← История

История · id 6627

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

انحازوا إِلَى الْأَمْصَار المنزوية عَن الْأَطْرَاف والقرى النائية عَن السواحل وَكَانَ ذَلِك كُله فِيمَا بَين انْقِرَاض دولة بني وطاس وَظُهُور دولة الشرفاء السعديين وَلَقَد ذكر فِي مرْآة المحاسن أَن قصر كتامة كَانَ فِي صدر الْمِائَة الْعَاشِرَة مقصدا للتجار وسوقا تجلب إِلَيْهِ بضائع العدوتين وسلعها قَالَ إِذْ كَانَ الْقصر الْمَذْكُور ثغرا بَين بِلَاد الْمُسلمين وَبَين بِلَاد النَّصَارَى تحط بِهِ رحال تجار الْمُسلمين من آفَاق الْمغرب وتجار الْحَرْبِيين من أصيلا وطنجة وَقصر الْمجَاز وسبتة وَلِأَنَّهُ كَانَ مَحل عناية سُلْطَان الْمغرب إِذْ ذَاك مُحَمَّد الشَّيْخ بن أبي زَكَرِيَّاء الوطاسي فَإِن الْقصر قَاعِدَة بِلَاد الهبط الَّتِي كَانَت موقد شرارة السُّلْطَان الْمَذْكُور ومشب ناره وموشج عصبيته مَعَ مجاورته لبلاد الْحَرْب فَكَانَ نظره مصروفا إِلَيْهِ واختصاصه مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَتقبل بنوه من بعده مذْهبه فِيهِ اه كَلَامه فَهَذَا يدلك على مَا كَانَ عَلَيْهِ الْعَدو خذله الله من المضايقة للْمُسلمين فِي ثغورهم وبلادهم وَللَّه الْأَمر من قبل وَمن بعد وَلما نزل بِأَهْل الْمغرب الْأَقْصَى مَا نزل من غَلَبَة عَدو الدّين واستيلائه على ثغور الْمُسلمين تباروا فِي جهاده وقتاله وأعملوا الْخَيل وَالرجل فِي مقارعته ونزاله وتوفرت دواعي الْخَاصَّة مِنْهُم والعامة على ذَلِك وصرفوا وُجُوه الْعَزْم لتَحْصِيل الثَّوَاب فِيمَا هُنَالك فكم من رَئِيس قوم قَامَ لنصرة الدّين غيرَة واحتسابا وَكم من ولي عصر أَو عَالم مصر بَاعَ نَفسه من الله وَرَأى ذَلِك صَوَابا حَتَّى لقد اسْتشْهد مِنْهُم أَقوام وَأسر آخَرُونَ وَبلغ الله تَعَالَى جَمِيعهم من الثَّوَاب مَا يرجون فَمن اسْتشْهد مِنْهُم فِي سَبِيل الله سَيِّدي عِيسَى ابْن الْحسن المصباحي دَفِين الدعداعة بِأَرْض البروزي من بِلَاد طليق وَأَبُو الْحسن عَليّ بن عُثْمَان الشاوي من أَصْحَاب الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الغزواني وَأَبُو الْفضل فرج الأندلسي ثمَّ المكناسي وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد القصري الْمَعْرُوف بسقين قَتله النَّصَارَى عِنْد ضريح الشَّيْخ أبي سلهام وَكَانَ قد قَصده للزيارة ففتكوا بِهِ هُنَالك وكل هَؤُلَاءِ مَعْدُود فِي أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وَمِمَّنْ أسر مِنْهُم ثمَّ خلصه الله الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن ساسي دَفِين تانسيفت من أحواز مراكش وَالشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله الكوش دَفِين جبل الْعرض من أحواز

стр. 807

فاس ووالد صَاحب دوحة الناشر وَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن مِصْبَاح الحسني عرف بِابْن عَسْكَر وَالشَّيْخ الْعَلامَة أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن القَاضِي المكناسي أحد قُضَاة سلا وَهُوَ صَاحب جذوة الاقتباس والمنتقى الْمَقْصُور وَغَيرهمَا من التآليف الحسان أسر وَهُوَ ذَاهِب إِلَى الْحَج وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْفضل التّونسِيّ الْمَعْرُوف بخروف نزيل فاس وَشَيخ الْجَمَاعَة بهَا هَؤُلَاءِ كلهم أَصَابَهُ الْأسر ثمَّ خلصه الله بعد حِين وَغير هَؤُلَاءِ مِمَّن لم يحضرنا ذكرهم أجزل الله ثوابهم وَيسر بمنه حسابهم وَلَقَد ألف النَّاس فِي ذَلِك الْعَصْر التآليف فِي الحض على الْجِهَاد وَالتَّرْغِيب فِيهِ وَقَالَ الخطباء والوعاظ فِي ذَلِك فَأَكْثرُوا ونظم الشُّعَرَاء والأدباء فِيهِ ونثروا فَمِمَّنْ ألف فِي ذَلِك الْبَاب فَأفَاد الشَّيْخ المتفنن البارع الصُّوفِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم ابْن يَجِيش التازي قَالَ فِي الدوحة وقفت لَهُ على تأليف أَلفه فِي الحض على الْجِهَاد فِي سَبِيل الله فَكَانَ مِمَّا يَنْبَغِي أَن يتَنَاوَل باليدين وَيكْتب دون المداد باللجين أودعهُ نظما ونثرا وَمِمَّنْ نظم فِي ذَلِك فأجاد الشَّيْخ الصَّالح المتصوف الْمُجَاهِد أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يحيى البهلولي قَالَ فِي الدوحة كَانَ هَذَا الشَّيْخ مِمَّن لَازم بَاب الْجِهَاد وَفتح لَهُ فِيهِ وَله فِي ذَلِك أشعار وقصائد زجليات وَغَيرهَا وَكَانَ معاصرا للسُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي الْمَعْرُوف بالبرتغالي فَكَانَ إِذا جَاءَهُ زَائِرًا حضه على الْغَزْو فيساعده على مَا أَرَادَ من ذَلِك وَلما توفّي السُّلْطَان الْمَذْكُور ودالت الدولة لوَلَده السُّلْطَان أَحْمد وغص بالشرفاء القائمين عَلَيْهِ بِبِلَاد السوس عقد الْهُدْنَة مَعَ النَّصَارَى المجاورين لَهُ بِبِلَاد الهبط وصاحبهم سُلْطَان البرتغال فَبلغ ذَلِك الشَّيْخ أَبَا عبد الله الْمَذْكُور فآلى على نَفسه أَن لَا يلقى السُّلْطَان الْمَذْكُور وَلَا يمشي إِلَيْهِ وَلَا يقبل مِنْهُ مَا كَانَ عينه لَهُ وَالِده من جِزْيَة أهل الذِّمَّة بفاس لقُوته وضرورياته فَمَكثَ على ذَلِك إِلَى أَن حَضرته الْوَفَاة وَكَانَ فِي النزع وَأَصْحَابه دائرون بِهِ فَقَالَ لَهُ بَعضهم يَا سَيِّدي أخْبرك أَن السُّلْطَان أَمر بالغزو ونادى بِهِ وحض النَّاس عَلَيْهِ والمسلمون فِي شرح لذَلِك وَفَرح فَفتح الشَّيْخ عَيْنَيْهِ وتهلل وَجهه فَرحا وَحمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ

стр. 808

فَفَاضَتْ نَفسه وَهُوَ مسرور بذلك وَلِهَذَا الشَّيْخ زجليات ومقطعات حسان فِي الحض على الْجِهَاد مِنْهَا اللامية الْمَشْهُورَة الَّتِي خَاطب بهَا السُّلْطَان أَبَا عبد الله الْمَذْكُور ومطلعها (قل للأمير مُحَمَّد ... يَا طلعة الْهلَال) (لويلة فِي السواحل ... من أفضل الليال) وَمِنْهَا القصيدة الَّتِي مطْلعهَا (ظهر الرمل مرادي ... والعسكر يَا كرام) (نَفسِي على الْجِهَاد ... سبلت وَالسَّلَام) وَمِنْهَا القصيدة الَّتِي أَولهَا (قُم للْجِهَاد رعاك الله منتهجا ... نهج الرشاد إِلَى الأقوام لَو فَهموا) (من بعد أندلس مَا زلت محتدما ... لَو كَانَ يمكنني فِي اللَّيْل أحتزم) إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول ذكره قَالَ صَاحب الدوحة حَدثنِي الْفَقِيه الْعدْل أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الدغموري القصري قَالَ كَانَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله يَقُول مَا غزونا غَزْوَة قطّ إِلَّا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فِيهَا ويخبرني بِجَمِيعِ مَا يتَّفق لي ولأصحابي فِي تِلْكَ الْغَزْوَة وَله ﵁ فِي شَأْن الْجِهَاد والرجولية حِكَايَة ظريفة وَهِي أَنه غز مرّة غَزْوَة إِلَى الثغور الهبطية ثمَّ قدم مِنْهَا مَعَ أَصْحَابه فَوجدَ زَوجته فُلَانَة بنت الشَّيْخ أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن بكار قد توفيت وَصلى النَّاس عَلَيْهَا بِجَامِع الْقرَوِيين وإمامهم الشَّيْخ غَازِي ابْن الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن غَازِي الإِمَام الْمَشْهُور فوصل الشَّيْخ أَبُو عبد الله وَوجد جنازتها على شَفير الْقَبْر وَالنَّاس يحاولون دَفنهَا فَقَالَ لَهُم مهلا ثمَّ تقدم وَأعَاد الصَّلَاة عَلَيْهَا مَعَ أَصْحَابه الَّذين قدمُوا مَعَه فبادر النَّاس إِلَيْهِ بالإنكار فِي تَكْرِير الصَّلَاة فِي الْجِنَازَة بِالْجَمَاعَة مرَّتَيْنِ فَقَالَ لَهُم على البديهة صَلَاتكُمْ الَّتِي صليتم عَلَيْهَا فَاسِدَة لكَونهَا بِغَيْر إِمَام فَقَالُوا لَهُ كَيفَ ذَلِك يَا سَيِّدي قَالَ لِأَن شَرط الإِمَام الذكورية وَهِي مفقودة فِي صَاحبكُم لِأَن الَّذِي لم يتقلد سَيْفا فِي سَبِيل الله قطّ وَلم يضْرب بِهِ وَلَا عرف الْحَرْب كَمَا كَانَ نَبينَا ﷺ وَلم يتعبد بالسيرة النَّبَوِيَّة فَكيف يعد إِمَامًا ذكرا بل

стр. 809

إمامكم وَالله من جملَة النِّسَاء اه وَحكى أَيْضا فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الله الورياكلي الَّذِي قَالَ لَهُ الْعَلامَة ابْن مَرْزُوق وَقد عزم على الرحلة إِلَى بِلَاد الْمشرق فِي طلب الْعلم لَيْسَ أمامك أحد أعلم مِنْك قَالَ فَرجع من هُنَالك فَوجدَ النَّصَارَى قد تغلبُوا على طنجة وآصيلا فلازم الثغور الهبطية لأجل الرِّبَاط وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله وَبث الْعلم ونشره قَالَ وَكَانَ من عَادَته أَن يشْتَغل بالتدريس فِي فَصلي الشتَاء وَالربيع وَيخرج فِي الصَّيف والخريف فيربط فِي ثغور الْقَبَائِل الهبطية إِلَى آخر كَلَامه وأمثال هَذَا كثير ذكرنَا مِنْهُ هَذِه النبذة الْيَسِيرَة لتقف بهَا على أَحْوَال الْقَوْم وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ من الرَّغْبَة فِي الْجِهَاد والمثابرة عَلَيْهِ قدس الله أَرْوَاحهم وَجعل فِي دَار النَّعيم غدوهم ورواحهم وَقد آن أَن نشرع فِي الْأَخْبَار عَن دولة بني وطاس بعد أَن نذْكر دولة الشريف العمراني الَّذِي بَايعه أهل فاس يَوْم مقتل السُّلْطَان عبد الْحق بن أبي سعد ﵀ الْخَبَر عَن دولة الشريف أبي عبد الله الْحَفِيد وأوليته هَذَا الشريف هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الإدريسي الجوطي العمراني من بَيت بني عمرَان فرقة من أدارسة فاس وهم وَاسِطَة عقد الْبَيْت الإدريسي وأوضحهم نسبا وَأَعْلَاهُمْ حسبا قَالَ ابْن خلدون لَيْسَ فِي الْمغرب فِيمَا نعلمهُ من أهل الْبَيْت الْكَرِيم من يبلغ فِي صَرَاحَة نسبه ووضوحه مبلغ أعقاب إِدْرِيس ﵁ قَالَ وكبراؤهم لهَذَا الْعَهْد بَنو عمرَان بفاس من ولد يحيى الجوطي بن مُحَمَّد بن يحيى العدام بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس بن إِدْرِيس وهم نقباء أهل الْبَيْت هُنَاكَ والساكنون بِبَيْت جدهم إِدْرِيس وَلَهُم السِّيَادَة على أهل الْمغرب كَافَّة اه والجوطي قَالَ فِي الْمرْآة نِسْبَة إِلَى جوطة بجيم مضموم وواو مد وطاء مَفْتُوحَة وهاء تَأْنِيث وَهِي قَرْيَة عَظِيمَة على نهر سبو فِي العدوة الجنوبية خربَتْ وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا أثار وَلها مسيل شتوي يعرف بمخروط جوطة نزلها السَّيِّد يحيى فنسب إِلَيْهَا وقبره هُنَالك مَعْرُوف اه

стр. 810

بيعَة السُّلْطَان أبي عبد الله الْحَفِيد وَالسَّبَب فِيهَا كَانَ بَنو مرين أَيَّام ولايتهم على الْمغرب يعظمون هَؤُلَاءِ الْأَشْرَاف الأدارسة ويوجبون حَقهم ويتقربون إِلَى الله تَعَالَى بِرَفْع مَنْزِلَتهمْ وجبر خواطرهم لما فاتهم من رُتْبَة الْخلَافَة الَّتِي كَانَت تكون لَهُم بطرِيق الِاسْتِحْقَاق الشَّرْعِيّ فَكَانَ بَنو مرين لما جبلوا عَلَيْهِ من الجنوح إِلَى مراسم الدّين وانتحالها يرَوْنَ فِي أنفسهم كَأَنَّهُمْ متغلبون مَعَ وجود هَؤُلَاءِ الْأَشْرَاف فَلِذَا كَانُوا يخضعون لَهُم ويتأدبون مَعَهم مَا أمكن وَلَقَد حكى أَبُو عبد الله بن الْأَزْرَق أَن الشَّيْخ الْكَبِير أَبَا عبد الله الْمقري كَانَ يحضر مجْلِس السُّلْطَان أَبَا عنان لَيْث الْعلم وَكَانَ نقيب الشرفاء بفاس إِذا دخل مجْلِس السُّلْطَان يقوم لَهُ السُّلْطَان وَجَمِيع من فِي الْمجْلس إجلالا لَهُ إِلَّا الشَّيْخ الْمقري فَإِنَّهُ كَانَ لَا يقوم لَهُ فجرت بَين الشريف والفقيه الْمَذْكُور معاتبة ومراجعة فِي حِكَايَة مَشْهُورَة تركناها لعدم تعلق الْغَرَض بهَا إِذْ الْغَرَض هُوَ الْوُقُوف على مَا كَانَ عَلَيْهِ الْقَوْم من التجلة والتعظيم لأهل هَذَا الْبَيْت الْكَرِيم فَلَمَّا اضْطَرَبَتْ أَحْوَال الدولة المرينية بفاس وَاجْتمعَ رُؤَسَاء فاس إِلَى الْفَقِيه أبي فَارس الورياكلي فِي شَأْن الْيَهُودِيين اللَّذين كَانَا يحتكمان فِي الْمَدِينَة ويعتسفان أَهلهَا أجمع رَأْيهمْ على مبايعة هَذَا الشريف الْحَفِيد وَكَانَ يَوْمئِذٍ على نقابة الْأَشْرَاف بفاس فاستدعوه فَحَضَرَ وَبَايَعُوهُ فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان سنة تسع وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَتمّ أمره وَكَانَ من قَتله للسُّلْطَان عبد الْحق مَا تقدم ذكره وَالله أعلم

стр. 811

فتْنَة الشاوية ووصولهم إِلَى بِلَاد الغرب قد قدمنَا مَا كَانَ من أَمر الشاوية وفتنتهم فِي أَيَّام السُّلْطَان عبد الْحق وَلما كَانَت أَيَّام الْحَفِيد هَذَا تزايد ضررهم واستطال شرهم فزحفوا إِلَى بِلَاد الغرب من أحواز مكناسة وفاس وعاثوا وأفسدوا وَلما تكلم أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الفاسي فِي مرْآة المحاسن على الشَّيْخ عبد الْوَارِث اليالصوتي وَأَنه أَخذ من جمَاعَة مِنْهُم أَبُو النَّجَاء سَالم الروداني الشاوي وَالشَّيْخ أَبُو عبد الله الصَّغِير السهلي وَالشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الغزواني قَالَ وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو النَّجَاء أَولا يقْرَأ بِالْمَدْرَسَةِ العنانية فَلَمَّا نزل الشاوية الغرب خرج من فاس خَائفًا يترقب وَذَلِكَ فِي أَيَّام الْحَفِيد اه وبلاد الغرب تطلق فِي عرف أَهله على خُصُوص بسيط أزغار وَمَا اتَّصل بِهِ إِلَى سَاحل الْبَحْر وَالله أعلم اسْتِيلَاء البرتغال على مَدِينَة آنفي وآصيلا رَأَيْت فِي بعض تواريخ الفرنج أَن اسْتِيلَاء البرتغال على آنفي كَانَ فِي حُدُود أَربع وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَأَنَّهُمْ هدموها وَبقيت كَذَلِك مُدَّة تزيد على أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ شرعوا فِي تحصينها وَالْبناء بهَا وَلم يزَالُوا مقيمين بهَا إِلَى حُدُود أَربع وَخمسين وَمِائَة وَألف فِي سنة سِتّ وَسبعين وَثَمَانمِائَة استولوا على آصيلا وظفروا فِيهَا بِبَيْت مَال الوطاسي وأسروا وَلَده مُحَمَّدًا الْمَدْعُو بالبرتغالي وَابْنَته وزوجتيه وَجَمَاعَة من الْأَعْيَان وَكَانَ الْخطب عَظِيما وَبَقِي ولد الوطاسي عِنْد البرتغال سبع سِنِين ثمَّ افتكه وَالِده بعد وَكَانَ يَوْم أسر صَبيا صَغِيرا وَأما مَدِينَة فضَالة فَلم يَقع عَلَيْهَا اسْتِيلَاء وَإِنَّمَا كَانَت بهَا كمبانية خَمْسَة نفر من تجار مادريد قَاعِدَة قشتالة نزلوها بِقصد التِّجَارَة بِإِذن سُلْطَان الْوَقْت وَكَانَت سلعهم توسق وتوضع من مرْسَاها وبنوا بهَا الْبناء الْمَوْجُود

стр. 812

الْيَوْم وَالله تَعَالَى أعلم خلع السُّلْطَان أبي عبد الله الْحَفِيد وانقراض أمره قَالَ فِي الجذوة لما قَامَت عَامَّة فاس على السُّلْطَان عبد الْحق وَأَقَامُوا هَذَا النَّقِيب من أهل مَدِينَة فاس إِمَامًا اسْتمرّ بهَا وَابْنه وَزِير لَهُ إِلَى سنة خمس وَسبعين وَثَمَانمِائَة فعزل عَن الْإِمَامَة وَكَانَ الَّذِي خلعه أَبَا الْحجَّاج يُوسُف بن مَنْصُور بن زيان الوطاسي وَكَانَ ذَلِك سَبَب ذهَاب الشريف الْمَذْكُور إِلَى تونس لمُدَّة يسيرَة من خلعه وَبقيت حَضْرَة فاس الْجَدِيد فِي يَد أُخْت أبي الْحجَّاج الْمَذْكُور وَهِي الزهراء المدعوة بزهور مَعَ قائده السجيري إِلَى أَن تولى الْأَمر أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي وَالله غَالب على أمره

стр. 813

الْخَبَر عَن دولة بني وطاس وَذكر نسبهم وأوليتهم اعْلَم أَن بني وطاس فرقة من بني مرين غير أَنهم لَيْسُوا من بني عبد الْحق وَلما دخل بَنو مرين الْمغرب واقتسموا أَعماله حَسْبَمَا تقدم كَانَ لبني وطاس هَؤُلَاءِ بِلَاد الرِّيف فَكَانَت ضواحيها لنزولهم وأمصارها ورعاياها لجبايتهم وَكَانَ بَنو الْوَزير مِنْهُم يسمون إِلَى الرياسة ويروسون الْخُرُوج على بني عبد الْحق وَقد تكَرر ذَلِك مِنْهُم حَسْبَمَا مر ثمَّ أذعنوا إِلَى الطَّاعَة وراضوا أنفسهم على الْخدمَة فاستعملهم بَنو عبد الْحق فِي وُجُوه الولايات والأعمال واستظهروا بهم على أُمُور دولتهم فَحسن أَثَرهم لَدَيْهَا وتعدد الوزراء مِنْهُم فِيهَا وَذكر ابْن خلدون أَن بني الْوَزير هَؤُلَاءِ يرَوْنَ أَن نسبهم دخيل فِي بني مرين وَأَنَّهُمْ من أعقاب يُوسُف بن تاشفين اللمتوني لَحِقُوا بالبدو ونزلوا على بني وطاس ووشجت فيهم عروقهم حَتَّى لبسوا جلدتهم وَلم يزل السرو متربعا بَين أَعينهم لذَلِك والرياسة شامخة بأنوفهم اه وَلما كَانَت دولة السُّلْطَان أبي عنان وَاسْتولى على بجابة عقد عَلَيْهَا لعمر بن عَليّ الوطاسي من بني الْوَزير هَؤُلَاءِ فثار عَلَيْهِ أَهلهَا واستلحموه فِي خبر مر التَّنْبِيه عَلَيْهِ ثمَّ لما كَانَت الدولة الأولى للسُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم وخلص ملك مراكش وأعمالها إِلَى ابْن عَمه الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن كَانَ من جملَة من تحيز إِلَيْهِ وَصَارَ فِي جملَته زيان بن عمر بن عَليّ الْمَذْكُور فَكَانَت لَهُ فِي دولته الوجاهة الْكَبِيرَة والمنزلة الرفيعة ثمَّ لما فسد مَا بَين السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس والأمير عبد الرَّحْمَن كَانَ زيان بن عمر فِي جملَة النازعين إِلَى السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس فاتصل بِهِ وَصَارَ فِي جملَته إِلَى أَن حاصر السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس قَصَبَة مراكش وَبهَا يَوْمئِذٍ الْأَمِير عبد الرَّحْمَن فأبلى

стр. 814

زيان بن عمر فِي ذَلِك الْحصار وَكَانَ أحد الَّذين باشروا قتل وَلَدي الْأَمِير عبد الرَّحْمَن قَالَ ابْن خلدون وطالما كَانَ زيان هَذَا يمتري ثدي نعمتهم ويجر ذيله خُيَلَاء فِي جاههم فَذهب مثلا فِي كفران النِّعْمَة وَسُوء الْجَزَاء وَالله لَا يظلم مِثْقَال ذرة ثمَّ جَاءَ بعده ابْنه أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن زيان فولي الوزارة للسُّلْطَان عبد الْحق كَمَا مر ثمَّ بعده ابْنه يحيى أَيْضا وَهُوَ الَّذِي قَتله السُّلْطَان عبد الْحق فِي جمَاعَة من عشيرته وفر أَخُوهُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ إِلَى الصَّحرَاء وَبَقِي متنقلا فِي الْبِلَاد إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ بن أبي زَكَرِيَّاء الوطاسي ﵀ قد تقدم لنا مَا كَانَ من إِيقَاع السُّلْطَان عبد الْحق ببني وطاس وإفلات مُحَمَّد الشَّيْخ وَمُحَمّد الحلو من النكبة وَأَن الشَّيْخ كَانَ قد خرج للصَّيْد فاتصل بِهِ الْخَبَر فَذهب على وَجهه لَا يلوي على شَيْء وَأَن الحلو اختفى حَتَّى إِذا سكنت الهيعة تسلل وَلحق بالشيخ فسارا إِلَى جِهَة الصَّحرَاء وَجعلا يترددان فِيمَا بَينهَا وَبَين الْبِلَاد الهبطية حَتَّى ملكا آصيلا وَذَلِكَ قبل اسْتِيلَاء البرتغال عَلَيْهَا وَلما ملك الشَّيْخ آصيلا واستفحل أمره بهَا تشوفت إِلَيْهِ الْأَعْيَان من أهل فاس والرؤساء من أهل دولة السُّلْطَان عبد الْحق وصاروا يكاتبونه ويقدمون إِلَيْهِ الْوَسَائِل سرا وَرُبمَا دَعوه إِلَى الْقدوم على أَن يبذلوا لَهُ من الطَّاعَة والنصرة مَا شَاءَ فاستمر الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن قتل عبد الْحق وبويع الْحَفِيد فَحِينَئِذٍ أرهف الشَّيْخ حَده واستفرغ فِي الْمُطَالبَة جهده إِلَى أَن استولى على الحضرة وَصفا لَهُ ملك الْمغرب قَالَ فِي الْمرْآة لما بَايع أهل فاس أَبَا عبد الله الْحَفِيد قَامَ مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي فِي آصيلا واستتبع الْقَبَائِل واستفحل أمره وحاصر فاسا وقتا

стр. 815

بعد وَقت إِلَى أَن دخلت فِي طَاعَته فِي رَمَضَان سنة سِتّ وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَخرج عَنْهَا الْحَفِيد ودخلها مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَذْكُور فِي أَوَائِل شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَهُوَ مورث الْملك لِبَنِيهِ بهَا اه وَقد تقدم لنا أَن الَّذِي خلع الشريف من الْملك هُوَ أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن مَنْصُور الوطاسي وَأَن حَضْرَة فاس الْجَدِيد قد بقيت بعد ذهَاب الشريف إِلَى تونس فِي يَد زهور الوطاسية والقائد السجيري إِلَى أَن قدم السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ وَالله تَعَالَى أعلم وَقَالَ منويل فِي أَخْبَار مُحَمَّد الشَّيْخ هَذَا مَا صورته كَانَت مملكة الْمغرب الْأَقْصَى فِي غَايَة الِاضْطِرَاب والانتكاس حَتَّى طمع فِي ملكهَا كل من كَانَت توسوس لَهُ نَفسه بذلك وَاسْتولى ابْن الْأَحْمَر على جَمِيع الثغور الَّتِي كَانَت لبني مرين بِأَرْض الأندلس وَلم يتْرك لَهُم قيد شبر واشرأبت أَجنَاس الفرنج للتغلب على الْمغرب وَفِي تِلْكَ الْمدَّة كَانَ بآصيلا مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي وَكَانَ شجاعا مقداما وأحس من نَفسه بِالْقُدْرَةِ على الِاسْتِيلَاء على كرْسِي فاس وتنحية الشريف عَنهُ لَا سِيمَا مَعَ مَا كَانَ النَّاس فِيهِ من افْتِرَاق الْكَلِمَة فَجمع جندا صالحها وزحف إِلَى فاس فبرز إِلَيْهِ الشريف والتقوا بأحواز مكناسة فَوَقَعت بَينهمَا حَرْب عَظِيمَة كَانَت الكرة فِيهَا على الوطاسي ثمَّ جمع عسكرا آخر وزحف بِهِ إِلَى فاس وحاصرها نَحْو سنتَيْن والشريف فِيهَا مَعَ أَرْبَاب دولته وَفِي أثْنَاء الْحصار ورد عَلَيْهِ الْخَبَر باستيلاء البرتغال على آصيلا وعَلى بَيت مَاله الَّذِي كَانَ بهَا وعَلى حظاياه وَأَوْلَاده فأفرج عَن فاس وَرجع مبادرا إِلَى آصيلا فحاصرها وَلما امْتنعت عَلَيْهِ عقد مَعَ البرتغال هدنة وَعَاد سَرِيعا إِلَى فاس فحاصرها وضيق على الشريف بهَا حَتَّى خرج فَارًّا بِنَفسِهِ وأسلمها إِلَيْهِ فَدَخلَهَا مُحَمَّد الشَّيْخ وتمت بيعَته وتفرغ لتدويخ الْقَبَائِل الَّتِي بأحواز فاس وَغَيرهَا فَدَخَلُوا فِي طَاعَته واغتبطوا بِهِ اه كَلَامه

стр. 816

رياسة بني رَاشد من شرفاء الْعَالم بغمارة وبناؤهم مَدِينَة شفشاون وَمَا يتبع ذَلِك قَالَ فِي نشر المثاني اختط بعض شرفاء الْعلم مَدِينَة شفشاون بِقصد تحصين الْمُسلمين من نَصَارَى سبتة إِذْ كَانُوا بعد استيلائهم عَلَيْهَا يتطاولون على أهل تِلْكَ المداشر فِي أَوَاخِر دولة بني وطاس وَقَالَ فِي الْمرْآة كَانَ ابْتِدَاء اختطاط مَدِينَة شفشاون فِي الْجِهَة الْمَعْرُوفَة عِنْدهم بالعدوة وَهِي عدوة وَادي شفشاون فِي حُدُود سنة سِتّ وَسبعين وَثَمَانمِائَة على يَد الشريف الْفَقِيه الصَّالح الناصح الْمُجَاهِد أبي الْحسن بن أبي مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِأبي جُمُعَة العلمي واسْمه الْحسن بن مُحَمَّد ابْن الْحسن بن عُثْمَان بن سعيد بن عبد الْوَهَّاب بن علال بن القطب أبي مُحَمَّد عبد السَّلَام بن مشيش وَمَات شَهِيدا قبل إتْمَام مَا شرع فِيهِ بتدبير النَّصَارَى دمرهم الله مَعَ أهل النِّفَاق إِذْ ذَاك من أهل الخروب وَقد جَاءَهُم فِي سَبِيل الْجِهَاد وبينما هُوَ يتهجد من اللَّيْل فِي مَسْجِد هُنَالك إِذْ أضرموا عَلَيْهِ نَارا فَمَاتَ رضوَان الله عَلَيْهِ وَقَامَ مقَامه فِيمَا كَانَ بسبيله من الْجِهَاد والاستنفار لَهُ وتجييش الجيوش ابْن عَمه الْأَمِير الْجَلِيل الْفَاضِل الْأَصِيل أَبُو الْحسن عَليّ بن مُوسَى بن رَاشد بن عَليّ بن سعيد بن عبد الْوَهَّاب إِلَى آخر النّسَب الْمُتَقَدّم فشرع فِي اختطاط مَدِينَة شفشاون فِي العدوة الْأُخْرَى فَبنى قصبتها وشيدها وأوطنها بأَهْله وعشيرته وَزَل النَّاس بهَا فبنوا وَصَارَت فِي عداد المدن إِلَى أَن توفّي سنة سبع عشرَة وَتِسْعمِائَة وورثها بنوه من بعده وَلم يزَالُوا فِيهَا بَين سلم وَحرب إِلَى أَن أخرجهم مِنْهَا الشرفاء السعديون عِنْد استيلائهم على بِلَاد الْمغرب وَالله تَعَالَى أعلم

стр. 817

ثورة عَمْرو بن سُلَيْمَان السياف بِبِلَاد السوس وَشَيْء من أخباره هَذَا الرجل هُوَ عَمْرو بن سُلَيْمَان الشيظمي المغيطي الْمَعْرُوف بالسياف وَيُقَال لَهُ المريدي بِضَم الْمِيم وَكَانَ ابْتِدَاء أمره أَنه كَانَ من تلامذة الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْجُزُولِيّ صَاحب دَلَائِل الْخيرَات نقل الثِّقَات أَنه كَانَ يتَرَدَّد إِلَى الشَّيْخ الْمَذْكُور أَيَّام حَيَاته ويأتيه بألواح فِيهَا كَلَام كثير مَنْسُوب إِلَى الْخضر ﵇ فَلَا يَقُول لَهُ فِي ذَلِك شَيْئا غير انه أثنى عَلَيْهِ مَرَّات كَثِيرَة ثمَّ لما مَاتَ الشَّيْخ الْمَذْكُور ﵀ سنة سبعين وَثَمَانمِائَة ثار عَمْرو الْمَذْكُور مظْهرا الطّلب بثأر الشَّيْخ والانتقام من الَّذين سموهُ إِذْ كَانَ سمه بعض فُقَهَاء عصره فتتبعهم حَتَّى قَتلهمْ ثمَّ صَار يَدْعُو النَّاس إِلَى إِقَامَة الصَّلَاة ويقاتلهم عَلَيْهَا فانتصر عَلَيْهِم وشاع ذكره وَتمكن ناموسه ثمَّ تجَاوز ذَلِك إِلَى أَن صَار يَدْعُو النَّاس إِلَى نَفسه وَيقتل المنكرين عَلَيْهِ وعَلى شَيْخه وَأَصْحَابه وسمى أَصْحَابه المريدين بِضَم الْمِيم قَالَ زَرُّوق وَمَا أحقها بِالْفَتْح وسمى الْمُخَالفين لَهُ الجاحدين ثمَّ جعل يتفوه بالمغيبات وَيَزْعُم أَنه مَأْذُون وَرُبمَا ادّعى النُّبُوَّة وَكَانَ قد أخرج شلو الشَّيْخ الْجُزُولِيّ من قَبره وَجعله فِي تَابُوت وَصَارَ يقدمهُ بَين يَدَيْهِ فِي حروبه كتابوت بني إِسْرَائِيل فينتصر على من خَالفه وَقيل إِنَّه لم يدفنه وَإِنَّمَا أَخذه بعد مَوته فَكَفنهُ وَجعله فِي التابوت وَجمع الجموع وقاد الجيوش وَسَفك الدِّمَاء واستمرت فتْنَة فِي النَّاس عشْرين سنة قَالَ الشَّيْخ زَرُّوق ﵀ بَلغنِي أَن شَيخنَا الْفَقِيه أَبَا عبد الله القوري ورد عَلَيْهِ سُؤال فِي شَأْن عَمْرو بن سُلَيْمَان السياف فبادرت إِلَيْهِ كي أرَاهُ فَقَالَ لي قد خرج من يَدي فَقلت لَهُ فَمَا مُقْتَضَاهُ قَالَ مُقْتَضَاهُ أَنه يَقُول إِن أَحْكَام الْكتاب وَالسّنة ارْتَفَعت وَلم يبْق إِلَّا مَا يَقُول لَهُ قلبه قَالَ زَرُّوق وشاع من أمره أَنه يَقُول إِنَّه وَارِث النُّبُوَّة وَأَن لَهُ أحكاما تخصه كَمَا فِي قصَّة الْخضر مَعَ مُوسَى ﵉ وَأَن الْخضر حَيّ وَنَبِي مُرْسل وَأَنه يلقاه وَيَأْخُذ عَنهُ بل يَدعِي ذَلِك من هُوَ دونه من تلامذته

стр. 818

وَحكى بَعضهم أَن عمرا الْمَذْكُور لما جعل شلو الشَّيْخ فِي التابوت كَانَ إِذا رَجَعَ بِهِ من حربه وَضعه فِي رَوْضَة عِنْده يسميها الرِّبَاط فَإِذا جنه اللَّيْل أطاف الحرس بالروضة يَحْرُسُونَ التابوت من السراق ويوقد عَلَيْهِ كل لَيْلَة فَتِيلَة عَظِيمَة فِي مِقْدَار الثَّوْب مغموسة فِي نَحْو مَدين من الزَّيْت ليقوى الضَّوْء وينتشر ويبلغ من كل الْجِهَات إِلَى مَسَافَة بعيدَة فتنكشف الطّرق عَمَّن يَأْتِي عَلَيْهَا كل ذَلِك مَخَافَة أَن يُؤْخَذ مِنْهُ شلو الشَّيْخ فينتصر بِهِ عَلَيْهِ وَيُقَال إِن ثورة عَمْرو الْمَذْكُورَة وفتنته كَانَت أثرا من آثَار دعوات الشَّيْخ الْجُزُولِيّ ﵀ فقد ذكر تلامذته كالشيخ التباع وَغَيره أَن الشَّيْخ الْجُزُولِيّ خرج عَلَيْهِم من آخر اللَّيْلَة الَّتِي قتل فِي صبيحتها فَقَالُوا لَهُ يَا سَيِّدي النَّاس يَزْعمُونَ أَنَّك الفاطمي المنتظر فَقَالَ مَا يبحثون إِلَّا عَمَّن يقطع رقابهم الله يُسَلط عَلَيْهِم من يقطع رقابهم وَكرر ذَلِك مرَارًا فَكَانُوا يرَوْنَ أَن أثر دَعوته ظهر فِي عَمْرو السياف وَالله أعلم وَقتل عَمْرو الْمَذْكُور سنة تسعين وَثَمَانمِائَة وَاخْتلف فِيمَن قَتله فَقيل كَانَ عَمْرو قد تزوج زَوْجَة الشَّيْخ الْجُزُولِيّ وبنته فَلَمَّا رأتا مَا هُوَ عَلَيْهِ من الزندقة وَالْفساد فِي الأَرْض قتلتاه امتعاضا للدّين ترصدتاه حَتَّى إِذا نَام عدتا عَلَيْهِ فقتلتاه ثمَّ رمت إِحْدَاهمَا وَهِي بنت الشَّيْخ بِنَفسِهَا من كوَّة هُنَالك فِي الْبَيْت الَّذِي كَانُوا بِهِ فوصلت إِلَى الأَرْض سَالِمَة ونجت وَبقيت الْأُخْرَى وَهِي الزَّوْجَة بِالْبَيْتِ فَدَخَلُوا عَلَيْهَا فَقَتَلُوهَا وَقيل إِنَّمَا قتلته زَوجته وربيبته وَقيل غير ذَلِك وَالله أعلم وَلما هلك عَمْرو السياف دفن النَّاس الشَّيْخ الْجُزُولِيّ وَقيل هُوَ دَفنه بِموضع يعرف بتاصروت ثمَّ نقل بعد إِلَى مراكش على مَا نذْكر إنْشَاء الله وَلما ذكر الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس الصومعي فِي كِتَابه الْمَوْضُوع فِي مَنَاقِب الشَّيْخ أبي يعزى قصَّة نقل الشَّيْخ الْجُزُولِيّ إِلَى مراكش وَأَنه وجد طريا لم يتَغَيَّر بعد وَفَاته بِنَحْوِ سبعين سنة قَالَ وأعجب من هَذَا أَن عمرا المغيطي السياف زَعَمُوا أَنه وجد كَذَلِك وَلَعَلَّه أَدْرَكته بركَة هَذَا الشَّيْخ مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَالْفضل بيد الله اه

стр. 819

وَفِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة استدعى السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ الإِمَام أَبَا عبد الله بن غَازِي من مكناسة إِلَى فاس فولي الخطابة أَولا بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع من فاس الْجَدِيد ثمَّ ولي الْإِمَامَة والخطابة ثَانِيًا بِمَسْجِد الْقرَوِيين من فاس وَصَارَ شيخ الْجَمَاعَة بهَا واستوطنها إِلَى أَن مَاتَ ﵀ وَفِي سنة خمس وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة تحرّك السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ إِلَى دبدو ثمَّ عَاد إِلَى حَضرته وفيهَا أَيْضا فِي يَوْم الْخَمِيس السَّابِع من ذِي الْقعدَة توفّي الْوَزير أَبُو عبد الله مُحَمَّد الحلو الوطاسي وَدفن بالقلة خَارج بَاب الحبيسة وَفِي سنة سبع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة استولت الرينة إيسابيلا صَاحِبَة مادريد قَاعِدَة بِلَاد قشتالة على حَمْرَاء غرناطة ومحت دولة بني الْأَحْمَر من جَزِيرَة الأندلس وَلم يبْق للْمُسلمين بهَا سُلْطَان وتفرق أَهلهَا فِي بِلَاد الْمغرب وَغَيرهَا أيادي سبا وَقد تقدم الْخَبَر عَن ذَلِك مُسْتَوفى بِنَاء مَدِينَة تطاوين قَالَ منويل لما استولى الإصبنيول على غرناطة خرج جمَاعَة كَبِيرَة من أَهلهَا إِلَى الْمغرب فنزلوا فِي مرتيل قرب تطاوين وَلما نزلُوا بِهِ لم يقدموا شَيْئا على الْوِفَادَة على سُلْطَان فاس مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي فأجل مقدمهم ورحب بهم فَقَالُوا إِن ضيافتنا عنْدك أَن تعين لنا موضعا نَبْنِي فِيهِ بَلَدا يكننا ونحفظ فِيهِ عيالنا من أهل الرِّيف فأجابهم إِلَى مُرَادهم وَعين لَهُم مَدِينَة تطاوين الخربة مُنْذُ تسعين سنة وَولى عَلَيْهِم كَبِيرهمْ أَبَا الْحسن عليا المنظري وَكَانَ رجلا شجاعا من كبار جند ابْن الْأَحْمَر وَكَانَ قد أبلى مَعَه فِي حَرْب غرناطة الْبلَاء الْحسن ثمَّ انْتقل إِلَى الْمغرب كَمَا قُلْنَا وَلما عقد لَهُ الشَّيْخ الوطاسي على أَصْحَابه رَجَعَ بهم إِلَى تطاوين وَشرع فِي بِنَاء أسوار الْبَلَد الْقَدِيم فجدده وَبنى الْمَسْجِد الْجَامِع بِهِ واستوطنه هُوَ وجماعته ثمَّ أَخذ فِي جِهَاد البرتغال بسبتة وبلاد الهبط إِلَى أَن أسر مِنْهُم ثَلَاثَة آلَاف فاستخدمهم فِي إتْمَام مَا بَقِي

стр. 820

عَلَيْهِ من بِنَاء تطاوين واتصلت الْحَرْب بَينهم وَبَين برتقال سبتة كاتصالها بَين أهل آزمور وبرتقال الجديدة اه وَقَوله إِن بِنَاء تطاوين كَانَ عقب أَخذ غرناطة مُخَالف لما يَقُول أهل تطاوين من أَن تَارِيخ بنائها رمز تفاحة وَأَن ذَلِك كَانَ بإعانة الشريف أبي الْحسن عَليّ بن رَاشد فَيظْهر وَالله أعلم أَن أَبَا الْحسن المنظري كَانَ قد قدم من الأندلس قبل أَخذ غرناطة بسنين يسيرَة مُوَافق الرَّمْز الْمَذْكُور وَالله أعلم قدوم أبي عبد الله بن الْأَحْمَر مخلوعا على السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي رحمهمَا الله لما استولى طاغية الإصبنيول على حَضْرَة غرناطة وَسَائِر الأندلس انْتقل سلطانها أَبُو عبد الله بن الْأَحْمَر إِلَى حَضْرَة فاس فاستوطنها تَحت كنف السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ بعد أَن خاطبه من إنْشَاء وزيره أبي عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الْعقيلِيّ بقصيدة بارعة يَقُول فِي صدرها (مولى الْمُلُوك مُلُوك الْعَرَب والعجم ... رعيا لما مثله يرْعَى من الذمم) (بك استجرنا وَنعم الْجَار أَنْت لمن ... جَار الزَّمَان عَلَيْهِ جور منتقم) (حَتَّى غَدا ملكه بالرغم مستلبا ... وأفظع الْخطب مَا يَأْتِي على الرغم) (حكم من الله حتم لَا مرد لَهُ ... وَهل مردا لحكم مِنْهُ منحتم) وَهِي طَوِيلَة ثمَّ وَصلهَا برسالة يَقُول فِيهَا بعد الْحَمد لله وَالصَّلَاة على نبيه مَا نَصه أما بعد فيا مَوْلَانَا الَّذِي أولانا من النعم مَا أولانا لَا حط الله لكم من الْعِزَّة أرواقا وَلَا أذوى لدوحة دولتكم أغصانا وَلَا أوراقا وَلَا زَالَت مخضرة الْعود مبتسمة عَن زهرات البشائر متحفة بثمرات السُّعُود ممطورة بسحائب البركات المتداركات دون بروق وَلَا رعود هَذَا مقَام العائذ بمقامكم الْمُتَعَلّق بِأَسْبَاب ذمامكم المرتجي لعواطف قُلُوبكُمْ وعوارف أنعامكم

стр. 821

الْمقبل الأَرْض تَحت أقدامكم المتلجلج اللِّسَان عِنْد محاولة مفاتحة كلامكم وماذا الَّذِي يَقُول من وَجهه خجل وفؤاد وَجل وَقَضيته المقضية عَن التنصل والاعتذار تجل بيد أَنِّي أَقُول لكم مَا أَقُول لرَبي واجترائي عَلَيْهِ أَكثر واحترامي إِلَيْهِ أكبر اللَّهُمَّ لَا بَرِيء فَاعْتَذر وَلَا قوي فأنتصر لكني مستقيل مستعتب مُسْتَغْفِر وَمَا أبرئ نَفسِي إِن النَّفس لأمارة بالسوء هَذَا على طَرِيق التنازل والاتصاف بِمَا تَقْتَضِيه الْحَال مِمَّن يتحيز إِلَى حيّز الْإِنْصَاف وَأما على جِهَة التَّحْقِيق فَأَقُول مَا قالته الْأُم ابْنة الصّديق وَالله إِنِّي لأعْلم أَنِّي إِن أَقرَرت بِمَا يَقُوله النَّاس وَالله يعلم أَنِّي مِنْهُ بريئة لَا قَول مَا لم يكن وَلَئِن أنْكرت مَا تَقولُونَ لَا تصدقوني فَأَقُول مَا قَالَه أَبُو يُوسُف فَصَبر جميل وَالله الْمُسْتَعَان على مَا تصفون على أَنِّي لَا أنكر عيوبي فَأَنا مَعْدن الْعُيُوب وَلَا أجحد ذُنُوبِي فَأَنا جبل الذُّنُوب إِلَى الله أَشْكُو عجري وبجري وسقطاتي وغلطاتي نعم كل شَيْء وَلَا مَا يَقُوله المتقول المشنع المهول النَّاطِق بِفَم الشَّيْطَان المسول وَمن أمثالهم سبني واصدق وَلَا تفتر وَلَا تخلق أفمثلي كَانَ يفعل أَمْثَالهَا وَيحْتَمل من الأوزار المضاعفة أحمالها وَيهْلك نَفسه ويحبط أَعمالهَا عياذا بِاللَّه من خسران الدّين وإيثار الجاحدين والمعتدين ﴿قد ضللت إِذا وَمَا أَنا من المهتدين﴾ وَايْم الله لَو علمت شَعْرَة فِي فودي تميل إِلَى تِلْكَ الْجِهَة لقطعتها بل لقطفت مَا تَحت عمامتي من هامتي وقطفتها غير أَن الرعاع فِي كل أَوَان أَعدَاء للْملك وَعَلِيهِ أحزاب وَأَعْوَان كَانَ أَحمَق أَو أَجْهَل من أبي ثروان أَو أَعقل أَو أعلم من أشج بني مَرْوَان رب مُتَّهم بَرِيء ومسربل بسربال وَهُوَ مِنْهُ عري وَفِي الْأَحَادِيث صَحِيح وَسَقِيم وَمن التراكيب المنطقية منتج وعقيم وَلَكِن ثمَّ ميزَان عقل تعْتَبر بِهِ أوزان النَّقْل وعَلى الرَّاجِح الِاعْتِمَاد ثمَّ إساغة الأحماد الْمُتَّصِل المتماد وللمرجوح الإطراح ثمَّ الْتِزَام الصراح بعد النفض من الراح وَأكْثر مَا تسمعه الْكَذِب وطبع جُمْهُور الْخلق إِلَّا من عصمه الله تَعَالَى إِلَيْهِ منجذب وَلَقَد قذفنا من الأباطيل بأحجار ورمينا بِمَا لَا يرْمى بِهِ الْكفَّار فضلا عَن الْفجار وَجرى من الْأَمر الْمَنْقُول على لِسَان زيد وَعَمْرو مَا

стр. 822

لديكم مِنْهُ حفظ الْجَار وَإِذا عظم الإلكاء فعلى تكأة التجلد والاتكاء أَكثر المكثرون وَجهد فِي تعثيرنا المتعثرون ورمونا عَن قَوس وَاحِدَة ونظمونا فِي سلك الْمَلَاحِدَة أكفرا أَيْضا كفرا غفرا اللَّهُمَّ غفرا أعد نظرا يَا عبد قيس فَلَيْسَ الْأَمر على مَا خيل لَك لَيْسَ وَهل زِدْنَا على أَن طلبنا حَقنا مِمَّن رام محقه ومحقنا فطاردنا فِي سَبيله عداة كَانُوا لنا غائظين فانفتق علينا فتق لم يمكنا لَهُ رتق ﴿وَمَا كُنَّا للغيب حافظين﴾ وَبعد فاسأل أهل الْحل وَالْعقد والتمييز والنقد فَعِنْدَ جهينتهم تلقى الْخَبَر يَقِينا وَقد رَضِينَا بحكمهم يوثمنا فيوبقنا أَو يبرئنا فيقينا إيه يَا من اشرأب إِلَى ملامنا وقدح حَتَّى فِي إسْلَامنَا رويدا رويدا فقد وجدت قُوَّة وأيدا وَيحك إِنَّمَا طَال لسَانك علينا وامتد بالسوء إِلَيْنَا لِأَن الزَّمَان لنا مصغر وَلَك مكبر وَالْأَمر عَلَيْك مقبل وعنا مُدبر كَمَا قَالَه كَاتب الْحجَّاج المتبر وعَلى الْجُمْلَة فَهُنَا صرنا إِلَى تَسْلِيم مقالك جدلا وذهبنا فأقررنا بالْخَطَأ فِي كل ورد وَصدر فَللَّه در الْقَائِل إِن كنت أَخْطَأت فَمَا أَخطَأ الْقدر وكأنا بمعتسف إِذا وصل إِلَى هُنَا وَعدم إنصافا يُعلمهُ الهنا قد أَزور متجانفا ثمَّ أفتر متهانفا وَجعل يتَمَثَّل بقَوْلهمْ إِذا عيروا قَالُوا مقادير قدرت وبقولهم الْمَرْء يعجزه الْمحَال فيعارض الْحق بِالْبَاطِلِ والحالي بالعاطل وَينْزع بقول الْقَائِل رب مسمع هائل وَلَيْسَ تَحْتَهُ طائل وَقد فَرغْنَا أول أمس من جَوَابه وَتَركنَا الضغن يلصق حرارة الجوى بِهِ وسنلم الْآن بِمَا يوسعه تبكيتا ويقطعه تسكيتا فَنَقُول لَهُ ناشدناك الله تَعَالَى هَل اتّفق لَك قطّ وَعرض خُرُوج أَمر مَا عَن الْقَصْد مِنْك فِيهِ وَالْغَرَض مَعَ اجتهادك أثناءه فِي إصدارك وإيرادك فِي وُقُوعه على وفْق اقتراحك ومرادك أَو جَمِيع مَا تزاوله بإدارتك لَا يَقع إِلَّا مطابقا لإرادتك أَو كل مَا تقصده وتنويه تحرزه كَمَا تشَاء وتحويه فَلَا بُد أَن يقر اضطرارا بِأَن مَطْلُوبه يشذ عَنهُ مرَارًا بل كثيرا مَا يفلت صَيْده من أشراكه ويطلبه فيعجز عَن إِدْرَاكه فَنَقُول ومسألتنا من هَذَا الْقَبِيل أَيهَا النبيه النَّبِيل ثمَّ نسرد لَهُ من الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة مَا شِئْنَا مِمَّا يسايرنا فِي غرضنا مِنْهُ ويماشينا كَقَوْلِه

стр. 823

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كل شَيْء بِقَضَاء وَقدر حَتَّى الْعَجز والكيس) وَقَوله أَيْضا (لَو اجْتمع أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض على أَن ينفعوك بِشَيْء لم يقضه الله لَك لم يقدروا عَلَيْهِ وَلَو اجْتَمعُوا على أَن يضروك بِشَيْء لم يقضه الله عَلَيْك لم يقدروا عَلَيْهِ) أَو كَمَا قَالَ ﷺ فأخلق بِهِ أَن يلوذ بِأَكْنَافِ الأحجام ويزم على نفث فِيهِ كَأَنَّمَا الجم بلجام حِينَئِذٍ نقُول لَهُ وَالْحق قد أبان وَجهه وجلاه وقهره بحجته وعلاه (لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْئا) (قل إِن الْأَمر كُله لله) وَفِي مُحَاجَّة آدم ومُوسَى مَا يقطع لِسَان الْخصم ويرخص عَن أَثوَاب أعراضنا مَا عَسى أَن يعلق بهَا من دون الوصم وكيفما كَانَت الْحَال وَإِن سَاءَ الرَّأْي والانتحال ووقعنا فِي أوجال وأوحال فثل عرشنا وطويت فرشنا ونكس لوانا ومللت مثوانا فَنحْن أمثل من سوانا وَمَا فِي الشَّرّ خِيَار وَيَد الألطاف تكسر من صولة الأغيار فحتى الْآن لم نفقد من اللَّطِيف تَعَالَى لطفا وَلَا عدمنا أدوات أدعية تعطف بِلَا مهلة على جملتنا المقطوعة جمل النعم الموصولة عطفا وَإِلَّا فَتلك بَغْدَاد دَار السَّلَام ومتبوأ الْإِسْلَام المحفوف بفرسان السيوف والأقلام مثابة الْخلَافَة العباسية ومقر الْعلمَاء والفضلاء أولي السّير الأويسية والعقول الأياسية قد نوزلت بالجيوش وَنزلت وزوزلت بالزحوف وزلزلت وتحيف جوانبها الحيف ودخلها كفار التتار عنْوَة بِالسَّيْفِ وَلَا تسل إِذْ ذَاك عَن كَيفَ أَيَّام تجلت عروس الْمنية كاشفة عَن سَاقهَا مبدية وَجَرت الدِّمَاء فِي الشوارع والطرق كالأنهار والأودية وَقيد الْأَئِمَّة والقضاة تَحت ظلال السيوف المنتضاة بالعمائم فِي رقابهم والأردية وللنجيع سيول تخوضها الْخُيُول فتخضبها إِلَى أرساغها وتهم ظماؤها بوردها فتنكل عَن تجرعها ومساغها فطاح عاصمها ومستعصمها وَرَاح وَلم يغد ظالمها ومتظلمها وَخَربَتْ مساجدها وديارها وَاصْطلمَ بالحسام أشرارها وخيارها فَلم يبْق من جُمْهُور أَهلهَا عين تطرف حَسْبَمَا عرفت أَو حَسْبَمَا تعرف فلاتك متشككا متوقفا فَحَدِيث تِلْكَ الْوَاقِعَة الشنعاء أشهر عِنْد المؤرخين من قفا فَأَيْنَ تِلْكَ الجحافل والآراء المدارة فِي المحافل حِين أَرَادَ الله تَعَالَى بإدالة الْكفْر لم تَجِد وَلَا قلامة ظفر إِذن من سلمت لَهُ نَفسه

стр. 824

الَّتِي هِيَ رَأس مَاله وَعِيَاله وأطفاله اللَّذَان هما من أعظم آماله وكل أوجل أَو قل رياشه وَأَسْبَاب معاشه الكفيلة بانتهاضه وانتعاشه ثمَّ وجد مَعَ ذَلِك سَبِيلا إِلَى الْخَلَاص فِي حَال مياسرة ومساهلة دون تعصب واعتياص بعد مَا ظن كل الظَّن أَن لَا محيد وَلَا مناص فَمَا أحقه حِينَئِذٍ وأولاه أَن يحمد خالقه ورازقه ومولاه على مَا أسداه إِلَيْهِ من رفده وخيره ومعافاته مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ كثير من غَيره ويرضى بِكُل إِيرَاد وإصدار تتصرف فيهمَا الْأَحْكَام الإلهية والأقدار فالدهر غدار وَالدُّنْيَا دَار مشحونة بالأكدار وَالْقَضَاء لَا يرد وَلَا يصد وَلَا يغالب وَلَا يُطَالب والدائرات تَدور وَلَا بُد من نقص وَكَمَال للبدور وَالْعَبْد مُطِيع لَا مُطَاع وَلَيْسَ يطاع إِلَّا المستطاع وللخالق الْقَدِير جلت قدرته فِي خليقته علم غيب للأذهان عَن مداه انْقِطَاع وَمَالِي والتكلف لما لَا أحتاج إِلَيْهِ من هَذَا القَوْل بَين يَدي ذِي الْجَلالَة والمجادة وَالْفضل والطول فَلهُ من الْعقل الْأَرْجَح وَمن الْخلق الأسجح مَا لَا تلتاط مَعَه تهمتي بصفره وَلَا تنْفق عِنْده وشاية الواشي لَا عد من نفره وَلَا فَازَ قدحه بظفره وَالْمولى يعلم أَن الدُّنْيَا تلعب باللاعب وتجر براحتها إِلَى المتاعب وقديما للأكياس من النَّاس خدعت وانحرفت عَن وصالهم أَعقل مَا كَانُوا وَقطعت وَفعلت بهم مَا فعلت بيسار الكواعب الَّذِي جبت وجدعت وَلَئِن رهصت وهصرت فقد نبهت وبصرت وَلَئِن قرعت ومعضت وَلَقَد أرشدت ووعظت وَيَا ويلنا من تنكرهَا لنا بِمرَّة ورميها لنا فِي غمرة أَي غمرة أَيَّام قلبت لنا ظهر الْمِجَن وغيم أفقها المصمي وأدجن فسرعان مَا عاينا حبالها منبته ورأينا مِنْهَا مَا لم نحتسب كَمَا تقوم السَّاعَة بغته فَمن استعاذ من شَيْء فليستعذ مِمَّا صرنا إِلَيْهِ من الْحور بعد الكور والانحطاط من النجد إِلَى الْغَوْر (فَبينا نسوس النَّاس وَالْأَمر أمرنَا ... إِذا نَحن فيهم سوقة نتنصف) (فتبا لدينا لَا يَدُوم نعيمها ... تقلب تارات بِنَا وَتصرف) وأبيها لقد أرهقتنا إرهاقا وجرعتنا من صاب الأوصاب كأسا دهاقا وَلم نفزع إِلَى غير بَابَكُمْ المنيع الجناب المنفتح حِين سدت الْأَبْوَاب وَلم نلبس

стр. 825

غير لِبَاس نعمائكم وَحين خلعنا مَا ألبسنا الْملك من الأثواب وَإِلَى أمه يلجأ الطِّفْل لَجأ اللهفان وَعند الشدائد تمتاز السيوف من الأجفان وَوجه الله تَعَالَى يبْقى وكل من عَلَيْهَا فان وَإِلَى هُنَا يَنْتَهِي الْقَائِل ثمَّ يَقُول حسبي هَذَا وكفان وَلَا ريب فِي اشْتِمَال الْعلم الْكَرِيم على مَا تعارفته الْمُلُوك بَينهَا فِي الحَدِيث وَالْقَدِيم من الْأَخْذ بِالْيَدِ عِنْد زلَّة الْقدَم وقرع الْإِنْسَان وعض البنان من النَّدَم دينا تدينته مَعَ اخْتِلَاف الْأَدْيَان وَعَادَة أطردت على تعاقب الْأَزْمَان والأحيان وَلَقَد عرض علينا صَاحب قشتالة مَوَاضِع مُعْتَبرَة خير فِيهَا وَأعْطى من أَمَانَة الْمُؤَكّد فِيهِ خطه بأيمانه مَا يقنع النُّفُوس ويكفيها فَلم نر وَنحن من سلالة الْأَحْمَر مجاورة الصفر وَلَا سوغ لنا الْإِيمَان الْإِقَامَة بَين ظهراني الْكفْر مَا وجدنَا عَن ذَلِك مندوحة وَلَو شاسعة وَأمنا المطالب المشاغب حمة شَرّ لنا لَا سَعَة وادكرنا أَي ادكار قَول الله تَعَالَى الْمُنكر لذَلِك غَايَة الْإِنْكَار ﴿ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة﴾ وَقَول الرَّسُول ﷺ المبالغ فِي ذَلِك بأبلغ الْكَلَام (أَنا بَرِيء من مُؤمن مَعَ كَافِر تتراءى ناراهما) وَقَول الشَّاعِر الحاث على حث المطية المتثاقلة عَن السّير فِي طَرِيق منجاتها البطية (وَمَا أَنا والتلذذ نَحْو نجد ... وَقد غصت تهَامَة بِالرِّجَالِ) ووصلت أَيْضا من الشرق إِلَيْنَا كتب كَرِيمَة الْمَقَاصِد لدينا تستدعي الانحياز إِلَى تِلْكَ الجنبات وتتضمن مَالا مزِيد عَلَيْهِ من الرغبات فَلم نختر إِلَّا دَارنَا الَّتِي كَانَت دَار آبَائِنَا من قبلنَا وَلم نرتض الانضواء إِلَّا لمن بحبله وصل حبلنا وبريش نبله ريش نبلنا إدلالا على مَحل إخاء متوارث لَا عَن كَلَالَة وامتثالا لوصاة أجداد لَا نظارهم وأقدارهم أَصَالَة وجلالة إِذْ قد روينَا عَن سلف من أسلافنا فِي الْإِيصَاء لمن يخلف بعدهمْ من أخلافنا أَن لَا يَبْتَغُوا إِذا دهمهم أَمر بالحضرة المرينية بَدَلا وَلَا يَجدوا عَن طريقها فِي التَّوَجُّه إِلَى فريقها معدلا فاخترقنا إِلَى الرياض الأريضة الفجاج وركبنا إِلَى الْبَحْر الْفُرَات ظهر الْبَحْر الأجاج فَلَا غرو أَن نرد مِنْهُ على مَا يقر الْعين ويشفي النَّفس الشاكية من ألم الْبَين وَمن توصل هَذَا التَّوَصُّل وتوسل بِمثل

стр. 826

ذَلِك التوسل تطارحا على سدة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُحَارب للمحاربين وَالْمُؤمن للمستأمنين فَهُوَ الخليق الْحقيق بِأَن يسوغ أصفى مشاربه ويبلغ أوفى مآربه على توالي الْأَيَّام والشهور والسنين ويخلص من الثبور إِلَى الحبور وَيخرج من الظُّلُمَات إِلَى النُّور خُرُوج الْجَنِين وَلَعَلَّ شُعَاع سعادته يفِيض علينا ونفحة قبُول إقباله تسري إِلَيْنَا فتخامرنا أريحية تحملنا على أَن نبادر لإنشاد قَول الشريف الرضي فِي الْخَلِيفَة الْقَادِر (عطفا أَمِير الْمُؤمنِينَ فإننا ... فِي دوحة العلياء لَا نتفرق) (مَا بَيْننَا يَوْم الفخار تفَاوت ... أبدا كِلَانَا فِي الْمَعَالِي معرق) (إِلَّا الْخلَافَة ميزتك فإنني ... أَنا عاطل مِنْهَا وَأَنت مطوق) لَا بل الأحرى بِنَا والأحجى والأنجح لسعينا والأرجى أَن نعدل عَن هَذَا الْمِنْهَاج وَيقوم وافدنا بَين يَدي علاهُ مقَام الخاضع المتواضع الضَّعِيف الْمُحْتَاج وينشد مَا قَالَ فِي الشِّيرَازِيّ ابْن حجاج (النَّاس يفدونك اضطرارا ... مِنْهُم وأفديك باختياري) (وَبَعْضهمْ فِي جوَار بعض ... وَأَنت حَتَّى أَمُوت جاري) (فعش لخبزي وعش لمائي ... وعش لداري وَأهل دَاري) ونستوهب من الْوَهَّاب تَعَالَى جلت أسماؤه وتعاظمت نعماؤه رَحْمَة تجْعَل فِي يَد الْهِدَايَة أعنتنا وعصمة تكون فِي مَوَاقِف المخاوف جنتنا وقبولا يعْطف علينا نوافر الْقُلُوب وصنعا يسني لنا كل مَرْغُوب ومطلوب ونسأله وطالما بلغ السَّائِل سؤلا ومأمولا متابا صَادِقا على مَوْضُوع النَّدَم مَحْمُولا ثمَّ عزاء حسنا وصبرا جميلا عَن أَرض أورثها من شَاءَ من عباده معقبا لَهُم ومديلا وسادلا عَلَيْهِم من ستور الْإِمْلَاء الطَّوِيلَة سدولا ﴿سنة الله الَّتِي قد خلت من قبل وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا﴾ فليطر طَائِر الوسواس المرفرف مطيرا ﴿كَانَ ذَلِك فِي الْكتاب مسطورا﴾ لم نستطع عَن مورده صدورا ﴿وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا﴾ إِلَّا وَإِن لله سُبْحَانَهُ فِي مقامكم العالي الَّذِي أيده وأعانه سرا من النَّصْر يترجم عَنهُ لِسَان من النصل وَترجع فروع البشائر الصادقة بالفتوحات المتلاحقة من قَاعِدَته

стр. 827

المتأصلة إِلَى أصل فبمثله يجب اللياد وَالْعِيَاذ ولشبهه يحِق الالتجاء والارتجاء ولأمر مَا آثرناه واخترناه بعد أَن استرشدنا الله سُبْحَانَهُ واستخرناه وَمِنْه ﷻ نرغب أَن يُخَيّر لنا وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين ويأوب بِنَا من حمايته ووقايته إِلَى معقل منيع وجناب رفيع آمين آمين آمين وَنَرْجُو أَن يكون رَبنَا الَّذِي هُوَ فِي جَمِيع الْأُمُور حَسبنَا قد خار لنا حَيْثُ أرشدنا وهدانا وساقنا توفيقه وحدانا إِلَى الاستجارة بِملك حفي كريم وَفِي أعز جارا من أبي دَاوُد وأحمى أنفًا من الْحَارِث بن عباد وَيشْهد بذلك الداني والقاصي والحاضر والباد إِن أغاث ملهوفا فَمَا الْأسود بن قنان يذكر وَإِن أنعش حشاشة هَالك فَمَا كَعْب بن مامة على فعله وَحده يشْكر جليسه كجليس الْقَعْقَاع بن شور ومذاكره كمذاكر سُفْيَان المنتسب من الربَاب إِلَى ثَوْر إِلَى التحلي بأمهات الْفَضَائِل الَّتِي أضدادها أُمَّهَات الرذائل وَهِي الثَّلَاث الْحِكْمَة وَالْعدْل والعفة الَّتِي تشملها الثَّلَاثَة الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال وَالشَّمَائِل وينشأ عَنْهَا مَا شِئْت من عزم وحزم وَعلم وحلم وتيقظ وَتحفظ واتقاء وارتقاء وُصُول وَطول وسماح نائل فبنور حلاه الْمشرق يفتخر الْمغرب على الْمشرق وبمجده السَّامِي خطره فِي الأخطار وبيته الَّذِي ذكره فِي النباهة والنجابة قد طَار يباهي جَمِيع مُلُوك الْجِهَات والأقطار وَكَيف لَا وَهُوَ الرفيع المنتمي والنجار الراضع من الطَّهَارَة صفو البان النَّاشِئ من السراوة وسط أَحْجَار فِي ضئضئ الْمجد وبحبوح الْكَرم وسرواة أسرة المملكة الَّتِي أكنافها حرم وذؤابة الشّرف الَّتِي مجادتها لم ترم من معشر أَي معشر بخلوا أَن وهبوا مَا دون أعمارهم وجبنوا إِن لم يحموا سوى دمارهم بَنو مرين وَمَا أَدْرَاك مَا بَنو مرين سم العداة وَآفَة الجزر النازلون بِكُل معترك والطيبون معاقد الأزر لَهُم عَن الهفوات انْتِفَاء وَعِنْدهم من السّير النَّبَوِيَّة اكْتِفَاء انتسبوا إِلَى بر بن قيس فَخَرجُوا فِي الْبر عَن الْقَيْس مَا لَهُم الْقَدِيم الْمَعْرُوف قد نفد فِي سَبِيل الْمَعْرُوف وحديثهم الَّذِي نقلته رجال الزحوف من طَرِيق القنا وَالسُّيُوف على الْحسن من الْمَقَاصِد مَوْقُوف تحمد من صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ ذابلهم ولدنهم فَللَّه آبَاء أنجبوهم وَأُمَّهَات ولدنهم شم

стр. 828

الأنوف من الطّراز الأول إِلَيْهِم فِي الشدائد والاستناد وَعَلَيْهِم فِي الأزمات الْمعول وَلَهُم فِي الْوَفَاء والصفاء والاحتفاء والعناية والحماية وَالرِّعَايَة الخطو الْوَاسِع والباع الأطول كَأَنَّمَا عناهم بقوله جَرْوَل (أُولَئِكَ قوم إِن بَنو أَحْسنُوا الْبَنَّا ... وَإِن عَاهَدُوا وفوا وَإِن عقدوا شدوا) (وَإِن كَانَت النعماء فيهم جزوا بهَا ... وَإِن أنعموا لَا كدروها وَلَا كدوا) (وتعذلني أَبنَاء سعد عَلَيْهِم ... وَمَا قلت إِلَّا بِالَّذِي علمت سعد) وَبقول الوثيق مبناه البليغ مَعْنَاهُ (قوم إِذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فَوْقه الكربا) يزيحون عَن النزيل كل نازح قاصم وَلَيْسَ لَهُ مِنْهُم عائب وَلَا واصم فَهُوَ أَحَق بِمَا قَالَه فِي منقر قيس بن عَاصِم (لَا يَفْطنُون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جوارهم فطن) حلاهم هَذِه الغريزة الَّتِي لَيست باستكراه وَلَا جعل وأمير الْمُؤمنِينَ دَامَ نَصره قسيمهم فِيهَا حَذْو النَّعْل بالنعل ثمَّ هُوَ عَلَيْهِم وعَلى من سواهُم بالأوصاف الملوكية مستعل ارْفض مزنهم مِنْهُ عَن غيث ملث يمحو آثَار اللزبة وَانْشَقَّ عيلهم مِنْهُ عَن لَيْث ضار منقبض على براثنه للوثبة فَقل لسكان الفلا لَا تغرنكم أعدادكم وأمدادكم فَلَا يُبَالِي السرحان الْمَوَاشِي سَوَاء مشي إِلَيْهَا النقرا أَو الجفلى بل يصدمهم صدمة تحطم مِنْهُم كل عرنين ثمَّ يبتلع بعد أشلاءهم المعفرة ابتلاع التنين فَهُوَ هُوَ كَمَا عرفوه وعهدوه وألفوه وأخو المنايا وَابْن جلا وطلاع الثنايا مُجْتَمع أشده قد احتنكت سنه وَبَان رشده جاد مجد محتزم بحزام الحزم مشمر عَن ساعد الْجد (لَا يشرب المَاء إِلَّا من قليب دم ... وَلَا يبيت لَهُ جَار على وَجل) (أسدى الْقلب آدَمِيّ الروا لابس ... جلد النمر يَزْنِي العناد والنوى) (وَلَيْسَ بشاري عَلَيْهِ دمامة ... إِذا مَا سعى يسْعَى بقوس وأسهم) (وَلكنه يسْعَى عَلَيْهِ مفاضة ... دلاص كأعيان الْجَرَاد المنظم) فالنجاء النَّجَاء سَامِعين لَهُ طائعين والوجل الوجل لاحقين بِهِ خاضعين

стр. 829

قبل أَن تساقوا إِلَيْهِ مُقرنين فِي الأصفاد ويعيي الْفِدَاء بنفائس النُّفُوس وَالْأَمْوَال على الفاد حِينَئِذٍ يعَض ذُو الْجَهْل والفدامة على يَدَيْهِ حسرة وندامة إِذا رأى أبطال الْجنُود تَحت خوافق الرَّايَات والبنود قد لفحتهم نَار لَيست بِذَات خمود وأخذتهم صَاعِقَة مثل صَاعِقَة الَّذين من قبلهم عَاد وَثَمُود زعقات تؤز الْكَتَائِب أزا وهمزا محققا للخيل بعد الْمَدّ المشبع للأعنة همزا وسلا للهندية سلا وهزا للخطية هزا حَتَّى يَقُول النسْر للذئب هَل تحس مِنْهُم من أحد أَو تسمع لَهُم ركزا ثق خَليفَة الله بِذَاكَ فِي كل من رام أَذَى رعيتك أَو أذاك فَتلك عَادَة الله سُبْحَانَهُ فِي ذَوي الشقاق والنفاق الَّذين يشقون عَصا الْمُسلمين ويقطعون طَرِيق الرفاق وينصبون حبائل الْبَغي وَالْفساد فِي جَمِيع النواحي والآفاق فَلَنْ يجعلهم الله من الْآمنينَ أَنى وَكَيف وَقد أفسدوا وخانوا وَهُوَ سُبْحَانَهُ ﴿لَا يصلح عمل المفسدين﴾ و ﴿لَا يهدي كيد الخائنين﴾ وَهَا نَحن قد وجهنا إِلَى كعبة مجدكم وُجُوه صلوَات التَّقْدِيس والتعظيم بعد مَا زينا معاظفها باستعطافكم بدر ثَنَاء أبهى من در العقد النظيم منتظمين فِي سلك أوليائكم متشرفين بِخِدْمَة عليائكم وَلَا فقد عزة وَلَا عدمهَا من قصد مثابتكم العزيزة وخدمها وَأَن المترامي على سنائكم لجدير بحرمتكم واعتنائكم وكل ملهوف تبوأ من كنفكم حصنا حصينا عَاشَ بَقِيَّة عمره محروسا من الضيم مصونا وَقد قيل فِي بعض الْكَلَام من قعدت بِهِ نكاية الْأَيَّام أقامته إغاثة الْكِرَام ومولانا أيده الله تَعَالَى ولي مَا يزفه إِلَيْنَا من مكرمَة بكر ويصنعه لنا من صَنِيع حافل يخلد فِي صَحَائِف حسن الذّكر ويروي مُعَنْعَن حَدِيث حَمده وشكره طرس عَن قلم عَن بنان عَن لِسَان عَن فكر وَغَيره من ينَام عَن ذَلِك فيوقظ ويسترسل مَعَ الْغَفْلَة حَتَّى يذكر ويوعظ وَمَا عهد مُنْذُ وجد إِلَّا سَرِيعا إِلَى دَاعِي الندى والتكرم بَرِيئًا من الضجر بالمطالبة والتبرم حَافِظًا للْجَار الَّذِي أوصى النَّبِي ﷺ بحفظه مستفرغا وَسعه فِي رعيه المستمر ولحظه آخِذا من حسن الثَّنَاء فِي جَمِيع الْأَوْقَات والآناء بحظه (فَهُوَ من دوحة السنا فرع عز ... لَيْسَ يحْتَاج مجتنيه لهز)

стр. 830

(كَفه فِي الأمحال أغزر ويل ... وذراه فِي الْجوف أمنع حرز) (حلمه يسفر اسْمه لَك عَنهُ ... فتفهم يَا مدعي الْفَهم لغزي) (لَا تسله شَيْئا وَلَا تستلنه ... نظرة مِنْهُ فِيك تغني وتجزي) (فنداه هُوَ الْفُرَات الَّذِي قد ... عَام فِيهِ الْأَنَام عوم الأوز) (وحماه هُوَ المنيع الَّذِي ترجع ... عَنهُ الخطوب مرجع عجز) (فدعوا ذهنه يزاول قولي ... فَهُوَ أدرى بِمَا تضمن رمزي) (دَامَ يحيى بِكُل صنع وَمن ... وَيُعَافى من كل بوس ورجز) وكأنا بِهِ قد عمل على شاكلة جَلَاله من مد ظلاله وتمهيد خلاله وتلقى ورودنا بتهلله واستهلاله وتأنيسنا بجميل قبُوله وإقباله وإيرادنا على حَوْض كوثره المترع بزلاله وَالله سُبْحَانَهُ يسْعد مقَامه الْعلي ويسعدنا بِهِ فِي حلّه وارتحاله ومآله وحاله وَيُؤَيّد جنده المظفر ويؤيدنا بتأييده على نزال عدوه واستنزاله وهز الذوابل لإطفاء ذباله وَهُوَ المسؤول أَن يرِيه قُرَّة الْعين فِي نَفسه وَأَهله وخدامه وأمواله وأنظاره وأعماله وكافة شؤونه وأحواله وأحق مَا نصل بِالسَّلَامِ وَأولى على الْمقَام الْجَلِيل مقَام الْخَلِيفَة الْمولى وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَاة وَسلَامًا دائمين أبدا موصولين بدوام الْأَبَد واتصاله ضامنين لمجددهما ومرددهما صَلَاح فَسَاد أَعماله وبلوغ غَايَة آماله وَذَلِكَ بِمَشِيئَة الله تَعَالَى وإذنه وفضله وأفضاله انْتَهَت الرسَالَة وَمَا كَادَت وَوصل السُّلْطَان ابْن الْأَحْمَر المخلوع بعد نُزُوله بمليلية إِلَى مَدِينَة فاس بأَهْله وَأَوْلَاده معتذرا عَمَّا أسلفه متلهفا على مَا خَلفه وَبنى بفاس بعض قُصُور على طَرِيق بُنيان الأندلس وَتُوفِّي بهَا سنة أَرْبَعِينَ وَتِسْعمِائَة وَدفن بِإِزَاءِ الْمصلى خَارج بَاب الشَّرِيعَة وَخلف ذُرِّيَّة من بعده قَالَ فِي نشر المثاني انقرضوا وَلم يبْق مِنْهُم أحد وَزعم منويل أَنه هلك فِي وقْعَة أبي عقبَة فِي حَرْب الوطاسيين مَعَ السعديين قَالَ وَلم يحسن هَذَا الرجل أَن يدْفع عَن ملكه فَدفع عَن ملك غَيره

стр. 831

اسْتِيلَاء البرتغال على سَاحل البريجه وبناؤهم مَدِينَة الجديدة صانها الله بمنه قَالَ مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ قد وقفت لبَعض البرتغاليين واسْمه لويز مَارِيَة على تأليف فِي أَخْبَار الجديدة من لدن بنوها إِلَى أَن انتزعها الْمُسلمُونَ مِنْهُم فاقتطفت مِنْهُ مَا أثْبته فِي هَذِه التَّرْجَمَة قَالَ هَذَا الْمُؤلف لما كَانَت سنة ألف وَخَمْسمِائة واثنتين مسيحية قلت ويوافقها من تَارِيخ الْهِجْرَة سنة سبع وَتِسْعمِائَة تَقْرِيبًا بعث سُلْطَان البرتغال واسْمه منويل من دَار ملكه أشبونة عمَارَة فِي الْبَحْر للاستيلاء على بعض ثغور الْمغرب فألجأهم هيجان الْبَحْر وموجه إِلَى سَاحل البريجة فِيمَا بَين آزمور وتيط وَكَانَت البريجة على مَا يفهم من كَلَامه بِنَاء متخذا هُنَالك للحراسة وَنَحْوهَا كَانَ يُسمى برج الشَّيْخ وَلَا زَالَ مُسَمّى بِهَذَا الِاسْم إِلَى الْآن فأرسى البرتغاليون على السَّاحِل الْمَذْكُور وَنزلت طَائِفَة مِنْهُم إِلَى الْبر فتطوفوا بالبريجة وَمَا حولهَا وأعجبهم الْمَكَان فعزموا على الْمقَام بِهِ وَاتفقَ رَأْيهمْ أَن يتْركُوا جمَاعَة هُنَالك يحفظون الْمحل وَيرجع باقيهم إِلَى ملكهم يستأذنوه فِيمَا عزموا عَلَيْهِ فتركوا اثْنَي عشر رجلا بالبريجة بعد أَن حصنوها وشحنوها بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من عدَّة وقوت وَنَحْوهمَا وَرجع الْبَاقُونَ إِلَى الْملك فأخبروه بشأنهم فَأذن لَهُم وَبعث مَعَهم جمَاعَة من البنائين والعملة ليبنوا لَهُم مَا يتحصنون بِهِ فقدموا على إخْوَانهمْ وشرعوا فِي إدارة السُّور على قِطْعَة من الأَرْض فَنَذر بهم أهل تِلْكَ الْبِلَاد من الْمُسلمين وتسابقوا إِلَيْهِم على الصعب والذلول ففر النَّصَارَى إِلَى البريجة وتحصنوا بهَا وأفسد الْمُسلمُونَ كل مَا كَانُوا عملوه فِي تِلْكَ الْأَيَّام وأحجروهم بحصنهم وَوَضَعُوا عَلَيْهِم الرصد إِلَى أَن فتر عزمهم وَأَيِسُوا من نجاح سَعْيهمْ فَعَاد جلهم أَو كلهم إِلَى أشبونة وأعادوا الْكَلَام على ملكهم منويل فِي شَأْن البريجة ووصفوا لَهُ حسن الْبقْعَة وَصِحَّة هوائها ومنزلتها من الْبَحْر وَمن قبائل أهل الْمغرب من أهل تامسنا ودكالة وَغَيرهم وَأَنَّهَا عَسى أَن تكون سلما للاستيلاء

стр. 832

على غَيرهَا من بِلَاد الْمغرب لَا سِيمَا ودولة الْمُسلمين بِهِ يَوْمئِذٍ قد تلاشت وملكهم قد ضعف فوقر ذَلِك فِي نفس الْملك واستأنف الْعَزْم وَبعث مَعَهم حِصَّة من الْعَسْكَر تحصل بهَا الْكِفَايَة وتتأتى بهَا المدافعة والممانعة مَعَ جمَاعَة وافرة من البنائين والمهندسين وَحَملهمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من آلَة وَغَيرهَا فَانْتَهوا إِلَى الْموضع الْمَذْكُور بعد سبع سِنِين من مقدمهم الأول وتحينوا غَفلَة أهل الْبِلَاد وشرعوا فِي بِنَاء حصن مربع على كل ربع مِنْهُ برج وثيق ودأبوا فِي الْعَمَل لَيْلًا وَنَهَارًا فَلم تمض مُدَّة يسيرَة حَتَّى فرغوا مِنْهُ وامتنعوا على الْمُسلمين بِهِ وَكَانَ إنشاؤهم لهَذَا الْحصن على البريجة الْقَدِيمَة بِأَن جعلوها أحد أَرْبَاعه وأضافوا إِلَيْهَا ثَلَاثَة أَربَاع أخر وأداروا السُّور على الْجَمِيع وَاتَّخذُوا فِي دَاخل هَذَا الْحصن ماجلا عَظِيما لخزن المَاء وَهُوَ النطفية فِي لِسَان الجيل بنوه مربعًا بتربيع الْحصن مساحة كل ربع مِنْهُ مائَة وَثَلَاثُونَ شبْرًا وجوانبه وقبوه من حجر النّصْف العجيب النحت الْمُحكم الْوَضع والالتئام مَحْمُولا ذَلِك القبو على سِتَّة أقواس فِي كل ربع قَالَ هَذَا الْمُؤلف وامتلاء نَحْو بلكاظة من هَذَا الماجن يسع عشْرين بوطة من المَاء ثمَّ شيدوا على أحد أَربَاع هَذَا الْحصن طريا عَظِيما مرتفعا جدا لَيْسَ صَادِق التربيع وَلَا الاستدارة غير مهندس الشكل ثمَّ بنوا فِي أَعْلَاهُ على أحد جوانبه بِنَاء آخر لطيفا مستديرا صاعدا فِي الجويرقي إِلَيْهِ على مدارج لَطِيفَة وَجعلُوا فِي أَعْلَاهُ صاريا خَارِجا من جَوْفه وناقوسا للحراسة يشرف الحارس مِنْهُ على نَحْو خَمْسَة وَعشْرين ميلًا من سَائِر جهاته وَجَمِيع هَذِه البناءات الَّتِي ذكرهَا الْمُؤلف من الْحصن وَمَا مَعَه لَا زَالَت قَائِمَة الْعين والأثر إِلَى الْآن إِلَّا الطري فَإِنَّهُ قد اتخذ فِي هَذِه الْأَيَّام الَّتِي هِيَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف منارا لِلْمَسْجِدِ الْجَامِع وَذَلِكَ أَن عَامل الجديدة فِي هَذَا الْعَصْر وَهُوَ الرئيس الْفَاضِل أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الجراري حفظه الله اسْتَأْذن الْخَلِيفَة وَهُوَ السُّلْطَان الْأَعْظَم الْمولى الشريف أَبُو عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد الْعلوِي نَصره

стр. 833

الله فِي جعله منارا لكَون الْمنَار الْقَدِيم قَصِيرا لَا يسمع النَّاس الْأَذَان فَأذن أعزه الله فِي ذَلِك وَهَذَا الْعَامِل الْيَوْم جاد فِي إِصْلَاحه وَالزِّيَادَة فِيهِ وَقد أشرف على التَّمام وَكَذَلِكَ اسْتَأْذن هَذَا الْعَامِل حَضْرَة السُّلْطَان الْمَذْكُور فِي إدارة جِدَار من دَاخل سور الْمَدِينَة يكون ستْرَة على منَازِل أَهلهَا وَبُيُوتهمْ لِأَن السُّور الْمَذْكُور كَانَ مرتفعا على الْبَلَد بِحَيْثُ يكون الصاعد عَلَيْهِ متكشفا على الْبيُوت واستأذنه فِي إصْلَاح الْقبَّة المشرفة على الْبَحْر الْمَعْرُوفَة بقبة الخياطين وَكَانَت قد تلاشت وباتخاذ سجن متسع مُحكم عَن يَمِين الدَّاخِل من بَاب الْمَدِينَة الْمَذْكُورَة لِأَنَّهُ لم يكن بهَا سجن مُعْتَبر فَأَجَابَهُ الْخَلِيفَة الْمَذْكُور إِلَى ذَلِك كُله أدام الله علاهُ وَقد تمّ جلّ ذَلِك وعادت الْقبَّة إِلَى أحسن حالاتها الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا أَيَّام البرتغال وَالله لَا يضيع أجر من أحسن عملا ولنرجع إِلَى موضوعنا الَّذِي كُنَّا فِيهِ فَنَقُول ثمَّ شرع نَصَارَى البرتغال بعد الْفَرَاغ من الْحصن الْمَذْكُور فِي إدارة سور الْمَدِينَة على أوثق وَجه وأحكمه وَذَلِكَ أَنهم عَمدُوا إِلَى بقْعَة مربعة من الأَرْض مساحة كل ربع مِنْهَا ثَلَاثمِائَة وَخمْس وَسَبْعُونَ خطْوَة وَجعلُوا مركزها الْحصن الْمَذْكُور ثمَّ أداروا بهَا سورين عاديين ثخن الْخَارِج مِنْهُمَا نَحْو خَمْسَة عشر شبْرًا والداخل على نَحْو الثُّلثَيْنِ مِنْهُ وَبَينهمَا فضاء مردوم بِالتُّرَابِ وَالْحِجَارَة الصَّغِيرَة فَصَارَ السوران بذلك سورا وَاحِد سعته خَمْسُونَ شبْرًا وَهَذَا فِي غير الرّبع الموَالِي للبحر أما هُوَ فَلَيْسَ فِيهِ ردم وَإِنَّمَا هُوَ سور وَاحِد مصمت أضيق مِمَّا عداهُ يَسِيرا وارتفاع هَذِه الأسوار من دَاخل الْبَلَد نَحْو سِتِّينَ شبْرًا وَمن خَارجه نَحْو السّبْعين ثمَّ أداروا خَارج السُّور خَنْدَقًا فسيحا وَجعلُوا عمقه أَرْبَعَة عشر شبْرًا بِحَيْثُ بلغُوا بِهِ المَاء وَإِذا فاض الْبَحْر مَلأ مَا بَين جوانبه وَاتَّخذُوا للمدينة ثَلَاثَة أَبْوَاب أَحدهَا للبحر وَهُوَ بَاب المرسى وَقد سد بِالْبِنَاءِ فِي هَذِه السنين وَاثْنَانِ للبر وَجعلُوا أمامهما قنطرتين بِالْعَمَلِ الهندسي بِحَيْثُ ترفعان وتوضعان وَقت الْحَاجة إِلَى ذَلِك فَصَارَت الْمَدِينَة بِهَذَا كُله فِي غَايَة المناعة

стр. 834

وَكَانَ بَنو وطاس فِي هَذِه الْمدَّة أشغل من ذَات النحيين مَعَ برتقال سبتة وطنجة وَسَائِر بِلَاد الهبط فَلِذَا تَأتي لهَؤُلَاء النَّصَارَى أَن يَفْعَلُوا مَا فَعَلُوهُ فِي هَذِه الْمدَّة الْيَسِيرَة وَجعلُوا دَاخل الْمَدِينَة خمس حارات وَسموا كل حارة باسم كَبِير من قدمائهم على عَادَتهم فِي ذَلِك وَاتَّخذُوا بهَا أَربع كنائس وَاتَّخذُوا المخازن والأهراء للاختزان وَسَائِر الْمرَافِق وَمن جُمْلَتهَا هرى كَانَ يسع سِتّمائَة فنيكة من الْحبّ وأوطنوها بأهلهم وعيالهم وَكَانَ فِيهَا جمَاعَة من أَشْرَافهم وَذَوي بيوتاتهم من أهل أشبونه وَغَيرهَا وَكَانُوا يعدون فِيهَا أَرْبَعَة آلَاف نفس مَا بَين الْمُقَاتلَة والعيال والذرية وَكَانُوا يأملون الِاسْتِيلَاء مِنْهَا على مراكش فخيب الله رجاءهم ثمَّ ذكر هَذَا الْمُؤلف مَا كَانَ يَقع بَين الْمُسلمين ونصارى الجديدة من الحروب والغارات مِمَّا لَعَلَّنَا نشِير إِلَى بعضه فِي مَحَله إِن شَاءَ الله اسْتِيلَاء البرتغال على سواحل السوس وبناؤهم حصن فونتي قرب أكادير وَمَا قيل فِي ذَلِك ذكر بعض المؤرخين من الفرنج أَن اسْتِيلَاء البرتغال على آكادير كَانَ فِي مُدَّة ملكهم منويل الْمَذْكُور آنِفا وَإِن ذَلِك كَانَ على حِين غَفلَة من أهل تِلْكَ الْبِلَاد قَالَ منويل لما علم طاغية البرتغال منويل أَن مرسى آكادير جَيِّدَة لمناعتها وَكَثْرَة تجارتها بِسَبَب مجاورتها لقبائل السوس أَرَادَ الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا وَكَانَ يظنّ أَن ذَلِك لَا يَتَأَتَّى لَهُ لحصانتها وَكَثْرَة الْقَبَائِل المجاورين لَهَا ثمَّ خاطر وَبعث إِلَيْهَا جَيْشًا فاستولوا عَلَيْهَا على حِين غَفلَة من أَهلهَا وَحَصَّنُوهَا وبنوا بهَا دورا وبرجا جيدا وَأخذُوا فِي التِّجَارَة بهَا مَعَ أهل السوس وَكَثُرت أرباحهم ثمَّ لما ضعفت شوكتهم خَرجُوا عَنْهَا وَعَن آسفي وآزمور قلت مُرَاده بآكادير حصن فونتي الْقَرِيب مِنْهُ وَإِلَّا فآكادير إِنَّمَا بني بعد هَذَا التَّارِيخ

стр. 835

بِكَثِير كَمَا سَيَأْتِي ثمَّ مُقْتَضى مَا ذكره أَن يكون زمَان استيلائهم عَلَيْهِ مُوَافقا أَو قَرِيبا لزمان استيلائهم على البريجة وَمُقْتَضى مَا نَقله فِي النزهة عَن ابْن القَاضِي أَن يكون استيلاؤهم عَلَيْهِ فِي حُدُود سنة خمس وَسبعين وَثَمَانمِائَة فَإِنَّهُ لما وصف حَال السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله قَالَ وَكَانَ لَهُ بخت عَظِيم فِي الْجِهَاد فتح حصن النَّصَارَى بسوس بعد أَن أَقَامُوا بِهِ اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة اه وَكَانَ فَتحه إِيَّاه فِي حُدُود سبع وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَالظَّاهِر أَنهم استولوا على بعض حصون السوس فِي التَّارِيخ الأول وعَلى بَعْضهَا فِي الثَّانِي وَالله أعلم وَفَاة السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي ﵀ ذكر ابْن القَاضِي فِي الجذوة أَن وَفَاة السُّلْطَان الْمَذْكُور كَانَت سنة عشر وَتِسْعمِائَة قَالَ وَمن حَملَة وزرائه أَخُوهُ النَّاصِر بن أبي زَكَرِيَّاء وَالله أعلم وَولي الْأَمر من بعده ابْنه مُحَمَّد البرتغالي على مَا نذكرهُ الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي الْمَعْرُوف بالبرتغالي ﵀ لما توفّي السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ بُويِعَ ابْنه مُحَمَّد البرتغالي فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم وَكَانَ نَصَارَى سبتة وطنجة وآصيلا قد استحوذوا على بِلَاد الهبط وضايقوا الْمُسلمين بهَا حَتَّى ألجأوهم إِلَى قصر كتامة فَكَانَ هُوَ الثغر يَوْمئِذٍ بَين بِلَاد الْمُسلمين وبلاد النَّصَارَى كَمَا مر وَكَانَ السُّلْطَان مُحَمَّد هَذَا قد عني بجهادهم وترديد الْغَزْو إِلَيْهِم والإجلاب عَلَيْهِم حَتَّى شغل بذلك عَن الْبِلَاد المراكشية وسواحلها فَكَانَ ذَلِك سَببا لظُهُور الدولة السعدية بهَا سنة خمس عشرَة وَتِسْعمِائَة على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله

стр. 836

اسْتِيلَاء البرتغال على ثغر آسفي حرسه الله قَالَ منويل كَانَ البرتغال قد تشوفوا للاستيلاء على آسفي وَكَانَ أَهلهَا فيهم شجاعة أَكثر من غَيرهم من أهل الثغور فزحفوا إِلَيْهَا وَجرى بَينهم وَبَين أَهلهَا قتال شَدِيد هلك فِيهِ عدد كَبِير من البرتغال وَعظم عَلَيْهِم أَن تمْتَنع مِنْهُم بَلْدَة صَغِيرَة لَيْسَ لَهَا حامية سوى أَهلهَا ثمَّ طاولوها بالحصار حَتَّى قل الْقُوت عِنْد أهل آسفي وأشرفوا على الْهَلَاك فَحِينَئِذٍ شارطوا البرتغال وأسلموها إِلَيْهِم على الْأمان فاستولوا عَلَيْهَا وَحَصَّنُوهَا غَايَة لتوقعهم كرة الْمُسلمين عَلَيْهِم فَكَانَ كَذَلِك فَإِنَّهُم زحفوا إِلَيْهِم بعد ثَلَاث سِنِين من أَخذهَا وَوَقع بَينهم وَبَين البرتغال حَرْب شَدِيدَة كَانَت صُفُوف الْمُسلمين تترادف فِيهَا كأمواج الْبَحْر وَقتل قواد عَسْكَر البرتغال وكبارهم ثمَّ قدمت عَلَيْهِم شكوادره من مادرة بالعسكر والزاد فَقَوِيت نفوس البرتغال وارتحل الْمُسلمُونَ عَنْهَا بعد أَن أشرفوا على الْفَتْح وتبعهم البرتغال لينتهزوا فيهم الفرصة فكر الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم واستلبوهم وَهَذَا أول حِصَار كَانَ على آسفي ثمَّ بعد سِنِين قَلَائِل زحف الْمُسلمُونَ إِلَيْهَا أَيْضا وَمَعَهُمْ عدد من المدافع وقاتلوا قتالا صعبا وزحفوا إِلَى السُّور فهدموا مِنْهُ ثلمة كَبِير وَاشْتَدَّ الْقِتَال عَلَيْهَا بِمَا خرج عَن الْعَادة ثمَّ رَحل الْمُسلمُونَ من غير فتح وأعرضوا عَنْهَا مُدَّة لم يحدثوا أنفسهم بِالْقِتَالِ وعمرت آسفي بالنصارى وانتقل إِلَيْهَا التُّجَّار وبنوا بهَا الدّور وَكَانُوا يسقون مِنْهَا الْحبّ ويحملونه فِي السفن إِلَى بِلَادهمْ وَلَعَلَّ ذَلِك لهدنة كَانَت لَهُم مَعَ الْمُسلمين ثمَّ عَادَتْ للْمُسلمين بعد نَحْو ثَلَاث وَعشْرين سنة وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الفاسي فِي مرْآة المحاسن مَا نَصه قَرَأت بِخَط شَيخنَا أبي عبد الله الْقصار أَن صَاحب آسفي أخرج الشَّيْخ أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْجُزُولِيّ مِنْهَا فَدَعَا عَلَيْهِم فَسئلَ مِنْهُ الْعَفو فَقَالَ أَرْبَعِينَ سنة فَأَخذهَا النَّصَارَى بعْدهَا اه وَهَذَا يَقْتَضِي أَن استيلاءهم عَلَيْهَا كَانَ فِي حُدُود

стр. 837

عشر وَتِسْعمِائَة لِأَن وَفَاة الشَّيْخ الْجُزُولِيّ ﵀ كَانَت فِي سنة سبعين وَثَمَانمِائَة كَمَا مر وَعند الفرنج مَا يَقْتَضِي أَن استيلاءهم عَلَيْهَا كَانَ بعد ذَلِك بِسنتَيْنِ أَو ثَلَاث وَالله أعلم زحف السُّلْطَان أبي عبد الله البرتغالي إِلَى آصيلا قَالَ منويل لما أفْضى الْأَمر إِلَى السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي أَرَادَ أَن يَأْخُذ بثأره من البرتغال الَّذين أسروه لسبع سِنِين فزحف إِلَى آصيلا فِي حُدُود أَربع عشرَة وَتِسْعمِائَة وحاصرها وَطَالَ قِتَاله عَلَيْهَا ثمَّ اقتحمها الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم اقتحاما واقتتلوا فِي وسط الْأَزِقَّة والأسواق يَوْمَيْنِ ثمَّ جَاءَ المدد إِلَى البرتغال من طنجة وجبل طَارق فَقَوِيت نُفُوسهم وَخرج الْمُسلمُونَ عَنْهُم لَكِن مَا خَرجُوا حَتَّى هدموها وأحرقوها وَلم يتْركُوا لَهُم بهَا إِلَّا الخربات ثمَّ جد البرتغال فِي إصلاحها وَأَقَامُوا بهَا بُرْهَة من الدَّهْر إِلَى أَن رجعت للْمُسلمين اسْتِيلَاء البرتغال على ثغر آزمور حرسه الله قَالَ منويل بعث طاغية البرتغال أَربع عشرَة وَتِسْعمِائَة إِلَى ثغر آزمور شكوادره فِيهَا أَلفَانِ من الْعَسْكَر وَأَرْبَعمِائَة خيالة فدافعهم زيار الوطاسي ابْن عَم السُّلْطَان ونشبت مراكب البرتغال فِي السَّاحِل وتكسر جلها وعاث فِيهَا الْمُسلمُونَ وَرجع الْبَاقِي مفلولا ثمَّ بعد أَربع سِنِين بعث إِلَيْهَا الطاغية منويل شكوادره فِيهَا عشرُون ألفا من الْعَسْكَر وَأَلْفَانِ وَسَبْعمائة خيالة فَانْتَهوا إِلَى آزمور وحاصروها بحرا وزحفوا إِلَيْهَا من الجديدة برا وَوَقع حَرْب شَدِيدَة بَينهم وَبَين أهل آزمور وَأهل الْبَادِيَة ثمَّ انهزم الْمُسلمُونَ وَخَرجُوا من بَاب تَركه لَهُم البرتغال قصدا قَالَ لِأَنَّهُ يُقَال فِي الْمثل الفار مِنْك فِي الْحَرْب

стр. 838

اجْعَل لَهُ قنطرة من فضَّة يعبر عَلَيْهَا وَقَالَ فِي النزهة كَانَ نزُول النَّصَارَى بآزمور سنة أَربع عشرَة وَتِسْعمِائَة قَالَ وَفِي هَذِه السّنة بنى النَّصَارَى حجر باديس وَفِي أَوَاخِر الْمحرم مِنْهَا أَخذ النَّصَارَى يَعْنِي الإصبنيول مَدِينَة وهران ونكبوا أَهلهَا فَمَا مِنْهُم إِلَّا أَسِير أَو قَتِيل إِلَى أَن أَعَادَهَا الله لِلْإِسْلَامِ على يَد الأتراك فِي حُدُود الْعشْرين وَمِائَة وَألف اه قلت أهل آزمور يَزْعمُونَ أَن اسْتِيلَاء البرتغال على مدينتهم كَانَ متكررا وَسَيَأْتِي مَا يفهم مِنْهُ ذَلِك وَالله أعلم وَمن أَخْبَار السُّلْطَان أبي عبد الله مَا وقفت عَلَيْهِ فِي تَارِيخ البرتغاليين من أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور كتب لطاغيتهم منويل يطْلب مِنْهُ أَن يتَقَدَّم بالوصاة لأَصْحَاب قراصينه البحرية أَن لَا يتَعَرَّضُوا لمركبين لَهُ كَانَ قد عزم على بعثهما إِلَى الجزائر ثمَّ مِنْهَا إِلَى تونس وَكَانَ الطاغية لم يجبهُ أَو أَبْطَأَ بِالْجَوَابِ فكرر إِلَيْهِ الْكتاب ثَانِيًا فِي الْقَضِيَّة الْمَذْكُورَة وسرد هَذَا المؤرخ نَص الْكِتَابَيْنِ مَعًا مترجمين بلغته وَذكر أَن تَارِيخ الأول مِنْهُمَا الثَّالِث وَالْعشْرُونَ من جُمَادَى سنة عشْرين وَتِسْعمِائَة وتاريخ الثَّانِي الثَّامِن وَالْعشْرُونَ من ذِي الْقعدَة من السّنة اه اسْتِيلَاء البرتغال على ثغر المعمورة حرسه الله قَالَ فِي نشر المثاني إِن الَّذِي اختط حصن المعمورة هُوَ الْمهْدي الشيعي على يَد بعض عماله وَزعم بعض الفرنج أَن المعمورة من بِنَاء يَعْقُوب الْمَنْصُور الموحدي قَالَ وَلما كَانَ زمن منويل البرتغالي بلغه أَن مينا المعمورة جَيِّدَة وبلادها نفاعة فَبعث إِلَيْهَا طَائِفَة من جنده فوصلوا إِلَى ساحلها ونزلوا فِي الْبر الْمُقَابل لَهَا وبنوا هُنَالك برجا لحصارها ثمَّ أردفهم ملكهم الْمَذْكُور بعمارة تشْتَمل على مِائَتي مركب مشحونة بِثمَانِيَة آلَاف

стр. 839

من الْمُقَاتلَة قَالَ وَكَانَ خُرُوج هَذِه الْعِمَارَة من مَدِينَة أشبونة فِي الْيَوْم الثَّالِث عشر من يونيه العجمي سنة ألف وَخَمْسمِائة وَخمْس عشرَة مسيحية قلت يُوَافِقهَا من تَارِيخ الْهِجْرَة تَقْرِيبًا سنة إِحْدَى وَعشْرين وَتِسْعمِائَة فوافت مينا المعمورة فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من يوينه الْمَذْكُور وحاصروها وألحوا عَلَيْهَا بِالْقِتَالِ أَيَّامًا وَبلغ الْخَبَر بذلك إِلَى السُّلْطَان أبي عبد الله البرتغالي فَبعث أَخَاهُ النَّاصِر صريخا فِي جَيش كثيف فوصل سادس أغشت من السّنة الْمَذْكُورَة وَقَاتل البرتغال قتالا شَدِيدا وَهَزَمَهُمْ هزيمَة قبيحة ثمَّ كَانَت لَهُم الكرة على الْمُسلمين فهزموهم واستولوا على المعمورة وَثَبت قدمهم بهَا وَحَصَّنُوهَا بالسور الْمَوْجُود بهَا الْآن واستمروا بهَا نَحْو خمس سِنِين ثمَّ استرجعها الْمُسلمُونَ مِنْهُم فِي دولة السُّلْطَان الْمَذْكُور وَالله تَعَالَى أعلم وَفِي السّنة الَّتِي استولوا على المعمورة رجعُوا إِلَى مَوضِع مَدِينَة آنفي فشرعوا فِي بنائها وَمن يَوْمئِذٍ سميت الدَّار الْبَيْضَاء وبقوا بهَا مُدَّة طَوِيلَة إِلَى زمن السُّلْطَان الْمولى عبد الله بن إِسْمَاعِيل على مَا زعم منويل أَخْبَار السُّلْطَان أبي عبد الله البرتغالي مَعَ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الغزواني ﵁ أصل الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الله الغزواني دَفِين حومة الْقُصُور من مراكش من غَزوَان قَبيلَة من عرب تامسنا وَكَانَ فِي ابْتِدَاء أمره يقْرَأ الْعلم بمدرسة الْوَادي من عدوة الأندلس بفاس فحصلت لَهُ إِرَادَة فسافر إِلَى مراكش ولازم الشَّيْخ التباع وَتخرج بِهِ ثمَّ انْتقل إِلَى بِلَاد الهبط فَنزل بهَا على قَبيلَة يُقَال لَهُم بَنو فزنكار وَاجْتمعَ عَلَيْهِ النَّاس واشتهر أمره وَعظم صيته فَبلغ ذَلِك السُّلْطَان أَبَا عبد الله وَكَانَ يَوْمئِذٍ بِبِلَاد الهبط قد خرج إِلَيْهَا بِقصد الْغَارة على نَصَارَى آصيلا وَكَانَ مَعَه فِي هَذِه الْحَرَكَة الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن غَازِي الإِمَام الْمَشْهُور فَتوهم السُّلْطَان الْمَذْكُور من أَمر الشَّيْخ الغزواني وخشي

стр. 840

على الدولة عَاقِبَة أمره وأغراه بِهِ مَعَ ذَلِك الْفَقِيه ابْن عبد الْكَبِير البادسي السفياني الأَصْل وَكَانَ هَذَا الْفَقِيه يصحب الْوُلَاة والعمال وَيخرج فِي بعوثهم قَاضِيا فكثرت سعايته بالشيخ حَتَّى وقر ذَلِك فِي نفس السُّلْطَان فَبعث إِ ليه فَحَضَرَ وَأمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ بالموضع الْمَعْرُوف بتاجناوت وَجعله فِي سلسلة وَبعث بِهِ إِلَى فاس وَتقدم فِي شَأْنه إِلَى ابْن شقرون صَاحب شرطته بقصبة فاس الْقَدِيم وَكَانَ الشَّيْخ ابْن غَازِي قد مرض فِي هَذِه الْغَزْوَة وَأمر السُّلْطَان بِحمْلِهِ إِلَى منزله من فاس فَلَمَّا وصل إِلَى قرب عقبَة المساجين اشْتَدَّ بِهِ الْحَال وَأمر أَصْحَابه أَن يريحوا بِهِ هُنَالك فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ مر بِهِ الشَّيْخ الغزواني فِي سلسلته فَسَأَلَ الموكلين بِهِ أَن يعوجوا بِهِ على الشَّيْخ ابْن غَازِي كي يعودهُ وَيُؤَدِّي حَقه فَلَمَّا وقف عَلَيْهِ طلب ابْن غَازِي مِنْهُ الدُّعَاء فَدَعَا لَهُ بِخَير وَانْصَرف فَلَمَّا غَابَ عَنهُ قَالَ ابْن غَازِي لأَصْحَابه احْفَظُوا وصيتي فَإِنِّي راحل عَنْكُم إِلَى الله تَعَالَى بِلَا شكّ قَالُوا لَهُ يَا سَيِّدي مَا عنْدك باس فَقَالَ إِن الله وَعَدَني أَن لَا يقبض روحي حَتَّى يريني وليا من أوليائه وَقد أرانيه السَّاعَة فدلني ذَلِك على انْقِضَاء الْأَجَل فَحَمَلُوهُ من حِينه إِلَى منزله فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ هَكَذَا سَاق هَذَا الْخَبَر صَاحب الدوحة فِي ترجمتي الشَّيْخَيْنِ الْمَذْكُورين وَكَانَت وَفَاة ابْن غَازِي أَوَاخِر جُمَادَى الأولى سنة تسع عشرَة وَتِسْعمِائَة وَقَالَ صَاحب الْمرْآة عَن بعض شُيُوخه بعد أَن ذكر سِعَايَة ابْن عبد الْكَبِير بالشيخ الغزواني مَا نَصه فَتحَرك الشَّيْخ الغزواني لزيارة ضريح الشَّيْخ أبي سلهام فَعرض لَهُ العروسي قَائِد الْقصر الْكَبِير وناوله كتاب السُّلْطَان يَأْمُرهُ فِيهِ بقدوم الشَّيْخ إِلَى فاس دَار الْملك إِذْ ذَاك فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ طَاعَة السُّلْطَان وَاجِبَة وَقَالَ للزائرين مَعَه بلغت النِّيَّة فَتوجه الشَّيْخ إِلَى فاس من ذَلِك الْمَكَان وَكلما بَات فِي منزل ذهبت جمَاعَة من الَّذين مَعَه فَلم يصل مَعَه إِلَّا الْقَلِيل وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو الْبَقَاء عبد الْوَارِث اليالصوتي إِذْ ذَاك سَاكِنا بفاس

стр. 841

وَلم يكن صحب الشَّيْخ قبل ذَلِك فَلَمَّا دخل الشَّيْخ حَضْرَة فاس لقِيه أَبُو الْبَقَاء الْمَذْكُور فَسلم عَلَيْهِ فَشد الشَّيْخ يَده على يَده فَلم يرسلها حَتَّى عاهده على الرُّجُوع فَلَمَّا انْفَصل عَنهُ اشْترى خبْزًا وَعِنَبًا وَحمل ذَلِك إِلَى الشَّيْخ وَأَصْحَابه فَوَجَدَهُمْ عِنْد القَاضِي أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله اليفرني المكناسي وَهُوَ مؤلف الْمجَالِس المكناسية فَوَجَدَهُمْ فِي الْمَسْجِد الْقَرِيب من دَار القَاضِي الْمَذْكُور بدرب السُّعُود فناولهم مَا مَعَه وَوجد الشَّيْخ موكلا بِهِ وَأَصْحَابه يدْخلُونَ وَيخرجُونَ ثمَّ دخل القَاضِي على الشَّيْخ بِالْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا الَّذِي يذكر عَنْك قَالَ أَبُو الْبَقَاء فتكلمت أَنا وَقلت إِن هَذَا الرجل قد نزل بَلَدا عَظِيمَة المناكر وَأخذت أعدد مناكرها وَصَارَ هَذَا السَّيِّد ينهاهم عَن ذَلِك فهدى الله على يَده من هدى وشنئه من أَبى فَقَامَ القَاضِي وَركب إِلَى دَار السُّلْطَان ثمَّ رَجَعَ إِلَى منزله فَبَاتَ وَمن الْغدر ركب إِلَى دَار السُّلْطَان أَيْضا وَمَعَهُ الشَّيْخ الغزواني فَلَمَّا اطْمَأَن بهم مجْلِس السُّلْطَان وَكَانَ فِيهِ صَاحب تازا وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن الشَّيْخ أَخُو السُّلْطَان الْمَذْكُور سكت الْجَمِيع وَتكلم كَاتب السُّلْطَان وَإِمَام صلَاته قَالَ صَاحب الْمرْآة وَلم يسم لنا فَقَالَ للشَّيْخ مَا هَذَا الَّذِي يذكر عَنْك فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَنْت لَا تَتَكَلَّم حَتَّى تَغْتَسِل من جنابتك فاستشاط الْكَاتِب غَضبا فَقَالَ لَهُ أَخُو السُّلْطَان هَؤُلَاءِ الْقَوْم يعنون الْجَنَابَة غير مَا تعنيه الْعَامَّة يُشِير إِلَى مَا فِي الحكم فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان وَمن أَيْن تعرف هَذَا فَقَالَ لَهُ من سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن يَجِيش ففرح السُّلْطَان بِمَعْرِِفَة أَخِيه ذَلِك وَقَالَ للشَّيْخ نَحن نُرِيد قربك وَأَن تكون مَعنا فِي هَذِه الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ على بركَة الله فانتقل إِلَى فاس الْقَدِيم وَبنى خَارج بَاب القليعة دَاخل بَاب الْفتُوح وَأقَام هُنَالك مَا شَاءَ الله قيل سبع سِنِين إِلَى أَن كَانَت سنة تعذر فِيهَا الْمَطَر وَأخذ النَّاس فِي اسْتِخْرَاج السواقي للحرث فَأخْرج الشَّيْخ من وَادي اللَّبن ساقية لم يكن

стр. 842

فِي سواقي السُّلْطَان وَغَيره مثلهَا فَبعث إِلَيْهِ أَخُوهُ السُّلْطَان وَهُوَ النَّاصِر الملقب بالكديد بِالْكَاف المعقودة وَالدَّال الْمُشَدّدَة على لُغَة الْعَامَّة وَقَالَ لَهُ نَحن أَحَق بِتِلْكَ الساقية فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ خُذْهَا وَأخذ فِي الرحيل إِلَى مراكش وَلما توجه تلقاءها أَخذ خنيفه فِي يَده وَجعل يُشِير بِهِ من جِهَة فاس إِلَى جِهَة مراكش وَيَقُول أيا يَا سلطنة إِلَى مراكش قَالَ صَاحب الْمرْآة هَذَا حَدِيث شَيخنَا أبي عبد الله النيجي قَالَ وآخنيف مَعْرُوف وَهُوَ نوع من البرانس السود وَمعنى أيا بلغَة عَامَّة الْمغرب سيري معي وَمَوْضِع بني فزنكار أَظُنهُ تاصروت فَإِن بهَا رسما مَنْسُوبا إِلَيْهِ إِلَى الْآن وَأَنه منزله الَّذِي كَانَ يأوي إِلَيْهِ وَمَا زَالَت آثاره هُنَالك وَالدَّار الَّتِي بنى بِبَاب القليعة هِيَ المتصيرة إِلَى تِلْمِيذه الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الْهَرَوِيّ الْمَعْرُوف بالطالب وَلَعَلَّ سنة إِخْرَاج السواقي هِيَ سنة سِتّ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة فَإِنَّهُ قد تعذر فِيهَا الْمَطَر وَحدث الغلاء الْكَبِير المؤرخ بِسنة سبع وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى انْتِقَال السلطنة عَن بني وطاس مُلُوك فاس إِلَى الشرفاء السعديين مُلُوك مراكش يَوْمئِذٍ وَالله أعلم نهوض السُّلْطَان أبي عبد الله البرتغالي إِلَى مراكش ومحاصرته أَبَا الْعَبَّاس الْأَعْرَج السَّعْدِيّ بهَا قد تقدم لنا أَن ظُهُور الدولة السعدية بِبِلَاد السوس كَانَ فِي سنة خمس عشرَة وَتِسْعمِائَة وَمَا زَالَ أَمرهم فِي الزِّيَادَة إِلَى أَن كَانَت دولة أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج مِنْهُم فاستفحل أمره وَبعد صيته وفتك بنصارى السوس فكاتبه أُمَرَاء هنتاتة أَصْحَاب مراكش ودخلوا فِي طَاعَته فانتقل إِلَيْهَا وملكها فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَلما اتَّصل خَبره بالسلطان أبي عبد الله وَهُوَ يَوْمئِذٍ بفاس قَامَت قِيَامَته وَأَقْبل فِي جموع عديدة وَمَعَهُ وزيره ابْن عَمه المسعود بن النَّاصِر كَذَا فِي النزهة وَالَّذِي عِنْد غَيره أَن الْوَزير الَّذِي جَاءَ مَعَه هُوَ النَّاصِر

стр. 843

أَخُو السُّلْطَان الْمَذْكُور وَلما رأى أَبُو الْعَبَّاس السَّعْدِيّ مَا لَا قبل لَهُ بِهِ تحصن بمراكش وشحن أسوارها بالرماة فَتقدم السُّلْطَان أَبُو عبد الله وَنصب الأنفاض على مراكش ودام الْحصار عَلَيْهَا أَيَّامًا فيحكى أَنه قيل للشَّيْخ أبي مُحَمَّد الغزواني وَكَانَ قد استوطن مراكش يَوْمئِذٍ أَن أهل مراكش سئموا الْحصار فَركب الشَّيْخ فِي جمَاعَة من أَصْحَابه وَخرج من بَاب فاس الْمَعْرُوف الْيَوْم بِبَاب الْخَمِيس فَوجدَ رُمَاة السُّلْطَان أبي عبد الله يرْمونَ من علا الأسوار من أهل الْبَلَد فَوقف الشَّيْخ ينظر فَجَاءَت رصاصة ضربت صَدره وخرقت الْجُبَّة الَّتِي عَلَيْهِ والتصقت بِلَحْمِهِ كَأَنَّهَا وَقعت فِي صَخْرَة صماء فَقبض عَلَيْهَا بِيَدِهِ وَقَالَ هَذِه خَاتِمَة حربهم ثمَّ رَجَعَ إِلَى منزله فوردت الأنباء على السُّلْطَان أبي عبد الله فِي تِلْكَ اللَّيْلَة بِأَن بني عَمه قد قَامُوا عَلَيْهِ بفاس ونبذوا دَعوته فَأصْبح من الْغَد راحلا إِلَى فاس وَظهر مصداق مَا قَالَ الشَّيْخ الغزواني وَلم يعد لبني وطاس وُصُول بعْدهَا إِلَى مراكش وَلَا إِلَى أَعمالهَا وَالله تَعَالَى أعلم ذكر وزراء السُّلْطَان أبي عبد الله وَمَا قيل فيهم كَانَ من جملَة وزرائه ابْن عَمه المسعود بن النَّاصِر وَهُوَ الَّذِي زحف مَعَه إِلَى مراكش على مَا فِي النزهة وَكَانَ من جملَة وزرائه القائمين بأَمْره أَخُوهُ النَّاصِر بن مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَعْرُوف عِنْد عَامَّة فاس بِأبي علاقَة وبالكديد على مَا مر قَالَ فِي الجذوة لقب بذلك لِكَثْرَة سفكه الدِّمَاء وإقدامه عَلَيْهِ فَكَانَ يقتل النَّاس ويجزرهم كثيرا وَكَذَا بمكناسة أَيَّام وزارته بهَا كَذَا حدث غير وَاحِد مِمَّن أدْركهُ وَرَآهُ وَتُوفِّي الْوَزير الْمَذْكُور سنة ثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَفَاة السُّلْطَان أبي عبد الله ﵀ كَانَت وَفَاة السُّلْطَان أبي عبد الله البرتغالي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة على مَا فِي الجذوة وَيُؤْخَذ من النزهة أَنَّهَا كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ بعْدهَا وَالله أعلم وَولي الْأَمر من بعده أَخُوهُ أَبُو حسون بِولَايَة عَهده إِلَيْهِ

стр. 844

الْخَبَر عَن الدولة الأولى للسُّلْطَان أبي حسون بن مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الشَّيْخ ابْن أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن زيار الوطاسي وَيعرف بِأبي حسون البادسي قَالَ فِي النزهة بُويِعَ بفاس سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ قبض عَلَيْهِ ولد أَخِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد البرتغال وخلعه وَأشْهد عَلَيْهِ بِالْخلْعِ آخر ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة انْتهى الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الوطاسي رَحمَه الله تَعَالَى هُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي عبد الله مُحَمَّد البرتغالي ابْن أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ ابْن أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن زيان الوطاسي بُويِعَ يَوْم خلع عَمه أبي حسون آخر ذِي الْحجَّة من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة قَالَ ابْن القَاضِي وَقد رَأَيْت الْبيعَة الَّتِي كتبت لَهُ بِخَط الإِمَام أبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد ابْن أَحْمد الوانشريسي من إنشائه وَعَلَيْهَا خطوط جمَاعَة من فُقَهَاء فاس كَأبي الْعَبَّاس الحباك والفقيه أبي الْعَبَّاس أَحْمد الماواسي وَغَيرهمَا اه قَالَ أَبُو عبد الله اليفرني فِي النزهة وَانْظُر مَا وَجه كتب الْبيعَة لِأَحْمَد مَعَ أَن خلع أبي حسون لم يكن لموجب والوانشريسي من أهل الْوَرع وَقَالَ وَلَعَلَّه لأمر لم يظْهر لنا وَالله أعلم اه وَقَالَ ابْن عَسْكَر فِي الدوحة لما توفّي السُّلْطَان أَبُو عبد الله البرتغالي ودالت الدولة لوَلَده السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد وغص بالشرفاء القائمين عَلَيْهِ بِبِلَاد السوس وزوحم بهم عقد الْهُدْنَة مَعَ النَّصَارَى المحاورين لَهُ بِبِلَاد الهبط وصاحبهم سُلْطَان البرتغال فَبلغ ذَلِك الشَّيْخ أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن يحيى البهلولي وَكَانَ لَهُ رَغْبَة فِي الْجِهَاد وَمِمَّنْ لَهُ وصلَة بالسلطان أبي عبد الله فَكَانَ إِذا جَاءَهُ زَائِرًا حضه على الْغَزْو

стр. 845

فيساعده على مَا أَرَادَ من ذَلِك فَلَمَّا بلغ الشَّيْخ الْمَذْكُور مَا عقده السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس من الصُّلْح آلى على نَفسه أَن لَا يلقى السُّلْطَان الْمَذْكُور وَلَا يمشي إِلَيْهِ وَلَا يقبل مِنْهُ مَا كَانَ عينه لَهُ وَالِده من جِزْيَة أهل الذِّمَّة بفاس لقُوته وقوت عِيَاله فَمَكثَ على ذَلِك إِلَى أَن حَضرته الْوَفَاة وَكَانَ فِي النزع وَأَصْحَابه دائرون بِهِ فَقَالَ لَهُ بَعضهم يَا سَيِّدي أخْبرك أَن السُّلْطَان أَمر بالغزو وَأمر بالنداء بِهِ وحض النَّاس عَلَيْهِ والمسلمون فِي شَره لذَلِك وَفَرح فَفتح الشَّيْخ عَيْنَيْهِ وتهلل وَجهه فَرحا وَحمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ فَفَاضَتْ نَفسه وَهُوَ مسرور بذلك اه وقْعَة آنماي بَين الوطاسيين والسعديين قد تقدم لنا فِي خبر السُّلْطَان أبي عبد الله أَنه لما حاصر مراكش وأصابت الرصاصة الشَّيْخ الغزواني قَالَ هَذِه خَاتِمَة حربهم وَلم يعد لبني وطاس وُصُول إِلَى مراكش وَلَا إِلَى أحوازها قَالَ فِي النزهة فَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس الْأَعْرَج يتلاقى مَعَ أبي الْعَبَّاس الوطاسي بتادلا وأحوازها قَالَ وَكَانَت بَينهمَا معركة بِموضع يُقَال لَهُ آنماي وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة فَافْتَرقَا على اصْطِلَاح اه وآنماي مَوضِع قرب مراكش بِهِ زَاوِيَة الشَّيْخ أبي الْعَزْم رحال الكوش
следующие страницы →