Полный текст (1 747 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
الشريف الفيلالي
(أرقت وشاقتني البروق اللوامع ... وذكرى خليط هيجتها المرابع)
(مرابع عفتها الروامس والسما ... تراق من الأشواق فِيهَا المدامع)
(كَأَن لم تكن من قبل قدما أَو أَهلا ... إِذْ السلك منظوم وشملي جَامع)
(تذكرني عهد الأجازع واللوى ... وَأَيْنَ اللوى مني وَأَيْنَ الأجازع)
(سحبنا بهَا ذيل الصبابة بُرْهَة ... وجفن الردى عَنَّا وحاشاك هاجع)
(وقفت بهَا بالبزل وَاللَّيْل دامس ... أنازعها الشكوى بهَا وتنازع)
(أسائلها عَن جيرة بَان حيهم ... وضمت هواهم بعد ذَاك الأضالع)
(فَهَل قدمُوا نَحْو العقيق صُدُورهمْ ... ولاح لَهُم برق من الْغَوْر لامع)
(يخبر عَن دَار الرَّسُول وقربها ... عراص بهَا للوحي فاضت ينابع)
(ديار بهَا حل الْحمى سيد الورى ... وهبت على الأشراك مِنْهَا زعازع)
(عَلَيْك صَلَاة الله يَا خير مُرْسل ... وَيَا خير من تثني عَلَيْهِ الْأَصَابِع)
(فلولاك هَذَا الْكَوْن مَا زَالَ معدما ... وَأَنت الَّذِي يرجوه عَاص وطائع)
(لَك الْفَخر فِي الدَّاريْنِ والموقف الَّذِي ... لأهواله كل النَّبِيين جازع)
(فآدمهم وَالْكل تَحت لوائكم ... وَلَيْسَ لنا وَالله غَيْرك شَافِع)
(فجازاك رب الْعَرْش مَا أَنْت أَهله ... جَزَاء بِهِ يشجي الْمَنَاوِيّ المخادع)
(وجازى إِمَامًا قد نمته إِلَيْكُم ... أصُول وآباء كرام فوارع)
(سميك وَابْن السبط حَقًا وَمن لَهُ ... عوارف فِي أعناقنا وصنائع)
(فدم للعلا يَا ابْن الخلائف مُفردا ... إِلَيْك اشتراؤها وَغَيْرك بَائِع)
(ودام ولي الْعَهْد بعْدك صَارِمًا ... يخب إِلَى نيل الْعلَا ويسارع)
(هُوَ الآمن الْمَأْمُون من كل فتْنَة ... لفيض الندى من راحتيه يدافع)
(ففيك أَقُول والنصوص شَوَاهِد ... أَحَادِيث صحت لَيْسَ فِيهَا مُنَازع)
(بكم رَأس هَذَا الْقرن جدد ديننَا ... وفاضت بحور للعلوم هوامع)
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا أخرجه أَبُو دَاوُد عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (إِن الله يبْعَث على رَأس كل قرن من يجدد لهَذِهِ الْأمة أَمر دينهَا)
وَحمله بعض الْأَئِمَّة على أَن المجدد من الْمُلُوك وَقيل من الْعلمَاء
стр. 1017
وَقيل من الْأَوْلِيَاء وَالصَّوَاب الْإِطْلَاق
وَقَالَ الْوَزير الْقَائِد أَبُو الْحسن عَليّ بن مَنْصُور الشيظمي رَحمَه الله تَعَالَى
(من بعد أهل قبا وَأهل كداء ... شوقي يزِيد وَعز ذَاك عزائي)
(ولي الشِّفَاء بقربهم وهم جلا ... مَا فِي الخواطر من صدى وصداء)
(لكنه بعد المزار فَأَيْنَ من ... تِلْكَ الْمعَاهد سَاكن الْحَمْرَاء)
(بانوا وهاج الشوق ذكر ربوعهم ... ذَات السنا والرند والأضواء)
(وشدا بهم حادي الركاب فكاد أَن ... تدع الْقُلُوب جسومها بفضاء)
(يَا سعد لَو أَن الزَّمَان مساعدي ... ومجيب دَاعِي الْبعد بعد ندائي)
(لركبت حرفا كالهلال منافرا ... للهمز إِلَّا فِي الْمُنَادِي النائي)
(ولجبت أَحيَاء الفلا وطوبتها ... طي الملا بنجيبة فوداء)
(تختاض فِي جَوف الظلام كَأَنَّهَا ... سري تولج فِي ضمير حجاء)
(وتخال فِي لجج السراب سفينة ... تجْرِي القلوع بهَا برِيح رخاء)
(هَل أنزلن بهَا المخصب من منى ... وأزور بعد معاهد الزَّوْرَاء)
(فأحط عَنْهَا الرحل ثمَّ مخيما ... فِي ظلّ احْمَد بغيتي ومنائي)
(وامرغ الْخَدين ملتثما ترى ... وطئته رجلا خَاتم النبئاء)
(محيى الْهدى ماحي الضَّلَالَة والردا ... بالبيض والخطية السمراء)
(صلى عَلَيْهِ الله مَا نسخ السخا ... لؤما وَمَا أجلى الدجا ابْن ذكاء)
(وعَلى صحابته الْكِرَام وَآله ... أكْرم بهم من سادة فضلاء)
(أكْرم بوارث مجده وعلائه ... سبط الرسَالَة غرَّة الْأَبْنَاء)
(خير الخلائف أَحْمد الْمَنْصُور من ... حَاز الْكَمَال وَشرط كل عَلَاء)
(الصارم الْهِنْدِيّ فِي يمنى الْهدى ... والكوكب الْوَقَّاد فِي الظلماء)
(يَا أَيهَا الْملك الَّذِي بسيوفه ... حاط الْهدى وبرأيه الوضاء)
(ذخر الْإِلَه لَك الْفتُوح وصانها ... كالزهر فِي الأكمام والأوعاء)
(لَا بُد من فتح يروقك وَاضح ... كالصبح يدْرَأ فِي نحور عداء)
(وستملك الْحرم الشريف وينتمي ... للوائك الْمَنْصُور دون مراء)
стр. 1018
(وَترى الْجِهَات وَقد أَتَت منقادة ... بِظَبْيٍ بنيك السَّادة النجباء)
(وتقر عينا بالخليفة مِنْهُم ... وزر الْبَريَّة عدَّة الْأُمَرَاء)
(بِمُحَمد الْمَأْمُون خير من ارْتقى ... درج الْكَمَال ودب للعلياء)
(فرع سيحكي أَصله وَلَقَد حكى ... بمقاصد قد سددت ودهاء)
وَقَالَ الْكَاتِب أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الفشتالي رَحمَه الله تَعَالَى
(هم سلبوني الصَّبْر وَالصَّبْر من شأني ... وهم حرمُوا من لَذَّة الغمض أجفاني)
(وهم أخفروا فِي مهجتي ذمم الْهوى ... فَلم يثنهم عَن سفكها حبي الْجَانِي)
(لَئِن أترعوا من قهوة الْبَين أكؤسي ... فشوقهم أضحى سميري وندماني)
(وَإِن غادرتني بالعراء حمولهم ... كفى أَن قلبِي جَاهد أثر أظعاني)
(قف العيس واسأل ربعهم أَيَّة مضوا ... أللجزع سَارُوا مدلجين أم البان)
(وَهل باكروا بالسفح من جَانب اللوا ... ملاعب آرام هُنَاكَ وغزلان)
(وَأَيْنَ استقلوا هَل بهضب تهَامَة ... أناخوا المطايا أم على كثب نعْمَان)
(وَهل سَالَ فِي بطن المسيل تشوقا ... نفوس ترامت للحمى قبل جثمان)
(وَإِذا زجروها بالْعَشي فَهَل ثنى ... أزمتها الْحَادِي إِلَى شعب بوان)
(وَهل عرسوا فِي دير عبدون أم سروا ... يؤم بهم رهبانهم دير نَجْرَان)
(سروا والدجى صبغ المطارف فانثنى ... بأحداجهم شَتَّى صِفَات وألوان)
(وأدلج فِي الأسحار بيض قبابهم ... فلحن نجوما فِي معارج كُثْبَان)
(لَك الله من ركب يرى الأَرْض خطْوَة ... إِذا زمها بدنا نواعم أبدان)
(أرحها مطايا قد تمشي بهَا الْهوى ... تمشي الحميا فِي مفاصل نشوان)
(ويمم بهَا الْوَادي الْمُقَدّس بالحمى ... بِهِ المَاء صدا والكلا نبت سَعْدَان)
(واهد حُلُول الْحجر مِنْهُ تَحِيَّة ... تفاوح عرفا ذاكي الرند والبان)
(لقد نفحت من شيخ يثرب نفحة ... فهاجت مَعَ الأسحار شوقي وأشجاني)
(وفتت مِنْهَا الشرق فِي الغرب مسكة ... سحبت بهَا فِي أَرض دارين أرداني)
(وأذكرني نجدا وَطيب عراره ... نسيم الصِّبَا من نَحْو طيبَة حياني)
(أحن إِلَى تِلْكَ الْمعَاهد إِنَّهَا ... معاهد راحاتي وروحي وريحاني)
стр. 1019
(وأهفو مَعَ الأشواق للوطن الَّذِي ... بِهِ صَحَّ لي أنسي الهني وسلواني)
(وأصبوا إِلَى أَعْلَام مَكَّة شائقا ... إِذا لَاحَ برق من شمام وشهلان)
(أهيل الْحمى ديني على الدَّهْر زورة ... أحث بهَا شوقا لكم عزمي الواني)
(مَتى يشتفي جفني القريح بنظرة ... يَزُجّ بهَا فِي نوركم عين إنساني)
(وَمن لي بِأَن يدنوا لقاكم تعطفا ... ودهري عني دَائِما عطفه ثَانِي)
(سقى عَهدهم بالخيف عهد تمده ... سوافح دمع من شؤوني هتان)
(وأنعم فِي شط العقيق أراكة ... بأفيائها ظلّ المنى والهوى داني)
(وَحيا ربوعا بَين مروة والصفا ... تَحِيَّة مشتاق لَهَا الدَّهْر حيران)
(ربوعا بهَا تتلو الْمَلَائِكَة الْعلَا ... أفانين وَحي بَين ذكر وَقُرْآن)
(وَأول أَرض باكرت عرصاتها ... وطرزت البطحا سحائب إِيمَان)
(وعرس فِيهَا للنبوة موكب ... هُوَ الْبَحْر طام فَوق هضب وغيطان)
(وَأدّى بهَا الرّوح الْأمين رِسَالَة ... أفادت بهَا الْبُشْرَى مدائح عنوان)
(هُنَالك فض خَتمهَا أشرف الورى ... وفخر نزار من معد بن عدنان)
(مُحَمَّد خير الْعَالمين بأسرها ... وَسيد أهل الأَرْض الْإِنْس والجان)
(وَمن بشرت بِالْبَعْثِ من قبل كَونه ... نوامس كهان وأخبار رُهْبَان)
(وَحِكْمَة هَذَا الْكَوْن لولاه مَا سمت ... سَمَاء وَلَا غاضت طوافح طوفان)
(وَلَا زخرفت من جنَّة الْخلد أَربع ... تسبح فِيهَا أَدَم حور وولدان)
(وَلَا طلعت شمس الْهدى غب دجية ... تجهم من ديجورها ليل كفران)
(وَلَا لحقت بالمذنبين شَفَاعَة ... يذود بهَا عَنْهُم زباني نيران)
(لَهُ معجزات أخرست كل جَاحد ... وسلت على المرتاب صارم برهَان)
(لَهُ انْشَقَّ قرص الْبَدْر شقين وارتوى ... بِمَاء همي من كَفه كل ظمآن)
(وأنطقت الْأَوْثَان نطقا تبرأت ... إِلَى الله فِيهِ من زخارف ميان)
(دَعَا سرحة عجما فلبت وَأَقْبَلت ... تجر ذيول الزهر مَا بَين أفنان)
(وضاءت قُصُور الشَّام من نوره الَّذِي ... على كل أفق نازح الْقطر أوداني)
(وَقد بهج الْأَنْوَار بدعوته الَّتِي ... كست أوجه الغبراء بهجة نيسان)
(وَأَن كتاب الله أعظم آيَة ... بهَا افتضح المرتاب وابتأس الشاني)
стр. 1020
(وعدى على شأو البليغ بَيَانه ... فهيهات مِنْهُ سجع قس وسحبان)
(نَبِي الْهدى من أطلع الْحق أنجما ... محا نورها أسداف إفْك وبهتان)
(بعزتها ذل الأكاسرة الألى ... هم سلبوا تيجانها آل ساسان)
(وأحرز للدّين الحنيفي بالظبا ... تراث الْمُلُوك الصَّيْد من عهد يونان)
(ونقع من سمر القنا السم قيصرا ... فجرعه مِنْهُ مجاجة ثعبان)
(وأضحت ربوع الْكفْر والشرك بلقعا ... يناغي الصدا فِيهِنَّ هَاتِف شَيْطَان)
(وأصبحت السمحا تروق نضارة ... وَوجه الْهدى بَادِي الصباحة للراني)
(أيا خير أهل الأَرْض بَيْتا ومحتدا ... وَأكْرم كل الْخلق عجم وعربان)
(فَمن للقوافي أَن تحيط بوصفكم ... وَلَو سجلت سبقا مدائح حسان)
(إِلَيْك بعثناها أماني أجدبت ... لتسقى بمزن من أياديك هتان)
(أجرني إِذا أبدى الْحساب جرائمي ... وأنقلت الأوزار كفة ميزاني)
(فَأَنت الَّذِي لَوْلَا وَسَائِل عزه ... لما فتحت أَبْوَاب عَفْو وغفران)
(عَلَيْك سَلام الله مَا هبت الصِّبَا ... وماست على كثبانها ملد قضبان)
(وَحمل فِي جيب الْجنُوب تَحِيَّة ... يفوح بمسراها شذا كل تربان)
(إِلَى العمرين صاحبيك كليهمَا ... وتلوهما فِي الْفضل صهرك عُثْمَان)
(وحيي عليا عرفهَا وأريجها ... ووالي على سبطيك أوفر رضوَان)
(إِلَيْك رَسُول الله صممت عَزمَة ... إِذا أزمعت فالشحط والقرب سيان)
(وخاطبت مني الْقلب وَهُوَ مُقَلِّب ... على جَمْرَة الأشواق فِيك فلباني)
(فيا لَيْت شعري هَل أزم قلائصي ... إِلَيْك بدارا أَو أقلقل كيراني)
(وأطوي أَدِيم الأَرْض نَحْوك راحلا ... نواجي المهاري فِي صحاصح فيعان)
(يرنحها فرط الحنين إِلَى الْحمى ... إِذا غرد الْحَادِي بِهن وغناني)
(وَهل تمحون عني خَطَايَا اقترفتها ... خطى لي فِي تِلْكَ الْبِقَاع وأوطان)
(وماذا عَسى يثني عناني وَإِن لي ... بآلك جاها صهوة الْعِزّ أمطاني)
(إِذا صد عَن زوارك الباس والعنا ... فجود ابْنك الْمَنْصُور أَحْمد أغناني)
(عمادي الَّذِي أوطا السماكين أخمصي ... وأوفى على السَّبع الطباق فأدناني)
(متوج أَمْلَاك الزَّمَان وَإِن سَطَا ... أحل سيوفا فِي معاقد تيجاني)
стр. 1021
(وقاري أسود الغاب بالصيد مثلهَا ... إِذا أضْرب الخطى من فَوق جدران)
(هز بر إِذا زرا الْبِلَاد زئيره ... تضاءل فِي أخياسها أَسد خفان)
(وَإِن اطَّلَعت غيم القتام جيوشه ... وارزم فِي مركومه رعد نيران)
(صببن على أَرض العداة صواعقا ... أسلن عَلَيْهِم بَحر خسف ورجفان)
(كتائب لَو يعلون رضوى لصدعت ... صفاه الْجِيَاد الجرد تعدو بعقبان)
(عديد الْحَصَا من كل أروع معلم ... وكل كمي بالرديني طعان)
(إِذا جن ليل الْحَرْب عَنْهُم طلى العدا ... هدتهم إِلَى أوداجها شهب خرصان)
(من اللاء جرعن العدا غصص الردى ... وعفرن فِي وَجه الثرى وَجه بُسْتَان)
(وفتحن أقطار الْبِلَاد فَأَصْبَحت ... تُؤدِّي الْخراج الجزل أَمْلَاك سودان)
(إِمَام البرايا من على نجاره ... وَمن عترة سادوا الورى آل زَيْدَانَ)
(دعائم إِيمَان وأركان سؤدد ... ذووهم قد عرست فَوق كيوان)
(هم العلويون الَّذين وُجُوههم ... بدور إِذا مَا احلولكت شهب أزمان)
(وهم آل بَيت شيد الله ملكه ... على هضبة العلياء ثَابت أَرْكَان)
(وَفِيهِمْ أَتَى الذّكر الْحَكِيم وصرحت ... بفضلهم آيَات ذكر وَقُرْآن)
(فروع ابْن عَم الْمُصْطَفى ووصيه ... فناهيك من فخرين قربى وقربان)
(ودوحة مجد معشب الرَّوْض بالعلا ... يجاد بأمواه الرسَالَة رَيَّان)
(بمجدهم الْأَعْلَى الصَّرِيح تشرفت ... معد على العرباء عَاد وقحطان)
(أُولَئِكَ فخري إِن فخرت على الورى ... ونافس بَيْتِي فِي الولا بَيت سلمَان)
(إِذا اقتسم المداح فضل فخارهم ... فقسمي بالمنصور ظَاهر رُجْحَان)
(إِمَام لَهُ فِي جبهة الدَّهْر ميسم ... وَمن عزه فِي مفرق الْملك تاجان)
(سما فَوق هامات النُّجُوم بهمة ... يحوم بهَا فَوق السَّمَوَات نسران)
(وأطلع فِي أفق الْمَعَالِي خلَافَة ... عَلَيْهَا وشاح من علاهُ وسمطان)
(إِذا مَا احتبى فَوق الأسرة وارتدى ... على كبرياء الْملك نخوة سُلْطَان)
(توسمت لُقْمَان الحجا وَهُوَ نَاطِق ... وشاهدت كسْرَى الْعدْل فِي صدر إيوَان)
стр. 1022
(وَإِن هزه حر الثَّنَاء تدفقت ... أنامله عرفا تدفق خلجان)
(أيا نَاظر الْإِسْلَام شم بارق المنا ... وباكر لروض فِي ذرا الْمجد فينان)
(قضى الله فِي علياك أَن تملك الدنا ... وتفتحها مَا بَين سوس وسودان)
(وَإنَّك تطوي الأَرْض غير مدافع ... فَمن أَرض سودان إِلَى أَرض بغدان)
(وتملأها عدلا يرف لِوَاؤُهُ ... على الْحَرَمَيْنِ أَو على رَأس غمدان)
(فكم هنأت أَرض الْعرَاق بك الْعلَا ... ووافت بك الْبُشْرَى لأطراف عمان)
(فَلَو شارفت شَرق الْبِلَاد سُيُوفكُمْ ... أَتَاك استلابا تَاج كسْرَى وخاقان)
(وَلَو نشر الْأَمْلَاك دهرك أَصبَحت ... عيالا على علياك أَبنَاء مَرْوَان)
(وشايعك السفاح يقتاد طَائِعا ... برايته السَّوْدَاء أهل خرسان)
(فَمَا الْمجد إِلَّا مَا رفعت سماكه ... على عمدي سمر الطوَال ومران)
(وهاتيك أبكار القوافي جلوتها ... تغازلهن الْحور فِي دَار رضوَان)
(أتتك أَمِير الْمُؤمنِينَ كَأَنَّهَا ... لطائم مسك أَو خمائل بُسْتَان)
(تعاظمن حسنا أَن يُقَال شبيهها ... فرائد در أَو قلائد عقيان)
(فَلَا زلت للدنيا تحوط جهاتها ... وللدين تحميه بِملك سُلَيْمَان)
(وَلَا زلت بالنصر الْعَزِيز مؤزرا ... تقاد لَك الْأَمْلَاك فِي زِيّ عَبْدَانِ)
انْتَهَت القصيدة الفريدة
قَالَ فِي نفح الطّيب أَخْبرنِي ناظمها أَنه أَرَادَ بقوله ونافس بَيْتِي فِي الولا بَيت سلمَان قَبيلَة سلمَان الَّتِي مِنْهَا لِسَان الدّين ابْن الْخَطِيب إِشَارَة إِلَى وَلَاء الْكِتَابَة للخلافة كَمَا كَانَ لِسَان الدّين ﵀ وَفِيه مَعَ ذَلِك تورية بسلمان الْفَارِسِي ﵁ انْتهى
وَهَذِه القصيدة على طولهَا من غرر القصائد وَلذَا لم يذكر فِي الْمُنْتَقى من الأمداح المنصورية غَيرهَا وَقد أثنى عَلَيْهَا فِي نفح الطّيب جدا وتتبع مَا قيل فِي هَذَا الاحتفال وَإِقَامَة المولد العديم الْمِثَال من الأمداح يُفْضِي إِلَى الطول وَفِي هَذَا الْقدر كِفَايَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 1023
ذكر سيرة الْمَنْصُور فِي تَرْتِيب جيوشه وحالات أَسْفَاره
قَالَ الفشتالي كَانَت السِّيرَة على عهد أبي عبد الله الْمهْدي وَولده الْغَالِب بِاللَّه وَابْنه المتَوَكل سيرة الْعَرَب فِي الْجَيْش والمأكل والملبس وَغير ذَلِك وَلما ولي المعتصم حمل النَّاس على السِّيرَة العجمية وجنح إِلَيْهَا فِي سَائِر شؤونه لما رأى مِنْهَا فِي بِلَاد التّرْك حَيْثُ كَانَ بهَا فكره النَّاس ذَلِك وأنفوا مِنْهُ وقوفا مَعَ العوائد فَلَمَّا جَاءَ الله بالمنصور ألف بَين سيرتي الْعَرَب والعجم وَاصْطفى من الْعَجم موَالِي رباهم بنعمته وأشملهم درور إحسانه مِنْهُم مصطفى باي وَمَعْنَاهُ بلغَة التّرْك قَائِد القواد وَيخْتَص بِهِ قَائِد الإصباحية وَكَانَ برسم حراسة الْبَاب العالي وَمِنْهُم الباشا مَحْمُود وَهُوَ صَاحب خَزَائِن الدَّار بِيَدِهِ مَفَاتِيح بيُوت الْأَمْوَال وَمِنْهُم الْقَائِد علوج قَائِد جَيش العلوج والباشا جؤذر فاتح السودَان وَهُوَ قَائِد جَيش الأندلس وَكَانَ لأهل الأندلس جَيش عَظِيم رُمَاة وعمار قَائِد جَيش السوس فَهَؤُلَاءِ أكَابِر العلوج وتليهم طَائِفَة أُخْرَى مِنْهَا بختيار وبغا ثمَّ إِن جَيش الْعَجم من الأتراك والعلوج قسمه إِلَى أَقسَام مِنْهَا البياك وهم أهل القلانس الصفرية المذهبة ذَوَات الْأَعْرَاف من ريش النعام الملون يقفون سماطين أَمَام قُبَّته أَو فسطاطه والسلاق أهل القلانس الطَّوِيلَة الْبيض الْمُرْسلَة على المناكب ويناط بهَا من أَعلَى الجباه جعاب صفر مذهبَة ويضيفون إِلَيْهَا وَقت الحزام أَجْنِحَة طوَالًا يؤلفونها أَيْضا من ريش النعام الْبَاقِي على أصل خلقته ويركزونها فِي الجعاب المنوطة بالقلانس من أَعلَى الجباه ويرسلونها إِلَى وَرَاء وَيقف هَؤُلَاءِ خلف البياك وبلبدروش وهم أهل اللقاقيف وَهِي رماح قَصِيرَة غَلِيظَة العصى مغشاة بالحديد ومرصعة بالمسامير الْبيض ركبت عَلَيْهَا أسنة عِظَام وزجاج هائلة ينْبت من ريشتي كل سِنَان مِنْهَا أضلاع مُسْتَقِيمَة وَيقف هَؤُلَاءِ خلف السلاق والشنشرية وهم أهل الطَّعَام وضعا ورفعا لَا غير وَقَائِدهمْ بختيار من سبي وَادي المخازن والقبجية وهم أهل حفظ الْأَبْوَاب وغلقها وَفتحهَا وَقَائِدهمْ مَوْلُود المشاوري وَطَائِفَة من هَؤُلَاءِ تحرس لَيْلًا
стр. 1024
وَتَطوف على مسايف السُّور الْمُحِيط بِالدَّار وَمن وَظِيفَة هَؤُلَاءِ خدمَة الْكُرْسِيّ والسرير اللَّذين يجلس عَلَيْهِمَا السُّلْطَان بالإيوان وتعاهد أنماط الْجُلُوس وكنسها والشواش وهم الَّذين يتولون ضبط الجيوش فِي المصاف فِي حَرْب أَو سلم وإنهاء الْكتب والرسائل للجهات بِخَير أَو شَرّ
قَالَ الفشتالي وَهَذَا مِمَّا زَادَت بِهِ دولته على سَائِر الدول فَإِذا خرج فِي يَوْم عيد أَو ملاقاة أَو تهنئة خَرجُوا متزينين وكل قَائِد يقف عِنْد مبدأ انبعاث حَبل جَيْشه تَحت ألوية محفوفا بِجَيْش من رُؤَسَاء جنده أهل الْخَيل وهم الَّذين يدعونَ عِنْدهم بالبكباشات فاصلا بذلك بَين جَيْشه وجيش من يردفه خَلفه وَهَكَذَا يَمْتَد إِلَى انبعاث الْجَيْش من تِلْقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ وكل يعرف مركزه ورتبته لَا يتعداه إِلَى غَيره بتقدم أَو تَأَخّر وَلَا يجد السَّبِيل إِلَى ذَلِك لَو أَرَادَهُ
قَالَ الفشتالي وَالتَّرْتِيب الَّذِي جرى بِهِ الْعَمَل فِي عَسَاكِر النَّار أَن يتَقَدَّم أَولا جَيش السوس ثمَّ يردفه جَيش شراكة وكل مِنْهُمَا يَنْقَسِم حبلين ثمَّ يردفهما العسكران العظيمان عَسْكَر الموَالِي من المعلوجي وَمن انضاف إِلَيْهِم وعسكرك الأندلس وَمن لبس جلدتهم وَدخل فِي زمرتهم وَهَذَانِ يسيران صفّين متساويين لِاسْتِوَاء مرتبتهما وَعند الْعَطاء تَارَة يتَقَدَّم هَؤُلَاءِ وَتارَة هَؤُلَاءِ غير أَن الموَالِي يكونُونَ فِي الميمنة لمزية الْوَلَاء وَكِلَاهُمَا يحظى بموالاة ركاب السُّلْطَان ويتقدم قائدهما مَحْمُود قَائِد الموالى وجؤذر قَائِد الأندلس وترفع على رَأس كل مِنْهُمَا الرَّايَات ويحفه عَسْكَر من بكباشات ثمَّ يتَّصل بِهَذَيْنِ العسكرين الدخلة الْعَظِيمَة الْمُؤَلّفَة من البياك والسلاق وبلبدروش فتسير الْفرق الثَّلَاث أَمَام الْمَنْصُور صُفُوفا مُتَسَاوِيَة فَأَما البياك فيلون ركابه يحفونَ بِهِ يَمِينا وَشمَالًا وَيرْفَع بِالْبَعْضِ رماحه اليزنية المنصوبة أَمَامه وَمِنْهُم صَاحب المظل الْمَرْفُوع على رَأسه كالغمامة يحملهُ حَالَة ركُوبه أقربهم دَرَجَة لقائدهم أبرويز وَإِذا مَشى الْمَنْصُور إِلَى جَامع الْمَنْصُور من جِهَة قُبُور الْأَشْرَاف أَو للمشتهى وَهُوَ الرَّوْض الْمُتَّصِل بقصر البديع على رجلَيْهِ حمله أبرويز بِنَفسِهِ ثمَّ يسير عَن يمينهم وشمالهم السلاق ويسير عَن
стр. 1025
يَمِين هَؤُلَاءِ وشمالهم بلبدروش أهل اللقاقيف وتتكيف من الْجَمِيع صُورَة تزرع الرعب فِي الْقُلُوب وتسير الجنائب فِيمَا بَين سماطي هَذِه الدخلة مجنوبة صفا صفا إِلَى ألوية عَسَاكِر النَّار ومنبعث حبالها الممدودة يَقُودهَا صنف يدعونَ السراجة ركبانا وَكَانَت جنائب الْخُلَفَاء يَقُودهَا الرجل من الوزعة وَهَذَا أكمل مزية وجيش الإصباحية الَّذِي إِلَى نظر بيلارباي يَنْقَسِم كتيبتين عظيمتين تسير إِحْدَاهمَا ذَات الْيَمين وَالْأُخْرَى ذَات الشمَال أَمَام الموكب الَّذِي يرفع اللِّوَاء الْعَظِيم الْأَبْيَض الْمَدْعُو باللواء الْمَنْصُور عَلامَة على شعار الدولة على رَأس الْمَنْصُور يسامته من خَلفه وَهُنَاكَ ألوية كَثِيرَة ذَات ألوان مُخْتَلفَة وأمامه الطبل الْعَظِيم الَّذِي يسمع دويه من مَسَافَة بعيدَة وَمن خَلفه الطبول الْأُخَر مَعهَا الغيطات واحدتها غيطة يتَوَلَّى النفخ فِيهَا قوم من الْعَجم أساتيذ يتعلمونها فينفخون فِيهَا فتنبعث مِنْهَا أصوات وتلاحين لَا تحرّك الطباع وَلَا تبعثها على شَيْء دون الْحَرْب فَإِنَّهَا تشجع الجبان وتقوي جأش الْخَائِف حِكْمَة فيلسوفية وَهُنَاكَ مَزَامِير أخر وجعاب طوال صفرية على مِقْدَار النفير تسمى الطرنباط مِمَّا أحدثه أَيْضا فِي دولته وزادت بِهِ دولته فخامة وضخامة ثمَّ يردف هَذِه الألوية والآلات من خلف أَمِير الْمُؤمنِينَ موكبه الْعَظِيم فَهَذَا تَرْتِيب جَيش الْمَنْصُور انْتهى بِاخْتِصَار من كتاب مناهل الصَّفَا وَلَيْسَ اتِّخَاذ المظل مِمَّا أحدثته الدولة السعدية كَمَا زعم بَعضهم بل كَانَ ذَلِك مَوْجُودا فِي الدول الْقَدِيمَة شرقا وغربا
قَالَ اليفرني وَمَا ذكره الإِمَام الفشتالي من توافر أجناد الْمَنْصُور وتكاثر جيوشه هُوَ كَذَلِك وَقد أولعت الْعَامَّة فِي ذَلِك بأخبار واهية وَزَعَمُوا أَن الْمَنْصُور خرج مرّة إِلَى الرميلة بِظَاهِر مراكش وَلم تعلم أَصْحَابه بِخُرُوجِهِ فحين علمُوا بِخُرُوجِهِ تبعوه خفافا وثقالا فَأمر بعد مَا مَعَه هُنَالك من الْجَيْش فَوجدَ ثَمَانِينَ ألفا فَقَالَ يَا سُبْحَانَ الله قد خاطرنا بِأَنْفُسِنَا حَيْثُ ركبنَا فِي هَذَا الْعدَد يستقله وَلَا يخفى مَا فِي هَذَا الْكَلَام من الإفراط وَالَّذِي ذكره الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد أفقاي الأندلسي فِي كِتَابه الْمُسَمّى ب رحْلَة الشَّبَاب إِلَى لِقَاء الأحباب مَا مَعْنَاهُ قَالَ إِن جَزِيرَة الأندلس الَّتِي استردادها من أَيدي
стр. 1026
الْكفَّار سهل واسترجاعها مِنْهُم قريب لما دخلت مراكش فِي أَيَّام الْمَنْصُور وجدت عِنْده من الْخَيل نَحوا من سِتَّة وَعشْرين ألفا فَلَو تحركت همته لفتحها لاستولى عَلَيْهَا فِي الْحِين اه بِالْمَعْنَى اه كَلَام اليفرني
وَأما بَيَان حَالَة الْمَنْصُور فِي السّفر فقد قَالَ شَارِح زهرَة الشماريخ إِن الْمَنْصُور كَانَ قَلِيل الْأَسْفَار وَإِنَّمَا سَافر إِلَى فاس مرَّتَيْنِ لَا غير وَإِنَّمَا كَانَ متفرغا للذاته وَاسْتِيفَاء شهواته مُدَّة خِلَافَته قَالَ اليفرني وَبِه يعلم أَن مَا شاع على الْأَلْسِنَة من أَنه كَانَ يمْكث بفاس سِتَّة أشهر وبمراكش مثلهَا لَيْسَ بِصَحِيح وَالله أعلم
وَكَانَ الْمَنْصُور إِذا سَافر استعد غَايَة الاستعداد وَأحسن فِي التهيئة مَا شَاءَ قَالَ صَاحب النفحة المسكية كَانَ لَهُ قصر من عود مسمر بمسامير ومخاطيف وَحلق وصفائح مفضضة على هَيْئَة عَظِيمَة وَقد أحدق بذلك كُله سرادق كالسور من نَسِيج الْكَتَّان كَأَنَّهُ حديقة بُسْتَان وزخرفة بُنيان وَفِي دَاخل الْقصر الْمَذْكُور القباب الملونة بيضًا وسودا وحمرا وخضرا كَأَنَّهَا أزاهير الرياض قد نقش ذَلِك أحسن النقش ومليء بأبهى الْفرش وللسرادق الَّذِي هُوَ كالسور أَبْوَاب كَأَنَّهَا أَبْوَاب الْقُصُور المشيدة يدْخل مِنْهَا إِلَى دهاليز وتعاريج ثمَّ يَنْتَهِي مِنْهَا إِلَى الْقصر الَّذِي فِيهِ القباب وَهَذَا الْقصر كَأَنَّهُ مَدِينَة تنْتَقل بانتقاله وَهُوَ من الأبهات الملوكية الَّتِي لم يُوجد مثلهَا عِنْد الْمُلُوك الماضين اه
وَمِمَّا يتَعَلَّق بِهِ مَا حَكَاهُ أَبُو فَارس الفشتالي فِي المناهل قَالَ خرج الْمَنْصُور يَوْم الِاثْنَيْنِ عَاشر شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة لزيارة أضرحة الصَّالِحين بأغمات قَالَ فتأخرت وَرَاءه فلحقني الْمولى عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الشريف وَأَنا فِي أخريات النَّاس فأنشده
(أَبَا فَارس بَان الخليط وودعوا ... )
فَقلت
(وولوا وَحسن الصَّبْر مني شيعوا ... )
فَقَالَ
(وغرد حادي الْبَين وانشقت الْعَصَا ... وَكَاد فُؤَادِي للنوى يتقطع)
стр. 1027
فَقلت
(إِلَى الله أَشْكُو فرقة مِنْهُم وَقد ... تجرعت من كأس النَّوَى مَا تجرعوا)
ثمَّ زِدْت
(لَئِن شرد السلوان عني بعدهمْ ... فَفِي صُحْبَة الْمَنْصُور أنسي أجمع)
ثمَّ قَالَ
(تَدور عَلَيْهِ هَالة لقبابه ... ومركزها قصر الْخلَافَة يلمع)
فَقلت
(سياج بِهِ بَحر الندى متموج ... وَمن أفقه شمس الْإِمَامَة تطلع)
وَكَانَ الْمَنْصُور خرج لزيارة أغمات فِي شارة حَسَنَة فَلَمَّا بلغ أغمات مكث فِيهِ يَوْمَيْنِ وَفِي الثَّالِث نَهَضَ إِلَى زِيَارَة الإِمَام أبي عبد الله الهزميري وعاج على ضريح الشَّيْخ سَيِّدي عبد الْجَلِيل ووقف عِنْد الْجَبانَة الْكُبْرَى فَدَعَا مَا تيَسّر وَفرق أمولا على ذَوي الْحَاجَات على يَد القَاضِي الشابطي والفقيه الْأمين أبي الْحسن عَليّ بن سُلَيْمَان الثاملي وَكَانَ مَعَه الْفَقِيه القَاضِي أَبُو مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الْحميدِي كَانَ قد استقدمه من فاس برسم الْقِرَاءَة مَعَه وَكَانَ الْحميدِي لوذعيا خَفِيف الرّوح وَفِي هَذِه السفرة صدرت مِنْهُ الأبيات الَّتِي تبارى فِي معارضتها شعراء الدولة وَقد ذكرهَا فِي النزهة فَلْتنْظرْ هُنَالك
وَمِمَّا يتَعَلَّق بأخبار الْحميدِي الْمَذْكُور أَن الْمَنْصُور سَافر مرّة إِلَى تارودانت وَمَعَهُ جمَاعَة من الْأَعْيَان كَالْقَاضِي الْحميدِي وَأبي الْعَبَّاس المنجور وَغَيرهمَا فخيم الْمَنْصُور بِبَاب تارودانت وَضرب النَّاس أخبيتهم فَمر رجل عَلَيْهِ أطمار بالية وهيئة رثَّة وَيُقَال إِن هَذَا الرجل هُوَ أَبُو عُثْمَان الْهِلَالِي الروداني فوطئ على طُنب من أطناب خباء القَاضِي الْحميدِي فصاح القَاضِي من هَذِه الْبَقَرَة الَّتِي قوضت على خَيْمَتي متهكما بِالرجلِ فَألْقى إِلَيْهِ الرجل قرطاسا فِيهِ أَبْيَات وَقَالَ الْبَقَرَة من لَا يُجيب عَن هَذِه وَنَصّ الأبيات
(إِلَى بابك العالي مسَائِل ترتقي ... تفطن لَهُنَّ يَا حميدي واصدق)
(فَمَا الحكم فِي الأوزاغ هَل سَاغَ أكلهَا ... وَمَا الحكم فِي موتى المجانين فانطق)
стр. 1028
(وَهل جَازَ للمسبوق بعد تشهد ... دُعَاء إِذا مَا رام إِكْمَال مَا بَقِي)
(وَمَا وزن لَيْسَ يَا أديب وَأَصله ... وَمَا جمع قلَّة لصاع فحقق)
(وَمَا وَزنه شمر ولاتن وائتنا ... بِجمع سَوَاء والمقيد أطلق)
(وَبَين لنا من فِي أعوذ بربنا ... من إِبْلِيس والتخمين فِي الْكل فَاتق)
فَبَدَا للحميدي مَا لم يكن يحْتَسب وَتوقف عَن الْجَواب فَرفعت الْقَضِيَّة إِلَى الْمَنْصُور فاستغربها وَقَالَ هَذَا رجل من أهل الْبَادِيَة فَضَح قَاضِي قُضَاة الحواضر وَأمر المنجور فَأجَاب عَنْهَا يُقَال بعد أَربع سِنِين وَبعد موت السَّائِل وَنَصّ الْجَواب
(جوابك فِي الأولى إِبَاحَة أكلهَا ... بمذهبنا فأجزم بِذَاكَ وَصدق)
(كَذَا ابْن حبيب فِي الخشاش أَبَاحَهُ ... لمحتاجه مثل العقارب فاسبق)
(وَقد قيل فِي الأوزاغ يحرم أكلهَا ... وَذَلِكَ فِي الْكَافِي ليوسف فَاتق)
(ومستقذر يَحْكِي الْمُخَالف مَنعه ... وَأنْكرهُ التَّنْبِيه فَافْهَم ودقق)
(وَرجح مَا يَحْكِي الْمُخَالف بعض من ... لَهُ الْعزو للتحقيق لَا للتشدق)
(وميت مَجْنُون جرى خلف حكمه ... بِعلم كَلَام لَا تكن غير متق)
(وتحقيقها إِن الْجُنُون الَّذِي طرا ... يصير كموت فصل الْحق يعبق)
(فآونة بعد الْبلُوغ طروه ... وحينا يرى قبل الْبلُوغ فطبق)
(وآونة إِثْر الصّلاح وُقُوعه ... وحينا بعصيان الْكَبِيرَة يلتقي)
(وحينا يَدُوم للممات وَتارَة ... يفِيق فَخذ حكم الْجَمِيع ووثق)
(وَينْدب للمسبوق دَعْوَى تشهد ... وفَاق إِمَام فِي الْمُنَاجَاة فارتق)
(وَلَيْسَ لَهُ فعل كقال وَأَصله ... بِكَسْر لياء فاكسر الْعين ترتق)
(وجمعك صَاعا فِي الْقَلِيل بأصوع ... وأصؤع بهمز الْوَاو فانهج ونمق)
(وَإِن شِئْت فاقلبه فَيرجع آصعا ... لضابط تصريف فللعلم شوق)
(وَصَاع كعام عينه فرع ضمة ... وتحريكه فتح فزنه وحقق)
(وَجمع سَوَاء فَالَّذِي مِنْهُ جامد ... يأسوية علم يُقَاس فَفرق)
(ومشتقه وزن الْخَطَايَا قِيَاسه ... سواسية ثقل فبالحق فانطق)
(ومقصد من فِي العوذ بَدْء لغاية ... فإبليس مبدأ العوذ عِنْد الْمُوفق)
стр. 1029
انْتِقَاض ولي الْعَهْد مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَأْمُون على أَبِيه الْمَنْصُور وَمَا آل إِلَيْهِ أمره فِي ذَلِك
كَانَ الْمَأْمُون كَمَا تقدم ولي عهد أَبِيه الْمَنْصُور وَكَانَ خَلِيفَته على فاس وأعمالها سَائِر مُدَّة أَبِيه وَكَانَ للمنصور اعتناء تَامّ بِهِ واهتمام بِشَأْنِهِ حَتَّى قيل إِن الْمَنْصُور كَانَ لَا يخْتم على صندوق من صناديق المَال إِلَّا قَالَ جعل الله فَتحه على يَد الشَّيْخ رَجَاء أَن يقوم بِالْأَمر بعده فَلم يساعد الْقدر وَخرج الْأَمر كَمَا قَالَ الْقَائِل
(مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُ ... تجْرِي الرِّيَاح بِمَا لَا تشْتَهي السفن)
فأساء الْمَأْمُون السِّيرَة وأضر بالرعية
قَالَ اليفرني وَكَانَ فسيقا خَبِيث الطوية مُولَعا بالعبث بالصبيان مدمنا للخمر سفاكا للدماء غير مكترث بِأُمُور الدّين من الصَّلَاة وشرائطها وَلما ظهر فَسَاده وَبَان للنَّاس عواره نَهَاهُ وَزِير أَبِيه الْقَائِد أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم السفياني عَن سوء فعله فَلم ينْتَه وَاسْتمرّ على قبح سيرته فَأَعَادَ عَلَيْهِ اللوم فلح فِي مذْهبه وَلما أَكثر عَلَيْهِ من التقريع سقَاهُ السم فَكَانَ فِيهِ حتف الْقَائِد الْمَذْكُور وَمِمَّا أنكر عَلَيْهِ أَنه قبض على كَاتب أَبِيه أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن عِيسَى وَهُوَ مؤلف كتاب الْمَمْدُود وَالْمَقْصُود من سناء السُّلْطَان الْمَنْصُور ووظف عَلَيْهِ أَمْوَالًا وابتزه ذخائره حَتَّى كَانَ مِمَّا أَخذ مِنْهُ ثَمَانُون حسكة مذهبَة وَمِائَة تخت من الملف الْمُخْتَلف الألوان فَلَمَّا كثرت قبائحه وترددت الشكايات لِأَبِيهِ كتب إِلَيْهِ لينكف عَن غيه وينزجر عَن خبثه فَمَا زَاده التحذير إِلَّا إغراء فَلَمَّا رأى الْمَنْصُور أَنه لم يكترث بأَمْره وَلم ينزجر عَن قبائحه عزم على التَّوَجُّه إِلَى فاس بِقصد أَن يمكر بِهِ ويؤدبه بِمَا يكون رادعا لَهُ فَسمع الشَّيْخ بذلك فَجمع عساكره وهيأ جنده وَدفع الْمُرَتّب لأَصْحَابه وَكَانَ عدد جَيْشه فِيمَا قيل اثْنَيْنِ وَعشْرين ألفا كلهم بكساوى الملف وَالْحَرِير
стр. 1030
على أحسن شارة وأكمل زِيّ وعزم أَنه إِن بلغه خُرُوج أَبِيه من مراكش أَن يتَوَجَّه فِي أَصْحَابه إِلَى تلمسان ويستجير بِالتّرْكِ فَلَمَّا بلغ الْمَنْصُور مَا عزم عَلَيْهِ الشَّيْخ من الذّهاب إِلَى تلمسان تخلف عَن الْخُرُوج من مراكش وَكتب إِلَى الشَّيْخ يلاطفه ويأمره أَن لَا يفعل وولاه سجلماسة ودرعة وتخلى لَهُ عَن خراجهما وَقَالَ لَهُ قد سوغتكه وَلَا أطالبك فِيهِ وَمرَاده بذلك أَن تسكن نفرته وَيرجع إِلَيْهِ عقله فأظهر الشَّيْخ امْتِثَال الْأَمر وَخرج يؤم سجلماسة فَمَا انْفَصل عَن فاس بِشَيْء يسير حَتَّى نَدم وَرجع إِلَيْهَا وَعَاد لما كَانَ عاكفا عَلَيْهِ فَبعث إِلَيْهِ الْمَنْصُور أَعْيَان مراكش وعلمائها فنصحوه ووعظوه وخوفوه سخط وَالِده وَحَذرُوهُ عَاقِبَة العقوق وَلم يألوا جهدا فِي نصحه فوجوده مَشْغُول الْقلب عَن نصيحتهم مغمور الذِّهْن بِخِلَاف قَوْلهم إِلَّا أَنه أظهر الرُّجُوع عَمَّا كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ من الْفِرَار عَن أَبِيه وأقصر فِي الظَّاهِر عَن بعض تِلْكَ الْمسَاوِي فَرجع الْوَفْد إِلَى الْمَنْصُور وَقَالُوا لَهُ إِنَّه قد تَابَ وَحسنت حَاله واطمأنت نَفسه وَأَنه وَاقِف عِنْد الْأَمر وَالنَّهْي فَلم يطمئن الْمَنْصُور لقَولهم وَقَالَ لَهُم لَعَلَّ هَذَا إطفاء لنار الشحناء وَكذب لإِصْلَاح الْبَاطِن وصمم على الْمَكْر بالشيخ فَكتب إِلَيْهِ كتابا طَويلا يلومه فِيهِ على بعض الْأَشْيَاء وَفِي ضمن ذَلِك تسكين خاطره حَتَّى يبغته على حِين غَفلَة وَنَصّ الْكتاب
من عبد الله تَعَالَى الْمُجَاهِد فِي سَبيله الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الشريف الحسني أيد الله أوامره وظفر عساكره إِلَى ولدنَا وَولي عهدنا الْأَمِير الْأَجَل الْأَفْضَل الْأَكْمَل الْأَعَز بَابا الشَّيْخ وصل الله كمالكم وسنى من خير الدَّاريْنِ آمالكم وَسَلام عَلَيْكُم ورحمه الله أما بعد فكتابنا هَذَا إِلَيْكُم من حَضْرَة مراكش حاطها الله وَلَا جَدِيد إِلَّا مَا عوده مَوْلَانَا من الْخَيْر لله الْحَمد وَله الْمِنَّة هَذَا وَالَّذِي أوجبه أسعدكم الله وكلاكم أَنه بلغنَا أَنكُمْ قد استخدمتم هُنَاكُم جمَاعَة من أَوْلَاد طَلْحَة كأولاد أخي عَليّ بن مُحَمَّد وَأخي عَليّ بن مُلُوك وَغير هَؤُلَاءِ وَأَنَّك قد فرضت لَهُم فِي أعطياتهم نَحْو خَمْسَة آلَاف وَإِلَى هَذَا أَي مصلحَة ظَهرت لَك فِي اسْتِخْدَام هَؤُلَاءِ الْقَوْم حَتَّى تتحمل كلفة فرض هَذِه الْفُرُوض بل مَا
стр. 1031
فِي ذَلِك إِلَّا الْفساد الْبَين لِأَن هَذَا الَّذِي تعرضتم لَهُ لَا يَفِي بِهِ الْمغرب وَلَا يقوم مَعَه بكم شَيْء وَمَسْأَلَة هَؤُلَاءِ أَوْلَاد طَلْحَة إِن كنت رَأَيْت استخدامنا وَأَرَدْت تقليدنا فِي ذَلِك واقتفاء سيرتنا فِيهِ فَاعْلَم أَن بَيْننَا وَبَيْنكُم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فرقا من وُجُوه مِنْهَا إِن مراكش لَيست كفاس وَإِن خدمتهم هُنَا لبعدهم عَن بِلَادهمْ لَيست كخدمتهم هُنَاكَ وَأَيْضًا هَؤُلَاءِ النَّاس أَنا أعرفهم وَكنت فِي بِلَادهمْ وَهَذِه الْخدمَة كَانُوا قد طلبوها مني وَأَنا هُنَاكَ فوعدتهم إِذْ لَا يمكنني وَأَنا ببلادهم إِلَّا مساعفتهم فَلَمَّا جاؤوا الْيَوْم وطالبونا بالوعد لم يُمكن إِلَّا الْوَفَاء لَهُم بِهِ فَعَلَيهِ شرطنا عَلَيْهِم مراكش وسكناها وعَلى هَذَا الشَّرْط استخدمناهم وَمَعَ هَذِه الْوُجُوه كلهَا والاعتبارات فقد نَدِمت وَالله على استخدامهم غَايَة الندامة وَكنت فِي ذَلِك على خطأ إِذا كَانَ الأولى إِن كُنَّا حاسناهم وتركناهم فِي الْخدمَة وَأما أَنْت فَفِي مندوحة عَن هَذَا كُله لِأَنَّهُ لَا وعد لَك سَابق حَتَّى يلزمك الْوَفَاء بِهِ ويمكنك أَن تحيلهم على إذننا ومشورتنا فنكفهم عَنْك بِالشّرطِ الَّذِي شرطنا عَلَيْهِم من الْخدمَة هُنَا بمراكش وسكناها وعَلى هَذَا الشَّرْط استخدمنا مِنْهُم من استخدمنا وَإِلَى هَذَا فَالَّذِي نؤكد بِهِ عَلَيْك أَن تنقصهم من الْخدمَة وَلَا تستخدم مِنْهُم حَتَّى فَارِسًا وَاحِدًا أصلا من الَّذين ذكرنَا لَك وَمن غَيرهم من كَافَّة أَوْلَاد طَلْحَة وأمرناك أَن تتنصل لَهُم فِينَا وَتقول لَهُم إِن السُّلْطَان مَنَعَنِي من استخدامكم هُنَا وتقرأ عَلَيْهِم كتَابنَا الْوَاصِل إِلَيْكُم صُحْبَة هَذَا لتتفادى مِنْهُم وَلَكِن الْجفَاء مَعَ هَذَا كُله لَا تظهره بل تحسن اللِّقَاء بهم وتواليهم بِإِظْهَار الْبشر وَالْقَبُول وَبَاب الطمع تسده دونهم
وَالَّذِي شقّ علينا أعظم من هَذَا كُله واستنكرناه وَلم نجد صبرا عَلَيْهِ هُوَ مَا وجدناهم قد اطلعوا عَلَيْهِ أَعنِي أَوْلَاد طَلْحَة عَليّ بن مُحَمَّد وَغَيره من أحوالكم وأخباركم وألفيناهم قد توصلوا من ذَلِك إِلَى مَا لم يتَوَصَّل إِلَيْهِ أحد من كبار خدامكم أهل بِلَادنَا وخواص أهل بساطنا لِأَن أهل بِلَادنَا أحباء مَا لَهُم بحث إِلَّا فِي مصَالح أنفسهم هَؤُلَاءِ إِنَّمَا ينتقدون ويبحثون عَن الْغرَّة وعورات المملكة فَإِذا بكم تتخذونهم بطانة وأصدقاء وتطالعونهم بأحوالكم
стр. 1032
وأموركم مَعَ أَن الْقَوْم لَا زَالُوا بِبِلَاد الْعَدو وَبَين أظهرهم وَمَا يطلعون عَلَيْهِ تحْتَاج تقطع وتجزم بِأَن التّرْك قد اطلعوا عَلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ شاهدوه ووقفوا بِأَنْفسِهِم عَلَيْهِ وَأَيْضًا لَو كَانُوا أصدقاء وَلَا يُرِيدُونَ بِنَا إِلَّا خيرا فالقوم عرب لَا يتحفظون على مَا يطلعون عَلَيْهِ وَلَا يفهمون مَا يحسن إخفاؤه وَلَا إبداؤه وَلَا يتمالكون قولا وَلَا نطقا وَبِالْجُمْلَةِ فقد أَحْرَقَتْنَا هَذِه الْمَسْأَلَة وتفطرت لَهَا أكبادنا وَصَارَت قُلُوبنَا مِنْهَا مطعونة وَمَا عنْدكُمْ علم بِأَن النَّاس كَانُوا يتحفظون فِي أقل الْأُمُور أَن يطلع عَلَيْهَا الْأَجَانِب وَإِن كَانُوا أحب من كل محب وَأقرب من كل قريب وَهل مَا عنْدكُمْ علم بِأَنا أخانا بَابا مَنْصُور كَانَ عرض لَهُ غَرَض ضَعِيف جدا أَرَادَ أَن يَطْلُبهُ من أخينا بَابا عبد الله وَحضر فِي الْمجْلس مَنْصُور بن المزوار فَلم يرد بَابا مَنْصُور لفطنته أَن يذكر ذَلِك حَتَّى يشاور من بإزائه لِئَلَّا يكون عيب فِي ذكر ذَلِك بمحضره فَعَلَيهِ شاور الْقَائِد دحو بن فرج كَانَ بإزائه فَقَالَ لَهُ هَذَا رجل براني فَلَا تطلب شَيْئا قدامه على أَن مَنْصُور بن المزوار هَذَا كَانَ مَعَ أسلافنا من أقرب مَا إِلَيْهِم من خَواص الخدام أهل بساطنا محبَّة وقربا لِأَنَّهُ أسلف مَعَهم خدمَة عَظِيمَة فقد كَانَ عدوا للترك وَبَينه وَبينهمْ أَرْوَاح وَحضر مَعَ أخينا بَاب حمو الحران جَمِيع مَا كَانَ فِي تِلْكَ الْبِلَاد أَيَّام استيلائه على الْمغرب الْأَوْسَط ثمَّ مَعَ بَابا عبد الْقَادِر كَذَلِك وَشرب مَعَهم الحلوة والمرة وَلما جَاءَ من تلمسان جَاءَ بأولاده مِنْهَا راحلا كَمَا جَاءَ مِنْهَا بَابا عبد الله بأولاده وكما جَاءَ مَعَهم خدامنا أهل تِلْكَ الْبِلَاد وَمَا زَالَ على الْخدمَة وَالْوَفَاء حَتَّى حصلت لَهُ يَد عَظِيمَة مَعَ أسلافنا وناهيك بِمن بلغ إِلَى أَن قلدوه حَاضِرَة تازا ثمَّ بِلَاد الفحص الَّتِي لَا تُعْطى كلتاهما إِلَّا لأَقْرَب الخدام الموثوق بمحبتهم وَخدمَتهمْ وقربهم وَمَعَ بُلُوغه إِلَى هَذَا الْمبلغ كُله محبَّة وصداقة وهجرة وانقطاعا حَتَّى انه فِي دُخُول صَالح رَئِيس مَدِينَة فاس رَحل بأولاده مَعَ السُّلْطَان إِلَى هُنَا كَمَا فعل أهل هَذِه الْبِلَاد وَحين دَخَلنَا نَحن من جِهَة الشرق لفاس رحلوا أَيْضا مَعَ صَاحب الْجَبَل إِلَى مراكش وَلَا يعدوا أنفسهم من هَذَا الْجَانِب أبدا فِي الحَدِيث الْقَدِيم ثمَّ إِن النَّاس استبعدوا أَن يطلبوا أقل الْمسَائِل بمحضره وَقَالُوا إِنَّه
стр. 1033
براني فضلا عَن هَؤُلَاءِ الَّذين مَا زَالُوا إِلَى الْيَوْم فِي بِلَاد الْعَدو يباكرونه ويراوحونه فَإِذا بكم تَنْزِلُونَ مَعَهم إِلَى أَن تطالعوهم على أُمُوركُم ويتوصلوا إِلَى الْمعرفَة بأحوالكم فَمَا تمالكنا لهَذِهِ الْمَسْأَلَة وَلَا وجدنَا عَلَيْهَا صبرا وَمن جملَة الْأُمُور الَّتِي غاظتنا وَقُلْنَا كَيفَ يتَوَصَّل الرجل البراني إِلَى أَمْثَال هَذِه الْأُمُور أَن عَليّ بن مُحَمَّد كَانَ يتَكَلَّم يَوْمًا مَعنا وَأخذ يثني عَلَيْكُم فِي نجدتكم وصبركم عِنْد الشدَّة وسخائكم عِنْد الْحَاجة ثمَّ قَالَ إِلَّا أَن الْخَيل لَيست عِنْده لَا فِي الْحَرَكَة الأولى وَلَا فِي الثَّانِيَة لِأَن الْقَبَائِل أهل الْخَيل امْتَنعُوا من الْحَرَكَة مَعَه وَهِي الَّتِي غاظتني وَقلت كَيفَ يتَوَصَّل الرجل البراني إِلَى أَمْثَال هَذِه الْأُمُور حَتَّى أننا مَا وجدنَا إِلَّا الرَّد عَلَيْهِ وَعكس مَا عرفنَا أَنهم اعتقدوه وَقُلْنَا اللَّهُمَّ نِسْبَة التَّقْصِير إِلَيْكُم وَلَا اعْتِقَادهم خلو الْبِلَاد من الْخَيل لأننا فهمنا مِنْهُم ذَلِك وَلِهَذَا أَجَبْته وَقلت لَهُ إِن ولدنَا لم يعطهم شَيْئا وَأعْطى من لَا يسْتَحق من ضعفاء القواد المعروفين بِأَكْل المَال وَعدم المخزنية وَلَو أعْطى تِلْكَ الْقَبَائِل لحشرها عَلَيْهِ لِأَن أَوْلَاد مُطَاع عِنْدهم من الْخَيل نَحْو الثَّلَاثَة آلَاف وَعند أَوْلَاد أبي عَزِيز نَحْو ألف وَنصف وَعند الغربية وَعند أَوْلَاد عمرَان وَعند عَبدة وَعند الشياظمة وَعند أَوْلَاد أبي رَأس وَعند أَحْمَر وَعند المنابهة أهل سايس وَعند المنابهة أَصْحَاب عمر بن مُحَمَّد عبو وَجعلت أعدد لَهُ قبائل السوس وقبائل مراكش وأحصي لَهُ خيلهم بِمَا بَهته وَقلت لَهُ لَو أنصفهم لحرك مِنْهُم مَعَه سِتَّة عشر ألفا أَو أَكثر وَيكون قد مَلأ بهم تِلْكَ الْبِلَاد وسال عَلَيْهَا من سيل العرم لَا فِي الْحَرَكَة لأولى وَلَا فِي الثَّانِيَة وَلَو وَجه إِلَيْهِم المحركين وَالرُّمَاة لأتوه أَيْضا بِلَا خلاص وَإِلَى هَذَا نوصيكم على الْمُحَافظَة من أُولَئِكَ النَّاس وَمن رفع الْحجاب لَهُم عَن أُمُوركُم والاطلاع على أحوالكم وَعدم الْغَفْلَة عَن أَمْثَال هَذَا وَاعْلَم أَن من جملَة مَا بلغنَا أَيْضا أَن الْخَلْط رجعُوا كلهم رُمَاة على يَد مصطفى باشا مَعَ حَدِيث عَهدهم بِالْفَسَادِ وَالْخلاف وَكُنَّا انتشبنا مَعَهم بالعودات فَإِذا بهم الْيَوْم بالمدافع وعدة النَّار وَهل هَذَا يجوز عَلَيْكُم حَتَّى تسمحوا فِيهِ مَعَ أَن هَذِه الْمسَائِل لَيست بغائبة عَنْكُم سمعتموها بِالسَّمَاعِ فَقَط وَلَا طَوِيلَة عهد حَتَّى
стр. 1034
تنساها بالْأَمْس شاهدت وباشرت وَرَأَيْت فَمَا الَّذِي أنساك فعلهم وَمَا زَالَ جرحهم الْآن لم يبرأ لِأَن خُرُوج الْقَائِد مُؤمن الْخَارِج الْآن مَا كَانَ إِلَّا إِلَيْهِم والآن نؤكد عَلَيْك أَن تنقصهم من الْخدمَة وَلَا تسمع لمصطفى فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَقد سمعنَا أَيْضا أَن قواد الْفساد الَّذين عنْدكُمْ من أَوْلَاد حُسَيْن قد صَارَت جُمْلَتهمْ من بَاب الْخَمِيس إِلَى دَار الدبيبغ وكأنكم نسيتم أَيْضا مَا عمل أَوْلَاد حُسَيْن بالْأَمْس دون بعد من النهب وأضرموا من الْفساد فِي الْبِلَاد حَتَّى ينزلُوا تِلْكَ الْمنَازل وَإِلَى هَذَا فساعة وَصله إِلَيْكُم تقبض على قواد الْفساد هَؤُلَاءِ خُصُوصا أَحْمد بن عبد الْحق من أَوْلَاد يحيى بن غَانِم الَّذِي كَانَ أَبوهُ حاجبا عِنْد المريني فَهُوَ أصل الْفساد ثمَّ لَا تتْرك لقبائلهم جنَاحا وَاحِدًا وزد للقائد مُؤمن بن مُلُوك ألف رام ليستوفي لكم الْغَرَض فِي هَؤُلَاءِ وأمثالهم من كل مَا تَأمره بِهِ لِأَن بَقَاء الرُّمَاة هُنَالك مَا فِيهِ إِلَّا الِاشْتِغَال بِالْفَسَادِ فِي الْمَدِينَة فتحتاج أَن تتولاهم بِالْقَتْلِ كل يَوْم بَاطِلا فَكَانَ خُرُوجهمْ إِذْ ذَاك دفعا لمضرتهم وجلبا للْمصَالح بهم وَحَتَّى الْكَاتِب اللَّائِق بأمثالكم ورسائلكم لم يكن عنْدكُمْ لِأَن كتبكم تَأتي بِخَط سَالم وَهُوَ غير عَارِف بالإنشاء وَتارَة بِخَط الكريني وَهُوَ جَاهِل مَعَ أَنَّك لما كنت خليفتنا وَولي عهدنا كنت بصدد أَن يكْتب لَك كل أحد لَا صَاحب الجزائر وَلَا صَاحب تونس وَحَتَّى صَاحب التّرْك وَصَاحب النَّصَارَى وكل من يكْتب لنا من مُلُوك الأَرْض بصدد أَن يكْتب لَك فتحتاج حِينَئِذٍ إِلَى من يحسن الْجَواب عَنْك لكل من يكْتب إِلَيْك وَيكون أَيْضا مِمَّن يوثق بِهِ فِي الْمُحَافظَة على أسراركم وَإِلَى هَذَا فَلَا بُد من تعْيين قَائِد الْمحلة وحاجب وَكَاتب سرك وَصَاحب مشورك وَصَاحب الْمَظَالِم كَمَا هُنَا هُوَ عندنَا السَّيِّد عَليّ بن سُلَيْمَان وَاعْلَم أَن مِمَّا تحْتَاج أَن ننبهك عَلَيْهِ مَسْأَلَة القواد الَّذين يُرِيدُونَ أَن يحملوك أثقال أَوْلَادهم مثل مَا فعلت فِي أَوْلَاد الْقَائِد بركَة وإخوتهم الَّذين استخدمتهم وَجعلت لَهُم خَمْسمِائَة أُوقِيَّة فنؤكد عَلَيْك أَن لَا تستخدم مِنْهُم أحدا فَمَا أعطيناه سلا إِلَّا ليرْفَع فِيهَا أَوْلَاده وَإِخْوَته وَكَذَلِكَ
стр. 1035
الحكم فِي أَمْثَاله مِمَّن أعطيناه عملا وقلدناه قيادة وَمن جملَة من نحذرك من استخدامهم فِي الرماية أهل الْجبَال من أهل الصحفة وَالدِّينَار فَلَا تستخدموا مِنْهُم أحدا وَإِلَّا فاعلموا أَنكُمْ مَا أردتم حِينَئِذٍ أَن يغرموا لكم وَلَا يعطوكم شَيْئا وَإِن أردتم الْخدمَة فهاهم أهل هَذِه الْبِلَاد مثل أهل السوس وَأهل درعة وَأهل مراكش فَكل مَا تستخدمون من هَؤُلَاءِ فَلَا عَلَيْكُم وَإِذا لم يكن من هَؤُلَاءِ وَكَانَ ولابد من غَيرهم فَمن أهل فاس سكان الْحَاضِرَة وَأما من عداهم فَلَا على أَن الرُّمَاة أهل السوس هَا هِيَ عندنَا كَثِيرَة فَكل مَا تُرِيدُ مِنْهُم عرفنَا نبعثهم إِلَيْك ونضيفهم إِلَى خدمتك ونؤكد عَلَيْك أَن تكْتب بِجَوَاب هَذِه الْأُمُور كلهَا فصلا فصلا مَعَ الْمَمْلُوك الْحَامِل لهَذَا الْكتاب إِن شَاءَ الله ولابد ولابد وَهَذَا مُوجبه إِلَيْكُم وَالله يحرس بمنه علاكم وَالسَّلَام وَفِي مهل جُمَادَى الأولى من عَام أحد عشر وَألف اه
ثمَّ لم يلبث الْمَنْصُور أَن بعث إِلَى وَلَده زَيْدَانَ وَكَانَ خَلِيفَته على تادلا يَأْمُرهُ أَن يُرْسل مائَة من الفرسان على طَرِيق تاقبلات وكل من وجوده قَاصِدا للغرب من نَاحيَة مراكش يردونه وَأرْسل مَوْلَاهُ مَسْعُود الدوري على طَرِيق سلا يفعل مثل ذَلِك وَخرج الْمَنْصُور من مراكش فِي اثْنَي عشر ألفا أَوَائِل جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى عشرَة وَألف وجد السّير فَلم يمض إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى نزل بالدوح مَوضِع قريب من فاس وَالشَّيْخ فِي جَمِيع ذَلِك لَا شُعُور لَهُ بِخُرُوج أَبِيه وَلَا بِمَا هُوَ عَلَيْهِ فَبعث يَوْمًا عيونه يرصدون لَهُ من قدم من مراكش ويكشفون عَن الْخَبَر فَمَا راعهم إِلَّا الأباطح تسيل بأعناق الْجِيَاد وأفواه الشعاب تقذف بالجيوش من بطُون الأودية والوهاد لأَنهم كَانُوا قد عميت عَلَيْهِم الأنباء بِقطع الْمَنْصُور للسابلة فَرَجَعُوا إِلَى الشَّيْخ مُسْرِعين والرعب يفت فِي أعضادهم ويطفئ جذوة عزائمهم فقصوا عَلَيْهِ مَا دهمهم وَأَخْبرُوهُ بِمَا رَأَوْا فَعلم أَنه محاط بِهِ فَلم يُمكنهُ إِلَّا الْفِرَار فَركب من حِينه وفر إِلَى زَاوِيَة الشَّيْخ الصَّالح أبي الشتَاء من بِلَاد فشتالة قرب نهر ورغة وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو الشتَاء قد توفّي قبل ذَلِك سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة كَمَا فِي
стр. 1036
الْمرْآة فَنزل بالزاوية وَمَعَهُ بطانته وَأَصْحَاب دَخلته من الْأَحْدَاث وقرناء السوء فَبلغ خَبره الْمَنْصُور فَبعث إِلَيْهِ الباشا جؤذرا مَعَ الْقَائِد مَنْصُور النبيلي وَحلف لَهما بأغلظ الْأَيْمَان إِن لم يأتياه بِهِ ليمكرن بهما ويجعلهما عِبْرَة فذهبا إِلَيْهِ فَامْتنعَ من الدُّخُول فِي يدهما وانعزل فِي أَصْحَابه حَتَّى ناوشوه الْقِتَال وتراموا بالنبال ثمَّ قبضوا عَلَيْهِ وَأتوا بِهِ إِلَى الْمَنْصُور فِي خبر طَوِيل فَأمر بِهِ إِلَى مكناسة فسجن بهَا
وَدخل الْمَنْصُور دَار الْملك من حَضْرَة فاس الْجَدِيد وشكر الله على مَا أولاه من الظفر والنصر من غير إِرَاقَة دم وَتصدق فِي ذَلِك بأموال عَظِيمَة وَكتب بذلك إِلَى وَلَده أبي فَارس خَلِيفَته على مراكش يُعلمهُ بِمَا كَيفَ الله لَهُ من الظفر والنصر وَنَصّ الْكتاب
إِلَى ولدنَا الْأَجَل الأرضى الْأَكْمَل الأسعد الأصعد الأمجد الأسمى الْأَسْنَى بَابا أبي فَارس وصل الله كمالكم وسنى بمنه آمالكم وَسَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَبعد فكتابنا هَذَا إِلَيْكُم أسعدكم الله من محلتنا السعيدة بالمستقى وَلَا شَيْء إِلَّا مَا جرت بِهِ الأقدار وَحكم بِهِ الْفَاعِل الْمُخْتَار وَمَا جَاءَ بِهِ من عجائب الدَّهْر اللَّيْل وَالنَّهَار وَهِي قَضِيَّة أخيكم الَّتِي ثارت إِلَيّ بهَا صروف الدَّهْر من مكمني وطلعت عَليّ من مأمني إِلَّا أَن الله تَعَالَى بصنعه الْجَمِيل كفانا أَولا ثمَّ شفانا آخرا لله الْحَمد دَائِما وَالشُّكْر واظبا وَشرح ذَلِك أسعدكم الله ووقاكم السوء إِن الْحَال كَانَ انْتهى فِي معالجة أمره الَّذِي تجاوزنا فِي وُجُوه الْخَيْر إِلَيْهِ حد الاستقصا وأتينا فِي محاولة استصلاحه من أَحْوَال السياسة المرجوة النجح بِمَا لَا يُحْصى إِلَى مَا كُنَّا سوغناه من ولَايَة سجلماسة بخراجها وخراج درعة وأبحنا لَهُ التَّوَجُّه إِلَيْهَا بجملته وَجمعه رَجَاء أَن تسكن بالانتباذ إِلَيْهِمَا نفرته وتطمئن نَفسه ويثوب إِلَيْهِ قلبه الطَّائِر ويراجعه أنسه الحائر فأظهر أَولا التَّوَجُّه إِلَيْهِمَا ونهض مرتحلا عَن فاس موريا بالقدوم عَلَيْهِمَا ثمَّ بدا لَهُ على الْحِين فكر رَاجعا إِلَى فاس ورجونا أَن يكون قد ذهب عَنهُ النفار والشماس وثاب لنَفسِهِ السّكُون والاستئناس فَإِذا بِهِ قد انطوى بِرُجُوعِهِ على خلاف مَا أظهر فأبدى مَا أضمر فَمَا كَانَ إِلَّا أَن
стр. 1037
طَرَأَ عَلَيْهِ خبر نزولنا بالدوح فَلم يَتَمَالَك أَن أقلع لَيْلَة الْخَمِيس خَامِس عشر شهر تَارِيخه إقلاعا أزعجه من الدَّار فريدا وطارت بِهِ النفرة إِلَى أَن حل بزاوية الشَّيْخ أبي الشتَاء وحيدا فتلاحق بِهِ من جَيش رماته اليكشارية ومتفرقة سماسرة الْفِتَن وطلائع الشؤم والمحن جمع عَظِيم وَعدد من كثرته لَا يريم فبادرت حِينَئِذٍ بتجهيز جؤذر باشا من غير إغفال فِي خَمْسمِائَة صبائحية وَمَعَهُ الْقَائِد مُؤمن بن مُلُوك فِي خَمْسمِائَة فَارس ثمَّ أردفناه ببعوث أخر تألبت إِلَيْهِ وتناثلت عَلَيْهِ تناهز الْأَلفَيْنِ ورماة بَابا زَيْدَانَ حفظه الله فأحدقت بِهِ من كل الْجِهَات وملكوا عَلَيْهِ الفجاج والثنيات وَنحن مَعَ ذَلِك خلال هَذِه الْأَحْوَال لم نهمل مُقَابلَة نفرته بالتسكين وَمَا يخشن من أَحْوَاله بالتليين بإرسال المرابطين تجاهه بمواثيق تهنيه وعهود تؤنسه وتقرب أمانيه رَجَاء أَن يثوب إِلَيْهِ ثائب استبصار أَو يخْطر لَهُ خاطر إقلاع عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ وإقصار وقرناء السوء المتلاحقون بِهِ من جَيْشه يقدحون للشر نَارا ويزينون لَهُ عقوقا ونفارا فدهمتهم حِينَئِذٍ عساكرنا المظفرة بِاللَّه فِي مَصَافهمْ دونه ودارت بَين الْفَرِيقَيْنِ حَرْب عَظِيمَة فخمدت النَّار من وَقت الظّهْر إِلَى الْعَصْر فأظهر الله تَعَالَى فِئَة الْحق على فِئَة الْبَاطِل وَقضى بِمَا جرى بِهِ الْقَضَاء المحتوم الحكم الْعَادِل وكتبناه إِلَيْكُم وَقد حصل فِي القبضة كَمَا سبق بِهِ الْقَضَاء وَالْقدر وَجعل بمَكَان الِاحْتِيَاط عَلَيْهِ من مكناسة فَكَانَت مَشِيئَة الله فِي ذَلِك من إِحْدَى الْعَجَائِب العبر وعرفناكم أسعدكم الله لتستشعروا صنع الله فِي هَذِه الداهية الَّتِي فَجئْت بهَا الْأَيَّام ودهمت والغاشية الَّتِي اعتكرت وادلهمت وتقدروا مَا صنع الله فِي ذَلِك من حسن الْعَاقِبَة حق قدره وتشكروه فَهُوَ الجدير بجميل حمد كل لِسَان وشكره ونسأله تَعَالَى أَن يجعلكم فِي حيّز الْكِفَايَة وجانب الْوِقَايَة حَتَّى لَا تساؤوا بقريب مَأْمُون وَلَا بِبَعِيد مظنون وَفِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء الموفي عشْرين من جُمَادَى الأولى عَام أحد عشر وَألف اه
ثمَّ إِن أم الشَّيْخ وَاسْمهَا الخيزران بعثت إِلَى أَعْيَان مراكش الَّذين قدمُوا مَعَ الْمَنْصُور ترغب إِلَيْهِم فِي أَن يشفعوا لولدها عِنْد أَبِيه ويعتذروا عَنهُ بِمَا يزِيل مَا فِي بَاطِنه عَلَيْهِ فتقدموا إِلَى الْمَنْصُور وَقَالُوا لَهُ إِن الشَّيْخ قد
стр. 1038
صلحت حَالَته وَتَابَ مِمَّا كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ وَأَنه نَدم على مَا فرط مِنْهُ فَقَالَ لَهُم اذْهَبُوا إِلَى مكناسة واختبروا أمره كَافِيا وانظروا هَل رَجَعَ عَن أباطيله وتنصل من أضاليله فَلَمَّا أَتَوْهُ وجدوه أَخبث مِمَّا تَرَكُوهُ وعاينوا مِنْهُ من القبائح مَا يقصر عَن وَصفه اللِّسَان فَلَمَّا جَلَسُوا إِلَيْهِ فِي محبسه لم يسألهم إِلَّا عَن أَصْحَاب بطانته وقرناء السوء من أهل غيه وَلم يظْهر الأسف إِلَّا على تِلْكَ الْعِصَابَة ورآهم أهل الْإِصَابَة
وَكَانَ من الْأَعْيَان الَّذين وجههم الْمَنْصُور أَولا وآخرا أَوْلَاد الشَّيْخ أبي عَمْرو القسطلي وَأَوْلَاد الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الله بن ساسي وَأَوْلَاد الشَّيْخ أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن بكار وَغَيرهم فَلَمَّا رجعُوا إِلَى الْمَنْصُور من مكناسة سَأَلَهُمْ عَن الْخَبَر فَنَافَقَ بَعضهم وَقَالَ وَجَدْنَاهُ تَائِبًا نَادِما على مَا صدر مِنْهُ وَتكلم بعض أَولا د الشَّيْخ ابْن ساسي فَقَالَ لَا وَالله لَا داهنت فِي حق الله وَلَا واجهت الْأَمِير بالخديعة إِن ولدك لَا نَأْذَن لَك أَن تؤمره على اثْنَيْنِ وَلَا تحكمه على عِيَال الله فَإنَّا وَجَدْنَاهُ خَبِيث الطوية قَبِيح السريرة لم ينْدَم على مَا فرط مِنْهُ فَسكت الْحَاضِرُونَ وَلم يتَكَلَّم أحد فَقَالَ لَهُم الْمَنْصُور افتوني فِي أَمر هَذَا الْوَلَد فَلم يجبهُ أحد إِلَّا باشاه عبد الْعَزِيز بن سعيد الوزكيتي فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ الرَّأْي أَن تقتله فَإِنَّهُ لَا ينجبر أمره وَلَا يُرْجَى صَلَاحه وَقد رَأَيْت مَا صنع فَلم يعجب الْمَنْصُور ذَلِك وَقَالَ كَيفَ أقتل وَلَدي ثمَّ بعث إِلَى مكناسة يَأْمر بالتضييق على الشَّيْخ وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ فِي ذَلِك ثمَّ خرج الْمَنْصُور فَنزل بمحلته فِي ظهر الزاوية قَاصِدا مراكش بعد أَن اسْتخْلف ابْنه زَيْدَانَ على فاس وأعمالها وَقد كَانَ كتب إِلَى وَلَده أبي فَارس خَلِيفَته على مراكش برسالة أَجَابَهُ فِيهَا عَمَّا كتب بِهِ إِلَيْهِ فِي شَأْن الوباء الَّذِي ظهر بالسوس ومراكش هَل يفر مِنْهُ أم لَا وَنَصهَا
من عبد الله تَعَالَى الْمُجَاهِد فِي سَبيله الإِمَام الْخَلِيفَة الْمَنْصُور بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ الشريف الحسني أيد الله بعزيز نَصره أوامره وظفر عساكره وأسعد بمنه موارده ومصادره إِلَى ولدنَا الْأَجَل الْأَفْضَل الْأَكْمَل الْأَعَز الأبر الأسعد الأمجد الأرضى بَابا أبي فَارس وصل الله تَعَالَى عنايتكم
стр. 1039
ووالى بمنه رعايتكم وَسَلام عَلَيْكُم ورحمه الله أما بعد فكتابنا هَذَا إِلَيْكُم من حضرتنا الْعَالِيَة بِاللَّه الْمَدِينَة الْبَيْضَاء حاطها الله عَن الْخَيْر والعافية وَنعم الله المتوافية لله الْحَمد وَله الْمِنَّة وَأَنه اتَّصل بعلي مقامنا كتابكُمْ الْأَعَز عَشِيَّة يَوْم الثُّلَاثَاء فكتبنا إِلَيْكُم صَبِيحَة يَوْم الْأَرْبَعَاء وَلَوْلَا أَنه وصل يَوْم الدِّيوَان مَا كُنَّا نؤخر كتب الْجَواب لكم عَن سَاعَة وُصُوله فِي الْيَوْم بِنَفسِهِ حرصا منا بذلك على الْمُبَادرَة بوصوله إِلَيْكُم فِي الْحِين وَإِلَى هَذَا أسعدكم الله أَن أول مَا تبادرون بِهِ قبل كل شَيْء هُوَ خروجكم إِذا لَاحَ لكم شَيْء من عَلَامَات الوباء وَلَو أقل الْقَلِيل حَتَّى بشخص وَاحِد وَيبقى فِي القصبة وصيفنا مَسْعُود مَعَ الْقَائِد مُحَمَّد بن مُوسَى بن أبي بكر وتتركوا مائَة رام تثقون بهَا من رماتكم مَعَ أَصْحَاب السقيف وتتكلون على الله وتخرجون بالسلامة ثمَّ لَا تعملوا كعملنا فِي الِاقْتِصَار على الرميلة والتقلب بهَا بل لَا تَزِيدُوا إِذا خَرجْتُمْ على الْمقَام أَكثر من يَوْمَيْنِ ثمَّ اطووا المراحل إِلَى أَن تنزلوا بسلا وتدخلوها دُخُول هناء وعافية إِن شَاءَ الله وَهُنَاكَ يكون لقاؤنا بكم لِقَاء يمن وسعادة إِن شَاءَ الله ثمَّ لَا تغفلوا عَن اسْتِعْمَال الترياق أسعدكم الله فلازموه وَإِذا استشعرتم مِنْهُ حرارة وتخوفتموها فاستعملوا من الْوَزْن الْوَصْف الْمَعْرُوف مِنْهُ وَلَا تهملوه وَأما ولدك حفظه الله فَلَمَّا كَانَ من سنّ الشبيبة بِحَيْثُ مَنعه الْحَال من المداومة على الترياق فها هِيَ الشربة الْمَعْرُوفَة النافعة لذَلِك قد تركناها كَثِيرَة هُنَاكُم عِنْد التّونسِيّ فَيكون يستعملها هُوَ وَالْأَبْنَاء الصغار المحفوظون بِاللَّه حَتَّى إِذا أحس بِبرد الْمعدة من أجلهَا تعطوه الترياق الْمرة والمرتين على قدر الْحَاجة فَيَعُود إِلَيْهَا وَالله تَعَالَى بمنه وبحرمة صفوة خلقه خير الْبشر مُحَمَّد ﷺ يتَوَلَّى حمايتكم جَمِيعًا ويحلكم من جميل كلاءته ورعايته حصنا منيعا وَأَن يعافي الْبِلَاد والعباد بمنه وفضله والسلعة أسعدكم الله تبادرون بإرسالها إِلَيْنَا وَكَذَلِكَ الْقَائِد مَسْعُود النبيلي تعزمون بإرساله إِلَى حَيْثُ أمرناه بالْمقَام من خنق الْوَادي بالسوس وَطَرِيق تاحظيشت وَاعْلَم أسعدكم الله مَا قطّ أرضانا أَن أمرهَا يتم وَقبل عقلنا الْكَرِيم إِن أهل درن يتجرون بِسَبَبِهَا وَلَكِن هَذَا سَبَب يكون حجَّة عَلَيْهِم إِن شَاءَ الله وَأَنْتُم
стр. 1040
تحاولون أسعدكم الله سلوك النَّاس على بويباون على الْعَادة وتجهدوا فِي أَن تكون إِن شَاءَ الله سابلة وأولائكم أَعنِي أهل طَرِيق تاحظيشت يسكت عَنْهُم حَتَّى نصل بِخَير وعافية لتلكم الْبِلَاد إِن شَاءَ الله وَمَسْأَلَة أيسي الَّتِي كتبت لكم من خنق الْوَادي على الزَّرْع وَأَنه مَا عِنْدهم مَا يكفيهم مِنْهُ سوى شهر فَلَقَد كُنَّا كتبنَا لكم أسعدكم الله على حمل الزَّرْع إِلَيْهِم على الْبَحْر فَإِن كَانَ قد تيَسّر ذَلِك فَيكون قد بلغ إِلَيْهِم وَإِن لم يكن ذَلِك قد تيَسّر فلتأمر أيسي هَذَا بِالتَّدْبِيرِ على الزَّرْع وَلَو بِالشِّرَاءِ وألزموه عهدته وشددوا عَلَيْهِ فِي أمره وخالنا الْقَائِد حمو بن مُحَمَّد الَّذِي استأذنكم فِي الْخُرُوج عَن ذَلِكُم الْمَرَض من المحمدية فَإِذا تفاحش فَلَا عَلَيْهِ فِي الْخُرُوج ويلتحق بِأَهْل تِلْكَ الْمحلة بخنق الْوَادي وَيتْرك فِي القصبة أهل الأندلس مَعَ قائدهم وَمَسْأَلَة مُؤمن بن مَنْصُور مَعَ هكسيمة الَّتِي ذكرْتُمْ أسعدكم الله إِن مُؤمنا قد تثاقل بدمنات بِسَبَب مرض ألم بِهِ حَتَّى جَاءَ بِهِ شاوش وَإِن أَخَاهُ ذَلِكُم المفسود بعث إِلَيْهِ يلتقي مَعَه بتامصلوحت فعلى بركَة الله والحاضر بَصِيرَة وَهَذَا مُوجبه إِلَيْكُم وَالله يصل بمنه رعايتكم وَالسَّلَام وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشر رَمَضَان الْمُعظم عَام أحد عشر وَألف عرفنَا الله خَيره وبركته وَبعد أَن كتبنَا لكم هَذَا بلغنَا كتابكُمْ وَنحن نجيبكم عَمَّا تحتاجون إِلَى الْجَواب عَنهُ والبطاقة الَّتِي ترد عَلَيْكُم من السوس من عِنْد الْحَاكِم أَو ولد خالكم أَو غَيرهمَا لَا تقْرَأ وَلَا تدخل دَارا بل تُعْطى لكاتبكم هُوَ يتَوَلَّى قرَاءَتهَا ويعرفكم مضمنها وَلأَجل إِن كاتبكم يدْخل مجلسكم ويلابس مقامكم حَتَّى هُوَ لَا يفتحها إِلَّا بعد أَن تغمس فِي خل ثَقِيف وتنشر حَتَّى تيبس وَحِينَئِذٍ يقْرؤهَا ويعرفكم بمضمنها إِذْ لَيْسَ يأتيكم من السوس وَالله سُبْحَانَهُ أعلم مَا يُوجب الكتمان عَن مثل كتابكُمْ وَقد طالعنا كتاب ولد خالكم أَحْمد بن مُحَمَّد بن الصَّغِير وَصَحَّ عندنَا من فحوى كَلَامه مَا ذكرْتُمْ عَنهُ من أَنه أَكثر من خبر الوباء ليجده ذَرِيعَة لِلْخُرُوجِ من السوس
стр. 1041
وَالَّذِي تأمرونه بِهِ أَنكُمْ تحذرونه من الْقدوم عَلَيْكُم بمراكش وَإِن ذَلِك لَا يرضينا مِنْهُ وَكَيف يروم الْخُرُوج من مَوضِع عَيناهُ لَهُ من غير أمرنَا لَا سِيمَا مَعَ غيبتنا عَن الْبِلَاد وَأَنه إِن فعل ذَلِك لَا محَالة تسْقط مَنْزِلَته عندنَا ثمَّ لَا يعود أبدا إِلَيْهَا إِلَّا أَن تفاحش الْمَرَض بتلكم النَّاحِيَة فَلَا عَلَيْهِ فِي الْخُرُوج والتنقل قرب الْبِلَاد أَو يلْتَحق بمحلة أَصْحَابه الَّذين بخنق الْوَادي وَأما مَا ذكرْتُمْ عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الوردي فقد طالعنا الجريدة الَّتِي جرد لكم وتصفحناها ورأينا أَن جلّ مَا يَطْلُبهُ بهَا لَا يُمكن مَعَ غيبتنا وَالَّذِي نأمركم بِهِ فِي مَسْأَلته أَنكُمْ تحاولون فِي رده لموضعه فَإِنَّهُ بذلك الْموضع أليق من أَخِيه بِكَثِير وكل مَا يمكنكم من أغراضه المسطرة فاقضوه لَهُ وَمَا لَا يُمكن عدوه بِهِ عِنْد قدومنا إِن شَاءَ الله وَأما أَمر أخي أَحْمد بن الْحسن الَّذِي عَيناهُ لجباية درعة وذكرتم أَنه غير لَائِق بهَا وأنكم استصغرتموه عَن تِلْكَ العمالة فَلَا شكّ أَنه كَمَا ذكرْتُمْ وَلَكِن إِنَّمَا وَقع الِاخْتِيَار عَلَيْهِ لأمرين الأول الذِّمَّة لِأَنَّهُ بِمَالِه وَلَا نخشى إِن شَاءَ الله على مالنا الثَّانِي إِن خراج درعة سهل مَعْلُوم وَلَعَلَّه يكره هَذِه الْولَايَة وَيُحب الْجُلُوس بداره ويغري من يتَكَلَّم فِيهِ عنْدكُمْ فَإِن كَانَ من ذكره لكم مثل مَسْعُود أوتاودي فاتهمه وَقد طالعنا فِي جريدتكم أَنكُمْ وجهتم مَعَ زرع المعاصر مائَة رام وَهَذَا الَّذِي ذكرْتُمْ مَا نعلم أَنا كتبنَا لكم عَلَيْهِ قطّ وَإِنَّمَا كتبنَا لكم على الزَّرْع تحملونه فِي الْبَحْر برسم الْمحلة الَّتِي هُنَاكُم بخنق الْوَادي فَإِن كَانَ هُوَ هَذَا فَنحْن أردناه للمحلة وَإِن كَانَ غَيره فَعرفنَا بقضيته فَإِن زرع المعاصر إِنَّمَا يلْزم الْيَهُود وَالنَّصَارَى المكثرين للمعاصر وفيهَا أَيْضا مَا أخْبركُم بِهِ أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى بِخَبَر مَا سقط من القنطرة وَإِنَّكُمْ عنفتموه على عدم الْمُبَادرَة وَقد أشكل علينا الْأَمر لأنكم لم تعرفوا مقامنا بالساقط هَل هُوَ من الْقَدِيم أَو من هَذَا الْإِصْلَاح الَّذِي أمرنَا بِهِ فَعرفنَا لنكون على بَصِيرَة من ذَلِك وفيهَا أَيْضا مَسْأَلَة أَوْلَاد طَلْحَة فدبروا عَلَيْهِم إِمَّا من عِنْد أيسي أَو غَيره حَتَّى لَا يرجعُونَ إِلَيْنَا شاكين وَولد إِبْرَاهِيم بن الْحداد إِلَى الْآن لم يصل وزمام الأسرى وصل وَأما الدراقة الَّتِي ذكرْتُمْ فها السلتة الْمعدة لَهَا عِنْد صَاحب بَيت ثيابنا فَوجه ليوسف العَبْد حَتَّى تكَلمه
стр. 1042
ومره يُخرجهَا من عِنْده وركبها فِي موضعهَا وَلَا تركب الَّتِي عنْدكُمْ بل تمسكونها لأنفسكم وَاعْلَم أَنِّي تركت عِنْد أُولَئِكَ المعلمين أَعنِي معلمي بركاضو سلاتي برسم ابنتنا العزيزة طَاهِرَة صانها الله وكلاها وَحَيْثُ يفرغون من الدراقة اجمعهم عَلَيْهَا كي نجد ذَلِك طالعا إِن شَاءَ الله فَإنَّا قد أمرنَا بنسج درارق تلكم السلاتي هَذَا وَالْمرَاد أَن تَجِد السلاتي قد فرغ مِنْهَا إِن شَاءَ الله وَقصر الْخَيل مَعَ الْحمام حرض المعلمين على الْمُبَادرَة باشتغالهما بهما وحاول أَن تسقفوا ذَلِك البلاط الَّذِي يوالي سور القصبة من قصر الْخَيل والقبة الَّتِي فِيهِ لنجده كَامِلا إِن شَاءَ الله عِنْد قدومنا عَلَيْكُم وَحَتَّى سواري الرخام رَكبُوهَا فِي تِلْكَ الْجِهَة إِذا سقفتم وَلَا تزالوا تعرفونا بِمَا تزايد من الأشغال فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَذْكُورين وأوصيكم أعزكم الله أَن تتفقدوا فرسنا الْأَحْمَر الصَّغِير وَلَا تتركوهم يعطونه القصيل لِئَلَّا يكثر لَحْمه ويزداد ألمه بل انْظُر لَهُ من يركبه كل يَوْم بل لَا تنْزع السرج بِالْكُلِّيَّةِ عَن ظَهره بَيَاض النَّهَار كُله أَو أَعْطوهُ لصَاحب المسرة يركبه فِي ذَهَابه وإيابه لداره والمسرة وأوصوه أَن لَا يركبه غَيره وَلَا ينزل عَن ظَهره النَّهَار كُله وأوصيكم أَيْضا إِذا ظهر الْمَرَض بتلكم النَّاحِيَة وخرجتم خُرُوج يمن وسلامة بحول الله وقوته أَن لَا تتركوا وراءكم بنت عمكم وَالِدَة ولدنَا الْعَزِيز بَابا عبد الْملك حفظه الله وامر يُوسُف العَبْد أَن يخرج لكم من عِنْد صَاحب بَيت الثِّيَاب الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ من الترياق الْجَدِيد الَّذِي كَانَ بقبة المشور وَيدخل على أَيْدِيكُم لدارنا واستدعوا أم المَال قهرمانة الدَّار وأعطها إِيَّاه برسم أهل دَارنَا وأمرها أَن تعطيهم إِيَّاه فِي كل رَابِع من الْيَوْم الَّذِي يَأْكُلُونَهُ فِيهِ وَهِي أَيْضا تَأْكُل مِنْهُ وَالْعَبْد يُوسُف أَيْضا يَأْكُل مِنْهُ وَحَتَّى صَاحب السقيف أَعْطوهُ مِنْهُ أَعنِي مَسْعُود بن مبارك وَالله سُبْحَانَهُ يرعاكم ويتولى حفظكم أَنْتُم وَأَوْلَادكُمْ وَقد استودعناكم الله الَّذِي لَا تضيع لَدَيْهِ الودائع وَأَنْتُم فِي أَمَان الله وَحفظه وَالله سُبْحَانَهُ خليفتي عَلَيْكُم أَنْتُم فِي يَمِين الرَّحْمَن وكلتا يَدَيْهِ يَمِين وَالسَّلَام الأتم
стр. 1043
عَائِد عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته ونسلم على ولدنَا الْأَعَز الأرضى بَابا عبد الْملك وعَلى ابنتنا الرضية سيدة الْملك وَنحن فِي غَايَة الاشتياق والتوحش لَهَا جمع الله بكم الشمل جَمِيعًا آمين بِحرْمَة سيدنَا مُحَمَّد ﷺ وعَلى آله خير آل وَالسَّلَام اه
قَالَ مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ قد وَقع فِي كَلَام الْمَنْصُور ﵀ أَمْرَانِ يحتاجان إِلَى التَّنْبِيه عَلَيْهِمَا الأول إِذْنه لوَلَده أبي فَارس فِي الْخُرُوج من مراكش إِذا ظهر بهَا أثر الوباء وَلَو شَيْئا يَسِيرا وَهَذَا الْأَمر مَحْظُور فِي الشَّرْع كَمَا هُوَ مَعْلُوم ومصرح بِهِ فِي الْأَحَادِيث وَالثَّانِي أمره إِيَّاه أَن لَا يقْرَأ البطائق الْوَارِدَة عَلَيْهِ من السوس وَإِنَّمَا يتَوَلَّى قرَاءَتهَا كَاتبه بعد أَن تغمس فِي الْحل وَهَذَا عمل من أَعمال الفرنج وَمن يسْلك طريقهم فِي تحفظهم من الوباء الْمُسَمّى عِنْدهم بالكرنتينة وَقد اتّفق لي فِيهَا كَلَام أذكرهُ هُنَا تتميما للفائدة وَذَلِكَ أَنه لما كَانَت سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف عرض لنا سفر إِلَى حَضْرَة السُّلْطَان الْمولى أبي عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد الشريف أيده الله بمراكش المحروسة بِاللَّه فخرجنا من سلا أَوَاخِر ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة ومررنا فِي طريقنا على الْمُحب الْقَائِد الأنبل أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الجراري بثغر الجديدة وَهُوَ يَوْمئِذٍ متول لعملها فأجل قدومنا على عَادَته حفظه الله فِي محبَّة الْعلم وَمن ينتمي إِلَيْهِ وَحضر مَعنا عِنْده بعض فُقَهَاء الْوَقْت وَكَانَت السّنة سنة وباء فجرت المذاكرة فِيمَا يَسْتَعْمِلهُ النَّصَارَى فِي أَمر الكرنتينة من حبس الْمُسَافِرين وشذاذ الْآفَاق عَن الْمُرُور بالسبل وَالدُّخُول إِلَى الْأَمْصَار والقرى وَمنع النَّاس من مرافقهم وَأَسْبَاب معاشهم وَحصل التَّوَقُّف تِلْكَ السَّاعَة فِي حكمهَا الشَّرْعِيّ مَاذَا يكون لَو أجريت على قَوَاعِد الْفِقْه ثمَّ بعد ذَلِك بِنَحْوِ ثَلَاثَة أشهر وقفت على رحْلَة الْعَلامَة الشَّيْخ رِفَاعَة الطهطاوي الْمصْرِيّ فِي أَخْبَار باريز فرأيته ذكر فِي صدرها أَنه وَقعت المحاورة بَين الْعَلامَة الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد المناعي التّونسِيّ الْمَالِكِي الْمدرس بِجَامِع الزيتونة ومفتي الْحَنَفِيَّة بهَا الْعَلامَة الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد البيرم فِي إِبَاحَة الكرنتينة وحظرها فَقَالَ الْمَالِكِي بحرمتها وَألف فِي ذَلِك
стр. 1044
رِسَالَة واعتماده فِي الِاسْتِدْلَال فِيهَا على أَن الكرنتينة من جملَة الْفِرَار من الْقَضَاء وَقَالَ الْحَنَفِيّ بإباحتها وَاسْتدلَّ على ذَلِك من الْكتاب وَالسّنة أَيْضا فَلَمَّا وقفت على هَذَا الْكَلَام تجدّد لي النّظر فِي حكم هَذِه الكرنتينة وَظهر لي أَن القَوْل بإباحتها أَو حرمتهَا مَنْظُور فِيهِ إِلَى مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من مصلحَة ومفسدة وَلَو مُرْسلَة على مَا هُوَ الْمَعْرُوف من مَذْهَب مَالك ﵀ ثمَّ يوازن بَينهمَا وأيتهما رجحت على الْأُخْرَى عمل عَلَيْهَا فَإِن استوتا كَانَ دَرْء الْمفْسدَة مقدما على جلب الْمصلحَة كَمَا هُوَ مَعْلُوم فِي أصُول الْفِقْه وَنحن إِذا أمعنا النّظر فِي هَذِه الكرنتينة وجدناها تشْتَمل على مصلحَة وعَلى مفْسدَة أما الْمصلحَة فَهِيَ سَلامَة أهل الْبَلَد المستعملين لَهَا من ضَرَر الوباء وَهَذِه الْمصلحَة كَمَا ترى غير مُحَققَة بل وَلَا مظنونة لِأَنَّهُ لَيست السَّلامَة مقرونة بهَا كَمَا يَزْعمُونَ وَأَنه مهما استعملها أهل قطر أَو بلد إِلَّا ويسلمون لَا دَائِما وَلَا غَالِبا بل الْكثير أَو الْأَكْثَر أَنهم يستعملونها ويبالغون فِي إِقَامَة قوانينها ثمَّ يصيبهم مَا فروا مِنْهُ كَمَا هُوَ مشَاهد وَمن زعم أَن السَّلامَة مقرونة بِهَذَا دَائِما أَو غَالِبا فَعَلَيهِ الْبَيَان إِذْ الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي فنتج من هَذَا أَن مصلحَة الكرنتينة مشكوكة أَو مَعْدُومَة وَإِذا كَانَت كَذَلِك فَلَا يلْتَفت إِلَيْهَا شرعا بل وَلَا طبعا لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ من قبيل الْعَبَث وَأما الْمفْسدَة فَهِيَ دنيوية ودينية أما الدُّنْيَوِيَّة فَهِيَ الْإِضْرَار بالتجار وَسَائِر الْمُسَافِرين إِلَى الأقطار بحبسهم وتسويقهم عَن أغراضهم وتعطيل مرافقهم على أبلغ الْوُجُوه وأقبحها كَمَا هُوَ مَعْلُوم وَأما الدِّينِيَّة فَهِيَ تشويش عقائد عوام الْمُؤمنِينَ والقدح فِي توكلهم وإيهام أَن ذَلِك دَافع لقَضَاء الله تَعَالَى وَعَاصِم مِنْهُ وناهيك بهما مفسدتين محققتين ترتكبان لشَيْء يكون أَو لَا يكون فَإِن الْعَامَّة لقُصُور أفهامهم قد تذْهب أوهامهم مَعَ هَذِه الظَّوَاهِر فيقفون مَعهَا ويقعون فِي ورطة ضعف الْإِيمَان عياذا بِاللَّه فَإِن قلت هَذَا الْكَلَام فِيهِ ميل إِلَى سوء الظَّن بالعامة وهم جُمْهُور الْأمة قلت لَيْسَ فِيهِ ميل إِلَى سوء الظَّن بهم وَإِنَّمَا فِيهِ تَقْرِير الْخَوْف عَلَيْهِم وَالِاحْتِيَاط لَهُم حَتَّى لَا نتركهم هملا يَفْعَلُونَ مَا شاؤوا أَو يفعل بهم مَا يضرهم فِي دينهم ودنياهم مَعَ أَن سد الذريعة قَاعِدَة من قَوَاعِد الشَّرْع لَا سِيمَا فِي الْمَذْهَب
стр. 1045
الْمَالِكِي ولأمر مَا جَاءَت الشَّرِيعَة المطهرة ممتلئة من التحذيرات من مكامن هَذِه الْمَفَاسِد وَنَحْوهَا ورد الْأَسْبَاب والمسببات كلهَا إِلَى الله تَعَالَى مَعَ مَا فِي اسْتِعْمَال هَذِه الكرنتينة مَعَ الِاقْتِدَاء بالأعاجم والتزيي بزِي الْكَفَرَة الضلال ورمقهم بِعَين التَّعْظِيم ونسبتهم إِلَى الْإِصَابَة وَالْحكمَة كَمَا قد يُصَرح بِهِ الحمقى من الْعَوام فَأَما إِذا وَافق قدر بالسلامة عِنْد اسْتِعْمَالهَا فَهِيَ الْفِتْنَة وَالْعِيَاذ بِاللَّه فَأَي مفْسدَة أقبح من هَذِه فَالْحَاصِل أَن الكرنتينة اشْتَمَلت على مفاسد كل مِنْهَا مُحَقّق فَتعين القَوْل بحرمتها وجلب النُّصُوص الشاهدة لذَلِك من الشَّرِيعَة لَا تعوز الْبَصِير وَقد ذكر الْعَلامَة الْحَافِظ الْقُسْطَلَانِيّ فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء من الْجَامِع الصَّحِيح عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم إِن كَانَ بكم أَذَى من مطر أَو كُنْتُم مرضى أَن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركُمْ﴾ مَا نَصه دلّ على وجوب الحذر من جَمِيع المضار المظنونة وَمن ثمَّ علم أَن العلاج بالدواء والاحتراز عَن الوباء والتحرز عَن الْجُلُوس تَحت الْجِدَار المائل وَاجِب اه وَهُوَ يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ أَن الِاحْتِرَاز عَن الوباء وَاجِب بِأَيّ وَجه كَانَ وَلَا يخفى أَنه يتَعَيَّن تَقْيِيده بِالْوَجْهِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مفْسدَة شَرْعِيَّة كَعَدم الْقدوم على الأَرْض الَّتِي بهَا الوباء وَنَحْو ذَلِك مِمَّا وَردت بِهِ السّنة وَلَا تأباه قَوَاعِده الشَّرِيعَة كبعض العلاجات المستعملة فِي إبانة المنقولة عَن أَئِمَّة الطِّبّ أما بِالْوَجْهِ الَّذِي يشْتَمل على مفْسدَة أَو مفاسد كهذه الكرنتينة فَلَا هَذَا مَا تحرر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَالله أعلم
وَلما وقف على هَذَا الْكَلَام أخونا فِي الله الْعَلامَة الْأُسْتَاذ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الْهَاشِمِي ابْن خضراء السلاوي وَهُوَ الْيَوْم قَاضِي حَضْرَة مراكش كتب إِلَيّ مَا نَصه وَأما حكم الكرنتينه فَهُوَ مَا ذكرْتُمْ من الْحَظْر وَبِه أَقُول لما فِيهِ من الْفِرَار من الْقَضَاء مَعَ الْمَفَاسِد الْعَظِيمَة الَّتِي لَا تفي بهَا مصلحتها على فرض تحققها أَو غَلَبَة ظن حُصُولهَا سِيمَا وَقد انتفيا بعد التجربة المتكررة فِي الْجِهَات المتعددة وَلَا يُخَالف فِي هَذَا الحكم إِلَّا مكابر مُتبع للهوى فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال ثمَّ جلب حفظه الله من النُّصُوص مَا يشْهد لذَلِك تركناها اختصارا وَالله تَعَالَى الْمُوفق بمنه
стр. 1046
وَفَاة الْمَنْصُور ﵀
كَانَ الْمَنْصُور ﵀ بعد فَرَاغه من قَضِيَّة ابْنه الْمَأْمُون قد عزم على الرُّجُوع إِلَى مراكش فَلَمَّا بلغه ظُهُور الوباء بِتِلْكَ النَّاحِيَة تربص إِلَى أَن دخلت سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف فانتشر الوباء فِي بِلَاد الغرب أَيْضا فَكَانَ مصاب الْمَنْصُور بِهِ على مَا نذكرهُ
قَالَ صَاحب الأصليت وَهُوَ الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله السجلماسي الْمَعْرُوف بِأبي محلي كُنَّا نسْمع أَن السُّلْطَان الْمَنْصُور إِذا خرج من مراكش قَاصِدا مَدِينَة فاس لَا يرجع إِلَى مراكش وذاع هَذَا الْخَبَر فِي النَّاس قبل نُزُوله فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك ثمَّ لَا أَدْرِي من أَيْن للنَّاس بذلك هَل أنطقهم الله بِهِ أَو عَن علم تلقوهُ عَن أربابه وَكَأَنَّهُ الْأَشْبَه وَالله أعلم قَالَ وَمن هَذَا مَا ذكره بَعضهم أَيْضا لَكِن بعد الْوُقُوع وَالنُّزُول أَن دُخُول رايات أبي الْعَبَّاس الْمَنْصُور فِي حَيَاته للسودان واستيلاءه على سلطانها سكية فِي دَار إمارته كاغو مَعَ تنبكتو وأعمالها كل ذَلِك من أَمَارَات خُرُوج الإِمَام الْمهْدي الفاطمي وَكَذَلِكَ الوباء الْمُنْتَشِر فِي هَذِه الأعوام وَكَثْرَة الْهَرج والغلاء فِي سَائِر الْبِلَاد حَتَّى الْآن وَبَقِي من إمارات خُرُوجه فِيمَا نسْمع فتح وهران إِمَّا على يَده أَو بِإِذْنِهِ فِيمَا يَقُوله من لَا علم عِنْده بِحَقِيقَة الْأَمر اه
وَكَانَ ابْتِدَاء مرض الْمَنْصُور بمحلته خَارج فاس الْجَدِيد قرب سَيِّدي عميرَة يَوْم الْأَرْبَعَاء حادي عشر ربيع النَّبَوِيّ سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف وَدخل إِلَى دَاره بِالْمَدِينَةِ الْبَيْضَاء عَشِيَّة ذَلِك الْيَوْم واحتل بهَا بعد الْغُرُوب وَتُوفِّي هُنَالك لَيْلَة الِاثْنَيْنِ الموَالِي لتاريخه وَدفن بِإِزَاءِ مَقْصُورَة الْجَامِع الْأَعْظَم هُنَالك ضحوة يَوْم الِاثْنَيْنِ الْمَذْكُور وَحضر جنَازَته وَلَده زَيْدَانَ وَقدم للصَّلَاة مفتي فاس وخطيب جَامع الْقرَوِيين بهَا الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم الْقصار
قَالَ اليفرني كَانَت وَفَاة الْمَنْصُور بالوباء وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد
стр. 1047
الله بن يَعْقُوب السملالي فِي شَرحه لجامع شَامِل بهْرَام كَانَ بالمغرب وباء استطال بِهِ من سنة سبع إِلَى سنة سِتّ عشرَة وَألف وَعم سهل الْمغرب وجبله حَتَّى أفنى أَكثر الْخلق وَمَات بِهِ جمع من الْأَعْيَان وَبِه مَاتَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور ﵀ وَنَحْوه ذكره صَاحب الْفَوَائِد وَغَيره قَالَ اليفرني وَبِه تعلم مَا شاع على الْأَلْسِنَة من أَن الْمَنْصُور سمه وَلَده زَيْدَانَ بِإِشَارَة من أمه الشبانية فِي باكور أَوَائِل ظُهُوره وَقطع عَنهُ الْأَطِبَّاء إِلَى أَن هلك وَأَن الْمَنْصُور لما أحس بذلك قَالَ استعجلتها يَا زَيْدَانَ لَا هُنَاكَ الله بهَا أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ قَالُوا وبسبب ذَلِك لم تنصر لزيدان راية فَإِنَّهُ انهزم فِي زهاء سبع وَعشْرين معركة كُله كذب لَا أصل لَهُ لِأَن الْمَنْصُور طعن بالوباء وَلم يذكر أحد مِمَّن يوثق بِهِ مَا شاع على أَلْسِنَة الْعَامَّة وأضرابهم من الطّلبَة اه ثمَّ نقل الْمَنْصُور ﵀ بعد دَفنه إِلَى مراكش فَدفن بهَا فِي قُبُور الْأَشْرَاف قبلي جَامع الْمَنْصُور من القصبة وقبره هُنَالك شهير عَلَيْهِ بِنَاء حفيل وَمِمَّا نقش على رخامة قَبره هَذِه الأبيات
(هَذَا ضريح من غَدَتْ ... بِهِ الْمَعَالِي تفتخر)
(أَحْمد مَنْصُور اللوا ... لكل مجد مبتكر)
(يَا رَحْمَة الله اسرعي ... بِكُل نعمى تستمر)
(وباكري الرمس بِمَاء ... من رِضَاهُ منهمر)
(وطيبي ثراه من ... ندى كذكره الْعطر)
(وَافق تَارِيخ الْوَفَاة ... دون تفنيد ذكر)
(مقْعد صدق دَاره ... عِنْد مليك مقتدر)
стр. 1048
بَقِيَّة أَخْبَار الْمَنْصُور وَبَعض سيرته
كَانَ الْمَنْصُور ﵀ حسن السياسة حازما يقظا مشاورا فِي مهمات الْأُمُور وَكَانَ قد اتخذ يَوْم الْأَرْبَعَاء للمشورة وَسَماهُ يَوْم الدِّيوَان تَجْتَمِع فِيهِ وُجُوه الدولة ويتطارحون فِيهِ وُجُوه الرَّأْي فِيمَا يَنُوب من جلائل الْأُمُور وعظيم النَّوَازِل وهنالك يظْهر شكايته من لم يجد سَبِيلا للوصول إِلَى السُّلْطَان قَالُوا وَمن حزمه انه كَانَ متطلعا لأخبار النواحي بحاثا عَنْهَا غير متراخ فِي قِرَاءَة مَا يرد عَلَيْهِ من رسائل عماله وَلَا يبطئ بِالْجَوَابِ وَيَقُول كل شَيْء يقبل التَّأْخِير إِلَّا مجاوبة الْعمَّال عَن رسائلهم وَكَانَ الْكتاب لَا يفارقون مراكزهم إِلَّا فِي أَوْقَات مَخْصُوصَة
قَالَ الفشتالي وَلَقَد كُنَّا بِالْبَابِ يَوْمًا يَعْنِي معشر الْكتاب قبل أَن يخرج الْمَنْصُور فورد النذير على الْكَاتِب أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الفشتالي بِأَن ولدا لَهُ فِي النزع فَلم يملك نَفسه أَن ذهب إِلَى دَاره فَخرج الْمَنْصُور على أَثَره فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل إِنَّه ذهب إِلَى دَاره فاستشاط غَضبا وَبعث إِلَيْهِ فجيء بِهِ مزعجا وَمَا شككنا فِي عُقُوبَته فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ قَالَ لَهُ مَا الَّذِي ذهب بك فَذكر لَهُ أَمر وَلَده وَأَنه اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَض وَلم ينجع فِيهِ دَوَاء طَبِيب فرق لَهُ وَقَالَ إِن أمراض الصّبيان قَلما ينجع فِيهَا إِلَّا طب الْعَجَائِز وَلَا كعجائز دَارنَا فَابْعَثْ من يسألهن
وَمن حزمه أَنه اخترع أشكالا من الْخط على عدد حُرُوف المعجم وَكَانَ يكْتب بهَا فِيمَا يُرِيد أَن لَا يطلع عَلَيْهِ أحد يمزج فِيهَا الْخط الْمُتَعَارف فَيصير الْكتاب مغلقا فَإِذا سقط وَوَقع فِي يَد عَدو أَو غَيره لَا يدْرِي مَا فِيهِ وَلَا يعرف معنى مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ فَكَانَ إِذا جهز أحد أَوْلَاده نَاوَلَهُ خطا من تِلْكَ الخطوط يفك بهَا رسائله إِلَيْهِ وَيكْتب عنوانه كَذَلِك
وَمن ضَبطه أَنه تعلم الْخط المشرقي فَكَانَ يُكَاتب بِهِ عُلَمَاء الْمشرق كِتَابَة كأحسن مَا يُوجد فِي خطّ المشارقة وَمِمَّا وَقع لَهُ فِي ذَلِك أَنه بعث بطاقة
стр. 1049
بِخَط يَده على طَريقَة أهل الْمشرق لكَاتبه أبي عبد الله بن عِيسَى يَسْتَدْعِي مِنْهُ كتابا فَبَعثه ابْن عِيسَى إِلَيْهِ وَبعث مَعَه بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
(سقتني كؤس السرُور دهاقا ... خطوط أَتَتْنِي فِي مهرق)
(رَأَتْ كف أَحْمد فِي الغرب بحرا ... فَجَاءَت إِلَيْهِ من الْمشرق)
وَكَانَ الْمَنْصُور على مَا هُوَ عَلَيْهِ من ضخامة الْملك وسعة الْخراج يوظف على الرّعية أَمْوَالًا طائلة يلْزمهُم بأدائها وَزَاد الْأَمر على مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي عهد أَبِيه حَسْبَمَا مر وَكَانَت الرّعية تَشْتَكِي ذَلِك مِنْهُ ونالها إجحاف مِنْهُ وَمن عماله وَكَانَ غير مُتَوَقف فِي الدِّمَاء وَلَا هياب للوقيعة فِيهَا قَالَ اليفرني وتتبع مَا وَقع فِي ذَلِك يُنَاقض الْمَقْصُود من الإغضاء عَن العورات والستر على الفضائح وَقد ألمعنا لَك بِمَا يكون دَالا على مَا وَرَاءه وَذكر أَن بعض عُمَّال الْمَنْصُور عدا على امْرَأَة من دكالة فَأخذ مِنْهَا أَمْوَالًا فَقدمت الْمَرْأَة على الْمَنْصُور بمراكش تَشْكُو لَهُ مَا نالها من عَامله فَلم يشكها وَلَا كشف ظلامتها فَخرجت إِلَى أَوْلَادهَا بِالْبَابِ وَقَالَت لَهُم انصرفوا فَإِنِّي كنت أَظن أَن رَأس الْعين صَافِيَة فَإِذا بهَا مكدرة فَلِذَا تكدرت مصارفها
ويحكى أَن الْفَقِيه القَاضِي أَبَا مَالك عبد الْوَاحِد الْحميدِي قد سَافر فِي جمع من فُقَهَاء فاس وأعيانها إِلَى مراكش بِقصد الْعِيد مَعَ الْمَنْصُور كَمَا هِيَ الْعَادة فَمروا فِي طريقهم على جمَاعَة رجال وَنسَاء قد سلكوا فِي سلسلة وَاحِدَة وَفِيهِمْ امْرَأَة أَخذهَا الطلق وَهِي فِي كرب الْمَخَاض فَرَأَوْا من ذَلِك مَا أَهَمَّهُمْ وأحزنهم فَبَقيَ ذَلِك فِي نفس القَاضِي فَلَمَّا جلس إِلَى الْمَنْصُور ذكره لَهُ وَأظْهر الشكاية مِنْهُ فَسكت الْمَنْصُور عَن جَوَابه وهجره على ذَلِك أَيَّامًا ثمَّ إِن القَاضِي تلطف فِي القَوْل وَأظْهر التَّوْبَة مِمَّا صدر مِنْهُ وعدها بادرة فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور لَوْلَا مَا رَأَيْت مَا أمكنك أَن تَجِيء مَعَ أَصْحَابك مسيرَة عشرَة أَيَّام فِي أَمن ودعة فَإِن أهل الْمغرب مجانين مارستانهم هِيَ السلَاسِل والأغلال
وَلَقَد وَفد القَاضِي الْمَذْكُور على الْمَنْصُور فِي بعض المواسم مَعَ الْفُقَهَاء فَلَمَّا انصرفوا من الحضرة جمعتهم الطَّرِيق بأرباب الموسيقى وَأَصْحَاب
стр. 1050
الأغاني من أهل فاس وَقد كَانُوا وفدوا أَيْضا على الْمَنْصُور على سَبِيل الْعَادة فَأخْرج بَعضهم شَبابَة من الإبريز مرصعة أعطَاهُ إِيَّاهَا الْمَنْصُور وَبَعْضهمْ قَالَ أَعْطَانِي كَذَا وَقَالَ الآخر أجازني بِكَذَا مِمَّا لم يُعْط مثله للْقَاضِي وشيعته من الْفُقَهَاء فَقَالَ القَاضِي لَئِن بلغت فاسا لأردن أَوْلَادِي إِلَى صَنْعَة الموسيقى فَإِن صَنْعَة الْعلم كاسدة وَلَوْلَا أَن الموسيقى هِيَ الْعلم الْعَزِيز مَا رَجعْنَا مخفقين وَرجع الْمُغنِي بشبابة الإبريز فَنقل إِلَى الْمَنْصُور هَذَا الْكَلَام فلذعه عَلَيْهِ بِيَسِير من الملام
وَذكر أَبُو زيد فِي الْفَوَائِد مَا صورته عدا مُحَمَّد الْكَبِير خَال الْمَنْصُور على رجل بدرعة فِي ضَيْعَة لَهُ فَشَكَاهُ إِلَى الْمَنْصُور فَقَالَ لَهُ كم تَسَاوِي ضيعتك قَالَ سَبْعمِائة أُوقِيَّة قَالَ خُذْهَا وَقل لخالي الْموعد بيني وَبَيْنك الْموقف الَّذِي لَا أكون أَنا فِيهِ سُلْطَان وَلَا أَنْت خَال السُّلْطَان فَرجع صَاحب الضَّيْعَة وأبلغ إِلَى الْعَامِل كَلَام الْمَنْصُور فَأمْسك بِرَأْسِهِ سَاعَة ثمَّ قَالَ لَهُ الْحق بضيعتك وَغرم لَهُ كل مَا أكل مِنْهَا اه
وَقَالَ فِي المناهل كَانَ للمنصور مصانع اخترعها ومآثر خلفهَا مِنْهَا المعقلان الكبيران اللَّذَان أنشأهما بفاس أَحدهمَا خَارج بَاب عجيسة والأخر قبالته بِبَاب الْفتُوح وَهَذَانِ المعقلان يعرفان عِنْد الْعَامَّة بالبستيون وهما من الإتقان بِحَيْثُ لَا يعرف قدرهما إِلَّا من وقف عَلَيْهِمَا وَكَانَ الشُّرُوع فِي بنائهما يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّانِي وَالْعِشْرين من ربيع الأول سنة تسعين وَتِسْعمِائَة وَمن ذَلِك الحصنان اللَّذَان بناهما بثغر العرائش أَحدهمَا يعرف بحصن الْفَتْح وهما أَيْضا فِي نِهَايَة الوتاقة وَالْحسن وَمن ذَلِك معاصر السكر فَإِنَّهُ أحدثها بمراكش وبلاد حاحة وشوشاوة قَالَ الفشتالي وَكَانَ ابْتَدَأَ ذَلِك وَالِده أَبُو عبد الله الشَّيْخ فَكثر السكر فِي أَيَّامه بالبلاد المغربية حَتَّى لم تكن لَهُ قيمَة وَقد تقدم أَنه كَانَ يَشْتَرِي الرخام من النَّصَارَى بالسكر وَمن مآثره النبيلة العظمي مَعَ كرسيها من المرمر بِجَامِع الْقرَوِيين تَحت منار الْجَامِع الْمَذْكُور وَقد تقدم الْخَبَر عَنْهَا وَقَالَ ابْن القَاضِي فِي الْمُنْتَقى الْمَقْصُور إِن اللبَاس الْمُسَمّى بالمنصورية وَهُوَ لِبَاس من الملف لم يكن مُسْتَعْملا قبله وَهُوَ
стр. 1051
أول من اخترعه وأضيف إِلَيْهِ فَقيل المنصورية
وَكَانَ فِي مُدَّة الْمَنْصُور من الْأَحْدَاث أَنه
فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقع غلاء عَظِيم بالمغرب حَتَّى عرف ذَلِك الْعَام بعام الْبُقُول قَالَ فِي الْمرْآة لما انتهب النَّاس غنيمَة وَادي المخازن كَانَ النَّاس يتوقعون مغبتها لاختلاط الْأَمْوَال بالحرام فَظهر أثر ذَلِك من غلاء وَغَيره وَكُنَّا نسْمع أَن الْبركَة رفعت من الْأَمْوَال من يَوْمئِذٍ وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا أصَاب النَّاس فِي بعض فصولها سعال كثير قل من سلم مِنْهُ وَكَانَ الرجل لَا يزَال يسعل إِلَى أَن تفيض نَفسه فَسمى الْعَامَّة تِلْكَ السّنة سنة كحيكحة
وَفِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الْكَبِير الشَّأْن أَبُو النَّعيم رضوَان بن عبد الله الجنوي نِسْبَة إِلَى جنوة من بِلَاد الفرنج كَانَ أَبوهُ نَصْرَانِيّا وَأمه يَهُودِيَّة وَسبب إِسْلَام وَالِده مَا حَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاس الأندلسي فِي رحلته أَنه كَانَ لَهُ فرس بِبَلَدِهِ جنوة فَانْطَلق لَيْلًا وَدخل الْكَنِيسَة الْعُظْمَى وراث فِيهَا من غير أَن يشْعر بذلك أحد من السَّدَنَة وَلَا غَيرهم ثمَّ بَادر بِإِخْرَاج الْفرس وَلما أصبح أهل الْكَنِيسَة وَرَأَوا الروث قَالُوا إِن الْمَسِيح جَاءَ البارحة على فرسه إِلَى الْكَنِيسَة وراث فِيهَا فاهتز الْبَلَد لذَلِك وتنافس النَّصَارَى فِي شِرَاء ذَلِك الروث حَتَّى بيع قدر الذّرة مِنْهُ بِمَال جزيل فَعلم أَن النَّصَارَى على ضلال وَهَاجَر إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام فَنزل برباط الْفَتْح من أَرض سلا فَوجدَ هُنَالك امْرَأَة يَهُودِيَّة فَتزَوج بهَا وَولدت لَهُ الشَّيْخ أَبَا النَّعيم فَنَشَأَ مثلا فِي الْعلم وَالْولَايَة ومحبة النَّبِي ﷺ وَكَانَ ﵁ يَقُول خرجت من بَين فرث وَدم أَخذ الطَّرِيقَة عَن أبي مُحَمَّد الغزواني وَقدم عَلَيْهِ مراكش ثمَّ عَاد إِلَى فاس فَمَاتَ بهَا فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَدفن خَارج بَاب الْفتُوح
وَفِي سنة خمس وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ الْعَلامَة الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ المنجور كَانَ متبحرا فِي الْعُلُوم خُصُوصا أصُول الْفِقْه أَخذ عَن اليسيتني وَأبي زيد سقين العاصمي وَأبي الْحسن بن هَارُون وَأبي مَالك الوانشريسي وَغَيرهم
стр. 1052
وَفِي سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو الشتَاء الشباوي دَفِين جبل آمركو من بِلَاد فشتالة وَيُقَال اسْمه مُحَمَّد بن مُوسَى وكني بِأبي الشتَاء لِأَن النَّاس قحطوا ولجؤوا إِلَيْهِ فسقوا فِي الْحِين وَهُوَ من أَصْحَاب الشَّيْخ الغزواني وَيُقَال مَا لقِيه إِلَّا مرّة بقبيلتهما الشاوية فعينه ومكنه فهام على وَجهه وَكَانَ من أمره مَا كَانَ
وَفِي ثامن عشر ربيع الثَّانِي سنة ثَلَاث وَألف توفّي القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الْحميدِي وَدفن بروضة الشَّيْخ أبي زيد الهزميري خَارج بَاب مصمودة من عدوة فاس الأندلس وَقد تقدّمت بعض أخباره
وَفِي سنة أَربع وَألف توفّي الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ بن مَنْصُور البوزيدي الْمَعْرُوف بِأبي الشكاوي دَفِين شالة وَبهَا كَانَ سكناهُ أَخذ عَن الشَّيْخ المجذوب وَأبي الرواين المحجوب وَغَيرهمَا وَأَوْلَاده ينتسبون إِلَى عِيسَى بن إِدْرِيس الحسني دَفِين آيت عتاب وَالله تَعَالَى أعلم
وَفِي سنة سِتّ وَألف توفّي الشَّيْخ الرباني أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مبارك الزعري دَفِين تاستاوت من مشاهير الْأَوْلِيَاء كَانَ أول نشأته بمكناسة الزَّيْتُون ثمَّ خرج إِلَى الْبَادِيَة بعد أَن صعبت عَلَيْهِ الْقِرَاءَة وَرَأى النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ إِنَّك لن تقْرَأ وَلَكِنَّك شيخ فَخرج إِلَى الْبَادِيَة وَكَانَ يظنّ أَنه يكون من أَشْيَاخ الْقَبَائِل حَتَّى هبت عَلَيْهِ نفحة رحمانية فَقدم مراكش وَأخذ عَن الشَّيْخ أبي عَمْرو القسطلي وَرجع إِلَى باديته فَبنى مَسْجِدا فِي الْموضع الَّذِي عين لَهُ شَيْخه لسكناه فَيُقَال إِنَّه لما قيل لَهُ جعلت محرابه منحرفا عَن الْقبْلَة أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى جِهَة مَكَّة فتزحزحت الْجبَال حَتَّى شَاهد الْحَاضِرُونَ مَكَّة وَالله على كل شَيْء قدير وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّرْقِي معاصرا لَهُ فَقيل لَهُ إِن الشَّيْخ ابْن مبارك قَالَ أهل زَمَاننَا محسوبون علينا فَقَالَ اشْهَدُوا أَنا من أهل زمَان ابْن مبارك وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا كَانَ الطَّاعُون الْعَظِيم بمراكش وَغَيرهَا بِحَيْثُ عَم تلول الْمغرب واستطال فِيهَا وَمَات بِهِ جمع من الْأَعْيَان مِنْهُم الشَّيْخ ابْن مبارك الْمَذْكُور
وَفِي سنة تسع وَألف فِي جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا كَانَ سيل عَظِيم بفاس ثمَّ
стр. 1053
فِي شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة كَانَ سيل أعظم من الأول تهدمت مِنْهُ الدّور والحوانيت وتهدم سد الْوَادي بفاس على وثاقته وإحكامه وَهَذَا السد هُوَ الَّذِي كَانَ جدده السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الوطاسي ثمَّ جدده الْمَنْصُور فِي هَذِه الْمرة من أحباس الْقرَوِيين
وَفِي سنة عشر وَألف توفّي الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه الرباني أَبُو عبد الله وَيُقَال أَبُو عبد الله مُحَمَّد فتحا الشَّرْقِي ابْن الْوَلِيّ الصَّالح أبي الْقَاسِم الزعري الجابري ثمَّ الرثمي هَكَذَا نسبه صَاحب الْمرْآة وَغَيره وَرفع أَبُو عَليّ المعداني فِي كِتَابه الرَّوْض الفائح نسبه إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ ثمَّ نقل عَن حفيده الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أبي عبد الله مُحَمَّد الصَّالح بن الْمُعْطِي مَا نَصه إِن الشَّيْخ سَيِّدي مُحَمَّد الشَّرْقِي لم تُوجد هَذِه النِّسْبَة العمرية بِخَطِّهِ فِيمَا عثرنا عَلَيْهِ أما بَنو أَخِيه وَبَنوهُ وحفدته فقد وجدت بِخَط الثِّقَة مِنْهُم وتواتر نقلهَا عَنْهُم وكتبت فِي إجازاتهم وَكَذَا فِي تمليكاتهم اه وَهَذَا الشَّيْخ أَعنِي أَبَا عبد الله الشَّرْقِي كَانَ من أكَابِر أهل وقته يُقَال إِنَّه بلغ دَرَجَة القطبانية وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الْأَوْلِيَاء وَبعث إِلَيْهِ الْمَنْصُور جمَاعَة يختبرونه فظهرت لَهُم كراماته واتفقت لَهُ مَعَ الشَّيْخ المنجور كَرَامَة حَملته على أَن وَفد عَلَيْهِ زَائِرًا ومدحه بقصيدة ذكر بَعْضهَا اليفرني فِي الصفوة وَله مَعَ أبي المحاسن الفاسي مراسلات ومواصلات وَوَقع بَينهمَا كَلَام طَوِيل انْظُر ابتهاج الْقُلُوب أَخذ ﵁ عَن وَالِده عَن الشَّيْخ التباع وَاعْتمد على الشَّيْخ الْكَبِير أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَمْرو المختاري من أحواز مكناسة وَأخذ أَيْضا عَن ابْن مبارك الزعري
стр. 1054
وَأبي مُحَمَّد بن ساسي وَتُوفِّي أَوَائِل الْمحرم من السّنة الْمَذْكُورَة وَدفن بجعيدان وقبره شهير نفعنا الله بِهِ وبسائر أهل الله
تمّ الْجُزْء الْخَامِس ويليه الْجُزْء السَّادِس
وأوله
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْمَعَالِي زَيْدَانَ بن أَحْمد الْمَنْصُور رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 1055
٦ -
следующие страницы →