← История

История · id 6627

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فَأخذ عَن علمائه وقرائه وَعَاد إِلَى إفريقية بِقِرَاءَة نَافِع بن أبي نعيم وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِم الْقِرَاءَة بِحرف حَمْزَة فشاع حرف نَافِع من يَوْمئِذٍ فِي أقطار الْمغرب بعد أَن كَانَ لَا يقْرَأ بِهِ إِلَّا الْخَواص وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى الْيَوْم فَهَذَا حَال أهل الْمغرب فِي الْفُرُوع وَأما حَالهم فِي الْأُصُول والإعتقادات فَبعد أَن طهرهم الله تَعَالَى من نَزعَة الخارجية أَولا والرافضية ثَانِيًا أَقَامُوا على مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة مقلدين لِلْجُمْهُورِ من السّلف ﵃ فِي الْإِيمَان بالمتشابه وَعدم التَّعَرُّض لَهُ بالتأويل مَعَ التَّنْزِيه عَن الظَّاهِر وَهُوَ وَالله أحسن الْمذَاهب وأسلمها وَللَّه در الْقَائِل ( ... عقيدتنا أَن لَيْسَ مثل صِفَاته ... وَلَا ذَاته شَيْء عقيدة صائب) (سلم آيَات الصِّفَات بأسرها ... وأخبارها للظَّاهِر المتقارب) (ونؤيس عَنْهَا كنه فهم عقولنا ... وتأويلنا فعل اللبيب المراقب) (ونركب للتسليم سفنا فَإِنَّهَا ... لتسليم دين الْمَرْء خير المراكب) وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك مُدَّة إِلَى أَن ظهر مُحَمَّد بن تومرت مهْدي الْمُوَحِّدين فِي صدر الْمِائَة السَّادِسَة فَرَحل إِلَى الْمشرق وَأخذ عَن علمائه مَذْهَب الشَّيْخ أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ومتأخري أَصْحَابه من الْجَزْم بعقيدة السّلف مَعَ تَأْوِيل الْمُتَشَابه من الْكتاب وَالسّنة وتخريجه على مَا عرف فِي كَلَام الْعَرَب من فنون مجازاتها وضروب بلاغاتها مِمَّا يُوَافق عَلَيْهِ النَّقْل وَالشَّرْع ويسلمه الْعقل والطبع ثمَّ عَاد مُحَمَّد بن تومرت إِلَى الْمغرب ودعا النَّاس إِلَى سلوك هَذِه الطَّرِيقَة وَجزم بتضليل من خالفها بل بتكفيره وسمى أَتْبَاعه الْمُوَحِّدين تعريضا بِأَن من خَالف طَرِيقَته لَيْسَ بموحد وَجعل ذَلِك ذَرِيعَة إِلَى الإنتزاء على ملك الْمغرب حَسْبَمَا تقف عَلَيْهِ مفصلا بعد إِن شَاءَ

стр. 142

الله لكنه مَا أَتَى بطريقة الْأَشْعَرِيّ خَالِصَة بل مزجها بِشَيْء من الخارجية والشيعية حَسْبَمَا يعلم ذَلِك بإمعان النّظر فِي أَقْوَاله وأحواله وأحوال خلفائه من بعده وَمن ذَلِك الْوَقْت أقبل عُلَمَاء الْمغرب على تعَاطِي مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ وَتَقْرِيره وتحريره درسا وتأليفا إِلَى آلان وَإِن كَانَ قد ظهر بالمغرب قبل ابْن تومرت فظهورا مَا وَالله أعلم وَقد كَانَ عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَبَنوهُ من بعده منعُوا النَّاس من التَّقْلِيد فِي الْفُرُوع وحملوا الْأَئِمَّة على أَخذ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة مُبَاشرَة على طَريقَة الإجتهاد الْمُطلق وحرقوا شَيْئا كثيرا من كتب الْفُرُوع الحديثة التصنيف وَوَقع ذَلِك من بعض عُلَمَاء عصرهم موقع الإستحسان مِنْهُم الإِمَام الْحَافِظ أبوبكر بن الْعَرَبِيّ فقد ذكر فِي كتاب القواصم والعواصم لَهُ مَا يشْعر بذلك قَالَ بعد ذكره مَا وَقع بالمغرب من الْفِتَن مَا نَصه عطفنا عنان القَوْل إِلَى مصائب نزلت بالعلماء فِي طَرِيق الْفَتْوَى لما كثرت الْبدع وَذهب الْعلمَاء وتعاطت المبتدعة منصب الْفُقَهَاء وتعلقت أطماع الْجُهَّال بِهِ فنالوه بِفساد الزَّمَان ونفوذ وعد الصَّادِق ﷺ فِي قَوْله (اتخذ النَّاس رؤوساء جُهَّالًا فسئلوا فأفتوا بِغَيْر علم فضلوا وأضلوا) وَبقيت الْحَال هَكَذَا فَمَاتَتْ الْعُلُوم إِلَّا عِنْد آحَاد النَّاس واستمرت الْقُرُون على موت الْعلم وَظُهُور الْجَهْل وَذَلِكَ بقدرة الله تَعَالَى وَجعل الْخلف مِنْهُم يتبع السّلف حَتَّى آلت الْحَال إِلَى أَن لَا ينظر فِي قَول مَالك وكبراء أَصْحَابه وَيُقَال قد قَالَ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أهل قرطبة وَأهل طلمنكة وَأهل طليطلة وَصَارَ الصَّبِي إِذا عقل وسلكوا بِهِ أمثل طَريقَة لَهُم علموه كتاب الله تَعَالَى ثمَّ نقلوه إِلَى الْأَدَب ثمَّ إِلَى الْمُوَطَّأ ثمَّ إِلَى الْمُدَوَّنَة ثمَّ إِلَى وثائق ابْن الْعَطَّار ثمَّ يختمون لَهُ بِأَحْكَام ابْن سهل ثمَّ يُقَال قَالَ فلَان الطليطي وَفُلَان المجريطي وَابْن مغيث لَا أغاث الله ثراه فَيرجع

стр. 143

الْقَهْقَرَى وَلَا يزَال يمشي إِلَى وَرَاء وَلَوْلَا أَن الله تَعَالَى من بطَائفَة تَفَرَّقت فِي ديار الْعلم وَجَاءَت بلباب مِنْهُ كَالْقَاضِي أبي الْوَلِيد الْبَاجِيّ وَأبي مُحَمَّد الْأصيلِيّ فرشوا من مَاء الْعلم على هَذِه الْقُلُوب الْميتَة وعطروا أنفاس الْأمة الذفرة لَكَانَ الدّين قد ذهب وَلَكِن تدارك الْبَارِي تَعَالَى بقدرته ضَرَر هَؤُلَاءِ ينفع هَؤُلَاءِ وَرُبمَا سكنت الْحَال قَلِيلا وَالْحَمْد لله اه وَالله تَعَالَى ولي التَّوْفِيق تَتِمَّة مهمة قد ظهر بِبِلَاد الْمغرب وَغَيرهَا مُنْذُ أعصار متطاولة لَا سِيمَا فِي الْمِائَة الْعَاشِرَة وَمَا بعْدهَا بدعوة قبيحة وَهِي اجْتِمَاع طَائِفَة من الْعَامَّة على شيخ من الشُّيُوخ الَّذين عاصروهم أَو تقدموهم مِمَّن يشار إِلَيْهِ بِالْولَايَةِ والخصوصية ويخصونه بمزيد الْمحبَّة والتعظيم ويتمسكون بخدمته والتقرب إِلَيْهِ قدرا زَائِدا على غَيره من الشُّيُوخ بِحَيْثُ يرتسم فِي خيال جلهم أَن كل الْمَشَايِخ أَو جلهم أَن دونه فِي الْمنزلَة عِنْد الله تَعَالَى وَيَقُولُونَ نَحن أَتبَاع سَيِّدي فلَان وخدام الدَّار

стр. 144

الْفُلَانِيَّة لَا يحولون عَن ذَلِك وَلَا يزولون خلفا عَن سلف وينادون باسمه ويتسغيثون بِهِ ويفزعون فِي مهماتهم إِلَيْهِ معتقدين أَن التَّقَرُّب إِلَيْهِ نَافِع والإنحراف عَنهُ قيد شبر ضار مَعَ أَن النافع والضار هُوَ الله وَحده وَإِذا ذكر لَهُم شيخ آخر أَو دعوا إِلَيّ حاصوا حَيْصَة حمر الْوَحْش من غير تبصر فِي أَحْوَاله هَل يسْتَحق ذَلِك التَّعْظِيم أم لَا فَصَارَ الْأَمر عصبيا وَصَارَت الْأمة بذلك طرائق قددا فَفِي كل بلد أَو قَرْيَة عدَّة طوائف وَهَذَا لم يكن مَعْرُوفا فِي سلف الْأمة الَّذين هم الْقدْوَة لمن بعدهمْ وغرض الشَّارِع إِنَّمَا هُوَ فِي الإجتماع وَتَمام الألفة واتحاد الوجهة وَقد قَالَ تَعَالَى لأهل الْكتاب ﴿تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم﴾ الْآيَة وَقد ذمّ قوما فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا وَإِنَّمَا الشَّأْن فِي أهل الخصوصية وَالدّين أَن يَكُونُوا عِنْد الْعَاقِل المحتاط لدينِهِ كأسنان الْمشْط بِحَيْثُ يُحِبهُمْ لله وَفِي الله ويستشفع بهم إِلَى الله ويسأله تَعَالَى أَن يُكرمهُ بِمَا أكْرمهم بِهِ من الْخَيْر وَالْهدى وَالدّين وليحبهم حب التشرع لَا حب التَّشَيُّع وليتأدب مَعَهم وَلَا يقدم على مفاضلتهم بالهوى وَالرَّجم بِالْغَيْبِ فَإِن ذَلِك مُتَوَقف على الإطلاع على مَنْزِلَتهمْ عِنْد الله وَذَلِكَ مَحْجُوب عَنَّا وَإِذا نزلت بِهِ حَاجَة فليفرغ فِي قَضَائهَا إِلَى مَوْلَاهُ الَّذِي خلقه ورزقه مستشفعا إِلَيْهِ بِنَبِيِّهِ الَّذِي هداه للْإيمَان على يَده ثمَّ بخواص الْأمة الَّذين هم آبَاؤُنَا فِي الدّين فَإِن الْمَطْلُوب من العَبْد أَن يصرف وجهته وقصده فِي جَمِيع أُمُوره وَيتَعَلَّق فِيهَا بِاللَّه بِحَيْثُ لَا يطْلبهَا إِلَّا مِنْهُ وَلَا يتكل فِيهَا إِلَّا عَلَيْهِ قَاطعا للنَّظَر عَن كل مَا سواهُ اللَّهُمَّ إِلَّا على سَبِيل التوسل والإستشفاع كَمَا قُلْنَا هَذَا هُوَ التَّوْحِيد الَّذِي بعث الله بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ وَإِلَيْهِ دَعَا وَعَلِيهِ قَاتل وسواه شرك ومنابذا لما جَاءَ بِهِ ﴿إِن هَذَا لَهو الْقَصَص الْحق وَمَا من إِلَه إِلَّا الله﴾ ثمَّ استرسل هَؤُلَاءِ الطغام فِي ضلالهم حَتَّى صَارَت كل طَائِفَة تَجْتَمِع فِي أَوْقَات مَعْلُومَة من مَكَان مَخْصُوص أَو غَيره على بدعتهم الَّتِي يسمونها الحضرة فَمَا شِئْت من طست وطار وطبل ومزمار وغناء ورقص وخيط

стр. 145

وفحص وَرُبمَا أضافوا إِلَى ذَلِك نَارا أَو غَيرهَا يستعملونه على سَبِيل الْكَرَامَة بزعمهم ويستغرقون فِي ذَلِك الزَّمن الطَّوِيل حَتَّى يمْضِي الْوَقْت والوقتان من أَوْقَات الصَّلَوَات وداعي الْفَلاح يُنَادي على رؤوسهم وهم فِي حيرتهم يعمهون لَا يرفعون بِهِ رَأْسا وَلَا يرَوْنَ بِمَا هم فِيهِ من الضلال بَأْسا بل يَعْتَقِدُونَ أَن مَا هم فِيهِ من أفضل الْقرب إِلَى الله تَعَالَى الله عَن جهالتهم علوا كَبِيرا وَلَا تَجِد فِي هَذِه المجامع الشيطانية غَالِبا إِلَّا من بلغ الْغَايَة فِي الْجفَاء وَالْجهل من لَا يحسن الْفَاتِحَة فضلا عَن غَيرهَا مَعَ ترك الصَّلَاة طول عمره أَو من فِي مَعْنَاهُ من معتوه نَاقص الْعقل وَالدّين فَمَا أحْوج هَؤُلَاءِ الفسقة إِلَى محتسب يُغير عَلَيْهِم مَا هم فِيهِ من الْمُنكر الْعَظِيم واللبس الْمُقِيم وَأعظم من هَذَا كُله أَنهم يَفْعَلُونَ تِلْكَ الحضرة غَالِبا فِي الْمَسَاجِد فَإِنَّهُم يتخذون الزاوية باسم الشَّيْخ ويجعلونها مَسْجِدا للصَّلَاة بالمحراب والمنار وَغير ذَلِك ثمَّ يعمرونها بِهَذِهِ الْبِدْعَة الشنيعة فكم رَأينَا من عود ورباب ومزمار على أفحش الهيأت فِي محاريب الصَّلَوَات وَمن بدعهم الشنيعة محاكاتهم أضرحة الشُّيُوخ لبيت الله الْحَرَام من جعل الْكسْوَة لَهَا وتحديد الْحرم على مَسَافَة مَعْلُومَة بِحَيْثُ يكون من دخل تِلْكَ الْبقْعَة من أهل الجرائم آمنا وسوق الذَّبَائِح إِلَيْهَا على هَيْئَة الْهَدْي واتخاذ الْمَوْسِم كل عَام وَهَذَا وَأَمْثَاله لم يشرع إِلَّا فِي حق الْكَعْبَة ثمَّ يَقع فِي ذَلِك الْمَوْسِم وَلَا سِيمَا مواسم الْبَادِيَة من المناكر والمفاسد الْعِظَام واختلاط الرِّجَال بِالنسَاء باديات متبرجات شَأْن أهل الْإِبَاحَة وشأن قوم نوح فِي جاهليتهم مَا تصم عَنهُ الآذان وَلَا مُنكر وَلَا مغير وَلَا ممتعض للدّين لَا بل للحسب فَأَما الدّين عِنْد هَؤُلَاءِ فَلَا دين فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على ضَيْعَة الدّين وغفلة أَهله عَنهُ وَبِاللَّهِ وَيَا للْمُسلمين لهَؤُلَاء الهمج الرعاع الَّذين سلبوا الْمُرُوءَة وَالْحيَاء والغيرة وَالْعقل وَالدّين والإنسانية جملَة فليسوا فِي فطنة الشَّيَاطِين وَلَا فِي سَلامَة صُدُور الْبَهَائِم وَلَا فِي نخوة السبَاع فيغضبوا لديهم ومروءتهم

стр. 146

وَمن جهالاتهم الفظيعة جمعهم بَين اسْم الله تَعَالَى وَاسم الْوَلِيّ فِي مقامات التَّعْظِيم كالقسم والإستعطاف وَغَيرهمَا فَإِذا أَقْسمُوا قَالُوا وَحقّ الله وَحقّ سَيِّدي فلَان وَإِذا عزموا على أحد قَالُوا دخلت عَلَيْك بِاللَّه وسيدي فلَان وَإِذا سَأَلُوا قَالُوا من يُعْطِينَا على الله وعَلى سَيِّدي فلَان فيعطفون اسْم العَبْد على اسْم مَوْلَاهُ بِالْوَاو الْمُقْتَضِيَة للتشريك والتسوية التَّامَّة فِي مقَام قد حظر الشَّارِع أَن يتَجَاوَز فِيهِ اسْم الله إِلَى غَيره وَهَذَا هُوَ صَرِيح الشّرك وَمن مناكرهم الجديرة بالتغيير اجْتِمَاعهم كل سنة للوقوف يَوْم عَرَفَة بضريح الشَّيْخ عبد السَّلَام بن مشيش ﵁ ويسمون ذَلِك حج الْمِسْكِين فَانْظُر إِلَى هَذِه الطامة الَّتِي اخترعها هَؤُلَاءِ الْعَامَّة وَمن اختراعاتهم تسميتهم لبدعتهم بالحضرة كَمَا قُلْنَا أخذا من اسْم حَضْرَة الله تَعَالَى فِي إصْلَاح الْأَئِمَّة العارفين من الصُّوفِيَّة كَأَهل رِسَالَة الْقشيرِي وَمن فِي معناهم فأوهم هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِين بِهَذِهِ التَّسْمِيَة أَنهم يكونُونَ فِي حَال اشتغالهم بِتِلْكَ الْبِدْعَة فِي حَضْرَة الله تَعَالَى ثمَّ يذهبون فيسمون جنونهم وتخبطهم على تِلْكَ الطبول والمزامير بِالْحَال أخذا من الْحَال الَّتِي تعتري السالك إِلَى الله تَعَالَى فِي حَال ترقيه فِي دَرَجَات الْمعرفَة والوصول وَهَذَا لعمر الله من أقبح الضلالات واشنع الجهالات إِلَى غير هَذَا مِمَّا أُغني فِيهِ العيان عَن الْخَبَر وعرفه الْخَاص وَالْعَام فِي حالتي الْورْد والصدر ولسنا ننكر على أَوْلِيَاء الله وَأهل الخصوصية مِنْهُم أَو على من يسْلك سبيلهم على الْوَجْه الْمُقَرّر فِي كتب الْأَئِمَّة المقتدى بهم مِنْهُم وَإِنَّمَا نشرح حَال هَؤُلَاءِ الجهلة الَّذين لم يَأْتُوا الْأَمر من بَابه وَلَا أَخَذُوهُ عَن أربابه وَإِنَّمَا حَالهم مَا رَأَيْت وَعلمت وَهَذِه نفثة مصدور صَاحبهَا عِنْد الْمنصف مَعْذُور فنسأل الله الْعَظِيم الْمولى الْكَرِيم أَن يُحَرك همة من لَهُ الْقُدْرَة وَالتَّصَرُّف إِلَى حسم هَذِه الضلالات وقطعها عَسى أَن يَرْحَمنَا رَبنَا وَيجْبر كسرنا ويكبت

стр. 147

عدونا إِذا نَحن راجعنا ديننَا وَسنة نَبينَا ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ وَمَا لَهُم من دونه من وَال﴾ وَقد آن أَن نفرد الْكَلَام على الْمغرب الْأَقْصَى عِنْد مَا استولى عَلَيْهِ الْمولى إِدْرِيس بن عبد الله وَبَنوهُ من بعده واقتطعوه عَن نظر الْخُلَفَاء بالمشرق وصيروه مملكة مُسْتَقلَّة إِذْ كَانَ ذَلِك من شَرط كتَابنَا هَذَا حَسْبَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ مقدمين لذَلِك مَا يجب تَقْدِيمه من الْإِشَارَة إِلَى أَمر الْخلَافَة وتنازع أهل الصَّدْر الأول فِي اسْتِحْقَاقهَا وَمن هُوَ أولى بهَا ثمَّ نتخلص مِنْهُ إِلَى الْمَقْصُود بِالذَّاتِ وَالله الْمُوفق

стр. 148

الدولة الإدريسية الْخَبَر عَن دولة آل إِدْرِيس بالمغرب الْأَقْصَى وَذكر السَّبَب فِي أوليتها أعلم أَنه قد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (إِن هَذَا الْأَمر فِي قُرَيْش لَا يعاديهم أحد إِلَّا كَبه الله على وَجهه مَا أَقَامُوا الدّين) وَفِيه أَيْضا أَنه ﷺ قَالَ (لَا يزَال هَذَا الْأَمر فِي قُرَيْش مَا بَقِي مِنْهُم اثْنَان) قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر لَو فقد قرشي فكناني ثمَّ رجل من بني إِسْمَاعِيل ثمَّ عجمي على مَا فِي التَّهْذِيب أَو جرهمي على مَا فِي التَّتِمَّة ثمَّ رجل من بني إِسْحَاق وَأَن يكون شجاعا ليغزو بِنَفسِهِ ويعالج الجيوش ويقوى على فتح الْبِلَاد ويحمي الْبَيْضَة وَأَن يكون أَهلا للْقَضَاء بِأَن يكون مُسلما مُكَلّفا حرا عدلا ذكرا مُجْتَهدا ذَا رَأْي وَسمع وبصر ونطق وتنعقد الْإِمَامَة ببيعة أهل الْحل وَالْعقد من الْعلمَاء ووجوه النَّاس المتيسر اجْتِمَاعهم وباستخلاف الإِمَام من يُعينهُ فِي حَيَاته وَيشْتَرط الْقبُول فِي حَيَاته ليَكُون خَليفَة بعد مَوته وباستيلاء متغلب على الْإِمَامَة وَلَو غير أهل لَهَا كصبي وَامْرَأَة إِن قهر النَّاس بشوكته وجنده وَذَلِكَ لينظم أَمر الْمُسلمين اه ثمَّ نقُول قد تقدم لنا أَمر الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ﵃ بعد النَّبِي ﷺ وَأَن السّلف أطبقوا على أَن ترتيبهم فِي الْفضل عل حسب ترتيبهم فِي الْخلَافَة وَتقدم لنا أَيْضا مَا كَانَ من عَليّ وَمُعَاوِيَة ﵄ وَأَن مَا صدر مِنْهُمَا كَانَ اجْتِهَادًا مَحْضا وطلبا للحق وَأَن الصَّوَاب كَانَ مَعَ عَليّ ﵁ وَالْكل مأجور ثمَّ لما قتل عَليّ ﵁ بَايع أهل الْعرَاق ابْنه الْحسن ﵁ وزحف إِلَيْهِ مُعَاوِيَة فِي أهل الشَّام وَرَأى الْحسن مَا فِي حقن دِمَاء الْمُسلمين وَجمع كلمتهم من الثَّوَاب عِنْد الله والكرامة لَدَيْهِ فَاخْتَارَ الْأُخْرَى على الدُّنْيَا

стр. 149

وَقدم الآجل على العاجل وَسلم الْأَمر إِلَى مُعَاوِيَة على شُرُوط مَعْرُوفَة وَأصْلح الله بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين كَمَا قَالَ جده ﷺ وَحَازَ مُعَاوِيَة الْخلَافَة وصفت لَهُ وتوارثها بنوا أُميَّة من بعده بعد مقاتلات ومنازعات كَانَت من بني هَاشم وَغَيرهم لَهُم يطول جلبها وَكَانَ السوَاد الْأَعْظَم من الْمُسلمين يرَوْنَ أَن بني هَاشم أَحَق بِالْأَمر من بني أُميَّة لِأَن بني هَاشم هم آل بَيت النَّبِي ﷺ وعشيرته الأقربون وهم أهل الْعلم وَالدّين والخصوصية الَّذين اجتباهم الله وأذهب عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا فهم أَحَق بِمنْصب رَسُول الله ﷺ من غَيرهم وَهَذَا الرَّأْي صَوَاب غير أَن ذَلِك لَيْسَ بطرِيق الْوُجُوب عِنْد أهل السّنة بل بطرِيق الأحقية والأولوية إِذا توفرت الشُّرُوط فيهم وَفِي غَيرهم من سَائِر بطُون قُرَيْش وَإِلَّا فَمن انْفَرَدت بِهِ الشُّرُوط وَجب الْمصير إِلَيْهِ وَكَانَ شيعَة عَليّ بن أبي طَالب ﵁ يوجبون الْخلَافَة لِبَنِيهِ دون من عداهم ويزعمون أَن ذَلِك كَانَ بِوَصِيَّة من النَّبِي ﷺ لعَلي ﵁ وَهَذِه الْوَصِيَّة لم تثبت عِنْد أهل السّنة من طَرِيق صَحِيح ومذاهب هَؤُلَاءِ الشِّيعَة فِي كَيْفيَّة سوق الْخلَافَة فِي عقب عَليّ ﵁ مُتعَدِّدَة لَا حَاجَة لنا بذكرها وَكَانَ بَنو عَليّ ﵁ فِي الصَّدْر الأول كثيرا مَا يثورون فِي النواحي شرقا وغربا طَالِبين حَقهم فِي الْخلَافَة منازعين فِيهَا لبني أُميَّة أَولا ثمَّ لبني الْعَبَّاس من بعدهمْ ثَانِيًا وخبرهم فِي ذَلِك مَعْرُوف وجلبه يطول إِلَى أَن كَانَ مِنْهُم عبد الله بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ وَكَانَ من سادة أهل الْبَيْت يَوْمئِذٍ وَكَانَ لَهُ عدَّة أَوْلَاد مِنْهُم مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِالنَّفسِ الزكية وَإِبْرَاهِيم ويحي وَسليمَان وَإِدْرِيس وَغَيرهم وَلما صَار أَمر بني أُميَّة إِلَى الاختلال أَيَّام مَرْوَان الْحمار آخر خلفائهم اجْتمع أهل الْبَيْت بِالْمَدِينَةِ وَتَشَاوَرُوا فِيمَن يقدمونه للخلافة فَوَقع اختيارهم

стр. 150

على مُحَمَّد بن عبد الله النَّفس الزكية فَبَايعُوا لَهُ بالخلافة وسلموا لَهُ الْأَمر بأجمعهم وَحضر هَذَا العقد أَبُو جَعْفَر عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس وَهُوَ الْمَنْصُور وَذَلِكَ قبل أَن تنْتَقل الْخلَافَة إِلَى بني الْعَبَّاس فَبَايع للنَّفس الزكية فِيمَن بَايع لَهُ من أهل الْبَيْت وَأَجْمعُوا على ذَلِك لتقدمه فيهم لما علمُوا لَهُ من الْفضل عَلَيْهِم قَالَ ابْن خلدون وَلِهَذَا كَانَ مَالك وَأَبُو حنيفَة رحمهمَا الله يحتجان لَهُ حِين خرج بالحجاز ويريان أَن إِمَامَته أصح من إِمَامَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور لانعقاد هَذِه الْبيعَة أَولا وَكَانَ أَبُو حنيفَة يَقُول بفضله ويحتج لحقه فتأدت إِلَى الْإِمَامَيْنِ المحنة بِسَبَب ذَلِك أَيَّام أبي جَعْفَر الْمَنْصُور حَتَّى ضرب مَالك ﵁ على الْفتيا فِي طَلَاق الْمُكْره وَحبس أَبُو حنيفَة ﵁ على الْقَضَاء وَلما انقرضت دولة بني أُميَّة وَجَاءَت دولة بني الْعَبَّاس وَصَارَ الْأَمر إِلَى أبي جَعْفَر الْمَنْصُور مِنْهُم سعى عِنْده بآل الْبَيْت وَأَن مُحَمَّد بن عبد الله يروم الْخُرُوج عَلَيْهِ وَأَن دعاته قد ظَهَرُوا بخراسان فَأمر الْمَنْصُور عَامله على الْمَدِينَة رَبَاح بن عُثْمَان المري بِحَبْس عبد الله بن حسن وَمن إِلَيْهِ من آل الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب فحبسه جمَاعَة من بنيه وَإِخْوَته وَبني عَمه قَالَ ابْن خلدون فِي خَمْسَة وَأَرْبَعين من أكابرهم وَقدم الْمَنْصُور الْمَدِينَة فِي حجَّة حَجهَا فساقهم مَعَه إِلَى الْعرَاق وحبسهم بقصر ابْن هُبَيْرَة من ظَاهر الْكُوفَة حَتَّى هَلَكُوا فِي حَبسهم وجد الْمَنْصُور فِي طلب مُحَمَّد بن عبد الله النَّفس الزكية وأخيه إِبْرَاهِيم لِكَوْنِهِمَا تغيبا فَلم يحبسا فِي جملَة من حبس من عشيرتهم ثمَّ لما كَانَت سنة خمس واربعين وَمِائَة وأرهق مُحَمَّد بن عبد الله الطّلب وأعيت عَلَيْهِ الْمذَاهب ظهر بِالْمَدِينَةِ المنورة ودعا النَّاس إِلَى بيعَته فَبَايعُوهُ واستفتى أهل الْمَدِينَة الإِمَام مَالِكًا ﵁ فِي الْخُرُوج مَعَ مُحَمَّد بن عبد الله وَقَالُوا فِي أعناقنا بيعَة للمنصور فَقَالَ إِنَّمَا بايعتم

стр. 151

مكرهين فَتسَارع النَّاس إِلَى مُحَمَّد وَأَجَابُوا دَعوته وَلزِمَ الإِمَام ملك بَيته وخطب مُحَمَّد بن عبد الله على مِنْبَر رَسُول الله ﷺ وَذكر الْمَنْصُور بِمَا نقمه عَلَيْهِ ووعد النَّاس واستنصر بهم وَتسَمى بالمهدي وَلم يتَخَلَّف عَن بيعَته من وُجُوه النَّاس إِلَّا الْقَلِيل وَبلغ الْمَنْصُور خبر مُحَمَّد بن عبد الله وَمَا كَانَ مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ فأشفق من ذَلِك غَايَة الإشفاق وَكتب إِلَى مُحَمَّد كتاب أَمَان ويعده الْجَمِيل إِن هُوَ رَاجع الطَّاعَة فَأَجَابَهُ مُحَمَّد بِعَدَمِ قبُول ذَلِك مِنْهُ ودارت بَينهمَا مكاتبات ومحاورات فِي الْأَفْضَلِيَّة وَاسْتِحْقَاق الْخلَافَة وَقد ذكر مكاتبتهما الْمبرد فِي كَامِله وَابْن خلدون فِي تَارِيخه وَآخر الْأَمر أَن الْمَنْصُور بعث لِحَرْب مُحَمَّد الْمهْدي ابْن عَمه عِيسَى بن مُوسَى العباسي فاستعد الْمهْدي لِلْقِتَالِ وأدار على الْمَدِينَة الخَنْدَق الَّذِي حفره رَسُول الله ﷺ يَوْم الْأَحْزَاب وقدمت جيوش العباسيين ونزلوا على الْمَدِينَة وَخرج إِلَيْهِم مُحَمَّد بن عبد الله فِيمَن بَايعه واقتتل النَّاس قتالا شَدِيدا وأبلى مُحَمَّد الْمهْدي فِي ذَلِك الْيَوْم بلَاء عَظِيما وَقتل بِيَدِهِ سبعين رجلا وَلما اشْتَدَّ الْقِتَال وعاين مخايل الاختلال انْصَرف فاغتسل وتحنط وَجمع بَين الظّهْر وَالْعصر وَمضى فَأحرق الدِّيوَان الَّذِي كَانَ فِيهِ أَسمَاء من بَايعه وَجَاء إِلَى السجْن فَقتل رَبَاح بن عُثْمَان عَامل الْمَنْصُور على الْمَدِينَة وَقتل مَعَه جمَاعَة كَانُوا مسجونين عِنْده ثمَّ عَاد إِلَى المعركة وَقد تفرق عَنهُ جلّ أَصْحَابه وَلم يبْق مَعَه إِلَّا نَحْو ثَلَاثمِائَة فَقَالَ لَهُ بَعضهم نَحن الْيَوْم فِي عدَّة أهل بدر ثمَّ تقدم فقاتل حَتَّى قتل ضرب فَسقط لِرُكْبَتَيْهِ وطعنه حميد بن قَحْطَبَةَ فِي صَدره ثمَّ احْتَرز رَأسه وأتى بِهِ عِيسَى بن مُوسَى فَبعث بِهِ إِلَى الْمَنْصُور وَكَانَ مقتل مُحَمَّد الْمهْدي ﵀ فِي منتصف رَمَضَان سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة وَقتل مَعَه جمَاعَة من أهل بَيته وَأَصْحَابه وَلحق ابْنه عَليّ بن

стр. 152

مُحَمَّد بالسند إِلَى أَن هلك هُنَاكَ واختفى ابْنه الآخر عبد الله الأشتر إِلَى أَن هلك أَيْضا فِي خبر طَوِيل ثمَّ خرج إِبْرَاهِيم بن عبد الله أَخُو الْمهْدي الْمَذْكُور بِالْبَصْرَةِ عقب ذَلِك فَبعث إِلَيْهِ الْمَنْصُور عِيسَى بن مُوسَى الْمَذْكُور آنِفا فقاتله آخر ذِي الْقعدَة من السّنة فَانْهَزَمَ إِبْرَاهِيم وَقتل ﵀ بعد أَن بَايعه أَكثر من مائَة ألف ثمَّ لما كَانَت سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة فِي أَيَّام مُوسَى الْهَادِي بن مُحَمَّد الْمهْدي بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور خرج بِالْمَدِينَةِ الْحُسَيْن بِالتَّصْغِيرِ بن عَليّ بن الْحسن المثلث بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَكَانَ مَعَه جمَاعَة من أهل بَيته مِنْهُم إِدْرِيس وَيحيى وَسليمَان بَنو عبد الله بن الْحسن الْمثنى وهم إخْوَة مُحَمَّد النَّفس الزكية فَاشْتَدَّ أَمر الْحُسَيْن الْمَذْكُور بِالْمَدِينَةِ وَجرى بَينه وَبَين عَامل الْهَادِي على الْمَدِينَة وَهُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب قتال فَانْهَزَمَ عمر الْمَذْكُور وَبَايع النَّاس الْحُسَيْن الْمَذْكُور على كتاب الله وَسنة نبيه للمرتضى من آل مُحَمَّد وَكَانُوا يكنون بذلك عَن الإِمَام المستور إِلَى أَن يقدر على إِظْهَار أمره وَأقَام الْحُسَيْن وَأَصْحَابه بِالْمَدِينَةِ يَتَجَهَّزُونَ أَيَّامًا ثمَّ خَرجُوا إِلَى مَكَّة يَوْم السبت لست بَقينَ من ذِي الْقعدَة فَانْتهى الْحُسَيْن إِلَى مَكَّة وانضم إِلَيْهِ جمَاعَة من عبيدها وَكَانَ قد حج تِلْكَ السّنة جمَاعَة من وُجُوه بني الْعَبَّاس وشيعتهم فَمنهمْ سُلَيْمَان بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَمُحَمّد بن سُلَيْمَان بن عَليّ وَالْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عَليّ وانضم إِلَيْهِم من حج من قوادهم ومواليهم واقتتلوا مَعَ الْحُسَيْن الْمَذْكُور يَوْم التَّرويَة الثَّامِن من ذِي الْحجَّة فَانْهَزَمَ الْحُسَيْن وَأَصْحَابه وَقتل فاحتزوا رَأسه وأحضروه أَمَام بني الْعَبَّاس وَهُوَ مَضْرُوب على قَفاهُ وجبهته ثمَّ جمعت رُؤُوس أَصْحَابه فَكَانَت مائَة ونيفا وَكَانَ فِيهَا رَأس سُلَيْمَان بن عبد الله بن الْحسن الْمثنى فِي قَول وَاخْتَلَطَ المنهزمون بالحاج فَذَهَبُوا فِي كل وَجه

стр. 153

وَكَانَ مقتلهم بِموضع يُقَال لَهُ فخ على ثَلَاثَة أَمْيَال من مَكَّة سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة كَمَا قُلْنَا وَفِي ذَلِك يَقُول بعض شعراء ذَلِك الْعَصْر (فلأبكين على الْحُسَيْن ... بعولة وعَلى الْحسن) (وعَلى ابْن عَاتِكَة الَّذِي ... واروه لَيْسَ لَهُ كفن) (تركُوا بفخ غدْوَة ... فِي غير منزلَة الوطن) فِي أَبْيَات وَالْحسن الَّذِي ذكره فِي هَذِه الأبيات هُوَ الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب وَكَانَ أسر فِي ذَلِك الْيَوْم فَضربت عُنُقه صبرا وَابْن عَاتِكَة الَّذِي ذكره هُوَ عبد الله بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب ثمَّ حمل رَأس الْحُسَيْن وَمَعَهُ بَاقِي الرؤوس إِلَى الْهَادِي فَأنْكر عَلَيْهِم حمل رَأس الْحُسَيْن وَلم يعطهم جوائزهم غَضبا عَلَيْهِم دُخُول إِدْرِيس بن عبد الله أَرض الْمغرب الْأَقْصَى قد تقدم لنا أَن يحيى وَإِدْرِيس ابْني عبد الله حضرا وقْعَة فخ مَعَ الْحُسَيْن بن عَليّ الْمَذْكُور آنِفا فَأَما يحيى فَإِنَّهُ فر من الْوَقْعَة الْمَذْكُورَة إِلَى بِلَاد الديلم فِي جِهَة الشرق ودعا النَّاس إِلَى بيعَته فَبَايعُوهُ واشتدت شوكته ثمَّ إِن الرشيد جهز إِلَيْهِ الْفضل بن يحيى الْبَرْمَكِي فِي جَيش كثيف فكاتبه الْفضل وبذل لَهُ الْأمان وَمَا يختاره فَأَجَابَهُ يحيى بن عبد الله إِلَى ذَلِك وَطلب يَمِين الرشيد وَأَن يكون بِخَطِّهِ وَيشْهد فِيهِ الأكابر فَفعل ذَلِك وَحضر يحيى بن عبد الله إِلَى بَغْدَاد فَأكْرمه الرشيد وَأَعْطَاهُ مَالا كثيرا ثمَّ حَبسه حَتَّى مَاتَ فِي السجْن وَأما إِدْرِيس فَإِنَّهُ فر من الْوَقْعَة الْمَذْكُورَة وَلحق بِمصْر وعَلى بريدها يَوْمئِذٍ وَاضح مولى صَالح بن الْمَنْصُور وَيعرف بالمسكين وَكَانَ وَاضح يتشيع لآل الْبَيْت فَعلم شَأْن إِدْرِيس وَأَتَاهُ إِلَى الْموضع الَّذِي كَانَ مستخفيا

стр. 154

بِهِ وَلم ير شَيْئا أخْلص لَهُ من أَن يحملهُ على الْبَرِيد إِلَى الْمغرب فَفعل وَلحق إِدْرِيس بالمغرب الْأَقْصَى هُوَ ومولاه رَاشد فَنزل بِمَدِينَة وليلى سنة ثِنْتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة وَبهَا يَوْمئِذٍ إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن عبد الحميد أَمِير أوربة من البربر البرانس فأجاره وأكرمه وَجمع البربر على الْقيام بدعوته وخلع الطَّاعَة العباسية وكشف القناع فِي ذَلِك وانْتهى الْخَبَر إِلَى الرشيد بِمَا فعله وَاضح فِي شَأْن إِدْرِيس فَقتله وصلبه وَقَالَ ابْن أبي زرع فِي كتاب القرطاس إِن إِدْرِيس بن عبد الله لما قتلت عشيرته بفخ فر بِنَفسِهِ متسترا فِي الْبِلَاد يُرِيد الْمغرب فَسَار من مَكَّة حَتَّى وصل إِلَى مصر وَمَعَهُ مولى لَهُ اسْمه رَاشد فَدَخلَهَا وَالْعَامِل عَلَيْهَا يَوْمئِذٍ لبني الْعَبَّاس هُوَ عَليّ بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي فَبَيْنَمَا إِدْرِيس وَرَاشِد يمشيان فِي شوارع مصر إِذا مرا بدار حَسَنَة الْبناء فوقفا يتأملانها وَإِذا بِصَاحِب الدَّار قد خرج فَسلم عَلَيْهِمَا وَقَالَ مَا الَّذِي تنظرانه من هَذِه الدَّار فَقَالَ رَاشد أعجبنا حسن بنائها قَالَ وأظنكما غريبين ليسَا من هَذِه الْبِلَاد فَقَالَ رَاشد جعلت فدَاك إِن الْأَمر كَمَا ذكرت قَالَ فَمن اي الأقاليم أَنْتُمَا قَالَا من الْحجاز قَالَ فَمن أَي بِلَاده قَالَا من مَكَّة قَالَ وأخالكما من شيعَة الحسنين الفارين من وقْعَة فخ فهما بالإنكار ثمَّ توسما فِيهِ الْخَيْر فَقَالَ رَاشد يَا سَيِّدي أرى لَك صُورَة حَسَنَة وَقد توسمت فِيك الْخَيْر أَرَأَيْت إِن أخبرناك من نَحن أَكنت تستر علينا قَالَ نعم وَرب الْكَعْبَة وأبذل الْجهد فِي صَلَاح حالكما فَقَالَ رَاشد هَذَا إِدْرِيس بن عبد الله بن حسن وَأَنا مَوْلَاهُ رَاشد فَرَرْت بِهِ خوفًا عَلَيْهِ من الْقَتْل وَنحن قاصدون بِلَاد الْمغرب فَقَالَ الرجل لتطمئن نفوسكما فَإِنِّي من شيعَة آل الْبَيْت وَأول من كتم سرهم فأنتما من الْآمنينَ ثمَّ أدخلهما منزله وَبَالغ فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِمَا فاتصل خبرهما بعلي بن سُلَيْمَان صَاحب مصر فَبعث إِلَى الرجل الَّذِي هما عِنْده فَقَالَ لَهُ إِنَّه قد رفع إِلَيّ خبر الرجلَيْن الَّذين عنْدك وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد كتب إِلَيّ فِي طلب الحسينين والبحث عَنْهُم وَقد بَث عيونه على الطرقات وَجعل الرصاد

стр. 155

على أَطْرَاف الْبِلَاد فَلَا يمر بهم أحد حَتَّى يعرف نسبه وحاله وَإِنِّي أكره أَن أتعرض لدماء آل الْبَيْت فلك وَلَهُم الْأمان فَاذْهَبْ إِلَيْهِمَا وأعلمهما بمقالي وَأَمرهمَا بِالْخرُوجِ من عَمَلي وَقد أجلتهما ثَلَاثًا فَسَار الرجل فَاشْترى راحلتين لإدريس ومولاه وَاشْترى لنَفسِهِ أُخْرَى وَوضع زادا يبلغهما إِلَى إفريقية وَقَالَ لراشد اخْرُج أَنْت مَعَ الرّفْقَة على الجادة وَأخرج أَنا وَإِدْرِيس على طَرِيق غامض لَا تسلكه الرفاق وموعدنا مَدِينَة برقة فَخرج رَاشد مَعَ الرّفْقَة فِي زِيّ التُّجَّار وَخرج إِدْرِيس مَعَ الْمصْرِيّ فسلكا الْبَريَّة حَتَّى وصلا إِلَى برقة وَأَقَامَا بهَا حَتَّى لحق بهما رَاشد ثمَّ جدد الْمصْرِيّ لَهما زادا وودعهما وَانْصَرف وَسَار إِدْرِيس وَرَاشِد يجدان السّير حَتَّى وصلا إِلَى القيروان فأقاما بهَا مُدَّة ثمَّ خرجا إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى وَكَانَ رَاشد من أهل النجدة والحزم وَالدّين والنصيحة لآل الْبَيْت فَعمد إِلَى إِدْرِيس حِين خرجا من القيروان فألبسه مدرعة صوف خشينة وعمامة كَذَلِك وصيره كالخادم لَهُ يَأْمُرهُ وينهاه كل ذَلِك خوفًا عَلَيْهِ وحياطة لَهُ ثمَّ وصلا إِلَى مَدِينَة تلمسان فأراحا بهَا أَيَّامًا ثمَّ ارتحلا نَحْو بِلَاد طنجة فسارا حَتَّى عبرا وَادي ملوية ودخلا بِلَاد السوس الْأَدْنَى وتقدما إِلَى مَدِينَة طنجة وَهِي يَوْمئِذٍ قَاعِدَة بِلَاد الْمغرب الْأَقْصَى وَأم مدنه فأقاما بهَا أَيَّامًا فَلَمَّا لم يجد إِدْرِيس بهَا مُرَاده خرج مَعَ مَوْلَاهُ رَاشد حَتَّى انتهيا إِلَى مَدِينَة وليلى قَاعِدَة جبل زرهون وَكَانَت مَدِينَة متوسطة حَصِينَة كَثِيرَة الْمِيَاه والغروس وَالزَّيْتُون وَكَانَ لَهَا سور عَظِيم من بُنيان الْأَوَائِل يُقَال إِنَّهَا الْمُسَمَّاة الْيَوْم بقصر فِرْعَوْن فَنزل بهَا إِدْرِيس على صَاحبهَا ابْن عبد الحميد الأوربي فَأقبل عَلَيْهِ ابْن عبد الحميد وَبَالغ فِي إكرامه وبره فَعرفهُ إِدْرِيس بِنَفسِهِ وأفضى إِلَيْهِ بسره فوافقه على مُرَاده وأنزله مَعَه فِي دَاره وَتَوَلَّى خدمته وَالْقِيَام بشؤونه وَكَانَ دُخُول إِدْرِيس الْمغرب ونزوله على ابْن عبد الحميد بِمَدِينَة وليلى

стр. 156

غرَّة ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة بيعَة الإِمَام إِدْرِيس بن عبد الله ﵁ لما اسْتَقر إِدْرِيس بن عبد الله بِمَدِينَة وليلى عِنْد كبيرها إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن عبد الحميد الأوربي أَقَامَ عِنْده سِتَّة أشهر فَلَمَّا دخل شهر رَمَضَان من السّنة جمع ابْن عبد الحميد عشيرته من أوربة وعرفهم بِنسَب إِدْرِيس وقرابته من رَسُول الله ﷺ وَقرر لَهُم فَضله وَدينه وَعلمه واجتماع خِصَال الْخَيْر فِيهِ فَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي أكرمنا بِهِ وشرفنا بجواره وَهُوَ سيدنَا وَنحن العبيد فَمَا تُرِيدُ منا قَالَ تبايعونه قَالُوا مَا منا من يتَوَقَّف عَن بيعَته فَبَايعُوهُ بِمَدِينَة وليلى يَوْم الْجُمُعَة رَابِع رَمَضَان الْمُعظم سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة وَكَانَ أول من بَايعه قَبيلَة أوربة على السّمع وَالطَّاعَة وَالْقِيَام بأَمْره والاقتداء بِهِ فِي صلواتهم وغزواتهم وَسَائِر أحكامهم وَكَانَت أوربة يَوْمئِذٍ من أعظم قبائل البربر بالمغرب الْأَقْصَى وأكثرها عددا وتلتها فِي نصْرَة إِدْرِيس وَالْقِيَام بأَمْره مغيلة وصدينة وهما مَعًا من ولد تامزيت بن ضرى وَلما بُويِعَ إِدْرِيس ﵀ خطب النَّاس فَقَالَ بعد حمد الله وَالصَّلَاة على نبيه ﷺ أَيهَا النَّاس لَا تَمُدَّن الْأَعْنَاق إِلَى غَيرنَا فَإِن الَّذِي تجدونه من الْحق عندنَا لَا تجدونه عِنْد غَيرنَا ثمَّ بعد ذَلِك وفدت عَلَيْهِ قبائل زناتة والبربر مثل زواغة وزواوة وسدراتة وغياثة ومكناسة وغمارة وكافة البربر بالمغرب الْأَقْصَى فَبَايعُوهُ أَيْضا ودخلوا فِي طَاعَته فاستتب أمره وَتمكن سُلْطَانه وقويت شوكته وَلحق بِهِ من اخوته سُلَيْمَان بن عبد الله وَنزل بِأَرْض زتاتة من تلمسان ونواحيها كَذَا عِنْد ابْن خلدون فِي أَخْبَار الأدارسة وَالَّذِي عِنْده فِي أَخْبَار بني الْعَبَّاس وَكَذَا عِنْد أبي الْفِدَاء أَن سُلَيْمَان بن عبد الله بن حسن قتل بوقعة فخ وَجمع رَأسه مَعَ رُؤُوس الْقَتْلَى فَالله أعلم

стр. 157

غَزْو إِدْرِيس بن عبد الله بِلَاد الْمغرب الْأَقْصَى وفتحه إِيَّاهَا ثمَّ إِن إِدْرِيس بن عبد الله ﵁ اتخذ جَيْشًا كثيفا من وُجُوه زناتة وأوربة وصنهاجة وهوارة وَغَيرهم وَخرج غازيا بِلَاد تامسنا ثمَّ زحف إِلَى بِلَاد تادلا فَفتح معاقلها وحصونها وَكَانَ أَكثر أهل هَذِه الْبِلَاد لَا زَالُوا على دين الْيَهُودِيَّة والنصرانية وَإِنَّمَا الْإِسْلَام بهَا قَلِيل فَأسلم جَمِيعهم على يَده وقفل إِلَى مَدِينَة وليلى مؤيدا منصورا فَدَخلَهَا أَوَاخِر ذِي الْحجَّة سنة اثْنَيْنِ وَسبعين وَمِائَة فَأَقَامَ بهَا شهر محرم فاتح سنة ثَلَاث وَسبعين ريثما استراح النَّاس ثمَّ خرج برسم غَزْو من كَانَ بَقِي من قبائل البربر بالمغرب على دين الْمَجُوسِيَّة واليهودية والنصرانية وَكَانَ قد بَقِي مِنْهُم بَقِيَّة متحصنون فِي المعاقل وَالْجِبَال والحصون المنيعة فَلم يزل إِدْرِيس ﵀ يجاهدهم فِي حصونهم ويستنزلهم من معاقلهم حَتَّى دخلُوا فِي الْإِسْلَام طَوْعًا وَكرها وَمن أَبى الْإِسْلَام مِنْهُم أباده قتلا وسبيا وَكَانَت الْبِلَاد الَّتِى غَزَاهَا فِي هَذِه الْمرة حصون فندلاوة وحصون مديونة وبهلولة وقلاع غياثة وبلاد فازاز ثمَّ عَاد إِلَى مَدِينَة وليلى فَدَخلَهَا فِي النّصْف من جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة

стр. 158

غَزْو إِدْرِيس بن عبد الله أَرض الْمغرب الْأَوْسَط وَفتح مَدِينَة تلمسان لما قفل إِدْرِيس ﵁ من غَزْو بِلَاد الْمغرب الْأَقْصَى سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة أَقَامَ بو ليلى بَقِيَّة جُمَادَى الْآخِرَة وَنصف رَجَب التَّالِي لَهَا ريثما استراح جَيْشه ثمَّ خرج منتصف رَجَب الْمَذْكُور برسم غَزْو مَدِينَة تلمسان وَمن بهَا من قبائل مغراوة وَبني يفرن فَانْتهى إِلَيْهَا وَنزل خَارِجهَا فَخرج إِلَيْهِ صَاحبهَا مُحَمَّد بن خزر من ولد صولات المغراوي مستأمنا ومبايعا لَهُ فَأَمنهُ إِدْرِيس وَقبل بيعَته وَدخل مَدِينَة تلمسان فأمن أَهلهَا ثمَّ أَمن سَائِر زناتة وَبنى مَسْجِد تلمسان وأتقنه وَأمر بِعَمَل مِنْبَر نَصبه فِيهِ وَكتب عَلَيْهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا أَمر بِهِ الإِمَام إِدْرِيس بن عبد الله بن حسن بن الْحسن بن عَليّ ﵃ وَذَلِكَ فِي شهر صفر سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة قَالَ ابْن خلدون وَاسم إِدْرِيس مخطوط فِي صفحة الْمِنْبَر لهَذَا الْعَهْد اه ثمَّ رَجَعَ إِدْرِيس ﵀ إِلَى مَدِينَة وليلى فَدَخلَهَا مؤيدا منصورا وَفَاة إِدْرِيس بن عبد الله وَالسَّبَب فِي ذَلِك لما حصل لإدريس ﵀ مَا حصل من التَّمَكُّن والظهور اتَّصل خبر ذَلِك بالخليفة بِبَغْدَاد وَهُوَ هَارُون الرشيد العباسي وبلغه أَن إِدْرِيس قد استقام لَهُ أَمر الْمغرب وَأَنه قد استفحل أمره وَكَثُرت جُنُوده وَقد فتح مَدِينَة تلمسان وَبنى مَسْجِدهَا وَأَنه عازم على غَزْو إفريقية فخاف الرشيد عَاقِبَة ذَلِك وَأَنه إِن لم يتدارك أمره الْآن رُبمَا عجز عَنهُ فِي الْمُسْتَقْبل مَعَ مَا يعلم من فضل إِدْرِيس خُصُوصا ومحبة النَّاس فِي آل الْبَيْت عُمُوما فقلق الرشيد من ذَلِك وَاسْتَشَارَ وزيره يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي وَقَالَ إِن الرجل قد فتح تلمسان وَهِي بَاب

стр. 159

إفريقية وَمن ملك الْبَاب يُوشك أَن يدْخل الدَّار وَقد هَمَمْت أَن أبْعث إِلَيْهِ جَيْشًا ثمَّ فَكرت فِي بعد الشقة وَعظم الْمَشَقَّة فَرَجَعت عَن ذَلِك فَقَالَ يحيى الرَّأْي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن تبْعَث إِلَيْهِ بِرَجُل داهية يحتال عَلَيْهِ ويغتاله وتستريح مِنْهُ فأعجب الرشيد ذَلِك فَوَقع اختيارهما على رجل من موَالِي الْمهْدي وَالِد الرشيد وَاسم الرجل سُلَيْمَان بن جرير وَيعرف بالشماخ فَأحْضرهُ يحيى وأعلمه بِمَا يُرِيد مِنْهُ ووعده على قتل إِدْرِيس الرّفْعَة والمنزلة الْعَالِيَة عِنْد الرشيد وزوده مَالا وطرفا يَسْتَعِين بهَا على أمره وأصحبه الرشيد كتابا مِنْهُ إِلَى واليه على إفريقية إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب كَذَا عِنْد ابْن خلدون وَابْن الْخَطِيب وَفِيه أَن ابْن الْأَغْلَب لم يكن واليا على إفريقية فِي هَذَا التَّارِيخ وَإِنَّمَا وَليهَا سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة حَسْبَمَا سبق فوصل الشماخ إِلَى وَالِي إفريقية بِكِتَاب الرشيد فَأَجَازَهُ إِلَى الْمغرب وَقدم الشماخ على إِدْرِيس بن عبد الله مظْهرا النُّزُوع إِلَيْهِ فِيمَن نزع إِلَيْهِ من وحدان الْعَرَب متبرئا من الدعْوَة العباسية منتحلا للدعوة الطالبية فاختصه إِدْرِيس ﵀ وحلا بِعَيْنيهِ وعظمت مَنْزِلَته لَدَيْهِ وَكَانَ الشماخ ممتلئا من الْأَدَب والظرف والبلاغة عَارِفًا بصناعة الجدل فَكَانَ إِذا جلس الإِمَام إِدْرِيس إِلَى رُؤَسَاء البربر ووجوه الْقَبَائِل تكلم الشماخ فَذكر فضل أهل الْبَيْت وعظيم بركتهم على الْأمة ويقرر ذَلِك ويحتج لإمامة إِدْرِيس وَأَنه الإِمَام الْحق دون غَيره فَكَانَ يعجب إِدْرِيس وَيَقَع مِنْهُ الْموقع فاستولى الشماخ عَلَيْهِ حَتَّى صَار من ملازميه وَلَا يَأْكُل إِلَّا مَعَه وَكَانَ رَاشد كالئا لإدريس ملازما لَهُ أَيْضا قَلما ينْفَرد عَنهُ لِأَنَّهُ كَانَ يخَاف عَلَيْهِ من مثل مَا وَقع فِيهِ لِكَثْرَة أَعدَاء آل الْبَيْت يَوْمئِذٍ وَكَانَ الشماخ يترصد الْغرَّة من رَاشد ويترقب الفرصة فِي إِدْرِيس إِلَى أَن غلب رَاشد ذَات يَوْم فِي بعض حاجاته فَدخل الشماخ على إِدْرِيس فَجَلَسَ بَين يَدَيْهِ على الْعَادة وتحدث مَلِيًّا وَلما لم ير الشماخ راشدا بالحضرة انتهز الفرصة فِي إِدْرِيس فَقيل إِنَّه

стр. 160

كَانَت مَعَ الشماخ قَارُورَة من طيب مَسْمُوم فأخرجها وَقَالَ لإدريس هَذَا طيب كنت استصحبته معي وَهُوَ من جيد الطّيب فَرَأَيْت أَن الإِمَام أولى بِهِ مني وَذَلِكَ من بعض مَا يجب لَهُ عَليّ ثمَّ وضع القارورة بَين يَدَيْهِ فشكره إِدْرِيس وَتَنَاول القارورة فَفَتحهَا واشتم مَا فِيهَا فَصَعدَ السم إِلَى خياشيمه وانْتهى إِلَى دماغه فَغشيَ عَلَيْهِ وَقَامَ الشماخ للحين كَأَنَّهُ يُرِيد حَاجَة الْإِنْسَان فَخرج وأتى منزله فَركب فرسا لَهُ عتيقا كَانَ قد أعده لذَلِك وَذهب لوجهه يُرِيد الْمشرق وافتقد النَّاس الإِمَام إِدْرِيس فَإِذا هُوَ مغشي عَلَيْهِ لَا يتَكَلَّم وَلَا يعلم أحد مَا بِهِ وَقيل إِن الشماخ سمه فِي سنُون والسنون بِوَزْن صبور مَا يستاك بِهِ وَكَانَ إِدْرِيس يشتكي وجع الْأَسْنَان واللثة وَقيل سمه فِي الْحُوت الشابل وَقيل فِي عِنَب أهداه إِلَيْهِ فِي غير إبانة وَالله أعلم وَلما اتَّصل خبر إِدْرِيس بمولاه رَاشد أقبل مسرعا فَدخل عَلَيْهِ وَهُوَ يُحَرك شَفَتَيْه لَا يبين كلَاما قد أشرف على الْمَوْت فَجَلَسَ عِنْد رَأسه متحيرا لَا يدْرِي مَا دهاه وَاسْتمرّ إِدْرِيس على حَالَته تِلْكَ إِلَى عشي النَّهَار فَتوفي فِي مهل ربيع الآخر سنة سبع وَسبعين وَمِائَة وتفقد رَاشد الشماخ فَلم يره فَعلم أَنه الَّذِي اغتال إِدْرِيس ثمَّ جَاءَ الْخَبَر بِأَن الشماخ قد لَقِي على أَمْيَال من الْبَلَد فَركب رَاشد فِي جمع من البربر واتبعوه وتقطعت الْخَيل فِي النواحي وطلبوه ليلتهم إِلَى الصَّباح فَلحقه رَاشد بوادي ملوية عابرا فَشد عَلَيْهِ رَاشد بِالسَّيْفِ وضربه ضربات قطع فِي بَعْضهَا يمناه وَشَجه فِي رَأسه شجاجا وَنَجَا الشماخ بجربعاء الذقن وأعيى فرس رَاشد عَن اللحاق بِهِ فَرجع عَنهُ وَيُقَال أَن الشماخ رئي بعد ذَلِك بِبَغْدَاد وَهُوَ مَقْطُوع الْيَد وَلما رَجَعَ رَاشد إِلَى منزله أَخذ فِي تجهيز الإِمَام ﵁ وَصلى عَلَيْهِ وَدَفنه بِصَحْنِ رابطة عِنْد بَاب وليلى ليتبرك النَّاس بتربته ﵀ وَرَضي عَنهُ

стр. 161

أَمر البربر بعد وَفَاة إِدْرِيس بن عبد الله ﵀ قَالُوا إِن الإِمَام إِدْرِيس لما توفّي لم يتْرك ولدا إِلَّا حملا من أمة لَهُ بربرية اسْمهَا كنزة فَلَمَّا فرغ رَاشد من جهازه وَدَفنه جمع رُؤَسَاء البربر ووجوه النَّاس فَقَالَ لَهُم إِن إِدْرِيس لم يتْرك ولدا إِلَّا حملا من أمته كنزة وَهِي الْآن فِي الشَّهْر السَّابِع من حملهَا فَإِن رَأَيْتُمْ أَن تصبروا حَتَّى تضع هَذِه الْجَارِيَة حملهَا فَإِن كَانَ ذكرا أحسنا تَرْبِيَته حَتَّى إِذا بلغ مبلغ الرِّجَال بَايَعْنَاهُ تمسكا بدعوة آل الْبَيْت وتبركا بذرية رَسُول الله ﷺ وَإِن كَانَ جَارِيَة نظرتم لأنفسكم فَقَالُوا لَهُ أَيهَا الشَّيْخ الْمُبَارك مَا لنا رَأْي إِلَّا مَا رَأَيْت فَإنَّك عندنَا عوض من إِدْرِيس تقوم بأمورنا كَمَا كَانَ إِدْرِيس يقوم بهَا وَتصلي بِنَا وتقضي بَيْننَا بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ وَنَصْبِر حَتَّى تضع الْجَارِيَة حملهَا وَيكون مَا أَشرت بِهِ على أَنَّهَا إِن وضعت جَارِيَة كنت أَحَق النَّاس بِهَذَا الْأَمر لفضلك وَدينك وعلمك فشكرهم رَاشد على ذَلِك ودعا لَهُم وَانْصَرفُوا فَقَامَ رَاشد بِأَمْر البربر تِلْكَ الْمدَّة وَلما تمت لِلْجَارِيَةِ أشهر حملهَا وضعت غُلَاما أشبه النَّاس بِأَبِيهِ إِدْرِيس فَأخْرجهُ رَاشد إِلَى رُؤَسَاء البربر حَتَّى نظرُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا هَذَا إِدْرِيس بِعَيْنيهِ كَأَنَّهُ لم يمت فَسَماهُ رَاشد إِدْرِيس وَنَشَأ الصَّبِي نشأة حَسَنَة إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ

стр. 162

الْخَبَر عَن دولة إِدْرِيس بن إِدْرِيس ﵀ كَانَت ولادَة إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عبد الله يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث رَجَب سنة سبع وَسبعين وَمِائَة فَكَفَلَهُ رَاشد مولى أَبِيه وَقَامَ بأَمْره أحسن قيام فَأَقْرَأهُ الْقُرْآن حَتَّى حفظه وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين ثمَّ علمه الحَدِيث وَالسّنة وَالْفِقْه فِي الدّين والعربية وَرَوَاهُ الشّعْر وأمثال الْعَرَب وَحكمهَا وأطلعه على سير الْمُلُوك وعرفه أَيَّام النَّاس ودربه على ركُوب الْخَيل وَالرَّمْي بِالسِّهَامِ وَغير ذَلِك من مكايد الْحَرْب فَلم يمض لَهُ من الْعُمر مِقْدَار إِحْدَى عشرَة سنة إِلَّا وَقد اضطلع بِمَا حمل وترشح لِلْأَمْرِ وَاسْتحق لِأَن يُبَايع فَبَايعهُ البربر وآتوه صفقتهم عَن طَاعَة مِنْهُم وإخلاص قَالَ ابْن خلدون بَايع البربر إِدْرِيس الْأَصْغَر حملا ثمَّ رضيعا ثمَّ فصيلا إِلَى أَن شب فَبَايعُوهُ بِجَامِع مَدِينَة وليلى سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَهُوَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب صَاحب إفريقية قد دس إِلَى بعض البربر الْأَمْوَال واستمالهم حَتَّى قتلوا راشدا مَوْلَاهُ سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وحملوا إِلَيْهِ رَأسه وَقَامَ بكفالة إِدْرِيس من بعده أَبُو خَالِد يزِيد بن إلْيَاس الْعَبْدي وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن بَايعُوا لإدريس فَقَامُوا بأَمْره وجددوا لأَنْفُسِهِمْ رسوم الْملك بتجديد طَاعَته وَفِي القرطاس أَن مقتل رَاشد كَانَ فِي السّنة الَّتِي بُويِعَ فِيهَا إِدْرِيس بن إِدْرِيس قَالَ وَكَانَت بيعَة إِدْرِيس يَوْم الْجُمُعَة غرَّة ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة بعد مقتل رَاشد بِعشْرين يَوْمًا وَإِدْرِيس يَوْمئِذٍ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة وَخَمْسَة أشهر قَالَه عبد الْملك الْوراق فِي تَارِيخه وَفِيه بعض مُخَالفَة لتاريخ الْولادَة الْمُتَقَدّم وَفِي قتل رَاشد يَقُول إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب فِي بعض مَا كتب بِهِ إِلَى الرشيد يعرفهُ بنصحه وَكَمَال خدمته (ألم ترن بالكيد أرديت راشدا ... وَإِنِّي بِأُخْرَى لِابْنِ إِدْرِيس راصد)

стр. 163

(تنَاوله عزمي على بعد دَاره ... بمحتومة يحظى بهَا من يكايد) (ففاه أَخُو عك بمقتل رَاشد ... وَقد كنت فِيهِ شَاهدا وَهُوَ رَاقِد) يُرِيد بأخي عك مُحَمَّد بن مقَاتل العكي وَالِي إفريقية فَإِنَّهُ لما حاول ابْن الْأَغْلَب قتل رَاشد وَتمّ لَهُ ذَلِك كتب العكي إِلَى الرشيد يُعلمهُ أَنه هُوَ الَّذِي فعل ذَلِك فَكتب صَاحب الْبَرِيد إِلَى الرشيد بِحَقِيقَة الْأَمر وَأَن ابْن الْأَغْلَب هُوَ الْفَاعِل لذَلِك وَالْمُتوَلِّيّ لَهُ فَثَبت عِنْد الرشيد كذب العكي وَصدق ابْن الْأَغْلَب فعزل الرشيد العكي عَن إفريقيا وَولى ابْن الْأَغْلَب عَلَيْهَا وَإِنَّمَا كَانَ قبل ذَلِك عَاملا للعكي على بعض كورها هَكَذَا حكى صَاحب القرطاس هَذَا الْخَبَر وَفِيه أَن عزل العكي عَن إفريقية وتولية ابْن الْأَغْلَب عَلَيْهَا كَانَ فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ قبل وَفَاة رَاشد بِسنتَيْنِ أَو بِأَرْبَع سِنِين على الْخلاف الْمُتَقَدّم وَقَالَ الْبكْرِيّ والبرنسي إِن راشدا لم يمت حَتَّى أَخذ الْبيعَة لإدريس بالمغرب وَإِن إِدْرِيس لما تمّ لَهُ من الْعُمر إِحْدَى عشرَة سنة ظهر من وفور عقله ونباهته وفصاحته مَا أذهل عقول الْخَاصَّة والعامة فَأخذ لَهُ رَاشد الْبيعَة على البربر يَوْم الْجُمُعَة سَابِع ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة فَصَعدَ إِدْرِيس الْمِنْبَر وخطب النَّاس فَقَالَ الْحَمد لله أَحْمَده وأستغفره وأستعين بِهِ وَأَتَوَكَّل عَلَيْهِ وَأَعُوذ بِهِ من شَرّ نَفسِي وَمن شَرّ كل ذِي شَرّ وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الْمَبْعُوث إِلَى الثقلَيْن بشيرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آل بَيته الطاهرين الَّذين أذهب الله عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا أَيهَا النَّاس إِنَّا قد ولينا هَذَا الْأَمر الَّذِي يُضَاعف فِيهِ للمحسن الْأجر وعَلى الْمُسِيء الْوزر وَنحن وَالْحَمْد لله على قصد فَلَا تمدوا الْأَعْنَاق إِلَى غَيرنَا فَإِن الَّذِي تطلبونه من إِقَامَة الْحق إِنَّمَا تجدونه عندنَا ثمَّ دَعَا النَّاس إِلَى بيعَته وحضهم على التَّمَسُّك بِطَاعَتِهِ فَعجب النَّاس من فَصَاحَته وَقُوَّة جأشه على صغر سنه ثمَّ نزل فَتسَارع النَّاس إِلَى بيعَته وازدحموا عَلَيْهِ يقبلُونَ يَده فَبَايعهُ كَافَّة قبائل الْمغرب من زناتة وأوربة وصنهاجة وغمارة وَسَائِر قبائل البربر فتمت لَهُ الْبيعَة وَبعد بيعَته بِقَلِيل توفّي مَوْلَاهُ رَاشد وَالله أعلم

стр. 164

وُفُود الْعَرَب على إِدْرِيس بن إِدْرِيس ﵀ لما استقام أَمر الْمغرب لإدريس بن إِدْرِيس وتوطد ملكه وَعظم سُلْطَانه وَكَثُرت جيوشه وَأَتْبَاعه وفدت عَلَيْهِ الْوُفُود من الْبلدَانِ وَقصد النَّاس حَضرته من كل صقع وَمَكَان فاستمر بَقِيَّة سنة ثَمَان وثنانين يصل الْوُفُود ويبذل الْأَمْوَال ويستميل الرؤساء والأقيال وَلما دخلت سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وفدت عَلَيْهِ وفدت عَلَيْهِ وُفُود الْعَرَب من إفريقية والأندلس نازعين إِلَيْهِ وملتفين عَلَيْهِ فَاجْتمع لَدَيْهِ مِنْهُم نَحْو خَمْسمِائَة فَارس من قيس والأزد ومذحج ويحصب والصدف وَغَيرهم فسر إِدْرِيس بوفادتهم وأجزل صلتهم وَأدنى مَنْزِلَتهمْ وجعلهم بطانة دون البربر فاعتز بهم وَأنس بقربهم فَإِنَّهُ كَانَ غَرِيبا بَين البربر فاستوزر مِنْهُم عُمَيْر بن مُصعب الْأَزْدِيّ الْمَعْرُوف بالملجوم من ضَرْبَة ضربهَا فِي بعض حربهم وسمته على الخرطوم وَكَانَ عُمَيْر من فرسَان الْعَرَب وسادتها ولأبيه مُصعب مآثر بإفريقية والأندلس ومواقف فِي غَزْو الفرنج واستقضى مِنْهُم عَامر بن مُحَمَّد بن سعيد القيشي وَكَانَ من أهل الْوَرع وَالْفِقْه وَالدّين سمع من مَالك بن أنس وسُفْيَان الثَّوْريّ وروى عَنْهُمَا كثيرا وَكَانَ قد خرج إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد ثمَّ أجَاز إِلَى العدوة فوفد بهَا على إِدْرِيس فِيمَن وَفد عَلَيْهِ من الْعَرَب فاستقضاه واستكتب مِنْهُم أَبَا الْحسن عبد الله بن مَالك الخزرجي وَلم تزل الْوُفُود تقدم عَلَيْهِ من الْعَرَب والبربر حَتَّى كثر النَّاس لَدَيْهِ وَضَاقَتْ بهم مَدِينَة وليلى

стр. 165

وانْتهى إِلَى ابْن الْأَغْلَب مَا عَلَيْهِ إِدْرِيس من الإستفحال فأرهف عزمه للتضريب بَين البربر واستفسادهم على إِدْرِيس فَكَانَ مِنْهُم بهْلُول بن عبد الْوَاحِد المضغري من خَاصَّة إِدْرِيس وَمن أَرْكَان دولته فكاتبه ابْن الْأَغْلَب واستهواه بِالْمَالِ حَتَّى بَايع الرشيد وانحرف عَن إِدْرِيس واعتزله فِي قومه فَصَالحه إِدْرِيس وَكتب إِلَيْهِ يستعطفه بقرابته من رَسُول الله ﷺ فَكف عَنهُ وَكَانَ فِيمَا كتب بِهِ إِدْرِيس إِلَى بهْلُول الْمَذْكُور قَوْله (أبهلول قد حملت نَفسك خطة ... تبدلت مِنْهَا ضلة برشاد) (أضلك إِبْرَاهِيم مَعَ بعد دَاره ... فَأَصْبَحت منقادا بِغَيْر قياد) (كَأَنَّك لم تسمع بمكر ابْن أغلب ... وقدما رمى بالكيد كل بِلَاد) (وَمن دون مَا منتك نَفسك خَالِيا ... ومناك إِبْرَاهِيم شوك قتاد) ثمَّ أحس إِدْرِيس من إِسْحَاق بن مُحَمَّد الأوربي بانحراف عَنهُ وموالاة لِابْنِ الْأَغْلَب فَقتله سنة ثِنْتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَة وَصفا لَهُ الْمغرب وَتمكن سُلْطَانه بِهِ وَالله غَالب على أمره بِنَاء مَدِينَة فاس لما كثرت الْوُفُود من الْعَرَب وَغَيرهم على إِدْرِيس ﵀ وَضَاقَتْ بهم مَدِينَة وليلى اراد أَن يَبْنِي لنَفسِهِ مَدِينَة يسكنهَا هُوَ وخاصته ووجوه دولته فَركب يَوْمًا فِي جمَاعَة من حَاشِيَته وَخرج يتَخَيَّر الْبِقَاع فوصل إِلَى جبل زالغ فأعجبه ارتفاعه وطبب هوائه وتربته فاختط بِسَنَدِهِ مَدِينَة مِمَّا يَلِي الْجوف وَشرع فِي بنائها فَبنى بَعْضًا من الدّور وَنَحْو الثُّلُث من السُّور فَأتى السَّيْل من أَعلَى الْجَبَل فِي بعض اللَّيَالِي فهدم السُّور والدور وَحمل مَا حول ذَلِك من الْخيام والزروع وَأَلْقَاهَا فِي نهر سبو فَكف إِدْرِيس عَن الْبناء وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك مُدَّة يسيرَة ثمَّ خرج ثَانِيَة يتصيد ويرتاد لنَفسِهِ موضعا يَبْنِي فِيهِ مَا قد عزم عَلَيْهِ فَانْتهى إِلَى نهر سبو حَيْثُ هِيَ الْيَوْم حمة خولان فأعجبه الْموضع

стр. 166

لقُرْبه من المَاء وَلأَجل الْحمة الَّتِي هُنَاكَ والحمة كَمَا فِي الْقَامُوس كل عين فِيهَا مَا حَار يَنْبع مِنْهَا ويستشفى بِهِ فعزم إِدْرِيس على أَن يَبْنِي هُنَاكَ مَدِينَة وَشرع فِي حفر الأساس وَعمل الجيار وَقطع الْخشب وابتدأ بِالْبِنَاءِ ثمَّ فكر فِي نهر سبو وَمَا يَأْتِي بِهِ من الْمَمْدُود والسيول زمَان الشتَاء وَمَا يحصل بذلك من الضَّرَر الْعَظِيم للنَّاس فَكف عَن الْبناء وَرجع إِلَى وليلى ثمَّ بعث وزيره عُمَيْر بن مُصعب الْأَزْدِيّ يرتاد لَهُ موضعا يَبْنِي فِيهِ الْمَدِينَة الَّتِي عزم عَلَيْهَا فَسَار عُمَيْر فِي جمَاعَة يقص الْجِهَات وَيتَخَيَّر الْبِقَاع والترب والمياه حَتَّى انْتهى إِلَى فحص سايس فأعجبه الْمحل فَنزل هُنَاكَ على عين مَاء تطرد فِي مرج أَخْضَر فَتَوَضَّأ وَصلى الظّهْر هُوَ وَجَمَاعَة الْقَوْم الَّذين مَعَه ثمَّ دَعَا الله تَعَالَى أَن ييسر عَلَيْهِ مطلبه ثمَّ ركب وَحده وَأمر الْجَمَاعَة أَن ينتظروه حَتَّى يعود إِلَيْهِم فنسبت الْعين إِلَيْهِ من يَوْمئِذٍ ودعيت عين عُمَيْر إِلَى الْآن وَعُمَيْر هَذَا هُوَ جد بني الملجوم من بيوتات فاس وكبرائهم فأوغل عُمَيْر فِي فحص سايس حَتَّى انْتهى إِلَى الْعُيُون الَّتِي يَنْبع مِنْهَا وَادي فاس فَرَأى بهَا من عناصر المَاء مَا ينيف على السِّتين عنصرا وَرَأى مياهها تطرد فِي فسيح من الأَرْض وحول الْعُيُون شعراء من شجر الطرفاء والطخش والعرعار والكلخ وَغير ذَلِك فَشرب من المَاء فاستطابه وَنظر إِلَى مَا حوله من الْمزَارِع الَّتِي لَيست على نهر سبو فَأَعْجَبتهُ فانحدر مَعَ مسيل الْوَادي حَتَّى انْتهى إِلَى مَوضِع مَدِينَة فاس الْيَوْم فَنظر فَإِذا مَا بَين الجبلين غيضة ملتفة الْأَشْجَار مطردَة الْعُيُون والأنهار وَفِي جَانب مِنْهَا خيام من شعر يسكنهَا قوم من زواغة يعْرفُونَ ببني الْخَيْر وَقوم من زناتة يعْرفُونَ ببني يرغش وَكَانَ بَنو يرغش على دين الْمَجُوسِيَّة وَكَانَ بَيت نارهم بالموضع الْمَعْرُوف بشيبوبة وَكَانَ الْبَعْض مِنْهُم على دين الْيَهُودِيَّة وَالْبَعْض على دين النَّصْرَانِيَّة وَكَانَ بَنو الْخَيْر ينزلون بعدوة الْقرَوِيين وَبَنُو يرغش ينزلون بعدوة الأندلس وَكَانُوا قَلما يفترون عَن الْقِتَال لاخْتِلَاف أهوائهم وتباين أديانهم

стр. 167

فَرجع عُمَيْر إِلَى إِدْرِيس وأعلمه بِمَا رأى من الغيضة وساكنيها وَمَا وَقع عَلَيْهِ اخْتِيَاره فِيهَا فجَاء إِدْرِيس لينْظر إِلَى الْبقْعَة فألفى بني الْخَيْر وَبني يرغش يقتتلون فَأصْلح بَينهم وَأَسْلمُوا على يَده وَاشْترى مِنْهُم الغيضة بِسِتَّة آلَاف دِرْهَم هم فرضوا بذلك وَدفع لَهُم الثّمن وَأشْهد عَلَيْهِم بذلك على يَد كَاتبه أبي الْحسن عبد الله بن مَالك الخزرجي ثمَّ ضرب أبنتيه بكرواوة وَشرع فِي بِنَاء الْمَدِينَة فاختط عدوة الأندلس غرَّة ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَة وَفِي سنة ثَلَاث بعْدهَا اختط عدوة الْقرَوِيين وَبنى مساكنه بهَا وانتقل إِلَيْهَا وَقد كَانَ أَولا أدَار السُّور على عدوة الأندلس وَبنى بهَا الْجَامِع الْمَعْرُوف بِجَامِع الْأَشْيَاخ وَأقَام فِيهِ الْخطْبَة ثمَّ انْتقل ثَانِيًا إِلَى عدوة الْقرَوِيين كَمَا قُلْنَا وَنزل بالموضع الْمَعْرُوف بالمقرمدة وَضرب فِيهِ قيطونة وَأخذ فِي بِنَاء جَامع الشرفاء وَأقَام فِيهِ الْخطْبَة أَيْضا ثمَّ شرع فِي بِنَاء دَاره الْمَعْرُوفَة الْآن بدار القيطون الَّتِي يسكنهَا الشرفاء الجوطيون من وَلَده ثمَّ بنى القيسارية إِلَى جَانب الْمَسْجِد الْجَامِع وأدار الْأَسْوَاق حوله وَأمر النَّاس بِالْبِنَاءِ وَقَالَ لَهُم من بنى موضعا أَو اغترسه قبل تَمام السُّور فَهُوَ لَهُ فَبنى النَّاس من ذَلِك شَيْئا كثيرا واغترسوا ووفد عَلَيْهِ جمَاعَة من الْفرس من أَرض الْعرَاق فأنزلهم بغيضة هُنَاكَ كَانَت على الْعين الْمَعْرُوفَة بِعَين علون وَكَانَ علون عبدا أسود يأوي إِلَى تِلْكَ الغيضة وَيقطع الطَّرِيق بهَا على الْمَارَّة فتحامى النَّاس غيضته وتناذروها فَأعْلم إِدْرِيس ﵀ بِشَأْنِهِ فَبعث فِي طلبه خيلا قبضوا عَلَيْهِ وجاؤوا بِهِ إِلَيْهِ فَأمر بقتْله وصلبه على شَجَرَة كَانَت على الْعين فأضيفت إِلَيْهِ الْعين من يَوْمئِذٍ وَقيل عين علون ثمَّ أدَار إِدْرِيس السُّور على عدوة الْقرَوِيين وَكَانَت من لدن بَاب السلسلة إِلَى غَدِير الجوزاء قَالَ عبد الْملك الْوراق كَانَت مَدِينَة فاس فِي الْقَدِيم بلدين لكل بلد مِنْهُمَا سور يحيى ط بِهِ وأبواب تخْتَص بِهِ وَالنّهر فاصل بَينهمَا وَسميت

стр. 168

إِحْدَى العدوتين عدوة الْقرَوِيين لنزول الْعَرَب الوافدين من القيروان بهَا وَكَانُوا ثَلَاثمِائَة أهل بَيت وَسميت الْأُخْرَى عدوة الأندلس لنزول الْعَرَب الوافدين من الأندلس بهَا وَكَانُوا جما غفيرا يُقَال أَرْبَعَة آلَاف أهل بَيت وَكَانَ الحكم بن هِشَام الْأمَوِي صَاحب الأندلس صدرت مِنْهُ لأوّل إمارته هَنَات أوجبت قيام جمَاعَة من أهل الْوَرع عَلَيْهِ فيهم يحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ صَاحب مَالك وراوي الْمُوَطَّأ عَنهُ وطالوت الْفَقِيه وَغَيرهمَا فخلعوا الحكم وَبَايَعُوا بعض قرَابَته وَكَانُوا بالربض الغربي من قرطبة فَقَاتلهُمْ الحكم وكثروه وكادوا يأْتونَ عَلَيْهِ ثمَّ أظفره الله بهم وَوضع فيهم السَّيْف ثَلَاثَة أَيَّام وَهدم دُورهمْ ومساجدهم وفر الْبَاقُونَ مِنْهُم فَلَحقُوا بفاس الْمغرب الْأَقْصَى وبالإسكندرية من أَرض مصر فَأَما اللاحقون بفاس فأنزلهم إِدْرِيس ﵀ بعدوة الأندلس فأضيفت إِلَيْهِم وَأما اللاحقون بالإسكندية فثاروا بهَا بعد حِين فزحف إِلَيْهِم عبد الله بن طَاهِر الْخُزَاعِيّ صَاحب مصر من قبل الْمَأْمُون بن الرشيد فَقَاتلهُمْ ونفاهم إِلَى جَزِيرَة إقريطش فَلم يزَالُوا بهَا إِلَى أَن ملكهَا الفرنج من أَيْديهم بعد مُدَّة وَذكر ابْن غَالب فِي تَارِيخه أَن الإِمَام إِدْرِيس لما فرغ من بِنَاء مَدِينَة فاس وَحَضَرت الْجُمُعَة الأولى صعد الْمِنْبَر وخطب النَّاس ثمَّ رفع يَدَيْهِ فِي آخر الْخطْبَة فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنِّي مَا أردْت بِبِنَاء هَذِه الْمَدِينَة مباهاة وَلَا مفاخرة وَلَا رِيَاء وَلَا سمعة وَلَا مُكَابَرَة وَإِنَّمَا أردْت أَن تعبد بهَا ويتلى بهَا كتابك وتقام بهَا حدودك وَشَرَائِع دينك وَسنة نبيك مُحَمَّد ﷺ مَا بقيت الدُّنْيَا اللَّهُمَّ وفْق سكانها وقطانها للخير وأعنهم عَلَيْهِ واكفهم مُؤنَة أعدائهم وأدر عَلَيْهِم الأرزاق وأغمد عَنْهُم سيف الْفِتْنَة والشقاق إِنَّك على كل شَيْء قدير

стр. 169

فأمن النَّاس على دُعَائِهِ فكثرت الْخيرَات بِالْمَدِينَةِ وَظَهَرت بهَا البركات وَمن محَاسِن فاس أَن نهرها يشقها بنصفين وتتشعب جداوله فِي دورها وحماماتها وشوارعها وأسواقها وتطحن بِهِ أرحاؤها ثمَّ يخرج مِنْهَا وَقد حمل أقذارها وازبالها إِلَى غير ذَلِك من عُيُون المَاء الَّتِي تنبع بداخلها وتتفجر من بيوتها تجَاوز الْحصْر كَثْرَة وَقد مدحها الْفَقِيه الزَّاهِد أَبُو الْفضل ابْن النَّحْوِيّ بقوله (يَا فاس جَمِيع الْحسن مسترق ... وساكنوك ليهنهم بِمَا رزقوا) (هَذَا نسميك أم روح لراحتنا ... وماؤك السلسل الصافي أم الْوَرق) (أَرض تخللها الْأَنْهَار داخلها ... حَتَّى الْمجَالِس والأسواق والطرق) وَقَالَ الْفَقِيه الْكَاتِب أَبُو عبد الله المغيلي يتشوق إِلَى فاس وَكَانَ يَلِي خطة الْقَضَاء بِمَدِينَة آزمور (يَا فاس حَيا الله أَرْضك من ثرى ... وسقاك من صوب الْغَمَام المسبل) (يَا جنَّة الدُّنْيَا الَّتِي أربت على ... حمص بمنظرها الْبَهِي الأجمل) (غرف على غرف وَيجْرِي تحتهَا ... مَاء ألذ من الرَّحِيق السلسل) (وبساتن من سندس قد زخرفت ... بجداول كالأيم أَو كالمقصل) وبجامع القروين شرف ذكره ... أنس بذكراه يهيج تململ) (وبصحنه زمن المصيف محَاسِن ... فَمَعَ الْعشي الغرب مِنْهُ اسْتقْبل) (واجلس إزاء الخصة الحسنا بِهِ ... واكرع بهَا عني فديتك وانهل)

стр. 170

غَزْو إِدْرِيس بن إِدْرِيس المغربين واستيلاؤه عَلَيْهِمَا لما فرغ إِدْرِيس من بِنَاء مَدِينَة فاس وانتقل إِلَيْهَا بمحلته واستوطنها بحاشيته وأرباب دولته واتخذها دَار ملكه أَقَامَ بهَا إِلَى سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة فَخرج غازيا بِلَاد المصامدة فَانْتهى إِلَيْهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا وَدخل مَدِينَة نَفِيس ومدينة أغمات وَفتح سَائِر بِلَاد المصامدة وَعَاد إِلَى فاس فَأَقَامَ بهَا إِلَى سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة فَخرج فِي الْمحرم برسم غَزْو قبائل نفزة من أهل الْمغرب الْأَوْسَط وَمن بَقِي هُنَاكَ على دين الخارجية من البربر فَسَار حَتَّى غلب عَلَيْهِم وَدخل مَدِينَة تلمسان فَنظر فِي أحوالها وَأصْلح سورها وجامعها وصنع فِيهَا منبرا قَالَ أَبُو مَرْوَان عبد الْملك الْوراق دخلت مَدِينَة تلمسان سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة فَرَأَيْت فِي رَأس منبرها لوحا من بَقِيَّة مِنْبَر قديم قد سمر عَلَيْهِ هُنَالك مَكْتُوبًا فِيهِ هَذَا مَا أَمر بِهِ الإِمَام إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عبد الله بن حسن بن الْحسن بن عَليّ ﵃ فِي شهر الْمحرم سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة اه وَقد تقدم لنا مَا يُخَالف هَذَا وَالله أعلم وَأقَام إِدْرِيس بِمَدِينَة تلمسان وأحوازها يدبر أمرهَا وَيصْلح أحوالها ثَلَاث سِنِين ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَدِينَة فاس قَالَ دَاوُد بن الْقَاسِم الأوربي شهِدت مَعَ إِدْرِيس بن إِدْرِيس بعض

стр. 171

غَزَوَاته مَعَ الْخَوَارِج الصفرية من البربر فلقيناهم وهم ثَلَاثَة أضعافنا فَلَمَّا تقَارب الْجَمْعَانِ نزل إِدْرِيس فَتَوَضَّأ وَصلى رَكْعَتَيْنِ ودعا الله تَعَالَى ثمَّ ركب فرسه وَتقدم لِلْقِتَالِ قَالَ فقاتلناهم قتالا شَدِيد فَكَانَ إِدْرِيس يضْرب فِي هَذَا الْجَانِب مرّة ويكر فِي هَذَا الْجَانِب الآخر مرّة وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى ارْتَفع النَّهَار ثمَّ رَجَعَ إِلَى رايته فَوقف بإزائها وَالنَّاس يُقَاتلُون بَين يَدَيْهِ فطفقت أتأمله وأديم النّظر إِلَيْهِ وَهُوَ تَحت ظلال البنود يحرض النَّاس ويشجعهم فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْت من ثباته وَقُوَّة جأشه فَالْتَفت نحوي وَقَالَ يَا دَاوُد مَا لي أَرَاك تديم النّظر إِلَيّ قلت أَيهَا الإِمَام إِنَّه قد أعجبني مِنْك خِصَال لم أرها الْيَوْم فِي غَيْرك قَالَ وَمَا هِيَ قلت أولاها مَا أرَاهُ من ثبات قَلْبك وطلاقة وَجهك عِنْد لِقَاء الْعَدو قَالَ ذَاك ببركة جدنا ﷺ ودعائه لنا وَصلَاته علينا ووراثة من أَبينَا عَليّ بن أبي طَالب قلت وأراك تبصق بصاقا مجتمعا وَأَنا أطلب قَلِيل الرِّيق فِي فمي فَلَا أجد قَالَ يَا دَاوُد ذَاك لقُوَّة جأشي واجتماع لبي عِنْد الْحَرْب وَعدم ريقك لطيش عقلك وافتراق لبك قلت وَأَنا أَيْضا أتعجب من كَثْرَة تقلبك فِي سرجك وَقلة قرارك عَلَيْهِ قَالَ ذَاك مني زمع إِلَى الْقِتَال وصرامة فِيهِ فَلَا تظنه رعْبًا وَأَنْشَأَ يَقُول (أَلَيْسَ أَبونَا هَاشم شدّ أزره ... وَأوصى بنيه بالطعان وبالضرب) (فلسنا نمل الْحَرْب حَتَّى تملنا ... وَلَا نشتكي مِمَّا يؤول من النصب)

стр. 172

وَفَاة إِدْرِيس بن إِدْرِيس ﵀ قَالَ ابْن خلدون انتظمت لإدريس بن إِدْرِيس كلمة البربر كلمة البربر ومحى دَعْوَة الْخَوَارِج مِنْهُم واقتطع المغربين عَن دَعْوَة العباسيين من لدن السوس الْأَقْصَى غلى وَادي شلف ودافع إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب عَن حماه بعد مَا ضايقه بالمكايد واستفساد الْأَوْلِيَاء حَتَّى قتلوا رَاشد مَوْلَاهُ وارتاب إِدْرِيس بالبربر فَصَالح بن الْأَغْلَب وَسكن من غربه وَضرب السِّكَّة باسمه وَعجز الأغالبة بعد ذَلِك عَن مدافعة هَؤُلَاءِ الأدارسة ودافعوا خلفاء بَين الْعَبَّاس بالمعاذير الْبَاطِلَة وَصفا ملك الْمغرب لإدريس وَاسْتمرّ بدار ملكه من فاس سَاكِنا وادعا مقتعدا أريكته مجتنيا ثَمَرَته إِلَى أَن توفاه الله ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وعمره نَحْو سِتّ وَثَلَاثِينَ سنة وَدفن بمسجده بِإِزَاءِ الْحَائِط الشَّرْقِي مِنْهُ وَقَالَ البرنسي إِنَّه توفّي بِمَدِينَة وليلى وَدفن إِلَى جنب أَبِيه وَكَانَ سَبَب وَفَاته أَنه أكل عنبا فشرق بِحَبَّة مِنْهُ فَمَاتَ لحينه وَخلف من الْوَلَد اثْنَي عشر ذكرا أَوَّلهمْ مُحَمَّد وَعبد الله وَعِيسَى وَإِدْرِيس وَأحمد وجعفر وَيحيى وَالقَاسِم وَعمر وَعلي وَدَاوُد وَحَمْزَة كَذَا فِي القرطاس وَزَاد ابْن حزم الْحسن وَالْحُسَيْن وَولي الْأَمر مِنْهُم بعده مُحَمَّد وَهُوَ أكبرهم

стр. 173

الْخَبَر عَن دولة مُحَمَّد بن إِدْرِيس ﵀ لما توفّي إِدْرِيس بن إِدْرِيس ﵀ قَامَ بِالْأَمر بعده ابْنه مُحَمَّد بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ وَلما ولي قسم بِلَاد الْمغرب بَين اخوته وَذَلِكَ بِإِشَارَة جدته كنزة أم إِدْرِيس فاختص الْقَاسِم مِنْهَا بطنجة وسبتة وَقصر مصمودة وقلعة حجر النسْر وتطوان وَمَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك من الْقَبَائِل والبلاد واختص عمر مِنْهَا بتيكساس وترغة وَمَا بَينهمَا من قبائل صنهاجة وغمارة واختص دَاوُد بِبِلَاد هوارة وتسول وتازا وَمَا بَين ذَلِك من قبائل مكناسة وغياثة واختص يحيى بآصيلا والعرايش وَالْبَصْرَة وبلاد ورغة وَمَا والى ذَلِك واختص عِيسَى بسلا وشالة وآزمور وتامسنا وَمَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك من الْقَبَائِل واختص حَمْزَة بِمَدِينَة وليلى وأعمالها واختص أَحْمد بِمَدِينَة مكناسة ومدينة تادلا وَمَا بَينهمَا من بِلَاد فازاز واختص عبد الله بأغمات وبلد نَفِيس وجبال المصامدة وبلاد لمطة والسوس الْأَقْصَى وَأبقى الآخرين فِي كفَالَته وكفالة جدتهم كنزة لصغرهم وَبقيت تلمسان لولد عَمه سُلَيْمَان بن عبد الله فَإِن إِدْرِيس بن إِدْرِيس لما غزا تلمسان وَأقَام بهَا ثَلَاث سِنِين كَمَا سبق ودوخ بِلَاد زناتة واستوسقت لَهُ طاعتهم عقد عَلَيْهَا لبني عَمه سُلَيْمَان بن عبد الله فَلَمَّا توفّي إِدْرِيس واقتسم بنوه أَعمال الْمغرب كَانَت تلمسان فِي سهم عِيسَى بن إِدْرِيس بن

стр. 174

مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عبد الله واستمرت بِأَيْدِيهِم إِلَى أَن تلاشى أَمرهم بِدُخُول العبيدين عَلَيْهِم قَالَه ابْن خلدون وَأقَام مُحَمَّد بن إِدْرِيس بدار مَكَّة من فاس مقتعدا على أريكته واخوته وُلَاة على بِلَاد الْمغرب قد ضبطوا أَعمالهَا وسدوا ثغورها وأمنوا سبلها وَحسنت سيرتهم فِي ذَلِك إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ حُدُوث الْفِتْنَة بَين بني إِدْرِيس ثمَّ خرج على مُحَمَّد بن إِدْرِيس أَخُوهُ عِيسَى بِمَدِينَة آزمور ونبذ طَاعَته وَطلب الْأَمر لنَفسِهِ فَكتب مُحَمَّد إِلَى أَخِيه الْقَاسِم صَاحب طنجة يَأْمُرهُ بِحَرب عِيسَى فَامْتنعَ من ذَلِك فَكتب مُحَمَّد إِلَى أَخِيه عمر صَاحب تيكساس بِمثل مَا كتب بِهِ إِلَى الْقَاسِم فامتثل أمره وزحف إِلَى عِيسَى فِي قبائل البربر وأمده مُحَمَّد بِأَلف فَارس من زناتة فأوقع عمر بِعِيسَى وهزمه وطرده عَن عمله وَكتب إِلَى الْأَمِير مُحَمَّد بِالْفَتْح فشكره على ذَلِك وولاه على مَا فَتحه من عمل عِيسَى وَأمره مَعَ ذَلِك بِالْمَسِيرِ إِلَى قتال الْقَاسِم الَّذِي عصى أمره أَولا فزحف عمر إِلَى الْقَاسِم وَنزل عَلَيْهِ بِظَاهِر طنجة فَخرج إِلَيْهِ الْقَاسِم ودارت بَينهمَا حَرْب شَدِيدَة هزم فِيهَا الْقَاسِم وَاسْتولى عمر على مَا بِيَدِهِ من الْبِلَاد فَصَارَ الرِّيف البحري كُله فِي عمل عمر من تيكيساس وبلاد غمارة إِلَى سبتة ثمَّ إِلَى طنجة وَهَذَا سَاحل الْبَحْر الرُّومِي ثمَّ يَنْعَطِف إِلَى آصيلا والعرايش ثمَّ إِلَى سلا ثمَّ آزمور وبلاد تامسنا وَهَذَا سَاحل الْبَحْر الْمُحِيط وتزهد الْقَاسِم بعد هَذِه الْحَرْب فَبنى مَسْجِدا بساحل الْبَحْر قرب آصيلا بِموضع يعرف بتاهدرات على ضفة النَّهر هُنَاكَ وَأعْرض عَن الدُّنْيَا وَأقَام يعبد الله إِلَى أَن مَاتَ ﵀ واتسعت ولَايَة عمر بن إِدْرِيس وخلصت طويته لِأَخِيهِ مُحَمَّد الْأَمِير إِلَى أَن توفّي عمر بِموضع يعرف بفج الْفرس من بِلَاد صنهاجة فِي دولة أَخِيه مُحَمَّد

стр. 175

سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ فَحمل إِلَى فاس وَصلى عَلَيْهِ الْأَمِير مُحَمَّد وَدفن مَعَ أَبِيه وَعمر هَذَا هُوَ جد الْأَشْرَاف الحموديين المالكين للأندلس بعد بني أُميَّة وَعقد الْأَمِير مُحَمَّد على عمله لوَلَده عَليّ بن عمر إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ وَأما عِيسَى فَيُقَال إِنَّه توفّي بآيت عتاب وَله بهَا ذُرِّيَّة وَالله أعلم وَفَاة مُحَمَّد بن إِدْرِيس ﵀ وَأقَام الْأَمِير مُحَمَّد بن إِدْرِيس بعد وَفَاة أَخِيه عمر سَبْعَة أشهر وَتُوفِّي بِمَدِينَة فاس فِي ربيع الثَّانِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَدفن بشرقي جَامعهَا مَعَ أَبِيه وأخيه بعد أَن عهد بِالْأَمر لِابْنِهِ عَليّ بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بحيدرة على مَا سَيَأْتِي الْخَبَر عَن دولة عَليّ بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس لما توفّي مُحَمَّد بن إِدْرِيس بَايع النَّاس لِابْنِهِ عَليّ بن مُحَمَّد بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ ويلقب عَليّ هَذَا بحيدرة على لقب عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَهُوَ جد الْأَشْرَاف العلميين أهل جبل الْعلم وَمِنْهُم المشيشيون أَوْلَاد مَوْلَانَا عبد السَّلَام بن مشيش ﵁ والوزانيون أَوْلَاد مَوْلَانَا عبد الله الشريف وَيَنْتَهِي نسب هَؤُلَاءِ إِلَى الْمولى يملح بن مشيش أخي الْمولى عبد السَّلَام بن مشيش وَكَانَ سنّ عَليّ حيدرة يَوْم بُويِعَ تسع سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر فَقَامَ بأَمْره الْأَوْلِيَاء والحاشية من الْعَرَب والبربر وأحسنوا كفَالَته وطاعته وَكَانَت أَيَّامه خير أَيَّام وَقَالَ ابْن أبي زرع ظهر لعَلي هَذَا من الذكاء وَالْفضل مَا يَقْتَضِيهِ شرفه

стр. 176

وَسَار بسيرة أَبِيه وجده فِي الْعدْل فَكَانَ النَّاس فِي أَيَّامه فِي أَمن ودعة إِلَى أَن توفّي فِي شهر رَجَب سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وعهد بِالْأَمر لِأَخِيهِ يحيى بن مُحَمَّد على مَا سَيَأْتِي الْخَبَر عَن دولة يحيى بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس قَالَ ابْن خلدون قَامَ يحيى بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس بِالْأَمر وامتد سُلْطَانه وعظمت دولته وَحسنت آثَار أَيَّامه واستبحر عمرَان فاس وبنيت بهَا الحمامات والفنادق للتجار وبنيت خَارِجهَا الأرباض ورحل إِلَيْهَا النَّاس من الثغور القاصية وَقَالَ ابْن أبي زرع قصد إِلَيْهَا النَّاس من الأندلس وإفريقية وَجَمِيع بِلَاد الْمغرب بِنَاء مَسْجِد الْقرَوِيين بفاس قَالَ ابْن أبي زرع كَانَ مَوضِع مسج الْقرَوِيين أَرضًا بَيْضَاء لرجل من هوارة كَانَ وَالِده قد حازها أَيَّام بِنَاء فاس وَلما قدم وَفد القيروان على إِدْرِيس الْأَصْغَر حَسْبَمَا تقدم كَانَ فيهم امْرَأَة اسْمهَا فَاطِمَة بنت مُحَمَّد الفِهري وتكنى أم الْبَنِينَ فَنزلت فِي أهل بَيتهَا بِالْقربِ من مَوضِع الْمَسْجِد الْمَذْكُور ثمَّ مَاتَ زَوجهَا وإخوتها فورثت مِنْهُم مَالا جسيما وَكَانَ من حَلَال فَأَرَادَتْ أَن تنفقه فِي وُجُوه الْخَيْر وَكَانَت لَهَا نِيَّة صَالِحَة فعزمت على بِنَاء مَسْجِد تَجِد ثَوَابه عِنْد الله فاشترت الْبقْعَة من رَبهَا وشرعت فِي حفر أساس الْمَسْجِد وَبِنَاء جدرانه وَذَلِكَ يَوْم السبت فاتح رَمَضَان الْمُعظم سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ فبنته بالطابية والكدان

стр. 177

وَكَانَت الطَّرِيقَة الَّتِي سلكتها فِي بنائِهِ أَنَّهَا التزمت أَن تَأْخُذ التُّرَاب وَغَيره من مَادَّة الْبناء من نفس الْبقْعَة دون غَيرهَا مِمَّا هُوَ خَارج عَن مساحتها فحفرت فِي أعماقها كهوفا وَجعلت تستخرج مِنْهَا التُّرَاب الْجيد وَالْحجر الكدان وتبني بِهِ وأنبطت بهَا بِئْرا يستقى مِنْهَا المَاء للْبِنَاء وَالشرب وَغير ذَلِك وَكَانَ ذَلِك كُله تحريا مِنْهَا أَن لَا تدخل فِي بِنَاء الْمَسْجِد شُبْهَة فَعَادَت بركَة نِيَّتهَا وورعها على الْمَسْجِد الْمَذْكُور حَتَّى كَانَ مِنْهُ مَا ترى قَالُوا وَلم تزل فَاطِمَة الْمَذْكُورَة صَائِمَة من يَوْم شرع فِي بنائِهِ إِلَى أَن تمّ وصلت فِيهِ شكرا لله تَعَالَى وَكَانَت مساحة الْمَسْجِد يَوْم بني أَربع بلاطات وصحنا صَغِيرا وَجعلت محرابه فِي مَوضِع الثريا الْكُبْرَى وَجعلت طوله من الغرب إِلَى الشرق مائَة وَخمسين شبْرًا وَبنت بِهِ صومعة غير مُرْتَفعَة بِموضع الْقبَّة الَّتِي على رَأس العنزة الْيَوْم وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن انقرضت دولة الأدارسة وَجَاءَت دولة زناتة من بعْدهَا وأداروا السُّور على العدوتين مَعًا الْقرَوِيين والأندلس وَزَادُوا فِي مسجديهما زِيَادَة كَثِيرَة فنقلوا الْخطْبَة من مَسْجِد الشرفاء إِلَى مَسْجِد الْقرَوِيين وَمن مَسْجِد الْأَشْيَاخ إِلَى مَسْجِد الأندلس وَذَلِكَ صدر الْمِائَة الرَّابِعَة ثمَّ لما استولى عبد الرَّحْمَن النَّاصِر صَاحب الأندلس على فاس وبلاد العدوة اسْتعْمل على فاس عَاملا لَهُ اسْمه أَحْمد بن أبي بكر الزناتي ثمَّ اليفرني فَاسْتَأْذن النَّاصِر فِي إصْلَاح مَسْجِد الْقرَوِيين وَالزِّيَادَة فِيهِ فَأذن لَهُ وَبعث إِلَيْهِ بِمَال من خمس الْغَنَائِم فَزَاد فِيهِ زِيَادَة بَيِّنَة وأزال الصومعة الْقَدِيمَة عَن موضعهَا وَبنى الصومعة الْمَوْجُودَة الْآن وَكتب على بَابهَا فِي مربعة بالجص واللازورد هَذَا مَا أَمر بِهِ أَحْمد بن أبي بكر الزناتي هداه

стр. 178

الله ووفقه ابْتِغَاء ثَوَاب الله وجزيل إحسانه وابتدأ الْعَمَل فِي هَذِه الصومعة يَوْم الِاثْنَيْنِ غرَّة رَجَب سنة أَربع وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَفرغ من بنائها فِي شهر ربيع الآخر سنة خمس وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَركب فِي أَعلَى المنارة سيف الإِمَام إِدْرِيس بن إِدْرِيس تبركا بِهِ وَذَلِكَ أَن بعض حفدة إِدْرِيس ﵀ تنازعوا فِي السَّيْف الْمَذْكُور وَأَرَادَ كل أَن يحوزه لنَفسِهِ فَقَالَ لَهُم الْأَمِير أَحْمد بن أبي بكر هَل لكم فِي أَن تبيعوني هَذَا السَّيْف قَالُوا وَمَا تصنع بِهِ قَالَ أجعله فِي أَعلَى المنارة فَقَالُوا أما إِذا أردْت هَذَا فَنحْن نهبه لَك مجَّانا فوهبوه لَهُ فَرَكبهُ فِي أَعلَى المنارة وَكَانَت مَبْنِيَّة من الْحجر المنجور وفيهَا ثقب يعشش فِيهَا الطير من الْحمام والزرزور وَغَيرهمَا ويتأذى الْمَسْجِد وَالنَّاس بهَا وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن كَانَت سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة أَيَّام السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق المريني فَاسْتَأْذن القَاضِي أَبُو عبد الله بن أبي الصَّبْر السُّلْطَان يُوسُف الْمَذْكُور فِي تلبيس المنارة وتبييضها فَأذن لَهُ فلبسها وبيضها ودلكها حَتَّى صَارَت كالمرآة الصقلية وَقَالَ ابْن خلدون ثمَّ أوسع فِي خطه الْمَسْجِد الْمَذْكُور الْمَنْصُور بن أبي عَامر صَاحب الأندلس وَأعد لَهُ السِّقَايَة والسلسلة بِبَاب الحفاة ثمَّ أوسع فِي خطته عَليّ بن يُوسُف اللمتوني ثمَّ مُلُوك الْمُوَحِّدين وَبني مرين واستمرت الْعِمَارَة بِهِ وانصرفت هممهم إِلَى تشييده والمنافسة فِي الاهتبال بِهِ فَبلغ الاحتفال فِيهِ مَا شَاءَ حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُور فِي تواريخ الْمغرب أه وَفِي أَيَّام يحيى بن مُحَمَّد صَاحب التَّرْجَمَة وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ قَامَ رجل مُؤذن بِنَاحِيَة تلمسان يَدعِي النُّبُوَّة وَتَأَول الْقُرْآن على غير وَجهه فَاتبعهُ خلق كثير من الغوغاء وَكَانَ من بعض شرائعه أَنه ينْهَى عَن قصّ الشّعْر وتقليم الْأَظْفَار ونتف الإبطين والاستحداد وَأخذ الزِّينَة وَيَقُول لَا تَغْيِير لخلق الله فَأمر أَمِير

стр. 179

تلمسان بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فهرب وَركب الْبَحْر من مرسى هنين إِلَى الأندلس فشاع بهَا أَيْضا خَبره وَتَبعهُ من سُفَهَاء النَّاس أمة عَظِيمَة فَبعث إِلَيْهِ ملك الأندلس فاستتابه فَلم يتب فَقتله وصلبه وَهُوَ يَقُول أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله الخبرعن دولة يحيى بن يحيى بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس لما توفّي يحيى بن مُحَمَّد الَّذِي بنى مَسْجِد الْقرَوِيين فِي أَيَّامه ولي الْأَمر من بعده ابْنه يحيى بن يحيى بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس فاساء السِّيرَة وَكثر عيثه فِي الْحرم وَدخل على جَارِيَة من بَنَات الْيَهُود فِي الْحمام وَكَانَت بارعة فِي الْجمال فَرَاوَدَهَا عَن نَفسهَا فاستغاثت وبادر النَّاس إِلَيْهَا بالإنكار وثابت الْعَامَّة عَلَيْهِ وَتَوَلَّى كبر ذَلِك عبد الرَّحْمَن بن أبي سهل الجذامي وَكَانَت زَوْجَة يحيى الْمَذْكُور وَهِي عَاتِكَة بنت عَليّ بن عمر بن إِدْرِيس صَاحب الرِّيف والسواحل أشارت عَلَيْهِ بالاختفاء بعدوة الأندلس ريثما تسكن الْفِتْنَة فتوارى بهَا فَمَاتَ من ليلته أسفا على مَا صنع بِنَفسِهِ وَمَا وَقع فِيهِ من الْعَار وَاسْتولى عبد الرَّحْمَن بن أبي سهل على فاس وَقَامَ بأمرها فَكتبت عَاتِكَة بنت عَليّ إِلَى أَبِيهَا تعلمه بالْخبر واستدعاه مَعَ ذَلِك أهل الدولة من الْعَرَب والبربر والموالي فَجمع حشمه وجيشه وَجَاء إِلَى فاس فاستولى عَلَيْهَا وَانْقطع الْملك من عقب مُحَمَّد بن إِدْرِيس وَصَارَ بعد هَذَا تَارَة يكون فِي عقب عمر بن إِدْرِيس صَاحب الرِّيف وَتارَة يكون فِي عقب الْقَاسِم بن إِدْرِيس الزَّاهِد على مَا نذكرهُ

стр. 180

الْخَبَر عَن دولة عَليّ بن عمر بن إِدْرِيس لما دخل عَليّ بن عمر مَدِينَة فاس وَاسْتقر بهَا بَايعه النَّاس وَدخلت الكافة فِي طَاعَته وخطب لَهُ على جَمِيع مَنَابِر الْمغرب واستقام لَهُ الْأَمر إِلَى أَن ثار عَلَيْهِ عبد الرَّزَّاق الفِهري وَكَانَ من الْخَوَارِج الصفرية وَأَصله من وشقة بلد بالأندلس فَقَامَ بجبال مديونة من أَعمال فاس على مسيرَة يَوْم وَنصف مِنْهَا فَتَبِعَهُ خلق كثير من البربر من مديونة وغياثة وَغَيرهم فَبنى قلعة منيعة بِبَعْض جبال مديونة وسماها وَشقه باسم بَلَده قَالَ ابْن أبي زرع وَهِي بَاقِيَة بِتِلْكَ النَّاحِيَة حَتَّى الْآن ثمَّ زحف إِلَى قَرْيَة صفرون فَدَخلَهَا وَبَايَعَهُ كَافَّة البربر الصفرونية ثمَّ زحف بهم إِلَى فاس فَخرج إِلَيْهِ عَليّ بن عمر بن إِدْرِيس فِي عَسْكَر ضخم فَكَانَت بَينهم حَرْب شَدِيدَة كَانَ الظفر فِي آخرهَا لعبد الرَّزَّاق فَانْهَزَمَ عَليّ بن عمر وَقتل خلق كثير من جنده وفر بِنَفسِهِ إِلَى بِلَاد أوربة فَدخل عبد الرَّزَّاق مَدِينَة فاس وَملك عدوة الأندلس وخطب لَهُ بهَا وَامْتنع مِنْهُ أهل عدوة الْقرَوِيين وبعثوا إِلَى يحيى بن الْقَاسِم الزَّاهِد وَكَانَ مَا نذكرهُ الْخَبَر عَن دولة يحيى بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس لما فر عَليّ بن عمر عَن فاس وَاسْتولى عبد الرَّزَّاق الصفري على عدوة الأندلس بعث أهل فاس إِلَى يحيى بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس وَيعرف يحيى هَذَا بالعدام فوصل إِلَيْهِم فَبَايعُوهُ وولوه على أنفسهم وَيحيى العدام هَذَا هُوَ جد الْأَشْرَاف الجوطيين بفاس فَإِنَّهُم أَوْلَاد يحيى الجوطي بن مُحَمَّد بن يحيى العدام وَإِنَّمَا قيل لَهُ الجوطي نِسْبَة إِلَى جوطة بِضَم الْجِيم وبالطاء
следующие страницы →