← История

История · id 6627

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

مَجِيء السُّلْطَان أبي عبد الله الوطاسي إِلَى مراكش وحصاره للسُّلْطَان الْأَعْرَج بهَا ثمَّ إقلاعه عَنْهَا لما استولى السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الْأَعْرَج على مراكش وَصفا لَهُ أمرهَا اتَّصل خَبره بِصَاحِب فاس أبي عبد الله الوطاسي الْمَعْرُوف بالبرتغالي فَأقبل فِي جموع عديدة مَعَ وزيره ابْن عَمه المسعود بن النَّاصِر وَيُقَال مَعَ أَخِيه النَّاصِر فَلَمَّا رأى السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس مَا لَا قبل لَهُ بِهِ تحصن بمراكش وشحن أسوارها بالرماة والمقاتلة وزحف الوطاسي إِلَى الحضرة فنصب الأنفاض عَلَيْهَا ووالى الرَّمْي عَلَيْهَا أَيَّامًا وَاشْتَدَّ الْأَمر على النَّاس فَكَانَ من ذهابهم إِلَى الشَّيْخ الغزواني وَخُرُوجه إِلَى بَاب الْخَمِيس وَقَوله عِنْد إِصَابَة الرصاصة لَهُ أَنَّهَا خَاتِمَة حربهم مَا قدمْنَاهُ فِي أَخْبَار الوطاسيين مُسْتَوفى ثمَّ كَانَ اللِّقَاء بعد ذَلِك بَين الْفَرِيقَيْنِ إِنَّمَا يكون فِي تادلا وأعمالها على مَا مر وَالله أعلم خبر آسفي والثغور رَأَيْت فِي تواريخ الفرنج أَن البرتغال خَرجُوا من آسفي سنة ألف وَخَمْسمِائة وَثَلَاثِينَ مسيحية وَهَذَا التَّارِيخ يُوَافقهُ من سني الْهِجْرَة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَهِي وسط دولة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس وَزعم هَذَا المؤرخ

стр. 877

أَنهم خَرجُوا مِنْهَا من قبل أنفسهم ونقلوا جَمِيع مَا كَانَ فِيهَا من عدَّة وأثاث إِلَى الجديدة بَعْدَمَا خربوها وأفسدوها وأوقدوا فِيهَا النَّار قَالَ وَبقيت اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَهِي مخربة إِلَى أَن أصلحها السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ يَعْنِي السَّعْدِيّ الْآتِي ذكره وَفِي النزهة مَا يقرب من هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ بعد ذكر إِيقَاع السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بنصارى السواحل مَا نَصه وَيُقَال إِن النَّصَارَى لما رَأَوْا مَا فعل بِمن كَانَ مِنْهُم بالسوس من الْقَتْل والسبي أخلوا ثغر آزمور ورباط آسفي وآصيلا من غير قتال ثمَّ نقل هَذَا الْخَبَر فِي مَحل آخر عَن ابْن القَاضِي مَنْسُوبا إِلَى أبي عبد الله الشَّيْخ وَسَيَأْتِي ذكره فِي مَحَله وأظن أَن الإخلاء كَانَ متكررا وَالله أعلم وعَلى كل حَال فَذكر آصيلا هُنَا غير مُنَاسِب إِذْ هِيَ يَوْمئِذٍ فِي جِهَة الوطاسيين وتخومهم فَمَا بَال نصاراها يخرجُون فِرَارًا مِنْهَا خوفًا من السعديين وَلَيْسوا مجاورين لَهُم وَلَا متوقعين هجومهم عَلَيْهِم ثمَّ كَانَ بعد هَذَا بَين أبي الْعَبَّاس السَّعْدِيّ وَأبي الْعَبَّاس الوطاسي من الْحَرْب وَالسّلم مَا تقدم بَيَانه كوقعة آنماي ووقعة أبي عقبَة وَغَيرهمَا مِمَّا لَا فَائِدَة فِي إِعَادَته حُدُوث النفرة بَين الْأَخَوَيْنِ السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج ووزيره أبي عبد الله الشَّيْخ وَمَا نَشأ عَن ذَلِك كَانَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس ﵀ من الشهامة والصرامة واستفحال الْأَمر بِالْمحل الَّذِي وصفناه قبل وَكَانَ أَخُوهُ أَبُو عبد الله الشَّيْخ أَصْغَر سنا مِنْهُ وَكَانَ تَحت طَاعَته وَاقِفًا عِنْد إِشَارَته وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس يستشيره فِي أُمُوره ويفاوضه فِي مهماته ويستعين بنجدته فِي الزحوف والمعارك ويستضيء بِرَأْيهِ فِي الْحَوَادِث الحوالك وَكَانَ الشَّيْخ ثاقب الذِّهْن نَافِذ البصيرة مُصِيب الرَّأْي حازما شهما فَكَانَت كلمتهما وَاحِدَة وَأَمرهمَا

стр. 878

جَمِيعًا إِلَى أَن دخل الوشاة بَينهمَا فأفسدوا قلوبهما وأفضى الْحَال إِلَى المصافة والمقاتلة وانقسم الْجند حزبين وانصرفت كل طَائِفَة إِلَى متبوعها وَصَاحب أمرهَا وتقاتلا مُدَّة وَكَانَت جلّ الْقَبَائِل السوسية صاغية إِلَى الشَّيْخ لما كَانَ نَشأ بَين أظهرهم وسبروه من نجابته وكفايته مُنْذُ تَركه أَبوهُ عِنْدهم عِنْد انْتِقَاله إِلَى آفغال حَسْبَمَا مر فاستفحل أمره وَغلب على أَخِيه أبي الْعَبَّاس فَقبض عَلَيْهِ وَاسْتولى على مَا بِيَدِهِ وَاجْتمعت كلمة أهل السوس عَلَيْهِ ثمَّ أودع أَخَاهُ وَأَوْلَاده السجْن ووسع عَلَيْهِم فِي الجرايات والنفقات وَأصْبح ملكا مُسْتقِلّا بعد أَن كَانَ وزيرا وَكَانَ ذَلِك سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَفِي نشر المثاني أَن قبض الشَّيْخ على أَخِيه أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج كَانَ سنة إِحْدَى وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَالْأول أصح وَلم يزل السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس وَأَوْلَاده فِي حكم الثقاف إِلَى أَن قتل يَوْم مقتل أَخِيه الشَّيْخ بعد ثَمَان عشرَة سنة أَو نَحْوهَا حَسْبَمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله وَكَانَت دولته من يَوْم بُويِعَ إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ أَخُوهُ ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَكَانَ من حجابه مُحَمَّد بن عَليّ الأنكراطي اليملالي وَمُحَمّد بن أبي زيد المنزاري وَمن كِتَابه سعيد بن عَليّ الحامدي ﵏ أَمر زَيْدَانَ ابْن السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس وَمَا كَانَ مِنْهُ قَالَ صَاحب درة الحجال اخْتلف النَّاس هَل بُويِعَ لزيدان بن الْأَعْرَج بعد وَفَاة أَبِيه أم لَا وَقَالَ شَارِح زهرَة الشماريخ كَانَ زَيْدَانَ بن أبي الْعَبَّاس بسجلماسة وبويع لَهُ بهَا فَلم يتم أمره وَنفي إِلَى أَن توفّي سنة سِتِّينَ وَتِسْعمِائَة

стр. 879

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الْمهْدي الْمَعْرُوف بالشيخ ابْن الْأَمِير أبي عبد الله الْقَائِم بِأَمْر الله كَانَت ولادَة السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ سنة سِتّ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة ويلقب بالشيخ بآمغار وَهُوَ الشَّيْخ بالبربرية ويلقب من الألقاب السُّلْطَانِيَّة بالمهدي لقبه بِهِ غير وَاحِد من أَئِمَّة عصره وَنَشَأ فِي عفاف وصيانة وعني بِالْعلمِ فِي صغره وَتعلق بأهدابه فَأخذ عَن جمَاعَة من الشُّيُوخ وَبلغ فِيهِ إِلَى دَرَجَة الرسوخ فتح حصن فونتي وآسفي وآزمور وَمَا قيل فِي ذَلِك لما اسْتَقل السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ بِأَمْر السوس وَاجْتمعت كَلمته عَلَيْهِ صرف عزمه إِلَى جِهَاد الْعَدو الَّذِي بثغوره وحصونه وأرهف حَده لتطهيرها من بقايا شغبه وزبونه فانتصر عَلَيْهِم واستأصل شأفتهم وَقطع من تِلْكَ النواحي دابرهم وحسم آفتهم قَالَ ابْن القَاضِي كَانَ الشَّيْخ ﵀ ماضي الْعَزِيمَة قوي الشكيمة عَظِيم الهيبة كثير الْغَزَوَات ذَا همة عالية وشهامة عالية فعد قَوَاعِد الْملك وَأسسَ مبانيه وأحيى مراسم الْخلَافَة الدارسة ومعالمها الطامسة وَكَانَ لَهُ سعد وبخت عَظِيم فِي الْجِهَاد وَيَد بَيْضَاء فِي الْإِسْلَام فتح حصن النَّصَارَى بالسوس يَعْنِي حصن فونتي بعد أَن أَقَامُوا فِيهِ اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة وَكَانَ منصورا بِالرُّعْبِ حَتَّى تركُوا لَهُ آسفي وآزمور وآصيلا من غير قتال وَلَا إيجَاف عَلَيْهِم اه وَنَحْوه فِي تَارِيخ البرتغاليين زَاد مؤرخهم أَن ذَلِك كَانَ بِإِذن طاغيتهم صَاحب أشبونة وَقد تقدم نَحْو هَذَا فِي أَخْبَار الْأَعْرَج وَالْجَوَاب عَنهُ وَكَانَ فتح فونتي سنة سبع وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة كَمَا فِي النزهة وَفتح آسفي سنة

стр. 880

ثَمَان وَأَرْبَعين بعْدهَا كَمَا فِي الْمرْآة وَعند البرتغاليين أَن ذَلِك كَانَ سنة ألف وَخَمْسمِائة واثنتين وَأَرْبَعين مسيحية وَهُوَ مُوَافق لهَذَا التَّارِيخ الهجري وَفِي الدوحة لما أخلى النَّصَارَى آزمور تسارع إِلَيْهَا جمَاعَة من الْفُقَرَاء مِنْهُم الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله الكوش دَفِين جبل الْعرض من فاس وَالشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن ساسي دَفِين تانسيفت قرب مراكش فقعدوا بهَا يحرسونها حَتَّى يَأْتِي مدد الْمُسلمين وَمن يعمرها مِنْهُم مَخَافَة أَن يرجع إِلَيْهَا الْعَدو فَإِذا بِهِ قد رَجَعَ واقتحمها عَلَيْهِم وأسرهم إِلَى أَن افتكهم الْمُسلمُونَ قَالَ منويل كَانَ فداؤهما بألفي ريال ومائتي ريال بالتثنية فيهمَا وَلما افتدى الشَّيْخ الكوش وعزم على الْخُرُوج وَكَانَ أَسِيرًا عِنْد امْرَأَة نَصْرَانِيَّة ناولته كتبا للْمُسلمين وَقَالَت لَهُ هَذِه كتب كَانَت عِنْدِي وَلَا حَاجَة لي بهَا فَخذهَا إِلَيْك فَأَخذهَا وَخرج بهَا فِي قفة على رَأسه فَكَانَ من جُمْلَتهَا كتاب تَنْبِيه الْأَنَام الْمَوْضُوع فِي الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فَكَانَ ذَلِك أول دُخُوله لهَذِهِ الْبِلَاد على يَد الشَّيْخ الْمَذْكُور اه بِنَاء حصن آكادير قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس ابْن القَاضِي فِي كِتَابه الْمُنْتَقى الْمَقْصُور كَانَت للأمير السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ مآثر حسنه مِنْهَا أَنه أول من اختط مرسى آكادير بالسوس الْأَقْصَى سنة سبع وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة لما أجلى النَّصَارَى من الْموضع الْمَعْرُوف بفونتي على مقربة من آكادير الْمَذْكُور وَكَانَ لَهُ فِي اختطاطه رَأْي مُصِيب وفراسة تَامَّة اه

стр. 881

اسْتِيلَاء السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ على مراكش وتجديد الْبيعَة لَهُ بهَا كَانَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ بعد الْقَبْض على أَخِيه واستقلاله بِالْأَمر قد أَقَامَ بالبلاد السوسية مثابرا على جِهَاد الْعَدو إِلَى أَن قلع عروق مفسدته مِنْهَا وَكَانَت مراكش فِي هَذِه الْمدَّة قد توقفت عَن بيعَته وتربصت عَن الدُّخُول فِي دَعوته اتقاء للوطاسيين وارتياء فِي أمره إِلَى مَاذَا يؤول وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى سنة إِحْدَى وَخمسين وَتِسْعمِائَة فانقادت لَهُ حِينَئِذٍ وَبَايَعَهُ أَهلهَا فَقَدمهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا وخلص لَهُ جَمِيع مَا كَانَ بيد أَخِيه المخلوع من تادلا إِلَى وَادي نول وَالله غَالب على أمره نهوض السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ لِحَرْب بني وطاس واستيلاؤه على مكناسة وَمَا اتّفق لَهُ فِي ذَلِك لما استولى السُّلْطَان أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ على مراكش وصفت لَهُ أَعمالهَا طمحت نَفسه للاستيلاء على بَقِيَّة بِلَاد الْمغرب وأمصاره وَقطع جرثومة الوطاسيين من سَائِر أقطاره فَجمع الجموع وَتقدم بهَا إِلَى أَعمال فاس فَلم يزل يستفتحها بَلَدا بَلَدا ومصرا مصرا إِلَى أَن أَتَى عَلَيْهَا أجمع وَكَانَ أول مَا ملك مِنْهَا مكناسة الزَّيْتُون فَإِنَّهُ افتتحها عقب سنة خمس وَخمسين وَتِسْعمِائَة بعد حِصَار وقتال كَبِير

стр. 882

حِصَار السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ حَضْرَة فاس ومقتل الشَّيْخ عبد الْوَاحِد الوانشريسي ﵀ كَانَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ قد ألح على فاس بِالْقِتَالِ وحاصرها حصارا طَويلا وَلما عسر عَلَيْهِ أمرهَا بحث عَن ذَلِك فَقيل لَهُ لَا سَبِيل لَك إِلَيْهَا وَلَا يُبَايِعك أَهلهَا إِلَّا إِذا بَايَعَك ابْن الوانشريسي يعنون الشَّيْخ الْفَقِيه أَبَا مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الوانشريسي ﵀ فَبعث إِلَيْهِ السُّلْطَان الْمَذْكُور سرا ووعده ومناه فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ عبد الْوَاحِد بيعَة هَذَا السُّلْطَان يَعْنِي أَبَا الْعَبَّاس الوطاسي فِي رقبتي وَلَا يحل لي خلعها إِلَّا لموجب شَرْعِي وَهُوَ غير مَوْجُود وَزعم بَعضهم أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور كتب إِلَى أهل فاس يَقُول لَهُم إِنِّي إِن دخلت فاسا صلحا ملأتها عدلا وَإِن دَخَلتهَا عنْوَة ملأتها قتلا فَأَجَابَهُ ابْن الوانشريسي بِأَبْيَات أغْلظ لَهُ فِيهَا مِنْهَا قَوْله (كذبت وَبَيت الله مَا تحسن العدلا ... وَلَا خصك الْمولى بِفضل وَلَا أولى) كَذَا فِي النزهة قلت وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات قديمَة والوانشريسي إِنَّمَا تمثل بِهِ لَا غير فقد ذكر الْعَلامَة ابْن خلدون فِي أَخْبَار بني صَالح بن مَنْصُور الْحِمْيَرِي أَصْحَاب قلعة نكور لأوّل الْفَتْح أَن عبيد الله الْمهْدي العبيدي صَاحب إفريقية لما تغلب على الْمغرب خَاطب سعيد بن صَالح مِنْهُم يَدعُوهُ إِلَى أمره وَكتب لَهُ فِي أَسْفَل كِتَابه (فَإِن تستقيموا أستقم لصلاحكم ... وَإِن تعدلوا عني أرى قتلكم عدلا) (وأعلوا بسيفي قاهرا لسيوفكم ... وأدخلها عنوا وأملأها قتلا) فَأَجَابَهُ سعيد بن صَالح بِأَبْيَات من نظم شاعره الطليطلي نَصهَا

стр. 883

(كذبت وَبَيت الله مَا تحسن العدلا ... وَلَا علم الرَّحْمَن من قَوْلك الفصلا) (وَمَا أَنْت إِلَّا جَاهِل ومنافق ... تمثل للجهال فِي السّنة المثلى) (وهمتنا الْعليا بدين مُحَمَّد ... وَقد جعل الرَّحْمَن همتك السُّفْلى) فَلَعَلَّ الشَّيْخ كتب لأهل فاس بالبيتين الْأَوَّلين والوانشريسي كَانَ مطلعا على الْقَضِيَّة فَأَجَابَهُ بجوابهما وَلما بلغ ذَلِك السُّلْطَان الشَّيْخ حقد على الوانشريسي ودس إِلَى جمَاعَة من المتلصصة بِأَن يأخذوه ويأتوا بِهِ إِلَى محلته مَحْبُوسًا من غير قتل وَكَانَ الشَّيْخ عبد الْوَاحِد يقْرَأ صَحِيح البُخَارِيّ بِجَامِع الْقرَوِيين بَين العشاءين وينقل عَلَيْهِ كَلَام ابْن حجر فِي فتح الْبَارِي ويستوفيه لِأَنَّهُ شَرط الْمحبس فَقَالَ لَهُ ابْنه يَا أَبَت إِنِّي قد سَمِعت أَن اللُّصُوص أَرَادوا الفتك بك فِي هَذِه اللَّيْلَة فَلَو تَأَخَّرت عَن الْقِرَاءَة فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَيْن وقفنا البارحة قَالَ على كتاب الْقدر قَالَ فَكيف نفر من الْقدر إِذا اذْهَبْ بِنَا إِلَى الْمجْلس فَلَمَّا افترق الْمجْلس خرج الشَّيْخ عبد الْوَاحِد من بَاب الشماعين أحد أَبْوَاب الْمَسْجِد الْمَذْكُور فثار بِهِ اللُّصُوص وَأَرَادُوا حمله فَأخذ بِإِحْدَى عضادتي الْبَاب فَضرب أحدهم يَده فقطعها وأجهز عَلَيْهِ الْبَاقُونَ فَقَتَلُوهُ بِبَاب الْمَسْجِد الْمَذْكُور فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة سنة خمس وَخمسين وَتِسْعمِائَة قَالَ الشَّيْخ المنجور فِي فهرسته واشتهر عَن الْفَقِيه الصَّالح أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْمَدْعُو بِأبي شامة أَنه رأى الشَّيْخ عبد الْوَاحِد فِي الْمَنَام بعد مَقْتَله فَسَأَلَهُ عَن حَاله فَأَنْشَأَ يَقُول (لقد عمني رضوَان رَبِّي وفضله ... وَلم أر إِلَّا الْخَيْر فِي وَحْشَة الْقَبْر) (وَإِنِّي أسأَل الْإِلَه بفضله ... ليحفظني يَوْم الْخُرُوج إِلَى الْحَشْر) (وَمَا بعد ذَاك من أُمُور عسيرة ... كنشر الْكتاب والمرور على الجسر)

стр. 884

اسْتِيلَاء السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ على فاس وَقَبضه على الوطاسيين وتغريبهم إِلَى مراكش ثمَّ إِن السُّلْطَان أَبَا عبد الله الشَّيْخ جد فِي حِصَار فاس وألح عَلَيْهَا بِالْقِتَالِ إِلَى أَن ملكهَا واحتوى عَلَيْهَا قَالَ فِي الدوحة لما ألح السُّلْطَان الشَّيْخ بالحصار على فاس جَاءَهُ الشَّيْخ أَبُو الرواين المحجوب وَقَالَ لَهُ اشْتَرِ مني فاسا بِخَمْسِمِائَة دِينَار فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان مَا أنزل الله بِهَذَا من سُلْطَان هَذَا شَيْء لم تأت بِهِ الشَّرِيعَة فَقَالَ وَالله لَا دَخَلتهَا هَذِه السّنة فَبَقيَ أشهرا وَالْأَمر لَا يزْدَاد إِلَّا شدَّة فَقَالَ ابْن السُّلْطَان وَهُوَ الْأَمِير أَبُو مُحَمَّد عبد الْقَادِر ابْن الشَّيْخ لِأَبِيهِ يَا أَبَت افْعَل مَا قَالَ لَك الشَّيْخ أَبُو الرواين فَإِنَّهُ رجل مبارك من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وَلم يزل بِهِ حَتَّى أذن لَهُ فِي الْكَلَام مَعَه فكلمة الْأَمِير عبد الْقَادِر فَقَالَ لَهُ ادْفَعْ المَال فَدفعهُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عِنْد تَمام السّنة يقْضِي الله الْحَاجة وأمري بأَمْره سُبْحَانَهُ ثمَّ إِن الشَّيْخ أَبَا الرواين فرق المَال من يَوْمه وَلم يمسك مِنْهُ لنَفسِهِ حَبَّة وَمن ذَلِك الْيَوْم وَالسُّلْطَان الْمَذْكُور فِي الظُّهُور إِلَى أَن انْقَضتْ السّنة فَدخل فاسا كَمَا قَالَ اه وَقَالَ صَاحب الممتع وَالشَّيْخ أَبُو الرواين هُوَ كَانَ أحد الْأَسْبَاب فِي تمكن السُّلْطَان الْمَذْكُور من الْملك وَإِخْرَاج بني وطاس عَنهُ فَإِنَّهُ لما رأى اضْطِرَاب أَمر النَّاس وهيجان النَّصَارَى على الْمُسلمين جعل يُنَادي يَا حران جئ فَإِنِّي قد أَعطيتك الغرب وَذَلِكَ قبل ظُهُور السعديين وَلم يكن النَّاس يَدْرُونَ مَا يَقُول حَتَّى ظهر الحران وَهُوَ أحد أَوْلَاد السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يتَقَدَّم للحرب وَلم يفتح وَالِده من الْبِلَاد إِلَّا مَا فتح لَهُ على يَده وَكَانَ دُخُول السُّلْطَان الشَّيْخ إِلَى فاس سنة سِتّ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَلما دَخلهَا تقبض على الوطاسيين أجمع وَبعث بهم مصفدين إِلَى مراكش عدا

стр. 885

أَبَا حسون مِنْهُم فَإِنَّهُ فر إِلَى الجزائر مستجيرا بِتَرْكِهَا حَسْبَمَا مر وَقَالَ اليفرني لما دخل الشَّيْخ حَضْرَة فاس دَخلهَا وَعَلِيهِ وعَلى أَصْحَابه الدراعات الصفر وسمة البداوة لائحة عَلَيْهِم فحملوا أنفسهم على التأدب بآداب الْحَاضِرَة والتخلق بأخلاقهم يَعْنِي حَتَّى رسخ فيهم ذَلِك وَالله أعلم نهوض السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ إِلَى تلمسان واستيلاؤه عَلَيْهَا قد قدمنَا مَا كَانَ من اسْتِيلَاء حسن بن خير الدّين التركي على تلمسان وانقراض دولة بني زيان مِنْهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَتِسْعمِائَة فَلَمَّا فتح أَبُو عبد الله الشَّيْخ حَضْرَة فاس فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم تاقت نَفسه إِلَى الِاسْتِيلَاء على الْمغرب الْأَوْسَط وَكَانَ يعز عَلَيْهِ اسْتِيلَاء التّرْك عَلَيْهِ مَعَ أَنهم أجانب من هَذَا الإقليم ودخلاء فِيهِ فيقبح بأَهْله وملوكه أَن يتركوهم يغلبُونَ على بِلَادهمْ لَا سِيمَا وَقد فر إِلَيْهِم عَدو من أعدائه وعيص من أعياص أقتاله وَهُوَ أَبُو حسون الوطاسي فَرَأى الشَّيْخ من الرَّأْي وَإِظْهَار الْقُوَّة فِي الْحَرْب أَن يبدأهم قبل أَن يبدؤوه فَنَهَضَ من فاس قَاصِدا تلمسان فِي جموعه إِلَى أَن نزل عَلَيْهَا وحاصرها تِسْعَة أشهر وَقتل فِي محاصرتها وَلَده الحران وَكَانَ نابا من أنيابه وسيفا من سيوفه ثمَّ استولى الشَّيْخ على تلمسان ودخلها يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّالِث وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة سبع وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَنفى التّرْك عَنْهَا وانتشر حكمه فِي أَعمالهَا إِلَى وَادي شلف واتسعت خطة مَمْلَكَته بالمغرب ودانت لَهُ الْبِلَاد ثمَّ كرت عَلَيْهِ الأتراك وأخرجوه من تلمسان فَعَاد إِلَى مقره من فاس ثمَّ عاود غَزْو تلمسان حِين بلغه قيام رعاياها على التّرْك وانحصار التّرْك بقصبتها فَأَقَامَ مرابطا عَلَيْهَا أَيَّامًا فامتنعت عَلَيْهِ وأقلع عَنْهَا وَلم يعاود غزوها بعد ذَلِك وخلص أمرهَا إِلَى التّرْك على مَا نذكرهُ

стр. 886

امتحان السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ أَرْبَاب الزوايا والمنتسبين وَالسَّبَب فِي ذَلِك لما كَانَت سنة ثَمَان وَخمسين وَتِسْعمِائَة أَمر السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ بامتحان أَرْبَاب الزوايا والمتصدرين للمشيخة خوفًا على ملكه مِنْهُم لما كَانَ للعامة فيهم من الِاعْتِقَاد والمحبة وَالْوُقُوف عِنْد إشاراتهم والتعبد بِمَا يتأولونه من عباراتهم أَلا ترى أَن بيعَة وَالِده أبي عبد الله الْقَائِم لم تَنْعَقِد إِلَّا بهم وَلَا ولج بَيت الْملك إِلَّا من بابهم فامتحن جمَاعَة مِنْهُم كالشيخ أبي مُحَمَّد الكوش فأخلى زاويته بمراكش وَأمر برحيله إِلَى فاس وَفِي الدوحة لما امتحن السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ زَوَايَا الْمغرب قيل لأبي عَليّ الْحسن بن عِيسَى المصباحي دَفِين الدعادع الَّتِي على وَادي مُضِيّ من عمل الْقصر أَلا تخشى من هَذَا السُّلْطَان فَقَالَ إِنَّمَا الخشية من الله وَمَعَ هَذَا فالماء والقبلة لَا يقدر أحد على نزعهما وَالْبَاقِي مَتْرُوك لمن طلبه وَكَانَ السُّلْطَان الْمَذْكُور يُطَالب أَرْبَاب الزوايا بودائع أُمَرَاء بني مرين ويتهمهم بهَا وَبعث خديمه يَوْمًا إِلَى الشَّيْخ أبي عُثْمَان سعيد بن أبي بكر المشترائي دَفِين مكناسة يُطَالِبهُ بِشَيْء من ذَلِك فَوَجَدَهُ جَالِسا بِنَاحِيَة زاويته يضفر الدوم وَإِذا بطائر لَعَلَّه اللقلاق سلح أَمَامه فَمَا رفع أَبُو عُثْمَان بَصَره حَتَّى سقط الطَّائِر مَيتا متطاير الريش فَلَمَّا رأى الخديم ذَلِك فزع وَولى هَارِبا قَالَه فِي الممتع وَالله تَعَالَى أعلم

стр. 887

وفادة الإِمَام أبي عبد الله الخروبي من جَانب دولة التّرْك فِي شَأْن قسم الْبِلَاد وتحديدها لما كَانَ من السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ مَا كَانَ من غَزوه تلمسان مرَّتَيْنِ وَكَانَ يحدث نَفسه بمعاودة غَزْو تِلْكَ الْبِلَاد عينت دولة التّرْك من جَانبهَا الْفَقِيه الصَّالح أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الخروبي الطرابلسي نزيل الجزائر ودفينها للوفادة على السُّلْطَان الْمَذْكُور فِي شَأْن عقد المهادنة وتحديد الْبِلَاد فَقدم عَلَيْهِ الْفَقِيه الْمَذْكُور وَهُوَ بمراكش سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة فِي هَذَا الْغَرَض فَأكْرم السُّلْطَان أَبُو عبد الله وفادته إِلَّا أَنه لم تظهر ثَمَرَة لمقدمه وَفِي الْمرْآة أَن أَبَا عبد الله الخروبي قدم الْمغرب الْأَقْصَى مرَّتَيْنِ فِي سَبِيل السفارة بَين مُلُوك الْمغرب الْأَوْسَط وَالْمغْرب الْأَقْصَى فَأخذ عَنهُ كثير من أهل الْمغرب الْأَقْصَى وَأخذ هُوَ عَن الشَّيْخ زَرُّوق ﵀ وَفِي قدمة الخروبي هَذِه إِلَى مراكش أنكر على الشَّيْخ أبي عَمْرو القسطلي دَفِين رياض الْعَرُوس من مراكش حلق شعر التائب الَّذِي يُرِيد الدُّخُول فِي طَرِيق الْقَوْم وَقَالَ إِنَّه بِدعَة فَقَالُوا لَهُ إِن الشَّيْخ الْجُزُولِيّ كَانَ يَفْعَله فَقَالَ لَهُم لَعَلَّه بِإِذن وَالْإِذْن لَهُ لَا يعمكم فَإِن الْإِذْن للنَّبِي يعم أَتْبَاعه وَالْإِذْن للْوَلِيّ لَا يعم أَتْبَاعه وَأنكر عَلَيْهِ مسَائِل كَثِيرَة وَبعث إِلَيْهِ رِسَالَة أقذع لَهُ فِيهَا وَقد وقفت عَلَيْهَا رحم الله الْجَمِيع بمنه وَتُوفِّي الخروبي هَذَا سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَدفن خَارج الجزائر وَالله أعلم

стр. 888

قدوم أبي حسون الوطاسي بِجَيْش التراك واستيلاؤه على فاس ونفيه الشَّيْخ عَنْهَا قد قدمنَا مَا كَانَ من اسْتِيلَاء السُّلْطَان أبي عبد الله على فاس سنة سِتّ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَقَبضه على بني وطاس وفرار أبي حسون إِلَى الجزائر فَلم يزل أَبُو حسون عِنْد تَركهَا إِلَى أَن قدم بهم مَعَ باشاهم صَالح التركماني فاستولى على فاس ثَالِث صفر سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَنفى أَبَا عبد الله الشَّيْخ عَنْهَا حَسْبَمَا مر الْخَبَر عَنهُ مُسْتَوفى عود السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ إِلَى فاس واستيلاؤه عَلَيْهَا لما فر السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ من وقْعَة التّرْك بفاس وَوصل إِلَى مراكش صرف عزمه لقِتَال أبي حسون فاستنفر قبائل السوس وَجمع الجموع وزحف إِلَى فاس فدارت بَينه وَبَين سلطانها أبي حسون حروب شَدِيدَة كَانَ فِي آخرهَا الظفر للشَّيْخ فَقتل أَبَا حسون وَاسْتولى على فاس وَصفا لَهُ أَمر الْمغرب وَقد تقدّمت هَذِه الْأَخْبَار مستوفاة فِي محلهَا وَكَانَ اسْتِيلَاء السُّلْطَان الشَّيْخ على فاس يَوْم السبت الرَّابِع وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَفِي الدوحة أَن دُخُول أبي حسون لفاس كَانَ سنة سِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وعود السُّلْطَان الشَّيْخ إِلَيْهَا واستيلاؤه عَلَيْهَا كَانَ فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتِّينَ أَيْضا وَالله تَعَالَى أعلم

стр. 889

مقتل الفقيهين أبي مُحَمَّد الزقاق وَأبي عَليّ حرزوز وَالسَّبَب فِي ذَلِك لما استولى السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ على فاس فِي هَذِه الْمرة أَمر بقتل الْفَقِيه الصَّالح قَاضِي الْجَمَاعَة بفاس أبي مُحَمَّد عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد ابْن عَليّ الزقاق لِأَنَّهُ اتهمه بالميل إِلَى أبي حسون ويحكى أَنه لما مثل بَين يَدَيْهِ قَالَ لَهُ اختر بِأَيّ شَيْء تَمُوت فَقَالَ لَهُ الْفَقِيه اختر أَنْت لنَفسك فَإِن الْمَرْء مقتول بِمَا قتل بِهِ فَقَالَ لَهُم السُّلْطَان اقْطَعُوا رَأسه بشاقور فَكَانَ من حِكْمَة الله وعدله فِي خلقه أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور قتل بِهِ أَيْضا كَمَا سَيَأْتِي وَفِي كتاب خُلَاصَة الْأَثر أَن الشَّيْخ الزقاق كَانَ يَقُول من قتل سوسيا كَانَ كمن قتل مجوسيا فَلَمَّا قبض عَلَيْهِ الشَّيْخ قَالَ لَهُ أَنْت زق الضلال فَقَالَ لَهُ لَا وَالله بل أَنا زق الْعلم وَالْهِدَايَة ثمَّ قَتله وَأمر أَيْضا بقتل خطيب مكناسة الزَّيْتُون الشَّيْخ أبي عَليّ حرزور المكناسي لكَلَام بلغه عَنهُ وَأَنه كَانَ يذكرهُ فِي خطبه ويحذر النَّاس من اتِّبَاعه والانقياد إِلَيْهِ وَيَقُول فِي خطبَته جَاءَكُم أهل السوس الْأَقْصَى البعاد ثمَّ يذكر الشَّيْخ وَيَقُول ﴿وَإِذا تولى سعى فِي الأَرْض ليفسد فِيهَا وَيهْلك الْحَرْث والنسل وَالله لَا يحب الْفساد وَإِذا قيل لَهُ اتَّقِ الله أَخَذته الْعِزَّة بالإثم فحسبه جَهَنَّم ولبئس المهاد﴾ فِي كَلَام غير هَذَا وَكَانَ مقتل الفقيهين الْمَذْكُورين فِي ذِي الْقعدَة سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة

стр. 890

تَرْتِيب السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ أَمر دولته وَمَا قيل فِي ذَلِك قَالَ اليفرني كَانَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ مُولَعا بتدبير أَمر الرّعية مستيقظا فِي أُمُوره حازما غير مُتَوَقف فِي سفك الدِّمَاء قَالَ ويحكى أَنه لما دخل فاسا دَخلهَا وَعَلِيهِ وعَلى أَصْحَابه سمة البداوة فحملوا أنفسهم على التأدب بآداب أهل الْحَاضِرَة والتخلق بأخلاقهم وَذكر أَن ملك السعديين إِنَّمَا تأنق على يَد رجل وَامْرَأَة فَأَما الرجل فقاسم الزرهوني فَإِنَّهُ رتب للسُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ هَيْئَة السلاطين فِي ملابسهم ودخولهم وخروجهم وآداب أَصْحَابهم وَكَيْفِيَّة مثولهم بَين أَيْديهم وَأما الْمَرْأَة فالعريفة بنت خجو فَإِنَّهَا عَلمته سيرة الْمُلُوك فِي مَنَازِلهمْ وحالاتهم فِي الطَّعَام واللباس وعاداتهم مَعَ النِّسَاء وَغير ذَلِك فاكتسى ملك الشَّيْخ بذلك طلاوة وازداد فِي عُيُون الْعَامَّة رونقا وحلاوة بِسَبَب جَرَيَانه على العوائد الحضرية لِأَن أهل الْبَادِيَة مسترذلون فِي عُيُون أهل الْحَاضِرَة قَالُوا وَلم يزل السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ يَدُور على مدن الْمغرب وأمصاره ويطيل الْإِقَامَة بفاس قَالَ فِي الْمُنْتَقى وَمن مآثره أَنه بنى جسر وَادي سبو وجسر وَادي أم الرّبيع وَتقدم بِنَاؤُه حصن آكادير وَالله تَعَالَى أعلم وضع الوظيف الْمُسَمّى فِي لِسَان الْعَامَّة بالنائبة قد تقدم لنا فِي صدر هَذَا الْكتاب اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي أَرض الْمغرب هَل فتحت عنْوَة أَو صلحا أَو غير ذَلِك وعَلى القَوْل بِأَنَّهَا فتحت عنْوَة فَهِيَ خَرَاجِيَّة كَمَا هُوَ مُقَرر فِي كتب الْفِقْه وَتقدم لنا أَيْضا أَن أول من وظف الْخراج على أَرض الْمغرب عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَتَبعهُ بنوه على ذَلِك وَقفا نهجهم بَنو مرين وَفِي الظهير الَّذِي كتبه السُّلْطَان أَبُو زيان المريني لِابْنِ الْخَطِيب أَيَّام مقَامه بسلا شَاهد بذلك وَلما جَاءَ السعديون من بعدهمْ سلكوا هَذَا السَّبِيل أَيْضا وَقَول اليفرني إِن أَبَا عبد الله الشَّيْخ أول من أحدث النائبة

стр. 891

بالمغرب يحمل على أَنه أول من أحدثها على الْوَجْه الْآتِي بَيَانه وَذَلِكَ أَنه لما صفا للسُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ أَمر الْمغرب واستأصل جرثومة بني وطاس مِنْهُ الْتفت إِلَى تَرْتِيب ملكه وتهذيب أعطافه وتأسيس أُمُور دولته كَمَا قُلْنَا فَمن ذَلِك أَنه فرض على قبائل الْمغرب الضريبة الْمُسَمَّاة فِي لِسَان الْعَامَّة بالنائبة وَلم ينزه عَنْهَا شريفا وَلَا مشروفا حَتَّى أَرْبَاب الزوايا والمنتسبين وَمِنْهُم أَوْلَاد الشَّيْخ أبي الْبَقَاء خَالِد المصمودي مَعَ مَا كَانَ لأبيهم من الشُّهْرَة بِالْولَايَةِ والصيت فِي بِلَاده وَكَانَ قدر هَذِه النائبة صَحْفَة من الشّعير وَعشْرين مدا من الْقَمْح لكل نائبة وصاعا من السّمن وكبشا لكل أَربع نَوَائِب وَكَانَت تفرض فِي زمَان الشَّيْخ على الكوانين وتوظف على حسب السكان وتدفع بِأَعْيَانِهَا وَجرى على ذَلِك وَلَده الْغَالِب بِاللَّه وَأَخُوهُ المعتصم وَلما جَاءَ الْمَنْصُور من بعدهمْ قوم تِلْكَ الْأَعْيَان بِسعْر الْوَقْت وَصَارَت تدفع دَرَاهِم ثمَّ ازْدَادَ ذَلِك إِلَى أَن خرج الْأَمر عَن الْقيَاس واتسع الْخرق على الراقع وَالله لَا يظلم مِثْقَال ذرة مراسلة السُّلْطَان سُلَيْمَان العثماني للسُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ وَمَا نَشأ عَن ذَلِك قد قدمنَا مَا كَانَ من غص السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ بمَكَان التّرْك من تلمسان وَالْمغْرب الْأَوْسَط وَأَنه غزاهم مرَّتَيْنِ وَقدم الإِمَام أَبُو عبد الله الخروبي ساعيا فِي الْهُدْنَة فَلم يرجع بطائل وَكَانَ السُّلْطَان الشَّيْخ يَقُول فِيمَا زَعَمُوا لَا بُد لي أَن أغزو مصر وَأخرج التّرْك من أحجارها وَكَانَ يُطلق لِسَانه فِي السُّلْطَان سُلَيْمَان العثماني ويسميه بسُلْطَان الحواتة يَعْنِي لِأَن التّرْك كَانُوا أَصْحَاب أساطيل وسفر فِي الْبَحْر فأنهى ذَلِك إِلَى السُّلْطَان سُلَيْمَان فَبعث إِلَيْهِ رسله فَهَذَا سَبَب المراسلة على مَا فِي النزهة وأشبه مِنْهُ بِالصَّوَابِ مَا حَكَاهُ بَعضهم قَالَ لما بلغ خبر انْقِرَاض الدولة الوطاسية إِلَى السُّلْطَان سُلَيْمَان العثماني واستيلاء السعديين على ملك الْمغرب الْأَقْصَى كتب إِلَى الشَّيْخ يهنئه بِالْملكِ ويلتمس مِنْهُ الدُّعَاء لَهُ على مَنَابِر

стр. 892

الْمغرب وَبعث إِلَيْهِ بذلك رَسُولا فِي الْبَحْر فَانْتهى إِلَى الجزائر وَمِنْهَا قدم إِلَى مراكش فِي الْبر وَلما وصل إِلَى السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ أنزلهُ على كَبِير الأتراك فِي محلته صَالح باي الْمَعْرُوف بالكاهية وَكَانَ هَؤُلَاءِ الأتراك قد انحاشوا إِلَى الشَّيْخ من بقايا القادمين مَعَ أبي حسون فضمهم إِلَيْهِ وجعلهم جندا على حِدة وَسَمَّاهُمْ اليكشارية بِالْيَاءِ ثمَّ الْكَاف ثمَّ الشين وَهُوَ لفظ تركي مَعْنَاهُ الْعَسْكَر الْجَدِيد وَلما قَرَأَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ كتاب السُّلْطَان سُلَيْمَان وَوجد فِيهِ أَنه يَدْعُو لَهُ على مَنَابِر الْمغرب وَيكْتب اسْمه على سكته كَمَا كَانَ بَنو وطاس حمى أَنفه وأبرق وأرعد وأحضر الرَّسُول وأزعجه فَطلب مِنْهُ الْجَواب فَقَالَ لَا جَوَاب لَك عِنْدِي حَتَّى أكون بِمصْر إِن شَاءَ الله وَحِينَئِذٍ أكتب لسلطان القوارب فَخرج الرَّسُول من عِنْده مذعورا يلْتَفت وَرَاءه إِلَى أَن وصل إِلَى سُلْطَانه وَكَانَ من أمره مَا نذكرهُ قدوم طَائِفَة التّرْك من عِنْد السُّلْطَان سُلَيْمَان العثماني واغتيالهم للسُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ ﵀ لما خرج رَسُول السُّلْطَان سُلَيْمَان العثماني من عِنْد السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ وَوصل إِلَى الجزائر ركب الْبَحْر إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَانْتهى إِلَيْهَا وَاجْتمعَ بالوزير الْمَعْرُوف عِنْدهم بالصدر الْأَعْظَم وَأخْبرهُ بِمَا لَقِي من سُلْطَان الْمغرب فأنهى الْوَزير ذَلِك إِلَى السُّلْطَان سُلَيْمَان فَأمره أَن يُهَيِّئ الْعِمَارَة والعساكر لغزو الْمغرب فَاجْتمع أهل الدِّيوَان وكرهوا توجيهها وَاتفقَ رَأْيهمْ على أَن عينوا اثْنَي عشر رجلا من فتاك التّرْك وبذلوا لَهُم اثْنَي عشر ألف دِينَار وَكَتَبُوا لَهُم كتابا إِلَى صَالح الكاهية كَبِير عَسْكَر الشَّيْخ ووعدوه بِالْمَالِ والمنصب إِن هُوَ نصح فِي اغتيال الشَّيْخ وتوجيه رَأسه مَعَ القادمين عَلَيْهِ وَفِي النزهة أَن صَالحا هَذَا كَانَ من ترك الجزائر جَاءَ فِي جملَة

стр. 893

الطَّائِفَة الموجهين لاغتيال الشَّيْخ وَالله أعلم ثمَّ دخل الْوَزير على السُّلْطَان سُلَيْمَان وَاعْتذر إِلَيْهِ عَن تَوْجِيه الْعِمَارَة وَقَالَ هَذَا أَمر سهل لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى تَقْوِيم عمَارَة وَهَذَا المغربي الَّذِي أَسَاءَ الْأَدَب على السُّلْطَان يَأْتِي رَأسه إِلَى بَين يَديك فاستصوب رَأْيهمْ وشكر سَعْيهمْ وَأمر بتوجيه الْجَمَاعَة الْمعينَة فِي الْبَحْر إِلَى الجزائر وَمِنْهَا يتوجهون إِلَى مراكش فِي الْبر فَفَعَلُوا وَلما وصلوا إِلَى الجزائر هيؤوا أسبابا واشتروا بغالا وَسَارُوا إِلَى فاس فِي هَيْئَة التُّجَّار فباعوا بهَا أسبابهم وتوجهوا إِلَى مراكش وَلما اجْتَمعُوا بِصَالح الكاهية أنزلهم عِنْده ودبر الْحِيلَة فِي أَمرهم إِلَى أَن تَوَجَّهت لَهُ وَفِي النزهة أَن هَؤُلَاءِ الأتراك خَرجُوا من الجزائر إِلَى مراكش مظهرين أَنهم فروا من سلطانهم وَرَغبُوا فِي خدمَة الشَّيْخ والاستيجار بِهِ ثمَّ إِن صَالحا الكاهية دخل على السُّلْطَان أبي بعد الله الشَّيْخ وَقَالَ يَا مولَايَ إِن جمَاعَة من أَعْيَان جند الجزائر سمعُوا بمقامنا عنْدك ومنزلتنا مِنْك فرغبوا فِي جوارك والتشرف بخدمتك وَلَيْسَ فَوْقهم من جند الجزائر أحد وهم إِن شَاءَ الله السَّبَب فِي تَملكهَا فَأمره بإدخالهم عَلَيْهِ وَلما مثلُوا بَين يَدَيْهِ رأى وُجُوهًا حسانا وأجساما عظاما فأكبرهم ثمَّ ترجع لَهُ صَالح كَلَامهم فأفرغه فِي قالب الْمحبَّة والنصح وَالِاجْتِهَاد فِي الطَّاعَة والخدمة حَتَّى خيل إِلَى الشَّيْخ أَنه قد حصل على ملك الجزائر فَأمره بإكرامهم وَأَن يعطيهم الْخَيل وَالسِّلَاح ويكونوا يدْخلُونَ عَلَيْهِ مَعَ الكاهية كلما دخل فَكَانُوا يدْخلُونَ عَلَيْهِ كل صباح لتقبيل يَده على عَادَة التّرْك فِي ذَلِك وَصَارَ الشَّيْخ يبْعَث بهم إِلَى أَشْيَاخ السوس مناوبة فِي الْأُمُور المهمة ليتبصروا فِي الْبِلَاد ويعرفوا النَّاس وَكَانَ يُوصي الْأَشْيَاخ بإكرام من قدم عَلَيْهِم مِنْهُم وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى أَن أمكنتهم فِيهِ الفرصة وَهُوَ فِي بعض حركاته بجبل درن بِموضع يُقَال لَهُ آكلكال بِظَاهِر تارودانت فولجوا عَلَيْهِ خباءه لَيْلًا على حِين غَفلَة من العسس فَضربُوا عُنُقه بشاقور ضَرْبَة أبانوا بهَا رَأسه وَاحْتَمَلُوهُ فِي مخلاة ملؤوها نخالة وملحا وخاضوا بِهِ أحشاء الظلماء وسلكوا طَرِيق درعة وسجلماسة كَأَنَّهُمْ أرسال تلمسان لِئَلَّا يفْطن بهم أحد من

стр. 894

أهل تِلْكَ الْبِلَاد ثمَّ أدركوا بِبَعْض الطَّرِيق فقاتلت طَائِفَة مِنْهُم حَتَّى قتلوا وَنَجَا الْبَاقُونَ بِالرَّأْسِ وَقتل مَعَ الشَّيْخ تِلْكَ اللَّيْلَة الْفَقِيه مفتي مراكش أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي بكر السكتاني وَالْكَاتِب أَبُو عمرَان الوجاني وَلما شاع الْخَبَر بِأَن التّرْك قتلوا السُّلْطَان واستراب النَّاس بِجَمِيعِ من بَقِي مِنْهُم بالمغرب أغلق إخْوَانهمْ الَّذين كَانُوا بتارودانت أَبْوَابهَا واقتسموا الْأَمْوَال واستعدوا للحصار وَلما بُويِعَ ابْنه الْغَالِب بِاللَّه وَقدم من فاس نَهَضَ فِي العساكر إِلَى تارودانت للأخذ بثأر أَبِيه من التّرْك الَّذين بهَا فَحَاصَرَهُمْ مُدَّة وَلما لم يقدر مِنْهُم على شَيْء أعمل الْحِيلَة بِأَن أظهر الرحلة عَنْهُم وأشاع أَنه رَاجع إِلَى فاس لثائر قَامَ بهَا وَلما أبعد عَنْهُم مسيرَة يَوْم خَرجُوا فِي اتِّبَاعه لَيْلًا والعيون مَوْضُوعَة عَلَيْهِم بِكُل جِهَة إِلَى أَن شارفوا محلّة السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه فعطف عَلَيْهِم وَلما لم يُمكنهُم الرُّجُوع إِلَى تارودانت تحيزوا إِلَى الْجَبَل وبنوا بِهِ قياطنهم وَجعلُوا عَلَيْهَا المتارزات من الْأَحْجَار وتحصنوا بهَا وأحاطت بهم العساكر من كل جِهَة فَقَاتلُوا إِلَى أَن فنوا عَن آخِرهم وَلم يُؤْخَذ مِنْهُم أَسِير وَقتلُوا من محلّة الْغَالِب بِاللَّه ألفا وَمِائَتَيْنِ وَأما الَّذين نَجوا بِالرَّأْسِ فَانْتَهوا إِلَى الجزائر وركبوا الْبَحْر مِنْهَا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فأوصلوا الرَّأْس إِلَى الصَّدْر الْأَعْظَم وَأدْخلهُ على السُّلْطَان سُلَيْمَان فَأمر بِهِ أَن يَجْعَل فِي شبكة نُحَاس ويعلق على بَاب القلعة فَبَقيَ هُنَالك إِلَى أَن شفع فِي إنزاله وَدَفنه ابناه عبد الْملك المعتصم وَأحمد الْمَنْصُور حِين قدما الْقُسْطَنْطِينِيَّة على السُّلْطَان سليم بن سُلَيْمَان مستعديين لَهُ على ابْن أخيهما المسلوخ كَمَا يَأْتِي وَكَانَ مقتل الشَّيْخ ﵀ يَوْم الْأَرْبَعَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَلما بلغ خبر مَقْتَله إِلَى خَلِيفَته بمراكش الْقَائِد أبي الْحسن عَليّ بن أبي بكر آزناك بَادر بقتل أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج المخلوع وَأَوْلَاده ذُكُورا وإناثا كبارًا وصغارا خشيَة أَن يُخرجهُ أهل مراكش فيبايعوه وَلما قتلوا لم يتجرأ أحد على دفنهم فبقوا مصرعين حَتَّى دفنهم الشَّيْخ أَبُو عَمْرو القسطلي الْوَلِيّ الشهير بمقربة من ضريح الشَّيْخ الْجُزُولِيّ وَهِي الْقبَّة الَّتِي قرب الضريح الْمَذْكُور تسمى قُبُور الْأَشْرَاف وَأما السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ

стр. 895

فَإِنَّهُم حملُوا جثته إِلَى مراكش فدفنت بهَا قبلي جَامع الْمَنْصُور بروضة السعديين وقبره شهير بهَا إِلَى الْآن وَمِمَّا نقش على رخامة قَبره هَذِه الأبيات (حَيّ ضريحا تغمدته رحمات ... وظلت لحده مِنْهَا غمامات) (واستنشقن نفحة التَّقْدِيس مِنْهُ فقد ... هبت من الْخلد لي مِنْهَا نسيمات) (بَحر بِهِ كورت شمس الْهدى فكست ... من أجلهَا السَّبْعَة الْأَرْضين ظلمات) (يَا مهجة غالها غول الردى قنصا ... وأثبتت سهمها فِيهَا المنيات) (دكت لموتك أطواد الْعلَا صعقا ... وَارْتجَّ من بعْدك السَّبع السَّمَوَات) (وشيعت نَعشك المزجى إِلَى عدن ... من الملائك ألحان وأصوات) (يَا رَحْمَة الله عاطيه سلاف رضَا ... تَدور مِنْهَا عَلَيْهِ الدَّهْر كاسات) (قضى فَوَافَقَ فِي التَّارِيخ مِنْهُ حلى ... دَار إِمَام الْهدى الْمهْدي جنَّات) بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ وَسيرَته كَانَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ يلقب من الألقاب السُّلْطَانِيَّة بالمهدي وَنَشَأ فِي عفاف وصيانة وعني بِالْعلمِ فِي صغره وَتعلق بأهدابه فَأخذ عَن جمَاعَة من الشُّيُوخ وَبلغ فِيهِ دَرَجَة الرسوخ حَتَّى كَانَ يُخَالف الْقُضَاة فِي الْأَحْكَام وَيرد عَلَيْهِم فتاويهم فيجدون الصَّوَاب مَعَه وَقع ذَلِك مِنْهُ مرَارًا وَله حواش على التَّفْسِير وَذَلِكَ مِمَّا يدل على غزارة علمه وَقَالَ فِي الْمُنْتَقى كَانَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله الشَّيْخ ﵀ أديبا متفننا حَافِظًا حَدثنِي شَيخنَا أَبُو رَاشد أَنه كَانَ ممتع المجالسة والمذاكرة نقي الشيبة عَظِيم الهيبة مَا رَأَيْت بعد شَيْخي أبي الْحسن عَليّ بن هَارُون أحفظ مِنْهُ للمقطعات الشعرية وَكَثِيرًا مَا ينشد (النَّاس كالناس وَالْأَيَّام وَاحِدَة ... والدهر كالدهر وَالدُّنْيَا لمن غلب) وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ فهما جدا حَافظ لصحيح البُخَارِيّ ويستحضر مَا للنَّاس عَلَيْهِ وَيَقُول فِي شرح ابْن حجر مَا صنف فِي الْإِسْلَام مثله عَارِفًا بالتفسير وَغَيره وَكَانَ يحفظ ديوَان المتنبي عَن ظهر قلب وَكَانَ يحض على

стр. 896

الْمُشَاورَة وَيَقُول لَا سِيمَا فِي حق الْمُلُوك وينشد قَول المتنبي (وَمن جهلت نَفسه قدره ... رأى غَيره مِنْهُ مَا لَا يرى) وَكَانَ يَقُول يَنْبَغِي للْملك أَن يكون طَوِيل الأمل فَإِن طول الأمل وَإِن كَانَ لَا يحسن من غَيره فَهُوَ مِنْهُ صَالح لِأَن الرّعية تصلح بطول أمله وَكَانَ يَقُول من طول أمله أَخذ تلمسان وسبتة وَغَيرهمَا انْتهى وَقَوله إِنَّه كَانَ يحفظ ديوَان المتنبي سَببه مَا ذكره فِي الدوحة قَالَ أَخْبرنِي الْوَزير الْمُعظم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْأَمِير أبي مُحَمَّد عبد الْقَادِر بن السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الشريف قَالَ لما غدرت قَبيلَة المنابهة بجد السُّلْطَان الْمَذْكُور وأنجاه الله من غدرتهم عرف الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الله ابْن عمر بذلك فَكتب إِلَيْهِ يَقُول أَيْن أَنْت من قَول أبي الطّيب المتنبي (غاض الْوَفَاء فَمَا تَلقاهُ فِي عدَّة ... وأعوز الصدْق فِي الْإِخْبَار وَالْقسم) قَالَ فعكف السُّلْطَان الْمَذْكُور على ديوَان المتنبي حَتَّى حفظه كُله وَلم يعزب عَنهُ بَيت وَاحِد اه وَابْن عمر الْمَذْكُور هُوَ أحد أَشْيَاخ السُّلْطَان الْمَذْكُور وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عمر المضغري الْفَقِيه الفرضي الحاسب فَقِيه درعة وعالمها وَكَانَ قد وَفد على السُّلْطَان الْمَذْكُور أَيَّام كَونه بالسوس وَلما عَاد إِلَى درعة سَأَلَهُ فقهاؤنا كَيفَ وجدت أهل السوس فَقَالَ وجدت فقهاءهم على ضَعِيف الفتاوي وفقراءهم على عَظِيم الدعاوي وعامتهم على كثير الْمسَاوِي وَمن أَشْيَاخ السُّلْطَان الْمَذْكُور الإِمَام الشهير شيخ الْجَمَاعَة بالصقع السُّوسِي أَبُو الْحسن عَليّ بن عُثْمَان الثاملي ذكره فِي الْمُنْتَقى وَأثْنى عَلَيْهِ وَمن أشياخه عَلامَة فاس ومحققها أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد اليستني أَخذ عَنهُ علوما مِنْهَا التَّفْسِير قَالَ المنجور وَكنت أَنا قارئه بَين يَدي أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي عبد الله الشَّيْخ الْمَذْكُور وَكَانَ شَدِيد الْمحبَّة لَهُ قَالَ وَلما

стр. 897

توفّي الْفَقِيه الْمَذْكُور وَذَهَبت مَعَ وَلَده صَبِيحَة تِلْكَ اللَّيْلَة الَّتِي توفّي بهَا لنخبر السُّلْطَان بوفاته وَجَدْنَاهُ يقْرَأ ورده بحمام المريني فَخرج السُّلْطَان إِلَيْنَا وَهُوَ يبكي بِصَوْت عَال يفزع من سَمعه حَتَّى رَأينَا مِنْهُ الْعجب وَمَا سكت إِلَّا بعد مُدَّة لما كَانَ يعلم مِنْهُ من صِحَة الدّين والنصح لخاصة الْمُسلمين وعامتهم وَحضر جنَازَته وَكَانَت وَفَاته ﵀ سنة تسع وَخمسين وَتِسْعمِائَة وللسلطان الْمَذْكُور عدَّة أَشْيَاخ غير هَؤُلَاءِ وَمن وزرائه الرئيس أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي بكر آصناك الحاحي وَأَبُو عمرَان مُوسَى بن أبي جمدي الْعمريّ وَغَيرهم وَمن قُضَاته بفاس أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد الخصاصي وبمراكش أبوالحسن عَليّ بن أبي بكر السكتاني رحم الله الْجَمِيع وَكَانَ للسُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ عدَّة أَوْلَاد نجباء وَمن أنجبهم أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالحران الْقَتِيل على تلمسان وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه وَأَبُو مَرْوَان عبد الْملك الْغَازِي وَأَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة ولوا الْأَمر بعد أَبِيهِم وَمِنْهُم الْوَزير أَبُو مُحَمَّد عبد الْقَادِر وَتُوفِّي فِي حَيَاة أَبِيه سنة تسع وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَفِي نشر المثاني أَنه قتل مخنوقا بِأَمْر أَخِيه عبد الله الْغَالِب بِاللَّه سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة فَالله أعلم وَمِنْهُم عُثْمَان وَعبد الْمُؤمن وَعمر وَغَيرهم قَالَ المنجور فِي فهرسته حضرت يَوْمًا مجْلِس أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي عد الله الشَّيْخ وَقد حضر عِنْده أَوْلَاده الصناديد الْأُمَرَاء الْمولى مُحَمَّد الحران وَالْمولى عبد الْقَادِر وَالْمولى عبد الله فَدخل شَيخنَا الإِمَام أَبُو عبد الله اليستني فَلَمَّا نظر إِلَيْهِم حول أَبِيهِم أنْشد بَيت تَلْخِيص الْمِفْتَاح (فَقلت عَسى أَن تبصريني كَأَنَّمَا ... بنى حوالي الْأسود الحوارد) فأعجب ذَلِك السُّلْطَان وَأَوْلَاده رَحْمَة الله عَلَيْهِم

стр. 898

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ ﵀ كَانَت ولادَة السُّلْطَان أبي مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه كَمَا رَأَيْته مرقوما على الرخامة الَّتِي على قَبره فِي رَمَضَان سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَكَانَ ﵀ أدعج الْعَينَيْنِ مستدير الْوَجْه عريضه أسيل الْخَدين مشرف الوجنتين ربعَة للقصر وَنَشَأ فِي عفاف وصيانة وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ بِطرف صَالح من الْعلم وَكَانَ ولي عهد أَبِيه وَكَانَ يلقب من الألقاب السُّلْطَانِيَّة بالغالب بِاللَّه لقبه بِهِ غير وَاحِد من الْأَئِمَّة وَلما وافته الأنباء بمقتل أَبِيه وَهُوَ بفاس بَايعه أَهلهَا وَلم يتَخَلَّف عَن بيعَته مِنْهُم أحد وَذكر صَاحب زهرَة الشماريخ أَن الْفَقِيه الميقاتي الْمعدل بمنار الْقرَوِيين أَبَا عبد الله المزوار وَكَانَ بَصيرًا بِعلم الْأَحْكَام والحدثان بَيْنَمَا هُوَ ذَات لَيْلَة يرقب الطالع وَالْغَارِب وَقد ابهار اللَّيْل واسود ديجوره رأى طالع السُّلْطَان الشَّيْخ قد سقط وَكَانَت بَينه وَبَين ابْنه أبي مُحَمَّد عبد الله وصلَة فأسرع فِي الذّهاب إِلَيْهِ ليخبره بِمَا رأى فَلَمَّا بلغ بَاب فاس الْجَدِيد وجده مغلقا فَاسْتَأْذن الموكلين بِهِ فِي فَتحه فَأَبَوا فَقَالَ لَهُم إِنِّي جِئْت إِلَى الْخَلِيفَة يَعْنِي خَليفَة السُّلْطَان فِي أَمر مُهِمّ عِنْده وَإِن لم تعلموه بمكاني السَّاعَة لحقكم مِنْهُ غَدا مَا تَكْرَهُونَ فأنذروا الْخَلِيفَة الْمَذْكُور بِهِ فَحمل إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَن قَضيته فَأخْبرهُ بِمَا رأى ونعى إِلَيْهِ أَبَاهُ فَلم يكذب فِي ذَلِك وتهيأ واستعد فَلم تمض إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى وافته الأنباء بمقتل أَبِيه فِي تِلْكَ السَّاعَة الَّتِي قَالَ لَهُ الْمعدل الْمَذْكُور فصادفه الْحَال على أهبة واستعداد وَلما بلغ أهل مراكش مبايعة أهل فاس لَهُ وافقوا عَلَيْهَا فاستوسق لَهُ الْأَمر وتمهد لَهُ ملك أَبِيه وَكَانَ ذَلِك كُله فِي الْمحرم سنة خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة

стр. 899

مَجِيء حسن بن خير الدّين التركي إِلَى فاس ورجوعه مُنْهَزِمًا عَنْهَا قَالَ ابْن القَاضِي لما ولي السُّلْطَان أَبُو مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه الْخلَافَة اشْتغل بتأسيس مَا بِيَدِهِ وتحصينه بِالْعدَدِ وَالْعدة وَلم تطمح نَفسه إِلَى الزِّيَادَة على مَا ملك أَبوهُ من قبله وَفِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة فِي جُمَادَى الأولى مِنْهَا غزاه حسن بن خير الدّين باشا التركي صَاحب تلمسان فِي جَيش كثيف من الأتراك فَخرج إِلَيْهِ السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه فَالْتَقَيَا بمقربة من وَادي اللَّبن من عمالة فاس فَكَانَت الدبرة على حسن فَرجع مُنْهَزِمًا يطْلب صياصي الْجبَال إِلَى أَن بلغ إِلَى باديس وَكَانَت يَوْمئِذٍ للترك وَرجع الْغَالِب بِاللَّه إِلَى فاس لكنه لم يدخلهَا لوباء كَانَ بهَا يَوْمئِذٍ وَلما رَجَعَ من حركته هَذِه أَمر بقتل أَخِيه عُثْمَان لأمر نقمه عَلَيْهِ فَقتل فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَالله تَعَالَى أعلم بِنَاء جَامع المواسين بِحَضْرَة مراكش وَالْبركَة الْمُتَّصِلَة بِهِ والمارستان وَغير ذَلِك قَالَ اليفرني وَفِي عشرَة السّبْعين وَتِسْعمِائَة أنشأ السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه جَامع الْأَشْرَاف بحومة المواسين من مراكش والسقاية الْمُتَّصِلَة بِهِ الَّتِي عَلَيْهَا مدَار الْمَدِينَة الْمَذْكُور والمارستان الَّذِي ظهر نَفعه ووقف عَلَيْهِ أوقافا عَظِيمَة قلت وَهَذَا المارستان هُوَ الَّذِي بحومة الطالعة قرب السجْن وَقد اتخذ الْيَوْم سجنا للنِّسَاء قَالَ وَهَذَا السُّلْطَان هُوَ الَّذِي جدد أَيْضا بِنَاء الْمدرسَة الَّتِي بجوار جَامع ابْن يُوسُف اللمتوني وَلَيْسَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَهَا كَمَا يَعْتَقِدهُ كثير من النَّاس بل الَّذِي أَنْشَأَهَا أَولا هُوَ السُّلْطَان أَبُو الْحسن المريني ﵀ حَسْبَمَا ذكره ابْن بطوطة فِي رحلته وشاع على الْأَلْسِنَة أَن السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه توصل إِلَى بنائها بصناعة الكيمياء وَأَن الشَّيْخ أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى السملالي علمه إِيَّاهَا حِين تلمذ لَهُ كَمَا سَيَأْتِي قَالَ اليفرني وَهُوَ كذب فَإِن الْمَنْقُول عَن الشَّيْخ الْمَذْكُور إنكارها

стр. 900

وَمَا كَانَ ليفتح على مُسلم بَابا عَظِيما من أَبْوَاب الْفِتْنَة وسببا بليغا من أَسبَاب المحنة لِأَن هَذِه الحرفة من أعظم أَبْوَاب الْفِتَن وَقد أجمع أَرْبَاب البصائر على التحذير من تعاطيها لوجوه ثَلَاثَة أَولهَا إِنَّهَا من المستحيلات كَمَا ذكره ابْن سيناء مستدلا عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى ﴿لَا تَبْدِيل لخلق الله﴾ وكما أَنه لَيْسَ فِي قدرَة الْمَخْلُوق أَن يحول القرد إنْسَانا وَالذِّئْب غزالا كَذَلِك لَيْسَ فِي قدرته أَن يصير الرصاص فضَّة والنحاس ذَهَبا يَعْنِي لِأَن ذَلِك من بَاب قلب الْحَقَائِق وَهُوَ محَال وَلَقَد تناظر رجلَانِ فِيهَا فَقَالَ مجوزها أتنكر مَا تشاهده فِي الصَّبْغ وتصيير الْجَسَد الْأَحْمَر أصفر والأبيض أسود فَقَالَ مانعها لَا أنكر ذَلِك لِأَن الصَّبْغ لَيست تَغْيِير أصل وَإِنَّمَا أنكر أَن ثوب الصُّوف الْأَبْيَض ترده صناعَة الصَّبْغ قطنا أَو حَرِيرًا أَحْمَر أَو أَخْضَر وَأما الصَّبْغ فَلَا شكّ أَن النّحاس يصير أَبيض وَلَا يُخرجهُ ذَلِك عَن أَصله وَلَا يسلب عَنهُ اسْم النّحاس بل يُقَال فِيهِ نُحَاس أَبيض كَمَا لَا يسلب صبغ الصُّوف عَنهُ اسْم الصُّوف ثَانِيهَا سلمنَا أَنَّهَا جَائِزَة الْوُجُود لَكِنَّهَا مَعْدُومَة فِي الْخَارِج كَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ إِذْ قَالَ ثَلَاث مُتَّفق على وجودهَا فِي الْغَالِب وَقد اتّفق على عدم رؤيتها أهل الْمَشَارِق والمغارب الكيمياء والعنقاء والغول وأخبارها كلهَا على وَجه السماع والإسنادات وحكايتها كالموضوعات عَن العجماوات والجمادات ثَالِثهَا سلمنَا أَنَّهَا مَوْجُودَة فِي الْخَارِج لكنه يحرم تنَاولهَا وَالْبيع وَالشِّرَاء بهَا وَقد سُئِلَ عَنْهَا الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق التّونسِيّ ﵀ فَقيل لَهُ أحلال هِيَ إِذا كَانَت خَالِصَة فَقَالَ لَو دبر النّحاس أَو غَيره من الأجساد حَتَّى صَار ذَهَبا خَالِصا لَا شكّ فِيهِ فَمَتَى لم يقل بَائِعه لمبتاعه هَذَا كَانَ نُحَاسا أَو جسدا من الأجساد فدبرته حَتَّى صَار ذَهَبا كَمَا ترى لَكَانَ غاشا مدلسا قَالَ وَمَتى ذكره لم يشتر أحد مِنْهُ ذَلِك بفلس وَيَقُول فَكَمَا دَبرته حَتَّى صَار ذَهَبا فَكَذَلِك يدبره غَيْرك حَتَّى يرجع إِلَى أَصله فَمن لم يبين فِيهَا فَهُوَ دَاخل

стр. 901

فِي قَوْله ﷺ من غَشنَا فَلَيْسَ منا فَتكون صناعتها حَرَامًا وَقيل لبَعض الْفُضَلَاء لم لم تتعلل بِهَذِهِ الصِّنَاعَة فَإِنَّهَا تسلي الخاطر فَقَالَ قيل للحمار لم لم تجتر فَقَالَ أكره مضغ الْبَاطِل وَأنْشد (فَقلت لِأَصْحَابِي هِيَ الشَّمْس ضوءها ... قريب وَلَكِن فِي تنَاولهَا بعد) اه مَا نَقله اليفرني مُلَخصا مهذبا وَهُوَ الْحق الَّذِي لَا عوج فِيهِ وَلَا أمت ثمَّ قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا شاع عَن السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه من ذَلِك لَا أصل لَهُ وَلَقَد كَانَ أهل الْوَرع يجتنبون الصَّلَاة فِي جَامع الْأَشْرَاف بعد مَا بنى مُدَّة وَيُقَال إِن مَوضِع ذَلِك الْجَامِع كَانَ مَقْبرَة للْيَهُود وَالله تَعَالَى أعلم فتح مَدِينَة شفشاون وانقراض أَمر بني رَاشد مِنْهَا تقدم أَن مَدِينَة شفشاون حرسها الله بناها بَنو رَاشد من شرفاء الْعلم وَكَانُوا أهل جِهَاد ومرابطة على الْعَدو بِبِلَاد غمارة والهبط وَلما توفّي مختطها الْأَمِير أَبُو الْحسن عَليّ بن مُوسَى بن رَاشد بقيت بيد أَوْلَاده يتولون رياستها قَالَ فِي الْمرْآة وَلم يزَالُوا فِيهَا بَين سلم وَحرب إِلَى أَن حَاصَرَهُمْ بهَا الْوَزير أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ بجيوش عَمه السُّلْطَان أبي مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه وَصَاحب شفشاون يَوْمئِذٍ الْأَمِير الْفَاضِل أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن الْأَمِير أبي الْحسن عَليّ بن مُوسَى بن رَاشد فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحصار خرج فِيمَن إِلَيْهِ من أَهله وَولده وقرابته وصعدوا الْجَبَل المطل على شفشاون فِي مَسْلَك وعر صحبتهم فِيهِ السَّلامَة وَذَلِكَ لَيْلَة الْجُمُعَة الثَّانِي من صفر سنة تسع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَسَارُوا إِلَى ترغة فَرَكبُوا مِنْهَا الْبَحْر يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع الشَّهْر الْمَذْكُور وَاسْتقر الْأَمِير أَبُو عبد الله بِالْمَدِينَةِ المنورة إِلَى أَن مَاتَ بهَا رَحمَه الله

стр. 902

حِصَار البريجة الْمُسَمَّاة الْيَوْم بالجديدة قد قدمنَا مَا كَانَ من بِنَاء البرتغال لمدينة الجديدة وتحصينهم لَهَا بِمَا فِيهِ كِفَايَة وَكَانَت غارات الْمُسلمين المجاورين لَهُم لَا تَنْقَطِع عَنْهُم وَكَذَلِكَ هم سَائِر مقامهم بهَا وَلما كَانَت سنة تسع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة جهز إِلَيْهَا السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه جَيْشًا كثيفا واستنفر لَهَا قبائل الْحَوْز وَعقد عَلَيْهِم لِابْنِهِ مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسلوخ قَتِيل وَادي المخازن وَكَانَ يَوْمئِذٍ ابْن عشْرين سنة على مَا قيل واستوزر لَهُ الْقَائِد الْمُجَاهِد الشَّاعِر الْفَاضِل أَبَا زيد عبد الرَّحْمَن بن تودة العمراني وَجعل إِلَيْهِ أَمر الْحَرْب وَابْن السُّلْطَان صُورَة فزحف إِلَيْهَا وحاصرها أَرْبَعَة وَسِتِّينَ يَوْمًا وَملك بعض أسوارها وَلم يقْض الله بِفَتْحِهَا وَفِي النزهة ذكر أَن الْقَائِد ابْن تودة دخل البريجة الَّتِي قرب آزمور وَأخذ أسوارها وعزم على أَن يستأصل فِي الْغَد بقيتها وَلَا يبقي للكفر بهَا أثرا فَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه ينهاه عَنْهَا فتراجع النَّصَارَى إِلَيْهَا بعد أَن ركبُوا الْبَحْر عازمين على الْجلاء عَنْهَا اه وَقد وقفت فِي التَّارِيخ البرتغالي الْمَوْضُوع فِي أَخْبَار الجديدة وَاسم مُؤَلفه لويز مَارِيَة على أَخْبَار هَذَا الْحصار وَقد استوعبها وبسطها وتتبع الوقائع فصلا فصلا وَيَوْما يَوْمًا وأتى من ذَلِك بِمَا يزِيد على الكراسة فَكَانَ من جملَة مَا قَالَ إِنَّه لما عزم السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه على غزوهم وَأخذ فِي تجهيز الجيوش إِلَيْهِم أَتَاهُم بعض المتنصرة قَالَ وَهُوَ عبد أسود فَأخْبرهُم بِأَن السُّلْطَان مستعد لحربهم وَكَانُوا عازمين على التَّوَثُّق من هَذَا الجاسوس فَأَفلَت مِنْهُم فَعَلمُوا أَن إِظْهَاره للتنصر كَانَ مكيدة ثمَّ أخذُوا فِي الاستعداد واشتروا من عِنْد قَائِد آزمور ألفي سيف هَكَذَا زعم قَالَ وَفِي الْيَوْم الرَّابِع من مارس سنة ألف وَخَمْسمِائة واثنتين وَسِتِّينَ مسيحية وصلت جموع الْمُسلمين إِلَى حوز الجديدة وَهَذَا التَّارِيخ مُوَافق للتاريخ الْعَرَبِيّ الَّذِي قدمْنَاهُ قَالَ فَكَانَت خيل الْمُسلمين نَحْو ثَلَاثِينَ ألف وَالرُّمَاة ضعف ذَلِك وَكَانَ فيهم عَسْكَر التّرْك الْمَعْرُوف بالبلدروش وَكَانُوا يَوْمئِذٍ جندا للسعديين وَكَانَ مَعَهم

стр. 903

عشرُون مدفعا عشرَة كَبِيرَة وَعشرَة صَغِيرَة وفيهَا وَاحِد أعظم من الْجَمِيع يُسمى ميمونا وَكَانَ مَعَهم الْعلم الْكَبِير الْأَبْيَض ورايات أخر ملونة وتقدموا إِلَى الجديدة فحاصروها حصارا شَدِيدا وحاربوها حَربًا هائلة وصف هَذَا المؤرخ ذَلِك كُله وَصفا كاشفا وَكَانَت الجديدة يَوْمئِذٍ فِي غَايَة الحصانة والمناعة فَلم يتَمَكَّن الْمُسلمُونَ من النَّصَارَى على مَا يَنْبَغِي وَأرْسل التّرْك عَلَيْهِم أَنْوَاع الحراقيات وملكوا المتارزات الَّتِي كَانَت حول السُّور بعد أَن هَلَكت عَلَيْهَا نفوس من الْفَرِيقَيْنِ ثمَّ صنع النَّصَارَى للْمُسلمين عِنْدهَا مينا البارود مرَّتَيْنِ فَفِي الأولى كَانَت المينا تِسْعَة براميل نفط مِنْهُنَّ سَبْعَة فأهلكت خلقا من الْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَفِي الثَّانِيَة كَانَت تِسْعَة عشر برميلا أَمَام السُّور فنفطت بِالْمُسْلِمين وأتلفت مِنْهُم عددا فبعضهم طَار فِي الْهَوَاء وَبَعْضهمْ تَحت التُّرَاب وَكَانَ رُمَاة الْمُسلمين ينالون مِنْهُم نيلا عَظِيما واعترف النَّصَارَى لَهُم بجودة الرَّمْي بِحَيْثُ كَانُوا كلما ظهر مِنْهُم عسكري على السُّور اختطفته رصاصة فِي أخير مَوضِع من بدنه من الرَّأْس أَو الصَّدْر قَالَ لويز المؤرخ وَلَقَد قدم فِي بعض الْأَيَّام من أشبونة كَبِير من كبراء جندهم فَقَالَ لَهُم أروني كَيفَ قتالكم لهَؤُلَاء الْمُسلمين وَكَيف مصافتكم لَهُم قَالَ فَمَا ظهر بِرَأْسِهِ على السُّور ليرى محلّة الْمُسلمين حَتَّى أَصَابَته رصاصة نثرت دماغه كَأَن صَاحبهَا كَانَ ينتظره وَكَانَ ذَلِك بِنَفس نُزُوله من الْبَحْر قبل أَن يذهب إِلَى منزله فَعوضهُ مِنْهُ الْمُسلمُونَ الْقَبْر قَالَ فَمَا كَانَ النَّصَارَى بعْدهَا يقدرُونَ أَن يظهروا على السُّور إِلَّا فِي النَّادِر وَلما طَال عَلَيْهِم الْحصار ندب كَبِيرهمْ جمَاعَة مِنْهُم لِلْخُرُوجِ إِلَى السواحل الْبَعِيدَة عَن محلّة الْمُسلمين لَعَلَّهُم يظفرون بأسير مِنْهُم يستكشفونه عَن خبر الْجَيْش المحاصر لَهُم هَل هُوَ مرتحل أَو مُقيم وَمَا مُدَّة الْإِقَامَة قَالَ فَخَرجُوا فِي فلك لَهُم لَيْلًا وَسَارُوا حَتَّى بلغُوا سَاحل طيط وَهِي يَوْمئِذٍ خَالِيَة وَكَانَ بقربها محلّة لقائد آسفي فَلَمَّا طلع الْفجْر تقدمُوا إِلَى الْبر وأرسوا فلكهم إِلَى جَانب بعض الْأَحْجَار هُنَالك بِحَيْثُ يخفى على المارين بالسَّاحل ثمَّ كمنوا هُنَالك فَلَمَّا كَانَ وَقت الْإِسْفَار إِذا بِرَجُل من محلّة آسفي أَتَى على فرسه إِلَى

стр. 904

شاطئ الْبَحْر لبَعض حاجاته فَلم يرعه إِلَّا النَّصَارَى قد أَحدقُوا بِهِ وَأخذُوا بلجام فرسه وَجعل بَعضهم فَم مكحلته فِي صَدره فَلم يملك الْمُسلم من نَفسه شَيْئا ثمَّ أنزلوه عَن الْفرس وساقوه إِلَى الْفلك أَسِيرًا ولججوا بِهِ فِي الْبَحْر وَلما بعدوا عَن الْبر شَيْئا مَا رمى أحدهم الْفرس بِرَصَاصٍ فَقتله ثمَّ أَسْرعُوا إِلَى الجديدة فَدَخَلُوهَا وَاجْتمعَ النَّصَارَى على الْمُسلم وَهُوَ كالمبهوت بَينهم ثمَّ سَأَلُوهُ عَن خبر الْجَيْش المحاصر لَهُم فَأخْبرهُم بِأَنَّهُم يناجزونهم بعد هَذَا مرّة أُخْرَى أَو مرَّتَيْنِ فَإِن لم يظفروا بهم ارتحلوا عَنْهُم فَكَانَ كَذَلِك قَالَ وَكَانَ ارتحال الْمُسلمين من الجديدة فِي سَابِع مايه العجمي من السّنة الْمَذْكُورَة فَعمل النَّصَارَى لذَلِك عيدا وأحدثوا فِي كنائسهم صلوَات لم تكن قبل وَذَلِكَ بِإِشَارَة باباهم صَاحب رومة وَمِمَّا حَكَاهُ هَذَا البرتغالي فِيمَا كَانَ يجْرِي بَين أهل آزمور وَبينهمْ من الْحَرْب وَذَلِكَ بعد هَذَا الْحصار بِمدَّة يسيرَة أَنه كَانَ بآزمور امْرَأَة حسناء وخطبها رجل من أهل الْبَلَد سَمَّاهُ لويز إِلَّا أَنه لم يحسن النُّطْق بِهِ لعجمته وَأَظنهُ اسْمه الميلودي لِأَن الْحُرُوف الَّتِي ذكر تقرب مِنْهُ قَالَ فامتنعت عَلَيْهِ فَرَاوَدَهَا أَيَّامًا وَاشْتَدَّ كلفه بهَا فَلم تَزْدَدْ عَلَيْهِ إِلَّا تمنعا فَبعث إِلَيْهَا ذَات يَوْم يرغبها فِي نَفسه ويدلي عَلَيْهَا بمآثره الَّتِي من جُمْلَتهَا الشجَاعَة حَتَّى قَالَ لَهَا وَإِن شِئْت أَن آتِيك بِرَأْس أعظم نَصْرَانِيّ بالجديدة وأشجعه فعلت ولعلها كَانَت موتورة لَهُم فَقَالَت لَهُ إِن أتيتني بِهِ تَزَوَّجتك فَذهب الرجل الْمَذْكُور إِلَى قَائِد آزمور وَلم يسمه لويز وَعرض عَلَيْهِ أَن يكْتب إِلَى كَبِير نَصَارَى الجديدة وَصَاحب رَأْيهمْ بِأَن يعين من جَانِبه رجلا من شجعانهم

стр. 905

ليبارزه إِن شَاءَ فَأَجَابَهُ الْقَائِد إِلَى مُرَاده وَذهب الرَّسُول بِالْكتاب حَتَّى وقف على نَحْو غلوة من الْمَدِينَة وَهَذَا الْموضع هُوَ الَّذِي كَانَت تقف فِيهِ رسل آزمور إِذا قدمت لغَرَض فَخرج إِلَيْهِ الْبَرِيد من عِنْد صَاحب الجديدة وَحَازَ الْكتاب وَرجع بِهِ إِلَى صَاحبه فَلَمَّا قَرَأَهُ أحضر جمَاعَة من وُجُوه جنده وَعرض عَلَيْهِم مَا فِيهِ فَقَامَ رجل مِنْهُم وَقَالَ أَن صَاحبه وَهَذَا الرجل سَمَّاهُ لوزير وَقَالَ كَانَ ابْن ثَلَاثِينَ سنة كَامِل الْقَامَة ممتلئ الْأَعْضَاء أسمر اللَّوْن كثير شعر الْبدن أسود اللِّحْيَة وَكَانَ بِرَأْسِهِ جرح لم يندمل من وقْعَة كَانَت بَينهم وَبَين أهل أزمور قبل ذَلِك فَكتب صَاحب الجديدة إِلَى قَائِد آزمور إِنَّا قد أجبناك إِلَى مَا دَعَوْت وَقد أعجبنا ذَلِك وَهَا نَحن قد عينا لصاحبك قرنه فلتعينوا لنا الْيَوْم والساعة الَّتِي تكون فِيهَا الملاقاة فاتفقا على يَوْم مَعْلُوم وَفِي ذَلِك الْيَوْم سَار قَائِد آزمور فِي أَصْحَابه ووجوه أهل بَلَده وَمَعَهُمْ الرجل الْمَذْكُور إِلَى الجديدة فَانْتَهوا إِلَى الْموضع الَّذِي جرت الْعَادة أَن يقف فِيهِ الْمُسلمُونَ وَخرج قَائِد النَّصَارَى فِي جماعته وشرطوا للمبارزة وكيفتها شُرُوطًا مِنْهَا أَن تبعد كل جمَاعَة من صَاحبهَا بِخَمْسِينَ خطْوَة وَلَا يلتقي إِلَّا المتبارزان وَحدهمَا بمرأى من الْفَرِيقَيْنِ وَمِنْهَا أَن مساحة الْموضع الَّذِي يكون فِيهِ مجالهما خَمْسُونَ شبْرًا وسطا من الْفَرِيقَيْنِ وَإِن من خرج عَن هَذَا الْمحل مِنْهُمَا وَلَو قيد شبر كَانَ رقا للْآخر وأعطوا خطوطهم بذلك وَلما حَان وَقت البرَاز خرج عَدْلَانِ من جَانب الْمُسلمين حَتَّى انتهيا إِلَى النَّصْرَانِي ففتشاه لينظرا مَا عَلَيْهِ من السِّلَاح وَمَا مَعَه لِأَن من جملَة الشُّرُوط أَن لَا يتبارزا إِلَّا بِالسَّيْفِ وَالرمْح فَقَط فَلم يجدا مَعَ النَّصْرَانِي سواهُمَا قَالَ لويز وَكَانَ صَاحبهمْ الْمَذْكُور يحسن الضَّرْب بكلتا يَدَيْهِ فَشرط عَلَيْهِ العدلان أَن لَا يُقَاتل إِلَّا بِالْيَمِينِ فَرضِي ثمَّ خرج شَاهِدَانِ من جَانب النَّصَارَى حَتَّى انتهيا إِلَى الْمُسلم ففتشاه فَلم يجدا عِنْده سوى السَّيْف وَالرمْح أَيْضا غير أَنه قد علق على ذراعه تمائم كَثِيرَة مخروزة فِي الْجلد فَقَالَ لَهُ الشَّاهِدَانِ لَا بُد أَن تنْزع

стр. 906

هَذِه التمائم لِأَن صاحبنا لَيْسَ عِنْده شَيْء من هَذَا وَأَيْضًا فَيمكن أَن تقيك هَذِه التمائم بعض الْوِقَايَة فَقَالَ لَهُم لَا أَنْزعهَا لِأَن مثل هَذَا لَا يتقى بِهِ فِي الْحَرْب وَلَا يُغني فِي الظَّاهِر من السَّيْف وَالرمْح شَيْئا وَإِنَّمَا فِيهَا أَسمَاء الله وَلَا يحسن بِي أَن أطرحها فِي هَذِه الْحَالة الَّتِي أَنا مشرف فِيهَا على الْمَوْت فَيكون ذَلِك سوء أدب مني مَعَ اسْم الله تَعَالَى وَرُبمَا يكون سَببا فِي خذلاني فَرجع النصرانيان إِلَى قائدهما وأخبراه بالقضية فَقَالَ لَا بُد من نَزعهَا فعادا إِلَيْهِ وَزعم لويز أَن الْمُسلمين وافقوا على نَزعهَا وَقَالَ لَهُ العدلان إِن الْحق مَعَ النَّصَارَى لأَنا كشفنا صَاحبهمْ كشفا تَاما وراوده الْقَائِد أَيْضا فأصر على الِامْتِنَاع معتذرا بِمَا سلف وَلما لم يحصلوا على طائل رَجَعَ الْمُسلمُونَ إِلَى بلدهم وَلم يكن برَاز قَالَ لويز وعد النَّصَارَى ذَلِك غلبا وَجعلُوا يصيحون وَيخرجُونَ البارود قَالَ وَكَانَ سور الجديدة مكسوا بِالنسَاء وَالصبيان واغتاظ قَائِد آزمور فسجن الْمُسلم الْمَذْكُور لكَونه جر هَذِه المذلة على الْمُسلمين قلت من تَأمل وأنصف علم أَن الفشل إِنَّمَا هُوَ من جَانب النَّصَارَى لِأَن تِلْكَ التمائم من حَيْثُ الظَّاهِر لَا تغني شَيْئا وَكَون بركتها تقيه من ضربات السَّيْف وطعنات الرمْح فَهَذَا لَا يَعْتَقِدهُ النَّصَارَى بل وَلَا يسلمونه فَلم يبْق إِلَّا الفشل والتعلل بِمَا لَا اعْتِبَار بِهِ عِنْد الْعُقَلَاء ثمَّ قَالَ لويز وَقد كَانَت بَين الْمُسلمين وَالنَّصَارَى بعد ذَلِك وقائع فأبلى فِيهَا ذَلِك الْمُسلم الْبلَاء الْحسن وَعرف مَحَله من الشجَاعَة اه وَالْحق مَا شهِدت بِهِ الْأَعْدَاء وَإِنَّمَا أثبت هَذِه الْحِكَايَة بِطُولِهَا لغرابتها وَلما اشْتَمَلت عَلَيْهِ من خلال الفتوة ومنازع النخوة الإيمانية فنسأله أَن يعلي منار الدّين ويكبت كيد الجاحدين والمعتدين آمين وَفِي سنة سبعين وَتِسْعمِائَة ولى السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه الْفَقِيه أَبَا مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الْحميدِي قَضَاء فاس فطالت مدَّته

стр. 907

وفادة السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه على الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى السملالي ﵁ حكى صَاحب الممتع أَن السُّلْطَان أَبَا مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه قَالَ للأستاذ أبي عبد الله الترغي إِنِّي أجد فِي نَفسِي إِرَادَة وطلبا للشَّيْخ فَامْضِ فاطلب لي شَيخا فَذهب يطوف على مَشَايِخ الْمغرب وَكَانُوا إِذْ ذَاك متوافرين حَتَّى أَتَى على الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى الْجُزُولِيّ ثمَّ السملالي فَوَجَدَهُ شَيخا جَلِيلًا سنيا متواضعا زاهدا ظَاهر الْوَرع حسن الْأَخْلَاق باهر الكرامات وَاضح الطَّرِيقَة جَامعا لمحاسن الْخلال والأوصاف فَرجع إِلَيْهِ وَجعل يصف لَهُ كل من رأى من الْمَشَايِخ بِمَا ظهر لَهُ فِيهِ حَتَّى أَتَى على الشَّيْخ الْمَذْكُور فَقَالَ وَهُوَ ولي ثمَّ ولي ثمَّ ولي ثمَّ ولي سبعا فَقَالَ لَهُ كَأَنَّك تدلني عَلَيْهِ وَأَنه مطلوبي وَأَنه الْمُقدم على غَيره فَقَالَ لَهُ لَا أدلك عَلَيْهِ وَلَا عِنْدِي مَا أعرفهُ بِهِ تَقْدِيمه غير أَن هَذَا الَّذِي ظهر لي فأزمع السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه الرحلة إِلَيْهِ فَلَمَّا بلغ الشَّيْخ الْمَذْكُور مَجِيء السُّلْطَان إِلَيْهِ خرج يتلقاه وَقد هيأ لَهُ النزل وَمَا يصلحه وَأعد لَهُ مَا يُنَاسِبه من الْأَطْعِمَة الرفيعة النفيسة وَقدم إِلَيْهِ الثَّمر الْجيد وَاللَّبن الحليب وَلما خرج للقائه أَتَاهُ بَعضهم بفرس وَكَانَ من عَادَته أَن لَا يركب وَإِذا أَتَاهُ أحد بمركوب لَا يردهُ عَلَيْهِ بل يستصحبه مَعَه ويعلفه لَهُ حَتَّى يرجع فَفعل ذَلِك وَلَقي السُّلْطَان وَرجع بِهِ مَعَه وأنزله عِنْده فَمَكثَ فِي ضيافته ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ طلب مِنْهُ أَن يَتَّخِذهُ وَسِيلَة إِلَى الله تَعَالَى وَسَأَلَهُ مَعَ ذَلِك تمهيد الْملك وَاعْتذر إِلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ الْعَيْش بِدُونِهِ وَلَا يَأْمَن على نَفسه وَلَا تؤويه أَرض إِذا هُوَ تخلى عَنهُ فَقَالَ الشَّيْخ يَا عرب يَا بربر يَا سهل يَا جبل أطِيعُوا السُّلْطَان مولَايَ عبد الله وَلَا تختلفوا عَلَيْهِ ثمَّ بعد الثَّلَاث انْصَرف السُّلْطَان إِلَى مَحَله فَبَقيَ مُدَّة وَهُوَ مسكن ممهد الْملك فِي عَافِيَة

стр. 908

ثمَّ أَتَى التّرْك إِلَى بوغاز طنجة وسبتة فخافهم وتشوش مِنْهُم كثيرا وَلم يهنأ لَهُ عَيْش فَجعلت حَاشِيَته يهونون عَلَيْهِ أَمرهم فَقَالَ دَعونِي مِنْكُم حَتَّى أستقي من رَأس الْعين ثمَّ أبرد بريدا إِلَى الشَّيْخ فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِ سَمعه يَقُول يَا ترك ارْجعُوا إِلَى بِلَادكُمْ وَيَا مولَايَ عبد الله هُنَاكَ الله فِي بلادك بالعافية فَتقدم الرَّسُول وَسلم على الشَّيْخ وبلغه سَلام السُّلْطَان ثمَّ انْقَلب من فوره بعد مَا ورخ وَقت سَماع مقَالَته فَلَمَّا بلغ إِلَى السُّلْطَان أخبرهُ بِمَا كَانَ من الشَّيْخ من تِلْكَ الْمقَالة وَمَا كَانَ مِنْهُ من التَّارِيخ وَأَقَامُوا ينتظرون مَا يكون فَإِذا الْخَبَر قد ورد على السُّلْطَان بِأَن التّرْك قد ارتحلوا وَانْصَرفُوا إِلَى بِلَادهمْ وَإِذا ارتحالهم كَانَ وَقت مقَالَة الشَّيْخ الْمَذْكُورَة ثمَّ إِن الشَّيْخ قدم مراكش فِي بعض الْأَيَّام زَائِرًا من كَانَ بهَا من أهل الله تَعَالَى فَرغب إِلَيْهِ السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه أَن يدْخل دَاره هُوَ وَأَصْحَابه ويصنع لَهما طَعَاما وَشرط على نَفسه أَن لَا يُطعمهُمْ إِلَّا الْحَلَال وَلَا يُطعمهُمْ مَا فِيهِ شُبْهَة وَحلف للشَّيْخ على ذَلِك فأسعفه وَلما حضر الطَّعَام وضع الشَّيْخ يَده عَلَيْهِ وَلم يصب مِنْهُ فَلَمَّا خرج قيل لَهُ مَالك لَا تتَنَاوَل من طَعَام السُّلْطَان وَقد حلف أَن لَا يطعمكم إِلَّا الْحَلَال فَقَالَ لَهُ من أكل طَعَام السُّلْطَان وَهُوَ حَلَال أظلم قلبه أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَمن أكله وَفِيه شُبْهَة مَاتَ قلبه أَرْبَعِينَ سنة اه وَمِمَّا ينخرط فِي هَذَا السلك أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور كَانَ لَهُ اعْتِقَاد فِي الشَّيْخ أبي عَمْرو القسطلي وَكَانَ يعظمه غَايَة وَكَانَت عِنْده مظلة لَهُ من سعف النّخل يَتَّقِي بهَا الْحر تبركا بهَا وَلما توفّي الشَّيْخ أَبُو عَمْرو الْمَذْكُور وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة منتصف شَوَّال سنة أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة حضر السُّلْطَان الْمَذْكُور جنَازَته وحثا التُّرَاب على قَبره بِيَدِهِ وَمن أَخْبَار السُّلْطَان الْمَذْكُور أَن الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن حُسَيْن المغاري كَانَ ظهر بمراكش وَكَثُرت الجموع عَلَيْهِ وقصده النَّاس من كل جِهَة فَأرْسل إِلَيْهِ السُّلْطَان الْمَذْكُور إِمَّا أَن تخرج عني أَو أخرج عَنْك فَقَالَ

стр. 909

الشَّيْخ ابْن حُسَيْن بل أَنا أخرج وَخرج من فوره إِلَى تامصلوحت فَكَانَ من أمره مَا كَانَ اسْتِيلَاء النَّصَارَى على حجر باديس وَالسَّبَب فِي ذَلِك قد تقدم لنا فِي أَخْبَار الوطاسيين أَن النَّصَارَى بنوا حجر باديس واستولوا على وهران سنة أَربع عشرَة وَتِسْعمِائَة واستمروا بهما إِلَى أَن انتزعهما التّرْك من أَيْديهم وَلما كَانَت دولة السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه وطمع التّرْك فِي الِاسْتِيلَاء على الْمغرب الْأَقْصَى أغرى السُّلْطَان الْمَذْكُور النَّصَارَى بِالِاسْتِيلَاءِ على الثغور الهبطية وسد أنقابها دونه قَالَ فِي النزهة ذكر بَعضهم أَن السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه لما رأى عمَارَة ترك الجزائر وأساطيلهم لَا يَنْقَطِع ترددها عَن حجر باديس ومرسى طنجة يَعْنِي البوغاز وتخوف مِنْهُم اتّفق مَعَ الطاغية أَن يُعْطِيهِ حجر باديس ويخليها لَهُم من الْمُسلمين فتنقطع بذلك مَادَّة التّرْك عَن الْمغرب وَلَا يَجدوا سَبِيلا إِلَيْهِ فَنزل النَّصَارَى على حجر باديس وأخرجوا الْمُسلمين مِنْهَا ونبشوا قُبُور الْأَمْوَات وحرقوها وأهانوا الْمُسلمين كل الإهانة وَلما بلغ خبر نزولهم عَلَيْهَا لوَلَده مُحَمَّد وَكَانَ خَلِيفَته على فاس خرج بجيوشه لإغاثة الْمُسلمين فَلَمَّا كَانَ بوادي اللَّبن بلغه استيلاؤهم عَلَيْهَا فَرجع وَتركهَا لَهُم اه وَذكر اليفرني أَنه وجد هَذِه الْأَخْبَار فِي أوراق مَجْهُولَة وَالله تَعَالَى أعلم

стр. 910

فتْنَة الْفَقِيه أَبُو عبد الله الأندلسي ومقتله كَانَ الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد الأندلسي نزيل مراكش متظاهرا بالزهد وَالصَّلَاح حَتَّى استهوى كثيرا من الْعَامَّة فتبعوه وَكَانَت تصدر عَنهُ مقالات قبيحة من الطعْن على أَئِمَّة الْمذَاهب ﵃ ينحو فِيهَا منحى ابْن حزم الظَّاهِرِيّ ويتفوه بمقالات شنيعة فِي الدّين فَأمر السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه بقتْله فاستغاث بالعامة من أَتْبَاعه واعصوصبوا عَلَيْهِ وَوَقعت فتْنَة عَظِيمَة بمراكش بِسَبَبِهِ إِلَى أَن قتل وصلب على بَاب دَاره برياض الزَّيْتُون من الْمَدِينَة الْمَذْكُورَة وَكَانَ ذَلِك أواسط ذِي الْحجَّة من سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة ظُهُور بِدعَة الشراقة من الطَّائِفَة اليوسفية وَمَا قيل فيهم قَالَ فِي الدوحة كَانَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يُوسُف الرَّاشِدِي نزيل مليانة تظهر على يَده الكرامات وأنواع الانفعلات فَبعد صيته وَكَثُرت أَتْبَاعه فغلوا فِي محبته وأفرطوا فِيهَا حَتَّى نسبه بَعضهم إِلَى النُّبُوَّة قَالَ وَفَشَا ذَلِك الغلو على يَد رجل مِمَّن صحب أَصْحَابه يُقَال لَهُ ابْن عبد الله فَإِنَّهُ تزندق وَذهب مَذْهَب الإباضية على مَا حكى عَنهُ واعتقد هَذَا الْمَذْهَب الخسيس كثير من الغوغاء وأجلاف الْعَرَب وَأهل الْأَهْوَاء من الحواضر وتعرف هَذِه الطَّائِفَة باليوسفية قَالَ وَلم يكن الْيَوْم بالمغرب من طوائف المبتدعة سوى هَذِه الطَّائِفَة وَسمعت بعض الْفُضَلَاء يَقُول إِنَّه قد ظهر ذَلِك فِي حَيَاة الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس الْمَذْكُور فَلَمَّا بلغه ذَلِك قَالَ من قَالَ عَنَّا مَا لم نَقله يَبْتَلِيه الله بِالْعِلَّةِ والقلة وَالْمَوْت على غير مِلَّة

стр. 911

قَالَ صَاحب الدوحة وَلَقَد أَشَارَ الْفُقَهَاء على السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه بالاعتناء بحسم مَادَّة فَسَاد هَذِه الطَّائِفَة فسجن جمَاعَة مِنْهُم وَقتل آخَرين وَهَؤُلَاء المبتدعة لَيْسُوا من أَحْوَال الشَّيْخ فِي شَيْء وَإِنَّمَا فعلوا كَفعل الروافض والشيعة فِي أئمتهم وَإِنَّمَا أَصْحَاب الشَّيْخ كَأبي مُحَمَّد الْخياط وَالشَّيْخ الشطيبي وَأبي الْحسن عَليّ بن عبد الله دَفِين تافلالت وأنظارهم من أهل الْفضل وَالدّين وَإِلَّا فالأئمة المقتدى بهم كلهم يعظم الشَّيْخ ويعترف لَهُ بِالْولَايَةِ وَالْعلم والمعرفة اه وَقَالَ فِي الْمرْآة مَا نَصه وَالشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يُوسُف الرَّاشِدِي الملياني من كبار الْمَشَايِخ أهل الْعلم وَالْولَايَة وَعُمُوم البركات وَالْهِدَايَة وَكَانَ كثير التَّلْقِين فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَبُو عبد الله الخروبي أهنت الْحِكْمَة فِي تلقينك الْأَسْمَاء للعامة حَتَّى النِّسَاء فَقَالَ لَهُ قد دَعونَا الْخلق إِلَى الله فَأَبَوا فقنعنا مِنْهُم بِأَن نشغل جارحة من جوارحهم بِالذكر قَالَ الشَّيْخ الخروبي فَوَجَدته أوسع مني دَائِرَة قَالَ صَاحب الْمرْآة وانتسبت إِلَيْهِ الطَّائِفَة الْمَعْرُوفَة بالشراقة بتَشْديد الرَّاء وَهُوَ بَرِيء من بدعتهم فَمَا كَانَ إِلَّا إِمَام سنة وَهدى مقتدى بِهِ فِي الْعلم وَالدّين قد نزهه الله وطهر جَانِبه وَقد أظهرُوا شَيْئا من ذَلِك فِي حَيَاته فتبرأ مِنْهُم وَقَاتلهمْ وَبلغ المجهود فِي تشريدهم قَالَ وحَدثني شَيخنَا أَبُو عبد الله النيجي أَن الشَّيْخ أَبَا الْبَقَاء عبد الْوَارِث اليالصوتي لما ظَهرت بِدعَة الشراقة وانتسابهم إِلَيْهِ وَقع فِي نَفسه من ذَلِك شَيْء فَقيل لَهُ إِن الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد الْخياط من أَصْحَابه فَقَالَ أَنا تائب إِلَى الله كفى فِي طَهَارَة جَانِبه أَن يكون الْخياط من أَصْحَابه وَكَانَت وَفَاة الشَّيْخ الملياني سنة سبع وَعشْرين وَتِسْعمِائَة لَكِن مَا كَانَ عنفوان تِلْكَ الْبِدْعَة المدسوسة عَلَيْهِ إِلَّا فِي دولة السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه كَمَا مر وَالله يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء

стр. 912

احتيال النَّصَارَى بمكيدة البارود بِجَامِع الْمَنْصُور من مراكش وَمَا وقى الله تَعَالَى من شَرها كَانَ بقصبة مراكش جمَاعَة من أُسَارَى النَّصَارَى من لدن أَيَّام أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج وأخيه أبي عبد الله الشَّيْخ فَرَأَوْا الجم الْغَفِير من أَعْيَان الْمُسلمين وَأهل الدولة يحْضرُون كل جُمُعَة للصَّلَاة مَعَ السُّلْطَان بِجَامِع الْمَنْصُور من القصبة الْمَذْكُورَة فحدثتهم نفسهم الشيطانية بِأَن يصنعوا مكيدة يهْلكُونَ بهَا السُّلْطَان وَمن مَعَه فَحَفَرُوا فِي خُفْيَة تَحت الْجَامِع الْمَذْكُور حُفْرَة ملأؤها من البارود وَوَضَعُوا فِيهَا فتيلا تسري فِيهِ النَّار على مهل كي يَنْقَلِب الْجَامِع بأَهْله وَقت الصَّلَاة فنفطت المينا وانهدت بهَا الْقبَّة الواسعة من الْجَامِع الْمَذْكُور وَانْشَقَّ مناره شقا كَبِيرا وَلَا زَالَ ماثلا بِهِ إِلَى الْآن وَكَانَ ذَلِك مبلغ ضررهم وَكفى الله الْمُسلمين شَرّ تِلْكَ المكيدة وَلم يتَمَكَّن لَهُم الْحَال على وفْق مَا أَرَادوا وَكَانَ ذَلِك سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَفَاة السُّلْطَان أبي مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه ﵀ قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس ابْن القَاضِي فِي شرح درة السلوك توفّي السُّلْطَان أَبُو مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة بِسَبَب غم كَانَ يَعْتَرِيه اه وَهَذَا الْغم هُوَ الدَّاء الْمُسَمّى عِنْد الْعَامَّة بالضيقة أعاذنا الله مِنْهُ وَذكر غَيره أَنه توفّي فِي شَوَّال بِسَبَب تكلفه للصيام فعدت عَلَيْهِ الْعلَّة الْمَذْكُورَة وشاع على أَلْسِنَة النَّاس أَنه بَات يُصَلِّي لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَمَضَان فوافته ميتَته وَهُوَ ساجد وَذَلِكَ كذب وَدفن ﵀ عِنْد ضريح أَبِيه بقبور الْأَشْرَاف وقبره مَعْرُوف وَمِمَّا كتب بالنقش على رخامة قَبره هَذِه الأبيات (أيا زائري هَب لي الدُّعَاء ترحما ... فَإِنِّي إِلَى فضل الدُّعَاء فَقير)

стр. 913

(وَقد كَانَ أَمر الْمُؤمنِينَ وملكهم ... إِلَى وصيتي فِي الْبِلَاد شهير) (فها أَنا ذَا قد صرت ملقى بحفرة ... وَلم يغن عني قَائِد ووزير) (تزودت حسن الظَّن بِاللَّه راحمي ... وزادي بِحسن الظَّن فِيهِ كثير) (وَمن كَانَ مثلي عَالما بحنانه ... فَهُوَ بنيل الْعَفو مِنْهُ جدير) (وَقد جَاءَ إِن الله قَالَ ترحما ... إِلَى مَا يظنّ العَبْد بِي سيصير) وَحكى أَنا ابْنه أَبَا عبد الله الْمَعْرُوف بالمسلوخ لما قَرَأَ هَذِه الأبيات عاقب ناظمها وَقَالَ لَهُ إِن فِي قَوْلك ملقى بحفرة دسيسة وتلويحا إِلَى الحَدِيث (الْقَبْر رَوْضَة من رياض الْجنَّة أَو حُفْرَة من حفر النَّار) فَهَلا قلت ببلقع أَو نَحوه بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه وَسيرَته كَانَ السُّلْطَان أَبُو مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه ذَا سياسة وخبرة بأحوال الْملك وتأن فِي الْأُمُور وَلما ولي الْخلَافَة ألان الْجَانِب وخفض الْجنَاح وَسَار بسيرة حَسَنَة حَتَّى صلحت الرّعية وازدانت الدُّنْيَا وانتعش النَّاس حَتَّى كَانَ يُقَال ثَلَاث عينات هم عُيُون الزَّمَان السُّلْطَان الْمولي عبد الله وَالشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن حُسَيْن المغاري وَالشَّيْخ أَبُو السرُور عياد السُّوسِي قَالَ اليفرني وَرَأَيْت من جملَة سُؤال كتب بِهِ الْفَقِيه الصَّالح خطيب الْجَامِع الْأَعْظَم بتارودانت أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن التلمساني إِلَى قَاضِي الْجَمَاعَة أبي مهْدي عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن السكتاني يَقُول فِيهِ وَلَا شكّ أَن مولَايَ عبد الله مجمع على عَدَالَته وبيعته وَقد أَخْبرنِي الثِّقَة من أَصْحَاب الشَّيْخ الْجَامِع أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى السملالي أَنه قَالَ مولَايَ عبد الله ياقوتة الْأَشْرَاف هُوَ صَالح لَا سُلْطَان وَقد اشْتهر بَين الْأَنَام وعَلى أَلْسِنَة الْخَاص وَالْعَام أَن السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه كَانَ عدلا صَالحا وَوَقع فِي الرسَالَة

стр. 914

الَّتِي كتب بهَا ابْن أَخِيه السُّلْطَان أَبُو الْمَعَالِي زَيْدَانَ بن مَنْصُور إِلَى الْفَقِيه أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد الْمُنعم الحاحي مَا ظَاهره يُخَالف ذَلِك وَيُؤذن بِأَنَّهُ كَانَ كَغَيْرِهِ من الْمُلُوك وَنَصّ الْمُحْتَاج إِلَيْهِ من تِلْكَ الرسَالَة مُخَاطبا للفقيه الْمَذْكُور يَقُول وَقد تحققت وَعلمت أَن ولَايَة أَحْمد بن مُوسَى السملالي كَادَت تكون قَطْعِيَّة واشتهر أمره عِنْد الْخَاص وَالْعَام حَتَّى أطبق أهل الْمغرب على ولَايَته وَقد كَانَ على عهد مَوْلَانَا عبد الله برد الله ضريحه وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور على مَا كَانَ عَلَيْهِ واشتهر عَنهُ وَمَا برح الشَّيْخ الْمَذْكُور يَدْعُو لَهُ ولدولته بِالْبَقَاءِ وَيظْهر حبه وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور يعْزل ويولي وَيقتل وَكَانَ شرد مِنْهُ إِلَى زاويته المرابط الأندلسي وَولد آصناك وأمثالهم وَكَانَ الشَّيْخ يقدم للشفاعة فَيشفع وَلَا يتعقب وَلَا يبْحَث عَمَّا وَرَاء ذَلِك بَاقٍ على عَهده ومودته وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور بعث لِابْنِ حُسَيْن بسد دَاره فَمَا فتحهَا حَتَّى أمره وَلَا استعظم أحد ذَلِك وَلَا أَكثر فِيهِ وَلَا جعله سَببا لفتح الْفِتْنَة وَكَانَ قواد الْمَذْكُور مثل وزيره ابْن شقراء وَبعد الْكَرِيم بن الشَّيْخ وَعبد الْكَرِيم بن مُؤمن العلج والهبطي والزرهوني وَعبد الصَّادِق بن مُلُوك وَغَيرهم مِمَّن لَا يحضرني ذكرهم لبعد عصرهم قد انغمسوا فِي شرب الْخُمُور واتخاذ القيان وَبسط الْحَرِير وَغير ذَلِك من آلَات الْفضة وَالذَّهَب وَكَانَ فِي عصره أَحْمد بن مُوسَى الْمَذْكُور وَابْن حُسَيْن والشرقي وَأَبُو عَمْرو القسطلي وَأَبُو مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التامنارتي والشيظمي وَغير هَؤُلَاءِ من الْمَشَايِخ وَأهل الدّين الَّذين لَا يسع من يَدعِي هَذِه الطَّرِيقَة التَّقَدُّم عَلَيْهِم وَلَا اكْتِسَاب الْفَضِيلَة دونهم فَأحْسنُوا السِّيرَة وَلَا تعرضوا للسلطنة وَلَا سمع مِنْهُم مَا يقْدَح فِي وُلَاة الْأَمر وقادة الأجناد مِمَّن ذكر الَّذين كَانَ الْملك يَدُور عَلَيْهِم وَيرجع إِلَيْهِم فِي تَدْبيره اه الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ من الرسَالَة الْمَذْكُورَة قَالَ اليفرني وَمثل هَذَا مَا ذكر بَعضهم أَن السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه أعْطى حجر باديس للطاغية لتنقطع بذلك مَادَّة التّرْك عَنهُ وَمثله مَا ذكر عَنهُ أَيْضا أَن قائده ابْن تودة أَخذ بعض أسوار الجديدة وعزم على فتحهَا من الْغَد فَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان الْمَذْكُور ينهاه عَن ذَلِك وَنَظِيره أَيْضا قَضيته مَعَ أهل غرناطة

стр. 915

وَأطَال فِيهَا هَذَا الْبَعْض الْمَنْقُول عَنهُ بِمَا استنكفت من ذكره هُنَا قَالَ وَهَذِه أُمُور شنيعة إِن صَحَّ أَنه فعلهَا وَلست أَدخل فِي عهدتها لِأَنِّي إِنَّمَا رَأَيْتهَا فِي أوراق مَجْهُولَة الْمُؤلف اشْتَمَلت على ذمّ هَذِه الدولة السعدية وظني أَنَّهَا من وضع بعض أعدائهم لحطة من قدرهم وإخراجه إيَّاهُم من النّسَب الشريف وَوَصفه دولتهم بالدولة الخبيثة فَلِذَا تجنبت مِنْهُم كثيرا من الْأَخْبَار الَّتِي لَا تظن بأولئك السَّادة ﵏ فقد قَالَ الشَّيْخ تَاج الدّين السُّبْكِيّ ﵀ فِي طبقاته إِن المؤرخين على شفا جرف هار لأَنهم يتسلطون على أَعْرَاض النَّاس وَرُبمَا وضعُوا من النَّاس تعصبا أَو جهلا أَو اعْتِمَادًا على نقل من لَا يوثق بِهِ قَالَ فعلى المؤرخ أَن يَتَّقِي الله تَعَالَى اه إِلَّا أَن الْمُلُوك لَا يستغرب فِي حَقهم أَن يهدموا أساس الشَّرِيعَة ليبنوا منار رياستهم ويستهونوا عظائم الْأُمُور لتطيعهم الرّعية سَاعَة كَيفَ لَا وشراع أفئدتهم تلعب بِهِ ريَاح الشَّهَوَات فتلقي سفينة قُلُوبهم على سَاحل بَحر الْقنُوط من رَحْمَة الله تَعَالَى وَالله يسامح الْجَمِيع ويتجاوز عَن كَافَّة عصاة هَذِه الْأمة بمنه وفضله اه كَلَام اليفرني ﵀ وَمن وزراء السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه ابْن أَخِيه الْأَمِير الْأَجَل الأديب الأحفل أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد الشَّيْخ كَانَ من أنبل الوزراء وألطفهم مسلكا وأخفهم روحا وَله عارضة فِي النّظم والنثر ذكر الأديب أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الفاسي فِي كِتَابه الْأَعْلَام بِمن مضى وغبر من أهل الْقرن الْحَادِي عشر مَا صورته قدم الْوَزير أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر السَّعْدِيّ من مراكش إِلَى فاس وَمَعَهُ الْفَقِيه قَاضِي الْجَمَاعَة أَبُو مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الْحميدِي والفقيه الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد المنجوز فَلَمَّا تبدت لَهُم معالم فاس الْجَدِيد وتلظى للشوق فِي جوانحهم أوار (وأبرح مَا يكون الشوق يَوْمًا ... إِذا دنت الديار من الديار) وَأنْشد الْوَزير الْمَذْكُور لنَفسِهِ ارتجالا (أخلائي هَذَا المستقى وربوعه ... وهذي نواعير الْبِلَاد تنوح)
следующие страницы →