← История

История · id 6627

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

قَالَ صَاحب الدوحة وَلَقَد أَشَارَ الْفُقَهَاء على السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه بالاعتناء بحسم مَادَّة فَسَاد هَذِه الطَّائِفَة فسجن جمَاعَة مِنْهُم وَقتل آخَرين وَهَؤُلَاء المبتدعة لَيْسُوا من أَحْوَال الشَّيْخ فِي شَيْء وَإِنَّمَا فعلوا كَفعل الروافض والشيعة فِي أئمتهم وَإِنَّمَا أَصْحَاب الشَّيْخ كَأبي مُحَمَّد الْخياط وَالشَّيْخ الشطيبي وَأبي الْحسن عَليّ بن عبد الله دَفِين تافلالت وأنظارهم من أهل الْفضل وَالدّين وَإِلَّا فالأئمة المقتدى بهم كلهم يعظم الشَّيْخ ويعترف لَهُ بِالْولَايَةِ وَالْعلم والمعرفة اه وَقَالَ فِي الْمرْآة مَا نَصه وَالشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يُوسُف الرَّاشِدِي الملياني من كبار الْمَشَايِخ أهل الْعلم وَالْولَايَة وَعُمُوم البركات وَالْهِدَايَة وَكَانَ كثير التَّلْقِين فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَبُو عبد الله الخروبي أهنت الْحِكْمَة فِي تلقينك الْأَسْمَاء للعامة حَتَّى النِّسَاء فَقَالَ لَهُ قد دَعونَا الْخلق إِلَى الله فَأَبَوا فقنعنا مِنْهُم بِأَن نشغل جارحة من جوارحهم بِالذكر قَالَ الشَّيْخ الخروبي فَوَجَدته أوسع مني دَائِرَة قَالَ صَاحب الْمرْآة وانتسبت إِلَيْهِ الطَّائِفَة الْمَعْرُوفَة بالشراقة بتَشْديد الرَّاء وَهُوَ بَرِيء من بدعتهم فَمَا كَانَ إِلَّا إِمَام سنة وَهدى مقتدى بِهِ فِي الْعلم وَالدّين قد نزهه الله وطهر جَانِبه وَقد أظهرُوا شَيْئا من ذَلِك فِي حَيَاته فتبرأ مِنْهُم وَقَاتلهمْ وَبلغ المجهود فِي تشريدهم قَالَ وحَدثني شَيخنَا أَبُو عبد الله النيجي أَن الشَّيْخ أَبَا الْبَقَاء عبد الْوَارِث اليالصوتي لما ظَهرت بِدعَة الشراقة وانتسابهم إِلَيْهِ وَقع فِي نَفسه من ذَلِك شَيْء فَقيل لَهُ إِن الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد الْخياط من أَصْحَابه فَقَالَ أَنا تائب إِلَى الله كفى فِي طَهَارَة جَانِبه أَن يكون الْخياط من أَصْحَابه وَكَانَت وَفَاة الشَّيْخ الملياني سنة سبع وَعشْرين وَتِسْعمِائَة لَكِن مَا كَانَ عنفوان تِلْكَ الْبِدْعَة المدسوسة عَلَيْهِ إِلَّا فِي دولة السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه كَمَا مر وَالله يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء

стр. 912

احتيال النَّصَارَى بمكيدة البارود بِجَامِع الْمَنْصُور من مراكش وَمَا وقى الله تَعَالَى من شَرها كَانَ بقصبة مراكش جمَاعَة من أُسَارَى النَّصَارَى من لدن أَيَّام أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج وأخيه أبي عبد الله الشَّيْخ فَرَأَوْا الجم الْغَفِير من أَعْيَان الْمُسلمين وَأهل الدولة يحْضرُون كل جُمُعَة للصَّلَاة مَعَ السُّلْطَان بِجَامِع الْمَنْصُور من القصبة الْمَذْكُورَة فحدثتهم نفسهم الشيطانية بِأَن يصنعوا مكيدة يهْلكُونَ بهَا السُّلْطَان وَمن مَعَه فَحَفَرُوا فِي خُفْيَة تَحت الْجَامِع الْمَذْكُور حُفْرَة ملأؤها من البارود وَوَضَعُوا فِيهَا فتيلا تسري فِيهِ النَّار على مهل كي يَنْقَلِب الْجَامِع بأَهْله وَقت الصَّلَاة فنفطت المينا وانهدت بهَا الْقبَّة الواسعة من الْجَامِع الْمَذْكُور وَانْشَقَّ مناره شقا كَبِيرا وَلَا زَالَ ماثلا بِهِ إِلَى الْآن وَكَانَ ذَلِك مبلغ ضررهم وَكفى الله الْمُسلمين شَرّ تِلْكَ المكيدة وَلم يتَمَكَّن لَهُم الْحَال على وفْق مَا أَرَادوا وَكَانَ ذَلِك سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَفَاة السُّلْطَان أبي مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه ﵀ قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس ابْن القَاضِي فِي شرح درة السلوك توفّي السُّلْطَان أَبُو مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة بِسَبَب غم كَانَ يَعْتَرِيه اه وَهَذَا الْغم هُوَ الدَّاء الْمُسَمّى عِنْد الْعَامَّة بالضيقة أعاذنا الله مِنْهُ وَذكر غَيره أَنه توفّي فِي شَوَّال بِسَبَب تكلفه للصيام فعدت عَلَيْهِ الْعلَّة الْمَذْكُورَة وشاع على أَلْسِنَة النَّاس أَنه بَات يُصَلِّي لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَمَضَان فوافته ميتَته وَهُوَ ساجد وَذَلِكَ كذب وَدفن ﵀ عِنْد ضريح أَبِيه بقبور الْأَشْرَاف وقبره مَعْرُوف وَمِمَّا كتب بالنقش على رخامة قَبره هَذِه الأبيات (أيا زائري هَب لي الدُّعَاء ترحما ... فَإِنِّي إِلَى فضل الدُّعَاء فَقير)

стр. 913

(وَقد كَانَ أَمر الْمُؤمنِينَ وملكهم ... إِلَى وصيتي فِي الْبِلَاد شهير) (فها أَنا ذَا قد صرت ملقى بحفرة ... وَلم يغن عني قَائِد ووزير) (تزودت حسن الظَّن بِاللَّه راحمي ... وزادي بِحسن الظَّن فِيهِ كثير) (وَمن كَانَ مثلي عَالما بحنانه ... فَهُوَ بنيل الْعَفو مِنْهُ جدير) (وَقد جَاءَ إِن الله قَالَ ترحما ... إِلَى مَا يظنّ العَبْد بِي سيصير) وَحكى أَنا ابْنه أَبَا عبد الله الْمَعْرُوف بالمسلوخ لما قَرَأَ هَذِه الأبيات عاقب ناظمها وَقَالَ لَهُ إِن فِي قَوْلك ملقى بحفرة دسيسة وتلويحا إِلَى الحَدِيث (الْقَبْر رَوْضَة من رياض الْجنَّة أَو حُفْرَة من حفر النَّار) فَهَلا قلت ببلقع أَو نَحوه بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه وَسيرَته كَانَ السُّلْطَان أَبُو مُحَمَّد عبد الله الْغَالِب بِاللَّه ذَا سياسة وخبرة بأحوال الْملك وتأن فِي الْأُمُور وَلما ولي الْخلَافَة ألان الْجَانِب وخفض الْجنَاح وَسَار بسيرة حَسَنَة حَتَّى صلحت الرّعية وازدانت الدُّنْيَا وانتعش النَّاس حَتَّى كَانَ يُقَال ثَلَاث عينات هم عُيُون الزَّمَان السُّلْطَان الْمولي عبد الله وَالشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن حُسَيْن المغاري وَالشَّيْخ أَبُو السرُور عياد السُّوسِي قَالَ اليفرني وَرَأَيْت من جملَة سُؤال كتب بِهِ الْفَقِيه الصَّالح خطيب الْجَامِع الْأَعْظَم بتارودانت أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن التلمساني إِلَى قَاضِي الْجَمَاعَة أبي مهْدي عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن السكتاني يَقُول فِيهِ وَلَا شكّ أَن مولَايَ عبد الله مجمع على عَدَالَته وبيعته وَقد أَخْبرنِي الثِّقَة من أَصْحَاب الشَّيْخ الْجَامِع أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى السملالي أَنه قَالَ مولَايَ عبد الله ياقوتة الْأَشْرَاف هُوَ صَالح لَا سُلْطَان وَقد اشْتهر بَين الْأَنَام وعَلى أَلْسِنَة الْخَاص وَالْعَام أَن السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه كَانَ عدلا صَالحا وَوَقع فِي الرسَالَة

стр. 914

الَّتِي كتب بهَا ابْن أَخِيه السُّلْطَان أَبُو الْمَعَالِي زَيْدَانَ بن مَنْصُور إِلَى الْفَقِيه أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد الْمُنعم الحاحي مَا ظَاهره يُخَالف ذَلِك وَيُؤذن بِأَنَّهُ كَانَ كَغَيْرِهِ من الْمُلُوك وَنَصّ الْمُحْتَاج إِلَيْهِ من تِلْكَ الرسَالَة مُخَاطبا للفقيه الْمَذْكُور يَقُول وَقد تحققت وَعلمت أَن ولَايَة أَحْمد بن مُوسَى السملالي كَادَت تكون قَطْعِيَّة واشتهر أمره عِنْد الْخَاص وَالْعَام حَتَّى أطبق أهل الْمغرب على ولَايَته وَقد كَانَ على عهد مَوْلَانَا عبد الله برد الله ضريحه وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور على مَا كَانَ عَلَيْهِ واشتهر عَنهُ وَمَا برح الشَّيْخ الْمَذْكُور يَدْعُو لَهُ ولدولته بِالْبَقَاءِ وَيظْهر حبه وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور يعْزل ويولي وَيقتل وَكَانَ شرد مِنْهُ إِلَى زاويته المرابط الأندلسي وَولد آصناك وأمثالهم وَكَانَ الشَّيْخ يقدم للشفاعة فَيشفع وَلَا يتعقب وَلَا يبْحَث عَمَّا وَرَاء ذَلِك بَاقٍ على عَهده ومودته وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور بعث لِابْنِ حُسَيْن بسد دَاره فَمَا فتحهَا حَتَّى أمره وَلَا استعظم أحد ذَلِك وَلَا أَكثر فِيهِ وَلَا جعله سَببا لفتح الْفِتْنَة وَكَانَ قواد الْمَذْكُور مثل وزيره ابْن شقراء وَبعد الْكَرِيم بن الشَّيْخ وَعبد الْكَرِيم بن مُؤمن العلج والهبطي والزرهوني وَعبد الصَّادِق بن مُلُوك وَغَيرهم مِمَّن لَا يحضرني ذكرهم لبعد عصرهم قد انغمسوا فِي شرب الْخُمُور واتخاذ القيان وَبسط الْحَرِير وَغير ذَلِك من آلَات الْفضة وَالذَّهَب وَكَانَ فِي عصره أَحْمد بن مُوسَى الْمَذْكُور وَابْن حُسَيْن والشرقي وَأَبُو عَمْرو القسطلي وَأَبُو مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التامنارتي والشيظمي وَغير هَؤُلَاءِ من الْمَشَايِخ وَأهل الدّين الَّذين لَا يسع من يَدعِي هَذِه الطَّرِيقَة التَّقَدُّم عَلَيْهِم وَلَا اكْتِسَاب الْفَضِيلَة دونهم فَأحْسنُوا السِّيرَة وَلَا تعرضوا للسلطنة وَلَا سمع مِنْهُم مَا يقْدَح فِي وُلَاة الْأَمر وقادة الأجناد مِمَّن ذكر الَّذين كَانَ الْملك يَدُور عَلَيْهِم وَيرجع إِلَيْهِم فِي تَدْبيره اه الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ من الرسَالَة الْمَذْكُورَة قَالَ اليفرني وَمثل هَذَا مَا ذكر بَعضهم أَن السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه أعْطى حجر باديس للطاغية لتنقطع بذلك مَادَّة التّرْك عَنهُ وَمثله مَا ذكر عَنهُ أَيْضا أَن قائده ابْن تودة أَخذ بعض أسوار الجديدة وعزم على فتحهَا من الْغَد فَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان الْمَذْكُور ينهاه عَن ذَلِك وَنَظِيره أَيْضا قَضيته مَعَ أهل غرناطة

стр. 915

وَأطَال فِيهَا هَذَا الْبَعْض الْمَنْقُول عَنهُ بِمَا استنكفت من ذكره هُنَا قَالَ وَهَذِه أُمُور شنيعة إِن صَحَّ أَنه فعلهَا وَلست أَدخل فِي عهدتها لِأَنِّي إِنَّمَا رَأَيْتهَا فِي أوراق مَجْهُولَة الْمُؤلف اشْتَمَلت على ذمّ هَذِه الدولة السعدية وظني أَنَّهَا من وضع بعض أعدائهم لحطة من قدرهم وإخراجه إيَّاهُم من النّسَب الشريف وَوَصفه دولتهم بالدولة الخبيثة فَلِذَا تجنبت مِنْهُم كثيرا من الْأَخْبَار الَّتِي لَا تظن بأولئك السَّادة ﵏ فقد قَالَ الشَّيْخ تَاج الدّين السُّبْكِيّ ﵀ فِي طبقاته إِن المؤرخين على شفا جرف هار لأَنهم يتسلطون على أَعْرَاض النَّاس وَرُبمَا وضعُوا من النَّاس تعصبا أَو جهلا أَو اعْتِمَادًا على نقل من لَا يوثق بِهِ قَالَ فعلى المؤرخ أَن يَتَّقِي الله تَعَالَى اه إِلَّا أَن الْمُلُوك لَا يستغرب فِي حَقهم أَن يهدموا أساس الشَّرِيعَة ليبنوا منار رياستهم ويستهونوا عظائم الْأُمُور لتطيعهم الرّعية سَاعَة كَيفَ لَا وشراع أفئدتهم تلعب بِهِ ريَاح الشَّهَوَات فتلقي سفينة قُلُوبهم على سَاحل بَحر الْقنُوط من رَحْمَة الله تَعَالَى وَالله يسامح الْجَمِيع ويتجاوز عَن كَافَّة عصاة هَذِه الْأمة بمنه وفضله اه كَلَام اليفرني ﵀ وَمن وزراء السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه ابْن أَخِيه الْأَمِير الْأَجَل الأديب الأحفل أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد الشَّيْخ كَانَ من أنبل الوزراء وألطفهم مسلكا وأخفهم روحا وَله عارضة فِي النّظم والنثر ذكر الأديب أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الفاسي فِي كِتَابه الْأَعْلَام بِمن مضى وغبر من أهل الْقرن الْحَادِي عشر مَا صورته قدم الْوَزير أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر السَّعْدِيّ من مراكش إِلَى فاس وَمَعَهُ الْفَقِيه قَاضِي الْجَمَاعَة أَبُو مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الْحميدِي والفقيه الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد المنجوز فَلَمَّا تبدت لَهُم معالم فاس الْجَدِيد وتلظى للشوق فِي جوانحهم أوار (وأبرح مَا يكون الشوق يَوْمًا ... إِذا دنت الديار من الديار) وَأنْشد الْوَزير الْمَذْكُور لنَفسِهِ ارتجالا (أخلائي هَذَا المستقى وربوعه ... وهذي نواعير الْبِلَاد تنوح)

стр. 916

(وَذَاكَ الْمصلى مطرح الشوق والأسى ... وَتلك منَازِل الديار تلوح) فَقَالَ القَاضِي الْحميدِي ارتجالا (وَتلك القباب الْخضر شبه زبرجد ... بِهن غوان طرفهن جموح) (يمسن كأملود من الرَّوْض يَانِع ... شذاهن من حول الديار يفوح) فَقَالَ الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس المنجور ارتجالا أَيْضا (ويرفلن فِي الحلات يختلن فِي الحلى ... وفيهن أَنْوَاع الْجمال وضوح) (يبادرن ترقيع الكوى بمحاجر ... لإقبال حب طَال مِنْهُ نزوح) وَلما بلغت الأبيات إِلَى الْأُسْتَاذ أبي الْعَبَّاس أَحْمد الزموري قَالَ مذيلا (تَأمل سنا الْحَسْنَاء تَحت قبابها ... كشمس غَدَتْ تَحت السَّحَاب تلوح) (تحلت ربوع المستقي بجمالها ... وَأَنت إِلَى تِلْكَ القباب تروح) وَبَعْضهمْ جعل الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين للْمولى الأديب أبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الشريف السجلماسي وَكَانَ كَاتبا للوزير الْمَذْكُور وَيجْعَل مَوضِع أخلائي أمولاي والبيتين بعدهمَا للوزير وَالله تَعَالَى أعلم والمستقى بِصِيغَة اسْم الْمَفْعُول اسْم بُسْتَان مَعْرُوف وَنَظِير هَذَا مَا ذكره الأديب الْمَذْكُور فِي أَعْلَامه الْمَذْكُور قَالَ كَانَ الْوَزير الْمَذْكُور مَعَ كَاتبه الْمولى عبد الْوَاحِد الشريف فِي بعض الْأَسْفَار وَأرْسلت السَّمَاء بغيثها المدرار فَقَالَ الْوَزير الْمَذْكُور (لله أَشْكُو غَدَاة السفح إِذْ ركضت ... أَيدي المطايا وحادي الرّيح يحدونا) فَأَجَابَهُ الْكَاتِب الْمَذْكُور (والغيم فِي الْأُفق قد أرْخى ذوائبه ... بأسهم الودق لَا يَنْفَكّ يرمينا) فَقَالَ الْوَزير (حَتَّى اسْتَوَى المَاء والآكام واستترت ... معالم الرشد لَا خريت يهدينا) (فطلت الْخَيل فِي الأمواج سابحة ... سبح السلاحف نَحْو الدَّار يهوينا) فَقَالَ الْكَاتِب (وَالنَّفس فِي قلق لبين مألفها ... والشوق يَحْدُو بِنَا وَالْحَال يقصينا)

стр. 917

فَقَالَ الْوَزير (كأننا لم نبت والوصل ثالثنا ... حَتَّى غَدا الطير فَوق السَّرْح يفشينا) وأخبار هَذَا الْوَزير ونوادره كَثِيرَة وَهُوَ الَّذِي أخرج بني رَاشد من مَدِينَة شفشاون حَسْبَمَا مر وَكَانَت وَفَاته فِي الْعشْرين من جُمَادَى الثَّانِيَة سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَمن وزراء السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه أَيْضا الْقَائِد عبد الْكَرِيم بن مُؤمن بن يحيى العلج الجنوي وَعبد الرَّحْمَن بن تودة وقاسم الزرهوني وَأحمد الهبطي وَمن وُلَاة مظالمه أَبُو عمرَان مُوسَى بن مخلوف الكنسوسي وَهُوَ وَالِي الشرطة وَكَانَ فَقِيها مشاركا وَذكر بَعضهم أَن الشَّيْخ الصَّالح أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى السملالي كَانَ فِي بعض قدماته على السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه قد انحشر النَّاس لزيارته بزاويته فَوقف أَبُو عمرَان الْمَذْكُور يذود النَّاس عَنهُ وَيَقُول رحمكم الله من زار خرج فَسَمعهُ الشَّيْخ فَقَالَ لَهُ لَا تقل ذَلِك وَقل من جَار خرج وَمن كتاب السُّلْطَان الْمَذْكُور مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن السجلماسي وَمُحَمّد بن أَحْمد بن عِيسَى وَغَيرهمَا وَمن قُضَاته بمراكش الْفَقِيه قَاضِي الْجَمَاعَة أَبُو الْقَاسِم بن عَليّ الشاطبي وبفاس أَبُو عبد الله الْعَوْفِيّ وَأَبُو مَالك عبد الْوَاحِد الْحميدِي ﵏ الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد المتَوَكل على الله ابْن السُّلْطَان عبد الله الْغَالِب بِاللَّه ﵀ لما توفّي السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه بِحَضْرَة مراكش كَانَ ابْنه مُحَمَّد هَذَا بفاس وَكَانَ ولي عهد أَبِيه فَاجْتمع أهل العقد والحل بمراكش واستأنفوا لَهُ

стр. 918

الْبيعَة وَكَتَبُوا بهَا إِلَيْهِ فوصلت إِلَيْهِ وَهُوَ بفاس أَوَائِل شَوَّال سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة فَبَايعهُ أهل فاس وَتمّ أمره قَالَ ابْن القَاضِي أمه أم ولد وكنيته أَبُو عبد الله ولقبه المتَوَكل على الله وَيعرف عِنْد الْعَامَّة بالمسلوخ لِأَنَّهُ سلخ جلده وَحشِي تبنا كَمَا سَيَأْتِي وَكَانَ مِمَّا وَقع فِي أَيَّامه أَنه كَانَت بَين الْمُسلمين وَبَين نَصَارَى طنجة وقْعَة بالرملة الْمُسَمَّاة بِأبي غاص من فحص طنجة قرب قنطرة عصماء وَذَلِكَ يَوْم الْأَرْبَعَاء منتصف جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَفِي هَذِه الْوَقْعَة اسْتشْهد الشَّيْخ أَبُو مهْدي عِيسَى بن الْحسن المصباحي دَفِين الدعادع على وَادي مُضِيّ من عمل الْقصر فَإِنَّهُ حمل بعد استشهاده إِلَى الْموضع الْمَذْكُور فَدفن بِإِزَاءِ قبر أَبِيه فِي الرَّوْضَة الَّتِي هُنَالك وَاسْتمرّ أَمر أبي عبد الله المتَوَكل منتظما إِلَى أَوَاخِر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة فَقدم عَلَيْهِ عَمه عبد الْملك ابْن الشَّيْخ بِجَيْش التّرْك فنثر سلكه وبدد ملكه على مَا نذكرهُ وَيُقَال إِنَّه كَانَ أضمر الفتك بعميه أَحْمد وَعبد الْملك ففرا مِنْهُ إِلَى نَاحيَة التّرْك على مَا سَيَأْتِي قَالُوا وَكَانَ السُّلْطَان الْمَذْكُور فَقِيها أديبا مشاركا مجيدا قوي الْعَارِضَة فِي النّظم والنثر وَكَانَ مَعَ ذَلِك متكبرا تياها غير مبال بِأحد وَلَا متوقفا فِي الدِّمَاء عسوفا على الرّعية وَمن شعره قَوْله (فَقُمْ بِنَا نصطبح صهباء صَافِيَة ... فِي وَجههَا عسجد فِي وَجهه نقط) (وانهض إِلَيْهَا على رغم العدا قلقا ... فَإِن تَأْخِير أَوْقَات الصِّبَا غلط) وَمن شعره أَيْضا قَوْله (سَارُوا فَسَار فُؤَادِي إِثْر ظعنهم ... وخلفوني نحيل الْجِسْم حيرانا) (لَا افتر ثغر الثرى من بعد بَينهم ... وَلَا سقى هاطل وردا وريحانا) وَكَانَ خَلِيفَته بمراكش الْقَائِد ابْن شقراء وحاجبه أَحْمد بن حمو الدرعي وَكتابه يُونُس بن سُلَيْمَان الثاملي وَعلي بن أبي بكر وَغَيرهمَا رَحِمهم الله تَعَالَى

стр. 919

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي مَرْوَان عبد الْملك المعتصم بِاللَّه ابْن مُحَمَّد الشَّيْخ وأولية أمره ومآله كَانَ أَبُو مَرْوَان عبد الْملك بن أبي عبد الله الشَّيْخ السَّعْدِيّ وَأَخُوهُ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْمَدْعُو بعد بالمنصور مقيمين بسجلماسة سَائِر أَيَّام أَبِيهِمَا فَلَمَّا توفّي وَولي الْأَمر بعده ابْنه الْغَالِب بِاللَّه فر عبد الْملك وَأحمد إِلَى تلمسان خوفًا على أَنفسهمَا مِنْهُ فأقاما عِنْد صَاحبهَا حسن بن خير الدّين مُدَّة وَلحق بهما أخوهما عبد الْمُؤمن فَصَارَ ثَالِثَة الأثافي ثمَّ انتقلوا بعد ذَلِك إِلَى الجزائر وَمِنْهَا ركب عبد الْملك الْبَحْر إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة متطارحا على صَاحبهَا السُّلْطَان سليم بن سُلَيْمَان العثماني ﵀ فأمده بالجند حَتَّى ملك الْمغرب كَمَا سَيَأْتِي ولنذكر هُنَا كَيْفيَّة اسْتِيلَاء العساكر العثمانية على تونس وانقراض أَمر الحفصيين مِنْهَا ثمَّ نرْجِع إِلَى بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان أبي مَرْوَان المعتصم بِاللَّه لِأَنَّهَا تنبني على ذَلِك فَنَقُول اعْلَم أَن أَمر بني أبي حَفْص أَصْحَاب تونس كَانَ قد مرج فِي هَذِه الْمدَّة وتداعى إِلَى الاختلال وَكَانَ خير الدّين باشا التركي الْمُقدم ذكره فِي أَخْبَار تلمسان قد استولى على تونس فِي حُدُود الْأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَغلب عَلَيْهَا صَاحبهَا الْحسن بن مُحَمَّد الحفصي ففر الْحسن الْمَذْكُور إِلَى طاغية الإصبنيول صَاحب قشتالة فَأعْطَاهُ العساكر وَجَاء بهَا إِلَى تونس فَنزل عَسْكَر النَّصَارَى ببرج الْعُيُون قرب حلق الْوَادي وتقدموا إِلَى تونس فملكوها وَانْهَزَمَ خير الدّين إِلَى الجزائر وشارك النَّصَارَى الْحسن بن مُحَمَّد فِي إمرة تونس واستباحوا أَهلهَا قتلا وأسرا ونهبا يُقَال إِنَّهُم قتلوا من أهل تونس الثُّلُث وأسروا الثُّلُث وأبقوا الثُّلُث وكل ثلث سِتُّونَ ألفا هَكَذَا عِنْد صَاحب الْخُلَاصَة النقية ثمَّ ملكوا الْموضع الْمُسَمّى بحلق الْوَادي وَلَيْسَ هُنَاكَ وَاد عذب وَإِنَّمَا هُوَ جون دخل من الْبَحْر فِي الْبر وَعَلِيهِ مرسى تونس ثمَّ بنى النَّصَارَى فِي الْحلق الْمَذْكُور حصنا عاديا أَقَامُوا فِي بنائِهِ نَحْو ثَلَاث وَأَرْبَعين سنة بِحَيْثُ عجز التّرْك عَن هَدمه لما ملكوه بعد

стр. 920

ثمَّ ثار على الْحسن ابْنه أَحْمد الْمَدْعُو حميدة وَملك الحضرة مُدَّة وَقَاتل نَصَارَى حلق الْوَادي فامتنعوا عَلَيْهِ ثمَّ غزاه عَليّ باشا صَاحب الجزائر وَاسْتولى على تونس سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وطرد أَحْمد عَنْهَا فَذهب أَحْمد إِلَى طاغية قشتالة مستغيثا بِهِ شَأْن أَبِيه من قبله هَذَا كُله ونصارى الْحلق لَا زَالُوا متمكنين مِنْهُ أَي تَمْكِين فأمد الطاغية أَحْمد الْمَذْكُور بأسطول عَظِيم وَاشْترط عَلَيْهِ أَدَاء مَال فَالْتَزمهُ وَلما وصل الأسطول إِلَى ظَاهر تونس اطلع قائده السُّلْطَان أَحْمد على كتاب من الطاغية مضمنه الْمُشَاركَة فِي الحكم فَأنْكر أَحْمد ذَلِك وأنف مِنْهُ وَذهب إِلَى صقلية فَبَقيَ بهَا إِلَى أَن مَاتَ وَحمل إِلَى تونس وَكَانَ هُنَالك أَخُوهُ مُحَمَّد بن الْحسن فَرضِي بالمقاسمة وَدخل بالنصارى إِلَى تونس فاستولى عَلَيْهَا وَملك قصبتها وجالسه شَرِيكه النَّصْرَانِي بهَا وانتهبت الْمَدِينَة وأهين الدّين وَعم الخراب وتكدر المشرب وتفرق الْجمع وارتبطت خيل العدا بالجامع الْأَعْظَم وألقيت مَا فِيهِ من نفائس الْكتب بالطرق ونبش قبر الشَّيْخ أبي مَحْفُوظ مُحرز بن خلف فَلم يُوجد فِيهِ إِلَّا الرمل حماية من الله لَهُ وحاشا أَن تعدو الأَرْض على جَسَد مثله وَأرْسل مُحَمَّد بن الْحسن إِلَى النَّاس بالأمان واستمالهم النَّصْرَانِي بعد بكاذب الرِّفْق فأقاموا بدار مذلة وهوان واتصل ذَلِك كُله بالسلطان سليم بن سُلَيْمَان العثماني فأعظمه وجهز الْعِمَارَة للحين مَعَ الْوَزير سِنَان باشا يُقَال كَانَت أَرْبَعمِائَة وَخمسين قِطْعَة فَخرج بهَا الْوَزير الْمَذْكُور من الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَهِي إصطنبول غرَّة ربيع الأول سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة ووصلوا إِلَى حلق الْوَادي فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين مِنْهُ وَكَانَ حيدر باشا صَاحب القيروان ومصطفى باشا صَاحب طرابلس محاصرين لتونس قبل ذَلِك حَتَّى فتر عزمهم فَلَمَّا قدم عَلَيْهِم سِنَان باشا قويت نُفُوسهم واعصوصبوا عَلَيْهِ وتقدموا إِلَى الْحصن الَّذِي بحلق الْوَادي فحاصروه حَتَّى اقتحموه عنْوَة سادس جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة أَعنِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة واستلحموا من بِهِ وغنموا مَا فِيهِ والتجأ مُحَمَّد بن الْحسن الحفصي وأنصاره من النَّصَارَى إِلَى البستيون وَهُوَ حصن آخر كَانُوا قد بنوه خَارج بَاب تونس فَحَاصَرَهُمْ سِنَان باشا بِهِ حَتَّى اقتحمه

стр. 921

عنْوَة وَقتلُوا من بِهِ وامتلأت أَيْديهم من الْمَغَانِم وطهر الله بهم الْبِلَاد وَكَانَت إِحْدَى الوقائع الجليلة الْقدر الْبَاقِيَة الذّكر وظفر الْوَزير بِمُحَمد بن الْحسن فاحتمله مَعَه إِلَى السُّلْطَان سليم فاعتقله فِي يَد قلَّة أحد حصونه حَتَّى هلك وانقرضت بمهلكه دولة بني أبي حَفْص الَّتِي هِيَ بَقِيَّة الْمُوَحِّدين إِذا علمت هَذَا فَاعْلَم أَن اسْتِيلَاء العساكر العثمانية على تونس كَانَ قبل وَفَاة السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه بِنَحْوِ خَمْسَة أشهر لِأَن وَفَاته كَانَت فِي آخر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة كَمَا مر وَفتح تونس كَانَ فِي جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة وَوَقع فِي النزهة أَن فتح تونس كَانَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَهُوَ غير صَوَاب وَالله تَعَالَى أعلم مَجِيء السُّلْطَان أبي مَرْوَان عبد الْملك بن الشَّيْخ السَّعْدِيّ بعسكر التّرْك واستيلاؤه على الْمغرب اعْلَم أَنه وَقع فِي النزهة وَغَيرهَا أَن عبد الْملك بن الشَّيْخ وأخاه أَحْمد كَانَا فِي ابْتِدَاء أَمرهمَا بسجلماسة فَلَمَّا توفّي أَبوهُمَا وَولي أخوهما الْغَالِب بِاللَّه لَحقا بتلمسان فأقاما بهَا مُدَّة ثمَّ انتقلا إِلَى الجزائر فَلَمَّا اتَّصل بهما خبر وَفَاة أخيهما الْغَالِب وَولَايَة ابْنه مُحَمَّد المتَوَكل من بعده ركب عبد الْملك الْبَحْر إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وتطارح على ملكهَا العثماني فِي أَن يمده بِجَيْش ليملك الْمغرب فتثاقل عَنهُ العثماني إِلَى أَن بعث بالعمارة لفتح تونس فَشهد عبد الْملك الْفَتْح وَعَاد إِلَيْهِ بالبشارة فأسعفه وَهَذَا غير صَوَاب من جِهَة أَن فتح تونس كَانَ مُتَقَدما على وَفَاة الْغَالِب بِاللَّه كَمَا مر اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا كَانَ عبد الْملك وَفد على العثماني مستعديا على أَخِيه الْغَالِب بِاللَّه وَفِي أثْنَاء ذَلِك توفّي وَولي ابْنه المتَوَكل فَيكون الْكَلَام صَحِيحا وَأما مَا فِي النزهة مِمَّا يَقْتَضِي تَأَخّر فتح تونس عَن وَفَاة الْغَالِب بِاللَّه فَغير صَوَاب كَمَا مر ولنذكر مَا حكوه من ذَلِك فَنَقُول لما بُويِعَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله مُحَمَّد

стр. 922

المتَوَكل على الله كَانَ عبد الْملك بن الشَّيْخ وَأَخُوهُ أَحْمد الْمَدْعُو بعد بالمنصور بالجزائر فركبا الْبَحْر إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى قَاصِدين السُّلْطَان سليم بن سُلَيْمَان العثماني ﵀ وَمَعَ عبد الْملك أمه سَحَابَة الرحمانية وَزعم بَعضهم أَن الَّتِي كَانَت مَعَهُمَا مسعودة الوزكيتية وَهِي أم أَحْمد مِنْهُمَا فَانْتَهَيَا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وتعلقا بكرَاء الدولة حَتَّى أدخلوهما على السُّلْطَان سليم وَدخلت أمهما دَاره وطلبوا مِنْهُ أَن يبْعَث مَعَهم العساكر لتملك الْمغرب ويقوموا فِيهِ بدعوته فتثاقل عَنْهُم مُدَّة إِلَى أَن كَانَ الْغَزْو إِلَى تونس فَكتب السُّلْطَان سليم إِلَى أهل الجزائر وَأهل طرابلس أَن يوجهوا قراصينهم لحصار تونس مَعَ الْعِمَارَة الموجهة من قبله فَطلب عبد الْملك وَأَخُوهُ أَحْمد من الدولاتي وَهُوَ صَاحب الجزائر أَن يَجْعَل لَهما رياسة قرصان مِنْهُمَا يتوجهان فِيهِ للْجِهَاد مَعَه فَأَعْطَاهُمَا غليوطة فِيهَا سِتَّة وَثَلَاثُونَ رجلا فركباها ولحقا بعمارة السُّلْطَان سليم فِي جملَة مراكب الجزائر هَكَذَا وَقع فِي سِيَاقَة هَذَا الْخَبَر وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا كَانَا يَوْمئِذٍ بالجزائر لَا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فلعلهما عادا إِلَيْهَا من عِنْد السُّلْطَان سليم إِلَى أَن سافرا فِي جملَة عَسْكَر الجزائر وَالله تَعَالَى أعلم وَلما فتحُوا تونس واستأصلوا من بهَا من الْكفَّار حَسْبَمَا مر عين رَئِيس الْعِمَارَة العثمانية مركبين يتوجهان بِكِتَاب الْفَتْح إِلَى السُّلْطَان سليم فَطلب مِنْهُ عبد الْملك وَأحمد أَن يَأْذَن لَهما فِي الذّهاب مَعَهُمَا بالغليوطة ليأتيا بأمهما الَّتِي تركاها هُنَالك فَلم يَزَالَا بالرئيس الْمَذْكُور حَتَّى أسعفهما فَكَانَ من قدر الله تَعَالَى أَن هاج الْبَحْر عَلَيْهِم ذَات لَيْلَة فَفرق مراكبهم وَلما أصبح عبد الْملك وَأحمد لم يجدا للمركبين أثرا فوافقهم السعد وساعدتهم الرّيح فوصلوا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة قبل المركبين بِثَلَاث واتصل خبرهما بالصدر الْأَعْظَم فأحضرهما وسألهما عَن الْعِمَارَة وَمَا كَانَ مِنْهَا فَأَخْبَرَاهُ بِفَتْح تونس وقصا عَلَيْهِ الحَدِيث من البدء إِلَى التَّمام فَأعْلم السُّلْطَان سليما بهما فأدخلهما عَلَيْهِ وسألهما كَذَلِك فَأَخْبَرَاهُ وسألهما عَن كتاب الْفَتْح إِن أَمِير الْعِمَارَة قد بعث بِهِ مَعَ مركبين صحبناهما إِلَى أَن فرق بَيْننَا الْبَحْر وَلم ندر مَا كَانَ مِنْهُمَا بعد ذَلِك

стр. 923

وَلما رَأيا من السُّلْطَان سليم تنازلا واهتزازا لكلامهما طلبا مِنْهُ فِي بشارتهما أَن يبْعَث مَعَهم العساكر إِلَى الغرب وشفعا فِي إِنْزَال رَأس والدهما وَدَفنه فَقبل شفاعتهما ثمَّ أَمر بهما إِلَى بعض الْمنَازل فأنزلهما بِهِ وأكرمهما وَبعث إِلَيْهِمَا بِالْأُمِّ الَّتِي كَانَت هُنَالك وأرجأ أَمرهمَا إِلَى قدوم الْخَبَر الْيَقِين وَبعد ثَلَاث قدم المركبان ومعهما كتاب الْفَتْح وَظهر صدق عبد الْملك الْملك وَأحمد فَحِينَئِذٍ أقبل عَلَيْهِمَا السُّلْطَان سليم وأعطاهما مَالا وسلاحا وَزَادا وَكتب لَهما فرمانا للدولاتي صَاحب الجزائر ليَبْعَث مَعَهُمَا خَمْسَة آلَاف من عَسْكَر التّرْك تطَأ مَعَهُمَا أَرض الْمغرب الْأَقْصَى وَلما قدما على الدولاتي بالفرمان وقرأه على أهل الدِّيوَان قَالُوا علينا الرِّجَال وَعَلَيْهِمَا المَال وَهَذِه عادتنا مَعَ السُّلْطَان وَلما لم يكن عِنْدهمَا مَال يَوْمئِذٍ تطارحا على الخزندار وعَلى الآغا وَالْوَكِيل وأهديا إِلَيْهِم ورغبا مِنْهُم أَن يسلفوهما مَا ينفقانه فِي وجهتهما تِلْكَ إِلَى أَن يبعثا بِهِ إِلَيْهِم من الْمغرب فسهلوا لَهما وَقومُوا الْعَسْكَر بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ وفرضوا لَهُ الْمُؤْنَة كل يَوْم بيومه إِلَى أَن يرجع وَأشْهدُوا عَلَيْهِمَا بذلك فِي دفتر فَقبلا وأعطوا خطوطهما بِهِ ثمَّ نَهَضَ عبد الْملك وَأَخُوهُ إِلَى الْمغرب يجران عَسَاكِر التّرْك خلفهمَا وَكتب عبد الْملك إِلَى شيعته بالمغرب يعرفهُمْ قدومه ويعدهم ويمنيهم إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا كَانَ وسَاق اليفرني هَذَا الْخَبَر وَفِيه بعض مُخَالفَة لما تقدم قَالَ لما فتحت تونس كَانَ عبد الْملك أول من أرسل الْبشَارَة مَعَ أَصْحَابه إِلَى السُّلْطَان العثماني فبلغت الرسَالَة أمه سَحَابَة الرحمانية فأعطتها السُّلْطَان الْمَذْكُور والتمست مِنْهُ أَن يُعْطِيهَا فِي بشارتها أَمر أهل الجزائر بالذهاب مَعهَا إِلَى الْمغرب فَأَعْطَاهَا ذَلِك فجَاء عبد الْملك مَعَ أمه بِكِتَاب السُّلْطَان إِلَى أهل الجزائر يَأْمُرهُم بِالْمَسِيرِ مَعَه لتملك مَا كَانَ بيد آبَائِهِ فطالبه أهل الجزائر بالراتب فَقَالَ لَهُم أسلفوني وَعلي الْقَضَاء فاتفق مَعَهم أَن يعطيهم عشرَة آلَاف لكل مرحلة وَكَانَ عدد جَيش التّرْك أَرْبَعَة آلَاف وَقَالَ فِي شرح الدرة إِن عبد الْملك طلب من رَئِيس التّرْك أَن يُعينهُ

стр. 924

بِحِصَّة مِنْهُم توصله إِلَى تخم بِلَاده ليدخلها إِذْ الْجند كُله جند أَبِيه لَا يُمكن أَن يقاتلوه ويضربوا فِي وَجهه لتعظيمهم إِيَّاه فأسعفه على مُرَاده وَأرْسل مَعَه عِصَابَة وَحِصَّة قَليلَة فَأقبل بهم حَتَّى انْتهى إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بالركن من أحواز فاس فَلَمَّا سمع بذلك ابْن أَخِيه مُحَمَّد المتَوَكل خرج للقائه بِنَفسِهِ وَلما التقى الْجَمْعَانِ نزع رَئِيس جند الأندلس سعيد الرغالي إِلَى عبد الْملك وَكَانَ عبد الْملك يُكَاتب حَاشِيَة المتَوَكل وبطانته ورؤوس أجناده ويعد طائعهم ويوعد عاصيهم فَلَمَّا سمع المتَوَكل بِمَا فعله جند الأندلس فت ذَلِك فِي عضده وفشلت رِيحه وأيقن بالنكبة ظنا مِنْهُ أَن جنده كُله سيفعل فعل الرغالي فَكَانَ ذَلِك سَبَب جزعه وفراره من المعركة وَسبب خراب ملكه وَإِقَامَة ملك عَمه وَيُقَال إِن بعض الْجند لما سمع بِأَن الْقَائِد جرمون وَأَوْلَاد عمرَان نزعوا إِلَى عبد الْملك أَيْضا جَاءَ إِلَى المتَوَكل وَقَالَ لَهُ إِن الْقَائِد ابْن شقراء قد غدر وفر إِلَى عبد الْملك وَكَانَ ابْن شقراء هَذَا من أكبر قواده وأصدقهم لَدَيْهِ فارتاع المتَوَكل لذَلِك وانقلب مُنْهَزِمًا وانتهبت خزائنه وأوقد فِيهَا النَّار ونفط مَا كَانَ بهَا من البارود حَتَّى رئي من رُؤُوس الْجبَال وَلما انهزم المتَوَكل بالركن عطف على فاس الْجَدِيد فَأخذ مِنْهَا مَا يعز عَلَيْهِ من الذَّخِيرَة ثمَّ خرج على وَجهه إِلَى مراكش لَا يلوي على شَيْء فلحق بِهِ الْقَائِد ابْن شقراء بوادي النجَاة على مقربة من فاس وَأَغْلظ لَهُ فِي القَوْل ولامه على عدم التأني والتثبت وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا اسْتِيلَاء السُّلْطَان أبي مَرْوَان عبد الْملك المعتصم بِاللَّه على حَضْرَة فاس وَمَا يتبع ذَلِك لما انهزم المتَوَكل بالركن وأجفل إِلَى مراكش تقدم عَمه أَبُو مَرْوَان إِلَى فاس فَدَخلَهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا يَوْم الْأَحَد سَابِع ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة من بَاب الْفتُوح وَبعد أَن دَخلهَا وَبَايَعَهُ أَهلهَا أَقَامَ بهَا أَيَّامًا ثمَّ طمحت نَفسه إِلَى اتِّبَاع ابْن أَخِيه إِلَى مراكش وَلما عزم على النهوض إِلَيْهِ

стр. 925

طَالبه التّرْك بِأَن يردهم إِلَى بِلَادهمْ وَأَن يعطيهم المَال الَّذِي اتّفق مَعَهم عَلَيْهِ وهم يسمونه بلغتهم البقشيش فبذل لكل وَاحِد مِنْهُم أَرْبَعمِائَة أُوقِيَّة واستسلف المَال من تجار أهل فاس حَتَّى يَتَّسِع حَاله فَكَانَ جملَة مَا أعْطى التّرْك خَمْسمِائَة ألف وَأَعْطَاهُمْ عشرَة من الأنفاض مِنْهَا النفض الْكَبِير الَّذِي لَهُ عشرَة أَفْوَاه وَزَادَهُمْ من تحف الْمغرب وطرفه مَا سلى بِهِ نُفُوسهم وَركب لوداعهم بِنَفسِهِ إِلَى نهر سبو ثمَّ رَجَعَ إِلَى فاس وَفِي هَذِه الْمدَّة قبض على قاضيها الْفَقِيه أبي مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الْحميدِي لأمر نقمه عَلَيْهِ وأودعه السجْن فَبعث الْفَقِيه الْمَذْكُور أَوْلَاده إِلَى الشَّيْخ الصَّالح أبي النَّعيم رضوَان بن عبد الله الجنوي يطْلب مِنْهُ أَن يشفع لَهُ عِنْد السُّلْطَان المعتصم بِاللَّه فَكتب إِلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو النَّعيم يحضه على الاستشفاع بِالنَّبِيِّ ﷺ والاستمساك بحبله لِأَنَّهُ بَاب الله الْأَعْظَم فَقبل القَاضِي إِشَارَته وَتوجه إِلَى ربه بكليته فَأَتَاهُ الْفرج من حِينه رحم الله الْجَمِيع بمنه نهوض السُّلْطَان أبي مَرْوَان إِلَى مراكش واستيلاؤه عَلَيْهَا وفرار ابْن أَخِيه إِلَى السوس وَمَا نَشأ عَن ذَلِك ثمَّ إِن السُّلْطَان أَبَا مَرْوَان نَهَضَ من فاس فِي جنده الَّذِي أَقَامَهُ وَكَانَ غرس يَده وَفِيمَا انضاف إِلَيْهِ من جند ابْن أَخِيه وَتقدم إِلَى الْبِلَاد المراكشية قَاصِدا حربه وتشريده عَنْهَا وَلما سمع ابْن أَخِيه بِخُرُوجِهِ إِلَيْهِ وقصده إِيَّاه تهَيَّأ لملاقاته وَسَار إِلَى منازلته فَالتقى الْجَمْعَانِ بِموضع يُسمى خَنْدَق الريحان على مقربة من وَادي شراط من أحواز سلا فَكَانَت الْهَزِيمَة أَيْضا على المتَوَكل وفر بِرَأْس طمرة ولجام وأجفل كعادته إجفال النعام وَتَبعهُ أَحْمد الْمَنْصُور خَليفَة أَخِيه أبي مَرْوَان يَوْمئِذٍ فَلَمَّا سمع المتَوَكل باتباعه بعد بُلُوغه إِلَى مراكش فر عَنْهَا إِلَى جبل درن وَأسلم لَهُ مراكش فَدَخلَهَا أَحْمد نَائِبا عَن أَخِيه وَأخذ لَهُ الْبيعَة على أَهلهَا ثمَّ لحق بِهِ السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان فَدَخلَهَا يَوْم الِاثْنَيْنِ

стр. 926

تَاسِع عشر ربيع الثَّانِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَأقَام بهَا أَيَّامًا ثمَّ خرج فِي طلب ابْن أَخِيه فعميت عَلَيْهِ أنباؤه وَسقط بَين سمع الأَرْض وبصرها فَعَاد أَبُو مَرْوَان إِلَى مراكش فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ اسْتِخْلَاف السُّلْطَان أبي مَرْوَان لِأَخِيهِ أبي الْعَبَّاس أَحْمد على فاس وأعمالها لما اسْتَقر السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان بمراكش وَانْقطع خبر المتَوَكل عَنهُ بالسوس تقدم إِلَيْهِ أَخُوهُ أَحْمد وَسَأَلَهُ أَن يستخلفه على فاس ليكفيه أمرهَا فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وولاه عَلَيْهَا ظنا مِنْهُ أَن أَمر الْمغرب قد صفا لَهُ وَإِن المتَوَكل لَا يعود إِلَيْهِ وَكَانَ الْوَزير أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز بن سعيد الوزكيتي حَاضرا للطلبة والعطية فَأنْكر ذَلِك وَلم يره صَوَابا وَقَالَ لَا يَنْبَغِي لَكمَا أَن تقعدا حَتَّى يحكم الله بَيْنكُمَا وَبَين ابْن أَخِيكُمَا فغاظ ذَلِك أَحْمد وَظن أَنه من سوء رَأْي عبد الْعَزِيز فِيهِ وبغضه لجانبه فَأَعْرض عَن مقَالَة الْوَزير الْمَذْكُور وَذهب إِلَى فاس خَليفَة عَلَيْهَا وَبَقِي السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان بمراكش وَفِي هَذِه الْمدَّة كتب السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان لِأَخِيهِ أَحْمد برسالة يَقُول فِيهَا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عبد الله المعتصم بِاللَّه الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي مَرْوَان عبد الْملك ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الشريف الحسني أيده الله وأعز نَصره وأسعد زَمَانه الْمُبَارك وعصره وَأبقى بمنه فخره من إمْلَائِهِ أيده الله وَنَصره إِلَى أخينا الْأَعَز الأحظى بَابا أَحْمد حفظه الله السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته أما بعد فَاعْلَم أَنِّي لَا أحب أحدا بعد نَفسِي كمحبتي لَك ورغبتي فِي انْتِقَال هَذَا الْأَمر بعدِي إِلَيْك لَا لغيرك غير أَنِّي أعتاد مِنْك التَّرَاخِي فِي الْأُمُور حَتَّى أَنَّك لَا تبالي بعظيم الْأَمر وَلَا تعتبره إِلَى أَن يتَطَرَّق إِلَى مَا لَا يتلافى جبره من الْأُمُور الَّتِي تكَاد لَوْلَا لطف الله تذْهب بِهَذَا الْملك وتهد أَرْكَانه ويبلغ الْعَدو مَعهَا مناه وَمرَاده من ذَلِك التَّرَاخِي إهمالك أَمر الْجند الَّذِي

стр. 927

بالعرائش وإغفالك لَهُ مَعَ مَا يترادف عَلَيْك فِي كل سَاعَة من تلقائه من استدعاء مَا دعت الْحَاجة إِلَيْهِ من المؤونة والبارود والرصاص الَّذِي لَا يَسْتَقِيم لَهُم أَمر فِي مقاومة الْعَدو دون ذَلِك وَجعلت تقَابل خطابهم بالإهمال وَعدم المبالاة والآن سَاعَة يرد عَلَيْك كتَابنَا هَذَا قبل وَضعه من يدك ابْعَثْ إِلَيْهِم مُؤنَة عشرَة أَيَّام بَيْنَمَا نصل إِن شَاءَ الله فَيَقَع التَّدْبِير فِيمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ زَائِدا على ذَلِك مَعَ مَا عنْدكُمْ هُنَالك من البارود والرصاص من غير عطلة وَلَا تراخ بِحَيْثُ لَا نقبل مِنْك عذرا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الَّتِي لَا تحْتَاج إِلَى الإهمال وَلَا بُد وَلَا بُد فقد بلغنَا أَن صَاحب النَّصَارَى بِقرب آصيلا فِي خمس عشرَة مائَة من النَّصَارَى وتمنيت أَن لَو حركتك الهمة للاقتحام عَلَيْهِ فِي مَكَانَهُ بِجَيْش يكسوه أردية الصغار وَيرجع سَاعَة رُؤْيَته إِلَى عَادَته من الذل والفرار فانتبه من الْغَفْلَة وَافْتَحْ عين الانتباه واليقظة فَإِن السَّاعَة لَا تَقْتَضِي إِلَّا الحزم والتشمير عَن ساعد الِاجْتِهَاد والعزم وَالسَّلَام اه ظُهُور أبي عبد الله المتَوَكل بالسوس ومجيئه إِلَى مراكش واستيلاؤه عَلَيْهَا كَانَ أَبُو عبد الله المتَوَكل بعد فراره من مراكش يجول فِي جبال السوس ويتنقل فِي قبائلها وأحيائها إِلَى أَن اجْتمعت عَلَيْهِ طَائِفَة من الصعاليك وتأشب عَلَيْهِ مَا يشبه أَن يكون جَيْشًا فاستهوتهم مِنْهُ الأضاليل وقادهم قَود الْملك الضليل وَجَاء بهم إِلَى مراكش فَسمع بِهِ السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان فَخرج للقائه فخالفه المتَوَكل وسلك طَرِيقا غير طَرِيقه وفجا غير فجه وَقصد مراكش فَدَخلَهَا بِاتِّفَاق أَهلهَا ونصروه وَكَتَبُوا لَهُ الْبيعَة إِلَّا أَنه لم يتَمَكَّن من القصبة

стр. 928

لِأَن السُّلْطَان أَبَا مَرْوَان كَانَ قد ترك بهَا أُخْته السِّت مَرْيَم فِي نَحْو ثَلَاثَة آلَاف من الرُّمَاة فَتَحَصَّنُوا بهَا وَبلغ الْخَبَر أَبَا مَرْوَان باستيلاء المتَوَكل على مراكش فَرجع عوده على بدئه إِلَى أَن وافى الحضرة فحاصره بهَا وَكتب إِلَى أَخِيه أَحْمد الْخَلِيفَة على فاس أَن يَأْتِيهِ بِجَيْش مِنْهَا فَأَتَاهُ بِهِ أَحْمد مسرعا وَمَا انْتهى إِلَى مراكش اجْتمع بالوزير أبي فَارس الوزكيتي فَقَالَ لَهُ أوقفت على الرَّأْي أول الفكرة آخر الْعَمَل فَبَانَت لِأَحْمَد نصيحته وَزَالَ مَا كَانَ يختلج بصدره عَلَيْهِ وَلما جَاءَ أَحْمد بِجَيْش فاس أسلم المتَوَكل شيعته من أهل مراكش وفر إِلَى السوس فَبَقيَ أهل مراكش متمادين على الْحصار إِلَى أَن اتّفق السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان مَعَ أَعْيَان جراوة فأدخلوه من بعض الأسوار والأنقاب وَلما فر المتَوَكل إِلَى السوس تبعه أَحْمد الْمَنْصُور فَكَانَت بَينهمَا هُنَالك حروب عَظِيمَة أتاح الله فِيهَا النَّصْر للمنصور مِنْهَا وقْعَة تينزرت الَّتِي أنْشدهُ فِيهَا وزيره الْكَاتِب أَبُو الْحسن عَليّ بن مَنْصُور الشيظمي الْبَيْتَيْنِ اللَّذين قالهما فِيهِ الْكَاتِب أَبُو عبد الله بن عِيسَى وهما (هُوَ الْغَيْث وَالْبَحْر الغطمطم فِي الندى ... وَلَيْث إِذا جد الطعان هصور) (يفوق السِّهَام عزمه وانبعاثه ... وَيقصر عَنهُ فِي الثَّبَات ثبير) فَأَجَابَهُ أَحْمد الْمَنْصُور ببيتي أبي فراس الحمداني وهما (وَنحن أنَاس لَا توَسط عندنَا ... لنا الصَّدْر دون الْعَالمين أَو الْقَبْر) (تهون علينا فِي الْمَعَالِي نفوسنا ... وَمن خطب الْحَسْنَاء لم يغله الْمهْر) وَمِنْهَا الْوَقْعَة الَّتِي بعْدهَا بأساطين الْمَنْصُور وَهُوَ فِي نَحْو ثَلَاثَة آلَاف والمتوكل فِي نَحْو سِتِّينَ ألفا وَمَعَ ذَلِك هَزَمه الْمَنْصُور قلت كَانَ أَحْمد الْمَنْصُور هَذَا مجدودا محظوظا مسعودا بِحَيْثُ أربت سعادته على شجاعته وَمَا كَانَ أَخُوهُ عبد الْملك يسري إِلَّا فِي ضوء طلعته ويمن نقيبته فَلِذَا كَانَ يقدمهُ فِي الحروب ويستكفي بِهِ فِي نَوَازِل الخطوب وَمن سعادته مَا اتّفق لَهُ فِي ذَهَابه إِلَى العثماني بِخَبَر الْفَتْح وتقدمه

стр. 929

قبل الْكتاب بِثَلَاث حَتَّى تسنى لَهُ من جَانب السُّلْطَان الْمَذْكُور مَا كَانَ سَببا فِي استيلائهما على الْمغرب وستسمع فِي أَخْبَار دولته من أنباء سعاداته مَا تقف بِهِ على حَقِيقَة الْحَال إِن شَاءَ الله وَأما أَمر المتَوَكل فَإِنَّهُ بعد توالي الهزائم عَلَيْهِ فر إِلَى جبل درن وتوغل فِي قننه ثمَّ فر مِنْهُ إِلَى باديس فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ ذهب إِلَى سبتة ثمَّ دخل طنجة مستصرخا بعظيم البرتغال وَالله تَعَالَى لَا يهمل من حُقُوق عباده وزن المثقال الْغَزْوَة الْكُبْرَى بوادي المخازن من بِلَاد الهبط وَالسَّبَب فِيهَا كَانَ من خبر هَذِه الْغَزْوَة أَن السُّلْطَان المخلوع أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله السَّعْدِيّ لما دخل طنجة قصد طاغية البرتغال واسْمه سبستيان بِكَسْر السِّين وَفتح الْبَاء وَالسِّين وَسُكُون التَّاء الْقَرِيبَة من الطَّاء وَهُوَ طاغيتهم الْأَعْظَم وَلَيْسَ قَائِد الْجَيْش فَقَط على مَا هُوَ الْمُحَقق فِي تواريخهم وتطارح عَلَيْهِ وشكا إِلَيْهِ مَا ناله من عَمه أبي مَرْوَان المعتصم بِاللَّه وَطلب مِنْهُ الْإِعَانَة عَلَيْهِ كي يسترجع ملكه وينتزع مِنْهُ حَقه فأشكاه الطاغية ولبى دَعوته وصادف مِنْهُ شَرها إِلَى تملك سواحل الْمغرب وأمصاره فَشرط عَلَيْهِ أَن يكون لِلنَّصَارَى سَائِر السواحل وَله هُوَ مَا وَرَاء ذَلِك فَقبل أَبُو عبد الله ذَلِك وَالْتَزَمَهُ وللحين جمع الطاغية جموعه واستوعب كبراء جَيْشه ووجوه دولته وعزم على الْخُرُوج إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام وَمن الْمُتَوَاتر فِي تواريخ الإفرنج أَن كبار دولته حذروه عَاقِبَة هَذَا الْخُرُوج ونهوه عَن التَّغْرِير ببيضة البرتغال وتوريطها فِي بِلَاد الْمغرب وقبائله فَصم عَن سَماع قَوْلهم ولج فِي رَأْيه وَملك الطمع قلبه وأبى إِلَّا الْخُرُوج فأسعفوه وَخرج من طنجة فِي جَيش قَالَ ابْن القَاضِي فِي الْمُنْتَقى الْمَقْصُور عدده مائَة ألف وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا وَقَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الفاسي فِي مرْآة المحاسن يُقَال إِن مجموعهم كَانَ مائَة ألف وَعشْرين ألفا وَأَقل مَا قيل فِي عَددهمْ ثَمَانُون ألف مقَاتل وَكَانَ مَعَ مُحَمَّد بن عبد الله نَحْو الثلاثمائة من أَصْحَابه قَالَ بَعضهم وَكَانَ عدد الأنفاض الَّتِي يجرونها مِائَتَيْنِ

стр. 930

وقصدوا هَلَاك الْمغرب وحصد الْمُسلمين وإدارة رحى الهوان على الدّين فَعظم ذَلِك على النَّاس وامتلأت صُدُورهمْ رعْبًا وَقُلُوبهمْ كربا وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر واتقدت بهَا نيران الهواجر وَكَانَ مُحَمَّد بن عبد الله الْمَذْكُور قد كتب عِنْد خُرُوجه بِجَيْش البرتغال إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام رِسَالَة بعث بهَا إِلَى أَعْيَان الْمغرب من علمائه وأشرافه وَذَوي رَأْيه يغمض عَلَيْهِم بهَا فِي نكث بيعَته ونقضها ومبايعة عَمه من غير مُوجب شَرْعِي وَقَالَ لَهُم مَا استصرخت بالنصارى حَتَّى عدمت النُّصْرَة من الْمُسلمين وَقد قَالَ الْعلمَاء أَنه يجوز للْإنْسَان أَن يَسْتَعِين على من غصبه حَقه بِكُل مَا أمكنه وتهددهم فِيهَا وأبرق وأرعد وَقَالَ فَإِن لم تَفعلُوا فأذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله وسمى النَّصَارَى أهل العدوة واستنكف من تسميتهم نَصَارَى فَأَجَابَهُ عُلَمَاء الْإِسْلَام رضوَان الله عَلَيْهِم عَن رسَالَته تِلْكَ برسالة دامغة لجيش أباطيلة وفاضحة لركيك تَأْوِيله وَهَذَا نَص جَوَاب تِلْكَ الرسَالَة حرفا حرفا الْحَمد الله كَمَا يجب لجلاله وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم والرضى عَن آله وَأَصْحَابه الَّذين هجروا دين الْكفْر فَمَا نصروه وَلَا استنصروا بِهِ حَتَّى أسس الله دين الْإِسْلَام بِشُرُوط صِحَّته وكماله وَبعد فَهَذَا جَوَاب من كَافَّة الشرفاء وَالْعُلَمَاء والصلحاء والأجناد من أهل الْمغرب وفقهم الله لمولانا مُحَمَّد ابْن مَوْلَانَا عبد الله السَّعْدِيّ عَن كِتَابه الَّذِي استدعاهم فِيهِ لحكم الْكتاب وَالسّنة وَاسْتدلَّ بحججه الْوَاهِيَة المنكبة عَن الصَّوَاب قائلين لَهُ عَن أول حجَّة صدر بهَا الْخطاب لَو رجعت على نَفسك اللوم والعتاب لعَلِمت أَنَّك المحجوج والمصاب فقولك خلعنا بيعتك الَّتِي التزمناها وطوقناها أعناقنا وعقدناها فَلَا وَالله مَا كَانَ ذَلِك منا عَن هوى مُتبع وَلَا على سَبِيل خَارج عَن طَرِيق الشَّرْع مُبْتَدع وَإِنَّمَا ذَلِك منا على مَنْهَج الشَّرْع وَطَرِيقه وعَلى سَبِيل الْحق وتحقيقه وسنشرح لَك ذَلِك ونبينه ونسطره لَك بالأدلة الشَّرْعِيَّة الَّتِي ترقيه وتزينه نعم كنت سُلْطَانا بِمَا عقد لَك والدك من الْبيعَة وَترك لَك من الْأَمْوَال وَالْعدَد والحصون مِمَّا لم يتهيأ مثله لأحد من أسلافكم الْكِرَام رضوَان الله عَلَيْهِم فجاهدوا بِمَا حصل لَهُم من ذَلِك فِي الله حق جهاده حَتَّى استخلصوا من أَيدي الْكفَّار رِقَاب عباد الله وحصون بِلَاده

стр. 931

وأسسوا لدين الله قَوَاعِد وأركانا وملكوا من الْمغرب بلادا مُعْتَبرَة وأوطانا فَلَمَّا وصل ذَلِك إِلَيْك أَلْقَت إِلَيْك الْعباد أعنتها وملكتك أزمتها غير مبدلين وَلَا مغيرين وَلَا باغين وَلَا منكرين إِلَى أَن قَامَ عَلَيْك عمك بحجته الَّتِي لَا يمكنك جَحدهَا حَسْبَمَا ثَبت كَمَا يجب عقدهَا فَخرجت مبادرا لَهُ بدفعها ولقيته بهَا وَأَنت وَاسِطَة عقدهَا وحامل راية عهدها وعمك فِي فِئَة لَا يخْطر على بَال عَاقل أَن يُقَابل جندا من جنودك أَو يدافع مَا تَحت لِوَاء من ألويتك وبنودك فَمَا هُوَ إِلَّا أَن جرى الْقِتَال وَحضر النزال رجعت على عقبك هَارِبا هروب مطرود بقصاص وجنودك تناديك ولات حِين مناص فَتركت عددك ومحلتك بِكُل مَا فِيهَا وخلفتها لعدوك ينهبها ويسبيها وهربت عَن مَدِينَة فاس المحروسة وسكانها يُنَادُونَك لمن تركتنا وَإِلَى من تكلنا فَلم تلْتَفت إِلَيْهِم وَأسْلمت بِلَادهمْ على مَا فِيهَا من خَزَائِن الْأَمْوَال وَالْعدَد الوافرة وَالرِّجَال والأسوار المرتفعة الْمَانِعَة وَالْمَدينَة الْمَشْهُورَة الجامعة فَأصْبح أَهلهَا وَالْيَد العادية من المفسدين تُرِيدُ أَن تمتد إِلَى الْحَرِيم وَالْأَوْلَاد والطارف والتلاد وَلَا دَافع عَن الضُّعَفَاء وَالْمَسَاكِين إِلَّا الله تَعَالَى الَّذِي قَالَ فِي مثلهم ﴿وَمن أصدق من الله قيلا﴾ ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ فَمَا أمكنهم بعد هروبك عَنْهُم وإسلامك لَهُم فوضى مهملين إِلَّا النّظر فِي أَمرهم وإعمال الْفِكر فِي التَّدْبِير على أنفسهم فَبَيْنَمَا هم على ذَلِك إِذا بعمك بجُنُوده على بَاب مدينتهم قَائِما بحجته سالكا فِي ذَلِك سَبِيل أَبِيه ﵀ ومحجته حَسْبَمَا تقرر ذَلِك عنْدكُمْ وَظهر وَلم يخف عَنْكُم مِنْهُ عين وَلَا أثر إِذْ كَانَ مَوْلَانَا مُحَمَّد الْجد الْأَكْبَر عهد لأولاده مَوْلَانَا أَحْمد ومولانا مُحَمَّد الشَّيْخ وإخوانهم لَا يتَوَلَّى الْخلَافَة مِنْهُم وَلَا من أَوْلَادهم إِلَّا الْأَكْبَر فالأكبر فالتزموا ذَلِك إِلَى أَن كبر أَوْلَادهم فَطلب جدك من عمك الْوَفَاء بذلك فَامْتنعَ فقاتله على ذَلِك حَتَّى تمّ لَهُ الْأَمر وانتظم فعهد لوالدك الَّذِي كَانَ أكبر أَوْلَاده فَلم ينازعه أحد فِي ذَلِك إِلَى أَن ألْقى والدك ﵀ ذَلِك وعهد إِلَيْك فَلم ينازعكم أحد فَأبى الله إِلَّا الْحق فَأعْطى ملكه لعمك الَّذِي هُوَ أكبركم بعد أَبِيك فَإِن سلمت هَذَا فَأَي حجَّة تدلي بهَا وَأي طَرِيق

стр. 932

تعتمد عَلَيْهَا وَإِن أنْكرت هَذَا فَلَا أثر لخلافة أَبِيك من قبلك وَلَا لجدك من قبله لثبوتها لعمكم مَوْلَانَا أَحْمد إِذْ لَا حجَّة حِينَئِذٍ لجدك فِي الْقيام على عمك فخلافته صَحِيحَة لبيعة جدك لَهُ فَلم يبْق إِلَّا التغلب الَّذِي تدلي بِهِ فِي مَسْأَلَة عمك وَفِي قِيَامه عَلَيْك فَإِن كنت تُرِيدُ أَن تسْقط حجَّته بالتغلب عَلَيْك فحجتك أبين فِي السُّقُوط لعدم ثُبُوت الْخلَافَة لمن عقدهَا لَك إِذْ الْمَعْدُوم شرعا كَالْمَعْدُومِ حسا فَلم يبْق بَيْنكُم إِلَّا وَالْملك بعد أبي ليلى لمن غلبا فيلزمك على هَذَا أَن تثبت مَا عقده مَوْلَانَا الْجد رَحْمَة الله وَعَلِيهِ فالخلافة لعمك الْقَائِم عَلَيْك إِذْ هُوَ أكبركم فِي هَذَا التَّارِيخ فَإِن قلت إِن مَا عقده الْجد غير صَحِيح قُلْنَا فقد ذكر الإِمَام الْمَاوَرْدِيّ ﵀ وَرَضي عَنهُ فِي كتاب الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة لَهُ فِي بَاب عقد الْخلَافَة أَن عبد الْملك بن مَرْوَان رتبها فِي الْأَكْبَر فالأكبر من بنيه فَلم ينازعه أحد فِي ذَلِك فَإِن قلت فعل عبد الْملك لَيْسَ بِحجَّة قُلْنَا سكُوت الْعلمَاء على ذَلِك وهم مَا هم فِي زَمَانه هُوَ الْحجَّة إِذْ لَا يُمكن أَن يسكتوا على بَاطِل وَإِقْرَار أهل الْعَصْر الْوَاحِد على مَسْأَلَة من الْمسَائِل واتفاقهم عَلَيْهَا يقوم مقَام الْإِجْمَاع الَّذِي هُوَ حجَّة الله فِي أرضه وَكَانَ أَيْضا من محفوظات عُلَمَاء فاس المحروسة مَا خرجه مُسلم ﵁ فِي صَحِيحه فِي كتاب الْإِمَارَة مَا نَصه قَالَ رَسُول الله ﷺ (يرفع لكل غادر لِوَاء يَوْم الْقِيَامَة عِنْد رَأسه يُقَال هَذِه غدرة فلَان ابْن فلَان أَلا وَلَا غادر أعظم غدرا من أَمِير عَامَّة) قَالَ القَاضِي أَبُو الْفضل عِيَاض ﵀ فِي كتاب إِكْمَال الْمعلم على شرح فَوَائِد مُسلم يَعْنِي لم يحطهم وَلم ينصح لَهُم وَلم يَفِ بِالْعقدِ الَّذِي تقلده من أَمرهم وَفِي الْبَاب نَفسه عَنهُ ﷺ مَا نَصه (مَا من أَمِير استرعاه الله رعية ثمَّ لم ينصح لَهُم إِلَّا لم يرح رَائِحَة الْجنَّة وَإِن رِيحهَا ليوجد من مسيرَة خَمْسمِائَة عَام) وَفِي الْإِكْمَال نَفسه قَالَ القَاضِي وَالَّذِي عَلَيْهِ النَّاس إِن الْقَوْم إِذا بقوا فوضى مهملين لَا إِمَام لَهُم فَلهم أَن يتفقوا على إِمَام يبايعونه ويستخلفونه عَلَيْهِم ينصف بَعضهم من بعض وَيُقِيم لَهُم الْحُدُود

стр. 933

فَلَمَّا أسلمتهم وأضحوا بِغَيْر إِمَام وعمك يُدْلِي بحجته الَّتِي ذكرنَا لَك مَعَ مَا حفظوه من كَلَام النَّبِي ﷺ وَكَلَام السّلف الصَّالح وَأَيِسُوا من رجوعك إِلَيْهِم وبقوا فوضى مهملين لم يسعهم إِلَّا الرُّجُوع إِلَى مَا عَلَيْهِ النَّاس رضوَان الله عَلَيْهِم فاتفقوا على أَن يبايعوا عمك لما ذكرنَا لَك من الْحجَج الَّتِي لَا يسعك جَحدهَا إِلَّا على وَجه المكابرة فاطمأن النَّاس وَسَكنُوا وانفتحت السبل وأقيمت الْحُدُود وَارْتَفَعت الْيَد العادية فَإِن قلت كَانَ يجب على أهل فاس أَن يقاتلوا على الْبيعَة الَّتِي التزموها لَك قُلْنَا إِنَّمَا يلْزمهُم الْقِتَال أَن لَو أَقمت بَين أظهرهم فَيكون قِتَالهمْ على وَجه شَرْعِي لِأَن الْقِتَال على الْحُدُود الشَّرْعِيَّة إِنَّمَا يكون بعد نصب إِمَام يصدر النَّاس عَن رَأْيه وَلَا يمكنك أَيْضا جَحدهَا إيه ثمَّ وصلت إِلَى مراكش الغراء الَّتِي تجبى إِلَيْهَا الْأَمْوَال من الْبَوَادِي والأمصار وتشد إِلَيْهَا الرّحال من سَائِر الأقطار فلقيك أَهلهَا بالترحاب وَالسُّرُور وأنواع الْفَرح والحبور فَوجدت خزائنها تتدرج ملئا من كل شَيْء فَأَما أسوارها ورحابها فَهِيَ كَمَا قيل تربة الْوَلِيّ ومدرج الْحلِيّ وحضرة الْملك الأولي والبرج النير الْجَلِيّ فحللتها وتمكنت من أموالها وخزائنها ووافقك أَهلهَا فَمَا نكثوا وَلَا غدروا وَلَا خَرجُوا عَلَيْك فِي سلطانك وَلَا أَنْكَرُوا فطلبت أَيْضا قتال عمك وجندت جُنُودا لَا يجمعها ديوَان حَافظ وَلَا يعهدها لِسَان لافظ فَخرجت إِلَيْهِ تجر أَعِنَّة الْخَيل وَرَاءَك كالسيول وَالرُّمَاة قد مَلَأت الهضاب والتلول فَمَا كَانَ من حَدِيثك إِلَّا أَن وَقع الْقِتَال وَحضر النزال بادرت هَارِبا محكما للْعَادَة تَارِكًا للرؤساء من أجنادك والقادة فَحلت بهم الخطوب والرزايا واختطفتهم أَيدي المنايا فَتركت أَيْضا محلتك بِمَا فِيهَا من حريمك وأموالك وعدتك ثمَّ أسرعت هَارِبا إِلَى مراكش فَمَا صدك عَنْهَا أحد من أَهلهَا وَلَا قَالَ لَك أحد لست ببعلها فعملوا على الْقِتَال مَعَك والتمنع بأسوارها الحصينة والحصار دَاخل الْمَدِينَة فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل غدرتهم وغادرت بناتك وأخواتك وعماتك ونساءك وَخرجت عَنْهُم من القصبة وتركتهم لَا بواب عَلَيْهِم وَلَا حارس وَلَا راجل وَلَا فَارس فيالها من مُصِيبَة مَا أعظمها وَمن داهية مَا أعضلها وَلَوْلَا

стр. 934

فضل الله ولطفه ووعده بتطهير أهل الْبَيْت لامتدت إِلَيْهِم أَيدي السفلة من الفسقة فَأَي حجَّة تبقى لَك بعد هَذَا وَأي كَلَام لَك بَين الرِّجَال يَا هَذَا ثمَّ جَاءَك عمك أَيْضا بِمَا سلف من الْحجَج فَوجدَ أَهلهَا فِي لطف الله سُبْحَانَهُ وهم يَحْرُسُونَ أَوْلَادهم وديارهم من الْيَد العادية فأنقذهم الله بِهِ أَيْضا فَبَايعُوا عمك بِمَا سلف من الْحجَج واطمأنوا وَسَكنُوا ثمَّ هربت للجبل عِنْد صَاحبه فصرتما فِي نهب أَمْوَال الرّعية وَسَفك دِمَائِهِمْ وَأكْثر مَا صفا لَك من ذَلِك أهل الذِّمَّة المصغرون بِحكم الْقُرْآن الداخلون تَحت عهد سيد الثقلَيْن فِي الْأَمْن والأمان فَأَنت وهم فِي استيلائك عَلَيْهِم وظلمك إيَّاهُمَا كَمَا قيل (إِن هُوَ مستوليا على أحد ... إِلَّا على أَضْعَف المجانين) وَلم تبال بقول النَّبِي ﷺ أَنا خصيم من ظلم ذِمِّيا يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ خربَتْ العامر وأفسدت مَا شيدت الأسلاف لِلْإِسْلَامِ من المآثر فَلَمَّا رأى أهل السوس الْأَقْصَى ذَلِك أيقنوا أَنَّك إِنَّمَا قصدت خراب الْإِسْلَام وَأَهله فنكب عَنْك أهل الدّين وَالْعلم مِنْهُم وَبقيت كَمَا قيل فِي خلف كَجلْد الأجرب فَإِن قلت إِن أُولَئِكَ الْخلف لم يبايعوا عمك فتنقض بهم مَا قَرَّرْنَاهُ قُلْنَا لم يطعن فِي خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي الْحسن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ من تخلف عَنْهَا من أهل الشَّام وَفِيهِمْ من قد علمت من النَّاس وَالْإِجْمَاع على صِحَة بيعَته وَسمي من تخلف عَنْهَا بَاغِيا لقَوْل النَّبِي ﷺ لعمَّار تقتلك الفئة الباغية فَقتله أَصْحَاب مُعَاوِيَة ﵁ والْحَدِيث من أَعْلَام نبوته ﷺ وَالْقَاعِدَة أَن مَا اجْتمع عَلَيْهِ من يعْتَبر من أهل الْعَصْر الْوَاحِد هُوَ الْمعول عَلَيْهِ وَلَا يعد خلاف من خَالفه خلافًا وَهَذَا كُله بِالنّظرِ إِلَى مَا كَانَ من حَدِيثك قبل التحزب مَعَ عَدو الدّين وَالْأَخْذ

стр. 935

فِي التَّخْلِيط الْعَظِيم على الْمُسلمين فَإنَّك اتّفقت مَعَهم على دُخُول آصيلا وأعطيتهم بِلَاد الْإِسْلَام فيالله وَيَا لرَسُوله لهَذِهِ الْمُصِيبَة الَّتِي أحدثتها وعَلى الْمُسلمين فتقتها وَلَكِن الله تَعَالَى لَك وَلَهُم بالمرصاد ثمَّ لم تتمالك أَن ألقيت بِنَفْسِك إِلَيْهِم ورضيت بجوارهم وموالاتهم كَأَنَّك مَا طرق سَمعك قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم﴾ قَالَ أَبُو حَيَّان ﵀ أَي لَا تنصروهم وَلَا تستنصروا بهم وَفِي كتاب الْقَضَاء من نَوَازِل الإِمَام الْبُرْزُليّ ﵀ أَن أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين اللمتوني ﵀ استفتى عُلَمَاء زَمَانه ﵃ وهم مَا هم فِي استنصار ابْن عباد الأندلسي بِالْكِتَابَةِ إِلَى الإفرنج على أَن يعينوه على الْمُسلمين فَأَجَابَهُ جلهم ﵃ بردته وكفره فَتَأمل هَذَا مَعَ قضيتك تجدها أحروية مُنَاسبَة لقضية ابْن عباد فِي عقدهَا ابْتِدَاء وَأَنه مَتى طَرَأَ الْكفْر وَجب الْعَزْل وناهيك بقول النَّبِي ﷺ عَلَيْكُم بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وَبِمَا أفتى الْعلمَاء رضوَان الله عَلَيْهِم بردة من استنصر بالنصارى على الْمُسلمين فَهُوَ نَص جلي فِي وجوب خلعك وَسُقُوط بيعتك فَلم يبْق لَك إِلَّا مُنَازعَة الْحق سُبْحَانَهُ فِي حكمه ﴿وَمن يُشَاقق الله وَرَسُوله فَإِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ وَأما قَوْلك فِي النَّصَارَى فَإنَّك رجعت إِلَى أهل العدوة واستعظمت أَن تسميهم بالنصارى فَفِيهِ المقت الَّذِي لَا يخفى وقولك رجعت إِلَيْهِم حِين عدمت النُّصْرَة من الْمُسلمين فَفِيهِ محظوران يحضر عِنْدهمَا غضب الرب ﷻ أَحدهمَا كونك اعتقدت أَن الْمُسلمين كلهم على ضلال وَأَن الْحق لم يبْق من يقوم بِهِ إِلَّا النَّصَارَى وَالْعِيَاذ بِاللَّه وَالثَّانِي أَنَّك استعنت بالكفار على الْمُسلمين وَفِي الحَدِيث أَن رجلا من الْمُشْركين مِمَّن عرف بالنجدة والشجاعة جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَوَجَدَهُ بحرة الْوَبرَة مَوضِع على نَحْو أَرْبَعَة أَمْيَال من الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ يَا مُحَمَّد جِئْت لأنصرك فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ إِن كنت تؤمن بِاللَّه وَرَسُوله فَقَالَ لَا أفعل فَقَالَ لَهُ ﷺ إِنِّي لَا أستعين بمشرك وَمَا سمعته من قَول الْعلمَاء ﵃ فِي

стр. 936

الِاسْتِعَانَة بهم إِنَّمَا هُوَ على الْمُشْركين بِأَن نجعلهم خدمَة لأزبال الدَّوَابّ لَا مقاتلة فَأَما الِاسْتِعَانَة بهم على الْمُسلمين فَلَا يخْطر إِلَّا على بَال من قلبه وَرَاء لِسَانه وَقد قيل قَدِيما لِسَان الْعَاقِل من وَرَاء قلبه وَفِي قَوْلك يجوز للْإنْسَان أَن يَسْتَعِين على من غصبه حَقه بِكُل مَا أمكنه وَجعلت قَوْلك هَذَا قَضِيَّة أنتجت لَك دَلِيلا على جَوَاز الِاسْتِعَانَة بالكفار على الْمُسلمين وَفِي ذَلِك مصادمة لِلْقُرْآنِ والْحَدِيث وَهُوَ عين الْكفْر أَيْضا وَالْعِيَاذ بِاللَّه وقولك فَإِن لم تَفعلُوا فأذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله إيه أَنْت مَعَ الله وَرَسُوله أَو مَعَ حزبه فَتَأمل مَا قلت فِي الحَدِيث يتَكَلَّم أحدكُم بِالْكَلِمَةِ تهوي بِهِ فِي النَّار سبعين خَرِيفًا وَلما سَمِعت جنود الله وأنصاره وحماة دينه من الْعَرَب والعجم قَوْلك هَذَا حملتهم الْغيرَة الإسلامية وَالْحمية الإيمانية وتجدد لَهُم نور الْإِيمَان وأشرق عَلَيْهِم شُعَاع الإيقان فَمن قَائِل يَقُول لَا دين إِلَّا دين مُحَمَّد ﷺ وَمن قَائِل يَقُول سَتَرَوْنَ مَا أصنع عِنْد اللِّقَاء وَمن قَائِل يَقُول ﴿وليعلمن الله الَّذين آمنُوا وليعلمن الْمُنَافِقين﴾ وَمن قَائِل يَقُول إِنَّمَا قصد التشفي بِالْمُسْلِمين إِذْ لَو كَانَ يطْلب الصّلاح لما صدرت مِنْهُ هَذِه الْأَفْعَال القبيحة إِلَى غير ذَلِك فجزاهم الله عَن الْإِسْلَام خيرا وَرَضي عَنْهُم وَبَارك فيهم فَللَّه دِرْهَم من رجال وفرسان وأبطال وشجعان فَلَو لم يكن مِنْهُم إِلَّا مَا غير قُلُوبهم على الدّين لَكَانَ كَافِيا فِي صِحَة إِيمَانهم وعظيم إيقانهم فقد بلغ نور غضبهم لله سُبْحَانَهُ سَاق الْعَرْش وَالْحب فِي الله والبغض فِي الله من قَوَاعِد الْإِيمَان وقولك أَيْضا متبرئا من حول الله وقوته فَإِن لم تَفعلُوا فالسيف فَهُوَ كَلَام هذيان يدل على حَمَاقَة قَائِله فَقَط أنبأ سَيْفك هَذَا وَأَنت مَعَ الْمُسلمين فِي أَربع وَعشْرين معركة لم تثبت لَك فِيهَا راية ثمَّ زَالَ نبوه الْآن بالكفار فَهَذِهِ أضحوكة فتأملها وَأما مَا نسبته لإِمَام دَار الْهِجْرَة فكفاك عَجزا إِن لم تعين لنا نصا جليا نعتمد عَلَيْهِ فِيمَا تحتج بِهِ إِلَّا أَنَّك كثرت بِهِ سَواد القرطاس مغربا بِذكرِهِ لَا معربا بنصه

стр. 937

وَمَا نسبته للحنفية من أكل الْميتَة عِنْد الضَّرُورَة وتسويغ الغصة بِخَمْر فَهُوَ مَا نَص عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّة فِي مختصراتهم الَّتِي ألفوها للصبيان فعدولك عَن ذَلِك إِلَى الْحَنَفِيَّة إِمَّا قُصُور وَإِمَّا إِلْغَاء لمَذْهَب مَالك ﵁ وَهُوَ النَّجْم الثاقب وَأما قَوْلك أَنْتُم أهل بغي وعناد فَلَا نسلم لَك ذَلِك إِلَّا لَو أَقمت بَين أظهرنَا وقاتلت مَعنا حَتَّى ترى أنسلمك أم لَا فَأَما إِذا هربت عَنَّا وَتَرَكتنَا فالحجة عَلَيْك لَا علينا على انك فِي كتابك تفسق الْكل بذلك وتكفره وَقد قَالَ الْعلمَاء ﵃ من يَقُول بتكفير الْعَامَّة فَهُوَ أولى بالتكفير وَذَلِكَ معزو لزعيم الْعلمَاء القَاضِي أبي الْوَلِيد بن رشد وَالْقَاضِي أبي الْفضل عِيَاض وَكَيف لَا تنظر لقضايا تلمسان وتونس وَغَيرهمَا من سَائِر الْبلدَانِ وَكَيف وَقع لأمرائهم المستنصرين بالكفار على الْمُسلمين هَل حصلوا على شَيْء مِمَّا قصدوه أَو بلغُوا شَيْئا مِمَّا أَملوهُ على أَن أَكثر الْعلمَاء حكمُوا بردتهم ففاتتهم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالْعِيَاذ بِاللَّه وَقد افتخرت فِي كتابك بجموع الرّوم وقيامهم مَعَك وعولت على بُلُوغ الْملك بحشودهم وأنى لَك هَذَا مَعَ قَول الله تَعَالَى ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ ﴿ويأبى الله إِلَّا أَن يتم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ﴾ وَفِي الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ (لن تغلب هَذِه الْأمة وَلَو اجْتمع عَلَيْهَا من الْكفَّار مَا بَين لابات الدُّنْيَا) وَعنهُ ﷺ أَنه قَالَ سيقاتل آخر هَذِه الْأمة الدَّجَّال وَعنهُ ﷺ أَنه قَالَ (سَأَلت رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَة سَأَلته أَلا يُهْلِكهُمْ بِسنة عَامَّة فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلته أَلا يَغْلِبهُمْ عدوهم الْكَافِر فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلته أَلا يَجْعَل بأسهم بَينهم فَمَنَعَنِيهَا) وَالْكل عَلَيْك وَإِيَّاك نعني وَمَا ذكرته عَن عمك فَاعْلَم أَنه لما بلغه خبرك واستنصارك بالكفار عقد ألويته المنصورة بِاللَّه فِي وسط جَامع الْمَنْصُور بعد أَن ختم عَلَيْهَا أهل الله من حَملَة الْقُرْآن مائَة ختمة وصحيح البُخَارِيّ وضجوا عِنْد ذَلِك بالتهليل

стр. 938

وَالتَّكْبِير وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالدُّعَاء لَهُ وللأسلام بالنصر والتمكين وَالْفَتْح الشامخ الْمُبين فَلَو سَمِعت ذَلِك لعَلِمت وتحققت أَن أَبْوَاب السَّمَاء انفتحت لذَلِك وَقضى مَا هُنَالك وبلغه كتابك الَّذِي كَانَ هَذَا جوبا عَنهُ وَهُوَ بوسط تامسنا مَعَه من جنود الله وأنصاره وحماة دينه مَا يَجْعَل الله فِيهِ الْبركَة وَلَوْلَا أَن الشَّرْع الْعَزِيز أَمر بتعظيم جنود الْإِسْلَام والمباهاة بهَا والافتخار بكثرتها لما قَررنَا لكم أمرهَا إِذْ لَا اعْتِمَاد لَهُ أيده الله عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ هم لَا اعْتِمَاد لَهُم إِلَّا على حول الله وقوته وَنَصره وتأييده وَالنَّاس على دين الْملك وَقد قَاتَلت وَأَنت فِي وسط الْمُسلمين فِي بضع عشرَة معركة لم تنصر لَك فِيهَا راية فَأَي نحس وشؤم حلا بديار الرّوم فَإِن جلبتهم فَالله لَك وَلَهُم بالمرصاد ارْجع إِلَى الله أَيهَا الْمِسْكِين وَتب إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يقبل التَّوْبَة عَن عباده فِي كل وَقت وَحين ودع عَنْك كَلَام من لَا ينهضك حَاله وَلَا يدلك على الله مقاله وَهَذِه نصيحة إِن قبلتها وموعظة إِن وفقت إِلَيْهَا وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم وَهُوَ نعم الْمولى وَنعم النصير وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل وَالسَّلَام انْتَهَت الرسَالَة وَكَانَ خُرُوج مُحَمَّد بن عبد الله بِجَيْش البرتغال وفصوله بِهِ من طنجة فِي ربيع الثَّانِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة قَالَ فِي الْمرْآة إِنَّهُم لما خَرجُوا إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام ضربوا محلاتهم بالفحص على أقل من مسيرَة يَوْم من مَدِينَة الْقصر وَكَانَت آصيلا قد تصيرت إِلَيْهِم قبل ذَلِك بأشهر يَعْنِي بعد فرارهم عَنْهَا أَيَّام السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ كَمَا تقدم فعاين أهل الْقصر الهلكة لقرب الْعَدو مِنْهُم وقوته الَّتِي لَا طَاقَة لَهُم بهَا وَفَشَا النِّفَاق لأجل السُّلْطَان مُحَمَّد بن عبد الله الَّذِي مَعَهم وَلأَجل بعد صريخ الْمُسلمين فَإِن السُّلْطَان أَبَا مَرْوَان المعتصم بِاللَّه كَانَ إِذْ ذَاك بمراكش فاستبطؤوا وُصُول الْخَبَر إِلَيْهِ ثمَّ مَجِيئه بعد ذَلِك فَلم يبْق لَهُم تَدْبِير إِلَّا الْفِرَار والتحصن بالجبال وَغَيرهَا فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو المحاسن يُوسُف الفاسي ﵀ وَكَانَ إِذْ ذَاك بِالْقصرِ لرجل من أَصْحَابه نَاد فِي النَّاس أَن الزموا بِلَادكُمْ ودوركم فَإِن عَظِيم

стр. 939

النَّصَارَى مسجون حَيْثُ هُوَ حَتَّى يَجِيء السُّلْطَان من مراكش وَإِن النَّصَارَى غنيمَة للْمُسلمين وَمن شَاءَ فليعط خمسين أُوقِيَّة فِي النَّصْرَانِي يُشِير إِلَى مبلغ قيمَة النَّصْرَانِي فِي الْغَنِيمَة فَمَا انْتقل النَّصَارَى من مكانهم ذَلِك أَكثر من شهر حَتَّى قدم السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان وَكَانَ مَرِيضا اه وَقَالَ فِي النزهة إِن النَّصَارَى لما برزوا من طنجة شنوا الْغَارة على السواحل فَأعْلم أَهلهَا السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان وَكَانَ بمراكش وَشَكوا إِلَيْهِ كلب الْعَدو عَلَيْهِم فَكتب السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان من مراكش إِلَى الطاغية إِن سطوتك قد ظَهرت فِي خُرُوجك من أَرْضك وجوازك العدوة فَإِن ثَبت إِلَى أَن نقدم عَلَيْك فَأَنت نَصْرَانِيّ حَقِيقِيّ شُجَاع وَإِلَّا فَأَنت كلب ابْن كلب فَلَمَّا بلغه الْكتاب غضب وَاسْتَشَارَ أَصْحَابه هَل نُقِيم حَتَّى يلْحق بِنَا من خلفنا من أَصْحَابنَا فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن عبد الله الرَّأْي أَن نتقدم ونملك تطاوين والعرايش وَالْقصر ونجمع مَا فِيهَا من الْعدة ونتقوى بِمَا فِيهَا من الذَّخَائِر فأعجب ذَلِك الرَّأْي أهل الدِّيوَان وَلم يعجب الطاغية وَكتب السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان لِأَخِيهِ أبي الْعَبَّاس أَحْمد وَكَانَ نَائِبه على فاس وأعمالها أَن يخرج بجيوش فاس وأحوازها ويتهيأ لِلْقِتَالِ ثمَّ كتب إِلَيْهِ أَيْضا فِي شَأْن مُؤنَة الْجَيْش كتابا يَقُول فِيهِ من عبد الله المعتصم بِاللَّه الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي مَرْوَان عبد الْملك بن أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الشريف الحسني أيد الله أمره وأعز نَصره إِلَى أخينا الْأَعَز الأنجب بَابا أَحْمد ابْن مَوْلَانَا الْوَالِد حرس الله كريم إخائه سَلام كريم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته أما بعد فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم من محلتنا السعيدة بتامسنا وَلَا زَائِد بِحَمْد الله إِلَّا الْخَيْر والعافية وَالنعَم الضافية هَذَا وَإنَّهُ سَاعَة وُصُوله إِلَيْكُم تخرجُونَ من الخدام لعمالة مكناسة وقبيلة آزمور وَأَوْلَاد جلول من يفْرض عَلَيْهِم علف محلتنا المنصورة ومؤنتها وَيَأْمُرهُمْ بِرَفْعِهِ وإبلاغه إِلَى مَدِينَة سلا وَقدر ذَلِك صَحْفَة شعير وَعِشْرُونَ مدا من الْقَمْح لكل نائبة وَصَاع من سمن وكبش لكل أَربع نَوَائِب ووكد عَلَيْهِم رعاك الله أَن يعتنوا بذلك وبإيصاله إِلَى الْمَكَان الْمَذْكُور من غير عطلة وَهَذَا مَا وَجب بِهِ الْإِعْلَام إِلَيْكُم وَالله يرعاكم بمنه وَالسَّلَام اه

стр. 940

ثمَّ كتب السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان للطاغية ثَانِيَة وَذَلِكَ بعد مَا وصل إِلَى الْقصر إِنِّي رحلت إِلَيْك سِتّ عشرَة مرحلة أما ترحل إِلَى وَاحِدَة فَرَحل الطاغية من مَوضِع يُقَال لَهُ تاهدارت وَنزل على وَادي المخازن بمقربة من قصر كتامة وَكَانَ ذَلِك من السُّلْطَان أبي مَرْوَان مكيدة ثمَّ إِن الطاغية تقدم بجيوشه وَعبر جسر الْوَادي وَنزل من هَذِه العدوة فَأمر السُّلْطَان بالقنطرة أَن تهدم وَوجه إِلَيْهَا كَتِيبَة من الْخَيل فهدموها وَكَانَ الْوَادي لَا مشرع لَهُ سوى القنطرة ثمَّ زحف السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان إِلَى الْعَدو بجيوش الْمُسلمين وخيل الله المسومة وانضاف إِلَيْهِ من المتطوعة كل من رغب فِي الْأجر وطمع فِي الشَّهَادَة وَأَقْبل النَّاس سرَاعًا من الْآفَاق وابتدروا حُضُور هَذَا المشهد الْجَلِيل فَكَانَ مِمَّن حَضَره من الْأَعْيَان الشَّيْخ أَبُو المحاسن يُوسُف الفاسي وَغَيره قَالَ فِي الْمرْآة كَانَ الشَّيْخ أَبُو المحاسن فِي ذَلِك الْيَوْم فِي أحد الجناحين وَأَظنهُ الميسرة من عَسْكَر الْمُسلمين فِي مُقَابلَة النَّصَارَى دمرهم الله قَالَ فَوَقع فِي ذَلِك الْجنَاح انكسار تزحزح بِهِ الْمُسلمُونَ عَن مَصَافهمْ وحملت عَلَيْهِم النَّصَارَى دمرهم الله فَثَبت الشَّيْخ وَثَبت من كَانَ مَعَه إِلَى أَن منح الله الْمُسلمين النَّصْر وركبوا أكتاف الْعَدو يقتلُون وَيَأْسِرُونَ وَالشَّيْخ لم يتزلزل وَلم يلْتَفت مُنْذُ توجه إِلَى قِتَالهمْ حَتَّى فتح الله عَلَيْهِم اه وَلما الْتَقت الفئتان وزحف النَّاس بَعضهم إِلَى بعض وَحمى الْوَطِيس واسود الجو بنقع الْجِيَاد ودخان المدافع وَقَامَت الْحَرْب على سَاق توفّي السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان ﵀ عِنْد الصدمة الأولى وَكَانَ مَرِيضا يُقَاد بِهِ فِي محفة فَكَانَ من قَضَاء الله السَّابِق ولطفه السابغ أَنه لم يطلع على وَفَاته أحد إِلَّا حَاجِبه مَوْلَاهُ رضوَان العلج فَإِنَّهُ كتم مَوته وَصَارَ يخْتَلف إِلَى الأجناد وَيَقُول السُّلْطَان يَأْمر فلَانا أَن يذهب إِلَى مَوضِع كَذَا وَفُلَانًا أَن يلْزم الرَّايَة وَفُلَانًا يتَقَدَّم وَفُلَانًا يتَأَخَّر وَقَالَ شَارِح الزهرة لما توفّي السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان لم يظْهر الَّذِي كَانَ سائس المحفة مَوته فَصَارَ يقدم دَوَاب المحفة نَحْو الْعَدو وَيَقُول للجند السُّلْطَان يَأْمُركُمْ بالتقدم إِلَيْهِم وَعلم أَيْضا بِمَوْتِهِ أَخُوهُ وخليفته أَبُو

стр. 941

الْعَبَّاس أَحْمد بن الشَّيْخ فكتمها وَلم يزل الْحَال على ذَلِك وَالنَّاس فِي المناضلة والمقاتلة ومعانقة القواضب والاصطلاء بِنَار الطعان واحتساء كؤس الْحمام إِلَى أَن هبت على الْمُسلمين ريح النَّصْر وساعدهم الْقدر وأثمرت أَغْصَان رماحهم زهر الظفر فولى الْمُشْركُونَ الأدبار ودارت عَلَيْهِم دَائِرَة الْبَوَار وحكمت السيوف فِي رِقَاب الْكفَّار فَفرُّوا ولات حِين فرار وَقتل الطاغية سبستيان عَظِيم البرتغال غريقا فِي الْوَادي وَقصد النَّصَارَى القنطرة فَلم يَجدوا إِلَّا آثارها فخشعت نُفُوسهم وتهافتوا فِي النَّهر تهافت الْفراش على النَّار فَكَانَ ذَلِك من أكبر الْأَسْبَاب فِي استئصالهم وَأعظم الحبائل فِي اقتناصهم وَلم ينج مِنْهُم إِلَّا عدد نزر وشرذمة قَليلَة وَقَالَ فِي الْمُنْتَقى الْمَقْصُور كَانَت هَذِه الْغَزْوَة من الْغَزَوَات الْعَظِيمَة الوقائع الشهيرة حضرها جم غفير من أهل الله تَعَالَى حَتَّى إِنَّهَا أشبه شَيْء بغزوة بدر حَدثنَا شَيخنَا أَبُو رَاشد يَعْقُوب البدري عَمَّن يَثِق بِهِ أَن الرجل من حاضري ذَلِك المعترك كَانَ يستبق إِلَى النَّصْرَانِي لينتهز فِيهِ الفرصة فَمَا يصله حَتَّى يجده مَيتا اه وَبحث فِي الْقَتْلَى عَن مُحَمَّد بن عبد الله المستصرخ بهم والقائد لَهُم إِلَى مصَارِعهمْ فَوجدَ غريقا فِي وَادي المخازن وَذَلِكَ أَنه لما رأى الْهَزِيمَة فر ناجيا بِنَفسِهِ واضطر إِلَى عبور النَّهر فتورط فِي غَدِير مِنْهُ وغرق فَمَاتَ فاستخرجه الغواصون وسلخ وَحشِي جلده تبنا وطيف بِهِ فِي مراكش وَغَيرهَا من الْبِلَاد وَمِمَّنْ وجد صَرِيعًا فِي الْقَتْلَى يَوْمئِذٍ الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَسْكَر السريفي الشفشاوني صَاحب الدوحة فَإِنَّهُ كَانَ هرب مَعَ المسلوخ وَكَانَ من بطانته فَدخل مَعَه بِلَاد الْعَدو فَوجدَ بَين جيف النَّصَارَى قَتِيلا وَتكلم النَّاس فِي أمره حَتَّى قيل إِنَّه وجد على شِمَاله مستدبر الْقبْلَة وَفِيه يَقُول الْفَقِيه الْعَلامَة أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن الإِمَام الشهير أبي مُحَمَّد عبد الله الهبطي ﵀ فِي منظومته الَّتِي نظم فِيهَا أَصْحَاب أَبِيه معتذرا عَن ابْن عَسْكَر الْمَذْكُور ومشيرا إِلَى توهين مَا قيل فِيهِ (وَمِنْهُم الشَّيْخ الَّذِي لَا يُنكر ... مُحَمَّد أَخُو الدهاء عَسْكَر)

стр. 942

(وَإِن يكن أَتَى بذنب ظَاهر ... فعرضه من الشكوك طَاهِر) (رَأَيْته فِي النّوم ذَا بشاره ... وهيئة حَسَنَة وشارة) وَكَانَ التقاء الجمعين يَوْم الِاثْنَيْنِ منسلخ جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَيُوَافِقهُ من التَّارِيخ المسيحي الْيَوْم الرَّابِع من أغشت سنة ثَمَان وَسبعين وَخمْس عشرَة مائَة قَالَ فِي الْمُنْتَقى وَكَانَ مِقْدَار زمَان الْمُقَاتلَة خمْسا وَأَرْبَعين دَرَجَة وَقيل اثْنَتَيْنِ وَخمسين على مَا حَدثنِي بِهِ بعض الميقاتيين وَقَالَ فِي الْمرْآة وَحصل الْمُسلمُونَ على غنيمَة لم يكن قطّ مثلهَا بالمغرب إِذْ لم يتَقَدَّم لِلنَّصَارَى خُرُوج بِهِ على هَذِه الصُّورَة إِلَّا أَن الْغَنِيمَة لم تقسم وَإِنَّمَا انتهبها النَّاس كَمَا اتّفق لَهُم بِحَسب الْقُوَّة وَالْبخْت الدنيوي وَكَانَ النَّاس يتوقعون مغبتها لاختلاط الْأَمْوَال بالحرام فَظهر ذَلِك من غلاء وَغَيره وَكُنَّا نسْمع أَن الْبركَة رفعت من الْأَمْوَال من يَوْمئِذٍ وَقد حضر الشَّيْخ أَبُو المحاسن هَذِه الْغَزْوَة وأبلى فِيهَا بلَاء حسنا وتورع عَن الْغَنِيمَة فَلم يتلبس مِنْهَا بِشَيْء وَبَلغت قيمَة النَّصْرَانِي مَا ذكره الشَّيْخ وَكَانَ سَبَب عدم ضبط الْغَنِيمَة وَقسمهَا على الْوَجْه الْمَشْرُوع موت السُّلْطَان أبي مَرْوَان قبل هزيمَة النَّصَارَى وَكَانَ مَرِيضا فاشتغل أَخُوهُ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بِجمع الْكَلِمَة وَلم يهتبل بِأَمْر الْغَنِيمَة فتم لَهُ مَا قصد وَقد سَاق منويل فِي تَارِيخه خبر هَذِه الْوَقْعَة مساقا حسنا فَقَالَ لما استولى عبد الْملك السَّعْدِيّ الْمَدْعُو عِنْد أهل الْمغرب بمولاي مُلُوك على ملك الْمغرب وطرد ابْن أَخِيه مولَايَ مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالأكحل يَعْنِي المسلوخ ذهب أَولا إِلَى إصبانيا وتطارح على طاغية الإصبنيول فيليب الثَّانِي فِي أَن يُعينهُ على استرجاع ملكه فَامْتنعَ ثمَّ دخل أشبونة وتطارح على طاغية البرتغال سبستيان فَأَجَابَهُ وَذهب إِلَى خَاله طاغية الإصبنيول فيليب الْمَذْكُور آنِفا وَطلب مِنْهُ الْإِعَانَة على مَا هُوَ بصدده فوعده بِأَن يُعْطِيهِ من المراكب والعساكر مَا يملك بِهِ العرائش لِأَنَّهُ كَانَ يرى أَنَّهَا تعدل سَائِر

стр. 943

مراسي الْمغرب ثمَّ أمده بِعشْرين ألفا من عَسْكَر الإصبنيول وَكَانَ سبستيان قد سَاق مَعَه اثْنَي عشر ألفا من البرتغال وَثَلَاثَة آلَاف من الطليان وَمثلهَا من الألمان وَمن متطوعة الإصبنيول وَغَيرهم عددا كثيرا وَبعث إِلَيْهِ البابا صَاحب رومة بأَرْبعَة آلَاف أُخْرَى وبألف وَخَمْسمِائة من الْخَيل واثني عشر مدفعا وَجمع سبستيان نَحْو ألف مركب وَجَاء إِلَى قادس وَلما عزم على اقتحام بِلَاد الْمغرب تشفعت إِلَيْهِ جدته وأرباب دولته وشيوخ دينه فِي الرُّجُوع فَصم عَنْهُم وَكَذَلِكَ خَاله فيليب حذره عَاقِبَة التوغل فِي أَرض الْمغرب فَصم على ذَلِك كُله وَجَاء إِلَى قادس وَمِنْهَا خرج إِلَى طنجة وَكَانَ مُحَمَّد بن عبد الله المسلوخ ينتظره هُنَالك فَاجْتمع بِهِ وزحفوا إِلَى بِلَاد الْمغرب وزحف إِلَيْهِم السُّلْطَان عبد الْملك فِي عَسَاكِر الْمُسلمين وَكَانُوا أَرْبَعِينَ ألفا وَزِيَادَة ومدافعهم أَرْبَعَة وَثَلَاثِينَ مدفعا وقواد الْجَيْش أَبُو عَليّ القوري وَالْحُسَيْن العلج الجنوي وَمُحَمّد أَبُو طيبَة وَعلي بن مُوسَى وَأَخُوهُ أَحْمد بن مُوسَى الَّذِي كَانَ عَاملا على العرائش فجَاء فِي جمعه إِلَى السُّلْطَان عبد الْملك وانضم إِلَيْهِ وَلما تقَارب الجيشان جمع السُّلْطَان عبد الْملك النَّاس وخطبهم ثمَّ استدعى النَّصَارَى إِلَى الْقِتَال وَنصب لَهُم علامته فأحجموا وَكَانَ قصدهم المطاولة وَقصد السُّلْطَان عبد الْملك المناجزة وَذَلِكَ لِأَن مُحَمَّد المسلوخ قد دس إِلَيْهِ من سمه قَالَ منويل وَلما أحس عبد الْملك بذلك وَأَنه لَا محَالة هَالك بذل نَفسه لِلْقِتَالِ ليَمُوت فِي الْجِهَاد وَكَانَ المسلوخ يتربص كي يهْلك عَمه قبل اللِّقَاء فَتَقَع الْفِتْنَة فِي عَسْكَر الْمُسلمين لَكِن جَيش النَّصَارَى لم تكن لَهُم مُؤنَة يطاولون بهَا فألجأهم ذَلِك إِلَى المناجزة وَلما انتشبت الْحَرْب هلك عبد الْملك للحين قَالَ منويل وَكَانَ أَمر هَذَا الرجل عجبا فِي الحزم والشجاعة حَتَّى أَنه لما مَاتَ مَاتَ وَهُوَ وَاضع سبابته على فَمه كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى جَيْشه أَن يسكتوا عَن الْخَوْض فِي وَفَاته حَتَّى يتم أَمرهم وَلَا يضطربوا وَكَذَلِكَ كَانَ فَإِنَّهُم كتموا مَوته فانتصروا وظفروا بالنصارى ظفرا لَا كفاء لَهُ فَكَانُوا يذبحونهم مثل

стр. 944

الكباش ودهش النَّصَارَى وتكبكبت جموعهم وتراكمت أمتعتهم وصناديقهم وخيلهم وسلاحهم بِلَا تَرْتِيب وَزَادَهُمْ دهشا أَن بعض طوابيرهم كَانَ يُنَادي صَاحب صفارته وراءكم وراءكم قطعكم الْعَدو ووقدت النَّار فِي بارود النَّصَارَى فنفط وانهزموا إِلَى وَادي المخازن فتهافت جلهم فِيهِ فهلكوا وَالْبَاقِي أسره الْمُسلمُونَ وَزعم أَن سبستيان هلك تَحْتَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم أَرْبَعَة أَفْرَاس وَكَانَ شَابًّا حَدثا وَقَالَ لأَصْحَابه إِن تروني تروني أمامكم وَإِن لم تروني فَأَنا فِي وسط الْعَدو أقَاتل عَنْكُم قَالَ وأبدأ وَأعَاد فِي ذَلِك الْيَوْم إِلَى أَن خر قَتِيلا وَبَقِي مَذْكُورا عِنْد البرتغال يسمرون بأخباره وَذكره شعراء الأوربا فِي أشعارهم وَلَا زَالُوا يذكرُونَهُ إِلَى الْآن وَخَلفه فِي ملكه الطاغية الريكي البرتغالي فَهُوَ الَّذِي ولي بعده وافتدى جنَازَته من الْمُسلمين ونقلها إِلَى سبتة فَبَقيت هُنَالك إِلَى أَن هلك الطاغية الريكي وَتَوَلَّى على البرتغال طاغية الإصبنيول فيليب الثَّانِي فَصَارَ ملك الدولتين مَعًا وَهُوَ خَال سبستيان أَخُو أمه فَنقل جنَازَته من سبتة إِلَى أشبونة ثمَّ أرخ منويل الْوَقْعَة بالتاريخ الْعَرَبِيّ والعجمي مُوَافقا لما مر فَهَذَا مَا ذكره فِي هَذِه الْوَقْعَة قَالَ فِي النزهة توفّي السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان عبد الْملك بن الشَّيْخ فِي زَوَال الْيَوْم الْمَذْكُور وَبَايع النَّاس أَخَاهُ أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور بِاللَّه كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله قَالَ فِي درة الحجال فَانْظُر لحكمة الله الْوَاحِد القهار أهلك ثَلَاثَة مُلُوك يَوْم وَاحِد وهم أَبُو مَرْوَان الشَّيْخ وَولد أَخِيه مُحَمَّد بن عبد الله المسلوخ والطاغية سبستيان وَأقَام وَاحِدًا وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس الْمَنْصُور اه قلت وَفِي إهلاك الثَّلَاثَة وَإِقَامَة الْوَاحِد إِشَارَة وَاضِحَة لإهلاك دين التَّثْلِيث وَنصر دين التَّوْحِيد فِي ذَلِك الْيَوْم وَالله تَعَالَى أعلم وَلما بلغت الْهَزِيمَة إِلَى الطاغية الْأَعْظَم أَعنِي الْقَائِم بِالْأَمر بعد سبستيان لِأَن التَّحْقِيق أَنه كَانَ الْأَعْظَم يَوْمئِذٍ لما مر بعث إِلَى الْمَنْصُور بعد استقلاله

стр. 945

بِالْملكِ وَعوده إِلَى فاس كَمَا سَيَأْتِي يلْتَمس مِنْهُ الْفِدَاء فِيمَن بَقِي بِيَدِهِ من الْأُسَارَى فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَحصل لَهُ بِسَبَبِهِ أَمْوَال طائلة وَذكر بَعضهم أَن الْأُسَارَى لما ذَهَبُوا إِلَى بِلَادهمْ قَالَ الطاغية لم لم تَأْخُذُوا تطاوين والعرائش وَالْقصر قبل أَن يصل ملكهم فَقَالُوا لَهُ امْتنع من ذَلِك الْأَمِير الَّذِي كَانَ علينا فَأمر بهم فأحرقوا جَمِيعًا مضحكة قَالَ فِي النزهة ذكر بَعضهم أَن النَّصَارَى لما وَقعت عَلَيْهِم الكائنة الْمَذْكُورَة وفنى من فنى مِنْهُم وَرَأى أساقفتهم قلَّة عَددهمْ وخلاء بِلَادهمْ لِكَثْرَة من مَاتَ مِنْهُم أباحوا للعامة فَاحِشَة الزِّنَى ليكْثر التناسل ويخلف مَا هلك مِنْهُم وَرَأَوا ذَلِك من نصْرَة دينهم وتقويم أود ملتهم أخزاهم الله اه وَقد وقفت على تَارِيخ لبَعض مؤرخي الفرنج الإنجليزيين من أهل جَزِيرَة مالطة فرأيته قد ألم بِخَبَر هَذِه الْوَقْعَة وَصرح بِأَنَّهَا كَانَت سَبَب هَلَاك البرتغال وتلاشي دولتهم وَبطلَان كرْسِي سلطنتهم حَتَّى استضافهم إِلَيْهِ طاغية الإصبنيول بعد نَحْو سنتَيْن وصيرهم من جملَة رَعيته وَمن فُصُول كَلَامه بعد أَن ذكر أَن أَكثر البرتغال قتلوا فِي ذَلِك الْيَوْم مَا نَصه وَكَانَت يَعْنِي الْوَقْعَة الْمَذْكُورَة وقْعَة هائلة وَيَوْما مشؤوما وَبِالْجُمْلَةِ فقد قتل فِي ذَلِك الْيَوْم سَائِر أَشْرَاف البرتكيسيين وَلم يتَخَلَّف مِنْهُم أحد فَلَمَّا بَطل كرْسِي سلطنتهم قَامَ وقتئذ فيليبس الثَّانِي ملك إصبانيا وَتزَوج ملكتهم وَحكم على الْبِلَاد كلهَا اه كَلَامه إِلَّا أَنه ذكر أَن السَّبَب فِي استغاثة السُّلْطَان مُحَمَّد بن عبد الله بالبرتغال هُوَ تغلب الإصبنيوليين على مَمْلَكَته وانتزاعها من يَده وَهُوَ كذب أَو غلط وَلَعَلَّه تصحف عَلَيْهِ لفظ الإصطنبوليين بالإصبنيوليين إِذْ قد تقدم أَن السُّلْطَان أَبَا مَرْوَان إِنَّمَا استولى على الْمغرب بِجَيْش التّرْك المنفذ من قبل السُّلْطَان سليم العثماني وَالله أعلم وَقد ألم بِهَذِهِ الْوَقْعَة أَيْضا لويز مَارِيَة فِي كِتَابه الْمَوْضُوع فِي أَخْبَار الجديدة لكنه لم يبسطها على عَادَته فِي السُّكُوت عَن مَا يكون من الظُّهُور فِي جَانب الْمُسلمين وإشاعة مَا يكون من ذَلِك فِي جَانب النَّصَارَى بل

стр. 946

وَالزِّيَادَة فِيهِ وَمَعَ ذَلِك فقد قَالَ فِي وصفهَا كلَاما هَذِه تَرْجَمته وَقد كَانَ مخبوءا لنا فِي مُسْتَقْبل الْأَعْصَار الْعَصْر الَّذِي لَو وَصفته كَمَا وَصفه غَيْرِي من المؤرخين لَقلت هُوَ الْعَصْر النحس الْبَالِغ فِي النحوسة الَّذِي انْتَهَت فِيهِ مُدَّة الصولة وَالظفر والنجاح وَانْقَضَت فِيهِ أَيَّام الْعِنَايَة من البرتغال وانطفأ مصباحهم بَين الْأَجْنَاس وَزَالَ رونقهم وَذَهَبت النخوة وَالْقُوَّة مِنْهُم وَخَلفهَا الفشل وَانْقطع الرَّجَاء واضمحل إبان الْغنى وَالرِّبْح وَذَلِكَ هُوَ الْعَصْر الَّذِي هلك فِيهِ سبستيان فِي الْقصر الْكَبِير من بِلَاد الْمغرب اه فَهَذَا كَلَام هَذَا البرتغالي قد تحفظت عَلَيْهِ وَأديت تَرْجَمته كَمَا هِيَ ليعتبر بِهِ من يقف عَلَيْهِ وَالْحق مَا شهِدت بِهِ الْأَعْدَاء وَلما تمت للسُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الْمَنْصُور الْبيعَة بوادي المخازن طَالبه الْجَيْش بأرزاقهم واستنجزوا أعطياتهم حَسْبَمَا جرت بِهِ عَادَة من قبله مَعَهم فطالبهم هُوَ بِخمْس الْغَنِيمَة لأَنهم جعلوها نهبى وَلم يقتسموها على الْوَجْه الشَّرْعِيّ كَمَا سبق فصعب استخراجها مِنْهُم لعدم التَّعْيِين وجرأة النَّاس على الْغلُول فسامحهم فِيهَا وسامحوه فِي عطائهم ثمَّ أَمر الْمَنْصُور بتوجيه كتب البشارات إِلَى الْآفَاق بِهَذَا الْفَتْح الْمُبين فَكتب إِلَى صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى وَإِلَى سَائِر ممالك الْإِسْلَام المجاورين للمغرب يعرفهُمْ بِمَا أنعم الله بِهِ من إِظْهَار الدّين وهلاك عَبدة الصَّلِيب واستئصال شوكتهم ورد كيدهم فِي نحرهم فوردت عَلَيْهِ الأرسال من سَائِر الأقطار مهنئين لَهُ بِمَا فتح الله على يَده حَسْبَمَا نذكرهُ بعد إِن شَاءَ الله بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان أبي مَرْوَان وَسيرَته قَالَ ابْن القَاضِي كَانَ سَبَب وَفَاة السُّلْطَان أبي مَرْوَان ﵀ أَنه سقِِي سما وَذَلِكَ أَن قَائِد التّرْك الَّذين كَانُوا مَعَه واسْمه رَمَضَان العلج بعث إِلَى بعض قواده أَن يتلقاه بكعك مَسْمُوم هَدِيَّة للسُّلْطَان الْمَذْكُور وَقت مرورهم عَلَيْهِ وَقصد بذلك قَتله وَذَلِكَ بعد أَخذه بِهِ مَدِينَة فاس ليثبت لَهُم الْملك بهَا فَلم يكمل الله مُرَادهم لما شهدوه من عَظِيم جَيش الْمغرب فَهَذَا كَانَ سَبَب فِي مَوته ﵀ اه وَلما توفّي حمل إِلَى مراكش فقبر بهَا وَكَانَت مُدَّة

стр. 947

خِلَافَته أَربع سِنِين وَمن حجابه الْقَائِد رضوَان العلج وَكتابه مُحَمَّد بن عِيسَى وَمُحَمّد بن عمر الشاوي وقضاته قُضَاة ولد أَخِيه وَكَانَ يتزيا بزِي التّرْك وَيجْرِي مجراهم فِي كثير من شؤونه وَكَانَ يتهم بالميل إِلَى الْأَحْدَاث وَرُبمَا كَانَ يظْهر ذَلِك وَكَانَ أَخُوهُ أَبُو الْعَبَّاس الْمَنْصُور خَلِيفَته على فاس كَمَا مر وَكَانَت لَهُ فِيهِ محبَّة تَامَّة وَكَانَ يظْهر أَنه ولي عَهده ويرشحه لذَلِك كثيرا حَسْبَمَا أفصحت عَنهُ رسائله الَّتِي كَانَ يبْعَث بهَا إِلَيْهِ ولنذكر مَا كَانَ فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث فَفِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَتِسْعمِائَة كَانَ الوباء بالمغرب كَمَا قدمنَا وَفِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة نزل مطر غزير بمراكش حَتَّى امْتَلَأت مِنْهُ الْآبَار وتهدمت الدّور وَصَارَ النَّاس يؤرخون بعام الْآبَار وَفِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن ساسي من أَوْلَاد أبي السبَاع وَدفن بزاويته على ضفة وَادي تانسيفت من أَعمال مراكش وقبره مزارة مَشْهُورَة وَعَلِيهِ بِنَاء حفيل وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد عبد الله ابْن مُحَمَّد الصنهاجي الطنجي الْمَعْرُوف بالهبطي وَكَانَت وَفَاته فِي ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ ﵀ من أهل الْوَرع وَالدّين والاتباع للسّنة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَمن فَوَائده مَا حَكَاهُ عَنهُ فِي الدوحة قَالَ سَأَلت شَيخنَا الإِمَام أَبَا مُحَمَّد عبد الله الهبطي عَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الغزواني وَكَانَ من أَصْحَابه فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي مَا لسَائِر الْمَشَايِخ من أَصْحَاب الشَّيْخ الغزواني كَأبي الْحجَّاج التليدي وَأبي الْبَقَاء اليالصوتي وَأبي الْحسن عَليّ بن عُثْمَان وَغَيرهم يصرحون بقبطانية الشَّيْخ وينسبونك أَنْت إِلَى التَّقْصِير فِي حَقه حَيْثُ لم تقل بِمَا يَقُولُونَهُ فَقَالَ لي ﵁ قد علمت معنى الشَّهَادَة فِي الشَّرْع مَا هِيَ فَقلت نعم فَقَالَ لي كَيفَ لي أَن أشهد لأحد بمقام معِين وَأَنا لم أسلكه وَلم أتحققه وَلم يكْشف لي عَنهُ فَإِن فعلت فقد شهِدت شَهَادَة الزُّور فَقلت لَهُ وَأي شَهَادَة تشهد فِي الشَّيْخ

стр. 948

فَقَالَ لي أشهد أَنه من العارفين بِاللَّه تَعَالَى وَأَنه كَانَ يُجيب بِالْحَال أَكثر مِمَّا يُجيب بالمقال انْتهى قلت وَهَذَا شَأْن أهل الدّين والورع المحتاطين لدينهم لَا يقدمُونَ على أَمر وَلَا يتفوهون بِهِ حَتَّى يَكُونُوا مِنْهُ على بَصِيرَة وتجد كثيرا مِمَّن عقله وَرَاء لِسَانه يتقولون على الله فِي غيبه ويخبطون خبط العشواء وينسبون المقامات وَالْأَحْوَال لمن لَيْسَ مِنْهَا فِي قبيل وَلَا دبير نسْأَل الله تَعَالَى أَن يلهمنا رشدنا بمنه وَفِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن وَالْعِشْرين من رَمَضَان مِنْهَا كسفت الشَّمْس الْكُسُوف الْكُلِّي الْعَظِيم وَفِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة كَانَ بالمغرب وباء عَظِيم كسا سهله وجباله وأفنى كماته وأبطاله واتصل أمره إِلَى سنة سِتّ وَسِتِّينَ بعْدهَا وَفِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى الْجُزُولِيّ ثمَّ السملالي الشهير بِبِلَاد السوس أَخذ عَن الشَّيْخ أبي فَارس عبد الْعَزِيز التباع وَالشَّيْخ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن يُوسُف الرَّاشِدِي ثمَّ الملياني وَفِي سنة سِتّ وَسبعين وَتِسْعمِائَة لَيْلَة عبد الْأَضْحَى مِنْهَا توفّي الشَّيْخ أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن عياد الصنهاجي ثمَّ الْفَرَجِيِّ الدكالي الْمَعْرُوف بالمجذوب الْوَلِيّ الْمَشْهُور دَفِين مكناسة الزَّيْتُون كَانَ مأوى سلفه بِمَدِينَة تيط قرب آزمور ثمَّ رَحل هُوَ ووالده إِلَى مكناسة فَمَاتَ بهَا وَفِي سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة بعد صَلَاة الْجُمُعَة من أول يَوْم من الْمحرم مِنْهَا زلزلت الأَرْض زلزالا شَدِيدا وفزع النَّاس لذَلِك وَفِي هَذِه السّنة فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من ربيع الأول مِنْهَا توفّي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن حُسَيْن من شرفاء بني آمغار دَفِين تامصلوحت وَقد تقدم مَا جرى بَينه وَبَين السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه وَفِي سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَذَلِكَ أَوَاخِر شَوَّال مِنْهَا الْمُوَافق لأواسط مارس العجمي حدث بالمغرب جَراد كثير وَفِي أَيَّام السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه ظهر نجم لم يكن معهودا ثمَّ ظَهرت فِي أَيَّام ابْنه مُحَمَّد بن عبد الله أَعْلَام حمر فِي الجو من النَّاحِيَة الشرقية تبعتها فِي الأَرْض أجناد التّرْك الَّتِي

стр. 949

جَاءَ بهَا السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان من الجزائر كَمَا مر وَفِي أَيَّام السُّلْطَان أبي مَرْوَان الْمَذْكُور ظهر الْكَوْكَب ذُو الذَّنب الْكَبِير فِي برج الْعَقْرَب وطلع أَيَّامًا ثمَّ غَابَ وَظهر بعده كَوْكَب آخر ذُو ذَنْب أَصْغَر مِنْهُ وعَلى أَثَره كَانَ خُرُوج البرتغال من طنجة ووقعة وَادي المخازن كَمَا مر وَالله تَعَالَى أعلم بغيبه الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور بِاللَّه السَّعْدِيّ الْمَعْرُوف بالذهبي وأوليته ونشأته كَانَت ولادَة السُّلْطَان أَبى الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور بِاللَّه ابْن السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ بفاس سنة سِتّ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَأمه الْحرَّة مسعودة بنت الشَّيْخ الْأَجَل أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله الوزكيتي الوارززاتي وَكَانَت من الصَّالِحَات الْخيرَات وَسَتَأْتِي بَقِيَّة أَخْبَارهَا وَذكر فِي الْمُنْتَقى قَالَ مرض الْمَنْصُور فِي صغره مَرضا شَدِيدا حَتَّى أيس مِنْهُ فرأت أمه فِي النّوم شخصا يَقُول لَهَا أزيريه الشَّيْخ أَبَا مَيْمُونَة فَإِنَّمَا أَصَابَته عين فأزارته إِيَّاه فَعُوفِيَ وَكَانَ أَبوهُ الْمهْدي يُنَبه على أَنه وَاسِطَة عقد أَوْلَاده قَالَ فِي مناهل الصَّفَا حَدثنِي الشَّيْخ المسن الْقَائِد أَبُو مُحَمَّد مُؤمن ابْن الْغَازِي الْعمريّ أَن الْمَنْصُور أقبل يَوْمًا فِي حَيَاة أَبِيه وَهُوَ صبي والمجلس غاص بالأكابر فَانْدفع يخترق الصُّفُوف قَالَ فصاح بِي الْمهْدي إِذْ ذَاك وَأَنا أَصْغَر الْقَوْم فَقَالَ يَا مُؤمن ارفعه فيسنفعك أَو ينفع عقبك فابتدرت حمله وَكَانَ كَذَلِك فَإِن الْمَنْصُور لما أفضت إِلَيْهِ الْخلَافَة كَانَ الْقَائِد مُؤمن ابْن الْغَازِي عِنْده بالحظوة الرفيعة والمنزلة الْعَالِيَة وَنَشَأ الْمَنْصُور ﵀ فِي عفاف وصيانة وتعاط للْعلم ومثافنة لأَهله عَلَيْهِ وَكَانَت مخايل الْخلَافَة لائحة عَلَيْهِ من لدن عقدت عَلَيْهِ التمائم إِلَى أَن تمّ أمره حَدثنَا الْفَقِيه الْعَالم سفير الْخُلَفَاء أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن

стр. 950

مُحَمَّد بن عَليّ الْجُزُولِيّ الدرعي أَنه اجْتمع بِبَعْض أهل المكاشفة بِمصْر فَسَأَلَهُ عَن السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ وَأَوْلَاده قَالَ فسميتهم لَهُ واقتصرت على الْكِبَار مِنْهُم فَلم أذكر الْمَنْصُور لِأَنَّهُ كَانَ أَصْغَرهم سنا يَوْمئِذٍ فَقَالَ لي بَقِي مِنْهُم من لم تذكره فَقلت لَهُ احْمَد فَقَالَ ذَاك وَاسِطَة عقدهم وَوجه صفقتهم فَكَانَ كَذَلِك وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز الفشتالي لما أَخذ الْمهْدي الْبيعَة لوَلَده السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه كَمَا تقدم استقدمه من فاس وأوصاه بالمنصور جدا وَقَالَ لَهُ إِن الْفَائِدَة فِيهِ أَو كَمَا قَالَ وَهَكَذَا كَانَ يُنَبه على أَنه وَاسِطَة عقد أَوْلَاده وَكَانَ الْمَنْصُور ﵀ يحدث أَنه رأى النَّبِي ﷺ فِي النّوم وأنواره تشرق قَالَ فَوَقع فِي نَفسِي أَن أسأله عَن نَصِيبي من الْخلَافَة فكاشفني ﷺ بِمَا فِي خاطري وأجابني بِمَا حقق لي نيلها ثمَّ أَشَارَ لي بأصابعه الثَّلَاثَة الشَّرِيفَة ضاما الْإِبْهَام مِنْهَا إِلَى السبابَة وَالْوُسْطَى وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ اه وَقَالَ الإِمَام أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد التامنارتي فِي كِتَابه الْفَوَائِد الجمة بِإِسْنَاد عُلُوم الْأمة أَخْبرنِي الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله الدغوغي صَاحب الْحِسْبَة بتارودانت أَنه رأى فِي مَنَامه كَأَنَّهُ فِي حَلقَة يسْرد فِيهَا صَحِيح البُخَارِيّ بِموضع من دَار الْخلَافَة بهَا وَأَبُو الْعَبَّاس الْمَنْصُور يَوْمئِذٍ بهَا وَذَلِكَ قبل ولَايَته قَالَ فَرَأَيْت فِي طرة الْكتاب هَذَا اللَّفْظ ورى الزند فَكنت أتأمل مَعْنَاهُ فَالْتَفت فَإِذا بِرَجُل انْعَزل نَاحيَة على طنفسة فَوَقع فِي نَفسِي أَن أسأله فَأَتَيْته بِالْكتاب وَقلت لَهُ يَا سَيِّدي مَا معنى هَذِه الْكَلِمَة الَّتِي فِي طرة هَذَا الْكتاب فَقَالَ لي قل لمولاك أَحْمد أَنا الَّذِي أوريت زندك مَا دمت على الْحق فَإِن عدلت عَنهُ فَأَنا بَرِيء مِنْك فَقلت لَهُ وَمن أَنْت يَا سَيِّدي فَقَالَ لي رَسُول الله ﷺ لم يمض إِلَّا قَلِيل حَتَّى ولي الْخلَافَة وحمدت سيرته قَالَ أَبُو زيد وناهيك بزند أوراه النَّبِي ﷺ وَهَذَا يدل على أَن ولَايَة الْإِسْلَام لَا تَنْعَقِد إِلَّا بِأَمْر النَّبِي ﷺ وَقد اشتهرت الْمرَائِي بذلك
следующие страницы →