Полный текст (1 747 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
غَزْو السودَان وَفتح مَدِينَة كاغو ومقتل سلطانها إِسْحَاق سكية ﵀
قد تقدم لنا مَا كَانَ من مُفَاوَضَة الْمَنْصُور لحاشيته فِي غَزْو السودَان واستقرار رَأْيهمْ على ذَلِك فَبَقيَ الْمَنْصُور يقدم رجلا وَيُؤَخر أُخْرَى إِلَى أَن كَانَت سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فقوي عزمه واشتغل بتجهيز آلَة الْحَرْب وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْجَيْش من آلَة السّفر ومهماته وَأمر القواد أَن يقومُوا حصص الْقَبَائِل وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من إبل وخيل وبغال وَإِن من أَتَى بجمل ضَعِيف يُعَاقب واشتغل هُوَ بتقويم آلَة الْحَرْب من المدافع والعجلات الَّتِي تحملهَا والبارود والرصاص والكور وتقويم الْخشب واللوح وَالْحَدِيد للغلائط والسفن والفلك والمجاذيف والقلوع والبراميل والروايا لحمل المَاء وَألف النجارون ذَلِك فِي الْبر إِلَى أَن تألف ثمَّ خلعوه وشدوه أحمالا وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى أَن استوفى الْمَنْصُور أَمر الْغَزْو فِي ثَلَاث سِنِين ثمَّ أَمر بِإِخْرَاج الْمضَارب والمباني لوادي تانسيفت فَخرجت الْأَحْمَال والأثقال من مراكش فِي الْيَوْم السَّادِس عشر من ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَنزلت العساكر وَضربت أبنيتها خيلا ورجلا وجملتها عشرُون ألفا وَمَعَهُمْ من المعلمين البحرية والطبجية أَلفَانِ فالمجموع اثْنَان وَعِشْرُونَ ألفا وَعقد الْمَنْصُور على ذَلِك الْجَيْش لمَوْلَاهُ الباشا جؤذر وَشد أزره بِجَمَاعَة من أَعْيَان الدولة فَاخْتَارَ مِنْهُم من يعلم نجدته وَيعرف كِفَايَته وتخير من الْإِبِل كل بازل وكوماء وَمن الْخَيل كل عَتيق وجرداء ثمَّ نهضوا فِي زِيّ عَظِيم وهيئة لم ير مثلهَا وَذَلِكَ فِي محرم فاتح سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَكتب الْمَنْصُور إِلَى قَاضِي تنبكتو الْفَقِيه الْعَلامَة أبي حَفْص عمر ابْن الشَّيْخ مَحْمُود ابْن عمراء قيت الصنهاجي يَأْمُرهُ بحض النَّاس على الطَّاعَة وَلُزُوم الْجَمَاعَة
وَلما نهضوا من تانسيفت جعلُوا طريقهم على ثنية الكلاوي ثمَّ على درعة ودخلوا القفر والفيافي فقطعوها فِي مائَة مرحلة وَلم يضع لَهُم عقال بعير وَلَا نقص مِنْهُم أحد فنزلوا على مَدِينَة تنبكتو ثغر السودَان فأراحوا بهَا أَيَّامًا
стр. 982
ثمَّ صَارُوا قَاصِدين دَار إِسْحَاق سكية وَلما سمع بقدومهم احتشد أُمَم السودَان وقبائلها وقبائل الملثمين المهادنين لَهُم وَخرج من مَدِينَة كاغو يجر الشوك والمدر يُقَال إِنَّه جمع مائَة ألف مقَاتل وَأَرْبَعَة آلَاف مقَاتل
وَقَالَ الفشتالي وَلم يقنع بالجيوش الَّتِي جمع حَتَّى أضَاف إِلَيْهَا أَشْيَاخ السَّحَرَة وَأهل النفث فِي العقد وأرباب العزائم والسيمياء ظنا مِنْهُ أَن ذَلِك يُغْنِيه شَيْئا وهيهات وَيرْحَم الله أَبَا تَمام إِذْ قَالَ فِيمَا يقرب من هَذَا الْحَال
(السَّيْف أصدق إنباء من الْكتب ... فِي حَده الْحَد بَين الْجد واللعب)
(بيض الصفائح لَا سود الصحائف فِي ... متونهن جلاء الشَّك والريب)
(وَالْعلم فِي شهب الأرماح لامعة ... بَين الخميسين لَا فِي السَّبْعَة الشهب)
(أَيْن الرِّوَايَة بل أَيْن النُّجُوم وَمَا ... صاغوه من زخرف فِيهَا وَمن كذب)
(تخرصا وأحاديثا ملفقة ... لَيست بنبع إِذا عدت وَلَا غرب)
وَلما تقَارب الْجَمْعَانِ عبأ الباشا جؤذر عساكره وَتقدم للحرب فدارت بهم عَسَاكِر السودَان من كل جِهَة وعقلوا أَرجُلهم مَعَ الْإِبِل وصبروا مَعَ الضُّحَى إِلَى الْعَصْر وَكَانَت سِلَاحهمْ إِنَّمَا هِيَ الحرشان الصغار والرماح وَالسُّيُوف وَلم تكن عِنْدهم هَذِه المدافع فَلم تغن حرشانهم ورماحهم مَعَ البارود شَيْئا وَلما كَانَ آخر النَّهَار هبت ريح النَّصْر وَانْهَزَمَ السودَان فَوَلوا الأدبار وَحقّ عَلَيْهِم الْبَوَار وحكمت فِي رقابهم سيوف جؤذر وجنده حَتَّى كَانَ السودَان ينادون نَحن مُسلمُونَ نَحن إخْوَانكُمْ فِي الدّين وَالسُّيُوف عاملة فيهم وجند جؤذر يقتلُون ويسلبون فِي كل وَجه وفر إِسْحَاق فِي شرذمة من قومه وَلم يدْخل قلعة ملكه وَتقدم جؤذر فَدَخلَهَا واحتوى على مَا فِيهَا من الْأَمْوَال وَالْمَتَاع وَكَانَ ذَلِك منتصف جُمَادَى الأولى من سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَيُقَال إِن جؤذرا لم يدْخل مَدِينَة كاغو وَإِنَّمَا تحصن بهَا إِسْحَاق فحاصره جؤذر فِيهَا وَكتب إِلَى الْمَنْصُور بِخَبَر الْفَتْح وَبعث إِلَيْهِ بهدية فِيهَا عشرَة آلَاف مِثْقَال ذَهَبا ومائتان من خِيَار الرَّقِيق وَغير ذَلِك وامتدت العساكر المنصورة فِي بِلَاد آل سكية تعيث وتفسد وَتَسْبِي وتغنم إِلَى أَن راسل إِسْحَاق الباشا جؤذرا فِي تَقْرِير الصُّلْح على مَال معِين يَدْفَعهُ الْآن وضريبة يُؤَدِّيهَا كل سنة
стр. 983
فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك على مشورة الْمَنْصُور وإمضائه إِيَّاه ثمَّ كتب إِلَى الْمَنْصُور بذلك وَكَانَت العساكر قد أصابتها الْحمى ووخامة تِلْكَ الأَرْض فاتفق رَأْي الْأُمَرَاء على الرُّجُوع وَالْإِقَامَة بتنبكتو إِلَى أَن يَأْتِي جَوَاب الْمَنْصُور فَرَجَعُوا وَأخذ جؤذر فِي إنْشَاء الغلائط والسفن وتركيبها وَلما أكملها دَفعهَا فِي النّيل وَلما بلغ الْمَنْصُور خبر الصُّلْح قَامَ وَقعد وَقوم عسكرا خَفِيفا وَبعث بِهِ مَعَ مَمْلُوكه الآخر مَحْمُود باشا وَهُوَ أَخُو جؤذر وقلده أَمر العساكر كلهَا وعزل جؤذرا عَنْهَا وَأمر مَحْمُودًا أَن يبقيه مَعَه وَكتب إِلَى أُمَرَاء الْعَسْكَر يعاتبهم يوبخهم على مَا فَعَلُوهُ مَعَ إِسْحَاق من الصُّلْح ويؤكد عَلَيْهِم فِي الرُّجُوع إِلَى بِلَاده واتباعه حَيْثُمَا توجه وَلَو عبر النّيل إِلَى العدوة الْأُخْرَى وَخرج مَحْمُود باشا فِيمَن عين لَهُ من الْعَسْكَر فِي زمَان الْحر فِي وَقت لَا يقدر على الْحَرَكَة فِيهِ إِلَّا القطا الكدري وَقطع القفر فِي خمسين مرحلة أَمر لم يسمع بِمثلِهِ وَنزل بالعساكر على ظَاهر تنبكتو على رَأس سنة الْألف فأراح بهَا ثَلَاثًا ثمَّ شحن الغلائط والسفن والفلك بالرؤساء والملاحين ووجوه الْجند فَسَارُوا فِي النّيل وَسَار السوَاد الْأَعْظَم فِي الْبر إِلَى أَن نزلُوا على مَدِينَة كاغو قَاعِدَة ملك إِسْحَاق سكية وَكَانَ إِسْحَاق لما رجعت عَنهُ العساكر إِلَى تنبكتو احتشد أُمَم السودَان المجاورين لَهُ وتذامروا وأصفقوا مَعَه على الْمَوْت فَلَمَّا بلغه رُجُوع العساكر إِلَى كاغو قصدهم فِي جموعه وَلما التقى الْجَمْعَانِ لم يكن إِلَّا مِقْدَار فوَاق نَاقَة حَتَّى انهزم السودَان من سَماع رعد المدافع والمهاريس وارتفاع القنابل فِي الجو وهدير الطبول وتبعتهم العساكر يقتلُون وَيَأْسِرُونَ إِلَى أَن غشيهم ظلم اللَّيْل وَرَجَعُوا بالغنائم والسبي فاستراحوا ثَلَاثًا ثمَّ أَمر مَحْمُود أَخَاهُ جؤذرا أَن يُقيم بِمَدِينَة كاغو عَامِرًا لَهَا وَيتْرك مَعَه عددا من الْعَسْكَر يكون ردْءًا لَهُم وَسَار هُوَ فِي اتِّبَاع إِسْحَاق إِلَى أَن لحقه بِبَعْض الْجِهَات فأوقع بِهِ وقْعَة شنعاء وفر فِي فل من قومه فَعبر النّيل إِلَى العدوة الْأُخْرَى وَتَبعهُ مَحْمُود فَعبر النّيل بعساكره فِي السفن وَسَار خَلفه إِلَى أَن لحقه فأوقع بِهِ وقْعَة ثَالِثَة احتوى فِيهَا على مَا مَعَه من المَال والحريم وَدخل إِسْحَاق القفر فَهَلَك فِيهِ ثمَّ كَانَت لمحمود وقْعَة أُخْرَى مَعَ أَخِيه الَّذِي كَانَ ينازعه فِي
стр. 984
الْملك فَإِنَّهُ قَامَ بعد مهلك أَخِيه وَجمع الجموع وزحف إِلَى مَحْمُود باشا فَنَهَضَ إِلَيْهِ مَحْمُود فَهَزَمَهُ وَقَتله فِيمَن مَعَه من جنده وَأَتْبَاعه وتمهدت لَهُ الْبِلَاد وَاسْتولى عَلَيْهَا اسْتِيلَاء كليا وَكتب بِخَبَر الْفَتْح إِلَى الْمَنْصُور
وَلما بلغه هَذَا الْفَتْح وَصورته كَانَ عِنْده ذَلِك الْيَوْم عيدا من الأعياد أخرج فِيهِ الصَّدقَات وَأعْتق الرّقاب وَأقَام مهرجانا عَظِيما بِظَاهِر الحضرة خرج لَهُ عَامَّة النَّاس للفرجة والنزهة وزينت الْأَسْوَاق وأخرجت المدافع بالنفط وتسابقت الْخُيُول وَأطْعم الْمَنْصُور النَّاس عدَّة أَيَّام ونظم الشُّعَرَاء قصائدهم وَرفعُوا أمداحهم وَأَجَازَهُمْ بِمَا تحدث النَّاس بِهِ دهرا وَكتب بِخَبَر الْفَتْح وَصورته نسخ وجهت إِلَى جَمِيع الْآفَاق وَكَانَ مِمَّا قيل فِي ذَلِك من الشّعْر مَا أنْشدهُ الْكَاتِب أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز الفشتالي فَقَالَ
(جَيش الصَّباح على الدجا متدفق ... فبياض ذَا السوَاد ذَلِك يمحق)
(وَكَأَنَّهُ رايات عسكرك الَّتِي ... طلعت على السودَان بيضًا تخفق)
(لاحت وأفقهم لَيَال كُله ... كعمود صبح فِي الدجا يتألق)
(نشرت لتطوي مِنْهُ لَيْلًا دامسا ... أضحى بسيفك ذِي الفقار يمزق)
(أرسلتهن جوائحا وجوارحا ... فِي كل مخلبها غراب ينعق)
(وسرت فَكَانَ دليلهن إِلَيْهِم ... مشحوذ عزمك والسنان الْأَزْرَق)
(لهي اللَّيَالِي قد جلى أحلاكها ... نور النُّبُوَّة من جبينك يشرق)
(صعِقَتْ بِهن رعود نارك صعقة ... رجت لصيحتها الْعرَاق وجلق)
(سحقا لإسحاق الشقي وَحزبه ... فَلَقَد غَدا بِالسَّيْفِ وَهُوَ مطوق)
(رام النجَاة وَكَيف ذَاك وَخَلفه ... من جَيش جؤذرك الغضنفر فيلق)
(جَيش أواخره ببابك سيله ... عرم وأوله بكاغو محدق)
(لم يشعروا إِلَّا وأسوار الردى ... ضربت عَلَيْهِم من قناك وَخَنْدَق)
(كتب الْإِلَه على عداتك أَنهم ... قنص لسهمك غربوا أَو شرقوا)
(ضلت مُلُوك ساجلوك على الْعلَا ... سفها وشأوك فِي الْعلَا لَا يلْحق)
(أَن يشبهوك وَلَا شَبيه يرى لكم ... فِي الْخلق أَيْن من اللجين الزئبق)
(بشر مُلُوك الأَرْض أَنَّك فاتح ... بالمشرفي على الولا مَا غلقوا)
стр. 985
(وبقاصل لَك ذِي الفقار مفرق ... مَا جَمَعُوهُ وجامع مَا فرقوا)
(دَامَت طيور السعد وَهِي غوارد ... بالمشتهى لَك والمسرة تنطق)
(مَا دَامَ أصل علاك فِي صحف الثنا ... أصل الفخار وكل غَيْرك مُلْحق)
والمشتهى والمسرة بستانان للمنصور ورى بهما هَذَا الشَّاعِر وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِمَا وَكَانَ مَحْمُود باشا لما استوسق لَهُ الْأَمر هُنَالك بعث بِنصْف جَيْشه إِلَى الْمَنْصُور مَعَ هَدِيَّة عَظِيم فِيهَا من الذَّخَائِر مَا لَا يُحْصى من ذَلِك ألف ومائتان من متخير الرَّقِيق الْجَوَارِي والغلمان وَأَرْبَعُونَ حملا من التبر وَأَرْبَعَة سروج ذَهَبا خَالِصا وأحمال كَثِيرَة من اليانبور وقطوط الغالية وَغير ذَلِك وَلما وافت الْمَنْصُور سر بذلك سُرُورًا عَظِيما وَأمر بِعَمَل المفرحات فِي بِلَاد الْمغرب وبتزيين الْأَسْوَاق غدْوَة وَعَشِيَّة ثَلَاثَة أَيَّام ووفدت عَلَيْهِ الْوُفُود من كل نَاحيَة مهنئين لَهُ بِمَا منحه الله من الظفر والنصر وانتظمت الممالك السودانية فِي سلك طَاعَته مَا بَين الْبَحْر الْمُحِيط من أقْصَى الْمغرب إِلَى بِلَاد برنو المتاخمة لبلاد النّوبَة المتاخمة لصعيد مصر قَالَ الفشتالي فكلمة الْمَنْصُور نافدة فِيمَا بَين بِلَاد النّوبَة إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط من نَاحيَة الْمغرب وَهَذَا ملك ضخم وسلطان فخم لم يكن لمن قبله وَالله يُؤْتِي ملكه من يَشَاء وَلما فتح الله عَلَيْهِ ممالك الْبِلَاد السودانية حمل إِلَيْهِ من التبر مَا يعيى الحاسبين ويحير الناظرين حَتَّى كَانَ الْمَنْصُور لَا يُعْطي فِي الرَّوَاتِب إِلَّا النضار الصافي وَالدِّينَار الوافي وَكَانَ بِبَابِهِ كل يَوْم أَربع عشرَة مائَة مطرقة لضرب الدِّينَار الوافي دون مَا هُوَ معد لغير ذَلِك من صوغ الأقراط والحلى وَشبه ذَلِك وَلأَجل هَذَا لقب بالذهبي لفيضان الذَّهَب فِي أَيَّامه والأمور كلهَا بيد الله
стр. 986
وَفَاة أم الْمَنْصُور الْحرَّة مسعودة الوزكيتية رَحمهَا الله
كَانَت الْحرَّة مسعودة هَذِه من الْخيرَات الصَّالِحَات وَتقدم بعض مآثرها من بِنَاء الْمَسْجِد الْجَامِع بِبَاب دكالة وَغَيره وَكَانَت وفاتها سحر يَوْم الثُّلَاثَاء السَّابِع وَالْعِشْرين من الْمحرم فاتح سنة ألف وَمن المستفيض أَنَّهَا ريئت بعد مَوتهَا فَسُئِلت مَا فعل الله بهَا فَقَالَت غفر لي بِسَبَب أَنِّي كنت ذَات يَوْم جالسة لقَضَاء الْحَاجة فَسمِعت الْمُؤَذّن شرع فِي الآذان فَرددت على ثِيَابِي إعظاما لذكر الله تَعَالَى حَتَّى فرغ الْمُؤَذّن من آذانه فَشكر الله لي ذَلِك فغفر لي
وَفِي سنة إِحْدَى وَألف أُتِي بالفيلة من بِلَاد السودَان إِلَى الْمَنْصُور وَكَانَ يَوْم دُخُولهَا لمراكش يَوْمًا مشهودا برز لرؤيتها كل من بِالْمَدِينَةِ من رجال وَنسَاء وشيوخ وصبيان ثمَّ حملت إِلَى فاس فِي رَمَضَان سنة سبع وَألف قَالَ فِي نشر المثاني كَانَ دُخُول الْفِيل إِلَى فاس يَوْم الِاثْنَيْنِ سادس عشر رَمَضَان سنة سبع وَألف وَبعث الْمَنْصُور مَعَ الْفِيل إِلَى وَلَده الْمَأْمُون بهدية سنية فِيهَا تحف وأموال عريضة وَخرج أهل فاس فِي ذَلِك الْيَوْم للقاء الْفِيل بِنَحْوِ مائَة ألف نفس
قَالَ بَعضهم وبسبب دُخُول هَذِه الفيلة إِلَى الْمغرب ظَهرت هَذِه العشبة الخبيثة الْمُسَمَّاة بتابغ لِأَن أهل السودَان الَّذين قدمُوا بالفيلة يسوسونها قدمُوا بهَا مَعَهم يشربونها ويزعمون أَن فِيهَا مَنَافِع فشاعت مِنْهُم فِي بِلَاد درعة ومراكش وَغَيرهمَا من بقاع الْمغرب وتعارضت فِيهَا فَتَاوَى الْعلمَاء رضوَان الله عَلَيْهِم فَمن قَائِل بِالتَّحْرِيمِ وَمن قَائِل بالتحليل ومتوقف وَالْعلم فِيهَا عِنْد الله سُبْحَانَهُ قَالَ اليفرني
قلت من تَأمل أدنى تَأمل فِي قَوَاعِد الشَّرِيعَة وآدابها علم يَقِينا أَن تنَاول هَذِه العشبة حرَام لِأَنَّهَا من الْخَبَائِث الَّتِي حرمهَا الله تَعَالَى على هَذِه الْأمة المطهرة وَبِذَلِك وصفهَا فِي الْكتب السالفة إِذْ قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث﴾
стр. 987
وَبسط هَذَا الْمقَام إِن تعلم أَن الله تَعَالَى اخْتَار هَذِه الْأمة من بَين سَائِر الْأُمَم قَالَ تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَاخْتَارَ لَهَا من الطَّاعَات وأنواع الْعِبَادَات مَا هُوَ أفضلهَا قَالَ تَعَالَى ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ وَأفضل تِلْكَ الْعِبَادَات كلهَا الصَّلَاة الَّتِي هِيَ من الدّين بِمَنْزِلَة الرَّأْس من سَائِر الْجَسَد ثمَّ إِذا أمعنت النّظر رَأَيْت الشَّارِع ﷺ قد بَالغ فِي الِاحْتِيَاط لهَذِهِ الْعِبَادَة الشَّرِيفَة والاستعداد لَهَا بِاسْتِعْمَال كل طيب أمكن وَاجْتنَاب كل خَبِيث أمكن فشرع أَولا الطَّهَارَة الْكُبْرَى الشاملة لسَائِر الْبدن وحظر من مقاربة الصَّلَاة وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا حَال الْخُلُو عَنْهَا ثمَّ شرع ثَانِيًا الطَّهَارَة الصُّغْرَى الْمُتَعَلّقَة بأطراف الْبدن زِيَادَة فِي الاعتناء بهَا لِأَنَّهَا تبرز فِي غَالب الْأَحْوَال فيعلق بهَا من الأقذار مَا لَا يعلق بغَيْرهَا وألزم الْمُكَلف اسْتِعْمَال هَذِه الطَّهَارَة عِنْد عرُوض كل حدث مستقذر حَتَّى الرّيح وَالسَّبَب الدَّاعِي إِلَى خُرُوجه ثمَّ نَدبه إِلَى اسْتِعْمَالهَا عِنْد الْقيام إِلَى كل صَلَاة من الصَّلَوَات الْخمس
ثمَّ إِنَّا إِذا تأملنا أَفعَال هَذِه الطَّهَارَة وجدناها تشْتَمل على مبالغات كَثِيرَة تستدعي غَايَة النَّظَافَة وتنفي كل قذر وَإِن قل فشرع الْغسْل فِي أَعْضَاء الْوضُوء مكررا وَشرع مسح شعر الرَّأْس بِالْمَاءِ دفعا لما يعلق بِهِ من الْغُبَار وَشرع تتبع مسام الْوَجْه بِالْغسْلِ والتنظيم كالمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق ثَلَاثًا تطييبا للنكهة وَشرع مسح الْأُذُنَيْنِ من ظاهرهما وباطنهما حَتَّى الصماخين إِزَالَة لما بداخلهما من تِلْكَ الفضلة مَعَ أَن الْحَيّ ودمعه وعرقه ولعابه ومخاطه كلهَا طَاهِرَة أَو لَيْسَ فِي هَذَا دَلِيل وَاضح على أَن الْحِكْمَة فِي هَذَا كُله إِنَّمَا هُوَ الْمُبَالغَة فِي النَّظَافَة وتطييب الرَّائِحَة والنكهة إِذْ بذلك يسْتَحق العَبْد أَن يتلبس بِالْعبَادَة وَيدخل حَضْرَة الرب وَشرط للدخول فِيهَا طَهَارَة الْبدن وَالثَّوْب وَالْمَكَان من سَائِر المستقذرات حَتَّى يكون على أكمل الْحَالَات بَعيدا عَن القذر بِكُل وَجه ثمَّ لم يكتف الشَّارِع بِهَذَا حَتَّى شرع السِّوَاك عِنْد الْقيام إِلَى كل صَلَاة وَقَالَ (لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة) كل ذَلِك الْمَقْصُود مِنْهُ طيب النكهة فَانْظُر وَتَأمل اعتناء الشَّارِع بتطييب رَائِحَة
стр. 988
فَم الْمُؤمن ونكهته حَتَّى فِي حق الصَّائِم الَّذِي (خلوف فَمه أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك) هَذَا كُله فِي حَال الصَّلَاة
وَأما خَارِجهَا فقد علم من الشَّرْع علما ضَرُورِيًّا أَن العَبْد مَطْلُوب بالمحافظة على هَذِه الْحَال والبقاء عَلَيْهَا سَائِر أوقاته مَتى قدر على ذَلِك وتيسر لَهُ وَمن هَذَا الْمَعْنى مَا حرم الله تَعَالَى على هَذِه الْأمة من تنَاول المستقذرات كالميتة وَالدَّم وَسَائِر النَّجَاسَات إِذْ عِلّة حُرْمَة الْأَشْيَاء وتناولها إِمَّا كَونهَا مستقذرة كالنجاسات إِجْمَاعًا وكالحشرات وَمَا تعافه النُّفُوس على مَذْهَب الشَّافِعِي ﵁ أَو مضرَّة كالسم والطين وَنَحْوهمَا مِمَّا يضر بِالْبدنِ أَو بِبَعْض الْأَعْضَاء مِنْهُ أَو مُحْتَرمَة إِمَّا لذاتها كالأدمي أَو لكَونهَا ملكا للْغَيْر وَهُوَ ظَاهر فالشارع لَهُ غَرَض أكيد فِي اجتلاب الطَّيِّبَات وَاجْتنَاب مَا يضادها من المستخبثات وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن الصَّحَابَة ﵃ كَانُوا يعْملُونَ فِي حوائطهم فَإِذا حضرت الْجُمُعَة أَتَوا إِلَى الْمَسْجِد وأبدانهم سهكة فَأَمرهمْ النَّبِي ﷺ بالاغتسال عِنْد كل جُمُعَة ثمَّ منع كل من تلبس برائحة كريهة كالثوم والبصل والكراث من حُضُورهَا وحبب إِلَى النَّبِي ﷺ من دُنْيَانَا النِّسَاء وَالطّيب وَندب أمته إِلَى اسْتِعْمَاله فِي الْمشَاهد الْعَامَّة مثل الْجمع والأعياد وَنَحْوهَا وخصال الْفطْرَة إِنَّمَا شرعت لهَذَا الْمَعْنى فَفِيهَا كِفَايَة لمن تأملها قَوَّال ﷺ (إزرة الْمُؤمن إِلَى أَنْصَاف سَاقيه) دفعا للسرف وَالْخُيَلَاء وَلِئَلَّا يعلق بِهِ شَيْء من النَّجَاسَات والأقذار إِلَى غير هَذَا مِمَّا لَو استقصي لطال وَدلّ دلَالَة قَطْعِيَّة على أَن الْمَطْلُوب من العَبْد أَن يكون نظيفا طيب الرَّائِحَة حسن البزة طَاهِر الْبدن وَالثَّوْب مجانبا لكل خَبِيث مستقذر وَهَذِه حَالَة أهل الْجنَّة وَالْعَكْس بِالْعَكْسِ وَأَنت لَا تَجِد أَخبث وَلَا أقذر من رَائِحَة أَفْوَاه شربة الدُّخان وَلَا أنتن وَلَا أعفن من نكهات المستفين لغبار تابغ وَهَذَا النتن من أقبح الْعُيُوب فِي نظر الشَّرْع حَتَّى أَنه جعل الْخِيَار لأحد الزَّوْجَيْنِ إِذا كَانَ صَاحبه أبخر فَإِذا لَا نشك أَن اسْتِعْمَال هَذِه العشبة الخبيثة فِي الْفَم أَو الْأنف من أعظم الْمَحْظُورَات لِأَنَّهَا تصدم غَرضا كَبِيرا من أغراض الشَّارِع وتضاده وتنفيه
стр. 989
وَأَقُول لَو كَانَ نتنها يعلق بعضو من الْأَعْضَاء غير الْوَجْه لَكَانَ هَين لكنه يعلق بالفم وَالْأنف اللَّذين وضعهما الْحَكِيم الْعلي فِي وسط الْوَجْه الَّذِي هُوَ أشرف الْأَعْضَاء فَأَي مضمضة وَأي استنشاق وَأي سواك يزِيل ذَلِك النتن الَّذِي يرسخ فِي أنفاس أَهلهَا وأفواههم وخياشيمهم رسوخا لَا يماثله شَيْء
وَلَقَد أفْصح الْعَامَّة عَن شدَّة نَتن هَذِه العشبة وصادفوا الصَّوَاب حَيْثُ قَالُوا إِن فضلَة الدُّخان الْمُسَمَّاة بالقير تنجس النَّجَاسَة هَذَا إِلَى مَا يتبع ذَلِك من الْمَفَاسِد المتعددة من تَغْيِير عقل متعاطيها حَتَّى أَنه إِذا انْقَطَعت عَنهُ صَار كَالْمَجْنُونِ لَا يُبَالِي بِمَا يصدر مِنْهُ وَمن دُخُول الشَّك فِي صِيَامه لِأَن بقايا ذَلِك الدُّخان أَو ذَلِك الْغُبَار قد يمْكث فِي حلقه إِلَى طُلُوع الْفجْر وَمَا بعده لِأَن جلهم إِذا قرب الْفجْر والوا اسْتِعْمَاله حَتَّى يكون هُوَ خَاتِمَة سحورهم وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يسْتَعْمل ذَلِك إِلَّا من لَا خلاق لَهُ وَلَا يكترث بمروءه وَلَا دين وَهُوَ قَادِح فِي الشَّهَادَة والإمامة وَالله تَعَالَى الْمُوفق بمنه
نكبة الْفَقِيه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بَابا السوداني وعشيرته من آل آقيت وَالسَّبَب فِي ذَلِك
كَانَ بَنو آقيت التكروريون من أهل مَدِينَة تنبكتو وَمِمَّنْ لَهُم الوجاهة الْكَبِيرَة والرياسة الشهيرة بِبِلَاد السودَان دينا وَدُنْيا بِحَيْثُ تعدّدت فيهم الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة والقضاة وتوارثوا رياسة الْعلم مُدَّة طَوِيلَة تقرب من مِائَتي سنة وَكَانُوا من أهل الْيَسَار والسؤدد وَالدّين لَا يبالون بالسلطان فَمن دونه وَلما فتح جَيش الْمَنْصُور بِلَاد السودَان أبقاهم الباشا مَحْمُود على حَالهم إِلَى أَن كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَألف فَكَانَ أهل السودَان قد سئموا ملكة المغاربة وآنسوا مِنْهُم خلاف مَا كَانُوا يعهدونه من سلطانهم الأول وَكَانَت أذنهم مَعَ ذَلِك صاغية لآل آقيت فتخوف الْمَنْصُور مِنْهُم وَرُبمَا وشي إِلَيْهِ بهم فَكتب إِلَى عَامله مَحْمُود بِالْقَبْضِ عَلَيْهِم وتغريبهم إِلَى مراكش فَقبض على جمَاعَة كَبِيرَة مِنْهُم كَانَ فِيهَا الْفَقِيه الْعَلامَة أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أَحْمد بن أَحْمد ثَلَاثَة أحامد ابْن
стр. 990
عمر بن مُحَمَّد آقيت الْمَدْعُو بَابا صَاحب تَكْمِيل الديباج وَغَيره من التآليف وَكَانَ فِيهَا أَيْضا الْفَقِيه القَاضِي أَبُو حَفْص عمر بن مَحْمُود بن عمر ابْن مُحَمَّد آقيت وَغَيرهمَا وحملوا مصفدين فِي الْحَدِيد إِلَى مراكش وَمَعَهُمْ حريمهم وانتهبت ذخائرهم وكتبهم
قَالَ فِي بذل المناصحة سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بَابا يَقُول أَنا أقل عشيرتي كتبا وَقد نهب لي سِتّ عشرَة مائَة مُجَلد وَكَانَ الْقَبْض عَلَيْهِم فِي أَوَاخِر الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَألف ووصلوا إِلَى مراكش فِي أول رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة واستقروا مَعَ عِيَالهمْ فِي حكم الثقاف إِلَى أَن انصرم أمد المحنة فسرحوا يَوْم الْأَحَد الْحَادِي وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة أَربع وَألف فَفَرِحت قُلُوب الْمُؤمنِينَ بذلك
وَلما دخل الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس على الْمَنْصُور بعد تسريحه من السجْن وجده يكلم النَّاس من وَرَاء حجاب وَبَينه وَبينهمْ كلة مسدولة على طَريقَة خلفاء بني الْعَبَّاس وَمن يتشبه بهم فَقَالَ الشَّيْخ إِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب﴾ وَأَنت قد تشبهت بِرَبّ الأرباب فَإِن كَانَت لَك حَاجَة فِي الْكَلَام فَانْزِل إِلَيْنَا وارفع عَنَّا الْحجاب فَنزل الْمَنْصُور وَرفعت الأستار فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَي حَاجَة لَك فِي نهب متاعي وتضييع كتبي وتصفيدي من تنبكتو إِلَى هُنَا حَتَّى سَقَطت عَن ظهر الْجمل واندقت ساقي فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور أردنَا أَن تَجْتَمِع الْكَلِمَة وَأَنْتُم فِي بِلَادكُمْ من أعيانها فَإِن أذعنتم أذعن غَيْركُمْ فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس فَهَلا جمعت الْكَلِمَة بترك تلمسان فَإِنَّهُم أقرب إِلَيْك منا فَقَالَ الْمَنْصُور قَالَ النَّبِي ﷺ اتْرُكُوا التّرْك مَا تركوكم فامتثلنا الحَدِيث فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس ذَاك زمَان وَبعده قَالَ ابْن عَبَّاس لَا تتركوا التّرْك وَإِن تركوكم فَسكت الْمَنْصُور وانفض الْمجْلس
وَلما سرح الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس تصدر لنشر الْعلم وأهرع النَّاس إِلَيْهِ للأخذ عَنهُ وَلم يزل بمراكش إِلَى أَن مَاتَ الْمَنْصُور لِأَنَّهُ مَا سرحهم حَتَّى شَرط عَلَيْهِم السُّكْنَى بمراكش وَلما توفّي أذن ابْنه زَيْدَانَ لآل آقيت فِي الرُّجُوع إِلَى بِلَادهمْ بعد أَن مَاتَ جمَاعَة مِنْهُم بمراكش وَقد كَانَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس يتشوق إِلَى
стр. 991
رُؤْيَة بلدته ويسكب العبرات عِنْد ذكرهَا وَلم ييأس من روح الله فِي الْعود إِلَيْهَا وَله فِي ذَلِك شعر على طَريقَة الْفُقَهَاء وَلما خرج من مراكش قَاصِدا بَلَده شيعه أَعْيَان طلبتها فَأخذ بَعضهم بِيَدِهِ عِنْد الْوَدَاع وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذِي فرض عَلَيْك الْقُرْآن لرادك إِلَى معاد﴾ على مَا جرت بِهِ الْعَادة من قرَاءَتهَا عِنْد وداع الْمُسَافِر فَيرجع سالما فَانْتزع الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس يَده بِسُرْعَة وَقَالَ لَا ردني الله إِلَى هَذَا الْمعَاد وَلَا رجعني إِلَى هَذِه الْبِلَاد ثمَّ لحق بتنبكتو فاستقر بهَا إِلَى أَن مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف ﵀
تَتِمَّة
قد تبين لَك بِمَا قصصناه عَلَيْك من أَخْبَار السودَان مَا كَانَ عَلَيْهِ أهل تِلْكَ الْبِلَاد من الْأَخْذ بدين الْإِسْلَام من لدن قديم وَأَنَّهُمْ من أحسن الْأُمَم إسلاما وأقومهم دينا وَأَكْثَرهم للْعلم وَأَهله تحصيلا ومحبة وَهَذَا الْأَمر شَائِع فِي جلّ ممالكهم الموالية للمغرب كَمَا علمت وَبِهَذَا يظْهر لَك شناعة مَا عَمت بِهِ الْبلوى بِبِلَاد الْمغرب من لدن قديم من استرقاق أهل السودَان مُطلقًا وجلب القطائع الْكَثِيرَة مِنْهُم فِي كل سنة وبيعهم فِي أسواق الْمغرب حَاضِرَة وبادية يسمسرون بهَا كَمَا تسمسر الدَّوَابّ بل أفحش قد تمالأ النَّاس على ذَلِك وتوالت عَلَيْهِ أجيالهم حَتَّى صَار كثير من الْعَامَّة يفهمون أَن مُوجب الاسترقاق شرعا هُوَ اسوداد اللَّوْن وَكَونه مجلوبا من تِلْكَ النَّاحِيَة وَهَذَا لعمر الله من أفحش المناكر وَأَعْظَمهَا فِي الدّين إِذْ أهل السودَان قوم مُسلمُونَ فَلهم مَا لنا وَعَلَيْهِم مَا علينا وَلَو فَرضنَا أَن فيهم من هُوَ مُشْرك أَو متدين بدين آخر غير الْإِسْلَام فالغالب عَلَيْهِم الْيَوْم وَقبل الْيَوْم بِكَثِير إِنَّمَا هُوَ الْإِسْلَام وَالْحكم للْغَالِب وَلَو فَرضنَا أَن لَا غَالب وَإِنَّمَا الْكفْر وَالْإِسْلَام هُنَالك متساويان فَمن لنا بِأَن المجلوب مِنْهُم هُوَ من صنف الْكفَّار لَا الْمُسلمين وَالْأَصْل فِي نوع الْإِنْسَان هُوَ الْحُرِّيَّة والخلو عَن مُوجب الاسترقاق ومدعي خلاف الْحُرِّيَّة مُدع لخلاف الأَصْل وَلَا ثِقَة بِخَبَر الجالبين لَهُم والبائعين لَهُم لما تقرر وَعلم فِي الباعة مُطلقًا من الْكَذِب عِنْد بيع سلعهم وإطرائها بِمَا لَيْسَ فِيهَا وَفِي باعة
стр. 992
الرَّقِيق خُصُوصا مِمَّا هُوَ أَكثر من ذَلِك كَيفَ وَنحن نرى أَن الَّذين يجلبونهم أَو يتجرون فيهم إِنَّمَا هم من لَا خلاق لَهُم وَلَا مُرُوءَة وَلَا دين وَالزَّمَان كَمَا علمت وَأَهله كَمَا ترى وَلَا يعْتَمد أَيْضا على قَول ذَلِك العَبْد نَفسه أَو الْأمة نَفسهَا كَمَا نَص عَلَيْهِ الْفُقَهَاء لاخْتِلَاف الْأَغْرَاض وَالْأَحْوَال فِي ذَلِك فَإِن البَائِع لَهُم قد يَضْرِبهُمْ حَتَّى لَا يقرونَ إِلَّا بِمَا لَا يقْدَح فِي صِحَة بيعهم وَقد يكون للْعَبد أَو الْأمة غَرَض فِي الْخُرُوج من ملك من هُوَ بِيَدِهِ بِأَيّ وَجه كَانَ فيهون عَلَيْهِ أَن يقر على نَفسه بالرقية كي ينفذ بَيْعه عَاجلا إِلَى غير ذَلِك من الْأَغْرَاض وَقد استفاض عَن أهل الْعدْل وَغَيرهم أَن أهل السودَان الْيَوْم وَقبل الْيَوْم يُغير بَعضهم على بعض ويختطف بَعضهم أَبنَاء بعض ويسرقونهم من الْأَمَاكِن النائية عَن مداشرهم وعمرانهم وَإِن فعلهم ذَلِك كَفعل أَعْرَاب الْمغرب فِي إغارة بَعضهم على بعض واختطاف دوابهم ومواشيهم أَو سرقتها وَالْكل مُسلمُونَ وَإِنَّمَا الْحَامِل لَهُم على ذَلِك قلَّة الدّيانَة وَعدم الْوَازِع فَكيف يسوغ للمحتاط لدينِهِ أَن يقدم على شِرَاء مَا هُوَ من هَذَا الْقَبِيل وَكَيف يجوز لَهُ التَّسَرِّي بإناثهم وَفِي ذَلِك مَا فِيهِ من الْإِقْدَام على فرج مَشْكُوك
وَقد قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ ﵁ فِي كتاب الْحَلَال وَالْحرَام من إحْيَاء عُلُوم الدّين مَا نَصه اعْلَم أَن كل من قدم إِلَيْك طَعَاما أَو هَدِيَّة أَو أردْت أَن تشتري مِنْهُ أَو تتهب فَلَيْسَ لَك أَن تفتش عَنهُ وتسأل وَتقول هَذَا مِمَّا لَا أتحقق حلّه فَلَا آخذه بل أفتش عَنهُ وَلَيْسَ لَك أَيْضا أَن تتْرك الْبَحْث فتأخذ كل مَا لَا تتيقن تَحْرِيمه بالسؤال وَاجِب مرّة وَحرَام مرّة ومندوب مرّة ومكروه مرّة فَلَا بُد من تَفْصِيله وَالْقَوْل الشافي فِيهِ هُوَ أَن مَظَنَّة السُّؤَال مواقع الرِّيبَة ثمَّ أَطَالَ ﵁ فِي تَقْرِير ذَلِك وَصرح بِأَن البَائِع إِذا كَانَ مُتَّهمًا على ترويج سلْعَته لَا يعْتَمد على قَوْله فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْأَمْوَال فَكيف باسترقاق الرّقاب وَملك الأبضاع الَّذين للشارع بهما مزِيد اعتناء كَمَا هُوَ مَعْلُوم من الشَّرْع وأصوله
وَقد ذكر الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بَابا فِي تَقْيِيده الْمَوْضُوع فِي هَذِه
стр. 993
الْمَسْأَلَة الْمُسَمّى بمعراج الصعُود تَفْصِيلًا ختم بِهِ كَلَامه وَذكر قبائل من كفار السودَان مثل موشى وَبَعض فلَان وَغَيرهم وَقَالَ إِن كل من كَانَ من هَؤُلَاءِ الْقَبَائِل فَيجوز استرقاقه وَكَذَلِكَ ذكر ولي الدّين ابْن خلدون إِن وَرَاء النّيل قوما من السودَان يُقَال لَهُم لملم قَالَ وهم كفار ويكتوون فِي وُجُوههم وأصداغهم قَالَ وَأهل غانة والتكرور يغيرون عَلَيْهِم ويسبونهم ويبيعونهم للتجار فيجلبونهم إِلَى الْمغرب وهم عَامَّة رقيقهم وَلَيْسَ وَرَاءَهُمْ فِي الْجنُوب عمرَان يعْتَبر إِلَى آخر كَلَامه لَكِن هَذَا التَّفْصِيل الَّذِي ذكره الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس إِنَّمَا ينفع أهل تِلْكَ الْبِلَاد المجاورين لَهُم والمطلعين على المجلوب مِنْهُم وَمن غَيرهم فَأَما أهل الْمغرب الَّذين هم من وَرَاء وَرَاء وَبينهمْ وَبَين أَرض السودَان مهامه فيح وقفار لَا يعمرها إِلَّا الرّيح فَمن الَّذِي يُحَقّق لَهُم ذَلِك وَقد قُلْنَا إِنَّه لَا يجوز الِاعْتِمَاد على قَول الجالبين لَهُم وَأَيْضًا فَمن لنا بِأَن أُولَئِكَ الْقَبَائِل لَا زَالُوا على كفرهم إِلَى الْآن على أَن النَّاس الْيَوْم لَا يلتفتون إِلَى ذَلِك أصلا وَمهما رأى أحدهم العَبْد أَو الْأمة يسمسر فِي السُّوق إِلَّا وَيقدم على شِرَائِهِ غافلا عَن هَذَا كُله لَا يسْأَل إِلَّا عَن عُيُوب بدنه لَا فرق فِي ذَلِك بَين أسود أَو أَبيض وَغَيرهمَا بل صَار الفسقة الْيَوْم وَأهل الجراءة على الله يختطفون أَوْلَاد الْأَحْرَار من قبائل الْمغرب وقراه وأمصاره ويبيعونهم فِي الْأَسْوَاق جهارا من غير نَكِير وَلَا امتعاض للدّين وَصَارَ النَّصَارَى وَالْيَهُود يشترونهم ويسترقونهم بمرأى منا ومسمع وَذَلِكَ عُقُوبَة من الله لنا لَو اعْتبرنَا فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على مَا دهينا بِهِ فِي ديننَا
فَالْحَاصِل أَنه لما كَانَ الأَصْل فِي النَّاس هُوَ الْحُرِّيَّة كَمَا قُلْنَا وَعلم تواترا أَن أهل بِلَاد السودَان الموالية لنا جلهم أَو كلهم مُسلمُونَ واستفاض عَن أهل الْعدْل وَغَيرهم أَنهم يُغير بَعضهم على بعض ويختطف بَعضهم أَبنَاء بعض ويبيعونهم ظلما وعدوانا ورأينا بِالْمُشَاهَدَةِ أَن الجالبين لَهُم والمتجرين فيهم إِنَّمَا هم من لَا خلاق لَهُم وَلَا دين لَهُم لم يبْق لنا توقف فِي أَن الْإِقْدَام على شِرَاء هَذَا الصِّنْف مَحْظُور فِي الشَّرْع والمقدم عَلَيْهِ مخاطر فِي دينه وَأما
стр. 994
وضع يَد الجالبين لَهُم عَلَيْهِم فَلَا تَكْفِي شرعا فِي جَوَاز الْإِقْدَام على شرائهم مِنْهُم لضعف هَذِه الْعَلامَة بِمَا أحتف بهَا من الْقَرَائِن المكذبة لَهَا وليستفت الْمَرْء قلبه فقد قَالَ ﷺ استفت قَلْبك وَإِن أفتوك فَإِنَّهُ مَتى رَجَعَ إِلَى قلبه فِي هَذِه المعضلة إِلَّا وَلَا يقدر أَن يحوم حول هَذَا الْحمى بِحَال ثمَّ تنزل عَن هَذَا كُله ونقول لَو لم يكن فِي ذَلِك إِلَّا الشُّبْهَة القوية وَفَسَاد الزَّمَان ورقة ديانَة أَهله لَكَانَ فِي هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة مَعَ مُلَاحظَة سد الذريعة الَّذِي هُوَ أحد أصُول الشَّرِيعَة لَا سِيمَا عِنْد الإِمَام مَالك ﵁ مَا يَقْتَضِي وجوب التخلي عَن مُلَابسَة هَذِه الْمفْسدَة المزرية بِالْعرضِ وَالدّين فنسأله سُبْحَانَهُ أَن يوفق من ولاه أَمر الْعباد لحسم مَادَّة هَذِه الْفساد فَإِن سَبَب الاسترقاق الشَّرْعِيّ الَّذِي كَانَ على عهد النَّبِي ﷺ وَالسَّلَف الصَّالح مَفْقُود الْيَوْم وَهُوَ السَّبي النَّاشِئ عَن الْجِهَاد الْمَقْصُود بِهِ إعلاء كلمة الله تَعَالَى وسوق النَّاس إِلَى دينه الَّذِي اصطفاه لِعِبَادِهِ هَذَا هُوَ ديننَا الَّذِي شَرعه لنا نَبينَا ﷺ وخلافه خلاف الدّين وَغَيره غير الْمَشْرُوع والتوفيق إِنَّمَا هُوَ بيد الله ﴿رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾
بِنَاء قصر البديع بِحَضْرَة مراكش مرسها الله
قَالَ فِي مناهل الصَّفَا كَانَ السَّبَب الْحَامِل للمنصور على بِنَاء البديع وإنفاقه فِيهِ جلائل الْأَمْوَال ونفائس الذَّخَائِر هُوَ أَنه أَرَادَ أَن تكون لأهل الْبَيْت بِهِ مأثرة وشفوف على دولة البرابر من المرابطين والموحدين وَمن بعدهمْ فَإِن كلا من أهل تِلْكَ الدول أبقى بِنَاء يحيا بِهِ ذكره وَلم يكن لأهل الْبَيْت فِي ذَلِك الْمَعْنى شَيْء تزداد بِهِ حظوتهم مَعَ أَنهم أَحَق النَّاس بالمجد والسؤدد الأثيل فتصدى لبنائه بِقصد تشريف أهل الْبَيْت لِأَن الْبناء كَمَا قيل
(همم الْمُلُوك إِذا أَرَادوا ذكرهَا ... من بعدهمْ فبألسن الْبُنيان)
(إِن الْبناء إِذا تعاظم شَأْنه ... أضحى يدل على عَظِيم الشَّأْن)
قلت هَذَا اعتذار بَارِد كَمَا لَا يخفى
стр. 995
وَلما أَرَادَ الْمَنْصُور أَن يشرع فِيهِ أحضر أهل الْعلم وَمن يتسم بالصلاح فتحينوا أَوَان الِابْتِدَاء وَوقت الشُّرُوع فِيهِ فَكَانَ ابْتِدَاء الشُّرُوع فِي تأسيسه فِي شَوَّال خَامِس الْأَشْهر من خِلَافَته سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة واتصل الْعَمَل فِيهِ إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَألف وَلم يَتَخَلَّل ذَلِك فَتْرَة وحشد لَهُ الصناع حَتَّى من بِلَاد الإفرنجية فَكَانَ يجْتَمع كل يَوْم فِيهِ من أَرْبَاب الصَّنَائِع ومهرة الْحُكَمَاء خلق عَظِيم حَتَّى كَانَ بِبَابِهِ سوق عَظِيم يَقْصِدهُ التُّجَّار ببضائعهم ونفائس أعلاقهم وجلب لَهُ الرخام من بِلَاد الرّوم فَكَانَ يَشْتَرِيهِ مِنْهُم بالسكر وزنا بِوَزْن على مَا قيل
وَكَانَ الْمَنْصُور قد اتخذ معاصر السكر بِبِلَاد حاحة وشوشاوة وَغَيرهمَا حَسْبَمَا ذكره الفشتالي ﵀ فِي المناهل
وَأما جبصه وجيره وَبَاقِي أنقاضه فَإِنَّهَا جمعت من كل جِهَة وحملت من كل نَاحيَة حَتَّى أَنه وجدت بطاقة فِيهَا أَن فلَانا دفع صَاعا من جير حمله من تنبكتو وظف عَلَيْهِ فِي غمار النَّاس
وَكَانَ الْمَنْصُور مَعَ ذَلِك يحسن إِلَى الأجراء غَايَة الْإِحْسَان ويجزل صلَة العارفين بِالْبِنَاءِ ويوسع عَلَيْهِم فِي الْعَطاء وَيقوم بمؤن أَوْلَادهم كي لَا تتشوف نُفُوسهم وتتشعب أفكارهم
وَهَذَا البديع دَار مربعة الشكل وَفِي كل جِهَة مِنْهَا قبَّة رائقة الْهَيْئَة وأحتف بهَا مصانع أخر من قباب وقصور ودور فَعظم بذلك بِنَاؤُه وطالت مسافته وَلَا شكّ أَن هَذَا البديع من أحسن المباني وأعجب المصانع يقصر عَنهُ شعب بوان وينسى ذكر غمدان ويبخس الزهراء والزاهره ويزري بقباب الشَّام وأهرام الْقَاهِرَة وَفِيه من الرخام المجزع والمرمر الْأَبْيَض وَالْأسود مَا يحير الْفِكر ويدهش النّظر وكل رخامة طلي رَأسهَا بِالذَّهَب الذائب وموه بالنضار الصافي وفرشت أرضه بالرخام العجيب النحت الصافي الْبشرَة وَجعل فِي أَضْعَاف ذَلِك الزليج المتنوع التلوين حَتَّى كَأَنَّهُ خمائل الزهر أَو برد موشى من عمل صنعاء وتستر وَأما سقوفه فتجسم فِيهَا الذَّهَب وطليت الجدرات بِهِ مَعَ بديع النقش ورائق الرقم بخالص الجبص فتكاملت فِيهِ المحاسن وأجرى بَين قبابه
стр. 996
مَاء غير آسن وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن هَذَا البديع كَانَ من المباني المتناهية الْبَهَاء وَالْإِشْرَاق المباهية لزوراء الْعرَاق وَمن المصانع الَّتِي هِيَ جنَّة الدُّنْيَا وفتنة الْمحيا ومنتهى الْوَصْف وموقف السرُور والقصف
(كل قصر بعد البديع يذم ... فِيهِ طَابَ المجنى وطاب المشم)
(منظر رائق وَمَاء نمير ... وثرى عاطر وقصم أَشمّ)
(إِن مراكشا بِهِ قد تباهت ... مفخرا فَهِيَ للعلا الدَّهْر تسمو)
وَبِه من الْأَشْعَار المرقومة فِي الأستار والأبيات المنقوشة فِي الْجِهَات على الْخشب والزليج والجبص مَا يسر النَّاظر ويروق المتأمل ويبهر الْعُقُول وعَلى كل قبَّة مَا يُنَاسِبهَا وَفِي بعض القباب مفاخرة على لسانها لمقابلتها وتتبع ذَلِك يطول لَكِن لَا بَأْس أَن نلم هُنَا بثمالة من ذَلِك الْحَوْض ونخوض فِي بحار تِلْكَ الْبَدَائِع بعض الْخَوْض إِذْ فِي ذَلِك عِبْرَة لمن اعْتبر وترويح للقلوب بكيفية فعل الدَّهْر بِمن غبر فَمن ذَلِك مَا نقش خَارج الْقبَّة الخمسينية لِأَن فِيهَا خمسين ذِرَاعا بِالْعَمَلِ من إنْشَاء الْكَاتِب البليغ أبي فَارس عبد الْعَزِيز الفشتالي على لِسَان الْقبَّة الْمَذْكُورَة
(سموت فَخر الْبَدْر دوني وانحطا ... وَأصْبح قرص الشَّمْس فِي أُذُنِي قرطا)
(وصغت من الإكليل تاجا لمفرقي ... ونيطت بِي الجوزاء فِي عنقِي سمطا)
(ولاحت بأطواقي الثريا كَأَنَّهَا ... نثير جمان قد تتبعته لقطا)
(وعديت عَن زهر النُّجُوم لأنني ... جعلت على كيوان رحلي منحطا)
(وأجريت من فيض السماحة والندى ... خليجا على نهر المجرة قد غطا)
(عقدت عَلَيْهِ الجسر للفخر فارتمت ... إِلَيْهِ وُفُود الْبَحْر تغرف مَا أنطا)
(ينضنض مَا بَين الغروس كَأَنَّهُ ... وَقد رقرقت حصباؤه حَيَّة رقطا)
(حواليه من دوح الرياض خرائد ... وغيد تجر من خمائلها مِرْطًا)
(إِذا أرْسلت لدن الْفُرُوع وَفتحت ... جنى الزهر لَاحَ فِي ذوائبها وخطا)
(يرنحها مر النسيم إِذا سرى ... كَمَا مَال نشوان تشرب اسفنطا)
(يشق رياضا جادها الْجُود والندى ... سَوَاء لَدَيْهَا الْغَيْث أسكب أم أَبْطَا)
(وسالت بسلسال اللجين حياضه ... بحارا غَدا عرض الْبَسِيط لَهَا شطا)
стр. 997
(تطلع مِنْهَا وسط وسطاه دمية ... هِيَ الشَّمْس لَا تخشى كسوفا وَلَا غمطا)
(حكت وحباب المَاء فِي جنباتها ... سنا الْبَدْر حل من نُجُوم السما وسطا)
(إِذا غازلتها الشَّمْس ألْقى شعاعها ... على جسمها الفضي نَهرا بهَا لطا)
(توسمت فِيهَا من صفاء أديمها ... نقوشا كَأَن الْمسك ينقطها نقطا)
(إِذا اتسقت بيض القباب قلادة ... فَأنى لَهَا فِي الْحسن درتها الوسطا)
(تكنفني بيض الدمى فَكَأَنَّهَا ... عذارى نضت عَنْهَا القلائد والريطا)
(قدود وَلَكِن زَادهَا الْحسن عريها ... وأجمل فِي تنعيمها النحت والخرطا)
(سمت صعدا تيجانها فَكسرت ... فوارير أفلاك السَّمَاء بهَا ضغطا)
(فيالك شأوا بالسعادة آهلا ... بأكنافه رَحل الْعلَا وَالْهدى حطا)
(وكعة مجد شادها الْعِزّ فانبرت ... تَطوف بمعناها أماني الورى شوطا)
(ومسرح غزلان الصريم كناسها ... حنايا قباب لَا الْكتب وَلَا السقطا)
(فلكن بِهِ مَا طَابَ لَا الإثل والخمطا ... ووسدن فِيهِ الوشي لَا السدر والأرطا)
(ثراه من الْمسك الفتيت مُدبر ... إِذا مازجته السحب عَاد بهَا خلطا)
(وَإِن باكرته نسمَة ينسري بهَا ... إِلَى كل أنف عرف عنبره قسطا)
(أقرَّت لَهُ الزهراء والخلد وانثنت ... أواوين كسْرَى الْفرس تغبطه غبطا)
(جناب رواق الْمجد فِيهِ مطنب ... على خير من يعزى لخير الورى سبطا)
(إِمَام يسير الدَّهْر تَحت لوائه ... وترسي سفائن الْعلَا حَيْثُمَا حطا)
(وفتاح أقطار الْبِلَاد بفيلق ... يفلق هامات العدا بالظبي خبطا)
(تطلع من خرصاته الشهب فانثنت ... ذوائب أَرض الزنج من ضوءها شُمْطًا)
(كتائب نصران جرت لملمة ... جرت قبلهَا الأقدار تسبقها فرطا)
(إِذا مَا عقدن راية علوِيَّة ... جعلن ضَمَان الْفَتْح فِي عقدهَا شرطا)
(فَمَا للسما تِلْكَ الْأَهِلّة إِنَّمَا ... سنابكها أبقت مِثَالا بهَا خطا)
(يطاوع أَيدي المعلوات عنانها ... فيعتاض من قبض الزَّمَان بهَا بسطا)
(يَد لأمير الْمُؤمنِينَ بكفها ... زِمَام يَقُود الرّوم وَالْفرس والقبطا)
(أدَار جدارا للعلا وسرادقا ... يحوط جِهَات الأَرْض من رعيه حوطا)
وَقَالَ أَيْضا مِمَّا كتب بداخل الْقبَّة الْمَذْكُورَة
стр. 998
(جمال بدائعي سحر العيونا ... ورونق منظري بهر الجفونا)
(وَقد حسنت بقوسي واستطارت ... سنا يغشى عُيُون الناظرينا)
(وأطلع سمكي الْأَعْلَى نجوما ... ثواقب لَا تغور الدَّهْر حينا)
(وجوى من دُخان الند ألْقى ... على أرضي الغياهب والدجونا)
(عَلَوْت دوائر الأفلاك سبعا ... لذاك الدَّهْر مَا ألفت سكونا)
(فصغت من الْأَهِلّة والحنايا ... أساور والخلاخل والبرينا)
(تكنفني حِيَاض مائحات ... أَمَامِي وَالشَّمَائِل واليمينا)
(يُقيد حسنها الطّرف انفساحا ... وَيجْرِي الْفلك فِيهَا والسفينا)
(تدافع نهرها نحوي فَلَمَّا ... علاهُ الْبَحْر فِي غَدا دَفِينا)
(وَقد نشر الْحباب على سَمَّاهَا ... لآلي تزدري العقد الثمينا)
(فخرت وَحقّ لي لما اجتباني ... لمجلسه أَمِير المؤمنينا)
(هُوَ الْمَنْصُور حائز فصل سبق ... وباني الْمجد بنيانا مكينا)
(وَلَيْث وغى إِذا زأر امتعاضا ... يروع زئيره هندا وصينا)
(إِذا أمت كتائبه الأعادي ... بعثن برعبه جَيْشًا كمينا)
(يُدِير عَلَيْهِم من كل حَرْب ... تدقهم رحى أَو منجنونا)
(إِمَام بالمغارب لَاحَ شمسا ... بهَا الشرق اكتسى نورا مُبينًا)
(بقيت بِذِي الْقُصُور الغر بَدْرًا ... تلوح بأفقهن مدى السنينا)
(تحف بكم عواكف عِنْد بَابي ... مَلَائِكَة كرام كاتبينا)
(لَك الْبُشْرَى أَمِير الْمُؤمنِينَ ادخلوها ... مَعَ سَلام آمنينا)
وَقَالَ أَيْضا مِمَّا كتب فِي بهوها بمرمر أسود فِي أَبيض
(لله بهو عز مِنْهُ نَظِير ... لما غَدا كالروض وَهُوَ نضير)
(رصفت نقوش حلاه رصف قلائد ... قد نضدتها فِي النحور الْحور)
(فَكَأَنَّهَا والتبر سَالَ خلالها ... وشي وَفِضة تربها كافور)
(وَكَأن أَرض قراره ديباجة ... قد زَان حسن طرازها تشجير)
(وَإِذا تصاعد نده نوأ فَفِي ... أنماطه نور بِهِ مَمْطُور)
(شأو الْقُصُور قُصُورهَا عَن وَصفه ... سيان فِيهِ خورنق وسدير)
стр. 999
(فَإِذا أجلت اللحظ فِي جنباته ... يرْتَد وَهُوَ بحسنه محسور)
(وَكَأن موج البركتين أَمَامه ... حركات سحب صافحته دبور)
(صفت بضفتها تماثل فضَّة ... ملك النُّفُوس بحسنها تَصْوِير)
(فتدير من صفو الزلَال مُعَللا ... يسري إِلَى الْأَرْوَاح مِنْهُ سرُور)
(مَا بَين آساد يهيج زئيرها ... وأساود يَعْلُو لَهُنَّ صفير)
(ودحت من الْأَنْهَار أَرض زجاجة ... وأضلها فلك يضيء مُنِير)
(راقت فَمن حصبائها وفواقع ... يطفو عَلَيْهَا اللُّؤْلُؤ المنثور)
(يَا حسنه من مصنع فبهاؤه ... باهى نُجُوم الْأُفق وَهِي تنور)
(وكأنما زهر الرياض بجنبه ... حَيْثُ الْتفت كواكب وبدور)
(ولدسته الأسمى تخير رصفه ... فَخر الورى وإمامها الْمَنْصُور)
(ملك أناف على الفراقد رُتْبَة ... وَأقله فَوق السماك سَرِير)
(قطب الْخلَافَة تَاج مفرق دولة ... رميت بجحفلها اللهام الكور)
(وَجرى إِلَى أقْصَى الْعرَاق لرعبها ... جَيش على جسر الْفُرَات عبور)
(نجل النَّبِي ابْن الْوَصِيّ سليل من ... حقن الدِّمَاء وعف وَهُوَ قدير)
(بَحر الندى لكنه متموج ... سيف الْعلَا لكنه مطرور)
(طود يخف لحلمه ووقاره ... ولجيشه يَوْم النزال ثبير)
(دَامَت معاليه ودام ومجده ... طوق على جيد الْعلَا مزرور)
(وتعاهدته من الْفتُوح بشائر ... يَغْدُو عَلَيْهِ بهَا مسا وبكور)
(مَا زَالَ منزل سعده يرتاده ... نصر يرف لِوَاؤُهُ المنشور)
(وَجَرت بِهِ مرحا جِيَاد مَسَرَّة ... وأدار كأس الْأنس فِيهِ سمير)
وَقَالَ بعض الْكتاب مِمَّا نقش فِي عضادتي بَاب الْقبَّة الخمسينية الْمَذْكُورَة
(يَا نَاظرا بِاللَّه قف وَتَأمل ... وَانْظُر إِلَى الْحسن البديع الْأَكْمَل)
(وَإِذا نظرت إِلَى الْحَقِيقَة فَلْتَقُلْ ... السِّرّ فِي السكان لَا فِي الْمنزل)
وَقَالَ بعض الْكتاب أَيْضا مَا طرزت بِهِ الأستار المذهبة المحكمة الصَّنْعَة لتستر بهَا النواحي الْأَرْبَعَة من الْقبَّة الخمسينية وَتسَمى هَذِه الأستار عِنْد أهل
стр. 1000
الْمغرب بالحائطي فَفِي الْجِهَة الأولى
(متع جفونك فِي بديع لباسي ... وأدر على حسني حميا الكاس)
(هذي الرِّبَا وَالرَّوْض من جرعائها ... لم تغتذي بالعارض البجاس)
(أَنى لروض أَن يروق بهاؤه ... مثلي وَأَن يجْرِي على مقياسي)
(فالروض تغشاه السوام وَإِنَّمَا ... تأوي إِلَى كنفي ظباء كناس)
وَفِي الْجِهَة الثَّانِيَة
(من كل حسنا كالقضيب إِذا انثنى ... تزري بِغُصْن البانة المياس)
(وَلَقَد نشرت على السماك ذوائبي ... وَنظرت من شرز إِلَى الكناس)
(وجررت ذيلي بالمجرة عابثا ... فخرا بمخترعي أبي الْعَبَّاس)
(مَا نيط مثلي فِي القباب وَلَا ازدهت ... بفتى سواهُ مَرَاتِب وكراس)
وَفِي الْجِهَة الثَّالِثَة
(ملك تقاصرت الْمُلُوك لعزه ... وَرَمَاهُمْ بالذل والإتعاس)
(غيث الْمَوَاهِب بَحر كل فَضِيلَة ... لَيْث الحروب مسعر الأوطاس)
(فَرد المحاسن والمفاخر كلهَا ... قطب الْجمال أَخُو الندى والباس)
(ملك إِذا وافى الْبِلَاد تأرجت ... مِنْهُ الوهاد بعاطر الأنفاس)
وَفِي الْجِهَة الرَّابِعَة
(وَإِذا تطلع بدره من هَالة ... يعشى سناه نواظر الْجلاس)
(أَيَّامه غرر تجلت كلهَا ... أبهى من الأعياد والأعراس)
(لَا زَالَ للمجد السّني يشده ... وَيُقِيم مبناه على الأساس)
(مَا مَال بالغصن النسيم وكللت ... دُرَر الندى فِي جيده المياس)
وَقَالَ أَبُو فَارس الفشتالي مِمَّا كتب على المصرية المطلة على الرياض المرتفعة على الْقبَّة الخضراء من بديع الْمَنْصُور وَكَانَ أَنْشَأَهَا فِي جُمَادَى الأولى من سنة خمس وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة
(باكر لدي من السرُور كؤوسا ... وَأَرْض النديم أَهله وشموسا)
(وأعرج على غرفي المنيف سماؤها ... تلق الفراقد فِي حماي جُلُوسًا)
стр. 1001
(وَإِذا طلعت بأوجها قمر الْعلَا ... لَا تَرْتَضِي غير النُّجُوم جَلِيسا)
(شَرق الْقُصُور بريقها لما اجتلت ... مني على بسط الرياض عروسا)
(واعتضت بالمنصور أَحْمد ضيغما ... وردا تخير من بديعي خيسا)
(ملك أرى كل الْمُلُوك ممالكا ... لعلاه وَالدُّنْيَا عَلَيْهِ حَبِيسًا)
(وَهُنَاكَ يَا شرف الْخلَافَة دولة ... تلقى برايتها طلائع عيسا)
وَقَالَ أَيْضا مِمَّا كتب فِي بعض المباني البديعية
(مَعَاني الْحسن تظهر فِي المغاني ... ظُهُور السحر فِي حدق الحسان)
(مشابه فِي صِفَات الْحسن أضحت ... تمت بهَا المغاني للغواني)
(بِكُل عَمُود صبح من لجين ... تكون فِي استقامة خوط بَان)
(مفصلة القدود مثلثات ... مُوَاصلَة العناق من التدان)
(تردت سابري الْحسن يزري ... بِحسن السابري الخسرواني)
(وتعطو الخيزرانة من حماها ... بسالفة القطيع البرهماني)
(لمجدك تنتمي لَكِن نماها ... إِلَى صنعاء مَا صنع اليدان)
(يدين لَك ابْن ذِي يزن ويعنو ... لَهما غمدان فِي أَرض الْيَمَانِيّ)
(غَدَتْ حرما وَلَكِن حل فِيهَا ... لوفدكم الْأمان مَعَ الْأَمَانِي)
(مبان بالخلافة آهلات ... بهَا يَتْلُو الْهدى السَّبع المثاني)
(هِيَ الدُّنْيَا وساكنها إِمَام ... لأهل الأَرْض من قاص وداني)
(قُصُور مَا لَهَا فِي الأَرْض شبه ... وَمَا فِي الْمجد للمنصور ثَانِي)
وَقَالَ مِمَّا نقش فِي بعض الْأَبْوَاب
(هذي وُفُود السعد نحوي ترتمي ... وطلائع الْبُشْرَى لبابي تنتمي)
(وسمت إِلَيّ عفاة عرفك مثل مَا ... يسمو الحجيج إِلَى سِقَايَة زَمْزَم)
(حطت بمصراعي السُّعُود بشائرا ... لاحت على الشرفات مثل الأنجم)
(وَأَوَان صنعي أَن تَقول وَلَا تبل ... ببديع أَحْمد جنَّة المتنعم)
وَقَالَ الفشتالي لما عرضت عَلَيْهِ هَذِه الأبيات استحسنها إِلَّا أَنه كره لَفْظَة جنَّة وَتغَير مِنْهَا كثيرا وَقَالَ الْوَزير الأديب أَبُو الْحسن عَليّ بن مَنْصُور الشيظمي مِمَّا كتب على مُبَاح قبَّة الزّجاج
стр. 1002
(إِن شِئْت تَارِيخ إِكْمَال البديع فَقل ... إيوَان أَحْمد إيوَان السعادات)
وَقَالَ الْوَزير الْمَذْكُور مِمَّا نقش على أحد أَبْوَاب البديع
(بَاب أَتَى كبراعة استهلال ... وكأنما الْقصر القصيد التَّالِي)
(ولذاك سمي بالبديع وَجَاء بَال ... إغراق والتجنيس والإيفال)
(وأتى التَّمام فَقلت فِي تَارِيخه ... بَيْتا بِلَا عقد وَلَا إِشْكَال)
(صرح على تقوى من الله انبنى ... فِي طالع للسعد والإقبال)
وَقَالَ أَيْضا فِي تَمام البديع مهنئا
(يَا مليكا ملكه فِيمَن ملك ... كطلوع الْفجْر من بعد الحلك)
(تمّ هَذَا الْقصر فاسكنه على ... حسن حَال بدوام الْملك لَك)
وَكَانَ الْفَرَاغ من تَمام البديع سنة اثْنَتَيْنِ وَألف وَفِي تَارِيخه يَقُول الْوَزير الْمَذْكُور وَهُوَ مِمَّا نقش بِبَاب الرخام أحد أَبْوَاب البديع
(الْحسن لفظ وَهَذَا الْقصر مَعْنَاهُ ... ياما أميلح مرآه وَأَبْهَاهُ)
(فَهُوَ البديع الَّذِي راقت بدائعه ... وطابق اسْم لَهُ فِيهِ مُسَمَّاهُ)
(صرح أُقِيمَت على التَّقْوَى قَوَاعِده ... وَدلّ مِنْهُ على التَّارِيخ مَعْنَاهُ)
(ولاح أَيْضا وَعين الْحِفْظ تكلاه ... تَارِيخه من تَمام قل هُوَ الله)
قَالَ فِي نفح الطّيب اخترع الْمَنْصُور من المصانع ثَلَاثَة أَشْيَاء فَجَاءَت غَرِيبَة الشكل بديعة الْحسن وَهِي البديع والسمرة والمشتهى وَفِيهِمَا يَقُول الْمَنْصُور موريا
(بُسْتَان حسنك أبدعت زهراته ... وَلكم نهيت الْقلب عَنهُ فَمَا انْتهى)
(وقوام غصنك بالمسرة ينثني ... يَا حسن رمان بِهِ للمشتهى) اه
قَالَ اليفرني وَالَّذِي ذكره صَاحب كتاب الْبَيَان الْمغرب عَن أَخْبَار الْمغرب وَهُوَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عِذَارَيْ الأندلسي حَسْبَمَا رَأَيْته فِي السّفر الثَّانِي مِنْهُ أَن أول من أنشأ المسرة الَّتِي بِظَاهِر جنان الصَّالِحَة عبد الْمُؤمن بن عَليّ كَبِير الْمُوَحِّدين قَالَ وَهُوَ بُسْتَان طوله ثَلَاثَة أَمْيَال وَعرضه قريب مِنْهَا فِيهِ كل فَاكِهَة تشْتَهى وجلب إِلَيْهِ المَاء من أغمات واستنبط لَهُ عيُونا كَثِيرَة
стр. 1003
قَالَ ابْن اليسع وَمَا خرجت أَنا من مراكش فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة إِلَّا وَهَذَا الْبُسْتَان الَّذِي غرسه عبد الْمُؤمن يبلغ مَبِيع زيتونه وفواكهه ثَلَاثِينَ ألف دِينَار مؤمنية على رخص الْفَاكِهَة بمراكش اه وَلَعَلَّ الْمَنْصُور جدد معالم المسرة بعد اندراسها وأفاض سِجَال الْحَيَاة على ميت غراسها وَكَانَ الْمَنْصُور يفتخر بالبديع كثيرا وينوه بِقَدرِهِ وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو فَارس الفشتالي
(هَذَا البديع يعز شبه بَدَائِع ... أبدعتهن بِهِ فجَاء غَرِيبا)
(أضنى الغزالة حسنه حسدا لَهُ ... أبدى عَلَيْهَا للأصيل شحوبا)
(وَانْقَضَت الزهر المنيرة إِذْ رَأَتْ ... زهر الرياض بِهِ ينور عجيبا)
(شيدتهن مصانعا وصنائعا ... أنجزن وَعدك للعلا المرقوبا)
(وجريت فِي كل الفخار لغاية ... أدركتهن وَمَا مسست لغوبا)
(فانعم بملكك دَامَ فِيهِ مُؤَبَّدًا ... تجني بِهِ فنن النَّعيم رطيبا)
وَلما أكمل الْمَنْصُور البديع وَفرغ من تنميق بردته وتطريز حلته صنع مهرجانا عَظِيما ودعا الْأَعْيَان والأكابر فَقدم لَهُم من ضروب الْأَطْعِمَة وصنوف الموائد وأفرغ عَلَيْهِم من العطايا ومنحهم من الجوائز مَا لم يعْهَد مِنْهُ قبل ذَلِك وَكَانَ مِمَّن دخل فِي غمار النَّاس رجل من البهاليل مِمَّن كَانَت لَهُ شهرة بالصلاح فِي الْوَقْت فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور مباسطا كَيفَ رَأَيْت دَارنَا هَذِه يَا فلَان فَقَالَ لَهُ إِذا هدمت كَانَت كدية كَبِيرَة من التُّرَاب فَوَجَمَ لَهَا الْمَنْصُور وَتَطير مِنْهَا وتحكى هَذِه الْحِكَايَة عَن غير الْمَنْصُور فَالله أعلم
قَالَ اليفرني وَقد ظهر مصداق ذَلِك على يَد السُّلْطَان المظفر الْمولى إِسْمَاعِيل بن الشريف فَإِنَّهُ أَمر بهدمه سنة تسع عشرَة وَمِائَة وَألف لموجب يطول شَرحه فهدمت معالمه ومحيت مراسمه وَفرق مَا كَانَ بِهِ من جموع الْإِنْس وَعَاد حصيدا كَأَن لم يغن بالْأَمْس حَتَّى صَار مرعى للكلاب والمواشي ووكرا للصدى والبوم وَحقّ على الله أَن لَا يرفع شَيْئا من الدُّنْيَا إِلَّا وَضعه وَمن الْعَجَائِب أَنه لم يبْق بلد من بِلَاد الْمغرب إِلَّا ودخله شَيْء من أنقاض البديع وَلَقَد تذكرت بِهَذَا مَا حَكَاهُ بعض مؤرخي الأندلس أَن
стр. 1004
الزاهرة الَّتِي بناها الْمَنْصُور بن أبي عَامر وَهِي من عجائب الدُّنْيَا مر عَلَيْهَا فِي أَيَّام الْمَنْصُور بعض أهل البصائر وَهِي فِي نِهَايَة الْعمرَان والازدهاء بسكانها فَقَالَ يَا دَار فِيك من كل دَار فَجعل الله مِنْك فِي كل دَار قَالَ فَضرب الدَّهْر ضرباته وسلط عَلَيْهَا أَيدي الْعدوان فهدمت وَخَربَتْ وَتَفَرَّقَتْ محاسنها حَتَّى نقل بعض أنقاضها إِلَى الْعرَاق
قَالَ اليفرني وَلما دخلت البديع مقفلي من الرحلة وَرَأَيْت مَا هالني أنشدت أبياتا أنشدها الشَّيْخ محيى الدّين بن عَرَبِيّ فِي كتاب المسامرة لما دخل الزاهرة فَوَجَدَهَا متهدمة وَهِي
(ديار بِأَكْنَافِ الملاعب تلمع ... وَمَا أَن بهَا من سَاكن فَهِيَ بلقع)
(ينوح عَلَيْهَا الطير من كل جَانب ... فتصمت أَحْيَانًا وحينا ترجع)
(فخاطبت مِنْهَا طائرا متفردا ... لَهُ شجن فِي الْقلب وَهُوَ مروع)
(فَقلت على مَاذَا تنوح وتشتكي ... فَقَالَ على دهر مضى لَيْسَ يرجع)
وأنشدت مَا أنْشدهُ ابْن الْآبَار فِي تحفة القادم
(قلت يَوْمًا لدار قوم تفانوا ... أَيْن سكانك الْكِرَام علينا)
(فأجابت هُنَا أَقَامُوا قَلِيلا ... ثمَّ سَارُوا وَلست أعلم أَيّنَا)
ثمَّ قَالَ اليفرني ﵀
لَطِيفَة تَأَمَّلت لفظ البديع فَوجدت عدد نقط حُرُوفه بِحِسَاب الْجمل مائَة وَسَبْعَة عشر وَهَذَا الْقدر هُوَ الَّذِي بَقِي فِيهِ البديع قَائِما فَإِنَّهُ فرغ مِنْهُ سنة اثْنَتَيْنِ وَألف وَشرع فِي هَدمه سنة تسع عشرَة وَمِائَة وَألف فمدة عمره مائَة وَسبع عشرَة سنة على عدد اسْمه وَذَلِكَ من غَرِيب الِاتِّفَاق فسبحان من دقَّتْ حكمته وجلت قدرته وعمت رَحمته لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم
стр. 1005
ثورة النَّاصِر ابْن السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه بِبِلَاد الرِّيف ومقتله
كَانَ النَّاصِر هَذَا فِي حَيَاة أَبِيه عبد الله الْغَالِب بِاللَّه خَلِيفَته على تادلا ونواحيها وَلما توفّي أَبوهُ الْمَذْكُور وَقَامَ بِالْأَمر أَخُوهُ المتَوَكل كَمَا اسْتَوْفَيْنَا خَبره قبض على النَّاصِر فاعتقله فَلم يزل معتقلا عِنْده سَائِر أَيَّامه إِلَى أَن قدم المعتصم بِجَيْش التّرْك وانتزع الْملك من يَد المتَوَكل كَمَا مر فسرح النَّاصِر من اعتقاله وَأحسن إِلَيْهِ فَلم يزل عِنْده فِي أرغد عَيْش إِلَى أَن توفّي المعتصم يَوْم وَادي المخازن وأفضى الْأَمر إِلَى الْمَنْصُور ففر النَّاصِر إِلَى آصيلا وَكَانَت لِلنَّصَارَى يَوْمئِذٍ ثمَّ عبر الْبَحْر مِنْهَا إِلَى الأندلس فَكَانَ عِنْد طاغية قشتالة مُدَّة طَوِيلَة إِلَى أَن سرحه الطاغية إِلَى الْمغرب بِقصد تَفْرِيق كلمة الْمُسلمين وإحداث الشقاق بَينهم فَخرج النَّاصِر بمليلية وَنزل بهَا لثلاث مَضَت من شعْبَان سنة ثَلَاث وَألف وتسامعت بِهِ الغوغاء والطغام من أهل تِلْكَ الْبِلَاد فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يزفون فكثرت جموعه وتوفرت جيوشه واهتز الْمغرب بأسره لذَلِك
وَذكر اليفرني فِي الصفوة أَن الْفَقِيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم الْقصار كتب كتابا إِلَى الشَّيْخ الصَّالح أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن ريسون من أهل بِلَاد غمارة وَكَانَ مسموع الْكَلِمَة بهَا يحضه على الاستمساك بدعوة الْمَنْصُور وَأَن يلْزم الطاغية لَهُ فَوَقع الْكتاب فِي يَد الْمَنْصُور فَعرف للشَّيْخ الْقصار حَقه وَلما وَفد عَلَيْهِ بعد ذَلِك وَصله وولاه الْفَتْوَى وَالْخطْبَة بِجَامِع الْقرَوِيين وتفرقة صَدَقَة الْمَسَاكِين
ثمَّ إِن النَّاصِر خرج من مليلية قَاصِدا تازا فَدَخلَهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا ونزعت إِلَيْهِ الْقَبَائِل الْمُجَاورَة لَهَا كالبرانس وَغَيرهم فتألبوا عَلَيْهِ وتمالؤوا على إعزازه وَنَصره وَلما دخل تازا طَالب أَهلهَا بالمكس وَقَالَ لَهُم إِن النَّصَارَى يغرمون حَتَّى على الْبيض وَلما سمع الْمَنْصُور بِخَبَرِهِ أقلقه ذَلِك وتخوف مِنْهُ غَايَة لِأَن النَّاصِر اهتز الْمغرب لقِيَامه وتشوفت النُّفُوس إِلَيْهِ لميل الْقُلُوب عَن الْمَنْصُور لشدَّة وطأته واعتسافه للرعية
قَالَ فِي ابتهاج الْقُلُوب فِي تَرْجَمَة الْوَلِيّ الصَّالح أبي الْحسن عَليّ بن
стр. 1006
مَنْصُور البوزيدي الْمَعْرُوف بِأبي الشكاوي دَفِين شالة إِنَّه كَانَ سائرا يَوْمًا على بغلة وَمَعَهُ أَصْحَابه فَقَالَ لَهُم يَا فُقَرَاء أتسمعون مَا تَقول بغلتي إِنَّهَا تصيح بالنصر لمولاي النَّاصِر وَكَذَلِكَ الشّجر وَالْحجر وَإِنِّي أرى غير ذَلِك فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ اهتز لقِيَام النَّاصِر كل شَيْء ثمَّ قتل عَن قريب وَلم يتم لَهُ أَمر اه
ثمَّ إِن الْمَنْصُور بعث إِلَيْهِ جَيْشًا وافرا فَهَزَمَهُمْ النَّاصِر واستفحل أمره وَتمكن ناموسه من الْقُلُوب فَأمر الْمَنْصُور ولي عَهده الْمَأْمُون بمنازلته فَخرج إِلَيْهِ من فاس فِي تعبية حَسَنَة وهيئة تَامَّة فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ كَانَت الدبرة على النَّاصِر بالموضع الْمَعْرُوف بالحاجب وَمر على وَجهه فاحتل بالجاية بَلْدَة من عمل بِلَاد الزَّبِيب فلحق بِهِ ولي الْعَهْد فَلم يزل فِي مقاتلته إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ فأزال رَأسه وَبعث بِهِ إِلَى مراكش وَكَانَ ذَلِك سنة خمس وَألف وَقيل سنة أَربع وَألف
قَالَ فِي نشر المثاني كَانَ مقتل النَّاصِر وإدخاله مَقْطُوع الرَّأْس إِلَى فاس يَوْم الثُّلَاثَاء الثَّالِث وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة أَربع وَألف وَهُوَ الْأَصَح
وَذكر الشَّيْخ أَبُو عَليّ اليوسي فِي المحاضرات مَا نَصه حدثوا عَن صلحاء تادلا أَنه لما قَامَ على السُّلْطَان أَحْمد الْمَنْصُور ابْن أَخِيه النَّاصِر قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي الْقَاسِم الصومعي إِن النَّاصِر يدْخل تادلا يَعْنِي دُخُول الْملك فَلَمَّا بلغ الْخَبَر إِلَى الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّرْقِي التادلي قَالَ مِسْكين بَابا أَحْمد رأى رَأس النَّاصِر قد دخل تادلا فَظَنهُ النَّاصِر يدخلهَا فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك فَإِنَّهُ هزم فِي نواحي تازا ثمَّ قطع رَأسه وَحمل إِلَى مراكش فَدخل تادلا فِي طَرِيقه اه
وَلما قتل النَّاصِر سر الْمَنْصُور بذلك وأتته الْوُفُود للتهنئة وَقَالَ الشُّعَرَاء فِي ذَلِك مِنْهُم الْكَاتِب أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عمر الشاوي قَالَ
(تهنأ أَمِير الْمُؤمنِينَ فقد جرت ... بسطوتك الأقدار جري السوابق)
(أَضَاءَت لَك الْأَيَّام واحلولكت على ... عَدوك وارتجت رُؤُوس الشواهق)
(وَذَاكَ الَّذِي قد خيب الله سعده ... تردى فَلم تَنْفَعهُ نصْرَة مارق)
(فَكَانَ كَمَا قد قيل لَكِن رَأسه ... أَتَى سَابِقًا وَالرجل لَيست بسابق)
стр. 1007
ضمن قَول بَعضهم فِي الْوَزير ابْن الْفرس وَقد رَآهُ مصلوبا منكوس الرَّأْس
(لقد طمح الْمهْر الجموح لغاية ... تقطع أَعْنَاق الْجِيَاد السوابق)
(جرى فجرت رِجْلَاهُ لَكِن رَأسه ... أَتَى سَابِقًا وَالرجل لَيست بسابق)
وَكتب الْمَنْصُور بِخَبَر هَذَا الْفَتْح إِلَى الْآفَاق
فمما كتبه لِلشَّيْخَيْنِ الْإِمَامَيْنِ أبي عبد الله مُحَمَّد زين العابدين الْبكْرِيّ وَأبي عبد الله مُحَمَّد بدر الدّين الْقَرَافِيّ رِسَالَة يَقُول فِيهَا مَا نَصه
من عبد ربه الْمُجَاهِد فِي سَبيله أَحْمد الْمَنْصُور بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ الحسني إِلَى الْفَاضِل الَّذِي اعتجر بالتقوى وَهُوَ زين العابدين وتحلى بحلى المعارف الربانية وَتلك حلى العارفين والسالك الَّذِي برز فِي الطَّرِيقَة وسلك على الْمجَاز الْوَاضِح إِلَى الْحَقِيقَة ففات شأو السَّابِقين والعارف الَّذِي تجرد عَن رعونة الْأَهْوَاء النفسانية فَكَانَ سلوكه على التَّجْرِيد إِلَى حَضْرَة الواصلين الشَّيْخ الْعَالم الْحجَّة الوافي السَّيِّد بدر الدّين الْقَرَافِيّ وَالشَّيْخ الْعَارِف الْوَاصِل السِّرّ الْكَامِل سلالة الْعلمَاء سبط الْفُضَلَاء أبي عبد الله زين العابدين ابْن الشَّيْخ السَّامِي الْمقَام قطب الْمَشَايِخ الْأَعْلَام فَخر عُلَمَاء الْإِسْلَام الشهير الْبركَة فِي الْأَنَام أبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْحسن الصديقي أبقاكما الله وأرواحكما تتعطر برياحين الْإِنْس فِي حَضْرَة الْقُدس وتتنسم النفحات الهابة من رياض الْمُشَاهدَة إِلَى مدارج الْإِنْس ومعارج النَّفس وَسَلام عَلَيْكُمَا وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته
وَبعد حمد الله مفيض أنوار عناية أَحْمد على صَاحبه الصّديق مظهر كنوز المعارف الربانية جيلا بعد جيل من بَيت عَتيق وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي اخْتَار لمرافقته صَاحبه فِي الْغَار والعريش وَالطَّرِيق وَالرِّضَا عَن آله أَئِمَّة الْخلق وسيوف الْحق وَأَصْحَابه الَّذين فاضت أنوار هدايتهم على الغرب والشرق وببركتهم انتسق لنا الْفَتْح انتساق الأسلاك وبفضلهم يَعْلُو سعدنا على الْكفْر علو القطب على دَائِرَة الأفلاك فكتبنا هَذَا إِلَيْكُم من حضرتنا مراكش حاطها الله وصنع الله لَهَا مفعم السجال وواسع المجال
стр. 1008
وعزمتها الْمَاضِيَة تبْعَث إِلَى العدا رسل الأوجال وَالْأَيَّام بعز صولتها ويمن دولتها بِهَذِهِ المغارب باسمة الثغور مؤذنة باتصال أمرهَا الْعَزِيز بحول الله إِلَى أَن تطوى ملاءة الدَّهْر هَذَا وَأَنه اتَّصل بعلي مقامنا كتابكما الَّذِي صدحت على أفنان البلاغة سواجعه وعذبت فِي موارد الْمحبَّة الصديقية مناهله ومشارعه ولطفت فِي كل معنى من الْمعَانِي أفانينه ومنازعه وتألفت على الإجادة فِي كل مقصد من الْمَقَاصِد مواصله العذبة ومقاطعه وأينعت بأزهار الْعِنَايَة الربانية أباطحه الفيح وأجارعه وَمَعَهُ المنظومات الَّتِي سحت بالحكم ديمها ورسا فِي البلاغة قدمهَا وَربا فِي منبت الْمَوَاهِب الربانية يراعها الفصيح وقلمها وَحل من نفوسنا موقعها العجيب محلا من دونه الثريا فِي مطْلعهَا والبدر لَيْلَة تَمَامه إعجابا بهَا وتنويها بمهديها وابتهاجا بالخوارق الَّتِي أطلق الله على لِسَان مبديها وَإِلَى هَذَا فليحط علمكما بِأَن مقامنا تنْفق فِيهِ على الدَّوَام إِن شَاءَ الله نفائس بضائعكم وتنمو فِيهِ مَعَ الْأَيَّام سعود مطالعكم وتسمو فِيهِ على كل مقَام مقاماتكم وتستوضح فِيهِ على الْمحبَّة الصميمة أماراتكم الْوَاضِحَة وعلاماتكم فعلى هَذَا تَنْعَقِد مِنْكُم الخناصر وتشتد الأواخي والأواصر بعز الله وَمِنْه ثمَّ مِمَّا نستطرد لكم ذكره على جِهَة الْبُشْرَى وإهداء المسرة الْكُبْرَى إعلامكم أَن عَدو الدّين طاغية قشتالة الَّذِي هُوَ الْيَوْم الْعَدو الْكَبِير لِلْإِسْلَامِ وعميد ملل التَّثْلِيث وَعَبدَة الْأَصْنَام لما انس من تِلْقَاء جنابنا نَار الْعَزْم تلتهب منا التهابا وبحر الاحتفال تضطرب أمواجه الزاخرة بِكُل عدد وعدة اضطرابا وهممنا قد هَمت بتجديد الأسطول والاستكثار من المراكب المتكفلة للْجِهَاد إِن شَاءَ الله بِقَضَاء كل دين ممطول وَعلم أَن الحَدِيث إِلَيْهِ يساق وَإِلَى أرضه بالخسف والتدمير بحول الله يهفو كل لِوَاء خفاق رام خذله الله مكافاتنا على ذَلِك بِمَا أمل أَن يفت بِهِ فِي عضدنا الْأَقْوَى وعزمنا الَّذِي بعناية الله يزْدَاد ويقوى فَرمى بمخذول من أَبنَاء أخينا عبد الله كَانَ ربى لَدَيْهِ وطوحت بِهِ الطوائح مُنْذُ ثَمَانِيَة عشر عَاما إِلَيْهِ إِلَى مليلية إِحْدَى الثغور المصاقبة لغرب ممالكنا الشَّرِيفَة الَّتِي إِلَى كَفَالَة ولدنَا وَولي عهدنا كافل الْأمة من بَعدنَا الْأَمِير الْأَجَل الأرضى صارم الْعَزْم
стр. 1009
المنتضى وحسام الدّين الأمضى أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَأْمُون بِاللَّه وصل الله لرايته التأييد والظهور والعز الَّذِي يستخدم الْأَيَّام والدهور فالتف عَلَيْهِ من اغْترَّ بأباطيله الْوَاهِيَة الْبناء من أوباش الْعَامَّة والغوغاء وَمن قضى لَهُ من أجناد تِلْكَ النَّاحِيَة بالشقاء جموع تكاثر الرمل وتفوت الْحَصَا والنمل لَاحَ بهَا للشقي خلب بارق أكذبته أمْنِيته إِذْ صدقته منيته فصمم نَحوه ولدنَا أعزه الله بِجُنُود الله الَّتِي إِلَيْهِ وبعساكر تِلْكَ الممالك الَّتِي ألقينا زِمَام تدبيرها فِي يَدَيْهِ فَمَا رَاع الشقي إِلَّا انقضاضه عَلَيْهِ من الجو انقضاض الأجدل وتصميمه إِلَيْهِ بعزائم تدك الطود وتفلق الصخر والجندل فاستولى عَلَيْهِ بِحَمْد الله للحين وعَلى جموعه الأشقياء فِي يَوْم أغر محجل وَسَاعَة أنزل الله فِيهَا على الْخَوَارِج المارقين الْعَذَاب الْمُعَجل فاستأصلتهم الشفار وحصدت هشيمهم المصوح أَلْسِنَة النَّار وَقبض على الشقي فِي يَوْم كَانَ شِفَاء للصدور ومنتزها لحملة السيوف وربات الْخُدُور وأحرز الله تَعَالَى فَخر هَذَا الْفَتْح الْعَظِيم والمن الجسيم لولدنا أعزه الله فِي خَاصَّة أجناده ونهض وَحده بأعبائه وَنحن على سَرِير ملكنا وادعون مطمئنون وأجنادنا فِي أوطارنا لاهون ومفتنون فَلم يحْتَج إِلَى أنجاده من قبلنَا وَلَا إمداده وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين وَالْحَمْد لله حمد الشَّاكِرِينَ وعرفناكم لِتَأْخُذُوا بحظكم من السرُور بِهَذِهِ الْبُشْرَى الَّتِي سرت الْإِسْلَام وَسَاءَتْ بِحَمْد الله عَبدة الْأَوْثَان والأصنام وتعلموا مَعَ ذَلِك مَا عَلَيْهِ الْأَحْوَال الْيَوْم بحول الله لدينا من خَفق رايات الْعَزْم وشحذ آراء الْجَزْم وأعمال عوامل الْجَزْم إِلَى مجازاة عَدو الدّين إِن شَاءَ الله على فعلته الَّتِي عَادَتْ عَلَيْهِ أسفا ولهفا وإعادة مَا كَانَ أسلف من ذَلِك إِن شَاءَ الله بالمكيال الأوفى وَقدمنَا إِلَيْكُم التَّعْرِيف لتمدونا إِن شَاءَ الله بأدعيتكم الصَّالِحَة فِي أَوْقَات الْإِجَابَة وتحرصوا على التماسها هُنَالك وبالحرمين الشريفين من كل ذِي خضوع وإنابة أَن يؤيدنا الله على عَدو الدّين بفضله وينجز لنا وعده الصَّادِق فِي إِظْهَار دين الْحق على الدّين كُله ويسهل علينا بفضله ومعونته أَسبَاب فتح الأندلس وتجديد رسوم الْإِيمَان بهَا وإحياء أطلاله الدَّرْس حَتَّى ينْطق لِسَان الدّين فِي أرْضهَا بِكَلِمَة
стр. 1010
الله الَّتِي طالما سكت عَنْهَا نداؤه وخرس وشرق بريقه فغص وخنس فبيده الْحول وَالْقُوَّة وعنايته الْعِنَايَة المرجوة ثمَّ نوصيكم بِحسن الْوُقُوف مَعَ أَصْحَابنَا فِيمَا يشترى من الْكتب العلمية برسم خزانتنا الْكَرِيمَة الإمامية الْعلية ثمَّ الإتحاف بديوان الشَّيْخ والدكم التماسا لجميل بركاته وتمسكا بِمَا سبق من الْإِجَازَة الْعَامَّة فِي سَائِر منظوماته وموضوعاته ومروياته وَهَذَا مُوجبه إِلَيْكُم وَالسَّلَام الأتم معاد عَلَيْكُم ورحمه الله وَبَرَكَاته فِي ربيع النَّبَوِيّ سنة خمس وَألف اه وَهَذِه الرسَالَة من إملاء الْمَنْصُور على مَا قيل
وَمِمَّا كتب بِهِ أَيْضا بِخَط يَده إِلَى سُلْطَان مَكَّة وَالْمَدينَة والحجاز الشريف أبي المحاسن حسن بن أبي نمي بن بَرَكَات مَا نَصه
من عبد الله الْمُجَاهِد فِي سَبيله الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه أَحْمد أَمِير الْمُؤمنِينَ ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ الشريف الحسني إِلَى الْأَصَالَة الَّتِي تبحبحت من ذؤابة هَاشم فِي صميمها وتوغلت من غرفات حُرْمَة الله بَين زمزمها وحطيمها وتمتعت من عرارة نجد بانتشاق نفحاتها الأريجة وشميمها أَصَالَة السُّلْطَان الأثيل الْأَثِير الْأَسْنَى الأسمى الأزكى السُّلْطَان حسن بن أبي نمي أبقاكم الله وَالْبَيْت ذُو الأستار تتفيؤون ظلاله وتلثمون من الْحجر الْأسود الأسعد خَاله وَسَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
أما بعد حمد الله الَّذِي أعز هَذِه المثابة العلوية الإمامية النَّبَوِيَّة العزيزة الْأَنْصَار السامية المحتد والنجار الساحبة أذيال عزها الوريف الظلال على أهل الْبَيْت السَّامِي الْمِقْدَار سكان الْحمى وَالَّذين تبوءوا الدَّار وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي أطلع شموس الْهِدَايَة الساطعة الْأَنْوَار وَالرِّضَا عَن آله الَّذين تتضاءل لمجدهم السَّامِي الْمنَار الشموس والأقمار وَعَن أَصْحَابه الَّذين استأصلوا شأفة الْكفْر بمواضي الشفار وصلَة الدُّعَاء لهَذَا الْمقَام الْعلي الإمامي المنصوري الحسني بنصر تجني الْفتُوح من قضب رماحه وتجري الأقدار على وفْق اقتراحه فكتابنا هَذَا إِلَيْكُم من حَضْرَة مراكش حاطها الله ووسع لَهَا المجال فِي ميادين السجال وَالْأَيَّام بعز صولتها ويمن دولتها بِهَذِهِ المغارب باسمة الثغور مؤذنة باتصال أمرهَا الْعَزِيز بحول الله إِلَى أَن تطوى
стр. 1011
ملاءة الدهور بعز الله وعنايته هَذَا وَإِن شيخ الركب المغربي وَهُوَ المرابط الْخَيْر الْحَاج مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر لما أزمع إِلَى الْمعَاهد الشَّرِيفَة الرحيل لتجديد رسم الطَّاعَة الَّذِي لَيْسَ بعاف وَلَا محيل وهب لَهُ من محارم الله نسيم يمِيل وآن للمطايا أَن تعْمل الوخد والذميل مد إِلَى عَليّ مقامنا أكف الرَّغْبَة فِي كتاب كريم يتشرف بِحمْلِهِ ويتعرف مِنْهُ السَّعَادَة بحول الله فِي مرتحله وحله يتَضَمَّن الْإِيصَاء بِهِ إِلَيْكُم فِي المورد والمصدر وَمُدَّة مقَامه من جواركم بحرم الله تجاه الْبَيْت والمشعر فحملناه هَذِه العجالة لترعوا لَهُ إِن شَاءَ الله عَنْهَا الْحق الْمُعْتَبر وتولوه من جانبكم بِمَا يصدق بِهِ الْخَبَر وتدنوا لَهُ من آماله قطوف كل فنن مهتصر وَمِمَّا نكلفكم النهوض لأجل حُقُوق الْأُخوة بأعبائه ونطالبكم لوشائج الرَّحِم بالاعتناء بِأَدَائِهِ التمَاس الدُّعَاء مَعَ الأحيان تجاه الْبَيْت الْحَرَام وَعند الْمُلْتَزم وَالْمقَام أَن يؤيدنا الله على عَدو الدّين بفضله وينجز لنا وعده الصَّادِق فِي إِظْهَار دينه على الدّين كُله ويسهل علينا بفضله ومعونته أَسبَاب فتح الأندلس وتجديد رسوم الْإِيمَان بهَا وإحياء أطلاله الدَّرْس حَتَّى ينْطق لِسَان الدّين فِيهَا بِكَلِمَات الله الَّتِي طالما سكت عَنْهَا نداؤه وخرس وشرق بريقه فغص وخنس فَذَلِك دُعَاء لَا يرد لِأَنَّهُ جرى من أَهله فِي مَحَله ومعاد السَّلَام الأثم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته انْتهى
وَقَوله حَتَّى ينْطق لِسَان الدّين فِيهِ تورية بِابْن الْخَطِيب ﵀
قَالَ الفشتالي كَانَ تَرْتِيب الْمَنْصُور فِي الاحتفال بالمولد النَّبَوِيّ الْكَرِيم أَنه إِذا طلعت طلائع شهر ربيع الأول صرف الرّقاع إِلَى الْفُقَرَاء أَرْبَاب الذّكر على رسم الصُّوفِيَّة والمؤذنين النعارين فِي الأسحار فَيَأْتُونَ من كل جِهَة ويحشرون من سَائِر حواضر الْمغرب ثمَّ يَأْمر الشماعين بتطريز الشموع وإتقان صنعتها فيتبارى فِي ذَلِك مهرَة الشماعين من كل مَا يباري النَّحْل فِي نسج أشكالها لطفا وإدماجا فيصوغون أنواعا من الشمع الَّتِي تحير النواظر وَلَا تذبل زهورها النواضر فَإِذا كَانَ لَيْلَة المولد تهَيَّأ لحملها وزفاف كواعبها
стр. 1012
الصحافون المحترفون بِحمْل خدور العرائس عِنْد الزفاف فيتزينون لذَلِك وَيَكُونُونَ فِي أجمل شارة وَأحسن منظر ويجتمع النَّاس من أَطْرَاف الْمَدِينَة كلهَا لرؤيتها فيمكثون إِلَى حِين يسكن حر الظهيرة وتجنح الشَّمْس للغروب فَيخْرجُونَ بهَا على رؤوسهم كالعذارى يرفلن فِي حلل الْحسن وَهِي عدد كثير كالنحل فيتسابق النَّاس لرؤيتها وتمتد لَهَا الْأَعْنَاق وتبرز ذَوَات الْخُدُور ويتبعها الأطبال والأبواق وَأَصْحَاب المعازف والملاهي حَتَّى تستوي على منصات معدة لَهَا بالإيوان الشريف فتصطف هُنَالك فَإِذا طلع الْفجْر خرج السُّلْطَان فصلى بِالنَّاسِ وَقعد على أريكته وَعَلِيهِ حلَّة الْبيَاض شعار الدولة وأمامه تِلْكَ الشموع الْمُخْتَلفَة الألوان من بيض كالدمى وحمر جليت فِي ملابس أرجوان وخضر سندسية واستحضر من أَنْوَاع الحسك والمباخر مَا يلهي المحزون ويدهش النَّاظر ثمَّ دخل النَّاس أَفْوَاجًا على طبقاتهم فَإِذا اسْتَقر بهم الْمجْلس تقدم الْوَاعِظ فسرد جملَة من فَضَائِل النَّبِي ﷺ ومعجزاته وَذكر مولده ورضاعه وَمَا وَقع فِي ذَلِك بِاخْتِصَار فَإِذا فرغ انْدفع الْقَوْم فِي الْأَشْعَار المولديات فَإِذا فرغوا تقدم أهل الذّكر المزمزمون بِكَلَام الششتري وأشعار الصُّوفِيَّة ويتخلل ذَلِك نوبَة المنشدين للبيتين فَإِذا فرغوا من ذَلِك كُله قَامَ شعراء الدولة فيتقدم قَاضِي الْجَمَاعَة الشاطبي بلبل مَنَابِر الْجمع والأعياد فينشد قصيدة يفتتحها بالتغزل والنسيب فَإِذا تمّ تخلص لمدح النَّبِي ﷺ ثمَّ يخْتم بمدح الْمَنْصُور وَالدُّعَاء لَهُ ولولي عَهده فَإِذا قضى نشيده تقدم الإِمَام الْمُفْتِي الْمولى أَبُو مَالك عبد الْوَاحِد الشريف فينشد قصيدته على ذَلِك المنوال فَإِذا فرغ تلاه الْوَزير أَبُو الْحسن عَليّ بن مَنْصُور الشيظمي ثمَّ تلاه الْكَاتِب أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز الفشتالي ويليه الْكَاتِب مُحَمَّد بن عَليّ الفشتالي ويليه الأديب مُحَمَّد بن عَليّ الهوزالي النَّابِغَة ويليه الأديب الْفَقِيه أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد المسفيوي فَإِذا طوى بِسَاط القصائد نشر خوان الْأَطْعِمَة والموائد فَيبْدَأ بالأعيان على مَرَاتِبهمْ ثمَّ يُؤذن للْمَسَاكِين فَيدْخلُونَ جملَة فَإِذا انْقَضتْ أَيَّام المولد الشريف برزت صلات الشُّعَرَاء على أقدارهم هَكَذَا كَانَ دأبه فِي جَمِيع الموالد وَلَا يُحْصى مَا يفرغ فِيهِ من أَنْوَاع الْإِحْسَان
стр. 1013
على النَّاس اه من كتاب مناهل الصفاء
وَقَالَ صَاحب النفحة المسكية فِي السفارة التركية وَهُوَ الْعَلامَة المشارك أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد التامجروتي حضرت المولد الشريف بعد القفول من بِلَاد التّرْك فاستدعى الْمَنْصُور النَّاس لإيوانه السعيد واستدخلهم لقصره البديع المشيد المحتوي على قباب متقابلة عالية وَقد مد فِيهَا من فرش الْحَرِير وصفت النمارق وتدلت الأستار والكلل والحجال المخوصة بِالذَّهَب على كل بَاب قبَّة وحنية سَرِير وَدَار على الْحِيطَان حائطيات الْحَرِير الَّتِي هِيَ كأزهار الخمائل مَا رئيت قطّ فِي عهد الْأَوَائِل وَتلك القباب مَرْفُوعَة الجوانب على قَوَاعِد وأساطين من رُخَام مجزع مطلية الرؤوس بِالذَّهَب الذائب مفروش جلها بالمرمر الْأَبْيَض مخططا بِالسَّوَادِ يَتَخَلَّل ذَلِك مَاء عذب فَيدْخل النَّاس على طبقاتهم وَيَأْخُذ كل مرتبته من قُضَاة وعلماء وصلحاء ووزراء وقواد وَكتاب وأصناف الأجناد فيخيل لكل مِنْهُم أَنه فِي جنَّة النَّعيم وَالسُّلْطَان جَالس فِي فاخر ملابسه تعلوه الهيبة وَالْوَقار وترمقه الْأَبْصَار بالتعظيم والإكبار وَيجْلس من عَادَته الْجُلُوس وَيقف على رَأس السُّلْطَان الوصفان والعلوج وَعَلَيْهِم الأقبية المخوصة والمناطق المرصعة والحزم المذهبة مِمَّا يدهش النَّاظر وركز أمامهم الشمع الملون وَأذن لعامة النَّاس فَدَخَلُوا من أَصْنَاف الْقَبَائِل على أجناسها من الأجناد والطلبة وسكنت بعد حِين الجلبة وأوتي بأنواع الطَّعَام فِي القصاع المالقية والبلنسية المذهبة والأواني التركية والهندية وأوتي بالطسوس والأباريق وصب المَاء على أَيدي النَّاس ونصبت مباخر العنبر وَالْعود وأبرزت صَحَائِف الْفضة وَالذَّهَب وأغصان الريحان الغض فرش بهَا الْبسَاط ورش من مَاء الْورْد والزهر وأنشدوا قصائد وَتكلم المنشدون وَأحسن إِلَيْهِم السُّلْطَان ثمَّ ختموا الْمجْلس بِالدُّعَاءِ للأمير وَإِذا كَانَ يَوْم السَّابِع يكون تَرْتِيب أبدع من الأول وَهَذِه سيرته دَائِما اه
وَهَكَذَا كَانَت سيرته فِي شهر رَمَضَان عِنْد ختم صَحِيح البُخَارِيّ وَذَلِكَ أَنه كَانَ إِذا دخل رَمَضَان سرد القَاضِي وأعيان الْفُقَهَاء كل يَوْم سفرا من نُسْخَة
стр. 1014
البُخَارِيّ وَهِي عِنْدهم مجزأَة على خَمْسَة وَثَلَاثِينَ سفرا فِي كل يَوْم سفرا إِلَّا يَوْم الْعِيد وتاليه فَإِذا كَانَ يَوْم سَابِع الْعِيد ختم فِيهِ صَحِيح البُخَارِيّ وتهيأ لَهُ السُّلْطَان أحسن تهيؤ إِلَّا أَن الْعَادة الْجَارِيَة عِنْدهم فِي ذَلِك أَن القَاضِي يتَوَلَّى السرد بِنَفسِهِ فيسرد نَحْو الورقتين من أول السّفر ويتفاوض مَعَ الْحَاضِرين فِي الْمسَائِل ويلقى من ظهر لَهُ بحث أَو تَوْجِيه مَا ظهر لَهُ وَلَا يزالون فِي المذاكرة فَإِذا تَعَالَى النَّهَار ختم الْمجْلس وَذهب القَاضِي بِالسَّفرِ فيكمله سردا فِي بَيته وَمن الْغَد يَبْتَدِئ سفرا آخر وَهَكَذَا وَالسُّلْطَان فِي جَمِيع ذَلِك جَالس قريب من حَاشِيَة الْحلقَة قد عين لجلوسه مَوضِع
قَالَ الفشتالي وَكَانَ الْمَنْصُور يُعْطي أَمْوَال لِذَوي الْحَاجَات عِنْد انْقِضَاء رَمَضَان وَيُقِيم مهرجانا يَوْم عَاشُورَاء لختان أَوْلَاد الضُّعَفَاء وكل من ختن مِنْهُم أعطي أذرعا من كتَّان وَحِصَّة من الدِّرْهَم وَسَهْما من اللَّحْم اه
وَأما تَرْتِيب جَيش الْمَنْصُور وعادته فِي أَسْفَاره فسنذكرها فِي الْفَصْل بعد هَذَا إِن شَاءَ الله ولنذكر بعض القصائد الميلادية الَّتِي أنشدت بمجالس الْمَنْصُور حَسْبَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فَمن ذَلِك قَول القَاضِي أبي الْقَاسِم بن على الشاطبي ﵀
(مَا بَال طيفك لَا يزور لماما ... وبمنحنى الأحشا ضربت خياما)
(أيعيش فِيك عواذلي لسلوهم ... وأموت فِيك صبَابَة وغراما)
(وتبيح نهرك سَائِلًا من أدمعي ... أَو لَيْسَ نهر السَّائِلين حَرَامًا)
(مَا ذقت مَاء لماك فِي سنة الْكرَى ... إِلَّا انْتَبَهت فَكَانَ لي أحلاما)
(عرض إِذا حدثت عَن بَان الْحمى ... فَحَدِيث قلبِي بالأوجاع هاما)
(أروى حَدِيث الرقمتين مسلسلا ... عَن دمع باكية الْغَمَام سجاما)
(وتلق من جيب النسيم تَحِيَّة ... أضحى الْهوى بردا لَهَا وَسلَامًا)
(يَا جيرة العلمين دَعْوَة شيق ... للذيذ عَيْش بالغضا لَو داما)
(فَخُذُوا بجرعاء الْحمى قلبِي فقد ... ألف الْإِقَامَة بالحمى فأقاما)
(وخذوا بثار أهل نجدانهم ... سلبوا الْفُؤَاد وأدنفوا الأجساما)
(فِي كل غرب دموع عَيْني مشرق ... لكواكب فِيهَا أثرن ظلاما)
стр. 1015
(صليت بِنَار الشوق ثمَّ رثت إِلَى ... إنسانها فِي لجة قد عَاما)
(وتسلسلت عبراتها شوقا لمن ... وقفت عَلَيْهِ صلَاتهَا وَسلَامًا)
(خير الْأَنَام مُحَمَّد الْهَادِي الَّذِي ... أردى الضلال وَجب مِنْهُ سناما)
(كنز العوالم سر طِينَة آدم ... ولحفظ ذَاك السِّرّ جَاءَ ختاما)
(وَأجل أرسال الْإِلَه وَمن بِهِ ... قد لَاذَ يُونُس حِين خَاضَ ظلاما)
(وتقاصرت عَن فَرده أعدادهم ... فَلِذَا تقدم فِي الْحساب إِمَامًا)
(أسرى إِلَى السَّبع الطباق فَأَقْبَلت ... زمر الملائك وفده إعظاما)
(فِي لَيْلَة غصت بأملاك السما ... فتسير خلف ركابه وإماما)
(يَا خير من بهر المعاند شَأْنه ... عَجزا فغص بريقه إفحاما)
(أعيى جلالك أَن يُحِيط بوصفه ... وصف البليغ وأخرس الأقلاما)
(صلى عَلَيْك الله مَا زار الحيا ... روضا فَفتح زهره الأكماما)
(مَا لذتي فِي مدح غير مخلصا ... إِلَّا بمدحي من بَيْنك إِمَامًا)
(خير الورى وإمامها الْمَنْصُور من ... فِي ظلّ دولته الْأَنَام أناما)
(أضفى على الْأَرْضين ظلّ مهابة ... فحمى بهَا حام الْعباد وساما)
(وسما على الدُّنْيَا عِقَاب تنوفة ... فانقض يفترس الْأسود بهاما)
(قل للملوك هبوا لمالككم فدى ... وخذوا لأنفسكم لَدَيْهِ ذماما)
(هَذَا الَّذِي يحيى الْبِلَاد بعدله ... وَيُعِيدهَا نشرا وَكن رماما)
(هَذَا الَّذِي وعد الْإِلَه بِأَنَّهُ ... يطوي الْبِلَاد وَيفتح الأهراما)
(يَا مشبه الْمهْدي فِي آرائه ... حزما وَفِي عزماته إقداما)
(أَنْت الَّذِي ببنيه أَبنَاء الْعلَا ... أرسى الْبِلَاد ووطد الإسلاما)
(فَكَأَنَّهَا من حولك الأشبال فِي ... غَابَ الوشيج تبوأت آجاما)
(وأمينها الْمَأْمُون عضب سمامها ... علم أناف على الهضاب سناما)
(وَأجل مضطلع تخيره الورى ... بعد الإِمَام فقدموه إِمَامًا)
(وحباه أَحْمد عهد أمة أَحْمد ... فوفى فَكَانَ لرعيه المعتاما)
(لَا يعدون النَّصْر سَيْفك أَنه ... سيف يحوط الدّين والإسلاما)
(خُذْهَا ينم على العبير مديحها ... ويفض عَن مسك الختام ختاما)
وَقَالَ الْعَلامَة مفتي الحضرة أَبُو مَالك الْمولى عبد الْوَاحِد بن أَحْمد
стр. 1016
الشريف الفيلالي
(أرقت وشاقتني البروق اللوامع ... وذكرى خليط هيجتها المرابع)
(مرابع عفتها الروامس والسما ... تراق من الأشواق فِيهَا المدامع)
(كَأَن لم تكن من قبل قدما أَو أَهلا ... إِذْ السلك منظوم وشملي جَامع)
(تذكرني عهد الأجازع واللوى ... وَأَيْنَ اللوى مني وَأَيْنَ الأجازع)
(سحبنا بهَا ذيل الصبابة بُرْهَة ... وجفن الردى عَنَّا وحاشاك هاجع)
(وقفت بهَا بالبزل وَاللَّيْل دامس ... أنازعها الشكوى بهَا وتنازع)
(أسائلها عَن جيرة بَان حيهم ... وضمت هواهم بعد ذَاك الأضالع)
(فَهَل قدمُوا نَحْو العقيق صُدُورهمْ ... ولاح لَهُم برق من الْغَوْر لامع)
(يخبر عَن دَار الرَّسُول وقربها ... عراص بهَا للوحي فاضت ينابع)
(ديار بهَا حل الْحمى سيد الورى ... وهبت على الأشراك مِنْهَا زعازع)
(عَلَيْك صَلَاة الله يَا خير مُرْسل ... وَيَا خير من تثني عَلَيْهِ الْأَصَابِع)
(فلولاك هَذَا الْكَوْن مَا زَالَ معدما ... وَأَنت الَّذِي يرجوه عَاص وطائع)
(لَك الْفَخر فِي الدَّاريْنِ والموقف الَّذِي ... لأهواله كل النَّبِيين جازع)
(فآدمهم وَالْكل تَحت لوائكم ... وَلَيْسَ لنا وَالله غَيْرك شَافِع)
(فجازاك رب الْعَرْش مَا أَنْت أَهله ... جَزَاء بِهِ يشجي الْمَنَاوِيّ المخادع)
(وجازى إِمَامًا قد نمته إِلَيْكُم ... أصُول وآباء كرام فوارع)
(سميك وَابْن السبط حَقًا وَمن لَهُ ... عوارف فِي أعناقنا وصنائع)
(فدم للعلا يَا ابْن الخلائف مُفردا ... إِلَيْك اشتراؤها وَغَيْرك بَائِع)
(ودام ولي الْعَهْد بعْدك صَارِمًا ... يخب إِلَى نيل الْعلَا ويسارع)
(هُوَ الآمن الْمَأْمُون من كل فتْنَة ... لفيض الندى من راحتيه يدافع)
(ففيك أَقُول والنصوص شَوَاهِد ... أَحَادِيث صحت لَيْسَ فِيهَا مُنَازع)
(بكم رَأس هَذَا الْقرن جدد ديننَا ... وفاضت بحور للعلوم هوامع)
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا أخرجه أَبُو دَاوُد عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (إِن الله يبْعَث على رَأس كل قرن من يجدد لهَذِهِ الْأمة أَمر دينهَا)
وَحمله بعض الْأَئِمَّة على أَن المجدد من الْمُلُوك وَقيل من الْعلمَاء
стр. 1017
وَقيل من الْأَوْلِيَاء وَالصَّوَاب الْإِطْلَاق
وَقَالَ الْوَزير الْقَائِد أَبُو الْحسن عَليّ بن مَنْصُور الشيظمي رَحمَه الله تَعَالَى
(من بعد أهل قبا وَأهل كداء ... شوقي يزِيد وَعز ذَاك عزائي)
(ولي الشِّفَاء بقربهم وهم جلا ... مَا فِي الخواطر من صدى وصداء)
(لكنه بعد المزار فَأَيْنَ من ... تِلْكَ الْمعَاهد سَاكن الْحَمْرَاء)
(بانوا وهاج الشوق ذكر ربوعهم ... ذَات السنا والرند والأضواء)
(وشدا بهم حادي الركاب فكاد أَن ... تدع الْقُلُوب جسومها بفضاء)
(يَا سعد لَو أَن الزَّمَان مساعدي ... ومجيب دَاعِي الْبعد بعد ندائي)
(لركبت حرفا كالهلال منافرا ... للهمز إِلَّا فِي الْمُنَادِي النائي)
(ولجبت أَحيَاء الفلا وطوبتها ... طي الملا بنجيبة فوداء)
(تختاض فِي جَوف الظلام كَأَنَّهَا ... سري تولج فِي ضمير حجاء)
(وتخال فِي لجج السراب سفينة ... تجْرِي القلوع بهَا برِيح رخاء)
(هَل أنزلن بهَا المخصب من منى ... وأزور بعد معاهد الزَّوْرَاء)
(فأحط عَنْهَا الرحل ثمَّ مخيما ... فِي ظلّ احْمَد بغيتي ومنائي)
(وامرغ الْخَدين ملتثما ترى ... وطئته رجلا خَاتم النبئاء)
(محيى الْهدى ماحي الضَّلَالَة والردا ... بالبيض والخطية السمراء)
(صلى عَلَيْهِ الله مَا نسخ السخا ... لؤما وَمَا أجلى الدجا ابْن ذكاء)
(وعَلى صحابته الْكِرَام وَآله ... أكْرم بهم من سادة فضلاء)
(أكْرم بوارث مجده وعلائه ... سبط الرسَالَة غرَّة الْأَبْنَاء)
(خير الخلائف أَحْمد الْمَنْصُور من ... حَاز الْكَمَال وَشرط كل عَلَاء)
(الصارم الْهِنْدِيّ فِي يمنى الْهدى ... والكوكب الْوَقَّاد فِي الظلماء)
(يَا أَيهَا الْملك الَّذِي بسيوفه ... حاط الْهدى وبرأيه الوضاء)
(ذخر الْإِلَه لَك الْفتُوح وصانها ... كالزهر فِي الأكمام والأوعاء)
(لَا بُد من فتح يروقك وَاضح ... كالصبح يدْرَأ فِي نحور عداء)
(وستملك الْحرم الشريف وينتمي ... للوائك الْمَنْصُور دون مراء)
стр. 1018
(وَترى الْجِهَات وَقد أَتَت منقادة ... بِظَبْيٍ بنيك السَّادة النجباء)
(وتقر عينا بالخليفة مِنْهُم ... وزر الْبَريَّة عدَّة الْأُمَرَاء)
(بِمُحَمد الْمَأْمُون خير من ارْتقى ... درج الْكَمَال ودب للعلياء)
(فرع سيحكي أَصله وَلَقَد حكى ... بمقاصد قد سددت ودهاء)
وَقَالَ الْكَاتِب أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الفشتالي رَحمَه الله تَعَالَى
(هم سلبوني الصَّبْر وَالصَّبْر من شأني ... وهم حرمُوا من لَذَّة الغمض أجفاني)
(وهم أخفروا فِي مهجتي ذمم الْهوى ... فَلم يثنهم عَن سفكها حبي الْجَانِي)
(لَئِن أترعوا من قهوة الْبَين أكؤسي ... فشوقهم أضحى سميري وندماني)
(وَإِن غادرتني بالعراء حمولهم ... كفى أَن قلبِي جَاهد أثر أظعاني)
(قف العيس واسأل ربعهم أَيَّة مضوا ... أللجزع سَارُوا مدلجين أم البان)
(وَهل باكروا بالسفح من جَانب اللوا ... ملاعب آرام هُنَاكَ وغزلان)
(وَأَيْنَ استقلوا هَل بهضب تهَامَة ... أناخوا المطايا أم على كثب نعْمَان)
(وَهل سَالَ فِي بطن المسيل تشوقا ... نفوس ترامت للحمى قبل جثمان)
(وَإِذا زجروها بالْعَشي فَهَل ثنى ... أزمتها الْحَادِي إِلَى شعب بوان)
(وَهل عرسوا فِي دير عبدون أم سروا ... يؤم بهم رهبانهم دير نَجْرَان)
(سروا والدجى صبغ المطارف فانثنى ... بأحداجهم شَتَّى صِفَات وألوان)
(وأدلج فِي الأسحار بيض قبابهم ... فلحن نجوما فِي معارج كُثْبَان)
(لَك الله من ركب يرى الأَرْض خطْوَة ... إِذا زمها بدنا نواعم أبدان)
(أرحها مطايا قد تمشي بهَا الْهوى ... تمشي الحميا فِي مفاصل نشوان)
(ويمم بهَا الْوَادي الْمُقَدّس بالحمى ... بِهِ المَاء صدا والكلا نبت سَعْدَان)
(واهد حُلُول الْحجر مِنْهُ تَحِيَّة ... تفاوح عرفا ذاكي الرند والبان)
(لقد نفحت من شيخ يثرب نفحة ... فهاجت مَعَ الأسحار شوقي وأشجاني)
(وفتت مِنْهَا الشرق فِي الغرب مسكة ... سحبت بهَا فِي أَرض دارين أرداني)
(وأذكرني نجدا وَطيب عراره ... نسيم الصِّبَا من نَحْو طيبَة حياني)
(أحن إِلَى تِلْكَ الْمعَاهد إِنَّهَا ... معاهد راحاتي وروحي وريحاني)
стр. 1019
(وأهفو مَعَ الأشواق للوطن الَّذِي ... بِهِ صَحَّ لي أنسي الهني وسلواني)
(وأصبوا إِلَى أَعْلَام مَكَّة شائقا ... إِذا لَاحَ برق من شمام وشهلان)
(أهيل الْحمى ديني على الدَّهْر زورة ... أحث بهَا شوقا لكم عزمي الواني)
(مَتى يشتفي جفني القريح بنظرة ... يَزُجّ بهَا فِي نوركم عين إنساني)
(وَمن لي بِأَن يدنوا لقاكم تعطفا ... ودهري عني دَائِما عطفه ثَانِي)
(سقى عَهدهم بالخيف عهد تمده ... سوافح دمع من شؤوني هتان)
(وأنعم فِي شط العقيق أراكة ... بأفيائها ظلّ المنى والهوى داني)
(وَحيا ربوعا بَين مروة والصفا ... تَحِيَّة مشتاق لَهَا الدَّهْر حيران)
(ربوعا بهَا تتلو الْمَلَائِكَة الْعلَا ... أفانين وَحي بَين ذكر وَقُرْآن)
(وَأول أَرض باكرت عرصاتها ... وطرزت البطحا سحائب إِيمَان)
(وعرس فِيهَا للنبوة موكب ... هُوَ الْبَحْر طام فَوق هضب وغيطان)
(وَأدّى بهَا الرّوح الْأمين رِسَالَة ... أفادت بهَا الْبُشْرَى مدائح عنوان)
(هُنَالك فض خَتمهَا أشرف الورى ... وفخر نزار من معد بن عدنان)
(مُحَمَّد خير الْعَالمين بأسرها ... وَسيد أهل الأَرْض الْإِنْس والجان)
(وَمن بشرت بِالْبَعْثِ من قبل كَونه ... نوامس كهان وأخبار رُهْبَان)
(وَحِكْمَة هَذَا الْكَوْن لولاه مَا سمت ... سَمَاء وَلَا غاضت طوافح طوفان)
(وَلَا زخرفت من جنَّة الْخلد أَربع ... تسبح فِيهَا أَدَم حور وولدان)
(وَلَا طلعت شمس الْهدى غب دجية ... تجهم من ديجورها ليل كفران)
(وَلَا لحقت بالمذنبين شَفَاعَة ... يذود بهَا عَنْهُم زباني نيران)
(لَهُ معجزات أخرست كل جَاحد ... وسلت على المرتاب صارم برهَان)
(لَهُ انْشَقَّ قرص الْبَدْر شقين وارتوى ... بِمَاء همي من كَفه كل ظمآن)
(وأنطقت الْأَوْثَان نطقا تبرأت ... إِلَى الله فِيهِ من زخارف ميان)
(دَعَا سرحة عجما فلبت وَأَقْبَلت ... تجر ذيول الزهر مَا بَين أفنان)
(وضاءت قُصُور الشَّام من نوره الَّذِي ... على كل أفق نازح الْقطر أوداني)
(وَقد بهج الْأَنْوَار بدعوته الَّتِي ... كست أوجه الغبراء بهجة نيسان)
(وَأَن كتاب الله أعظم آيَة ... بهَا افتضح المرتاب وابتأس الشاني)
стр. 1020
(وعدى على شأو البليغ بَيَانه ... فهيهات مِنْهُ سجع قس وسحبان)
(نَبِي الْهدى من أطلع الْحق أنجما ... محا نورها أسداف إفْك وبهتان)
(بعزتها ذل الأكاسرة الألى ... هم سلبوا تيجانها آل ساسان)
(وأحرز للدّين الحنيفي بالظبا ... تراث الْمُلُوك الصَّيْد من عهد يونان)
(ونقع من سمر القنا السم قيصرا ... فجرعه مِنْهُ مجاجة ثعبان)
(وأضحت ربوع الْكفْر والشرك بلقعا ... يناغي الصدا فِيهِنَّ هَاتِف شَيْطَان)
(وأصبحت السمحا تروق نضارة ... وَوجه الْهدى بَادِي الصباحة للراني)
(أيا خير أهل الأَرْض بَيْتا ومحتدا ... وَأكْرم كل الْخلق عجم وعربان)
(فَمن للقوافي أَن تحيط بوصفكم ... وَلَو سجلت سبقا مدائح حسان)
(إِلَيْك بعثناها أماني أجدبت ... لتسقى بمزن من أياديك هتان)
(أجرني إِذا أبدى الْحساب جرائمي ... وأنقلت الأوزار كفة ميزاني)
(فَأَنت الَّذِي لَوْلَا وَسَائِل عزه ... لما فتحت أَبْوَاب عَفْو وغفران)
(عَلَيْك سَلام الله مَا هبت الصِّبَا ... وماست على كثبانها ملد قضبان)
(وَحمل فِي جيب الْجنُوب تَحِيَّة ... يفوح بمسراها شذا كل تربان)
(إِلَى العمرين صاحبيك كليهمَا ... وتلوهما فِي الْفضل صهرك عُثْمَان)
(وحيي عليا عرفهَا وأريجها ... ووالي على سبطيك أوفر رضوَان)
(إِلَيْك رَسُول الله صممت عَزمَة ... إِذا أزمعت فالشحط والقرب سيان)
(وخاطبت مني الْقلب وَهُوَ مُقَلِّب ... على جَمْرَة الأشواق فِيك فلباني)
(فيا لَيْت شعري هَل أزم قلائصي ... إِلَيْك بدارا أَو أقلقل كيراني)
(وأطوي أَدِيم الأَرْض نَحْوك راحلا ... نواجي المهاري فِي صحاصح فيعان)
(يرنحها فرط الحنين إِلَى الْحمى ... إِذا غرد الْحَادِي بِهن وغناني)
(وَهل تمحون عني خَطَايَا اقترفتها ... خطى لي فِي تِلْكَ الْبِقَاع وأوطان)
(وماذا عَسى يثني عناني وَإِن لي ... بآلك جاها صهوة الْعِزّ أمطاني)
(إِذا صد عَن زوارك الباس والعنا ... فجود ابْنك الْمَنْصُور أَحْمد أغناني)
(عمادي الَّذِي أوطا السماكين أخمصي ... وأوفى على السَّبع الطباق فأدناني)
(متوج أَمْلَاك الزَّمَان وَإِن سَطَا ... أحل سيوفا فِي معاقد تيجاني)
следующие страницы →