة يشاهد القوم.
وأصبح الإفرنج يوم الأربعاء راكبين إلى صحوة النهار والمسلمون قد قربوا منهم فأحس الإفرنج بالخذلان فساروا وولوا مدبرين فتبعهم عسكر الإسلام ورموهم بالسهام وهم مجتمعون في سيرهم وكلما صرع منهم قتيل حملوه ودفنوه حتى لا يظهر للمسلمين كسرهم ونزلوا ليلة الخميس فقطعوا الجسر وأصبحوا بكرة الخميس وقد دخلوا إلى مخيمهم فعاد السلطان إلى محله وكان مع مع الإفرنج الخارجين المركيس والكندهرى وأقام ملك الألمان على عكا.
(وقعة الكمين)
اقتضى رأي السلطان أن يرتب كميناً للعدو فجمع يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال رجاله وأبطاله وانتخب منهم من عرف بالشجاعة وأمرهم أن يكمنوا على ساحل البحر فمضوا وكمنوا ليلة السبت وخرجت منهم عدة يسيرة بعد الصباح
стр. 393
ودنوا من الإفرنج فطمعوا فيهم وحملوا عليهم وطردوهم فانهزم المسلمون أمامهم حتى وقفوا على الكمين فخرجوا عليهم فلم يستطيع فارس منهم أن يفر فقتل معظمهم ووقع في الأسر خازن الملك وعدة من الافرنسيسية ومقدمهم.
وجاء الخبر للسلطان فركب بمن معه ووقف على تل كيسان وشاهد النصر وجاءه مماليكه بالأسر وترك السلطان الأسلاب والخيول لآخذيها وكانت الأموال عظيمة وجلس السلطان في خيمته وحوله جنده وأنصاره وأحضر الأسر بين يديه وأحس وأطعمهم وألبسهم وألبس المقدم الكبير فروته الخاصة وأذن لهم أن يسيروا غلمانهم لإحضار ما يريدون ثم جهزهم إلى دمشق للاعتقال.
(ذكر غير ذلك من الحوادث)
ثم هجم الشتاء فصرف السلطتان العسكر للاستراحة إلى الربيع وأقام هو على الجهاد ثم نقل الإفرنج سفنهم خوفاً عليها إلى صور وأخلوا ساحل عكا وأقام الملك العادل على البحر فوصل يوم الاثنين ثاني ذي الحجة من مصر سبعة مراكب فيها الغلة فخرج أهل البلد لمشاهدتها والمساعدة في نقلها.
فعلم الإفرنج بخروج أهل البلد إلى جانب البحر فزحفوا زحفاً شديداً وأحاطوا بعكا وأتوا بسلالم فنصبوها على السور وتزاحموا على الطلوع في سلم وتصادموا فاندف بهم السلم فتساقطوا فتداركهم المسلمون وفتكوا فيهم وقتلوا منهم جماعة وردوهم على أعقابهم فلما اشتغل الناس بأمرهم تركوا المراكب وما فيها من الغلال فهاج البحر فكسرت المراكب وتلف ما فيها وغرق ما كان فيها من الأمتعة وهلك بها زهاء ستين نفساً والحكم لله العلي الكبير.
وفي ليلة السبت سابع ذي الحجة وقعت قطعة عظيمة من سور عكا فهدمت منه جانباً فبادر الإفرنج طمعاً في الهجوم فجاء أهل البلد وصدوهم حتى عمر الهدم وجرح من العدو خلق كثير كل ذلك بهمة بهاء الدين قراقوش.
стр. 394
وفي ثالث عشر ذي الحجة هلك ابن ملك الألمان فحصل الوهن في الإفرنج بموته وهلك منهم عدد كثير.
وفي يوم الاثنين عشري ذي الحج عاد المستأمنون من الإفرنج الذين أنهضهم السلطان ليغزوا في البحر ويكونوا جواسيس فرجعوا وقد غنموا أشياء كثير فوهبهم السلطان ذلك ولم يتعرض لشيء منها فلما رأوا ذلك أسلم منهم شطرهم وفي الرابع والعشرين من ذي الحج أخذ من الإفرنج مركوسين فيهما نيف وخمسون نفراً.
وفي الخامس والعشرين منه أخذ أيضاً مركوساً فيه جماعة من أعيان الإفرنج ومعهم ملوطة مكللة باللؤلؤ بأزرار من جوهر قيل إنها من ثياب ملك الألمان وأسر فيه رجل كبير قيل إنه ابن أخيه وأستشهد في هذه السنة جماعة بعكا ممن الأمراء.
ودخلت سنة سبع وثمانين وخمسمائة والشتاء موجود والمسلمون مع الكفار في وقعات وفي أول ليلة من شهر ربيع الأول خرج المسلمون على العدو فكبسوه في مخيمه وأسروا من الإفرنج وقتلوا وعادوا سالمين ومعهم اثنتا عشرة امرأة في السبي وفي يوم الأحد ثالث الشهر المذكور ثار الحرب بين المسلمين والكفار فنصر الله المسلمين وهلك من الإفرنج خلق كثير وقتل منهم مقدم كبير ولم يفقد من المسلمين إلا خادم صغير وكمن المسلمون كمائن ووصل إلى السلطان من بيروت خمسة وأربعون أسيراً من الإفرنج وقدم على السلطان جماعة من عسكر الإسلام (وصول ملك الافرنسيس - وأسمه فليب - لنجدة الإفرنج بعكا).
وفي ثاني عشر ربيع الأول يوم السبت وصل ملك الإفرنسيس إلى الإفرنج في عدد قليل ومن النوادر إنه كان مع هذا الملك بازي أشهب ففارقه يوم وصوله وطار ووقع على سور عكا فأمسكه المسلمون وأحضروه للسلطان فسر بذلك وبذل الملك فيه ألف دينار فما أجيب.
стр. 395
ومما وقع إنه كان المستأمنون إلينا من الإفرنج تسلموا مرا كيس يغزون فيها ووصلوا إلى ناحية من جزيرة قبرص يوم عيدهم وقد اجتمعوا في كنيسة فصلوا معهم وأغلقوا باب الكنيسة وأسروهم بأسرهم وسبوهم وأخذوا جميع ما في الكنيسة وحملوهم إلى اللاذقية وباعوا بها كل ما أخذوه ومن جملته سبع وعشرون امرأة سبايا وصبيان فباعوها واقتسموا أثمانها.
وفي سادس عشري ربيع الآخر هجم جماعة ممن العسكر وأخذوا قطيعاً من غنم الإفرنج وخالطوهم في خيامهم وركب الإفرنج بأسرهم في أثرهم فلم يظفروا بهم وفي يوم الخميس رابع جمادى الأول زحف العدو إلى البلد وكاد يأخذها فاستنفروا العساكر فأصبح السلطان وركب وسير من كشف حال العدو وهل لهم كمين فكلما شاهد الإفرنج عسكر المسلمين قد أقبل تركوا الزحف وتأخروا فإذا عاد عادوا.
(قصة الرضيع)
كان لصوص المسلمين في الليل استلبوا طفلاً من الإفرنج من يد أمه له ثلاثة أشهر فخرجت والدته وآلهة عليه فلم يشعر السلطان إلا وهي ببابه واقفة فأحضرها السلطان وهي باكية فأخبرته الخبر فطلب الرضيع فقيل له إن من أخذه باعه بثمن بخس فما زال يبحث عنه حتى جيء به في قماطه ودفعه لامه وشيع معها من أوصلها إلى مكانها وما رد الطفل إلا بعد ما اشتراه ممن هو في يده بثمن يرضيه رحمة الله عليه.
(انتقال السلطان إلى تل الصياصة)
لما صر الإفرنج على مضايقة عكا انتقل السلطان إلى تل الصياصة بعساكره وأثقاله واشتد الحرب بينه وبين الكفار في كل وقت وضاق الأمر على من عكا وجرى فصول وحروب يطول شرحها.
стр. 396
(وصول ملك الانكثير)
وفي يوم السبت ثالث عشر الشهر أشاع الكفار وصول ملك الانكثير في عدد كثير ووقع الارجاف في الناس والسلطان قوي الجنان لا يرهبه ذلك وهو معتمد على الله في أموره وأعلم ملك الانكثير أن أهل التوحيد لهم قوة وإنهم لا يبالون به.
(غرق البطة)
كان السلطان قد عمر في بيروت بطة وشحنها بالعدد والآلات وفيها نحو سبعمائة رجل مقاتل توسطت في البحر صادفها ملك الانكثير وأحاطت بها مراكبه وحصل القتال بين الفريقين وقتل من الإفرنج خلق كثير وعجزوا عن أخذها فلما رأى مقدمها اشتد الأمر نزل فخرقها حتى غرقت في البحر ووصل خبرها للسلطان في السادس عشر من جماد ى الأولى وكانت هذه الوقع أول حادثة حصل بها الوهن للمسلمين.
(حريق الذبابة)
وكان الإفرنج قد اتخذوا ذبابة عظيمة ولها أربع طبقات وهي خشب ورصاص وحديد ونحاس وقربها إلى أن بقي بينها وبين البلد خمسة أذرع وكانت هذه الذبابة على العجل وانزعج المسلمون بذلك ورموا عليها النفط وهو لا يفيد فيها حتى قدر الله تعالى وجاءها سهم صائب فأحرقها الله تعالى وحصل للمسلمين السرور وزال عنهم ما كان من الغم بسبب غرق البطة فإن حريق الذبابة كان يوم وصول خبر غرق البطة.
ثم وقع وقعات في هذا الشهر وكانت العلامة بين عسكر السلطان وبين المقيمين بعكا عند زحف العدو دق الكؤوس فإذا سمعت أدركهم العسكر فوقع
стр. 397
لهم عدة وقعات فمن ذلك وقعة في يوم الجمعة تاسع عشر الشهر أشتد فيها القتال إلى وقت الظهر حت حمى الحر فافترق الفريقان ورجع كل إلى مخيمه.
ووقعة في يوم الاثنين الثالث والعشرين من الشهر حصر العدو البلد واستشهد اثنان من المسلمين وقتل جماعة من المشركين.
ووقعة في اليوم الثامن والعشرين من الشهر خرج العدو فأرسلا وراجلا وركب السلطان واشتد الأمر واستشهد من المسلمين بدوي وكردي وهلك خلق كثير من المشركين وأسر منهم فارس بفرسه.
ووقعة في يوم الأحد التاسع والعشرين من الشهر طال فيها القتال وأسر الكفار من المسلمين واحداً فأحرقوه وأسر المسلمون منهم واحداً وأحرقوه قال العماد الكاتب وشاهدنا البارين في حالة واحدة يشتعلان والصفان واقفان يقتتلان.
(ذكر المركيس ومفارقته)
وفي يوم الاثنين سلخ الشهر ذكر عن المركيس إنه هرب إلى صور فإنه كان بينه وبين هنقرى عداوة وأحقاد باطنية لأمور كانت بينهما فلما جاء ملك الانكثير تظلم إليه هنقرى واستعداده على المركيس فلما علم المركيس بذلك فر منه.
(فصل)
ووصل العساكر إلى السلطان من سنجار ومن مصر وحضر رسول من عند بعض ملوك الإفرنج إلى السلطان بكلام مهمل لا طائل تحته ثم حضر رسل ثلاثة فأكرمهم السلطان وأحسن إليهم وكان غرض الإفرنج بتكرير الرسالات الخداع حتى يشتغل المسلمون عنهم وضعف الثغر من قوة الحصر.
ولما علم السلطان يوم الثلاثاء سابع جماد الآخرة بما عليه البلد من غلبة
стр. 398
البلاء زحف بعسكره ودهم الإفرنج ونهب من خيامهم وأمس تلك الليلة ثم أمر بدق الكؤوس سحراً حتى ركب العسكر فجر ذلك اليوم من القتال أشد ما كان من أمس ووصل إلى السلطان مطلعة من البلد إنهم عجزوا ولم يبق إلا تسليم البلد فمعظم الأمر على السلطان وفي هذا اليوم بعث العساكر وزحف إلى خنادقهم وخالطوهم وحصل بينهم قتال شديد.
ولما تكاثر الإفرنج على عكا وقل المسلمون لكثرة من استشهد خرج سيف الدين على المشطوب غل ملك الافرنسيس بأمان وقال له قد علمتم ما عاملنا كم به عند أخذ بلادكم من الأمان لأهلها ونحن نسلم إليك البلد على أن تعطينا الأمان ونسلم فقال إن أولئك الملوك كانوا عبيدي وأنتم مماليكي أفعل بكم ما يقتضيه رأيي فقام المشطوب من عنده مغتاضاً وأغلظ له في القول وقال نحن لا نسلم البلد حتى نقتل بأجمعنا ونقتلكم قبلنا ولا يقتل منا واحد حتى يقتل خمسين.
ولما رجع المشطوب وعلم حاله هرب جماع من الأمراء والأجناد ممن بالبلد وغضب عليهم السلطان وأخرج إقطاعتهم ثم رجع بعضهم إلى البلد فحصل له الرضا ووقع في بعضهم شفاعة واستمروا على المقت عند السلطان.
وفي يوم الخميس حصلت وقعة عظيمة واشتد فيها الحرب وأصبح العسكر يوم الجمعة عاشر الشهر على أهبة القتال فلم يحصل شيء واقتضى النهار والعسكر محيط بالعدو والعدو محيط بالبلد.
وأصبح يوم السبت والإفرنج قد ركبوا وخرج منهم أربعون فارساً واستدعوا ببعض المماليك الناصرية فلما وصل إليهم أخبروه أن الخارج صاحب صيدا في أصحابه وهو يستدعي نجيب الدين أحد أمناء السلطان لأنه كان يتردد في الرسالات للإفرنج فلما حضر أرسله إلى السلطان ليتحدث في خروج من بعكا بأنفسهم بحكم الأمان وطلبوا في مقابلة ذلك أشياء لا يمكن وقوعها وتعنتوا في الاشتراط فتردد من عند السلطان نجيب الدين مراراً.
стр. 399
وكان الإفرنج اشترطوا إعادة جميع البلاد وإطلاق أساراهم فبذل السلطان لهم عكا بما فيها وإن يطلق في مقابلة كل شخص أسيراً فلم يقبلوا وسمح لهم برد صليب الصلبوت وانفصل الأمر على غير اتفاق وضعف البلد وعجز من فيه.
(استيلاء الإفرنج على عكا)
وفي يوم الجمعة السابع عشر من جمادى الآخرة اجتمعت الإفرنج بجموعها وهجمت وطلعت في السور المهدوم فثار عليهم المسلمون وصدوهم وحصلت الوقعة حتى كلت الرجال فخرج سيف الدين علي بن أحمد المشطوب وحسام الدين حسين بازيك وأخذ أمان الإفرنج على أن يخرجوا بأموالهم وأنفسهم على تسليم البلد ومائتي ألف دينار وخمسمائة أسير من المجهولين وما أسر من المعروفين وصليب الصلبوت وأشياء ذكراها غير ذلك فلم يشعرا إلا بالرايات الإفرنجية قد نصبت على عكا وما عند السلطان علم بما جر عليه الحال فانزعج السلطان والمسلمون لذلك ونقل الثقل تلك الليلة إلى منزلة الأول بشغرعم وأقام في خيمة لطيفة ثم انتقل سحر ليلة الأحد تاسع عشر الشهر إلى المخيم وهو في غم عظيم فسلاه أصحابه واستعطفوا بخاطره وخرج رسول بهاء الدين قراقوش طلبا قدروه من القطيعة وقال أد ركونا بنصف المال وجميع الأسارى وصليب الصلبوت قبل خروج الشهر وإن تأخر شيء من ذلك أسرنا ونصف المال يصبرون به إلى شهر آخر.
فأحضر الأكابر وفاوضهم فأشاروا باستنقاد إخوانهم من المسلمين فشرع السلطان في تحصيله وكتب إلى الأقطار يعلمهم بالحال ويستنفرهم للجهاد في سبيل الله.
وفي يوم الخميس سلخ جماد الآخرة خرج الإفرنج وانتشروا فضربت الكاسات السلطانية فانتدب العسكر واشتد الحرب وانهزم الإفرنج فجاءت
стр. 400
العرب وحالت بينهم وبين أسوارهم وصرعوا زهاء خمسين رجلا وكروا عليهم ثم كر الإفرنج على المسلمين كرة عظيمة فتثبتوا ثم عادوا عليهم حتى طردوهم إلى خنادقهم وانتصف الإسلام في ذلك اليوم بعض الانتصاف.
وفي يوم الجمعة ثاني رجب جاءت الرسل في تقرير القطيعة المقرة بخلاص الجماعة وأخبروا أن ملك الافرنسيس توجه إلى صور لترتيب أموره ووكل المر كيس في قبض ما يخصه فجهز السلطان رسولا لكشف خبره وعلى يديه هدية له ونقل خيمته يوم السبت إلى تل بإزاء شغرعم وراء التل الذي كان عليه وما زالت الرسل تتردد حتى أحضر مائة ألف دينار والأسارى المطلوبين وصليب الصلبوت ليوصل ذلك إلى الإفرنج في الأجل المعين.
ووقع الخلف في كيفية التسليم فقال السلطان أسلمه إليكم على أن تطلقوا جميع أصحابنا وتأخذوا بباقي المال قوماً رهائن فأبوا إلا أخذ الجميع يسرع ويسلموا ويحلفون للمسلمين على تسليم من عندهم فقيل لهم تضمنكم الرواية فلم يضمنوا فتحير السلطان وقال مت سلمن إليهم من غير احتياط بالشرط كان على الإسلام غبن وعار فلو أيقنا بخلاص أصحابنا سمحنا لهم في الحجال بصليب الصلبوت والأسارى والمال ووقف الأمر إلى أن مضى الأجل.
وجاء الرسل ورأوا الأسارى قد حضروا والمال موزوناً فظنوا أن صليب الصلبوت قد أرسل إلى دار الخلافة فسألوا إحضاره لينظروه فلما أحضر خروا له ساجدين اطمأنوا وظهر للسلطان منهم إمارات الغدر.
وفي يوم الأربعاء الحادي والعشرين من رجب أخرج الإفرنج إلى ظاهر المرج خياماً نصبوها وجلس فيها ملك الانكثير ومعه خلق من جماعته.
(غدر ملك الانكثير وقتل المسلمين المأخوذين بعكا)
وفي عصر يوم الثلاثاء سادس عشري رجب ركب الإفرنج بأسرهم وجاؤا
стр. 401
إلى المرج الذي بين تل الصياصية وتل كيسان فعلم السلطان بذلك فركبت العساكر نحوهم وكانوا قد أحضروا أساري المسلمين وهم واقفون في الجبال وحملوا عليهم وقتلوهم جميعهم فحمل عليهم العسكر وقتل منهم خلقاً كثيراً وانصرف العدو إلى خيامه.
فلما وقع هذا الغدر تصرف السلطان في ذلك المال وأعاد أساري الإفرنج إلى دمشق وأعاد صليب الصلبوت.
(رحيل الإفرنج صوب عسقلان)
وفي سحر الأحد غرة شعبان عزم الإفرنج على التوجه إلى عسقلان وساروا فعلم السلطان بذلك وكنت نوبة اليزك في ذلك اليوم للملك الأفضل فوقف في طريقهم وشتت شملهم وأرسل يستنجد والده أن يمده بعسكر حتى يقاتلهم فاستشار من حضر عسكره فقيل للسلطان إن العسكر لم يتأهب للقتال والإفرنج قد فأتوا والحرب قائم عند قيسارية وقصده أولى فصرف السلطان عزمه وتوجه نحو قيسارية ونزل على النهر الذي يجري إلى قيسارية وأقام هناك وأي مراراً بأسارى فأمر بإراقة دمهم.
(وقعة قيسارية)
وفي يوم الاثنين تاسع شعبان وصل الخبر للسلطان برحيل الإفرنج وإنهم سائرون في جمع فركب السلطان ومن معه وسار العدو بإزائه وكانت هناك بركة كبيرة مملوءة بالماء والإفرنج على عزم ورودها فصدهم عسكر الإسلام عنها وطردوهم فولوا مدبرين وانصرفوا نحو الساحل ونزلوا على نهر يقال له نهر القصب بعد مشق حصلت لهم من المسلمين ونزل العسكر بعد انقضاء الحرب على البركة ثم رحل ونزل على نهر القصب في أوله وهو الذي نزل العدو في أسفله فقربت المسافة.
стр. 402
وكان شخص من الأمراء اسمه عز الدين ابن المقدم أبصر جماعة من الإفرنج مقبلين لكشف حال العسكر فعبر إليهم النهر وقتل منهم عدة وأسر ثلاثة فركب الإفرنج وحملوا عليه وكانت وقعة عظيمة وأحضر الأسارى عند السلطان ورحل وقت الظهر قاصداً نحو أرسوف ونزل على قرية بقربها وأقام بها يوم الأربعاء والعدو في مكانه الأول.
(اجتماع الملك العادل وملك الانكثير)
كان في اليزك علم الدين سليمان بن جندر فراسله العدو أن يتحدث مع الملك العادل فاجتمعا يوم الخميس فتكلما في الصلح وإخماد الفتنة فقال له الملك العادل ما الذي تريده؟ فقال رد البلاد فقال العادل هذا لا سبيل إليه وأغلظ له في القول وكان الترجمان بينهما هنفرى بن هنفرى فلما سمع ملك الانكثير ذلك غضب وتفرقا على غير شيء.
(وقعة أرسوف)
لما عرف السلطان من أخيه الملك العادل ما جر بينه وبين ذلك الملعون جمع يوم الجمعة العساكر وسير الثقل وركب.
فلما أسفر صباح السبت رابع عشر شعبان ركب العدو على صوب أرسوف فهجم عليهم عسكر الإسلام وأحاط بهم واشتد القتال بينهم فحملوا على أطلاب المسلمين حملة واحدة فاستشهد جماعة من المسلمين ثم كر العسكر على الكفار فصدوهم وكسروهم وقتل منهم جماعة وأسر جماعة وهرب الإفرنج ودخلوا أرسوف ونزلوا قريباً من الماء وبات السلطان تلك الليلة على نهر العوجاء وأقام العدو يوم الأحد في موضعه ثم رحل يوم الثلاثاء سائراً إلى يافا فعارضهم العسكر في طريقهم.
ثم رحل السلطان يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان ونزل بالرملة واجتمع عنده
стр. 403
الأثقال كلها ثم رحل ونزل بظاهر عسقلان بعد العصر.
(خراب عسقلان)
لما نزل السلطان بالرملة أحضر عنده أخاه الملك العادل وأكابر الأمراء أشاورهم في أمر عسقلان فأشار بعضهم بخرابها للعجز عن حفظها فإن الإفرنج نزلوا بيافا وهي مدينة القدس وعسقلان متوسطة ولا سبيل إلى حفظ المدينتين إلا بعدد كثير وتيقن إنهم إذا وصلوا إلى عسقلان تسلموها كما وقع في عكا واقتضى الحال هدمها.
ووصل السلطان إلى عسقلان وشرع في هدمها بكرة يوم الخميس تاسع عشر شعبان فنقض أسوارها وهدم منازلها وكانت ممن أحس المدن وأظرفها فصارت خراباً داثرة وحصل لأهلها مشقة زائدة بهدمها وباعوا أمتعتهم بأنجس الأثمان وتشتتوا في البلاد.
(فصل)
فلما هدمها رحل يوم الثلاثاء ثاني شهر رمضان ونزل على يبنا ونزل يوم الأربعاء ثالث الشهر بالرملة ثم خرج إلى لد وأشرف عليها وأمر بإخرابها وإخراب قلع الرمل ففعل ذلك ثم توجه إلى بيت المقدس وأتاه يوم الخميس وخرج منه يوم الاثنين ثامن شهر رمضان بعد الظهر وبات في بيت نوبة وعاد إلى المخيم يوم الثلاثاء ضحوة.
وفي هذا التاريخ خرج ملك الانكثير متنكراً فخرج عليه الكمين وجرى قتال عظيم حتى كاد يؤسر الملك وقد أسر منه جماعة.
وجرى يوم الجمعة ثاني عشر الشهر بين اليزكية وأهل الكفر وقعة قتل منهم مقدم كبير.
стр. 404
ورحل السلطان يوم السبت ثالث عشره ونزل على تل عال عند النطرون وهي قلعة منيعة فهدمها وأشاع الإقامة هناك وأفاض الانعام على العسكر.
(ذكر ما تجدد لملك الانكثير)
وصلت رسل ملك الانكثير إلى العادل بالمصالحة وترددت الرسل وانتظم الحال على أن العادل يتزوج أخت ملك الانكثير ويحكم العادل في البلاد وتكون المرأة مقيمة بالقدس ويوطن العادل مقدم يالافرنج والرواية والاستبار ببعض القرى ولا يمكنهم من الحصون ولا يقيم معها في القدس إلا قسس ورهبان فاستدع العدل جماعة من الأعيان منهم العماد الكاتب وغيره سألهم في المضي إلى السلطان وإعلامه بذلك وسؤاله في ذلك.
فحضروا إلى السلطان وأخبروه بالحال فسمح ورضى وذلك في يوم الاثنين تاسع عشري رمضان وعاد الرسول إلى ملك الانكثير.
ثم أن أكابر الإفرنج عرضوا ذلك قسسهم فلم يرضوه وخبثوا المرأة وند موها وعنفوها بتزويجها بالمسلم فانثنى عزمها عن التزويج وقالت أتزوجه بشرط أن يوافقني على ديني فأنف العادل من ذلك واعتذر الملك بامتناع أخته وبطل الاتفاق وكان ذلك يوم العيد.
وفي يوم العيد خلع السلطان على أكابره ومد لهم سماطاً ونزل السلطان بالرملة ليقرب من العدو وتواتر الخبر بأن الإفرنج على عزم الخروج فسار يوم الاثنين سابع شوال وخيم خارج الرملة.
وجاء الخبر أن العدو قد خرج إلى باروز فتسارع العسكر إليهم وقربوا من خيامهم وأحاطوا بهم فركب الإفرنج وحملوا على الناس حملة فاندفعوا بين أيديهم فاستشهد ثلاثة وكان السلطان في كل يوم يركب ولا يخلو من وقعة يقتل فيها من الكفار.
стр. 405
(وقعة الكمين)
وفي ليلة الأربعاء سادس عشر شوال أمر السلطان رجال الحلقة المنصورة بأن يكمنوا في جهة عينها وخرج الإفرنج للاحتشاش ولقيهم إعراب فتواقعوا معهم وخرج الكمين واقتتلوا معهم وقتل جماعة من الكفار واستشهد ثلاثة من المماليك الخواص وأسر من الإفرنج فارسان وأحضرا للسلطان وانفصل الحرب وقت الظهر.
(اجتماع الملك العادل بملك الانكثير)
وفي يوم الجمعة ثامن عشر شوال ضرب الملك العادل بقرب اليزك لأجل ملك الانكثير ثلاث خيام وجهز فاكهة وحلو وطعاماً وحضر ملك الانكثير وطالت بينهما المحادثة وافترقا عن غير موافقة ومضى الملك.
وكان قد وصل صاحب صيدا من صور برسالة المر كيس لطلب الصلح مع السلطان حتى يقو يده على ملك الانكثير وبلغ ذلك ملك الانكثير فوصل رسوله أيضاً بنظير هذا الأمر ومض القول مع صاحب صيدا إلى المر كيس على شرائط شرطت عليه وأما مراسل الملك فلم ينتج منها أمر وكلما حصل الاتفاق معه على شيء نقصه وكلما قال قولاً رجع عنه فلعنه الله عليه.
وفي يوم الأحد سابع عشري شوال عاد السلطان إلى المخيم بالنطرون ورحل الإفرنج يوم السبت ثالث ذي القعدة وتقدموا إلى الرملة ونزلوا بها ولم يشك إنهم على قصد القدس وأقام السلطان في كل يوم له سرايا وصار لهم في كل يوم وقع وما يخلو من أسر تقاد إليه ثم هجم الشتاء وتوالت الأمطار فعزم على الرحيل.
(رحيل السلطان إلى القدس)
وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من ذي القعدة ركب السلطان والغيث نازل وسار بمن معه حتى وصل إلى القدس قبل العصر ونزل بدار الاقساء المجاورة
стр. 406
لكنيسة قمامة وشرع في تحصين المدينة وصلى يوم الجمعة مستهل ذي الحجة وصل إليه عسكر من مصر وتتابعت العساكر المصرية ووصل الخبر بنزول الإفرنج بالنطرون فوقع الارجاف في الناس.
وجرت يوم الخميس سابع الشهر وقعة قرب بيت نوبة من سرية جهزها السلطان فوقعوا على سرية الإفرنج فأسروها وقتلوها ووصلوا بزهاء خمسين أسيراً إلى القدس وكانت بشرى عظيمة.
ثم وقعت وقعة أخر قتل من الكفار ستة وأسر أربعة.
وصلى السلطان عيد الأضحية بالقدس يوم الأحد وكانت الوقفة بمكة يوم الجمعة لكن لم ير الهلال بالقدس ليلة الخميس.
وفي يوم الجمعة خامس عشر ذي الحجة وقعة بالرمل من أميرين أغارا على الإفرنج وأخذا أموالا وأغناما وخيلا وجمالا وبغالا وأسرا ممن كان في القافلة ثلاثين وأحضراهم للسلطان وأحاط الإفرنج البلاء وكثرت عليهم الغارات فرحلوا وعادوا إلى الرملة وطابت قلوب المسلمين.
(ذكر ما اعتمده السلطان في عمارة القدس)
وصل ممن الموصل جماعة للعمل في الخندق جهزهم صاحب الموصل صحبة بعض حجابه وسير معه مالاً يفرقه عليهم في رأس كل شهر وأقاموا نصف سنة في العمل وأمر السلطان بحفر خندق عميق وأنشأ سوراً وأحضر من أسرى الإفرنج قريباً من ألفين ورتبهم في ذلك وجدد أبراجاً حربية من باب العمود إلى باب المحراب وباب المحراب هو المعروف الآن بباب الخليل وأنفق عليها أموالاً جزيلة وبناها بالأحجار الكبار وكان الحجر يقطع من الخندق ويستعمل في بناء السور وقسم بناء السور على أولاده وأخيه العادل وأمرائه وصار يركب كل يوم ويحضر على بنائه.
стр. 407
وكان يحمل الحجر على قربوس سرجه ويخرج الناس لموافقته على حمل الحجر إلى موضع البناء ويتولى ذلك بنفسه وبجماعة خواصه والأمراء ويجتمع لذلك العلماء والقضاة والصوفية والأولياء وحواشي العساكر والاتباع وعوام الناس فبنى في أقرب مدة ما يتعذر بناؤه في سنين وأرسل السلطان لصاحب الموصل يشكره على تجهيز الرجال لحفر الخندق بمكاتبة أنشأها العماد الكاتب رحمه الله تعالى ودخلت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة والسلطان مقيم بالقدس في دار الاقساء بجوار قمامة لتقوية البلد وتشييد أسواره وجد في عمارة الصخرة المقدسة وأكمل السور والخندق وصار في غاية الإتقان واطمأن أهل الإسلام.
(ذكر الحوادث مع الإفرنج)
رحل الإفرنج يوم الثلاثاء ثالث المحرم من الرملة إلى بلد عسقلان ونزلوا بظاهرها يوم الأربعاء وتشاوروا في إعادة عمارتها وكان اثنان من الأمراء نازلين في بعض أعمالها فركب ملك الانكثير عصر يوم الخميس فشاهد دخاناً على البعد فساق متوجهاً إلى تلك الجهة فما شعر المسلمون إلا بالكبسة عليهم فلم ينزعجوا فإنه كان وقت المغرب وهم مجتمعون ولم ير العدو إلا أحد القسمين من المسلمين فقصده فعرف القسم الآخر هجوم العدو فركبوا إلى العدو فدفعوه حتى ركب رفقاؤهم المقصودون واجتمعوا وردوا العدو ثم تكاثر الإفرنج وتواصلوا ووقعت الوقعة فلم يفقد من المسلمين إلا أربعة ونجا الباقون وكانت نوبة عظيمة ولكن الله سلم فيها.
وفي يوم الثلاثاء عاشر المحرم ركب السلطان على عادته في نقل الحجارة والعمارة ومعه الملوك والأمراء والقضاة والعلماء والصوفية والزهاد والأولياء وخرج
стр. 408
كل بالبلد وهو قد حمل على سرجه والناس ينقلون معه ولما دخل الظهر نزل في خيمة بالصحراء ومد السماط ثم صلى الظهر وانصرف إلى منزله.
وأما سراياه فكانت لا تزال تغير على الكفار فمن ذلك سرية أغارت يوم الأربعاء الحادي عشر من المحرم على يبنا وفيها الإفرنج فغنمت اثني عشر أسيراً وخيلاً ودواب وأثاثاً كثيراً.
وفي يوم الثلاثاء ثاني صفر أغارت السرية على ظاهر عسقلان وغنمت ثلاثين أسيراً سوى الخيل والبغال.
وفي ليلة الأحد رابع عشر صفر صبحت سرية على يبنا وظهرت على قافلة الإفرنج فأخذتها بأسرها مع رجالها وبغالها وأحمالها ثم أغارت على يافا فقتلت وفتكت وعادت بالغنيمة والسبايا وعجز جماعة من الأسارى عن المشي فضربت أعناقهم وأوجب ذلك عتق الباقين.
ولما خرج سيف الدين علي بن أحمد المعروف بالمشطوب من الأسر قرر على نفسه قطيعة خمسين ألف دينار فأد منها ثلاثين ألفاً وأعطى رهائن على عشرين ألفاً ووصل إلى القدس واجتمع بالسلطان يوم الخميس مستهل شهر ربيع الآخر فقام إليه واعتنقه وتلقاه واقطعه نابلس وأعمالها وعاش إلى آخر شوال من هذه السنة وتوفي ﵀ فعين السلطان ثلث نابلس وأعمالها لمصالح البيت المقدس وعمارة سورة وأبقى باقيها لولده.
(هلاك المركيس بصورة)
أضاف الأسقف بصور يوم الثلاثاء ثالث عشر ربيع الآخر فأكل وخرج وركب فوثب عليه رجلان وقتلاه بالسكاكين فأمسكا وسئلا من هو الأمر لكما بقتله؟ فقالا ملك الانكثير فقتلا شر قتلة.
стр. 409
ولما هلك المركيس تحكم ملك الانكثير في صور وولاها الكندهرى وأرسل الملك يطلب من السلطان نصف البلاد سوى القدس فإنه يبق للمسلمين بمدينته وقلعته سوى كنيستهم قمامة فأبى السلطان ولم يرض.
(استيلاء الإفرنج على قلعة الداروم)
وقلعة الداروم هذه على حد مصر خلف غزة وكانت منها مضرة كبيرة فلما شرع الإفرنج في عمارة عسقلان ترددوا إليها مراراً ثم نزلت الإفرنج عليها واشتد زحفهم إليها عشية السبت تاسع جماد الأولى بعد أن نقبوها وطلب أهلها الأمان فلم يؤمنوا ولما عرف الوالي بها إنهم مأخوذون عمد إلى الخيل والجمال والدواب فعرقبها والى الذخائر فأحرقها وفتحوها بالسيف وقتلوا من بها وأسروا منهم عدة يسيرة وكانت نوبة كبيرة على الإسلام.
ثم رحل الإفرنج عنها ونزلوا على ماء يقال له الحسي يوم الخميس رابع عشر الشهر ثم تركوا خيامهم وساروا على قصد قلعة يقال لها مجدل الجبان فخرج عليهم المسلمون وقاتلوهم قتالاً شديداً وقتل منهم خلق كثير وانهزموا.
ثم رحلوا من الحسي يوم الأحد سابع عشر لشهر وتفرقوا في يقين فبعضهم عاد إلى عسقلان وبعضهم جاء إلى بيت جبريل فتقدم السلطان إلى العساكر بمبارزتهم وفي يوم السبت الثالث والعشرين نزلوا بتل الصافية ونزلوا يوم الثلاثاء السادس والعشرين بالنطرون فأرجف بقصدهم القدس ثم ضربوا خيامهم يوم الأربعاء على بيت توبة.
وأظهر السلطان الإقامة بالقدس وفرق الأمراء على الأبراج وجرت وقعات وكبسات وفي يوم السبت نزل الناس إليهم وقاتلوهم في خيامهم وركب العدو وساق إلى قلونية وهي ضيعة من القدس على فرسخين وعاد منهزماً.
стр. 410
وفي يوم الثلاثاء ثالث جمادى الآخرة خرج كمين في طريق يافا على قافلة فأخذوها وأسروا من فيها.
(كبسة الإفرنج على عسكر مصر الواصل)
كان السلطان يستحث عسكر مصر بكتبه ورسله ويدعوه نجد لأهل القدس فضرب خيامه على بلبيس مدة حتى اجتمعوا وانضم إليهم التجار فاغتروا بكثرتهم والعدو منتظر قدومهم وجاء الحبر للسلطان ليل الاثنين تاسع جمادى الآخر إن ملك الانكثير ركب في جمع كبير وسار عصر يوم الأحد فجرد السلطان أميراً وجماعة لتلقي الواصل وأمرهم بأن يأخذوا بالناس في طريق البرية فعبروا علماء الحسي قبل وصول العدو إليه.
وكان مقدم العسكر المصري فلك الدين أخو العادل فلم يسأل عن المنزلة وقصد الطريق الأقرب وترك الأحمال على طريق أخرى ونزل على ماء يعرف بالخويلفة وناد تلك الليلة إنه لا رحيل إلى الصباح وناموا مطمئنين فصبحهم العدو عند انشقاق الصبح في الغلس فلما بغتهم ركب كل منهم على وجهه وفيهم من ركب بغير عدة وانهزموا وتركوا العدو وراءهم فوقع العدو في أمتعتهم وتفرق العسكر في البرية فمنهم من رجع إلى مصر ومنهم من توجه على طريق الكرك فأخذ الكفار من الجمال والأحمال ما لا يعدو ولا يحصى وكانت نكبة عظيمة ووصل الجند مسلوبين منكوبين فسلاهم السلطان ووعدهم بكل جميل واشتغل الكفار بالمال عن القتل والقتال.
(رحيل ملك الانكثير صوب عكا مظهراً إنه على قصد بيروت)
لما تعذر على الإفرنج قصد القدس ورأوا أن بيروت فزع منهم وقطع عليهم طريق البحر فقالوا هذا البلد أخذه هين وإذا قصدناه جاء السلطان وعسكره إلينا وخلا القدس فنبادر إليه من يافا وعسقلان ونملكه فلما عرف السلطان ما عزموا
стр. 411
عليه أمر ولده الملك الأفضل بمبادرتهم في الرحيل وسبقهم إلى مرج عيون حتى إذا تيقن قصدهم سبقت العساكر إلى بيروت ودخلتها وكتب السلطان إلى العساكر الواصلة إلى دمشق أن يكونوا مع وله فنزل بمرج عيون والإفرنج بعكا لم تخرج منها.
(نزول السلطان على مدينة يافا وفتحها)
لما رحل ملك الانكثير وترك في مدينتي يافا وعسقلان جمعاً من العسكر انتهز السلطان الفرصة لغيبته ونهض بعسكره الحاضر ونزل على يافا وحصرها ورماها بالمناجيق وزحف عليها وهجم على المدينة وقتل من بها ووجدت الأحمال المأخوذة من قافلة مصر فأخذت وامتلأت البلد من المسلمين وبقيت القلعة وطلب أهلها الأمان ويسلمونها وكان قرب الاستيلاء عليها فلما طلبوا الأمان كف الناس عنها فخرج البطرك الكبير ومعه جماعة من المقدمين والأكابر على أن يدخلوا تحت طاعة السلطان وسلموا المال والذخائر حتى دخل الليل فاستمهلوا إلى الصباح وطلبوا من يحفظهم من المسلمين.
وما زال يخرج من يستدعي زيادة التوثقة حتى وصل ملك الانكثير في البحر في مراكب في الليل ودخل القلعة من الجانب البحري ونادوا بشعار الكفر فاكتفى مكنهم بمن أسر وندم المسلمون على ما وقع من الأمان ولو أن السلطان توقف في تأمينهم لأخذت القلعة وكان ذلك فتحاً عظيماً وأخذ المسلمون من الأموال والغنائم ما لا يحصى واستعادوا من الكفار ما نهبوه من الكبسة المصرية وقتل من أقام بالبلد وأسر وحصل في أيدي المسلمين من مقدمي القلعة نيف وسبعون وكان القصد في الأول رجوع الكفار عن قصد بيروت وضعف الإفرنج من هذه الوقعة وعاد السلطان وخيم على النطرون وأقام السلطان حتى تكاملت العساكر ورحل السلطان ونزل بالرملة وقد اجتمع العساكر من سائر البلاد وقوى واشتد
стр. 412
عزم المسلمين وحصل لهم السرور بفتح يافا وأخذ ما فيها وتباشروا بالنصر وخذلان العدو.
(الهدنة العامة)
لما عرف ملك الانكثير اجتماع العساكر واتساع الخرق عليه وأن القدس قد امتنع أخذه قصر عما كان فيه وخضع وأظهر إنه لم يهادن السلطان وأقام وجد في القتال ثم طلب المهادنة وكاتب الملك العادل يسأله الدخول على السلطان في الصلح فلم يجب السلطان لذلك وأحضر السلطان الأمراء وشاورهم وقال لهم نحن بحمد الله في قوة وقد ألفنا الجهاد وما لنا شغل إلا العدو وحرضهم على التثبيت والتصميم وحثهم على الجهاد فقالوا له رأيك سديد والتوفيق في كل ما تريد غير أن البلاد تشعثت وقلت الأقوات وإذا حصلت الهدنة ففي مدتها نستريح ونستعد للحرب والصواب القبول عملا بقول الله (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) وتعود البلاد إلى العمارة واستيطان أهلها وتكثر في مدة الهدنة الغلة وإذا عادت أيام الحرب عدنا وما زالوا بالسلطان حتى رضى وأجاب.
ثم حصل الصلح والمهدنة بين السلطان وبين الإفرنج بشفاعة جماعة من أعيان جماعة السلطان وعقد الهدنة عامة في البحر والبر وجعل مدتها ثلاث سنين وثمانية أشهر أولها يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة الموافق لأول أيلول وحسبوا أن وقت الانقضاء يوافق وصولهم من البحر واستقر أمر الهدنة وتحالفوا لذلك ولم يحلف ملك الانكثير بل أخذوا يده وعاهدوه وأعتذر بأن الملوك لا يحلفون وقنع السلطان بذلك وحلف الكندهرى أخته وخليفته في الساحل وحلف غيره من عظماء الإفرنج ووصل ابن الهنفرى وماليان إلى خدمة السلطان ومعهما جماعة من المقدمين وأخذوا يد السلطان على الصلح واستحلفوا الملك العدل أخا السلطان والملكين الأفضل والظاهر ابني السلطان
стр. 413
والملك المنصور صاحب حماه محمد بن تقي الدين عمرو الملك المجاهد شير كوه صاحب حصن حمص والملك الأمجد بهرام شاه صاحب بعلبك والأمير بدر الدين ولدرم البارفي صاحب تل باشر والأمير سابق الدين عثمان ابن الداية صاحب سرمين والأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب وغيرهم من المتقدمين الكبار.
وكانت الهدنة على أن يستقر بيد الإفرنج من يافا القيسارية إلى عكا إلى صور وأن تكون عسقلان خراباً واشتراط السلطان دخول بلاد الإسماعيلية في عقد هدنته واشتراط الإفرنج دخول أنطاكية وطرابلس في عقد هدنتهم وأن تكون لد والرملة مناصفة بينهم وبين المسلمين.
فاستقرت المهادنة على ذلك وحضر العماد الكاتب لإنشاء عقد الهدنة وكتبها ونادى المنادي بانتظام الصلح وأن البلاد النصرانية والإسلامية واحدة في الأمن والمسالمة فمن شاء من كل طائفة يترددوا إلى بلاد الطائفة الأخرى من غير خوف ولا محذور.
وكان يوماً مشهوداً نال الطائفتان فيه من المسرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى وكان ذلك مصلحة فيعلم الله تعالى لأنه اتفقت وفاة السلطان بعد الصلح بيسير فلو اتفق ذلك في أثناء وفاته الإسلام على خطر.
(ذكر ما جرى بعد الصلح)
عاد السلطان إلى القدس واشتغل في إكمال السور والخندق وفسح للإفرنج كاف في زيارة قمامة فجاؤوا وزاروا وقالوا إنما كنا نقاتل على هذا الأمر ولكن ملك الانكثير أرسل للسلطان يسأله منع الإفرنج من الزيارة إلا من وصل معه كتابه أو رسوله وقصد بذلك ربوعهم إلى بلادهم بحسرة الزيارة ليشتد حنقهم على الجهاد والقتال إذا عادوا فاعتذر السلطان إليه بوقوع الصلح والهدنة وقال له أنت أول بردهم وردعهم فإنهم إذا جاؤوا لزيارة كنيستهم ما يليق بنارهم.
стр. 414
ومرض ملك الانكثير وركب البحر وأقلع وسلم الأمر إلى الكندهرى ابن أخته من أمه وهو ابن أخت ملك افرنسيس من أبيه.
وعزم السلطان على الحج وصمم عليه وكتب إلى مصر واليمن بذلك فما زال الجماعة به حتى انثنى عزمه فشرع في ترتيب قاعدة القدس في الولاية والعمارة وكان الوالي بالقدس حسام الدين شاروخ وهو تركي وفيه دين وخير وكان قد أحس السيرة وفوض ولاية القدس إلى عز الدين جرد بك وكان أميراً معتبراً شجعاً وولى علم الدين قنصو أعمال الخليل وعسقلان وغزة والداروم وما وراءها وسأل الصوفية عن أحوالهم وزاد في أوقاف المدرسة الصلاحية والخانقاه وجعل الكنيسة المجاورة لدار الاستبارية بقرب قمامة بيمارستان للمرضى ووقف عليه مواضع ووضع فيه ما يحتاج من الأدوية والعقاقير وفوض النظر والقضاء في هذا الوقف إلى القاضي بهاء الدين يوسف بن رافع بن تميم المشهور بابن شداد لعلمه بكفاءته.
(رحيل السلطان إلى دمشق)
وخرج السلطان من القدس ضحوة الخميس خامس شوال ونزل على نابلس ضحوة يوم الجمعة فشك أهلها على صاحبها سيف الدين علي المشطوب إنه ظلمهم فأقام السلطان بها إلى ظهر يوم السبت حتى كشف ظلا متهم ورحل بعد الظهر وأصبح على جبينين ثم رحل إلى بيسان ثم إلى قلعة كوكب ثم سار ونزل بظاهر طبرية ولقيه هناك بهاء الدين قراقوش وقد أخرج ممن الأسر ثم رحل ونزل بقرب قلعة صفد تحت الجبل وصعد السلطان إليها وأمر بعمارتها ثم سار إلى أن خيم على مرج تبين وتفقد أحوالها وأمر بعمار قلعتها ثم سار ونزل على عين الذهب ورحل وخيم بمرج عيون ثم سار وعبر من عمل صيدا وكلما نزل في مكان يدبر أمره ويرتب أحواله ويأمر بعمارته إلى أن وصل بيروت فتلقاه وإليها عز الدين أسامة وقدم للسلطان ولأركان دولته الهدايا والتحف النفيسة.
стр. 415
(وصول الإبرنس صاحب أنطاكية)
لما أراد السلطان الرحيل من بيروت في يوم السبت الحادي والعشرين من شوال قيل له إن الابرنس الأنطاكي قد وصل إلى الخدمة فأقام السلطان وأذن للابرنس في الدخول عليه فلما تمثل بين يديه أكرمه وأظهر البشاشة وسكن روعه وكان معه من مقدمي فرسانه أربعة عشر باروشا وخلع عليه وعليهم وأجزل لهم العطاء وودعه يوم الأحد وفارقه وهو مسرور محبور.
(وصول السلطان إلى دمشق)
لما خرج السلطان من بيروت يوم الأحد بات بالمخيم على البقاع ثم سار ووصل إليه أعيان دمشق لتلاقيه وجاءه فواكه دمشق وأطايبها وأصبح يوم الأربعاء فدخل كل من في المدينة وفرح الناس به وكان غيبة السلطان عن دمشق أربع سنين في الجهاد فحصل لهم الفرح والسرور وكان يوماً مشهوداً لدخوله.
وجلس السلطان في دار العدل ونظر في أحوال الرعي وأزال المظالم وأقام بهاء الدين قراقوش إلى أن أخلص أصحابه من الأسر ثم توجه إلى مصر. واطمأن تااس فى أوطانهم، وخرجت السنة والأمر على ذلك.
ودخلت سنة تسع وثمانين وخمسمائة والسلطان مقيم بدمشق في داره ورسل
الأمصار واردون عليه وهو يجلس كل يوم وليلة بين أخصائه ويجالسه العلماء والفضلاء والظرفاء والأدباء، وسار إلى الصيد شرقي دمشق وصحبته الملك العادل ثم عاد يوم الاثنين حادي عشر صفر ووافق عود الحاج الشامي، فخرج لتلقيه. فلما رآه فاضت عيناه لفوات الحج وسألهم عن أحوال مكة وأميرها وسر بسلامة
стр. 416
الحاج ووصل إليه من اليمن ولد أخيه سيف الإسلام فتلقاه وأكرمه وتوجه الملك العادل إلى الكرك.
(ذكر وفاة السلطان رحمة الله عليه)
جلس ليلة السبت سادس عشر صفر في مجلسه على عادته وحوله خواصه منهم العماد الكاتب حتى مضى من الليل ثلثه وهو يحدثهم ويحدثونه ثم صلى وانصرفوا فلما بات لحقه كسل عظيم وغشيه نصف الليل حم صفراوية وأصبحوا يوم السبت وجلسوا في الإيوان لانتظاره فخرج بعض الخدام وأمر الملك الأفضل أن يجلس موضعه على السماط وتطير الناس من تلك الحال ودخلوا إليه ليلة الأحد لعيادته وأخذ المرض في التزايد وحدث به السابع رعشة وغاب ذهنه واشتد الارجاف في البلد الثاني عشر من مرضه فتوفي رحمه الله تعالى صبح تلك الليلة وهي المسفرة عن نهار الأربعاء السابع والعشرين من شهر صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة بعد صلاة الصبح وغسله الفقيه ضياء الدين أبو القاسم عبد الملك بن يزيد الدولقي الشافعي خطيب جامع دمشق وأخرج بعد صلاة الظهر من نهار الأربعاء في تابوت مسجى بثوب وجميع مما احتاج إليه في تكفينه أحضره القاضي الفاضل من جهة حل عرفه وصل عليه الناس وكثر عليه التأسف من خلق واشتد حزنهم لفراقه ودفن في قلعة دمشق في الدار التي كان مريضاً فيها وكان نزوله إلى قبره وقت صلاة العصر.
وكان يوم موته لم يصب الإسلام بمثله منذ فقد الخلفاء الراشدين ﵃ وغشي القلعة والدنيا وحشة لا يعلمها إلا الله.
قال العماد الكاتب مات بموت السلطان رجاء الرجال وفات بفواته الاتصال وغاضت الأيادي وفاضت الأعادي وانقطعت الأرزاق وادلهمت الآفاق فجع
стр. 417
الزمان بواحده وسلطانه ورزئ الإسلام بمشيد أركانه.
أرسل الملك الأفضل الكتب بوفاة والده إلى أخيه العزيز عثمان بمصر والي أخيه الظاهر الغازي بحلب والي عمه الملك العادل بالكرك.
ثم أن الملك الأفضل عمل لوالده تربة بالقرب من الجامع الأموي - وكانت داراً لرجل صالح - ونقل إليها السلطان يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة ومشى الأفضل بين يدي تابوته وأخرج من باب القلعة على دار الحديث إلى باب البريد وأدخل إلى الجامع ووضع قدام الستر وصلى عليه القاضي محيي الدين بن القاضي زكي الدين بالجامع الأموي ثم دفن وجلس ابنه الملك الأفضل في الجامع ثلاثة أيام للعزاء.
وأنفقت ست الشام بنت أيوب أخت السلطان في هذه النوبة أموالاً عظيمة وكان عمر السلطان حين وفاته قريباً من سبع وخمسين سنة لأن مولده بتكريت في شهور سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة لما كان عمه وأبوه بها وكان خروجهم منها في الليلة التي ولد فيها فتشاءموا به وتطيروا منه فقال بعضهم لعل فيه الخيرة وما يعلمون فكان كما قال.
واتفق أهل التاريخ على أن أباه وأمه من دوين - بضم الدال المهملة وكسر الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون - وهي بلدة في خر عمل أذربيجان وإنهم أكراد روادية ولم يزل صلاح الدين تحت كنف أبيه حتى ترعرع ولما ملك نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي دمشق لازم نجم الدين أيوب خدمته وكذلك ولده الملك صلاح الدين ولم تزل مخائل السعادة عليه لائحة والنجابة له ملازمة تقدمه من حالة إلى حالة ونور الدين يرى له ويؤثره ومنه تعلم صلاح الدين طريق الخير وفعل المعروف والجهاد إلى أن كان من تقدير الله ما سبق شرحه من أمر سلطنته وسيرته.
وكانت مد ملكه بالديار المصرية نحو أربع وعشرين سنة وملك الشام
стр. 418
قريباً من سبع عشرة سنة وهو أول الملوك بالديار المصرية بعد انقراض الدولة الفاطمية قال العيني وهو أول من لقب بالسلطان والذي يظهر إن مراده أول من لقب بالسلطان من ملوك مصر والله أعلم فإني رأيت في التواريخ من لقب بالسلطان من ملوك العراق قبل الملك صلاح الدين.
وخلف سبعة عشر ولداً ذكراً وابنه صغيرة ولم يخلف في خزانته سوى دينار واحد وستة وثلاثين درهما ناصرية وهذا من رجل له الديار المصرية والشام وبلاد المشرق واليمن دليل قاطع على فرط كرمه ولم يخلف داراً ولا عقاراً ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب أو موعود به وكانت مجالسه منزهة عن الهزؤ والهزل ولم يؤخر صلاة عن وقتها ولا صلى إلا في جماعة وكان شافعي المذهب يكثر من سماع الحديث النبوي وقرأ مختصراً في الفقه تصنيف سليم الرازي وكان إذا عزم على أمر توكل على الله وكان حسن الخلق صبوراً على ما يكره كثير التغافل عن ذنوب أصحابه يسمع من أحدهم ما يكره ولا يعلمه بذلك ولا يتغير عليه وكان يوماً جالساً فرمى بعض المماليك بعضاً بسر موزة فأخطأته ووصلت إلى السلطان فأخطأته ووقعت بالقرب منه فالتفت إلى الجهة الأخرى ليتغافل عنها.
وكان طاهر المجلس فلا يذكر أحد في مجلسه إلا بخير وطاهر اللسان فلا يولع بشتم قط.
وقد أخبرت أن الدعاء عند قبره مستجاب وكذلك عند قبر الملك العادل نور الدين الشهيد رحمة الله تعالى عليهما.
وقد رثى الملك صلاح الدين الشعراء وأكثروا فيه ومن أحسن المراثي مرثية العماد الكاتب وهي مائتان واثنان وثلاثون بيتاً فمنها:
شمل الهد والملك عم شتاته … والدهر ساء وأقلعت حسناته
بالله أين الناصر الملك الذي … لله خالصة صفت نياته
أين الذي ما زال سلطاناً لنا … يرج نداه وتتق سطواته
стр. 419
أغلال أعناق العدى أسيافه … أطواق أجياد الورى مناته
من في الجهاد صفاحه ما أغمدت … بالنصر حتى أغمدت صفحاته
من في صدور الكفر صدر قناته … حتى توارت بالصفاح قناته
ألف المتاعب في الجهاد فلم يكن … مذ عاش قط لذاته لذاته
مسعود غدواته محمودة … روحاته ميمونة ضحواته
في نصرة الإسلام يسهر دائما … ليطول في روض الجنان سناته
لا تحسبوه مات شخص واحد … فممات كل العالمين مماته
ملك عن الإسلام كان محامياً … أبداً إلى أن أسلمته حماته
قد أظلمت مذ غاب عنها نوره … لما خلت من بدره داراته
دفن السماح فليس ينتشر بعد ما … وورى إلى يوم النشور رفاته
الدين بعد أبي المظفر يوسف … أقوت قواه وأقفرت ساحاته
بحر خلا من وارديه ولم تزل … محفوفة بوفوده حفاته
من لليتامى والأرامل راحم … متعطف منضوضة صدقاته
فعلى صلاح الدين يوسف دائماً … رضوان رب العرش بل صلواته
من للثغور وقد عداها حفظه … من للجهاد ولم تعد عاداته
بكت الصوارم والصواهل إذ خلت … من سلها وركوبها غزواته
يا وحشة الإسلام يوم تمكنت … في كل قلب مؤمن روعاته
ما كان أسرع عصره لما انقضى … فكأنما سنواته ساعاته
لم أنس يوم السبت وهو لما به … يبدي السبات وقد بدت غشياته
والبشر منه تبلجت أنواره … والوجه منه تلألأت سبحاته
ونقول لله المهين حكمة … في مرضة حصلت بها مرضاته
هذي مناشير المماليك تقتضي … توقيعه فيها فأين دواته
قد عاد زرعك في الربيع بجمعها … هذا الربيع وقد دنا ميقاته
стр. 420
والجند في الديوان جدد عرضه … وإذا أمرت تجددت نفقاته
والقدس طامحة إليك عيونه … عجل فقد طمحت إليه عداته
والغرب منتظر طلوعك نحوه … حتى تفيء إلى هداك بغاته
والشرق يرجو عز عزمك راضياً … في ملكه حتى تطيع عصاته
مغرى باسداء الجميل كأنما … فرضت عليه كالصلاة صلاته
هل للملوك مضاؤه في موقف … شدت على أعدائه شداته
كم جاءه التوفيق في وقعاته … من كان بالتوفيق توقيعاته
يا راغباً في الدين حين تمكنت … منه الذئاب وأسلمته رعاته
فارقت ملكاً غير باق متعباً … ووصلت ملكاً باقياً راحاته
أبني صلاح الدين أن أباكم … ما زال يأبي ما الكرام باقياً أباته
لا يقتدوا إلا بسنة فضله … ليطيب في مهد النعيم سباته
وردوا موارد عدله وسماحه … لترد عن نهج الشمات شماته
(ذكر ما استقر عليه الحال بعد وفاة الملك صلاح الدين)
تغمده الله برحمته
واستقر في الملك بدمشق وبلادها المنسوبة إليها الملك الأفضل نور الدين أبو الحسن على أكبر أولاد السلطان بعهد من أبيه.
وبالديار المصرية الملك العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان وبحلب الملك الظاهر غياث الدين أبو الفتح غازي وبالكرك والشوبك والبلاد الشرقية الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب أخو السلطان وبحماه وسليمه والمعرة ومنبج الملك المنصور ناصر الدين محمد الدين بهرام شاه ابن فرخ شاه ابن شاهنشاه بن أيوب وبحمص والرحبة وتدمر الملك المجاهد شيركوه بن محمد شيركوه ابن شادي.
стр. 421
وبيد الملك الظافر خضر ابن السلطان صلاح الدين بصري وهو في خدمة أخيه الملك الأفضل.
وبيد الملك الزاهر مجير الدين داود ابن السلطان صلاح الدين البيرة وأعمالها واستقر إقليم اليمن للملك ظهير الدين سيف الإسلام طغتكين بن أيوب أخي السلطان ولم يزل الملك الأفضل بالشام والملك العزيز بمصر إلى أن وقع الخلف بينهما وجر بينهما وقائع يطول شرحها.
تم في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة اتفق الملك العادل وابن أخيه الملك العزيز على أن يأخذا دمشق وأن يسلمها العزيز إلى العادل لتكون الخطبة والسكة للعزيز كسائر البلاد كما كانت لأبيه.
فخرجا وساروا من مصر إلى دمشق وأخذاها في يوم الأربعاء السادس والعشرين من رجب من هذه السنة وكان الملك الظافر خضر صاحب بصري مع أخيه الملك الأفضل معاضداً له فأخذت منه بصرى فلحق بأخيه الملك الظاهر فأقام عنده بحلب وأعطي الملك الأفضل صرخد فسار إليها بأهله واستوطنها.
وسلم العزيز دمشق لعمه العادل على حكم ما وقع عليه الاتفاق ورحل العزيز من دمشق يوم الاثنين تاسع شعبان.
فكانت مدة الأفضل بدمشق ثلاث سنين وأشهراً وكانت ولادته يوم الفطر وقت العصر سنة خمس وستين وخمسمائة بالقاهرة ووالده يومئذ وزير المصريين وتوفي في صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة فجأة بسميساط ونقل إلى حلب ودفن بتربته بظاهرها.
وأما العزيز عثمان فاستقر بمصر وفي أمه في شهور سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة وصل جمع عظيم ممن الإفرنج إلى الساحل واستولوا على قلعة بيروت وسار الملك العادل ونزل بتل العجول واتته النجدة من مصر ووصل إليه سنقر الكبير صاحب القدس وميمون القصري صاحب بلبيس.
стр. 422
ثم سار الملك العادل إلى يافا وهجمها بالسيف وملكها وقتل الرجال المقاتلة وكان هذا الفتح ثالث فتح لها ونازلت الإفرنج تبين فأرسل الملك العادل إلى الملك العزيز صاحب مصر فسار بنفسه بمن بقي معه من عساكر مصر فاجتمع بعمه الملك العادل على تبنين فرحل الإفرنج على أعقابهم إلى صور.
وعاد العزيز إلى مصر وترك غالب العسكر مع العادل وجعل إليه أمر الجزية والصلح ومات في هذه المدة سنقر الكبير فجعل الملك العادل أمر القدس إلى صارم الدين قطلو مملوك عز الدين فرحشاه ابن شاهنشاه بن أيوب.
وتوفي الملك العزيز صاحب مصر في ليلة الأربعاء الحادية والعشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة وكانت مدة ملكه ست سنين إلا أشهراً وكان عمره سبعاً وعشرين سنة وأشهراً وكان حسن السيرة ﵀.
ثم استقر بعده ففي السلطنة ولده الملك المنصور محمد وعمره تسع سنين فتشاور الأمراء واتفقوا على احضار الملك الأفضل من صرخد ليقوم بالملك فسار محثاً ووصل إلى مصر على إنه اتابك ملك المنصور فخرج المنصور للقائه فترجل له الأفضل ودخل بين يديه إلى دار الوزارة وكانت مقر السلطنة.
ثم برز الأفضل من مصر وسار إلى الشام ليأخذها لاشتغال عمه الملك العادل بحصار ماردين فبلغ العادل ذلك فسار إلى دمشق ودخلها قبل نزول الأفضل عليها وحصل بينهما قتال.
ثم سار الأفضل مصر فخرج الملك العادل في أثره فخرج إليه الأفضل واقتتلا فانكسر الأفضل وانهزم إلى القاهرة ونزل العادل القاهرة وتسلمها ودخل إليها في الحادي والعشرين من ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة.
ثم سار الأفضل صرخد وأقام العدل بمصر على إنه اتابك الملك المنصور محمد بن العزيز عثمان مدة يسيرة ثم أزال الملك المنصور واستقر الملك العادل في السلطنة وخطب له بالقاهرة ومصر يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال
стр. 423
سنة ست وتسعين وخمسمائة وخطب له ابن أخيه الملك الظاهر بحلب وضرب السكة باسمه وانتظمت المماليك الشامية والشرقية والديار المصرية كلها في سلك ملكه وخطب له على منابرها.
وفي الشهر الذي دخل فيه العادل القاهرة توفي القاضي الفاضل أبو علي عبد الرحيم ابن القاضي الأشراف بهاء الدين أبي المجد علي اللخمي العسقلاني الشافعي الملقب مجير الدين وزير السلطان صلاح الدين وكان إماماً في صناعة الإنشاء وسيرته مشهورة وكانت وفاته في ليلة الأربعاء سابع عشر وقيل سادس عشر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة بالقاهرة فجأة ودفن بتربية بسفح المقطم في القرافة الصغرى ﵀ وله نحو سبعين سنة وأرخ السبكي مولده في منتصف جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة.
وتوفي العماد الكاتب هو أبو عبد الله محمد بن صفي الدين الأصفهاني الشافعي الذي كان في خدمة الملك صلاح الدين له (الفيح القسي في الفتح القدسي) كله رجز مسجع وهو من كتب الدنيا لما فيه من البلاغة والصناعة ووفاته في ثاني جمادى الآخرة وقيل في شعبان سنة سبع وتسعين وخمسمائة وله نحو تسعين سنة.
وكان بينه وبين القاضي الفاضل مكاتبات ومحاورات لطيفة فمن ذلك ما يحكى عنه إنه لقيه يوماً وهو راكب على فرس فقال له العماد سر فلا كبا بك الفرس.
فقال الفاضل دام علا العماد وهذا مما يقرأ مقلوباً ومستقيماً بالسواء وكانت وفاة العماد بدمشق ودفن في مقابر الصوفية ﵀.
وفي سنة ستمائة كان الملك العادل بدمشق واجتمع الإفرنج لقصد بيت المقدس فخرج السلطان الملك العادل من دمشق وجمع العساكر ونزل على الطور في قبالة الإفرنج بالقرب من نابلس ودام ذلك إلى آخر السنة.
ثم دخلت سنة إحدى وستمائة فيها كانت الهدنة بين الملك العادل الإفرنج
стр. 424
وسلم إلى الإفرنج يافا ونزل عن مناصفة لد والرملة ثم سار إلى مصر.
ثم في سنة ثلاث وستمائة سار الملك العادل من مصر إلى الشام ونازل في طريقته عكا فصالحه أهلها على إطلاق جميع من بها من الأسرى ثم سار إلى طرابلس وحصرها ورحل عنها.
ثم في سنة أربع وستمائة وقعت الهدنة بينه وبين صاحب طرابلس وعاد العادل إلى دمشق.
ولما كان بتاريخ سنة أربع عشر وستمائة والملك العادل بالديار المصرية اجتمع الإفرنج في داخل البحر ووصلوا إلى عكا في جمع عظيم فلما بلغ الملك العادل ذلك خرج بعساكر مصر وسار حتى نزل على نابلس فسار الإفرنج إليه ولم يكن معه من العساكر ما يقدر به على ملتقاهم فاندفع قد أمهم فأغاروا على بلاد المسلمين ووصلت غارتهم إلى نوى من بلد السواد ونهبوا ما بين بيسان ونابلس ومشوا سراياهم فقتلوا وأسروا وغنموا من المسلمين ما يفوق الحصر وعادوا إلى مرج عكا وكانت مدة هذا النهب ما بين منتصف رمضان وعيد الفطر وانقضت السنة والإفرنج بجموعهم في عكا.
ثم دخلت سنة خمس عشرة وستمائة والملك العادل بمرج الصقر وجموع الإفرنج بمرج عكا ثم ساروا منها إلى الديار المصرية ونزلوا على دمياط.
وسار الملك الكامل بن العادل من مصر ونزل قبالهم واستمر الحال على ذلك أربعة أشهر وأرسل العادل العسكر الذي عنده إلى ابنه الملك الكامل فلما اجتمعت العساكر أخذ في القتال الإفرنج ودفعهم عن دمياط.
ثم رحل الملك العادل من مرج الصفر إلى عالقين - قرية ظاهر دمشق - فنزل بها ومرض واشتد مرضه وتوفي هناك ﵀ في سابع جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة وكان لدمشق ثلاثاً وعشرين سنة ولمصر نحو تسع عشرة سنة.
стр. 425
وكان ﵀ حازماً مستيقظاً غزير العقل سديد الآراء إذا مكر وخديعة حليماً صبوراً واتته السعادة واتسع ملكه وكثرت أولاده وخلف ستة عشر ولداً ذكراً غير البنات ولم يكن أحد من أولاده حاضراً عنده فحضر إليه ابنه الملك المعظم عيس وكان بنابلس فكتم موته وأخذه ميتاً في محفة وعاد به إلى دمشق واحتوى على جميع ما كان مع أبيه من الجواهر والسلاح فلما وصل إلى دمشق حلف الناس وأظهر موت أبيه وكتب إلى الملوك من أخوته وغيرهم يخبرهم بموته.
واستقر بعده في السلطنة بالديار المصرية ولده الملك الكامل أبو المعالي محمد واستقر في الشام أخوه الملك المعظم عيس ابن الملك العادل أبي بكر وكانت مملكته من حدود بلد حمص إلى العريش يدخل في مملكته بلاد السواحل الإسلامي وبلاد الغور وفلسطين والقدس والكرك والشوبك وصرخد وغير ذلك.
(تخريب أسوار بيت المقدس)
لما توفي الملك عاد الإفرنج لجهة القاهر وملكوا دمياط وهجموها في عاشر رمضان سنة ست عشر وستمائة وأسروا من بها وجعلوا الجامع كنيسة واشتد طعمهم في الديار المصرية.
فلما رأى الملك المعظم عيسى ذلك خشي أن يقصدو القدس فلا يقدر على منعهم فأرسل الحجازين والنقابين وشرعوا في تخريبه في سنة ست عشرة وستمائة فخرب أسواره وكانت قد حصنت إلى الغاية.
وانتقل منه عالم عظيم وهرب أهله منه خوفاً من الإفرنج أن تهجم عليهم ليلاً أو نهاراً وتركوا أموالهم وأثقالهم وتمزقوا في البلاد كل ممزق حتى قيل إنه بيع القنطار الزيت بعشرة دراهم والرطل النحاس بنصف درهم وضج الناس وابتهلوا إلى الله تعالى عند الصخرة وفي الأقصى.
следующие страницы →