← История

История · id 6627

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولَايَة عبيد الله بن الحبحاب على الْمغرب عبيد الله هَذَا هُوَ مولى بني سلول وَكَانَ رَئِيسا نبيلا وأميرا جَلِيلًا وخطيبا مصقعا ولاه هِشَام بن عبد الْملك على الْمغرب بعد عزل عُبَيْدَة بن عبد الرَّحْمَن عَنهُ وَأمره أَن يمْضِي إِلَيْهِ من مصر فاستخلف عبيد الله على مصر ابْنه أَبَا الْقَاسِم وَسَار إِلَى الْمغرب فَقدم القيروان فِي ربيع الآخر سنة أَربع عشرَة وَمِائَة وَاسْتعْمل عمر بن عبيد الله الْمرَادِي على طنجة وَالْمغْرب الْأَقْصَى وَاسْتعْمل ابْنه إِسْمَاعِيل بن عبيد الله مَعَه على السوس وَمَا وَرَاءه وَاسْتعْمل على الأندلس عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الغافقي فَكَانَت لَهُ فِي الفرنجة وقائع وَأُصِيب جَيْشه فِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة فِي مَوضِع يعرف ببلاط لشهداء وَبِه عرفت الْغَزْوَة

стр. 107

ثمَّ ولى عبيد الله على الأندلس عبد الْملك بن قطن الفِهري ثمَّ بعده عقبَة بن الْحجَّاج السَّلُولي فَكَانَ مَحْمُود السِّيرَة وَتمكن سُلْطَان عبيد الله بالمغرب وَبنى جَامع الزيتونة بتونس لَكِن صحّح صَاحب المؤنس أَن أول مختط للجامع الْمَذْكُور حسان بن النُّعْمَان وتممه عبيد الله هَذَا وَاتخذ بهَا دَار صناعَة لإنشاء المراكب البحرية ثمَّ بعث حبيب بن أبي عُبَيْدَة بن عقبَة بن نَافِع الفِهري غازيا أَرض الْمغرب فَانْتهى إِلَى السوس الْأَقْصَى وَقَاتل مسوفة ثمَّ تخطاهم إِلَى تخوم السودَان وَأصَاب من مَغَانِم الذَّهَب وَالْفِضَّة والسبي شَيْئا كثيرا ودوخ بِلَاد البربر وقبائلها وَرجع ثمَّ أغزاه ثَانِيَة جَزِيرَة صقلية فَركب الْبَحْر إِلَيْهِم سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة وَمَعَهُ ابْنه عبد الرَّحْمَن بن حبيب فنازل سرقوسة أعظم مدن صقلية وَضرب على أَهلهَا الْجِزْيَة وأثخن فِي سَائِر الجزيرة وَكَانَ عمر بن عبيد الله فِي هَذِه الْمدَّة بطنجة قد أَسَاءَ السِّيرَة فِي برابرة الْمغرب الْأَقْصَى وَأَرَادَ أَن يُخَمّس من أسلم مِنْهُم وَزعم أَنه الْفَيْء فنفرت قُلُوب البربر عَنهُ وأحسوا بِأَنَّهُم طعمة للْعَرَب وثقلت عَلَيْهِم وَطْأَة عُمَّال ابْن الحبحاب جملَة بِمَا كَانُوا يطالبونهم بِهِ من الْوَظَائِف البربرية مثل الإدم العسلية الألوان وأنواع طرف الْمغرب فَكَانُوا يتغالون فِي جمع ذَلِك وانتخابه حَتَّى كَانَت الصرمة من الْغنم تهْلك ذبحا لاتخاذ الْجُلُود العسلية من سخالها وَلَا يُوجد فِيهَا مَعَ ذَلِك إِلَّا الْوَاحِد وَمَا قرب مِنْهُ فَكثر عيثهم بذلك فِي أَمْوَال البربر فَأَجْمعُوا الانتقاض وبلغهم مسير العساكر مَعَ حبيب بن أبي عُبَيْدَة إِلَى صقلية فجرأهم ذَلِك على مُرَادهم وثار ميسرَة المضغري بأحواز طنجة على مَا نذكرهُ وَكَانَت بِدعَة الخارجية يَوْمئِذٍ قد سرت فِي البربر وتلقنها رؤوسهم عَن عرب الْعرَاق الساقطين إِلَى الْمغرب نزعوا بهَا إِلَى الْأَطْرَاف داعين أغمار

стр. 108

الْأُمَم إِلَيْهَا عَسى أَن تكون لَهُم دولة فاستحكمت صبغتها فِي طغام البربر ووشجت فيهم عروقها فَكَانَ ذَلِك من أقوى البواعث والأسباب فِي خرق حجاب الهيبة على الْخُلَفَاء وانتقاض البربر على الْعَرَب ومزاحمتهم لَهُم فِي سلطانهم ولنذكر هُنَا أصل الْخَوَارِج وفرقهم على الْجُمْلَة ثمَّ نعود إِلَى موضوعنا الَّذِي كُنَّا فِيهِ فَنَقُول قد تقدم لنا فِي خلَافَة عَليّ بن أبي طَالب ﵁ مَا كَانَ من أَمر التَّحْكِيم وَمَا نَشأ عَنهُ من خُرُوج طَائِفَة من الْقُرَّاء عَلَيْهِ وَقَالُوا حكمت الرِّجَال فِي دين الله وَلَا حكم إِلَّا لله وَأَن عليا ﵁ استأصلهم بالنهروان فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه قد قطع الله دابرهم آخر الدَّهْر فَقَالَ عَليّ ﵁ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهُم لفي أصلاب الرِّجَال وأرحام النِّسَاء لَا تخرج خَارِجَة إِلَّا خرجت بعْدهَا مثلهَا فَصدق الله قَول عَليّ ونبغت مِنْهُم طوائف بالعراق وَغَيره وتكرر خُرُوجهمْ على الْخُلَفَاء وشرى داؤهم وأعيى دواؤهم وتعددت فرقهم ومذاهبهم قَالَ ابْن خلدون افْتَرَقت الْخَوَارِج على أَربع فرق الأولى الْأزَارِقَة أَصْحَاب نَافِع بن الْأَزْرَق الْحَنَفِيّ وَكَانَ رَأْيه الْبَرَاءَة من سَائِر الْمُسلمين وتكفيرهم والاستعراض يَعْنِي الْقَتْل من غير سُؤال عَن حَال أحد وَقتل الْأَطْفَال وَاسْتِحْلَال الْأَمَانَة لِأَنَّهُ يراهم كفَّارًا الثَّانِيَة النجدية وَيُقَال لَهُم النجدات أَصْحَاب نجدة بن عَامر الْحَنَفِيّ وَهُوَ بِخِلَاف الْأزَارِقَة فِي ذَلِك كُله الثَّالِثَة الإباضية أَصْحَاب عبد الله بن أباض التَّمِيمِي ثمَّ الصريمي وهم يرَوْنَ أَن الْمُسلمين كلهم يحكم لَهُم بِحكم الْمُنَافِقين فَلَا ينتهون إِلَى الرَّأْي الأول وَلَا يقفون عِنْد الثَّانِي وَلَا يحرمُونَ مناكحة الْمُسلمين وَلَا موارثتهم وهم عِنْدهم كالمنافقين وَمن هَؤُلَاءِ البيهسية أَصْحَاب أبي بيهس هَيْصَم بن جَابر الضبعِي

стр. 109

الرَّابِعَة الصفرية وهم موافقون للإباضية إِلَّا فِي الْقعدَة يَعْنِي الَّذين يَقْعُدُونَ عَن الْقِتَال مَعَهم فَإِن الإباضية أَشد على الْقعدَة مِنْهُم وَرُبمَا تشعبت هَذِه الآراء بعد ذَلِك وَاخْتلف فِي تَسْمِيَة الصفرية فَقيل نسبوا إِلَى عبد الله بن صفار الصريمي وَقيل اصفروا بِمَا نهكتهم الْعِبَادَة وَفِي الْقَامُوس الصفرية بِالضَّمِّ وبكسر قوم من الحرورية نسبوا إِلَى عبد الله بن صفار بن ككتان أَو إِلَى زِيَاد بن الْأَصْفَر أَو إِلَى صفرَة ألوانهم أَو لخلوهم من الدّين اه وَقد كَانَت الْخَوَارِج من قبل هَذَا الِافْتِرَاق على رَأْي وَاحِد لَا يَخْتَلِفُونَ إِلَّا فِي الشاذ من الْفُرُوع وَفِي أصل افتراقهم مكاتبات بَين نَافِع بن الْأَزْرَق وَأبي بيهس وَعبد الله بن أباض ذكرهَا الْمبرد فِي الْكَامِل فَلْتنْظرْ هُنَالك وَكَانَت خوارج الْمغرب إباضية وصفرية فَلَمَّا كَانَت ولَايَة عبيد الله بن الحبحاب ونال عماله من البربر مَا نالوا من الْجور والعسف انتقضوا عَلَيْهِ وثار ميسرَة المضغري الْمَعْرُوف بالخفير بأحواز طنجة ومضغرة بطن من بني فاتن بن تامضيت بن ضرى بن زجيك بن مادغيس الأبتر وَكَانُوا على رَأْي الصفرية وَكَانَ شيخهم ميسرَة الْمَذْكُور مقدما فِي ذَلِك الْمَذْهَب فَحمل البربر على الْخُرُوج عَن الطَّاعَة وزحف إِلَى عمر بن عبيد الله بطنجة فَقتله سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة وَولى عَلَيْهَا من قبله عبد الْأَعْلَى بن جريج الإفْرِيقِي رومي الأَصْل وَمولى للْعَرَب كَانَ إِمَام الصفرية فِي انتحال مَذْهَبهم فَقَامَ بأمرهم مُدَّة ثمَّ تقدم إِلَى السوس فَقتله عاملها إِسْمَاعِيل بن عبيد الله وَكَانَ ميسرَة لما استولى على طنجة وَالْمغْرب الْأَقْصَى قد بَايعه البربر بالخلافة وخاطبوه بأمير الْمُؤمنِينَ إِذْ الْخَوَارِج لَا يشترطون فِي الإِمَام الْأَعْظَم القريشية محتجين بقوله ﷺ (اسمعوا وَأَطيعُوا وَإِن اسْتعْمل عَلَيْكُم عبد حبشِي كَأَن

стр. 110

رَأسه زبيبة) وَهُوَ مؤول واضطرم الْمغرب نَارا وفشت نحلة الخارجية فِي جَمِيع قبائله وانتقض أمره على خلفاء الْمشرق فَلم يُرَاجع طاعتهم بعد ثمَّ إِن ابْن الحبحاب بعث إِلَى ميسرَة خَالِد بن حبيب الفِهري فِيمَن كَانَ قد بَقِي عِنْده من الْجَيْش واستقدم أَبَاهُ حبيب بن أبي عُبَيْدَة من صقلية فَقدم فِيمَن مَعَه من عَسَاكِر الْمُسلمين وَبَعثه فِي أثر خَالِد ونهض إِلَيْهِم ميسرَة فِي جموع البربر فَلَقِيَهُمْ بأحواز طنجة فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا ثمَّ تحاجزوا وَرجع ميسرَة إِلَى طنجة فَسَاءَتْ سيرته فِي البربر ونقموا عَلَيْهِ مَا جَاءَ بِهِ فَقَتَلُوهُ وولوا عَلَيْهِم مَكَانَهُ خَالِد بن حميد الزناتي قَالَ ابْن عبد الحكم هُوَ من هتورة إِحْدَى بطُون زناتة فَقَامَ بأمرهم وَاجْتمعَ إِلَيْهِ البربر فزحف إِلَى الْعَرَب وسرح إِلَيْهِ ابْن الحبحاب عَسَاكِر الْخَلِيفَة هِشَام بن عبد الْملك وعَلى مقدمتها خَالِد بن حبيب الفِهري فَكَانَ اللِّقَاء على وَادي شلف فَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ وَقتل خَالِد بن حبيب ووجوه من مَعَه من الْعَرَب فسميت الْوَقْعَة وقْعَة الْأَشْرَاف وانتقض الْمغرب على ابْن الحبحاب من سَائِر جهاته وَبلغ الْخَبَر إِلَى أهل الأندلس فعزلوا عَامله عقبَة بن الْحجَّاج السَّلُولي وولوا عَلَيْهِم عبد الْملك بن قطن الفِهري ومرج أَمر النَّاس وانْتهى الْخَبَر بذلك كُله إِلَى الْخَلِيفَة هِشَام بِدِمَشْق فعزل ابْن الحبحاب عَن الْمغرب وَقَالَ صَاحب الْخُلَاصَة لما اختلت الْأُمُور على ابْن الحبحاب اجْتمع النَّاس وعزلوه فَبلغ ذَلِك هشاما فَغَضب وَكتب إِلَى ابْن الحبحاب بالقدوم فَخرج فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة وَالله أعلم

стр. 111

ولَايَة كُلْثُوم بن عِيَاض على الْمغرب ومقتله لما انْتهى إِلَى الْخَلِيفَة هِشَام مَا كَانَ من أَمر خوارج البربر بالمغرب والأندلس وخلعهم للطاعة شقّ ذَلِك عَلَيْهِ واستضعف ابْن الحبحاب فَكتب إِلَيْهِ يستقدمه وَولى على الْمغرب كُلْثُوم بن عِيَاض الْقشيرِي وَوجه مَعَه جَيْشًا كثيفا لقتالهم كَانَ فِيهِ مَعَ مَا انضاف إِلَيْهِ من مَجْمُوع الْبِلَاد الَّتِي مر بهَا سَبْعُونَ ألفا على مَا قيل وَلما انْتهى كُلْثُوم إِلَى القيروان أَسَاءَ السِّيرَة فِي أَهلهَا فَكَتَبُوا إِلَى حبيب بن أبي عُبَيْدَة وَهُوَ يَوْمئِذٍ بتلمسان مَوَاقِف للبربر يَشكونَ مِنْهُ إِلَيْهِ وَكَانَ لآل عقبَة بالمغرب وجاهة لم تكن لغَيرهم فَكتب إِلَيْهِ حبيب ينهاه ويتوعده فَاعْتَذر كُلْثُوم وأغضى لَهُ عَلَيْهَا ثمَّ اسْتخْلف على القيروان عبد الرَّحْمَن بن عقبَة وَسَار يؤم الْمغرب فِي جموعه وعَلى مقدمته ابْن أَخِيه بلج بن بشر الْقشيرِي فَمر على طَرِيق سبتة وانْتهى إِلَى تلمسان فلقي حبيب بن أبي عُبَيْدَة فاقتتلا ثمَّ اصطلحا وزحفا جَمِيعًا إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى فَنَهَضت إِلَيْهِم البربر وَكَانَ اللِّقَاء على وَادي سبو من أَعمال طنجة وَقَالَ ابْن خلدون فِي أَخْبَار البربر إِن الْخَلِيفَة هِشَام ولى كُلْثُوم بن عِيَاض على الْمغرب سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة سرحه فِي اثْنَي عشر ألفا من أهل الشَّام وَكتب إِلَى ثغور مصر وبرقة وطرابلس أَن يمدوه فزحف إِلَى إفريقية ثمَّ إِلَى الْمغرب حَتَّى بلغ وَادي سبو فبرز إِلَيْهِ خَالِد بن حميد الزناتي فِيمَن مَعَه من البربر وَكَانُوا خلقا لَا يُحصونَ فَلَقوا كُلْثُوم بن عِيَاض بعد أَن هزموا مقدمته فَاشْتَدَّ الْقِتَال بَينهم وَقتل كُلْثُوم وحبِيب بن أبي عُبَيْدَة وَكثير

стр. 112

من الْجند وافترقت العساكر فَمضى أهل الشَّام إِلَى الأندلس مَعَ بلج بن بشر وَمضى أهل مصر وإفريقية إِلَى القيروان وَمَا ذكره أَن خَالِد بن حميد هُوَ الَّذِي هزم جيوش كُلْثُوم فِي هَذِه الْوَقْعَة هُوَ مُقْتَضى مَا سبق من أَن ميسرَة قتل فِي ولَايَة عبيد الله بن الحبحاب وَجزم ابْن حَيَّان بِأَن الَّذِي هزم جيوش كُلْثُوم هُوَ ميسرَة الخفير وَاقْتصر عَلَيْهِ ابْن خلدون فِي أَخْبَار بني فاتن قَالَ انْتَهَت مُقَدّمَة كُلْثُوم بن عِيَاض إِلَى سبو من أَعمال طنجة فَلَقِيَهُ البربر هُنَالك مَعَ ميسرَة وَقد فحصوا عَن أوساط رؤوسهم وتنادوا بشعار الخارجية فهزموا مقدمته ثمَّ هزموه وقتلوه وَكَانَ كيدهم فِي لقائهم إِيَّاه أَن ملؤوا الشنان بِالْحِجَارَةِ وربطوها فِي أَذْنَاب الْخَيل ثمَّ أرسلوها فِي جَيش الْعَرَب فَكَانَت الْحِجَارَة تقَعْقع فِي شنانها وخيل الْعَرَب تنفر حَتَّى اخْتَلَّ مَصَافهمْ وتمت الْهَزِيمَة عَلَيْهِم فافترقوا وَذهب بلج مَعَ الطَّلَائِع من أهل الشَّام إِلَى سبتة وَرجع أهل مصر وإفريقية إِلَى القيروان وَظَهَرت الْخَوَارِج فِي كل جِهَة واقتطع الْمغرب عَن طَاعَة الْخُلَفَاء إِلَى أَن هلك ميسرَة وَقَامَ برياسة مضغرة من بعده يحيى بن حَارِث مِنْهُم اه كَلَام ابْن خلدون فاضطرب النَّقْل فِي هَذِه الْوَاقِعَة كَمَا ترى وَالله أعلم بِالصَّوَابِ قَالَ ابْن حَيَّان إِن كُلْثُوم بن عِيَاض لما انْهَزَمت جيوشه نجا جريحا إِلَى سبتة فِي أهل الشَّام وَمَعَهُ ابْن أَخِيه بلج بن بشر بن عِيَاض وحاصرهم البربر بهَا وَلما اشْتَدَّ حصارهم بسبتة وانقطعت عَنْهُم الأقوات وبلغوا من الْجهد الْغَايَة اسْتَغَاثُوا بإخوانهم من عرب الأندلس فتثاقل عَنْهُم صَاحبهَا عبد الْملك بن قطن لخوفه على سُلْطَانه مِنْهُم فَلَمَّا شاع خبر ضررهم عِنْد رجالات الْعَرَب اشفقوا عَلَيْهِم فأغاثهم زِيَاد بن عَمْرو اللَّخْمِيّ بمركبين مشحونين ميرة أَمْسَكت من أرماقهم فَلَمَّا بلغ ذَلِك عبد الْملك بن قطن ضربه سَبْعمِائة سَوط ثمَّ اتهمه بعد ذَلِك بتضريب الْجند عَلَيْهِ فسمل عَيْنَيْهِ ثمَّ ضرب عُنُقه وصلب عَن يسَاره كَلْبا وَاتفقَ فِي هَذَا الْوَقْت أَن برابرة الأندلس لما بَلغهُمْ مَا كَانَ من ظُهُور برابرة العدوة على الْعَرَب انتقضوا على عرب الأندلس

стр. 113

وَاقْتَدوا بِمَا فعله إخْوَانهمْ بالمغرب وتفطنوا لما كَانُوا غافلين عَنهُ قبل ذَلِك من الْخلاف على الْعَرَب ومزاحمتهم فِي سلطانهم وأصل ذَلِك كُله النزعة الخارجية فاستفحل أَمرهم بالأندلس وَكثر إيقاعهم بجيوش ابْن قطن فخاف أَن يلقى مِنْهُم مَا لقِيه الْعَرَب بالمغرب من إخْوَانهمْ وبلغه أَنهم قد عزموا على قَصده فَلم ير أجدى لَهُ من الإستعداد بصعاليك عرب الشَّام أَصْحَاب بلج الموتورين بسبتة فَكتب إِلَى بلج وَقد مَاتَ عَمه كُلْثُوم فَأَسْرعُوا إِلَى إجَابَته وَكَانَت تِلْكَ أمنيتهم فَأحْسن إِلَيْهِم وأسبغ النِّعْمَة عَلَيْهِم وَشرط عَلَيْهِم أَن يقيموا عِنْده سنة وَاحِدَة حَتَّى إِذا فرغوا لَهُ من البربر انصرفوا إِلَى مغربهم وَخَرجُوا لَهُ عَن أندلسه فرضوا بذلك وَعَاهَدُوهُ وَأخذ مِنْهُم الرهائن عَلَيْهِ ثمَّ قدم عَلَيْهِم ابنيه قطنا وَأُميَّة والبربر فِي جموع لَا يحصيها غير رازقها فَاقْتَتلُوا قتالا صَعب فِيهِ الْمقَام إِلَى أَن كَانَت الدبرة على البربر فَقَتلهُمْ الْعَرَب بأقطار الأندلس حَتَّى ألْحقُوا فَلهم بالثغور وخفوا عَن الْعُيُون فكر الشاميون وَقد امْتَلَأت أَيْديهم من الْغَنَائِم فاشتدت شوكتهم وثابت همتهم وبطروا ونسوا العهود وطالبهم ابْن قطن بِالْخرُوجِ عَن الأندلس فتعللوا عَلَيْهِ وَذكروا صَنِيعه بهم أَيَّام انحصارهم بسبتة وَقَتله الرجل الَّذِي أغاثهم بالميرة فخلعوه وَقدمُوا على أنفسهم أَمِيرهمْ بلج بن بشر وَتَبعهُ جند بن قطن وأغروه بقتْله فَأبى فثارت اليمانية وَقَالُوا قد حميت لمضرك وَالله لَا نطيعك فَلَمَّا خَافَ تفرق الْكَلِمَة أَمر بِابْن قطن فَأخْرج إِلَيْهِم وَهُوَ شيخ كَبِير كفرخ نعَامَة قد شهد وقْعَة الْحرَّة بِالْمَدِينَةِ فَجعلُوا يَسُبُّونَهُ وَيَقُولُونَ لَهُ أفلت من سُيُوفنَا يَوْم الْحرَّة ثمَّ طالبتنا بِتِلْكَ الترة فعرضتنا لأكل الْكلاب والجلود وحبستنا بسبتة محبس الضنك حَتَّى أمتنَا جوعا فَقَتَلُوهُ وصلبوه فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة وصلبوا عَن يَمِينه خنزيرا وَعَن يسَاره كَلْبا وَاسْتولى بلج على الأندلس وَكَانَت خطوب يطول ذكرهَا وَالله ولي العون والتوفيق

стр. 114

ولَايَة حَنْظَلَة بن صَفْوَان على الْمغرب لما سمع الْخَلِيفَة هِشَام بِمَا جرى على كُلْثُوم وَأَصْحَابه قَامَت قِيَامَته فَوجه حَنْظَلَة بن صَفْوَان الْكَلْبِيّ وَهُوَ أَخُو بشر بن صَفْوَان الْمُتَقَدّم واليا على الْمغرب فَقدم القيروان سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَة فَوجدَ هوارة وهم ولد هوار بن أوريغ بن برنس خوارج على الدولة ورئيساهم عكاشة بن أَيُّوب الْفَزارِيّ وَعبد الْوَاحِد بن يزِيد الهواري وَكَانَا على مَذْهَب الصفرية فَلَمَّا اسْتَقر حَنْظَلَة بالقيروان لم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى زحف إِلَيْهِ عكاشة وَعبد الْوَاحِد فِي هوارة وَمن تَبِعَهُمْ من البربر فَخرج إِلَيْهِم حَنْظَلَة والتقوا على الْقرن من ظَاهر القيروان فَهَزَمَهُمْ بعد قتال صَعب واستلحمهم وَقتل عبد الْوَاحِد وَأخذ عكاشة أَسِيرًا وَلما جِيءَ إِلَيْهِ بعكاشة فِي رمته وبرأس عبد الْوَاحِد سجد شكرا لله تَعَالَى على مَا منحه من الْفَتْح وَأمر بعكاشة فَقتل وأحصيت الْقَتْلَى فِي ذَلِك الْيَوْم فَكَانُوا مائَة وَثَمَانِينَ ألفا وَكتب حَنْظَلَة بذلك إِلَى الْخَلِيفَة هِشَام وسمعها اللَّيْث بن سعد فَقَالَ مَا غَزْوَة كنت أحب أَن أشهدها بعد غَزْوَة بدر أحب إِلَيّ من غَزْوَة الْقرن والأصنام ثمَّ وَجه حَنْظَلَة أَبَا الخطار حسام بن ضرار الْكَلْبِيّ واليا من قبله على الأندلس فَركب إِلَيْهَا الْبَحْر من تونس سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة فدان لَهُ أهل الأندلس واستقام أمره بهَا حينا من الدَّهْر ثمَّ ثار عَلَيْهِ الصميل بن حَاتِم الْكَلْبِيّ وخلعه فِي خبر طَوِيل

стр. 115

وَلم يزل حَنْظَلَة على الْمغرب فِي أحسن حَال إِلَى أَن طرق الْخلَل الْخلَافَة بالمشرق وَخفت صَوتهَا لما حدث فِي بني أُميَّة من فتْنَة الْوَلِيد الْفَاسِق وَمَا كَانَ من أَمر الشِّيعَة والخوارج مَعَ مَرْوَان الْحمار آخر خلفائهم وأفضى الْأَمر إِلَى الإدالة مِنْهُم ببني الْعَبَّاس فَأجَاز عبد الرَّحْمَن بن حبيب الفِهري من الأندلس إِلَى الْمغرب وَغلب حَنْظَلَة عَلَيْهِ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة على مَا نذكرهُ ذكر صَالح بن طريف البرغواطي المتنبي ومخرقته وَفِي هَذَا التَّارِيخ كَانَ ظُهُور صَالح بن طريف البرغواطي الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة بتامسنا من بِلَاد الْمغرب الْأَقْصَى على سَاحل الْبَحْر الْمُحِيط فِيمَا بَين سلا وآسفي وبرغواطة بطن من المصامدة على مَا حَقَّقَهُ ابْن خلدون وَكَانَ أَبوهُ طريف يكنى أَبَا صبيح وَكَانَ من قواد ميسرَة الخفير الْقَائِم بدعوة الصفرية وَلما انقرض أَمر ميسرَة بَقِي طريف قَائِما بِأَمْر برغواطة بتامسنا وَيُقَال إِنَّه تنبأ أَيْضا وَشرع لَهُم الشَّرَائِع ثمَّ هلك وَولى مَكَانَهُ ابْنه صَالح هَذَا وَقد كَانَ شهد مَعَ أَبِيه حروب ميسرَة قَالَ ابْن خلدون وَكَانَ من أهل الْعلم وَالْخَيْر ثمَّ انْسَلَخَ من آيَات الله وَانْتَحَلَ دَعْوَى النُّبُوَّة وَشرع لَهُم الدّيانَة الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا من بعده وَهِي مَعْرُوفَة فِي كتب المؤرخين قَالَ فِي القرطاس كَانَ الضلال الَّذِي شرع لَهُم أَنهم يقرونَ بنبوته وَأَنَّهُمْ يَصُومُونَ شهر رَجَب ويأكلون شهر رَمَضَان وَفرض عَلَيْهِم عشر صلوَات خمْسا بِاللَّيْلِ وخمسا بِالنَّهَارِ وَأَن الْأُضْحِية وَاجِبَة على كل شخص فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من الْمحرم وَشرع لَهُم فِي الْوضُوء غسل السُّرَّة والخاصرتين وَأمرهمْ أَن لَا يغتسلوا من جَنَابَة إِلَّا من حرَام وصلاتهم إِيمَاء لَا سُجُود فِيهَا لكِنهمْ يَسْجُدُونَ فِي آخر رَكْعَة خمس سَجدَات وَيَقُولُونَ عِنْد تنَاول الطَّعَام وَالشرَاب بِاسْمِك يَا كساي وَزعم أَن تَفْسِيره بِسم الله

стр. 116

وَأمرهمْ أَن يخرجُوا الْعشْر من جَمِيع الثِّمَار وأباح لَهُم أَن يتَزَوَّج الرجل من النِّسَاء مَا شَاءَ وَلَا يتَزَوَّج من بَنَات عَمه ويطلقون ويراجعون ألف مرّة فِي الْيَوْم فَلَا تحرم عَلَيْهِم الْمَرْأَة بِشَيْء من ذَلِك وَأمرهمْ بقتل السَّارِق حَيْثُ وجد وَزعم أَنه لَا يطهره من ذَنبه إِلَّا السَّيْف وَأَن الدِّيَة تكون من الْبَقر وَحرم عَلَيْهِم رَأس كل حَيَوَان والدجاجة مَكْرُوه أكلهَا وقدوتهم فِي الْأَوْقَات الديكة وَحرم عَلَيْهِم ذَبحهَا وأكلها وَمن ذبح ديكا أَو أكله أعتق رَقَبَة وَأمرهمْ أَن يلحسوا بصاق ولاتهم على سَبِيل التَّبَرُّك فَكَانَ يبصق فِي أكفهم فيلحسونه ويحملونه إِلَى مرضاهم يستشفون بِهِ وَوضع لَهُم قُرْآنًا يقرؤونه فِي صلواتهم ويتلونه فِي مَسَاجِدهمْ وَزعم أَنه نزل عَلَيْهِ وَأَنه وَحي من الله تَعَالَى إِلَيْهِ وَمن شكّ فِي ذَلِك فَهُوَ كَافِر وَالْقُرْآن الَّذِي شرع لَهُم ثَمَانُون سُورَة سَمَّاهَا لَهُم بأسماء النَّبِيين وَغَيرهم مِنْهَا سُورَة آدم وَسورَة نوح وَسورَة فِرْعَوْن وَسورَة مُوسَى وَسورَة هَارُون وَسورَة بني إِسْرَائِيل وَسورَة الأسباط وَسورَة أَيُّوب وَسورَة يُونُس وَسورَة الْجمل وَسورَة الديك وَسورَة الحجل وَسورَة الْجَرَاد وَسورَة هاروت وماروت وَسورَة إِبْلِيس وَسورَة الْحَشْر وَسورَة غرائب الدُّنْيَا وفيهَا الْعلم الْعَظِيم بزعمهم حرم فِيهَا وحلل وَشرع وَفصل وَتسَمى فيهم بِصَالح الْمُؤمنِينَ وَقَالَ أَنا صَالح الْمُؤمنِينَ الَّذِي ذكره الله فِي كِتَابه الَّذِي أنزلهُ على مُحَمَّد ﷺ كَمَا حَكَاهُ الْبكْرِيّ عَن زمور بن صَالح الْوَافِد مِنْهُم على الحكم الْمُسْتَنْصر الْخَلِيفَة بقرطبة من قبل ملكهم يَوْمئِذٍ أبي مَنْصُور عِيسَى بن أبي الْأَنْصَار سنة ثِنْتَيْنِ وَخمسين وثلاثمائة وَكَانَ يترجم عَنهُ بِجَمِيعِ خَبره دَاوُد بن عمر المسطاسي قَالَ وَكَانَ ظُهُور صَالح هَذَا فِي خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَقد قيل إِن ظُهُوره كَانَ لأوّل الْهِجْرَة وَأَنه انتحل ذَلِك عنادا ومحاكاة لما بلغه من شَأْن النَّبِي ﷺ وَالْأول أصح ثمَّ زعم أَنه الْمهْدي الْأَكْبَر الَّذِي يخرج

стр. 117

فِي آخر الزَّمَان وَأَن عِيسَى يكون صَاحبه وَيُصلي خَلفه وَأَن اسْمه فِي اللِّسَان الْعَرَبِيّ صَالح وَفِي السرياني مَالك وَفِي العجمي عَالم وَفِي العبراني روبيل وَفِي الْبَرْبَرِي واربا وَمَعْنَاهُ الَّذِي لَيْسَ بعده نَبِي ثمَّ خرج إِلَى الْمشرق بعد أَن ملكهم سبعا وَأَرْبَعين سنة وَوَعدهمْ أَنه يرجع إِلَيْهِم فِي دَوَاة السَّابِع مِنْهُم وَأوصى بنيه بالتمسك بِدِينِهِ فتوارثوا ضلاله من بعده إِلَى أواسط الْمِائَة الْخَامِسَة وَكَانَ للدول فيهم ملاحم إِلَى أَن جَاءَت دولة المرابطين فمحوا أثر بدعتهم وسنعيد القَوْل فيهم بأبسط من هَذَا عِنْد الْوُصُول إِلَيْهَا إِن شَاءَ الله الْخَبَر عَن تغلب آل عقبَة بن نَافِع على الْمغرب وَولَايَة عبد الرَّحْمَن بن حبيب مِنْهُم كَانَ عقبَة بن نَافِع الفِهري ﵁ واليا على الْمغرب كَمَا مر وَهُوَ الَّذِي افْتتح الْأَقْصَى مِنْهُ وَلما اسْتشْهد بالزاب بَقِي بنوه بِهِ فَكَانَت لَهُم وجاهة مَعْرُوفَة بَين أَهله لمَكَان أَبِيهِم عقبَة من جِهَاد الْعَدو وَمَا فتح الله على يَده من الأقطار واختطاطه مَدِينَة القيروان إِلَى هِيَ كرْسِي الْإِمَارَة فَكَانَ مَا منح الله أهل الْمغرب من الْإِسْلَام وَالدّين كُله فِي صَحِيفَته فنالوا بذلك شرفا خَاصّا زِيَادَة على شرف القرشية وَعز الفهرية فَكَانَ يكون لَهُم الشفوف فِي بعض الأحيان حَتَّى على الْوُلَاة فضلا عَن غَيرهم وَقد تقدم لنا فِي أَخْبَار مُوسَى بن نصير أَنه اسْتعْمل ابْنه عبد الْعَزِيز على الأندلس فثار عَلَيْهِ حبيب بن أبي عُبَيْدَة بن عقبَة بن نَافِع وَقَتله بإغراء سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَتقدم أَيْضا مَا كَانَ مِنْهُ إِلَى كُلْثُوم بن عِيَاض عِنْد قدومه القيروان من التوعد حَتَّى أدّى ذَلِك إِلَى مقاتلتهما وَلما قتل حبيب هَذَا فِي وقْعَة كُلْثُوم الْمُتَقَدّمَة كَانَ ابْنه عبد الرَّحْمَن بن حبيب صَاحب التَّرْجَمَة فِي جملَة أَصْحَاب بلج الناجين إِلَى سبتة وَلما قتل أَصْحَاب بلج عبد الْملك بن قطن الفِهري وصلبوه كَمَا مر فارقهم

стр. 118

عبد الرَّحْمَن هَذَا لما صَنَعُوا بِابْن عَنهُ وعزم على الطّلب بدمه فَاجْتمع إِلَيْهِ نَحْو مائَة ألف من عرب الأندلس وبربرها وَعمد إِلَى بلج فَقتله فِي خبر طَوِيل ثمَّ حاول عبد الرَّحْمَن التغلب على الأندلس فَلَمَّا قدم أَبُو الخطار واليا عَلَيْهَا من قبل حَنْظَلَة بن صَفْوَان أيس مِنْهَا وَركب الْبَحْر إِلَى الْمغرب فاحتل بتونس فِي جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة وَقد توفّي هِشَام وَولي الْخلَافَة بعده الْوَلِيد بن يزِيد الْفَاسِق فَدَعَا عبد الرَّحْمَن أهل تونس إِلَى نَفسه فَأَجَابُوهُ وَبلغ ذَلِك حَنْظَلَة صَاحب القيروان فكره قتال الْمُسلمين وَسَفك دِمَائِهِمْ فَبعث إِلَيْهِ جمَاعَة من وُجُوه الْجند يَدعُونَهُ إِلَى الطَّاعَة فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ انتهز الفرصة وأوثقهم فِي الْحَدِيد وَأَقْبل بهم إِلَى القيروان فِيمَن اجْتمع إِلَيْهِ وَأرْسل إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ يُحَذرهُمْ قِتَاله وَيَقُول إِن رميتم وَلَو بحجرة قتلت من فِي يَدي فأحجموا عَنهُ ضنا بأشرافهم عَن الْقَتْل وَعلم بذلك حَنْظَلَة فارتحل إِلَى الْمشرق سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَدخل عبد الرَّحْمَن القيروان فَتمكن مِنْهَا وَاسْتولى على الْمغرب وَهُوَ أول متغلب عَلَيْهِ قَالُوا وَلما ولي مَرْوَان بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالحمار الْخلَافَة بعث إِلَيْهِ بعهده وَكَانَ أَمر البربر يَوْمئِذٍ قد تفاقم وداء الخارجية قد أعضل ورؤوسها قد نبغت فِي كل جِهَة فانتقضوا من أَطْرَاف الْبِقَاع وتواثبوا على الْأَمر بِكُل مَكَان داعين إِلَى بدعتهم وَتَوَلَّى كبر ذَلِك مِنْهُم صنهاجة فَإِنَّهُم التفوا على كَبِيرهمْ ثَابت الصنهاجي وتغلبوا على باجة وثارت هوارة بطرابلس ملتفين على رئيسهم عبد الْجَبَّار والْحَارث وَغير هَؤُلَاءِ وَكَانُوا على مَذْهَب الإباضية فَقتلُوا عَامل طرابلس بكر بن عِيسَى الْقَيْسِي لما خرج يَدعُوهُم إِلَى السّلم وَعظم الْخطب فزحف إِلَيْهِم عبد الرَّحْمَن بن حبيب سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة فظفر بالصنهاجي والهواري وقتلهما وَقل جموعهما ثمَّ زحف إِلَى عُرْوَة بن الْوَلِيد الصفري وَكَانَ قد ثار بتونس فَقتله واستأصل الثوار وَانْقطع أَمر الْخَوَارِج من

стр. 119

إفريقية ثمَّ زحف سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة إِلَى جموع من البربر وَكَانُوا قد تجمعُوا بنواحي تلمسان فظفر بهم وفل جمعهم وَرجع ثمَّ أغزى جَيْشًا فِي الْبَحْر إِلَى صقلية وَآخر إِلَى سردانية فأثخنوا فِي أُمَم الفرنج حَتَّى أذعنوا للجزية ودوخ عبد الرَّحْمَن أَرض الْمغرب وأذل المعاندين إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ وَأما أهل الأندلس فَإِنَّهُم كَانُوا قد خلعوا أَبَا الخطار وولوا عَلَيْهِم ثوبة بن سَلامَة الجذامي قَالَ ابْن بشكوال لما اتَّفقُوا عَلَيْهِ خاطبوا بذلك عبد الرَّحْمَن بن حبيب فَكتب إِلَيْهِ بعهده وَذَلِكَ سلخ رَجَب سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة فضبط الْبِلَاد وَاسْتمرّ واليا سنتَيْن أَو نَحْوهمَا ثمَّ هلك وَولى أهل الأندلس عَلَيْهِم يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن بن حبيب وَهُوَ ابْن صَاحب التَّرْجَمَة ذكر الرَّازِيّ أَن مولده كَانَ بالقيروان وَأَنه لما استولى أَبوهُ على الْمغرب خرج يُوسُف هَذَا مغاضبا لَهُ لأمر اقْتضى ذَلِك فَقدم الأندلس واستوطنها وساد بهَا فأقامه أَهلهَا واليا عَلَيْهِم بعد أَمِيرهمْ ثوابة وَقد مَكَثُوا فوضى أَرْبَعَة أشهر وَكَانَ اجْتِمَاعهم عَلَيْهِ بِإِشَارَة الصميل بن حَاتِم الْكلابِي فاستبد يُوسُف بالأندلس وضبطها إِلَى أَن دخل عَلَيْهِ عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة الْأمَوِي الْمَعْرُوف بالداخل فانتزعها مِنْهُ وأورثها بنيه كَمَا سَيَأْتِي دُخُول عبد الرَّحْمَن الْأمَوِي إِلَى إفريقية وجوازه إِلَى الأندلس وتأسيسه للدولة الأموية بهَا وَلما اسْتَقر قدم الدولة العباسية بالمشرق وانقرض أَمر بني أُميَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وذهبوا فِي كل وَجه أفلت عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة هَذَا وَقصد

стр. 120

الْمغرب فاجتاز بالقيروان وَبهَا عبد الرَّحْمَن بن حبيب صَاحب التَّرْجَمَة فارتاب بِهِ وعزم على قَتله فنجا الْأمَوِي إِلَى الأندلس وَكَانَ من أمره مَا كَانَ ذكر ابْن حَيَّان أَن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة الْأمَوِي سَار حَتَّى أَتَى إفريقية فنزلها وَقد سبقه إِلَيْهَا جمَاعَة من فل بني أُميَّة وَكَانَ عِنْد صَاحبهَا عبد الرَّحْمَن بن حبيب يَهُودِيّ حدثاني قد صحب مسلمة بن عبد الْملك فَكَانَ يتكهن لَهُ ويخبره بتغلب الْقرشِي وَملكه الأندلس ويرثها عقبه من بعده وَأَن اسْمه عبد الرَّحْمَن وَهُوَ ذُو ضفيرتين وَمن بَيت الْملك فَاتخذ الفِهري ضفيرتين أرسلهما رَجَاء أَن تناله الرِّوَايَة فَلَمَّا جِيءَ إِلَيْهِ بِعَبْد الرَّحْمَن الْأمَوِي وَرَأى ضفيرتيه قَالَ لِلْيَهُودِيِّ هُوَ هَذَا وَأَنا قَاتله فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيّ إِن قتلته فَمَا هُوَ بِهِ وَإِن غلبت عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَهو وَثقل فل بني أُميَّة على ابْن حبيب فطرد كثيرا مِنْهُم خوفًا على ملكه ثمَّ تجنى على ابْنَيْنِ للوليد بن يزِيد كَانَ قد استجار بِهِ فَقَتَلَهُمَا وَأخذ مَالا كَانَ مَعَ إِسْمَاعِيل بن أبان بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان وغلبه على أُخْته فَتَزَوجهَا غصبا وَطلب عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل فاختفى كَذَا لِابْنِ حَيَّان وَعند ابْن خلدون أَن الْأُخْت الْمَذْكُورَة زَوجهَا عبد الرَّحْمَن من أَخِيه إلْيَاس بن حبيب وَلما قتل ابْني عَمها امتعضت لذَلِك وأغرت زَوجهَا واستفسدته على أَخِيه حَتَّى قَتله كَمَا نذْكر وَذَلِكَ أَنه لما انتظم أَمر الدولة العباسية بالمشرق وبويع السفاح ثمَّ الْمَنْصُور بعده كتب إِلَى عبد الرَّحْمَن بن حبيب يَدعُوهُ إِلَى الطَّاعَة والبيعة فَأَجَابَهُ ودعا لَهُ وَبعث إِلَيْهِ بهدية فِيهَا بزاة وكلاب وَذهب قَلِيل وَذكر أَن إفريقية الْيَوْم إسلامية وَقد انْقَطع السَّبي فَغَضب الْمَنْصُور وَكتب إِلَيْهِ يتوعده وَبعث إِلَيْهِ مَعَ ذَلِك بخلعه الْإِمَارَة فَنزع عبد الرَّحْمَن يَده من الطَّاعَة ومزق الخلعة على الْمِنْبَر فَوجدَ أَخُوهُ إلْيَاس بذلك السَّبِيل إِلَى مَا كَانَ يحاوله عَلَيْهِ وداخل وُجُوه الْجند فِي الفتك بِهِ وإعادة الدعْوَة للخليفة الْمَنْصُور ومالأه على ذَلِك أَخُوهُ عبد الْوَارِث بن حبيب وأحس عبد الرَّحْمَن مِنْهُمَا بِالشَّرِّ فَأمر إلْيَاس بِالْمَسِيرِ إِلَى تونس

стр. 121

فأظهر الِامْتِثَال ثمَّ جَاءَ ليودعه وَمَعَهُ عبد الْوَارِث وَكَانَ عبد الرَّحْمَن مَرِيضا فدخلا عَلَيْهِ وَقَتله على فرَاشه آخر سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة لعشر سِنِين وَسَبْعَة أشهر من تغلبه على الْمغرب اسْتِيلَاء إلْيَاس بن حبيب على الْمغرب لما فتك إلْيَاس بأَخيه عبد الرَّحْمَن معتدا عَلَيْهِ بخلعه طَاعَة الْخَلِيفَة فر ابْنه حبيب بن عبد الرَّحْمَن إِلَى تونس بعد أَن طلبوه وضبطوا أَبْوَاب الْقصر ليأخذوه فَلم يظفروا بِهِ وَكَانَ عَمه عمرَان بن حبيب واليا بتونس من قبل أَبِيه فلحق بِهِ وَتمّ الْأَمر لإلياس وَاسْتولى على القيروان ثمَّ زحف إِلَيْهِ عمرَان وحبِيب فِيمَن اجْتمع إِلَيْهِمَا وَخرج إلْيَاس للقائهم فَالْتَقوا واقتتلوا مَلِيًّا ثمَّ اصْطَلحُوا على أَن يكون لحبيب قفصة وقسطيلة وَسَائِر بِلَاد الجريد ولعمران تونس وسطفورة والجزيرة ولإلياس القيروان وَسَائِر إفريقية وَالْمغْرب وَتمّ هَذَا الصُّلْح سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَسَار حبيب إِلَى عمله من بِلَاد الجريد وارتحل إلْيَاس مَعَ أَخِيه عمرَان إِلَى تونس وَلما وصلا إِلَيْهَا غدر إلْيَاس بعمران فَقتله وَقتل جمَاعَة من الْأَشْرَاف مَعَه وَقيل غربه إِلَى الأندلس وَعَاد هُوَ إِلَى القيروان فَبعث بِطَاعَتِهِ إِلَى أبي جَعْفَر الْمَنْصُور مَعَ قَاضِي إفريقية عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم وَصفا لَهُ أَمر الْمغرب وَثقل عَلَيْهِ مَكَان حبيب فاحتال عَلَيْهِ حَتَّى أركبه الْبَحْر إِلَى الأندلس وأركب مَعَه أَخَاهُ عبد الْوَارِث فردهم قاصف من الرّيح إِلَى طبرقة وَكَتَبُوا بخبرهم إِلَى إلْيَاس

стр. 122

فلج فِي طردهم وتسامعت موَالِي عبد الرَّحْمَن وشيعته بِابْن مَوْلَاهُم فتسارعوا إِلَيْهِ وأنزلوه من السفين والتفوا عَلَيْهِ وزحفوا بِهِ إِلَى تونس فملكوها وَخرج إلْيَاس لقتالهم فخالفوه إِلَى القيروان وملكوها عَلَيْهِ وفتقوا السجون فَرجع إلْيَاس لقتالهم وَقد فر أَكثر من مَعَه إِلَى حبيب وَلما ترَاءى الْجَمْعَانِ حول القيروان برز حبيب فَنَادَى يَا عَم لم نقْتل أولياءنا وضائعنا وهم جنتنا فَهَلُمَّ للبراز فأينا غلب ملك فصاح الجيشان بتصويب رَأْيه فبرزا وتضاربا حَتَّى عجب النَّاس من صبرهما ثمَّ قتل حبيب إلْيَاس وَدخل القيروان فملكها آخر سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَة فَكَانَت ولَايَة إلْيَاس نَحْو سنة وَنصف وَفِي هَذِه السّنة استولى عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة الْأمَوِي على جَزِيرَة الأندلس انتزعها من يَد أميرها يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الفِهري وَهُوَ أَخُو حبيب الْمَذْكُور آنِفا قَالَ ابْن حَيَّان كَانَ تغلب عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة المرواني على سَرِير الْملك بقرطبة يَوْم الْأَضْحَى لعشر خلون من ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَة واستقام أمره بالأندلس وَبنى الْمَسْجِد الْجَامِع وَالْقصر بقرطبة وَأنْفق فِيهِ ثَمَانِينَ ألف دِينَار وَمَات قبل تَمَامه ووفد عَلَيْهِ جمَاعَة من أهل بَيته من الْمشرق وَكَانَ يَدْعُو للمنصور العباسي ثمَّ قطع دَعوته ومهد الدولة بالأندلس وأثل بهَا الْملك الْعَظِيم لبني مَرْوَان وَخرجت الأندلس من يَوْمئِذٍ عَن نظر صَاحب القيروان بل وَعَن نظر الْخَلِيفَة بالمشرق وَالله غَالب على أمره

стр. 123

اسْتِيلَاء حبيب بن عبد الرَّحْمَن على الْمغرب وفتنة عَاصِم بن جميل المتنبئ ومقتله لما قتل حبيب بن عبد الرَّحْمَن عَمه إلْيَاس وَتمكن من القيروان طلب عَمه عبد الْوَارِث لمشاركته فِي دم أَبِيه كَمَا مر ففر عبد الْوَارِث إِلَى ورفجومة إِحْدَى بطُون نفزاو بن لوي من البرابرة البتر فَنزل على كَبِيرهمْ عَاصِم بن جميل وَكَانَ كَاهِنًا يَدعِي النُّبُوَّة فأجاره ثمَّ نَهَضَ إِلَيْهِم حبيب فأوقعوا بِهِ وهزموه إِلَى قابس واستفحل أَمر عَاصِم وشايعه على شَأْنه من رجالات نفزاوة عبد الْملك بن أبي الْجَعْد الورفجومي وَيزِيد بن سكوم الولهاصي وَكَانَا على رَأْي الإباضية وانضمت إِلَيْهِم سَائِر نفزاوة واشتدت شوكتهم وَكَانَ قيامهم أَولا بدعوة الْخَلِيفَة الْمَنْصُور وَلما بَقِي أهل القيروان فوضى بِسَبَب فرار أَمِيرهمْ إِلَى قابس كتب من بهَا من الْعَرَب إِلَى عَاصِم هَذَا يَدعُونَهُ للقدوم عَلَيْهِم وَالْقِيَام بأمرهم بِشَرْط الدُّعَاء للمنصور فَأتى وَقَاتلهمْ فَهَزَمَهُمْ وَدخل القيروان عنْوَة واستباح أَهلهَا وَخرب مساجدها وأهانها ثمَّ سَار إِلَى حبيب بقابس بعد أَن اسْتخْلف على القيروان وَمن بَقِي بهَا من نفزاوة عبد الْملك ابْن أبي الْجَعْد فقاتل حبيبا وهزمه فلحق حبيب بجبل أورابن وَأَجَارَهُ أَهله ثمَّ زحف إِلَيْهِم عَاصِم فهزموه وقتلوه واستلحموا جمَاعَة من أَصْحَابه وَقَامَ بِأَمْر ورفجومة والقيروان من بعده عبد الْملك بن أبي الْجَعْد وَأهل القيروان أثْنَاء هَذَا كُله فِي غَايَة المذلة والهوان مَعَ البربر ثمَّ زحف حبيب إِلَى القيروان فبرز إِلَيْهِ عبد الْملك وَهزمَ حبيبا وَقَتله فِي الْمحرم سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة فَكَانَت ولَايَته نَحْو ثَلَاث سِنِين وانقرض بمقتله أَمر آل عقبَة من الْمغرب والبقاء لله وَحده

стр. 124

اسْتِيلَاء عبد الْملك بن أبي الْجَعْد على الْمغرب لما قتل عبد الْملك بن أبي الْجَعْد الورنجومي حبيب بن عبد الرَّحْمَن الفِهري رَجَعَ فِي جموع البربر إِلَى القيروان فملكها وَأمر أَمر ورفجومة واستطالوا على أهل القيروان وَقتلُوا من بهَا من قُرَيْش وَسَائِر الْعَرَب حَيْثُ وجدوا وعاملوهم مُعَاملَة المكناسيين لآل إِدْرِيس وَاسْتَحَلُّوا من الحرمات مَا لم يستحله عَاصِم بن جميل قبلهم حَتَّى لقد ربطوا دوابهم بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع وَاشْتَدَّ الْبلَاء على أهل القيروان وافترقوا فِي النواحي فِرَارًا بِأَنْفسِهِم وشاع خبرهم فِي الْآفَاق فَحِينَئِذٍ قَامَ أَبُو الْخطاب عبد الْأَعْلَى بن السَّمْح الغافري من رجالات الْعَرَب وَكَانَ على رَأْي الإباضية بأحواز طرابلس مُنْكرا لفعل ورفجومة ومغيرا عَلَيْهِم حَسْبَمَا نذْكر اسْتِيلَاء عبد الْأَعْلَى بن السَّمْح على الْمغرب وَظُهُور الصفرية من آل مدرار المكناسيين وبناؤهم مَدِينَة سجلماسة كَانَ أَبُو الْخطاب عبد الْأَعْلَى بن السَّمْح الْمعَافِرِي من وُجُوه الْعَرَب وَكَانَ على رَأْي الإباضية كَمَا قنلا وَلما بلغه مَا ارتكبته ورفجومة من أهل القيروان امتعض لذَلِك وَقَامَ محتسبا عَلَيْهِم وشايعه على ذَلِك برابرة طرابلس وَتَوَلَّى كبر ذَلِك هوارة مِنْهُم وهوارة إِحْدَى بطُون أوريغة من البرانس فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ وَتقدم بهم إِلَى طرابلس فملكها ثمَّ زحف إِلَى القيروان سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة فَخرج إِلَيْهِ عبد الْملك بن أبي الْجَعْد فِي جموعة فانخزل عَنهُ أهل القيروان لما نالهم من عسفه وعسف قومه فَانْهَزَمَ وَقتل وَاسْتولى أَبُو الْخطاب على القيروان وأثخن فِي جموع عبد الْملك من

стр. 125

ورفجومة وَسَائِر نفزاوة ثمَّ ولى على القيروان عبد الرَّحْمَن بن رستم الْفَارِسِي وَهُوَ من أَبنَاء رستم أَمِير الْفرس يَوْم الْقَادِسِيَّة كَانَ عبد الرَّحْمَن هَذَا من موَالِي الْعَرَب وَمن رُؤُوس هَذِه الْبِدْعَة فاستخلفه أَبُو الْخطاب على القيروان وَرجع هُوَ إِلَى طرابلس للقاء العساكر القادمة من جِهَة الْخَلِيفَة الْمَنْصُور على مَا نذكرهُ وَلما حصل هَذَا الِاضْطِرَاب بالمغرب اجْتمعت الصفرية من مكناسة بِنَاحِيَة الْمغرب الْأَقْصَى فنقضوا طَاعَة الْعَرَب وولوا عَلَيْهِم عِيسَى بن يزِيد الْأسود من موَالِي الْعَرَب ورؤوس الْخَوَارِج واختطوا مَدِينَة سجلماسة سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة من الْهِجْرَة وَدخل سَائِر مكناسة من أهل تِلْكَ النَّاحِيَة فيدينهم واقتطعوا سجلماسة وأعمالها عَن نظر الْوُلَاة بالقيروان وَمن هَذَا الِاجْتِمَاع نشأت دولة بني مدرار مُلُوك سجلماسة فَإِن صفرية مكناسة لما بَايعُوا عِيسَى بن يزِيد أَقَامَ أَمِيرا عَلَيْهِم نَحْو خمس عشرَة سنة ثمَّ سخطوا إمرته ونقموا عَلَيْهِ بعض أَحْوَاله فعمدوا إِلَيْهِ وأوثقوه كتافا ووضعوه على قنة حَبل إِلَى أَن هلك سنة خمس وَخمسين وَمِائَة واجتمعوا بعده على كَبِيرهمْ أبي الْقَاسِم بن سمكو بن واسول المكناسي الصفري كَانَ أَبوهُ سمكو من حَملَة الْعلم ارتحل إِلَى الْمَدِينَة فَأدْرك التَّابِعين وَأخذ عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس قَالَه عريب بن حميد الْقُرْطُبِيّ فِي تَارِيخه وَكَانَ عِكْرِمَة بربري الأَصْل كَمَا عِنْد ابْن خلكان قَالَ وَقد تكلم النَّاس فِيهِ لِأَنَّهُ

стр. 126

كَانَ يرى رَأْي الْخَوَارِج وَكَانَ أَبُو الْقَاسِم الْمَذْكُور صَاحب ماسية وَهُوَ الَّذِي بَايع لعيسى بن يزِيد وَحمل قومه على طَاعَته فَلَمَّا خلعوا عِيسَى بَايعُوا أَبَا الْقَاسِم من بعده وَقَامَ بأمرهم إِلَى أَن هلك سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَكَانَ يخْطب فِي عمله للمنصور ثمَّ للمهدي من بني الْعَبَّاس وَلما هلك ولوا عَلَيْهِم ابْنه إلْيَاس بن أبي الْقَاسِم وَكَانَ يدعى بالوزير ثمَّ انتفضوا عَلَيْهِ سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة فخلعوه وولوا مَكَانَهُ أَخَاهُ اليسع بن أبي الْقَاسِم وكنيته أَبُو مَنْصُور وَكَانَ صفريا وعَلى عَهده استفحل ملكهم بسجلماسة وَهُوَ الَّذِي أدَار سورها وَأتم بناءها واختط بهَا المصانع والقصور وانتقل إِلَيْهَا آخر الْمِائَة الثَّانِيَة وَهلك سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ وَولى بعده ابْنه مدرار ولقبه الْمُنْتَصر وطالت مدَّته وَكَانَ لَهُ ولدان كل مِنْهُمَا اسْمه مَيْمُون أَحدهمَا لأروى بنت عبد الرَّحْمَن بن رستم صَاحب تاهرت وَالْآخر لبغي وَكَانَ يعرف بالأمير فتنازعا وتداولا الْأَمر بَينهمَا استبدادا على أَبِيهِمَا ودامت الْحَرْب بَينهمَا ثَلَاث سِنِين وَهلك أَبوهُمَا مدرار سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ فِي نوبَة مَيْمُون الْأَمِير وَاسْتمرّ مَيْمُون هَذَا فِي استبداده إِلَى أَن هلك سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَولي ابْنه مُحَمَّد بن مَيْمُون وَكَانَ إباضيا وَتُوفِّي سنة سبعين وَمِائَتَيْنِ فولي اليسع بن الْمُنْتَصر وَفِي أَيَّامه قدم عبيد الله الْمهْدي أول خلفاء العبديين من الشِّيعَة وَابْنه أَبُو الْقَاسِم من الْمشرق فدخلا سجلماسة متنكرين وَكَانَ الْخَلِيفَة المعتضد بِاللَّه العباسي قد أوعز إِلَى اليسع هَذَا بِالْقَبْضِ عَلَيْهِمَا فَنقبَ عَنْهُمَا وَقبض عَلَيْهِمَا وأودعهما السجْن إِلَى أَن افتكهما مُقيم دولتهما أَبُو عبد الله الشيعي الْمَعْرُوف بالمحتسب فَإِنَّهُ اقتحم سجلماسة فِي خبر مَعْرُوف وَأخرج عبيد الله وَابْنه من السجْن وَقتل اليسع سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ

стр. 127

ثمَّ بَايع أهل سجلماسة من بعده الْفَتْح بن مَيْمُون الْأَمِير وَكَانَ أباضيا وَهلك على رَأس الْمِائَة الرَّابِعَة فولي أَخُوهُ أَحْمد بن مَيْمُون الْأَمِير واستقام أمره إِلَى أَن زحف مصالة بن حبوس الكتامي قَائِد الشِّيعَة العبديين فِي جموع كتامة إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى سنة تسع وثلاثمائة فدوخه وَأخذ أَهله بدعوة صَاحبه عبيد الله الْمهْدي وافتتح سجلماسة وتقبض على صَاحبهَا أَحْمد بن مَيْمُون الْأَمِير ثمَّ ولى عَلَيْهَا من قبله مُحَمَّد بن بسادر بن مدرار فَلم يلبث أَن استبد على الشِّيعَة وتلقب بالمعتز وَهلك سنة إِحْدَى وَعشْرين وثلاثمائة وَولي ابْنه الْمُنْتَصر مُحَمَّد بن المعتز فَمَكثَ عشرا وَهلك وَولي ابْنه الْمُنْتَصر سمكو شَهْرَيْن وَكَانَت جدته تدبر أمره لصغره ثمَّ ثار عَلَيْهِ ابْن عَمه مُحَمَّد بن الْفَتْح بن مَيْمُون الْأَمِير ورفض الخارجية ونادى بالدعوة العباسية وَأخذ بِمذهب أهل السّنة وتلقب بالشاكر لله وَاتخذ السِّكَّة باسمه فَكَانَت تسمى بِالدَّرَاهِمِ الشاكرية قَالَ ابْن حزم وَكَانَ فِي غَايَة الْعدْل وَكَانَت سكته فِي غَايَة الطّيب وَاسْتمرّ إِلَى أَن زحف جَوْهَر الْكَاتِب قَائِد الْمعز العبيدي فِي جموع صنهاجة وكتامة إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى سنة سبع وَأَرْبَعين وثلاثمائة فغلب على سجلماسة وفر عَنْهَا مُحَمَّد بن الْفَتْح إِلَى حصن تسكرات على أَمْيَال مِنْهَا ثمَّ دخل سجلماسة متنكرا فَعرفهُ رجل من مضغرة وَأعلم بِهِ جوهرا فتقبض عَلَيْهِ وَسَاقه أَسِيرًا مَعَ أَحْمد بن أبي بكر الزناتي صَاحب فاس إِلَى المهدية كَمَا نذكرهُ ثمَّ لما انْتقض الْمغرب على الشِّيعَة وَأخذ زناته بِطَاعَة الحكم الْمُسْتَنْصر صَاحب الأندلس ثار بسجلماسة قَائِم من ولد الشاكر لله وتلقب بالمنتصر

стр. 128

بِاللَّه ثمَّ وثب عَلَيْهِ أَخُوهُ أَبُو مُحَمَّد سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثلاثمائة فَقتله وَقَامَ بِالْأَمر مَكَانَهُ وتلقب بالمعتز بِاللَّه وَأقَام على ذَلِك مُدَّة وَأمر مكناسة يَوْمئِذٍ قد تداعى إِلَى الانحلال وَأمر زناتة قد استفحل بالمغرب إِلَى أَن زحف خزرون بن فلول الزناتي ثمَّ المغرواي إِلَى سجلماسة سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلاثمائة فبرز إِلَيْهِ ابو مُحَمَّد المعتز فَهزمَ خزرون وَقَتله وَاسْتولى على بَلَده وذخيرته وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى قرطبة وَكَانَ ذَلِك لأوّل حجابة الْمَنْصُور بن أبي عَامر المستبد على بني أُميَّة بالأندلس وانقرض أَمر بني مدرار والبقاء لله وَقد لخصنا هَذِه الدولة المدرارية من كتاب العبر وسردناها هُنَا اسْتِطْرَادًا ثمَّ نعود إِلَى موضوعنا الَّذِي كُنَّا فِيهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق ولَايَة مُحَمَّد بن الْأَشْعَث على الْمغرب لما ارتكبت ورفجومة من أهل القيروان مَا ارتكبته وَفد جمَاعَة من رجالات الْعَرَب بهَا على الْخَلِيفَة الْمَنْصُور واستصرخوه على الْخَوَارِج وَشَكوا إِلَيْهِ تسلقهم على كرْسِي الْإِمَارَة بالقيروان فَوجه الْمَنْصُور مُحَمَّد بن الْأَشْعَث الْخُزَاعِيّ واليا على مصر وَأمره باستنقاذ إفريقية من البربر فَوجه مُحَمَّد بن الْأَشْعَث أَبَا الْأَحْوَص عَمْرو بن الْأَحْوَص الْعجلِيّ سنة اثْنَتَيْنِ واربعين وَمِائَة فَخرج إِلَيْهِ أَبُو الْخطاب الْمعَافِرِي وهزمه بسرت قَرِيبا من طرابلس وَاسْتولى على عسكره وَرجع أَبُو الْأَحْوَص مفلولا إِلَى مصر فَكتب الْمَنْصُور إِلَى ابْن الْأَشْعَث

стр. 129

يَأْمُرهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمغرب بِنَفسِهِ فَسَار إِلَيْهِ فِي أَرْبَعِينَ ألفا وَمَعَهُ الْأَغْلَب بن سَالم التَّمِيمِي فَلَقِيَهُمْ أَبُو الْخطاب بسرت أَيْضا فأوقع بِهِ ابْن الْأَشْعَث وَقَتله واستلحم جموعه وطار الْخَبَر بذلك إِلَى عبد الرَّحْمَن بن رستم بمكانه من القيروان فَاحْتمل أَهله وَولده وَلحق بإباضية الْمغرب الْأَوْسَط وَنزل على لماية بطن من بني فاتن بن تامصيت بن ضرى من البتر لحلف كَانَ بَينه وَبينهمْ فالتفوا عَلَيْهِ وَبَايَعُوا لَهُ بالخلافة وتفاوضوا فِي بِنَاء مَدِينَة تكون كرسيا لإمارتهم شَأْن الصفرية من بني مدرار فشرعوا فِي بِنَاء مَدِينَة تاهرت سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة فعمرت واتسعت خطتها وتوارثها بَنو رستم واقتطعوها عَن نظر وُلَاة الْمغرب وَكَانَ يسلم عَلَيْهِم بالخلافة على مَا هُوَ الْمَعْرُوف منذهب الْخَوَارِج إِلَى أَن انقرضت دولتهم على يَد العبيديين أَوَاخِر الْمِائَة الثَّالِثَة وَأما ابْن الْأَشْعَث فَإِنَّهُ اسْتَقر بالقيروان غرَّة جُمَادَى الأولى سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة وَشرع فِي بِنَاء سورها فِي ذِي الْقعدَة من السّنة وَتمّ فِي رَجَب سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَة وَضبط الْمغرب أحسن ضبط وافتتح طرابلس وَاسْتعْمل عَلَيْهَا الْمخَارِق بن غفار الطَّائِي وعَلى طبنة والزاب الْأَغْلَب بن سَالم وخافه البربر ثمَّ ثار عَلَيْهِ عِيسَى بن مُوسَى بن عجلَان الْخُرَاسَانِي أحد الْجند فِي جمَاعَة من قواد مُضر ونفوه عَن القيروان فقفل إِلَى الْمشرق ربيع الأول سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة فَكَانَت ولَايَته نَحْو أَربع سِنِين

стр. 130

ولَايَة الْأَغْلَب بن سَالم التَّمِيمِي على الْمغرب لما قفل ابْن الْأَشْعَث إِلَى الْمشرق ولى جند مُضر عَلَيْهِم عِيسَى بن مُوسَى الْخُرَاسَانِي واتصل بالمنصور مَا فعله قواد مُضر من ذَلِك فَبعث إِلَى الْأَغْلَب بن سَالم التَّمِيمِي ثمَّ السَّعْدِيّ بعهده على الْمغرب والأغلب هَذَا هُوَ جد الأغالبة مُلُوك أفريقية من بعده على الْمغرب وَكَانَ من ذَوي الشجَاعَة والرأي وَمن صِحَاب أبي مُسلم بخراسان فَدخل الْمغرب مَعَ ابْن الْأَشْعَث وَاسْتَعْملهُ على طبنة كَمَا مر فَلَمَّا وافاه عهد الْخَلِيفَة أَوَاخِر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة انْتقل إِلَى القيروان وأمنها واستقام أمره ثمَّ خرج عَلَيْهِ أَبُو قُرَّة ين دوناس اليفرني وَيُقَال المغيلي من الصفرية والتفت عَلَيْهِ زناتة بِجِهَة تلمسان وَبَايَعُوا لَهُ بالخلافة واستفحل أمره فزحف إِلَيْهِ الْأَغْلَب فَلَمَّا دنا مِنْهُ فر أَبُو قُرَّة إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى فَلم يقف إِلَّا بطنجة وانْتهى الْأَغْلَب إِلَى الزاب ثمَّ عَاد إِلَى القيروان فَعَاد أَبُو قُرَّة إِلَى وَطنه من تلمسان وَفِي سنة خمسين وَمِائَة خرج الْأَغْلَب لقِتَال الصفرية فتثاقل عَنهُ طَائِفَة من الْجند وَلما أوغل فِي طلب الصفرية ثار عَلَيْهِ الْحسن بن حَرْب الْكِنْدِيّ وَكَانَ بتونس وَلحق بِهِ المتثاقلون من الْجند وَكَانَ تثاقلهم عَن الْأَغْلَب بمكاتبة الْحسن إيَّاهُم فِي ذَلِك فَأقبل بهم إِلَى القيروان وَاسْتولى عَلَيْهَا وَلحق الْأَغْلَب بقابس وَكَاتب الْحسن يرغبه فِي الطَّاعَة فَلم يقبل ثمَّ وافى كتاب الْمَنْصُور يَدْعُو الْحسن إِلَى الطَّاعَة فَأبى فصمد إِلَيْهِ الْأَغْلَب واقتتلا فَانْهَزَمَ الْحسن وفر إِلَى تونس وَجمع الجموع وَرجع فَخرج إِلَيْهِ الْأَغْلَب فاصابه سهم فَقتله فَقدم أَصْحَابه عَلَيْهِم الْمخَارِق بن غفار الطَّائِي الَّذِي كَانَ على طرابلس وحملوا على الْحسن فَانْهَزَمَ أمامهم إِلَى تونس ثمَّ لحق بكتامة وخيل الْمخَارِق فِي اتِّبَاعه ثمَّ رَجَعَ إِلَى تونس بعد شَهْرَيْن فَقتله الْجند

стр. 131

وَقيل إِن أَصْحَاب الْأَغْلَب قَتَلُوهُ فِي الْوَقْت الَّذِي قتل فِيهِ الْأَغْلَب وَكَانَ مقتل الْأَغْلَب فِي شعْبَان سنة خمسين وَمِائَة وَقَامَ بِأَمْر إفريقية الْمخَارِق بن غفار إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ ولَايَة عمر بن حَفْص هزارمرد على الْمغرب لما بلغ الْخَلِيفَة الْمَنْصُور مقتل الْأَغْلَب بن سَالم وَجه مَكَانَهُ عمر بن حَفْص من ولد قبيصَة بن أبي صفرَة أخي الْمُهلب بن أبي صفرَة فَقدم القيروان فِي خَمْسمِائَة فَارس سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة فاستقامت أُمُوره ثَلَاث سِنِين ثمَّ خرج إِلَى طبنة لإدارة السُّور عَلَيْهَا واستخلف على القيروان حبيب بن حبيب المهلبي فثار البربر بإفريقية لما علمُوا من بعد الحامية عَنْهَا وغلبوا على من كَانَ بهَا وزحفوا إِلَى القيروان فَخرج إِلَيْهِم حبيب فهزموه وقتلوه وثار البربر الإباضية بطرابلس وولوا عَلَيْهِم أَبَا حَاتِم يَعْقُوب بن لَبِيب المغيلي مولى كِنْدَة وتسامعت بِهِ خوارج الْمغرب فانقضوا من كل نَاحيَة ونبغت رُؤُوس الْفِتْنَة من كل وَجه وعادت هيف إِلَى أديانها وَكَانَت هَذِه الْفِتْنَة هِيَ زبدة الْفِتَن الَّتِي مخضتها الْخَوَارِج بالمغرب من لدن ميسرَة الخفير إِلَى الْآن فَإِنَّهُم زحفوا إِلَى عمر بن حَفْص وَهُوَ بطبنة من أَرض الزاب فِي اثْنَي عشر عسكرا فَكَانَ مِنْهُم أَبُو قُرَّة اليفرني من أَرْبَعِينَ ألفا من الصفرية وَعبد الرَّحْمَن بن رستم صَاحب تاهرت فِي خَمْسَة عشر ألفا من الإباضية والمسور بن هَانِئ الزناتي فِي عشرَة آلَاف من الإباضية أَيْضا وَعبد الْملك بن سكرديد الصنهاجي فِي الفين من صنهاجة الصفرية وَجَرِير بن مَسْعُود المديوني فِيمَن تبعه من مديونة وانضم إِلَيْهِم غير هَؤُلَاءِ من خوارج هوارة وزناتة مِمَّن لَا يُحْصى كَثْرَة وَلما اشْتَدَّ الْحصار على عمر بن حَفْص أعمل الْحِيلَة فِي إِيقَاع الْخلاف

стр. 132

بَينهم ودافعهم بالأموال وَأرْسل إِلَى أبي قُرَّة على يَد ابْنه أبي نور أَن يُعْطِيهِ أَرْبَعِينَ ألفا ولابنه أَرْبَعَة آلَاف على أَن يرتحل عَنهُ فَقبل وارتحل بقَوْمه وانفض البربر عَن طبنه ثمَّ سَار أَبُو حَاتِم يَعْقُوب بن لَبِيب إِلَى القيروان وحاصرها ثَمَانِيَة أشهر حَتَّى أكل أَهلهَا الْميتَة وَلما اشْتَدَّ الْحصار على أهل القيروان خرج عمر بن حَفْص من طبنة يُرِيد أَبَا حَاتِم الإباضية الَّذين مَعَه وَبلغ أَبَا حَاتِم وَأَصْحَابه وهم محاصرون للقيروان مسير عمر بن حَفْص إِلَيْهِم فَسَارُوا للقائه فَمَال هُوَ من الأربس إِلَى تونس ثمَّ جَاءَ إِلَى القيروان فَدَخلَهَا واستعد للحصار وشحنها بالأقوات وَالرِّجَال وَأتبعهُ أَبُو حَاتِم والبربر وَأَبُو قُرَّة مَعَهم فِي قومه وَكَانُوا فِي ثَلَاثمِائَة وَخمسين ألفا الْخَيل مِنْهُم خَمْسَة وَثَمَانُونَ ألفا وَالْبَاقِي رجالة وَأَحَاطُوا بالقيروان وَعمر بن حَفْص داخلها وَطَالَ الْحصار ثمَّ بلغه الْخَبَر أَن الْمَنْصُور وَجه لاستنقاذه ابْن عَمه يزِيد بن حَاتِم المهلبي فَأَنف من ذَلِك وَقَالَ لَا خير فِي الْحَيَاة بعد أَن يُقَال يزِيد أخرجه من الْحصار إِنَّمَا هِيَ رقدة ثمَّ ابْعَثْ إِلَى الْحساب وَخرج عمر فقاتل حَتَّى قتل أواسط حجَّة سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة وَكَانَ عمر هَذَا بطلا سَمحا يلقب هزارمرد وَهُوَ لفظ فَارسي مَعْنَاهُ ألف رجل ثمَّ ولى النَّاس عَلَيْهِم أَخَاهُ لأمه حميد بن صَخْر وانقضى الْحصار وأحرق أَبُو حَاتِم أَبْوَاب القيروان وثلم سورها وَخرج أَكثر الْجند إِلَى طبنة وَدخل أَبُو حَاتِم القيروان فاستولى عَلَيْهَا وَيُقَال إِن ابْن صَخْر وادعه على مَا أحب وَالله تَعَالَى أعلم

стр. 133

ولَايَة يزِيد بن حَاتِم على الْمغرب لما بلغ الْمَنْصُور انْتِقَاض إفريقية على عمر بن حَفْص وحصاره بطبنة أَولا ثمَّ بالقيروان ثَانِيًا بعث إِلَيْهِ يزِيد بن حَاتِم بن قبيصَة بن الْمُهلب بن أبي صفرَة فِي سِتِّينَ ألفا وَبلغ خَبره عمر بن حَفْص فَحَمله ذَلِك على الاستماتة كَمَا تقدم وَبلغ أَبَا حَاتِم وَهُوَ بالقيروان مسير يزِيد بن حَاتِم إِلَيْهِ فَخرج للقائه فَلَقِيَهُ يزِيد بن حَاتِم بنواحي طرابلس واقتتلوا قتالا شَدِيدا فَانْهَزَمَ البربر وَقتل أَبُو حَاتِم فِي ثَلَاثِينَ ألفا من أَصْحَابه وتتبعهم يزِيد بِالْقَتْلِ طلبا بِدَم عمر بن حَفْص ثمَّ ارتحل إِلَى القيروان فَدَخلَهَا يَوْم الِاثْنَيْنِ لعشر مَضَت من جُمَادَى الأولى سنة خمس وَخمسين وَمِائَة فمهدها ورتب أسواقها وأفرد لكل صناعَة مَكَانا وجدد بِنَاء جَامعهَا وَضبط الْأُمُور أحسن ضبط وَكَانَ عبد الرَّحْمَن بن حبيب بن عبد الرَّحْمَن الفِهري مَعَ أبي حَاتِم فلحق بكتامة فَبعث يزِيد فِي طلبه الْمخَارِق بن غفار فحاصره ثَمَانِيَة أشهر ثمَّ غلب عَلَيْهِ فَقتل جمَاعَة مِمَّن مَعَه وهرب الْبَاقُونَ فِي كل نَاحيَة وَنَجَا هُوَ إِلَى الأندلس وَبعث يزِيد الْمخَارِق أَيْضا على الزاب فَنزل طبنة وأثخن فِي البربر وأوقع بهم وقائع عَظِيمَة وَكَانَت حروب الْخَوَارِج مَعَ الْعَرَب مُنْذُ انتفضوا على عمر بن حَفْص إِلَى انْقِضَائِهَا ثَلَاثمِائَة وخمسا وَسبعين حَربًا قَالَه ابْن خلدون ثمَّ انتقضت ورفجومة سنة سبع وَخمسين وولوا عَلَيْهِم رجلا اسْمه أَبُو زرجونة فسرح إِلَيْهِم يزِيد بن حَاتِم من عشيرته يزِيد بن مجزأَة المهلبي فهزموه واستأذنه ابْنه الْمُهلب وَكَانَ على الزاب وطبنة فِي الزَّحْف إِلَى

стр. 134

ورفجومة فَأذن لَهُ وأمده بِالْعَلَاءِ بن سعيد بن مَرْوَان المهلبي من عشيرتهم أَيْضا فأوقع بهم وقتلهم أَبْرَح قتل وانتقضت نفزاوة من بعد ذَلِك فِي سلطنة ابْنه دَاوُد بن يزِيد فاستأصلهم قتلا أَيْضا فركدت ريح الْخَوَارِج من البربر وتداعت بدعتهم إِلَى الاضمحلال قَالَ ابْن خلدون لم يزل أَمر الْخَوَارِج بالمغرب يَعْنِي أَيَّام يزِيد هَذَا فِي تنَاقض إِلَى أَن اضمحلت ديانتهم وافترقت جَمَاعَتهمْ وَبقيت آثَار نحلتهم فِي أعقاب البربر الَّذين دانوا بهَا فِي صدر الْإِسْلَام فَفِي بِلَاد زناتة بالصحراء مِنْهَا أثر بَاقٍ لهَذَا الْعَهْد وَكَذَلِكَ فِي جبال طرابلس أثر بَاقٍ من تِلْكَ النحلة وَالله يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَاسْتمرّ يزِيد بن حَاتِم ضابطا لأمر إفريقية وَالْمغْرب إِلَى أَن توفّي بهَا يَوْم الثُّلَاثَاء لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من شهر رَمَضَان سنة سبعين وَمِائَة فِي خلَافَة هَارُون الرشيد العباسي فَكَانَت ولَايَته خمس عشرَة سنة وَثَلَاثَة أشهر وَولى النَّاس عَلَيْهِم ابْنه دَاوُد إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ وَكَانَ يزِيد ﵀ من السمحاء الأمجاد والفضلاء الأنجاد وكل بني الْمُهلب كَذَلِك وبهم ضرب الْمثل أَبُو مُحَمَّد الحريري فِي المقامات إِذْ قَالَ وَصَارَ الْأَدَب أعلق بِي من الْهوى ببني عذرة والشجاعة بآل أبي صفرَة وَقَالَ الشَّاعِر الحماسي (نزلت على آل الْمُهلب شاتيا ... بَعيدا عَن الأوطان فِي الزَّمن الْمحل) (فَمَا زَالَ بِي معروفهم وافتقادهم ... وبرهم حَتَّى حسبتهم أَهلِي) فَأَما يزِيد هَذَا من بَينهم فحاله فِي الشجَاعَة وجودة الرَّأْي كَمَا رَأَيْت وَأما الْجُود والسخاء فَهُوَ فيهمَا الْمثل السائر كَانَ ربيع بن ثَابت الرقي الشَّاعِر مدح يزِيد بن أسيد بِالتَّصْغِيرِ السّلمِيّ وَهُوَ وَال على أرمينية فقصر فِي حَقه ثمَّ مدح يزِيد بن حَاتِم فَبَالغ فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِ فَقَالَ ربيعَة من قصيدة (لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى ... يزِيد سليم والأغر بن حَاتِم) (يزِيد سليم سَالم المَال والفتى ... فَتى الأزد للأموال غير مسالم)

стр. 135

(فهم الْفَتى الْأَزْدِيّ إِتْلَاف مَاله ... وهم الْفَتى الْقَيْسِي جمع الدَّرَاهِم) ولَايَة روح بن حَاتِم على الْمغرب وَلما بلغ الرشيد وَفَاة يزِيد بن حَاتِم وَكَانَ أَخُوهُ روح واليا على فلسطين وَكَانَ أسن من يزِيد استقدمه وَعَزاهُ فِي أَخِيه وولاه على الْمغرب فَقدم القيروان منتصف سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَكَانَ يزِيد قبْلَة قد أذلّ الْخَوَارِج ومهد الْبِلَاد كَمَا قُلْنَا فَكَانَت أَرض الْمغرب سَاكِنة ايام روح وَرغب فِي موادعته عبد الْوَهَّاب بن عبد الرَّحْمَن بن رستم صَاحب تاهرت فوادعه قَالَ ابْن خلدون وَفِي أَيَّام روح انخضذت شَوْكَة البربر واستكانوا للغلب وطاعوا للدّين فَضرب الْإِسْلَام بجرانه وَأَلْقَتْ الدولة المضرية على البربر بكلكلها اه كَلَام ابْن خلدون وَفِي أَيَّام روح أَيْضا اجتاز الإِمَام إِدْرِيس بن عبد الله بِبِلَاد مصر وإفريقية ناجيا من وقْعَة فخ الَّتِي كَانَت بِمَكَّة لآل الْعَبَّاس على آل عَليّ بن أبي طَالب ﵃ وَدخل مَدِينَة وليلى من الْمغرب الْأَقْصَى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله قَالَ ابْن خلكان كَانَ روح بن حَاتِم من الكرماء الأجواد ولي لخمسة من الْخُلَفَاء السفاح والمنصور وَالْمهْدِي وَالْهَادِي والرشيد وَيُقَال إِنَّه لم يتَّفق مثل هَذَا إِلَّا لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ فَإِنَّهُ ولي لرَسُول الله ﷺ وللخلفاء الْأَرْبَعَة ﵃ قَالَ وَكَانَ روح واليا على السَّنَد ولاه عَلَيْهَا الْمهْدي بن الْمَنْصُور فَلَمَّا مَاتَ أَخُوهُ يزِيد بالقيروان وَدفن بِبَاب سلم قَالَ أهل إفريقية مَا أبعد مَا يكون بَين قَبْرِي هذَيْن الْأَخَوَيْنِ فَإِن أَخَاهُ بالسند وَهَذَا

стр. 136

هُنَا فاتفق أَن الرشيد عزل روحا عَن السَّنَد وسيره إِلَى مَوضِع أَخِيه يزِيد فَدخل إفريقية أول رَجَب سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَلم يزل واليا بهَا إِلَى أَن توفّي بهَا لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من رَمَضَان سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة وَدفن مَعَ أَخِيه يزِيد فِي قبر وَاحِد فَعجب النَّاس من هَذَا الِاتِّفَاق بعد ذَلِك التباعد رحمهمَا الله ثمَّ ولي الْمغرب من قبل الرشيد حبيب بن نصر المهلبي ثمَّ عَزله سنة سبع وَسبعين وَمِائَة وَولي على الْمغرب الْفضل روح بن حَاتِم وَقَتله عبد الله بن الْجَارُود منتصف سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَة وانقرضت بانقراضه دولة آل الْمُهلب من الْمغرب ثمَّ ولى الرشيد على الْمغرب هرثمة بن أعين فَبنى الْقصر الْكَبِير بالمنستير وَبنى السُّور على طرابلس من جِهَة الْبَحْر وَلما رأى هرثمة مَا بالمغرب من كَثْرَة الثوار وَالْخلاف استعفى الرشيد من ولايتها فأعفاه لِسنتَيْنِ وَنصف من ولَايَته ثمَّ ولى الرشيد على إفريقية مُحَمَّد بن مقَاتل العكي وَكَانَ رضيعا لَهُ فاضطربت عَلَيْهِ إفريقية وَبلغ الرشيد ذَلِك وَطلب أهل إفريقية من إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب وَكَانَ من عُمَّال مُحَمَّد بن مقَاتل أَن يكْتب إِلَى الرشيد فِي الْولَايَة عَلَيْهِم فَكتب إِلَى الرشيد فِي ذَلِك على أَن يتْرك الْمِائَة ألف دِينَار الَّتِي كَانَت تحمل من مصر إِلَى إفريقية إِعَانَة

стр. 137

للولاة بهَا وعَلى أَن يحمل هُوَ من إفريقية إِلَى الْخَلِيفَة أَرْبَعِينَ ألفا وَبلغ الرشيد غناؤه وكفايته فَاسْتَشَارَ فِيهِ أَصْحَابه فَأَشَارَ هرثمة بن أعين بولايته فَكتب لَهُ بالعهد على إفريقية منتصف أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة فَقَامَ إِبْرَاهِيم بِالْأَمر وَضبط الْبِلَاد فسكنت واستراحت من الْفِتَن وابتنى مَدِينَة العباسية قرب القيروان وانتقل إِلَيْهَا بجملته وأورث بإفريقية ملكا لِبَنِيهِ من بعده وَفِي هَذِه الْمدَّة انقسم الْمغرب إِلَى ثَلَاث ممالك فَكَانَ بَنو الْأَغْلَب بإفريقية والقيروان وَبَنُو خزر المغراويون بالمغرب الْأَوْسَط وتلمسان وَبَنُو إِدْرِيس بالمغرب الْأَقْصَى وَقبل أَن نفرد الْكَلَام عَلَيْهِ نذْكر فصلا نشِير فِيهِ إِلَى مَذَاهِب أهل الْمغرب ونحلهم على الْجُمْلَة وَالله الْمُوفق القَوْل فِي مَذَاهِب أهل الْمغرب أصولا وفروعا وَمَا يتبع ذَلِك قد تقدم لنا مَا قَالَه الشَّيْخ ابْن أبي زيد ﵀ من أَن البربر ارْتَدُّوا اثْنَتَيْ عشرَة مرّة وَأَنه لم تَسْتَقِر كلمة الْإِسْلَام فيهم إِلَّا لعهد مُوسَى بن نصير وَبعد فَتحه الأندلس ثمَّ كمل إسْلَامهمْ على يَد إِسْمَاعِيل بن عبيد الله بن أبي المُهَاجر وَتقدم أَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ أرسل عشرَة من التَّابِعين يفقهُونَ أهل الْمغرب فِي دينهم فَكَانَ المغاربة فِي صدر الْإِسْلَام لذَلِك على مَذْهَب جُمْهُور السّلف من الْأمة واعتقادهم وَهُوَ الْمَذْهَب الْحق إِلَى أَن حدثت فيهم بِدعَة الخارجية لأوّل الْمِائَة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة نزع إِلَيْهِم بهَا بعض أهل النِّفَاق من خوارج الْعرَاق وبثوها فيهم فتلقوها مِنْهُم بِالْقبُولِ وَحسن موقعها لديهم بِسَبَب مَا كَانُوا يعانونه من ثقل وَطْأَة الْخلَافَة القريشية وجور بعض عمالها حَسْبَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فلقنهم أهل الْبدع أَن الْخلَافَة لَا تشْتَرط فِيهَا القريشية بل وَلَا الْعَرَبيَّة وَأَن كل من كَانَ أتقى لله كَانَ أَحَق بهَا وَلَو عبدا حَبَشِيًّا على ظَاهر الحَدِيث ودسوا إِلَيْهِم مَعَ ذَلِك بعض

стр. 138

تشديدات الْخَوَارِج وتعمقاتهم وأروهم مَا هم عَلَيْهِ من التصلب فِي دينهم فَظهر للبربر ببادئ الرَّأْي أَن تعمقهم ذَلِك إِنَّمَا هُوَ أثر من آثَار الخشية لله وَالْخَوْف مِنْهُ وَأَن ذَلِك هُوَ عين التَّقْوَى الْمَأْمُور بهَا شرعا وَغَابَ عَنْهُم أَن الدّين يسر كَمَا قَالَ ﷺ وَأَن مِلَّة الْإِسْلَام عرفت من بَين الْملَل بالحنيفية السمحة لذَلِك وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ وَمن أمعن نظره فِي نُصُوص الشَّرِيعَة من الْكتاب وَالسّنة علم يَقِينا أَن طَرِيق النجَاة إِنَّمَا هِيَ سلوك الْوسط وَإِن كلا من التعمق والانحلال ضلال وَإِلَى ذَلِك الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله﴾ الْآيَة وَقد قرر جمع من الْأَئِمَّة المقتدى بهم كالغزالي فِي الْإِحْيَاء وَغَيره أَن الْمَحْمُود فِي أُمُور الديانَات كلهَا إِنَّمَا هُوَ سلوك الْوسط بَين الإفراط والتفريط وَبِه يتم مُرَاد الله من خلقه وكلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم وَهَذَا مَبْحَث طَوِيل نَفِيس وَقد رمزنا إِلَيْهِ بِهَذِهِ النبذة الْيَسِيرَة والتوفيق بيد الله وَقد رسخت هَذِه الْبِدْعَة الخارجية فِي البربر زَمَانا طَويلا إِلَى أَن اضمحلت فِي أَوَاخِر الْمِائَة الثَّانِيَة وَمَا بعْدهَا وَمَعَ ذَلِك فقد بقيت مِنْهَا آثَار فِي أَعْقَابهم من أَصْحَاب الْأَطْرَاف كَمَا ذكره ابْن خلدون والناقد بَصِير وَلما طهر الْخُلَفَاء من بني الْعَبَّاس الْمغرب من هَذِه النزعة الشيطانية أَخذ أَهله بعْدهَا بمذاهب أهل الْعرَاق فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع لِأَن ذَلِك الْمَذْهَب يَوْمئِذٍ هُوَ مَذْهَب الْخُلَفَاء بالمشرق وَالنَّاس على قدم إمَامهمْ قَالَ عِيَاض فِي المدارك ظهر مَذْهَب أبي حنيفَة بإفريقية ظهورا كَبِيرا إِلَى قرب أَرْبَعمِائَة سنة فَانْقَطع مِنْهَا وَدخل مِنْهُ شَيْء إِلَى مَا وَرَاءَهَا من الْمغرب قَدِيما بِمَدِينَة فاس وبالأندلس وَكَذَا ظهر بالأندلس أَيْضا مَذْهَب عبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ من أهل الشَّام وَاخْتلف النَّاس فِي السَّبَب الَّذِي انْتقل بِهِ أهل الْمغرب عَن مَذْهَب أبي حنيفَة وَغَيره إِلَى مَذْهَب الإِمَام مَالك بن أنس الَّذِي هُوَ مَذْهَب السّلف من

стр. 139

أهل الْحجاز فَقَالَ ابْن خلكان فِي تَرْجَمَة الْمعز بن باديس الصنهاجي الْمُتَوفَّى فِي أواسط الْمِائَة الْخَامِسَة مَا نَصه كَانَ مَذْهَب أبي حنيفَة ﵁ بإفريقية أظهر الْمذَاهب فَحمل الْمعز الْمَذْكُور جَمِيع أهل الْمغرب على التَّمَسُّك بِمذهب الإِمَام مَالك ﵁ وحسم مَادَّة الْخلاف فِي الْمذَاهب وَاسْتمرّ الْحَال من ذَلِك الْوَقْت إِلَى الْآن اه قلت كَانَ الْمعز هَذَا وأسلافه من صنهاجة بإفريقية على مَذْهَب الرافضة من الشِّيعَة أَخَذُوهُ عَن خلفائهم العبيديين أَيَّام استيلائهم على الْمغرب فِي صدر الْمِائَة الرَّابِعَة وحملوا النَّاس عَلَيْهِ وامتحنوهم وطارت بدعتهم فِي أقطار الْمغرب كُله فَلَمَّا أفْضى الْأَمر إِلَى الْمعز بن باديس الْمَذْكُور قطع دَعْوَة الشِّيعَة من إفريقية ودعا لبني الْعَبَّاس وَحمل النَّاس على التَّمَسُّك بِمذهب مَالك عَالم الْمَدِينَة وَإِمَام دَار الْهِجْرَة هَذَا وَالْمَعْرُوف أَن مَذْهَب مَالك ظهر أَولا بالأندلس ثمَّ انْتقل مِنْهَا إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى أَيَّام الأدارسة وَكَذَا ظهر بإفريقية ظهورا بَينا قبل وجود الْمغرب بِكَثِير بل قبل اسْتِيلَاء صنهاجة والعبيديين على الْمغرب وَذَلِكَ على يَد أَسد بن الْفُرَات وَعبد السَّلَام بن سعيد التنوخي الْمَعْرُوف بسحنون وَغَيرهمَا من أَئِمَّة المغاربة ثمَّ لما ظَهرت دولة الشِّيعَة بإفريقية حاولوا محوه فَلم يَتَيَسَّر لَهُم ذَلِك وَكَانَ فُقَهَاء الْمَالِكِيَّة فِي ذَلِك الْعَصْر مَعَهم فِي محنة عَظِيمَة مِنْهُم ابْن أبي زيد والقابسي وَأَبُو عمرَان الفاسي وطبقتهم وَلم يزل الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن نَصره الْمعز الْمَذْكُور جزاه الله خيرا قَالُوا وَكَانَ ظُهُوره بالأندلس على يَد الْفَقِيه زِيَاد بن عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بشبطون فَهُوَ أول من أدخلهُ الأندلس وَكَانُوا قبل ذَلِك يتفقهون على مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ إِمَام أهل الشَّام لمَكَان الدولة الأموية مِنْهُ فَلَمَّا ظهر مَالك ﵁ بِالْمَدِينَةِ وَعظم صيته وانتشرت فَتَاوِيهِ بأقطار الأَرْض رَحل إِلَيْهِ جمَاعَة من أهل الأندلس وَالْمغْرب كَانَ من أمثلهم وأسبقهم شبطون الْمَذْكُور وقرعوس بن الْعَبَّاس وَعِيسَى بن دِينَار وسيعد بن ابي هِنْد وَغَيرهم أَيَّام هِشَام بن

стр. 140

عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل فَلَمَّا رجعُوا وصفوا من فضل مَالك وسعة علمه وجلالة قدره مَا عظم بِهِ ذكره بالأندلس فانتشر يَوْمئِذٍ علمه ورأيه بهَا وَكَانَ رائد الْجَمَاعَة فِي ذَلِك هُوَ شبطون كَمَا قُلْنَا وَهُوَ أول من أَدخل كتاب الْمُوَطَّأ الْمغرب أَتَى بِهِ مكملا متقنا فَأَخذه عَنهُ يحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ ثمَّ دخل بعد ذَلِك إِلَى مَالك فقرأه عَلَيْهِ وَعَاد إِلَى الأندلس فتمم مَا كَانَ قد بَقِي من شهرة الْمَذْهَب الْمَالِكِي قَالَ ابْن حزم مذهبان انتشرا فِي بَدْء أَمرهمَا بالرئاسة وَالسُّلْطَان مَذْهَب أبي حنيفَة فَإِنَّهُ لما ولى الرشيد أَبَا يُوسُف خطة الْقَضَاء كَانَت الْقُضَاة من قبله من أقْصَى الْمشرق إِلَى أقْصَى عمل إفريقية وَمذهب مَالك عندنَا بالأندلس فَإِن يحيى بن يحيى كَانَ مكينا عِنْد السُّلْطَان مَقْبُول القَوْل فِي الْقُضَاة وَكَانَ لَا يَلِي قَاض فِي أقطار الأندلس إِلَّا بمشورته واختياره وَلَا يُشِير إِلَّا بِأَصْحَابِهِ وَمن كَانَ على مذْهبه وَالنَّاس سراع إِلَى الدُّنْيَا فَأَقْبَلُوا على مَا يرجون بِهِ بُلُوغ أغراضهم على أَن يحيى لم يل قَضَاء قطّ وَلَا أجَاب إِلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك زَائِدا فِي جلالته عِنْدهم وداعيا إِلَى قبُول رَأْيه لديهم اه وَرَأَيْت فِي بعض التآليف فِي سَبَب ظُهُور مَذْهَب مَالك بالأندلس وَالْمغْرب أَن حَاج الْمغرب والأندلس قدمُوا على مَالك ﵁ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُمْ عَن سيرة عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة الْمَعْرُوف بالداخل فَقيل لَهُ إِنَّه يَأْكُل الشّعير ويلبس الصُّوف ويجاهد فِي سَبِيل الله فَقَالَ مَالك لَيْت الله زين حرمنا بِمثلِهِ فنقم عَلَيْهِ بَنو الْعَبَّاس هَذِه الْمقَالة وَكَانَ ذَلِك سَبَب توصلهم إِلَى ضربه فِي مَسْأَلَة الْإِكْرَاه كَمَا هُوَ مَشْهُور وَبَلغت مقَالَته صَاحب الأندلس فسر بهَا وَجمع النَّاس على مذْهبه فانتشر فِي أقطار الْمغرب من يَوْمئِذٍ وَالله أعلم وَمِمَّا يُنَاسب هُنَا مَا نَقله المؤرخون أَن أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن خيرون الأندلسي الأَصْل القيرواني الدَّار رَحل إِلَى الْمشرق فِي صدر الْمِائَة الرَّابِعَة

стр. 141

فَأخذ عَن علمائه وقرائه وَعَاد إِلَى إفريقية بِقِرَاءَة نَافِع بن أبي نعيم وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِم الْقِرَاءَة بِحرف حَمْزَة فشاع حرف نَافِع من يَوْمئِذٍ فِي أقطار الْمغرب بعد أَن كَانَ لَا يقْرَأ بِهِ إِلَّا الْخَواص وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى الْيَوْم فَهَذَا حَال أهل الْمغرب فِي الْفُرُوع وَأما حَالهم فِي الْأُصُول والإعتقادات فَبعد أَن طهرهم الله تَعَالَى من نَزعَة الخارجية أَولا والرافضية ثَانِيًا أَقَامُوا على مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة مقلدين لِلْجُمْهُورِ من السّلف ﵃ فِي الْإِيمَان بالمتشابه وَعدم التَّعَرُّض لَهُ بالتأويل مَعَ التَّنْزِيه عَن الظَّاهِر وَهُوَ وَالله أحسن الْمذَاهب وأسلمها وَللَّه در الْقَائِل ( ... عقيدتنا أَن لَيْسَ مثل صِفَاته ... وَلَا ذَاته شَيْء عقيدة صائب) (سلم آيَات الصِّفَات بأسرها ... وأخبارها للظَّاهِر المتقارب) (ونؤيس عَنْهَا كنه فهم عقولنا ... وتأويلنا فعل اللبيب المراقب) (ونركب للتسليم سفنا فَإِنَّهَا ... لتسليم دين الْمَرْء خير المراكب) وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك مُدَّة إِلَى أَن ظهر مُحَمَّد بن تومرت مهْدي الْمُوَحِّدين فِي صدر الْمِائَة السَّادِسَة فَرَحل إِلَى الْمشرق وَأخذ عَن علمائه مَذْهَب الشَّيْخ أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ومتأخري أَصْحَابه من الْجَزْم بعقيدة السّلف مَعَ تَأْوِيل الْمُتَشَابه من الْكتاب وَالسّنة وتخريجه على مَا عرف فِي كَلَام الْعَرَب من فنون مجازاتها وضروب بلاغاتها مِمَّا يُوَافق عَلَيْهِ النَّقْل وَالشَّرْع ويسلمه الْعقل والطبع ثمَّ عَاد مُحَمَّد بن تومرت إِلَى الْمغرب ودعا النَّاس إِلَى سلوك هَذِه الطَّرِيقَة وَجزم بتضليل من خالفها بل بتكفيره وسمى أَتْبَاعه الْمُوَحِّدين تعريضا بِأَن من خَالف طَرِيقَته لَيْسَ بموحد وَجعل ذَلِك ذَرِيعَة إِلَى الإنتزاء على ملك الْمغرب حَسْبَمَا تقف عَلَيْهِ مفصلا بعد إِن شَاءَ

стр. 142

الله لكنه مَا أَتَى بطريقة الْأَشْعَرِيّ خَالِصَة بل مزجها بِشَيْء من الخارجية والشيعية حَسْبَمَا يعلم ذَلِك بإمعان النّظر فِي أَقْوَاله وأحواله وأحوال خلفائه من بعده وَمن ذَلِك الْوَقْت أقبل عُلَمَاء الْمغرب على تعَاطِي مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ وَتَقْرِيره وتحريره درسا وتأليفا إِلَى آلان وَإِن كَانَ قد ظهر بالمغرب قبل ابْن تومرت فظهورا مَا وَالله أعلم وَقد كَانَ عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَبَنوهُ من بعده منعُوا النَّاس من التَّقْلِيد فِي الْفُرُوع وحملوا الْأَئِمَّة على أَخذ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة مُبَاشرَة على طَريقَة الإجتهاد الْمُطلق وحرقوا شَيْئا كثيرا من كتب الْفُرُوع الحديثة التصنيف وَوَقع ذَلِك من بعض عُلَمَاء عصرهم موقع الإستحسان مِنْهُم الإِمَام الْحَافِظ أبوبكر بن الْعَرَبِيّ فقد ذكر فِي كتاب القواصم والعواصم لَهُ مَا يشْعر بذلك قَالَ بعد ذكره مَا وَقع بالمغرب من الْفِتَن مَا نَصه عطفنا عنان القَوْل إِلَى مصائب نزلت بالعلماء فِي طَرِيق الْفَتْوَى لما كثرت الْبدع وَذهب الْعلمَاء وتعاطت المبتدعة منصب الْفُقَهَاء وتعلقت أطماع الْجُهَّال بِهِ فنالوه بِفساد الزَّمَان ونفوذ وعد الصَّادِق ﷺ فِي قَوْله (اتخذ النَّاس رؤوساء جُهَّالًا فسئلوا فأفتوا بِغَيْر علم فضلوا وأضلوا) وَبقيت الْحَال هَكَذَا فَمَاتَتْ الْعُلُوم إِلَّا عِنْد آحَاد النَّاس واستمرت الْقُرُون على موت الْعلم وَظُهُور الْجَهْل وَذَلِكَ بقدرة الله تَعَالَى وَجعل الْخلف مِنْهُم يتبع السّلف حَتَّى آلت الْحَال إِلَى أَن لَا ينظر فِي قَول مَالك وكبراء أَصْحَابه وَيُقَال قد قَالَ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أهل قرطبة وَأهل طلمنكة وَأهل طليطلة وَصَارَ الصَّبِي إِذا عقل وسلكوا بِهِ أمثل طَريقَة لَهُم علموه كتاب الله تَعَالَى ثمَّ نقلوه إِلَى الْأَدَب ثمَّ إِلَى الْمُوَطَّأ ثمَّ إِلَى الْمُدَوَّنَة ثمَّ إِلَى وثائق ابْن الْعَطَّار ثمَّ يختمون لَهُ بِأَحْكَام ابْن سهل ثمَّ يُقَال قَالَ فلَان الطليطي وَفُلَان المجريطي وَابْن مغيث لَا أغاث الله ثراه فَيرجع

стр. 143

الْقَهْقَرَى وَلَا يزَال يمشي إِلَى وَرَاء وَلَوْلَا أَن الله تَعَالَى من بطَائفَة تَفَرَّقت فِي ديار الْعلم وَجَاءَت بلباب مِنْهُ كَالْقَاضِي أبي الْوَلِيد الْبَاجِيّ وَأبي مُحَمَّد الْأصيلِيّ فرشوا من مَاء الْعلم على هَذِه الْقُلُوب الْميتَة وعطروا أنفاس الْأمة الذفرة لَكَانَ الدّين قد ذهب وَلَكِن تدارك الْبَارِي تَعَالَى بقدرته ضَرَر هَؤُلَاءِ ينفع هَؤُلَاءِ وَرُبمَا سكنت الْحَال قَلِيلا وَالْحَمْد لله اه وَالله تَعَالَى ولي التَّوْفِيق تَتِمَّة مهمة قد ظهر بِبِلَاد الْمغرب وَغَيرهَا مُنْذُ أعصار متطاولة لَا سِيمَا فِي الْمِائَة الْعَاشِرَة وَمَا بعْدهَا بدعوة قبيحة وَهِي اجْتِمَاع طَائِفَة من الْعَامَّة على شيخ من الشُّيُوخ الَّذين عاصروهم أَو تقدموهم مِمَّن يشار إِلَيْهِ بِالْولَايَةِ والخصوصية ويخصونه بمزيد الْمحبَّة والتعظيم ويتمسكون بخدمته والتقرب إِلَيْهِ قدرا زَائِدا على غَيره من الشُّيُوخ بِحَيْثُ يرتسم فِي خيال جلهم أَن كل الْمَشَايِخ أَو جلهم أَن دونه فِي الْمنزلَة عِنْد الله تَعَالَى وَيَقُولُونَ نَحن أَتبَاع سَيِّدي فلَان وخدام الدَّار

стр. 144

الْفُلَانِيَّة لَا يحولون عَن ذَلِك وَلَا يزولون خلفا عَن سلف وينادون باسمه ويتسغيثون بِهِ ويفزعون فِي مهماتهم إِلَيْهِ معتقدين أَن التَّقَرُّب إِلَيْهِ نَافِع والإنحراف عَنهُ قيد شبر ضار مَعَ أَن النافع والضار هُوَ الله وَحده وَإِذا ذكر لَهُم شيخ آخر أَو دعوا إِلَيّ حاصوا حَيْصَة حمر الْوَحْش من غير تبصر فِي أَحْوَاله هَل يسْتَحق ذَلِك التَّعْظِيم أم لَا فَصَارَ الْأَمر عصبيا وَصَارَت الْأمة بذلك طرائق قددا فَفِي كل بلد أَو قَرْيَة عدَّة طوائف وَهَذَا لم يكن مَعْرُوفا فِي سلف الْأمة الَّذين هم الْقدْوَة لمن بعدهمْ وغرض الشَّارِع إِنَّمَا هُوَ فِي الإجتماع وَتَمام الألفة واتحاد الوجهة وَقد قَالَ تَعَالَى لأهل الْكتاب ﴿تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم﴾ الْآيَة وَقد ذمّ قوما فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا وَإِنَّمَا الشَّأْن فِي أهل الخصوصية وَالدّين أَن يَكُونُوا عِنْد الْعَاقِل المحتاط لدينِهِ كأسنان الْمشْط بِحَيْثُ يُحِبهُمْ لله وَفِي الله ويستشفع بهم إِلَى الله ويسأله تَعَالَى أَن يُكرمهُ بِمَا أكْرمهم بِهِ من الْخَيْر وَالْهدى وَالدّين وليحبهم حب التشرع لَا حب التَّشَيُّع وليتأدب مَعَهم وَلَا يقدم على مفاضلتهم بالهوى وَالرَّجم بِالْغَيْبِ فَإِن ذَلِك مُتَوَقف على الإطلاع على مَنْزِلَتهمْ عِنْد الله وَذَلِكَ مَحْجُوب عَنَّا وَإِذا نزلت بِهِ حَاجَة فليفرغ فِي قَضَائهَا إِلَى مَوْلَاهُ الَّذِي خلقه ورزقه مستشفعا إِلَيْهِ بِنَبِيِّهِ الَّذِي هداه للْإيمَان على يَده ثمَّ بخواص الْأمة الَّذين هم آبَاؤُنَا فِي الدّين فَإِن الْمَطْلُوب من العَبْد أَن يصرف وجهته وقصده فِي جَمِيع أُمُوره وَيتَعَلَّق فِيهَا بِاللَّه بِحَيْثُ لَا يطْلبهَا إِلَّا مِنْهُ وَلَا يتكل فِيهَا إِلَّا عَلَيْهِ قَاطعا للنَّظَر عَن كل مَا سواهُ اللَّهُمَّ إِلَّا على سَبِيل التوسل والإستشفاع كَمَا قُلْنَا هَذَا هُوَ التَّوْحِيد الَّذِي بعث الله بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ وَإِلَيْهِ دَعَا وَعَلِيهِ قَاتل وسواه شرك ومنابذا لما جَاءَ بِهِ ﴿إِن هَذَا لَهو الْقَصَص الْحق وَمَا من إِلَه إِلَّا الله﴾ ثمَّ استرسل هَؤُلَاءِ الطغام فِي ضلالهم حَتَّى صَارَت كل طَائِفَة تَجْتَمِع فِي أَوْقَات مَعْلُومَة من مَكَان مَخْصُوص أَو غَيره على بدعتهم الَّتِي يسمونها الحضرة فَمَا شِئْت من طست وطار وطبل ومزمار وغناء ورقص وخيط

стр. 145

وفحص وَرُبمَا أضافوا إِلَى ذَلِك نَارا أَو غَيرهَا يستعملونه على سَبِيل الْكَرَامَة بزعمهم ويستغرقون فِي ذَلِك الزَّمن الطَّوِيل حَتَّى يمْضِي الْوَقْت والوقتان من أَوْقَات الصَّلَوَات وداعي الْفَلاح يُنَادي على رؤوسهم وهم فِي حيرتهم يعمهون لَا يرفعون بِهِ رَأْسا وَلَا يرَوْنَ بِمَا هم فِيهِ من الضلال بَأْسا بل يَعْتَقِدُونَ أَن مَا هم فِيهِ من أفضل الْقرب إِلَى الله تَعَالَى الله عَن جهالتهم علوا كَبِيرا وَلَا تَجِد فِي هَذِه المجامع الشيطانية غَالِبا إِلَّا من بلغ الْغَايَة فِي الْجفَاء وَالْجهل من لَا يحسن الْفَاتِحَة فضلا عَن غَيرهَا مَعَ ترك الصَّلَاة طول عمره أَو من فِي مَعْنَاهُ من معتوه نَاقص الْعقل وَالدّين فَمَا أحْوج هَؤُلَاءِ الفسقة إِلَى محتسب يُغير عَلَيْهِم مَا هم فِيهِ من الْمُنكر الْعَظِيم واللبس الْمُقِيم وَأعظم من هَذَا كُله أَنهم يَفْعَلُونَ تِلْكَ الحضرة غَالِبا فِي الْمَسَاجِد فَإِنَّهُم يتخذون الزاوية باسم الشَّيْخ ويجعلونها مَسْجِدا للصَّلَاة بالمحراب والمنار وَغير ذَلِك ثمَّ يعمرونها بِهَذِهِ الْبِدْعَة الشنيعة فكم رَأينَا من عود ورباب ومزمار على أفحش الهيأت فِي محاريب الصَّلَوَات وَمن بدعهم الشنيعة محاكاتهم أضرحة الشُّيُوخ لبيت الله الْحَرَام من جعل الْكسْوَة لَهَا وتحديد الْحرم على مَسَافَة مَعْلُومَة بِحَيْثُ يكون من دخل تِلْكَ الْبقْعَة من أهل الجرائم آمنا وسوق الذَّبَائِح إِلَيْهَا على هَيْئَة الْهَدْي واتخاذ الْمَوْسِم كل عَام وَهَذَا وَأَمْثَاله لم يشرع إِلَّا فِي حق الْكَعْبَة ثمَّ يَقع فِي ذَلِك الْمَوْسِم وَلَا سِيمَا مواسم الْبَادِيَة من المناكر والمفاسد الْعِظَام واختلاط الرِّجَال بِالنسَاء باديات متبرجات شَأْن أهل الْإِبَاحَة وشأن قوم نوح فِي جاهليتهم مَا تصم عَنهُ الآذان وَلَا مُنكر وَلَا مغير وَلَا ممتعض للدّين لَا بل للحسب فَأَما الدّين عِنْد هَؤُلَاءِ فَلَا دين فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على ضَيْعَة الدّين وغفلة أَهله عَنهُ وَبِاللَّهِ وَيَا للْمُسلمين لهَؤُلَاء الهمج الرعاع الَّذين سلبوا الْمُرُوءَة وَالْحيَاء والغيرة وَالْعقل وَالدّين والإنسانية جملَة فليسوا فِي فطنة الشَّيَاطِين وَلَا فِي سَلامَة صُدُور الْبَهَائِم وَلَا فِي نخوة السبَاع فيغضبوا لديهم ومروءتهم
следующие страницы →