← История

История · id 6626

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط النجف

مجير الدين العليمي

Полный текст (810 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وبيد الملك الظافر خضر ابن السلطان صلاح الدين بصري وهو في خدمة أخيه الملك الأفضل. وبيد الملك الزاهر مجير الدين داود ابن السلطان صلاح الدين البيرة وأعمالها واستقر إقليم اليمن للملك ظهير الدين سيف الإسلام طغتكين بن أيوب أخي السلطان ولم يزل الملك الأفضل بالشام والملك العزيز بمصر إلى أن وقع الخلف بينهما وجر بينهما وقائع يطول شرحها. تم في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة اتفق الملك العادل وابن أخيه الملك العزيز على أن يأخذا دمشق وأن يسلمها العزيز إلى العادل لتكون الخطبة والسكة للعزيز كسائر البلاد كما كانت لأبيه. فخرجا وساروا من مصر إلى دمشق وأخذاها في يوم الأربعاء السادس والعشرين من رجب من هذه السنة وكان الملك الظافر خضر صاحب بصري مع أخيه الملك الأفضل معاضداً له فأخذت منه بصرى فلحق بأخيه الملك الظاهر فأقام عنده بحلب وأعطي الملك الأفضل صرخد فسار إليها بأهله واستوطنها. وسلم العزيز دمشق لعمه العادل على حكم ما وقع عليه الاتفاق ورحل العزيز من دمشق يوم الاثنين تاسع شعبان. فكانت مدة الأفضل بدمشق ثلاث سنين وأشهراً وكانت ولادته يوم الفطر وقت العصر سنة خمس وستين وخمسمائة بالقاهرة ووالده يومئذ وزير المصريين وتوفي في صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة فجأة بسميساط ونقل إلى حلب ودفن بتربته بظاهرها. وأما العزيز عثمان فاستقر بمصر وفي أمه في شهور سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة وصل جمع عظيم ممن الإفرنج إلى الساحل واستولوا على قلعة بيروت وسار الملك العادل ونزل بتل العجول واتته النجدة من مصر ووصل إليه سنقر الكبير صاحب القدس وميمون القصري صاحب بلبيس.

стр. 422

ثم سار الملك العادل إلى يافا وهجمها بالسيف وملكها وقتل الرجال المقاتلة وكان هذا الفتح ثالث فتح لها ونازلت الإفرنج تبين فأرسل الملك العادل إلى الملك العزيز صاحب مصر فسار بنفسه بمن بقي معه من عساكر مصر فاجتمع بعمه الملك العادل على تبنين فرحل الإفرنج على أعقابهم إلى صور. وعاد العزيز إلى مصر وترك غالب العسكر مع العادل وجعل إليه أمر الجزية والصلح ومات في هذه المدة سنقر الكبير فجعل الملك العادل أمر القدس إلى صارم الدين قطلو مملوك عز الدين فرحشاه ابن شاهنشاه بن أيوب. وتوفي الملك العزيز صاحب مصر في ليلة الأربعاء الحادية والعشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة وكانت مدة ملكه ست سنين إلا أشهراً وكان عمره سبعاً وعشرين سنة وأشهراً وكان حسن السيرة ﵀. ثم استقر بعده ففي السلطنة ولده الملك المنصور محمد وعمره تسع سنين فتشاور الأمراء واتفقوا على احضار الملك الأفضل من صرخد ليقوم بالملك فسار محثاً ووصل إلى مصر على إنه اتابك ملك المنصور فخرج المنصور للقائه فترجل له الأفضل ودخل بين يديه إلى دار الوزارة وكانت مقر السلطنة. ثم برز الأفضل من مصر وسار إلى الشام ليأخذها لاشتغال عمه الملك العادل بحصار ماردين فبلغ العادل ذلك فسار إلى دمشق ودخلها قبل نزول الأفضل عليها وحصل بينهما قتال. ثم سار الأفضل مصر فخرج الملك العادل في أثره فخرج إليه الأفضل واقتتلا فانكسر الأفضل وانهزم إلى القاهرة ونزل العادل القاهرة وتسلمها ودخل إليها في الحادي والعشرين من ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة. ثم سار الأفضل صرخد وأقام العدل بمصر على إنه اتابك الملك المنصور محمد بن العزيز عثمان مدة يسيرة ثم أزال الملك المنصور واستقر الملك العادل في السلطنة وخطب له بالقاهرة ومصر يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال

стр. 423

سنة ست وتسعين وخمسمائة وخطب له ابن أخيه الملك الظاهر بحلب وضرب السكة باسمه وانتظمت المماليك الشامية والشرقية والديار المصرية كلها في سلك ملكه وخطب له على منابرها. وفي الشهر الذي دخل فيه العادل القاهرة توفي القاضي الفاضل أبو علي عبد الرحيم ابن القاضي الأشراف بهاء الدين أبي المجد علي اللخمي العسقلاني الشافعي الملقب مجير الدين وزير السلطان صلاح الدين وكان إماماً في صناعة الإنشاء وسيرته مشهورة وكانت وفاته في ليلة الأربعاء سابع عشر وقيل سادس عشر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة بالقاهرة فجأة ودفن بتربية بسفح المقطم في القرافة الصغرى ﵀ وله نحو سبعين سنة وأرخ السبكي مولده في منتصف جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وتوفي العماد الكاتب هو أبو عبد الله محمد بن صفي الدين الأصفهاني الشافعي الذي كان في خدمة الملك صلاح الدين له (الفيح القسي في الفتح القدسي) كله رجز مسجع وهو من كتب الدنيا لما فيه من البلاغة والصناعة ووفاته في ثاني جمادى الآخرة وقيل في شعبان سنة سبع وتسعين وخمسمائة وله نحو تسعين سنة. وكان بينه وبين القاضي الفاضل مكاتبات ومحاورات لطيفة فمن ذلك ما يحكى عنه إنه لقيه يوماً وهو راكب على فرس فقال له العماد سر فلا كبا بك الفرس. فقال الفاضل دام علا العماد وهذا مما يقرأ مقلوباً ومستقيماً بالسواء وكانت وفاة العماد بدمشق ودفن في مقابر الصوفية ﵀. وفي سنة ستمائة كان الملك العادل بدمشق واجتمع الإفرنج لقصد بيت المقدس فخرج السلطان الملك العادل من دمشق وجمع العساكر ونزل على الطور في قبالة الإفرنج بالقرب من نابلس ودام ذلك إلى آخر السنة. ثم دخلت سنة إحدى وستمائة فيها كانت الهدنة بين الملك العادل الإفرنج

стр. 424

وسلم إلى الإفرنج يافا ونزل عن مناصفة لد والرملة ثم سار إلى مصر. ثم في سنة ثلاث وستمائة سار الملك العادل من مصر إلى الشام ونازل في طريقته عكا فصالحه أهلها على إطلاق جميع من بها من الأسرى ثم سار إلى طرابلس وحصرها ورحل عنها. ثم في سنة أربع وستمائة وقعت الهدنة بينه وبين صاحب طرابلس وعاد العادل إلى دمشق. ولما كان بتاريخ سنة أربع عشر وستمائة والملك العادل بالديار المصرية اجتمع الإفرنج في داخل البحر ووصلوا إلى عكا في جمع عظيم فلما بلغ الملك العادل ذلك خرج بعساكر مصر وسار حتى نزل على نابلس فسار الإفرنج إليه ولم يكن معه من العساكر ما يقدر به على ملتقاهم فاندفع قد أمهم فأغاروا على بلاد المسلمين ووصلت غارتهم إلى نوى من بلد السواد ونهبوا ما بين بيسان ونابلس ومشوا سراياهم فقتلوا وأسروا وغنموا من المسلمين ما يفوق الحصر وعادوا إلى مرج عكا وكانت مدة هذا النهب ما بين منتصف رمضان وعيد الفطر وانقضت السنة والإفرنج بجموعهم في عكا. ثم دخلت سنة خمس عشرة وستمائة والملك العادل بمرج الصقر وجموع الإفرنج بمرج عكا ثم ساروا منها إلى الديار المصرية ونزلوا على دمياط. وسار الملك الكامل بن العادل من مصر ونزل قبالهم واستمر الحال على ذلك أربعة أشهر وأرسل العادل العسكر الذي عنده إلى ابنه الملك الكامل فلما اجتمعت العساكر أخذ في القتال الإفرنج ودفعهم عن دمياط. ثم رحل الملك العادل من مرج الصفر إلى عالقين - قرية ظاهر دمشق - فنزل بها ومرض واشتد مرضه وتوفي هناك ﵀ في سابع جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة وكان لدمشق ثلاثاً وعشرين سنة ولمصر نحو تسع عشرة سنة.

стр. 425

وكان ﵀ حازماً مستيقظاً غزير العقل سديد الآراء إذا مكر وخديعة حليماً صبوراً واتته السعادة واتسع ملكه وكثرت أولاده وخلف ستة عشر ولداً ذكراً غير البنات ولم يكن أحد من أولاده حاضراً عنده فحضر إليه ابنه الملك المعظم عيس وكان بنابلس فكتم موته وأخذه ميتاً في محفة وعاد به إلى دمشق واحتوى على جميع ما كان مع أبيه من الجواهر والسلاح فلما وصل إلى دمشق حلف الناس وأظهر موت أبيه وكتب إلى الملوك من أخوته وغيرهم يخبرهم بموته. واستقر بعده في السلطنة بالديار المصرية ولده الملك الكامل أبو المعالي محمد واستقر في الشام أخوه الملك المعظم عيس ابن الملك العادل أبي بكر وكانت مملكته من حدود بلد حمص إلى العريش يدخل في مملكته بلاد السواحل الإسلامي وبلاد الغور وفلسطين والقدس والكرك والشوبك وصرخد وغير ذلك. (تخريب أسوار بيت المقدس) لما توفي الملك عاد الإفرنج لجهة القاهر وملكوا دمياط وهجموها في عاشر رمضان سنة ست عشر وستمائة وأسروا من بها وجعلوا الجامع كنيسة واشتد طعمهم في الديار المصرية. فلما رأى الملك المعظم عيسى ذلك خشي أن يقصدو القدس فلا يقدر على منعهم فأرسل الحجازين والنقابين وشرعوا في تخريبه في سنة ست عشرة وستمائة فخرب أسواره وكانت قد حصنت إلى الغاية. وانتقل منه عالم عظيم وهرب أهله منه خوفاً من الإفرنج أن تهجم عليهم ليلاً أو نهاراً وتركوا أموالهم وأثقالهم وتمزقوا في البلاد كل ممزق حتى قيل إنه بيع القنطار الزيت بعشرة دراهم والرطل النحاس بنصف درهم وضج الناس وابتهلوا إلى الله تعالى عند الصخرة وفي الأقصى.

стр. 426

وكان الملك المعظم عالماً فاضلاً وكان حنفياً متعصباً لمذهبه وخالف جميع أهل بيته فإنهم كانوا شافعية وله بالقدس مدرسة الحنيفية عند باب المسجد الأقصى المعروف الآن بباب الدويدارية وبنى على آخر صحن الصخرة من جهة القبلة مكاناً يسمى النحوية للاشتغال بعلم العربية ووقف على ذلك أوقافاً حسنة. وفي أيامه جددت عمارة القناطر التي على درج الصخرة القبلي عند قبة الطومار وغير ذلك بالمسجد الأقصى وغالب الأبواب الخشب المركبة على أبواب المسجد عملت في أيامه واسمه مكتوب عليها وعمر مسجد الخليل ﵇ ووقف عليه قريتي دورا كفر بريك ولما غاب عن القدس كتب إليه بعض أصدقائه: غبت عن القدس فأوحشته … لما غدا باسمك مأنوسا وكيف لا تلحقه وحشة … وأنت روح القدس يا عيسى وفي سنة سبع عشرة وستمائة فتح الملك المعظم قيسارية وهدمها. وفي سنة ثماني عشرة قو طمع الإفرنج المتملكين دمياط في ملك الديار المصرية وتقدموا عن دمياط إلى جهة مصر ووصلوا إلى المنصورة واشتد القتال بين الفريقين براً وبحراً وككتب السلطان الملك الكامل متواترة إلى إخوته وأهل بيته يستحثهم على إنجاده. فسار الملك المعظم عيسى صاحب دمشق بعسكره وأخوه الملك الأشرف مظفر الدين موسى صاحب البلاد الشرقية بعساكره واستصحب حلب والملك الناصر قلج أرسلان صاحب حماله وصاحب بعلبك الملك الأمجد بهرام شاه وصاحب حمص أسد الدين شيركوه ووصلوا إلى الملك الكامل وهو في قتال الإفرنج على المنصورة فركب والتقى مع إخوته ومن في صحبتهم من الملوك وأكرمهم فقويت نفوس المسلمين وضعفت نفوس الإفرنج لما شاهدوه من كثرة العساكر الإسلامية وتجمعهم. واشتد القتال بين الفريقين ورسل الملك الكامل وإخوته مترددة إلى الإفرنج

стр. 427

في الصلح وبذل لهم المسلمون تسليم القدس وعسقلان وطبرية واللاذقية وجبلة وجميع مما فتحه السلطان ممن الساحل ما عدا الكرك والشوبك على أن يجيبوا إلى الصلح ويسلموا دمياط للمسلمين فلم يرض الإفرنج بذلك وطلبوا ثلاثمائة ألف دينار عوضاً عن تخريب أسوار بيت المقدس وقالوا لا بد من تسليم الكرك والشوبك. وبينما الأمر متردد في الصلح والإفرنج يمتنعون إذ عبر جماعة من عسكر المسلمين في بحر المحلة إلى الأرض التي عليها الإفرنج من بر دمياط ففتحوا فجوة عظيمة من النيل وكان ذلك في قوة زيارته والإفرنج لا خبرة لهم بأمر النيل فركب الماء تلك الأرض وصار حائلا بين الإفرنج وبين دمياط وانقطعت عنهم الميرة والمدد فهلكوا جوعاً وبعثوا يطلبون الأمان على أن ينزلوا عن جميع ما بذله المسلمون لهم ويسلموا دمياط ويعقدوا مدة الصلح وكان فيهم عد ملوك كبار نحو عشرين ملكاً. واختلف الآراء في ذلك ثم حصل الاتفاق على إجابتهم لتضجر العسكر وطول المدة لأنهم كان لهم ثلاث سنين وأشهر في القتال فأجابهم الملك الكامل وطلب الإفرنج رهينة فبعث ابنه الملك الصالح أيوب وعمره يومئذ خمس عشرة سنة إلى الإفرنج رهينة فبعث ابنه الملك الصالح وعمره يومئذ خمس عشرة سنة إلى الإفرنج وحضر من الإفرنج رهينة ملك على وصاحب رومة الكبرى وغيرهما من الملوك وكان ذلك في سابع رجب سنة ثماني عشرة. وجلس الملك الكامل مجلساً عظيماً ووقف بين يديه الملوك من إخوته وأهل بيته جميعهم وسلمت دمياط للمسلمين في تاسع عشر رجب وهنأت الشعراء الملك الكامل بهذا الفتح العظيم. ثم دخل الملك الكامل إلى دمياط بمن معه وكان يوماً مشهوداً ثم توجه إلى القاهرة وانصرف الملوك إلى بلادهم.

стр. 428

(وفاة الخليفة الناصر الذي فتح القدس في أيامه) وتوفي الإمام الناصر لدين الله العباسي - المتقدم ذكره - في أول شوال سنة اثنتين وعشرين وستمائة وكانت خلافته نحو سبع وأربعين سنة وعمي في آخر عمره وكان عمره نحو سبعين سنة. ولما دخلت سنة أربع وعشرين وستمائة وقع تنافر بين الملك الكامل صاحب مصر وأخيه الملك المعظم عيسى صاحب دمشق لأمور بينهما فكاتب الملك الكامل الانبرطون ملك الإفرنج في أن يقدم إلى عكا ليشغل سراً أخيه الملك المعظم عما هو فيه ووعد الانبرطون بأن يعطيه القدس. فسار الانبرطون إلى عكا وبلغ الملك المعظم ذلك. ثم توفي الملك عيس في هذه السنة يوم الجمعة مستهل ذي الحجة سنة أربع وعشرين وستمائة ودفن بقلعة دمشق ثم نقل إلى جبل الصالحية ودفن في مدرسته هناك المعروفة بالمعظمية وكان نقله ليلة الثلاثاء مستهل المحرم سنة خمس وعشرين وستمائة وكانت مدة ملكه دمشق تسع سنين وشهوراً. ولمات وفي الملك المعظم ترتب في مملكته بعده ولده الملك الناصر صلاح الدين داود. فلما دخلت سنة خمس وعشرين وستمائة أرسل الملك الكامل صاحب مصر يطلب من ابن أخيه الناصر داود حصن الشوبك فلم يعطه إياه ولا أجابه إليه. فسار الملك الكامل من مصر إلى الشام في رمضان هـ من هذه السنة ونزل على تل العجول بظاهر غزة وولى ابن يوسف على نابلس والقدس وغيرهما من بلاد ابن أخيه ووقع بينهما أمور ومراسلات. وقدم الانبرطون إلى عكا بجموعه وقد مات الملك المعظم فاستولى على صيدا وكانت مناصفة بين المسلمين والإفرنج وسورها خراب فعمر الإفرنج سورها واستولوا عليها.

стр. 429

والانبرطون معناه ملك الأمراء بالإفرنجية وكان صاحب جزيرة صقلية وكان فاضلا يحسن الحكمة والمنطق والطب ويميل إلى المسلمين. (ذكر تسليم بيت المقدس إلى الإفرنج) لما دخلت سنة ست وعشرين وستمائة واستهلت وملوك بني أيوب متفرقون مختلفون قد صاروا أحزاباً بعد أن كانوا إخواناً وأصحاباً فقوي الإفرنج بذلك وبموت المعظم عيسى من وفد إليهم من البحر. وكان الملك الكامل قد عزم على انتزاع دمشق من ابن أخيه الناصر داود وسير الملك الكامل أخاه الملك الأشرف موسى لحصار دمشق والكامل مشتغل بمراسلة الانبرطون. ولما طال الأمر ولم يجد الكامل بداً من المهادنة أجاب الانبرطون إلى تسليم القدس إليه على أنت ستمر أسواره خراباً ولا يعمره الإفرنج ولا يتعرضوا إلى قبة الصخرة ولا الجامع الأقصى ويكون المرجوع في الرستاق إلى والي المسلمين ويكون لهم من القرى ما هو على الطريق من عكا إلى القدس فقط ووقع الأمر على ذلك وتحالفاً عليه. وتسلم الانبرطون القدس في ربيع الآخر على القاعدة المذكورة وعظم ذلك على المسلمين وحصل به وهن شديد وإرجاف في الناس. ولما وقع ذلك كان الناصر داود في الحصار لانتزاع دمشق منه فأخذ في التشنيع على عمه الكامل بذلك وكان بدمشق الشيخ شمس الذين يوسف سبط أبي الفرج الجوزي وكان واعظاً له قبول عند الناس فأمره الناصر داود أن يعمل مجلس وعظ يذكر فيه فضائل بيت المقدس وما حل بالمسلمين من تسليمه إلى الإفرنج ففعل ذلك فكان مجلساً عظيماً ومن جمل ما انشد قصيدة تائية ضمنها

стр. 430

فضل بيت المقدس منها: مدارس آيات خلت من تلاوة … ومنزل وحي مقفر العرصات وارتفع بكاء الناس وضجيجهم لذلك فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ولما عقد الملك الكامل الهدنة مع الانبرطون وخلا سره من جهة الإفرنج سار إلى دمشق فوصل إليها في جماد الأولى. واشتد الحصار على دمشق واستولى عليها الملك الكامل ولمها لأخيه الملك الأشرف موسى وعوض الناصر داود عنها الكرك والشوبك والبلقاء والصلت والأغوار ثم نزل الناصر داود عن الشوبك وسأل عمه في قبولها فقبلة. واستمر الأشرف موسى بدمشق إلى أن توفي في المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة وتملك دمشق بعده أخوه الملك الصالح إسماعيل بعهد منه. ثم سار الملك الكامل إلى دمشق ومعه الناصر داود صاحب الكرك ونزلا عليها في جمادى الأولى من هذه السنة وحصلت أمور ووقائع ثم سلم الصالح إسماعيل دمشق إلى أخيه الكامل لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى وتعوض عنها بعلبك. ولم يلبث الكامل غير أيام حتى مرض واشتد مرضه ومات لتسع بقين من رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة وعمره نحو ستين سنة وكانت مدة ملكه مصر من حين مات والده عشرين سنة وكان ملكاً مهيباً حسن التدبير يحب العلماء وجالستهم وهو الذي بني القبة على قبر الإمام الشافعي ﵁. واستمر بعده في السلطنة بمصر ولده الملك العادل أبو بكر بن الكامل فإنه كان نائبه بمصر. واتفق الأمراء بدمشق حين وفاة والده على تحليف العسكر له وأقاموا في دمشق الملك الجواد يونس بن مودود بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب نائباً عن الملك العدل ابن الكمال.

стр. 431

ورحل الناصر داود إلى الكرك وتفرقت العساكر. فلما دخلت سنة ست وثلاثين وستمائة استولى الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل على دمشق وأعمالها بتسليم الملك الجواد يونس في جمادى الآخرة. ودخلت سنة سبع وثلاثين وستمائة وكان الملك الصالح أيوب سار من دمشق واستخلف فيها ولده الملك المغيث فتح الدين عمرو. ووصل الصالح أيوب إلى نابلس لقصد الاستيلاء على الديار المصرية فسار الصالح إسماعيل صاحب بعلبك ومعه شيركوه صاحب حمص بجموعهما وهجموا على دمشق وحصروا القلعة وتسلمها الصالح إسماعيل وقبض على الملك المغيث في صفر فلما بلغ الصالح أيوب ذلك رحل من نابلس إلى الغور وتشتت عنه عساكره وضاق به المر فقصد نابلس ونزل بها بمن معه فسار إليه الناصر داود بعسكره من الكرك وأمسك الصالح أيوب وأرسله إلى الكرك واعتقله بها وأمر بالقيام في خدمته بكل ما يختاره ولما اعتقل بالكرك أرسل أخوه الملك العادل أبو بكر صاحب مصر يطلبه من الناصر داود فلم يسلمه الناصر داود فأرسل العادل وتهدد الناصر بأخذ بلاده فلم يلتفت إلى ذلك. تم الجزء الأول من تاريخ الأنس الجليل ويليه الثاني أوله (الفتح الناصري الداودي)

стр. 432

(ذكر الفتح الناصري الداودي) بعد أن جرى ما ذكر من اعتقال الملك الصالح أيوب بالكرك قصد الملك الناصر داود القدس - وكان الإفرنج قد عمروا قلعتها بعد موت الملك الكامل - فحاصرها وفتحها وخرب القلعة وخرب برج داود أيضا فإنه لما خربت القدس أولا لم يخرب برج داود فخربه في هذه المرة وذلك في سنة سبع وثلاثين وستمائة بعد أن بقي في أيدي الإفرنج نحو إحدى عشرة سنة من حين تسليم الكامل له في سنة ست وعشرين وستمائة. فأنشد فيه جمال الدين بن مطروح - وكان علامة فاضلا -: المسجد الأقصى له آية … سارت فصارت مثلا سائرا إذا غدا للكفر مستوطنا … أن يبعث الله له ناصرا فناصر ظهوره أولا … وناصر ظهوره آخرا وفي أواخر رمضان في سنة سبع وثلاثين وستمائة أفرج الناصر داود صاحب الكرك عن ابن عمه الملك الصالح أيوب واجتمعت عليه مماليكه وسار هو والناصر داود إلى قبة الصخرة وتحالفا على أن تكون ديار مصر للصالح ودمشق للناصر ولما ملك الناصر لم يف له بذلك وكان يتأول في يمينه إنه كان مكرها ثم سار إلى غزة. فلما بلغ الملك العادل صاحب مصر ظهور أخيه الصالح عظم عليه وبرز بعسكر مصر ونزل على بلبيس لقصد أخيه الصالح والناصر داود وأرسل إلى عمه الصالح إسماعيل المتولي على دمشق أن يبرز ويقصدهما من جهة الشام فسار الصالح إسماعيل بعساكر دمشق فبينما الصالح أيوب والناصر داود وهما بين عسكرين قد أحاطا بهما إذ ركب جماعة من المماليك الأشرفية ومقدمهم ايبك الأسمر وأحاطوا بدهليز الملك العادل أبي بكر ابن الكامل وقبضوا عليه في ليلة الجمعة ثامن

стр. 433

ذي القعدة وأرسلوا إلى الملك الصالح أيوب يستدعونه فأتاه فرج لم يسمع بمثله وسار ومعه الناصر داود إلى مصر وصار يلتقيه في كل يوم فرج من العساكر إلى أن دخل إلى قلعة الجبل بكرة يوم الأحد لست بقين من ذي القعدة وزينت له البلاد وفرح الناس بقدومه ولما استقر في ملك مصر خاف الناصر داود أن يقبض عليه فطلب دستورا وتوجه إلى بلاد الكرك. وفي سنة ثمان وثلاثين وستمائة قوى خوف الصالح إسماعيل صاحب دمشق من ابن أخيه الصالح أيوب صاحب مصر فسلم صفد والشقيف إلى الإفرنج ليعضدوه ويكونوا معه على ابن أخيه الصالح أيوب فعظم ذلك على المسلمين. (ذكر تسليم القدس الشريف إلى الإفرنج) لما دخلت سنة إحدى وأربعين وستمائة حصلت فيها المراسلة بين الملك الصالح أيوب صاحب مصر والملك الصالح إسماعيل صاحب دمشق بالصلح وان صاحب دمشق يطلق الملك المغيث فتح الدين عمر بن الصالح أيوب وحسام الدين بن علي الهدماني وكانا معتقلين عند الصالح إسماعيل فأطلق حسام الدين وجهزه إلى مصر واستمر الملك المغيث في الاعتقال واتفق الصالح إسماعيل مع الناصر داود صاحب الكرك واعتضدا بالإفرنج وسلما إليهم طبرية وعسقلان فعمر الإفرنج قلعتهما وسلما أيضا إليهم القدس بما فيه من المزارات. قال القاضي جمال الدين ومررت إذ ذاك بالقدس متوجها إلى مصر ورأيت القسس قد جعلوا على الصخرة قناني الخمر للقربان فالحكم لله العلي الكبير. وكان الناصر داود فتح بيت المقدس - كما تقدم - في سنة سبع وثلاثين ثم فعل هذه الفعلة القبيحة فأبدل حسنة بسيئة وقد انتقم الله منه فيما بعد على ما سنذكره عند وفاته فنعوذ بالله من سوء الخاتمة والضلال بعد الهداية.

стр. 434

(ذكر الفتح الصلاحي النجمي) (الذي يسره الله تعالى على يد السلطان الملك الصالح نجم الدين) (أيوب بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر) (ابن أيوب تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه فسيح جنته) لما وقع ما تقدم ذكره من تسليم القدس للإفرنج في سنة إحدى وأربعين وستمائة استدعى الملك الصالح نجم الدين أيوب الخوارزمية لينصروه على عمه الصالح إسماعيل فسار الخوارزمية ووصلوا إلى غزة في سنة اثنتين ٦٤٢ هـ وأربعين وستمائة ووصل إليهم عدة كثيرة من العساكر المصرية مع ركن الدين بيبرس مملوك الصالح أيوب وكان أكبر مماليكه وارسل الصالح إسماعيل عسكر دمشق مع الملك المنصور إبراهيم ابن شيركوه صاحب حمص وسار صاحب حمص جريدة ودخل عكا واستدعى الإفرنج على ما كان قد وقع عليه الاتفاق معهم ووعدهم بجزء من بلاد مصر فخرج الإفرنج واجتمعوا بالفارس والراجل ولم يحضر للناصر داود والتقى الفريقان بظاهر غزة فولى عسكر دمشق وصاحب حمص والإفرنج منهزمين وتبعهم عسكر مصر والخوارزمية فقتلوا منهم خلقا عظيما واستولى الملك الصالح أيوب صاحب مصر على غزة والسواحل والقدس الشريف ولله الحمد. ووصلت الأسرى والرؤس إلى مصر ودقت بها البشائر عدة أيام ثم أرسل الصالح أيوب صاحب مصر العسكر وسار إلى دمشق وحاصروها وخرجت السنة وهم في حصارها وتوفي الملك المغيث فتح الدين عمر في حبس عمه إسماعيل. وبلغ والده الصالح أيوب ذلك فاشتد حزنه عليه وحنقه على إسماعيل فلما دخلت سنة ثلاث وأربعين وستمائة تسلم عسكر الصالح أيوب دمشق من الصالح إسماعيل ثم استولى الصالح أيوب على بعلبك في سنة أربع وأربعين ستمائة ٦٤٤ هـ وفي هذه السنة مات الملك المنصور إبراهيم بن شيركوه صاحب حمص وفي سنة

стр. 435

خمس وأربعين فتحت قلعة عسقلان وقلعة طبرية والملك الصالح أيوب بالشام بعد محاصرتها مدة واستولى الصالح أيوب على الكرك في سنة سبع وأربعين قبل فاته بيسير وهذا الفتح الواقع في سنة اثنتين وأربعين وستمائة لبيت المقدس هو آخر فتوحاته فإنه استمر بأيدي المسلمين إلى عصرنا والمرجو من كرم الله تعالى استمراره كذلك إلى يوم القيامة بحول الله وقوته. وتوفي الملك الصالح نجم الدين أيوب ليلة الأحد لأربع عشرة ليلة مضت من شعبان سنة سبع وأربعين وستمائة وكانت مدة ملكة تسع سنين وثمانية أشهر وعشرين يوما وعمره نحو أربع وأربعين سنة وكان مهيبا عالي الهمة عفيفا طاهر اللسان شديد الوقار ولو لم يكن من علو همته إلا مبادرته لاستنقاذ البيت المقدس من أيدي الكفار في أسرع وقت لكفى ﵀ وعفا عنه وعوضه الجنة وتسلطن بعده ولده الملك المعظم توران شاه وكان الإفرنج قد استولوا على دمياط قبل وفاة الملك الصالح في سنة سبع أربعين ووقع بين المسلمين والإفرنج بأرض دمياط وقعات وأرسلوا يطلبون القدس وبعض السواحل وأن يسلموا دمياط إلى المسلمين فلم تقع الإجابة بذلك وفتح الله دمياط بعد ذلك في المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة وقتل المعظم توران شاه عقب ذلك في آخر المحرم. وأما الصالح إسماعيل فإنه بعد انتزاع دمشق منه انتمى إلى الملك الناصر يوسف صاحب حلب واستمر عنده إلى أن ملك دمشق بعد الصالح أيوب وتوجه معه حين مسيره إلى القاهرة في سنة ثمان وأربعين وستمائة. ولما قصد أخذ الديار المصرية من صاحبها الملك الأشرف موسى بن يوسف صاحب اليمن المعروف باقسيس ابن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر ابن أيوب فانكسر الناصر يوسف وانهزم وقبض على الصالح إسماعيل واعتقله بقلعة الجبل بالديار المصرية ثم قتل في ليلة الأحد السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وستمائة بالقاهرة وعمره قريب من خمسين سنة.

стр. 436

وأما الناصر داود فإنه لما ضاقت عليه الأمور سار إلى الناصر يوسف صاحب حلب مستجيرا به وكان قد بقي عنده من الجوهر مقدار كثير يساوي مائة ألف دينار إذا بيع بالهوان فلما وصل إلى حلب سير الجوهر المذكور إلى بغداد وأودعه عند الخليفة المستعصم ووصل إليه خط الخليفة بتسليمه. ثم في مستهل شعبان سنة ثمان وأربعين وستمائة قبض عليه الملك الناصر يوسف وبعث به إلى حمص واعتقله بها لأمور بلغته عنه ثم أفرج عنه بشفاعة الخليفة المستعصم وأمره أن لا يسكن في بلاده فرحل إلى جهة بغداد فلم يمكنوه من الوصول إليها وطلب وديعته الجوهر فمنعوه إياها وكتب الملك الناصر يوسف إلى ملوك الأطراف أنهم لا يأوونه فبقي مشتتا. ثم نزل الأنبار - وبينها وبين بغداد ثلاثة أيام - وهو يتضرع للخليفة المستعصم فلا يجيب ضراعته ويطلب وديعته فلا يرد لهفته ولا يجيبه إلا بالمماطلة. ثم أرسل الخليفة يشفع فيه عند الملك الناصر فأذن له في العودة إلى دمشق ورتب له شيئا يصل إليه. ثم في سنة ثلاث وخمسين وستمائة طلب من الناصر يوسف دستورا إلى العراق بسبب طلب وديعته من الخليفة وهو الجوهر وأن يمضي إلى الحج فأذن له فسار إلى كربلاء ثم مضى منها إلى الحج ولما رأى قبر النبي ﷺ تعلق في أستار الحجرة الشريفة بحضور الناس وقال اشهدوا إن هذا مقامي من رسول الله ﷺ داخلا عليه مستشفعا به إلى ابن عمه المستعصم في أن يرد علي وديعتي. فأعظم الناس ذلك وجرت عبراتهم وارتفع بكاؤهم وكتب بصورة ما جرى مشروح ودفع إلى أمير الحاج وذلك في يوم السبت الثامن والعشرين من ذي الحجة فتوجه الناصر داود مع الحاج العراقي وأقام ببغداد فلما أقام بها بعد وصوله من الحجاز واستشفاعه بالنبي ﷺ في رد وديعته في سنة أربع وخمسين وستمائة أرسل

стр. 437

الخليفة المستعصم من حاسب الناصر داود على ما وصله في تردده إلى بغداد من المضيف مثل اللحم والخبز والحطب والعليق والتبن وغير ذلك وثمن عليه بأغلى الأثمان وارسل إليه شيئا نزرا وألزمه أن يكتب خطه بقبض وديعته وأنه ما بقي ستحق عند الخليفة شيئا. فكتب خطه بذلك كرها وسار عن بغداد وأقام مع العرب. ثم أرسل إليه الناصر يوسف صاحب دمشق فطيب قلبه وحلف له فقدم إلى دمشق وأقام بالصالحية. وكانت وفاة الناصر داود في ليلة السبت السادس والعشرين من جمادي الأولى سنة ست وخمسين وستمائة بالطاعون بظاهر دمشق في قرية يقال لها البويضا ومولده سنة ثلاث وستمائة وكان عمره نحو ثلاث وخمسين سنة ومات بعد محن كثيرة حصلت له ودفن بالصالحية في تربة والده المعظم عيسى. وفي هذه السنة وهي سنة ست وخمسين وستمائة استولى التتر على بغداد وخربوها وقتلوا الخليفة المستعصم بالله أبا احمد عبد الله بن المستنصر بالله وهو آخر خلفاء بغداد وبقتله انقرضت دولة بني العباس. ثم في سنة تسع وخمسين وستمائة قتل الملك الناصر يوسف ابن الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازي ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب دمشق وحلب في بلاد تبريز من ملك العجم فإنه لما ورد عسكر التتر إلى جهة دمشق خرج لقصده فاسر وجهز إلى هولاكو ملك التتر فقتله هو ومن معه وعقد عزاه في جامع دمشق في سابع جمادي الأولى سنة تسع وخمسين وستمائة وقد انتهى ذكر ما وقع في بيت المقدس من الفتوحات على أيدي ملوك الاسلام وما ذكرته في ذلك من تواريخ لا تتعلق بالفتح فلا بد فيها من شيء متعلق بالحال ولا يخلو من فائدة لمن تأمله. ولنرجع إلى ذكر ما يتعلق بالمسجد الأقصى فأقول - والله الموفق للصواب -:

стр. 438

(ذكر صفة المسجد الأقصى وما هو عليه في عصرنا) اعلم وفقك الله أن المسجد الأقصى الشريف - شرفه الله وعظمه - ليس له نضير تحت أديم السماء ولا بني في المساجد صفته ولا سعته وكان في الزمان الأول على الصفات العجيبة التي تقدم شرحها عند ذكر بناء سليمان ﵇ وكذلك عند ذكر بناء أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان. وأما صفته في هذا العصر فهي أيضا من الصفات العجيبة لحسن بنائه واتقانه فالجامع الذي هو في صدره عند القبلة التي تقام فيها الجمعة وهو المتعارف عند الناس إنه المسجد الأقصى يشتمل على بناء عظيم به قبة مرتفعة مزينة بالفصوص الملونة وتحت القبة المنبر والمحراب وهذا الجامع ممتد من جهة القبلة إلى جهة الشمال وهو سبع أكوار متجاورة مرتفعة على العمد الرخام والسواري فعدة ما فيه من العمد خمسة وأربعون عمودا منها ثلاثة وثلاثون من الرخام ومنها اثنا عشر مبنية بالأحجار وهي التي تحت الجملون وعمود ثالث عشر مبني عند الباب الشرقي تجاه محراب زكريا وعدة ما فيها من السواري المبنية بالأحجار أربعون سارية وسقفه في غاية العلو والارتفاع فالسقف مما يلي القبلة من جهتي المشرق والمغرب مسقف بالخشب ومما يلي القبة من جهة الشمال ثلاثة أكوار مسقفة بالخشب الأوسط منها هو الجملون وهو أعلاها واثنان وهما إلى جانب الجملون من المشرق والمغرب دونه وبقية الأكوار وهي أربع اثنان من جهة المشرق واثنان من جهة المغرب معقود ذلك بالحجر والشيد وعلى القبة والجملون والسقف الخشب رصاص من ظاهرها وصدر الجامع القبلي وبعض الشرقي مبنيان بالرخام الملون والمحراب الكبير الذي هو في صدره إلى جانب المنبر من جهة الشرق يقال أنه محراب داود ﵇ ويقال أن محراب داود إنما هو الذي بظاهر الجامع المبني في السور القبلي من جهة الشرق بالقرب من مهد عيسى وهو موضع مشهور.

стр. 439

وقد تقدم أن محراب داود في الحصن الذي بظاهر البلد المعروف بالقلعة فان هناك كان مسكنه ومتعبده فيه ويحتمل أن يكون محرابه الذي كان يصلي فيه في الحصن في مكان بعيد منه ومكان المحراب الكبير الذي في داخل المسجد كان موضع مصلاه إذا دخل المسجد ولما جاء عمر بن الخطاب ﵁ اقتفى أثره وصلى في مكان متعبده فسمي محراب عمر لكونه أول من صلي فيه يوم الفتح وهو في الأصل محراب داود. ويعضد هذا ما تقدم من حديث عمر لما قال لكعب أين نجعل مصلانا في هذا المسجد؟ فقال في مؤخره مما يلي الصخرة فقال بل نجعل قبلته صدره ثم خط المحراب في ذلك المتعبد. وأما المحراب الصغير الذي إلى جانب المنبر من جهة الغرب بداخل المقصورة الحديد بجوار الباب المتوصل منه إلى الزاوية الخنثنية فيقال إنه محراب معاوية. وذرع هذا الجامع في الطول من المحراب الكبير إلى عتبة الباب الكبير المقابل له مائة ذراع محررا بذراع العمل غير جوف المحراب وغير الأروقة التي يظاهر الأبواب الشمالية وعرضه من الباب الشرقي الذي يخرج منه إلى جهة مهد عيسى إلى الباب الغربي ستة وسبعون ذراعا بذراع العمل. وبداخل هذا الجامع في صدره من جهة الشرق مجمع معقود بالحجر والشيد به محراب ويقال لهذا المجمع جامع عمر وتسميته بجامع عمر لأن هذا البناء من بقية بناء عمر ﵁ الذي كان جعله عند الفتح ويقال أن المحراب الذي بداخل هذا المجمع هو محراب عمر والأكثرون على أن محراب عمر إنما هو المحراب الكبير المجاور للمنبر المقابل للباب الكبير الذي من جهة الشمال كما تقدم قريبا. والى جانب هذا المجمع المعروف بجامع عمر من جهة الشمال إيوان كبير معقود سمي مقام عزير وبه باب يتوصل منه إلى جامع عمر وبجوار هذا الإيوان من

стр. 440

جهة الشمال إيوان لطيف به محراب يسمى محراب زكريا ﵇ وهو بجوار الباب الشرقي وبداخل الجامع المذكور أيضا من جهة الغرب مجمع كبير معقود بالأحجار الكبار وهو كوران ممتدان شرقا بغرب ويسمى هذا المجمع جامع النساء وهو عشر قناطر على تسع سواري في غاية الأحكام وقد أخبرت انه من بناء الفاطميين. وبصدر الجامع من وراء القبلة الزاوية الخنثينية - ويأتي ذكرها - وهي بداخل المقصورة الحديد الملاصقة للمنبر وبجوار الزاوية الخنثنية من جهة الغرب دار الخطابة والمنبر الموضوع بصدر الجامع من الخشب وهو مرصع بالعاج والأبنوس وهو الذي عمله السلطان الملك العادل نور الدين الشهيد ﵀ بحلب - كما تقدم - وكان عمله في شهور سنة أربع وستين وخمسمائة وقال هذا برسم القدس فلما فتح الله البلاد على يد الملك صلاح الدين أحضره من حلب وهو موجود إلى عصرنا وعليه مكتوب تاريخ عمله وهذا لحسن نية نور الدين الشهيد فإنه بلغه الله مراده بعد وفاته عفا الله عنه ومقابله دكة المؤذنين على عمد من رخام في غاية الحسن. ولهذا الجامع عشرة أبواب يدخل منها إليه من صحن المسجد فسبعة أبواب منها في جهة الشمال وكل باب منها ينتهي إلى كور من الأكوار السبعة - المتقدمة ذكرها - وبظاهر الأبواب السبعة رواق على سبع قناطر كل باب قبال قنطرة وبها أربعة عشر عمودا من الرخام مبنية في السواري وباب من جهة الشرق وهو الذي ينتهي إلى جهة مهد عيسى وباب من جهة المغرب والباب العاشر وهو الذي يدخل منه إلى المكان المعروف بجامع النساء. (بئر الورقة) وبداخل هذا الجامع بئر عن يسرة الداخل من الباب الكبير يسمى بئر الورقة وقد ورد في أمر الورقة حكايات وأخبار وأحاديث كثيرة مختلفة فمن ذلك:

стр. 441

ما رواه أبو بكر بن أبي مريم عن عطية بن قيس أن رسول الله ﷺ قال ليدخلن الجنة رجل من أمتي يمشي على رجليه وهو حي فقدمت رفقة بيت المقدس يصلون فيه في خلافة عمر ﵁ فانطلق رجل من بني تميم يقال له شريك ابن حيان يستقي لأصحابه فوقع دلوه في الجب فنزل ليأخذه فوجد بابا في الجب يفتح إلى الجنان فدخل من الباب إلى الجنان فمشى فيها وأخذ ورقة من شجرها فجعلها خلف أذنه ثم خرج إلى الجب فارتقى. فأتى صاحب بيت المقدس فأخبره بما رأى من الجنان ودخوله فيها فأرسل معه إلى الجب ونزل الجب ومعه أناس فلم يجدوا بابا ولم يصلوا إلى الجنان فكتب بذلك إلى عمر فكتب عمر يصدق حديثه في دخول رجل من هذه الأمة الجنة يمشي على قدميه وهو حي وكتب عمر أن انظروا إلى الورقة فان هي يبست وتغيرت فليس هي من الجنة فان الجنة لا يتغير منها شيء وذكر في حديثه ان الورقة لم تتغير وورد في ذلك أحاديث بغير هذا اللفظ ويقال أن الجب هو هذا الذي بالمسجد الأقصى عن يسرة الداخل للجامع - كما قدمته -. وبجوار هذا الجامع القبلي من جهة الشرق قبو كبير معقود يسمى النجارة يوضع فيه آلة المسجد ولعله من بناء الفاطميين والله أعلم وبه فم ثان لبئر الورقة. (محراب داود ﵇ وبظاهر الجامع في صحن المسجد من جهة الشرق في السور القبلي محراب كبير وهو المشهور عند الناس انه محراب داود ﵇ وهو بالقرب من مهد عيسى وتقدم ذكره ونقل ان الدعاء عنده مستجاب وقد جربت ذلك ودعوت الله هناك وسألته في أشياء فاستجاب لي بفضله وكرمه. (سوق المعرفة) وبآخر المسجد من جهة الشرق مما يلي محراب داود مكان معقود به محراب

стр. 442

وقد عرف هذا المكان بسوق المعرفة ولا أعرف سبب تسميته بذلك والظاهر أنه من اختراعات الخدام لترغيب من يرد إليهم من الزوار. ونقل بعض المؤرخين ان باب التوبة كان في هذا المكان وان بني إسرائيل كانوا إذا أذنب أحدهم ذنبا أصبح مكتوبا على باب داره فيأتي إلى هذا المكان ويتضرع ويتوب إلى الله ولا يبرح إلى أن يغفر الله له وأمارة الغفران أن يمحي ذلك المكتوب عن باب داره وان لم يمح لم يقدر ان يتقرب من أحد ولو كان أقرب الناس إليه وكان هذا المكان جعل قديما مصلى للحنابلة أفرده لهم السلطان الملك المعظم عيسى بن أبي بكر بن أيوب صاحب دمشق وأذن لهم في الصلاة فيه. (مهد عيسى ﵇ وسفل هذا المكان المعروف بسوق المعرفة مسجد تحت الأرض يعرف بمهد عيسى ﵇ ويقال انه محراب مريم ﵍ وهو موضع متعبدها وهو موضع مأنوس ويقال ان الدعاء فيه مستجاب فينبغي لمن صلى هناك ان يقرأ سورة مريم ويسجد كما فعل عمر ﵁ في محراب داود فإنه قرأ في صلاته بسورة ص وسجد ويدعو في هذا المكان بدعاء عيسى ﵇ حين رفعه الله من طور زيتا وقد سبق ذكره عند السيد عيسى ﵇. (جامع المغاربة) وبظاهر الجامع من جهة الغرب في صحن المسجد مكان معقود يعرف بجامع المغاربة وهو مأنوس مهيب وفيه صلاة المالكية والذي يظهر انه من بناء عمر بن الخطاب ﵁ لما روي عن شداد أن عمر لما دخل المسجد الأقصى مضى إلى مقدمة مما يلي الغرب فحثا في ثوبه من الزبل وحثونا معه في ثيابنا ومضى ومضينا معه حتى ألقيناه في الوادي الذي يقال له وادي جهنم ثم عاد فعدنا بمثلها حتى صلينا فيه في موضع يصلي فيه جماعة فصلى بنا عمر فيه.

стр. 443

وعن شداد أيضا ان عمر ﵁ لما دخل المسجد يوم الفتح تقدم إلى مقدمه مما يلي الغرب فقال نتخذ ها هنا مجدا فهذا الجامع هو في مقدم المسجد مما يلي الغرب فيحتمل أن يكون بناه عمر ويحتمل أن يكون من أثر البناء الأموي الذي تقدم انه كان في صدر المسجد من جهة الشرق إلى جهة الغرب والله أعلم. (الصخرة الشريفة) وأما الصخرة الشريفة فهي في وسط المسجد على الصحن الكبير المرتفع عن ارض المسجد وعليها بناء في غاية الحسن والاتقان وهي قبة مرتفعة علوها أحد وخمسون ذراعا بذراع العمل الذي تذرع به الابنية وهذا الارتفاع من فوق الصحن وأما علو الصحن من ارض المسجد من جهة القبلة عند قبة النحوية فهو سبعة أذرع فيكون ارتفاع القبة من ارض المسجد ثمانية وخمسين ذراعا وهي مرتفعة على عمد من رخام وسواري مبنية في غاية الأحكام والاتقان وعدة العمد الرخام اثنا عشر عمودا والسواري أربع والصخرة الشريفة تحت هذه القبة يحوطها درابزين من خشب ويحوط بالعمد والسواري الحاملة للقبة درابزين من حديد وخارج القبة سقف مستدير من الخشب المدهون المذهب على عمد من رخام وسواري عدة العمد ستة عمودا والسواري ثمان وارض القبة وحيطانها مبنية بالرخام باطنا وظاهرا ومزينة بالفصوص الملونة في العلو من الباطن والظاهر والبناء الذي حول القبة على حكم التثمين. وذرع دائره في سعته من الباطن مائتا ذراع وأربعة وعشرون ذراعا ومن الظاهر مائتا ذراع وأربعون ذراعا بالعمل وان كان فيه نقص أو زيادة فهو يسير والله أعلم بالصواب. (القدم الشريف) وموضع القدم الشريف في حجر منفصل عن الصخرة محاذ لها آخر جهة

стр. 444

الغرب من جهة القبلة وهي على عمد من رخام. (المغارة) وتحت الصخرة مغارة من جهة القبلة يتوصل إليها من سلم حجر ينزل فيه إلى المغارة وعند وسط السلم صفة صغرى متصلة به من جهة الشرق يقف عليها الزوار لزيارة لسان الصخرة وهناك عمود من رخام ملقى طرفه الأسفل على طرف الصفة من جهة القبلة مسندا إلى جدار المغارة القبلي وطرفه الآخر الأعلى مسندا إلى طرف الصخرة كأنه مانع لها من الميل إلى جهة القبلة أو لغير ذلك وهذه المغارة من الأماكن المأنوسة عليها الأبهة والوقار. وحكى صاحب (مثير الغرام) قال رأيت في كتاب (القبس في شرح موطأ الإمام مالك بن أنس) تأليف الإمام أبي بكر بن العربي أنه قال في تفسير قوله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء بقدر) فذكر أقوالا أربعة الرابع منها قيل إن مياه الأرض كلها تخرج من تحت صخرة بيت المقدس وهي من عجائب الله تعالى في ارضه فإنها صخرة شعثاء في وسط المسجد الأقصى قد انقطعت من كل جهة لا يمسكها إلا الذي يمسك السماء ان تقع على الأرض إلا بإذنه في أعلاها من جهة الجنوب قدم النبي ﷺ حين ركب البراق وقد مالت من تلك الجهة لهيبته وفي الجهة الأخرى أثر أصابع الملائكة التي أمسكتها إذ مالت به ومن تحتها الغار الذي انفصلت عنه من كل جهة عليه باب يفتح للناس للصلوات والاعتكاف فهبتها مدة ان ادخل تحتها لأني كنت أخاف ان تسقط علي بالذنوب ثم رأيت الظلمة والمجاهرين بالمعاصي يدخلونها ثم يخرجون منها سالمين فهممت ان ادخلها ثم قلت ولعلهم أمهلوا وأعاجل فتوقفت مدة ثم عزم علي فدخلتها فرأيت العجب العجاب يمشي في جوانبها من كل جهة فتراها منفصلة عن الأرض لا يتصل بها من الأرض شيء وبعض الجهات أشد انفصالا من بعض.

стр. 445

قال صاحب (مثير الغرام) هذا كلامه وهو عجيب جدا. قلت والمشهور عند الناس ان الصخرة معلقة بين السماء والأرض وحكى إنها استمرت على ذلك حتى دخلت تحتها حامل فلما توسطت تحتها خافت فأسقطت حملها فبنى حولها هذا البناء المستدير حتى استتر أمرها عن أعين الناس. وقد تقدم في ترجمة ابن العربي انه دخل المشرق في سنة خمس وثمانين وأربعمائة والظاهر أن قدومه ببيت المقدس كان في ذلك العصر فعلى هذا يكون البناء المستدير حول الصخرة بعد ذلك التاريخ والله أعلم. وللقبة التي على الصخرة وللبناء المستدير حولها سقفان أحدهما من خشب وهو المدهون المذهب وفوقه سقف آخر يعلوه الرصاص وبين السقفين خال متسع ولقبه الصخرة الشريفة أربعة أبواب من الجهات الأربع فالباب القبلي هو المقابل للجامع الذي في صدر المسجد المتعارف بين الناس انه الأقصى وعن يمنة الداخل منه المحراب ويقابله دكة المؤذنين على عمد من رخام في غاية الحسن والباب الشرقي تجاه درج البراق قبال قبة السلسلة ويسمى باب إسرافيل والباب الشمالي هو المعروف بباب الجنة وعنده البلاطة السوداء المتقدم ذكرها والباب الغربي هو الذي يقابل باب القطانين. (قبة السلسلة) وهي قبة في غاية الظرف على عمد من رخام وقد تقدم ذكرها عند بناء عبد الملك بن مروان وإنها على صفة قبة الصخرة وهي شرقيها بين الباب الشرقي ودرج البراق وعدة ما فيها من العمد الرخام سبعة عشر عمودا غير عمودي المحراب. وروي ان رسول الله ﷺ ليلة أسري به رأى الحور العين مكان قبة السلسلة. والصحن محيط بقبة الصخرة الشريفة على حكم التربيع لكن طوله من القبلة

стр. 446

إلى الشمال أكثر من عرضه من المشرق إلى المغرب على ما سنذكره فيما بعد عند ذكر ذرعه طولا وعرضا إن شاء الله تعالى. وعلى ظاهر كل باب من أبواب قبة الصخرة الشريفة الأربعة عضائد وعمد من رخام وسقف يعلوه والصحن مفروش بالبلاط الأبيض ويتوصل إليه من عدة أماكن من صحن المسجد كل مكان به سلم من حجر وعلى رأس السلم قناطر مرتفعة على عمد فمن ذلك سلمان من جهة القبلة أحدهما مقابل باب الجامع المشهور عند الناس بالأقصى وعلى رأس هذا السلم منبر من رخام والى جانبه محراب يصلى في هذا المكان العيد والاستسقاء وهذا المنبر أخبرت ان الذي عمره قاضي القضاة برهان الدين ابن جماعة - الآتي ذكره - وأنه كان قبل ذلك من خشب يحمل على العجل والسلم الثاني يليه من جهة قبة الطومار وهي على طرف صحن الصخرة من جهة الزيتون وهذا السلم مقابل لسور المسجد الأقصى القبلي. ومن ذلك سلم من جهة الشرق يعرف بدرج البراق ينتهي إلى أشجار الزيتون المغروسة شرقي المسجد عند باب الرحمة. ومن ذلك سلمان من جهة الشمال أحدهما مقابل باب حطة والثاني مقابل باب الدويدارية. ومن ذلك ثلاثة سلالم من جهة الغرب أحدها مقابل باب الناظر وهو منحرف عنه والثاني مقابل لباب القطانين والمتوضأ والثالث مقابل باب السلسلة وهذا السلم محدث في عصرنا على ما سنذكره فيما بعد في حوادث سنة سبع وسبعين وثمانمائة إن شاء الله تعالى وبجوار هذا السلم القبة المعروفة بالنحوية التي أنشأها الملك المعظم عيسى تغمده الله برحمته. (قبة المعراج) وعن يمين الصخرة والصحن من جهة الغرب قبة المعراج وهي مشهورة مقصودة

стр. 447

للزيارة وهذا البناء الموجود عمره الأمير الاستفهسالار عز الدين سعيد السعداء أبو عمرو عثمان بن علي بن عبد الله الزنجيلي متولي القدس الشريف في سنة سبع وتسعين وخمسمائة وكان قبل ذلك ثم قبة قديمة ودثرت فجددت هذه القبة في التاريخ المذكور. (مقام النبي ﷺ ويقال أنه كان إلى جانب قبة المعراج في صحن الصخرة قبة لطيفة فلما بلط صحن المسجد أزيلت تلك القبة وجعل مكانها محراب لطيف مخطوط في الأرض بالرخام الأحمر في دائرة على سمت بلاط الصخرة وهو موجود إلى يومنا ويقال ان موضع لك المحراب موضع صلاة النبي ﷺ بالأنبياء والملائكة ليلة الاسراء ثم تقدم أمام ذلك الموضع فوضعت له مرقاة من ذهب ومرقاة من فضة وهو المعراج ولم يختلف اثنان انه عرج به ﷺ عن يمين الصخرة. ويستحب لمن صلى عند قبة المعراج ومقام النبي ﷺ أن يدعو بهذا الدعاء وهو: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا والآخرة اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا. (مقام الخضر ﵇ وروى المشرفي أن تحت المقام الغربي مما يلي قبة الصخرة صخرة تسمى بج بج وأنها موضع الخضر ﵇ وانه سمع وهو يصلي هناك ويدعو وهذا المكان قد ترك في عصرنا وصار حاصلا للمسجد وهو سفل صحن الصخرة تجاه

стр. 448

باب الحديد بلسق السلم المتوصل منه لصحن الصخرة وهو مكان مأنوس وعلى ظهر هذا المكان محراب من رخام مخطوط في صحن الصخرة يعرف بمغارة الأرواح يقصده الناس للزيارة وفي مؤخر المسجد من جهة الشمال مما يلي المغرب صخور كثيرة ظاهرة يقال أنها من زمن داود ﵇ وهذا ظاهر لأنها ثابتة في الأرض ولم يطرأ عليها ما يغيرها. (قبة سليمان ﵇ وفي تلك الجهة بالقرب من باب الدويدارية قبة محكمة البناء بداخلها صخرة ثابتة وتعرف هذه القبة بقبة سليمان والصخرة الثابتة فيها يقال إنها التي وقف عليها سليمان ﵇ بعد انهاء البناء ودعا الله بالدعوات المتقدم ذكرها فاستجاب الله له وهذا البناء الذي عليها من عهد بني أمية. (قبة موسى) وأما القبة التي تجاه باب السلسلة المعروفة بقبة موسى ليس هو موسى النبي ولم يصح خبر في نسبتها بذلك والذي أمر بعمارتها هو الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل في سنة وفاته وهي سنة تسع وأربعين وستمائة وكانت تعرف قديما بقبة الشجرة. وفي المسجد من جهة الغرب الأروفة مبنية بالبناء المحكم وهي ممتدة من جهة القبلة إلى جهة الشمال أولها عند باب المسجد المعروف بباب المغاربة وآخرها عند الباب المعروف بباب الناظر وفوقه إلى قرب باب الغوانمة وهذه الأروقة كلها عمرت في سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون فالرواق الممتد من باب المغاربة إلى باب السلسلة عمر في سنة ثلاث عشر وسبعمائة والرواق الممتد مما يلي منارة باب السلسلة إلى قريب من باب الناظر عمر في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة والرواق الممتد من باب الناظر إلى قرب باب الغوانمة عمر في سنة سبع وسبعمائة.

стр. 449

وفي صحن المسجد من جهة الغرب بين الأروقة وصحن الصخرة عدة محاريب على مساطب مبنية للصلاة وأشجار كثيرة تشتمل على ميس وتين وغيرهما. وأما الأرقة من جهة الشمال فهي ممتدة شرقا بغرب من باب الأسباط إلى المدرسة الجاولية وهي المعروفة يومئذ بدار النيابة والرواق الممتد من باب الأسباط إلى المدرسة القادرية لم اطلع على حقيقة أمره وقرينة الحال تدل على أنه بني مع المنارات التي هناك وكان بناؤها في سلطنة الأشرف شعبان بن حسين في سنة تسع وستين وسبعمائة والرواق الذي في سفل القادرية بني معها وكذلك مجمع المدرسة الكريمية وما الرواق الممتد من باب حطة إلى باب الدويدارية فالظاهر أن الذي عمره الملك الأوحد مع تربته التي بباب حطة فإنه شرط في وقفها ما يقتضي ذلك والرواق الممتد من باب الدويدارية إلى آخره من جهة الغرب وعلى ظهره خمس مدارس فبعضه وهو الذي سفل المدرسة الأمينية والمدرسة الفارسية كان قديما ثم جددت عمارته في دولة الملك المعظم عيسى في سنة عشرة وستمائة وباقية وهو الذي سفل ثلاث مدارس وهي الملكية والاسفردية والصبيبية فكل مدرسة بنى معها ما تحتها من الرواق والمشاهدة تدل على ذلك فان كل مدرسة من هؤلاء بناؤها مناسب لما سفلها من الرواق وسنذكر تاريخ كل مدرسة فيعلم منه تاريخ بناء الرواق الذي سفلها. وأما الرواقان السفليان اللذان سفل دار النيابة فإنهما عمرا مع منارة الغوانمة وكتب عليهما تاريخ عمارتهما وعمارة المنارة فتشعثت الكتابة لطول الزمان وعلوها أيضا رواقان مستجدان بعدهما بدهر وسنذكر تاريخ من عمر المنارة فيعلم منه الحال تقريبا والله أعلم. وفي المسجد من جهة الشرق بين صحن الصخرة والسور الشرقي أشجار زيتون كثيرة قديمة من عهد الروم وآثار أروقة مستهدمة عند مهد عيسى لعلها من آثار البناء الأموي والله أعلم.

стр. 450

(قبة الطومار) وهي قبة على طرف صحن الصخرة من جهة القبلة مما يلي الشرق وقد أخبرت قديما ان سبب تسميتها بذلك ان بعض الملوك الأعيان حضر إلى القدس الشريف وصعد إلى جبل طور زيتا ورمى بالطومار فسقط في موضع هذه القبة فأمر ببنائها فسميت قبة الطومار لذلك وللناس في ذلك حكايات مختلفة لا أصل لها والله أعلم. (حاكورة القاشاني) وهي مكان بجوار قبة الطومار إلى جانب صحن الصخرة من جهة القبلة وبه خلوة وكان يجلس فيها الشيخ عبد الملك الموصلي وكان عمل في حيطانها وزرة من القاشاني فعرفت بذلك. (زاوية البسطامية) سفل صحن الصخرة من جهة الشرق عند الزيتون وهي مكان مأنوس كان يجتمع فيه الفقراء البسطامية لذكر الله تعالى وقد سد بابها في عصرنا. (زاوية الصمادية) بجوار زاوية البسطامية من جهة الشمال وهي بلصق درج البراق وقد سد بابها أيضا كالبسطامية. وفي المسجد من الآبار المعدة لجمع ماء الاشتية أربعة وثلاثون بئرا منها بئر الورقة بداخل الجامع المتقدم ذكره ومنها في صحن الصخرة سبعة والباقي في أرض المسجد حول صحن الصخرة من الجهات الأربع فمنها ما له فمان ومنها ما له ثلاثة أفواه فعدة الأفواه نيف وأربعون فما ومن الآبار ما هو خراب وبعضها قد سد.

стр. 451

(ذرع المسجد طولا وعرضا) وأما ذرع المسجد فقد اجتهدت في تحريره وتوليت ذلك بنفسي وقيس بحضوري بالحبال فكان طوله قبلة بشمال من السور القبلي عند المحراب المعروف بمحراب داود ﵇ إلى صدر الرواق الشمالي عند باب الأسباط ستمائة وستين ذراعا بذراع العمل التي تذرع الابنية به في عصرنا غير عرض السورين وان كان فيه زيادة أو نقص نحو ذراعين أو ثلاثة فهي لاضطراب القياس لبعد المسافة فإني احتطت في تحريره وقيس بحضوري مرتين حتى تحققت صحة القياس. وعرضه شرقا بغرب من السور الشرقي المطل على مقابر باب الرحمة إلى صدر الرواق الغربي الذي هو سفل مجمع المدرسة التنكزية أربعمائة ذراع وستة أذرع بذراع العمل غير عرض السورين. (تنبيه) قد تقدم عند ابتداء ذكر صفة المسجد الأقصى أن المتعارف عند الناس أن الأقصى من جهة القبلة الجامع المبني في صدر المسجد الذي به المنبر والمحراب الكبير وحقيقة الحال ان الأقصى اسم لجميع المسجد مما دار عليه السور وذكر قياسه هنا طولا وعرضا فان هذا البناء الموجود في صدر المسجد وغيره من قبة الصخرة والأروقة وغيرها محدثة والمراد بالمسجد الأقصى هو جمع ما دار عليه السور - كما تقدم -. وأما صحن الصخرة الشريفة فطوله قبلة بشام من السور القبلي الذي هو بين الدرجتين القبليتين يمر بالقياس فيما بين باب الصخرة الشرقي وقبة السلسلة إلى السور الشمالي المشرف على جهة باب حطة مائتان وخمسة وثلاثون ذراعا وعرضه شرقا بغرب من السور الشرقي المشرف على الزيتون عند قبة الطومار إلى السور الغربي المقابل للمدرسة الشريفة السلطانية مائة وتسعة وثمانون ذراعا كل ذلك بذراع

стр. 452

العمل وتقدم ذكر ذرع الجامع الأقصى وارتفاع قبة الصخرة ودائرها قبل وان كان في القياس نقص أو زيادة فهو يسير وهذا القياس المذكور هنا مخالف لما تقدم عند ذكر صفة المسجد التي كان عليها في زمن عبد الملك بن مروان وقد تقدم هناك ذكر قياسه على أنواع مختلفة ليس في أحدها ما يوافق الآخر. والظاهر أن الأذرعة المقاس بها مختلفة بحسب اصطلاح كل زمان ويحتمل ان يكون بعضها بذراع الحديد وبعضها بذراع اليد والله أعلم. وفي المسجد أماكن كثيرة من الحواصل والأبنية والمخازن التي يطول شرح وصفها فان هذا المسجد الشريف صفاته عظيمة لا يتصورها إلا من شاهدها عيانا وهذا الذي ذكرته هنا إنما هو على سبيل التقريب. ومن أعظم محاسنه انه إذا جلس انسان فيه في أي موضع منه ان يرى ذلك الموضع هو أحسن المواضع وأبهجها ولهذا قيل إن الله تعالى نظر إليه بعين الجمال ونظر إلى المسجد الحرام بعين الجلال فهذا المسجد في غاية البهجة والسعة والمنظر الحسن والمسجد الحرام في غاية الأبهة والوقار والهيبة. قال الصاحب الأكمل تاج الدين أحمد بن الصاحب أمير الدين أبي محمد عبد الله الحنفي في كتابه المسمى ب (العسجد في صفة الأقصى والمسجد) وأما ما شاهدته فيه بالعيان إنني جلست وقتا في بقعة منه مكللة بأزاهر من الشقائق والأقحوان والى جانبي فقير عليه أطمار رثة يبدي تبسما وتارة يعلن صوته بالتسبيح والتكبير ترنما ويقول سبحان من جمع فيك المحاسن وكساك هذه الحلل الفاخرة وجعلك تحتوي على كنوز الدنيا والآخرة فقلت له يا سيدي أما فضله وبركته فقد صدق العيان فيها الخبر لكن ما كنوز الدنيا والآخرة؟ فقال ما منه زهرة تراها إلا ولها في النفع والضر خواص يعرفها أهل الاختصاص. فقلت لعلك تظهر للعيان شيئا مما عرفته فيزداد به اليقين تبصرة وتكون هذه الجلسة معك عن صباح النجاح مسفرة.

стр. 453

فأخذ بيدي ومشى خطوات إلى جهة من جهات الحرم ومد يده وأخذ قبضة من ذلك الكلأ وقال هل معك خاتم أو درهم؟ فقلت نعم فأخرجت درهما فما معي وعركه بذلك الكلأ فعاد كالدينار في صفرته ثم أخذ حشيشة أخرى وعركه بها فصار أبيض أنقى مما كان أولا وقال هذه رموز احتوت على كنوز فسبحان القادر على ما يشاء. (الأقصى القديمة) وسفل المسجد من جهة القبلة كان كبير معقود وبه أسوار حاملة للسقف وهي تحت المكان الذي فيه المحراب والمنبر ويسمى هذا المكان السفلي الأقصى القديمة ولعله من أثر البناء السليماني فان اتقان بنائه وإحكامه يدل على ذلك. (اصطبل سليمان) والى جانب هذا المكان أيضا سفل المسجد تحت الجهة التي بها الأشجار والزيتون مكان عظيم معقود يقال له اصطبل سليمان وهو داخل تحت غالب المسجد نوعه من البناء السليماني وهو الظاهر ويتوصل إلى كل من المكانين المذكورين من تحت سور المسجد القبلي. وأما المنائر فقد تقدم في ذكر وصف المسجد الذي كان عليه في زمن عبد الملك بن مروان وبعده أن فيه من المنائر أربعة ثلاثة منها صف واحد غربي المسجد وواحدة على باب الأسباط وفي عصرنا الأمر كذلك لكن المنائر التي به الآن بناؤها متجدد بعد ذلك البناء والظاهر أنه على الأساس القديم. فالمنارة الأولى على مقدم المسجد من جهة القبلة مما يلي الغرب على المدرسة الفخرية وهي ألطفها بناء لكونها على غير أساس وإنما هي على ظهر مجمع المدرسة الفخرية ولعلها بناء صاحب الفخرية والله أعلم. والثانية على باب السلسلة على الجانب الغربي من المسجد وهي المختصة بالامائل

стр. 454

من المؤذنين وعليها عمل المسجد واعتماد بقية المنائر وقد أخبرت أنها من بناء تنكز نائب الشام حين بنائه لمدرسته المشهورة به بخط باب السلسلة. والثالثة على مؤخر المسجد من جهة الشمال مما يلي الغرب وتسمى مأذنة الغوانمة لكونها عند باب الغوانمة وهي أعظمها بناء وأتقنها عمارة وهي بناء القاضي شرف الدين عبد الرحمن ابن الصاحب الوزير فخر الدين الخليلي ناظر أوقاف الحرمين الشريفين مكة والمدينة شرفهما الله تعالى وحرمي القدس الشريف والخليل ﵇ وقد رأيت توقيعه بذلك من السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين وفيه أن يعاد إلى الوظيفة المذكورة فدل على أنه باشرها قبل ذلك بتاريخ التوقيع الذي وقفت عليه الثالث والعشرين من جمادي الآخرة سنة سبع وسبعين وستمائة ولعله عمر المنارة في ذلك العصر وقد أخبرت ان عمارتها في دولة بني قلاوون وهو ممكن. والرابعة على الجهة الشمالية من المسجد بين باب الأسباط وباب حطة وهي أظرفها شكلا وأحسنها هيبة وهي بناء السيفي قطلوبغا ناظر الحرمين الشريفين بناها في سلطنة الملك الأشرف شعبان بن حسين في سنة تسع وستين وسبعمائة. وأما أبواب المسجد فأولها بابان متحدان في السور الشرقي الذي قال الله تعالى فيه: (فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) فان الوادي الذي وراءه وادي جهنم وهما من داخل الحائط مما يلي المسجد أحدهما يسمى باب الرحمة والثاني يسمى باب التوبة وهما الآن غير مشروعين وعليهما من داخل المسجد مكان معقود بالبناء السليماني ولم يبق في المسجد من البناء السليماني سوى هذا المكان وهو مقصود للزيارة وعليه الأبهة والوقار وقد أخبرت قديما من شخص من القدماء ان الذي اغلقهما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأنهما لا يفتحان حتى ينزل السيد عيسى ابن مريم ﵇. والذي يظهر أن سبب غلقهما خشية على المسجد والمدينة من العدو المخذول فإنهما ينتهيان إلى البرية وليس في فتحهما كبير فائدة.

стр. 455

وكان على علو هذا المكان الذي على باب الرحمة زاوية تسمى الناصرية وكان بها الشيخ نصر المقدسي يقرأ العلم مدة طويلة وتسميتها بالناصرية نسبة للشيخ نصر ثم أقام بها الإمام أبو حامد الغزالي فسميت الغزالية ثم عمرها الملك المعظم بعد ذلك على ما سنذكره فيما بعد وقد خربت ولم يبق الآن لها أثر سوى بعض بناء مهدوم. وبالسور الشرقي أيضا بقرب البابين المذكورين من جهة القبلة باب لطيف مسدود بالبناء وهو مقابل درج الصخرة المعروف بدرج البراق ويقال ان هذا الباب هو باب البراق الذي دخل منه النبي ﷺ ليلة الاسراء ويسمى باب الجنائز لخروجها منه قديما. وباب الأسباط نسبة لأسباط بني إسرائيل وهم يوسف وروبيل وشمعون ويهودا عليهم الصلاة والسلام وهو في مؤخر المسجد في آخر جهة الشمال من جهة الشرق وهو قريب من باب الرحمة والتوبة. ويقال ان بين باب الرحمة وباب الأسباط مسكن الخضر والياس ﵉ والياس من أنبياء بني إسرائيل ورفع الله الياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فكان انسيا ملكيا أرضيا سماويا وقيل إنه موكل بالبنيان والخضر موكل بالبحار. قد ذهب جماعة من العلماء إلى أن الخضر نبي وذهب آخرون إلى أنه ولي وكثير منهم ذهب إلى أنه حي وهو يصلي الجمعة في خمسة مساجد في المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس ومسجد قبا ومسجد الطور في كل مسجد جمعة ويأكل أكلتين من كمأ وكرفس ويشرب مرة من ماء زمزم ومرة من جب سليمان الذي ببيت المقدس ويغتسل من عين سلوان. قال الشيخ الشيخ أبو محمد نصر البندنيجي سألت الخضر أين تصلي الصبح فقال عند الركن اليماني قال واقضي بعد ذلك شيئا كلفني الله قضاءه ثم

стр. 456

أصلي الظهر بالمدينة واقضي شيئا كلفني الله قضاءه واصلي العصر ببيت المقدس حكى ذلك صاحب (مثير الغرام) وغيره. وسبب حياته - على ما حكاه البغوي - انه شرب من عين الحياة ثم قال عند مجمع البحرين عين تسمى عين الحياة لا يصيب ذلك الماء شيئا إلا حيي. وروى المشرف بسنده وحكاه غيره ان الخضر والياس ﵉ يصومان شهر رمضان ببيت المقدس ويوافيان الموسم كل عام. وباب حطة في جهة الشمال من المسجد وهو الذي ورد فيه عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ قيل لموسى ﵇ قل لبني إسرائيل (ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم) فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا حبا في شعرة. وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية - يريد بيت المقدس - فكلوا منها حيث شئتم رغدا - يريد لا حساب عليكم - وادخلوا الباب - يريد باب بيت المقدس - سجدا - لله تعالى - وقولوا حطة - يريد لا إله إلا الله لأنها كلمة تحط الذنوب - فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم - قالوا بالعبرانية حبة سمراء يريدون الحنطة - فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء - أي عذابا - بما كانوا يفسقون). ويقال ان من صلى عند باب حطة ركعتين كان له من الثوب بعدد من قيل له من بني إسرائيل ادخل الباب فلم يدخل. وإنما سمي باب حطة لأن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا منه ويقولوا حطة وهو فعلة من الحط وهو وضع الشيء من أعلى إلى أسفل يقال حط الحمل عن الدابة. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى وقولا حطة - أي مغفرة - فقالوا حنطة.

стр. 457

وقال مقاتل أنهم أصابوا خطيئة بآبائهم على موسى دخول الأرض التي فيها الجبارون فأراد الله ان يغفر لهم وقيل لهم قولوا حطة قال الزجاج معناه حط عنا ذنوبنا وقوله تعالى: (وادخلوا الباب مسجدا) قال ابن عباس ركعا وهو شدة الانحناء والمعنى منحنين متواضعين. قال مجاهد وقتادة هو باب حطة من بيت المقدس طوطئ لهم الباب ليخفظوا رؤوسهم فلم يخفظوا. وكان في زمن بني إسرائيل إذا أذنب أحد ذنبا كتب على بابه أو على جبينه خطيئته وعلى عتبة بابه ألا أن فلانا قد أذنب في ليلة كذا وكذا فيبعدونه ويدرحونه فيأتي باب التوبة وهو الذي عند محراب مريم ﵍ الذي كان يأتيها رزقها منه فيبكي ويتضرع ويقيم حينا فان تاب الله عليه ينمحي ذلك عن جبينه أو بابه فيقربه بنو إسرائيل وان لم يتب عليه أبعدوه ودحروه. باب شرف الأنبياء في جهة الشمال من المسجد ولعله الذي دخل منه عمر بن الخطاب ﵁ يوم الفتح والله أعلم ويعرف الآن بباب الدويدارية نسبة إلى مدرسة بنيت إلى جانبه وسنذكرها إن شاء الله تعالى وهذه الأبواب الثلاثة وهي باب الأسباط وباب حطة وباب الدويدارية في الجهة الشمالية. باب الغوانمة في آخر الجهة الغربية من جهة الشمال بالقرب من المنارة المعروفة الآن بمنارة الغوانمة وسمي الباب بذلك لأنه ينتهي إلى حارة بني غانم ويعرف قديما بباب الخليل. وباب الناظر وهو باب قديم وجددت عمارته في زمن الملك المعظم عيسى ﵀ في حدود الستمائة ويعرف قديما بباب ميكائيل ويقال انه الباب الذي ربط به جبريل ﵇ البراق ليلة الاسراء. وباب الحديد وهو باب لطيف محكم البناء استجده أرغون الكاملي نائب الشام وباب القطانين سمي بذلك لأنه ينتهي إلى سوق القطانين مكتوب

стр. 458

عليه ان السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون جدد عمارته في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة فدل على أنه كان قديما وهو باب عظيم بناؤه في غاية الاتقان وبالقرب منه باب المتوضأ الذي يخرج منه إلى متوضأ المسجد كان قديما واستهدم ثم جدد عمارته علاء الدين البصير لما عمر المتوضأ وباب السلسلة وباب السكينة وهما متحدان ومنهما يخرج إلى الشارع الأعظم المعروف بخط سيدنا داود ﵇ وهما عمدة أبواب المسجد وغالب استطراق الناس إلى المسجد منهما لأنهما ينتهيان إلى معظم أسواق البلد وشوارعها ويعرف باب السلسلة قديما بباب داود ﵇ وباب المغاربة وسمي بذلك لمجاورته لباب جامع المغاربة الذي تقام فيه الصلاة الأولى ولأنه ينتهي إلى حارة المغاربة وهذا الباب في أواخر الجهة الغربية من المسجد مما يلي القبلة ويسمى باب النبي ﷺ قال ثم انطلق بي - يعني جبريل - حتى دخلت المدينة من بابها اليماني فأتى قبلة المسجد فربط فيها الدابة - يعني البراق - ودخلت المسجد من باب تميل فيه الشمس والقمر قال موقتوا بيت المقدس لا نعلم بالمسجد بابا بهذه الصفة إلا باب المغاربة فهذه الأبواب الثمانية من باب الغوانمة إلى باب المغاربة في الجهة الغربية من المسجد وثلاثة أبواب في الجهة الشمالية فجملتها أحد عشر بابا يتوصل منها إلى المسجد غير بابي الرحمة والتوبة والباب المسدود في السور الشرقي وأما الأبواب التي يتوصل منها إلى المسجد مما حوله من المدارس والمنازل فنذكرها فيما بعد عند انتهاء ذكر ما حول المسجد من المدارس إن شاء الله تعالى وأما المسجد فهو من جهتي القبلة والشرق ينتهي إلى البرية فالجهة القبلية مشرفة على عين سلوان وغيرها والجهة الشرقية مشرفة على طور زيتا ووادي جهنم وغيرهما والمنازل محيطة بالمسجد من جهة الغرب والشمال فقط.

стр. 459

وقد تقدم ان المسجد كان في الزمان السالف في وسط المدينة والمنازل محيطة به من الجهات الأربع فلما خرب البناء القديم ولم يعتن أحد بإعادته وتلاشت أحوال الدنيا صار الأمر على ما هو عليه في عصرنا. وأما الأئمة المرتبون فيه فأولهم إمام المالكية يصلي في الجامع الذي غربي المسجد من جهة القبلة وقد تقدم ذكره ثم يصلي بعده إمام الشافعية بالجامع الكبير القبلي المتعارف عند الناس بالمسجد الأقصى ثم يصلي بعده إمام الحنفية بقبة الصخرة الشريفة ثم يصي بعده إمام الحنابلة وكان قديما يصلي إمام الحنابلة بالرواق الغربي خلف منارة باب السلسلة من جهة الشمال. ومضى الزمان على ذلك وتركت الوظيفة واستقر فيها غير مستحقها لعدم الحنابلة ببيت المقدس فلما بنيت مدرسة مولانا السلطان الملك الأشرف وتكاملت عمارتها ترتب إمام الحنابلة للصلاة في المجمع الذي هو سفل المدرسة وكان مكان الرواق المذكور وذلك في شهور سنة تسعين وثمانمائة مع استمرار تلك الوظائف القديمة بيد غير مستحقها. وهذا الترتيب في الصلوات يوافق ترتيب مسجد سيدنا الخليل ﵇ ما عدا صلاة الحنابلة فان مسجد الخليل يصلي فيه أولا إمام المالكية بالرواق الغربي الذي خلف الحجرة الشريفة الخليلية ثم إمام الشافعية في المحراب الكبير الذي إلى جانب المنبر ثم إمام الحنفية عند مقام آدم. وهذا الترتيب خلاف الترتيب بالمسجد الحرام فإن هناك أولا يصلي إمام الشافعية في مقام إبراهيم تجاه باب الكعبة ثم إمام الحنفية مقابل حجر إسماعيل تجاه الميزاب ثم إمام المالكية بين الركنين اليماني والشامي ثم إمام الحنابلة مقابل الحجر الأسود. وقبلة أهل بيت المقدس وما جاوره من غزة والرملة وما وراء ذلك من السواحل جهة ميزاب الكعبة وحجر إسماعيل ﵇ فهم يستقبلون الجهة التي

стр. 460

يصلي إليها إمام الحنفية بالمسجد الحرام وللمسجد الأقصى أيضا عدة أئمة بداخل الجامع الأقصى وبمغارة الصخرة وعند أبواب المسجد يصلون التراويح في رمضان فقط وبقية الأيام لا يصلون شيئا ولكن العمدة على الأئمة الأربعة المتقدم ذكرهم وأما ما يوقد فيه من المصابيح في كل ليلة وقت العشاء ووقت الصبح ففي داخل الجامع المتعارف عند الناس انه الأقصى وعلى أبوابه سبعمائة قنديل ونحو خمسين قنديلا وفي قبة الصخرة الشريفة وما حولها خمسمائة قنديلا ونحو أربعين قنديلا وذلك خارج عما في الأروقة وغيرها من الأماكن بالمسجد وهذه العدة لا توقد في مسجد من مساجد الدنيا في مملكتنا والله أعلم وأما في ليلة النصف من شعبان فيوقد بالجامع الأقصى وبقبة الصخرة ما يزيد على عشرين الف قنديل وهذه الليلة من الليالي المشهورة التي من عجائب الدنيا وكذلك في ليلة المعراج وهي المسفرة عن السابع والعشرين من رجب وفي ليلة المولد الشريف وفي ليلة السابع والعشرين من رمضان يوقد فيها التنانير من المصابيح وغيرها مما لا يوجد في مسجد من المساجد وأما الوظائف المرتبة فيه والمدرسين والمعيدين والخدام والمؤذنين والقراء وغيرهم فكثير جدا ولم يكن فيهم من يباشر وما وجب عليه إلا بعض الناس والله أعلم. (ذكر غالب ما في بيت المقدس من المدارس والمشاهد) مما هو بجوار سور المسجد الأقصى الفارسية بداخل المسجد الأقصى عند المكان الذي يجلس فيه النساء بالقرب من بئر الورقة منسوبة لوقف المدرسة الفارسية التي شمال المسجد وسنذكرها ونذكر واقفها والحاكورة التي بلصقها من ظاهر الجامع عند الباب الشرقي تعرف بحاكورة الفارسية.
следующие страницы →