← История

История · id 6627

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وَلم يكن صحب الشَّيْخ قبل ذَلِك فَلَمَّا دخل الشَّيْخ حَضْرَة فاس لقِيه أَبُو الْبَقَاء الْمَذْكُور فَسلم عَلَيْهِ فَشد الشَّيْخ يَده على يَده فَلم يرسلها حَتَّى عاهده على الرُّجُوع فَلَمَّا انْفَصل عَنهُ اشْترى خبْزًا وَعِنَبًا وَحمل ذَلِك إِلَى الشَّيْخ وَأَصْحَابه فَوَجَدَهُمْ عِنْد القَاضِي أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله اليفرني المكناسي وَهُوَ مؤلف الْمجَالِس المكناسية فَوَجَدَهُمْ فِي الْمَسْجِد الْقَرِيب من دَار القَاضِي الْمَذْكُور بدرب السُّعُود فناولهم مَا مَعَه وَوجد الشَّيْخ موكلا بِهِ وَأَصْحَابه يدْخلُونَ وَيخرجُونَ ثمَّ دخل القَاضِي على الشَّيْخ بِالْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا الَّذِي يذكر عَنْك قَالَ أَبُو الْبَقَاء فتكلمت أَنا وَقلت إِن هَذَا الرجل قد نزل بَلَدا عَظِيمَة المناكر وَأخذت أعدد مناكرها وَصَارَ هَذَا السَّيِّد ينهاهم عَن ذَلِك فهدى الله على يَده من هدى وشنئه من أَبى فَقَامَ القَاضِي وَركب إِلَى دَار السُّلْطَان ثمَّ رَجَعَ إِلَى منزله فَبَاتَ وَمن الْغدر ركب إِلَى دَار السُّلْطَان أَيْضا وَمَعَهُ الشَّيْخ الغزواني فَلَمَّا اطْمَأَن بهم مجْلِس السُّلْطَان وَكَانَ فِيهِ صَاحب تازا وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن الشَّيْخ أَخُو السُّلْطَان الْمَذْكُور سكت الْجَمِيع وَتكلم كَاتب السُّلْطَان وَإِمَام صلَاته قَالَ صَاحب الْمرْآة وَلم يسم لنا فَقَالَ للشَّيْخ مَا هَذَا الَّذِي يذكر عَنْك فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَنْت لَا تَتَكَلَّم حَتَّى تَغْتَسِل من جنابتك فاستشاط الْكَاتِب غَضبا فَقَالَ لَهُ أَخُو السُّلْطَان هَؤُلَاءِ الْقَوْم يعنون الْجَنَابَة غير مَا تعنيه الْعَامَّة يُشِير إِلَى مَا فِي الحكم فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان وَمن أَيْن تعرف هَذَا فَقَالَ لَهُ من سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن يَجِيش ففرح السُّلْطَان بِمَعْرِِفَة أَخِيه ذَلِك وَقَالَ للشَّيْخ نَحن نُرِيد قربك وَأَن تكون مَعنا فِي هَذِه الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ على بركَة الله فانتقل إِلَى فاس الْقَدِيم وَبنى خَارج بَاب القليعة دَاخل بَاب الْفتُوح وَأقَام هُنَالك مَا شَاءَ الله قيل سبع سِنِين إِلَى أَن كَانَت سنة تعذر فِيهَا الْمَطَر وَأخذ النَّاس فِي اسْتِخْرَاج السواقي للحرث فَأخْرج الشَّيْخ من وَادي اللَّبن ساقية لم يكن

стр. 842

فِي سواقي السُّلْطَان وَغَيره مثلهَا فَبعث إِلَيْهِ أَخُوهُ السُّلْطَان وَهُوَ النَّاصِر الملقب بالكديد بِالْكَاف المعقودة وَالدَّال الْمُشَدّدَة على لُغَة الْعَامَّة وَقَالَ لَهُ نَحن أَحَق بِتِلْكَ الساقية فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ خُذْهَا وَأخذ فِي الرحيل إِلَى مراكش وَلما توجه تلقاءها أَخذ خنيفه فِي يَده وَجعل يُشِير بِهِ من جِهَة فاس إِلَى جِهَة مراكش وَيَقُول أيا يَا سلطنة إِلَى مراكش قَالَ صَاحب الْمرْآة هَذَا حَدِيث شَيخنَا أبي عبد الله النيجي قَالَ وآخنيف مَعْرُوف وَهُوَ نوع من البرانس السود وَمعنى أيا بلغَة عَامَّة الْمغرب سيري معي وَمَوْضِع بني فزنكار أَظُنهُ تاصروت فَإِن بهَا رسما مَنْسُوبا إِلَيْهِ إِلَى الْآن وَأَنه منزله الَّذِي كَانَ يأوي إِلَيْهِ وَمَا زَالَت آثاره هُنَالك وَالدَّار الَّتِي بنى بِبَاب القليعة هِيَ المتصيرة إِلَى تِلْمِيذه الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الْهَرَوِيّ الْمَعْرُوف بالطالب وَلَعَلَّ سنة إِخْرَاج السواقي هِيَ سنة سِتّ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة فَإِنَّهُ قد تعذر فِيهَا الْمَطَر وَحدث الغلاء الْكَبِير المؤرخ بِسنة سبع وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى انْتِقَال السلطنة عَن بني وطاس مُلُوك فاس إِلَى الشرفاء السعديين مُلُوك مراكش يَوْمئِذٍ وَالله أعلم نهوض السُّلْطَان أبي عبد الله البرتغالي إِلَى مراكش ومحاصرته أَبَا الْعَبَّاس الْأَعْرَج السَّعْدِيّ بهَا قد تقدم لنا أَن ظُهُور الدولة السعدية بِبِلَاد السوس كَانَ فِي سنة خمس عشرَة وَتِسْعمِائَة وَمَا زَالَ أَمرهم فِي الزِّيَادَة إِلَى أَن كَانَت دولة أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج مِنْهُم فاستفحل أمره وَبعد صيته وفتك بنصارى السوس فكاتبه أُمَرَاء هنتاتة أَصْحَاب مراكش ودخلوا فِي طَاعَته فانتقل إِلَيْهَا وملكها فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَلما اتَّصل خَبره بالسلطان أبي عبد الله وَهُوَ يَوْمئِذٍ بفاس قَامَت قِيَامَته وَأَقْبل فِي جموع عديدة وَمَعَهُ وزيره ابْن عَمه المسعود بن النَّاصِر كَذَا فِي النزهة وَالَّذِي عِنْد غَيره أَن الْوَزير الَّذِي جَاءَ مَعَه هُوَ النَّاصِر

стр. 843

أَخُو السُّلْطَان الْمَذْكُور وَلما رأى أَبُو الْعَبَّاس السَّعْدِيّ مَا لَا قبل لَهُ بِهِ تحصن بمراكش وشحن أسوارها بالرماة فَتقدم السُّلْطَان أَبُو عبد الله وَنصب الأنفاض على مراكش ودام الْحصار عَلَيْهَا أَيَّامًا فيحكى أَنه قيل للشَّيْخ أبي مُحَمَّد الغزواني وَكَانَ قد استوطن مراكش يَوْمئِذٍ أَن أهل مراكش سئموا الْحصار فَركب الشَّيْخ فِي جمَاعَة من أَصْحَابه وَخرج من بَاب فاس الْمَعْرُوف الْيَوْم بِبَاب الْخَمِيس فَوجدَ رُمَاة السُّلْطَان أبي عبد الله يرْمونَ من علا الأسوار من أهل الْبَلَد فَوقف الشَّيْخ ينظر فَجَاءَت رصاصة ضربت صَدره وخرقت الْجُبَّة الَّتِي عَلَيْهِ والتصقت بِلَحْمِهِ كَأَنَّهَا وَقعت فِي صَخْرَة صماء فَقبض عَلَيْهَا بِيَدِهِ وَقَالَ هَذِه خَاتِمَة حربهم ثمَّ رَجَعَ إِلَى منزله فوردت الأنباء على السُّلْطَان أبي عبد الله فِي تِلْكَ اللَّيْلَة بِأَن بني عَمه قد قَامُوا عَلَيْهِ بفاس ونبذوا دَعوته فَأصْبح من الْغَد راحلا إِلَى فاس وَظهر مصداق مَا قَالَ الشَّيْخ الغزواني وَلم يعد لبني وطاس وُصُول بعْدهَا إِلَى مراكش وَلَا إِلَى أَعمالهَا وَالله تَعَالَى أعلم ذكر وزراء السُّلْطَان أبي عبد الله وَمَا قيل فيهم كَانَ من جملَة وزرائه ابْن عَمه المسعود بن النَّاصِر وَهُوَ الَّذِي زحف مَعَه إِلَى مراكش على مَا فِي النزهة وَكَانَ من جملَة وزرائه القائمين بأَمْره أَخُوهُ النَّاصِر بن مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَعْرُوف عِنْد عَامَّة فاس بِأبي علاقَة وبالكديد على مَا مر قَالَ فِي الجذوة لقب بذلك لِكَثْرَة سفكه الدِّمَاء وإقدامه عَلَيْهِ فَكَانَ يقتل النَّاس ويجزرهم كثيرا وَكَذَا بمكناسة أَيَّام وزارته بهَا كَذَا حدث غير وَاحِد مِمَّن أدْركهُ وَرَآهُ وَتُوفِّي الْوَزير الْمَذْكُور سنة ثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَفَاة السُّلْطَان أبي عبد الله ﵀ كَانَت وَفَاة السُّلْطَان أبي عبد الله البرتغالي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة على مَا فِي الجذوة وَيُؤْخَذ من النزهة أَنَّهَا كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ بعْدهَا وَالله أعلم وَولي الْأَمر من بعده أَخُوهُ أَبُو حسون بِولَايَة عَهده إِلَيْهِ

стр. 844

الْخَبَر عَن الدولة الأولى للسُّلْطَان أبي حسون بن مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الشَّيْخ ابْن أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن زيار الوطاسي وَيعرف بِأبي حسون البادسي قَالَ فِي النزهة بُويِعَ بفاس سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ قبض عَلَيْهِ ولد أَخِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد البرتغال وخلعه وَأشْهد عَلَيْهِ بِالْخلْعِ آخر ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة انْتهى الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الوطاسي رَحمَه الله تَعَالَى هُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي عبد الله مُحَمَّد البرتغالي ابْن أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ ابْن أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن زيان الوطاسي بُويِعَ يَوْم خلع عَمه أبي حسون آخر ذِي الْحجَّة من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة قَالَ ابْن القَاضِي وَقد رَأَيْت الْبيعَة الَّتِي كتبت لَهُ بِخَط الإِمَام أبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد ابْن أَحْمد الوانشريسي من إنشائه وَعَلَيْهَا خطوط جمَاعَة من فُقَهَاء فاس كَأبي الْعَبَّاس الحباك والفقيه أبي الْعَبَّاس أَحْمد الماواسي وَغَيرهمَا اه قَالَ أَبُو عبد الله اليفرني فِي النزهة وَانْظُر مَا وَجه كتب الْبيعَة لِأَحْمَد مَعَ أَن خلع أبي حسون لم يكن لموجب والوانشريسي من أهل الْوَرع وَقَالَ وَلَعَلَّه لأمر لم يظْهر لنا وَالله أعلم اه وَقَالَ ابْن عَسْكَر فِي الدوحة لما توفّي السُّلْطَان أَبُو عبد الله البرتغالي ودالت الدولة لوَلَده السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد وغص بالشرفاء القائمين عَلَيْهِ بِبِلَاد السوس وزوحم بهم عقد الْهُدْنَة مَعَ النَّصَارَى المحاورين لَهُ بِبِلَاد الهبط وصاحبهم سُلْطَان البرتغال فَبلغ ذَلِك الشَّيْخ أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن يحيى البهلولي وَكَانَ لَهُ رَغْبَة فِي الْجِهَاد وَمِمَّنْ لَهُ وصلَة بالسلطان أبي عبد الله فَكَانَ إِذا جَاءَهُ زَائِرًا حضه على الْغَزْو

стр. 845

فيساعده على مَا أَرَادَ من ذَلِك فَلَمَّا بلغ الشَّيْخ الْمَذْكُور مَا عقده السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس من الصُّلْح آلى على نَفسه أَن لَا يلقى السُّلْطَان الْمَذْكُور وَلَا يمشي إِلَيْهِ وَلَا يقبل مِنْهُ مَا كَانَ عينه لَهُ وَالِده من جِزْيَة أهل الذِّمَّة بفاس لقُوته وقوت عِيَاله فَمَكثَ على ذَلِك إِلَى أَن حَضرته الْوَفَاة وَكَانَ فِي النزع وَأَصْحَابه دائرون بِهِ فَقَالَ لَهُ بَعضهم يَا سَيِّدي أخْبرك أَن السُّلْطَان أَمر بالغزو وَأمر بالنداء بِهِ وحض النَّاس عَلَيْهِ والمسلمون فِي شَره لذَلِك وَفَرح فَفتح الشَّيْخ عَيْنَيْهِ وتهلل وَجهه فَرحا وَحمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ فَفَاضَتْ نَفسه وَهُوَ مسرور بذلك اه وقْعَة آنماي بَين الوطاسيين والسعديين قد تقدم لنا فِي خبر السُّلْطَان أبي عبد الله أَنه لما حاصر مراكش وأصابت الرصاصة الشَّيْخ الغزواني قَالَ هَذِه خَاتِمَة حربهم وَلم يعد لبني وطاس وُصُول إِلَى مراكش وَلَا إِلَى أحوازها قَالَ فِي النزهة فَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس الْأَعْرَج يتلاقى مَعَ أبي الْعَبَّاس الوطاسي بتادلا وأحوازها قَالَ وَكَانَت بَينهمَا معركة بِموضع يُقَال لَهُ آنماي وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة فَافْتَرقَا على اصْطِلَاح اه وآنماي مَوضِع قرب مراكش بِهِ زَاوِيَة الشَّيْخ أبي الْعَزْم رحال الكوش

стр. 846

عقد الصُّلْح بَين السلطانين أبي الْعَبَّاس الوطاسي وَأبي الْعَبَّاس السَّعْدِيّ رحمهمَا الله تَعَالَى لما رأى أهل الْمغرب مَا وَقع بَين السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد الوطاسي صَاحب فاس وَأبي الْعَبَّاس أَحْمد السَّعْدِيّ الْمَعْرُوف بالأعرج صَاحب مراكش من التقاتل على الْملك والتهالك عَلَيْهِ وفناء الْخلق بَينهم دخلُوا فِي الصُّلْح بَينهم والتراضي على قسْمَة الْبِلَاد وَحضر لذَلِك جمَاعَة من الْعلمَاء والصلحاء مِنْهُم أَبُو حَفْص عمر الْخطاب دَفِين جبل زرهون وَأَبُو الرواين المحجوب دَفِين مكناسة الزَّيْتُون وَكَانَ صَاحب حَال وجذب فَجعل النَّاس يوصونه بِالسُّكُوتِ مَخَافَة أَن يفْسد عَلَيْهِم أَمرهم فَلَمَّا دخلُوا على أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج وأخيه وزيره مُحَمَّد الشَّيْخ وَتَكَلَّمُوا فِيهِ جَاءُوا لأَجله وجدوا فيهمَا شدَّة وغلظة وامتناعا من مساعدتهم على مَا أَرَادوا فَحلف أَبُو حَفْص الْخطاب لَا دخلوها يَعْنِي فاسا مَا دمت على وَجه الأَرْض فَمَا دخلوها حَتَّى مَاتَ بعد مُدَّة فَكَانَ بَعضهم يَقُول لَو كَانَ بَنو وطاس يعْرفُونَ شَيْئا مَا دفنُوا أَبَا حَفْص الْخطاب يَعْنِي لتركوه فِي تَابُوت على وَجه الأَرْض لِأَنَّهُ حلف لَا دخلوها مَا دَامَ على وَجه الأَرْض حَكَاهُ صَاحب ممتع الأسماع وَذكر فِي شرح زهرَة الشماريخ أَن الصُّلْح انبرم بَين الطَّائِفَتَيْنِ على أَن للأشراف من تادلا إِلَى السوس ولبني وطاس من تادلا إِلَى الْمغرب الْأَوْسَط وَإِن مِمَّن حضر الصُّلْح الْمَذْكُور قَاضِي الْجَمَاعَة بفاس أَبَا الْحسن عَليّ بن هَارُون المطغري بِالطَّاءِ الْمُهْملَة مطغرة تلمسان وَالْإِمَام الشهير أَبَا مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الوانشريسي وَغَيرهمَا من مَشَايِخ فاس وَيذكر أَنه لما تواطأت كلمة الْحَاضِرين على الصُّلْح وعقدوا شُرُوطه وهدأت الْأَصْوَات وَسكن اللجاج أَتَى بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس ليكتب الصُّلْح فَمَا وضعت الدواة بَين يَدي أحد الْفُقَهَاء الْحَاضِرين إِلَّا وجم وانقبض وَدفعهَا عَن نَفسه استحياء فِي ذَلِك المحفل أَن يكْتب مَا لَا يُنَاسب الْجِهَتَيْنِ فَقَامَ قَاضِي الْجَمَاعَة الْمَذْكُور وَأخذ الدواة وأساودها ووضعها بَين يَدي أبي مَالك

стр. 847

الْمَذْكُور فَأَنْشَأَ أَبُو مَالك فِي الْحِين خطْبَة بليغة ونسج الصُّلْح على منوال عَجِيب واخترع أسلوبا غَرِيبا تحير فِيهِ الْحَاضِرُونَ وعجبوا من ثبات جأشه وجموم قريحته فِي مثل ذَلِك المشهد الْعَظِيم الَّذِي تخرس فِيهِ ألسن الفصحاء هَيْبَة وإكبارا فَقَامَ قَاضِي الْجَمَاعَة وَقَبله بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ جَزَاك الله عَن الْمُسلمين خيرا وَمَا هِيَ بِأول بركتكم يَا آل أبي بكر وَكَانَ ذَلِك كُله فِي حُدُود أَرْبَعِينَ وَتِسْعمِائَة اه غَزْوَة الْحمر قرب آصيلا حرسها الله ذكر صَاحب الدوحة فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بن عُثْمَان الشاوي ﵀ أَنه اسْتشْهد فِي وقْعَة الْحمر الَّتِي كَانَت فِي حُدُود أَرْبَعِينَ وَتِسْعمِائَة بَين النَّصَارَى والقائد عبد الْوَاحِد بن طَلْحَة العروسي على مقربة من آصيلا قَالَ حَدثنِي غير وَاحِد مِمَّن يوثق بِهِ مِمَّن حضر الْوَقْعَة وَبَعْضهمْ يصدق بَعْضًا قَالُوا لما انهزم النَّاس اسْتقْبل الشَّيْخ أَبُو الْحسن النَّصَارَى وسيفه فِي يَده وَهُوَ يَتْلُو بردة البوصيري فَكَانَ ذَلِك آخر الْعَهْد بِهِ وَلما رَجَعَ النَّاس من الْغَد ليحملوا قتلاهم لم يُوقف لَهُ على عين وَلَا أثر وَإِنَّمَا وجد غنباز من لِبَاسه عِنْد النَّصَارَى وَفِيه أثر طعنة فِي صَدره اه كَلَام الدوحة وَفِي الْمرْآة أَن الشَّيْخ الْمَذْكُور مَاتَ فِي حَيَاة شَيْخه الغزواني شَهِيدا فِي الْجِهَاد سنة خمس وَعشْرين وَتِسْعمِائَة اه وَلَعَلَّه الصَّوَاب والعروسي الْمَذْكُور هُوَ من أُمَرَاء بني عبد الحميد العروسيين أَصْحَاب قصر كتامة وَكَانَت لَهُم رياسة وسياسة وَجِهَاد فِي الْعَدو إِلَى أَن انقرض أَمرهم أَعْوَام الْخمسين وَتِسْعمِائَة قَالَ فِي الدوحة أخبر غير وَاحِد من فُقَهَاء قصر كتامة أَن الشَّيْخ أَبَا الرواين جَاءَ إِلَى الْقصر وَصَاحبه يَوْمئِذٍ الْقَائِد عبد الْوَاحِد العروسي فِي عصبَة من أَقَاربه أَوْلَاد عبد الحميد فَصَعدَ أَبُو الرواين صومعة الْمَسْجِد ثمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوته يَا بني عبد الحميد اشْتَروا مني الْقصر وَإِلَّا خَرجْتُمْ مِنْهُ

стр. 848

فِي هَذِه السّنة فَسمع الْقَائِد عبد الْوَاحِد ذَلِك فَقَالَ إِن كَانَ الْقصر لَهُ أَو بِيَدِهِ فلينزعه منا مَا بَقِي لنا إِلَّا كَلَام الحمقى نلتفت إِلَيْهِ وَمن الْغَد خرج الشَّيْخ أَبُو الرواين من الْبَلَد وَهُوَ يَقُول الْقَائِد عبد الْوَاحِد وَأَهله يخرجُون من الْقصر وَلَا يعودون إِلَيْهِ أبدا فَكَانَ كَذَلِك بقدرة الله تَعَالَى وقْعَة أبي عقبَة بوادي العبيد وَمَا كَانَ فِيهَا بَين الوطاسيين والسعديين من الْقِتَال الشَّديد هَذِه الْوَقْعَة من أعظم الوقعات الَّتِي كَانَت تكون بَين الوطاسيين والسعديين وَمَا زَالَت الْعَامَّة تَتَحَدَّث بهَا فِي أنديتها إِلَى الْآن ويبالغون فِي وصفهَا وَالْأَخْبَار عَنْهَا وَقد ذكرهَا شعراؤهم فِي أزجالهم الملحونة وَهِي مَحْفُوظَة فِيمَا بَينهم وَذَلِكَ أَنه لما طمى عباب السعديين على بِلَاد الْحَوْز وكادوا يلجون على الوطاسيين دَار ملكهم من فاس نَهَضَ إِلَيْهِم السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الوطاسي أَوَاخِر سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة يجر الشوك والمدر فِي جمع كثيف من الْجند وقبائل الْعَرَب فِي حللها وظعنها وَجَاء أَبُو الْعَبَّاس السَّعْدِيّ فِي قبائل الْحَوْز بحللها وظعنها كَذَلِك فَكَانَ اللِّقَاء بمشروع أبي عقبَة أحد مشارع وَادي العبيد من تادلا فنشبت الْحَرْب وتقاتل النَّاس وبرز أهل الحفائظ مِنْهُم والتراث وَقَاتل النَّاس على حرمهم وأحسابهم وعزهم فأفنى بَعضهم بَعْضًا إِلَّا قَلِيلا ودامت الْحَرْب أَيَّامًا على مَا قيل إِلَى أَن كَانَت الْهَزِيمَة على الوطاسيين عَشِيَّة يَوْم الْجُمُعَة ثامن صفر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة قَالَ فِي الجذوة فَرجع السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الوطاسي إِلَى فاس وَبقيت محلته وقصبة تادلا بَين الشريف السعيد قَالَ وَتسَمى هَذِه السّنة سنة أبي عقبَة وَقَالَ فِي الْمرْآة وَمِمَّا اشْتهر من كرامات الشَّيْخ أبي طَلْحَة مُحَمَّد المصباحي الشاوي الزناتي أَنه لما التقى مقاتلة فاس وسلطانهم أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الوطاسي ومقاتلة مراكش وسلطانهم أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْأَعْرَج وَمَعَهُ

стр. 849

أَخُوهُ الْمُتَوَلِي بعده أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة على مشرع أبي عقبَة من وَادي العبيد انهزم السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الوطاسي وَتَفَرَّقَتْ جموعه وتبعته الْخَيل فكادوا يقبضون عَلَيْهِ فَحَضَرَ هُنَالك رجل على فرس أُنْثَى فَجعل يحول بَينه وَبينهمْ وَيَقُول لَهُ سر يَا أَحْمد وَلَا تخف وَلم يزل مَعَه إِلَى أَن رجعُوا عَنهُ وَأمن الطّلب وَقد عرف السُّلْطَان صفته وتحققها وَلم يزل يسْأَل عَن صَاحب تِلْكَ الصّفة حَتَّى قيل لَهُ هَذِه صفة أبي طَلْحَة المصباحي وَتحقّق ذَلِك وَلما كَانَ خُرُوج السُّلْطَان الْمَذْكُور الَّذِي وصل فِيهِ تطاوين وَتزَوج بهَا الْحرَّة بنت الْأَمِير السَّيِّد أبي الْحسن عَليّ بن مُوسَى ابْن رَاشد الشريف وَذَلِكَ فِي ربيع الأول سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وبتطاوين بنى بهَا وَقصد أَبَا طَلْحَة الْمَذْكُور وَنزل عَلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ عرفه وأيقن أَنه الرجل الَّذِي أغاثه فأكب عَلَيْهِ السُّلْطَان وَذكر مَا وَقع لَهُ مَعَه فَقَالَ الشَّيْخ يَا رب كَيفَ الْعَيْش مَعَ هَذِه الشُّهْرَة فاقبضني إِلَيْك فَمَاتَ عقب ذَلِك من سنته قَالَ فِي الْمرْآة سَمِعت هَذِه الْحِكَايَة من غير وَاحِد وَسَأَلت شَيخنَا أَبَا الْقَاسِم بن أبي طَلْحَة الْمَذْكُور فَقَالَ لي أَعقل مَجِيء السُّلْطَان وَأَنا صَغِير جدا أقعد فِي حجر أبي وَعند ركبته اه قلت والأمير أَبُو الْحسن بن رَاشد الْمَذْكُور هُوَ الَّذِي اختط مَدِينَة شفشاون كَمَا مر وَذكر فِي الْمرْآة أَن وَفَاته كَانَت سنة سبع عشرَة وَتِسْعمِائَة فَيكون السُّلْطَان الْمَذْكُور إِنَّمَا تزوج ابْنَته بعد وَفَاته وَلَعَلَّه خطبهَا من أَخِيهَا الْأَمِير أبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْحسن وَالله أعلم وَاعْلَم أَن مَا سلكناه هُنَا من تَقْدِيم قَضِيَّة الصُّلْح على وقْعَة أبي عقبَة هُوَ مَا يَقْتَضِيهِ التَّارِيخ الَّذِي صَرَّحُوا بِهِ وَسَيَأْتِي بعد هَذَا مَا رُبمَا يفهم مِنْهُ أَن الْأَمر بِالْعَكْسِ وَالْجَوَاب أَن قَضِيَّة الصُّلْح تَكَرَّرت حَسْبَمَا يُؤْخَذ مِمَّا مر وَالله أعلم وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا عقد السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الوطاسي مَعَ برتقال آسفي صلحا على ثَلَاث سِنِين وَدخل فِي هَذَا العقد آسفي والجديدة وآزمور وَكتب البرتغال بذلك إِلَى ملكهم وَوَقعت المحادة فِي الْبِلَاد وتفرغ الوطاسي لقِتَال السعديين

стр. 850

بِنَاء السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الوطاسي قنطرة الرصيف بفاس حرسها الله كَانَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الوطاسي قد جدد بِنَاء قنطرة الرصيف بِحَضْرَة فاس وَذَلِكَ منتصف سنة إِحْدَى وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَفِي ذَلِك يَقُول الْفَقِيه أَبُو مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الوانشريسي مُشِيرا إِلَى التَّارِيخ الْمَذْكُور (جسر الرصيف أَبُو الْعَبَّاس جدده ... فَخر السلاطين من أَبنَاء وطاس) (فجَاء فِي غَايَة الإتقان مرتفقا ... لمن يمر بِهِ من عدوتي فاس) (وَكَانَ تجديده فِي نصف عَام غنا ... من هِجْرَة الْمُصْطَفى الْمَبْعُوث للنَّاس) وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو مَالك أَيْضا (أيا أهل فاس سدد الله سدكم ... بِرَأْي أبي الْعَبَّاس حامي حمى فاس) (وأحيى بِهِ أشجاركم وثماركم ... على رغم قوم منكرين من النَّاس) (فدام ودام السعد يخْدم مجده ... وفاز من الشُّكْر الْجَمِيل بأجناس) وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى السراج (أَلا سدد الله رَأْي الَّذِي ... بتسديده سديدا حصينا) (وخلد فِي عزه ملكه ... وأولاه فتحا ونصرا مُبينًا) (إِمَام الْهدى أَحْمد المرتضى ... مبيد العدا عدَّة المسلمينا) وَقَالَ الإِمَام أَبُو الْحسن عَليّ بن هَارُون (لقد سدد الله رَأْي الْعِمَاد ... وأبطل فِي السد رَأْي الجهول) (وَقرب مَا رامه من بعاد ... بمولاي أَحْمد مدحي يطول) (فطردا وعكسا لساني يناد ... عقول الْمُلُوك مُلُوك الْعُقُول)

стр. 851

وقْعَة وَادي درنة بتادلا وَأسر الْأَمِير أبي زَكَرِيَّاء الوطاسي ومهلكه ﵀ ذكر فِي الْمرْآة عِنْد الْكَلَام على أبي عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف الفاسي وَهُوَ وَالِد الشَّيْخ أبي المحاسن ﵁ أَن أَبَا عبد الله الْمَذْكُور كَانَت لَهُ وجاهة كَبِيرَة عِنْد أَمِير الْقصر أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن أبي عبد الله البرتغالي وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَخُو السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الوطاسي قَالَ فَانْتَفع بوجاهة أبي عبد الله الفاسي خلق كثير وَلم يسامح هُوَ نَفسه فِي نيل شَيْء من الدُّنْيَا بِسَبَب ذَلِك الجاه إِلَى أَن أسر الْأَمِير أَبُو زَكَرِيَّاء الْمَذْكُور فِي وقْعَة وَادي درنة من تادلا للشرفاء على بني وطاس فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَمَات فِي تِلْكَ اللَّيَالِي الْقَرِيبَة غما وأسفا ﵀ قلت وَكَانَ سُلْطَان السعديين يَوْمئِذٍ مُحَمَّد الشَّيْخ الملقب بالمهدي فَإِنَّهُ تغلب على أَخِيه الْأَعْرَج وانتزع مِنْهُ الْملك وسجنه كَمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى اسْتِيلَاء السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ على فاس وَقَبضه على بني وطاس ومهلك سلطانهم أبي الْعَبَّاس رَحمَه الله تَعَالَى بفضله لما غلب السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ على أَخِيه أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج وَاسْتولى على مراكش طمحت نَفسه للتوغل فِي بِلَاد الغرب وقراه فتفرغ لِحَرْب بني وطاس ونكث مَا كَانَ بَينه وَبينهمْ من الصُّلْح ورموا مِنْهُ بِحجر الأَرْض وردد إِلَيْهِم الْبعُوث والسرايا وَأكْثر فيهم من شن الغارات وَصَارَ يستلبهم الْبِلَاد شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى أَن استولى عَلَيْهَا وَكَانَ أول مَا ملك من أَمْصَار الغرب مكناسة الزَّيْتُون افتتحها عقب سنة خمس وَخمسين وَتِسْعمِائَة بعد حِصَار ومقاتلة ثمَّ تقدم إِلَى فاس فألح عَلَيْهَا بِالْقِتَالِ وضايقها بالحصار مُدَّة قريبَة من السّنة ثمَّ استولى عَلَيْهَا بعد أَن أسر سلطانها أَبَا الْعَبَّاس الوطاسي وَصَارَ فِي قَبضته وَكَانَ دُخُوله إِيَّاهَا أَوَائِل سنة سِتّ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَلما

стр. 852

٤ - دَخلهَا تقبض على الوطاسيين أجمع وَبعث بهم مصفدين إِلَى مراكش عدا أَبَا حسون المخلوع فَإِنَّهُ فر إِلَى الجزائر إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ ثمَّ إِن الشَّيْخ السَّعْدِيّ غدر ببني وطاس فِيمَا قيل بعد أَن أظهر الْعَفو عَنْهُم وسرح سلطانهم أَبَا الْعَبَّاس من ثقافة وَالله أعلم وَفِي الجذوة كَانَت وَفَاة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الوطاسي بمراكش قرب سنة السِّتين وَتِسْعمِائَة اه وَزعم منويل أَنه قتل مذبوحا بدرعة قَالَ زحف أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ إِلَى فاس فبرز إِلَيْهِ أَبُو حسون الوطاسي وَكَانَ قَائِد جَيش ابْن أَخِيه وَوَقع بَينهمَا قتال عَظِيم انهزم فِيهِ أَبُو حسون إِلَى فاس وحاصره السَّعْدِيّ بهَا سنتَيْن وَلما قلت الأقوات وَعجز الوطاسيون عَن الدفاع نزلُوا على حكم السَّعْدِيّ فَقبض على أبي الْعَبَّاس الوطاسي وفر أَبُو حسون إِلَى الجزائر واستقل مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ بِأَمْر الْمغرب وَغرب الوطاسيين إِلَى درعة فَقتل أَبَا الْعَبَّاس الوطاسي الَّذِي كَانَ تلميذا لَهُ ذبحا اه كَلَامه بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الوطاسي وَسيرَته كَانَ من جملَة وزراء السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الْمَذْكُور ابْنه مُحَمَّد وَمن أخباره مَا ذكره فِي الدوحة فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ أبي عُثْمَان سعيد بن أبي بكر المشترائي دَفِين مكناسة الزَّيْتُون قَالَ من كراماته الشائعة مَا اتّفق لَهُ مَعَ الْوَزير أبي عبد الله مُحَمَّد بن السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد الوطاسي لما استوزره أَبوهُ وولاه على مكناسة فَكَانَ بهَا فَغَضب ذَات يَوْم على أحد المشاورية فهرب المشاوري إِلَى زَاوِيَة الشَّيْخ أبي عُثْمَان فَبعث الْوَزير إِلَى الشَّيْخ بِأَن عَلَيْهِ الْأمان ويبعثه إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ إِن شِئْت أَن تذْهب إِلَى سيدك فافعل فَقَالَ المشاوري يَا سَيِّدي أَخَاف أَن يقتلني فَقَالَ الشَّيْخ إِن قَتلك فَالله يقْتله فَذهب المشاوري إِلَى الْوَزير وَبَقِي عِنْده لَيْلَتَيْنِ وَفِي الثَّالِثَة قَتله وَلم يظْهر لَهُ فَجَاءَت أمه إِلَى الشَّيْخ وَقَالَت يَا سَيِّدي إِن وَلَدي قد

стр. 853

قَتله الْوَزير فَقَالَ لَهَا سبق ذَلِك فِي علم الله وَإِن الآخر سيلحقه الْآن يَعْنِي الْوَزير فوعك الْوَزير تِلْكَ اللَّيْلَة وسلط عَلَيْهِ آكال فِي جِسْمه فتمزق لَحْمه وتقطع شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى أَن هلك لليال قَلَائِل من مَرضه فَاعْتبر النَّاس وَالسُّلْطَان بذلك وَمن ذَلِك الْوَقْت زَاد الْأُمَرَاء وَغَيرهم فِي احترام حرم زَاوِيَة الشَّيْخ الْمَذْكُور اه وَكَانَ للسُّلْطَان أبي الْعَبَّاس اعْتِقَاد فِي المتصلحين وأرباب الْأَحْوَال فَمن فَوْقهم من أهل الْعلم وَالدّين من ذَلِك مَا حَكَاهُ فِي الدوحة أَيْضا فِي تَرْجَمَة أبي الْحسن عَليّ الصنهاجي الْمَعْرُوف بالدوار قَالَ كَانَ أَبُو الْحسن الْمَذْكُور من الملامتية وَكَانَ يدْخل دور الْمُلُوك من بني وطاس فيتلقاه النِّسَاء وَالصبيان يقبلُونَ يَدَيْهِ وقدميه فَلَا يلْتَفت إِلَى أحد ويعطونه الثِّيَاب الرفيعة والذخائر النفيسة ويلبسه السُّلْطَان يَعْنِي أَبَا الْعَبَّاس من أشرف لِبَاسه فَإِذا خرج تصدق بِجَمِيعِ ذَلِك ويمر على حوانيت الزياتين فيغمس أكمام الْحلَّة الَّتِي تكون عَلَيْهِ ويبرقعها بالزيت أَو بالسمن وَلَا يزَال يَدُور فِي الْأَمَاكِن ويصرخ باسم الْجَلالَة اه قَالُوا وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الْمَذْكُور وَاقِفًا عِنْد إِشَارَة الْفَقِيه أبي مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الوانشريسي وَهُوَ ابْن صَاحب المعيار لَا يتَعَدَّى أمره وَلَا يُخَالف رَأْيه كَمَا وَقع لَهُ فِي مَسْأَلَة رجل إسلامي يعرف بِعَبْد الرَّحْمَن المنجور وَكَانَ تَاجِرًا جَامعا لِلْمَالِ فَشهد عَلَيْهِ فِي حِكَايَة طَوِيلَة أَرْبَعُونَ رجلا من الْعُدُول باستغراق ذمَّته فَأَخذه السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الوطاسي وَقَتله وصير أملاكه لبيت مَال الْمُسلمين فَرغب أَوْلَاد المنجور من السُّلْطَان أَن يؤدوا لَهُ عشْرين ألف دِينَار وَيرد إِلَيْهِم أملاكهم وَيسْقط عَنْهُم بَيِّنَة الِاسْتِغْرَاق فَقَالَ السُّلْطَان لحاجبه اذْهَبْ إِلَى الشَّيْخ عبد الْوَاحِد الوانشريسي وشاوره فِي ذَلِك وعرفه بِأَنِّي فِي الْحَاجة إِلَى هَذَا المَال لأجل هَذِه الْحَرَكَة الَّتِي عرضت لي فَذهب الْحَاجِب إِلَيْهِ وَأخْبرهُ بمقالة السُّلْطَان ورغبته فِي قبُول ذَلِك فَقَالَ الشَّيْخ

стр. 854

وَالله لَا ألْقى الله بِشَهَادَة أَرْبَعِينَ رجلا من عدُول الْمُسلمين لأجل سلطانك اذْهَبْ وَقل لَهُ إِنِّي لَا أوافق على ذَلِك وَلَا أرضاه فَرجع الْحَاجِب إِلَى السُّلْطَان وَأخْبرهُ بِمَا قَالَ الشَّيْخ فَرجع السُّلْطَان عَمَّا عزم إِلَيْهِ وَنَظِير هَذَا مَا اتّفق لَهُ مَعَه أَيْضا وَهُوَ أَن النَّاس خَرجُوا يَوْم الْعِيد للصَّلَاة فانتظروا السُّلْطَان فَأَبْطَأَ عَلَيْهِم وَلم يَأْتِ إِلَى خُرُوج وَقت الصَّلَاة وَحِينَئِذٍ أقبل السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس فِي أبهته فَلَمَّا انْتهى إِلَى الْمصلى نظر الشَّيْخ أَبُو مَالك فَرَأى أَن الْوَقْت قد فَاتَ فرقي الْمِنْبَر وَقَالَ معشر الْمُسلمين أعظم الله أجركُم فِي صَلَاة الْعِيد فقد عَادَتْ ظهرا ثمَّ أَمر الْمُؤَذّن فَأذن وَأقَام الصَّلَاة فَتقدم الشَّيْخ أَبُو مَالك وَصلى النَّاس الظّهْر فَخَجِلَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس واعترف بخطيئته رحم الله الْجَمِيع الْخَبَر عَن الدولة الثَّانِيَة للسُّلْطَان أبي حسون الوطاسي ﵀ لما دخل السُّلْطَان أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ إِلَى فاس سنة سِتّ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَقبض على بني وطاس بهَا حَسْبَمَا تقدم فر أَبُو حسون هَذَا إِلَى ثغر الجزائر حَقنا لدمه ومستجيشا لتركها ومستجيشا على السَّعْدِيّ وَكَانَ التّرْك قد استولوا على الْمغرب الْأَوْسَط وانتزعوه من يَد بني زيان كَمَا سَيَأْتِي

стр. 855

فَلم يزل أَبُو حسون عِنْدهم يفتل لَهُم فِي الغارات والسنام وَيحسن لَهُم بِلَاد الْمغرب الْأَقْصَى ويعظمها فِي أَعينهم وَيَقُول إِن المتغلب عَلَيْهَا قد سلبني ملكي وَملك آبَائِي وغلبني على تراث أجدادي فَلَو ذهبتم معي لقتاله لَكنا نرجو الله تَعَالَى أَن يتيح لنا النَّصْر عَلَيْهِ ويرزقنا الظفر بِهِ وَلَا تعدمون أَنْتُم مَعَ ذَلِك مَنْفَعَة من ملْء أَيْدِيكُم غَنَائِم وذخائر وَوَعدهمْ بِمَال جزيل فَأَجَابُوهُ إِلَى مَا طلب وَأَقْبلُوا مَعَه فِي جَيش كثيف تَحت راية باشاهم صَالح التركماني الْمَعْرُوف بِصَالح رَئِيس إِلَى أَن اقتحموا حَضْرَة فاس بعد حروب عَظِيمَة ومعارك شَدِيدَة وفر عَنْهَا مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ إِلَى منجاته وَكَانَ دُخُول السُّلْطَان أبي حسون إِلَى فاس ثَالِث صفر سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَلما دَخلهَا فَرح بِهِ أَهلهَا فَرحا شَدِيدا وترجل هُوَ عَن فرسه وَصَارَ يعانق النَّاس كَبِيرا وصغيرا شريفا ووضيعا ويبكي على مَا دهمه وَأهل بَيته من أَمر السعديين واستبشر النَّاس بمقدمه وتيمنوا بطلعته وَقبض على كَبِير فاس يَوْمئِذٍ الْقَائِد أبي عبد الله مُحَمَّد بن رَاشد الشريف الإدريسي واطمأنت بِهِ الدَّار ثمَّ لم يلبث السُّلْطَان أَبُو حسون إِلَّا يَسِيرا حَتَّى كثرت شكاية النَّاس إِلَيْهِ بِالتّرْكِ وَأَنَّهُمْ مدوا أَيْديهم إِلَى الْحَرِيم وعاثوا فِي الْبِلَاد فبادر بِدفع مَا اتّفق مَعَهم عَلَيْهِ من المَال وأخرجهم عَن فاس وتخلف بهَا مِنْهُم نفر يسير

стр. 856

مَجِيء السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ إِلَى فاس واستيلاؤه عَلَيْهَا ومقتل السُّلْطَان أبي حسون ﵀ لما فر السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ من وقْعَة الأتراك بفاس وصل إِلَى مراكش فاستقر بهَا وَصرف عزمه لقِتَال أبي حسون فَأخذ فِي استنفار الْقَبَائِل وانتخاب الْأَبْطَال وتعبية العساكر والأجناد فَاجْتمع لَهُ من ذَلِك مَا اشْتَدَّ بِهِ أزره وَقَوي بِهِ عضده ثمَّ نَهَضَ بهم إِلَى فاس فَخرج إِلَيْهِ السُّلْطَان أَبُو حسون فِي رُمَاة فاس وَمَا انضاف إِلَيْهِم من جَيش الْعَرَب فَكَانَت الْهَزِيمَة على أبي حسون فَرجع إِلَى فاس وتحصن بهَا فَتقدم الشَّيْخ السَّعْدِيّ وحاصره إِلَى أَن ظفر بِهِ فِي وقْعَة كَانَت بَينهمَا بالموضع الْمَعْرُوف بِمسلمَة فَقتله وَاسْتولى على حَضْرَة فاس وَصفا لَهُ أمرهَا وَكَانَ استيلاؤه عَلَيْهَا يَوْم السبت الرَّابِع وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة على الصَّوَاب خلاف مَا وَقع فِي الدوحة وَالله أعلم وبمقتل السُّلْطَان أبي حسون ﵀ انقرضت الدولة المرينية بالمغرب وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَهُوَ خير الْوَارِثين وَبَقِي علينا الإلماع بأواخر دولة بني زيان مُلُوك تلمسان وَكَيف كَانَ انْقِرَاض أَمرهم فلنشر إِلَى ذَلِك فَنَقُول كَانَت دولة بني زيان على مَا علمت من الِاضْطِرَاب سَائِر أَيَّام بني مرين وَكَانَ مِنْهُم فِي صدر الْمِائَة التَّاسِعَة السُّلْطَان الواثق بِاللَّه من أمثل مُلُوكهمْ وغلبهم على تلمسان فِي تِلْكَ الْمدَّة السُّلْطَان أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز بن أَحْمد الحفصي فَأخذُوا بِطَاعَتِهِ ثمَّ بعد مَوته سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة اعتزوا بعض الشَّيْء إِلَى أَن كَانَت دولة السُّلْطَان أبي عَمْرو عُثْمَان بن مُحَمَّد الحفصي فغزا تلمسان أَعْوَام السّبْعين وَثَمَانمِائَة مرَّتَيْنِ وَفِي الثَّانِيَة هدم أسوارها وعزم على استئصال أَهلهَا إِلَى أَن تشفع إِلَيْهِ علماؤها وصلحاؤها فَعَفَا عَنْهُم وَكَانَ الْبَاعِث لَهُ على غزوها أَولا مَا بلغه من أَن الْأَمِير مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي ثَابت استولى عَلَيْهَا فَفعل مَا فعل وصاهرهم بِبَعْض حفدته وَقَالَ صَاحب بَدَائِع السلك شاهدت بتلمسان وَبَعض أَعمالهَا تَصْرِيح

стр. 857

الْخَطِيب باسم السُّلْطَان أبي عَمْرو عُثْمَان صَاحب تونس مقدما فِي الذّكر على اسْم صَاحب تلمسان أبي عبد الله من أعقاب بني زيان لما بَينهمَا من الشَّرْط فِي ذَلِك وَبقيت حَال بني زيان متماسكة إِلَى أَن ظهر جنس الإصبنيول فِي صدر الْمِائَة الْعَاشِرَة بعد مَا تمّ لَهُ ملك الأندلس وعظمت شوكته فطمح للتغلب على ثغور المغربين الْأَدْنَى والأوسط فاستولى على بجاية سنة عشر وَتِسْعمِائَة ثمَّ على وهران سنة أَربع عشرَة وَتِسْعمِائَة وَفعل بِأَهْلِهَا الأفاعيل ثمَّ سما لتملك الجزائر وشره لالتهامها وضايق الْمُسلمين فِي ثغورهم وَضعف بَنو زيان عَن مقاومته وَكَانَ الشَّيْخ الْفَقِيه الصَّالح أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن القَاضِي الزواوي مِمَّن لَهُ الشُّهْرَة والوجاهة الْكَبِيرَة فِي بسائط الْمغرب الْأَوْسَط وجباله وَكَانَت دولة العثامنة من التّرْك فِي هَذِه الْمدَّة قد زخر عبابهم وملكت أَكثر المسكونة وَظهر من قواد عساكرهم البحرية قائدان عظيمان وهما خير الدّين باشا وَأَخُوهُ عروج باشا وَكَانَا قد تَابعا الْغَزْو على بِلَاد الْكفْر برا وبحرا وأوقعا بِأَهْل دوَل الأوروبا وقائع شهيرة وَصَارَ لَهُم ذكر فِي أقطار الْبِلَاد وَتمكن ناموسهم من قُلُوب الْعباد فكاتبهم الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس الْمَذْكُور وعرفهم بِمَا الْمُسلمُونَ فِيهِ من مضايقة الْعَدو الْكَافِر وَقَالَ إِن بِلَادنَا بقيت لَك أَو لأخيك أَو للذئب فَأقبل التّرْك نَحوه مُسْرِعين وَاسْتولى عروج على ثغر الجزائر بعد مَا كَاد الْعَدو يملكهُ فتخلصه مِنْهُ ثمَّ استولى على تلمسان وَغلب بني زيان على أَمرهم وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة على مَا فِي النزهة ثمَّ إِن أهل تلمسان أَنْكَرُوا سيرة التّرْك وسئموا ملكتهم وَيُقَال إِن التّرْك عسفوهم وصادروهم على أَمْوَالهم وَكَانَ عروج قد أغرى بالفقيه أبي الْعَبَّاس المستدعي لَهُ فَقتل شَهِيدا بعد الثَّلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَرَأى عروج أَن أَمر الْمغرب الْأَوْسَط لَا يصفو لَهُ مَعَ وجود الْفَقِيه الْمَذْكُور فَدس عَلَيْهِ من قَتله ثمَّ نَهَضَ عروج إِلَى بني يزناسن فَكَانَ الكرة عَلَيْهِ وَقتل هُنَالك مَعَ جمَاعَة من وُجُوه عسكره وَتَفَرَّقَتْ جموعه وعادت تلمسان إِلَى بني زيان فجددوا بهَا رياستهم وأحيوا رَمق دولتهم إِلَى أَن عاود التّرْك غزوها بعد حِين وانتزعوها من يَد صَاحبهَا أبي الْعَبَّاس

стр. 858

أَحْمد بن عبد الله من أعقاب يغمراسن بن زيان قَالَ فِي الْمرْآة مَا نَصه قَالَ الشَّيْخ الإِمَام قَاضِي الْجَمَاعَة أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الوانشريسي ﵀ وَمن خطه نقلت قدم حسن ابْن خير الدّين التركي فاستولى على تلمسان فِي أواسط شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَأخرج مِنْهَا الْأَمِير أَحْمد ابْن الْأَمِير عبد الله ووزيره مَنْصُور بن أبي غَانِم ولحقا بدبدو مَعَ من انضاف إِلَيْهِمَا من أُمَرَاء تلمسان وكبرائها فغدر بهم عمر بن يحيى الوطاسي صَاحب دبدو وَأخذ أَمْوَالهم واعتقلهم وسرح منصورا فِي محرم من سنة ثَلَاث وَخمسين وَتِسْعمِائَة اه واستمرت تلمسان فِي يَد التّرْك إِلَى أواسط صدر الْمِائَة الثَّالِثَة عشرَة فاستولى عَلَيْهَا الفرنسيس على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله وَاعْلَم أَنه كَانَ فِي صدر هَذِه الْمِائَة الْعَاشِرَة أُمُور عِظَام مِنْهَا ظُهُور الفرنج بالديار المغربية واستيلاؤهم على ثغورها بِمَا لم يعْهَد مثله قبل ذَلِك لَا سِيمَا البرتغال والإصبنيول حَسْبَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ وَمِنْهَا ظُهُور دولة آل عُثْمَان مُلُوك التركمان بالديار المشرقية وَمَا أضيف لَهَا الظُّهُور الَّذِي لَا كفاء لَهُ وَابْتِدَاء هَذِه الدولة وَإِن كَانَ قبل هَذَا التَّارِيخ بِنَحْوِ مِائَتي سنة لَكِن إِنَّمَا كَانَ عنفوان شبابها وفيضان عبابها فِي هَذِه الْمدَّة لَا سِيمَا فِي دولة سلطانهم الْأَعْظَم وخاقانهم الأفخم سُلَيْمَان بن سُلَيْمَان خَان فَإِنَّهُ ملك أَكثر الْمَعْمُور وَقَامَ بدعوته من الْأُمَم الْجُمْهُور وهجمت عساكره على ديار الأرنا فقاتلوهم فِي أعز بِلَادهمْ واستلبوهم من طارفهم وتلادهم وخضعت مُلُوكهمْ لعزته واستكانوا لصولته وَأَعْطوهُ يَد المقادة وآتوه من الطَّاعَة والخضوع مَا خَالف الْعَادة ثمَّ أوطأ عساكره المغربيين الْأَدْنَى والأوسط فاستولى عَلَيْهِمَا وَكَاد يتَنَاوَل الْأَقْصَى ويضيفه إِلَيْهِمَا على مَا تقف عَلَيْهِ فِي أَخْبَار السعديين إِن شَاءَ الله وَمِنْهَا ظُهُور الْأَوْلِيَاء وَأهل الصّلاح من الملامتية وأرباب الْأَحْوَال والجذب فِي بِلَاد الشرق والغرب لكنه انْفَتح بِهِ للمستورين على النِّسْبَة

стр. 859

وَأهل الدَّعْوَى بَاب متسع الْخرق متعسر الرتق فاختلط المرعى بالهبل وَادّعى الخصوصية من لَا نَاقَة لَهُ فِيهَا وَلَا جمل وصعب على جلّ النَّاس التَّمْيِيز حَتَّى بَين البهرج والإبريز لَا سِيمَا الْعَاميّ الْغمر الَّذِي لَا يفرق بَين الْحَصْبَاء والدر وَيرْحَم الله الشَّيْخ اليوسي إِذْ قَالَ فِي محاضرته مَا نَصه وَقد طرق أسماع الْقَوْم من قبل الْيَوْم كَلَام أهل الصولة كفحول القادرية والشاذلية ﵃ وَكَلَام أَرْبَاب الْأَحْوَال فِي كل زمَان فتعشقت النُّفُوس ذَلِك وأذعن لَهُ الْجُمْهُور وخاضوا فِي التَّشْبِيه بهم فَمَا شِئْت أَن تلقى جَاهِلا مُسْرِفًا على نَفسه لم يعرف بعد ظَاهر الشَّرِيعَة فضلا عَن أَن يعْمل فضلا عَن أَن يخلص إِلَى الْبَاطِن فضلا عَن أَن يكون صَاحب مقَام إِلَّا وجدته يصول وَيَقُول وينابذ الْمَنْقُول والمعقول وَأكْثر ذَلِك فِي أَبنَاء الْفُقَرَاء يُرِيد الْوَاحِد مِنْهُم أَن يتحلى بحلية أَبِيه ويستتبع أَتْبَاعه بِغَيْر حق وَلَا حَقِيقَة بل لمُجَرّد حطام الدُّنْيَا فَيَقُول خدام أبي وزريبة أبي وَيضْرب عَلَيْهِم المغرم كمغرم السُّلْطَان وَلَا يقبل أَن يُحِبُّوا أحدا فِي الله أَو يعرفوه أَو يقتدوا بِهِ غَيره وَإِذا رأى من خرج يطْلب دينه أَو من يدله على الله تَعَالَى يغْضب عَلَيْهِ ويتوعده بِالْهَلَاكِ فِي نَفسه وَمَاله وَقد يَقع شَيْء من المصائب بِحكم الْقَضَاء والابتلاء فيضيفه إِلَى نَفسه فَيَزْدَاد بذلك هُوَ وَأَتْبَاعه ضلالا ثمَّ يخترق لَهُم من الخرافات والأمور الْمُعْتَادَة مَا يَدعِيهِ سيرة ودينا يستهويهم بِهِ ثمَّ يضمن لَهُم الْجنَّة على مساوئ أَعْمَالهم والشفاعة يَوْم الْمَحْشَر وَيقبض على لحْمَة من ذراعه فَيَقُول للجاهل مثله أَنْت من هَذِه اللحمة فيكتفي جهال الْعَوام بذلك ويبقون فِي خدمته ولدا عَن وَالِد قائلين نَحن خدام الدَّار الْفُلَانِيَّة وَفِي زريبة فلَان فَلَا نخرج عَنْهَا وَكَذَا وجدنَا آبَاءَنَا وَهَذَا هُوَ الضلال الْمُبين وَهَؤُلَاء قطاع الْعباد عَن الله إِلَى آخر كَلَامه فقف عَلَيْهِ فِي الْفَصْل الْخَامِس وَالْعِشْرين مِنْهَا فَإِنَّهُ نَفِيس وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَفِي سنة إِحْدَى عشرَة وَتِسْعمِائَة توفّي الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عِيسَى الماواسي البطوي الموقت الْمَشْهُور وَفِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعْدهَا توفّي الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو الْحسن عَليّ بن قَاسم

стр. 860

التجِيبِي الْمَعْرُوف بالزقاق فَقِيه فاس وَهُوَ صَاحب الْمَنْظُومَة اللامية فِي علم الْقَضَاء وَغَيرهَا وَفِي سنة أَربع وَتِسْعمِائَة فِي يَوْم الثُّلَاثَاء الْعشْرين من صفر مِنْهَا توفّي الشَّيْخ الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى الوانشريسي مؤلف المعيار وَغَيره من التآليف الحسان أَصله من تلمسان واستوطن مَدِينَة فاس إِلَى أَن توفّي بهَا فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور وفيهَا أَيْضا توفّي الشَّيْخ الْكَبِير أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز بن عبد الْحق الْحرار الْمَعْرُوف بالتباع دَفِين حومة الفحول من مراكش من أَصْحَاب الشَّيْخ الْجُزُولِيّ ﵄ وَصفه شَيْخه الْمَذْكُور بالكيمياء وَكَانَ يُقَال النظرة فِيهِ تغني أَفَاضَ الله علينا من مدده وَفِي سنة تسع عشرَة وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة النظار أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن غَازِي العثماني المكناسي ثمَّ الفاسي وَقد تقدم خَبره مَعَ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الغزواني رحمهمَا الله وَفِي سنة سِتّ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة انحبس الْمَطَر بفاس وَالْمغْرب واضطر النَّاس إِلَى اسْتِخْرَاج السواقي من الأودية والأنهار لسقي زرعهم وثمارهم وَفِي سنة سبع وَعشْرين بعْدهَا كَانَ الغلاء والجوع الْكَبِير الَّذِي صَار تَارِيخا فِي النَّاس مُدَّة وَفِي سنة ثَمَان وَعشْرين بعْدهَا كَانَ الوباء بالمغرب سنة الله فِي خلقه وَفِي هَذِه الْمدَّة أَعنِي أَعْوَام الثَّلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة على مَا فِي الدوحة توفّي الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مَنْصُور السفياني دَفِين جَزِيرَة البسابس من بِلَاد أَوْلَاد جلون على مسيرَة نصف يَوْم من مصب نهر سبو فِي الْبَحْر من جِهَة الْمشرق وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّيْخ التباع وَالرَّوْضَة الَّتِي عَلَيْهَا بناها الشَّيْخ أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن المجذوب يُقَال إِنَّه لما أكملها رَآهُ فِي الْمَنَام وَألبسهُ حلَّة خضراء وَفِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة فِي ثَانِي يَوْم من ربيع الأول مِنْهَا توفّي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الْكَرِيم بن عمر الحاجي الْمَعْرُوف بالفلاح ضجيع القَاضِي عِيَاض فِي روضته بحومة بَاب إيلان من مراكش وَهُوَ من أَصْحَاب

стр. 861

الشَّيْخ التباع أَيْضا وَفِي هَذِه الْمدَّة على مَا فِي الدوحة توفّي الشَّيْخ أَبُو يشو مَالك بن خدة الصبيحي من عرب صبيح كَانَ من أهل الْعلم وَالْفضل وَالدّين وَدفن على ضفة نهر سبو على نَحْو مرحلة من فاس وقبره مزارة إِلَى الْآن وَفِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الغزواني ﵁ دَفِين حومة الْقُصُور من مراكش وَقد تقدم شَيْء من خَبره وَفِي أَعْوَام أَرْبَعِينَ وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ الْكَامِل أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عِيسَى السفياني الْمُخْتَار ثمَّ الفهدي دَفِين مكناسة الزَّيْتُون وَهُوَ شيخ جليل الْقدر شهير الذّكر ﵁ ونفعنا بِهِ آمين تمّ الْجُزْء الرَّابِع ويليه الْجُزْء الْخَامِس أَوله الْخَبَر عَن دولة الْأَشْرَاف السعديين من آل زَيْدَانَ

стр. 862

٥ -

стр. 863

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الدولة السعدية الْخَبَر عَن دولة الْأَشْرَاف السعديين من آل زَيْدَانَ وَذكر أوليتهم وَتَحْقِيق نسبهم اعْلَم أَن هَؤُلَاءِ السعديين كَانُوا يَقُولُونَ إِن أصل سلفهم من يَنْبع النّخل من أَرض الْحجاز وَأَنَّهُمْ أَشْرَاف من ولد مُحَمَّد النَّفس الزكية ﵁ وَإِلَيْهِ كَانُوا يرفعون نسبهم وَيَقُولُونَ فِي أول مُلُوكهمْ الْقَائِم بِأَمْر الله مثلا هُوَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن مخلوف بن زَيْدَانَ بن أَحْمد ابْن مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن الْحسن بن عبد الله بن أبي مُحَمَّد بن عَرَفَة بن الْحسن بن أبي بكر بن عَليّ بن حسن بن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن قَاسم ابْن مُحَمَّد النَّفس الزكية ابْن عبد الله الْكَامِل بن حسن الْمثنى بن الْحسن السبط ابْن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ فهم بَنو عَم السَّادة العلويين أَشْرَاف سجلماسة يَجْتَمعُونَ مَعَهم فِي مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم الْمَذْكُور فِي النّسَب قَالُوا وَالسَّبَب فِي قدوم سلفهم من الْحجاز إِلَى الْمغرب أَن أهل درعة كَانَت لَا تصلح ثمارهم وتعتريها العاهات كثيرا فَقيل لَهُم لَو أتيتم بشريف إِلَى بِلَادكُمْ كَمَا أَتَى أهل سجلماسة لصلحت ثماركم كَمَا صلحت ثمارهم وَقد كَانَ أهل سجلماسة جاؤوا بالمولى الْحسن بن قَاسم بن مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم من أَرض يَنْبع فِي قصَّة ظريفة تَأتي فِي محلهَا إِن شَاءَ الله قَالُوا فَأتى أهل درعة بالمولى زَيْدَانَ بن أَحْمد مضاهاة لأهل سجلماسة فَعَادَت عَلَيْهِم بركته وَاعْلَم أَن هَذَا النّسَب الشريف المسرود آنِفا فِيهِ كَمَا قَالَ اليفرني بتر

стр. 864

بَين قَاسم وَمُحَمّد النَّفس الزكية فَإِنَّهُ لَا يعرف فِي أَوْلَاد النَّفس الزكية من اسْمه قَاسم وَإِنَّمَا هُوَ قَاسم بن مُحَمَّد بن عبد الله الأشتر بن مُحَمَّد النَّفس الزكية وَلَعَلَّه سقط عَن ذُهُول من النَّاسِخ وَقيل الصَّوَاب إِنَّه قَاسم بن حسن بن مُحَمَّد بن عبد الله الأشتر بن مُحَمَّد النَّفس الزكية وَاعْلَم أَيْضا أَن مَا زَعمه هَؤُلَاءِ السعديون من انتسابهم لهَذَا الْبَيْت الْكَرِيم هُوَ الْمَعْرُوف عِنْد الكافة وتلقاه فضلاء عصرهم بِالْقبُولِ وأثبتوه فِي تقريضاتهم ومؤلفاتهم الْمَوْضُوعَة فِي أخبارهم وَمن النَّاس من يطعن فِي ذَلِك وَنَقله بَعضهم عَن الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس الْمقري صَاحب نفح الطّيب وَأَنه صحّح أَنهم من بني سعد بن بكر بن هوَازن الَّذين مِنْهُم حليمة السعدية ظئر رَسُول الله ﷺ وَهَذَا النَّقْل ضَعِيف لِأَن الشَّيْخ الْمقري صرح فِي نفح الطّيب بشرف هَؤُلَاءِ السَّادة فِي غير مَوضِع وَهُوَ من آخر مَا ألف وَمِمَّنْ طعن فِي نسبهم الْمولى مُحَمَّد فتحا بن الشريف السجلماسي أول مُلُوك السَّادة العلويين صرح بذلك فِي بعض الرسائل الَّتِي كَانَت تَدور بَينه وَبَين الشَّيْخ ابْن زَيْدَانَ مِنْهُم قَالَ فِيهَا وَقد اعتمدنا فِي ذَلِك يَعْنِي فِي عدم شرفهم على مَا نَقله الثِّقَات المؤرخون لأخبار النَّاس من عُلَمَاء مراكش وتلمسان وفاس وَلَقَد أمعن الْكل التَّأَمُّل بِالذكر والفكر فَمَا وجدوكم إِلَّا من بني سعد بن بكر اه ويحكى شَائِعا عَن الْفَقِيه الْوَرع الْمولى أبي مُحَمَّد عبد الله بن عَليّ بن طَاهِر السجلماسي وَكَانَ من أهل الصّلاح وَالدّين أَنه كَانَ ذَات يَوْم جَالِسا مَعَ الْمَنْصُور السَّعْدِيّ فِي بعض قصوره من حَضْرَة مراكش وهما مجتمعان على خوان طَعَام فَقَالَ الْمَنْصُور للشَّيْخ أبي مُحَمَّد أَيْن اجْتَمَعنَا يَا فَقِيه يَعْنِي فِي النّسَب فَقَالَ أَبُو مُحَمَّد على هَذَا الخوان ويروى فِي هَذَا المشور فأسرها الْمَنْصُور فِي نَفسه وَلم يبدها لَهُ إِلَى أَن احتال عَلَيْهِ بِمَا كَانَ السَّبَب فِي إِتْلَاف مهجته فَكَانَ الْمَنْصُور بعد ذَلِك يَدْعُو الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد فيجلسه على الرخام فِي زمَان كلب الْبرد وهيجانه من غير حَائِل وَقد اتخذ الْمَنْصُور فِيمَا زَعَمُوا لبدة صوف دَاخل سراويله لَا يحس مَعهَا بالبرد فَإِذا

стр. 865

رَآهُ أَبُو مُحَمَّد جَالِسا مَعَه تجلد واستحيى أَن يقوم عَن السُّلْطَان ويتركه ويستمران على المذاكرة فِي مسَائِل الْعلم فعل ذَلِك بِهِ أَيَّامًا حَتَّى سكنته عِلّة الْبرد فَلم يزل أَبُو مُحَمَّد يشتكي من ذَلِك إِلَى أَن قَضَت عَلَيْهِ وَأنكر هَذَا صَاحب نشر المثاني ورده بتأخر وَفَاة ابْن طَاهِر عَن وَفَاة الْمَنْصُور بِأَكْثَرَ من ثَلَاثِينَ سنة وَجَوَاب أبي مُحَمَّد هَذَا من النَّوْع الْبَيَانِي الْمُسَمّى بتلقي المخاطر بِغَيْر مَا يترقب على مَا هُوَ مَعْرُوف فِي كتب الْفَنّ وَإِنَّمَا سَأَلَهُ الْمَنْصُور لما مر من أَن السعديين يَزْعمُونَ أَن جدهم قدم من يَنْبع أَيْضا كَمَا قدم جد العلويين والعلويون يُنكرُونَ ذَلِك كل الْإِنْكَار وَيَقُولُونَ إِنَّهُم لم يجتمعوا مَعَهم فِي قبيل وَلَا دبير قَالَ اليفرني لَكِن صحّح لنا غير وَاحِد من أشياخنا أَن الشَّيْخ ابْن طَاهِر رَجَعَ عَن ذَلِك الْإِنْكَار وَأَن الْمَنْصُور أطلعه بعد ذَلِك على ظهير فِيهِ خطّ الإِمَام ابْن عرفه وَشَيْخه ابْن عبد السَّلَام بِثُبُوت نسبهم فاطمأنت نفس ابْن طَاهِر لذَلِك فَكَانَ يُصَرح بِصِحَّة نسبهم بعد ذَلِك ويزجر من يطعن فِيهِ اه قلت وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب إِذْ مُسْتَند من يطعن فِي نسبهم عدم وضوحه وَلَا يلْزم من عدم وضوحه عدم ثُبُوته فِي نفس الْأَمر وَإِلَّا فيبعد أَن يكون هَؤُلَاءِ المنكرون قد اطلعوا على أَحْوَال عَمُود نسبهم وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الْآبَاء والأجداد من لدن مبدئه إِلَى منتهاه مَعَ طول الْمدَّة وتناسخ الأجيال فالتنقير عَن ذَلِك عسير جدا وَلذَا وكل الشَّارِع أَمر الْأَنْسَاب إِلَى أَهلهَا وجعلهم مُصدقين فِيهَا إِذْ لَا تعرف غَالِبا إِلَّا من قبلهم فَهَؤُلَاءِ السَّادة الزيدانيون لَو فَرضنَا أَنهم مَا كَانُوا ملوكا وَلَا بلغُوا من الشُّهْرَة إِلَى حَيْثُ بلغُوا ثمَّ ادعوا هَذَا النّسَب الْكَرِيم فَلَا سَبِيل لأحد أَن يدفعهم عَنهُ إِلَّا بقاطع وَلَا قَاطع كَمَا علمت نعم الْحِكَايَة المسوقة فِي سَبَب دُخُولهمْ إِلَى الْمغرب يظْهر عَلَيْهَا أثر الصَّنْعَة وَالله أعلم بحقائق الْأُمُور وَأما تسميتهم بالسعديين فقد قَالَ اليفرني إِن هَذِه النِّسْبَة لم تكن لَهُم

стр. 866

فِي الْقَدِيم وَلَا وَقعت بهَا تحليتهم فِي ظهائرهم وَلَا فِي سجلاتهم وصدور رسائلهم بل كَانُوا لَا يقبلُونَ ذَلِك وَلَا يجترئ أحد على مواجهتهم بِهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يصفهم بذلك من يقْدَح فِي نسبهم ويطعن فِي شرفهم وَيَزْعُم أَنهم من بني سعد بن بكر كَمَا قُلْنَا وَكثير من الْعَامَّة وإخوانهم من الطّلبَة يَعْتَقِدُونَ أَنهم إِنَّمَا سموا بذلك لِأَن النَّاس سعدوا بهم وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا معنى لَهُ اه قلت وَإِنَّمَا نصفهم نَحن بذلك لأَنهم اشتهروا عِنْد الْخَاصَّة والعامة بِهِ فَصَارَ كَالْعلمِ الصّرْف المرتجل مَعَ أَنه لَا مَحْذُور بعد تَحْقِيق النّسَب وَثُبُوت الشّرف وَالله تَعَالَى يلهمنا الصَّوَاب بمنه وفضله الْخَبَر عَن دولة الْأَمِير أبي عبد الله مُحَمَّد الْقَائِم بِأَمْر الله وبيعته وَالسَّبَب فِيهَا قَالَ ابْن القَاضِي درة السلوك لم يزل أسلاف السعديين مقيمين بدرعة إِلَى أَن نَشأ مِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْقَائِم بِأَمْر الله فَنَشَأَ على عفاف وَصَلَاح وَحج الْبَيْت الْحَرَام وَكَانَ مجاب الدعْوَة وَلَقي جمَاعَة من الْعلمَاء الْأَعْلَام والصلحاء الْعِظَام فِي وفادته على الْحَرَمَيْنِ الشريفين أَخْبرنِي بعض الْفُضَلَاء أَنه لَقِي رجلا صَالحا بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فَأَشَارَ لَهُ بِمَا يكون مِنْهُ وَمن ولديه وَكَانَ قد رأى رُؤْيا وَهِي أَن أسدين خرجا من إحليله فتبعهما النَّاس إِلَى أَن دخلا صومعة ووقف هُوَ ببابها فعبرت لَهُ رُؤْيَاهُ بِأَنَّهُ سَيكون لِوَلَدَيْهِ شَأْن وإنهما يملكَانِ النَّاس ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمغرب وَهُوَ معلن بالدعوة فَيَقُول فِي كل محفل إِن ولديه سيملكان الْمغرب وسيكون لَهما شَأْن من غير تردد مِنْهُ ثِقَة بِخَبَر الرجل الصَّالح وبرؤياه الْمَذْكُورَة فَمَا زَالَ إِلَى أَن قَامَ سنة خمس عشرَة وَتِسْعمِائَة اه وَقَالَ صَاحب زهرَة الشماريخ مَا صورته إِن سَبَب قيام أبي عبد الله الْقَائِم أَن أهل السوس أحَاط بهم الْعَدو الْكَافِر وَنزل بجوانبهم من كل جِهَة حَتَّى أظلم الجو واستحكمت شَوْكَة البرتغال وَبَقِي الْمُسلمُونَ فِي أَمر مريج لعدم أَمِير تَجْتَمِع عَلَيْهِ كلمة الْإِسْلَام لِأَن بني وطاس فشلت ريحهم يَوْمئِذٍ

стр. 867

فِي بِلَاد السوس وَإِنَّمَا كَانَ لَهُم الْملك فِي حواضر الْمغرب وَلم يكن لَهُم مِنْهُ بالسوس إِلَّا الِاسْم مَعَ مَا كَانُوا فِيهِ من قتال الْعَدو بطنجة وآصيلا وَحجر بادس وَغَيرهَا من ثغور بِلَاد الهبط فَلَمَّا رأى قبائل السوس مَا دهمهم من تفاقم الْأَحْوَال وَكَثْرَة الْأَهْوَال وطمع الْعَدو فِي بِلَادهمْ ذَهَبُوا إِلَى الشَّيْخ الصَّالح أبي عبد الله مُحَمَّد بن مبارك الأقاوي نِسْبَة إِلَى آقة من بِلَاد السوس فَذكرُوا لَهُ مَا هم فِيهِ من افْتِرَاق الْكَلِمَة وانتشار الْجَمَاعَة وكلب الْعَدو على مباكرتهم بِالْقِتَالِ ومراوحتهم وطلبوا مِنْهُ أَن يعقدوا لَهُ الْبيعَة وتجتمع كلمتهم عَلَيْهِ فَامْتنعَ من ذَلِك وَقَالَ إِن رجلا من الْأَشْرَاف بتاجمدارت من درعة يَقُول إِنَّه سَيكون لَهُ ولولديه شَأْن فَلَو بعثتم إِلَيْهِ وبايعتموه كَانَ أنسب بكم وأليق بمقصودكم فبعثوا إِلَيْهِ وَكَانَ من أمره مَا كَانَ وَقَالَ اليفرني رَأَيْت بِخَط الْفَقِيه الْعَلامَة أبي زيد عبد الرَّحْمَن ابْن شيخ الْجَمَاعَة أبي مُحَمَّد عبد الْقَادِر الفاسي مَا صورته ذكر لنا الْوَالِد عَن سَيِّدي أَحْمد بن عَليّ السُّوسِي البوسعيدي أَن ابْتِدَاء دولة الشرفاء بالسوس أَن بعض السَّادة وَهُوَ سَيِّدي بَرَكَات توَسط فِي فدَاء بعض الْأُسَارَى وَأَرَادَ أَن يكون مَعَ النَّصَارَى اتِّفَاق على أَن لَا يحبسوا أَسِيرًا فَكَلَّمَهُمْ فِي ذَلِك فَقَالُوا لَهُ حَتَّى يكون لكم أَمِير فَإِن ملككم قد ذهب واضمحل قَالَ ثمَّ إِن بعض أهل السوس سَارُوا إِلَى قَبيلَة جسيمة يكتالون الطَّعَام فَأَخَذتهم جسيمة وأكلوا مَتَاعهمْ وبضاعتهم فَذَهَبُوا إِلَى شيخهم وَكَانَ ذَا حزم وتدبير فَرد عَلَيْهِم كل مَا ضَاعَ لَهُم حَتَّى لم يبْق لَهُم شَيْء فَلَمَّا رجعُوا إِلَى بِلَادهمْ قَالُوا إِن هَذَا الشَّيْخ الرئيس هُوَ الَّذِي يَلِيق أَن نُبَايِعهُ فَاجْتمعُوا وأتوه وطلبوا مِنْهُ أَن يرأسهم فَامْتنعَ واحتاط لدينِهِ وَاعْتذر بتشويش هَذَا الْأَمر للدّين ودلهم على رجل شرِيف كَانَ مُؤذنًا بدرعة فَقَالَ لَهُم إِن كَانَ وَلَا بُد فاقصدوا الشريف الْفُلَانِيّ

стр. 868

فَإِنَّهُ يذكر أَن ولديه يملكَانِ الْمغرب فقصدوه وَحَمَلُوهُ إِلَى بِلَادهمْ وَبَايَعُوهُ وفرضوا لَهُ من الْمُؤْنَة مَا يَكْفِيهِ وَأَوْلَاده وَبَقِي هُنَالك فِي نحر الْعَدو ويروى أَنه لما بَايعه أهل السوس وَرَأى قلَّة مَا بِيَدِهِ مَعَ أَن الْملك لَا يقوم إِلَّا بِالْمَالِ احتال بِأَن أَمر أهل السوس أَن يأتوه ببيضة لكل كانون فَاجْتمع لَهُ من ذَلِك آلَاف من الْبيض لَا تحصى لِأَن النَّاس استهونوا أَمر الْبَيْضَة فَلَمَّا اجْتمع عِنْده الْبيض أَمر أَن كل من أَتَى ببيضة يَأْتِي بدلهَا بدرهم فَفَعَلُوا فَاجْتمع لَهُ من ذَلِك مَال وافر فَأصْلح بِهِ شَأْنه وقوى بِهِ جَيْشه وَكَانَت تِلْكَ أول نائبة فرضت فِي دولة السعديين وَالله أعلم وَقَالَ ابْن القَاضِي إِن الْأَمِير أَبَا عبد الله الْقَائِم لما اجْتمع بالشيخ ابْن مبارك بِبَلَدِهِ آفَة وَذَلِكَ سنة خمس عشرَة وَتِسْعمِائَة على مَا مر فاوضه فِي شَأْنه ثمَّ عَاد إِلَى مقره من درعة ثمَّ فِي سنة سِتّ عشرَة بعْدهَا بعث إِلَيْهِ فُقَهَاء الصامدة وشيوخ الْقَبَائِل وَدعوهُ إِلَى تَوليته عَلَيْهِم وَتَسْلِيم الْأَمر إِلَيْهِ فلبى دعوتهم وَجَاء إِلَى قَرْيَة يُقَال لَهَا تيدسي قرب تارودانت فَبَايعهُ النَّاس بهَا وَأَصْبحُوا مَعَه بقلوب متفقة وَأَهْوَاء على الْجِهَاد مجتمعة اه وَقد سَاق منويل أولية هَذِه الدولة مساقا غَرِيبا وَلَا يَخْلُو عَن فَائِدَة فلنذكر مِنْهُ مَا يقرب إِلَى الصِّحَّة وَيكون كالشرح لما مضى أَو يَأْتِي من أَخْبَار هَذِه الدولة قَالَ لما كَانَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله الوطاسي يَعْنِي البرتغالي أَمِيرا بفاس ظهر فِي درعة رجل شرِيف يَعْنِي أَبَا عبد الله مُحَمَّدًا الْقَائِم بِأَمْر الله قَالَ وَكَانَ هَذَا

стр. 869

الشريف من قراء الْقُرْآن وَمن أهل الْعلم وَالدّين والفقر والخمول وَلم يكن من بَيت الرياسة وَكَانَ لَهُ اطلَاع على تواريخ قطره وعوائد جيله وأخلاقهم وطبائعهم وَرَأى مَا وصل إِلَيْهِ ملك الْمغرب من الانحطاط والضعف وتيقن أَنه لَا يصعب عَلَيْهِ تنَاوله فأعمل فِي ذَلِك فكره ومكره وَصَارَ يحض النَّاس على الْقيام بِأُمُور دينهم والامتعاض لَهَا وَكَانَ قد بعث ثَلَاثَة من أَوْلَاده وهم عبد الْكَبِير وَأحمد وَمُحَمّد إِلَى الْحجاز بِقصد الْحَج وَكَانَت لَهُم فصاحة ورجاحة وَمَعْرِفَة بإدارة الْكَلَام فَظهر لَهُم ناموس فِي تِلْكَ الْبِلَاد وأحبهم النَّاس لَا سِيمَا أَحْمد وَمُحَمّد وَلما رجعا من مَكَّة أَقَامَا بفاس وَهِي يَوْمئِذٍ دَار الْملك وترتب أَحْمد فِي مجْلِس بالقرويين لتدريس الْعلم فاكتسب بذلك جاها وتقرب مُحَمَّد إِلَى السُّلْطَان حَتَّى صَار مؤدبا لأولاده وبقيا على ذَلِك مُدَّة وهما فِي ذَلِك كُله يتحببان إِلَى النَّاس ويسعيان فِي مَذَاهِب الشُّهْرَة والبرتغال فِي أثْنَاء ذَلِك ملح على الثغور واستلابها من أَهلهَا وَلم تكن تقوم للْمُسلمين مَعَه راية فَدَعَا ذَلِك الْأَخَوَيْنِ أَحْمد ومحمدا إِلَى أَن ندبا السُّلْطَان وَهُوَ أَبُو عبد الله البرتغالي إِلَى المناداة فِي النَّاس بِالْجِهَادِ إِظْهَارًا للنصح وهما يسران حسوا فِي ارتغاء وقصدهما تَفْرِقَة الْكَلِمَة على السُّلْطَان لَا غير فاغتر السُّلْطَان بنصحهما وَقَالَ لَهما لَا أحد أولى مِنْكُمَا بِالْقيامِ بِهَذِهِ الْوَظِيفَة فأجاباه إِلَى ذَلِك عَن توفر دَاعِيَة وَكَمَال رَغْبَة فأرسلهما يناديان ويستنفران النَّاس فِي نواحي الْمغرب إِلَى الْجِهَاد ويحضان النَّاس عَلَيْهِ ويخطبان بذلك فِي المحافل ويعظان وتتبعا الحواضر والبوادي وتقريا الْأَحْيَاء والمداشر والقرى إِلَى أَن وصلا إِلَى درعة حَيْثُ أَبوهُمَا وأخوهما عبد الْكَبِير فاجتمعا بهما وذاكراهما فِي أَمرهمَا وأنهما قد أشرفا على المُرَاد وكادا يلجان الْملك من بَابه لِأَن أهل تِلْكَ الْبِلَاد كَانُوا سَامِعين لَهُم من قبل الْيَوْم فَكيف بهم الْيَوْم فَحِينَئِذٍ أَخذ الْأَب وَأَوْلَاده فِي نشر معايب الدولة للعامة ويقررون ذَلِك بفصاحتهم ووجاهتهم وَمَا أوتوه من الْقبُول وعضدهم على ذَلِك شُيُوخ الْبَلَد وتبعهم النَّاس واجتمعوا عَلَيْهِم من كل جِهَة وَصَارَ حَالهم ينموا شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى أَن استبدوا على السُّلْطَان وَلم يرجِعوا إِلَيْهِ بعد

стр. 870

وَقَالَ فِي نشر المثاني كَانَ السَّبَب فِي قيام الشرفاء الزيدانيين واستبدادهم بِملك الْمغرب أَن الْحَرْب نشبت بَين النَّصَارَى وَأهل السوس ودامت وَكَانَ بَنو وطاس يمدون أهل السوس بِالْمَالِ وَالْعدَد فاتفق أَن خرج الشريفان مُحَمَّد الشَّيْخ وَأَخُوهُ أَحْمد الْأَعْرَج للْجِهَاد مَعَ أهل السوس فَظهر مكانهما فِي الْجِهَاد فَلَمَّا وَفْدًا على الوطاسي تلقاهما بالرحب وَأَقْبل عَلَيْهِمَا لأجل قيامهما بِالْجِهَادِ وأعطاهما عدَّة وخيولا كَثِيرَة فَرَجَعَا إِلَى جهادهما ثمَّ عادا إِلَيْهِ مرّة أُخْرَى فَأَعْطَاهُمَا مثل ذَلِك وَكَانَت لَهما وقائع فِي النَّصَارَى ونكاية وَظُهُور وصارا يكتبان إِلَى الْقَبَائِل فيساعدونهما على ذَلِك حَتَّى اجْتمعت عَلَيْهِم جموع عديدة فَحِينَئِذٍ خلعا طَاعَة الوطاسي ودعوا لأنفسهما اه قَالَ منويل وَكَانَ أَكثر شهرة أَمرهم بالسوس الْأَقْصَى ودرعة وأعمالهما وصاروا يرفعون إِلَيْهِم زكواتهم وأعشارهم ثمَّ بايعوهم ونهض هَؤُلَاءِ الْأَشْرَاف إِلَى تارودانت فاستولوا عَلَيْهَا وَحَصَّنُوهَا ثمَّ زحفوا إِلَى آكادير لِحَرْب البرتغال فقاتلوه مُدَّة وَلم يفتح لَهُم وَكَانُوا يشيعون أَنهم لَا قصد لَهُم إِلَّا فِي الْجِهَاد ومحاربة عَدو الدّين وَمن هُوَ سلم لَهُ من الْمُسلمين إِذْ لم يتأت لَهُم إِذْ ذَاك التَّصْرِيح بخلع السُّلْطَان وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة تجاوزوا جبل درن إِلَى بِلَاد حاحة والشياظمة ثمَّ دخلُوا بسيطة عَبدة وَكَانَ بآسفي رجل تنصر اسْمه يحيى بن تافوت احتمى بالبرتغال من السُّلْطَان وَكَانَ مَعْرُوفا بالشجاعة واتصل خَبره بطاغية البرتغال منويل فولاه على النَّصَارَى وعَلى أَتْبَاعه من الْمُسلمين تأليفا لَهُ وَلما زحف الْأَشْرَاف إِلَى بِلَاد عَبدة كَانَ بَينهم وَبَين يحيى الْمَذْكُور ونصاراه معركتان شديدتان كَانَ الظُّهُور فيهمَا ليحيى لَكِن أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْأَعْرَج تدارك أمره فَوْرًا وَجمع عسكرا آخر وخطبهم ووعظهم وزحف إِلَى يحيى الْمَذْكُور ففضه وفض نصاراه إِلَى أَن انجحروا بآسفي وأغلقوه عَلَيْهِم وأتيح لِأَحْمَد عَلَيْهِم مَا لم يتَقَدَّم لغيره فيهم فبذلك تأتى لَهُ أَن يتَنَاوَل ملك الْمغرب

стр. 871

وَلما اتَّصل خبر هَذَا الظُّهُور لَهُ بالسلطان الوطاسي لم يُعجبهُ ذَلِك وَظهر لَهُ أَن مَا كَانَ أَحْمد وَأَخُوهُ يحاولانه من أَمر الْجِهَاد لم يكن ظَاهره كباطنه وحقق لَهُ ذَلِك مَا فَعَلُوهُ من تحصين تارودانت مَعَ مَا كَانَ لأبيهم من نُفُوذ الْكَلِمَة بالسوس وَكَانَ فِي هَذَا التَّارِيخ بمراكش وأعمالها عَامل اسْمه نَاصِر بوشتنوف وَكَانَ مستبدا على الوطاسي ويبذل لَهُ شَيْئا تافها يتقيه بِهِ وَلما مر بِهِ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَاف فِي أول أَمرهم داعين إِلَى الْجِهَاد أحسن إِلَيْهِم غَايَة وَلما أوقعوا وقْعَة آسفي أبرموا أَمرهم مَعَ نَاصِر أبي شتنوف وأظهروا لَهُ الْمحبَّة والموالاة وطلبوا مِنْهُ أَن يظاهرهم على جِهَاد الْعَدو وَأَن يَكُونُوا يدا وَاحِدَة وجندا وَاحِدًا عَلَيْهِ فأسعفهم وَقدمُوا مراكش فَدَخَلُوهَا مرّة ثَانِيَة وَأحسن إِلَيْهِم وَبعد أَيَّام خَرجُوا بِهِ للصَّيْد فَسَموهُ فِي خبز صَغِير يُسمى القريشلات فَهَلَك للحين وَصفا للأشراف مراكش وأعمالها إِذا كَانَ أَهلهَا قد أحبوهم وشرهوا إِلَيْهِم وَلما تمّ لَهُم أَمر درعة والسوس ومراكش تسمى أَحْمد باسم الْأَمِير واستخلف أَخَاهُ مُحَمَّدًا الشَّيْخ وَلما اتَّصل الْخَبَر بالوطاسي وَأَنَّهُمْ استولوا على مراكش أقلقه ذَلِك وَمن مكر أَحْمد أَنه بعث إِلَيْهِ يَقُول مَا أَنا إِلَّا وَاحِد من أعمالك وَمَا كَانَ يُعْطِيهِ أهل هَذِه الْبِلَاد أبذله لَك مضاعفا وَمَعَ ذَلِك لم يطمئن إِلَيْهِ ثمَّ هلك الوطاسي وَولي مَكَانَهُ ابْنه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد وانقسمت مملكة الْمغرب فَصَارَت فاس للوطاسي ومراكش وأعمالها لأبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج وتارودانت والسوس ودرعة لمُحَمد الشَّيْخ وَأما عبد الْكَبِير فَإِنَّهُ كَانَ اسْتشْهد قبل هَذَا فِي حَرْب البرتغال قرب آسفي وَلما رأى أَبُو الْعَبَّاس الوطاسي استفحال أَمر الْأَشْرَاف وَأَنَّهُمْ أَمْسكُوا عَنهُ مَا وعدوا بِأَدَائِهِ لِأَبِيهِ عزم على حربهم فَجمع عسكرا عَظِيما وزحف إِلَى مراكش فتحصن أَحْمد الْأَعْرَج بهَا وَقدم عَلَيْهِ أَخُوهُ فَظَاهره على عدوه وَفِي أثْنَاء حصاره الوطاسي لمراكش اتَّصل بِهِ الْخَبَر بِأَن أهل فاس قد قَامُوا عَلَيْهِ وَبَايَعُوا بعض إخْوَته فَرجع إِلَى فاس وَقبض على أَخِيه الثائر عَلَيْهِ ثمَّ كرّ إِلَى

стр. 872

مراكش بعسكر أعظم من الأول وَفِي هَذِه الْمرة برز إِلَيْهِ الْأَشْرَاف خَارج الْبَلَد ثمَّ تقدمُوا إِلَيْهِ فَكَانَ اللِّقَاء على أبي عقبَة من تادلا وَوَقعت بَينهم حَرْب هائلة لِأَن الوطاسيين كَانُوا يرَوْنَ أَن هَذِه الْحَرْب هِيَ الفيصل بَينهم وَبَين عدوهم والأشراف كَذَلِك وَحضر هَذَا الْحَرْب أَبُو عبد الله ابْن الْأَحْمَر سُلْطَان الأندلس المخلوع وأبلى بلَاء حسنا حَتَّى قتل وَكَانَ الظُّهُور للأشراف وَرجع الوطاسي مفلولا إِلَى فاس وَترك محلته بِمَا فِيهَا من مدافع وَغَيرهَا بيد عدوه وَبعد هَذِه الْوَقْعَة استولى الْأَشْرَاف على تافيلالت وملكوا آكادير وآسفي وآزمور لِأَن البرتغال كَانُوا قد تخلوا عَنْهَا ثمَّ عَن قريب حدث بَين الْأَخَوَيْنِ النفرة وحاول رجال دولتهما الْوِفَاق بَينهمَا فَلم يتَّفقَا وَكَانَت الكرة على أَحْمد وفر ابْنه زَيْدَانَ الَّذِي كَانَ عضد أَبِيه فِي الحروب إِلَى تافيلالت فاستولى عَلَيْهَا واقتطعها عَن عَمه مُحَمَّد الشَّيْخ ثمَّ زحف الشَّيْخ إِلَى فاس فحاصرها إِلَى أَن قبض على الوطاسيين وغربهم إِلَى درعة اه كَلَام منويل ثمَّ نرْجِع إِلَى سِيَاقَة الْخَبَر عَن هَذِه الدولة حَسْبَمَا عِنْد اليفرني وَغَيره أَخْبَار الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم فِي الْجِهَاد وَمَا هيأ الله لَهُ من النَّصْر فِيهِ لما استتب أَمر الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم وَاجْتمعت كلمة الْقَبَائِل السوسية عَلَيْهِ ندب النَّاس إِلَى مقارعة البرتغال وجهاده ونفيه عَن ثغور الْمغرب وبلاده وَكَانَت مَعَه يَوْمئِذٍ جموع حافلة من الْمُسلمين فصمدوا مَعَه إِلَى النَّصَارَى وناوشوهم الْحَرْب فأتاح الله للأمير أبي عبد الله الْفَتْح والنصر ونثر أثلاء الْكفَّار بمخالب الظفر وَأخرج حَيَّة الغي من جحرها وَأعَاد كلمة الْإِسْلَام إِلَى مقرها فَلَمَّا رأى الْمُسلمُونَ ذَلِك تيمنوا بطلعته وتفاءلوا بطائره الميمون ونقيبته وَزَادَهُمْ ذَلِك محبَّة فِي جَانِبه وتعظيما فِي مكانته وَلما فصل من جهاده عَاد إِلَى مَحَله الْمَذْكُور من تيدسي فَوَقع بَينه وَبَين بعض الرؤساء هُنَالك منافرة أدَّت إِلَى ارتحاله عَنْهَا وَعوده إِلَى درعة فَلم يزل مُقيما

стр. 873

بهَا إِلَى سنة ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة فَرجع إِلَى مَكَانَهُ من تيدسي واطمأنت بِهِ دارها وأزال الله عَنهُ مَا كَانَ أزعجه عَنْهَا وَالله غَالب على أمره عقد الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم ولَايَة الْعَهْد لِابْنِهِ أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج رَحِمهم الله تَعَالَى قد تقدم لنا مَا كَانَ من أَمر الرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا الْأَمِير أَبُو عبد الله الْقَائِم فِي شَأْن ولديه وأنهما يملكَانِ الْمغرب وَفِي معنى ذَلِك أَيْضا مَا يحْكى شَائِعا أَن وَلَدي أبي عبد الله الْمَذْكُور وهما أَبُو الْعَبَّاس الْأَعْرَج وَأَبُو عبد الله الشَّيْخ كَانَا يقرآن فِي مكتب وهما صبيان فَدخل ديك فَوَثَبَ على رَأس كل مِنْهُمَا وصرخ فَأول ذَلِك مؤدبهما بِأَنَّهُمَا سَيكون لَهما شَأْن فَمن أجل هَذَا وَنَحْوه كَانَ والدهما يعلن بِأَن أَمر الْمغرب صائر إِلَيْهِمَا فَلَمَّا قضى الله ببيعته واجتماع النَّاس عَلَيْهِ واطمأنت بِهِ فِي الْبِلَاد السوسية الدَّار وطاب لَهُ بهَا الْمقَام والقرار ندب النَّاس إِلَى بيعَة أكبر ولديه وَهُوَ الْأَمِير أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْمَعْرُوف بالأعرج فَبَايعُوهُ وَكَانَ ذَلِك مبدأ ظُهُور أمره على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى انْتِقَال الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم إِلَى أفغال من بِلَاد حاحة ووفاته بهَا ﵀ ثمَّ إِن أَبَا عبد الله الْقَائِم وَفد عَلَيْهِ أَشْيَاخ حاحة والشياظمة لما بَلغهُمْ من حسن سيرته ونصرة لوائه فشكوا إِلَيْهِ أَمر البرتغال ببلادهم وَشدَّة شوكته واستطالته عَلَيْهِم وطلبوا مِنْهُ أَن ينْتَقل إِلَيْهِم هُوَ وَولده ولي الْعَهْد الْمَذْكُور فأجابهم إِلَى ذَلِك ونهض مَعَهم هُوَ وَابْنه أَبُو الْعَبَّاس إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بآفغال من بِلَاد حاحة وَترك وَلَده الْأَصْغَر أَبَا عبد الله الشَّيْخ بالسوس يرتب

стр. 874

الْأُمُور ويمهد المملكة ويباكر الْعَدو بِالْقِتَالِ ويراوحه وَاسْتمرّ الْأَمِير أَبُو عبد الله الْقَائِم بمكانه من آفغال مسموع الْكَلِمَة متبوع الْعقب إِلَى أَن توفّي بِهِ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَدفن هُنَالك بِإِزَاءِ ضريح الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْجُزُولِيّ ﵁ إِلَى أَن نقل إِلَى مراكش بِنَقْل الشَّيْخ الْمَذْكُور على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْأَعْرَج ابْن الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم ﵀ كَانَت ولادَة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج فِيمَا حَقَّقَهُ ابْن القَاضِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وبويع بِولَايَة الْعَهْد من أَبِيه سنة ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة كَمَا مر وَلما توفّي أَبوهُ فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم اجْتمع النَّاس على بيعَته من سَائِر الْآفَاق وآتوه طاعتهم عَن رضَا مِنْهُم وإصفاق فاستقام أمره وَصرف عزمه إِلَى تمهيد الْبِلَاد واقتناء الأجناد وتعبية الجيوش إِلَى الثغور وَشن الغارات على الْعَدو فِي الآصال والبكور فِي أحواز تيلمست وآسفي وَغَيرهمَا وَكَانَ النَّصَارَى قد خيموا بشاطئ الْبَحْر وعاثوا فِي تِلْكَ السواحل فأجلاهم عَنْهَا وطهر تِلْكَ الْبِقَاع من رجسهم وأراح أَهلهَا من شؤمهم ونحسهم وَفِي ذَلِك يَقُول الْبِقَاع مخلوف بن صَالح يمدحه (فَللَّه هَذَا الْهَاشِمِي وفضله ... فلولاه صال الْكفْر أعظم صولة)

стр. 875

دُخُول السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج مراكش واستيلاؤه عَلَيْهَا لما كَانَ من إِيقَاع السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بنصارى السوس وانتصاره عَلَيْهِم مَا ذَكرْنَاهُ بعد صيته وانتشر فِي الْبِلَاد ذكره وأهرع النَّاس إِلَيْهِ من كل جَانب وَدخلت فِي طَاعَته سَائِر الْبِلَاد السوسية فَعِنْدَ ذَلِك كَاتبه أُمَرَاء هنتاتة مُلُوك مراكش يخطبون أمره ويرومون الدُّخُول فِي طَاعَته فَأجَاب داعيهم وانتقل إِلَى مراكش فَدَخلَهَا فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَاسْتولى عَلَيْهَا وَكَانَ من أمره مَا نذكرهُ نقل الشَّيْخ الْجُزُولِيّ ﵁ من مدفنه بآفغال إِلَى مراكش وَالسَّبَب فِي ذَلِك قد تقدم لنا فِي أَخْبَار عَمْرو السياف أَنه كَانَ فِي ابْتِدَاء أمره من أَصْحَاب الشَّيْخ الْجُزُولِيّ هَذَا وَأَنه لما توفّي الشَّيْخ الْمَذْكُور جعل جثته فِي تَابُوت وَصَارَ يستنصر بِهِ فِي حروبه مُدَّة من عشْرين سنة أَو نَحْوهَا ثمَّ دفن بعد ذَلِك بآفغال وَتقدم لنا أَن الْأَمِير أَبَا عبد الله الْقَائِم لما توفّي دَفنه ابْنه أَبُو الْعَبَّاس بِإِزَاءِ هَذَا الشَّيْخ ثمَّ لما ملك أَبُو الْعَبَّاس الْمَذْكُور مراكش نقل الشَّيْخ الْجُزُولِيّ إِلَيْهَا وَنقل أَبَاهُ مَعَه فدفنه بِقُرْبِهِ أَيْضا وَاخْتلف فِي سَبَب ذَلِك فَقيل إِن السُّلْطَان الْمَذْكُور خَافَ أَن يثور عَلَيْهِ أحد بِتِلْكَ الْبِلَاد فيستخرج الشَّيْخ من ملحده وينتصر عَلَيْهِ بِهِ فنقله إِلَى مراكش ليأمن من ذَلِك وَقيل إِن الْحَامِل لَهُ على نَقله أَنه ذكر لَهُ أَن تَحْتَهُ كنز فتعلل للنبش عَنهُ بِأَنَّهُ قصد نَقله إِلَى الحضرة تبركا بِهِ وَالله أعلم وَكَانَ ذَلِك كُله فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة

стр. 876

مَجِيء السُّلْطَان أبي عبد الله الوطاسي إِلَى مراكش وحصاره للسُّلْطَان الْأَعْرَج بهَا ثمَّ إقلاعه عَنْهَا لما استولى السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الْأَعْرَج على مراكش وَصفا لَهُ أمرهَا اتَّصل خَبره بِصَاحِب فاس أبي عبد الله الوطاسي الْمَعْرُوف بالبرتغالي فَأقبل فِي جموع عديدة مَعَ وزيره ابْن عَمه المسعود بن النَّاصِر وَيُقَال مَعَ أَخِيه النَّاصِر فَلَمَّا رأى السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس مَا لَا قبل لَهُ بِهِ تحصن بمراكش وشحن أسوارها بالرماة والمقاتلة وزحف الوطاسي إِلَى الحضرة فنصب الأنفاض عَلَيْهَا ووالى الرَّمْي عَلَيْهَا أَيَّامًا وَاشْتَدَّ الْأَمر على النَّاس فَكَانَ من ذهابهم إِلَى الشَّيْخ الغزواني وَخُرُوجه إِلَى بَاب الْخَمِيس وَقَوله عِنْد إِصَابَة الرصاصة لَهُ أَنَّهَا خَاتِمَة حربهم مَا قدمْنَاهُ فِي أَخْبَار الوطاسيين مُسْتَوفى ثمَّ كَانَ اللِّقَاء بعد ذَلِك بَين الْفَرِيقَيْنِ إِنَّمَا يكون فِي تادلا وأعمالها على مَا مر وَالله أعلم خبر آسفي والثغور رَأَيْت فِي تواريخ الفرنج أَن البرتغال خَرجُوا من آسفي سنة ألف وَخَمْسمِائة وَثَلَاثِينَ مسيحية وَهَذَا التَّارِيخ يُوَافقهُ من سني الْهِجْرَة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَهِي وسط دولة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس وَزعم هَذَا المؤرخ

стр. 877

أَنهم خَرجُوا مِنْهَا من قبل أنفسهم ونقلوا جَمِيع مَا كَانَ فِيهَا من عدَّة وأثاث إِلَى الجديدة بَعْدَمَا خربوها وأفسدوها وأوقدوا فِيهَا النَّار قَالَ وَبقيت اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَهِي مخربة إِلَى أَن أصلحها السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ يَعْنِي السَّعْدِيّ الْآتِي ذكره وَفِي النزهة مَا يقرب من هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ بعد ذكر إِيقَاع السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بنصارى السواحل مَا نَصه وَيُقَال إِن النَّصَارَى لما رَأَوْا مَا فعل بِمن كَانَ مِنْهُم بالسوس من الْقَتْل والسبي أخلوا ثغر آزمور ورباط آسفي وآصيلا من غير قتال ثمَّ نقل هَذَا الْخَبَر فِي مَحل آخر عَن ابْن القَاضِي مَنْسُوبا إِلَى أبي عبد الله الشَّيْخ وَسَيَأْتِي ذكره فِي مَحَله وأظن أَن الإخلاء كَانَ متكررا وَالله أعلم وعَلى كل حَال فَذكر آصيلا هُنَا غير مُنَاسِب إِذْ هِيَ يَوْمئِذٍ فِي جِهَة الوطاسيين وتخومهم فَمَا بَال نصاراها يخرجُون فِرَارًا مِنْهَا خوفًا من السعديين وَلَيْسوا مجاورين لَهُم وَلَا متوقعين هجومهم عَلَيْهِم ثمَّ كَانَ بعد هَذَا بَين أبي الْعَبَّاس السَّعْدِيّ وَأبي الْعَبَّاس الوطاسي من الْحَرْب وَالسّلم مَا تقدم بَيَانه كوقعة آنماي ووقعة أبي عقبَة وَغَيرهمَا مِمَّا لَا فَائِدَة فِي إِعَادَته حُدُوث النفرة بَين الْأَخَوَيْنِ السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج ووزيره أبي عبد الله الشَّيْخ وَمَا نَشأ عَن ذَلِك كَانَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس ﵀ من الشهامة والصرامة واستفحال الْأَمر بِالْمحل الَّذِي وصفناه قبل وَكَانَ أَخُوهُ أَبُو عبد الله الشَّيْخ أَصْغَر سنا مِنْهُ وَكَانَ تَحت طَاعَته وَاقِفًا عِنْد إِشَارَته وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس يستشيره فِي أُمُوره ويفاوضه فِي مهماته ويستعين بنجدته فِي الزحوف والمعارك ويستضيء بِرَأْيهِ فِي الْحَوَادِث الحوالك وَكَانَ الشَّيْخ ثاقب الذِّهْن نَافِذ البصيرة مُصِيب الرَّأْي حازما شهما فَكَانَت كلمتهما وَاحِدَة وَأَمرهمَا

стр. 878

جَمِيعًا إِلَى أَن دخل الوشاة بَينهمَا فأفسدوا قلوبهما وأفضى الْحَال إِلَى المصافة والمقاتلة وانقسم الْجند حزبين وانصرفت كل طَائِفَة إِلَى متبوعها وَصَاحب أمرهَا وتقاتلا مُدَّة وَكَانَت جلّ الْقَبَائِل السوسية صاغية إِلَى الشَّيْخ لما كَانَ نَشأ بَين أظهرهم وسبروه من نجابته وكفايته مُنْذُ تَركه أَبوهُ عِنْدهم عِنْد انْتِقَاله إِلَى آفغال حَسْبَمَا مر فاستفحل أمره وَغلب على أَخِيه أبي الْعَبَّاس فَقبض عَلَيْهِ وَاسْتولى على مَا بِيَدِهِ وَاجْتمعت كلمة أهل السوس عَلَيْهِ ثمَّ أودع أَخَاهُ وَأَوْلَاده السجْن ووسع عَلَيْهِم فِي الجرايات والنفقات وَأصْبح ملكا مُسْتقِلّا بعد أَن كَانَ وزيرا وَكَانَ ذَلِك سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَفِي نشر المثاني أَن قبض الشَّيْخ على أَخِيه أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج كَانَ سنة إِحْدَى وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَالْأول أصح وَلم يزل السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس وَأَوْلَاده فِي حكم الثقاف إِلَى أَن قتل يَوْم مقتل أَخِيه الشَّيْخ بعد ثَمَان عشرَة سنة أَو نَحْوهَا حَسْبَمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله وَكَانَت دولته من يَوْم بُويِعَ إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ أَخُوهُ ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَكَانَ من حجابه مُحَمَّد بن عَليّ الأنكراطي اليملالي وَمُحَمّد بن أبي زيد المنزاري وَمن كِتَابه سعيد بن عَليّ الحامدي ﵏ أَمر زَيْدَانَ ابْن السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس وَمَا كَانَ مِنْهُ قَالَ صَاحب درة الحجال اخْتلف النَّاس هَل بُويِعَ لزيدان بن الْأَعْرَج بعد وَفَاة أَبِيه أم لَا وَقَالَ شَارِح زهرَة الشماريخ كَانَ زَيْدَانَ بن أبي الْعَبَّاس بسجلماسة وبويع لَهُ بهَا فَلم يتم أمره وَنفي إِلَى أَن توفّي سنة سِتِّينَ وَتِسْعمِائَة

стр. 879

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الْمهْدي الْمَعْرُوف بالشيخ ابْن الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم بِأَمْر الله كَانَت ولادَة السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ سنة سِتّ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة ويلقب بالشيخ بآمغار وَهُوَ الشَّيْخ بالبربرية ويلقب من الألقاب السُّلْطَانِيَّة بالمهدي لقبه بِهِ غير وَاحِد من أَئِمَّة عصره وَنَشَأ فِي عفاف وصيانة وعني بِالْعلمِ فِي صغره وَتعلق بأهدابه فَأخذ عَن جمَاعَة من الشُّيُوخ وَبلغ فِيهِ إِلَى دَرَجَة الرسوخ فتح حصن فونتي وآسفي وآزمور وَمَا قيل فِي ذَلِك لما اسْتَقل السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ بِأَمْر السوس وَاجْتمعت كَلمته عَلَيْهِ صرف عزمه إِلَى جِهَاد الْعَدو الَّذِي بثغوره وحصونه وأرهف حَده لتطهيرها من بقايا شغبه وزبونه فانتصر عَلَيْهِم واستأصل شأفتهم وَقطع من تِلْكَ النواحي دابرهم وحسم آفتهم قَالَ ابْن القَاضِي كَانَ الشَّيْخ ﵀ ماضي الْعَزِيمَة قوي الشكيمة عَظِيم الهيبة كثير الْغَزَوَات ذَا همة عالية وشهامة عالية فعد قَوَاعِد الْملك وَأسسَ مبانيه وأحيى مراسم الْخلَافَة الدارسة ومعالمها الطامسة وَكَانَ لَهُ سعد وبخت عَظِيم فِي الْجِهَاد وَيَد بَيْضَاء فِي الْإِسْلَام فتح حصن النَّصَارَى بالسوس يَعْنِي حصن فونتي بعد أَن أَقَامُوا فِيهِ اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة وَكَانَ منصورا بِالرُّعْبِ حَتَّى تركُوا لَهُ آسفي وآزمور وآصيلا من غير قتال وَلَا إيجَاف عَلَيْهِم اه وَنَحْوه فِي تَارِيخ البرتغاليين زَاد مؤرخهم أَن ذَلِك كَانَ بِإِذن طاغيتهم صَاحب أشبونة وَقد تقدم نَحْو هَذَا فِي أَخْبَار الْأَعْرَج وَالْجَوَاب عَنهُ وَكَانَ فتح فونتي سنة سبع وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة كَمَا فِي النزهة وَفتح آسفي سنة

стр. 880

ثَمَان وَأَرْبَعين بعْدهَا كَمَا فِي الْمرْآة وَعند البرتغاليين أَن ذَلِك كَانَ سنة ألف وَخَمْسمِائة واثنتين وَأَرْبَعين مسيحية وَهُوَ مُوَافق لهَذَا التَّارِيخ الهجري وَفِي الدوحة لما أخلى النَّصَارَى آزمور تسارع إِلَيْهَا جمَاعَة من الْفُقَرَاء مِنْهُم الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله الكوش دَفِين جبل الْعرض من فاس وَالشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن ساسي دَفِين تانسيفت قرب مراكش فقعدوا بهَا يحرسونها حَتَّى يَأْتِي مدد الْمُسلمين وَمن يعمرها مِنْهُم مَخَافَة أَن يرجع إِلَيْهَا الْعَدو فَإِذا بِهِ قد رَجَعَ واقتحمها عَلَيْهِم وأسرهم إِلَى أَن افتكهم الْمُسلمُونَ قَالَ منويل كَانَ فداؤهما بألفي ريال ومائتي ريال بالتثنية فيهمَا وَلما افتدى الشَّيْخ الكوش وعزم على الْخُرُوج وَكَانَ أَسِيرًا عِنْد امْرَأَة نَصْرَانِيَّة ناولته كتبا للْمُسلمين وَقَالَت لَهُ هَذِه كتب كَانَت عِنْدِي وَلَا حَاجَة لي بهَا فَخذهَا إِلَيْك فَأَخذهَا وَخرج بهَا فِي قفة على رَأسه فَكَانَ من جُمْلَتهَا كتاب تَنْبِيه الْأَنَام الْمَوْضُوع فِي الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فَكَانَ ذَلِك أول دُخُوله لهَذِهِ الْبِلَاد على يَد الشَّيْخ الْمَذْكُور اه بِنَاء حصن آكادير قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس ابْن القَاضِي فِي كِتَابه الْمُنْتَقى الْمَقْصُور كَانَت للأمير السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ مآثر حسنه مِنْهَا أَنه أول من اختط مرسى آكادير بالسوس الْأَقْصَى سنة سبع وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة لما أجلى النَّصَارَى من الْموضع الْمَعْرُوف بفونتي على مقربة من آكادير الْمَذْكُور وَكَانَ لَهُ فِي اختطاطه رَأْي مُصِيب وفراسة تَامَّة اه
следующие страницы →