← История

История · id 6626

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط النجف

مجير الدين العليمي

Полный текст (810 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

في أولها من جهة الشمال عمرها الأمير قانصوه اليحياوي كافل المملكة الشامية حين كان مجاورا بالقدس الشريف وبناؤها يشتمل على إيوان وبه مدفنان من جهتي الشرق والغرب ودفن بها من توفي من أولاده ثم أفرج عنه وسافر من القدس الشريف في مستهل شوال سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة ولم تكمل عمارتها فلما استقر في نيابة الشام ثانيا جهز مالا لعمارتها فأكملت ببناء الحوش الشمالي والبوابة وحفر الصهريج وبنى المتوضأ وكملت عمارها في سنة خمس وتسعين وثمانمائة وصارت مشهورة. ومقبرة الساهرة - وتقدم ذكرها - وهي شمالي البلد. ومقبرة الشهداء بالقرب من مقبرة الساهرة إلى جهة الشرق وهي مقبرة لطيفة لقلة من يقصد الدفن فهيا فإنه لا يدفن فيها من أهل البلد إلا قليل من الناس. ومقبرة ما ملا وهي بظاهر القدس من جهة الغرب وهي أكبر مقابر البلد وفيها خلق من الأعيان والعلماء والصالحين والشهداء وتسميتها بما ملا قيل إنما أصله مما من الله وقيل باب الله ويقال زيتون الملة. وروي عن الحسن أنه قال من دفن في بيت المقدس في زيتون الملة فكأنما دفن في سماء الدنيا واسمها عند اليهود بيت لمواء وعند النصارى بابيلا والمشهور على ألسنة الناس ما ملا. القلندرية وبوسط هذه المقبرة زاوية تسمى القلندرية بها أبنية عظيمة وكانت هذه الزاوية كنيسة وهي من بناء الروم وتعرف بالدير الأحمر وللنصارى فيها اعتقاد فقدم إلى بيت المقدس رجل اسمه الشيخ إبراهيم القلندري وأقام بها جماعة من الفقراء فنسبت إليه وسميت بالقلندرية وكانت في عصره الست طنشق بنت عبد الله المظفرية التي عمرت الدار الكبرى المعروفة بدار الست بالعقبة التي بالقرب من باب الناظر فكانت تحسن إلى الشيخ إبراهيم وعمرت في الزاوية المذكورة قبة محكمة البناء على قبر أخيها بهادر وهي باقية إلى يومنا.

стр. 492

وعمرت الحوش المحيط بها وكانت عمارته في سنة أربع وتسعين وسبعمائة وتوفيت بالقدس الشريف في يوم السبت في شهر ذي القعدة سنة ثمانمائة ودفنت بتربتها التي أنشأتها بعقبة الست تجاه الدار الكبرى رحمهما الله تعالى وكان بالزاوية القلندرية جماعة مقيمون ولا وقف لها. وقد خربت الزاوية وسقطت في زمن قريب في سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة واستمرت خرابا إلى يومنا وبها يدفن الأعيان من الأمراء ممن يرد إلى ببيت المقدس وغيرهم وأرض هذه القلندرية ومعظم أرض ما ملا صخر أصم وحفر القبور فيها بمشقة زائدة. زاوية الكبكية وبمقبرة ما ملا قبة محكمة البناء تعرف بالكبكية نسبتها للأمير علاء الدين آيد غدى ابن عبد الله الكبكي المدفون بها ووفاته في يوم الخميس خامس شهر رمضان سنة ثمان وثمانين وستمائة. (بيت لحم) قريبة من القدس وهي عنها نحو ربع بريد من جهة القبلة وبها ولد سيدنا عيسى ﵇ وقد ورد في حديث المعراج الشريف ان جبريل (ع) قال للنبي ﷺ حين أسرى به انزل فصل فنزل فصلى قال أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ﵇. وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يبعث بزيت يسرج في بيت لحم حيث ولد عيسى ﵇ وهذه القرية غالب سكانها في عصرنا نصارى وبها كنيسة محكمة البناء بها ثلاث محاريب مرتفعة أحدها موجه إلى جهة القبلة الشريفة والثاني إلى جهة الشرق والثالث إلى جهة الصخرة الشريفة وسقفها خشب مرتفع على خمسين عمودا من الصخر الأصفر الصلب غير السواري المبنية بالأحجار وأرضها مفروشة بالرخام وعلى ظاهر سقفها رصاص في غاية الأحكام وهذه الكنيسة من بناء هيلانه

стр. 493

والدة قسطنطين - كما تقدم - وفيها مكان مولد عيسى ﵇ وهو في مغارة بين المحاريب الثلاثة وللنصارى فيها اعتقاد ويرد إليها من بلاد الإفرنج وغيرها الأموال لها وللرهبان المقيمين بالدير المجاور للكنيسة. (قبة راحيل) وبين بيت المقدس وبيت لحم قبة راحيل والدة سيدنا يوسف الصديق ﵇ وهو إلى جانب الطريق بين بيت لحم وبيت جالا في قبة موجهة لجهة الصخرة وهي مشهورة تزار وقد قيل إن تسمية بيت لحم وكذلك بقية القرى مما حول بيت المقدس كبيت جالا وبيت نوبة وكل مكان أوله بيت إنما سمي بذلك لأنه كان مسكنا لبي من أنبياء لنبي إسرائيل فيقال بيت فلان نسبة لساكنه والله أعلم. وبظاهر بيت المقدس عدة أماكن ومشاهد مشهورة مقصودة للزيارة يطول ذكرها ويخرجنا عن حد الاختصار وفيما ذكر كفاية والله الموفق وهو حسبي وكفى. (ذكر رملة فلسطين) قد تقدم في أول الكتاب عند الكلام على تفسير سورة الإسراء ما روي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى (باركنا حوله) فلسطين والأردن وتقدم ذكر الأردن وهو النهر المسمى بالشريعة شرقي بيت المقدس مسافته عنه نحو يوم. وروي عن سعيد بن المسيب ومقاتل في قوله تعالى (وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين) قيل هي الرملة وقال السدي هي ارض فلسطين وتقدم قول ابن عباس وقتادة وكعب إنها بيت المقدس. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال أكرموا الرملة - يعني فلسطين - فإنها الربوة التي قال الله تعالى فيها (وآويناهما إلى ربوة ذات قرار

стр. 494

ومعين) وفي حديث المعراج قال ﷺ ثم أخذني جبريل ولم نزل نسير من سماء إلى سماء فما مررت بشيء في الأرض ولا في السماوات إلا ومكتوب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله حتى انتهيت إلى سماء الدنيا ففتح لنا بابها وإذا الليل على حاله لم ينقص منه شيء ثم نظرت إلى الأرض وإذا بروضتين خضراوين ونكتتين سوداوين فقلت يا أخي يا جبريل ما هاتان الروضتان الخضراوان والنكتتان السوداوان؟ قال يا محمد أما الروضتان الخضراوان فإنهما دمشق وفلسين وأما النكتتان السوداوان فأرمينية وأذربيجان ثم حملني حتى أنزلني على جبل بيت المقدس وإذا أنا بالبراق واقف على حاله في موضعه الذي تركته فيه لم يتقدم ولم يتأخر وذكر تمام القصة. وقسمت الأوائل الشام خمسة أقسام الشام الأولى فلسطين وأوسط بلدها الرملة والشام الثانية حوران ومدينتها العظمى طبرية والشام الثالثة الغوطة ومدينتها العظمى دمشق والشام الرابعة حمص والشام الخامسة قنسرين ومدينتها العظمى حلب. وفلسطين - بكسر الفاء وفتح اللام - وسميت بذلك لأن أول من نزلها فلسطين بن كيسوحين بن لقطين بن يونان بن يافث بن نوح ﵇ وأول حدود فلسطين من طريق مصر أمج قال أبو محمود لعله رمخ وهو العريش ثم يليها غزة ثم رملة فلسطين. ومن مدن فلسطين إيليا وهي مدينة بيت القدس الشريف بينها وبين الرملة ستة فراسخ ثمانية عشر ميلا صخار ووهاد ومن مدنها أيضا عسقلان ولد وسبسطية ونابلس ومدينة سيدنا الخليل ﵇. ومسافة فلسطين طولا من أمج إلى حد اللجون للراكب المجد يومان وأما سير الأثقال فأكثر من أربعة أيام وعرضها من يافا إلى أريحا مسافة يومين. وأما مدينة الرملة وهي واسطة بلد فلسطين فإنها في أرض سهلة وهي كثيرة

стр. 495

الأشجار والنخل وحولها كثير من المزارع والمغارس وفيها أنواع الفواكه وظاهرها حسن المنظر وهي من جملة الثغور فإن البحر المالح قريب منها مسافته عنها نحو نصف بريد من جهة الغرب وكانت في الزمن السالف في عهد بني إسرائيل مدينة عظيمة البناء متسعة وكان جالوت أحد جبابرة الكنعانيين ملكه بجانب فلسطين - كما تقدم عند ذكر سيدنا داود ﵇ وتقدم ان سيدنا يونس (ع) أقام بالرملة ثم توجه إلى بيت المقدس يعبد الله تعالى. وأما صفة مدينة الرملة قديما قبل الإسلام وبعده إلى حدود الخمسمائة فكان بها سور محيط بها وكان لها قلعة واثنا عشر بابا منها باب القدس وباب عسقلان وباب يافا وباب نابلس ولها أربعة أسواق متصلة من أربعة أبواب إلى وسطها وهناك مسجد جامعها فمن باب يافا يدخل في سوق القماحين وهو متصل بسوق البصالين حتى يتصل بمسجد جامعها وهي أسواق كانت حسنة يباع فيها أنواع السلع ويتصل بباب القدس سوق القطانين إلى سوق المشاطين للكتان إلى سوق العطارين إلى المسجد الجامع ويتصل بسوق الحبابين من باب يازور ثم سوق الخرازين ثم البقالين إلى المسجد الجامع ويتصل بباب آخر من أبوابها سوق الصياقلة ثم سوق السراجين إلى المسجد الجامع ويقال أن الرملة كانت أربعة آلاف ضيعة وتقدم ان السلطان الملك الناصر صلاح الدين هدم قلعتها وهدم مدينة اللد في شهر رمضان سنة سبع وثمانين وخمسمائة وأما في عصرنا فلم يبق أثر لتلك الأوصاف التي بالرملة وقد زالت أسوارها وأسواقها القديمة لاستيلاء الإفرنج عليها نحو مائة سنة ولم يبق من المدينة ثلثها بل ولا ربعها. وبني فيها مساجد ومنابر مستجدة من زمن الملك الناصر محمد بن قلاوون وبعده والموجود الآن من الابنية في المدينة معظمه خراب مستهدم وقد صار المسجد الجامع القديم بظاهر المدينة من جهة الغرب وصار حوله مقبرة وقد بنى فيه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون منارة وهي من عجائب الدنيا في الهيئة والعلو وذكر

стр. 496

المسافرون أنها من المفردات ليس لها نظير وكان الفراغ من بناءها في نصف شعبان سنة ثمانية عشر وسبعمائة. ولم يبق حول الجامع المذكور من الابنية القديمة سوى حارة بجواره من جهة الشمال حكمها حكم القرى وأما المدينة فصارت منفصلة عنه وهذا الجامع بناء بعض الخلفاء الأمويين وهو سليمان بن عبد الملك - المتقدم ذكره - لما ولي الخلافة في سنة ست وتسعين من الهجرة الشريفة وهو جامع متسع مأنوس عليه الأبهة والوقار والنورانية ويعرف في عصرنا وقبله بالجامع الأبيض وفي صحنه السماوي مغارة تحت الأرض مهيبة يقال أن بها دفن سيدنا صالح النبي ﵇ وتقدم ذكر ذلك. ثم جدد عمارة الجامع الأبيض في زمن الملك الناصر صلاح الدين على يد رجل من دولته اسمه الياس بن عبد الله أحد جماعة الأمير علم الدين قيصر عين الأمراء بالدولة الصلاحية كانت عمارته في سنة ست وثمانين وخمسمائة. ثم لما فتح الملك الظاهر بيبرس يافا في سنة ست وستين وستمائة عمر القبة التي على المحراب والباب المقابل للمحراب وهو المجاور للمنبر الذي يخطب عليه للعيد وعمر المنارة القديمة وقد زالت وبنى عوضها المنارة الموجودة الآن وأما المدينة يومئذ فقد تقهقرت ونقصت جدا وقل ساكنها ومع ذلك فهي مقصودة للبيع والشراء ولا تخلو من بركة في معيشتها ببركة أرضها وسكانها من الأنبياء والصحابة والعلماء والأولياء فإن فيها السيد الجليل الفضل بن العباس ﵄ وهو ابن عم رسول الله ﷺ وكان والده العباس يكنى به وهو الذي غسل رسول الله ﷺ لما توفي - كما تقدم - ووفاته في طاعون عمواس في سنة ثمانية عشر من الهجرة الشريفة وهو في مشهد يقصد للزيارة. وقد بنى عليه الأمير شاهين الكمالي أستادا الرملة منارة وجعل فيها مسجدا جامعا تقام فيه الجمعة والجماعة ووقف عليه أماكن ورتب فيه وظائف وكانت عمارته

стр. 497

سنة أربع وخمسين وثمانمائة وقد تلاشت أحوال المسجد في عصرنا وخرب معظم الوقف. وتقدم ان عبادة بن الصامت ﵀ كان قاضيا بها وهو أول من ولي قضاء فلسطين ومات بها واختلف في قبره فقيل بالرملة وقيل حمل إلى القدس فدفن به وهو أشهر ووفاته في سنة أربع وثلاثين من الهجرة - كما تقدم -. وفيها الإمام المحدث أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي المعروف بدحيم أحد أصحاب الإمام أحمد ﵁ كان قاضيا من قبل الخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله العباسي خليفة بغداد تغمده الله تعالى برحمته ثم عينه لقضاء مصر وأمره بالتوجه إليها فعاجلته المنية فتوفي بالرملة ولم يعرف قبره ووفاته في رمضان سنة خمس وأربعين ومائتين. وفيها الإمام المحدث الحافظ أبو عبد الرحمن ابن شعيب النساي أحد أئمة الدنيا في الحديث مولده في سنة أربعة عشر ومائتين ووفاته بالرملة في ثالث عشر صفر سنة ثلاث وثلاثمائة وهو الذي قدمه السبكي في طبقات الشافعية الوسطى وقبره يقال إنه بظاهر الجامع الأبيض بلصق حائطه من جهة الشرق في حوش هناك وقيل أنه في عكا والله أعلم وتوفي وله ثمان وثمانون سنة. وفيها من الأولياء الشيخ القدوة الزاهد العابد ولي الله تعالى أبو عبد الله محمد البطائحي صالح مشهور للناس فيه اعتقاد ووفاته في يوم الجمعة العاشر من شهر صفر سنة سبع وخمسين وثلاثمائة وقبره في مشهد بحارة الباشقردي وعليه من الأنس والهيبة والوقار ما لا يكاد يوصف والدعاء عنده مستجاب وقد جربت ذلك وكان الضريح قبل ذلك تحت السماء فبني عليه إيوان في سنة أربع وسبعين وثمانمائة. وقد وهم كثير من الناس في أمره فظن أنه الشيخ عبد الله البطائحي صاحب السيد عبد القادر الكيلاني وليس كذلك فإن السيد عبد القادر ﵀ مولده في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة بعد وفاة الشيخ عبد الله هذا بمائة

стр. 498

وأربعة عشر سنة فظهر من ذلك أن صاحب السيد عبد القادر غير هذا بلا إشكال. والشيخ محمود العدوي صالح مشهور له كرامات ظهرت وكان موجودا في سنة ثمان وستين وستمائة وقبره في مشهد بحارة العنابة يقصد للزيارة. والشيخ القدوة صاحب الكرامات المشهورة أبو العباس أحمد الأشموني المشهور بالغني صالح مشهور من أولياء الله كان موجودا في سنة خمس عشر وثمانمائة وقبره في مشهد عند سوق الفاكهين وعليه الوقار والجلالة وفي الرملة عدة من الأولياء والعلماء والصالحين يطول الفصل بذكرهم والله الموفق. (ذكر لد) روي عن النبي ﷺ أنه ذكر الدجال فقال يقتله عيسى ابن مريم بباب لد ففي هذا الحديث فضيلة تلك الأرض المقدسة لأنهم يقاتلون مع نبي الله ﷺ الأعور الدجال وتقدم عند ذكر الفضائل صفة الدجال وما ورد في أمره وقتل المسيح له عند باب لد بأبسط من هذا. وكانت لد في الزمن السالف منزلا جميلا فيه ناس يعمرونه وفيه كانت تنزل الرفاق والقافلة الواصلة من مصر إلى الشام وكانت بلد كنيسة محكمة البناء واسعة الفناء عليها للنصارى أوقاف كثيرة ولهم فيها اعتقاد إلى يومنا وقد خربها الملك صلا ح الدين رحمه الله تعالى ورضي عنه وقد صارت البلد يؤمئذ قرية كبقية القرى ولكنها حسنة المنظر وظاهرها بهيج وهي بظاهر الرملة من جهة الشمال على مسافة قريبة وفيها جامع مأنوس وكان كنيسة وهو من بناء الروم وعليه الأبهة والنورانية وبه منارة مرتفعة. وبظاهر لد من جهة الشرق مشهد يقال أن به قبر أبي محمد عبد الرحمن بن عوف الصحابي ﵁ ووفاته في سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة الشريفة.

стр. 499

وقد تقدم أنه توفي بالمدينة الشريفة وأن قبره بالبقيع ولكن المشهور عند أهل تلك النواحي انه بلد في المشهد المعروف والله أعلم. وبظاهر الرملة من جهة الغرب بالقرب من البحر المالح مشهد يقال أن به ضريح سيدنا روبيل بن يعقوب ﵉ وهو مكان مأنوس يقصد للزيارة وفي كل سنة له موسم يجتمع الناس فيه من الرملة وغزة وغيرهما ويقيمون أياما وينفقون أموالا كثيرة ويقرأ هناك القرآن العظيم والمولد الشريف والذي عمر المشهد سيدنا ومولانا ولي الله تعالى الشيخ شهاب الدين ابن رسلان تغمده الله برحمته. ومن الأولياء المشهورين بأرض فلسطين السيد الجليل الكبير وسلطان الأولياء وقدوة العارفين وسيد أهل الطريقة المحققين صاحب القمامات والمواهب والكرامات والخوارق الباهرات المجاهد في سبيل الله الملازم لطاعة الله أبو الحسن علي بن عليل وهو المشهور عند الناس بابن عليم - بالميم - وأما نسبه الصحيح الثابت عليل - بالأم - صاحب الكرامات المشهورة والمناقب الظاهرة وشهرته تغني عن الاطناب في ذكره والاستقصاء في ترجمته فإن صيته كضوء النهار لا يخفى على أحد ونسبه متصل بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فهو علي بن عليل بن محمد بن يوسف بن يعقوب بن عبد الرحمن بن السيد الجليل الزاهد العابد الصوام القوام الصحابي عبد الله ابن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب القرشي ﵁ وعن أصحاب رسول الله أجمعين. وضريح السيد علي بن عليل بشاطيء البحر المالح بساحل أرسوف وعليه مشهد عظيم مأنوس وبه منارة مرتفعة وأهل تلك النواحي بأسرها في حفظه وبركة سره ومن مناقبه أن الأفرنج يعتقدون فيه ويعترفون بصلاحه وقد أخبرت أن الأفرنج إذا اقبلوا على ضريحه وهم في البحر كشفوا رؤسهم ونكسوها نحوه ﵁. وكانت وفاته في يوم السبت لاثني عشرة خلت من ربيع الأول سنة أربع

стр. 500

وسبعين وأربعمائة ولما نزل الملك الظاهر بيبرس يوم فتح يافا وأرسوف زاره ونذر النذور والأوقاف ودعا عند قبره فيسر الله له فتح البلاد وفي كل سنة له موسم في زمن الصيف يقصده الناس من البلاد البعيدة والقريبة ويجتمع هناك خلق لا يحصيهم إلا الله تعالى وينفقون الأموال الجزيلة ويقرأ عنده المولد الشريف. وفي عصرنا ولي النظر عليه سيدنا ومولانا وشيخنا ولي الله تعالى قدوة العباد وإمام الزهاد وبركة الوجود والعباد شمس الدين أبو العون محمد الغزي القاري الشافعي نزيل جلجوليا شيخ السادة القادرية بالمملكة الاسلامية متع الله الأنام بوجوده فعمر المشهد وأقام نظامه وشعاره وفعل آثارا حسنة منها الرخام المركب على الضريح الكريم عمله في سنة ست وثمانين وثمانمائة وكان قبله يعمل عليه ضريح من خشب وحفر البئر الذي بصحن المسجد حتى وصل إلى الماء المعين ثم عمر برجا على ظهر الإيوان من جهة الغرب للجهاد في سبيل الله تعالى ووضع فيه آلات الحرب لقتال الإفرنج - خذلهم الله - وكانت عمارته بعد التسعين والثمانمائة وغير ذلك من أنواع العمارة والخير أثابه الله تعالى ثوابا جزيلا ومد في حياته أمدا طويلا. وتوفي شيخنا أبو العون الغزي في ربيع الآخر سنة عشر وتسعمائة بمدينة الرملة. وبأرض فلسطين عدة من الأولياء والصالحين والأماكن المقصودة للزيارة والمقصود هنا الاختصار والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. (ذكر عسقلان) عن عبد الله بن عباس ﵄ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أني أريد الغزو في سبيل الله فقال عليك بالشام فإن الله تعالى قد تكفل بالشام وأهله والزم من الشام عسقلان فإنها إذا دارت الرحا

стр. 501

في أمتي كان أهلها في عافية وقد ورد فيها أحاديث غير هذا ضعفها الحافظ أبو محمد وأكذب رواتها. وتقدم أن عسقلان كانت من أحسن المدن وأظرفها وقد خربها الملك صلاح الدين في شهر شعبان سنة سبع وثمانين وخمسمائة واستمرت إلى يومنا لم تعمر وبها مشهد عظيم بناه بعض الفاطميين من خلفاء مصر على مكان زعموا أن رأس الحسين بن علي ﵄ به. وبعسقلان أماكن تقصد للزيارة وهي على شاطيء البحر المالح وقد ألف الحافظ ابن عساكر جزءا في فضلها. (ذكر غزة) عن مصعب بن ثابت عن ابن الزبير يرفعه طوبى لمن سكن إحدى القريتين عسقلان وغزة وهي من أحسن المدن المجاورة لبيت المقدس وفيها ولد سيدنا سليمان بن داود ﵉ وهي من الثغور فإن البحر قريب منها وبها كثير من الأشجار والنخل وحولها كثير من المغارس والمزارع وفيها أنواع الفواكه وهي من أحسن مدن فلسطين وفيها خلق ممن سلف من العلماء والصالحين وتقدم أن الإمام الأعظم محمد بن إدريس الشافعي ﵁ ولد بها وموضع مولده معروف يقصد للزيارة ولو لم يكن لغزة من الفخر إلا مولد النبي سليمان والإمام الشافعي بها لكفاها. (ذكر أريحا) قال الله تعالى إخبارا عن رسوله موسى ﵊: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) قال ابن عباس وعكرمة والسدي هي أريحا وهي مدينة الجبارين التي تقدم ذكرها عند قصة سيدنا موسى ﵇ كما تقدم ذكره - وهي شرقي بيت المقدس بالقرب من

стр. 502

نهر الأردن وكان النبي ﷺ قد أخرج اليهود من المدينة فخرجوا إلى الشام وإلى أذرعات وأريحا ثم أجلى آخرهم عمر بن الخطاب ﵁ في إمارته من أرض الحجاز إلى تيما وأريحا. وقد صارت أريحا في هذه الأزمنة قرية من قرى بيت المقدس وهي إقطاع لمن يكون نائبا بالقدس الشريف ومن عجيب الاتفاق إنها كانت من زمن بني إسرائيل سكن الجبارين وفي زمن الاسلام مختصة بحاكم الشرطة. (ذكر نابلس) روى المشرف بسنده عن كعب قال أحب البلاد إلى الله الشام وأحب الشام إلى الله تعالى القدس وأحب القدس إلى الله تعالى جبل نابلس ليأتين على الناس زمان يتماسحونه بالحبال بينهم ونابلس مدينة بالأرض المقدسة مقابل بيت المقدس من جهة الشمال مسافتها عنه نحو يومين بسير الأثقال خرج منها كثير من العلماء الأعيان وهي كثيرة الأعين والأشجار والفواكه ومعظم الأشجار بضواحيها الزيتون وبها كثير من السامرة فإنهم يعتقدون أن القدس جبل نابلس وقد كذبوا وخالفوا جميع الأمم في ذلك لعنهم الله. وقد قيل إن سيدنا يوسف ﵇ قبره بالقرب من نابلس وتقدم ذلك عند ذكره ﵇. وبمدينة نابلس مشهد يقال إن به أولاد يعقوب ﵈ أجمعين وبضواحيها مشاهد كثيرة تنسب إلى جماعة من الأنبياء ﵈. ومن الأنبياء المشهورين حول بيت المقدس السيد عازر ولعله العيزار بن هارون ﵉ قبره بقرية العازرية بظاهر القدس الشريف من جهة الشرق بالقرب من طور زيتا على طريق المار إلى سيدنا موسى الكليم ﵇ وهو ظاهر في مشهد بالقرية يقصد للزيارة.

стр. 503

ويقال ان العيزار بن هارون إنما هو بقرية عورنا من أعمال نابلس وقيل إنه عازر الذي أحياه المسيح عيسى ابن مريم ﵇ والله أعلم. وأما شمويل ﵇ فتقدم ذكره عند ذكر سيدنا داود ﵇ وقبره بقرية ظاهر القدس الشريف من جهة الشمال على طريق السالك إلى رملة فلسطين على رأس جبل هناك وهو مشهور واسم القرية عند اليهود رامة. ولو شرعنا نذكر الأنبياء ممن كان ببيت المقدس وحوله من بني إسرائيل وغيرهم لطال الفصل فإن بعضهم لم يعرف له مكان معين وبعضهم يختلف فيه. وإنما ذكرت من اشتهر وصار له موضع يقصد بالتواتر فإنه لم يثبت قبر نبي من الأنبياء سوى قبر نبينا وسيدنا محمد ﷺ بداخل الحجرة الشريفة وإبراهيم الخليل ﵊ بداخل السور السليماني وما عداهما فهو بالظن لا بالقطع. وقد روي عن كعب الأحبار ﵁ أنه قال في بيت المقدس من قبور الأنبياء الف قبر قال صاحب (مثير الغرام) يعني هي وما حولها فإن ثم قبورا ومعالم يرى أثرها ولا تعلم وكثير منها قد درس وخفي لاستيلاء الإفرنج على البلاد مدة طويلة والله أعلم. (ذكر نبذة من أخبار مدينة سيدنا الخليل ﵊ قد تقدم ذكر صفة المسجد الشريف الخليلي وما هو مشتمل عليه وأما المدينة واسمها جبرون وهي تجاه بيت المقدس مما يلي القبلة فمنظرها في غاية الحسن والنورانية وهي مستديرة حول المسجد من الجهات الأربع وبناؤها محدث بعد بناء السور السليماني وهو المسجد بزمن طويل فإن في زمن سيدنا الخليل ﵊ كانت المغارة في صحراء ولم يكن هناك بناء. وكان الخليل ﵊ مقيما بنمرى في مخيمه وهي بالقرب من بلد

стр. 504

سيدنا الخليل ﵊ من جهة الشمال وهي أرض بها عين ماء وكروم وأستمر الحال على ذلك بعد وفاة الخليل وأبنائه الأكرمين عليهم الصلاة والسلام إلى أن بني سيدنا سليمان السور على القبر الشريف ثم اختطت المدينة بعد ذلك وكان من أمرها ما حكي أن امرأة من بني إسرائيل تسمى دبورا زوجة العبدوق من سبط أقرام ملكت تلك الأرض وادعت النبوة وأطاعها الناس وعمرت الرامة وكانت تجلس بين الرامة وإيلة وتحكم في بني إسرائيل. وكان بالرامة رجل من ذوي الأموال من بني إسرائيل اسمه يوسف الرامي أدرك زمن عيسى ﵇ وآمن به فبنى بالقرب من السور السليماني بيوتا للسكن تبركا بقرب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهو أول من اختط البناء حول السور ثم تتابع البناء قليلا قليلا فصارت هناك مدينة وهي محيطة بالمسجد من الجهات الأربع - كما تقدم - فبعضها مرتفع على رأس جبل وهي شرقي المسجد تسمى يسلون وبعضها منخفض في وادي وهي غربي المسجد والأماكن التي في العلو غالبها مشرف على الأماكن المنخفظة وشوارع المدينة بعضها سهل وبعضها وعر وبناؤها حكم بناء بيت المقدس بالأحجار الفص النحيت وسقفها عقود ليس في بنائها لبن ولا في سقفها خشب. وقد تقدم أن الماضي من زمن رفع سيدنا عيسى ﵇ إلى السماء إلى آخر سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة المحمدية ألف وأربعمائة سنة وثمانية وتسعون سنة فيعلم من ذلك التاريخ بناء مدينة سيدنا الخليل ﵇ تقريبا لأن الباني لها وهو يوسف الرامي أدرك زمن عيسى ﵇ كما تقدم والله أعلم. وأما السور السليماني فتقدم أنه بني عقب بناء بيت المقدس فيعلم تاريخه من تاريخ بناء بيت المقدس. وأما الحارات المشهورة فمنها: حارة الشيخ علي البكا وهي منفصلة عن البلد من جهة الشمال وحارة

стр. 505

الأكراد وهي مرتفعة على علو في سفح الجبل وحارة الجبارية وتعرف قديما بحارة الفستقة وحارة المشرفية وحارة السواكنة وحارة الحدابنة وضمنها حارة النصارى وحارة الشمابنة وحارة رأس قيطون وهي منفصلة عن البلد من جهة الغرب وحارة الدارية ومن جملتها حارة القصاروة وحارة اليهود وحارة الزجاجين. وهذه الحارات محيطة بالمسجد - كما تقدم - فحارتان منها معتمدتان وهما حارة الدواية وهي غربي المسجد وفيها أسواق البلد ومنافعها وهي أحسن الحارات وحارة الأكراد وهي شرقي المسجد وفي البلد شوارع غير ذلك وإنما ذكرت المشهور منها. وأما ما فيها من المدارس والزوايا والمشاهد فأحسنها: زاوية الشيخ عمر المجرد وهي بحارة الأكراد وسنذكر ترجمة واقفها وتاريخ وفاته فيما بعد. والمدرسة القيمرية عند باب المسجد الشمالي بالقرب من عين الطواشي. وزاوية المغاربة بجوار عين الطواشي المذكورة. والقلعة وهي حصن من بناء الروم بلصق المسجد من جهة الغرب وينسب وقفها إلى الملك الناصر حسن جعلها مدرسة وقد صارت في عصرنا مساكن لبعض أهل البلد وضريح السيد يوسف الصديق ﵇ بداخلها كما تقدم القول فيه. ووفاة واقفها الملك الناصر حسن في يوم الأربعاء تاسع جمادي الأولى سنة اثنتين وستين وسبعمائة قتيلا. وزاوية الشيخ علي البكا بالحارة المتقدم ذكرها وسنذكر تاريخ بنائها ووفاة الشيخ علي المجرد عند ذكر ترجمته إن شاء الله تعالى. وزاوية القواسمة بالقرب منها نسبة للشيخ أحمد القاسمي الجنيدي من ذرية أبي القاسم الجنيد وهو مدفون بها.

стр. 506

ومسجد بخط سوق الحصرية والزياتين ويعرف بمسجد ابن عثمان وعليه منارة وهو مأنوس. ومشهد بالقرب من باب المسجد بخط سوق الغزل عند عين الطواشي به ضريح الشيخ يوسف النجار صالح مشهور. والمدرسة الفخرية بالقرب من حارة الشعابنة وقد صارت مهملة والذي يظهر أن نسبتها لصاحب الفخرية بالقدس الشريف والله أعلم. والرباط المنصوري تجاه باب القلعة وقف الملك المنصور قلاوون عمره في سنة تسع وسبعين وستمائة. والبيمارستان المنصوري وقف الملك المنصور قلاوون أيضا عمره في سنة ثمانين وستمائة. وفيها عدة من الزوايا فمتى ذلك: زاوية الشيخ إبراهيم المري وهي بين حارتي الأكراد والدارية وما هو بحارة الأكراد زاوية الشيخ عبد الرحمن الأرزرومي وزاوية البسطامية بجوار المسجد الجاولي من جهة الشمال وزاوية السمانية بجوار زاوية الشيخ عمر المجرد ومسجد الشيخ بهاء الدين الوفائي وزاوية أبي عقامة ورباط الطواشي وزاوية شيخون ورباط مكي وهو بحارة رأس قيطون وهي المنفصلة عن البلد من جهة الغرب - كما تقدم - وزاوية الشيخ رضوان وزاوية الشيخ خضر وزاوية الصلاطقة بجوار البركة وهي داخل زاوية الأدهمية وزاوية الرامي وزاوية الشيخ علي كنعوش الأدهمي ومسجد مسعود وزاوية الشيخ محمد البيضة وزاوية الموقع وزاوية الشيخ إبراهيم الحنفي وغير ذلك. ومسجد رعونة بحارة الزجاجين وزاوية أبي كمال ظاهر المدينة ورباط الحماعيلي بحارة النصارى زاوية الخضر بالقرب من متوضأ المسجد زاوية الاعنص بحارة الحدابنة زاوية القادرية بظاهر البلد وقبة الزاهد بين حارة الشيخ علي

стр. 507

البكا والمدينة وقد تفحصت عن معرفة أسماء الواقفين لذلك ومعرفة تواريخ أوقافهم لأذكرها كما وقع لي في مدارس بيت المقدس فلم اظفر بذلك لعدم وجود كتب وقفها ولعدم شيء يدل على الاطلاع على ذلك فإن غالب ما ذكرته قد صار مهملا لا نظام له وإنما ذكرته لإحاطة العلم به والله الموفق. (مشهد الأربعين) وبظاهر البلد من جهة الغرب على رأس جبل هناك مسجد يسمى مشهد الأربعين يقال إن به أربعين شهيدا ولم أطلع على نقل لذلك والناس يقصدوه للزيارة وهو موضع مأنوس. وفي المدينة من أعين الماء عين الطواشي على باب المسجد الشمالي بالقرب من السور ومنعها من قرية مجدل فصيل بقرب مدينة سيدنا إبراهيم الخليل ﵊ والقرية وقف على مصالح قناة العين والحوض الذي علي باب المسجد ووقفها منسوب إلى الأمير بكتمر الجوكندار وله ذرية بالقاهرة لهم التكلم عليها وهي أحسن الأعين وأطيبها ماء. وعين الخد أم وهي عند الباب الذي تدق عنده الطبلخانة منبعها من مكان يقال له خلة العيون بالقرب من زاوية الشيخ علي البكا. وعين سارة بظاهر البلد بين الكروم ومنبعها قريب من حوضها. وعين السميقة ومنبعها من وادي سارة. وعين الحمام ومنبعها من وادي التفاح وماؤها يجتمع مع ماء السميقة لحاصل الحمام بمدينة سيدنا الخليل ﵊. وعين حبرى ظهرت قريبا من نحو عشرين سنة عند المقبرة السفلى ومنبعها من تحت الجبل الذي على رأس مشهد الأربعين. وبالقرب من زاوية الشيخ علي البكا بئر معين وإلى جانبه حوض سبيل أنشأ

стр. 508

الأمير سيف الدين ابن سلار نائب السلطنة بالديار المصرية والممالك الشامية بمباشرة الأمير كبكلدي النجمي في دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة اثنتين وسبعمائة حين بناء المنارة على زاوية الشيخ علي البكا. وبظاهر البلد من المقابر المعدة لدفن أموات المسلمين: المقبرة السفلى وهي القديمة وهي غربي البلد مما يلي حارة الدارية بالقرب من مشهد الأربعين ومقبرة تسمى تربة الرأس وهي من جهة الشرق مما يلي حارة الأكراد ومقبرة ثالثة بحارة سيدي الشيخ علي البكا تعرف بالبقيع. وأما الكروم بظاهر المدينة فهي محيطة بها من كل جانب وفيها أنواع الفواكه أعظمها العنب وهي على صفة كروم بيت المقدس في غالبها قصور مبنية بالبناء المحكم وأهلها في كل سنة يقيمون بها في زمن الصيف مدة أشهر. وبظاهر البلد أماكن وجها ت لا فائدة لذكرها وقد اقتصرت على ما ذكرته طلبا للاختصار والله الموفق. (إقطاع تميم الداري الذي أقطعه له النبي ﷺ وهي الأرض التي بها بلد سيدنا الخليل ﵊ وما حولها من الأرض وكتب له في ذلك في قطعة أديم من خف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بخطه. وقد حكى المؤرخون لفظ الاقطاع على وجوه مختلفة وقد رأيت عند التكلم على الاقطاع المشار إليه القطعة الأديم التي يقال أنها من خف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وقد صارت رثة وفيها بعض أثر الكتابة ورأيت معها ورقة مكتوبة في الصندوق الذي فيه القطعة الأديم منسوب خط هذه الورقة إلى أمير المؤمنين المستنجد بالله العباسي تغمده الله برحمته كتب فيها نسخة الاقطاع وصورة ما كتبه المستنجد بخطه:

стр. 509

الحمد لله هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه لتميم الداري وإخوته في سنة تسع من الهجرة بعد منصرفه من غزوة تبوك في قطعة أديم من خف أمير المؤمنين علي وبخطه نسخته كهيئته رضي الله تعالى عنه وعن جميع الصحابة بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما انطاه محمد رسول الله ﷺ لتميم الداري وأخوته حبرون والمرطوم وبيت عينون وبيت إبراهيم وما فيهن نطية بت بينهم ونفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم فمن آذاهم آذاه الله فمن آذاهم لعنه الله شهد عتيق ابن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وكتب علي بن أبي طالب وشهد وقد نسخت ذلك من خط المستنجد بالله كهيئته ولعل هذا أصح ما قبل فيه والله أعلم. واستمر هذا الاقطاع بيد ذرية تميم الداري يأكلونه إلى يومنا وهم مقيمون ببلد سيدنا الخليل ﵊ وهم طائفة كثيرة يقال لهم الدارية وهذا ببركات النبي ﷺ . وتقدم عند ذكر الصحابة أن تميم الداري كان أميرا على بيت المقدس وقد تعرض بعض الولاة لآل تميم وأراد انتزاع الأرض منهم ورفع أمرهم إلى القاضي أبي حاتم الهروي الحنفي قاضي القدس الشريف فاحتج الداريون بالكتاب فقال القاضي هذا الكتاب ليس بلازم لأن النبي ﷺ أقطع تميما ما لم يملك فاستفتى الوالي الفقهاء وكان الإمام أبو حامد الغزالي ﵁ حينئذ ببيت المقدس قبل استيلاء الإفرنج عليه فقال هذا القاضي كافر فإن النبي ﷺ قال زويت لي الأرض كلها وكان يقطع في الجنة فيقول قصر كذا لفلان فوعده صدق وعطاؤه حق فخري القاضي والوالي وبقي آل تميم على ما بأيديهم. وكانت هذه الحادثة حين كان القاضي أبو بكر ابن العربي بالشام وتقدم في ترجمته أنه دخل إلى الشرق في سنة خمس وثمانين وأربعمائة وقدم إلى الشام وبيت المقدس.

стр. 510

وأما حدود الأرض المقدسة: فمن القبلة أرض الحجاز الشريف يفصل بينهما جبال الشورى وهي جبال منيعة بينها وبين أيلة نحو مرحلة وسطح أيلة هو حد الحجاز وهي من تيه بني إسرائيل وبينها وبين بيت المقدس نحو ثمانية أيام بسير الأثقال. ومن الشرق من بعد دومة الجندل برية السماوة وهي كبيرة ممتدة إلى العراق ينزلها عرب الشام ومسافتها عن بيت المقدس نحو مسافة أيلة. ومن الشمال مما يلي الشرق نهر الفرات على قول الحافظ شمس الدين محمد الذهبي مؤرخ الشام ﵀ ومسافته عن بيت المقدس نحو عشرين يوما بسير الأثقال فتدخل في هذا الحد المملكة الشامية بكمالها. ومن الغرب بحر الروم وهو البحر المالح ومسافته عن بيت المقدس من جهة رملة فلسطين نحو يومين. ومن الجنوب رمل مصر والعريش ومسافته عن بيت المقدس نحو خمسة أيام بسير الأثقال ثم يليه تيه بني إسرائيل وطور سيناء ويمتد من تلك الجهة التي تبوك ثم دومة الجندل المتصلة بالحد الشرقي. وأما الحدود المنسوبة لبيت المقدس عرفا مما يلي القبلة يطلق عليها عمل القدس الشريف ويسوغ لقضاة القدس الحكم فيه فمن القبلة عمل بلد سيدنا الخليل ﵊ يفصل بينهما قرية سعير وما حاذاها وهي من عمل القدس ومن الشرق نهر الأردن وهو المسمى بالشريعة ومن الشمال عمل مدينة نابلس يفصل بينهما قرية سنجل وعرزن وهما من أعمال القدس وتتمة الحد رأس وادي بني زيد وهو من اعمال الرملة ومن الغرب مما يلي رملة فلسطين قرية بيت نوبة وهي من أعمال القدس ومما يلي مدينة غزة قرية عجور وهي من أعمال غزة. وأما الحدود المنسوبة عرفا لبلد سيدنا الخليل ﵊. فمن القبلة منزلة الملح على درب الحجاز الشريف وقباب الساوية وهي قرية

стр. 511

منسوبة لبني ساوة وأمراء عرب جرن ومن الشرق قرية عين جدي من عمل بلد سيدنا الخليل ﵊ وبحرة لوط وهذا الحد هو الفاصل بين عمل بلد سيدنا الخليل ﵊ وعمل مدينة الكرك ومن الشمال عمل القدس الشريف يفصل بينهما قرية سعير وما حاذاها - كما تقدم - ومن الغرب من الجهة المحاذية لرملة فلسطين قرية زكريا وهي من أعمال الخليل ﵊ ومن جملة الوقف الشريف المبرور ومن الجهة المحاذية لمدينة غزة قرية سيمح المجاورة لقرية السكرية وبلاد بني عبد وهي من أعمال الخليل ﵊. وأما المسافة من بيت المقدس إلى بلد الخليل ﵊ فهي تقرب من بريد فقيل أنها ثلاثة عشر ميلا وقيل ثمانية عشر ميلا والله أعلم. وقد تقدم في أول الكتاب عند الكلام على تسمية المسجد الأقصى أنه سمي بذلك لأنه وسط الدنيا لا يزيد ولا ينقص وتقدم عند ذكر الفضائل أن قوله تعالى: (واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب) المنادي هو إسرافيل ﵇ ينادي من صخرة بيت المقدس بالحشر وهي وسط الدنيا. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال أوسط الأرضين بيت المقدس وارفع الأرضين كلها إلى السماء بيت المقدس. وعن ابن عباس ومعاذ بن جبل أقرب السماء إلى الأرض بيت المقدس باثني عشر ميلا. وعن قتادة عن كعب بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا والقول بأن بيت المقدس وسط الأرض ظاهر فإن بيت المقدس إذ اعتبر أمره وجد في وسط الأرض وسائر الممالك محيطة به من كل جهة فإنه يقابله من جهة القبلة إقليم الحجاز الشريف وبلاد اليمن ومملكة الهند وما والاها ومن جهة الشرق بغداد والعراق ومملكة العجم وما والاها ومن جهة الشمال البلاد الشامية ومملة الروم وما والاها ومن جهة الغرب الديار المصرية ومملكة الغرب

стр. 512

وما والاها فظهر من هذا ان بيت المقدس في وسط الدنيا والله أعلم. (ذكر جماعة من أعيان ملوك الاسلام ممن ولي على بيت المقدس) (وبلد سيدنا الخليل ﵊ وفعل فيهما الخير) (وأنواع البر والعمارة) وقد تقدم ذكر جماعة ممن ولي على بيت المقدس من الخلفاء أعظمهم وأجلهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الذي فتحه وأنفذه من أيدي الكفار وذكر بعض من كان بعده من بني أمية وبني العباس وجميع الفاطميين وتقدم ذكر جماعة من السلاطين بمصر أمثلهم وأعلاهم الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب تغمده الله برحمته وهو أول الملوك بالديار المصرية بعد انقراض دولة الفاطميين ومن بعده من ملوك بني أيوب بمصر وغيرها وذكر ما فعل كل منهم من الخير والعمارة وفعل المعروف إلى زمن الملك الصالح نجم الدين أيوب الذي فتح القدس الفتح الأخير ثم بعد الملك الصالح ولي جماعة على الديار المصرية فلنذكرهم بأجمعهم من غير إخلال بأحد منهم وكل من له بالمسجد الأقصى ومسجد الخليل فعل خير وآثار حسنة ذكرت تاريخ ولايته والخليفة الذي كان في زمنه وتاريخ وفاته وما فعل في أيامه من الخير فيهما أو في الأرض المقدسة مما حولها ومن لم أطلع له على شيء من أفعال القربات ذكرت اسمه فقط لكونه ولي أمر بيت المقدس ودعى له على منبره من غير تعرض إلى ذكر تاريخه فإنه تطويل بلا فائدة فأقول - وبالله التوفيق والمستعان: - وممن ولي الملك بالديار المصرية بعد الملك الصالح نجم الدين أيوب ولده الملك المعظم توران شاه وتقدم ذكره. ثم ولي بعده الملك المعز ايبك التركماني أول ملوك الترك بمصر في سنة ثمان وأربعين وستمائة فأقام خمسة أيام ثم خلع.

стр. 513

وولي بعده الملك الأشرف موسى وهو آخر ملوك بني أيوب بمصر ثم خلع في سنة اثنتين وخمسين وستمائة وأعيد الملك المعز ايبك. ثم توفي قتيلا وولي بعده ولده المنصور نور الدين علي ثم خلع. وولي بعده الملك المظفر قطز. ثم قتل وولي بعده السلطان الملك الظاهر بيبرس وهو ركن الدين أبو الفتح بيبرس الصالحي النجمي البندقداري كان مملوكا لا يدكين البندقداري الصالحي ثم أخذه الملك الصالح من البندقداري فانتسب إليه دون أستاذه استقر في السلطنة في شهر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة وكان من الملوك المعتبرين وتلقب أولا بالملك القاهر فقيل له أنه لقب غير مبارك ما تلقب به أحد فطالت مدته فغيره وتلقب بالملك الظاهر وهو الذي أقر الخلفاء من بني العباس بالديار المصرية في سنة تسع وخمسين وستمائة وأولهم المستنصر بالله أبو القاسم أحمد بعد انقراض دولتهم من بغداد وخرابها في سنة ست وخمسين وستمائة. وفي سنة إحدى وستين وستمائة أرسل عسكرا هدموا كنيسة الناصرة وهي من أكبر مواطن عبادات النصارى لأن منها خرج دين النصرانية وأغاروا على عكا ثم ركب بنفسه وأغار عليها ثانيا وهدم برجا خارج البلد وفتح قيسارية بنفسه سنة ثلاث وستين وستمائة في تاسع جمادي الأولى وفتح ارسوف في جمادي الآخرة منها. وفي سنة أربع وستين وستمائة خرج بعسكره من الديار المصرية وفتح صفد وغيرها وكان فتح صفد في تاسع عشر شعبان من السنة المذكورة بالأمان بعد حصرها ثم قتل أهلها عن آخرهم. وفي سنة ست وستين وستمائة توجه بعساكره إلى الشام وفتح يافا في شهر رجب وأخذها من الإفرنج وفتح أنطاكية بالسيف في يوم السبت رابع رمضان منها وقتل أهلها.

стр. 514

وفي سنة سبع وستين وستمائة حج إلى بيت الله الحرام وزار المدينة الشريفة وفي سنة ثمان وستين وستمائة حضر إلى القدس الشريف وعمر مقام سيدنا موسى الكليم ﵊ كما تقدم عند ذكر قصته فإنه توجه لزيارته ومر في طريقه على دير السيق ومسافته عن بيت المقدس نحو نصف بريد وهو للنصارى فوجد حول الدير قلالي للرهبان عامرة مسكونة واحضروا له ضيافة فاستكثرها فقيل له ان ها هنا جماعة من الرهبان في القلالي المذكورة نحو ثلاثمائة راهب فأمر بهدم القلالي خوفا على بيت المقدس من العدو المخذول. وفي سنة تسع وستين وستمائة فتح حصن الأكراد وحصن عكا والقرى وغير ذلك. وله بالقدس حسنات منها أنه اعتنى بعمارة المسجد وجدد فصوص الصخرة الشريفة التي على الرخام من الظاهر وعمر الخان الكائن بظاهر القدس الشريف من جهة الغرب إلى الشمال المعروف بخان الظاهر وكان بناؤه في سنة اثنتين وستين وستمائة ونقل إليه باب قصر الخلفاء الفاطميين ووقف عليه نصف قرية لفتا وغيرها من القرى بأعمال دمشق وجعل بالخان فرنا وطاحونا وجعل للمسجد الذي فيه إماما وشرط فيه أشياء من فعل الخير من تفرقه الخبز على بابه وإصلاح حال النازلين به وأكلهم وغير ذلك. وقد أخذ الوقف الذي بالشام وانقطع ما كان شرط فيه من الخبز وغيره لفساد الزمان وتلاشي الأحوال. وهو الذي جدد القضاة الثلاث بالمملكة بعد أن لم يكن بها سوى القاضي الشافعي فقط وكان يستخلف من بقية المذاهب وكانت ولايته القضاة الثلاثة بمصر في سنة ثلاث وستين وفي الشام في سنة أربع وستين وستمائة. وكان ملكا جليلا شجاعا أبطل المظالم وأسقط تشفع الأملاك وكان جملة ما يحمل منها إلى الديوان الف ألف دينار واهتم بعمارة المسجد الشريف النبوي

стр. 515

حين احترق ووضع الدرابزين حول الحجرة الشريفة وعمل فيها منبرا وسقفه بالذهب واهتم بكسوة الكعبة الشريفة وفتح الفتوحات وجدد قبر سيدنا الخليل ﵊ وزاد في رواتبه ما يصرف على المقيمين وبنى على المكان المنسوب لسيدنا موسى الكليم ﷺ قبة - كما تقدم - وجدد بالقدس الشريف أشياء حسنة من ذلك قبة السلسلة ورمم شعث الصخرة وغيرها وبنى على قبر أبي عبيدة بن الجراح مشهدا ووقف عليه شيئا للواردين. وتوفي ﵀ بدمشق يوم الخميس السابع والعشرين من شهر المحرم سنة ست وسبعين وستمائة ودفن بها وكانت مدة ملكه نحو سبعة عشر سنة وشهرين وعشرة أيام رحمه الله تعالى وعفا عنه. وولي الملك بعده ولده الملك السعيد محمد بركة ثم خلع. وولي أخوه الملك العادل سلامش ثم خلع. وولي بعده السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي هو سيف الدين قلاوون الألفي وجنسه قبجاقي وهو أول مملوك بيع بألف دينار واستقر في السلطنة في يوم الأحد الثاني والعشرين من رجب سنة ثمان وسبعين وستمائة وكان الخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسي. وأقام منار العدل وفتح الفتوحات ففتح حصن المرقب وهو حصن الاستبار وهو في غاية العلو والحصانة فحصره ثم فتحه بالأمان في ربيع الأول سنة أربع وثمانين وستمائة وفتح صهيون في سنة ست وثمانين وستمائة. وفتح طرابلس بعد ان نازلها بعسكره يوم الجمعة مستهل ربيع الأول سنة اثنين وثمانين وستمائة ويحيط البحر بغالبها وليس عليها قتال في البر إلا من جهة الشرق وهو مقدار قليل فحصرها حتى فتحها يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر بالسيف فدخلها العسكر عنوة وقتل غالب رجالها وسبى ذراريهم. وكان الأفرنج قد استولوا عليها في سنة ثلاث وخمسمائة فبقيت في أيديهم وكان الأفرنج قد استولوا عليها في سنة ثلاث وخمسمائة فبقيت في أيديهم

стр. 516

إلى هذا التاريخ فتكون مدة لبثها بيد الإفرنج نحو مائة وخمس وثمانين سنة وشهروا ولم يجسر أحد من الملوك مثل صلاح الدين وغيره على التعرض لها وإلى المرقب فيسر الله تعالى على يده ومن حسناته بالقدس الشريف أنه عمر سقف المسجد الأقصى من جهة القبلة مما يلي الغرب عند جامع الأنبياء. وله الرباط المنصوري المشهور بباب الناظر وهو رباط في غاية الحسن والبناء المحكم ورخم داخل الحجرة الخليلية في سنة ست وثمانين وستمائة وعمر بمدينة سيدنا الخليل ﵊ الرباط والبيمارستان وله غير ذلك. توفي ﵀ في سادس ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة ومدة ملكه نحو إحدى عشرة سنة وثلاثة اشهر وأياما وكان ملكا مهيبا حليما قليل سفك الدماء شجاعا عفا الله عنه. ثم تسلطن بعده ولده السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل وكان الخليفة الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين أبو العباس أحمد العباسي. وفتح عكا بالسيف وقتل أهلها وأخربها ودكها دكا وفتح عدة حصون ومدن وأخلى الإفرنج من صيدا وبيروت وتسلمها السلطان الأشرف وكذلك هرب أهل مدينة صور فأرسل السلطان وتسلمها وتسلم عثليث وانطرسوس وذلك جميعه في سنة تسعين وستمائة. واتفق لهذا السلطان من السعادة ما لم يتفق لغيره فتح هذه البلاد العظيمة الحصينة من غير قتال ولا تعب وأمر بها فخربت عن آخرها وتكملت بهذه الفتوحات جميع البلاد الساحلية الاسلامية وكان الأمر لا يطمع فيه ولا يرام وتطهرت الشام والسواحل من الإفرنج بعد أن كانوا أشرفوا على الديار المصرية وعلى ملك دمشق وغيرها من الشام ولله الحمد والمنة. وكان انقطاع الإفرنج وزوال دولتهم من بلاد الاسلام والسواحل زوالا لا رجوع بعده في هذه السنة وهي سنة تسعين وستمائة على يد الملك الأشرف

стр. 517

خليل بن قلاوون تغمده الله برحمته وكان ابتداء تغلبهم على مملكة الشام وتسلطهم على بلاد الاسلام من سنة تسعين وأربعمائة - كما تقدم - واستمر إلى هذا التاريخ فكانت مدتهم جملتها مائتا سنة كاملة لعنة الله عليهم ثم فتح قلعة الروم في سنة إحدى وتسعين وستمائة. وقتل الملك الأِشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون رحمه الله تعالى في ثامن عشر المحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة بظاهر القاهرة قتله جماعة من مماليك والده والأمراء ثم حمل إلى القاهرة ودفن بها في تربته وانتقم الله من قاتله عاجلا وآجلا فأمسكوا وقتل بعضهم عاجلا وأحرقت جثته وبعضهم حبس ثم قطعت أيديهم وأرجلهم وصلبوا على الجمال وطيف بهم وأيديهم معلقة في أعناقهم جزاء بما كسبوا وشنق بعضهم فسبحان المنتقم بعدله. وتسلطن بعده الملك القاهر بيدرا يوما واحدا وقتل. وولي بعده الملك الناصر محمد بن قلاوون سلطنته الأولى ثم خلع. ثم ولي بعده السلطان الملك العادل كتبغا هو زين الدين كتبغا المنصوري واستقر في السلطنة في يوم الأربعاء تاسع المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة وكان الخليفة الحاكم بأمر الله أبا العباس أحمد العباسي. وفي أيامه جدد عمل فصوص الصخرة الشريفة وجدد عمارة السور الشرقي المطل على مقبرة باب الرحمة في شهور سنة خمس وتسعين وستمائة وخلع من السلطنة في المحرم سنة ست وتسعين وستمائة وهو بأرض الشام عند نهر العوجا وكانت مدته نحو سنتين وأعطاه حسام الدين لاجين الذي تسلطن بعده صرخد فسار إليها واستقر فيها. ثم في سلطنة الناصر محمد بن قلاوون استقر في نيابة حماه في سنة تسع وتسعين وستمائة وتوفي بها في ليلة الجمعة عاشر ذي الحجة سنة اثنتين وسبعمائة. ولما خلع العادل كتبغا ولي بعده السلطان الملك المنصور لاجين هو

стр. 518

حسام الدين لاجين المنصوري استقر في السلطنة بعد خلع العادل كتبغا وهو بدهليزه على نهر العوجا ثم سار إلى الديار المصرية وكان الخليفة الحاكم بأمر الله - المتقدم ذكره - وفي أيامه جددت عمارة محراب داود الذي بالسور القبلي عند مهد عيسى ﵊ بالمسجد الأقصى الشريف وفتح عدة بلاد منها سيس وغيرها من بلاد الأرمن. وقتل في ليلة الجمعة الحادي عشر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وستمائة وثب عليه جماعة من المماليك الصبيان فقتلوه وهو يلعب بالشطرنج وكانت مدة ملكه سنتين وثلاثة أشهر. ثم ولي بعده الملك الناصر محمد بن قلاوون سلطنته الثانية ثم خلع. وولي بعده الملك المظفر بيبرس الجاشنكير ثم خلع. وولي بعده السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون وهو ناصر الدين أبو الفتح محمد بن الملك المنصور قلاوون مولده في سنة أربع وثمانين وستمائة استقر في السلطنة ثلاث مرات الأولى في العشر الأوسط من المحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة وعمره نحو تسع سنين وكان الخليفة الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين أبو العباس أحمد فأقام سنة وخلع وتسلطن بعده العادل كتبغا ثم المنصور لاجين - المتقدم ذكرهما - ثم تسلطن ثانيا في يوم السبت رابع عشر جمادي الأولى سنة ثمان وتسعين وستمائة والخليفة الحاكم بأمر الله - المتقدم ذكره - وأقام عشر سنين وأربعة أشهر وعشرة أيام ثم نزل عن السلطنة باختياره وتوجه إلى الكرك. وتسلطن بعده الملك المظفر بيبرس الجاشنكير - المتقدم ذكره - وأقام أحد عشر شهراً وخلع. وأعيد بعده إلى السلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون وهي سلطنته الثالثة التي ثبت قدمه فيها وصفا له الوقت وجلس على سرير الملك بعد العصر من نهار الأربعاء مستهل شوال سنة تسع وسبعمائة وكان الخليفة المستكفي بالله أمير المؤمنين أبو الربيع

стр. 519

سليمان وكان الملك الناصر من الملوك المعتبرين أصحاب التواريخ حج إلى بيت الله الحرام ثلاث مرات الأولى في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة والثانية في سنة تسعة عشر والثالثة في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. ووقع له وقعات كثيرة مع التتر وغيرهم وله غارات على بلاد سيس وفتح جزيرة أرواد وهي في بحر الروم قبالة انطرسوس وفتح ملطية وغير ذلك. وله بالمسجد الأقصى خيرات كثيرة منها أنه عمر في أيامه السور القبلي الذي عند محراب داود ﵊ ورخم صدر المسجد الأقصى ومسجد سيدنا الخليل ﵊ بإشارة تنكز نائب الشام وفتح بالمسجد الأقصى الشباكين اللذين عن يمين المحراب وشماله وكان فتحهما في سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة وجدد تذهيب القبتين قبة المسجد الأقصى وقبة الصخرة. ومن العجب أن تذهيب قبة الصخرة كان قبل العشرين والسبعمائة وقد مضى عليه إلى عصرنا هذا أكثر من مائة وثمانين سنة وهو في غاية الحسن والنورانية من رآه يظن أن الصانع قد فرغ منه الآن. وعمر القناطر على الدرجتين الشماليتين بصحن الصخرة التي أحداهما مقابل باب حطة والأخرى مقابل باب الدويدارية وعمر باب القطانين بالبناء المحكم - وتقدم ذكر ذلك - وكل مكان من هذه الأماكن مكتوب عليه تاريخ عمارته وعمر قناة السبيل التي عند بركة السلطان بظاهر القدس الشريف من جهة الغرب وله غير ذلك من العمارات والقربات بالقدس الشريف وغيره من البلاد من عماره الحصون والقلاع فإن سطنته الثالثة أقام فيها اثنتين وثلاثين سنة وشهرين وتسعة عشر يوما. وكانت مدة ملكه في ولاياته الثلاثة ثلاثا وأربعين سنة وسبعة اشهر وتخلل بين ولاياته ولاية العادل كتبغا والمنصور لاجين والمظفر بيبرس نحو خمس سنين وشهرين فكانت المدة من حين ابتداء سلطنته إلى حين وفاته تسعا وأربعين سنة.

стр. 520

وتوفي في يوم الأربعاء تاسع عشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة بالقلعة وصلى عليه عز الدين ابن جماعة إماما وأنزل ليلة الخميس إلى المدرسة المنصورية بخط بين القصرين ودفن بها مع أبيه قلاوون رحمة الله عليهما وكان ملكا معتبرا اخباره مشهورة عفا الله عنه. ولما توفي تسلطن بعده ثمانية من أولاده لصلبه: فأولهم الملك المنصور أبو بكر وخلع ثم الأشرف كجك وخلع ثم الناصر أحمد وخلع ثم الصالح إسماعيل وتوفي ثم الكامل شعبان وخلع ثم المظفر حاجي وقتل ثم الملك الناصر حسن وخلع ثم الملك الصالح صالح وخلع. وأعيد الناصر حسن وتوفي قتيلا وتقدم ذكر تاريخ وفاته في أخبار مدينة سيدنا الخليل ﵊. وولي بعده ابن أخيه الملك المنصور محمد بن الملك المظفر حاجي وخلع. ثم ولي بعده السلطان الملك الأشرف شعبان ابن الأمير حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون مولده في سنة أربع وخمسين وسبعمائة واستقر في السلطنة في نصف شعبان سنة أربع وستين وسبعمائة وله من العمر عشر سنين وكان الخليفة المتوكل على الله أبو عبد الله محمد. وفي أيامه عمرت المنارة التي عند باب الأسباط وتقدم أن عمارتها بمباشرة السيفي قطلوبغا ناظر الحرمين الشريفين وعمارتها في سنة تسع وستين وسبعمائة وجددت الأبواب الخشب المركبة على أبواب الجامع الأقصى وجددت عمارة القناطر التي على الدرجة الغربية في صحن الصخرة المقابل لباب الناظر في سنة ثمان وسبعين. وتوفي قتيلا في يوم الاثنين خامس ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة وكان ﵀ من حسنات الدهر هينا لينا حليما محبا لأهل الخير مقربا للعلماء والفقراء معتنيا بالأمور الشرعية عفا الله عنه.

стр. 521

ثم ولي بعده ولده الملك المنصور علي ثم توفي. ثم ولي أخوه حاجي سلطنته الأولى الملقب فيها بالملك الصالح ثم خلع. واستقر في السلطنة السلطان الملك الظاهر برقوق وهو أبو سعيد برقوق ابن أنس بن عبد الله الجاركسي الأصل وهو أول دولة الجهاركسية وهو من مماليك بلبغا العمري الناصري حسن ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون واستقر في السلطنة يوم الأربعاء تاسع عشر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة وكان الخليفة المتوكل على الله أمير المؤمنين أبو عبد الله محمد وخلع في شهر جمادي الآخرة سنة إحدى وتسعين. وتولى الملك المنصور حاجي ابن الأشرف شعبان وهي سلطنته الثانية الملقب فيها بالملك المنصور ثم خلع. وأعيد برقوق إلى السلطنة في يوم الثلاثاء رابع عشر صفر سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة في خلافة المتوكل على الله أيضا وفي أيامه عمرت دكة المؤذنين التي بالصخرة الشريفة تجاه المحراب إلى جانب باب المغارة بمباشرة ناظر الحرمين ونائب القدس الشريف الناصري محمد بن السيفي بهادر الظاهري في مستهل شهر شوال سنة تسع وثمانين وسبعمائة وعمر البركة التي بظاهر القدس الشريف من جهة الغرب المعروفة ببركة السلطان وعمارتها في سنة وفاته وهي سنة إحدى وثمانمائة وهي الآن خراب لا ينتفع بها. ووقف قرية ديراسطيا من أعمال نابلس على سماط سيدنا الخليل ﵊ وشرط أن لا يصرف ريعها إلا إلى السماط الكريم فقط وكتب الوقف على عتبة باب مسجد سيدنا الخليل ﵊ وهو الباب الشرقي من الأبواب الثلاثة التي بداخل السور وهو خلف مقام السيدة سارة من جهة الشرق. وفي أيامه في شهر رجب سنة ست وتسعين وسبعمائة ورد الأمير شهاب الدين أحمد بن اليغموري ناظر الحرمين الشريفين ونائب السلطنة بالقدس الشريف

стр. 522

وبلد سيدنا الخليل ﵊ إلى القدس الشريف وأبطل المكوس والمظالم والرسوم التي أحدثها النواب قبله بالقدس الشريف ونقش بذلك رخامة وألصقت على باب الصخرة من جهة الغرب وله غير ذلك من الحسنات. توفي بقلعة الجبل في ليلة الجمعة خامس عشر شوال سنة إحدى وثمانمائة عن ستين سنة أو قريب منها. ثم ولي بعده ولده السلطان الملك الناصر فرج وهو زين الدين أبو السعادات فرج بن الملك الظاهر برقوق استقر في السلطنة وعمره اثنتا عشرة سنة في صبيحة يوم الجمعة للنصف من شوال سنة إحدى وثمانمائة والخليفة المتوكل على الله. وفي أيامه كانت وقعة تيمورلنك المشهورة في سنة ثلاث وثمانمائة وخلع من السلطنة بأخيه الملك المنصور عبد العزيز في سنة ثمان وثمانمائة وأقام أخوه نحو شهرين وتسعة أيام وخلع. ثم أعيد الناصر فرج إلى السلطنة في يوم الاثنين سابع جمادي الآخرة سنة ثمان وثمانمائة ونزل الشام مرارا ووصل إلى حلب مرتين ودخل بيت المقدس ونزل بالمدرسة التنكزية وفرق مالا كثير على الناس ومن جملة ما رسم به بالقدس الشريف أن نائب القدس لا يكون ناظر الحرمين الشريفين ولا يتكلم على النظر بالجملة الكافية ونقش بذلك بلاطه وألصقت بحائط باب السلسلة عن يمنة الداخل من الباب وعلق بمسجد سيدنا إبراهيم ﵊ الستائر الحرير على الأضرحة الشريفة. وتوفي قتيلا ليلة السبت سابع عشر صفر سنة خمس عشرة وثمانمائة ودفن بمقابر المسلمين بدمشق رحمة الله عليه. وولي الملك المؤيد شيخ وتوفي وولي بعده ولده الملك المظفر أحمد وخلع وولي بعده الملك الظاهر ططر وتوفي.

стр. 523

وولي بعده الملك الصالح محمد وخلع. وولي بعده السلطان الملك الأِشرف برسباي هو أبو النصر برسباي الدقمامقى الظاهري من عتقاء الظاهر برقوق استقر في السلطنة في سنة خمس وعشرين وثمانمائة في شهر ربيع الأول وكان الخليفة المعتضد بالله أبو الفتح داود. وفي أيامه كان ناظر الحرمين ونائب السلطنة بالقدس الشريف الأمير اركاس الجلباني وكان حاكما معتبرا عمر الأوقاف ونماها وصرف المعاليم واشترى للوقف مما أرصده من المال جهات من القرى والمسقفات وورد مرسوم الأشرف بصرف معاليم المستحقين منها وإرصاد ما بقي لمصالح الصخرة الشريفة ونقش بذلك رخامة وألصقت بحائط الصخرة الشريفة تجاه قبة المحراب في سنة ست وثلاثين وثمانمائة. ومن حسنات الملك الأشرف بالمسجد الأقصى الشريف المصحف الشريف الذي وضعه بداخل الجامع تجاه المحراب بإزاء دكة المؤذنين وهو مصحف كبير عظيم أهدي إليه بدمشق حين سافر إلى آمد في سنة ست وثلاثين وثمانمائة فجهزه صحبة خازنداره إلى القدس الشريف ووقف عليه جهة للقارئ والخادم وشرط النظر لمن يكون شيخ المدرسة الصلاحية بالقدس الشريف وقرر في القراءة فيه الشيخ شمس الدين محمد بن قطلوبغا الرملي المقري وكان من القراء المشهورين في الحفظ وحسن الصوت وله محاسن كثيرة. توفي ﵀ يوم السبت ثالث عشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة وولي بعده ولده العزيز يوسف وخلع. وولي بعده الملك الظاهر وهو أبو سعيد جقمق العلائي الظاهري نسبة إلى الملك الظاهر برقوق تسلطن وجلس على سرير الملك تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة وكان الخليفة المعتضد بالله أبو الفتح داود. وكان الظاهر على قدم عظيم من الصيانة والديانة والعفة والشجاعة ومحبة العلماء وأنعم على الوقفين القدس والخليل في زمن شمس الدين الحموي الظاهري

стр. 524

الناظر بمبلغ ألفي دينار وخمسمائة دينار ذهبا ومائة وعشرين قنطارا من الرصاص برسم العمارة ثم في أيام القاضي أمين الدين عبد الرحمن الديري أنعم بمائة وعشرين غراره من القمح القيمة عنها ثلاثة آلاف دينار وستمائة دينار ولما توفي ابن الديري تحمل على الوقف ثمن أغلال فأنعم بتوفية الثمن وهو أربعة آلاف وسبعمائة دينار. وكان في أيامه ناظر الحرمين الشريفين بالقدس الشريف والخليل ﵊ القاضي عز الدين خليل السخاوي وهو الذي أقام نظام الحرمين الشريفين ورتب فيهما الوظائف وكان المؤذنون قبل ذلك نوبتين فزادهما نوبة ثالثة وعمر الأوقاف ونماها وكان سماط سيدنا الخليل ﵊ يعمل فيه ليلة الجمعة الأرز المفلفل والحب رمان والعدس في كل يوم وفي الأعياد تعمل الأطعمة المفتخرة. وفي أيامه - أعني الملك الظاهر - في شهر رجب سنة إحدى وخمسين وثمانمائة حرق جانب من سقف الصخرة الشريفة بصاعقة نزلت من السماء ودخلت من باب الصخرة القبلي فأحرقت بعض السقف من جهة الغرب من جانب القبة واجتمع الناس لاطفاء الحريق فحصل بذلك ضجة عظيمة ويقال ان الحريق لم يكن بصاعقة وإنما بعض أولاد الأكابر دخل بين السقف ليتصيد طيورا من الحمام ومعه شمعة موقودة فتعلقت النار من ضوء الشمعة في الخشب فكان سببا للحريق والله أعلم بحقيقة الحال ثم عمر السقف بأحسن مما كان. ومن حسنات الملك الظاهر المصحف الشريف الذي وضعه بالصخرة الشريفة تجاه المحراب ورتب له قارئا وهو موجود إلى عصرنا ورسم بابطال المظالم من القدس الشريف ونقش بذاك بلاطة وألصقت بحائط المسجد الغربي عند باب السلسلة. وفي أيامه جهز خاص كيا اسمه أينال باي وكان الساعي في أمره الشيخ محمد المشمر أحد جماعة الشيخ شهاب الدين ابن أرسلان فحضر إلى القدس الشريف بمرسوم الملك الظاهر بالكشف على الديورة وبهدم ما استجد بدير صهيون وغيره وانتزاع

стр. 525

قبر داود ﵇ من أيدي النصارى فهدم البناء المستجد بصهيون وأخرج قبر داود من أيدي النصارى ونبشت عظام الرهبان المدفونين بالقرب من قبر السيد داود ﵊ وكان ذلك في يوم الاثنين ثاني عشر جمادي الآخرة سنة ست وخمسين وثمانمائة وكان يوما مشهودا. وفي تلك السنة وقع البطش في النصارى وأخرج المسجد من دير السريان وسلم للشيخ محمد المشمر وصار زاوية وهدم البناء المستجد ببيت لحم وبالقمامة وقلع الدرابزين الخشب المستجد بالقمامة وأخذ إلى المسجد الأقصى بالتكبير والتهليل وكشف جميع الديورة وهدم جميع ما استجد بها وكان ذلك في أواخر عمر السلطان فختم الله أعماله بالصالحات وإزالة المنكرات وسنذكر ما وقع في أمر قبر داود ﵊ وصهيون في عصرنا فيما بعد في ترجمة الملك الأشرف قايتباي في حوادث سنة خمس وتسعين وثمانمائة إن شاء الله تعالى. وتوفي الملك الظاهر في ليلة يسفر صباحها عن يوم الثلاثاء الثالث من صفر سنة سبع وخمسين وثمانمائة وصلي عليه بالمسجد الأقصى صلاة الغائب في يوم الجمعة حادي عشر صفر وتوفي بعد أن خلع نفسه من الملك وعهد إلى ولده الملك المنصور أبي السعادات عثمان واستقر بعده في الملك ثم خلع. وولي بعده السلطان الملك الأشرف أينال وهو أبو النصر أينال الناصري نسبته إلى الناصر فرج بن برقوق واستقر في السلطنة في يوم الاثنين ثامن ربيع الأول سنة سبع وخمسين وثمانمائة وكان الخليفة أمير المؤمنين القائم بأمر الله أبو البقاء حمزة. وولي نظر الحرمين الشريفين في السنة المذكورة الأمير عبد العزيز العراقي المشهور بابن المعلاق فحصل للأوقاف والمستحقين ما لم يحصل لهم قبل ذلك من العمارة وصرف المعاليم كاملة من غير قطع ولا محاصصة وأقام نظام السماط الكريم الخليلي. ومن حسنات الملك الأشرف أينال المصحف الشريف الذي وضعه بالمسجد

стр. 526

الأقصى بالقرب من جامع عمر بن الخطاب ﵁ تجاه الشباك المطل على عين سلوان ورتب له قارئا ووقف عليه جهة وكسى الأضرحة الشريفة وهي ضريح سيدنا الخليل وأولاده وسيدنا موسى الكليم وسيدنا لوط وسيدنا يونس عليهم الصلاة والسلام الستور المزركشة وجهزها على يد زوج ابنته بردبك الدويدار الثاني وحصل منه صدقات وإحسان وأنعم الأشرف أينال على جهة الوقفين بألف ومائتي أردب قمح القيمة عنها أربعة آلاف دينار وثمانية دنانير وعمر المسجد الأقصى في أيامه. وتوفي في تاسع جمادي الأولى سنة خمس وستين وثمانمائة بعد أن خلع نفسه من الملك وعهد إلى ولده الملك المؤيد أحمد واستقر بعده في الملك ثم خلع. وولي السلطان الملك الظاهر خشقدم هو أبو سعيد خشقدم المؤيدي من عتقاء المؤيد شيخ استقر في السلطنة يوم الأحد ثامن عشر رمضان سنة خمس وستين وثمانمائة وكان الخليفة أمير المؤمنين المستنجد بالله أبو المظفر يوسف. ومن حسناته بالقدس الشريف عمارة قناة السبيل الواصلة إلى القدس الشريف من عين العروب وعمارة البركة الشرقية من بركتي المرجيع وكانت العمارة على يد الأمير دولات وكان باي الخاصكي جهز إلى القدس الشريف اهتم بعمارته وأقام في ذلك أعظم قيام. وأنعم الظاهر خشقدم على جهة الوقف الخليلي بستين غرارة قمح القيمة عنها ثمانمائة وأربعون دينارا وجدد عمارة رخام المسجد الجاولي بالخليل في سنة سبع وستين وثمانمائة بمباشرة الأشرف ناصر الدين محمد بن الهمام ناظر الحرمين الشريفين وله في الصخرة الشريفة مصحف كبير وضعه بإزاء مصحف الملك الظاهر جقمق من جهة الغرب. وفي أيامه ولي الأمير ناصر الدين ابن الهمام نظر الحرمين الشريفين ثم عزل وولي بعده الأمير حسن الظاهري وهو الذي بنى المدرسة بجوار باب السلسلة برسم الملك الظاهر خشقدم وآل أمرها إلى مولانا الملك الأشرف قايتباي وكان

стр. 527

من خبرها ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. وكان الظاهر خشقدم رسم بإبطال المظالم من القدس الشريف ونقش بذلك رخامتين وجهزهما إلى القدس الشريف في أواخر عمره والصقتا بحائط المسجد الأقصى من جهة الغرب وتوفي في حادي عشر ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة وتسلطن بعده الملك الظاهر بيلباي واستمر سنة وخمسين يوما. ثم تسلطن الملك الظاهر تمر بغا واستمر سبعة وخمسين يوما وخلع. وتسلطن مولانا السلطان الملك الأشرف قايتباي وسنذكر ترجمته فيما بعد كما تقدم الوعد به في أول الكتاب والله حسبنا ونعم الوكيل. وممن فعل الآثار الحسنة بالصخرة الشريفة من ملوك الروم السلطان مراد ابن السلطان محمد بن السلطان بايزيد خان رتب قراء يقرؤن له في الصخرة الشريفة في ربعة شريفة بتاريخ ثامن عشر رجب سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. والسلطان إبراهيم بن السلطان محمد بن قرمان رتب أيضا قراء يقرؤن له في ربعة شريفة بتاريخ التاسع والعشرين من شهر جمادي الآخرة سنة ثمان وخمسين وثمانمائة وغيرهما من الملوك والأعيان رتبوا أسباعا تقرأ لهم ووقفوا أوقافا على مصالح المسجد الأقصى وخدمته طلبا لثواب الله تعالى رحمة الله تعالى عليهم أجمعين. وأكثر من فعل الخير بالمسجد الأقصى ومقام سيدنا الخليل ﵊ من الملوك السالفة الملك المعظم عيسى صاحب دمشق ثم الملك الناصر محمد بن قلاوون رحمهما الله تعالى. وقد ذكرت جميع الملوك بالديار المصرية وأولهم السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب تغمده الله برحمته ومن بعده إلى عصرنا من غير إخلال بأحد منهم غير من ذكرته من بني أيوب من ملوك الشام وغيرها - كما تقدم القول في أول الفصل - ولنذكر الآن أسماء العلماء فأقول - وبالله التوفيق -:

стр. 528

(ذكر ما تيسر من أعيان العلماء بالقدس الشريف وبلد سيدنا الخليل ﵊ من المذاهب الأربعة ومن ولي فيها المناصب الحكمية والوظائف الدينية ومن عرف بالزهد والصلاح وبعض ما وقع فيهما من الحوادث والأخبار فأذكر طائفة من المذاهب الأربعة على حدة ليسهل على المطالع إذا أراد الكشف ويقرب عليه الاطلاع فكل من وقفت له على ترجمة أو تاريخ مولد أو وفاة ذكرت ما تيسر من ذلك على وجه الاختصار واقتصر في ترجمة الرجل على ما عرف من محاسنه وأحواله المحمودة من غير تعرض إلى شيء فيه انتقاصه أو مذمته فإن ذلك أثم لا فائدة فيه وقد اعتمد هذا الفعل القبيح غالب المؤرخين وهو خطأ كبير ولا أرى في ذلك إلا غيبة للأموات يأثم مرتكبها خصوصا في حق العلماء وطلبة العلم الشريف والله أعلم ومن لم أطلع له على ترجمة ذكرت اسمه والعصر الذي كان فيه موجودا إن علمته. فأبدأ أولا بذكر العلماء الشافعية فأقول: قد تقدم أن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب تغمده الله برحمته كان شافعي المذهب وهو الذي أقام الشافعية بالديار المصرية وولي منهم القضاة بعد أن كان القضاة بمصر شيعة على مذهب الفاطميين ولما فتح الله بيت المقدس على يديه وقف المدرسة الصلاحية - المتقدم ذكرها - وجعلها للشافعية. فأبدأ أولا بمن ولى مشيختها فأذكر مشائخ المدرسة الصلاحية واذكرهم على ترتيب ولاتهم من زمن الملك صلاح الدين إلى عصرنا فأقول - والله الموفق -: قاضي القضاة شيخ الإسلام بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع ابن تميم الأسدي الموصلي المولد والحلبي المنشأ الشافعي المعروف بابن شداد ولد في ليلة الأربعاء العاشر من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة وتوفي والده وهو

стр. 529

صغير السن فنشأ عند أخواله بني شداد ونسب إليهم وكان شداد جده لأمه وكان يكنى أولا أبا العز ثم غير كنيته وجعلها أبا المحاسن وتفقه وحصل وتفنن وكان إماما فاضلا وجيها في الدنيا وكان يشبه بالقاضي أبي يوسف في زمانه من نفاذ الكلمة وسعة المال. وحج إلى بيت الله الحرام سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وهي السنة التي فتح الله فيها بيت المقدس وزار القدس والخليل بعد الحج وزيارة النبي ﷺ واتصل بخدمة الملك صلاح الدين في مستهل جمادي الأولى سنة أربع وثمانين وخمسمائة وحظي عنده وولاه قضاء العسكر وبيت المقدس والنظر على أوقافه - كما تقدم ذكره - وتوجه رسولا منه إلى الخليفة ببغداد وفوض إليه تدريس المدرسة الصلاحية وجعل النظر فيها وفي أوقافها إليه ونص على ذلك في كتاب وقفه وقال فيه رضاء بأمانته واعتقادا في كفايته واعتمادا على ديانته. وتقدم أن تاريخ كتاب وقفها في ثالث عشر شهر رجب سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وصنف ابن شداد للسلطان كتابا في فضل الجهاد. ولما توفي السلطان رحل من القدس بعد مدة واتصل بولده الملك الظاهر غياث الدين أبي الفتح غازي صاحب حلب وولاه قضاء حلب والنظر على أوقافها وعظم شأن الفقهاء في زمانه لعظم قدره وارتفاع منزلته وكان ذا صلاح وعبادة واجتمعت الألسن على مدحه والثناء عليه وهو شيخ القاضي شمس الدين ابن خلكان صاحب التاريخ وقد أطنب في ترجمته في وفيات الأعيان. توفي بحلب في نهار الأربعاء رابع عشر صفر سنة اثنتين وثلاثين وستمائة بعد ان ظهر عليه أثر الهرم ومن تصانيفه دلائل الأحكام على النبيه في مجلدين وكتاب الموجز الباهر في الفقه وكتاب ملجأ الحكام في الأقضية في مجلدين وسيرة الملك صلاح الدين أجاد فيها وأفاد ﵀. شيخ الإسلام مجد الدين طاهر بن نصر الله بن جهبل - بفتح الجيم والباء

стр. 530

الموحدة - الحلبي الشافعي الشيخ الإمام العلامة كان إماما في الفقه والحساب والفرائض صنف للسلطان نور الدين الشهيد كتاب في فضل الجهاد درس بحلب بالنورية قال العلامة قاضي القضاة تقي الدين ابن شهبة في ترجمته في طبقات الشافعية وهو أول من درس بالمدرسة الصلاحية بالقدس الشريف هو والد بني جهبل الفقهاء الدمشقيين. توفي بالقدس في سنة ست وتسعين وخمسمائة عن أربع وستين سنة رحمه الله تعالى. وقد وهم بعض المؤرخين فيه فظنه أبا العباس أحمد بن المظفر بن الحسين الدمشقي وذكر أنه أول من درس بالصلاحية وذكر تاريخ وفاته ومقدار عمره كما هنا وليس كذلك فإن ذلك يعرف بابن زين النجار وكان مدرس المدرسة الصلاحية الناصرية المجاورة للجامع العتيق بمصر وبه تعرف المدرسة ذكره السبكي في الطبقات الوسطى وأرخ وفاته في ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وخمسمائة فاشتبه الحال على بعض المؤرخين بكونه مدرس المدرسة الصلاحية بمصر فظنها التي بالقدس والله أعلم. شيخ الإسلام فخر الدين أبو منصور عبد الرحمن محمد بن الحسين بن عساكر الدمشقي شيخ الشافعية بالشام ولد في رجب سنة خمسين وخمسمائة ولي تدريس الصلاحية بالقدس الشريف ثم التقوية بدمشق فكان يقيم بدمشق أشهرا وبالقدس أشهرا وكان لا يخلو لسانه عن ذكر الله تعالى في قيامه وقعوده وكان زاهدا عابدا ورعا منقطعا إلى العلم والعبادة حسن الخلق قليل الرغبة في الدنيا مشتغل أكثر أوقاته بنشر العلم كثير التمهد قليل الغضب مطرح للتكلف عرضت عليه مناصب وولايات دينية فتركها. توفي بدمشق في رجب سنة عشرين وستمائة ودفن بطرف مقابر الصوفية الشرقي ﵀.
следующие страницы →