Полный текст (1 747 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
أَيْديهم إِلَى أَمْوَال النَّاس وزروعهم بالنهب لما مسهم من ضَرَر الْجُوع فَشَكا النَّاس ذَلِك إِلَى السُّلْطَان فَأمر بقتل كل من وجد خَارج الْمحلة فَقتل فِي ذَلِك الْيَوْم من الْجَيْش نَحْو الثلاثمائة ثمَّ أَمر بجر الْوَزير أبي زيد عبد الرَّحْمَن المنزري لأمر نقمه عَلَيْهِ وَقتل أَصْحَابه بالرصاص فجر الْوَزير الْمَذْكُور إِلَى فاس ومكناسة وَلم يصل إِلَيْهِمَا إِلَّا بعض شلوه فَطرح على المزبلة وَوصل السُّلْطَان إِلَى مكناسة فاحتل بدار ملكه واقتعد أريكة عزه
ثمَّ دخلت سنة تسعين وَألف فَفِي الْمحرم مِنْهَا وَقع الوباء بفاس وأعمالها فَأمر السُّلْطَان العبيد أَن يردوا النَّاس عَن مكناسة فَكَانُوا يتعرضون لَهُم فِي الطرقات بِنَاحِيَة سبو وسايس يردونهم عَن مكناسة وكل من يَأْتِي من نَاحيَة الْقصر وفاس يقتلونه فَانْقَطَعت السبل وتعذرت الْمرَافِق
وَفِي أَوَاخِر الْمحرم من هَذِه السّنة أوقع جَيش الْمُسلمين بنصارى طنجة فَقتلُوا مِنْهُم نَحْو ثَلَاثمِائَة وَخمسين وانتزعوا مِنْهُم قَصَبَة بأَرْبعَة أبراج وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين نَحْو الْخمسين ﵏
نقل زُرَارَة والشبانات إِلَى وَجدّة وَبِنَاء القلاع بالتخوم وَمَا تخَلّل ذَلِك
وَفِي هَذِه السّنة الَّتِي هِيَ سنة تسعين وَألف أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ بِنَقْل عرب زُرَارَة والشبانات قوم كروم الْحَاج من الْحَوْز إِلَى وَجدّة لما كَانُوا عَلَيْهِ من الظُّلم وَالْفساد فِي تِلْكَ الْبِلَاد فأنزلهم بوجدة ثغر الْمغرب وكتبهم فِي الدِّيوَان وَولى عَلَيْهِم أَبَا الْبَقَاء العياشي بن الزويعر الزراري وَتقدم إِلَيْهِ فِي التَّضْيِيق على بني يزناسن إِذْ كَانُوا يَوْمئِذٍ منحرفين عَن الدولة ومتمسكين بدعوة التّرْك فَكَانَ زُرَارَة والشبانات يغيرون عَلَيْهِم ويمنعونهم من الْحَرْث ببسيط آنكاد وَأمر السُّلْطَان ﵀ أَن تبنى عَلَيْهِم قلعة من نَاحيَة السَّاحِل قرينَة وَجدّة بالموضع الْمَعْرُوف برفادة وَأمر الْقَائِد
стр. 1227
العياشي أَن ينزل بهَا خَمْسمِائَة فَارس من إخوانه يمنعونهم النُّزُول ببسيط تريفة والارتفاق بِهِ من حرث وَغَيره ثمَّ أَمر ﵀ أَن تبنى قلعة أُخْرَى بِطرف بِلَادهمْ بالعيون وَينزل بهَا الْقَائِد الْمَذْكُور خَمْسمِائَة أُخْرَى من إخوانه أَيْضا وَأمر أَن تبنى قلعة ثَالِثَة بِطرف بِلَادهمْ على ملوية وَينزل بهَا خَمْسمِائَة فَارس كَذَلِك وَجعل للقائد العياشي الْمَذْكُور النّظر فِي القلاع الثَّلَاث وَهُوَ بوجدة فِي ألف فَارس فَكَانُوا فِي الدفتر أَلفَيْنِ وَخَمْسمِائة
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَألف فَفِي جُمَادَى الثَّانِيَة مِنْهَا خرج السُّلْطَان من الحضرة فِي الْجنُود قَاصِدا بني يزناسن الَّذين تَمَادَوْا على الْعِصْيَان فاقتحم عَلَيْهِم جبلهم واعتسف بروعهم وانتسف زُرُوعهمْ وضروعهم وَحرق قراهم وَقتل رِجَالهمْ وسبى ذَرَارِيهمْ فطلبوا الْأمان فأمن بَقِيَّتهمْ على أَن يدفعوا الْخَيل وَالسِّلَاح الَّتِي عِنْدهم فدفعوها من غير توقف وَقَامُوا بدعوته جبرا عَلَيْهِم ثمَّ نزل بسيط آنكاد وَحضر عِنْده قبائل الأحلاف وسقونه فأرجلهم من خيولهم وجردهم من سِلَاحهمْ وانتزعها مِنْهُم وألزم أَشْيَاخهم أَن يجمعوا لَهُ مَا بَقِي بحلتهم مِنْهَا فَفَعَلُوا ثمَّ فعل بالمهاية وحميان كَذَلِك وانكفأ رَاجعا إِلَى الْمغرب
وَلما نزل وَادي صا أَمر بِبِنَاء قلعة تاوريرت الَّتِي بناها السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق المريني فجددها وَأنزل فِيهَا مائَة فَارس من عبيده بعيالهم وَأَوْلَادهمْ وَلما نزل بوادي مسون أَمر أَن تبنى بِهِ قلعة أُخْرَى بجوار الْقَدِيمَة وَأنزل فِيهَا مائَة فَارس من العبيد كَذَلِك ثمَّ أنزل بتازا أَلفَيْنِ وَخَمْسمِائة من خيل العبيد بعيالهم وَولى عَلَيْهِم مَنْصُور بن الرَّامِي وَجعل نظر القلاع الَّتِي بتازا ووادي صا للقائد مَنْصُور الْمَذْكُور وَعين لكل قَبيلَة من قبائل تِلْكَ الْبِلَاد قلعتها الَّتِي تدفع بهَا زكواتها وأعشارها لمؤنة العبيد وعلف خيولهم وهم حراس الطَّرِيق فَمن وَقع فِي أرضه شَيْء عُوقِبَ عَلَيْهِ قَائِد تِلْكَ القلعة وَلما وصل السُّلْطَان إِلَى الكور أَمر أَن تبنى بِهِ قلعة أَيْضا وَأنزل بهَا
стр. 1228
مائَة فَارس من عبيده بعيالهم
وَلما انْتهى إِلَى فاس أنزل بقصبة الْخَمِيس الَّتِي بنى سورها الْمولى الرشيد خَمْسمِائَة من الْخَيل بعيالهم من شراقة الْعَرَب والبربر الَّذين قدمُوا مَعَ الْمولى الرشيد ﵀ حَسْبَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ
ثمَّ أَمر ﵀ بِبِنَاء قلعة بالمهدومة وَأُخْرَى بالجديدة من أَعمال مكناسة وَأنزل بِكُل وَاحِدَة مائَة من خيل العبيد بعيالهم لحراسة الطرقات وَبِكُل قلعة فندق لمبيت القوافل وَأَبْنَاء السَّبِيل ثمَّ دخل السُّلْطَان ﵀ حَضرته مؤيدا منصورا وَذَلِكَ فِي خَامِس شعْبَان سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَألف
فتح المهدية ومحاربة ابْن مُحرز بالسوس وَمَا تخَلّل ذَلِك
قد تقدم لنا مَا كَانَ من اسْتِيلَاء جنس الإصبنيول على المعمورة الْمُسَمَّاة بالمهدية فِي حُدُود الْعشْرين بعد الْألف وَمَا كَانَ بَينهم وَبَين أبي عبد الله العياشي وَأهل سلا من الحروب واستمروا بهَا إِلَى أَن كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف فافتتحها جَيش السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀
قَالَ فِي النزهة وَمن محَاسِن الدولة الإسماعيلية تنقية الْمغرب من نَجَاسَة الْكفْر ورد كيد الْعَدو عَنهُ قَالَ وَقد فتح السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل عدَّة مدن من يَد النَّصَارَى كَانَت من مفاسد الْمغرب وَلم يهنأ للْمُسلمين مَعَهم قَرَار من ذَلِك المعمورة فَإِنَّهُ ﵀ قد افتتحها عنْوَة بعد أَن حاصرها مُدَّة وَكَانَ فتحهَا يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشر ربيع الثَّانِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف وَأسر بهَا نَحْو الثلاثمائة من الْكفَّار اهـ وَقَالَ فِي نشر المثاني كَانَ فتح المهدية عنْوَة عِنْد صَلَاة الْجُمُعَة خَامِس عشر ربيع الثَّانِي من السّنة قيل بِقِتَال وَقيل بِدُونِ قتال وَإِنَّمَا أخذت بِقطع المَاء عَنْهَا وَجِيء بالنصارى الَّذين كَانُوا بهَا أُسَارَى وَلم يصب أحد من الْمُسلمين
وَقَالَ فِي الْبُسْتَان وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف ورد الْخَبَر على
стр. 1229
السُّلْطَان إِسْمَاعِيل بِأَن ابْن أَخِيه الْمولى أَحْمد بن مُحرز الَّذِي بالسوس قد استولى على بِلَاد آيت زَيْنَب وقويت شوكته فَأمر السُّلْطَان ﵀ بتفريق الرَّاتِب وتجهيز العساكر إِلَيْهِ من فاس وتوجهت فِي ثامن ربيع الأول من السّنة ثمَّ بلغه أَن الْعَسْكَر المحاصر للمهدية قد أشرف على فتحهَا وتوقفوا على حُضُوره فَنَهَضَ ﵀ إِلَيْهِم حَتَّى حضر الْفَتْح وَأخرج رَئِيس النَّصَارَى فَأَمنهُ وَأمن أَصْحَابه وَكَانُوا ثَلَاثمِائَة وَسِتَّة أنفس وَأما الْغَنِيمَة فقد أحرزها المجاهدون من أهل الفحص والريف الَّذين كَانُوا مرابطين عَلَيْهَا مَعَ الْقَائِد عمر بن حدو البطوئي وَرجع السُّلْطَان إِلَى مكناسة بعد أَن أنزل بالمهدية طَائِفَة من عبيد السوس لعمارتها وسد فرجتها وَحضر هَذَا الْفَتْح جمَاعَة من متطوعة أهل سلا مِنْهُم الْوَلِيّ الصَّالح أَبُو الْعَبَّاس سَيِّدي أَحْمد حجي من صلحائها الْمَشْهُورين بهَا وَاعْلَم أَن السُّور العادي الَّذِي الْيَوْم بالمهدية هُوَ من بِنَاء البرتغال أَيَّام استيلائهم عَلَيْهَا فِي دولة الوطاسيين كَمَا مر
وَلما فرغ المجاهدون من أَمر المهدية ارتحلوا مَعَ أَمِيرهمْ عمر بن حدو فَأَصَابَهُ الوباء فَمَاتَ فِي الطَّرِيق وَتَوَلَّى رئاسة الْمُجَاهدين أَخُوهُ الْقَائِد أَحْمد بن حدو تقسمها هُوَ والقائد أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الله الريفي وَكَانَ أَوْلَاد الريفي هَؤُلَاءِ من الشُّهْرَة فِي الْجِهَاد والمكانة فِي الشجَاعَة ومكائد الْحَرْب بِمَنْزِلَة أَوْلَاد النقسيس وَأَوْلَاد أبي الليف وأضرابهم رحم الله الْجَمِيع
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف فِيهَا غزا السُّلْطَان بِلَاد الشرق فنهب بني عَامر وَرجع إِلَى مكناسة وَأمر بِإِخْرَاج أهل الذِّمَّة من الْمَدِينَة وَبنى لَهُم حارة خَارِجهَا بالموضع الْمَعْرُوف ببريمة وكلف أهل تافيلالت الَّذين بفاس بالرحيل إِلَى مكناسة وَالسُّكْنَى بحارة الْيَهُود الْقَدِيمَة الَّتِي أخليت فَلم يزل أهل تافيلالت يذهبون أَرْسَالًا ويسكنونها بالكراء حَتَّى ضَاقَتْ بهم
ثمَّ بلغه أَن التّرْك قد خَرجُوا بعسكرهم واستولوا على بني يزناسن وعَلى
стр. 1230
دَار ابْن مشعل وَأَنَّهُمْ قد مدوا يَد الْوِفَاق إِلَى ابْن مُحرز وراسلوه وراسلهم وانبرم كَلَامهم مَعَه على حَرْب السُّلْطَان وبلغه مثل ذَلِك من نَائِبه بمراكش فَكتب إِلَيْهِ أَن يحْتَاط فِي حراسة مراكش وَيَأْخُذ بالحزم فِي ذَلِك وَيُقِيم فِي نحر ابْن مُحرز إِلَى أَن يرجع السُّلْطَان من غَزْو تلمسان ثمَّ خرج ﵀ بالعساكر لمصادمة التّرْك فَوَجَدَهُمْ قد رجعُوا إِلَى بِلَادهمْ لما بَلغهُمْ من خُرُوج النَّصَارَى بشرشال فَسَارُوا إِلَيْهِم وفتكوا فيهم فتكة بكرا وردوهم على أَعْقَابهم صاغرين وَرجع السُّلْطَان ﵀ من وجهته وَقد دخلت سنة أَربع وَتِسْعين وَألف فَسَار على تفئته إِلَى مراكش فأراح بهَا ثمَّ نَهَضَ مِنْهَا إِلَى السوس فَالتقى بِابْن أَخِيه الْمولى أَحْمد بن مُحرز فِي أَوَاخِر ربيع الثَّانِي من السّنة وَقَامَت الْحَرْب بَينهمَا على سَاق وَاسْتمرّ الْقِتَال نَحوا من خَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا هلك فِيهَا من الْفَرِيقَيْنِ مَا لَا يُحْصى وَدخل ابْن مُحرز تارودانت فتحصن بهَا وَكَانَ الْوَقْت وَقت غلاء فَضَاقَ الْأَمر على أهل الْحَرَكَة فَجعلُوا يهربون وَكثر فيهم السجْن وَالضَّرْب وَالرَّدّ إِلَيْهَا فِي الْحِين ثمَّ كَانَ بَينهمَا حَرْب أُخْرَى هلك فِيهَا خلق كثير نَحْو أَلفَيْنِ وجرح السُّلْطَان وجرح ابْن مُحرز أَيْضا وَذَلِكَ فِي أواسط جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى رَمَضَان من السّنة
قَالَ أَبُو عبد الله أكنسوس حَدثنِي بعض الثِّقَات أَن السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ لما أعياه أَمر ابْن أَخِيه الْمَذْكُور أصبح ذَات يَوْم دهشا كئيبا فَقَالَ لوزيره الْفَقِيه أبي الْعَبَّاس اليحمدي إِنِّي رَأَيْت فِي هَذِه اللَّيْلَة رُؤْيا أحزنتني إِلَى الْغَايَة فَقَالَ وَمَا هِيَ يَا مَوْلَانَا وَعَسَى أَن تكون خيرا قَالَ رَأَيْت كَأَن هَذِه الْجنُود الَّتِي مَعنا مَا بَقِي مِنْهَا أحد وَلم يبْق إِلَّا أَنا وَأَنت مختفيين فِي غَار مظلم فَسجدَ الْوَزير اليحمدي شكرا لله تَعَالَى وَأطَال السُّجُود ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ أبشر يَا مَوْلَانَا فقد نصرنَا الله على هَذَا الرجل فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان وَمن أَيْن لَك ذَلِك فَقَالَ لَهُ من قَوْله تَعَالَى ﴿ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ التَّوْبَة ٤٠
стр. 1231
قَالَ ﵊ فَمَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما فسر السُّلْطَان بذلك غَايَة السرُور وانسرى عَنهُ مَا كَانَ يجده من الْغم وَعلم أَن رُؤْيَاهُ بِشَارَة من الله تَعَالَى لَهُ وعَلى أثر ذَلِك وَقع الصُّلْح بَينهمَا فِي رَمَضَان وَرجع السُّلْطَان إِلَى حَضرته فَدَخلَهَا فِي أَوَاخِر ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة
امتحان الْقُضَاة وَالسَّبَب فِيهِ
قَالَ الْعَلامَة القادري فِي الأزهار الندية وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة أَربع وَتِسْعين وَألف أَمر السُّلْطَان بِالْقَبْضِ على جَمِيع الْقُضَاة وامتحنوا ووصفوا بِالْجَهْلِ وسجنوا فِي مشور فاس الْجَدِيد حَتَّى يتعلموا مَا لابد مِنْهُ من أَحْكَام مَا هم مدفوعون إِلَيْهِ ثمَّ أخرجُوا أَيَّام المولد الْكَرِيم إِلَى مكناسة فهددوا بهَا أَيْضا حَتَّى أَمر بِحَبْس بَعضهم أَو قبله ثمَّ أطْلقُوا معزولين اه قَالَ أكنسوس وَلَعَلَّ المُرَاد بهم قُضَاة الْبَوَادِي وَمن فِي معناهم قلت وَلم أر فِي الأزهار شَيْئا من هَذَا وَلَعَلَّه فِي نُسْخَة الأَصْل لأَنهم ذكرُوا أَنَّهُمَا نسختان إِحْدَاهمَا مختصرة من الْأُخْرَى وَالله أعلم
غَزْو البربر وَبِنَاء القلاع بِإِزَاءِ معاقلهم
ثمَّ دخلت سنة خمس وَتِسْعين وَألف فِيهَا خرج السُّلْطَان فِي العساكر إِلَى جبال فزاز لِحَرْب صنهاجة من البربر الَّذين هُنَالك فَلَمَّا سمعُوا بِخُرُوج السُّلْطَان انْهَزمُوا إِلَى ملوية فَدخل السُّلْطَان بِلَادهمْ واختط قلعة بِعَين اللَّوْح بسفح جبلهم ثمَّ نزل بِعَين آصرو فَأمر بِبِنَاء قلعة هُنَالك بسفح الْجَبَل أَيْضا ثمَّ تبع آثَارهم إِلَى أَن دخلُوا جبل العياشي وتربص ﵀ بملوية إِلَى أَن دخل فصل الشتَاء وَكَانَ قَصده بذلك التَّرَبُّص إتْمَام سور القلعتين وَلما عزم على الرُّجُوع أنزل بقلعة آصرو ألف فَارس وبقلعة عين اللَّوْح خَمْسمِائَة فَارس فَأخذُوا بمخنقهم واستراح النَّاس من عيثهم ببسيط سائس وَلما منعُوا
стр. 1232
من السهل وانقطعت عَنْهُم الْميرَة وَقلت الأقوات خشعوا وَنزل وفدهم فقدموا مكناسة على السُّلْطَان تَائِبين فَأَمنَهُمْ على شَرط دفع الْخَيل وَالسِّلَاح والاشتغال بالحرث والنتاج فدفعوها عَن يَد وهم صاغرون وَهَؤُلَاء هم آيت ادراسن فَأَعْطَاهُمْ السُّلْطَان ﵀ عشْرين ألفا من الْغنم ألزمهم برعايتها وحفظها وَأسْقط عَنْهُم الْوَظَائِف فصلحت أَحْوَالهم وصاروا فِي كل عَام يدْفَعُونَ صوفها وسمنها ويزيدهم الْغنم إِلَى أَن بلغ عَددهَا سِتِّينَ ألفا وَقلت شوكتهم وَذهب بأسهم
فتح طنجة
قد تقدم لنا أَن طنجة صَارَت إِلَى جنس النجليز من يَد البرتغال واستمرت بِيَدِهِ إِلَى سنة خمس وَتِسْعين وَألف فعقد السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ للقائد أبي الْحسن عَليّ بن عبد الله الريفي على جَيش الْمُجَاهدين وَوَجهه لحصار طنجة فضيقوا على من بهَا من النَّصَارَى وطاولوهم إِلَى أَن ركبُوا سفنهم وهربوا فِي الْبَحْر وتركوها خاوية على عروشها وَذَلِكَ فِي ربيع الأول سنة خمس وَتِسْعين وَألف قَالَه فِي النزهة وَقَالَ فِي الْبُسْتَان لما ضَاقَ الْأَمر على النَّصَارَى الَّذين بطنجة وَطَالَ عَلَيْهِم الْحصار خربوها وهدموا أسوارها وأبراجها وركبوا سفنهم وتركوها فَدَخلَهَا الْمُسلمُونَ من غير طعن وَلَا ضرب وَشرع قَائِد الْمُجَاهدين عَليّ بن عبد الله الريفي فِي بِنَاء مَا تهدم من أسوارها ومساجدها فِي فاتح جُمَادَى الأولى من السّنة قلت وأعقاب هَذَا الْقَائِد لَا زَالُوا الْيَوْم بطنجة وَكَثِيرًا مَا تكون فيهم الرياسة هُنَالك
ثمَّ اتّفق أَن نشب بِقرب ساحلها مركب قرصاني جَاءَ مدَدا لأهل سبتة فِيهِ أَمْوَال وبضائع فحارب الْمُسلمُونَ أَهله عَلَيْهِ واحتووا على مَا فِيهِ وألزم السُّلْطَان قَبيلَة غمارة بجر مدافعه النحاسية إِلَى مكناسة وَأرْسل الرُّمَاة من أهل فاس لجرها أَيْضا فَأتوا بهَا لأربعين يَوْمًا وَالله غَالب على أمره
стр. 1233
غَزْو البربر ثَانِيًا وَبِنَاء القلاع فِي نحورهم
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَتِسْعين وَألف فِيهَا خرج السُّلْطَان غازيا بِلَاد ملوية وَجعل طَرِيقه على مَدِينَة صفرو ففرت قبائل البربر إِلَى رُؤُوس الْجبَال وهم آيت يوسي وشغروسن وَأَيوب وعلاهم وقادم وحيون ومديونة فَأمر السُّلْطَان بِبِنَاء قلعة بآعليل وَأُخْرَى على وَادي كيكو من أَسْفَله وَأُخْرَى على وَادي سكورة وَأُخْرَى على وَادي تاشواكت ثمَّ خرج السُّلْطَان بملوية ففرت الْقَبَائِل الْمَذْكُورَة إِلَى جبل العياشي وَتَفَرَّقُوا فِي شعابه فَأمر بِبِنَاء قلعة بدار الطمع وقلعة بتاببوست وقلعة بقصر بني مطير وقلعة بوطواط وقلعة بالقصابي وَأقَام على نهر ملوية يبث السَّرَايَا ويشن الغارات على البربر قَرِيبا من سنة وَالْعَمَل مُسْتَمر فِي بِنَاء القلاع إِلَى أَن أكملت أسوارها وَأنزل ﵀ بِكُل قلعة أَرْبَعمِائَة من خيل العبيد بعيالهم وجاءته وُفُود البربر تَائِبين طائعين فَأَمنَهُمْ على شَرط دفع الْخَيل وَالسِّلَاح فدفعوها وَصفا لَهُ ﵀ هَذَا الرّبع الشَّرْقِي من جبل درن وَالله ولي التَّوْفِيق بمنه
مقتل الْمولى أَحْمد بن مُحرز وَفتح تارودانت وَمَا يتَّصل بذلك
وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة سِتّ وَتِسْعين وَألف بلغ السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ وَهُوَ بمكناسة أَن أَخَاهُ الْمولى الحران وَابْن أَخِيه الْمولى أَحْمد بن مُحرز قد دخلا قَصَبَة تارودانت واستحوذا على تِلْكَ الْجِهَات فَنَهَضَ إِلَيْهِمَا ووالى السيرحتى أَنَاخَ بكلكله على تارودانت وحاصرهما بهَا أَيَّامًا فاتفق أَن ابْن مُحرز خرج ذَات يَوْم فِي جمَاعَة من عبيده لزيارة بعض الْأَوْلِيَاء فَلَقِيَهُ جمَاعَة من زُرَارَة أَصْحَاب السُّلْطَان فَلم يعرفوه وظنوا أَنه بعض قواد ابْن مُحرز فشدوا عَلَيْهِ فماصعهم هنيئة ثمَّ قَتَلُوهُ فَإِذا هُوَ ابْن مُحرز
стр. 1234
وَلما اتَّصل الْخَبَر بالسلطان خرج حَتَّى وقف عَلَيْهِ فَعرفهُ وَأمر بتجهيزه وَدَفنه فَدفن مَعَ الغرناطي أحد قواد الْجَيْش وَكَانَ قد قتل ذَلِك الْيَوْم وَكَانَ مقتل الْمولى أَحْمد ﵀ فِي أواسط ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَتِسْعين وَألف بعد تشغيبه على السُّلْطَان أَربع عشرَة سنة ثمَّ بعد أَيَّام خرج أهل تارودانت لَيْلًا إِلَى قبر الْمولى أَحْمد فنبشوه ونبشوا قبر الغرناطي لِأَنَّهُ كَانَ قد الْتبس عَلَيْهِم بِهِ فاستخرجوهما مَعًا حَتَّى عرفُوا الْمولى أَحْمد فَحَمَلُوهُ فِي تابوته وَتركُوا الغرناطي على شَفير قَبره وَاسْتمرّ الْمولى الحران محصورا بتارودانت وَالْحَرب قَائِمَة على سَاق إِلَى أَن دخلت سنة سبع وَتِسْعين وَألف فَكَانَت حَرْب هلك فِيهَا نَحْو الستمائة نفس من الْجند مِنْهُم الْقَائِد زيتون والباشا حمدَان وَغَيرهمَا ثمَّ كَانَت حَرْب أُخْرَى أعظم من الأولى ثمَّ ثَالِثَة كَذَلِك هلك فِيهَا الْقَائِد أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن الروسي وَتَوَلَّى مَكَانَهُ ابْن الغرناطي وَاسْتمرّ الْحَال بهَا إِلَى جُمَادَى الأولى من سنة ثَمَان وَتِسْعين وَألف فاقتحم السُّلْطَان تارودانت عنْوَة بِالسَّيْفِ واستباحها وَاسْتولى عَلَيْهَا وفر الْمولى الحران إِلَى حَيْثُ أَمن على نَفسه
وَلما اتَّصل خبر الْفَتْح بِأَهْل فاس عينوا وَفْدًا من كبرائهم وأشرافهم وغلمائهم فقدموا على السُّلْطَان بِقصد التهنئة يقدمهم وَلَده الْمولى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل فَأكْرم وفادتهم وَخرج أَوْلَاد النقسيس من سبتة وَكَانُوا قد لجؤوا إِلَيْهَا بعد مقتل الْخضر غيلَان فقدموا على السُّلْطَان بعسكره من تارودانت فَأمر بردهمْ إِلَى تطاوين وقتلهم بهَا وَأمر بقتل من كَانَ مِنْهُم مسجونا بفاس فَقتلُوا أَجْمَعُونَ ﵏ ثمَّ دخلت سنة تسع وَتِسْعين وَألف فِيهَا قفل السُّلْطَان من السوس فَدخل دَار ملكه مكناسة وَاسْتقر بهَا وَبعث إِلَى عَامل فاس أَن يخرج من بهَا من أهل الرِّيف إِلَى تارودانت بِقصد عمارتها وَالسُّكْنَى بهَا وَفِي خَامِس جُمَادَى الأولى من السّنة استدعى السُّلْطَان فُقَهَاء فاس لحضور ختم التَّفْسِير عِنْد قاضيه أبي عبد الله المجاصي فَحَضَرُوا وَأكْرمهمْ ووصلهم
стр. 1235
غَزْو برابرة فازاز وَبِنَاء قلعة آدخسان
لما تهَيَّأ السُّلْطَان ﵀ لغزو أهل جبل فازاز نَهَضَ إِلَيْهِم وَصعد الْجَبَل من النَّاحِيَة الغربية فَأول من قدم عَلَيْهِ من برابرته بِالطَّاعَةِ زمور وَبَنُو حكم فولى عَلَيْهِم رئيسهم بايشي القبلي فاستصفى مِنْهُم الْخَيل وَالسِّلَاح ثمَّ تجاوزهما إِلَى المَال فاستصفاه أَيْضا وَجمع ذَلِك كُله وَقدم بِهِ على السُّلْطَان وَهُوَ ببسيط آدخسان فقدمه إِلَيْهِ فَأنْكر السُّلْطَان عَلَيْهِ ذَلِك وَقَالَ لَهُ مَا حملك على مَا فعلت وَلم آمُرك بِهِ فَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا إِن كَانَ غرضك فِي صَلَاحهمْ وفلاحهم فَهُوَ الَّذِي فعلت لَك وَلَهُم وَإِن سرت مَعَهم بِغَيْر هَذَا أتعبوك وأتعبوا أنفسهم وَإِنَّمَا طهرتهم من الْحَرَام ليشتغلوا باكتساب الْحَلَال فَإِنَّهُ يَنْمُو ويزكو فَاسْتحْسن السُّلْطَان قَوْله وأمضى فعله وَأقَام ﵀ بآدخسان يحارب آيت ومالو سنة كَامِلَة حَتَّى بنى قلعة آدخسان الجديدة بِمحل الْقَدِيمَة الَّتِي كَانَ بناها أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين ﵀ وَخَربَتْ وَلما دخل فصل الشتَاء أنزل بالقصبة ألفا وَخَمْسمِائة فَارس من عبيد أهل دكالة الَّذين كَانُوا بِوَجْه عروس نقلهم إِلَيْهَا بأولادهم وَأنزل بزاوية أهل الدلاء ألفا وَخَمْسمِائة فَارس من عبيد الشاوية الَّذين كَانُوا بِوَجْه عروس أَيْضا نقلهم بعيالهم وَأمرهمْ بحصار البربر ومنعهم من النُّزُول للمرعى والحرث وَنَحْوهمَا ثمَّ قفل إِلَى مكناسة قَالَ صَاحب الْبُسْتَان وَهُوَ أَبُو الْقَاسِم الصياني وَفِي هَذِه الْمرة نقل مَعَه جدنا الْفَقِيه الْأُسْتَاذ ابا الْحسن عَليّ بن إِبْرَاهِيم بأولاده إِلَى مكناسة وَسبب ذَلِك أَنه لما نزل بآدخسان وَاجْتمعَ عَلَيْهِ الْأَشْرَاف الَّذين باركوا قَالَ لَهُم دلوني على رجل صَاحب فقه وَدين يؤمني فِي الصَّلَوَات فَقَالُوا لَهُ لَيْسَ بِهَذَا الْجَبَل أتقى من سَيِّدي عَليّ بن إِبْرَاهِيم فَأتوا بِهِ فَكَانَ إِمَامه فِي الْمحلة وَلما قفل أَخذه مَعَه قَالَ فَهَذَا سَبَب انْتِقَال جدنا من آركو إِلَى الْحَضَر اه
стр. 1236
بَيَان تربية أَوْلَاد عبيد الدِّيوَان وَكَيْفِيَّة تأديبهم
قد قدمنَا أَن جُمْهُور عبيد البُخَارِيّ كَانُوا بالمحلة من مشرع الرملة وَأَنَّهُمْ تَنَاسَلُوا بهَا وكثروا إِلَى الْغَايَة فَلَمَّا كَانَت سنة مائَة وَألف أَمر السُّلْطَان ﵀ أُولَئِكَ العبيد أَن يأتوه بأبنائهم وبناتهم من عشر سِنِين فَمَا فَوق فَلَمَّا قدمُوا عَلَيْهِ فرق الْبَنَات على عريفات دَاره كل طَائِفَة فِي قصر للتربية والتأديب وَفرق الْأَوْلَاد على البنائين والنجارين وَسَائِر أهل الْحَرْف للْعَمَل والخدمة وسوق الْحمير والتدرب على ركُوبهَا حَتَّى إِذا أكملوا سنة نقلهم إِلَى سوق البغال الحاملة للآجر والزليج والقرمود والخشب وَنَحْو ذَلِك حَتَّى إِذا أكملوا سنة نقلهم إِلَى خدمَة المركز وَضرب أَلْوَاح الطابية حَتَّى إِذا أكملوا سنة نقلهم إِلَى الْمرتبَة الأولى فِي الجندية فكساهم وَدفع إِلَيْهِم السِّلَاح يتدربون بِهِ على الجندية وطرقها حَتَّى إِذا أكملوا سنة دفع إِلَيْهِم الْخَيل يركبونها أعراء بِلَا سروج ويجرونها فِي الميدان للتمرس بهَا والتدرب على ركُوبهَا حَتَّى إِذا أكملوا سنة وملكوا رؤوسها دفع إِلَيْهِم السُّرُوج فيركبونها بهَا ويتعلمون الْكر والفر والثقافة فِي المطاعنة والمراماة على صهواتها حَتَّى إِذا أكملوا سنة بعد ذَلِك صَارُوا فِي عداد الْجند الْمُقَاتلَة فَيخرج لَهُم السُّلْطَان الْبَنَات اللَّاتِي قدمن مَعَهم ويزوج كل وَاحِد من الْأَوْلَاد وَاحِدَة من الْبَنَات وَيُعْطِي الرجل عشرَة مَثَاقِيل مهر زَوجته وَيُعْطِي الْمَرْأَة خَمْسَة مَثَاقِيل شورتها ويولي عَلَيْهِم وَاحِدًا من آبَائِهِم الْكِبَار وَيُعْطِي ذَلِك الْقَائِد مَا يَبْنِي بِهِ دَاره وَمَا يَبْنِي بِهِ أخصاص أَصْحَابه وَهِي الْمَعْرُوفَة عندنَا بالنواويل وَيبْعَث بهم إِلَى الْمحلة بعد أَن يكتبوا فِي ديوَان الْعَسْكَر وَاسْتمرّ الْحَال هَكَذَا فَفِي كل سنة يَأْتِي من الْمحلة عدد صَغِير وَيتَوَجَّهُ إِلَيْهَا من عِنْد السُّلْطَان عدد كَبِير من سنة مائَة وَألف إِلَى أَن توفّي السُّلْطَان ﵀ فِي التَّارِيخ الْآتِي فَبلغ عدد هَذَا الْعَسْكَر البُخَارِيّ مائَة ألف وَخمسين ألفا مِنْهَا ثَمَانُون ألفا مفرقة فِي قلاع الْمغرب لعمارتها وحراسة طرقها وَسَبْعُونَ ألفا بالمحلة وَعدد القلاع الَّتِي بناها الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ بالمغرب سِتّ وَسَبْعُونَ قلعة لَا زَالَت
стр. 1237
قَائِمَة الْعين والأثر بآفاق الْمغرب يعرفهَا الْخَاص وَالْعَام إِلَى الْآن هَكَذَا وجد فِي كناش كَاتب الدولتين الرشيدية والإسماعيلية الْفَقِيه أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن عبد الْقَادِر الزرهوني الْمُتَوفَّى بتارودانت سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَكَانَ عِنْده دفتر الْعَسْكَر كُله سَوَاء السوَاد الْأَعْظَم والمتفرق فِي قلاع الْمغرب
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان وَأَيْنَ هَذَا مِمَّا نَقله المؤرخون على وَجه الغرابة من أَن الْخَلِيفَة المعتصم بن رشيد رحمهمَا الله بلغ عدد مماليكه الَّذين اشتراهم وَالَّذين جلبهم من بِلَاد التّرْك ثَمَانِيَة عشر ألفا قَالَ وَهَذَا الْعدَد الَّذِي جمعه أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ من العبيد لَو خَاضَ بِهِ الْبَحْر إِلَى الأندلس وَكَانَت تِلْكَ القلاع سفنا ومراكب جهادية لاستولى عَلَيْهَا والتوفيق من الله اه قلت وَهُوَ لعمري كَلَام مَقْبُول لَكِن الْإِنْسَان مجبور فِي قالب مُخْتَار وتصاريف الْأُمُور جَارِيَة بيد الله لَا بيد غَيره وَمَا ترك من الْجَهْل شَيْئا من أَرَادَ أَن يظْهر فِي الْوَقْت غير مَا أظهره الله فِيهِ
وَقَالَ الشَّاعِر
(لَا يعرف الشوق إِلَّا من يكابده ... وَلَا الصبابة إِلَّا من يعانيها)
وَقَالَ الآخر
(لَا تعذل المشتاق فِي أشواقه ... حَتَّى يكون حشاك فِي أحشائه)
وَقَالَ
(واذا مَا خلا الجبان بِأَرْض ... طلب الطعْن وَحده والنزالا)
وَمن أَمْثَال الْعَامَّة الْقَاعِد على الجرف محسن للسباحة هَذَا كُله بِالنّظرِ إِلَى الْحَقِيقَة فَأَما الشَّرِيعَة فقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل﴾ الْأَنْفَال ٦٠ الْآيَة وعَلى كل حَال فَلَا يسوغ للْإنْسَان أَن يهمل الاستعداد الْمَأْمُور بِهِ شرعا ويكل الْأَمر إِلَى الْقدر وَإِلَّا فَيكون مخطئا مُخَالفا للشَّرْع والطبع قَالَ ﷺ للأعرابي الَّذِي ترك نَاقَته مُرْسلَة أعقلها وتوكل وَقَالَ الشَّاعِر
стр. 1238
(على الْمَرْء أَن يسْعَى لما فِيهِ نَفعه ... وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يساعده الدَّهْر)
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلك الْعَفو والعافية والتوفيق واللطف فِيمَا جرت بِهِ الْمَقَادِير يانعم الْمولى وَنعم النصير
فتح العرائش
وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة مائَة وَألف فِي آخر شَوَّال مِنْهَا سَار الْقَائِد أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن حدو البطوئي فِي جمَاعَة من الْمُجَاهدين لحصار العرائش وَكَانَ الإصبنيول خذله الله قد استولى عَلَيْهَا على يَد الشَّيْخ بن الْمَنْصُور السَّعْدِيّ كَمَا مر فَنزل الْقَائِد أَبُو الْعَبَّاس الْمَذْكُور عَلَيْهَا وضيق على الْكفَّار الَّذين بهَا وحاصرهم نَحوا من ثَلَاثَة أشهر وَنصف كَذَا فِي النزهة وَقَالَ المؤرخ منويل إِن مُدَّة الْحصار كَانَت خَمْسَة أشهر قَالَ وَكَانَ طاغية الفرنسيس وَهُوَ لويز الرَّابِع عشر قد أعَان الْمولى إِسْمَاعِيل على فتح العرائش وحاصرها بحرا بِخمْس فراقط وَقطع عَنْهَا الْمَادَّة مُدَّة ثمَّ أقلع عَنْهَا ثمَّ بعد ذَلِك كَانَ الْفَتْح قَالَ فِي النزهة فتحهَا الْمُسلمُونَ بعد معاناة شَدِيدَة وَذَلِكَ أَنهم حفروا المينات تَحت خَنْدَق سورها الموَالِي للمرسى وملؤوها بارودا ثمَّ أوقدوها بالنَّار فنفطت وَسقط جَانب من السُّور فاقتحم الْمُسلمُونَ مِنْهُ وتسلقوا إِلَى مَا كَانَ من النَّصَارَى على الأسوار فَوَقَعت ملحمة عَظِيمَة وفر باقيهم إِلَى حصن القبيبات الَّذِي بناه الْمَنْصُور السَّعْدِيّ واعتصموا بِهِ يَوْمًا وَلَيْلَة فخامر قُلُوبهم الْجزع وطلبوا الْأمان فَأَمنَهُمْ الْقَائِد أَبُو الْعَبَّاس الْمَذْكُور على حكم السُّلْطَان فنزلوا عَلَيْهِ فَأخذُوا أُسَارَى بأجمعهم وَلم يعْتق مِنْهُم إِلَّا أَمِيرهمْ وَحده وَتمّ الْفَتْح وَذَلِكَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن عشر من الْمحرم سنة إِحْدَى وَمِائَة وَألف وَمَا فِي الْبُسْتَان وقلده صَاحب الْجَيْش أَن نَصَارَى العرائش اعتصموا بحصن القبيبات سنة كَامِلَة خطأ لَا يعول عَلَيْهِ
وَكَانَ عدد نَصَارَى العرائش قبل الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِم ثَلَاثَة آلَاف وَمِائَتَيْنِ
стр. 1239
وَلما ظفر بهم الْمُسلمُونَ أَسرُّوا مِنْهُم نَحْو أَلفَيْنِ وَقتلُوا مِنْهُم اثْنَتَيْ عشرَة مائَة وَوجد بهَا من البارود وَالْعدة مَا لَا يُحْصى كَثْرَة فَمن المدافع نَحْو مائَة وَثَمَانِينَ مِنْهَا اثْنَان وَعِشْرُونَ من النّحاس وَالْبَاقِي من الْحَدِيد وَمِنْهَا مدفع يُسمى الغصاب طوله خَمْسَة وَثَلَاثُونَ قدما بِالْحِسَابِ وَوزن كرته خَمْسَة وَثَلَاثُونَ رطلا بِحَيْثُ حلق عَلَيْهِ بِقرب خزانته أَرْبَعَة رجال كَذَا سمع من المشاهدين لذَلِك بعد السُّؤَال كَذَا فِي النزهة قَالَ منويل فِي كِتَابه إِن النَّصَارَى مَا أَسْلمُوا أنفسهم حَتَّى شرطُوا شُرُوطًا مُعْتَبرَة لَكِن السُّلْطَان نكث اه قلت حكى أَبُو الْقَاسِم العميري فِي فهرسته مَا حَاصله أَن نَصَارَى العرائش ادعوا أَن الْفَتْح الْمَذْكُور إِنَّمَا كَانَ صلحا وتأمينا لَا عنْوَة ثمَّ لما طَال النزاع فِي ذَلِك أَمر السُّلْطَان قَاضِي حَضرته المكناسية أَبَا عبد الله مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِأبي مَدين بِبَيَان الحكم فِي ذَلِك فَأجَاب جَوَابا طَويلا حرر فِيهِ حكم الشَّرِيعَة المحمدية بِمَا لاغاية فَوْقه وَحكم على أُولَئِكَ النَّصَارَى بالأسر وَقد ذكر ذَلِك بِتَمَامِهِ فِي الفهرسة الْمَذْكُورَة فَلْينْظر هُنَالك وَأمر السُّلْطَان ﵀ بإشخاص أُولَئِكَ النَّصَارَى إِلَى مكناسة الزَّيْتُون وَكَانُوا ألفا وَثَمَانمِائَة على مَا فِي الْبُسْتَان فَكَانَ يستخدمهم مَعَ غَيرهم من المساجين والأسرى فِي بِنَاء قصوره بِالنَّهَارِ ويبيتون لَيْلًا فِي الدهليز وَهُوَ فِي عرف المغاربة هري تَحت الأَرْض وأسكن السُّلْطَان ﵀ أهل الرِّيف العرائش وَأمر قائدهم أَن يَبْنِي بهَا مسجدين وحماما وَيَبْنِي دَاره بقلعتها وَفِي فتح العرائش أنْشد الْخَطِيب البليغ أديب فاس ومفتيها أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الشريف البوعناني فَقَالَ
(أَلا أبشر فَهَذَا الْفَتْح نور ... قد انتظمت بعزكم الْأُمُور)
(وطير السعد نَادَى حَيْثُ غنى ... قد انشرحت بفتحكم الصُّدُور)
(وضوء النَّصْر ساعده التهاني ... وَنور الْفَخر نحوكم يَدُور)
(وَقد وافتكم الْخيرَات طرا ... وطاب الْعَيْش واتصل السرُور)
(حميتم بَيْضَة الْإِسْلَام لما ... بِعَين الْحق قد حرس الثغور)
стр. 1240
(وجاهدتم وقاتلتم فَأنْتم ... لدين الله أقمار تنير)
(وأطلعتم صوارمكم نجوما ... لَدَى هيجاء صَاحبهَا كفور)
(فَأَنت الْبَدْر يَوْم السّلم حسنا ... فِي يَوْم الوغا الْأسد الهصور)
(وَفِي ثغر العرائش قد تبدى ... لقد ركم على الشعرى الظُّهُور)
(لقد كَانَ الْمُلُوك فساوموها ... وراموها وَبَان لَهَا نفور)
(فَلَمَّا جاءها انقادت وَقَالَت ... إِلَيْك بِحَق مَوْلَانَا الْمصير)
(ملكت قياد عزتها بذل ... فَمَا أغْنى الْحصار وَلَا العبور)
(قهرتم بأبطال ضخام ... على الهيجاء كلهم جسور)
(فكم رَأس من الْكفَّار أَمْسَى ... قطيع الرَّأْس مجرورا يخور)
(وَكم نحر قلادته رماح ... وَسن الرمْح مركزه النحور)
(وَكم أسرى وَكم قَتْلَى بِأَرْض ... وَكم جرحى دِمَاؤُهُمْ تَفُور)
(تمر بهَا الطُّيُور فتنتقيها ... وَبَات الذِّئْب وَهُوَ لَهَا شكور)
(وأضحى النَّاس كلهم نشاوى ... على طرب وَمَا شربت خمور)
(فبشراكم بِهَذَا الْفَتْح نور ... وبشراكم بِمَا من الغفور)
(بِهِ زَادَت مآثركم علوا ... وَقد عظمت بِهِ لكم الأجور)
(أَلا يَا معشر الْكفَّار هَذَا ... يبددكم وَلَيْسَ لَهُ فتور)
(أَلا يَا أهل سبتة قد أَتَاكُم ... بِسيف الله سُلْطَان وقور)
(إِذا مَا جَاءَ سبتة فِي عشي ... تناديه إِذا كَانَ البكور)
(ووهران تنادي كل يَوْم ... مَتى يَأْتِي الإِمَام مَتى يزور)
(مَتى يَأْتِي ويفتحها سَرِيعا ... وَيلْحق أَهلهَا مِنْهُ ثبور)
(فيهزمهم ويقتلهم وَيَسْبِي ... وَسيف الْحق فِي يَده ينور)
(أيا مولَايَ قُم وانهض وشمر ... لأندلس فَأَنت لَهَا الْأَمِير)
(وجاهدهم وحاربهم وَفرق ... جموعهم فربكم النصير)
(وَلَا يمْنَع بِفضل الله مِنْهَا ... كَمَا قد قيل بر أَو بحور)
(لِسَان الْحَال ينشد كل يَوْم ... وَمعنى الْحَال تفهمه الصُّدُور)
(بقرطبة تنَال الْمجد طرا ... وَيَأْتِي الْعِزّ وَالْملك الْكَبِير)
стр. 1241
(وذلكم بعون الله سهل ... وَمن بركاتكم أَمر يسير)
(أيا مولَايَ إِسْمَاعِيل هَذَا ... عبيدكم الضَّعِيف المستجير)
(يناديكم بناديكم وَيَدْعُو ... دُعَاء لَا تعييه الدهور)
(فيارب الْبَريَّة ياإلهي ... وَيَا رَحْمَن يَا نعم المجير)
(أثب هَذَا الْأَمِير بِكُل خير ... وَلَا تجْعَل تِجَارَته تبور)
(وأبق الْملك فِيهِ وَفِي بنيه ... وَلَو كرهت زيود أَو عمور)
(وَنحن رعية نرجو هناء ... وبالسلطان تنتظم الْأُمُور)
(عَلَيْكُم من عبيدكم سَلام ... مدى الدُّنْيَا يضمخه العبير)
(يعم جنابكم مَا قَالَ صب ... أَلا أبشر فَهَذَا الْفَتْح نور)
وَقَالَ فِي ذَلِك الْفَقِيه الْعَالم الْوَرع الشيهر أَبُو مُحَمَّد عبد السَّلَام بن حمدون جسوس ﵀
(رفعت منَازِل سبتة أقوالها ... تَشْكُو إِلَيْكُم بِالَّذِي قد هالها)
(مَعَ بادس وبريجة فتعطفوا ... وتنبهوا كي تسمعوا تساءلها)
(يَابْنَ النَّبِي الْهَاشِمِي مُحَمَّد ... قل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا لَهَا)
(فَلَقَد قضيتم للعرائش حَاجَة ... مَعَ طنجة فاقضوا لذِي آمالها)
(عَار عَلَيْكُم أَن تكون أسيرة ... بجواركم وجنودكم تغزى لَهَا)
(إِن لم تَكُونُوا آخذين بثأرها ... من ذَا يفك من الوثاق حبالها)
(لَا تسمعن من جَاهِل ومثبط ... وَمصْعَب من جَهله أحوالها)
(إِن الَّذين تقدمُوا قد جاهدوا ... بنفوسهم وبمالهم أَمْثَالهَا)
(فتملكوا أملاكها وديارها ... وتقسموا أموالها ورجالها)
(فَابْعَثْ لَهَا أهل الشجَاعَة عَاجلا ... حَتَّى تراهم نازلين جبالها)
(وأمدهم بمؤونة ومعونة ... كَيْفَمَا تقطع بالعدا أوصالها)
(وارفع لهَذَا الغرب رَأْسا إِنَّه ... فِي الضعْف مَا دَامَ العدا أنزالها)
(أبقاك رَبِّي للخلافة عدَّة ... تقفو الشَّرِيعَة مؤثرا أفعالها)
(وَاقْبَلْ هَدِيَّة من أَتَى بنصيحة ... يَبْغِي الثَّوَاب وَلَا تقل من قَالَهَا)
وَقَالَ فِي ذَلِك الشريف الأديب أَبُو مُحَمَّد عبد السَّلَام بن الطّيب القادري
стр. 1242
(علا عرش دين الله من كل العرائش ... وهد بنصر الله قصر العرائش)
وَهِي طَوِيلَة انظرها فِي نشر المثاني إِن شِئْت ثمَّ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من ربيع الأول من هَذِه السّنة نهى السُّلْطَان عَن لبس النِّعَال السود ونادى فِي سَائِر أَمْصَار الْمغرب وَأمر بِلبْس النِّعَال الصفر مَكَانهَا لما قيل من أَن النَّاس اتَّخذُوا النِّعَال السود مُنْذُ استولى النَّصَارَى على العرائش على يَد الْمَأْمُون السَّعْدِيّ كَمَا تقدم وَفِي أَوَائِل ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة قتل السُّلْطَان ثَلَاثَة وَسِتِّينَ رجلا من الطَّائِفَة المسمون بالعكاكزة
فتح آصيلا
وَلما فرغ المجاهدون من أَمر العرائش عَمدُوا إِلَى مَدِينَة آصيلا فنزلوا عَلَيْهَا وحاصروا النَّصَارَى الَّذين بهَا سنة كَامِلَة وأظنهم الإصبنيول إِلَى أَن بلغ بهم الْحصار كل مبلغ فطلبوا الْأمان فأمنوهم على حكم السُّلْطَان وَلما لم يطمئنوا لذَلِك ركبُوا من اللَّيْل سفنهم ونجوا إِلَى بِلَادهمْ وَدخل الْمُسلمُونَ الْمَدِينَة فملكوها وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَة وَألف وعمرها أهل الرِّيف أَيْضا وَبنى بهَا قائدهم مسجدين ومدرسة وحماما وَبنى دَاره بقلعتها وَالله أعلم
حِصَار سبتة
ثمَّ سَار المجاهدون بعد الْفَرَاغ من آصيلا إِلَى سبتة فنزلوا عَلَيْهَا وحاصروها واستأنفوا الْجد فِي مقاتلتها وامدهم السُّلْطَان بعسكر من عبيده وَأمر قبائل الْجَبَل أَن تعين كل قَبيلَة حصَّتهَا للمرابطة على سبتة وَكَذَلِكَ أَمر أهل فاس أَن يبعثوا بحصتهم إِلَيْهَا فَكَانَ عدد المرابطين عَلَيْهَا خَمْسَة وَعشْرين ألفا وَتقدم السُّلْطَان إِلَيْهِم فِي الْجد وَالِاجْتِهَاد فَكَانَ الْقِتَال لَا يَنْقَطِع عَنْهَا صباحا وَمَسَاء وَطَالَ الأمد حَتَّى أَن السُّلْطَان ﵀ اتهمَ القواد
стр. 1243
الَّذين كَانُوا على حصارها بِعَدَمِ النصح فِي افتتاحها لِئَلَّا يبْعَث بهم بعْدهَا إِلَى حِصَار البريجة فيبعدوا عَن بِلَادهمْ مَعَ أَنهم قد سئموا كَثْرَة الْأَسْفَار ومشقات الحروب وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى أَن مَاتَ الْقَائِد أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الله الريفي وَولى بعده ابْنه الْقَائِد أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ والقتال لَا زَالَ وَالْحَال مَا حَال وَفِي كل سنة يتعاقب الْغُزَاة عَلَيْهَا وَالسُّلْطَان مشتغل بتمهيد الْمغرب ومقاتلة برابرة جبل فازاز وَغَيرهم وَلم يهيىء الله فتحهَا على يَدَيْهِ وَدَار الْقَائِد أَحْمد بن عَليّ ومسجده اللَّذَان بناهما بِإِزَاءِ سبتة أَيَّام الْحصار لَا زَالا قائمي الْعين والأثر إِلَى الْيَوْم وَحكى الغزال فِي رحلته أَنه رأى بِأحد أَبْوَاب سبتة خرقا قَدِيما لم يصلح فَسَأَلَ أَهلهَا عَنهُ فَقَالُوا إِنَّه من أثر الرَّمْي الَّذِي كَانَ يرميه الْجَيْش الْإِسْمَاعِيلِيّ وَهُوَ أثر كرة خرقت الْبَاب ونفذت إِلَى دَاخل الْبَلَد وَتَرَكْنَاهُ على حَاله ليعتبر بِهِ من يَأْتِي بَعدنَا ويزداد احْتِيَاطًا وحزما أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ وَالله تَعَالَى أعلم
غَزْو السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل برابرة فازاز وإيقاعه بهم
كَانَ السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ فِي هَذِه الْمدَّة مشتغلا بتمهيد الْمغرب واستنزال أممه من معاقلهم إِلَى أَن فتح أقطاره كلهَا وَبنى قلاعها ورتب حاميتها وَلم يبْق لَهُ بالمغرب كُله إِلَّا قنة جبل فازاز الَّذِي فِيهِ آيت ومالو وآيت يَفِ المَال وآيت يسرى فعزم على النهوض إِلَيْهِ وافتضاض عذرته
وَلما أَرَادَ الْخُرُوج إِلَيْهِم اسْتخْلف على فاس الْجَدِيد كَبِير أَوْلَاده الْمولى أَبَا الْعَلَاء محرزا وَبعث إِلَى مراكش ابْنه الْمولى أَبَا الْيمن الْمَأْمُون وَترك بمكناسة ابْنه الْمولى مُحَمَّد الْمَدْعُو زَيْدَانَ وَكَانَ فَارس أَوْلَاده الْمَوْجُودين يَوْمئِذٍ
وَلما ولي الْمَأْمُون على مراكش أَمر برئيس الحضرة وَإِمَام الْكتاب الْفَقِيه أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد اليحمدي أَن يُعْطِيهِ التَّقْلِيد ويوصيه بِمَا تنبغي الْوِصَايَة بِهِ
стр. 1244
وَكَانَ الْمولى الْمَأْمُون منحرفا عَن الْوَزير الْمَذْكُور فَمشى إِلَيْهِ على كره مِنْهُ وَحَازَ مِنْهُ التَّقْلِيد واستمع لوصيته امتثالا لأمر وَالِده ثمَّ عَاد إِلَيْهِ وَقَالَ يَا مَوْلَانَا إِن اليحمدي ينْقصك وَيَزْعُم أَنه الَّذِي علمك دينك فِي كَلَام آخر فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان ﵀ وَالله إِن كَانَ قد قَالَ ذَلِك إِنَّه لصَادِق فَإِنَّهُ الَّذِي عَلمنِي ديني وعرفني بربي نقل هَذِه الْحِكَايَة صَاحب الْبُسْتَان وَصَاحب الْجَيْش وَكِلَاهُمَا قَالَ إِنَّه سَمعهَا من السُّلْطَان المرحوم الْمولى سُلَيْمَان بن مُحَمَّد ﵀ وَهِي منقبة فخيمة للْمولى إِسْمَاعِيل فِي الخضوع للحق وَالِاعْتِرَاف بِهِ رحم الله الْجَمِيع
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَمِائَة وَألف وَالسُّلْطَان عازم على النهوض إِلَى فازاز وَبعث مَعَ ذَلِك بالراتب وَالْعدة إِلَى أهل فاس وَأمرهمْ بالنهوض إِلَى التّرْك مَعَ وَلَده الْمولى زَيْدَانَ فَخَرجُوا فِي رَمَضَان من السّنة وَبعد الْعِيد أَخذ السُّلْطَان فِي الاستعداد للنهوض إِلَى فازاز ثمَّ بدا لَهُ فَخرج فِي أثر الْمولى زَيْدَانَ فلحق بأطراف الْمغرب الْأَوْسَط وأبرم الصُّلْح مَعَ التّرْك وَرجع إِلَى الحضرة هَكَذَا سَاق صَاحب الْبُسْتَان هَذَا الْخَبَر وَالَّذِي رَأَيْته فِي نشر المثاني هُوَ مَا نَصه قد اخْتَار السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل الْفَقِيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد الطّيب الفاسي لعقد المهادنة مَعَ التّرْك فِي حُدُود سنة ثَلَاث وَمِائَة وَألف بعد وقْعَة المشارع مَعَهم لعلمه وفصاحته وبيته فَذهب نَحْو الجزائر صُحْبَة ولد السُّلْطَان وَهُوَ مولَايَ عبد الْملك وَمَعَهُمْ الْكَاتِب أَبُو عبد الله الْمَدْعُو الْوَزير وَغَيرهم من وُجُوه الدولة الإسماعيلية فَلَمَّا قاربوا الجزائر خرج صَاحبهَا فِي جنده وَقتل وَنهب حَتَّى انْتهى الْخَبَر إِلَى فاس بِأَنَّهُم قتلوا أجمع وصادف ذَلِك يَوْم عَاشُورَاء فَحزن النَّاس لذَلِك وأمسكوا عَن الْإِنْفَاق حَتَّى بَقِي مَا عهد أَن يَشْتَرِي فِي ذَلِك الْيَوْم ملقى لما عرا النَّاس من الْغم ثمَّ جَاءَ الْخَبَر بِأَنَّهُم قادمون بعافية وَأَنَّهُمْ وصلوا إِلَى تازا ففرح النَّاس واستأنفوا الْإِنْفَاق كَيَوْم عَاشُورَاء وَمَات بايشي القبلي فولى السُّلْطَان عَليّ زمور وَبني حكم وَلَده أَبَا الْحسن عَليّ بن يشي
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَمِائَة وَألف وفيهَا تهَيَّأ السُّلْطَان للنهوض إِلَى البربر
стр. 1245
أهل فازاز فاستنفر الْقَبَائِل وحشد الجيوش واستعد الاستعداد التَّام بالمدافع والمهاريس والمجانيق وَسَائِر آلَات الْحصار فَنزل ﵀ فِي جند العبيد ببسيط آدخسان ورتب على البرابر العساكر من كل جِهَة فَبعث الباشا مساهلا فِي خَمْسَة وَعشْرين ألفا من الرُّمَاة طلع بهَا من تادلا على وَادي العبيد حَتَّى نزل خلف آيت يسري وَبعث عَليّ بن بَرَكَات مَعَ آيت يمو وآيت أدراسن فنزلوا بتغالين وَبعث عَليّ بن يشي مَعَ زمور وَبني حكم وَأمره أَن ينزل بِعَين شوعة وَبعث إِلَى أهل تدغة وفركلة وغريس والصباح أَن يقدموا بجموعهم على عَليّ بن يشي وَبعث إِلَيْهِ مَعَ ذَلِك بعسكر الطبجية بالمدافع والمهاريس وَسَائِر آلَات الْحَرْب وَبعث نَصَارَى العرائش يجرونها على طَرِيق آعليل ثمَّ على قصر بني مطير إِلَى أَن اجْتَمعُوا بعلي بن يشي على عين شوعة
وَضرب السُّلْطَان لأمراء الْجنُود لإنشاب الْحَرْب موعدا مَعْلُوما وَقَالَ لَهُم إِذا كَانَ وَقت الْعشَاء من لَيْلَة كَذَا فليأخذ الطبجية فِي إِخْرَاج المدافع والمهاريس بالكور والبنب طول ليلتهم ليحصل للبربر الدهش فَإِذا أَصْبَحْتُم فليقدم كل قَائِد من ناحيته ولينشب الْحَرْب ليَكُون الْقِتَال فِي سَاعَة وَاحِدَة من جَمِيع الْجِهَات فَفَعَلُوا مَا أَشَارَ بِهِ عَلَيْهِم
وَلما كَانَت اللَّيْلَة الْمعينَة لم يرع البربر إِلَّا رعود المدافع والمهاريس تصعق فِي الجو ونيرانها تنقدح فِي ظلمات اللَّيْل وأصداء الْجبَال تتجاوب من كل نَاحيَة فَقَامَتْ عَلَيْهِم الْقِيَامَة وظنوا أَن الأَرْض قد زَالَت بهم فقوضوا أبنيتهم وحملوا عيالاتهم للفرار وصاروا لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا وَلما أَصْبحُوا زحف إِلَيْهِم السُّلْطَان من ناحيته وزحفت إِلَيْهِم العساكر من بَاقِي الْجِهَات وَاشْتَدَّ الْقِتَال فَانْهَزَمُوا وَتَفَرَّقُوا فِي الشعاب والأودية شذر مدر وَصَارَ كل من قصد مِنْهُم ثنية أَو منفذا وجد العساكر مقبلة مِنْهَا والمدافع مصوبة نَحْوهَا فَحل بهم الْقَضَاء وَتصرف فيهم الْبلَاء كَيفَ شَاءَ فقتلت رِجَالهمْ وسبيت نِسَاؤُهُم وَأَوْلَادهمْ وَنهب أثاثهم وحيزت مَوَاشِيهمْ وأنعامهم واستلبت خيلهم وسلاحهم واستحر الْقَتْل والنهب فيهم
стр. 1246
ثَلَاثَة أَيَّام والعساكر تلتقطهم من الأودية والشعاب وتستخرجهم من الكهوف والغيران وَأمر السُّلْطَان قواده مساهلا وَعلي بن يشي وَعلي بن بَرَكَات بِجمع رُؤُوس الْقَتْلَى وَجمع الْخَيل وَالسِّلَاح ويوافوه بِهِ لآدخسان فَجمعُوا مَا عثروا عَلَيْهِ من ذَلِك فَكَانَ عدد الرؤوس ينيف على اثْنَي عشر ألفا وَعدد الْخَيل الفحول ينيف على عشرَة آلَاف وَعدد المكاحل ينيف على ثَلَاثِينَ ألفا وبالاستيلاء على هَؤُلَاءِ البربر كمل للسُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ فتح الْمغرب وَاسْتولى عَلَيْهِ كُله وَلم يبْق بِهِ عرق ينبض وَكتب فِي الدِّيوَان من آيت يمور ألف فَارس أنزلهم مَعَ عَليّ بن بَرَكَات بقلعة تغالين وَأنزل محلتهم على رَأس منزل آيت ومالو وَلم يتْرك لقبيلة من قبائل الْمغرب خيلا وَلَا سِلَاحا وَإِنَّمَا كَانَت الْخَيل وَالسِّلَاح عِنْد العبيد والودايا وآيت يمور وَأهل الرِّيف الْمُجَاهدين بسبتة
قَالَ أَبُو عبد الله أكنسوس ﵀ وَكَانَ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ ارْتكب أخف الضررين وَأدنى المفسدتين فِي إضعاف قبائل الْمُسلمين بسلب الْخَيل وَالسِّلَاح مَعَ أَن الْمَطْلُوب هُوَ تقويتهم بذلك لمقابلة الْعَدو الْكَافِر قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل﴾ الانفال ٦٠ الْآيَة وَرَأى الْمولى إِسْمَاعِيل أَنه لما أعد ذَلِك الْعَسْكَر الْقوي الشَّديد قَامَ عَن الْمُسلمين بِوَاجِب وكفاهم كل مُؤنَة وأراحهم من كلفة الْقيام بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاح مَعَ أَن الْفساد الَّذِي يظْهر مِنْهُم عِنْد ملك الْخَيل وَالسِّلَاح أعظم وَذَلِكَ بِقطع الطرقات وَنهب الْأَمْوَال وخلع الْيَد من الطَّاعَة قَالَ وَهَذَا الْقدر الَّذِي اعتذرنا بِهِ عَن السُّلْطَان ظَاهر غَايَة الظُّهُور وَلَعَلَّه خَفِي على الشَّيْخ اليوسي حَتَّى كتب إِلَيْهِ برسالته الْمَشْهُورَة اهـ
قلت مَا فعله السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ من ذَلِك ظَاهر الْمصلحَة لَا يخفى على أحد وجد استحسانه وَلَا يتَوَهَّم عَاقل أَن أهل فازاز وَمن فِي معناهم يتخذون الْخَيل وَالسِّلَاح للْجِهَاد يَوْمًا مَا فَلَا يحْتَاج السُّلْطَان ﵀ فِي مثل ذَلِك إِلَى الِاعْتِذَار وَقَوله أَن ذَلِك الِاعْتِذَار خَفِي على اليوسي لَيْسَ على مَا يَنْبَغِي لِأَن الشَّيْخ اليوسي ﵀ مَا تكلم مَعَ
стр. 1247
السُّلْطَان فِي أَمر أُولَئِكَ الْقَبَائِل وَمن فِي معناهم وَإِنَّمَا كَلَامه مَعَه فِي أُمُور ثَلَاثَة الأول فِي جباية المَال من وَجهه وَصَرفه فِي وَجهه الثَّانِي فِي إِقَامَة رسم الْجِهَاد وشحن الثغور كلهَا بالمقاتلة وَالسِّلَاح الثَّالِث فِي الأنتصاف من الظَّالِم للمظلوم وكف الْيَد العادية عَن الرّعية
وَنَصّ هَذِه الرسَالَة الْحَمد لله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ قطب الْمجد ومركزه ومحاز الْفَخر ومأرزه وأساس الشّرف الباذخ ومنبعه ومناط الْفضل الشامخ ومجمعه السُّلْطَان الْأَعْظَم الْأَجَل الآفخم مَوْلَانَا إِسْمَاعِيل ابْن مَوْلَانَا الشريف لَا زَالَت أَعْلَامه منصورة وأيامه على الْعِزّ واليمن مَقْصُورَة سَلام على سيدنَا وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته هَذَا وَلَا زَائِد عندنَا سوى الْمحبَّة لسيدنا وَغَايَة التَّعْظِيم والإجلال وَالدُّعَاء لسيدنا بِصَالح الْأَحْوَال وَذَلِكَ بعض مَا أوجبته يَده المبسوطة علينا بِالْبرِّ وَالْإِحْسَان وَالْفضل والامتنان والتوقير والاحترام والإنعام وَالْإِكْرَام مَعَ مَا لَهُ علينا وعَلى غَيرنَا من الْحُقُوق الَّتِي أوجبتها مَنْزِلَته السُّلْطَانِيَّة ومثابته الطوقية الفاطمية فكتبنا هَذِه البطاقة وَهِي فِي الْوَقْت مُنْتَهى الطَّاقَة وَكُنَّا كثيرا مَا نرى من سيدنَا التشوق إِلَى الموعظة والنصح وَالرَّغْبَة فِي استفتاح أَبْوَاب الرِّبْح والنجح فأردنا أَن نرسل إِلَى سيدنَا مَا أَن وفْق إِلَى النهوض إِلَيْهِ رجونا لَهُ ربح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والارتقاء إِلَى الدَّرَجَات الفاخرة ورجونا وَإِن لم نَكُنْ أَهلا لِأَن نعظ أَن يكون سيدنَا أَهلا لِأَن يتعظ وَأَن يحتمي من جَمِيع المذام ويحتفظ فَليعلم سيدنَا أَن الأَرْض وَمَا فِيهَا ملك لله تَعَالَى لَا شريك لَهُ وَالنَّاس عبيد الله سُبْحَانَهُ وإماء لَهُ وَسَيِّدنَا وَاحِد من العبيد وَقد ملكه الله عبيده ابتلاء وامتحانا فَإِن قَامَ عَلَيْهِم بِالْعَدْلِ وَالرَّحْمَة والإنصاف والإصلاح فَهُوَ خَليفَة الله فِي أرضه وظل الله على عبيده وَله الدرجَة الْعَالِيَة عِنْد الله تَعَالَى وَإِن قَامَ بالجور والعنف والكبرياء والطغيان والإفساد فَهُوَ متجاسر على مَوْلَاهُ فِي ملكته ومتسلط ومتكبر فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق ومتعرض لعقوبة مَوْلَاهُ الشَّدِيدَة وَسخطه وَلَا يخفى على سيدنَا حَال من تسلط على رَعيته يروم تملكهم بِغَيْر إِذْنه كَيفَ يفعل بِهِ يَوْم يتَمَكَّن مِنْهُ ثمَّ
стр. 1248
نقُول إِن على السُّلْطَان حقوقا كَثِيرَة لَا تفي بهَا البطاقة ولنقتصر مِنْهَا على ثَلَاثَة هِيَ أمهاتها الأول جمع المَال من حق وتفريقه فِي حق الثَّانِي إِقَامَة الْجِهَاد لإعلاء كلمة الله وَفِي مَعْنَاهُ تعمير الثغور بِمَا تحْتَاج إِلَيْهِ من عدد وعدة الثَّالِث الانتصاف من الظَّالِم للمظلوم وَفِي مَعْنَاهُ كف الْيَد العادية عَلَيْهِم مِنْهُم وَمن غَيرهم وَهَذِه الثَّلَاثَة كلهَا قد اختلت فِي دولة سيدنَا فَوَجَبَ علينا تنبيهه لِئَلَّا يعْتَذر بِعَدَمِ الِاطِّلَاع والغفلة فَإِن تنبه وَفعل فقد فَازَ وَذَلِكَ صَلَاح الْوَقْت وَصَلَاح أَهله وسبوغ النِّعْمَة وشمول الرَّحْمَة وَإِلَّا فقد أدينا الَّذِي علينا أما الْأَمر الأول فَليعلم سيدنَا أَن المَال الَّذِي يجبى من الرّعية قد أعد للْمصَالح الَّتِي يَنْتَظِم بهَا الدّين وَتصْلح الدُّنْيَا من أهل الْبَيْت وَالْعُلَمَاء والقضاة وَالْأَئِمَّة والمجاهدين والأجناد والمساجد والقناطر وَغير ذَلِك من الْمصَالح وَمِثَال هَؤُلَاءِ كأيتام لَهُم دُيُون قد عجزوا عَن قبضهَا إِلَّا بوكيل وَمِثَال الرّعية مثل الْمديَان وَالسُّلْطَان هُوَ الْوَكِيل فَإِن استوفى الْوَكِيل الدّين بِلَا زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَأَدَّاهُ إِلَى الْيَتَامَى يحْسب مَا يجب لكل فقد برىء من اللوم وَلم تبْق عَلَيْهِ تباعة للمديان وَلَا للْيَتِيم وَحصل لَهُ أَجْرَانِ أجر الْقَبْض وَأجر الدّفع وَإِن هُوَ زَاد على الدّين الْوَاجِب بِغَيْر رضى الْمديَان فَهُوَ ظَالِم لَهُ أَو نقص الْيَتِيم من حَقه الْوَاجِب لَهُ فَهُوَ ظَالِم لَهُ وَكَذَا إِن استوفى الدُّيُون وأمسكها وَلم يَدْفَعهَا لأربابها فَهُوَ ظَالِم فَلْينْظر سيدنَا فَإِن جباة مَمْلَكَته قد جروا ذيول الظُّلم على الرّعية فَأَكَلُوا اللَّحْم وَشَرِبُوا الدَّم وامتشوا الْعظم وامتصوا المخ وَلم يتْركُوا للنَّاس دينا وَلَا دنيا أما الدُّنْيَا فقد أخذوها وَأما الدّين فقد فتنوهم عَنهُ وَهَذَا شَيْء شهدناه لاشيء ظنناه ثمَّ إِن أَرْبَاب الْحُقُوق قد ضَاعُوا وَلم تصل إِلَيْهِم حُقُوقهم فعلى السُّلْطَان أَن يتفقد الجباة ويكف أَيْديهم عَن الظُّلم وَلَا يغتر بِكُل من يزين لَهُ الْوَقْت فَإِن كثيرا من الدائرين بِهِ طلاب الدُّنْيَا لَا يَتَّقُونَ الله تَعَالَى وَلَا يتحفظون من المداهنة والنفاق وَالْكذب وَفِي أفضل مِنْهُم قَالَ جده أَمِير الْمُؤمنِينَ مَوْلَانَا عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه الْمَغْرُور من غررتموه اه وَأَن يتفقد الْمصَالح ويبسط يَد الْفضل على خَواص النَّاس من أهل الْفضل وَالدّين وَالْخَيْر ليكتسب محبتهم وثناءهم ونصرهم كَمَا قيل
стр. 1249
(أفاتكم النعماء مني ثَلَاثَة ... يَدي ولساني وَالضَّمِير المحجبا)
وَقد جبلت الْقُلُوب على حب من أحسن إِلَيْهَا وَلَا يهملهم فيتمنوا غَيره ويتطلبوا دولة أُخْرَى كَمَا قيل
(إِذا لم يكن للمرء فِي دولة امرىء ... نصيب وَلَا حَظّ تمنى زَوَالهَا)
(وَمَا ذَاك من بغض لَهَا غير أَنه ... يُرِيد سواهَا فَهُوَ يهوى انتقالها)
وليعلم سيدنَا أَن السُّلْطَان إِذا أَخذ أَمْوَال الْعَامَّة ونثرها فِي الْخَاصَّة وشيد بهَا الْمصَالح فالعامة يذعنون ويعلمون أَنه سُلْطَان وتطيب قُلُوبهم بِمَا يرَوْنَ من إِنْفَاق أَمْوَالهم فِي مصالحهم وَإِلَّا فالعكس وَأَيْضًا السُّلْطَان متعرض للسهام الراشقة من دَعْوَة المظلومين من الرّعية فَإِذا أحسن إِلَى الْخَاصَّة دعوا لَهُ بِالْخَيرِ والسلامة والبقاء فيقابل دُعَاء بِدُعَاء وَالله الْمُوفق وَأما الْأَمر الثَّانِي فقد ضَاعَ أَيْضا وَذَلِكَ أَنه لم يتأت فِي الْوَقْت إِلَّا عمَارَة الثغور وَسَيِّدنَا قد غفل عَنْهَا فقد ضعفت الْيَوْم غَايَة وَقد حضرت بِمَدِينَة تطاوين أَيَّام مَوْلَانَا الرشيد ﵀ فَكَانُوا إِذا سمعُوا الصَّرِيخ تهتز الأَرْض خيلا ورماة وَقد بَلغنِي الْيَوْم أَنهم سمعُوا صريخا من جَانب الْبَحْر ذَات يَوْم فَخَرجُوا يسعون على أَرجُلهم بِأَيْدِيهِم العصي والمقاليع وَهَذَا وَهن فِي الدّين وغرر على الْمُسلمين وَإِنَّمَا جَاءَهُم الضعْف من المغارم الثَّقِيلَة وتكليفهم الحركات وَإِعْطَاء الْعدة كَسَائِر النَّاس فعلى سيدنَا أَن يتفقد السواحل كلهَا من قلعية إِلَى ماسة ويحرضهم على الْجِهَاد والحراسة بعد أَن يحسن إِلَيْهِم ويعفيهم مِمَّا يُكَلف بِهِ غَيرهم وَيتْرك لَهُم خيلهم وعدتهم ويزيدهم مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فهم حماة بَيْضَة الْإِسْلَام ويتحرى فِيمَن يوليه تِلْكَ النواحي أَن يكون أَشد النَّاس رَغْبَة فِي الْجِهَاد ونجدة فِي المضايق وغيرة على الْإِسْلَام وَلَا يولي فِيهَا من همته ملْء بَطْنه والاتكاء على أريكته وَالله الْمُوفق
وَأما الْأَمر الثَّالِث فقد اخْتَلَّ أَيْضا لِأَن المشعبين للانتصاف بَين النَّاس فِي الْبلدَانِ وهم الْعمَّال وخدامهم هم المشتغلون بظُلْم النَّاس فَكيف يزِيل
стр. 1250
الظُّلم من يَفْعَله وَمن ذهب يشتكي سَبَقُوهُ إِلَى الْبَاب فزادوا عَلَيْهِ فَلَا يقدر أحد أَن يشتكي فليتق الله سيدنَا وليتق دَعْوَة الْمَظْلُوم فَلَيْسَ بَينهَا وَبَين الله حجاب وليجهد فِي الْعدْل فَإِنَّهُ قوام الْملك وَصَلَاح الدّين وَالدُّنْيَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿ولينصرن الله من ينصره إِن الله لقوي عَزِيز﴾ الْحَج ٤٠ ثمَّ ذكر تَعَالَى المنصورين وشروط النَّصْر فَقَالَ ﴿الَّذين إِن مكناهم فِي الأَرْض أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عَن الْمُنكر﴾ الْحَج ٤١ فضمن تَعَالَى للملوك النَّصْر وَشرط عَلَيْهِم هَذِه الْأُمُور الْأَرْبَعَة فَمَتَى اخْتَلَّ عَلَيْهِم أَمر الرّعية وتسلط عَلَيْهِم من يفْسد عَلَيْهِم الدولة فليعلموا أَن ذَلِك من إخلالهم بِهَذِهِ الْأُمُور فَكَانَ عَلَيْهِم الرُّجُوع إِلَى الله تَعَالَى وتفقد مَا أَمرهم بِهِ ورعاية مَا استرعاهم إِيَّاه وَقد اتّفقت حكماء الْعَرَب والعجم على أَن الْجور لَا يثبت مَعَه الْملك وَلَا يَسْتَقِيم وَأَن الْعدْل يَسْتَقِيم مَعَه الْملك وَلَو مَعَ الْكفْر وَقد عَاشَ الْمُلُوك من الْكَفَرَة المئين من السنين فِي الْملك المنتظم والكلمة المسموعة والراحة من كل منغص لما كَانُوا عَلَيْهِ من الْعدْل فِي الرّعية استصلاحا لدنياهم فَكيف بِمن يَرْجُو صَلَاح الدُّنْيَا وَالدّين قَالَ بعض الْحُكَمَاء الْملك بِنَاء والجند أساسه وَإِذا ضعف الأساس سقط الْبناء فَلَا سُلْطَان إِلَّا بجند وَلَا جند إِلَّا بِمَال وَلَا مَال إِلَّا بجباية وَلَا جباية إِلَّا بعمارة وَلَا عمَارَة إِلَّا بِالْعَدْلِ فالعدل أساس الْجَمِيع وَقد صنع أرسطوطاليس الْحَكِيم للْملك الْإِسْكَنْدَر الشكل الْمُسْتَند عَنهُ وَكتب عَلَيْهِ الْعَالم بُسْتَان سياجه الدولة الدولة سُلْطَان تعضده السّنة السّنة سياسة يسوسها الْملك رَاع يعضده الْجَيْش الْجَيْش أعوان يكفلهم المَال المَال رزق يجمعه الرّعية الرّعية عبيد يقودهم الْعدْل الْعدْل مألوف وَبِه صَلَاح الْعَالم الْعَالم بُسْتَان إِلَى آخِره وَقَالَ ﷺ كلكُمْ رَاع وكلكم مسؤول عَن رَعيته وَقَالَ
стр. 1251
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن رجَالًا يَخُوضُونَ فِي مَال الله بِغَيْر حق لَهُم النَّار يَوْم الْقِيَامَة أَو كَمَا قَالَ وَقَالَ ﷺ مَا من وَال يَلِي ولَايَة إِلَّا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة ويداه مغلولتان فَأَما عدل يفكه وَأما جور يوبقه وَعَن مَوْلَانَا عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ رَأَيْت عمر على قتب يعدو بِهِ بعيره بِالْأَبْطح فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَيْن تسير فَقَالَ بعيره من إبل الصَّدَقَة شرد أطلبه فَقلت أذللت الْخُلَفَاء من بعْدك فَقَالَ لَا تلمني فوالذي بعث مُحَمَّد ﷺ بِالْحَقِّ لَو أَن عنَاقًا ضلت بشاطىء الْفُرَات لأخذ بهَا عمر يَوْم الْقِيَامَة إِنَّه لَا حُرْمَة لوال ضيع الْمُسلمين وَلَا لفَاسِق روع الْمُؤمنِينَ وَقد رأى ﵁ شَيخا يَهُودِيّا يسْأَل على الْأَبْوَاب فَقَالَ مَا أنصفناك أَخذنَا مِنْك الْجِزْيَة مَا دمت شَابًّا ثمَّ ضيعناك الْيَوْم وَأمر أَن يجْرِي عَلَيْهِ قوته من بَيت المَال وليعلم سيدنَا أَن أول الْعدْل أَن يعدل فِي نَفسه فَلَا يَأْخُذ لنَفسِهِ من المَال إِلَّا بِحَق وليسأل الْعلمَاء عَمَّا يَأْخُذ وَمَا يُعْطي وَمَا يَأْتِي وَمَا يذر وَقد كَانَ بَنو إِسْرَائِيل يكون فيهم الْأَمِير على يَد نَبِي فالنبي يَأْمر والأمير ينفذ لَا غير وَلما كَانَت هَذِه الْأمة المرحومة انْقَطَعت مِنْهَا النُّبُوَّة بنبيها خَاتم النَّبِيين ﷺ فَلم يبْق إِلَّا الْعلمَاء يقْتَدى بهم قَالَ ﷺ عُلَمَاء أمتِي كأنبياء بني إِسْرَائِيل فَكَانَ حَقًا على هَذِه الْأمة أَن يتبعوا الْعلمَاء ويتصرفوا على أَيْديهم أخذا وَعَطَاء وَقد توفّي ﷺ واستخلف أَبُو بكر ﵁ وَكَانَ قبل ذَلِك يَبِيع وَيَشْتَرِي فِي السُّوق على عِيَاله فَلَمَّا بُويِعَ أَخذ مَاله الَّذِي للتِّجَارَة وَذهب للسوق على عَادَته حَتَّى رده عُلَمَاء الصَّحَابَة وَقَالُوا إِنَّك فِي شغل بِأَمْر الْخلَافَة عَن السُّوق وفرضوا لَهُ مَا يَكْفِيهِ مَعَ عِيَاله وَجعلُوا المَال على يَد أَمِين فَكَانَ هُوَ وَغَيره فِيهِ سَوَاء يَأْخُذ مِنْهُ بِمَا اقتضته الشَّرِيعَة لنَفسِهِ وَلغيره وَهَكَذَا سيرة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعده فعلى سيدنَا أَن يَقْتَدِي بهؤلاء الْفُضَلَاء وَلَا يَقْتَدِي بِأَهْل الْأَهْوَاء وليسأل من مَعَه من الْفُقَهَاء الثِّقَات كسيدي مُحَمَّد بن الْحسن وسيدي أَحْمد ابْن سعيد وَغَيرهمَا من الْعلمَاء العاملين الَّذين يَتَّقُونَ الله وَلَا يخَافُونَ فِي الله
стр. 1252
لومة لائم فَمَا أَمرُوهُ بِهِ مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَمِمَّا لم نذكرهُ فعله وَمَا نهوه عَنهُ انْتهى هَذِه طَريقَة النجَاة إِن شَاءَ الله تَعَالَى نسْأَل الله تَعَالَى أَن يرْزق سيدنَا تَوْفِيقًا وتسديدا وإرشادا وتأييدا وَأَن يصلح بِوُجُودِهِ الْبِلَاد والعباد وَأَن يحسم بِسَيْفِهِ أهل الزيغ والعناد آمين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
وَلما فرغ السُّلْطَان ﵀ من وقْعَة فازاز وآيت ومالو دَعَا عَليّ بن يشي وَعقد لَهُ على عشرَة آلَاف من الْخَيل وَقَالَ لَهُ لَا أرى وَجهك إِلَّا إِذا أغرت على كروان وأتيتني مِنْهُم بِعَدَد هَذِه الرؤوس الَّتِي هُنَا لأَنهم كَانُوا بوادي زيز يعيثون فِي طَرِيق سجلماسة وينهبون الرفاق فَسَار عَليّ بن يشي حَتَّى صبحهمْ وهم عارون فنهب حللهم ومواشيهم وَقتل مِنْهُم الْعدَد الْكثير ثمَّ نَادَى فِي تِلْكَ الْقَبَائِل كلهَا من أَتَى بِرَأْس كرواني فَلهُ عشرَة مَثَاقِيل فَصَارَ كل من انحاز إِلَيْهِ أحد مِنْهُم يقطع رَأسه وَيَأْتِي بِهِ إِلَيْهِ وَاسْتمرّ الْبَحْث عَنْهُم فِي الْمدر والوبر إِلَى أَن قضى من جماجمهم الوطر وَلما اجْتمعت عِنْده أعْطى كل من أَتَى بِرَأْس مِثْقَالا وَاحِدًا وَجَاء إِلَى السُّلْطَان بِاثْنَيْ عشر ألف رَأس كَمَا اقترح عَلَيْهِ وفْق مَا اجْتمع مِنْهَا بآدخسان فَشكر لَهُ فعله وولاه على قبائل الْعَرَب والبربر
وَدخلت سنة خمس وَمِائَة وَألف فَلم يكن فِيهَا شَيْء يذكر
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَمِائَة وَألف فَفِي ربيع مِنْهُ خرج الْمولى زَيْدَانَ ابْن السُّلْطَان بالعساكر قَاصِدا نَاحيَة تلمسان بعد أَن قتل النَّائِب بفاس أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد السلاوي فقاتل التّرْك وَنهب وَرجع
ثمَّ دخل سنة سبع وَمِائَة وَألف فَلم يكن فِيهَا شَيْء يذكر
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَمِائَة وَألف فَفِي يَوْم عَرَفَة مِنْهَا قدم عشرَة رجال من إصطنبول وَمَعَهُمْ كتاب من السُّلْطَان مصطفى بن مُحَمَّد العثماني صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى إِلَى السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل يندبه إِلَى الصُّلْح مَعَ أهل الجزائر فَانْتدبَ ﵀ وامتثل
стр. 1253
أَمر السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل عُلَمَاء فاس بِالْكِتَابَةِ على ديوَان العبيد وامتناعهم مِنْهَا وَمَا نَشأ عَن ذَلِك
وَفِي ذِي الْقعدَة من هَذِه السّنة أَعنِي سنة ثَمَان وَمِائَة وَألف ورد كتاب من حَضْرَة السُّلْطَان على القَاضِي وَالْعُلَمَاء بفاس يعاتبهم ويوبخهم على عدم موافقتهم على تمْلِيك العبيد المثبتين فِي الدِّيوَان ثمَّ ورد كتاب آخر من السُّلْطَان يمدح الْعَامَّة ويذم الْعلمَاء وَيَأْمُر بعزل القَاضِي وَالشُّهُود كَذَا فِي الْبُسْتَان
قَالَ أَبُو عبد الله أكنسوس هَذَا الْكَلَام الَّذِي نَقله صَاحب الْبُسْتَان عَن السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ فِيهِ نظر فَإِنَّهُ كَلَام مُجمل وَقَضِيَّة جمع العبيد مَذْكُورَة مفصلة فِي الكناش الْكَبِير الْإِسْمَاعِيلِيّ وَفِيه تَمْيِيز المماليك الأرقاء الَّذين اشْتَروا بِالثّمن على الْوَجْه الشَّرْعِيّ بخطوط الْعُدُول وَهَؤُلَاء لَا كَلَام فيهم وَأما غَيرهم من أهل الدِّيوَان المجلوبون من الْقَبَائِل العديدة فَإِن السُّلْطَان لم يدع فيهم الملكية وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي جبرهم على الجندية وَوجه السُّلْطَان إِلَى عُلَمَاء الْمشرق وَالْمغْرب السؤالات عَن ذَلِك فَكَتَبُوا إِلَيْهِ الْأَجْوِبَة المتضمنة للْجُوَاز بخطوطهم وكل ذَلِك فِي الكناش الْمَذْكُور مَبْسُوطا وَهُوَ شَيْء كثير وحاشى الله مقَام السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ أَن يدعى تملك الْأَحْرَار وَقد تقدم كَلَام الشَّيْخ اليوسي وَبَيَان مَا أنكر على السُّلْطَان وَلَو كَانَ مَا ذكر الصياني متصفا بِهِ السُّلْطَان الْمَذْكُور لَكَانَ ذَلِك أول مَا يُنكره اليوسي وَلَا يَسعهُ السُّكُوت عَلَيْهِ مَعَ أَنه أنكر مَا هُوَ أقل من ذَلِك وأخف بمراتب نعم فِي الكناش طوائف مَعْرُوفَة متميزة ثَبت عِنْد السُّلْطَان الْمَذْكُور أَنهم كَانُوا أرقاء للمنصور السَّعْدِيّ فَلَمَّا انقرضت الدولة السعدية تفَرقُوا فِي الأقطار وهم الَّذين تقدم الْكَلَام عَلَيْهِم فِي دفتر عليليش وَقد وَقع الْبَحْث عَن رقيتهم وَسُئِلَ أهل الْأَسْنَان من كل قَبيلَة فعينوا الرَّقِيق من غَيره فَثَبت ذَلِك كُله عِنْد السُّلْطَان وَمَعَ ذَلِك لم يدخلهم فِي الأرقاء الخلص الَّذين اشْتَروا بِالثّمن بل ميزهم على حِدة فَكَانَ ذَلِك الْجند عِنْده على
стр. 1254
ثَلَاث مَرَاتِب الْمرتبَة الأولى خَالص الرّقية الْمرتبَة الثَّانِيَة خَالص الْحُرِّيَّة الْمرتبَة الثَّالِثَة وَاسِطَة بَينهمَا اه وَالله تَعَالَى أعلم
تَفْرِيق الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ أَعمال الْمغرب على أَوْلَاده وَمَا نَشأ عَن ذَلِك
لما كَانَت سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَة وَألف فرق السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ أَعمال الْمغرب على أَوْلَاده فعقد لِابْنِهِ الْمولى أَحْمد على تادلا وأنزله بقصبتها ورتب مَعَه ثَلَاثَة آلَاف من العبيد حامية بهَا وَأمره أَن يزِيد فِي تِلْكَ القصبة فَبنى قَصَبَة جَدِيدَة وَبنى بهَا قصره وَبنى مَسْجِدا أعظم من مَسْجِد أَبِيه بالقصبة الأولى وَاسْتقر بهَا
وَعقد لِابْنِهِ الْمولى عبد الْملك على درعة وأعمالها وانزله بقصبتها ورتب مَعَه ثَلَاثَة آلَاف من الْخَيل
وَعقد لِابْنِهِ الْمولى مُحَمَّد الْمَدْعُو بالعالم على إقليم السوس ورتب مَعَه ألف فَارس
وَعقد لِابْنِهِ الْمَأْمُون الْكَبِير الَّذِي كَانَ بمراكش على سجلماسة وأعمالها نَقله من مراكش إِلَيْهَا وأنزله بقصبته الَّتِي بناها لَهُ بتيزيمي ورتب مَعَه خَمْسمِائَة من الْخَيل وَبعد سنتَيْن توفّي الْملك الْمَأْمُون فولى السُّلْطَان مَكَانَهُ ابْنه الْمولى يُوسُف
وَعقد لِابْنِهِ الْمولى زَيْدَانَ على بِلَاد الشرق فَكَانَ يُغير على رعايا التّرْك إِلَى أَن شردهم عَن نواحي تلمسان وانْتهى فِي بعض أَيَّام غاراته إِلَى مَدِينَة معسكر فاقتحمها وانتهب دَار أميرها عُثْمَان باي وَأخذ مَا فِيهَا من الْفرش والخرثى والأدام وَغير ذَلِك لمغيب عُثْمَان عَنْهَا فِي بعض غَزَوَاته فانتهز الْمولى زَيْدَانَ فِيهَا الفرصة فَكَانَ ذَلِك سَبَب عَزله عَن الشرى وتوليه أَخِيه الْمولى حفيد مَكَانَهُ لِأَن السُّلْطَان ﵀ لم يرض فعله ونهبه لدار الباي
стр. 1255
للصلح الَّذِي كَانَ انْعَقَد بَينه وَبَين السُّلْطَان مصطفى العثماني كَمَا مر
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَة وَألف فِيهَا غزا السُّلْطَان بِلَاد الشرق وَحَارب التّرْك بهَا لانتقاض الصُّلْح الَّذِي كَانَ بَينه وَبينهمْ بِسَبَب غارات الْمولى زَيْدَانَ الْمُتَقَدّمَة وَلما قفل السُّلْطَان من وَجهه هَذِه هلك من جنده أثْنَاء الطَّرِيق عدد كَبِير من الْعَطش فَمن أهل فاس بالخصوص أَرْبَعُونَ نفسا سوى من هلك من غَيرهم وَفِي هَذِه السّنة قتل الْقَائِد عبد الْخَالِق بن عبد الله الروسي صَاحب فاس عبدا من عبيد دَار السُّلْطَان دخل عَلَيْهِ بِغَيْر إِذْنه فَقتله فَبعث السُّلْطَان وَلَده الْمولى حفيدا من مكناسة إِلَى فاس ليَأْتِيه بِهِ فاستشفع إِلَيْهِ عبد الْخَالِق بالعلماء والأشراف فَلم يُقَيِّدهُ الْمولى حفيد وَذهب بِهِ مسرحا فَلَمَّا دخل على السُّلْطَان بمكناسة عَفا عَنهُ وَرجع إِلَى فاس سالما
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَة وَألف فِيهَا استدعى السُّلْطَان عبد الْخَالِق الروسي من فاس فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ قَتله وَبعث ابْنه الْمولى زَيْدَانَ إِلَى فاس وَبعث مَعَه حمدون بن عبد الله الروسي واليا عَلَيْهَا بَدَلا من أَخِيه الْمَقْتُول وَالله أعلم
تنَازع أَوْلَاد السُّلْطَان وثورة الْمولى مُحَمَّد الْعَالم مِنْهُم بالسوس ومقتله
لما دخلت سنة أَربع عشرَة وَمِائَة وَألف وصل الْمولى عبد الْملك بن السُّلْطَان صَاحب درعة إِلَى ضريح الْمولى إِدْرِيس الْأَكْبَر بزرهون مهزوما لاستيلاء أَخِيه الْمولى أبي النَّصْر على درعة وتغلبه على تِلْكَ النواحي فَبعث السُّلْطَان وَلَده الْمولى الشريف إِلَى درعة واليا عَلَيْهَا فثار الْمولى مُحَمَّد الْعَالم بِبِلَاد السوس ودعا لنَفسِهِ وزحف إِلَى مراكش فحاصرها فِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَفِي الْعشْرين من شَوَّال اقتحمها عنْوَة بِالسَّيْفِ فَقتل
стр. 1256
وَنهب وَلما اتَّصل خَبره بالسلطان بعث وَلَده الْمولى زَيْدَانَ فِي العساكر لقتاله فَقدم مراكش فصادف الْمولى مُحَمَّدًا قد خرج عَنْهَا وَعَاد إِلَى تارودانت وَلما احتل الْمولى زَيْدَانَ بمراكش عاثت عساكره فِيهَا ثمَّ تبع أَخَاهُ الْمولى مُحَمَّدًا الْعَالم إِلَى السوس فَنزل على تارودانت واتصلت الْحَرْب بَينهمَا إِلَى أَن دخلت سنة خمس عشرَة وَمِائَة وَألف وفيهَا قدم الْمولى حفيد حَضْرَة فاس الْجَدِيد ووظف على أهل فاس مغرما ثقيلا وَجَاء الزعيم واليا عَلَيْهَا ثمَّ عزل وَولى مَكَانَهُ أَبُو عَليّ الروسي فَقتل أُنَاسًا وصلبهم وَفِي متم شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة مَاتَ الْمولى حفيد بفاس الْجَدِيد هَذَا كُله وَالْحَرب قَائِمَة بَين الْمولى زَيْدَانَ وَالْمولى مُحَمَّد الْعَالم
ثمَّ دخلت سنة سِتّ عشرَة وَمِائَة وَألف فَفِي ثَالِث صفر مِنْهَا ورد أَمر السُّلْطَان على فاس بِأَن تُعْطى كل عتبَة عظم سرج وَلَا يحرر من ذَلِك أحد كَائِنا من كَانَ
وَفِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من صفر الْمَذْكُور ورد الْخَبَر باستيلاء الْمولى زَيْدَانَ على تارودانت وَقَبضه على أَخِيه الْمولى مُحَمَّد الْعَالم بعد محاربته لَهُ ثَلَاث سِنِين هلك فِيهَا أُمَم وقواد ورؤساء وأعيان يطول ذكرهم وَلما دَخلهَا الْمولى زَيْدَانَ عنْوَة قتل جَمِيع من بهَا حَتَّى النِّسَاء وَالصبيان هَكَذَا فِي الْبُسْتَان وَفِي رَابِع ربيع الأول من السّنة وصل الْمولى مُحَمَّد الْعَالم مَقْبُوضا عَلَيْهِ إِلَى وَادي بهت فَبعث السُّلْطَان من قطع يَده وَرجله من خلاف بعقبة بهت وَلما وصل إِلَى مكناسة خَامِس عشر الشَّهْر الْمَذْكُور هلك ﵀
قَالَ أَبُو عبد الله أكنسوس لما توفّي الْمولى مُحَمَّد الْعَالم صلى عَلَيْهِ القَاضِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بردلة فنقم عَلَيْهِ ذَلِك بعض الحسدة وأوغر قلب السُّلْطَان عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ إِنَّه يبغضك وَلَوْلَا شدَّة بغضه لَك مَا نَازع إِلَى الصَّلَاة على عَدوك الَّذِي ثار عَلَيْك ورام نزع الْملك من يدك فَكتب السُّلْطَان إِلَى القَاضِي بردلة يتهدده ويوبخه فَأَجَابَهُ القَاضِي بِأَن صلَاته نظيرة صَلَاة الْحسن الْبَصْرِيّ على الْحجَّاج بن يُوسُف فَلَمَّا ليم على ذَلِك قَالَ استحييت من الله تَعَالَى أَن أستعظم ذَنْب الْحجَّاج فِي جنب كرم الله الغفور الرَّحِيم
стр. 1257
على أنني مَا صليت عَلَيْهِ بِغَيْر إِذن بل خرج الْإِذْن من الدَّار المولوية وَبلغ ذَلِك مبلغ الشُّهْرَة الَّتِي لم يبْق مَعهَا شكّ وَذَلِكَ على لِسَان مترجم ينْسب الْأَمر إِلَى الْجَانِب المولوي فَلَا افتيات بعد ذَلِك بل الْوَاجِب هُوَ الْقيام بذلك وَلَو بِغَيْر إِذن إجلالا وتعظيما لجَانب مَوْلَانَا نَصره الله وَلما قَالَ ﷺ لعَلي بن أبي طَالب ﵁ فِي قَضِيَّة الحديبيه امح لَفْظَة رَسُول الله قَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَالله لَا أمحوه أبدا فتعارض وجوب امْتِثَال أَمر الرَّسُول بالمحو وَوُجُوب الإجلال لمقامه الأرفع فرجح ﵁ وجوب الإجلال ثمَّ الصَّحِيح أَن الْحُدُود كَفَّارَات فَفِي الصَّحِيح عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ وَمن أصَاب من ذَلِك شَيْئا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ اه بِاخْتِصَار
قَالَ أكنسوس وَكَانَت هَذِه الْقَضِيَّة من الْفِتَن الْعَظِيمَة بالمغرب عَمت أهل الْقطر السُّوسِي وخصت أَعْيَان غَيرهم من الْعلمَاء الَّذين كَانُوا يخالطون الْمولى مُحَمَّد الْعَالم لَوْلَا لطف الله تَعَالَى فَإِن الشَّيْخ أَبَا عبد الله المسناوي الدلائي كَانَ من أخص النَّاس بالمولى مُحَمَّد فوشى بِهِ إِلَى السُّلْطَان وَقيل لَهُ إِنَّه من شدَّة اتِّصَاله بِهِ لَا يغيب عَنهُ عزمه على الْقيام عَلَيْك فَهُوَ إِذا مُوَافق لَهُ على ذَلِك فبادر بعض أَصْحَاب السُّلْطَان مِمَّن كَانَ يجنح للمسناوي بالاعتذار عَنهُ بِأَنَّهُ كَانَ ينهاه عَن الْقيام وَأنْشد للمسناوي فِي ذَلِك
(مهلا فَإِن لكل شَيْء غَايَة ... والدهر يعكس حِيلَة الْمُحْتَال)
(فالبدر لَيْسَ يلوح سَاطِع نوره ... وَالشَّمْس فاهرة السنا فِي الْحَال)
(فَإِذا تَوَارَتْ بالحجاب فَعِنْدَ ذَا ... يَبْدُو بَدو تعزز وجمال)
فَوَقع ذَلِك من السُّلْطَان وَتحقّق بَرَاءَة الشَّيْخ رحم الله الْجَمِيع قَالَ أكنسوس وَقَوْلنَا عَمت أهل الْقطر السُّوسِي لِأَن ظُهُوره التَّام إِنَّمَا كَانَ هُنَالك وَلِأَن جلّ من ينتسب إِلَى الْعلم وَالصَّلَاح مِنْهُم كَانُوا مَعَه موافقين لَهُ ومؤيدين فعله اه قَالَ فِي نشر المثاني كَانَ الْمولى مُحَمَّد الْعَالم ماهرا فِي فنون شَتَّى كالنحو وَالْبَيَان والمنطق وَالْكَلَام وَالْأُصُول وَكَانَ ينفعل للشعر وتأخذه
стр. 1258
أريحية الْأَدَب وَكتب لَهُ أَخُوهُ مولَايَ الشريف فِي صدر كتاب بعث بِهِ إِلَيْهِ مَا خَاطب بِهِ سيف الدولة بن حمدَان أَخَاهُ نَاصِر الدولة
(رضيت لَك الْعليا وَإِن كنت أَهلهَا ... وَقلت لَهُم بيني وَبَين أخي فرق)
(أما كنت ترْضى أَن أكون مُصَليا ... إِذا كنت أرْضى أَن يكون لَك السَّبق)
فاقترح الْمولى مُحَمَّد على الشَّيْخ أبي عبد الله المسناوي أَن يَنُوب عَنهُ فِي الْجَواب لِأَنَّهُ كَانَ فِي جملَة الوافدين عَلَيْهِ حِينَئِذٍ فَقَالَ ﵀
(بلَى قد رضيت أَن تكون مجليا ... وَيَتْلُو نداكم فِي الْعلَا من لَهُ السَّبق)
(وَمَالِي لَا أرْضى لَك الْمجد كُله ... وَأَنت شَقِيق النَّفس إِن عرف الْحق)
(وَلَكِن ذَوُو الضغن انتحوا ذَات بَيْننَا ... فغادرنا إفسادهم وَبهَا رفق)
وَفِي هَذَا التَّارِيخ أَعنِي سنة سبع عشرَة وَمِائَة وَألف انتزع النجليز جبل طَارق من يَد الإصبنيول حاصره ثَلَاثَة أَيَّام برا وبحرا فِي جند يسير فملكه لاشتغال الإصبنيول يَوْمئِذٍ عَنهُ بِأَمْر الْفِتْنَة الَّتِي حدثت فِي ملكه وَلما ملكه النجليز عظم ذَلِك على أَجنَاس الفرنج خُصُوصا الإصبنيول والفرنسيس وَرَأَوا أَن النجليز قد ملك عَلَيْهِم بَاب أوروبا وَلذَا حاصروه مرَارًا فَلم يحصلوا مِنْهُ على طائل وَاسْتمرّ فِي يَده إِلَى الْآن
وَلما دخلت سنة تسع عشرَة وَمِائَة وَألف ورد الْخَبَر بِمَوْت الْمولى زَيْدَانَ ابْن السُّلْطَان بتارودانت وَحمل فِي تَابُوت إِلَى مكناسة فَدفن لَيْلًا إِلَى جَانب أَخِيه الْمولى مُحَمَّد الْعَالم
وَفِي هَذِه السّنة أَمر السُّلْطَان بهدم قصر البديع الَّذِي بناه الْمَنْصُور السَّعْدِيّ بقصبة مراكش وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ قَالَ اليفرني فِي النزهة وَمن الْعَجَائِب أَنه لم يبْق بلد من بِلَاد الْمغرب إِلَّا ودخله شَيْء من أنقاض البديع اه
ثمَّ دخلت سنة عشْرين وَمِائَة وَألف فِيهَا افْتتح التّرْك مَدِينَة وهران وَكَانَت بيد الإصبنيول مُدَّة فَردهَا الله على الْمُسلمين يَوْمئِذٍ وفيهَا أَمر السُّلْطَان بِقِرَاءَة حَدِيث الْإِنْصَات يَوْم الْجُمُعَة عِنْد خُرُوج الْخَطِيب وجلوسه على الْمِنْبَر
стр. 1259
محنة الْفَقِيه أبي مُحَمَّد عبد السَّلَام ابْن حمدون بسوس ﵀
قد تقدم لنا مَا كَانَ من أَمر السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ لعلماء عصره بِالْكِتَابَةِ على ديوَان العبيد وامتناعهم من ذَلِك وَلما كَانَت سنة عشْرين وَمِائَة وَألف تَجَدَّدَتْ المحنة وألزم الرئيس أَبُو مُحَمَّد عبد الله الروسي فُقَهَاء فاس أَن يكتبوا على الدِّيوَان الْمَذْكُور فَمن كتب نجا وَمن أَبى قبض عَلَيْهِ ثمَّ قبض على أَوْلَاد جسوس واستلب أَمْوَالهم وأجلس فقيههم الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد السَّلَام بن حمدون جسوس بِالسوقِ مُقَيّدا يتطلب الْفِدَاء ثمَّ حمل مسجونا إِلَى مكناسة
وَدخلت سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَة وَألف فَعَفَا السُّلْطَان عَن الْفَقِيه الْمَذْكُور وسرحه وَبعث بِهِ إِلَى فاس ليزعج الحراطين الَّذين بهَا إِلَى مكناسة فَقدم وأزعجهم فِي ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ كَانَ عَاقِبَة الْفَقِيه الْمَذْكُور أَن قَتله الْقَائِد أَبُو عَليّ الْحسن بن عبد الْخَالِق الروسي فَمن النَّاس من يَقُول إِن ذَلِك كَانَ بِأَمْر السُّلْطَان وَمِنْهُم من يَقُول بِغَيْر أمره اه وَقد وقفت على تَقْيِيد بِخَط شَيخنَا الْفَقِيه أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز محبوبة السلاوي ﵀ وَكَانَ وَاعِيَة يَقُول فِيهِ إِن امتحان الْفَقِيه أبي مُحَمَّد جسوس كَانَ من أجل امْتِنَاعه من الْمُوَافقَة على ديوَان الحراطين الَّذِي اخترعه عليليش المراكشي للسُّلْطَان الْجَلِيل الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ حَسْبَمَا هُوَ مَشْهُور فهجاه بعض السُّفَهَاء وهجا فاسا من أَجله وحقد عَلَيْهِ السُّلْطَان فاستصفى عَامَّة أَمْوَاله وأجرى عَلَيْهِ أَنْوَاع الْعَذَاب وبيعت دوره وأصوله وَكتبه وَجَمِيع مَا يملك هُوَ وَأَوْلَاده ونساؤه ثمَّ صَار يُطَاف بِهِ فِي الْأَسْوَاق وينادى عَلَيْهِ من يفْدي هَذَا الْأَسير وَالنَّاس ترمي عَلَيْهِ بِالدَّرَاهِمِ والحلى وَغير ذَلِك من النفائس أَيَّامًا كَثِيرَة فَيذْهب الموكلون بِهِ بِمَا يرْمى عَلَيْهِ حَيْثُ ذَهَبُوا بأمواله وَبَقِي على ذَلِك قَرِيبا من سنة فَكَانَ فِي ذَلِك محنة عَظِيمَة لَهُ ولعامة الْمُسلمين وخاصتهم وَلما دنا وَقت شَهَادَته ﵀ وَقد أيس من
стр. 1260
نَفسه كتب بِخَطِّهِ رقْعَة وأذاعها فِي النَّاس يَقُول فِيهَا مَا نَصه الْحَمد لله يشْهد الْوَاضِع اسْمه عقبه على نَفسه وَيشْهد الله تَعَالَى وَمَلَائِكَته وَجَمِيع خلقه أَنِّي مَا امْتنعت من الْمُوَافقَة على تمْلِيك من ملك من العبيد إِلَّا لِأَنِّي لم أجد لَهُ وَجها وَلَا مسلكا وَلَا رخصَة فِي الشَّرْع وَأَنِّي إِن وَافَقت عَلَيْهِ طَوْعًا أَو كرها فقد خُنْت الله وَرَسُوله وَالشَّرْع وَخفت من الخلود فِي النَّار بِسَبَبِهِ وَأَيْضًا فَإِنِّي نظرت فِي أَخْبَار الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين حِين أكْرهُوا على مَا لم يظْهر لَهُم وَجهه فِي الشَّرْع فرأيتهم مَا آثروا أَمْوَالهم وَلَا أبدانهم على دينهم خوفًا مِنْهُم على تَغْيِير الشَّرْع واغترار الْخلق بهم وَمن ظن بِي غير ذَلِك وافترى على مَا لم أَقَله وَمَا لم أَفعلهُ فَالله الْموعد بيني وَبَينه وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَالسَّلَام وَكتب عبد السَّلَام بن حمدون جسوس غفر الله ذَنبه وَستر فِي الدَّاريْنِ عَيبه صَبِيحَة يَوْم الثُّلَاثَاء الثَّالِث وَالْعِشْرين من ربيع الثَّانِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَة وَألف اه
ثمَّ بعد ذَلِك بيومين أَمر أَبُو عَليّ الروسي بقتْله فَقتل ﵀ خنقا بعد أَن تَوَضَّأ وَصلى مَا شَاءَ الله ودعا قرب السحر من لَيْلَة الْخَمِيس الْخَامِس وَالْعِشْرين من ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة وَدفن لَيْلًا على يَد الْقَائِد أبي عَليّ الروسي انْتهى مَا وَجَدْنَاهُ مُقَيّدا
وَاعْلَم أَن قَضِيَّة الْفَقِيه أبي مُحَمَّد ﵀ من القضايا الفظيعة فِي الْإِسْلَام والأسباب الَّتِي أثارتها أَولا وأكدتها ثَانِيًا حَتَّى نفذ أَمر الله فِيمَا قَضَاهُ وَقدره فِي أزله بَعْضهَا ظَاهر وَبَعضهَا خَفِي الله أعلم بحقيقته غير أَن الْمَعْرُوف من حَال الْفَقِيه الْمَذْكُور هُوَ الصلابة فِي الدّين والورع التَّام وناهيك بِشَهَادَتِهِ هَذِه دَلِيلا على ذَلِك وَقَضيته قد تَعَارَضَت فِيهَا الأنقال ودخلها التعصب فَلَا يُوقف مِنْهَا على تَحْقِيق وغفران الله وَرَاء الْجَمِيع فَإِنَّهُ تَعَالَى أهل التَّقْوَى وَأهل الْمَغْفِرَة قَالَ أَبُو عبد الله أكنسوس وَقد جرى ذكر قَضِيَّة الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد عبد السَّلَام هَذَا بِمَجْلِس السُّلْطَان المرحوم الْمولى سُلَيْمَان ابْن مُحَمَّد فَقَالَ مَا قَتله مَوْلَانَا إِسْمَاعِيل وَإِنَّمَا قَتله أهل فاس قَالَ وَلم يمكنا أَن نَسْأَلهُ عَن حَقِيقَة ذَلِك اه وَفِي شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة عزل
стр. 1261
السُّلْطَان أَبَا عَليّ الروسي عَن فاس وَولي مَكَانَهُ حمدون الروسي ثمَّ بعد مُدَّة يسيرَة أخر حمدون وأعيد أَبُو عَليّ وفيهَا قدم عبد الله الروسي وَمَعَهُ أَمر السُّلْطَان بِبيع أصُول المجاورين بالمشرق يَعْنِي بالحرمين الشريفين
ثورة الْمولى أبي النَّصْر ابْن السُّلْطَان بالسوس ومقتله ﵀
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة وَألف فِيهَا ثار أَبُو النَّصْر ابْن السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل بِبِلَاد السوس وخب فِي الْفِتْنَة وَوضع
وَفِي سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَة وَألف سرح السُّلْطَان كَاتبه الْخياط بن مَنْصُور من السجْن وولاه درعة
وَفِي سنة خمس وَعشْرين بعْدهَا قتل السُّلْطَان الْخياط الْمَذْكُور وأخاه عبد الرَّحْمَن وفيهَا ورد الْخَبَر على السُّلْطَان بِأَن أَوْلَاد دليم من عرب السوس قد قتلوا وَلَده الْمولى أَبَا النَّصْر الثائر بهَا
وَفِي سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة وَألف قتل السُّلْطَان الْقَائِد أَبَا الدشيش وَثَلَاثَة من القواد مَعَه وَسَبْعَة عشر من العبيد بمشرع الرملة وَفِي جُمَادَى الأولى من سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَألف توفيت الْحرَّة عَائِشَة مباركة زوج السُّلْطَان وَهِي أم وَلَده الْمولى أبي الْحسن عَليّ الْآتِي ذكره
وَفِي سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة وَألف سَافر ولد السُّلْطَان وَهُوَ الْمولى أَبُو مَرْوَان بن إِسْمَاعِيل إِلَى الْحجاز بِقصد الْحَج وَفِي رَمَضَان مِنْهَا بعث وَالِي وَجدّة إِلَى الحضرة مائَة رَأس من رُؤُوس بني يزناسن
وَفِي سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف ورد كتاب من السُّلْطَان إِلَى فاس يتَضَمَّن تَحْرِير أهل فاس من الكلف كلهَا ثمَّ ورد عقبه كتاب آخر يوبخهم فِيهِ ويخيرهم بَين أَن يَكُونُوا جَيْشًا أَو نَائِبه فَقَالَ رجل مِنْهُم يدعى ولد الصحراوي إِنَّمَا يكون الْكَلَام أَمَام السُّلْطَان فَقتل وَأصْبح مصلوبا فَبلغ ذَلِك السُّلْطَان فَقبض على أبي عَليّ الروسي وَأَصْحَابه وَولي على فاس
стр. 1262
حمدون الروسي ثمَّ بعد ذَلِك عمد حمدون الروسي إِلَى عبد الْخَالِق بن يُوسُف فَقتله فَقبض السُّلْطَان عَلَيْهِ وعَلى أَخِيه مَسْعُود وَولي على فاس حمو قصارة ثمَّ بعد أَيَّام قدم أَبُو عَليّ الروسي واليا على فاس وَفِي هَذِه السّنة ورد الْخَبَر بِمَوْت الْمولى أبي مَرْوَان بالمشرق وفيهَا عزل السُّلْطَان أَوْلَاده عَن الْأَعْمَال كلهَا وَلم يتْرك إِلَّا ولي الْعَهْد الْمولى أَحْمد بتادلا ثمَّ بعث وَلَده الْمولى عبد الْملك إِلَى مراكش وولاه قطر السوس واستقامت الْأُمُور وسكنت الرّعية وهدأت الْبِلَاد واشتغل السُّلْطَان بِبِنَاء قصوره وغرس بساتينه والبلاد فِي أَمن وعافية تخرج الْمَرْأَة وَالذِّمِّيّ من وَجدّة إِلَى وَادي نول فَلَا يجدان من يسألهما من أَيْن وَلَا إِلَى أَيْن مَعَ الرَّجَاء المفرط فَلَا قيمَة للقمح وَلَا للماشية والعمال تجبي الْأَمْوَال والرعايا تدفع بِلَا كلفة وَصَارَ أهل الْمغرب كفلاحي مصر يعْملُونَ ويدفعون فِي كل جُمُعَة أَو شهر أَو سنة وَمن نتج فرسا رباه حَتَّى إِذا بلغ أَن يركب دَفعه إِلَى الْعَامِل وَعشرَة مَثَاقِيل مَعَه ثمن سَرْجه هَذَا إِذا كَانَ المنتوج ذكرا فَإِذا كَانَ أُنْثَى ترك لَهُ وَيدْفَع لِلْعَامِلِ مِثْقَالا وَاحِدًا وَلم يبْق فِي هَذِه الْمدَّة بِأَرْض الْمغرب سَارِق وَلَا قَاطع طَرِيق وَمن ظهر عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك وفر فِي الْقَبَائِل قبض عَلَيْهِ بِكُل قَبيلَة مر عَلَيْهَا أَو قَرْيَة ظهر بهَا فَلَا تقله أَرض حَتَّى يُؤْتى بِهِ أَيْنَمَا كَانَ وَكلما بَات مَجْهُول حَال بحلة أَو قَرْيَة ثقف بهَا إِلَى أَن يعرف حَاله وَمن تَركه وَلم يحتط فِي أمره أَخذ بِمَا اجترحه وَأدّى مَا سَرقه أَو اقترفه من قتل أَو غَيره
وَكَانَت أَيَّامه ﵀ غزيرة الأمطار كَثِيرَة الْبركَة فِي الحراثة وَالتِّجَارَة وَغَيرهمَا من أَنْوَاع المعاش مَعَ الْأَمْن وَالْخصب والرخاء المحتد بِحَيْثُ لم يَقع غلاء طول أَيَّامه إِلَّا مرّة وَاحِدَة فَبلغ الْقَمْح فِي أَيَّامه سِتّ أَوَاقٍ للمد وَالشعِير ثَلَاث أَوَاقٍ للمد وَرَأس الضَّأْن ثَلَاث أَوَاقٍ وَرَأس الْبَقر من المثقال إِلَى المثقالين سَائِر أَيَّام الرخَاء وَالسمن وَالْعَسَل رطلان بالموزونة وَالزَّيْت أَرْبَعَة أَرْطَال بالموزونة هَكَذَا نَقله صَاحب الْبُسْتَان وَهُوَ مُخَالف لما سَيَأْتِي فِي الْحَوَادِث من أَن الجدب والغلاء قد بلغا مبلغهما أَعْوَام التسعين وَألف وَلَعَلَّ مَا ذكره صَاحب الْبُسْتَان كَانَ فِي آخر دولة السُّلْطَان الْمَذْكُور
стр. 1263
حَسْبَمَا هِيَ عَادَة الله تَعَالَى فِي مثل ذَلِك غَالِبا وَالله تَعَالَى أعلم
بِنَاء ضريحي الْإِمَامَيْنِ إِدْرِيس الْأَكْبَر والأصغر ﵄
لما كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف أَمر السُّلْطَان ﵀ بهدم قبَّة ضريح الْمولى إِدْرِيس الْأَكْبَر ﵁ بزاوية زرهون وَشِرَاء الْأُصُول الْمُجَاورَة لَهُ من جهاته الْأَرْبَع وهدمها وزيادتها فِيهِ فهدمت الْقبَّة وَجَمِيع مَا حولهَا وأعيدت على هَيْئَة بديعة وَاسْتمرّ الْبناء وَالْعَمَل فِي المشهد الشريف إِلَى أَن تمّ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف هَكَذَا فِي الْبُسْتَان وَغَيره وَقَالَ فِي نشر المثاني وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف أَمر السُّلْطَان المظفر الْمولى إِسْمَاعِيل بتجديد بِنَاء مقَام مَوْلَانَا إِدْرِيس الْأَصْغَر باني فاس حَيْثُ ضريحه بهَا وَأمر بِبِنَاء قُبَّته الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ الْآن بِمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من المحاسن الَّتِي يعز وجودهَا وَأمر بتوسعة صحن الْمَسْجِد على مَا هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْم من الْهَيْئَة الَّتِي لَا نَظِير لَهَا بفاس وَتمّ تسقيف الْقبَّة فِي آخر ذِي الْحجَّة من الْعَام الْمَذْكُور ثمَّ أَمر ﵀ بِإِقَامَة الْجُمُعَة فِيهِ فَهِيَ تُقَام فِيهِ من يَوْمئِذٍ جعل الله ذَلِك فِي ميزَان الْآمِر بِهِ وَالْمُتوَلِّيّ لَهُ آمين
وَفِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف مَاتَ الْقَائِد عبد الله الروسي بمكناسة وفيهَا غضب السُّلْطَان على أهل فاس وَبعث إِلَيْهِم حمدون الروسي وأخاه أَبَا عَليّ وَأمرهمْ بمصادرتهم وَقبض المَال مِنْهُم فبعثوا علماءهم وأشرافهم للشفاعة فَلم يقبل وشرعوا فِي دفع المَال حَتَّى لم يعرف لَهُ عدد وَلم يسلم من الغرامة أحد وتغيب النَّاس فِي تِلْكَ الْمدَّة وخلت الْمَدِينَة من ذَوي الْيَسَار
وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا فِي الْمحرم مِنْهَا خرج عَسْكَر الإصبنيول من سبتة على حِين غَفلَة من الْمُسلمين فَضربُوا فِي محلتهم واستولوا عَلَيْهَا وعَلى خباء الْقَائِد أبي الْحسن عَليّ بن عبد الله الريفي ونهبوا وَقتلُوا وسلبوا
стр. 1264
وحازوا شبارات الْمُسلمين وعساتهم وحازوا قَصَبَة آفراك وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين نَحْو ألف وَرَجَعُوا عودهم على بدئهم إِلَى سبته وَمِنْهَا ركبُوا الْبَحْر إِلَى جزيرتهم وَلم يبْق بسبتة إِلَّا سكانها ثمَّ كَانَت الكرة للْمُسلمين عَلَيْهِم بعْدهَا فَبَقيَ بأيدي الْمُسلمين مِنْهُم نَحْو ثَلَاثَة آلَاف
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف فَفِي الْمحرم مِنْهَا مَاتَ الباشا غَازِي بن شقراء صَاحب مراكش بوجدة وَفِي صفر مِنْهَا مَاتَ باعزيز بن صدوف صَاحب تارودانت وفيهَا انْتقل الْمولى عبد الْملك بن السُّلْطَان إِلَى تارودانت فاستقر بهَا إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ عِنْد التَّعَرُّض لدولته إِن شَاءَ الله
وَفَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀
كَانَت أَيَّام أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ على مَا ذكرنَا من الْأَمْن والعافية وَتَمام الضَّبْط حَتَّى لم يبْق لأهل الذعارة وَالْفساد مَحل يأوون إِلَيْهِ ويعتصمون بِهِ وَلم تقلهم أَرض وَلَا أظلتهم سَمَاء سَائِر أَيَّامه فقد كَانَ خَليفَة ونائبا عَن أَخِيه الْمولى الرشيد سبع سِنِين وسلطانا وملكا مُسْتقِلّا سبعا وَخمسين سنة حَتَّى كَانَ جهلة الْأَعْرَاب يَعْتَقِدُونَ أَنه لَا يَمُوت وَيُقَال إِن الْبَعْض من أَوْلَاده كَانُوا يستبطئون مَوته ويعبرون عَنهُ بالحي الدَّائِم وَهَذِه الْمدَّة الَّتِي استوفاها الْمولى إِسْمَاعِيل فِي الْملك وَالسُّلْطَان لم يستوفها أحد من خلفاء الْإِسْلَام وملوكه سوى الْمُسْتَنْصر العبيدي صَاحب مصر فَإِنَّهُ أَقَامَ فِي الْخلَافَة سِتِّينَ سنة لَكِن لَا سَوَاء فَإِن الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ استوفى مُدَّة الْخلَافَة بثمرتها وتملاها بِكَمَال لذتها لِأَنَّهُ وَليهَا فِي إبان اقتداره عَلَيْهَا واضطلاعه بهَا بعد سنّ الْعشْرين كَمَا مر لَا فِي مُدَّة النِّيَابَة وَلَا فِي مُدَّة الِاسْتِقْلَال وَلم يكن عَلَيْهِ استبداد لأحد وَلَا نغص عَلَيْهِ دولته منغص سوى مَا كَانَ من ثورة ابْن مُحرز وَابْنه الْمولى مُحَمَّد الْعَالم وَمن سلك سُنَنهمْ من الْقَرَابَة وَكلهمْ كَانَ يشغب فِي الْأَطْرَاف لم يحصل مِنْهُم
стр. 1265
كَبِير ضَرَر للدولة بِخِلَاف الْمُسْتَنْصر العبيدي فَإِنَّهُ ولي وَهُوَ ابْن سبع سِنِين فَكَانَ فِي صدر دولته تَحت الاستبداد وَحدث فِي أَيَّامه الغلاء الْعَظِيم
قَالَ ابْن خلكان وَهُوَ غلاء لم يعْهَد مثله بِمصْر مُنْذُ زمَان يُوسُف ﵊ وَاسْتمرّ سبع سِنِين أكل النَّاس فِيهَا بَعضهم بَعْضًا وَبيع رغيف وَاحِد بِخَمْسِينَ دِينَارا وَكَانَ الْمُسْتَنْصر فِي هَذِه الشدَّة يركب وَحده وكل من مَعَه من الْخَواص مترجلون لَيْسَ لَهُم دَوَاب يركبونها وَكَانُوا إِذا مَشوا يتساقطون فِي الطرقات من الْجُوع إِلَى غير ذَلِك فَلِذَا قُلْنَا لَا يَسْتَوِي حَال ملك الْمولى إِسْمَاعِيل وَملك الْمُسْتَنْصر رحمهمَا الله
وَلما كَانَت سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف مرض أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل مرض مَوته قَالَ فِي نشر المثاني كَانَ ابْتِدَاء مَرضه فِي ثَانِي يَوْم من جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة وَلما أحس بالضعف بعث إِلَى وَلَده الْمولى أَحْمد صَاحب تادلا يستقدمه فَقدم عَلَيْهِ وَأقَام ثَلَاثًا ثمَّ اخترمته الْمنية ﵀ يَوْم السبت الثَّامِن وَالْعِشْرين من رَجَب سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَتَوَلَّى غسله الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي الْقَاسِم العميري وَصلى عَلَيْهِ الْفَقِيه الْعَلامَة أَبُو عَليّ الْحسن بن رحال المعداني وَدفن بضريح الشَّيْخ المجذوب ﵁ من حَضْرَة مكناسة
قَالَ فِي الْبُسْتَان كَانَ السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل قد عهد بِالْأَمر إِلَى وَلَده الْمولى أَحْمد الْمَذْكُور وَكَانَ يعبر عَنهُ بولِي الْعَهْد وَأنكر أكنسوس أَن يكون السُّلْطَان الْمَذْكُور قد عهد لأحد من أَوْلَاده قَالَ كَمَا أخبرنَا بذلك السُّلْطَان الْعَالم الْمولى سُلَيْمَان بن مُحَمَّد ﵀ مرَارًا وَكَانَ يحْكى فِي ذَلِك خَبرا وَهُوَ أَن الْمولى إِسْمَاعِيل لما أَيقَن بِالْمَوْتِ دَعَا وزيره وعالم حَضرته الْكَاتِب أَبَا الْعَبَّاس اليحمدي وَقَالَ لَهُ إِنِّي فِي آخر يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا فَأَحْبَبْت أَن تُشِير عَليّ بِمن أقلده هَذَا الْأَمر من وَلَدي لِأَنَّك أعرف بأحوالهم مني فَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا لقد كلفتني أمرا عَظِيما وَأَنا أَقُول الْحق أَنه لَا ولد لَك تقلده أَمر الْمُسلمين كَانَ لَك ثَلَاثَة الْمولى مُحرز وَالْمولى الْمَأْمُون وَالْمولى مُحَمَّد فقبضهم الله إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان جَزَاك الله خيرا وودعه
следующие страницы →