Полный текст (1 747 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
سبتة وحركات هَذَا بتادلا راودوه على طَاعَة السُّلْطَان فَامْتنعَ أَولا ثمَّ أكرهوه وجاؤوا بِهِ إِلَى السُّلْطَان فطوى على ذَلِك حَتَّى إِذا استقام أمره وَملك حَضْرَة فاس الْجَدِيد قبض عَلَيْهِ وامتحنه إِلَى أَن هلك وَإِلَى الله عَاقِبَة الْأُمُور
أَخْبَار تلمسان واستيلاء السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس عَلَيْهَا
كَانَ السُّلْطَان أَبُو حمو بن يُوسُف الزياني قد عَاد إِلَى تلمسان وَثَبت قدمه بهَا كَمَا قُلْنَا إِلَى أَن خرج عَلَيْهِ ابْنه أَبُو تاشفين آخر سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة فَوَقَعت بَينهمَا حروب وشرق أَبوهُ بدائه ثمَّ عَادَتْ لَهُ الكرة عَلَيْهِ فِي أَخْبَار طَوِيلَة فاستمد أَبُو تاشفين السُّلْطَان أَبَا الْعَبَّاس فأمده بِابْنِهِ الْأَمِير أبي فَارس ووزيره مُحَمَّد بن يُوسُف بن علال عقد لَهما على جَيش كثيف من بني مرين وَغَيرهم فانتصر أَبُو تاشفين على أَبِيه فَقتله وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس ثمَّ تقدم فَدخل تلمسان آخر سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَاسْتمرّ بهَا مُقيما لدَعْوَة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس فَكَانَ يخْطب لَهُ على مَنَابِر تلمسان وَيبْعَث إِلَيْهِ بالضريبة كل سنة كَمَا شَرط على نَفسه عِنْد تَوْجِيه العساكر مَعَه وَاسْتمرّ على ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين وَسَبْعمائة فتغلب على تلمسان أَخُوهُ الْأَخير يُوسُف بن أبي حمو
وَلما اتَّصل الْخَبَر بالسلطان أبي الْعَبَّاس خرج من الحضرة إِلَى تازا وَمن
стр. 772
هُنَالك بعث ابْنه الْأَمِير أَبَا فَارس فِي العساكر إِلَى تلمسان فاستولى عَلَيْهَا وَأقَام فِيهَا دَعْوَة وَالِده وفر يُوسُف بن أبي حمو إِلَى بعض الْحُصُون فاعتصم بِهِ إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ
وُصُول هَدِيَّة صَاحب مصر السُّلْطَان الظَّاهِر برقوق إِلَى السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بتازا وَالسَّبَب فِي ذَلِك
كَانَ الْعَلامَة الرئيس ولي الدّين ابْن خلدون قد استوطن فِي آخر عمره مصر الْقَاهِرَة وَنزل من سلطانها بالمنزلة الرفيعة قَالَ ﵀ وَكَانَ يُوسُف ابْن عَليّ بن غَانِم أَمِير أَوْلَاد حُسَيْن من معقل ثمَّ من أَوْلَاد جرار مِنْهُم قد حج سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة واتصل بِصَاحِب مصر الْملك الظَّاهِر برقوق أول مُلُوك الجراكسة من التّرْك قَالَ فتقدمت إِلَى السُّلْطَان الْمَذْكُور فِيهِ وأخبرته بمحله من قومه فَأكْرم تلقيه وَحمله بعد قَضَاء حجه هَدِيَّة إِلَى صَاحب الْمغرب يطرفه فِيهَا بتحف من بضائع بَلَده على عَادَة الْمُلُوك فَلَمَّا قدم يُوسُف بهَا على السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أعظم موقعها وَجلسَ فِي مجْلِس حفل لعرضها والمباهاة بهَا وَشرع فِي الْمُكَافَأَة عَلَيْهَا بمتخير الْجِيَاد والبضائع وَالثيَاب حَتَّى إِذا اسْتكْمل من ذَلِك مَا رضيه وعزم على بعثها مَعَ يُوسُف بن عَليّ حاملها الأول وَإنَّهُ يَبْعَثهُ بهَا من مَوضِع مقَامه بتازا اخترمته الْمنية دون ذَلِك
стр. 773
وَفَاة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم ﵀ ...
كَانَت وَفَاة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بِمحل مقَامه من تازا وَهُوَ يشارف أَحْوَال ابْنه أبي فَارس ووزيره صَالح بن حمو الياباني وَكَانَ قد قدمهما لفتح تلمسان والبلاد الشرقية فَأَصَابَهُ حمامه هُنَالك لَيْلَة الْخَمِيس السَّابِع من محرم فاتح سنة سِتّ وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَحمل إِلَى فاس فَدفن بالقلة وسنه يَوْمئِذٍ تسع وَثَلَاثُونَ سنة فَكَانَت دولته الثَّانِيَة سِتّ سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر وَمن وزرائه فِي هَذِه الدولة صَالح بن حمو الياباني وَمُحَمّد بن يُوسُف بن علال الصنهاجي وَمن حجابه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ القبائلي وَمن كِتَابه الشريف أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن عبد الله الحسني السبتي والقائد مُحَمَّد بن مُوسَى بن مَحْمُود الْكرْدِي وَيحيى بن الْحسن بن أبي دلامة التسولي وَمن قُضَاته القَاضِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم اليزناسني قَالَ فِي الجذوة وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس شَاعِرًا مفلقا بديع التَّشْبِيه فَمن نظمه قَوْله
(أما الْهوى يَا صَاحِبي فألقته ... وعهدته من عهد أَيَّام الصِّبَا)
(ورأيته قوت النُّفُوس وحليها ... فتخذته دينا إِلَيّ ومذهبا)
(ولبست دون النَّاس مِنْهُ حلَّة ... كَانَ الْوَفَاء لَهَا طرازا مذهبا)
(لَكِن رَأَيْت لَهُ الْفِرَاق منغصا ... لَا بفراقنا لَا مرْحَبًا)
وَمن أَخْبَار السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس مَا حَكَاهُ فِي نفح الطّيب أَن الأديب الْكَاتِب أَبَا الْحسن عَليّ ابْن الْوَزير لِسَان الدّين ابْن الْخَطِيب كَانَ مصاحبا للسُّلْطَان أبي الْعَبَّاس هَذَا فَحَضَرَ مَعَه ذَات يَوْم فِي بُسْتَان سح فِيهِ مَاء المذاكرة الهتان وَقد أبدى الْأَصِيل شَوَاهِد الاصفرار وأزمع النَّهَار لما قدم اللَّيْل على الْفِرَار فَقَالَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس لما لَان جَانِبه وَسَأَلت بَين سرحات الْبُسْتَان جداوله ومذانبه
(يَا فاس أَنِّي وأيم الله ذُو شغف ... بِكُل ربع بِهِ مغناه يسبيني)
(وَقد أنست بقربك مِنْك يَا آملي ... ونظرة فِيكُم بالأنس تحييني)
стр. 774
فَأَجَابَهُ أَبُو الْحسن ابْن الْخَطِيب بقوله الْمُصِيب
(لَا أوحش الله ربعا أَنْت زَائِره ... يَا بهجة الْملك وَالدُّنْيَا مَعَ الدّين)
(يَا أَحْمد الْحَمد أبقاك الْإِلَه لنا ... فَخر الْمُلُوك وسلطان السلاطين)
وَمن أخباره أَيْضا أَن كَاتبه أَبَا زَكَرِيَّاء يحيى بن أَحْمد بن عبد المنان دخل عَلَيْهِ عشَاء فَقَالَ لَهُ أنعم الله صباح مَوْلَانَا فَأنْكر السُّلْطَان ذَلِك وَظن أَنه ثمل فتفطن أَبُو زَكَرِيَّاء لما صدر مِنْهُ وتدارك ذَلِك فَأَنْشد مرتجلا
(صبحته عِنْد الْمسَاء فَقَالَ لي ... مَاذَا الْكَلَام وَظن ذَلِك مزاحا)
(فأجبته إشراق وَجهك غرني ... حَتَّى توهمت الْمسَاء صباحا)
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي فَارس عبد الْعَزِيز ابْن أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم ﵀
من الِاتِّفَاق الْغَرِيب أَن سُلْطَان فاس وَالْمغْرب فِي هَذَا التَّارِيخ كَانَ اسْمه عبد الْعَزِيز بن أَحْمد وسلطان تونس وإفريقية كَانَ اسْمه أَيْضا عبد الْعَزِيز بن أَحْمد وَكَانَت ولايتهما فِي سنة وَاحِدَة إِلَّا أَن مُدَّة الحفصي طَالَتْ جدا
أم هَذَا السُّلْطَان أم ولد اسْمهَا جَوْهَر صفته شَاب السن ربعَة من الْقَوْم أدعج الْعَينَيْنِ جميل الْوَجْه
لما توفّي السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس بن أبي سَالم ﵀ بتازا كَانَ ابْنه أَبُو فَارس هَذَا بتلمسان فاستدعاه رجال الدولة مِنْهَا فَقدم عَلَيْهِم بتازا وَبَايَعُوهُ بهَا يَوْم السبت التَّاسِع من محرم سنة سِتّ وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَلما تمّ أمره أطلق أَبَا زيان بن أبي حمو الزياني وَكَانَ معتقلا عِنْده بفاس لالتجائه إِلَى أَبِيه من قبل فِي خبر لَيْسَ تَفْصِيله من غرضنا وَبَعثه إِلَى تلمسان أَمِيرا عَلَيْهَا من قبله فَسَار إِلَيْهَا أَبُو زيان وملكها وَأقَام فِيهَا دَعْوَة السُّلْطَان أبي فَارس ثمَّ
стр. 775
خرج عَلَيْهِ أَخُوهُ يُوسُف بن أبي حمو واتصل بأحياء بني عَامر بن زغبة وعزم على الإجلاب عَلَيْهِ بهم فسرب أَبُو زيان فيهم الْأَمْوَال فَقَتَلُوهُ وبعثوا إِلَيْهِ بِرَأْسِهِ فسكنت أَحْوَال تلمسان وَذَهَبت الْفِتْنَة بذهاب يُوسُف واستقامت أُمُور دولة السُّلْطَان أبي فَارس قَالَه ابْن خلدون وَهُوَ آخر مَا ورخه عَن دولة الْمغرب
وَاعْلَم أَن مَا نسوقه بعد هَذَا من الْأَخْبَار عَن هَذِه الدولة المرينية لم يسمح لنا الْوَقْت بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ فِي تأليف يَخُصهَا أَو مَوْضُوع يقص أَخْبَارهَا نسقا وينصها وَإِنَّمَا تتبعنا مَا أَثْبَتْنَاهُ من ذَلِك فِي مَوَاضِع ذكرت فِيهَا بِحَسب التبع لَا بِالْقَصْدِ الأول وعَلى الله تَعَالَى فِي الْهِدَايَة إِلَى الصَّوَاب الْمعول
بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان عبد الْعَزِيز ووفاته
قَالُوا كَانَ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بن أبي الْعَبَّاس ﵀ كثير الشَّفَقَة رَقِيق الْقلب منقبضا عَن الْغدر متوقفا فِي سفك الدِّمَاء وَكَانَ فَارِسًا عَارِفًا بركض الْخَيل وَيحسن قرض الشّعْر وَيُحب سَمَاعه فَمن نظمه وَقد نزل الْمَطَر يشْكر الله تَعَالَى عَلَيْهِ قَوْله
(الله يلطف بالعباد فَوَاجِب ... أَن يشكروا فِي كل حَال نعْمَته)
(فَهُوَ الَّذِي فيهم ينزل غيثه ... من بعد مَا قَنطُوا وينشر رَحمته)
توفّي ﵀ يَوْم السبت ثامن صفر سنة تسع وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَدفن مَعَ أَبِيه بالقلة فَكَانَت دولته ثَلَاث سِنِين وشهرا وَمن وزرائه صَالح بن حمو الياباني وَيحيى بن علال بن آمصمود الهسكوري وَمن كِتَابه يحيى بن الْحسن ابْن أبي دلامة وَمن قُضَاته عبد الْحَلِيم بن أبي إِسْحَاق اليزناسني رَحِمهم الله تَعَالَى بمنه
стр. 776
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي عَامر عبد الله ابْن أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم رَحمَه الله تَعَالَى
هَذَا السُّلْطَان شَقِيق الَّذِي قبله أمه الْجَوْهَر الْمُتَقَدّمَة صفته أدعج الْعَينَيْنِ حسن الْأنف لامي العذار بُويِعَ بعد أَخِيه عبد الْعَزِيز يَوْم السبت الثَّامِن من صفر سنة تسع وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَكَانَ التَّصَرُّف والنقض والإبرام فِي هَذِه الْمدَّة كلهَا للوزراء وَتُوفِّي السُّلْطَان الْمَذْكُور بعد صَلَاة الْعَصْر من يَوْم الثُّلَاثَاء الموفي ثَلَاثِينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَانمِائَة فَكَانَت دولته سنة وَخَمْسَة أشهر سوى أَيَّام وَمن وزرائه صَالح بن حمو وَيحيى بن علال وَمن قُضَاته عبد الرَّحِيم اليزناسني وَمن حجابه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ القبائلي وفارح بن مهْدي العلج وَالله تَعَالَى أعلم
وَأما أَخْبَار الْغَنِيّ بِاللَّه ابْن الْأَحْمَر بالأندلس فَإِنَّهُ كَانَ أسقط رياسة الْجِهَاد من بني مرين بهَا ومحا رسمها من مَمْلَكَته أَيَّام أجَاز عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن للتشغيب على أبي بكر بن غَازِي بن الكاس حَسْبَمَا تقدم وَصَارَ أَمر الْغُزَاة والمجاهدين إِلَيْهِ وباشر أَحْوَالهم بِنَفسِهِ وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن هلك سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة فولي مَكَانَهُ ابْنه أَبُو الْحجَّاج يُوسُف وَبَايَعَهُ النَّاس وَقَامَ بأَمْره خَالِد مولى أَبِيه وتقبض على إخْوَته سعد وَمُحَمّد وَنصر فَكَانَ آخر الْعَهْد بهم وَلم يُوقف لَهُم بعد على خبر ثمَّ سعى عِنْده فِي خَالِد الْقَائِم بدولته وَأَنه أعد السم لقَتله وَأَن يحيى بن الصَّائِغ الْيَهُودِيّ طَبِيب دَارهم قد دَاخله فِي ذَلِك ففتك بِخَالِد وتناوشته السيوف بَين يَدَيْهِ لسنة أَو نَحْوهَا من ملكه ثمَّ حبس الطَّبِيب الْمَذْكُور فذبح فِي محبسه ثمَّ هلك سنة أَربع وَتِسْعين وَسَبْعمائة لِسنتَيْنِ أَو نَحْوهَا من ولَايَته
وَقد وقفت لبَعض الإصبنيوليين واسْمه منويل باولو القشتيلي على كتاب مَوْضُوع فِي أَخْبَار الْمغرب الْأَقْصَى فنقلت مِنْهُ بعض أَخْبَار لم أَجدهَا إِلَّا عِنْده وَهُوَ وَإِن كَانَ ينْقل الغث والسمين والرخيص والثمين إِلَّا أَن النَّاقِد
стр. 777
الْبَصِير يُمَيّز حصباءه من دره وَيفرق بَين حشفه وثمره فَمن ذَلِك أَنه حكى عَن السُّلْطَان أبي الْحجَّاج الْمَذْكُور مَا صورته قَالَ كَانَت مراسلات السُّلْطَان المريني يَعْنِي السُّلْطَان أَبَا الْعَبَّاس مَعَ السُّلْطَان يُوسُف بن الْغَنِيّ بِاللَّه صَاحب غرناطة حَسَنَة فِي الظَّاهِر تدل على الْمُوَافقَة والمحبة وَكَانَ المريني فِي الْبَاطِن يحب الِاسْتِيلَاء على مملكة غرناطة وَلما لم يُمكنهُ ذَلِك بِالسَّيْفِ عدل إِلَى أَعمال الْحِيلَة فأهدى إِلَى السُّلْطَان أبي الْحجَّاج كسى رفيعة أَحدهَا مَسْمُومَة فلبسها فَهَلَك لحينه وَمَعَ ذَلِك فَلم يدْرك المريني غَرَضه فَإِنَّهُ لم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى توفّي أَيْضا اه وَلم توفّي أَبُو الْحجَّاج بُويِعَ ابْنه مُحَمَّد بن يُوسُف وَقَامَ بأَمْره الْقَائِد أَبُو عبد الله مُحَمَّد الخصاصي من صنائع أَبِيه قَالَ ابْن خلدون وَالْحَال على ذَلِك لهَذَا الْعَهْد ولنذكر مَا كَانَ فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث
فَفِي سنة خمسين وَسَبْعمائة كَانَ الوباء الَّذِي عَم المسكونة شرقا وغربا على مَا نبهنا عَلَيْهِ فِيمَا مضى
وَفِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة توفّي الْوَلِيّ الزَّاهِد أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن عمر بن مُحَمَّد بن عَاشر الأندلسي نزيل سلا الْعَارِف الْمَشْهُور قَالَ أَبُو عبد الله بن سعد التلمساني فِي كِتَابه النَّجْم الثاقب فِيمَا لأولياء الله من المناقب كَانَ ابْن عَاشر أحد الْأَوْلِيَاء الأبدال معدودا فِي كبار الْعلمَاء مَشْهُورا بإجابة الدُّعَاء مَعْرُوفا بالكرامات مقدما فِي صُدُور الزهاد مُنْقَطِعًا عَن الدُّنْيَا وَأَهْلهَا وَلَو كَانُوا من صالحي الْعباد ملازما للقبور فِي الْخَلَاء الْمُتَّصِل ببحر مَدِينَة سلا مُنْفَردا عَن الْخلق لَا يفكر فِي أَمر الرزق وَله أَخْبَار جليلة وكرامات عَجِيبَة مَشْهُورَة مِمَّن جمع الله لَهُ الْعلم وَالْعَمَل وَألقى عَلَيْهِ الْقبُول من الْخلق شَدِيد الهيبة عَظِيم الْوَقار كثير الخشية طَوِيل التفكير وَالِاعْتِبَار قَصده أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبُو عنان وارتحل إِلَيْهِ سنة سبع وَخمسين وَسَبْعمائة فَوقف بِبَابِهِ طَويلا فَلم يَأْذَن لَهُ وَانْصَرف وَقد امْتَلَأَ قلبه من حبه وإجلاله ثمَّ عاود
стр. 778
الْوُقُوف بِبَابِهِ مرَارًا فَمَا وصل إِلَيْهِ فَبعث إِلَيْهِ بعض أَوْلَاده بِكِتَاب كتبه إِلَيْهِ يستعطفه لزيارته ورؤيته فَأَجَابَهُ بِمَا قطع رَجَاءَهُ مِنْهُ وأيأسه من لِقَائِه فَاشْتَدَّ حزنه وَقَالَ هَذَا ولي من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى حجبه الله عَنَّا اه ومناقب الشَّيْخ ابْن عَاشر وكراماته كَثِيرَة وَقد ألف فِيهَا أَبُو الْعَبَّاس بن عَاشر الحافي من عُلَمَاء سلا كِتَابه الْمُسَمّى بتحفة الزائر فِي مَنَاقِب الشَّيْخ ابْن عَاشر فَانْظُرْهُ
وَفِي سنة سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة وَهِي السّنة الَّتِي قتل فِيهَا ابْن الْخَطِيب كَانَ الْجُوع بالمغرب قَالَ أَبُو الْعَبَّاس ابْن الْخَطِيب القسنطيني الْمَعْرُوف بِابْن قنفذ فِي كِتَابه أنس الْفَقِير مَا حَاصله أَنه رَجَعَ من هجرته بالمغرب الْأَقْصَى فِي السّنة الْمَذْكُورَة إِلَى بَلَده قسنطينة فاجتاز فِي طَرِيقه بتلمسان قَالَ وَفِي هَذِه السّنة كَانَت المجاعة الْعَظِيمَة وَعم الخراب الْمغرب فأقمت بتلمسان نَحْو شهر أنْتَظر تيَسّر سلوك الطَّرِيق فالتجأت إِلَى قبر الشَّيْخ أبي مَدين ودعوت الله عِنْده فَوَقع مَا أملته وَارْتَحَلت بعد أَيَّام يسيرَة فَرَأَيْت فِي الطَّرِيق من الْخَيْر مَا كَانَ يتعجب مِنْهُ من شَاهده وَكَانَ أَمر الطَّرِيق فِي الْخَوْف والجوع بِحَيْثُ أَن كل من نقدم عَلَيْهِ يتعجب من وصولنا سَالِمين ثمَّ عِنْد ارتحالنا من عِنْده يتأسف علينا حَتَّى أَن مِنْهُم من يسمعنا ضرب الأكف خلفنا تحسرا علينا حَتَّى انْتهى سفرنا على وفْق اختيارنا وَالْحَمْد لله
وَفِي سنة ثَمَان وَسبعين وَسَبْعمائة توفّي الشَّيْخ الْفَقِيه الْمُحدث أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عمرَان الفنزاري السلاوي الْمَعْرُوف بِابْن المجراد صَاحب لامية الْجمل وَشرح الدُّرَر وَغَيرهمَا من التآليف الحسان قَالَ صَاحب بلغَة الأمنية ومقصد الْبَيْت فِيمَن كَانَ بسبتة فِي الدولة المرينية من مدرس وأستاذ وطبيب فِي حق الشَّيْخ الْمَذْكُور كَانَ مُحدثا حَافِظًا راوية لَهُ معرفَة بِالرِّجَالِ والمغازي وَالسير وَكَانَ رجلا صَالحا حسن السِّيرَة صَادِق اللهجة انْتفع بِهِ النَّاس وَظَهَرت بركته على كل من عرفه أَو لَازم مَجْلِسه أَو قَرَأَ عَلَيْهِ من صَغِير أَو كَبِير قَالَ وَذَلِكَ عندنَا مَعْرُوف بسبتة
стр. 779
مَشْهُور بَين أَهلهَا وانتقل إِلَى بَلَده سلا وَتُوفِّي بهَا فِي السّنة الْمَذْكُورَة قلت وقبره مَشْهُور بهَا إِلَى الْآن وَعَلِيهِ قبَّة صَغِيرَة وَهُوَ من مزارات سلا خَارج بَاب الْمُعَلقَة مِنْهَا عَن يَمِين الْخَارِج على نَحْو غلوة وَأهل سلا يسمونه سَيِّدي الإِمَام السلاوي ﵀ وَرَضي عَنهُ
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَسَبْعمائة توفّي الشَّيْخ الإِمَام الْعَارِف الْمُحَقق الرباني أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم النفزي الْمَعْرُوف بِابْن عباد شَارِح الحكم العطائية وَأحد تلامذة الشَّيْخ ابْن عَاشر الْمَذْكُور آنِفا قَالَ صَاحبه وَأَخُوهُ فِي الله الشَّيْخ أَبُو زَكَرِيَّاء السراج فِي حَقه مَا نَصه كَانَ حسن السمت طَوِيل الصمت كثير الْوَقار وَالْحيَاء جميل اللِّقَاء حسن الْخلق والخلق على الهمة متواضعا مُعظما عِنْد الْخَاصَّة والعامة نَشأ ببلدة رندة على أكمل طَهَارَة وعفاف وصيانة وَحفظ الْقُرْآن وَهُوَ ابْن سبع سِنِين ثمَّ اشْتغل بعد بِطَلَب الْعُلُوم النحوية والأدبية والأصولية والفروعية حَتَّى رَأس فِيهَا وَحصل مَعَانِيهَا ثمَّ أَخذ فِي طَرِيق الصُّوفِيَّة والمباحثة عَن الْأَسْرَار الإلهية حَتَّى أُشير إِلَيْهِ وَتكلم فِي عُلُوم الْأَحْوَال والمقامات والعلل والآفات وَألف فِيهَا تآليف عَجِيبَة وتصانيف بديعة غَرِيبَة وَله أجوبة كَبِيرَة فِي مسَائِل الْعُلُوم نَحْو مجلدين ودرس كتبا وحفظها كلهَا أَو جلها إِلَى أَن قَالَ وَلَقي بسلا الشَّيْخ الْحَاج الصَّالح السّني الزَّاهِد الْوَرع أَحْمد بن عَاشر وَأقَام مَعَه وَمَعَ أَصْحَابه سِنِين عديدة قَالَ ﵀ قصدتهم لوجدان السَّلامَة مَعَهم وَتُوفِّي ﵀ بفاس بعد صَلَاة الْعَصْر من يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة وَحضر جنَازَته السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس بن أبي سَالم فَمن دونه وهمت الْعَامَّة بِكَسْر نعشه تبركا بِهِ ﵀ وَرَضي عَنهُ
وَمن فَوَائده الَّتِي نقلهَا عَن شَيْخه ابْن عَامر مَا ذكره فِي رسائله قَالَ كنت قد مَا خرجت فِي يَوْم مولد النَّبِي ﷺ صَائِما إِلَى سَاحل الْبَحْر فَوجدت هُنَالك سَيِّدي الْحَاج أَحْمد بن عَاشر ﵀ وَرَضي عَنهُ وَجَمَاعَة من
стр. 780
أَصْحَابه وَمَعَهُمْ طَعَام يَأْكُلُونَهُ فأرادوا مني الْأكل فَقلت إِنِّي صَائِم فَنظر إِلَيّ سَيِّدي الْحَاج نظرة مُنكرَة وَقَالَ لي هَذَا يَوْم فَرح وسرور يستقبح فِي مثله الصَّوْم كالعيد فتأملت قَوْله فَوَجَدته حَقًا وَكَأَنَّهُ أيقظني من النّوم اه
وَاعْلَم أَنه فِي آخر هَذَا الْقرن الثَّامِن تبدلت أَحْوَال الْمغرب بل وأحوال الْمشرق وَنسخ الْكثير من عوائد النَّاس ومألوفاتهم وأزيائهم قَالَ ابْن خلدون فِي مُقَدّمَة تَارِيخه بعد أَن ذكر أَن الْأَحْوَال الْعَامَّة للآفاق والأجيال والأعصار هِيَ أس المؤرخ الَّذِي تنبني عَلَيْهِ أَكثر مقاصده مَا نَصه وَأما لهَذَا الْعَهْد وَهُوَ آخر الْمِائَة الثَّامِنَة فقد انقلبت أَحْوَال الْمغرب الَّذِي نَحن شاهدوه وتبدلت بِالْجُمْلَةِ واعتاض من أجيال البربر أَهله على الْقدَم بِمن طَرَأَ فِيهِ من لدن الْمِائَة الْخَامِسَة من أجيال الْعَرَب بِمَا كثروهم وغلبوهم وانتزعوا مِنْهُم عَامَّة الأوطان وشاركوهم فِيمَا بَقِي من الْبلدَانِ بملكتهم وبأسهم هَذَا إِلَى مَا نزل بالعمران شرقا وغربا فِي منتصف هَذِه الْمِائَة الثَّامِنَة من الطَّاعُون الجارف الَّذِي تحيف الْأُمَم وَذهب بِأَهْل الجيل وطوى كثيرا من محَاسِن الْعمرَان ومحاها وَجَاء للدول على حِين هرمها وبلوغ الْغَايَة من مداها فقلص من ظلالها وفل من حَدهَا وأوهن من سلطانها وتداعت إِلَى التلاشي والاضمحلال أحوالها وانتقص عمرَان الأَرْض بانتقاص الْبشر فخربت الْأَمْصَار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل وتبدل السَّاكِن وَكَأَنِّي بالمشرق قد نزل بِهِ مثل مَا نزل بالمغرب لَكِن على نسبته وَمِقْدَار عمرانه وكأنما نَادَى لِسَان الْكَوْن فِي الْعَالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَإِذا تبدلت الْأَحْوَال جملَة فَكَأَنَّمَا تبدل الْخلق من أَصله وتحول الْعَالم بأسره وَكَأَنَّهُ خلق جَدِيد ونشأة مستأنفة وعالم مُحدث إِلَى آخر كَلَامه ﵀ فَافْهَم هَذِه الْجُمْلَة وتفطن لأحوال الدول الَّتِي سردنا أَخْبَارهَا فِيمَا مضى وأحوال الَّتِي نسرد أَخْبَارهَا فِيمَا بعد وَتَأمل الْفرق بَين ذَلِك وَالسَّبَب فِيهِ وَالله تَعَالَى الْمُوفق للصَّوَاب بمنه
стр. 781
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي سعيد عُثْمَان بن أبي الْعَبَّاس ابْن أبي سَالم
هَذَا السُّلْطَان هُوَ ثَالِث الْإِخْوَة الأشقاء من بني أبي الْعَبَّاس الَّذين ولوا الْأَمر من بعد وَلَاء أمه الْجَوَاهِر أم أَخَوَيْهِ قبله بُويِعَ بعد صَلَاة الْعَصْر لَهُ من يَوْم الثُّلَاثَاء الموفي ثَلَاثِينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَانمِائَة وسنه يَوْمئِذٍ سِتّ عشرَة سنة وَكَانَ النَّقْض والإبرام وَسَائِر التَّصَرُّفَات فِي دولته للوزراء والحجاب وَالسُّلْطَان متفرغ لِاسْتِيفَاء لذاته وَمن أكبر حجابه أَبُو الْعَبَّاس القبائلي الَّذِي نذْكر خَبره الْآن
حجابة أبي الْعَبَّاس القبائلي ونكبته ومقتله وَالسَّبَب فِي ذَلِك
بَيت بني القبائلي بَيت مَشْهُور فِي الوزارة والحجابة وَالْكِتَابَة من لدن الدولة الموحدية بمراكش إِلَى هَذَا التَّارِيخ وَكَانَ الرئيس الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ القبائلي كَاتبا مَشْهُورا وحاجبا مَذْكُورا وَكَانَ قد بذ الأقران وتصدر الْأَعْيَان وَبلغ من الجاه ونفوذ الْكَلِمَة مبلغا عَظِيما وَكَانَ يحابي بالخطط السُّلْطَانِيَّة الْأَقَارِب والأرحام لَا يعدل بهَا عَمَّن سواهُم فاضطغنت عَلَيْهِ الْقُلُوب وَكَثُرت فِيهِ السعايات إِلَى أَن نفذ أَمر الله فأوقع بِهِ السُّلْطَان أَبُو سعيد وقْعَة شنعاء كَانَ من خَبَرهَا أَنه كَانَ للحاجب الْمَذْكُور ولد اسْمه عبد الرَّحْمَن وَكَانَ من فضلاء وقته وَكَانَ لعبد الرَّحْمَن هَذَا ولد اسْمه عَليّ وَكَانَ من نجباء الْأَبْنَاء فَكَانَ لجده أبي الْعَبَّاس لذَلِك ميل إِلَيْهِ ومحبة وافتتان بِهِ فاتفق أَن مرض هَذَا الحافد ذَات يَوْم فَنزل جده أَبُو الْعَبَّاس من الحضرة بفاس الْجَدِيد لعيادته بدار وَلَده عبد الرَّحْمَن من عدوة الْقرَوِيين من فاس الْقَدِيم
стр. 782
وَكَانَت الدَّار بزنقة الجيلة من الطالعة فَبَاتَ الشَّيْخ عِنْد حافده تِلْكَ اللَّيْلَة وَكَانَ مُنْذُ ولي خطة الحجابة لم يغب عَن دَار الْملك لَيْلَة وَاحِدَة بل كَانَ يَأْخُذ فِي ذَلِك بالحزم بِحَيْثُ يسد أَبْوَاب الحضرة ويفتحها ويباشر سَائِر الْأُمُور السُّلْطَانِيَّة بِنَفسِهِ فَلَمَّا أَرَادَ الله إِنْفَاذ قدره غطى على عقله وبصره فتساهل فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَبعث وَلَده أَبَا الْقَاسِم ليقوم مقَامه فِي غلق الْأَبْوَاب وَفتحهَا مَعَ صَاحب السقيف ومساهمه فِي الْقيام بالأمور السُّلْطَانِيَّة أبي مُحَمَّد عبد الله الطريفي الْآتِي ذكره فغلقا الْأَبْوَاب على الْعَادة وَلما كَانَ الصَّباح من الْغَد تقدم الْوَلَد أَبُو الْقَاسِم لأخذ المفاتيح من دَار الْخلَافَة فأخرجت إِلَيْهِ وَتَوَلَّى فتح الْأَبْوَاب وَحده دون أَن يحضر الطريفي المشارك لَهُ فِي ولَايَة السقيف فَلَمَّا جَاءَ أَبُو مُحَمَّد الْمَذْكُور وَرَأى الْأَبْوَاب مفتحة بِدُونِ حُضُوره أَخذه من ذَلِك مَا قدم وَمَا حدث وأسرها فِي نَفسه حَتَّى إِذا كَانَ الْمسَاء وَحضر الْوَقْت الْمَعْهُود لغلق الْأَبْوَاب طلع للحضرة ولد آخر من ولد الْحَاجِب القبائلي يعرف بِأبي سعيد فبادر أَبُو مُحَمَّد فسد الْأَبْوَاب فِي وَجهه قبل أَن يصل إِلَيْهِ وَأمْسك المفاتيح عِنْده واستبد بهَا فَطلب مِنْهُ أَبُو سعيد أَن يفتح لَهُ الْبَاب فتجهمه وَامْتنع وَكَأَنَّهُ أَمر دبر بلَيْل ثمَّ تقدم الْقَائِد أَبُو مُحَمَّد الْمَذْكُور إِلَى السُّلْطَان أبي سعيد فَأعلمهُ بِمَا اتّفق لَهُ مَعَ أَوْلَاد الْحَاجِب فأوعز إِلَيْهِ السُّلْطَان أَن لَا يفتح الْبَاب بعد غلقه إِلَّا وَقت فَتحه الْمُعْتَاد وَزَاد فِي الْوَصِيَّة بِأَن لَا يفتح وَلَا يغلق إِلَّا بِمحضر السعيد ابْن السُّلْطَان أبي عَامر ﵀ وَلما رَجَعَ أَبُو سعيد إِلَى وَالِده بعدوة الْقرَوِيين من فاس أعلمهُ بِمَا اتّفق لَهُ مَعَ الْقَائِد الطريفي فَامْتَلَأَ غيظا وَقَامَت قِيَامَته وَكَانَت فِيهِ دَالَّة على السُّلْطَان فَتخلف عَن الْحُضُور وَلم يذكر مَا قالته الْحُكَمَاء إِذا عاديت من يملك فَلَا تلمه إِنَّه يهلكك ثمَّ استعطفه السُّلْطَان فَأبى أَن يعْطف ثمَّ بعث إِلَيْهِ بِبَرَاءَة بِخَطِّهِ ليزيل مَا بصدره من الموجدة فَكتب الْحَاجِب جوابها وَأقسم أَن لَا يطَأ بساطا فِيهِ فارح بن مهْدي العلج وَكَانَ فارح هَذَا بِعَين التجلة من السُّلْطَان فَلَمَّا وقف السُّلْطَان أَبُو سعيد على جَوَاب الْحَاجِب حمى أَنفه وأظلمت الدُّنْيَا فِي عَيْنَيْهِ وَأمر بالإيقاع بالحاجب فِي الْحِين فذبح هُوَ وَولده عبد الرَّحْمَن يَوْم الْخَمِيس الموفي ثَلَاثِينَ
стр. 783
من شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانمِائَة وَكَانَ عبد الرَّحْمَن هَذَا فَاضلا شَاعِرًا فَمن شعره فِي الْغَزل قَوْله
(اتسمع فِي الْهوى قَول اللواحي ... وَقد أَبْصرت خشف بني ريَاح)
(غزال خلف الصب المعني ... من الوجد المبرح غير صَاح)
(وَقد قتلت وَلَا إِثْم عَلَيْهَا ... مراض جفونه كل الصِّحَاح)
(يَقُول ولحظه بِالْعقلِ يزري ... علام تطيل وصفي وامتداحي)
(فَقلت فنون سحر فِيك راقت ... قَضَت للقلب بالعشق الصراح)
(جبينك والمقلد والثنايا ... صباح فِي صباح فِي صباح)
وَبَقِي الحافد أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور مُرَتبا فِي جملَة الْكتاب وَكَانَ فَاضلا شَاعِرًا أَيْضا وَلما مرض السُّلْطَان أَبُو سعيد فِي شعْبَان سنة سبع وَثَمَانمِائَة وَصَحَّ من مَرضه وهنأته الشُّعَرَاء بقصائد كَثِيرَة فَكَانَ من جُمْلَتهمْ أَبُو الْحسن الْمَذْكُور فَقَالَ
(هَنِيئًا لنا وَلكُل الْأَنَام ... براحة فَخر الْمُلُوك الْهمام)
(إِمَام أَقَامَ رسوم الْعلَا ... وَحل من الْمجد أَعلَى السنام)
(بِهِ قرت الْعين لما بدا ... صَحِيحا وَمَا إِن بِهِ من سقام)
(وَهل هُوَ إِلَّا كبدر الدجا ... يواري قَلِيلا وَرَاء الْغَمَام)
(وَيظْهر طورا فيجلو بِهِ ... عَن النَّاس يَا صَاح ساجي الظلام)
(أَو اللَّيْث يعكف فِي غيله ... فتحذر مِنْهُ السباح اهتجام)
(أمولاي عُثْمَان بَحر الندى ... ومردي العداة ونجل الْكِرَام)
(لقد رفع الله مقداركم ... فنفسي الْفِدَاء لكم من إِمَام)
(أمولاي عَبدك قد ضره ... أفول رضاكم وَبعد المرام)
(وأضحى كئيبا لإبعادكم ... مشوقا لتقبيل ذَاك الْمقَام)
(فَكُن راحما يَا إِمَام الورى ... عطوفا بمملوكك المستهام)
(لَعَلَّ الَّذِي ناله يَنْقَضِي ... وتشمل مِنْك هبات جسام)
(فأيدك الله بالنصر مَا ... ترنم فَوق الغصون حمام)
стр. 784
حجابة فارح بن مهْدي وأوليته وَسيرَته
قَالَ ابْن خلدون يَا فراح بن مهْدي من معلوجي السُّلْطَان يَعْنِي أَبَا الْعَبَّاس وَأَصله من موَالِي بني زيان مُلُوك تلمسان اه وَقَالَ فِي الجذوة هُوَ من موَالِي السُّلْطَان أبي سعيد بن أبي الْعَبَّاس وَلَا مُنَافَاة بَين الْكَلَامَيْنِ وَالله أعلم وَلما قتل أَبُو الْعَبَّاس القبائلي ولي الحجابة من بعده فارح بن مهْدي هَذَا قَالَ فِي الجذوة وَلم يكن من أهل الْعلم لكنه كَانَ شَيخا مجربا للأمور عَارِفًا مجيدا فِي التَّدْبِير قد أعْطى الرياسة حَقّهَا والخطط مستحقها وَكَانَ ممسكا عنانه فَلَا يمِيل مَعَ نَفسه وَلَا يسحب أردانه وَلَا يوحش سُلْطَانه موسوما عِنْد الْخلَافَة بالأمانة ملحوظا لَدَيْهَا بِعَين الْمَرْوَة والصيانة وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو سعيد يعتني بِهِ لأجل كبر سنه وتربيته الْحرَّة آمنهُ بنت السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس كَانَت تبدي لَهُ وَجههَا فِي حَالي صغرها وكبرها فَكَانَت لَهُ بذلك مزية لم تكن لغيره بِهَذَا ذكره التاورتي وَلَعَلَّ فِيهِ تعريضا بالحاجب قبله وَلما تكلم أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الفاسي فِي كِتَابه مرْآة المحاسن على مَدِينَة تيجساس وصفهَا بقوله إِنَّهَا فِي شَرْقي تطاوين على مسيرَة يَوْم مِنْهَا فِي مَوضِع كثير الْحِجَارَة والصخر فِي سفح جبل من غربيها وتحتها من شمالها جرف كثير الصخر عَظِيمَة على مكسر موج الْبَحْر وَلها نهر نفاع يجلب إِلَيْهَا مِنْهُ جدول وَلها بسيط تركبه الجداول من كل جِهَة فتسقي الزَّرْع والكتان وَالثِّمَار فأهلها فِي أَمن من الْقَحْط إِلَى أَن قَالَ وَلم تزل عامرة إِلَى حُدُود ثَمَانمِائَة فجلا عَنْهَا أَهلهَا بِسَبَب جور فارح بن مهْدي الْوَالِي عَلَيْهَا من قبل بني مرين فخلت من سكانها وانتقلوا إِلَى الْقَبَائِل وَغَيرهَا وَلم يزل سورها ماثلا إِلَى الْآن اه قلت وَفِي هَذِه الْمدَّة خربَتْ تطاوين الْقَدِيمَة أَيْضا فَزعم منويل فِي تَارِيخه أَن قراصين الْمُسلمين من أهل تطاوين وَغَيرهم
стр. 785
كَانَت تغير على سواحل أصبانيا وتغنم مراكبها وَلما كَانَت سنة ألف وَأَرْبَعمِائَة مسيحية الْمُوَافقَة لسنة ثَلَاث وَثَمَانمِائَة هجرية بعث الطاغية الريكي الثَّالِث شكوادرة لغزو تطاوين ومراكبها فانتهت إِلَى وَادي مرتيل وأفسدت قراصين الْمُسلمين الَّتِي بِهِ ثمَّ نزلت عَسَاكِر الإصبنيول للبر فَاقْتَحَمت مَدِينَة تطاوين بعد أَن جلا أَهلهَا عَنْهَا وخربتها وعاثت فِيهَا وَبقيت خربة نَحْو تسعين سنة ثمَّ جدد بناؤها على يَد الرئيس أبي الْحسن عَليّ المنظري الغرناطي كَمَا سَيَأْتِي وَكَانَت وَفَاة فارح بن مهْدي فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من ربيع الأول سنة سِتّ وَثَمَانمِائَة وَالله تَعَالَى أعلم
حجابة أبي مُحَمَّد الطريفي وَسيرَته
لما توفّي الْحَاجِب فارح بن مهْدي ولي الحجابة من بعده أَبُو مُحَمَّد عبد الله الطريفي وَكَانَ من فضلاء الْحجاب وَهُوَ الَّذِي بنى مَسْجِد السُّوق الْكَبِير بفاس الْجَدِيد وَحبس عَلَيْهِ كتبا كَثِيرَة فَكَانَ ذَلِك من حَسَنَاته الْبَاقِيَة نَفعه الله بِقَصْدِهِ
حُدُوث الْفِتْنَة بَين السُّلْطَان أبي سعيد وَالسُّلْطَان أبي فَارس الحفصي وَالسَّبَب فِي ذَلِك
لما توفّي السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الحفصي صَاحب تونس ولي الْأَمر من بعده ابْنه أَبُو فَارس الْمَذْكُور فوزع الْوَظَائِف من الْإِمَارَة والوزارة وَولَايَة الْأَعْمَال على إخْوَته فاعتضد بهم وَكَانَ من جُمْلَتهمْ أَخُوهُ أَبُو بكر بن أبي الْعَبَّاس بقسنطينة فنازعه بهَا ابْن عَمه الْأَمِير أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي زَكَرِيَّاء الحفصي صَاحب بونة وألح عَلَيْهِ فِي الْحصار فصمد إِلَيْهِ السُّلْطَان أَبُو فَارس الحفصي وأوقع بِهِ على سيبوس وقْعَة شنعاء انْتَهَت بِهِ هزيمتها إِلَى فاس مستصرخا صَاحبهَا وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَبُو فَارس المريني فَأَقَامَ أَبُو عبد الله بفاس
стр. 786
إِلَى سنة عشر وَثَمَانمِائَة فِي دولة السُّلْطَان أبي سعيد فاتفق أَن فسد مَا بَين السُّلْطَان أبي فَارس الحفصي وَبَين أَعْرَاب إفريقية من سليم فَقدمت طَائِفَة مِنْهُم حَضْرَة فاس مستنجدين السُّلْطَان أَبَا سعيد على صَاحبهمْ أبي فَارس فألفوا عِنْده الْأَمِير أَبَا عبد الله المنهزم بسيبوس كَمَا مر فعقد لَهُ السُّلْطَان أَبُو سعيد على جَيش من بني مرين وَغَيرهم وَبَعثه مَعَ الْعَرَب فَلَمَّا انْتهى إِلَى بجاية تَلَقَّتْهُ أَعْرَاب إفريقية طَائِعَة وهون عَلَيْهِ المرابط شيخ حَكِيم مِنْهَا أَمر تونس فَرد الْجَيْش المريني وقصدها بِمن انْضَمَّ إِلَيْهِ من الحشود فَأخذ بجاية من أبي يحيى وفر فِي الْبَحْر وَعقد أَبُو عبد الله عَلَيْهَا لِابْنِهِ الْمَنْصُور ثمَّ زحف إِلَى السُّلْطَان أبي فَارس فخالفه إِلَى بجاية فَافْتَكَّهَا من يَد ابْنه الْمَنْصُور وَوجه بِهِ مَعَ جمَاعَة من كبار أَهلهَا معتقلين إِلَى الحضرة وَعقد عَلَيْهَا لِأَحْمَد ابْن أَخِيه ونهض لقِتَال ابْن عَمه أبي عبد الله الْمَذْكُور فَنزع المرابط عَنهُ إِلَى السُّلْطَان أبي فَارس لعهد كَانَ بَينهمَا فانفض جمع أبي عبد الله وَقتل واحتز رَأسه وَوَجهه السُّلْطَان أَبُو فَارس مَعَ من علقه بِبَاب المحروق أحد أَبْوَاب فاس إغاظة للسُّلْطَان أبي سعيد وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَثَمَانمِائَة ثمَّ تحرّك السُّلْطَان أَبُو فَارس إِلَى جِهَة الْمغرب قَاصِدا أَخذ الثار من السُّلْطَان أبي سعيد فاستولى على تلمسان ثمَّ قصد حَضْرَة فاس فَلَمَّا شارفها جنح السُّلْطَان أَبُو سعيد إِلَى السّلم فَوجه إِلَيْهِ بِهَدَايَا جليلة فَقبل ذَلِك أَبُو فَارس وكافأ عَلَيْهِ وانكفأ رَاجعا إِلَى حَضرته وَلَحِقتهُ فِي طَرِيقه بيعَة أهل فاس وانتظم لَهُ ملك الْمغرب وَبَايَعَهُ صَاحب الأندلس أَيْضا قَالَه صَاحب الْخُلَاصَة النقية وَهُوَ الأديب أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْبَاجِيّ أحد كتاب الدولة التركية بتونس
стр. 787
//
اسيتلاء البرتغال على مَدِينَة سبتة أَعَادَهَا الله
كَانَ جنس البرتغال وَهُوَ البردقيز فِي هَذِه السنين قد كثر بعد الْقلَّة واعتز بعد الذلة وَظهر بعد الخمول وانتعش بعد الذبول فانتشر فِي الأقطار وسما إِلَى تملك الْأَمْصَار فَانْتهى إِلَى أَطْرَاف السودَان بل وأطراف الصين على مَا قيل وألح على سواحل الْمغرب الْأَقْصَى فاستولى فِي سنة ثَمَان عشرَة وَثَمَانمِائَة على مَدِينَة سبتة أَعَادَهَا الله بعد محاصرته لَهَا حصارا طَويلا وسلطان الْمغرب يَوْمئِذٍ أَبُو سعيد بن أَحْمد صَاحب التَّرْجَمَة وسلطان البرتغال يَوْمئِذٍ خوان الأول
وَذكر منويل فِي تَارِيخه أَن سُلْطَان الْمغرب يَوْمئِذٍ عبد الله بن أَحْمد أَخُو أبي سعيد الْمَذْكُور وَسَيَأْتِي كَلَامه بِتَمَامِهِ
وَذكر صَاحب نشر المثاني فِي كَيْفيَّة اسْتِيلَاء البرتغال على سبتة قصَّة تشبه قصَّة قصير مَعَ الزباء قَالَ رَأَيْت بِخَط من يظنّ بِهِ التثبت والصدق أَن النَّصَارَى جاؤوا بصناديق مقفلة يوهمون أَن بهَا سلعا وأنزلوها بالمرسى كعادة المعاهدين وَذَلِكَ صَبِيحَة يَوْم الْجُمُعَة من بعض شهور سنة ثَمَان عشرَة وَثَمَانمِائَة وَكَانَت تِلْكَ الصناديق مَمْلُوءَة رجَالًا عَددهمْ أَرْبَعَة آلَاف من الشَّبَاب الْمُقَاتلَة فَخَرجُوا على حِين غَفلَة من الْمُسلمين واستولوا على الْبَلَد وَجَاء أَهله إِلَى سُلْطَان فاس مستصرخين لَهُ وَعَلَيْهِم المسوح وَالشعر والوبر وَالنعال السود رجَالًا وَنسَاء وولدانا فأنزلهم بملاح الْمُسلمين ثمَّ ردهم إِلَى الفحص قرب بِلَادهمْ لعَجزه عَن نصرتهم حَتَّى تفَرقُوا فِي الْبِلَاد وَالْأَمر لله وَحده قَالَ وَسمعت من بَعضهم أَن الَّذِي جرأ النَّصَارَى على ارْتِكَاب تِلْكَ المكيدة هُوَ أَنهم كَانُوا قد قاطعوا أَمِير سبتة على أَن يُفَوض إِلَيْهِم التَّصَرُّف فِي المرسى والاستبداد بغلتها ويبذلوا لَهُ خراجا مَعْلُوما فِي كل سنة فَكَانَ حكم المرسى حِينَئِذٍ لَهُم دون الْمُسلمين وَلَو كَانَ الْمُسلمُونَ هم الَّذين يلون حكم المرسى مَا تركوهم ينزلون ذَلِك الْعدَد من الصناديق مقفلة لَا يعلمُونَ مَا فِيهَا وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْأَمر
стр. 788
وَلما استولى البرتغال على سبتة اعتنى بهَا وحصنها واستمرت فِي ملكتهم مُدَّة تزيد على مِائَتَيْنِ وَخمسين سنة ثمَّ ملكهَا مِنْهُم طاغية الإصبنيول فِي سَبِيل مهادنة وشروط انْعَقَدت بَينهم بمدنية أشبونة فِي حُدُود الثَّمَانِينَ وَألف وأخبار السُّلْطَان أبي سعيد كَثِيرَة وَقد أرخ دولته وَسيرَته الْكَاتِب أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم ابْن أَحْمد التاورتي ﵀ وَتُوفِّي السُّلْطَان الْمَذْكُور سنة ثَلَاث وَعشْرين وَثَمَانمِائَة وَولي الْأَمر من بعده ابْنه عبد الْحق الْأَخير كَذَا ذكره فِي جذوة الاقتباس وَقد ذكر منويل فِي أَمر أبي سعيد ووفاته مَا يُخَالف هَذَا قَالَ لما كَانَت دولة السُّلْطَان أبي سعيد المريني كَانَ الْمُسلمُونَ أهل جبل طَارق قد سئموا ملكة ابْن الْأَحْمَر صَاحب غرناطة وتحققوا بِأَن المريني أقوى مِنْهُ شَوْكَة وأقدر على تخليصهم مِمَّا عَسى أَن ينالهم بِهِ الإصبنيول من حِصَار وَنَحْوه فبعثوه إِلَيْهِ يخطبون ولَايَته ويعرضون عَلَيْهِ الدُّخُول فِي طَاعَته إِن هُوَ أمدهم بِمَا يدْفَعُونَ بِهِ فِي نحر ابْن الْأَحْمَر فأعجب أَبَا سعيد ذَلِك وللحين بعث إِلَيْهِم أَخَاهُ عبد الله بن أَحْمد الْمَعْرُوف بسيدي عبو وَمَعَهُ طَائِفَة من الْجَيْش إمدادا لَهُم وَكَانَ قصد أبي سعيد ببعث أَخِيه عبد الله الْحُصُول على إِحْدَى الفائدتين أما فتح جبل طَارق إِن كَانَ الظُّهُور لَهُ أَو الاسْتِرَاحَة مِنْهُ إِن كَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ يشوش عَلَيْهِ فجَاء الْأَخ الْمَذْكُور حَتَّى نزل بِإِزَاءِ جبل طَارق فَفتح أهل الْبَلَد الْبَاب وأدخلوه وأدخلوا جنده وتحصن قَائِد الغرناطي وَعَسْكَره بقلعة الْجَبَل وطير الْأَعْلَام بذلك إِلَى صَاحبه فَبعث إِلَيْهِ جَيْشًا قويت بِهِ نَفسه فَنزل من القلعة وانضم إِلَيْهِ مدده وقاتلوا جَيش المريني فهزموه وقبضوا على عبد الله بِالْيَدِ وعَلى جمَاعَة من أَصْحَابه وبعثوا بهم أسرى إِلَى صَاحب غرناطة فَعمد صَاحب غرناطة إِلَى عبد الله وأنزله فِي مَحل مُعْتَبر وَأحسن إِلَيْهِ فَتخلف ظن السُّلْطَان أبي سعيد فِيمَا كَانَ يحب لِأَخِيهِ من التّلف وغاظه فعل ابْن الْأَحْمَر مَعَه من الْإِحْسَان والإبقاء عَلَيْهِ ثمَّ أَن أَبَا سعيد دبر حِيلَة بِأَن بعث من قبله رجلا إِلَى أَخِيه ليسقيه السم ويستريح
стр. 789
مِنْهُ مَعَ أَن غوغاء أهل الْمغرب وقبائله المنحرفة عَن السُّلْطَان كَانُوا قد تشوقوا لقدومه عَلَيْهِم وقيامهم مَعَه فبطلت حِيلَة أبي سعيد فِي السم وَلم يحصل على طائل ثمَّ إِن ابْن الْأَحْمَر اتّفق مَعَ عبد الله على أَن يمده بالعسكر وَالْمَال ويسرحه إِلَى الْمغرب ليستولي على ملكه وَيَأْخُذ لَهُ بالثأر من أَخِيه فَقبل عبد الله ذَلِك وأمده ابْن الْأَحْمَر وسرحه إِلَى الْمغرب فَلَمَّا احتل بِهِ تبعه عدد وافر من قبائله الَّذين كَانُوا مستثقلين لوطأة أبي سعيد فَنَهَضَ إِلَيْهِ أَبُو سعيد فَكَانَت الكرة عَلَيْهِ وَرجع مفلولا فِي يسير من الْجند إِلَى فاس فتقبض عَلَيْهِ أَهلهَا وسجنوه وأعلنوا بنصر أَخِيه عبد الله وفتحوا الْبَاب فَدخل الحضرة وَاسْتولى عَلَيْهَا وَتمّ أمره وسجن أَخَاهُ أَبَا سعيد إِلَى أَن مَاتَ قَالَ وَلما اسْتَقل عبد الله بِأَمْر الْمغرب كُله هدأت الرّعية واستقامت الْأَحْوَال إِلَّا أَنه تكدر عيشه بذهاب سبتة الَّتِي استولى عَلَيْهَا طاغية البرتغال خوان الأول بعد مَا حاصرها أَشد الْحصار وَكَانَ ذَلِك على السُّلْطَان من أعظم النحوس وتكدر الْمُسلمُونَ غَايَة لفَوَات هَذِه الْمَدِينَة الْعَظِيمَة مِنْهُم ثمَّ ثَارُوا على السُّلْطَان عبد الله واعتورته رماحهم حَتَّى فاظ وَلما قتل تنَازع الْملك بعده اثْنَان من اخوته وَبعد قتال شَدِيد وَلم ينتصف أحد مِنْهُمَا من صَاحبه اتّفق أهل الْحل وَالْعقد على أَن يولوا عبد الْحق بن أبي سعيد اه كَلَام منويل وَهَذَا السُّلْطَان عبد الله الَّذِي زَاده منويل بَين أبي سعيد وَعبد الْحق لم يذكرهُ صَاحب جذوة الاقتباس وَيبعد أَن يكون هَذَا الْخَبَر الَّذِي سَاقه منويل لَا أصل لَهُ وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْأَمر
وَمن جملَة حجاب السُّلْطَان أبي سعيد الرئيس أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز بن أَحْمد الملياني قَالَ فِي الجذوة أَصله من زرهون وَتَوَلَّى حجابة السُّلْطَان الْمَذْكُور قَالَ فغدر مَوْلَاهُ ومخدومه وهتك ستره وَخرب دَاره وعبث بحريمه وَقتل أَوْلَاده وإخوانه وَرفع الأذناب وَحط الرؤساء وَكَانَ فَسَاد الْمغرب على يَده وَقد ذكره التاورتي فَأثْنى عَلَيْهِ قَالَ فِي الجذوة
стр. 790
وَوجدت فِي طرة ذمه وتنقيصه وَالله أعلم
وَمن وزراء السُّلْطَان أبي سعيد صَالح بن حمو الياباني وَيحيى بن علال بن آمصمود الهسكوري وَقد تقدم ذكرهمَا وَمن كِتَابه الْفَقِيه الأديب أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن أبي الْحسن بن أبي دلامة وَكَانَ صَاحب الْعَلامَة عِنْد السُّلْطَان الْمَذْكُور وَمِمَّنْ شهد لَهُ أهل عصره بالتبريز فِي النّظم الْفَائِق ثمَّ ابْنه مُحَمَّد من بعده وَمن قُضَاته الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحِيم بن إِبْرَاهِيم اليزناسني وَقد تقدم ذكره وَالله تَعَالَى أعلم
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان عبد الْحق بن أبي سعيد ابْن أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم المريني ﵀
هَذَا السُّلْطَان هُوَ آخر مُلُوك بني عبد الْحق من بني مرين وَهُوَ أطولهم مُدَّة وأعظمهم محنة وَشدَّة وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الْحق بن أبي سعيد عُثْمَان ابْن أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي سَالم إِبْرَاهِيم بن أبي الْحسن عَليّ بن أبي سعيد عُثْمَان بن أبي يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الْحق الزناتي المريني أمه علجة إصبنيولية على مَا ذكره منويل وَفِي أَيَّامه ضعف أَمر بني مرين جدا وتداعى إِلَى الانحلال وَكَانَ التَّصَرُّف للوزراء والحجاب شَأْن دولة أَبِيه من قبله على نذكرهُ
زحف البرتغال إِلَى طنجة ورجوعهم عَنْهَا بالخيبة
قَالَ منويل كَانَ لطاغية البرتغال خَمْسَة إخْوَة شجعان فأرادوا أَن يدركوا فخرا باستيلائهم على ثغر من ثغور الْمغرب يضيفونه إِلَى سبتة ويوسعون بِهِ مَا ملكوه من أَعمالهَا فَرَكبُوا قراصينهم فِي سِتَّة آلَاف عسكري ونزلوا بسبتة ثمَّ زحفوا إِلَى طنجة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة وحاصروها وضيقوا على أَهلهَا ثمَّ عاجلهم سُلْطَان فاس وسلطان مراكش وأرهقوهم عَن
стр. 791
فتحهَا وأوقعوا بهم وقبضوا على كَبِير عَسْكَرهمْ فرناندو وَجَمَاعَة من أَصْحَابه وعادوا بهم أسرى إِلَى فاس فَلَمَّا صَارَت عُظَمَاء البرتغال فِي يَد الْمُسلمين وأسرهم جنحوا إِلَى السّلم فسالمهم الْمُسلمُونَ على أَن يردوا لَهُم سبتة ويسرحوا لَهُم كَبِيرهمْ وَأَصْحَابه الَّذين مَعَه فَرضِي البرتغال بذلك وانعقد الصُّلْح عَلَيْهِ ثمَّ كَانَ من قدر الله أَن هلك كَبِير البرتغال الَّذِي وَقع الشَّرْط عَلَيْهِ فِي سجن فاس واستمرت سبتة فِي يَد الْعَدو وعد ذَلِك من سوء بخت الْمُسلمين وَالْأَمر لله وَحده
وَقد ذكر صَاحب الْمرْآة أَن البرتغال استولى على طنجة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة وَهُوَ غير صَوَاب وَإِنَّمَا كَانَ الْحصار فَقَط وَالله تَعَالَى أعلم
أَخْبَار الوزراء والحجاب وتصرفاتهم
كَانَ من جملَة وزراء السُّلْطَان عبد الْحق الْوَزير صَالح بن صَالح بن حمو الياباني قَالُوا وَهُوَ الَّذِي أوقع بالفقيه القَاضِي أبي مُحَمَّد عبد الرَّحِيم ابْن إِبْرَاهِيم اليزناسني قَتله ذبحا سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة وَمن وزراء السُّلْطَان الْمَذْكُور الْوَزير أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن زيان الوطاسي قَالُوا وَفِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة غزا الْوَزير الْمَذْكُور الشاوية وَكَانُوا قد تمردوا على الدولة وأعضل داؤهم ففل الْوَزير الْمَذْكُور جمعهم وَخرب مَنَازِلهمْ ثمَّ كَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَثَمَانمِائَة قَتله عرب أنكاد على سَبِيل الْغدر قعصا بِالرِّمَاحِ وَحمل قَتِيلا إِلَى فاس فَدفن بالقلة خَارج بَاب الحبيسة وَولي الوزارة بعده عَليّ بن يُوسُف الوطاسي قَالُوا فَكَانَت أَيَّامه مواسم لديانته وصيانته وَحفظه أُمُور الْملك ورفقه بالرعية مَعَ الْعدْل وَحسن الإدارة ثمَّ توفّي بتامسنا خَامِس رَمَضَان سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَحمل إِلَى فاس فَدفن بالقلة أَيْضا وَفِي هَذِه السّنة أَو الَّتِي قبلهَا استولى البرتغال على
стр. 792
قصر الْمجَاز وَهُوَ الْمَعْرُوف بقصر مصمودة وَالْقصر الصَّغِير وَهُوَ الْآن خراب وَالله أعلم
وزارة يحيى بن يحيى الوطاسي ومقتله ومقتل الوطاسيين مَعَه وَالسَّبَب فِي ذَلِك
لما توفّي الْوَزير عَليّ بن يُوسُف ﵀ قدم للوزارة بعده أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن يحيى بن عمر بن زيان الوطاسي قَالُوا فَكَانَت ولَايَة هَذَا الْوَزير هِيَ مبدأ الشَّرّ ومنشأ الْفِتْنَة وَذَلِكَ أَنه لما اسْتَقل بالحجابة أَخذ فِي تَغْيِير مراسم الْملك وعوائد الدولة وَزَاد وَنقص فِي الْجند وَنقض جلّ مَا أبرمه قبله الوزراء وعامل الرّعية بالعسف وَمن جملَة مَا نقم عَلَيْهِ أَنه عزل قَاضِي فاس الْفَقِيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن علال المصمودي وَقدم مَكَانَهُ الْفَقِيه يَعْقُوب التسولي وَكَانَ المصمودي من الدّين وتحرى المعدلة بمَكَان فَلَمَّا رأى السُّلْطَان عبد الْحق فعل الْوَزير واستحواذه على أُمُور الدولة وَتبين لَهُ أَن الوطاسيين قد التحقوا مَعَه رِدَاء الْملك وشاركوه فِي بِسَاط الْعِزّ وكادوا يغلبونه على أمره سَطَا بهم سطوة استأصلت جمهورهم إِلَّا من حماه الْأَجَل مِنْهُم فتقبض على الْوَزير يحيى وعَلى أَخَوَيْهِ أبي بكر وَأبي شامة وعَلى عمهم فَارس بن زيان وقريبهم مُحَمَّد بن عَليّ بن يُوسُف وأتى الذّبْح على جَمِيعهم وَاسْتمرّ الْبَحْث عَن مُحَمَّد الشَّيْخ وَمُحَمّد الحلو أخوي الْوَزير الْمَذْكُور فَلم يوجدا لذهاب الشَّيْخ فِي ذَلِك الْيَوْم للصَّيْد واختفاء الحلو عِنْد قيام الهيعة فَكَانَ ذَلِك من لطف الله بهما واتصل بهما مَا جرى على عشيرتهم وَبني أَبِيهِم فذهبا إِلَى منجاتهما وَكَانَ من أَمرهمَا مَا نذكرهُ وَكَانَت هَذِه الْحَادِثَة الصماء بعد مُضِيّ سبعين يَوْمًا من وزارة يحيى بن يحيى
стр. 793
الْمَذْكُور وَصفا للسُّلْطَان عبد الْحق أمره وَرَأى أَن قد شفا نَفسه من الوطاسيين ونقى بِسَاط حَضرته من قضضهم وَأَبْرَأ جسم ملكه من مرضهم وَالله غَالب على أمره
رياسة الْيَهُودِيين هَارُون وشاويل وَمَا نَشأ عَن استبدادهما من المحنة والفتنة
قَالُوا كَانَ السُّلْطَان عبد الْحق مُنْذُ أوقع ببني وطاس لم تسمح نَفسه بِإِعْطَاء منصب الوزارة لأحد ثمَّ نما إِلَيْهِ أَن الْعَامَّة وَكَثِيرًا من الْخَاصَّة قد نقموا عَلَيْهِ إِيقَاعه بالوطاسيين وَأَن أذنهم صاغية إِلَى مُحَمَّد الشَّيْخ صَاحب آصيلا وَكَانَ قد استولى عَلَيْهَا بعد فراره حَسْبَمَا نذْكر وَرُبمَا شافهه الْبَعْض مِنْهُم بذلك فولى عَلَيْهِم الْيَهُودِيين الْمَذْكُورين تأديبا لَهُم وتشفيا مِنْهُم زَعَمُوا فشرع اليهوديان فِي أَخذ أهل فاس بِالضَّرْبِ والمصادرة على الْأَمْوَال واعتز الْيَهُود بِالْمَدِينَةِ وتحكموا فِي الْأَشْرَاف وَالْفُقَهَاء فَمن دونهم وَكَانَ الْيَهُودِيّ هَارُون قد ولى على شرطته رجلا يُقَال لَهُ الْحُسَيْن لَا يألو جهدا فِي العسف واستلاب الْأَمْوَال وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك وَالنَّاس فِي شدَّة
وَفِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة انتزع الإصبنيول جبل طَارق من يَد ابْن الْأَحْمَر
اسْتِيلَاء البرتغال على طنجة
ثمَّ فِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة استولى البرتغال على طنجة زحفوا إِلَيْهَا من سبتة فِي أُلُوف من العساكر واستولوا عَلَيْهَا واستمرت بِأَيْدِيهِم أَكثر من مِائَتَيْنِ وَخمْس سِنِين ثمَّ بذلوها لطاغية النجليز سنة أَربع وَسبعين وَألف فِي سَبِيل المهاداة والصهر الَّذِي انْعَقَد بَينهمَا كَمَا سَيَأْتِي
стр. 794
مقتل السُّلْطَان عبد الْحق بن أبي سعيد وَالسَّبَب فِي ذَلِك
ثمَّ إِن الْيَهُودِيّ عمد إِلَى امْرَأَة شريفة من أهل حومة البليدة فَقبض عَلَيْهَا والبليدة حومة بفاس قَالُوا وَكَانَت بدار الكومى قرب درب جنيارة فأنحى عَلَيْهَا بِالضَّرْبِ وَلما ألهبتها السِّيَاط جعلت تتوسل برَسُول الله ﷺ فحمى الْيَهُودِيّ وَكَاد يتَمَيَّز غيظا من سَماع ذكر الرَّسُول وَأمره بالإبلاغ فِي عقابها وَسمع النَّاس ذَلِك فأعظموه وتمشت رجالات فاس بَعضهم إِلَى بعض فَاجْتمعُوا عِنْد خطيب الْقرَوِيين الْفَقِيه أبي فَارس عبد الْعَزِيز بن مُوسَى الورياكلي وَكَانَت لَهُ صلابة فِي الْحق وجلادة عَلَيْهِ بِحَيْثُ يلقِي نَفسه فِي العظائم وَلَا يُبَالِي وَقَالُوا لَهُ أَلا ترى إِلَى مَا نَحن فِيهِ من الذلة وَالصغَار وتحكم الْيَهُود فِي الْمُسلمين والعبث بهم حَتَّى بلغ حَالهم إِلَى مَا سَمِعت فنجع كَلَامهم فِيهِ وللحين أغراهم بِالْفَتْكِ باليهود وخلع طَاعَة السُّلْطَان عبد الْحق وبيعة الشريف أبي عبد الله الْحَفِيد فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك واستدعوا الشريف الْمَذْكُور فَبَايعُوهُ والتفت عَلَيْهِ خاصتهم وعامتهم وَتَوَلَّى كبر ذَلِك أهل حومة القلقليين مِنْهُم ثمَّ تقدم الورياكلي بهم إِلَى فاس الْجَدِيد فصمدوا إِلَى حارة الْيَهُود فَقَتَلُوهُمْ واستلبوهم واصطلموا نعمتهم واقتسموا أَمْوَالهم وَكَانَ السُّلْطَان عبد الْحق يَوْمئِذٍ غَائِبا فِي حَرَكَة لَهُ بِبَعْض النواحي قَالَ فِي نشر المثاني خرج السُّلْطَان عبد الْحق بجيشه إِلَى جِهَة الْقَبَائِل الهبطية وَترك الْيَهُودِيّ يقبض من أهل فاس المغارم فَشد عَلَيْهِم حَتَّى قبض على امْرَأَة شريفة وأوجعها ضربا وَحكى مَا تقدم فاتصل ببعد الْحق الْخَبَر وانفض مسرعا إِلَى فاس واضطرب عَلَيْهِ أَمر الْجند ففسدت نياتهم وتنكرت وُجُوههم وَصَارَ فِي كل منزلَة تنفض عَنهُ طَائِفَة مِنْهُم فأيقن عبد الْحق بالنكبة وعاين أَسبَاب الْمنية وَلما قرب من فاس اسْتَشَارَ هَارُون الْيَهُودِيّ فِيمَا نزل بِهِ فَقَالَ الْيَهُودِيّ لَهُ لَا تقدم على فاس لغليان قدر الْفِتْنَة بهَا وَإِنَّمَا يكون قدومنا على مكناسة الزَّيْتُون لِأَنَّهَا بلدنا
стр. 795
وَبهَا قوادنا وشيعتنا وَحِينَئِذٍ يظْهر لنا مَا يكون فَمَا استتم الْيَهُودِيّ كَلَامه حَتَّى انتظمه بِالرُّمْحِ رجل من بني مرين يُقَال لَهُ تيان وَعبد الْحق ينظر وَقَالَ وَمَا زلنا فِي تحكم الْيَهُود وَاتِّبَاع رَأْيهمْ وَالْعَمَل بإشارتهم ثمَّ تعاورته الرماح من كل جَانب وخر صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ والفم ثمَّ قَالُوا للسُّلْطَان عبد الْحق تقدم أمامنا إِلَى فاس فَلَيْسَ لَك الْيَوْم اخْتِيَار فِي نَفسك فَأسلم نَفسه وانتهبت محلته وفيئت أَمْوَاله وحلت بِهِ الإهانة وَجَاءُوا بِهِ إِلَى أَن بلغُوا عين القوادس خَارج فاس الْجَدِيد فاتصل الْخَبَر بِأَهْل فاس وسلطانهم الْحَفِيد فَخرج إِلَى عبد الْحق وأركبه على بغل بالبردعة وانتزع مِنْهُ خَاتم الْملك وَأدْخلهُ الْبَلَد فِي يَوْم مشهود حَضَره جمع كَبِير من أهل الْمغرب وَأَجْمعُوا على ذمه وشكروا الله على أَخذه ثمَّ جنب إِلَى مصرعه فَضربت عُنُقه صَبِيحَة يَوْم الْجُمُعَة السَّابِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة تسع وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَدفن بِبَعْض مَسَاجِد الْبَلَد الْجَدِيد ثمَّ أخرج بعد سنة وَنقل إِلَى الْقلَّة فَدفن بهَا وانقرضت بمهلكه دولة بني عبد الْحق من الْمغرب والبقاء لله وَحده
وَنقل الثِّقَات أَن الشَّيْخ أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد زَرُّوق ﵀ كَانَ قد ترك الصَّلَاة خلف الْفَقِيه أبي فَارس الورياكلي لما صدر مِنْهُ فِي حق السُّلْطَان عبد الْحق وَكَانَ يَقُول لَا آمن الغندور على صَلَاتي يعِيبهُ بذلك والغندور فِي لِسَان المغاربة ذُو النخوة والإباية وَمَا أشبه ذَلِك وَالله يتغمدنا وَالْمُسْلِمين برحمته آمين
ولنذكر مَا كَانَ فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث فَنَقُول
فِي سنة سبع وَثَمَانمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن صَالح المكودي عَالم فاس وأديبها ونحويها صَاحب الْمَقْصُورَة وَشرح
стр. 796
الْخُلَاصَة وَغير ذَلِك من التآليف قيل هُوَ آخر من درس كتاب سِيبَوَيْهٍ فِي النَّحْو بفاس
وَفِي سنة ثَمَان عشرَة وَثَمَانمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عمر ابْن الْفتُوح التلمساني ثمَّ المكناسي يُقَال إِن سَبَب انْتِقَاله من تلمسان أَنه كَانَ شَابًّا حسن الصُّورَة جميل الشارة فمرت بِهِ امْرَأَة جميلَة فَجعل ينظر إِلَيْهَا من طرف خَفِي فَقَالَت اتَّقِ الله يَا ابْن الْفتُوح يعلم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفي الصُّدُور فتأثر لقولها واتعظ وَتَابَ إِلَى الله تَعَالَى وَجعل من تَمام تَوْبَته أَن يُهَاجر من الأَرْض الَّتِي قارف الذَّنب فِيهَا فارتحل إِلَى فاس فَأَقَامَ بهَا مُدَّة وانتفع النَّاس بِهِ ثمَّ انْتقل بعْدهَا إِلَى مكناسة فَتوفي بهَا فِي السّنة الْمَذْكُورَة قَالُوا وَهُوَ أول من أَدخل مُخْتَصر الشَّيْخ خَلِيل مَدِينَة فاس وَالْمغْرب
وَفِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة كَانَ الوباء الْعَظِيم بالمغرب هلك فِيهِ جمع من كبار الْعلمَاء والأعيان وَيُسمى هَذَا الوباء عِنْد أهل فاس بوباء عزونة
وَفِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة فِي ذِي الْقعدَة مِنْهَا توفّي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله العبدوسي مفتي فاس وعالمها الْكَبِير ومحدثها الشهير وَكَانَ من أهل الصّلاح وَالْخَيْر والإيثار
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة فِي أَوَاخِر ذِي الْقعدَة مِنْهَا توفّي إِمَام الْجَمَاعَة بفاس الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم الأندلسي الأَصْل الْمَعْرُوف بالقوري وَدفن بِبَاب الْحَمْرَاء مِنْهَا
وَفِي سنة تسع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة فِي أَوَاخِر صفر مِنْهَا توفّي الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه المحق أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد البرنسي الشهير بزروق وَكَانَت وَفَاته بمسراته من أَعمال طرابلس وَالله أعلم
стр. 797
بَقِيَّة أَخْبَار بني الْأَحْمَر واستيلاء الْعَدو على غرناطة وَسَائِر الأندلس مِنْهَا وانقراض كلمة الْإِسْلَام مِنْهَا
كَانَت دولة بني الْأَحْمَر فِي هَذِه الْمدَّة متماسكة والفتنة بَين أعياصها متشابكة والعدو فِيمَا بَين ذَلِك يخادعهم عَمَّا بِأَيْدِيهِم ويراوغهم ويسالمهم تَارَة ويحاربهم إِلَى أَن كَانَت دولة السُّلْطَان أبي الْحسن عَليّ ابْن السُّلْطَان سعد ابْن الْأَمِير عَليّ ابْن السُّلْطَان يُوسُف ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد الْغَنِيّ بِاللَّه فنازعه أَخُوهُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سعد الْمَدْعُو بالزغل قدم من بِلَاد النَّصَارَى وبويع بمالقة وَبَقِي بهَا مُدَّة وَعظم الْخطب واشتدت الْفِتَن وشرق الْمُسلمُونَ بداء الْخلاف الْوَاقِع بَين هذَيْن الْأَخَوَيْنِ وتكالب الْعَدو عَلَيْهِم وَوجد السَّبِيل إِلَى تَفْرِيق كلمتهم والتمكن من فسخ عَهدهم وذمتهم وَذَلِكَ أَعْوَام الثَّمَانِينَ وَثَمَانمِائَة ثمَّ انْقَادَ أَبُو عبد الله لأبي السحن فسكنت أَحْوَال الأندلس بعض الشَّيْء ثمَّ خرج عَلَيْهِ وَلَده أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْحسن وأسره النَّصَارَى فِي بعض الوقعات فراجع النَّاس طَاعَة أبي الْحسن ثمَّ نزل لِأَخِيهِ أبي عبد الله الزغل عَن الْأَمر لآفة أَصَابَته فِي بَصَره ثمَّ إِن الْعَدو عمد لأسيره أبي عبد الله ابْن الْحسن فوعده ومناه وَأظْهر لَهُ من أكاذيبه وخدعه غَايَة مناه وَبَعثه للتشغيب على عَمه طلبا لتفريق كلمة الْمُسلمين وَعكس مُرَادهم وتوصلا إِلَى مَا بَقِي عَلَيْهِ من حصون الْمُسلمين وبلادهم وطالت الْفِتْنَة بَين الْعم وَابْن الْأَخ وكل عقد كَانَ بَين الْعَدو وَبَينه انحل وانفسخ وخبت الْعَامَّة الَّذين هم أَتبَاع كل ناعق فِي ذَلِك وَوضعت وَكَانَ ذَلِك من أعظم الْأَسْبَاب الْمعينَة لِلْعَدو على التَّمَكُّن من أَرض الأندلس والتهامها واستئصال كلمة الْإِسْلَام مِنْهَا ثمَّ إِن ابْن الْأَخ استولى على غرناطة بعد خُرُوج الْعم عَنْهَا إِلَى الْجِهَاد ففت ذَلِك فِي عضده وَعطف إِلَى وَادي آش فاعتصم بهَا وحاصر الْعَدو مالقة فقاتله أَهلهَا بِكُل مَا أمكنهم حَتَّى إِذا لم يَجدوا لِلْقِتَالِ مساغا نزلُوا على الْأمان فاستولى الْعَدو عَلَيْهَا أَوَاخِر شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة ثمَّ استولى بعد ذَلِك على وَادي آش وأعمالها صلحا وَدخل فِي طَاعَته صَاحبهَا أَبُو عبد الله الْعم بعد
стр. 798
أَن استهوى الْعَدو قواده بالأموال الجزيلة ثمَّ إِن الْعَدو خذله الله وَأرْسل أَبَا عبد الله بن أبي الْحسن صَاحب غرناطة وَعرض عَلَيْهِ الدُّخُول فِي الخطة الَّتِي دخل فِيهَا عَمه من النُّزُول لَهُ عَن الْبِلَاد على أَمْوَال جزيلة يبذلها لَهُ وَيكون تَحت حكمه مُخَيّرا فِي أَي بِلَاد الأندلس شَاءَ فَشَاور رَعيته فاتفق النَّاس على الِامْتِنَاع والقتال فَعِنْدَ ذَلِك أرهف الْعَدو حَده وَجعل غرناطة وَأَهْلهَا من شَأْنه بعد أَن استولى أثْنَاء هَذِه الْفِتَن والتضريبات على حصون كَثِيرَة لم نتعرض لذكرها حَتَّى لم يبْق لَهُ إِلَّا غرناطة وأعمالها وَقد اختصرنا مُعظم هَذِه الْأَخْبَار إِذْ لم تكن من مَوْضُوع الْكتاب وَإِنَّمَا ألممنا بِهَذِهِ النبذة تتميما للفائدة وَزِيَادَة فِي الإمتاع وَلما كَانَ الْيَوْم الثَّانِي وَالْعشْرُونَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة خرج الْعَدو بمحلاته إِلَى مرج غرناطة وأفسد الزَّرْع ودوخ الأَرْض وَهدم الْقرى وَأمر بِبِنَاء مَوضِع بالسور والحفير فأحكمه وَكَانَ النَّاس يظنون أَنه عازم على الِانْصِرَاف فَإِذا بِهِ قد صرف عزمه إِلَى الْحصار وَالْإِقَامَة وَصَارَ يضيق على غرناطة كل يَوْم ودام الْقِتَال سَبْعَة أشهر وَاشْتَدَّ الْحصار بِالْمُسْلِمين غير أَن النَّصَارَى على بعد الطّرق بَين غرناطة والبشرات مُتَّصِلَة بالمرافق وَالطَّعَام يَأْتِي من نَاحيَة جبل شلير إِلَى أَن تمكن فصل الشتَاء وكلب الْبرد وَنزل الثَّلج فانسد بَاب الْمرَافِق وَانْقطع الجالب وَقل الطَّعَام وَاشْتَدَّ الغلاء وَعظم الْبلَاء وَاسْتولى الْعَدو على أَكثر الْأَمَاكِن خَارج الْبَلَد وَمنع الْمُسلمين من الْحَرْث وَالسَّبَب وضاق الْحَال وَبَان الاختلال وَعظم الْخطب وَذَلِكَ أول سنة سبع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وطمع الْعَدو فِي الِاسْتِيلَاء على غرناطة بِسَبَب الْجُوع والغلاء دون الْحَرْب والقتال ففر نَاس كَثِيرُونَ من الْجُوع إِلَى البشرات ثمَّ اشْتَدَّ الْأَمر فِي شهر صفر من السّنة وَقل الطَّعَام وتفاقم الْخطب فَاجْتمع نَاس مَعَ من يشار إِلَيْهِ من أهل الْعلم كَأبي عبد الله الْمُوَافق شَارِح الْمُخْتَصر وَغَيره وَقَالُوا انْظُرُوا لأنفسكم وَتَكَلَّمُوا مَعَ سلطانكم فأحضر السُّلْطَان أَبُو عبد الله بن أبي الْحسن أهل دولته وأرباب مشورته وَتَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْأَمر وَأَن الْعَدو يزْدَاد مدده كل يَوْم وَنحن لَا مدد لنا وَكُنَّا نظن أَنه يقْلع عَنَّا فِي فصل الشتَاء فخاب الظَّن وَبنى وَأسسَ وَأقَام وَقرب
стр. 799
منا فانظروا لأنفسكم وَأَوْلَادكُمْ فاتفق الرَّأْي على ارْتِكَاب أخف الضررين وشاع أَن الْكَلَام وَقع بَين النَّصَارَى ورؤساء الأجناد قبل ذَلِك فِي إِسْلَام الْبَلَد خوفًا على نُفُوسهم وعَلى النَّاس ثمَّ عددوا مطَالب وشروطا أداروها وَزَادُوا أَشْيَاء على مَا كَانَ فِي صلح وَادي آش مِنْهَا أَن صَاحب رومة يُوَافق على الِالْتِزَام وَالْوَفَاء بِالشّرطِ إِذا مكنوه من حَمْرَاء غرناطة والمعاقل والحصون وَيحلف على عَادَة النَّصَارَى فِي العهود وَتكلم النَّاس فِي ذَلِك وَذكروا أَن رُؤَسَاء أجناد الْمُسلمين لما خَرجُوا للْكَلَام فِي ذَلِك امتن عَلَيْهِم النَّصَارَى بِمَال جزيل وذخائر ثمَّ عقدت بَينهم الوثائق على شُرُوط قُرِئت على أهل غرناطة فانقادوا إِلَيْهَا ووافقوا عَلَيْهَا وَكَتَبُوا الْبيعَة لصَاحب قشتالة فقبلها مِنْهُم وَنزل سُلْطَان غرناطة أَبُو عبد الله عَن الْحَمْرَاء وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَفِي ثَانِي ربيع الأول من السّنة أَعنِي سنة سبع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة استولى النَّصَارَى على الْحَمْرَاء ودخلوها بعد أَن استوثقوا من أهل غرناطة بِنَحْوِ خَمْسمِائَة من الْأَعْيَان رهنا خوف الْغدر وَكَانَت الشُّرُوط سَبْعَة وَسِتِّينَ شرطا مِنْهَا تَأْمِين الصَّغِير وَالْكَبِير فِي النَّفس والأهل وَالْمَال وإبقاء النَّاس فِي أماكنهم ودورهم ورباعتهم وعقارهم وَمِنْهَا إِقَامَة شريعتهم على مَا كَانَت وَلَا يحكم على أحد مِنْهُم إِلَّا بِشَرِيعَتِهِ وَأَن تبقى الْمَسَاجِد كَمَا كَانَت والأوقاف كَذَلِك وَأَن لَا يدْخل النَّصَارَى دَار مُسلم وَلَا يغصبوا أحدا وَأَن لَا يولي على الْمُسلمين نَصْرَانِيّ أَو يَهُودِيّ مِمَّن يتَوَلَّى عَلَيْهِم من قبل سلطانهم وَأَن يفتك جَمِيع من أسر فِي غرناطة حَيْثُ كَانُوا وخصوصا أعيانا نَص عَلَيْهِم وَمن هرب من أُسَارَى الْمُسلمين وَدخل غرناطة لَا سَبِيل عَلَيْهِ لمَالِكه وَلَا لغيره وَالسُّلْطَان يدْفع ثمنه لمَالِكه وَمن أَرَادَ الْجَوَاز إِلَى العدوة لَا يمْنَع ويجوزون فِي مُدَّة عينت فِي مراكب السُّلْطَان لَا يلْزمهُم إِلَّا الْكِرَاء ثمَّ بعد تِلْكَ الْمدَّة يُعْطون عشر مَالهم والكراء وَأَن لَا يُؤْخَذ أحد بذنب غَيره وَأَن لَا يجْبر من أسلم على الرُّجُوع لِلنَّصَارَى وَدينهمْ وَأَن من تنصر من الْمُسلمين يُوقف أَيَّامًا حَتَّى يظْهر حَاله ويحضر لَهُ حَاكم من الْمُسلمين وَآخر من النَّصَارَى فَإِن أَبى الرُّجُوع إِلَى الْإِسْلَام تَمَادى على مَا أَرَادَ وَلَا يُعَاتب
стр. 800
على من قتل نَصْرَانِيّا أَيَّام الْحَرْب وَلَا يُؤْخَذ مِنْهُ مَا سلب من النَّصَارَى أَيَّام الْعَدَاوَة وَلَا يُكَلف الْمُسلم بضيافة أجناد النَّصَارَى وَلَا يسفر لجِهَة من الْجِهَات وَلَا يزِيدُونَ على المغارم الْمُعْتَادَة وترفع عَنْهُم جَمِيع الْمَظَالِم والمغارم المحدثة وَلَا يطلع نَصْرَانِيّ للسور وَلَا يتطلع على دور الْمُسلمين وَلَا يدْخل مَسْجِدا من مَسَاجِدهمْ ويسير الْمُسلم فِي بِلَاد النَّصَارَى آمنا فِي نَفسه وَمَاله وَلَا يَجْعَل عَلامَة كَمَا يَجْعَل الْيَهُود وَأهل الدجن وَلَا يمْنَع مُؤذن وَلَا صَائِم وَلَا مصل وَلَا غَيره من أُمُور دينه وَمن ضحك مِنْهُم يُعَاقب ويتركون من المغارم سِنِين مَعْلُومَة وَأَن يُوَافق على كل الشُّرُوط صَاحب رومة وَيَضَع خطّ يَده وأمثال هَذَا مِمَّا تركنَا ذكره
وَبعد انبرام ذَلِك وَدخُول النَّصَارَى للحمراء وَالْمَدينَة جعلُوا قائدا بالحمراء وحكاما ومقدمين بِالْبَلَدِ وَلما علم بذلك أهل البشرات دخلُوا فِي هَذَا الصُّلْح وشملهم حكمه على هَذَا الْوَجْه ثمَّ أَمر الْعَدو بِبِنَاء مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْحَمْرَاء وتحصينها وتجديد بِنَاء قُصُورهَا وَإِصْلَاح سورها وَصَارَ الطاغية يخْتَلف إِلَى الْحَمْرَاء نَهَارا ويبيت بمحلته لَيْلًا إِلَى أَن اطْمَأَن من خوف الْغدر فَدخل الْمَدِينَة وَتَطوف بهَا وأحاط خَبرا بِمَا يرومه مِنْهَا ثمَّ أَمر سُلْطَان الْمُسلمين أَن ينْتَقل لسكنى البشرات وَأَنَّهَا تكون لَهُ فِي سكناهُ بأندرش فَانْصَرف إِلَيْهَا وَأخرج الأجناد مِنْهَا ثمَّ احتال عَدو الله فِي نَفْيه لبر العدوة وَأظْهر أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور طلب مِنْهُ ذَلِك ثمَّ كتب لصَاحب المرية أَنه سَاعَة وُصُول كتابي هَذَا لَا سَبِيل لأحد أَن يمْنَع مولَايَ أَبَا عبد الله من السّفر حَيْثُ أَرَادَ من بر العدوة وَمن وقف على هَذَا الْكتاب فليصرفه وليقف مَعَه وَفَاء بِمَا عهد لَهُ فَانْصَرف السُّلْطَان أَبُو عبد الله فِي الْحِين بِنَصّ هَذَا الْكتاب وَركب الْبَحْر فَنزل بمليلة واستوطن فاسا وَكَانَ قبل ذَلِك قد طلب الْجَوَاز لناحية مراكش فَلم يسعف بذلك وَحين جَوَازه لبر العدوة لَقِي شدَّة وَغَلَاء وبلاء ثمَّ إِن النَّصَارَى نكثوا الْعَهْد وَنَقَضُوا الشُّرُوط عُرْوَة عُرْوَة إِلَى أَن آل الْحَال لحملهم الْمُسلمين على التنصر سنة أَربع وَتِسْعمِائَة بعد أُمُور وَأَسْبَاب أعظمها عَلَيْهِم أَنهم قَالُوا إِن القسيسين كتبُوا على جَمِيع من أسلم من النَّصَارَى أَن
стр. 801
يرجع مهرعا لدينِهِ فَفَعَلُوا ذَلِك وَتكلم النَّاس وَلَا جهد لَهُم وَلَا قُوَّة ثمَّ تعدوا ذَلِك إِلَى أَمر آخر وَهُوَ أَن يَقُولُوا للرجل الْمُسلم إِن جدك كَانَ نَصْرَانِيّا فَأسلم فترجع أَنْت نَصْرَانِيّا وَلما تفاحش هَذَا الْأَمر قَالَ أهل البيازين على الْحُكَّام فَقَتَلُوهُمْ وَهَذَا كَانَ السَّبَب الْأَعْظَم فِي التنصر قَالُوا لِأَن الحكم خرج من عِنْد السُّلْطَان أَن من قَامَ على الْحَاكِم فَلَيْسَ إِلَّا الْمَوْت إِلَّا أَن يتنصر فينجو من الْمَوْت وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُم تنصرُوا عَن آخِرهم بادية وحاضرة وَامْتنع قوم من التنصر واعتزلوا النَّصَارَى فَلم يَنْفَعهُمْ ذَلِك وامتنعت قرى وأماكن كَذَلِك مِنْهَا بلفيق وأندرش وَغَيرهمَا فَجمع لَهُم الْعَدو الجموع واستأصلهم عَن آخِرهم قتلا وسبيا إِلَّا مَا كَانَ من جبل بللنقة فَإِن الله تَعَالَى أعانهم على عدوهم وَقتلُوا مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة مَاتَ فِيهَا صَاحب قرطبة وأخرجوا على الْأمان إِلَى فاس بعيالهم وَمَا خف من أَمْوَالهم دون الذَّخَائِر
ثمَّ بعد هَذَا كُله كَانَ من أظهر التنصر من الْمُسلمين يعبد الله فِي خُفْيَة وَيُصلي فَشدد النَّصَارَى فِي الْبَحْث عَنْهُم حَتَّى إِنَّهُم أحرقوا كثيرا مِنْهُم بِسَبَب ذَلِك ومنعوهم من حمل السكين الصَّغِيرَة فضلا عَن غَيرهَا من الْحَدِيد وَقَامُوا فِي بعض الْجبَال على النَّصَارَى مرَارًا فَلم يقيض الله تَعَالَى لَهُم ناصرا إِلَى أَن كَانَ إِخْرَاج النَّصَارَى إيَّاهُم جملَة أَعْوَام سَبْعَة عشر وَألف بعد أَن ساكنوهم بغرناطة وأعمالها نَحوا من مائَة وَعشْرين سنة كَانُوا فِيهَا تَحت ذمَّة النَّصَارَى كَمَا رَأَيْت وَالْأَمر لله وَحده وَلما أجلاهم الْعَدو عَن جَزِيرَة الأندلس خرجت أُلُوف مِنْهُم بفاس وألوف أخر بتلمسان ووهران وَخرج جمهورهم بتونس فتسلط عَلَيْهِم فِي الطرقات الْأَعْرَاب وَمن لَا يخْشَى الله تَعَالَى من الأوباش ونهبوا أَمْوَالهم وَهَذَا بِبِلَاد تلمسان وفاس وَنَجَا الْقَلِيل من هَذِه الْمضرَّة وَأما الَّذين خَرجُوا بنواحي تونس فَسلم أَكْثَرهم وَكَذَلِكَ بتطاوين وسلا وبيجة الجزائر وَلما استخدم سُلْطَان الْمغرب الْأَقْصَى وَهُوَ الْمَنْصُور السَّعْدِيّ مِنْهُم عسكرا جرارا وَسَكنُوا سلا كَانَ مِنْهُم من الْجِهَاد فِي الْبَحْر مَا هُوَ مَشْهُور وحصنوا قلعة سلا وَهِي رِبَاط الْفَتْح وبنوا بهَا الْقُصُور والحمامات والدور
стр. 802
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْمقري فِي نفح الطّيب وهم الْآن يَعْنِي فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ وَألف بِهَذَا الْحَال وَوصل جمَاعَة مِنْهُم إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى وَإِلَى مصر وَالشَّام وَغَيرهَا من بِلَاد الْإِسْلَام وانقضى أَمر الأندلس وعادت نَصْرَانِيَّة كَمَا كَانَت أول مرّة وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَهُوَ خير الْوَارِثين
وَفِي السّنة الَّتِي استولى الإصبنيول على غرناطة انكشفت لَهُم أَرض ماركان الَّتِي كَانَت مَجْهُولَة قبل هَذَا التَّارِيخ لسَائِر الْأُمَم وَذَلِكَ أَن الْحُكَمَاء الأقدمين من اليونان وَغَيرهم أَجمعُوا على أَن شكل الأَرْض كرة وَأَن المَاء قد غمر أحد جانبيها كُله بِحَيْثُ صَارَت الأَرْض فِيهِ كَأَنَّهَا بَيْضَة مغرقة فِي طست مَاء قد رسب فِيهِ أَكْثَرهَا وبرز أقلهَا وَأَجْمعُوا على أَن هَذَا البارز مِنْهَا هُوَ المسكون ببني آدم وَغَيرهم من الْحَيَوَانَات وَهُوَ الْمقسم إِلَى سَبْعَة أَقسَام تسمى الأقاليم وَلم يهتدوا إِلَى أَن الْجَانِب الآخر منكشف عَنهُ المَاء وَلَا أَنه مسكون كَهَذا الْجَانِب بل جزموا بِأَنَّهُ مَاء صرف يُسمى الْبَحْر الْمُحِيط وَاسْتمرّ هَذَا الِاعْتِقَاد عِنْدهم وَنَقله الْخلف عَن السّلف وَوَضَعُوا فِيهِ التآليف العديدة إِلَى أَن كَانَت سنة سبع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَهِي السّنة الَّتِي استولى فِيهَا الإصبنيول على غرناطة وَسَائِر الأندلس فاتفق أَن ظهر فِي تِلْكَ الْمدَّة رجل من فرنج جنوة اسْمه كلنب بِضَم الْكَاف وَاللَّام كَانَت حرفته الملاحة وَالسّفر فِي الْبَحْر وَكَانَ بعيد الهمة مُولَعا بالشهرة مغرى بِالذكر وَحسن الصيت فخطر بِبَالِهِ أَن جَانب الأَرْض الَّذِي أغفل الْحُكَمَاء الْأَولونَ ذكره وَزَعَمُوا أَنه بَحر صرف رُبمَا يكون مسكونا كَهَذا الْجَانِب
وَكَانَ جنس البرتغال فِي هَذِه الْمدَّة قد كثرت أسفارهم فِي الْبَحْر وملكوا عدَّة محَال من جزائره الخالدات فَحصل لكلنب الجنويزي بعض غيرَة ونفاسة مِنْهُم وَأَرَادَ أَن يَأْتِي بأعظم مِمَّا فعلوا فعزم على التلجيج فِي الْبَحْر الْمُحِيط والإبعاد فِيهِ عَسى أَن يظفر بمراده فتطارح على ملك البرتغال واسْمه يَوْمئِذٍ يوحنا الثَّانِي فِي أَن يُعينهُ على مَا هُوَ بصدده ويمده بِمَا يكون سَببا فِي نيل مقْصده فَلم يلْتَفت إِلَى قَوْله وَلَا عرج على رَأْيه وَمن قبل مَا كَانَ أهل
стр. 803
جنوة يحمقونه وينسبونه إِلَى التهور بِمثل هَذِه الآراء فَلَمَّا لم يجد عِنْد ملك البرتغال مُرَاده تطارح على ملكة الإصبنيول وَهِي يَوْمئِذٍ إيسابيلا الشهيرة الذّكر عِنْدهم فأسعفته وَهَيَّأْت لَهُ ثَلَاث سفائن وشحنتها بِالرِّجَالِ وَالسِّلَاح والزاد وَالْمَال وَدفعت ذَلِك إِلَيْهِ فسافر بهَا كلنب فِي الْبَحْر الْمُحِيط على سمت الْمغرب حَتَّى أرسى بِبَعْض الجزائر الخالدات فأراح بهَا أَيَّامًا ثمَّ سَافر على السمت الْمَذْكُور ملججا مُدَّة من شَهْرَيْن وَلما طَال السّفر على أَصْحَابه الَّذين مَعَه أَرَادوا قَتله وبينما هم فِي ذَلِك ظَهرت لَهُ أَرض ماركان فَسَار حَتَّى أرسى بأجفانه على ساحلها فِي الْيَوْم الثَّامِن عشر من ذِي الْحجَّة سنة سبع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة الْمَذْكُورَة فعثر مِنْهَا على أَرض وَاسِعَة ذَات أقطار ونواحي وجبال وأنهار تفوت الْحصْر حَتَّى قيل إِنَّهَا تَسَاوِي نصف هَذَا المسكون من الأَرْض أَو تزيد وَإِذا فِيهَا خلق كثير من بني آدم كهذه إِلَّا أَنهم لم يفقهوا قَوْله وَلَا فقه قَوْلهم فَعَاد كلنب إِلَى ملكة الإصبنيول بعد أَن بنى هُنَالك حصنا وَترك بِهِ بعض الْجند وسَاق من تِلْكَ الأَرْض بعض الغرائب من حَيَوَان وَغَيره إِثْبَاتًا لمدعاه فَلَمَّا قدم على الملكة بعد مغيبه سَبْعَة أشهر وَأحد عشر يَوْمًا أعظمت قدره ونوهت باسمه وسرت بِمَا أَتَى بِهِ من ذَلِك كُله وعدت ذَلِك من سعادتها إِلَى مَا تسنى لَهَا من الظفر بِجَزِيرَة الأندلس والاستيلاء عَلَيْهَا وَتبين للفرنج حِينَئِذٍ أَن الأَرْض معمورة من كلا الْجَانِبَيْنِ لَا من جَانب وَاحِد كَمَا اعتقده الأقدمون فَحِينَئِذٍ تسارعت أجناسهم إِلَى أَرض ماركان واقتسموها واعتنوا بعمرانها وسموها الدُّنْيَا الجديدة فَكَانَت من أعظم الْأَسْبَاب فِي انتعاشهم وتقويتهم وضخامة دولهم واتساع خطط ممالكهم والأمور كلهَا بيد الله
وَمن جملَة مَا كَانَ مفقودا بِأَرْض ماركان نوع الْخَيل وَكَذَا غَيرهَا من الْحَيَوَانَات الْأَهْلِيَّة وَلما رَأَوْا الأدمِيّ رَاكِبًا على الْفرس مسرجا ظنوه قِطْعَة وَاحِدَة وَأَن الْفَارِس وفرسه حَيَوَان وَاحِد خلق على تِلْكَ الْكَيْفِيَّة إِلَى غير ذَلِك وأخبار أَرض ماركان وَكَيْفِيَّة العثور عَلَيْهَا ثمَّ التَّرَدُّد إِلَيْهَا واعتمارها بعد ذَلِك طَوِيلَة وملخصها مَا ذَكرْنَاهُ وَالله تَعَالَى الْمُوفق بمنه
стр. 804
وَهَذَا آخر النّصْف الأول من كتاب الاستقصا لأخبار دوَل الْمغرب الْأَقْصَى قد شرعنا فِي إمْلَائِهِ منتصف رَجَب الْفَرد الْحَرَام من سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وفرغنا مِنْهُ فِي منتصف ذِي الْحجَّة الْحَرَام فِي السّنة الْمَذْكُورَة ونشرع بعون الله تَعَالَى فِي الْجُزْء الثَّانِي مِنْهُ مفتتحا بِمَا يكون كالتوطئة لدولة بني وطاس من أَخْبَار البرتغال على الْجُمْلَة وعَلى الله تَعَالَى الْكَمَال بمنه وفضله
أَخْبَار البرتغال بالمغرب الْأَقْصَى على الْجُمْلَة
اعْلَم أَن هَذَا الْمغرب الْأَقْصَى حرسه الله وكلأه بِعَين حفظه لم يزل بِجَمِيعِ ثغوره وسواحله وأقطاره مُنْذُ الْفَتْح الإسلامي إِلَى الْمِائَة التَّاسِعَة مَحْفُوظًا الجوانب من طروق أُمَم الفرنج وَغَيرهم من أَعدَاء الدّين محفوف الأكتاف بالحامية من جنود الْمُسلمين مرهوبة شَوْكَة ملوكه عِنْد أُمَم النَّصْرَانِيَّة جيلا بعد جيل وَأمة بعد أمة ودولة بعد دولة لم تكن الفرنج تحدث نَفسهَا بغزو شَيْء من بِلَاده أَو طرق ثغر من ثغوره أَو الِاسْتِيلَاء على شَيْء من سواحله وَلم يكن أَهله أَيْضا يتوقعون ذَلِك مِنْهُم وَلَا يخشونه بل هم الَّذين كَانُوا يغزون الفرنج فِي عقر دِيَارهمْ وأعز بِلَادهمْ ويحامون عَن بِلَاد الأندلس وسواحل إفريقية وَغَيرهَا مَتى هاج أَهلهَا هيج من ذَلِك حَسْبَمَا تقدّمت الْأَخْبَار المفصحة عَن ذَلِك وَلم يبلغنَا أَن جِنْسا من أَجنَاس الفرنج فِيمَا قبل الْمِائَة التَّاسِعَة غزا شَيْئا من أَطْرَاف الْمغرب الْأَقْصَى أَو ثغرا من ثغوره بِقصد الِاسْتِيلَاء والتملك إِلَّا مَا كَانَ من مَدِينَة سلا الَّتِي دَخلهَا الإصبنيول غدرا أَيَّام الْفِتْنَة بَين اليعقوبين ثمَّ خَرجُوا عَنْهَا لمُدَّة يسيرَة حَسْبَمَا مر وَإِلَّا مَا كَانَ من محاصرة أهل جنوة لسبتة ثمَّ الإقلاع عَنْهَا كَذَلِك وَنَحْو هَذَا مِمَّا لَا يعْتَبر فَلَمَّا دخلت الْمِائَة التَّاسِعَة وَمضى صدرها وتداعت دوَل الْمغرب من بني أبي حَفْص بإفريقية وَبني زيان بالمغرب الْأَوْسَط وَبني مرين بالمغرب الْأَقْصَى
стр. 805
وَبني الْأَحْمَر بالأندلس وأشرفت على الْهَرم وَحدثت الْفِتَن بَين الْمُسلمين ودامت فيهم وَاشْتَغلُوا بِأَنْفسِهِم دون الِالْتِفَات إِلَى جِهَاد الْعَدو ومطالبته فِي أرضه وبلاده على مَا كَانَ لَهُم من الْعَادة قبل ذَلِك وَافق ذَلِك ابْتِدَاء ظُهُور الجلالقة وهم الإصبنيول والبرتغال وهم البرطقيز بِجَزِيرَة الأندلس واستفحال أَمرهم فكثرت أسفار البرتغال فِي الْبَحْر الْمُحِيط ودام تقلبهم فِيهِ ومرنوا عَلَيْهِ حَتَّى حصلوا على عدَّة جزائر مِنْهُ واكتشفوا بعض الرؤوس الساحلية من أَرض السودَان وَغَيرهَا ثمَّ شرهوا لتملك سواحل الْمغرب الْأَقْصَى فَهَجَمُوا عَلَيْهَا وجالدوا أَهلهَا دونهَا حَتَّى تمكنوا مِنْهَا ونشبوا فِيهَا فَقَوِيت شوكتهم وَعظم ضررهم على الْإِسْلَام وطمحت نُفُوسهم للاستيلاء على مَا وَرَاء ذَلِك حَسْبَمَا تقف عَلَيْهِ مُبينًا فِي موَاضعه إِن شَاءَ الله
فاستولوا فِي سنة ثَمَان عشرَة وَثَمَانمِائَة على مَدِينَة سبتة بعد محاصرتهم لَهَا سِتّ سِنِين على مَا فِي بعض تواريخ الإفرنج ثمَّ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة استولوا على قصر الْمجَاز ثمَّ استولوا فِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة على طنجة ثمَّ فِي حُدُود سنة سِتّ وَسبعين وَثَمَانمِائَة ملكوا آصيلا وَفِي هَذَا التَّارِيخ نَفسه أَو قبله بِيَسِير استولوا على مَدِينَة آنِفا وَبَعض سواحل السوس ثمَّ فِي حُدُود سنة سبع وَتِسْعمِائَة نزلُوا بِأَرْض الجديدة فِيمَا بَين آزمور وتيط وبنوا بهَا حصن البريجة وَطَالَ مقامهم بهَا ثمَّ فِي سنة عشر وَتِسْعمِائَة استولوا على مَدِينَة العرائش ثمَّ بعد ذَلِك بِيَسِير فِي حُدُود الْعشْر وَتِسْعمِائَة على مَا تَقْتَضِيه تواريخ الفرنج ملكوا حصن آكادير وَمَا اتَّصل بِهِ من سواحل السوس الْأَقْصَى ثمَّ ملكوا فِي حُدُود اثْنَتَيْ عشرَة وَتِسْعمِائَة رِبَاط آسفي ثمَّ عطفوا على ثغر آزمور فاستولوا عَلَيْهِ فِي سنة أَربع عشرَة وَتِسْعمِائَة ثمَّ المعمورة وَهِي المهدية ملكوها أَيْضا فِي حُدُود سنة عشْرين وَتِسْعمِائَة وَفِي هَذَا التَّارِيخ نَفسه رجعُوا إِلَى مَدِينَة آنِفا بعد هدمها فبنوها وسكنوها وَبِالْجُمْلَةِ فَلم يبْق من ثغور الْمغرب الْأَقْصَى بيد الْمُسلمين إِلَّا الْقَلِيل مثل سلا ورباط الْفَتْح وفجئ الْمُسلمُونَ من هَذَا البرتغال بِالْأَمر الْعَظِيم ودهوا مِنْهُ بالخطب الجسيم واستحوذ عَدو الله على بِلَاد الهبط وضايقهم بهَا حَتَّى
стр. 806
انحازوا إِلَى الْأَمْصَار المنزوية عَن الْأَطْرَاف والقرى النائية عَن السواحل وَكَانَ ذَلِك كُله فِيمَا بَين انْقِرَاض دولة بني وطاس وَظُهُور دولة الشرفاء السعديين وَلَقَد ذكر فِي مرْآة المحاسن أَن قصر كتامة كَانَ فِي صدر الْمِائَة الْعَاشِرَة مقصدا للتجار وسوقا تجلب إِلَيْهِ بضائع العدوتين وسلعها قَالَ إِذْ كَانَ الْقصر الْمَذْكُور ثغرا بَين بِلَاد الْمُسلمين وَبَين بِلَاد النَّصَارَى تحط بِهِ رحال تجار الْمُسلمين من آفَاق الْمغرب وتجار الْحَرْبِيين من أصيلا وطنجة وَقصر الْمجَاز وسبتة وَلِأَنَّهُ كَانَ مَحل عناية سُلْطَان الْمغرب إِذْ ذَاك مُحَمَّد الشَّيْخ بن أبي زَكَرِيَّاء الوطاسي فَإِن الْقصر قَاعِدَة بِلَاد الهبط الَّتِي كَانَت موقد شرارة السُّلْطَان الْمَذْكُور ومشب ناره وموشج عصبيته مَعَ مجاورته لبلاد الْحَرْب فَكَانَ نظره مصروفا إِلَيْهِ واختصاصه مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَتقبل بنوه من بعده مذْهبه فِيهِ اه كَلَامه فَهَذَا يدلك على مَا كَانَ عَلَيْهِ الْعَدو خذله الله من المضايقة للْمُسلمين فِي ثغورهم وبلادهم وَللَّه الْأَمر من قبل وَمن بعد
وَلما نزل بِأَهْل الْمغرب الْأَقْصَى مَا نزل من غَلَبَة عَدو الدّين واستيلائه على ثغور الْمُسلمين تباروا فِي جهاده وقتاله وأعملوا الْخَيل وَالرجل فِي مقارعته ونزاله وتوفرت دواعي الْخَاصَّة مِنْهُم والعامة على ذَلِك وصرفوا وُجُوه الْعَزْم لتَحْصِيل الثَّوَاب فِيمَا هُنَالك فكم من رَئِيس قوم قَامَ لنصرة الدّين غيرَة واحتسابا وَكم من ولي عصر أَو عَالم مصر بَاعَ نَفسه من الله وَرَأى ذَلِك صَوَابا حَتَّى لقد اسْتشْهد مِنْهُم أَقوام وَأسر آخَرُونَ وَبلغ الله تَعَالَى جَمِيعهم من الثَّوَاب مَا يرجون فَمن اسْتشْهد مِنْهُم فِي سَبِيل الله سَيِّدي عِيسَى ابْن الْحسن المصباحي دَفِين الدعداعة بِأَرْض البروزي من بِلَاد طليق وَأَبُو الْحسن عَليّ بن عُثْمَان الشاوي من أَصْحَاب الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الغزواني وَأَبُو الْفضل فرج الأندلسي ثمَّ المكناسي وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد القصري الْمَعْرُوف بسقين قَتله النَّصَارَى عِنْد ضريح الشَّيْخ أبي سلهام وَكَانَ قد قَصده للزيارة ففتكوا بِهِ هُنَالك وكل هَؤُلَاءِ مَعْدُود فِي أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وَمِمَّنْ أسر مِنْهُم ثمَّ خلصه الله الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن ساسي دَفِين تانسيفت من أحواز مراكش وَالشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله الكوش دَفِين جبل الْعرض من أحواز
стр. 807
فاس ووالد صَاحب دوحة الناشر وَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن مِصْبَاح الحسني عرف بِابْن عَسْكَر وَالشَّيْخ الْعَلامَة أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن القَاضِي المكناسي أحد قُضَاة سلا وَهُوَ صَاحب جذوة الاقتباس والمنتقى الْمَقْصُور وَغَيرهمَا من التآليف الحسان أسر وَهُوَ ذَاهِب إِلَى الْحَج وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْفضل التّونسِيّ الْمَعْرُوف بخروف نزيل فاس وَشَيخ الْجَمَاعَة بهَا هَؤُلَاءِ كلهم أَصَابَهُ الْأسر ثمَّ خلصه الله بعد حِين وَغير هَؤُلَاءِ مِمَّن لم يحضرنا ذكرهم أجزل الله ثوابهم وَيسر بمنه حسابهم وَلَقَد ألف النَّاس فِي ذَلِك الْعَصْر التآليف فِي الحض على الْجِهَاد وَالتَّرْغِيب فِيهِ وَقَالَ الخطباء والوعاظ فِي ذَلِك فَأَكْثرُوا ونظم الشُّعَرَاء والأدباء فِيهِ ونثروا فَمِمَّنْ ألف فِي ذَلِك الْبَاب فَأفَاد الشَّيْخ المتفنن البارع الصُّوفِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم ابْن يَجِيش التازي قَالَ فِي الدوحة وقفت لَهُ على تأليف أَلفه فِي الحض على الْجِهَاد فِي سَبِيل الله فَكَانَ مِمَّا يَنْبَغِي أَن يتَنَاوَل باليدين وَيكْتب دون المداد باللجين أودعهُ نظما ونثرا وَمِمَّنْ نظم فِي ذَلِك فأجاد الشَّيْخ الصَّالح المتصوف الْمُجَاهِد أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يحيى البهلولي قَالَ فِي الدوحة كَانَ هَذَا الشَّيْخ مِمَّن لَازم بَاب الْجِهَاد وَفتح لَهُ فِيهِ وَله فِي ذَلِك أشعار وقصائد زجليات وَغَيرهَا وَكَانَ معاصرا للسُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي الْمَعْرُوف بالبرتغالي فَكَانَ إِذا جَاءَهُ زَائِرًا حضه على الْغَزْو فيساعده على مَا أَرَادَ من ذَلِك وَلما توفّي السُّلْطَان الْمَذْكُور ودالت الدولة لوَلَده السُّلْطَان أَحْمد وغص بالشرفاء القائمين عَلَيْهِ بِبِلَاد السوس عقد الْهُدْنَة مَعَ النَّصَارَى المجاورين لَهُ بِبِلَاد الهبط وصاحبهم سُلْطَان البرتغال فَبلغ ذَلِك الشَّيْخ أَبَا عبد الله الْمَذْكُور فآلى على نَفسه أَن لَا يلقى السُّلْطَان الْمَذْكُور وَلَا يمشي إِلَيْهِ وَلَا يقبل مِنْهُ مَا كَانَ عينه لَهُ وَالِده من جِزْيَة أهل الذِّمَّة بفاس لقُوته وضرورياته فَمَكثَ على ذَلِك إِلَى أَن حَضرته الْوَفَاة وَكَانَ فِي النزع وَأَصْحَابه دائرون بِهِ فَقَالَ لَهُ بَعضهم يَا سَيِّدي أخْبرك أَن السُّلْطَان أَمر بالغزو ونادى بِهِ وحض النَّاس عَلَيْهِ والمسلمون فِي شرح لذَلِك وَفَرح فَفتح الشَّيْخ عَيْنَيْهِ وتهلل وَجهه فَرحا وَحمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ
стр. 808
فَفَاضَتْ نَفسه وَهُوَ مسرور بذلك وَلِهَذَا الشَّيْخ زجليات ومقطعات حسان فِي الحض على الْجِهَاد مِنْهَا اللامية الْمَشْهُورَة الَّتِي خَاطب بهَا السُّلْطَان أَبَا عبد الله الْمَذْكُور ومطلعها
(قل للأمير مُحَمَّد ... يَا طلعة الْهلَال)
(لويلة فِي السواحل ... من أفضل الليال)
وَمِنْهَا القصيدة الَّتِي مطْلعهَا
(ظهر الرمل مرادي ... والعسكر يَا كرام)
(نَفسِي على الْجِهَاد ... سبلت وَالسَّلَام)
وَمِنْهَا القصيدة الَّتِي أَولهَا
(قُم للْجِهَاد رعاك الله منتهجا ... نهج الرشاد إِلَى الأقوام لَو فَهموا)
(من بعد أندلس مَا زلت محتدما ... لَو كَانَ يمكنني فِي اللَّيْل أحتزم)
إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول ذكره قَالَ صَاحب الدوحة حَدثنِي الْفَقِيه الْعدْل أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الدغموري القصري قَالَ كَانَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله يَقُول مَا غزونا غَزْوَة قطّ إِلَّا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فِيهَا ويخبرني بِجَمِيعِ مَا يتَّفق لي ولأصحابي فِي تِلْكَ الْغَزْوَة وَله ﵁ فِي شَأْن الْجِهَاد والرجولية حِكَايَة ظريفة وَهِي أَنه غز مرّة غَزْوَة إِلَى الثغور الهبطية ثمَّ قدم مِنْهَا مَعَ أَصْحَابه فَوجدَ زَوجته فُلَانَة بنت الشَّيْخ أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن بكار قد توفيت وَصلى النَّاس عَلَيْهَا بِجَامِع الْقرَوِيين وإمامهم الشَّيْخ غَازِي ابْن الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن غَازِي الإِمَام الْمَشْهُور فوصل الشَّيْخ أَبُو عبد الله وَوجد جنازتها على شَفير الْقَبْر وَالنَّاس يحاولون دَفنهَا فَقَالَ لَهُم مهلا ثمَّ تقدم وَأعَاد الصَّلَاة عَلَيْهَا مَعَ أَصْحَابه الَّذين قدمُوا مَعَه فبادر النَّاس إِلَيْهِ بالإنكار فِي تَكْرِير الصَّلَاة فِي الْجِنَازَة بِالْجَمَاعَة مرَّتَيْنِ فَقَالَ لَهُم على البديهة صَلَاتكُمْ الَّتِي صليتم عَلَيْهَا فَاسِدَة لكَونهَا بِغَيْر إِمَام فَقَالُوا لَهُ كَيفَ ذَلِك يَا سَيِّدي قَالَ لِأَن شَرط الإِمَام الذكورية وَهِي مفقودة فِي صَاحبكُم لِأَن الَّذِي لم يتقلد سَيْفا فِي سَبِيل الله قطّ وَلم يضْرب بِهِ وَلَا عرف الْحَرْب كَمَا كَانَ نَبينَا ﷺ وَلم يتعبد بالسيرة النَّبَوِيَّة فَكيف يعد إِمَامًا ذكرا بل
стр. 809
إمامكم وَالله من جملَة النِّسَاء اه وَحكى أَيْضا فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الله الورياكلي الَّذِي قَالَ لَهُ الْعَلامَة ابْن مَرْزُوق وَقد عزم على الرحلة إِلَى بِلَاد الْمشرق فِي طلب الْعلم لَيْسَ أمامك أحد أعلم مِنْك قَالَ فَرجع من هُنَالك فَوجدَ النَّصَارَى قد تغلبُوا على طنجة وآصيلا فلازم الثغور الهبطية لأجل الرِّبَاط وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله وَبث الْعلم ونشره قَالَ وَكَانَ من عَادَته أَن يشْتَغل بالتدريس فِي فَصلي الشتَاء وَالربيع وَيخرج فِي الصَّيف والخريف فيربط فِي ثغور الْقَبَائِل الهبطية إِلَى آخر كَلَامه وأمثال هَذَا كثير ذكرنَا مِنْهُ هَذِه النبذة الْيَسِيرَة لتقف بهَا على أَحْوَال الْقَوْم وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ من الرَّغْبَة فِي الْجِهَاد والمثابرة عَلَيْهِ قدس الله أَرْوَاحهم وَجعل فِي دَار النَّعيم غدوهم ورواحهم
وَقد آن أَن نشرع فِي الْأَخْبَار عَن دولة بني وطاس بعد أَن نذْكر دولة الشريف العمراني الَّذِي بَايعه أهل فاس يَوْم مقتل السُّلْطَان عبد الْحق بن أبي سعد ﵀
الْخَبَر عَن دولة الشريف أبي عبد الله الْحَفِيد وأوليته
هَذَا الشريف هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الإدريسي الجوطي العمراني من بَيت بني عمرَان فرقة من أدارسة فاس وهم وَاسِطَة عقد الْبَيْت الإدريسي وأوضحهم نسبا وَأَعْلَاهُمْ حسبا قَالَ ابْن خلدون لَيْسَ فِي الْمغرب فِيمَا نعلمهُ من أهل الْبَيْت الْكَرِيم من يبلغ فِي صَرَاحَة نسبه ووضوحه مبلغ أعقاب إِدْرِيس ﵁ قَالَ وكبراؤهم لهَذَا الْعَهْد بَنو عمرَان بفاس من ولد يحيى الجوطي بن مُحَمَّد بن يحيى العدام بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس بن إِدْرِيس وهم نقباء أهل الْبَيْت هُنَاكَ والساكنون بِبَيْت جدهم إِدْرِيس وَلَهُم السِّيَادَة على أهل الْمغرب كَافَّة اه والجوطي قَالَ فِي الْمرْآة نِسْبَة إِلَى جوطة بجيم مضموم وواو مد وطاء مَفْتُوحَة وهاء تَأْنِيث وَهِي قَرْيَة عَظِيمَة على نهر سبو فِي العدوة الجنوبية خربَتْ وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا أثار وَلها مسيل شتوي يعرف بمخروط جوطة نزلها السَّيِّد يحيى فنسب إِلَيْهَا وقبره هُنَالك مَعْرُوف اه
стр. 810
بيعَة السُّلْطَان أبي عبد الله الْحَفِيد وَالسَّبَب فِيهَا
كَانَ بَنو مرين أَيَّام ولايتهم على الْمغرب يعظمون هَؤُلَاءِ الْأَشْرَاف الأدارسة ويوجبون حَقهم ويتقربون إِلَى الله تَعَالَى بِرَفْع مَنْزِلَتهمْ وجبر خواطرهم لما فاتهم من رُتْبَة الْخلَافَة الَّتِي كَانَت تكون لَهُم بطرِيق الِاسْتِحْقَاق الشَّرْعِيّ فَكَانَ بَنو مرين لما جبلوا عَلَيْهِ من الجنوح إِلَى مراسم الدّين وانتحالها يرَوْنَ فِي أنفسهم كَأَنَّهُمْ متغلبون مَعَ وجود هَؤُلَاءِ الْأَشْرَاف فَلِذَا كَانُوا يخضعون لَهُم ويتأدبون مَعَهم مَا أمكن وَلَقَد حكى أَبُو عبد الله بن الْأَزْرَق أَن الشَّيْخ الْكَبِير أَبَا عبد الله الْمقري كَانَ يحضر مجْلِس السُّلْطَان أَبَا عنان لَيْث الْعلم وَكَانَ نقيب الشرفاء بفاس إِذا دخل مجْلِس السُّلْطَان يقوم لَهُ السُّلْطَان وَجَمِيع من فِي الْمجْلس إجلالا لَهُ إِلَّا الشَّيْخ الْمقري فَإِنَّهُ كَانَ لَا يقوم لَهُ فجرت بَين الشريف والفقيه الْمَذْكُور معاتبة ومراجعة فِي حِكَايَة مَشْهُورَة تركناها لعدم تعلق الْغَرَض بهَا إِذْ الْغَرَض هُوَ الْوُقُوف على مَا كَانَ عَلَيْهِ الْقَوْم من التجلة والتعظيم لأهل هَذَا الْبَيْت الْكَرِيم فَلَمَّا اضْطَرَبَتْ أَحْوَال الدولة المرينية بفاس وَاجْتمعَ رُؤَسَاء فاس إِلَى الْفَقِيه أبي فَارس الورياكلي فِي شَأْن الْيَهُودِيين اللَّذين كَانَا يحتكمان فِي الْمَدِينَة ويعتسفان أَهلهَا أجمع رَأْيهمْ على مبايعة هَذَا الشريف الْحَفِيد وَكَانَ يَوْمئِذٍ على نقابة الْأَشْرَاف بفاس فاستدعوه فَحَضَرَ وَبَايَعُوهُ فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان سنة تسع وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَتمّ أمره وَكَانَ من قَتله للسُّلْطَان عبد الْحق مَا تقدم ذكره وَالله أعلم
следующие страницы →