Полный текст (1 747 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
السُّلْطَان أَبَا عَليّ الروسي عَن فاس وَولي مَكَانَهُ حمدون الروسي ثمَّ بعد مُدَّة يسيرَة أخر حمدون وأعيد أَبُو عَليّ وفيهَا قدم عبد الله الروسي وَمَعَهُ أَمر السُّلْطَان بِبيع أصُول المجاورين بالمشرق يَعْنِي بالحرمين الشريفين
ثورة الْمولى أبي النَّصْر ابْن السُّلْطَان بالسوس ومقتله ﵀
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة وَألف فِيهَا ثار أَبُو النَّصْر ابْن السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل بِبِلَاد السوس وخب فِي الْفِتْنَة وَوضع
وَفِي سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَة وَألف سرح السُّلْطَان كَاتبه الْخياط بن مَنْصُور من السجْن وولاه درعة
وَفِي سنة خمس وَعشْرين بعْدهَا قتل السُّلْطَان الْخياط الْمَذْكُور وأخاه عبد الرَّحْمَن وفيهَا ورد الْخَبَر على السُّلْطَان بِأَن أَوْلَاد دليم من عرب السوس قد قتلوا وَلَده الْمولى أَبَا النَّصْر الثائر بهَا
وَفِي سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة وَألف قتل السُّلْطَان الْقَائِد أَبَا الدشيش وَثَلَاثَة من القواد مَعَه وَسَبْعَة عشر من العبيد بمشرع الرملة وَفِي جُمَادَى الأولى من سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَألف توفيت الْحرَّة عَائِشَة مباركة زوج السُّلْطَان وَهِي أم وَلَده الْمولى أبي الْحسن عَليّ الْآتِي ذكره
وَفِي سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة وَألف سَافر ولد السُّلْطَان وَهُوَ الْمولى أَبُو مَرْوَان بن إِسْمَاعِيل إِلَى الْحجاز بِقصد الْحَج وَفِي رَمَضَان مِنْهَا بعث وَالِي وَجدّة إِلَى الحضرة مائَة رَأس من رُؤُوس بني يزناسن
وَفِي سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف ورد كتاب من السُّلْطَان إِلَى فاس يتَضَمَّن تَحْرِير أهل فاس من الكلف كلهَا ثمَّ ورد عقبه كتاب آخر يوبخهم فِيهِ ويخيرهم بَين أَن يَكُونُوا جَيْشًا أَو نَائِبه فَقَالَ رجل مِنْهُم يدعى ولد الصحراوي إِنَّمَا يكون الْكَلَام أَمَام السُّلْطَان فَقتل وَأصْبح مصلوبا فَبلغ ذَلِك السُّلْطَان فَقبض على أبي عَليّ الروسي وَأَصْحَابه وَولي على فاس
стр. 1262
حمدون الروسي ثمَّ بعد ذَلِك عمد حمدون الروسي إِلَى عبد الْخَالِق بن يُوسُف فَقتله فَقبض السُّلْطَان عَلَيْهِ وعَلى أَخِيه مَسْعُود وَولي على فاس حمو قصارة ثمَّ بعد أَيَّام قدم أَبُو عَليّ الروسي واليا على فاس وَفِي هَذِه السّنة ورد الْخَبَر بِمَوْت الْمولى أبي مَرْوَان بالمشرق وفيهَا عزل السُّلْطَان أَوْلَاده عَن الْأَعْمَال كلهَا وَلم يتْرك إِلَّا ولي الْعَهْد الْمولى أَحْمد بتادلا ثمَّ بعث وَلَده الْمولى عبد الْملك إِلَى مراكش وولاه قطر السوس واستقامت الْأُمُور وسكنت الرّعية وهدأت الْبِلَاد واشتغل السُّلْطَان بِبِنَاء قصوره وغرس بساتينه والبلاد فِي أَمن وعافية تخرج الْمَرْأَة وَالذِّمِّيّ من وَجدّة إِلَى وَادي نول فَلَا يجدان من يسألهما من أَيْن وَلَا إِلَى أَيْن مَعَ الرَّجَاء المفرط فَلَا قيمَة للقمح وَلَا للماشية والعمال تجبي الْأَمْوَال والرعايا تدفع بِلَا كلفة وَصَارَ أهل الْمغرب كفلاحي مصر يعْملُونَ ويدفعون فِي كل جُمُعَة أَو شهر أَو سنة وَمن نتج فرسا رباه حَتَّى إِذا بلغ أَن يركب دَفعه إِلَى الْعَامِل وَعشرَة مَثَاقِيل مَعَه ثمن سَرْجه هَذَا إِذا كَانَ المنتوج ذكرا فَإِذا كَانَ أُنْثَى ترك لَهُ وَيدْفَع لِلْعَامِلِ مِثْقَالا وَاحِدًا وَلم يبْق فِي هَذِه الْمدَّة بِأَرْض الْمغرب سَارِق وَلَا قَاطع طَرِيق وَمن ظهر عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك وفر فِي الْقَبَائِل قبض عَلَيْهِ بِكُل قَبيلَة مر عَلَيْهَا أَو قَرْيَة ظهر بهَا فَلَا تقله أَرض حَتَّى يُؤْتى بِهِ أَيْنَمَا كَانَ وَكلما بَات مَجْهُول حَال بحلة أَو قَرْيَة ثقف بهَا إِلَى أَن يعرف حَاله وَمن تَركه وَلم يحتط فِي أمره أَخذ بِمَا اجترحه وَأدّى مَا سَرقه أَو اقترفه من قتل أَو غَيره
وَكَانَت أَيَّامه ﵀ غزيرة الأمطار كَثِيرَة الْبركَة فِي الحراثة وَالتِّجَارَة وَغَيرهمَا من أَنْوَاع المعاش مَعَ الْأَمْن وَالْخصب والرخاء المحتد بِحَيْثُ لم يَقع غلاء طول أَيَّامه إِلَّا مرّة وَاحِدَة فَبلغ الْقَمْح فِي أَيَّامه سِتّ أَوَاقٍ للمد وَالشعِير ثَلَاث أَوَاقٍ للمد وَرَأس الضَّأْن ثَلَاث أَوَاقٍ وَرَأس الْبَقر من المثقال إِلَى المثقالين سَائِر أَيَّام الرخَاء وَالسمن وَالْعَسَل رطلان بالموزونة وَالزَّيْت أَرْبَعَة أَرْطَال بالموزونة هَكَذَا نَقله صَاحب الْبُسْتَان وَهُوَ مُخَالف لما سَيَأْتِي فِي الْحَوَادِث من أَن الجدب والغلاء قد بلغا مبلغهما أَعْوَام التسعين وَألف وَلَعَلَّ مَا ذكره صَاحب الْبُسْتَان كَانَ فِي آخر دولة السُّلْطَان الْمَذْكُور
стр. 1263
حَسْبَمَا هِيَ عَادَة الله تَعَالَى فِي مثل ذَلِك غَالِبا وَالله تَعَالَى أعلم
بِنَاء ضريحي الْإِمَامَيْنِ إِدْرِيس الْأَكْبَر والأصغر ﵄
لما كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف أَمر السُّلْطَان ﵀ بهدم قبَّة ضريح الْمولى إِدْرِيس الْأَكْبَر ﵁ بزاوية زرهون وَشِرَاء الْأُصُول الْمُجَاورَة لَهُ من جهاته الْأَرْبَع وهدمها وزيادتها فِيهِ فهدمت الْقبَّة وَجَمِيع مَا حولهَا وأعيدت على هَيْئَة بديعة وَاسْتمرّ الْبناء وَالْعَمَل فِي المشهد الشريف إِلَى أَن تمّ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف هَكَذَا فِي الْبُسْتَان وَغَيره وَقَالَ فِي نشر المثاني وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف أَمر السُّلْطَان المظفر الْمولى إِسْمَاعِيل بتجديد بِنَاء مقَام مَوْلَانَا إِدْرِيس الْأَصْغَر باني فاس حَيْثُ ضريحه بهَا وَأمر بِبِنَاء قُبَّته الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ الْآن بِمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من المحاسن الَّتِي يعز وجودهَا وَأمر بتوسعة صحن الْمَسْجِد على مَا هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْم من الْهَيْئَة الَّتِي لَا نَظِير لَهَا بفاس وَتمّ تسقيف الْقبَّة فِي آخر ذِي الْحجَّة من الْعَام الْمَذْكُور ثمَّ أَمر ﵀ بِإِقَامَة الْجُمُعَة فِيهِ فَهِيَ تُقَام فِيهِ من يَوْمئِذٍ جعل الله ذَلِك فِي ميزَان الْآمِر بِهِ وَالْمُتوَلِّيّ لَهُ آمين
وَفِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف مَاتَ الْقَائِد عبد الله الروسي بمكناسة وفيهَا غضب السُّلْطَان على أهل فاس وَبعث إِلَيْهِم حمدون الروسي وأخاه أَبَا عَليّ وَأمرهمْ بمصادرتهم وَقبض المَال مِنْهُم فبعثوا علماءهم وأشرافهم للشفاعة فَلم يقبل وشرعوا فِي دفع المَال حَتَّى لم يعرف لَهُ عدد وَلم يسلم من الغرامة أحد وتغيب النَّاس فِي تِلْكَ الْمدَّة وخلت الْمَدِينَة من ذَوي الْيَسَار
وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا فِي الْمحرم مِنْهَا خرج عَسْكَر الإصبنيول من سبتة على حِين غَفلَة من الْمُسلمين فَضربُوا فِي محلتهم واستولوا عَلَيْهَا وعَلى خباء الْقَائِد أبي الْحسن عَليّ بن عبد الله الريفي ونهبوا وَقتلُوا وسلبوا
стр. 1264
وحازوا شبارات الْمُسلمين وعساتهم وحازوا قَصَبَة آفراك وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين نَحْو ألف وَرَجَعُوا عودهم على بدئهم إِلَى سبته وَمِنْهَا ركبُوا الْبَحْر إِلَى جزيرتهم وَلم يبْق بسبتة إِلَّا سكانها ثمَّ كَانَت الكرة للْمُسلمين عَلَيْهِم بعْدهَا فَبَقيَ بأيدي الْمُسلمين مِنْهُم نَحْو ثَلَاثَة آلَاف
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف فَفِي الْمحرم مِنْهَا مَاتَ الباشا غَازِي بن شقراء صَاحب مراكش بوجدة وَفِي صفر مِنْهَا مَاتَ باعزيز بن صدوف صَاحب تارودانت وفيهَا انْتقل الْمولى عبد الْملك بن السُّلْطَان إِلَى تارودانت فاستقر بهَا إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ عِنْد التَّعَرُّض لدولته إِن شَاءَ الله
وَفَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀
كَانَت أَيَّام أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ على مَا ذكرنَا من الْأَمْن والعافية وَتَمام الضَّبْط حَتَّى لم يبْق لأهل الذعارة وَالْفساد مَحل يأوون إِلَيْهِ ويعتصمون بِهِ وَلم تقلهم أَرض وَلَا أظلتهم سَمَاء سَائِر أَيَّامه فقد كَانَ خَليفَة ونائبا عَن أَخِيه الْمولى الرشيد سبع سِنِين وسلطانا وملكا مُسْتقِلّا سبعا وَخمسين سنة حَتَّى كَانَ جهلة الْأَعْرَاب يَعْتَقِدُونَ أَنه لَا يَمُوت وَيُقَال إِن الْبَعْض من أَوْلَاده كَانُوا يستبطئون مَوته ويعبرون عَنهُ بالحي الدَّائِم وَهَذِه الْمدَّة الَّتِي استوفاها الْمولى إِسْمَاعِيل فِي الْملك وَالسُّلْطَان لم يستوفها أحد من خلفاء الْإِسْلَام وملوكه سوى الْمُسْتَنْصر العبيدي صَاحب مصر فَإِنَّهُ أَقَامَ فِي الْخلَافَة سِتِّينَ سنة لَكِن لَا سَوَاء فَإِن الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ استوفى مُدَّة الْخلَافَة بثمرتها وتملاها بِكَمَال لذتها لِأَنَّهُ وَليهَا فِي إبان اقتداره عَلَيْهَا واضطلاعه بهَا بعد سنّ الْعشْرين كَمَا مر لَا فِي مُدَّة النِّيَابَة وَلَا فِي مُدَّة الِاسْتِقْلَال وَلم يكن عَلَيْهِ استبداد لأحد وَلَا نغص عَلَيْهِ دولته منغص سوى مَا كَانَ من ثورة ابْن مُحرز وَابْنه الْمولى مُحَمَّد الْعَالم وَمن سلك سُنَنهمْ من الْقَرَابَة وَكلهمْ كَانَ يشغب فِي الْأَطْرَاف لم يحصل مِنْهُم
стр. 1265
كَبِير ضَرَر للدولة بِخِلَاف الْمُسْتَنْصر العبيدي فَإِنَّهُ ولي وَهُوَ ابْن سبع سِنِين فَكَانَ فِي صدر دولته تَحت الاستبداد وَحدث فِي أَيَّامه الغلاء الْعَظِيم
قَالَ ابْن خلكان وَهُوَ غلاء لم يعْهَد مثله بِمصْر مُنْذُ زمَان يُوسُف ﵊ وَاسْتمرّ سبع سِنِين أكل النَّاس فِيهَا بَعضهم بَعْضًا وَبيع رغيف وَاحِد بِخَمْسِينَ دِينَارا وَكَانَ الْمُسْتَنْصر فِي هَذِه الشدَّة يركب وَحده وكل من مَعَه من الْخَواص مترجلون لَيْسَ لَهُم دَوَاب يركبونها وَكَانُوا إِذا مَشوا يتساقطون فِي الطرقات من الْجُوع إِلَى غير ذَلِك فَلِذَا قُلْنَا لَا يَسْتَوِي حَال ملك الْمولى إِسْمَاعِيل وَملك الْمُسْتَنْصر رحمهمَا الله
وَلما كَانَت سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف مرض أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل مرض مَوته قَالَ فِي نشر المثاني كَانَ ابْتِدَاء مَرضه فِي ثَانِي يَوْم من جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة وَلما أحس بالضعف بعث إِلَى وَلَده الْمولى أَحْمد صَاحب تادلا يستقدمه فَقدم عَلَيْهِ وَأقَام ثَلَاثًا ثمَّ اخترمته الْمنية ﵀ يَوْم السبت الثَّامِن وَالْعِشْرين من رَجَب سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَتَوَلَّى غسله الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي الْقَاسِم العميري وَصلى عَلَيْهِ الْفَقِيه الْعَلامَة أَبُو عَليّ الْحسن بن رحال المعداني وَدفن بضريح الشَّيْخ المجذوب ﵁ من حَضْرَة مكناسة
قَالَ فِي الْبُسْتَان كَانَ السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل قد عهد بِالْأَمر إِلَى وَلَده الْمولى أَحْمد الْمَذْكُور وَكَانَ يعبر عَنهُ بولِي الْعَهْد وَأنكر أكنسوس أَن يكون السُّلْطَان الْمَذْكُور قد عهد لأحد من أَوْلَاده قَالَ كَمَا أخبرنَا بذلك السُّلْطَان الْعَالم الْمولى سُلَيْمَان بن مُحَمَّد ﵀ مرَارًا وَكَانَ يحْكى فِي ذَلِك خَبرا وَهُوَ أَن الْمولى إِسْمَاعِيل لما أَيقَن بِالْمَوْتِ دَعَا وزيره وعالم حَضرته الْكَاتِب أَبَا الْعَبَّاس اليحمدي وَقَالَ لَهُ إِنِّي فِي آخر يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا فَأَحْبَبْت أَن تُشِير عَليّ بِمن أقلده هَذَا الْأَمر من وَلَدي لِأَنَّك أعرف بأحوالهم مني فَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا لقد كلفتني أمرا عَظِيما وَأَنا أَقُول الْحق أَنه لَا ولد لَك تقلده أَمر الْمُسلمين كَانَ لَك ثَلَاثَة الْمولى مُحرز وَالْمولى الْمَأْمُون وَالْمولى مُحَمَّد فقبضهم الله إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان جَزَاك الله خيرا وودعه
стр. 1266
وَانْصَرف وَلم يعْهَد لأحد وَإِنَّمَا العبيد كَانُوا يقدمُونَ من شاؤوا ويؤخرون من شاؤوا وَكَانَ الْمولى سُلَيْمَان ﵀ يَحْكِي ذَلِك عِنْدَمَا يعرض لَهُ ذكر أَوْلَاده هُوَ وَالله أعلم
بَقِيَّة أَخْبَار الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ ومآثره وَسيرَته
قَالَ اليفرني فِي النزهة لم يزل أَمِير الْمُؤمنِينَ إِسْمَاعِيل ﵀ فِي مقارعة أعدائه إِلَى أَن دوخ بِلَاد الْمغرب كلهَا وَاسْتولى على سهلها ووعرها وَاسْتولى على تخوم السودَان وانْتهى مِنْهَا إِلَى مَا وَرَاء النّيل وانتشرت دولته فِي عمائرها وَبلغ من ذَلِك مَا لم يبلغهُ الْمَنْصُور السَّعْدِيّ وامتدت مَمْلَكَته فِي جِهَة الشرق إِلَى بسكرة من بِلَاد الجريد ونواحي تلمسان وَالله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته اه وَقَالَ فِي الْبُسْتَان كَانَ للْمولى إِسْمَاعِيل من الْوَلَد على مَا تَوَاتر بِهِ الْخَبَر خَمْسمِائَة ولد ذكر وَمن الْبَنَات مثل ذَلِك أَو قريب مِنْهُ قَالَ وَالَّذِي عقب من أَوْلَاده على مَا رَأَيْنَاهُ عيَانًا فِي دفتر السُّلْطَان الْمولى مُحَمَّد بن عبد الله إِذْ كَانَ يصلهم فِي كل سنة وَكَانَ يَبْعَثنِي لتفرقة الصِّلَة عَلَيْهِم بسجلماسة مائَة دَار وَخمْس دور كلهَا لأولاده لصلبه وَأما الَّذين لم يعقبوا أَو عقبوا وأنقطع نسلهم فليسوا فِي الدفتر وَأما الحفدة والأسباط فَكَانَ عَددهمْ فِي أَيَّام السُّلْطَان الْمولى مُحَمَّد بن عبد الله ألفا وَخَمْسمِائة وَسِتِّينَ وَقد زادوا الْيَوْم فِي دولة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان بن مُحَمَّد وَلم يزل يصلهم إِلَى الْآن على مَا فِي دفتر وَالِده وَمن زَاد يُزَاد لَهُ قَالَ وَأما مَا أدركناه من أَوْلَاد الْمولى إِسْمَاعِيل لصلبه فِي دولة السُّلْطَان الْمولى مُحَمَّد فثمانية وَعِشْرُونَ رجلا نعرفهم بِالِاسْمِ وَالْعين وَمن بَنَاته لصلبه مثل ذَلِك قد أنزلهن السُّلْطَان بقصر حمو بن بكة ورتب لَهُنَّ الْمُؤْنَة وَالْكِسْوَة والصلة فِي كل سنة وَأنزل مَعَهُنَّ الحوافد اللَّاتِي لَا أَزوَاج لَهُنَّ وكل وَاحِدَة من هَذِه الدّور الْمِائَة
стр. 1267
وَالْخمس الَّتِي بسجلماسة لوَاحِد من أَوْلَاد صلبه لِأَنَّهُ كَانَ ﵀ إِذا رأى أحدا من أَوْلَاده الَّذين لم يرد إقامتهم مَعَه بالمغرب قد بلغ أرْسلهُ إِلَى سجلماسة وَبني لَهُ بهَا قصرا أَو دَارا وَأَعْطَاهُ نخلا وأرضا للحراسة والفلاحة ومماليك يقومُونَ لَهُ بِخِدْمَة أَصله وحراثة أرضه فِي الشتَاء والصيف وَيُعْطِي كل وَاحِد من ذَلِك على قدر مرتبته عِنْده ومنزلة أمه مِنْهُ فتناسلت أَوْلَادهم ونمت فروعهم ووفر الله جمعهم وَحفظ نظامهم وَكَانَ ﵀ سديد النّظر فِي نقل أَوْلَاده بأمهاتهم من مكناسة إِلَى تافيلالت مَعَ بني عمهم من الْأَشْرَاف ليتدربوا على معيشتها الَّتِي تدوم لَهُم فَكَانَ ذَلِك صونا لَهُم من نكبات الدَّهْر وفضيحة الْخَصَاصَة بعد مَوته وَزَوَال النِّعْمَة وانزواء رِدَاء الْملك السَّاتِر لَهُم بَين الْعَامَّة فنجحوا وأفلحوا بِخِلَاف إخْوَانهمْ الَّذين ربوا بمكناسة واستمروا بهَا إِلَى أَن توفّي والدهم وألفوا عوائدهم ومرنوا على شهواتهم فَإِنَّهُم لم ينم لَهُم نسل كإخوانهم الَّذين بالصحراء هَذَا مَا يتَعَلَّق بِنَسْل السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل
وَأما مبانيه بقلعة مكناسة وقصوره ومساجده ومدارسه وبساتينه فشيء فَوق الْمَعْهُود بِحَيْثُ تعجز عَنهُ الدول الْقَدِيمَة والحادثة من الْفرس واليونان وَالروم وَالْعرب وَالتّرْك فَلَا يلْحق ضخامة مصانعه مَا شيده الأكاسرة بِالْمَدَائِنِ وَلَا الفراعنة بِمصْر وَلَا مُلُوك الرّوم برومة والقسطنطينية وَلَا اليونان بأنطاكية والإسكندرية وَلَا مُلُوك الْإِسْلَام ودولة الْعِظَام كبني أُميَّة بِدِمَشْق وَبني الْعَبَّاس بِبَغْدَاد والعبيديين بإفريقيا ومصر والمرابطين والموحدين وَبني مرين والسعديين بالمغرب وَمَا بديع الْمَنْصُور بقصر من قصوره وَلَا بُسْتَان المسرة بِأحد بساتينه فقد كَانَ عِنْده بجنان حمرية مائَة ألف قعدة من شجر الزَّيْتُون وحبسه كُله على الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَمَرَّتْ عَلَيْهِ بعد وَفَاته العصور وَأَيَّام الفترة والفتن وَالنَّاس يحتطبونه فَلم يظْهر فِيهِ أثر من ذَلِك وَلما بُويِعَ السُّلْطَان الْمولى مُحَمَّد بن عبد الله أَحْيَاهُ وأجرى المَاء إِلَيْهِ وَأمر بإحصاء مَا بَقِي من شَجَرَة فوجدوه سِتِّينَ ألفا فَكَانَ ﵀ يبْعَث بِثمن غَلَّته إِلَى الْحَرَمَيْنِ تنفيذا لمراد جده وَكَذَا ابْنه الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله
стр. 1268
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان وَلَقَد شاهدت الْكثير من آثَار الدول فَمَا رَأَيْت أثرا أعظم من آثاره وَلَا بِنَاء أضخم من بنائِهِ وَلَا أَكثر عددا من قصوره لِأَن هَؤُلَاءِ الدول كَانَ من اعتنى مِنْهُم بِأَمْر الْبناء غَايَة أمره أَن يَبْنِي قصرا ويتأنق فِي تشييده وتنجيده وَهَذَا السُّلْطَان لم يقْتَصر على قصر وَلَا على عشرَة وَلَا عشْرين بل جعل مباني الْعَالم كلهَا فِي بطن تِلْكَ القلعة المكناسية كَمَا قيل كل الصَّيْد فِي جَوف الفرأ هَذَا كَلَام صَاحب الْبُسْتَان ﵀ ثمَّ قَالَ
وَكَانَ فِي سجونه من الْأُسَارَى خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا ونيفا كَانُوا يعْملُونَ فِي بِنَاء قصوره مِنْهُم الرخامون والنقاشون والنجارون والحدادون والمنجمون والمهندسون والأطباء وَلم تسمح نَفسه قطّ بِفِدَاء أَسِير
وَكَانَ فِي سجونه من أهل الجرائم كالقاتل والمحارب وَالسَّارِق نَحْو الثَّلَاثِينَ ألفا تظل فِي الْعَمَل مَعَ أسرى الْكفَّار ويبيتون فِي السجون والأهراء تَحت الأَرْض وَمن مَاتَ مِنْهُم دفن فِي الْبناء حَتَّى لم يبْق بالمغرب من أهل الْفساد عرق ينبض وَمِمَّا مدح بِهِ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ قَول الْفَقِيه الأديب أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الْجُزُولِيّ من قصيدة لَهُ
(مولَايَ إِسْمَاعِيل يَا شمس الورى ... يَا من جَمِيع الكائنات فدى لَهُ)
(مَا أَنْت إِلَّا سيف حق منتضى ... الله من دون الْبَريَّة سَله)
(من لَا يرى لَك طَاعَة فَالله قد ... أعماه عَن طرق الْهدى وأضله)
ولنذكر مَا سلف فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث
فَفِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف توفّي الشَّيْخ أَبُو عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد الْمفضل بن الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس أَحْمد المرسي ابْن الشَّيْخ الْأَكْبَر أبي عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد الشَّرْقِي كَانَ ﵀ صَالحا خيرا من فضلاء عصره حَافِظًا لِلْقُرْآنِ بالسبع قد اشْتهر قدره فِي النَّاس كثيرا وَكَانَ يفر من ذَلِك وَإِذا سَأَلَهُ أحد أَن يَتَّخِذهُ شَيخا يَقُول نَحن إخْوَة فِي الله وَالدِّرْهَم الْكَامِل ينْفق مِنْهُ أَخذ الْقرَاءَات عَن الْفَقِيه الْأُسْتَاذ أبي عبد الرَّحْمَن بن القَاضِي وَكتب لَهُ الْإِجَازَة بذلك وَكَانَ لَهُ نصيب من الْعُلُوم سوى الْقرَاءَات وانتسب فِي
стр. 1269
الطَّرِيق للْوَلِيّ الصَّالح أبي عبد الله مُحَمَّد الحفيان الرتبي السجلماسي من أَصْحَاب الشَّيْخ أبي عبيد الشَّرْقِي وَتخرج عَلَيْهِ نجباء من طلبة الْقرَاءَات وَكَانَ ﵀ كثير الطَّعَام بزاوية جده أبي عبيد الشَّرْقِي ثمَّ انْتقل الى نَاحيَة سلا فسكن بأحوازها وَبَقِي هُنَالك إِلَى أَن مَاتَ فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور فَحمل إِلَى الْمَدِينَة الْمَذْكُورَة وَدفن بطالعتها قرب الْمَسْجِد الْأَعْظَم وقبره الْيَوْم مزارة عَظِيمَة وَكَانَ لَهُ كَلَام كثير على طَرِيق العروبي الملحون خَاطب بِهِ الرئيس مُحَمَّد الْحَاج الدلائي حِين مشت الوشاة بَينهمَا فَوَقَعت من أجل ذَلِك بَينهمَا مكاتبات ومعاتبات رحمهمَا الله
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف توفّي الشَّيْخ الرباني أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم ابْن احْمَد بن عبد الله بن حُسَيْن المصلوحي دَفِين تامصلوحت من أَعمال مراكش وَقد تقدم التَّنْبِيه على وَفَاة جده أبي مُحَمَّد عبد الله بن حُسَيْن الْمَذْكُور وَكَانَت لَهُ شهرة عَظِيمَة وَكَانَ ابْتِدَاء أمره أَنه تلمذ لَهُ طَائِفَة من الْفُقَرَاء بمراكش وَاجْتمعَ عَلَيْهِ نَاس فَأنْكر ذَلِك السُّلْطَان زَيْدَانَ بن الْمَنْصُور وَأمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فَخرج إِلَى قَبيلَة سكتانة حَيْثُ ضريحه الْيَوْم فاستقر بهَا إِلَى أَن توفّي وَكَانَ يَقُول لَا يأتينا إِلَّا من أَمنه الله لِأَن مقامنا هَذَا مقَام إِبْرَاهِيم وَمن دخله كَانَ آمنا وَكَانَ يَقُول دَارنَا دَار سر لَا دَار علم وَكَانَ إِذا دخل شهر الْمحرم ترك حلق الشّعْر والزينة فَإِذا ليم على ذَلِك قَالَ مَا فعلنَا هَذَا الا امتعاضا لقتل الْحُسَيْن ﵁ وأسفا على مَا وَقع بِهِ وَكَانَ يعْمل السماع ويجتمع أَصْحَابه على الحضرة على الْكَيْفِيَّة الْمَعْهُودَة وَرُبمَا تواجد فَدخل مَعَهم وَكَانَت لَهُ مُشَاركَة فِي الْعُلُوم أَخذ عَن الشَّيْخ المنجور وَأبي مُحَمَّد بن طَاهِر الحسني وَأبي مهْدي السكتاني وَغَيرهم وَتُوفِّي فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم عَن سنّ عالية يُقَال أناف على الْمِائَة وبنيت عَلَيْهِ قبَّة حافلة وقبره الْيَوْم مزارة عَظِيمَة
وَفِي أَوَاخِر سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف مَعَ السّنة الَّتِي بعْدهَا حدثت مجاعَة عَظِيمَة بالمغرب لَا سِيمَا فاس وأعمالها أكل النَّاس فِيهَا الْجِيَف وَالدَّوَاب والآدمي وخلت الدّور وعطلت الْمَسَاجِد ثمَّ تدارك الله عباده بِلُطْفِهِ
стр. 1270
وَفِي سنة خمس وَسبعين وَألف فِي عَاشر رَمَضَان مِنْهَا وَقعت زَلْزَلَة عَظِيمَة بفاس وَغَيرهَا من بِلَاد الْمغرب قَالَ الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْهَادِي الشريف السجلماسي وَقعت الزلزلة فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور وَنحن بِمَجْلِس البُخَارِيّ عِنْد شيخ الْجَمَاعَة الإِمَام أبي مُحَمَّد عبد الْقَادِر الفاسي ﵀ فَقَامَ كل من بِالْمَجْلِسِ حَتَّى الشَّيْخ ظنا منا أَن السّقف يسْقط علينا لِأَن خشبه صوتت وَخرج سرعَان النَّاس يَلْتَمِسُونَ الْخَبَر فَأخْبر بهَا كل من كَانَ رَاقِدًا أَو جَالِسا حَتَّى النَّائِم انتبه وَمن كَانَ مَاشِيا لم يشْعر بهَا فَسئلَ الشَّيْخ عَن ذَلِك وَهل هُوَ كَمَا تزْعم الْعَامَّة من أَن الثور الَّذِي عَلَيْهِ الدُّنْيَا أَو الْحُوت يَتَحَرَّك فَأجَاب بِأَن ذَلِك بَاطِل لَا أصل لَهُ وتلا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا تخويفا﴾ الاسراء ٥٩ وَقَالَ أَيْضا ذكر بعض الْحُكَمَاء أَن ذَلِك يَقع فِي اختناق الرّيح فِي جَوف الأَرْض
وَفِي يَوْم الأثنين الثَّامِن وَالْعِشْرين من رَجَب سنة سبع وَسبعين وَألف توفّي البهلول المتبرك بِهِ سَيِّدي قَاسم بن أَحْمد بوعسرية الْمَعْرُوف بِابْن اللوشة دَفِين ضفة وَادي أرضم من بِلَاد آزغار وَلم يتَزَوَّج قطّ فَلم يكن لَهُ عقب هَكَذَا فِي نشر المثاني وَلَعَلَّه تَصْحِيف وَالصَّوَاب مَا يَأْتِي من أَنه توفّي سنة سبع وَتِسْعين بمثناة بمهملتين وَالله أعلم
وَفِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف توفّي شيخ السّنة وَإِمَام الطَّرِيقَة أَبُو عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن نَاصِر بن عَمْرو الدرعي ثمَّ الأغلاني الشهير بِابْن نَاصِر نِسْبَة إِلَى جده الْمَذْكُور فِي النّسَب قَالَ تِلْمِيذه الشَّيْخ أَبُو عَليّ اليوسي فِي فهرسته كَانَ الشَّيْخ ﵁ مشاركا فِي فنون من الْعلم كالفقه والعربية وَالْكَلَام وَالتَّفْسِير والْحَدِيث والتصوف عابدا ناسكا ورعا زاهدا عَارِفًا قَائِما بالطريقة شاربا من عين الْحَقِيقَة وَكَانَ ﵁ مَعَ إكبابه على عُلُوم الْقَوْم وانتهاجه مَنْهَج الطَّرِيقَة لَا يخل بِعلم الظَّاهِر تدريسا وتأليفا وتقييدا وضبطا فنفع الله بِهِ الْفَرِيقَيْنِ وَصَحبه النَّاس شرقا وغربا فَانْتَفع بِهِ الْخلق قَائِما بالتعليم والتربية للمريدين بقوله وَفعله والترقية بهمته عَن همة عالية وَحَالَة مرضية وَعلم
стр. 1271
صَحِيح وبصيرة ونورانية مَعَ التَّمَكُّن والرسوخ فَكَانَ إِذا تكلم انتقش كَلَامه فِي الْقلب وَإِذا وعظ وضع الهناء مَوَاضِع النقب ثمَّ أَطَالَ الشَّيْخ اليوسي فِي تَرْجَمته وَذكر لَهُ كرامات عديدة وَقد أفْصح عَن حَاله وَوَصفه فِي قصيدته الدالية الْمَشْهُورَة الْمَوْضُوعَة فِي مدحه وأتى فِيهَا من الإجلال لهَذَا الشَّيْخ والتعظيم بِمَا كَانَ سَبَب ربحه وَلِهَذَا الشَّيْخ شُيُوخ وَأَتْبَاع معروفون فِي كتب الْأَئِمَّة الَّذين تعرضوا لبَيَان ذَلِك وطريقته الْمُتَّصِلَة برَسُول الله ﷺ مَعْرُوفَة أَيْضا وَكَانَ وَالِده سَيِّدي مُحَمَّد بن أَحْمد من أكَابِر الْأَوْلِيَاء كثير الأوراد لَا يفتر لِسَانه عَن الْأَذْكَار حَسْبَمَا نَقله غير وَاحِد وَالله تَعَالَى أعلم
قَالَ مُؤَلفه عفى الله عَنهُ وَهَذَا الشَّيْخ هُوَ جدنا وَإِلَيْهِ ننتسب فَأَنا أَحْمد بن خَالِد بن حَمَّاد بن مُحَمَّد الْكَبِير بن أَحْمد بن مُحَمَّد الصَّغِير بِفَتْح الْمِيم ابْن مُحَمَّد بن نَاصِر الشَّيْخ الْمَذْكُور نفعنا الله بِهِ وأفاض علينا من مدده ومدد أَمْثَاله وأسلافنا ينتسبون بعد الشَّيْخ الْمَذْكُور إِلَى سيدنَا جَعْفَر ابْن أبي طَالب ﵁ وَلست الْآن من ذَلِك على تَحْقِيق ولعلنا نحققه فِي مَوضِع آخر إِن شَاءَ الله
وَفِي حُدُود التسعين وَألف كَانَ انحباس الْمَطَر والغلاء قَالَ الشريف أَبُو عبد الله مُحَمَّد الطّيب القادري فِي الأزهار الندية أَن الْقَمْح قد بلغ فِي هَذِه الْمدَّة إِلَى أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة للمد بِسَبَب تَأَخّر الْمَطَر وَالْمدّ صَاع وَنصف وَصلى النَّاس صَلَاة الاسْتِسْقَاء فَأول إِمَام خطب فِيهَا القَاضِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بردلة وكررها ثَلَاث مَرَّات فَنزل مطر يسير لم يكف ثمَّ أُعِيدَت الصَّلَاة رَابِعَة فَكَانَ الْخَطِيب فِيهَا الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد البوعناني ثمَّ أُعِيدَت خَامِسَة والخطيب القَاضِي بردلة ثمَّ أُعِيدَت سادسة والخطيب أَبُو عبد الله مُحَمَّد المرابط الدلائي وفيهَا بلغ الْقَمْح سِتِّينَ أُوقِيَّة وَهُوَ غلاء لم يسمع بِمثلِهِ ثمَّ أُعِيدَت الصَّلَاة سابعة والخطيب أَبُو عبد الله البوعناني ثمَّ أُعِيدَت ثامنة والخطيب الشَّيْخ الْوَلِيّ الزَّاهِد أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الفشتالي وَفِي عَشِيَّة غده نزل الْمَطَر مَعَ رعد وبرق ففرح الْمُسلمُونَ وَأَكْثرُوا من حمد الله
стр. 1272
تَعَالَى ثمَّ أُعِيدَت الصَّلَاة تاسعة والخطيب القَاضِي بردلة وَخرج يَوْمئِذٍ فِي جملَة النَّاس شيخ الْإِسْلَام وبركة الْأمة الإِمَام أَبُو مُحَمَّد سَيِّدي عبد الْقَادِر الفاسي رَاكِبًا على حمَار جاعلا الْأَشْرَاف من أهل الْبَيْت الطَّاهِر أَمَامه مستشفعا بهم إِلَى الله تَعَالَى فَنزل عِنْد الرُّجُوع مطر قَلِيل وَمن الْغَد نزل الْمَطَر الغزير الْكَافِي النافع فانحطت الأسعار وَنزل الْقَمْح إِلَى خمس وَثَلَاثِينَ أُوقِيَّة بَعْدَمَا كررت الصَّلَاة تسع مَرَّات وَكَانَت الصَّلَاة التَّاسِعَة يَوْم الِاثْنَيْنِ خَامِس الْمحرم فاتح سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَألف
وَفِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف فِي لَيْلَة الْجُمُعَة الثَّانِي عشر من شعْبَان مِنْهَا توفّي الشَّيْخ الْمولى أَبُو مُحَمَّد عبد الله الشريف الوزاني الشهير وَكَانَ عمره يَوْم توفّي خمْسا وَثَمَانِينَ سنة وَتُوفِّي وَلَده الشَّيْخ الْمولى أَبُو عبد الله مُحَمَّد وَقت الْعشَاء لَيْلَة الْجُمُعَة الثَّامِن وَالْعِشْرين من الْمحرم سنة عشْرين وَمِائَة وَألف وعمره يَوْمئِذٍ ثَمَانُون سنة وَتُوفِّي ابْنه الشَّيْخ القطب الْمولى التهامي ابْن مُحَمَّد طُلُوع شمس يَوْم الِاثْنَيْنِ فاتح الْمحرم من سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَألف وعمره سِتّ وَسِتُّونَ سنة وَتُوفِّي الشَّيْخ مولَايَ الطّيب ابْن مُحَمَّد يَوْم الْأَحَد وَقت طُلُوع الْفجْر ثامن عشر ربيع الثَّانِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وعمره نَيف وَثَمَانُونَ سنة وَتُوفِّي ابْنه الشَّيْخ مولَايَ أَحْمد ضحوة يَوْم السبت الثَّامِن عشر من صفر سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة وَألف وَتُوفِّي ابْنه الشَّيْخ مولَايَ عَليّ بن أَحْمد يَوْم الثُّلَاثَاء آخر يَوْم من ربيع الأول سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَتُوفِّي ابْنه الشَّيْخ سَيِّدي الْحَاج الْعَرَبِيّ بن عَليّ يَوْم الْأَرْبَعَاء فاتح سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَقد أَتَيْنَا بوفاة هَؤُلَاءِ السَّادة الوازانيين مَجْمُوعَة هُنَا لما فِي ذَلِك من الْمُنَاسبَة والتقريب ويتصل نسبهم بالمولى يملح بن مشيش أخي الْمولى عبد السَّلَام بن مشيش ثمَّ بالمولى إِدْرِيس بن إِدْرِيس ﵃ وأماتنا على محبتهم وحشرنا فِي زمرتهم
وَفِي سنة تسعين وَألف وَقع الوباء الْعَظِيم بالمغرب فَكَانَ عبيد السُّلْطَان يردون الواردين من الْآفَاق على مكناسة الزَّيْتُون كَمَا مر
стр. 1273
وَفِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَألف بعد ظهر الْأَرْبَعَاء الثَّامِن من رَمَضَان مِنْهَا توفّي شيخ الْجَمَاعَة بفاس وَالْمغْرب الإِمَام الْكَبِير الْعَالم الشهير الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الْقَادِر بن عَليّ بن يُوسُف الفاسي وَلَا يحْتَاج مثله ﵁ إِلَى تَعْرِيف فَإِن مآثره أشهر من قفا نبك قَالُوا وَمَعَ غزارة علمه وانتفاع أهل المغارب الثَّلَاثَة بِهِ لم ينضد لجمع كتاب مَخْصُوص وَلَا شرح متن من الْمُتُون وَإِنَّمَا كَانَت تصدر عَنهُ أجوبة يسْأَل عَنْهَا فيجيب ويجيد وَجَمعهَا بعض أَصْحَابه فَجَاءَت فِي مُجَلد
وَفِي سنة خمس وَتِسْعين وَألف توفّي الْوَلِيّ الصَّالح أَبُو مُحَمَّد عبد الله العوني دَفِين سلا من أَصْحَاب الشَّيْخ سَيِّدي مُحَمَّد الْمفضل
وَفِي سنة سِتّ وَتِسْعين وَألف توفّي الشَّيْخ الْعَلامَة المشارك أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن عبد الْقَادِر الفاسي صَاحب نظم عمل فاس والأفنوم فِي مبادىء الْعُلُوم وَغَيرهمَا من التآليف الحسان
وَفِي سنة سبع وَتِسْعين وَألف توفّي الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى ذُو الْأَحْوَال الربانية والمواهب العرفانية أَبُو الْقَاسِم بن أَحْمد الوشة السفياني الْمَعْرُوف بِأبي عسرية لِأَنَّهُ كَانَ يعْمل بِشمَالِهِ أَكثر من يَمِينه كَانَ من المولهين فِي ذَات الله تَعَالَى وَمن أهل الْأَحْوَال والشطحات يُقَال إِنَّه حمل وَهُوَ صبي إِلَى الشَّيْخ أبي عبيد الشَّرْقِي فبرك عَلَيْهِ ودعا بِقرب من مَاء فصبت عَلَيْهِ وَقَالَ لَوْلَا أَنا بردنا هَذَا الصَّبِي لأحرقته الْأَنْوَار وَلذَا كَانَ يَهْتِف بِأبي عبيد كثيرا وينادي باسمه وينسب جَمِيع مَا يظْهر على يَده لَهُ
وَفِي سنة إِحْدَى مائَة وَألف أَمر السُّلْطَان النَّاس بِأَن لَا يلبسوا النِّعَال السود وَلَا يلبسهَا إِلَّا الْيَهُود وَتقدم التَّنْبِيه على ذَلِك عقب فتح العرائش
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَة وَألف توفّي الشَّيْخ الإِمَام على الْأَعْلَام أخر عُلَمَاء الْمغرب على الْإِطْلَاق الَّذِي وَقع على علمه وصلاحه الِاتِّفَاق أَبُو عَليّ الْحسن بن مَسْعُود اليوسي نِسْبَة إِلَى آيت يوسي قَبيلَة من برابر ملوية وَأَصله اليوسي كَانَ ﵁ غزالي وقته علما وتحقيقا وزهدا وورعا قَالَ فِي
стр. 1274
فهرسته كَانَت قراءتي كلهَا أَو جلها فتحا ربانيا وَرزقت وَللَّه الْحَمد قريحة وقادة فَكنت بِأَدْنَى سَماع يَنْفَعنِي الله فقد أسمع بعض الْكتاب فَيفتح الله عَليّ فِي جَمِيعه فتحا ظَاهرا وأبلغ فِيهِ مَا لم يبلغهُ من سمعته مِنْهُ وَرب كتاب لم أسمعهُ أصلا غير أَن سَماع الْبَعْض فِي كل فن صَار مبدأ لِلْفَتْحِ وتتميما لحكمة الله فِي سنة الْأَخْذ عَن الْمَشَايِخ وَلَا تستوحش مِمَّا ذَكرْنَاهُ ظنا مِنْك أَن الرِّبْح أبدا يكون على قدر رَأس المَال كلا فقد يبلغ الدِّرْهَم الْوَاحِد ألف مِثْقَال وَمَا ذَلِك على الله بعزيز
وَكَانَ مُعظم قِرَاءَته بالزاوية الدلائية لم يزل مُقيما بهَا عاكفا على بَث الْعلم ونشره إِلَى أَن استولى عَلَيْهَا الْمولى الرشيد بن الشريف فنقله إِلَى فاس فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ خرج إِلَى الْبَادِيَة فاستوطن بقبيلته إِلَى أَن مَاتَ ﵀ وَكَانَ ﵁ متضلعا من الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية حَتَّى قَالَ فِي تأليفه الْمُسَمّى بالْقَوْل الْفَصْل فِي الْفرق بَين الْخَاصَّة والفصل أَنه بلغ دَرَجَة الشَّيْخ سعد الدّين التَّفْتَازَانِيّ وَالسَّيِّد الْجِرْجَانِيّ وأضرابهما وَسَأَلَهُ يَوْمًا سَائل بِمَجْلِس درسه فَقَالَ لَهُ اسْمَع مَا لَا تسمعه من إِنْسَان وَلَا تَجدهُ محررا فِي ديوَان وَلَا ترَاهُ مسطرا ببنان وَإِنَّمَا هُوَ من مواهب الرَّحْمَن وَلما دخل مراكش تصدر بهَا لإقراء علم التَّفْسِير بِجَامِع الْأَشْرَاف فَمَكثَ فِي تَفْسِير الْفَاتِحَة قَرِيبا من ثَلَاثَة أشهر وَهُوَ يُبْدِي كل يَوْم أسلوبا غَرِيبا وتحقيقا عجيبا فَعجب النَّاس من غزارة مادته مَعَ أَنه رُبمَا بَات فِي ضريح بعض الْأَوْلِيَاء وَالنَّاس مَعَه فَلَا يطالع كتابا وَلَا يُرَاجع مؤلفا فَإِذا أصبح وَجلسَ على الْكُرْسِيّ أطلق لِسَانه بِمَا يبهر الْعُقُول وَكَانَ الشّعْر عِنْده أسهل من النَّفس وشعره كُله حكم وأمثال كشعر الْعَرَب القدماء وقصيدته الدالية فِي شَيْخه ابْن نَاصِر دَالَّة على امتداد بَاعه ورسوخ قدمه فِي المعارف الْفُنُون وَللَّه در الإِمَام أبي سَالم العياشي إِذْ قَالَ
(من فَاتَهُ الْحسن الْبَصْرِيّ يَصْحَبهُ ... فليصحب الْحسن اليوسي يَكْفِيهِ)
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ آخر الْعلمَاء الراسخين بل خَاتِمَة الفحول من الرِّجَال الْمُحَقِّقين حَتَّى كَانَ بعض الشُّيُوخ يَقُول هُوَ المجدد على رَأس هَذِه الْمِائَة
стр. 1275
لما اجْتمع فِيهِ من الْعلم وَالْعَمَل بِحَيْثُ صَار إِمَام وقته وعابد زَمَانه ﵀ وَرَضي عَنهُ
وَفِي سنة ثَلَاث وَمِائَة وَألف فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء السَّابِع من شهر ربيع الأول مِنْهَا توفّي الْوَلِيّ الصَّالح أَبُو الْعَبَّاس سَيِّدي أَحْمد حجي قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس سَيِّدي أَحْمد بن عبد الْقَادِر التستاوتي فِي حَقه مَا نَصه رجل خير صَالح وَلَقَد اجْتمعت بِهِ بمكناسة سنة سِتّ وَتِسْعين وَألف فَمَا رَأَيْت مِنْهُ إِلَّا خيرا اه وَلما توفّي خَلفه وَلَده ووارث سره وضجيعه فِي قَبره الْوَلِيّ الصَّالح سَيِّدي أَبُو مُحَمَّد عبد الله حجي الْمَعْرُوف بالجزار وضريحهما مزارة شهيرة بسلا
وَفِي سنة تسع أَو عشر وَمِائَة وَألف توفّي الْفَقِيه الْعدْل النوازلي الفارض الحاسب أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِأبي شَعْرَة السلاوي وَدفن قريب ضريح الشَّيْخ ابْن عَاشر ﵁
وَفِي سنة خمس عشرَة وَمِائَة وَألف توفّي الإِمَام الْفَقِيه الأديب النَّاظِم الناثر أَبُو الْقَاسِم بن الْحُسَيْن الغريسي ثمَّ السلاوي الْمَعْرُوف بِأبي زَائِدَة وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى من السّنة وَدفن قرب ضريح الشَّيْخ ابْن عَاشر ﵁
وَفِي سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة وَألف فِي ضحى يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن وَالْعِشْرين من الْمحرم مِنْهَا كسفت الشَّمْس كسوفا كليا وَسمي ذَلِك الْعَام عَام الظليماء
وَفِي سنة تسع عشرَة وَمِائَة وَألف توفّي الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الْهمام ذُو التصانيف المفيدة فِي كل فن الْحجَّة المتبرك بِهِ حَيا وَمَيتًا أَبُو سرحان سَيِّدي مَسْعُود جموع الفاسي ثمَّ السلاوي وَذَلِكَ يَوْم الثُّلَاثَاء سَابِع جُمَادَى الأولى من السّنة وَدفن بزاوية الشَّيْخ سَيِّدي أَحْمد حجي دَاخل مَدِينَة سلا
وَفِي سنة عشْرين وَمِائَة وَألف توفّي الْوَلِيّ الصَّالح العابد الناصح أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله معن الأندلسي نزيل المخفية من فاس حرسها الله
стр. 1276
وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا كَانَ إِحْدَاث قِرَاءَة المسمع الحَدِيث المتضمن لأمر النَّاس بالإنصاف وَقَوله أَنْصتُوا رحمكم الله ثَلَاثًا عِنْد خُرُوج الإِمَام يَوْم الْجُمُعَة من الْمَقْصُورَة وجلوسه على الْمِنْبَر
وَفِي سنة أثنتين وَعشْرين وَمِائَة وَألف وَذَلِكَ وَقت عصر الثُّلَاثَاء الثَّانِي وَالْعِشْرين من صفر مِنْهَا توفّي الْوَلِيّ الصَّالح سَيِّدي أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن سَيِّدي أَحْمد حجي الْمَعْرُوف بالجزار وَدفن بِإِزَاءِ قبر أَبِيه كَمَا مر
وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء الْعشْرين من ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْأمين الْحَاج مُحَمَّد الصبيحي السلاوي ورثاه الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس سَيِّدي أَحْمد بن عبد الْقَادِر التستاوتي بقوله
(جزعنا وَإِن كُنَّا على الْعلم أَنه ... إِذا مَا أَرَادَ الله أمرا تعجلا)
(لفقد الإِمَام الْمُجْتَبى الْعَالم الرضي ... الصبيح وَمن فِي وقته قد تنبلا)
(وَإِلَّا فمختار الْإِلَه اختيارنا ... وَنَرْجُو لَهُ خيرا عميما مكملا)
ورثاه أَيْضا صديقه الملاطف الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَاشر الحافي السلاوي رحم الله الْجَمِيع
وَفِي سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَألف لَيْلَة الْأَرْبَعَاء فاتح رَجَب مِنْهَا توفّي الْوَلِيّ الصَّالح الْعَالم الْعَامِل الْعَارِف الشهير الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْقَادِر التستاوتي من كبار أَصْحَاب الشَّيْخ ابْن نَاصِر وَمن حفدة الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن مبارك الزعري الْمُتَقَدّم الذّكر ومآثر هَذَا الشَّيْخ أشهر من أَن تذكر وزواياه عميمة النَّفْع وَالْبركَة بالمغرب وَكَانَت وَفَاته بمكناسة الزَّيْتُون وضريحه بهَا شهير عِنْد رَوْضَة الشَّيْخ سَيِّدي عبد الله بن حَامِد ﵃ ونفعنا بهم
وَفِي سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة وَألف فِي الثَّامِن عشر من ربيع الأول مِنْهَا توفّي الشَّيْخ الْقدْوَة الإِمَام السّني أَبُو الْعَبَّاس سَيِّدي أَحْمد بن مُحَمَّد بن نَاصِر الدرعي وَهُوَ ولد الشَّيْخ ابْن نَاصِر الْمُتَقَدّم وخليفته ووارث سره وفضله ﵁ أشهر من أَن يُنَبه عَلَيْهِ وَمن ذَلِك مَا حَكَاهُ الشَّيْخ أَبُو عَليّ الْحسن بن
стр. 1277
مُحَمَّد المعداني فِي كِتَابه الرَّوْض اليانع الفائح فِي مَنَاقِب الشَّيْخ أبي عبد الله الصَّالح قَالَ حدث بعض الْعلمَاء الأجلة أَنه لما دخل الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن نَاصِر الدرعي الْمَدِينَة المشرفة فِي حجَّته الْأَخِيرَة جلس تجاه الْحُجْرَة النَّبَوِيَّة وَالنَّاس يزدحمون عَلَيْهِ لأخذ الْعَهْد وتلقين الأوراد وَهُوَ منبسط لذَلِك فَقلت فِي نَفسِي إِن هَذَا الرجل مغرور رَاض عَن نَفسه كَيفَ يتَصَدَّى فِي هَذَا الْمَكَان الَّذِي تخضع فِيهِ الْمُلُوك وَجَمِيع الْإِنْس وَالْجِنّ وَالْمَلَائِكَة وَإِذا طلعت الشَّمْس اختفى السراج قَالَ فكاشفني بِمَا فِي نَفسِي والتفت إِلَيّ وَقَالَ وَالله مَا جَلَست لما ترَوْنَ حَتَّى أَمرنِي النَّبِي ﷺ وَمَا أذعنت لَهُ حَتَّى هددت بالسلب قَالَ فَسَقَطت على يَدَيْهِ أقبلها وَقلت لَهُ يَا سَيِّدي أَنا تائب إِلَى الله تَعَالَى فَدَعَا لي وانصرفت وَمِمَّا حَكَاهُ صَاحب الْكتاب الْمَذْكُور قَالَ حدث الرجل الصَّالح الْبركَة الْفَقِيه الناصح سَيِّدي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم المجاصي قَالَ كَانَ السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل بن الشريف ﵀ قد استدعى الشَّيْخ سَيِّدي أَحْمد بن نَاصِر وَكَانَ بِهِ حنق عَظِيم عَلَيْهِ وعزم إِذا وصل إِلَيْهِ أَن يفعل بِهِ مَكْرُوها لَا تدرى حَقِيقَته غير أَن الْأَمر شَدِيد فجَاء إِلَى الشَّيْخ جمَاعَة من الْعلمَاء الْأَعْلَام واصحابه الملازمين لَهُ وَقد تخوفوا عَلَيْهِ وعَلى أنفسهم غَايَة فَكَلَّمُوا الشَّيْخ فِي ذَلِك واستفهموه ليعلموا مَا عِنْده من عَادَة الله تَعَالَى مَعَ أوليائه من النُّصْرَة لَهُم والذب عَنْهُم فَلم يسمعوا مِنْهُ كلمة ثمَّ راجعوه فِي ذَلِك حَتَّى هابوه وسكتوا عَنهُ وَقدم الشَّيْخ الْمَذْكُور على السُّلْطَان فَلَمَّا انْتهى إِلَى قَصَبَة آكراي قرب مكناسة الزَّيْتُون إِذا بِرَجُل مجاطي يُقَال لَهُ الْحَاج عَمْرو لقِيه هُنَالك فَلَمَّا رَآهُ الشَّيْخ نزل عَن فرسه ليسلم عَلَيْهِ فَقَالَ الشَّيْخ مَا الْخَبَر يَا وَلَدي فَقَالَ الرجل مَا الْخَبَر يَا سَيِّدي وَالله لَوَدِدْت أَن سَيِّدي لم يصل إِلَى هُنَا وَلم يخرج من دَاره يَعْنِي أَن الْأَمر عَظِيم فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ ﵁ بِلِسَان الْعِنَايَة الربانية وَلَا مَا يشوش إِذا كَانَ فِي رقبتك شبر وَأَشَارَ بِيَدِهِ فاعمل فِيهَا ذِرَاعا وَمد ذراعه ففرح الْعلمَاء الَّذين مَعَه وكل من حضر بِتِلْكَ الْمقَالة وتيقنوا الْأَمْن على الشَّيْخ وعَلى أنفسهم لما يعلمُونَ من عَادَة الله الْكَرِيمَة مَعَه فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ فَإِن السُّلْطَان جَاءَ إِلَيْهِ
стр. 1278
بِنَفسِهِ وَهُوَ فِي رَوْضَة الشَّيْخ أبي عُثْمَان سعيد بن أبي بكر وتلقاه بِالْقبُولِ والتعظيم والتبجيل والتكريم وَصَافحهُ بِيَدِهِ وَجلسَ مَعَه فِي دَاخل الْقبَّة سَاعَة وَلما خرج السُّلْطَان ﵀ من عِنْده جعل يُنَادي بِلِسَانِهِ فِي أَصْحَابه وَيَقُول زوروا سَيِّدي أَحْمد بن نَاصِر يَا النَّاس زوروا سَيِّدي أَحْمد بن نَاصِر يَا النَّاس ويكررها من صميم قلبه قَالَ سَيِّدي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم فَلَمَّا انْصَرف السُّلْطَان من عِنْد الشَّيْخ ﵁ جِئْت إِلَيْهِ وَقلت لَهُ يَا سَيِّدي إِنَّا نَخَاف أَن ينزلنا السُّلْطَان بضريح الشَّيْخ سَيِّدي عبد الرَّحْمَن المجذوب وَيطول بِنَا الْمقَام فَقَالَ لي لَا نبقى إِلَّا هُنَا وَبعد غَد ننصرف إِلَى بِلَادنَا إِن شَاءَ الله فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ بعد أَن جَاءَ الْأُمُور من السُّلْطَان يَأْمُرهُ بالنزول بضريح الشَّيْخ المجذوب فَقَالَ لَا أنزل إِلَّا هُنَا فَبَقيَ فِي مَوْضِعه ثمَّ بعث إِلَيْهِ السُّلْطَان يَأْمُرهُ بالتوجه إِلَى بِلَاده مُعظما مكرما اه
وَفِي سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة وَألف فِي لَيْلَة عيد الْفطر مِنْهَا توفّي الْفَقِيه الْعَالم القَاضِي أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن الْعَلامَة أبي الْحسن عَليّ المراكشي وَصلي عَلَيْهِ من الْغَد وَدفن بالموضع الْمُسَمّى بالعلو من رِبَاط الْفَتْح
وَفِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف فِي لَيْلَة الْأَحَد ثامن عشر الْمحرم مِنْهَا توفّي الشَّيْخ الصَّالح أَبُو عَليّ الْحسن بن عبد الله العايدي السجيري وَدفن بزاوية من حومة السويقة من سلا وَفرغ من بِنَاء قُبَّته فِي رَجَب من السّنة بعْدهَا
وَفِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف يَوْم الِاثْنَيْنِ خَامِس عشر رَجَب مِنْهَا توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة خَاتِمَة الْمُحَقِّقين وَآخر قُضَاة الْعدْل بفاس الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بن أَحْمد بردلة الفاسي وَفِي التَّارِيخ الْمَذْكُور توفّي الشَّيْخ الْعَلامَة المتبرك بِهِ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن سُلَيْمَان ذُو التآليف العديدة فِي الْحساب وَغَيره بِحَضْرَة مراكش ﵀
وَفِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف كَانَت جَائِحَة الْجَرَاد بالعدوتين سلا ورباط الْفَتْح وأعمالهما وَخَلفه قمله السمي فِي لِسَان المغاربة بآمرد فَكَانَ
стр. 1279
كالسيل الْعَام لم يتْرك ورقة خضراء إِلَّا أكلهَا وَكَانَ ذَلِك فِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة
وَفِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة ألف يَوْم الاربعاء ثَانِي عشر صفر مِنْهَا توفّي الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سَيِّدي مُحَمَّد الصَّالح ابْن الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سَيِّدي مُحَمَّد الْمُعْطِي ابْن سَيِّدي عبد الْخَالِق ابْن سَيِّدي عبد الْقَادِر ابْن الشَّيْخ الْأَكْبَر سَيِّدي مُحَمَّد الشَّرْقِي ومناقبه قد تكفل بهَا كتاب الرَّوْض الفائح فِي مَنَاقِب الشَّيْخ أبي عبد الله الصَّالح لأبي عَليّ المعداني وَفِي هَذِه السّنة ضحى يَوْم السبت ثامن ذِي الْقعدَة مِنْهَا توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الْمُحَقق سَيِّدي أَبُو بكر ابْن عَليّ الْفَرَجِيِّ المراكشي ثمَّ السلاوي واحتفل النَّاس لجنازته وازدحموا على نعشه حَتَّى كَادُوا يقتتلون عَلَيْهِ وَدفن قرب دَاره بزاوية سَيِّدي مغيث من طالعة سلا حرسها الله
الْخَبَر عَن الدولة الأولى لأمير الْمُؤمنِينَ الْمولى أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن إِسْمَاعِيل الْمَعْرُوف بالذهبي ﵀
لما توفّي أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم اجْتمع قواد الْعَسْكَر البُخَارِيّ وقواد الودايا وأعيان الدولة وكتابها وقضاتها وَبَايَعُوا الْمولى أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن إِسْمَاعِيل الْمَعْرُوف بالذهبي لبسط يَده بالعطاء قَالَ أكنسوس بَايعُوهُ بِإِشَارَة العبيد الشبيهة بالجبر وَلم يكن ذَلِك عَن عهد من أَبِيه وَكَتَبُوا بيعَته إِلَى الْآفَاق وَلما اتَّصل بِأَهْل فاس خبر موت السُّلْطَان كَانَ أول من بدؤوا بِهِ أَن قتلوا قائدهم أَبَا عَليّ الروسي ثمَّ بَايعُوا السُّلْطَان الْمولى أَحْمد وَكَتَبُوا بيعتهم وَتوجه بهَا أعيانهم إِلَى مكناسة فَدَخَلُوا على السُّلْطَان الْمولى أَحْمد وأدوا الْبيعَة وَالطَّاعَة فقبلهم وَلم يظْهر لَهُم سوء بِمَا ارتكبوه من قتل قائدهم بل أعْطى الْعلمَاء والأشراف جَائِزَة الْبيعَة وَولى الْقَائِد المحجوب العلج وردهم مكرمين
ثمَّ قدم عَلَيْهِ قواد الْقَبَائِل والأمصار وأعيانها من أهل الحواضر والبوادي
стр. 1280
مبايعين ومؤدين الطَّاعَة فَجَلَسَ للوفود وَأَجَازَ كلا على قدر مرتبته وردهم إِلَى بِلَادهمْ وتفرغ لشأنه فأفتح عمله بقتل عُمَّال أَبِيه وأركان دولته فَقتل عَليّ بن يشي القبلي أَمِير البربر وثنى بِأَحْمَد بن عَليّ أَمِير الْأَعْمَال الفاسية وَمَا أتصل بهَا من بِلَاد الهبط وَالصَّحِيح أَن أَحْمد بن عَليّ الْمَذْكُور كَانَ عِنْد بيعَة الْمولى أَحْمد فِي السجْن فَدس إِلَيْهِ عَليّ بن يشي من ذبحه فِيهِ فَسلط الله عَلَيْهِ السُّلْطَان فَقتله وَكَانَ جَزَاؤُهُ من جنس عمله وَقتل السُّلْطَان أَيْضا الباشا ابْن الْأَشْقَر ومرجان الْكَبِير قَائِد عبيد الدَّار وَصَاحب بيُوت الْأَمْوَال وَكَانَ لنظره أَلفَانِ ومائتان من المفاتي كلهَا موزعة على أَبْوَاب الْقُصُور وكل وَاحِد من هَؤُلَاءِ الخصيان لَهُ عَبْدَانِ وَثَلَاثَة وَأكْثر يخدمونه
وَاعْلَم أَن الْمولى أَحْمد ﵀ كَانَ مستبدا عَلَيْهِ فِي كثير من الْأَحْوَال يُشِير العبيد عَلَيْهِ فيفعل وَمَا قتل من قتل من رُؤَسَاء الدولة إِلَّا بإشارتهم وَقتل جمَاعَة من القواد وَالْكتاب سوى من تقدم وَطَاف على بيُوت الْأَمْوَال ومخازن السِّلَاح والكسى فَأمر بِإِخْرَاج ذَلِك وتفرقته على العبيد وقواد الْجَيْش وَأعْطى من ذَلِك فَوق الْكِفَايَة وَعم الْعلمَاء والأشراف والطلبة بالنوال وَخص أفرادا من الْعَسْكَر بألوف فاغتبط النَّاس بِهِ وحمدوه ﵀
إغارة الْقَائِد أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ الريفي على تطاوين وَمَا دَار بَينه وَبَين الْفَقِيه أبي حَفْص عمر الوقاش
كَانَ الْقَائِد الْمُجَاهِد أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ الريفي يَلِي رئاسة الْمُجَاهدين هم وَأَبوهُ من قبله بالثغور الهبطية أَيَّام السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ وَكَانَت لَهُ ولأبيه الْيَد الْبَيْضَاء فِي فتح طنجة والعرائش وَغَيرهمَا حَسْبَمَا سلف بعضه فَكَانَت لَهُ بذلك وجاهة كَبِيرَة فِي الدولة خُصُوصا بِبِلَاد الهبط وَكَانَ بتطاوين يَوْمئِذٍ الْفَقِيه الأديب أَبُو حَفْص عمر الوقاش من بيوتاتها وَأهل الرياسة بهَا كَانَ أَولا كَاتبا مَعَ السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ وَكَانَت لَهُ الْمنزلَة الْعَالِيَة عِنْده ثمَّ لما ضعف عَن الْخدمَة السُّلْطَانِيَّة بكبر سنه
стр. 1281
ولاه على تطاوين وأعمالها فَحدثت بَينه وَبَين الْقَائِد أبي الْعَبَّاس الريفي مُنَافَسَة أوجبتها الْمُجَاورَة والمعاصرة فَكَانَ يبلغ كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه مَا يحفظه وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن توفّي السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ وأفضى الْأَمر إِلَى ابْنه الْمولى أَحْمد فضيع الحزم وأهمل أَمر الْجند حَتَّى سَقَطت هَيْبَة السُّلْطَان من قُلُوب الْوُلَاة فِي النواحي فانتهز أَبُو الْعَبَّاس الريفي الفرصة فِي أهل تطاوين وزحف إِلَيْهَا فِي جَيش كثيف ودخلها على حِين غَفلَة من أَهلهَا وحاول الفتك فيهم فبرز إِلَيْهِ الْفَقِيه أَبُو حَفْص الوقاش فِي أهل تطاوين وحاربه فانتصر عَلَيْهِ وأوقع بِهِ وقْعَة أعظم مِمَّا كَانَ أضمر لَهُ وَقتل من إخوانه عددا كثيرا وَنَجَا الْقَائِد أَبُو الْعَبَّاس بجريعة الذقن
وَلما اتّفق للفقيه أبي حَفْص هَذَا الْفَتْح الَّذِي لم يكن لَهُ فِي حِسَاب استخفه النشاط وغلبت عَلَيْهِ حلاوة الظفر حَتَّى طمع فِي الْملك وفاه من ذَلِك بِمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ وَلكُل عَاقل كِتْمَانه فَقَالَ قصيدته الْمَشْهُورَة ينعي فِيهَا على أهل الرِّيف فعلتهم وينتقص دولتهم ويفتخر على أهل فاس فَمن دونهم ويخبر عَن نَفسه بِمَا يؤول إِلَيْهِ أمره فأزرى بأدبه على كبر سنه مَعَ أَنه كَانَ من أهل الْأَدَب البارع وَالْعلم والرياسة وَالْقَصِيدَة الْمشَار إِلَيْهَا هِيَ قَوْله
(بلغت من الْعليا مَا كنت أرتجي ... وأيامنا طابت وغنى بهَا الطير)
(ونادى البشير مفصحا ومصرحا ... هَلُمَّ أباحفص فَأَنت لَهَا الصَّدْر)
(نهضت مجيبا للندا راقصا بِهِ ... وَمَا راعني إِذْ ذَاك زيد وَلَا عَمْرو)
(شرعت بِحَمْد الله للْملك طَالبا ... وَقلت وللمولى المحامد وَالشُّكْر)
(أَنا عمر الْمَعْرُوف إِن كنت جاهلي ... فسل تَجِد التَّقْدِيم عِنْدِي وَلَا فَخر)
(أَنا عمر الْمَوْصُوف بالبأس والندى ... أَنا عمر الْمَذْكُور فِي ورد الجفر)
(ظَهرت لأحيي الدّين بعد اندراسه ... فطوبى لمن أَمْسَى يساق لَهُ الْأَمر)
(وَلم يبْق ملك يستتب بغربنا ... فعندي انْتهى الْعلم المبرح والسر)
(أَنا عمر الْمَشْهُور فِي كل غَارة ... أَنا البطل الْمِقْدَام والعالم الحبر)
(ضبطت بلادي وانتدبت لغَيْرهَا ... وَعَما قَلِيل يعظم الجاه وَالْقدر)
(وَجئْت بِعدْل للإمامين تَابعا ... أَنا الثَّالِث الْمَذْكُور بعدهمَا وتر)
стр. 1282
يَعْنِي أَنه ثَالِث العمرين وَقد كَانَ يُصَرح بذلك ثمَّ قَالَ
(ففرطوط والرحمون والكوط عصبتي ... وراغون كنزي وَالصَّغِير بِهِ الْقَهْر)
(أُولَئِكَ أَنْصَارِي وأرباب دَوْلَتِي ... وَأَهلي وأصهاري هم الأنجم الزهر)
(وَقد دَامَ بالديمان مجدي وسؤددي ... وفخري فِي الأقطار باد كَمَا الْفجْر)
(هلالي بدا لما هلالي أجابني ... وغيلان إِذْ لبّى بِهِ عظم الوفر)
(ودولة أهل الرِّيف حتما تمزقت ... فَلم يبْق بالتحقيق عِنْدِي لَهَا جبر)
(أذقناهم لما أَتَوا شَرّ بأسنا ... فَأَبَوا سرَاعًا والصوارم والسمر)
(تطير الأكف والسواعد مِنْهُم ... هَنِيئًا فَحق للأنام بِنَا الْبشر)
(بخفي حنين آب عَنَّا كَبِيرهمْ ... وَمَا فَاتَهُ منا نكال وَلَا خسر)
(فَمن ذَا يضاهيني وَمَالِي وافر ... وذكري مغمور بِهِ الْبر وَالْبَحْر)
إِلَى غير هَذَا مِمَّا لَا غَرَض لنا فِي جلبه وَقد أَجَابَهُ الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن بجة الريفي ثمَّ العرائشي بقصيدة يَقُول فِيهَا
(فِي صفحة الدَّهْر قد خطت لنا عبر ... مِنْهَا ادِّعَاء الْحمار أَنه بشر)
(من مر عَنهُ الصِّبَا وَمَا رأى عجبا ... خَبره بعجاب دهره الْكبر)
وَهِي طَوِيلَة إِلَّا أَن قَائِلهَا لم يحكم صناعَة الشّعْر فَلِذَا تركناها
وَلما اتَّصل خبر هَذِه الْوَقْعَة بأمير الْمُؤمنِينَ الْمولى أَحْمد ﵀ أغضى عَن الْفَرِيقَيْنِ وَدخل دَاره وَعَكَفَ على ملذاته وَترك النَّاس وشأنهم وثار بِبِلَاد الغرب وَالْقصر وأعماله فَسَاد كَبِير بَين الْقَبَائِل وَأَصْحَاب المخزن وَهلك فِي ذَلِك بشر كثير وَسَقَطت هَيْبَة الْخلَافَة وانحل نظام الدولة بالمرة لَا سِيمَا مَعَ مَا دهاها من قتل رجالها القائمين بأمورها وَكَانَ ذَلِك مُنْتَهى مُرَاد العبيد فقد كَانَ عَليّ بن يشي أَمِير الْأُمَرَاء وَرَئِيس البربر وَغَيرهم وَكَانَ أَحْمد بن عَليّ أَمِير جبال مرموشة وَبني وراين وعرب الحياينة وبرابرة غياثة وَالْجِبَال فَكَانَ رَدِيف عَليّ بن يشي ومباريه فِي نصح الدولة وجباية الْأَمْوَال وَكَانَ ابْن الْأَشْقَر أَمِير الزراهنة وعَلى يَدَيْهِ أعشار الْقَبَائِل كلهَا من أهل الغرب وَبني حسن وَغَيرهم رديفا للأولين وَكَانَ الْقَائِد مرجان صَاحب بيُوت
стр. 1283
الْأَمْوَال وَبِيَدِهِ دفتر الدخل والخرج عَارِفًا بِقدر مِمَّا يَدْفَعهُ الْعمَّال كل سنة فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِم الْقَتْل ﵏ خف على الرّعية مَا كَانُوا يحملونه من ثقل وطأتهم واستراحوا مِمَّن كَانَ يحول بَينهم وَبَين الْفساد وبزجرهم عَن الْقَبِيح خُصُوصا البربر فَإِنَّهُم كَانُوا فِي أقماع النّحاس فَخَرجُوا مِنْهَا بمهلك عَليّ بن يشي وَأخذُوا فِي اشْتِرَاء الْخَيل واقتناء السِّلَاح وعادت هيف إِلَى أديانها وتبعهم على ذَلِك غَيرهم من قبائل الْعَرَب فَكَأَنَّمَا كَانُوا على ميعاد وامتدت أَيدي النهب فِي الطرقات وَكَثُرت الشكايات بِبَاب السُّلْطَان فَمَا وجدت النَّاس من يشكيهم هَذَا حَال مكناسة وأعمالها فَأَما فاس فقد كفى الودايا أمرهَا ونابوا عَن البربر فِي العيث بأطرافها وَعظم الْخطب وَاشْتَدَّ الْأَمر
ثمَّ دخلت سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَألف فَفِي الْمحرم مِنْهَا أغار الودايا على سوق الْخَمِيس من فاس فنهبوا وَقتلُوا وقبضوا على طَائِفَة من أهل فاس فأودعوهم السجْن بفاس الْجَدِيد فَبعث أهل فاس جمَاعَة من أَشْرَافهم إِلَى السُّلْطَان بمكناسة يَشكونَ إِلَيْهِ مَا نالهم من جور الودايا فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهَا وثب عَلَيْهِم مُحَمَّد بن عَليّ بن يشي قبل أَن يجتمعوا بالسلطان فسجنهم أَيْضا فَلَمَّا اتَّصل بِأَهْل فاس مَا جرى على إخْوَانهمْ بمكناسة أَخذهم مَا قدم وَمَا حدث فأغلقوا عَلَيْهِم أَبْوَاب مدينتهم وشمروا لِحَرْب الودايا فَكتب الودايا إِلَى السُّلْطَان يعلمونه بِأَن أهل فاس قد شَقوا الْعَصَا وَخَرجُوا عَن الطَّاعَة فسرب السُّلْطَان إِلَيْهِم العساكر بِكُل صارم وذابل وتفاقم الْأَمر وَاخْتَلَطَ الحابل بالنابل وَركبت المدافع والمهاريس والمجانيق لحصار فاس وَاسْتمرّ الْقِتَال إِلَى أَن بعث السُّلْطَان أَخَاهُ الْمولى المستضيء فِي جمَاعَة من أَشْرَاف مكناسة وَمَعَهُمْ أَشْرَاف فاس الَّذين سجنهم مُحَمَّد بن عَليّ بن يشي لتلافي الْأَمر وَعقد الصُّلْح بَين الودايا وَأهل فاس فانعقد الصُّلْح ونهض عَسْكَر السُّلْطَان إِلَى مكناسة فَمَا سَارُوا يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ حَتَّى انْتقض ذَلِك الصُّلْح وَغدا الودايا على حِصَار فاس ورميها بالكور والبنب وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن قدم من
стр. 1284
جَانب السُّلْطَان الْقَائِد أَبُو عمرَان مُوسَى الجراري ساعيا فِي الصُّلْح فَاجْتمع أهل فاس وفاوضهم فِي ذَلِك فأذعنوا وبعثوا مَعَه جمَاعَة من الْأَعْيَان وَالْعُلَمَاء والأشراف يفدون على السُّلْطَان ليتم لَهُم ذَلِك بعد أَن أخذُوا جمَاعَة من أَصْحَاب أبي عمرَان توثقا بإخوانهم وَلما قدم أُولَئِكَ الْوَفْد مكناسة منعُوا من الدُّخُول على السُّلْطَان وَرَجَعُوا إِلَى فاس مخفقين وَاسْتمرّ الْأَمر على حَاله إِلَى أَن كاتبهم عبيد الدِّيوَان يطْلبُونَ مِنْهُم موافقتهم على عزل السُّلْطَان الْمولى أَحْمد وتولية أَخِيه الْمولى عبد الْملك صَاحب السوس فأجابوهم إِلَى ذَلِك وطاروا بِهِ كل مطير وأكرموا وفدهم وحالفوهم على الْوَفَاء وَرجع العبيد إِلَى مكناسة شاكرين ففاوضوا من بهَا من قواد الْجند وتذاكروا فِيمَا وَقع فِيهِ النَّاس من الْفساد وَانْقِطَاع السبل وَتعذر الْأَسْبَاب وتحققوا بِمَا أَتَوْهُ من سوء التَّدْبِير فِي تَقْدِيم الْمولى أَحْمد لكَونه كَانَ ضَعِيف الْمِنَّة غير مطلع بأعباء الْخلَافَة فَأَجْمعُوا على عَزله واستبدال غَيره بِهِ وَلما تمّ أَمرهم على ذَلِك بعثوا إِلَى أَخِيه الْمولى عبد الْملك جَرِيدَة من الْخَيل وَكَتَبُوا إِلَيْهِ كتابا يستحثونه للقدوم وأعلموه بِمَا أجمع عَلَيْهِ رَأْيهمْ فَأجَاب وَأَقْبل مسرعا نَحْو مكناسة وَلما انْتهى إِلَى وَادي بهت واتصل خَبره بالعبيد دخلُوا على السُّلْطَان الْمولى أَحْمد وقبضوا عَلَيْهِ وأخرجوه من دَار الْملك مخلوعا وسجنوه بداره الَّتِي كَانَ يسكن بهَا قبل الْبيعَة خَارج القصبة وَكَانَ ذَلِك فِي شعْبَان سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَألف
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى أبي مَرْوَان عبد الْملك بن إِسْمَاعِيل ﵀
لما خلع السُّلْطَان الْمولى أَحْمد ﵀ وسجن خَارج القصبة كَمَا مر اجْتمع من الْغَد الْجَيْش كُله وركبوا لملاقاة الْمولى أبي مَرْوَان عبد الْملك بن إِسْمَاعِيل فأجتمعوا بِهِ خَارج مكناسة وأدوا وَاجِب الطَّاعَة والتفوا عَلَيْهِ ودخلوا بِهِ الحصرة فِي زِيّ الْملك وأهبة السُّلْطَان ثمَّ حضر أَعْيَان الدولة وأمراؤها
стр. 1285
وقضاتها وعلماؤها وأشرافها فَبَايعُوهُ وَكتب بيعَته إِلَى الْآفَاق وَمن الْغَد قدم عَلَيْهِ أَعْيَان فاس من الْعلمَاء والأشراف وَغَيرهم ببيعتهم فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَبَايَعُوهُ ثمَّ قدمت عَلَيْهِ الْوُفُود للتهنئة من حواضر الْمغرب وبواديه فَجَلَسَ لملاقاتهم وقابلهم بِمَا يجب من الْبشر إِلَى أَن قرع من شَأْنهمْ وتفقد أَخَاهُ الْمولى أَحْمد المخلوع فَأمر بِهِ إِلَى فاس كي يسجن بهَا ثمَّ بدا لَهُ فَأمر بتوجيهه إِلَى سجلماسة
قَالَ فِي الأزهار الندية لما بعث السُّلْطَان الْمولى أَبُو مَرْوَان بأَخيه الْمولى أَحْمد المخلوع إِلَى تافيلالت كتب إِلَى عَامله بهَا أَن يسمل عَيْنَيْهِ بفور بُلُوغه فنما ذَلِك إِلَى الْمولى أَحْمد ففر إِلَى زَاوِيَة الشَّيْخ أبي عُثْمَان سَيِّدي سعيد آحنصال وَكَانَ مقدم الزاوية يَوْمئِذٍ السَّيِّد يُوسُف ابْن الشَّيْخ سعيد الْمَذْكُور وَكَانَ يتَكَلَّم فِي الْحدثَان فَقَالَ للْمولى أَحْمد إِنَّك سترجع إِلَى الْملك فَكَانَ كَمَا قَالَ وَرَجا النَّاس أَن يكون السُّلْطَان الْمولى أَبُو مَرْوَان كأبيه وَأَن يسير فيهم بسيرته ويسد مسده فخاب الظَّن وأخفق الْمَسْعَى
(وَابْن اللَّبُون إِذا مَا لز فِي قرن ... لم يسْتَطع صولة البزل القناعيس)
وَأمْسك الله يَده عَن الْعَطاء فَلم يسمح للعسكر وَلَا للوفود بدرهم فَكَانَ ذَلِك من أكبر الْأَسْبَاب فِي اخْتِلَاف أمره وتفسخ دولته فَطلب الْعَسْكَر البُخَارِيّ مِنْهُ جَائِزَة الْبيعَة على الْعَادة فَبعث اليهم بأَرْبعَة آلَاف مِثْقَال وَكَانَ راتبهم على عهد السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ مائَة ألف مِثْقَال وَلما بُويِعَ السُّلْطَان الْمولى أَحْمد زادهم فِي الرَّاتِب خمسين ألفا فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِم جَائِزَة الْمولى أبي مَرْوَان سقط فِي أَيْديهم وَعَلمُوا أَنهم لم يصنعوا شَيْئا فِي بيعَته وتناجوا بعزله وأضمروا ذَلِك وتحينوا وَقت الفرصة فِيهِ فنما إِلَيْهِ ذَلِك عَنْهُم فَأخذ حذره وَصَارَ يُكَاتب قبائل الْعَرَب ويعدهم ويمنيهم ويحضهم على اجْتِمَاع كلمتهم كي ينفعوه يَوْمًا مَا ظنا مِنْهُ أَنهم يقاومون
стр. 1286
العبيد ثمَّ كتب إِلَى البربر أَيْضا يغريهم بالعبيد وأغرى العبيد بالبربر وَقَالَ لَهُم فِي جملَة من ذَلِك إِنَّه لَا يَسْتَقِيم لنا أَمر إِلَّا بعد الْإِيقَاع بهؤلاء البربر وشغلهم بالاستعداد لغزوهم وَكتب إِلَى أهل فاس يَأْمُرهُم أَن يبعثوا رماتهم إِلَى حَضرته لغزو البربر وَأخذ فِي التضريب بَين الْعَسْكَر والبربر واطلع العبيد على خسئته فحاصوا عَنهُ حَيْصَة حمر الْوَحْش وأصفقوا على عَزله ورد أَخِيه الْمولى أَحْمد لملكه لسخائه وَبسط يَده وكذبوا فَإِن الْمولى أَبَا مَرْوَان ﵀ كَانَ أنسب حَالا بالخلافة من أَخِيه الْمولى أَحْمد لنجدته وحزمه وَكَانَ قد عزم على تَطْهِير الحضرة وبساط الدولة من افتيات العبيد وتحكمهم على أعياصها إِلَّا أَنه لم يحكم التَّدْبِير فِي ذَلِك فعاجلوه قبل أَن يعاجلهم
وَلما تحقق الْمولى أَبُو مَرْوَان بِمَا عزم عَلَيْهِ العبيد من خلعه بعث إِلَيْهِم الشَّيْخ الْبركَة مولَايَ الطّيب بن مُحَمَّد الوزاني واعظا ومذكرا فَأَتَاهُم ووعظهم وَوَعدهمْ الْخَيْر إِن أقلعوا ونهاهم عَن الْخُرُوج على السُّلْطَان وَاتِّبَاع سَبِيل السُّلْطَان وخوفهم فِي ذَلِك من سخط الله فَمَا زادهم إِلَّا نفورا ثمَّ بعثوا بجريدة من الْخَيل إِلَى سجلماسة ليأتوا بالمولى أَحْمد وَفِي أثْنَاء ذَلِك ركب العبيد من الدِّيوَان وأغاروا على مكناسة فاكتسحوا سرحها ثمَّ اقتحموا الْمَدِينَة فنهبوها واستباحوا حرماتها وَقتلُوا من ظفروا بِهِ من أعيانها ثمَّ دخلُوا دَار الْملك للقبض على السُّلْطَان الْمولى أبي مَرْوَان فَلم يجدوه لِأَنَّهُ لما سمع بِمَا فعله العبيد بمكناسة ركب فِي جمَاعَة من أَصْحَابه وفر إِلَى فاس فَدخل حرم الْمولى إِدْرِيس ﵁ واستجار بِهِ وَبعث إِلَى أهل فاس فَاسْتَجَارَ بهم فوعدوه الدفاع عَنهُ وَالْقِيَام بأَمْره
وَلما علم العبيد بِموضع الْمولى أبي مَرْوَان من فاس وَمَا وعده بِهِ أَهلهَا حبسوا رماتهم الَّذين كَانُوا قد قدمُوا مكناسة بِقصد غَزْو البربر كَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ وثقفوهم حَتَّى يقدم السُّلْطَان الْمولى أَحْمد من سجلماسة وَيرى فيهم وَفِي أَخِيه رَأْيه وَكَانَ ذَلِك فِي ذِي الْحجَّة سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَألف
стр. 1287
الْخَبَر عَن الدولة الثَّانِيَة لأمير الْمُؤمنِينَ الْمولى أبي الْعَبَّاس أَحْمد الذَّهَبِيّ ﵀
لما راسل العبيد الْمولى أَحْمد بِنَا إِسْمَاعِيل بسجلماسة وأعلموه بِمَا عزموا عَلَيْهِ من عزل أَخِيه ورد الْملك إِلَيْهِ بَادر بالقدوم إِلَى مكناسة فَدَخلَهَا فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم وَحضر أَعْيَان الدولة من القواد والقضاة وَالْكتاب وَبَايَعُوهُ الْبيعَة الثَّانِيَة وَكَتَبُوا بذلك إِلَى الْآفَاق ثمَّ دخل دَار الْملك وَفرق الْأَمْوَال والكسى فِي الْعَسْكَر وَالْعُلَمَاء الْأَشْرَاف وَبَالغ فِي ذَلِك تفصيا مِمَّا نقمه العبيد على أَخِيه وَكَانَ فعل أَخِيه أقرب إِلَى الصَّوَاب لَو سلك الْوسط وَأحكم أمره ورتبه تَرْتِيب ذُو الحزم وَلَكِن مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن
حِصَار أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى أَحْمد لفاس وَالسَّبَب فِي ذَلِك
لما بُويِعَ الْمولى أَحْمد الْبيعَة الثَّانِيَة قدم عَلَيْهِ الْوُفُود من الْقَبَائِل والأمصار فَأكْرم وفادتهم وتخلف عَنهُ أهل فاس فَلم يقدم عَلَيْهِ أحد مِنْهُم لِأَنَّهُ لما قدم من سجلماسة وَأعلم بمَكَان أَخِيه مِنْهُم وبمكان رماتهم المثقفين بمكناسة أَمر بسجنهم والتضييق عَلَيْهِم فأوجسوا مِنْهُ شرا وَحَذرُوهُ وَلِأَنَّهُم كَانُوا قد ارتكبوا الْعَظِيمَة أَولا فِي قتل أبي عَليّ الروسي وَنهب دَاره وَمَاله وَمَال المخزن الَّذِي كَانَ تَحت يَده فَكَانُوا يتوقعون سطوة السُّلْطَان الْمولى أَحْمد بهم أول مَا بُويِعَ ثمَّ لم يلْتَفت إِلَيْهِم لشغله بِنَفسِهِ فَلَمَّا عَادَتْ الدولة إِلَيْهِ ارْتَابُوا بِهِ وحادوا عَن طَاعَته وتقدموا إِلَى الْمولى عبد الْملك وجددوا لَهُ الْبيعَة وأعلنوا بنصره وَالْقِيَام بأَمْره ثمَّ ورد عَلَيْهِم كتاب السُّلْطَان الْمولى أَحْمد يَأْمُرهُم أَن يسلمُوا إِلَيْهِ أَخَاهُ ويدخلوا فِيمَا دخل فِيهِ النَّاس أَو يأذنوا بحربه فجهروا بِالْخِلَافِ وَأَغْلقُوا الْأَبْوَاب ووطنوا أنفسهم على الْحصار ثمَّ بعث إِلَيْهِم
стр. 1288
السُّلْطَان الْقَائِد اليديني قَائِد الرُّمَاة المسجونين بمكناسة وَأمره أَن يعرض عَلَيْهِم الدُّخُول فِي الطَّاعَة ويسرح لَهُم إخْوَانهمْ المسجونين وَحمله كتابا إِلَيْهِم يتَضَمَّن ذَلِك وَغَيره فَلَمَّا فرغ الْقَائِد الْمَذْكُور من قِرَاءَة كتاب السُّلْطَان عَلَيْهِم وَثبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ ثمَّ جروه بِرجلِهِ وصلبوه على التوته الَّتِي بحومة الصفارين ثمَّ وَثبُوا على الْحَاج الْخياط عديل فَقَتَلُوهُ على بَاب دَاره وَخرج الشريف أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن إِدْرِيس الإدريسي فِي كَتِيبَة من الْخَيل وَالرُّمَاة إِلَى زواغة فَأَغَارَ على سرح الودايا وَاسْتَاقَ من الْبَقر وَالْغنم شَيْئا كثيرا فَدخل بِهِ فاسا وَبيع بأبخس ثمن وتوزعته الْأَيْدِي فبيعت الْبَقَرَة بست موزونات وَالشَّاة بموزونة على مَا قيل وهاجت الْحَرْب بَين أهل فاس والودايا ثمَّ نَهَضَ السُّلْطَان الْمولى أَحْمد فاتح محرم من سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف فِي عَسْكَر العبيد وودايا مكناسة فزحف إِلَى فاس وَنزل عَلَيْهَا ثَانِي يَوْمه وَنصب عَلَيْهَا المدافع والمهاريس وآلات الْحصار وانشلى الْعَسْكَر على بساتينها وبحائرها فانتسفوا ثمارها واجتاحوا غللها وَأمر الطبجية بموالاة الكور والبنب وَالْحِجَارَة عَلَيْهَا لَيْلًا وَنَهَارًا فَفَعَلُوا ودام ذَلِك إِلَى أَن عَمها الخراب وتهدم الْكثير من دورها وَهلك عدد وافر من رجالها بَعضهم فِي الْقِتَال وَبَعْضهمْ بالهدم وَالْحِجَارَة وَاسْتمرّ الْحصار نَحْو خَمْسَة أشهر فَضَاقَ بهم الْحَال وضعفوا عَن الْقِتَال وَقلت الأقوات وَارْتَفَعت الأسعار فأذعنوا للطاعة وصالحوا الْمولى أَحْمد على إِسْلَام أَخِيه الْمولى عبد الْملك إِلَيْهِ وتمكينه مِنْهُ على الْأمان فَبعث السُّلْطَان الْمولى أَحْمد إِلَى أَخِيه الْمولى عبد الْملك يخيره بَين التَّغْرِيب إِلَى سجلماسة وَالْمقَام بِالْحرم الإدريسي فَاخْتَارَ الْمقَام بِالْحرم
ثمَّ إِن السُّلْطَان تقدم إِلَى أهل فاس فِي أَن لَا يجْتَمع أحد مِنْهُم بأَخيه وَلَا يجالسه وَلَا يكلمهُ وَلَا يَبِيع من أحد من أَصْحَابه شَيْئا وَلَا يَشْتَرِي مِنْهُ وَمن فعل شَيْئا من ذَلِك فَإِنَّهُ يُعَاقب فَلَمَّا رأى الْمولى عبد الْملك مَا عَامله بِهِ أَخُوهُ من التَّضْيِيق بعث وَلَده إِلَى العبيد يطْلب مِنْهُم أَن يؤمنوه وَيخرج مَعَهم إِلَى
стр. 1289
حَيْثُ شاؤوا فَقدم عَلَيْهِ الباشا سَالم الدكالي فِي خمسين من القواد وَعَاهَدُوهُ بِالْحرم الإدريسي أَن لَا يُصِيبهُ مَكْرُوه فَخَرجُوا بِهِ حَتَّى قدمُوا بِهِ على أَخِيه فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ أَمر بِهِ أَن يحمل إِلَى مكناسة مَقْبُوضا عَلَيْهِ فوصل إِلَى مكناسة وسجن بدار الباشا مساهل ثمَّ رَحل السُّلْطَان الْمولى أَحْمد عَن فاس قَافِلًا إِلَى مكناسة وَعند حُلُوله بهَا مرض مرض مَوته وَلما أحس من نَفسه بِالْمَوْتِ أَمر بخنق أَخِيه الْمولى عبد الْملك فخنق لَيْلَة الثُّلَاثَاء أول يَوْم من شعْبَان ثمَّ توفّي السُّلْطَان الْمولى أَحْمد يَوْم السبت رَابِع شعْبَان الْمَذْكُور سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف فَكَانَ بَين وفاتهما ثَلَاثَة أَيَّام رحمهمَا الله
وَاعْلَم أَن مَا ذَكرْنَاهُ من هَذِه الْأَخْبَار هُوَ الَّذِي عِنْد صَاحب الْبُسْتَان وقلده أَبُو عبد الله أكنسوس حَذْو النَّعْل بالنعل وَرَأَيْت بِخَط جدنا من قبل الْأُم وَهُوَ الْفَقِيه الْأُسْتَاذ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم الإدريسي اليحيوي الجباري عرف بِابْن زَرُّوق وَكَانَ حَيا فِي هَذِه الْمدَّة مَا نَصه
بُويِعَ الْمولى أَحْمد بن إِسْمَاعِيل الْمَعْرُوف بالذهبي يَوْم وَفَاة وَالِده ﵀ بعد أَن ثار بالمغرب وَالْقصر وحوزه فَسَاد كَبِير بَين الْقَبَائِل وَأَصْحَاب المخزن وَهلك فِي ذَلِك بشر كثير وَبعد مكثه فِي الْملك سنة وَاحِدَة وَثَمَانِية أشهر خلع وبويع أَخُوهُ الْمولى عبد الْملك فِي الآخر من رَجَب سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف وَهُوَ بالسوس الْأَقْصَى بِمَدِينَة تارودانت ثمَّ ورد على دَار المملكة بالحضرة المكناسية لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان الْمُعظم من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ ثار عَلَيْهِ أَخُوهُ الْمولى أَحْمد المخلوع فِي عَاشر الْمحرم فاتح سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف واقتحم عَلَيْهِ دَار الْملك من مكناسة عنْوَة وَوَقع فَسَاد كَبِير بِالْمَدِينَةِ الْمَذْكُورَة وَهلك بشر كثير فِي الْحَرْب وَمِنْهُم من قتل صبرا وفر الْمولى عبد الْملك ناجيا بِنَفسِهِ إِلَى فاس ثمَّ حاصره بهَا الْمولى أَحْمد نَحوا من أَرْبَعَة أشهر حَتَّى خرج إِلَيْهِ على الْأمان فَأمر بسجنه بمكناسة ثمَّ قتل الْمولى عبد الْملك صبرا مخنوقا فِي أَوَاخِر رَجَب الْمَذْكُور أَيْضا اه كَلَامه وَالله تَعَالَى أعلم بِحَقِيقَة الْأَمر
стр. 1290
قَالُوا وَكَانَ الْمولى أَحْمد ﵀ أشبه النَّاس بالأمين بن الرشيد العباسي فِي زيه ولهوه وإكبابه على شهواته وتضييع الحزم وَالْجد حَتَّى فَسدتْ الْأَحْوَال وتراكمت الْأَهْوَال وَذكر معاصروه أَنه لم يكن شهد حَربًا قطّ قبل خِلَافَته وَكَانَ مَعَ ذَلِك جوادا متلافا فآلت بِهِ الْأُمُور إِلَى مَا ذكرنَا وَللَّه الْأَمر من قبل وَمن بعد
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الله بن إِسْمَاعِيل ﵀
كَانَ الْمولى عبد الله بن إِسْمَاعِيل وَهُوَ وَلَده الْحرَّة خناثي بنت بكر المغفري أَيَّام خلَافَة أَخِيه الْمولى أَحْمد منحاشا إِلَى أَخِيه الْمولى عبد الْملك وَمُقِيمًا مَعَه بِبِلَاد السوس فَلَمَّا خلع الْمولى أَحْمد وبويع الْمولى عبد الْملك وَقدم مكناسة قدم الْمولى عبد الله فِي ركابه وَاسْتمرّ مُقيما بهَا إِلَى أَن ثار العبيد بالمولى عبد الْملك وفر إِلَى الْحرم الإدريسي فَخرج الْمولى عبد الله من مكناسة إِلَى سجلماسة وَأقَام بداره بهَا إِلَى أَن توفّي السُّلْطَان الْمولى أَحْمد فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم فَاجْتمع أَعْيَان الدولة من العبيد والودايا وَسَائِر القواد والرؤساء وَاتَّفَقُوا على بيعَة الْمولى عبد الله بن إِسْمَاعِيل وَهُوَ يَوْمئِذٍ بسجلماسة فَنَادوا باسمه وأعلنوا بنصره فِي الْمحلة ومكناسة وبعثوا جَرِيدَة من الْخَيل لتأتي بِهِ وَكَتَبُوا مَعَ ذَلِك إِلَى أهل فاس يعزونهم عَمَّن هلك من إخْوَانهمْ أَيَّام الْحصار ويحضونهم على الْمُوَافقَة على بيعَة الْمولى عبد الله بن إِسْمَاعِيل
وَلما وصل الْكتاب إِلَى فاس قرىء على مِنْبَر جَامع الْقرَوِيين فَأَجَابُوا بالموافقة إِن حضر وَلما وصلت الْخَيل إِلَى الْمولى عبد الله وأعلموه بِمَا اتّفق عَلَيْهِ النَّاس فِي شَأْنه أقبل مسرعا حَتَّى نزل بِظَاهِر فاس بالموضع الْمُسَمّى بالمهراس فَخرج أَعْيَان فاس من الْعلمَاء والأشراف وَغَيرهم لملاقاته فَسَلمُوا عَلَيْهِ وَاسْتَبْشَرُوا بقدومه فسر بهم والآن لَهُم القَوْل وَوَعدهمْ بالجميل
стр. 1291
وأعلمهم بِأَنَّهُ من الْغَد دخل لحضرتهم لزيارة الْمولى إِدْرِيس ﵁ فَرَجَعُوا مسرورين مغتبطين وَمن الْغَد أخذُوا زينتهم ولبسوا أسلحتهم ونشروا أَلْوِيَتهم وَخَرجُوا لميعاده فَركب السُّلْطَان فرسه وَركب مَعَه خاصته وَأهل موكبه وَفِي جُمْلَتهمْ حمدون الروسي عَدو أهل فاس وَتقدم السُّلْطَان فَدخل على بَاب الْفتُوح وتوسط الْمَدِينَة فَرَأى بعض سماسرة الْفِتَن من أَوْلَاد ابْن يُوسُف حمدون الروسي وَكَانَ قد قتل أباهم حَسْبَمَا مر فصمدوا إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُمْ تنحى عَنْهُم قَلِيلا فتبعوه فَعلم أَنهم عزموا على اغتياله فركض فرسه إِلَى السُّلْطَان وَهُوَ على قنطرة الرصيف وَأخْبرهُ خبر أَوْلَاد ابْن يُوسُف وَخص وَعم بالإرجاف فِي حق أهل فاس فَعدل السُّلْطَان عَن قَصده وَرجع على طَرِيق جَامع الْحُوت ثمَّ على جَزَاء ابْن عَامر وَخرج على بَاب الْحَدِيد إِلَى فاس الْجَدِيد وَلم يزر وَلم يعلم النَّاس مُوجب الرُّجُوع عَن الزِّيَارَة إِلَى أَن شاع الْخَبَر بذلك فَمشى عُلَمَاء فاس وأشرافها إِلَى السُّلْطَان وَرفعُوا إِلَيْهِ بيعتهم وَاعْتذر إِلَيْهِ بعض الْفُقَهَاء بِأَن مَا وَقع فِي جَانب حمدون إِنَّمَا هُوَ من بعض السُّفَهَاء فَأَعْرض السُّلْطَان عَن ذَلِك وصم عَن سَمَاعه
وَكَانَت الْبيعَة الَّتِي رَفعهَا أهل فاس من إنْشَاء الْفَقِيه الْعَالم الْوَجِيه أبي الْعَلَاء إِدْرِيس بن الْمهْدي المشاط الْمنَافِي نِسْبَة إِلَى عبد منَاف بن قصي وَهَذَا الْفَقِيه هُوَ الَّذِي كَانَ السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ بَعثه قَاضِيا على تادلا مَعَ ابْنه الْمولى أَحْمد الذَّهَبِيّ حِين ولاه عَلَيْهَا كَمَا مر وَنَصهَا
الْحَمد لله الَّذِي جعل الْعدْل صلاحا للْملك والرعية والعباد كَمَا جعل الْجور هَلَاكًا للحرث والماشية والبلاد وسدد الْعَادِل بعنايته وَأعد للجائر مَا هُوَ مَعْلُوم لَهُ يَوْم الْمعَاد وَجعل المقسطين على مَنَابِر من نور يَوْم الْقِيَامَة كَمَا جعل القاسطين فِي الْعَذَاب والحسرات والأنكاد فأسعد الْمُلُوك يَوْم الْقِيَامَة من سلك مَعَ الرّعية سَبِيل السداد وَأصْلح مَا أظهره الجائر فِي الأَرْض من الْفساد نحمده أَن تفضل علينا بِإِمَام عَادل ونشكره إِن حكم فِينَا من لَا يصغي فِي الْحق لقَوْل عاذل فولى علينا الْخَلِيفَة من نسل الشَّفِيع يَوْم التناد
стр. 1292
ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَا يسْأَل عَمَّا يفعل يُؤْتى الْملك من يَشَاء وَينْزع الْملك مِمَّن يَشَاء فِي أَي وَقت شَاءَ وَأَرَادَ ونشهد أَن سيدنَا وَنَبِينَا ومولانا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الشَّفِيع فِي أمته يَوْم لَا ينفع الظَّالِمين معذرتهم وَلَا يقبل من القاسطين فدَاء بطريف وَلَا تلاد ﷺ الَّذين أظهرُوا الشَّرِيعَة ومحوا الظُّلم محمو المداد أما بعد حمد الله الَّذِي أَمر بِطَاعَة أولي الْأَمر ووعد من نصر دينه بالظفر والنصر فَقَالَ ﵇ وَمن مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقه بيعَة مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة وَفِي صَحِيح مُسلم عَنهُ ﷺ قَالَ من أَرَادَ أَن يفرق أَمر هَذِه الْأمة وَهُوَ جَمِيع فاضربوا عُنُقه بِالسَّيْفِ كَائِنا من كَانَ وَفِي صَحِيح مُسلم أَيْضا عَنهُ ﷺ قَالَ من أَتَاكُم وأمركم جَمِيع على رجل وَاحِد وَأَرَادَ أَن يفرق جماعتكم فَاقْتُلُوهُ وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من كره من أميره شَيْئا فليصبر فَإِن من خرج عَن السُّلْطَان شبْرًا مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة وَفِيه أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أَطَاعَنِي فقد أطَاع الله وَمن عَصَانِي فقد عصى الله وَمن أطَاع أَمِيري فقد أَطَاعَنِي وَمن عصى أَمِيري فقد عَصَانِي وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ لِابْنِ عقبَة لَعَلَّك لَا تَلقانِي بعد الْيَوْم فَعَلَيْك بتقوى الله تَعَالَى والسمع وَالطَّاعَة للأمير وَإِن عبدا حَبَشِيًّا
وَاتفقَ أَئِمَّة الدّين على أَن نصب الإِمَام وَاجِب على الْمُسلمين وَإِن كَانَ من فروض الْكِفَايَة كَمَا أَن الْقيام بذلك من الْوَاجِبَات كَمَا دلّت عَلَيْهِ نُصُوص الْأَحَادِيث والآيات وَقَالَ الشَّاعِر
(لَا يصلح النَّاس فوضى لَا سراة لَهُم ... وَلَا سراة إِذا جهالهم سادوا)
وَلما كَانَ من أَمر الله سُبْحَانَهُ مَا أَرَادَهُ وَقدره فَقبض إِلَيْهِ خَلِيفَته وأقبره دهش الْمُسلمُونَ وخافوا من توالي الشرور والفتن فتوجهوا إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ فِي أَن يغمد عَنْهُم السيوف وطلبوا من فَضله الْمَعْهُود أَن يصرف عَنْهُم ضروب المحن والحتوف فَأجَاب الْكَرِيم الدَّعْوَات وَنَفس الهموم والكربات وَنشر
стр. 1293
رَحمته وأزاح نقمته فَصَارَت الْقُلُوب ناعمة بعد بؤسها وَالْوُجُوه ضاحكة بعد عبوسها والشرور والفتن قد أَدْبَرت وأعلام الْأَمْن والعافية قد أَقبلت فوفق الله جيوش الْمُسلمين للأعمال المرضية والهمم لما فِيهِ صَلَاح الدُّنْيَا وَالدّين والراعي والرعية فَاقْتضى نظرهم السديد ورأيهم الْمُوفق الرشيد بيعَة من فِي أفق السَّعَادَة قد طلع وَظهر فِي سَمَاء الْمَعَالِي بدره وارتفع الإِمَام الْهمام الْعلوِي الْهَاشِمِي الْعدْل فِي الْأَحْكَام الْمَوْصُوف بِالْكَرمِ والشجاعة والشهامة والحزم والنجدة والزعامة المتواضع لله المتَوَكل فِي جَمِيع أُمُوره على الله أَمِير الْمُؤمنِينَ مَوْلَانَا عبد الله بن الشريف الْجَلِيل الْمَاجِد الْأَصِيل أَمِير الْمُؤمنِينَ مَوْلَانَا إِسْمَاعِيل ابْن مَوْلَانَا الشريف فَبَايعُوهُ أعزه الله على كتاب الله وَسنة الرَّسُول وَإِقَامَة الْعدْل الَّذِي هُوَ غَايَة المأمول بيعَة التزمتها الْقُلُوب والألسنة وسعت إِلَيْهَا الْأَقْدَام والرؤوس خاضعة مذعنة لَا يخرجُون لَهُ من طَاعَة ولاينحرفون عَن مهيع الْجَمَاعَة أشهدوا على أنفسهم عَالم الطويات المطلع على جَمِيع الخفيات قائلين إننا بايعناك وقلدناك لتسير فِينَا بِالْعَدْلِ والرفق وَالْوَفَاء والصدق وتحكم بَيْننَا بِالْحَقِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى لنَبيه فِي مُحكم وحيه ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ﴾ ص ٢٦ وَقَالَ تَعَالَى وَقَوله الْحق ﴿وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسيؤتيه أجرا عَظِيما﴾ الْفَتْح ١٠ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تكن للخائنين خصيما﴾ النِّسَاء ١٠٥ وَهَذِه الرّعية تطلب من رَبهَا أَن يعين مَالِكهَا ويساعده ويقذف الرعب فِي قلب من يُرِيد أَن يعانده وَأَن يفتح عَلَيْهِ مَا عسر على غَيره ويمده بعزيز نَصره إِنَّه على مَا يَشَاء قدير وبالإجابة جدير وَبِيَدِهِ الْقُوَّة والحول نعم الْمولى وَنعم النصير شهد بذلك على نَفسه وَمن مَعَه العَبْد الْفَقِير المذنب الحقير ممليها وكاتبها إِدْرِيس بن الْمهْدي المشاط بِمحضر فلَان وَفُلَان وَجُمْهُور الْفُقَهَاء والأعيان فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع رَمَضَان سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف
ثمَّ سَافر السُّلْطَان فِي الْحِين إِلَى مكناسة كَمَا نذكرهُ
стр. 1294
حُدُوث النفرة بَين أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الله وَأهل فاس وَالسَّبَب فِي ذَلِك
قد قدمنَا مَا كَانَ من وَسْوَسَة حمدون الروسي للسُّلْطَان الْمولى عبد الله فِي جَانب أهل فاس واعتذار بعض الْفُقَهَاء لَدَى السُّلْطَان عَن ذَلِك ثمَّ إِن السُّلْطَان أَمر أهل فاس ببعث طَائِفَة مِنْهُم تكون مَعَه على الْعَادة فعينوا الْخَمْسمِائَةِ الَّتِي كَانَت تغزو مَعَ الْمُلُوك قبله فَذَهَبت مَعَه إِلَى مكناسة
وَلما اسْتَقر بالحضرة قدم عَلَيْهِ أَعْيَان الدِّيوَان وعمال الْقَبَائِل ووفود الحواضر والبوادي فَفرق المَال وَلم يحرم أحدا سوى أهل فاس فَإِنَّهُ لم يعطهم شَيْئا ثمَّ حضر عيد الْفطر فَقدمت وُفُود الْأَمْصَار ليشهدوا الْعِيد مَعَ السُّلْطَان على الْعَادة وَقدم وَفد فاس لهَذَا الْغَرَض وحضروا صَلَاة الْعِيد مَعَ السُّلْطَان بالمصلى وَلما قدم النَّاس هداياهم بعد رُجُوع السُّلْطَان إِلَى منزله قدم أهل فاس هديتهم على الْعَادة فَأعْطى النَّاس وحرمهم ثَانِيًا
قلت وَلست أَشك فِي أَن شَيْطَانا من شياطين الْإِنْس كَانَ موكلا بِهَذَا السُّلْطَان يغريه بِأَهْل فاس ويوغر صَدره عَلَيْهِم وَيفْسد مَا بَينه وَبينهمْ وَإِلَّا فَكيف تَقْتَضِي السياسة أَن يعمد ملك كَبِير إِلَى أخص رَعيته ولبها وصميمها فَيفْسد ضمائرها عَلَيْهِ ويزرع بغضه فِي قلوبها وهب أَنهم أساؤوا الْأَدَب أَلَيْسَ التغافل مَطْلُوبا فِي مثل هَذَا مَا أمكن لَا سِيمَا فِي حق السُّلْطَان وَقد كَانَ المُنَافِقُونَ يُؤْذونَ رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه فيحلم عَنْهُم وَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه أَلا نقتلهم فَقَالَ لَهُ ﷺ كَيفَ يتحدث النَّاس أَن مُحَمَّدًا يقتل أَصْحَابه وَمن الحكم المأثورة قَوْلهم التعامي يدْفع شرا كثيرا وَقَالَ الشَّاعِر
(لَيْسَ الْغَنِيّ بِسَيِّد فِي قومه ... لَكِن سيد قومه المتغابي)
стр. 1295
وَمن الْغَد أَمر السُّلْطَان بإحضار أهل فاس بالمشور ثمَّ خرج عَلَيْهِم فَقَامُوا إِلَيْهِ وأدوا وَاجِب التَّحِيَّة فَقَالَ لَهُم يَا أهل فاس كاتبوا إخْوَانكُمْ يسلمُوا إِلَيْنَا الْبَسَاتِين والقصبات فَإِنَّهَا للمخزن وَمن وظائفه فَإِن أَبَوا فَإِنِّي آتيهم وأهدم عَلَيْهِم تِلْكَ الْقرْيَة فَأَجَابُوا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وعادوا إِلَى رحالهم
وَلما كَانَ الْمسَاء اتَّخذُوا اللَّيْل جملا وأسروا ليلتهم كلهَا وَلم يصبحوا إِلَّا بِبَاب فاس فَاجْتمعُوا بإخوانهم وقرروا لَهُم مقَالَة السُّلْطَان وَمَا عزم عَلَيْهِ فِي حَقهم فَاجْتمع أعيانهم وتفاوضوا فِي شَأْنهمْ وشأن السُّلْطَان وأحضروا نُسْخَة الْبيعَة وتصفحوا شُرُوطهَا وَقَالُوا إِنَّا لم نُبَايِعهُ على هَذَا الَّذِي يعاملنا بِهِ ثمَّ أعْلنُوا بخلعه وَالْأَمر لله وَحده
حِصَار الْمولى عبد الله مَدِينَة فاس
لما أعلن أهل فاس بخلع السُّلْطَان الْمولى عبد الله عزموا على الْحَرْب ووطنوا أنفسهم على الْحصار وَنَادَوْا فِي الْمَدِينَة من أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى بَلَده ومأمنه من غير أهل الْبَلَد فليتهيأ فِي ثَلَاث ثمَّ أغلقوا أَبْوَاب الْمَدِينَة واستعدوا لِلْقِتَالِ
وَلما سمع السُّلْطَان بخبرهم تهَيَّأ لغزوهم فَأخذ أهبته وَخرج من مكناسة فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف فَنزل على فاس ووزع الْجنُود عَلَيْهَا من كل نَاحيَة وَأطلق يَد الْجَيْش بالعيث فِي أطرافها من تخريب المصانع وَقطع الْأَشْجَار وإفساد الْمزَارِع وَأمر بطم الْوَادي فانحبس عَنْهُم مَاؤُهُ وزحفت العساكر فَكَانَ الْقِتَال على كل بَاب سَائِر النَّهَار فَإِذا كَانَ الْمسَاء أَمر الطبجية والأعلاج بإرسال الكور والبنب وحجارة المنجنيق فَكَانَ النَّاس لَا يستريحون بِالنَّهَارِ وَلَا ينامون بِاللَّيْلِ وَاشْتَدَّ الكرب وريع السرب وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى أَن دخلت سنة اثْنَتَيْنِ
стр. 1296
واربعين وَمِائَة وَألف فازداد الْأَمر شدَّة وَارْتَفَعت الأسعار وانعدمت الأقوات وَكثر الْهَرج فبعثوا إِلَى السُّلْطَان فِي الصُّلْح فَقَالَ على تَسْلِيم الْبَسَاتِين والقصاب فَأَبَوا وتجلدوا ثمَّ بعد ذَلِك وَقع الصُّلْح على يَد الْقَائِد أبي عبد الله مُحَمَّد السلاوي بضريح الْمولى إِدْرِيس ﵁ واستصحب مَعَه جمَاعَة من أَشْرَاف فاس وعلمائها إِلَى السُّلْطَان وَهُوَ بفاس الْجَدِيد فَأكْرم مقدمهم ووصلهم بِأَلف دِينَار وكساهم وَولى عَلَيْهِم الْحَاج أَبَا الْحسن عليا السلاوي فَدخل الْوَالِي الْمَذْكُور القصبة ثَانِي ربيع النَّبَوِيّ سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف وشحن الْبَسَاتِين والقصاب بالمقاتلة من أَصْحَابه وافتتح عمله بقتل الشَّيْخ دحمان المنجاد من رُؤَسَاء فاس وَلما اتَّصل خَبره بالسلطان عَزله وَولى على فاس أحد أَوْلَاد حمدون الروسي الْمَعْرُوف بالبادسي ثمَّ بعد مُدَّة يسيرَة عَزله وَولى عبد النَّبِي بن عبد الله الروسي ثمَّ لما عزم على النهوض إِلَى مكناسة عَزله أَيْضا وَولى عَلَيْهِم عدوهم حمدون الروسي وارتحل فِي الْعشْرين من ربيع الأول من السّنة
وَفِي هَذِه السّنة بعث السُّلْطَان وَلَده الْمولى مُحَمَّدًا مَعَ أمه السيدة خناثى إِلَى الْحجاز بِقصد حج الْبَيْت وَالْمولى مُحَمَّد يَوْمئِذٍ دون بُلُوغ وَفِي نشر المثاني إِن هَذِه الْحجَّة كَانَت سنة ثَلَاث بعْدهَا قَالَ إِن أم السُّلْطَان الْمولى عبد الله وَهِي السيدة خناثى بنت بكار المغفرية التمست من وَلَدهَا الْمَذْكُور السّفر إِلَى الْمشرق بِقصد حج بَيت الله الْحَرَام فأجابها إِلَى ذَلِك وهيأ لَهَا جَمِيع مَا تحْتَاج إِلَيْهِ وَوجه مَعهَا وَلَده الَّذِي أيد الله بِهِ الدُّنْيَا وَالدّين بعده سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله فحج مَعهَا فِي هَذِه السّنة يَعْنِي سنة ثَلَاث واربعين وَمِائَة وَألف
стр. 1297
نهوض السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَى قتال البربر وإيقاعه بهم
لما اسْتَقر السُّلْطَان الْمولى عبد الله بمكناسة وتفقد حَال البربر وجدهَا قد عَادَتْ إِلَى حَالهَا الأول من ركُوب الْخَيل واقتناء السِّلَاح والعيث فِي الطرقات فَأمر العبيد بالاستعداد لغزوهم وتمهيد الْبِلَاد وَالتَّقْصِير من بأوهم فَخرج إِلَى تادلا وصمد إِلَى آيت يمور الَّذين كَانُوا قد نزلُوا بهَا وأضروا بِأَهْلِهَا حِين نفتهم آيت ومالو عَن رَأس ملوية وغلبوهم عَلَيْهِ فنزلوا تادلا وأوقدوها نَارا فَكثر شاكيهم بِبَاب السُّلْطَان فَنَهَضَ إِلَيْهِم على مَا سبق وَلما أحسوا بدنوه مِنْهُم فروا أَمَامه ودخلوا بِلَاد آيت يسري فَتَبِعهُمْ إِلَى أَن أوقع بهم على وَادي العبيد وَقتل مِنْهُم آلافا وانتهبهم وَعَاد إِلَى تادلا ظافرا وَالله غَالب على أمره
ذكر مَا صدر من السُّلْطَان الْمولى عبد الله من العسف المخل بالسياسة والتناقض المغير فِي وَجه الرياسة
لما عَاد السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَى تادلا قتل عشْرين رجلا من أَعْيَان رُمَاة أهل فاس وَكتب إِلَى إخْوَانهمْ يعْتَذر عَن قتل من قتل مِنْهُم وَيَأْمُرهُمْ بتجديد بعث آخر وتوجيهه إِلَيْهِ فعينو طَائِفَة من رماتهم وجهوها بعد أَن عرضهَا الْقَائِد حمدون الروسي بِرَأْس المَاء ثمَّ من الْغَد قتل الْقَائِد حمدون الْمَذْكُور عبد الْوَاحِد تيبر وَمُحَمّد بن الْأَشْهب من أهل فاس بِبَاب السجْن وَأمر بجرهما فِي سِكَك الْمَدِينَة ثمَّ أصبح غاديا على أَبْوَاب فاس فتتبعها بالهدم فهدم بَاب المحروق وَبَاب الْفتُوح وَبَاب الجيسة وَبَاب بني مُسَافر وَبَاب الْحَدِيد وَحمل مصاريعها كلهَا إِلَى فاس الْجَدِيد وَفِي أول يَوْم من الْمحرم من سنة ثَلَاث واربعين وَمِائَة وَألف شرع حمدون الروسي فِي هدم سور مَدِينَة فاس وجر الأنقاض الَّتِي بهَا إِلَى فاس الْجَدِيد وَفِي أثْنَاء ذَلِك
стр. 1298
ورد كتاب من السُّلْطَان يتَضَمَّن الْعَفو عَن أهل فاس وَالرِّضَا عَنْهُم فارتاب حمدون الروسي وفر إِلَى زرهون ثمَّ قفل السُّلْطَان من تادلا فَأَقَامَ بمكناسة مُدَّة يسيرَة وَخرج غازيا بِلَاد السوس فَقَدمهَا ومهدها وَعَاد مؤيدا منصورا وَفِي هَذِه السّنة أَمر بِبِنَاء بَاب مَنْصُور العلج بمكناسة فجَاء فِي غَايَة الضخامة والفراهة وأكمل سوق القصبة فجَاء على مَا يَنْبَغِي وَالله أعلم
هدم السُّلْطَان الْمولى عبد الله مَدِينَة الرياض من حَضْرَة مكناسة وَمَا اتَّصل بذلك
كَانَت مَدِينَة الرياض زِينَة مكناسة وبهجتها إِذْ كَانَ بهَا آثَار أكَابِر دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ وَبهَا دور الْعمَّال والقواد وَالْكتاب وَسَائِر أَعْيَان الحضرة الإسماعيلية بل كل من كَانَ لَهُ وظيف فِي خدمتها السُّلْطَانِيَّة بنى دَاره بهَا وتنافس الأكابر والرؤساء فِي تشييد الدّور وتنجيد الْقُصُور وَتَنَاهوا فِي ذَلِك حَتَّى كَانَ بدار عَليّ بن يشي القبلي أَربع وَعِشْرُونَ حَلقَة يجمعها بَاب وَاحِد وَكَانَت دَار الْقَائِد عبد الله الروسي وَأَوْلَاده على ذَلِك المنوال بل أعظم ضخامة وأكمل حضارة حَتَّى كَأَنَّهَا حومة مُسْتَقلَّة وَكَانَ لأمثالهما من القواد مثل ذَلِك أَو قريب مِنْهُ فخلدوا بهَا الْآثَار الْعَظِيمَة والمعالم الفخيمة وَبنى كل عَامل مَسْجِدا فِي حومته وَكَانَ بوسطها الْمَسْجِد الْأَعْظَم الْإِسْمَاعِيلِيّ ومدرسته وحمامه وفنادقه وأسواقه الموقوفه عَلَيْهِ وَكَانَت تنْفق بهَا البضائع الَّتِي لَا تنْفق فِي غَيرهَا فَأتى عَلَيْهَا من أَيَّام النحوس يَوْم ركب السُّلْطَان الْمولى عبد الله عِنْد فجره ووقف على تل عَال يشرف مِنْهُ عَلَيْهَا وَأمر النَّصَارَى والشعابنية بهدمها فتسارعوا إِلَيْهَا وشرعوا فِي هدمها من كل نَاحيَة وَالنَّاس نيام فَلم يرعهم إِلَّا بُيُوتهم تتساقط عَلَيْهِم فَمن أسْرع وخف بِحمْل مَتَاعه وآثاثه نجا وَمن لَا معِين لَهُ أَو ترَاخى فِي حمل مَتَاعه ضَاعَ تَحت التُّرَاب وَكَانَ بهَا طَائِفَة كَبِيرَة من أَخْوَاله الودايا وَغَيرهم فارتحل
стр. 1299
الودايا إِلَى فاس الْجَدِيد وانضموا إِلَى إخْوَانهمْ الَّذين بهَا وتفرق غَيرهم بِمَدِينَة مكناسة وَلم تمض عشرَة أَيَّام حَتَّى صَارَت مَدِينَة الرياض كدية من التُّرَاب وَلم يبْق بهَا إِلَّا الأسوار قَائِمَة الإشخاص والجدران مائلة للعيان وَالْأَمر لله وَحده
قَالُوا وَفِي هَذِه السّنة بعث السُّلْطَان الْمولى عبد الله بعثا مَعَ الْقَائِد أبي عمرَان مُوسَى الجراري إِلَى بعض الْجِهَات وَكَانُوا نَحْو ثَلَاثمِائَة فَلَمَّا قدمُوا عَلَيْهِ قَتله وَقتل أَصْحَابه مَعَه وَقدم عَلَيْهِ أَيْضا وَفد من عِنْد الباشا أَحْمد بن عَليّ الريفي فِي مثل هَذَا الْعدَد من طنجة وَمَعَهُمْ هَدِيَّة الباشا الْمَذْكُور فَقَتلهُمْ فَكَانَ قَتلهمْ سَبَب نفرة أَحْمد بن عَليّ عَنهُ وسعيه فِي إِفْسَاد دولته وَقتل أَيْضا من قَبيلَة حجاوة مِائَتي رجل على دَعْوَى قطع الطَّرِيق ببلادهم وَلما أَمر بِقَتْلِهِم وأخرجوا إِلَى الْمحل الْمعد لذَلِك خرج النظارة والبطالون من أهل الْبَلَد للفرجة عَلَيْهِم بِبَاب البطيوي فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذا بالسلطان قد برز من الْبَاب وَلما رأى اجْتِمَاع النَّاس قصد نحوهم فَلَمَّا رَأَوْهُ فروا إِلَى كَهْف هُنَاكَ قريب فاختفوا فِيهِ فَأتى السُّلْطَان حَتَّى وقف على بَاب الْكَهْف وَكَانَ من قربه أكوام من حجر أعدت للْبِنَاء بهَا فَأمر الأعوان من المسخرين بِوَضْع أسلحتهم وردم بَاب الْكَهْف بذلك الْحجر مَعَ التُّرَاب فَفَعَلُوا وَهلك ذَلِك الْجمع الْكثير غما وَلم يُوقف لَهُم بعد على خبر وَلَا عرف لَهُم عدد وَلما صدرت مِنْهُ هَذِه الْأَفْعَال الشنيعة عَفا الله عَنهُ كتب إِلَيْهِ أهل الدِّيوَان من مَشْرُوع الرملة يُنكرُونَ عَلَيْهِ قَتله للْمُسلمين دون مُوجب فَبعث إِلَيْهِم بالراتب وَأمرهمْ بالتهيؤ لغزو أهل فازاز فشغلهم بذلك
وَفِي هَذِه السّنة بعث مُحَمَّد بن عَليّ بن يشي الزموري القبلي واليا على فاس وَقَالَ لَهُ خُذ مِنْهُم المَال واطرحه فِي وَادي أبي الخراريب وَلَا تتركه لَهُم فَمَا أطغاهم إِلَّا المَال حَتَّى استخفوا بِأَمْر الْملك فَقدم مُحَمَّد بن عَليّ الْمَذْكُور فاسا وَنزل بدار أبي عَليّ الروسي بالمعادي وَعين من كل حومة نَقِيبًا
стр. 1300
عَارِفًا بِأَهْل الْيَسَار فجمعوه لَهُم حَتَّى كَانُوا بَين يَدَيْهِ فَأمر بسجنهم ثمَّ وظف عَلَيْهِم أَولا خَمْسمِائَة ألف مِثْقَال وزعها على التُّجَّار وَأهل الْيَسَار دون غَيرهم من الْعشْرَة آلَاف إِلَى الْألف ثمَّ شرع فِي قبض المَال الموزع وَمن ترَاخى مِنْهُم فِي الدّفع ضرب وسجن وَمن تغيب من أهل الْيَسَار حبس وَلَده أَو أَخُوهُ أَو زَوجته إِلَى أَن استوفى الْعدَد الْمَذْكُور ثمَّ عطف على أهل الصَّنَائِع والحرف وأرباب الْأُصُول من الفلاحين وَغَيرهم فوزع عَلَيْهِم قدرا وافرا من الْألف إِلَى الْمِائَة وَمَا دون ذَلِك حَتَّى لم يبْق فِي الْمَدِينَة أحد إِلَّا وَقد غرم ففر النَّاس إِلَى الْبَوَادِي والقرى وَالْجِبَال وَمِنْهُم من وصل إِلَى السودَان وتونس ومصر وَالشَّام حَتَّى لم يبْق بفاس إِلَّا النِّسَاء والذرية وَمن لَا عِبْرَة بِهِ من الرِّجَال حَتَّى أَن الَّذين كَانُوا بالسجن فينفس خُرُوجهمْ مِنْهُ فروا بِأَنْفسِهِم وَلم يعرجوا على أهل وَلَا ولد وَأقَام مُحَمَّد بن عَليّ على هَذَا الْعَمَل بفاس ثَلَاثَة عشر شهرا وَكلما اجتنى مَالا بعث بِهِ إِلَى السُّلْطَان بمكناسة وَكَانَت هَذِه الخطوب كلهَا فِيمَا بَين سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين إِلَى سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف
بعث السُّلْطَان الْمولى عبد الله جَيش العبيد إِلَى فازاز وإيقاع أَهله بهم
وَفِي سنة سِتّ واربعين وَمِائَة وَألف جهز السُّلْطَان الْمولى عبد الله جَيْشًا من العبيد يشْتَمل على خَمْسَة عشر ألفا من الْخَيل وَعقد عَلَيْهِم للباشا قَاسم ابْن ويسون وأضاف إِلَيْهِم ثَلَاثَة آلَاف من جَيش الودايا وَعقد عَلَيْهِم للقائد عبد الْملك بن أبي شفرة ووجههم إِلَى جبال آيت ومالو فَلَمَّا عبر الْجَيْش وَادي أم الرّبيع على قنطرة البروج ونزلوا بسيط آدخسان كادهم البربر بِأَن أظهرُوا الْفِرَار أمامهم وتوغلوا فِي الْجبَال فَتَبِعهُمْ العبيد إِلَى أَن توغلوا فِي تِلْكَ الْجبَال ونشبوا فِي أوعارها والبربر تَفِر مِنْهُم فِي كل وَجه وهم يتبعونهم إِلَى
следующие страницы →