Полный текст (1 747 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
وَالزِّيَادَة فِيهِ وَمَعَ ذَلِك فقد قَالَ فِي وصفهَا كلَاما هَذِه تَرْجَمته وَقد كَانَ مخبوءا لنا فِي مُسْتَقْبل الْأَعْصَار الْعَصْر الَّذِي لَو وَصفته كَمَا وَصفه غَيْرِي من المؤرخين لَقلت هُوَ الْعَصْر النحس الْبَالِغ فِي النحوسة الَّذِي انْتَهَت فِيهِ مُدَّة الصولة وَالظفر والنجاح وَانْقَضَت فِيهِ أَيَّام الْعِنَايَة من البرتغال وانطفأ مصباحهم بَين الْأَجْنَاس وَزَالَ رونقهم وَذَهَبت النخوة وَالْقُوَّة مِنْهُم وَخَلفهَا الفشل وَانْقطع الرَّجَاء واضمحل إبان الْغنى وَالرِّبْح وَذَلِكَ هُوَ الْعَصْر الَّذِي هلك فِيهِ سبستيان فِي الْقصر الْكَبِير من بِلَاد الْمغرب اه فَهَذَا كَلَام هَذَا البرتغالي قد تحفظت عَلَيْهِ وَأديت تَرْجَمته كَمَا هِيَ ليعتبر بِهِ من يقف عَلَيْهِ وَالْحق مَا شهِدت بِهِ الْأَعْدَاء
وَلما تمت للسُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الْمَنْصُور الْبيعَة بوادي المخازن طَالبه الْجَيْش بأرزاقهم واستنجزوا أعطياتهم حَسْبَمَا جرت بِهِ عَادَة من قبله مَعَهم فطالبهم هُوَ بِخمْس الْغَنِيمَة لأَنهم جعلوها نهبى وَلم يقتسموها على الْوَجْه الشَّرْعِيّ كَمَا سبق فصعب استخراجها مِنْهُم لعدم التَّعْيِين وجرأة النَّاس على الْغلُول فسامحهم فِيهَا وسامحوه فِي عطائهم
ثمَّ أَمر الْمَنْصُور بتوجيه كتب البشارات إِلَى الْآفَاق بِهَذَا الْفَتْح الْمُبين فَكتب إِلَى صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى وَإِلَى سَائِر ممالك الْإِسْلَام المجاورين للمغرب يعرفهُمْ بِمَا أنعم الله بِهِ من إِظْهَار الدّين وهلاك عَبدة الصَّلِيب واستئصال شوكتهم ورد كيدهم فِي نحرهم فوردت عَلَيْهِ الأرسال من سَائِر الأقطار مهنئين لَهُ بِمَا فتح الله على يَده حَسْبَمَا نذكرهُ بعد إِن شَاءَ الله
بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان أبي مَرْوَان وَسيرَته
قَالَ ابْن القَاضِي كَانَ سَبَب وَفَاة السُّلْطَان أبي مَرْوَان ﵀ أَنه سقِِي سما وَذَلِكَ أَن قَائِد التّرْك الَّذين كَانُوا مَعَه واسْمه رَمَضَان العلج بعث إِلَى بعض قواده أَن يتلقاه بكعك مَسْمُوم هَدِيَّة للسُّلْطَان الْمَذْكُور وَقت مرورهم عَلَيْهِ وَقصد بذلك قَتله وَذَلِكَ بعد أَخذه بِهِ مَدِينَة فاس ليثبت لَهُم الْملك بهَا فَلم يكمل الله مُرَادهم لما شهدوه من عَظِيم جَيش الْمغرب فَهَذَا كَانَ سَبَب فِي مَوته ﵀ اه وَلما توفّي حمل إِلَى مراكش فقبر بهَا وَكَانَت مُدَّة
стр. 947
خِلَافَته أَربع سِنِين وَمن حجابه الْقَائِد رضوَان العلج وَكتابه مُحَمَّد بن عِيسَى وَمُحَمّد بن عمر الشاوي وقضاته قُضَاة ولد أَخِيه
وَكَانَ يتزيا بزِي التّرْك وَيجْرِي مجراهم فِي كثير من شؤونه وَكَانَ يتهم بالميل إِلَى الْأَحْدَاث وَرُبمَا كَانَ يظْهر ذَلِك وَكَانَ أَخُوهُ أَبُو الْعَبَّاس الْمَنْصُور خَلِيفَته على فاس كَمَا مر وَكَانَت لَهُ فِيهِ محبَّة تَامَّة وَكَانَ يظْهر أَنه ولي عَهده ويرشحه لذَلِك كثيرا حَسْبَمَا أفصحت عَنهُ رسائله الَّتِي كَانَ يبْعَث بهَا إِلَيْهِ
ولنذكر مَا كَانَ فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث
فَفِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَتِسْعمِائَة كَانَ الوباء بالمغرب كَمَا قدمنَا
وَفِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة نزل مطر غزير بمراكش حَتَّى امْتَلَأت مِنْهُ الْآبَار وتهدمت الدّور وَصَارَ النَّاس يؤرخون بعام الْآبَار
وَفِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن ساسي من أَوْلَاد أبي السبَاع وَدفن بزاويته على ضفة وَادي تانسيفت من أَعمال مراكش وقبره مزارة مَشْهُورَة وَعَلِيهِ بِنَاء حفيل
وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد عبد الله ابْن مُحَمَّد الصنهاجي الطنجي الْمَعْرُوف بالهبطي وَكَانَت وَفَاته فِي ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ ﵀ من أهل الْوَرع وَالدّين والاتباع للسّنة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَمن فَوَائده مَا حَكَاهُ عَنهُ فِي الدوحة قَالَ سَأَلت شَيخنَا الإِمَام أَبَا مُحَمَّد عبد الله الهبطي عَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الغزواني وَكَانَ من أَصْحَابه فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي مَا لسَائِر الْمَشَايِخ من أَصْحَاب الشَّيْخ الغزواني كَأبي الْحجَّاج التليدي وَأبي الْبَقَاء اليالصوتي وَأبي الْحسن عَليّ بن عُثْمَان وَغَيرهم يصرحون بقبطانية الشَّيْخ وينسبونك أَنْت إِلَى التَّقْصِير فِي حَقه حَيْثُ لم تقل بِمَا يَقُولُونَهُ فَقَالَ لي ﵁ قد علمت معنى الشَّهَادَة فِي الشَّرْع مَا هِيَ فَقلت نعم فَقَالَ لي كَيفَ لي أَن أشهد لأحد بمقام معِين وَأَنا لم أسلكه وَلم أتحققه وَلم يكْشف لي عَنهُ فَإِن فعلت فقد شهِدت شَهَادَة الزُّور فَقلت لَهُ وَأي شَهَادَة تشهد فِي الشَّيْخ
стр. 948
فَقَالَ لي أشهد أَنه من العارفين بِاللَّه تَعَالَى وَأَنه كَانَ يُجيب بِالْحَال أَكثر مِمَّا يُجيب بالمقال انْتهى قلت وَهَذَا شَأْن أهل الدّين والورع المحتاطين لدينهم لَا يقدمُونَ على أَمر وَلَا يتفوهون بِهِ حَتَّى يَكُونُوا مِنْهُ على بَصِيرَة وتجد كثيرا مِمَّن عقله وَرَاء لِسَانه يتقولون على الله فِي غيبه ويخبطون خبط العشواء وينسبون المقامات وَالْأَحْوَال لمن لَيْسَ مِنْهَا فِي قبيل وَلَا دبير نسْأَل الله تَعَالَى أَن يلهمنا رشدنا بمنه
وَفِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن وَالْعِشْرين من رَمَضَان مِنْهَا كسفت الشَّمْس الْكُسُوف الْكُلِّي الْعَظِيم
وَفِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة كَانَ بالمغرب وباء عَظِيم كسا سهله وجباله وأفنى كماته وأبطاله واتصل أمره إِلَى سنة سِتّ وَسِتِّينَ بعْدهَا
وَفِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى الْجُزُولِيّ ثمَّ السملالي الشهير بِبِلَاد السوس أَخذ عَن الشَّيْخ أبي فَارس عبد الْعَزِيز التباع وَالشَّيْخ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن يُوسُف الرَّاشِدِي ثمَّ الملياني
وَفِي سنة سِتّ وَسبعين وَتِسْعمِائَة لَيْلَة عبد الْأَضْحَى مِنْهَا توفّي الشَّيْخ أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن عياد الصنهاجي ثمَّ الْفَرَجِيِّ الدكالي الْمَعْرُوف بالمجذوب الْوَلِيّ الْمَشْهُور دَفِين مكناسة الزَّيْتُون كَانَ مأوى سلفه بِمَدِينَة تيط قرب آزمور ثمَّ رَحل هُوَ ووالده إِلَى مكناسة فَمَاتَ بهَا
وَفِي سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة بعد صَلَاة الْجُمُعَة من أول يَوْم من الْمحرم مِنْهَا زلزلت الأَرْض زلزالا شَدِيدا وفزع النَّاس لذَلِك وَفِي هَذِه السّنة فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من ربيع الأول مِنْهَا توفّي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن حُسَيْن من شرفاء بني آمغار دَفِين تامصلوحت وَقد تقدم مَا جرى بَينه وَبَين السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه
وَفِي سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَذَلِكَ أَوَاخِر شَوَّال مِنْهَا الْمُوَافق لأواسط مارس العجمي حدث بالمغرب جَراد كثير وَفِي أَيَّام السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه ظهر نجم لم يكن معهودا ثمَّ ظَهرت فِي أَيَّام ابْنه مُحَمَّد بن عبد الله أَعْلَام حمر فِي الجو من النَّاحِيَة الشرقية تبعتها فِي الأَرْض أجناد التّرْك الَّتِي
стр. 949
جَاءَ بهَا السُّلْطَان أَبُو مَرْوَان من الجزائر كَمَا مر وَفِي أَيَّام السُّلْطَان أبي مَرْوَان الْمَذْكُور ظهر الْكَوْكَب ذُو الذَّنب الْكَبِير فِي برج الْعَقْرَب وطلع أَيَّامًا ثمَّ غَابَ وَظهر بعده كَوْكَب آخر ذُو ذَنْب أَصْغَر مِنْهُ وعَلى أَثَره كَانَ خُرُوج البرتغال من طنجة ووقعة وَادي المخازن كَمَا مر وَالله تَعَالَى أعلم بغيبه
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور بِاللَّه السَّعْدِيّ الْمَعْرُوف بالذهبي وأوليته ونشأته
كَانَت ولادَة السُّلْطَان أَبى الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور بِاللَّه ابْن السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ بفاس سنة سِتّ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَأمه الْحرَّة مسعودة بنت الشَّيْخ الْأَجَل أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله الوزكيتي الوارززاتي وَكَانَت من الصَّالِحَات الْخيرَات وَسَتَأْتِي بَقِيَّة أَخْبَارهَا
وَذكر فِي الْمُنْتَقى قَالَ مرض الْمَنْصُور فِي صغره مَرضا شَدِيدا حَتَّى أيس مِنْهُ فرأت أمه فِي النّوم شخصا يَقُول لَهَا أزيريه الشَّيْخ أَبَا مَيْمُونَة فَإِنَّمَا أَصَابَته عين فأزارته إِيَّاه فَعُوفِيَ وَكَانَ أَبوهُ الْمهْدي يُنَبه على أَنه وَاسِطَة عقد أَوْلَاده
قَالَ فِي مناهل الصَّفَا حَدثنِي الشَّيْخ المسن الْقَائِد أَبُو مُحَمَّد مُؤمن ابْن الْغَازِي الْعمريّ أَن الْمَنْصُور أقبل يَوْمًا فِي حَيَاة أَبِيه وَهُوَ صبي والمجلس غاص بالأكابر فَانْدفع يخترق الصُّفُوف قَالَ فصاح بِي الْمهْدي إِذْ ذَاك وَأَنا أَصْغَر الْقَوْم فَقَالَ يَا مُؤمن ارفعه فيسنفعك أَو ينفع عقبك فابتدرت حمله وَكَانَ كَذَلِك فَإِن الْمَنْصُور لما أفضت إِلَيْهِ الْخلَافَة كَانَ الْقَائِد مُؤمن ابْن الْغَازِي عِنْده بالحظوة الرفيعة والمنزلة الْعَالِيَة
وَنَشَأ الْمَنْصُور ﵀ فِي عفاف وصيانة وتعاط للْعلم ومثافنة لأَهله عَلَيْهِ وَكَانَت مخايل الْخلَافَة لائحة عَلَيْهِ من لدن عقدت عَلَيْهِ التمائم إِلَى أَن تمّ أمره حَدثنَا الْفَقِيه الْعَالم سفير الْخُلَفَاء أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن
стр. 950
مُحَمَّد بن عَليّ الْجُزُولِيّ الدرعي أَنه اجْتمع بِبَعْض أهل المكاشفة بِمصْر فَسَأَلَهُ عَن السُّلْطَان أبي عبد الله الشَّيْخ وَأَوْلَاده قَالَ فسميتهم لَهُ واقتصرت على الْكِبَار مِنْهُم فَلم أذكر الْمَنْصُور لِأَنَّهُ كَانَ أَصْغَرهم سنا يَوْمئِذٍ فَقَالَ لي بَقِي مِنْهُم من لم تذكره فَقلت لَهُ احْمَد فَقَالَ ذَاك وَاسِطَة عقدهم وَوجه صفقتهم فَكَانَ كَذَلِك
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز الفشتالي لما أَخذ الْمهْدي الْبيعَة لوَلَده السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه كَمَا تقدم استقدمه من فاس وأوصاه بالمنصور جدا وَقَالَ لَهُ إِن الْفَائِدَة فِيهِ أَو كَمَا قَالَ وَهَكَذَا كَانَ يُنَبه على أَنه وَاسِطَة عقد أَوْلَاده وَكَانَ الْمَنْصُور ﵀ يحدث أَنه رأى النَّبِي ﷺ فِي النّوم وأنواره تشرق قَالَ فَوَقع فِي نَفسِي أَن أسأله عَن نَصِيبي من الْخلَافَة فكاشفني ﷺ بِمَا فِي خاطري وأجابني بِمَا حقق لي نيلها ثمَّ أَشَارَ لي بأصابعه الثَّلَاثَة الشَّرِيفَة ضاما الْإِبْهَام مِنْهَا إِلَى السبابَة وَالْوُسْطَى وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ اه
وَقَالَ الإِمَام أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد التامنارتي فِي كِتَابه الْفَوَائِد الجمة بِإِسْنَاد عُلُوم الْأمة أَخْبرنِي الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله الدغوغي صَاحب الْحِسْبَة بتارودانت أَنه رأى فِي مَنَامه كَأَنَّهُ فِي حَلقَة يسْرد فِيهَا صَحِيح البُخَارِيّ بِموضع من دَار الْخلَافَة بهَا وَأَبُو الْعَبَّاس الْمَنْصُور يَوْمئِذٍ بهَا وَذَلِكَ قبل ولَايَته قَالَ فَرَأَيْت فِي طرة الْكتاب هَذَا اللَّفْظ ورى الزند فَكنت أتأمل مَعْنَاهُ فَالْتَفت فَإِذا بِرَجُل انْعَزل نَاحيَة على طنفسة فَوَقع فِي نَفسِي أَن أسأله فَأَتَيْته بِالْكتاب وَقلت لَهُ يَا سَيِّدي مَا معنى هَذِه الْكَلِمَة الَّتِي فِي طرة هَذَا الْكتاب فَقَالَ لي قل لمولاك أَحْمد أَنا الَّذِي أوريت زندك مَا دمت على الْحق فَإِن عدلت عَنهُ فَأَنا بَرِيء مِنْك فَقلت لَهُ وَمن أَنْت يَا سَيِّدي فَقَالَ لي رَسُول الله ﷺ لم يمض إِلَّا قَلِيل حَتَّى ولي الْخلَافَة وحمدت سيرته قَالَ أَبُو زيد وناهيك بزند أوراه النَّبِي ﷺ وَهَذَا يدل على أَن ولَايَة الْإِسْلَام لَا تَنْعَقِد إِلَّا بِأَمْر النَّبِي ﷺ وَقد اشتهرت الْمرَائِي بذلك
стр. 951
وَيقرب من هَذَا مَا ذكره صَاحب ابتهاج الْقُلُوب فِي مَنَاقِب الشَّيْخ المجذوب أَن الشَّيْخ الصَّالح أَبَا عبد الله الملقب بكدار ابْن الشَّيْخ أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن علال الْمَالِكِي البوخصيبي رأى النَّبِي ﷺ يَوْم فَشَكا إِلَيْهِ أَوْلَاد مُطَاع لما رَآهُمْ عَلَيْهِ من الْفساد فِي الأَرْض فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ يَأْتِيهم أَحْمد فَكَانَ كَذَلِك أَتَاهُم عقب ذَلِك السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الْمَنْصُور فَأَخذهُم وفل جمعهم اه وأخبار الْمَنْصُور من هَذَا النمط كَثِيرَة
وَكَانَ ﵀ طَوِيل الْقَامَة ممتلئ الْخَدين وَاسع الْمَنْكِبَيْنِ تعلوه صفرَة رقيقَة أسود الشّعْر أدعج أكحل ضيق البلج براق الثنايا حسن الشكل جميل الْوَجْه ظريف المنزع لطيف الشَّمَائِل
وَكَانَت بيعَته بعد الْفَرَاغ من قتال النَّصَارَى بوادي المخازن يَوْم الِاثْنَيْنِ منسلخ جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَاجْتمعَ عَلَيْهَا من حضر هُنَاكَ من أهل الْحل وَالْعقد ثمَّ لما قفل الْمَنْصُور من غزوته تِلْكَ وَدخل حَضْرَة فاس يَوْم الْخَمِيس عَاشر جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة جددت لَهُ الْبيعَة بهَا وَوَافَقَ عَلَيْهَا من لم يحضرها يَوْم وَادي المخازن ثمَّ بعث إِلَى مراكش وَغَيرهَا من حواضر الْمغرب وبواديه فأذعن الْكل للطاعة وسارعوا إِلَى الدُّخُول فِيمَا دخلت فِيهِ الْجَمَاعَة
قَالَ الفشتالي لما كَانَت وقْعَة وَادي المخازن وَنصر الله دينه وكبت الْكفْر وَأَهله واستوسق الْأَمر للمنصور كتب إِلَى صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى وَهُوَ يَوْمئِذٍ السُّلْطَان مُرَاد بن سليم العثماني وَإِلَى سَائِر ممالك الْإِسْلَام المجاورين للمغرب يعرفهُمْ بِمَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ من إِظْهَار الدّين وهلاك عَبدة الصَّلِيب واستئصال شأفتهم فوردت عَلَيْهِ الأرسال من سَائِر الأقطار مهنئين لَهُ بِمَا فتح الله على يَده وَكَانَ أول من وَفد عَلَيْهِ رَسُول صَاحب الجزائر ثمَّ تلته أرسال طاغية البرتغال وَهُوَ الريكي الْقَائِم بأمرهم بعد هَلَاك سبستيان وَلَيْسَ خَاله وَإِنَّمَا خَاله طاغية الإصبنيول فيليب الثَّانِي الَّذِي جمع المملكتين مَعًا بعد هَلَاك الريكي الْمَذْكُور وَبعد وقْعَة وَادي المخازن بِثَلَاث سِنِين فقدموا بهدية عَظِيمَة وضعوها يَوْم دُخُولهمْ إِلَى فاس على الكراريص والعجل فَعجب النَّاس مِنْهَا
стр. 952
عجبا بليغا وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْمًا مشهودا وَكَانَ من جملَة مَا فِيهَا ثَلَاثمِائَة ألف دكات من ريال الْفضة وَأما الطّرف النفيسة والأثاث الرفيع فشيء لَا يُحْصى ثمَّ وَردت أرسال طاغية الإصبنيول صَاحِبَة قشتالة بهدية عَظِيمَة مِنْهَا اليواقيت الْكِبَار الَّتِي انتزعها الطاغية من تَاج آبَائِهِ وصنيديق مَمْلُوء من الدّرّ الفاخر وقضب الزمرد وَغير ذَلِك وَتكلم النَّاس فِيمَا بَين الهديتين أَعنِي هَدِيَّة البرتغالي وهدية الإصبنيولي أَيهمَا أعظم وَلم يهتد أهل الْعقل والمعرفة إِلَى مِقْدَار التَّفَاوُت بَينهمَا ثمَّ قدمت أرسال السُّلْطَان مُرَاد العثماني وَمَعَهُمْ هَدِيَّة وَهِي سيف محلى لم ير مثله مضاء وصفاء متن ثمَّ قدمت أرسال طاغية أفرانسة وَمَعَهُمْ هَدِيَّة عَظِيمَة وَلم تزل الْوُفُود مترادفة بِبَاب الْمَنْصُور والأرسال تصبح وتمسي على أعتاب تِلْكَ الْقُصُور إِلَى أَن لم يبْق أحد مِمَّن تتشوف النُّفُوس إِلَيْهِ وَحِينَئِذٍ اطمأنت بالمنصور الدَّار وطاب الْمقَام وَتمّ الْقَرار
وَفِي جُمَادَى الأولى سنة سبع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة مرض الْمَنْصُور مَرضا مخوفا وَطَالَ بِهِ حَتَّى كَادَت الْأُمُور تختل ثمَّ تَدَارُكه الله على يَد الْحَكِيم الماهر أبي عبد الله مُحَمَّد الطَّبِيب وَلما أبل من مَرضه أحسن إِلَى الطَّبِيب الْمَذْكُور ونثر عَلَيْهِ خُرُوجه من الْخلْع مَا لَا يُحْصى وَكَانَ يَوْم خُرُوجه يَوْمًا مشهودا وَفِي ذَلِك يَقُول الْفَقِيه الأديب أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الهوزالي الْمَعْرُوف بالنابغة
(تردى أَذَى من سقمك الْبر وَالْبَحْر ... وضجت لشكوى جسمك الشَّمْس والبدر)
(وَبَات الْهدى خوفًا عَلَيْك مسهدا ... وَأصْبح مذعور الْفُؤَاد الندى الْغمر)
(فَلَمَّا أعَاد الله صحتك الَّتِي ... أَفَاق بهَا من غمه البدو والحضر)
(تراءت لنا الدُّنْيَا بزينة حسنها ... وَعَاد إِلَى إبانه ذَلِك الْبشر)
(وَصَارَ بك الْإِسْلَام فِي كل بَلْدَة ... يهني وَيَدعِي أَن يطول لَك الْعُمر)
(وَصحت لنا الآمال بعد اعتلالها ... وعادت إِلَى الإيناع أَغْصَانهَا الْخضر)
(وَلَا غرو إِن صَامت على سمط الندى ... إِذا اغبر وَجه الأَرْض وَاحْتبسَ الْقطر)
(لبيت أبي الْعَبَّاس أنضت عجافها ... قَدِيما فخافت أَن يعاودها الضّر)
(لَئِن صدئت بيض الْمَعَالِي لقد غَدَتْ ... تسيء الكماة الْبيض واللدن السمر)
стр. 953
(بقيت لهَذَا الدّين تَحْمِي ذماره ... ويحميك رب الْعَرْش مَا بَقِي الدَّهْر)
عقد الْمَنْصُور ولَايَة الْعَهْد لِابْنِهِ مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَدْعُو الْمَأْمُون
قَالَ الفشتالي لما أبل الْمَنْصُور من مَرضه الْمَذْكُور وَعَاد إِلَى حَاله من الصِّحَّة أجمع رَأْي أَعْيَان الدولة واتفقت كلمة كبرائها على أَن يطلبوا مِنْهُ تعْيين من يَلِي الْأَمر بعده وَيكون ولي عَهده وَكَانَ الْمَنْصُور مهيبا لَا يقدر أحد على مواجهته بِمثل هَذَا فاتفقوا على أَن يكون البادئ لذَلِك الْقَائِد الْمُؤمن بن الْغَازِي الْعمريّ لما لَهُ من الإدلال على الْمَنْصُور بطول الْخدمَة وسالف التربية فَقَالَ لَهُ الْقَائِد الْمَذْكُور يَا مَوْلَانَا الله تَعَالَى حفظ الْإِسْلَام بإبلالك من هَذَا الْمَرَض وعصم الدّين بإبقائه عَلَيْك وَقد بَقِي النَّاس فِي أَيَّام سقمك فِي حيرة عَظِيمَة ودخلهم من الدهش مَا لَا يخفى عَلَيْك فَلَو عينت لنا من أبنائك القساورة من تَجْتَمِع كلمة الْإِسْلَام عَلَيْهِ ويشار بالخلافة إِ ليه لَكَانَ أولى وأليق بسياسة الْملك وَإِن ابْنك الأبر أَبَا عبد الله مُحَمَّد الْمَأْمُون حقيق بذلك وجدير بسلوك تِلْكَ المسالك لما فِيهِ من خلال الْخَيْر وخصال السِّيَادَة زِيَادَة على مَا هُوَ عَلَيْهِ من التيقظ فِي أُمُوره والحزم فِي شؤونه وَقد ظَهرت للنَّاس محَاسِن سيرته واطلعوا على جميل سَرِيرَته فَاسْتحْسن الْمَنْصُور ذَلِك وَأَعْجَبهُ مَا أَشَارَ عَلَيْهِ بِهِ فَقَالَ لَهُ سَوف أستخير الله فِي ذَلِك فَإِن يكن من عِنْد الله يمضه قلت هَذَا الَّذِي حَكَاهُ الفشتالي على لِسَان الْقَائِد مُؤمن فِي حق الْمَأْمُون الْمَذْكُور هُوَ بِخِلَاف الْوَاقِع كَمَا ستقف عَلَيْهِ من أَحْوَال الْمَأْمُون بعد هَذَا إِن شَاءَ الله وَلَكِن المؤرخين وَالشعرَاء يمدحون ويقدحون بِحَسب أغراضهم لَا بِحَسب الْوَاقِع غَالِبا لَا سِيمَا إِذا كَانَ من يعنونه بذلك مخدوما لَهُم ومنعما عَلَيْهِم فَلَا يَنْبَغِي لمن وقف على كَلَام هَؤُلَاءِ الصِّنْف مِنْهُم أَن يعْتَمد عَلَيْهِ إِلَّا بعد التثبت والتبصر وَالله تَعَالَى الْهَادِي إِلَى الصَّوَاب بمنه ثمَّ لبث الْمَنْصُور بعد هَذِه الْإِشَارَة أَيَّام يستخير ربه فِي ذَلِك ويستشير من يعلم أَهْلِيَّته للمشورة من أهل الْعلم وَالصَّلَاح فَلَمَّا انْقَضتْ أَيَّام الاستخارة وتواطأت الآراء على حسن تِلْكَ الْإِشَارَة جمع الْمَنْصُور أَعْيَان حَاضِرَة مراكش وأعيان مَدِينَة فاس
стр. 954
وَغَيرهم من أَشْيَاخ الْقَبَائِل بِوُجُوه النَّاس من أهل الحواضر والبوادي وَأوصى بالعهد لوَلَده الْمَذْكُور أبي عبد الله مُحَمَّد الْمَأْمُون وَذَلِكَ يَوْم الِاثْنَيْنِ منسلخ شعْبَان سنة سبع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة
وَكَانَ الْمَأْمُون إِذْ ذَاك خَليفَة أَبِيه على فاس فَلم يحضر هَذِه الْبيعَة فَبعث إِلَيْهِ الْمَنْصُور بعد ذَلِك ليقدم من فاس ويبايع بِحَضْرَتِهِ وَلم يقنعه مَا كَانَ عقد لَهُ من الْبيعَة وَهُوَ غَائِب وَلما بعث إِلَيْهِ خرج الْمَنْصُور بعسكره إِلَى تانسيفت خَارج مراكش ثَانِي عشر صفر سنة تسع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَلم يزل بعسكره هُنَاكَ متلوما ومنتظرا لقدوم الْمَأْمُون إِلَى أَن قدم غرَّة جُمَادَى الثَّانِيَة من السّنة الْمَذْكُورَة فَكَانَت ملاقاتهما من عجائب الزَّمَان وَلما اصطف جَيش الْمَنْصُور وجيش الْمَأْمُون ترجل الْمَأْمُون عَن فرسه وَتقدم حافي الْقدَم فعفر وَجهه بَين يَدي وَالِده ثمَّ قبل رجله والمنصور على فرسه وَاقِفًا بَين الصفين فَدَعَا لَهُ بِخَير وَأظْهر الْفَرح بمقدمه وَكَانَ الْمَأْمُون قد عبأ جَيْشه تعبية لم ير مثلهَا ورتبهم ترتيبا حسنا فِي لباسهم وَسَائِر أُمُورهم فسر الْمَنْصُور بذلك وَبعد أَيَّام من بُلُوغه أَمر بِهِ فأجلس فِي سرادقه الْأَعْظَم الَّذِي لم يكن للملوك قبله مثله كَمَا سَيَأْتِي وَأمر أهل الْحل وَالْعقد فازدحموا على تَقْبِيل يَده واقتضيت مِنْهُم الْأَيْمَان بِحَضْرَتِهِ وَقَامَ الشُّعَرَاء فأفصحوا عَن وصف الْحَال وغمر الْمَنْصُور النَّاس بالنوال وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْمًا مشهودا وَبعد أَيَّام مِنْهُ أَمر الْمَنْصُور الْمَأْمُون أَن يرجع إِلَى حَضْرَة فاس فَرجع وَدخل الْمَنْصُور حَضرته وَتمّ غَرَضه الَّذِي قَصده
ثورة دَاوُد بن عبد الْمُؤمن بن مُحَمَّد الشَّيْخ وَالسَّبَب فِي ذَلِك
قَالَ الفشتالي لما وَقعت الْبيعَة لِلْمَأْمُونِ وتكامل أمرهَا ثار الرئيس الْأَجَل أَبُو سُلَيْمَان دَاوُد بن عبد الْمُؤمن ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ وَهُوَ ابْن أخي الْمَنْصُور وفر إِلَى جبل سكسيوة وشق الْعَصَا ودعا إِلَى نَفسه فانثالت عَلَيْهِ أوشاب من البربر وَغَيرهم وَنجم أمره وأثرت فِي إِذن الرّعية جعجعته فَبعث إِلَيْهِ الْمَنْصُور قائده الزعيم أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن بجة فناوشه
стр. 955
الْقِتَال بجبل سكسيوة فَهَزَمَهُ وفر إِلَى جبل هوزالة فتحزبوا عَلَيْهِ وقويت بهم شوكته وَأخذ يَشن لَهُم الغارات على أهل درعة إِلَى أَن ضاقوا بِهِ ذرعا فشكوا أمره إِلَى الْمَنْصُور فَبعث إِلَيْهِ قائده الَّذِي ذكر فَلم يزل فِي مُقَابلَته ومقاتلته إِلَى أَن شرده عَن جبل هوزالة ففر دَاوُد مِنْهُ إِلَى الصَّحرَاء وَاسْتقر بِهِ الرحيل بهَا عِنْد عرب الودايا من بني معقل فَلم يزل عِنْدهم إِلَى أَن هلك سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَكفى الْمَنْصُور أمره
حُدُوث النفرة بَين الْمَنْصُور وَالسُّلْطَان مُرَاد العثماني وتلافي الْمَنْصُور لذَلِك
قد علمت مَا كَانَ من التجاء عبد الْملك المعتصم وَأحمد الْمَنْصُور إِلَى السُّلْطَان سُلَيْمَان العثماني وتطارحهما عَلَيْهِ حَتَّى أمدهما بالجيش الَّذِي كَانَ سَببا فِي تملكهما الْمغرب وَلما صفا الْأَمر لعبد الْملك أهمل جَانب العثماني وَلم يكاتبه بِشَيْء وَلَا عرج عَن ساحته ثمَّ لما ملك الْمَنْصُور وَكتب إِلَى النواحي بِخَبَر وقْعَة وَادي المخازن كتب إِلَى السُّلْطَان مُرَاد فِي جُمْلَتهمْ فَبعث السُّلْطَان الْمَذْكُور إِلَى الْمَنْصُور بالهدية الَّتِي تقدم ذكرهَا وَكَانَ الْمَنْصُور استقلها وأنف مِنْهَا فتشاغل عَن الْوَفْد وتركهم مهملين بِحَضْرَتِهِ وَتَأَخر عَن جَوَاب السُّلْطَان مُرَاد فَكَانَ ذَلِك سَببا للنفرة وَكَانَ وَزِير الْبَحْر للعثماني واسْمه الرئيس عَليّ علوج يبغض الْمَنْصُور فَلم يزل يسْعَى بِهِ عِنْد سُلْطَانه ويذكره مَا كَانَ من أَبِيه الشَّيْخ من الْقدح فِي ولَايَة التّرْك والطعن عَلَيْهِم وَقَالَ لَهُ فِي ذَلِك قد ضَاعَ صنيعك فِي هَذَا الغادر وصنيع والدك من قبلك وَلم يزل يفتل لَهُ فِي الذرْوَة وَالْغَارِب ويهون عَلَيْهِ أَمر الْمغرب حَتَّى أذن لَهُ فِي تَوْجِيه الْعِمَارَة إِلَيْهِ ومنازلته وَالْأَخْذ بآفاقه إِلَى أَن يستأصل أَمر الْمَنْصُور ويخمد جمرته وَيُقَال إِن السُّلْطَان مرَادا أَمر وزيره الْمَذْكُور أَن يذهب بالعمارة إِلَى الجزائر فَتكون هُنَالك ثمَّ يتَقَدَّم بالعساكر فِي الْبر إِلَى الْمغرب فَأخذ الْوَزير فِي التأهب لذَلِك واتصل الْخَبَر بالمنصور على يَد بعض قناصل
стр. 956
النجليز فارتحل إِلَى فاس من حِينه وشحن الثغور وملأ المراسي وَكَانَ على أهبة وَكَمَال استعداد وَبعث أرساله إِلَى السُّلْطَان الْمَذْكُور بهدية عَظِيمَة تلافيا لما فرط واعتذارا عَمَّا سلف وَكَانَ من جملَة أرساله الْقَائِد الأنجد أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن ودة العمراني وَالْكَاتِب الشهير أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى الهوزالي فَرَكبُوا الْبَحْر من مرسى تطاوين قَاصِدين الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى وبينما هم فِي أثْنَاء الطَّرِيق على ثبج الْبَحْر لَقِيَهُمْ الْوَزير علوج فِي أسطوله قَاصِدا ديار الْمغرب عَازِمًا على منازلة الْمَنْصُور بِهِ فَلَمَّا رَآهُمْ سقط فِي يَده وأيقن بخيبة مسعاه فرام صدهما عَمَّا قصدا إِلَيْهِ وأيأسهما من تدارك الْأَمر وَقَالَ لَهما إِن الْخرق قد اتَّسع على الراقع وَلَو كَانَ لصاحبكم غَرَض فِي الْمَسْأَلَة مَا بَقِي أَصْحَابنَا بأبوابه كالكلاب والبادي أظلم فَلم يزل الْوَزير علوج بالقائد ابْن ودة إِلَى أَن صرفه عَن رَأْيه ورده مَعَه وَترك الهوزالي يبلغ الرسَالَة والهدية ظنا مِنْهُ أَن صَغِير السن لَا يحسن مُخَاطبَة الْمُلُوك الْعِظَام وَابْن ودة الَّذِي كَانَ عِنْده مَظَنَّة لكَمَال التَّدْبِير ومثافنة الْمُلُوك رده مَعَه فَلَمَّا انْتهى الهوزالي إِلَى السُّلْطَان مُرَاد وَدخل عَلَيْهِ أظهر من نبله ولطف مخاطبته مَا خلب بِهِ قلب السُّلْطَان الْمَذْكُور واستل السخيمة من صَدره وَاعْتذر لَهُ عَن تَأَخّر الْمَنْصُور عَن الْجَواب بِمَا لَا يعود بوهن على مخدومه وَلَا يُفِيد غَلَبَة خَصمه فَقبل السُّلْطَان مُرَاد الِاعْتِذَار وَتقبل الْهَدِيَّة بِقبُول حسن وَكتب مَعَ الهوزالي إِلَى الْوَزير علوج بِالرُّجُوعِ عَن منازلة الْمَنْصُور فَرجع بهَا الهوزالي يطير سُرُورًا وَلم يغب عَن علوج إِلَّا نَحْو الشَّهْر حَتَّى قدم عَلَيْهِ بِأَمْر الْملك فقرع لَهَا علوج سنّ النَّدَم وأسف على تفريطه فِي الهوزالي وَتَركه وَبعث السُّلْطَان مُرَاد رسله مَعَ الهوزالي إِلَى الْمَنْصُور يلومه على التَّرَاخِي فِي أُمُور الْمُلُوك فَلَمَّا قدمُوا عَلَيْهِ أكْرم وفادتهم وَأحسن نزلهم وردهم مكرمين إِلَى مرسلهم وَبعث مَعَهم الْفَقِيه الإِمَام قَاضِي الْجَمَاعَة بِحَضْرَة مراكش أَبَا الْقَاسِم ابْن عَليّ الشاطبي والقائد الأنجد أَبَا زيد عبد الرَّحْمَن بن مَنْصُور الشيظمي المريدي فَلَمَّا وردوا على خاقَان التّرْك فَرح بهم كل الْفَرح ورتب الشاطبي كلَاما بليغا أعرب فِيهِ عَن فضل الدولتين وَقرر فِيهِ حق أهل الْبَيْت وأطرى
стр. 957
الْمَنْصُور وحض فِيهِ على اتِّحَاد كلمة الْإِسْلَام وَقَرَأَ ذَلِك على السُّلْطَان مُرَاد فاهتز لسماعه ثمَّ بعد أَيَّام أحسن إِلَيْهِم وأجزل صلتهم وردهم مكرمين إِلَى مرسلهم
وَقَالَ صَاحب خُلَاصَة الْأَثر كَانَ الْمَنْصُور موادعا لسلاطين آل عُثْمَان فَيُرْسل إِلَيْهِم بالهدايا فِي كل سنة وَكَانُوا هم يرسلون إِلَيْهِ بالمكاتيب وَالْخلْع السّنيَّة حَتَّى إِن السُّلْطَان مُرَاد بن سليم كتب إِلَيْهِ أثْنَاء مكاتيبه ملك عَليّ الْعَهْد أَن لَا أمد يَدي إِلَيْك إِلَّا للمصافحة وَإِن خاطري لَا يَنْوِي لَك إِلَّا الْخَيْر والمسامحة وَكَانَت رسله دَائِما تَأتي إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة من جَانب الْبَحْر ويمكثون زَمَانا طَويلا ويتعهدون الوزراء وَمن لَهُ قرب من الدولة من جُمْلَتهمْ الرئيس الأديب مُحَمَّد الْأمين الدفتري فقد ذكر صَاحب خُلَاصَة الْأَثر أَن هَذَا الرئيس كَانَ يجمع نفائس الْكتب وَيبْعَث بهَا إِلَى الْمَنْصُور فبسبب ذَلِك كَانَت المراسلات بَينهمَا غير مُنْقَطِعَة وَقد ذكر صَاحب خُلَاصَة الْأَثر فِي تَرْجَمَة الرئيس الْمَذْكُور بعض تِلْكَ المراسلات فَانْظُرْهُ
وَلما تَكَامل هَذَا الْغَرَض وَصَحَّ جسم الدولة من الْمَرَض وَرجعت الأرسال فِي أحسن الْأَحْوَال عَاد الْمَنْصُور إِلَى مراكش وَفِي يَوْم خُرُوجه من فاس خرج أَعْيَان أَهلهَا ومشيخة الْعلم بهَا وَقُرِئَ البُخَارِيّ بَين يَدَيْهِ سردا على عَادَة الْخُلَفَاء فِي ذَلِك وَكَانَ ذَلِك كُله سنة تسع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة
إِيقَاع الْمَنْصُور بعرب الْخَلْط وَالسَّبَب فِي ذَلِك
قد قدمنَا فِي أَخْبَار الدولة المرينية مَا كَانَ لهَؤُلَاء الْخَلْط من الاعتزاز والدالة عَلَيْهَا بِسَبَب مَا كَانَ لَهُم من الشَّوْكَة والمصاهرة مَعَ مُلُوكهَا وَلما أَدْبَرت دولة بني مرين وَاسْتولى على ملكهم أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الْمهْدي انحاشوا إِلَيْهِ وأظهروا الْخدمَة والنصيحة فَلَمَّا جَاءَ أَبُو حسون الوطاسي بِجَيْش التّرْك حَسْبَمَا شرحناه قبل أوقعوا الْهَزِيمَة على الْمهْدي لأبي
стр. 958
حسون كَمَا مر فَلَمَّا غلب الْمهْدي على الْمغرب وَصفا لَهُ أمره خلعهم من الجندية ووظف عَلَيْهِم الْخراج ومحا اسمهم من ديوَان الْخدمَة وَنقل أعيانهم إِلَى مراكش واتخذهم رهائن عِنْده وَلم يزل الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَيَّام الْمَنْصُور فَرَأى جلادهم يَوْم وَادي المخازن وَحسن بلائهم فَاخْتَارَ النّصْف مِنْهُم ورده إِلَى الجندية وَأبقى نصفهم الآخر فِي غمار الرّعية ونقلهم إِلَى آزغار فاستوطنوه حينا من الدَّهْر ثمَّ عاثوا فِي الْبِلَاد وَأَكْثرُوا فِيهَا الْفساد ومدوا أَيْديهم إِلَى أَوْلَاد مُطَاع فنهبوهم وضايقوا بني حسن فكثرت الشكاية بهم إِلَى الْمَنْصُور فَضرب عَلَيْهِم سبعين ألفا غَرَامَة فَلم يزدادوا إِلَّا عتوا وَشدَّة فَأرْسل إِلَيْهِم ليبعثوا طَائِفَة مِنْهُم إِلَى تيكورارين فامتنعوا من ذَلِك فَحِينَئِذٍ بعث إِلَيْهِم الْقَائِد مُوسَى بن أبي جمدي الْعمريّ فَانْتزع مِنْهُم الْخَيل وأبقاهم رجالة ثمَّ حكم السَّيْف فِي رقابهم واستأصل جمهورهم فَمن ثمَّ خضدت شوكتهم ولانت للغامز قناتهم
اسْتِيلَاء الْمَنْصُور على بِلَاد الصَّحرَاء تيكورارين وتوات وَغَيرهمَا
لما اسْتَقر الْمَنْصُور بمراكش مرجعه من فاس وَأمن من هجوم التّرْك على الْمغرب طمحت نَفسه إِلَى التغلب على بِلَاد تيكورارين وتوات من أَرض الصَّحرَاء وَمَا انضاف إِلَى ذَلِك من الْقرى والمداشر إِذْ كَانَ أهل تِلْكَ الْبِلَاد قد انكفت عَنْهُم أَيدي الْمُلُوك وَلم تسسهم الدول مُنْذُ أزمان وَلَا قادهم سُلْطَان قاهر إِلَى مَا يُرَاد مِنْهُم فسنح للمنصور أَن يجمع بهم الْكَلِمَة ويردهم إِلَى أَمر الله فَبعث إِلَيْهِم الْقَائِد أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن بركَة والقائد أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد ابْن الْحداد الْعمريّ المعقلي فِي جَيش كثيف فَقطعُوا إِلَيْهِم القفر من مراكش وانتهوا إِلَيْهِم على سبعين مرحلة مِنْهَا فتقدموا إِلَيْهِم أَولا بِالدُّعَاءِ للطاعة والأعذار والأنذار فامتنعوا فنازلوهم وقاتلوهم وطالت الْحَرْب بَينهم ياما ثمَّ كَانَ الظُّهُور لجيش الْمَنْصُور فأوقعوا بهم وأثخنوا فيهم إِلَى أَن أذعنوا للطاعة وصاروا فِي حزب الْجَمَاعَة وأنهى خبر الْفَتْح إِلَى الْمَنْصُور
стр. 959
فسر بذلك سُرُورًا عَظِيما وَقَالَ الشُّعَرَاء فِي ذَلِك وَعم الْفَرح بِلَاد الْمغرب وَكَانَ ذَلِك سنة تسعين وَتِسْعمِائَة وَبعد هَذَا تشوفت نفس الْمَنْصُور إِلَى الِاسْتِيلَاء على بِلَاد السودَان فَكَانَ من أمرهَا مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
اعْلَم أَن هَؤُلَاءِ السودَان هم من نسل حام بن نوح ﵇ بِاتِّفَاق النسابين والمؤرخين ويجاور البربر بِأَرْض الْمغرب مِنْهُم أُمَم كَثِيرَة من أعظمها أهل مملكة غانة وهم المتصلون بالبحر الْمُحِيط من جِهَة الغرب على مصب النّيل السوداني فِيهِ وتتصل بهم من جِهَة الشرق أمة أُخْرَى تعرف بصوصو بصادين أَو سينين مهملتين مضمومتين ثمَّ بعْدهَا أمة أُخْرَى يُقَال لَهَا مَالِي ثمَّ بعْدهَا أمة أُخْرَى تسمى كوكو وَيُقَال كاغو ثمَّ بعْدهَا أمة أُخْرَى تعرف بتكرور وَيُقَال لَهُم أَيْضا سغاي ثمَّ بعْدهَا أمة أُخْرَى تدعى كانم وهم أهل مملكة برنو الْمُجَاورَة لإفريقية من جِهَة قبلتها ثمَّ بعْدهَا أَرض النّوبَة الْمُجَاورَة لبلاد مصر وَهَكَذَا إِلَى آخر الشرق أُمَم لَا يحصيهم إِلَّا خالقهم
فَأَما أهل مملكة غانة فقد كَانُوا فِي صدر الْإِسْلَام من أعظم أُمَم السودَان أَسْلمُوا قَدِيما وَكَانَ لَهُم ملك ضخم وَكَانَت حَاضِرَة ملكهم هِيَ غانة وَهِي مدينتان على ضفتي النّيل السوداني من أعظم مدن الْعَالم وأكثرها عمرانا ذكرهَا صَاحب نزهة المشتاق وَصَاحب المسالك والممالك وَغَيرهمَا
وَقَالَ الْفَقِيه الأديب أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْمُؤمن الْقَيْسِي الشريشي فِي شرح المقامات الحريرية مَا نَصه غانة بلد من بِلَاد السودَان وإليها يَنْتَهِي التُّجَّار يَعْنِي من الْمغرب والمدخل إِلَيْهَا من سجلماسة وَمن سجلماسة إِلَيْهَا ذَهَابًا مسيرَة ثَلَاثَة أشهر وَمن غانة إِلَى سجلماسة إيابا مسيرَة شهر وَنصف وَدون ذَلِك وَسبب ذَلِك أَن الرفاق تتجهز إِلَيْهَا من سجلماسة بالأمتعة والأثقال فتباع فِي غانة بالتبر فَمن سَافر إِلَيْهَا بِثَلَاثِينَ حملا يرجع مِنْهَا بِثَلَاثَة أحمال أَو بحملين وَاحِد لركوبه وثان للْمَاء بِسَبَب الْمَفَازَة الَّتِي فِي طريقها
стр. 960
حَدثنِي غير وَاحِد من تجارها أَنهم يقطعون الْمَفَازَة فِي سِتَّة عشر يَوْمًا لَا يرَوْنَ فِيهَا مَاء إِلَّا على ظُهُور الْإِبِل فأثمان أحمال الثَّلَاثِينَ جملا يجْتَمع فِيهَا من التبر مَا يَجْعَل فِي مزود وَاحِد فيطوون المراحل للخفة قَالَ وغانة بلد مملكة السودَان وانتشر الْإِسْلَام فِي أَهلهَا وَبهَا مدارس للْعلم وَبهَا من تجار الْمغرب كثير يدْخلُونَ للتِّجَارَة فيصيبون الخصب والأمن وَكَثْرَة المتاجر فيشترون بهَا خدما للتسري ويقيمون بهَا عِنْد أميرها فِي غَايَة الْكَرَامَة وَالْإِمَاء فِيهَا قد جعل الله فِيهِنَّ من الْخِصَال الْكَرِيمَة فِي خَلقهنَّ وخلقهن فَوق المُرَاد من ملاسة الْأَبدَان وتفتق السوَاد وَحسن الْعَينَيْنِ واعتدال الأنوف وَبَيَاض الْأَسْنَان وَطيب الروائح اه
وَقَالَ ابْن خلدون كَانَ فِي غانة فِيمَا يُقَال ملك ودولة لقوم من العلويين يعْرفُونَ ببني صَالح
وَقَالَ صَاحب نزهة المشتاق أَنه صَالح بن عبد الله بن حسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ قَالَ وَلَا يعرف صَالح هَذَا فِي ولد عبد الله بن حسن وَقد ذهبت هَذِه الدولة لهَذَا الْعَهْد اه
ثمَّ أَن أهل غانة ضعف ملكهم وتلاشى أَمرهم فِي الْمِائَة الْخَامِسَة واستفحل أَمر الملثمين المجاورين لَهُم من جِهَة الشمَال مِمَّا يَلِي البربر وزحف إِلَيْهِم الْأَمِير أَبُو بكر بن عمر اللمتوني فاتح الْمغرب ومستخلف يُوسُف بن تاشفين عَلَيْهِ حَسْبَمَا مر ذَلِك فِي أخبارهم فَلَمَّا رَجَعَ الْأَمِير أَبُو بكر إِلَى الصَّحرَاء غزا بِلَاد السودَان وَفتح مِنْهَا مسيرَة ثَلَاثَة أشهر وَاقْتضى مِنْهُم الأتاوات وَحمل الْكثير مِنْهُم مِمَّن لم يكن أسلم قبل ذَلِك على الْإِسْلَام فدا نوابه ثمَّ اضمحل ملك أهل غانة بِالْكُلِّيَّةِ وتغلب عَلَيْهِم أهل مملكة صوصو المجاورون لَهُم واستعبدوهم وصيروهم فِي جُمْلَتهمْ ثمَّ إِن أهل مَالِي كَثُرُوا أُمَم السودَان فِي نواحيهم تِلْكَ واستطالوا على الْأُمَم المجاورين لَهُم فغلبوا على صوصو وملكوا مَا كَانَ بِأَيْدِيهِم وبأيدي أهل غانة ثمَّ افتتحوا بِلَاد كوكو وأضافوها إِلَى ملكهم وَصَارَت دولة مَالِي مُتَّصِلَة فِيمَا بَين غانة فِي الغرب وَأَرْض التكرور فِي الشرق واعتز سلطانهم وهابتهم أُمَم السودَان وَمن
стр. 961
هَذِه الدولة كَانَ السُّلْطَان منسا مُوسَى بن أبي بكر وَأَخُوهُ منسا سُلَيْمَان اللَّذَان كَانَ بَينهمَا وَبَين السُّلْطَان أبي الْحسن المريني من المهاداة والمواصلة مَا تقدم ذكره وَكَانَ مَعَ السُّلْطَان منسا مُوسَى الْمَذْكُور الأديب الشَّاعِر أَبُو إِسْحَاق الطوبجن الأندلسي الَّذِي بنى لَهُ الْقبَّة المربعة العجيبة الصَّنْعَة البديعة النقش والتخريم الَّتِي أجَازه عَلَيْهَا بِاثْنَيْ عشر ألف مِثْقَال من التبر وَغير ذَلِك مِمَّا مر ذكره فِي أَخْبَار الدولة المرينية وَكَانَ مِنْهَا أَيْضا السُّلْطَان ماري زاطة الَّذِي هادى السُّلْطَان أَبَا سَالم المريني وَأغْرب عَلَيْهِ بالزرافة حَسْبَمَا تقدم قَالُوا وَكَانَ هَذَا السُّلْطَان مُسْرِفًا مبذرا بِحَيْثُ أفسد ملكهم وأتلف ذخيرتهم وَكَاد أَمر سلطانهم يخْتل حَتَّى لقد انْتهى الْحَال بِهِ فِي سرفه وتبذيره أَن بَاعَ حجر الذَّهَب الَّذِي كَانَ من الذَّخَائِر الموروثة عِنْدهم وَهُوَ حجر يزن عشْرين قِنْطَارًا من الذَّهَب الْعين مَنْقُولًا من الْمَعْدن كَذَلِك من غير علاج وَلَا تصفية بالنَّار فَكَانُوا يرونه من أنفس الذَّخَائِر وأكبر الغرائب لندور مثله فِي الْمَعْدن فعرضه منسا زاطة على تجار مصر المترددين إِلَى بَلَده فاشتروه مِنْهُ بأبخس ثمن ثمَّ أَصَابَته عِلّة النّوم وَهُوَ مرض يطْرق أهل ذَلِك الإقليم كثيرا وخصوصا الرؤساء مِنْهُم بِحَيْثُ يعتاده غشي النّوم عَامَّة زَمَانه حَتَّى لَا يكَاد يفِيق وَلَا يَسْتَيْقِظ إِلَّا فِي الْقَلِيل من الْأَوْقَات ويضر بِصَاحِبِهِ غَايَة ويتصل سقمه إِلَى أَن يهْلك ودامت هَذِه الْعلَّة بِهَذَا السُّلْطَان سنتَيْن ثمَّ هلك مِنْهَا سنة خمس وَسبعين وَسَبْعمائة ثمَّ توارث بنوه الْملك من بعده فَكَانُوا فِي تراجع وانتقاص إِلَى أَن انقرض أَمرهم شَأْن غَيرهم من الدول وَظَهَرت دولة آل سكية من أهل مملكة كوكو وَيُقَال كاغو
قَالَ الإِمَام التكروري فِي كِتَابه نصيحة أهل السودَان إِن آل سكية أصلهم من صنهاجة وملكوا كثيرا من بِلَاد السودَان وَأول مُلُوكهمْ الْحَاج مُحَمَّد سكية بِضَم السِّين وَسُكُون الْكَاف بعْدهَا يَاء مَفْتُوحَة ثمَّ هَاء تَأْنِيث وَكَانَ الْحَاج مُحَمَّد الْمَذْكُور رَحل فِي أَوَاخِر الْمِائَة التَّاسِعَة إِلَى مصر والحجاز
стр. 962
بِقصد حج بَيت الله الْحَرَام وزيارة قبر نبيه ﷺ فلقي بِمصْر الْخَلِيفَة العباسي إِذْ كَانَ رسم الْخلَافَة العباسة لَا زَالَ قَائِما بهَا يَوْمئِذٍ حَتَّى محاه السُّلْطَان سليم العثماني أَيَّام تغلبه على مصر سنة ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة فَلَمَّا اجْتمع الْحَاج مُحَمَّد سكية بالخليفة الْمَذْكُور طلب مِنْهُ أَن يَأْذَن لَهُ فِي إِمَارَة بِلَاد السودَان وَأَن يكون خَلِيفَته هُنَاكَ ففوض إِلَيْهِ الْخَلِيفَة العباسي النّظر فِي أَمر ذَلِك الإقليم وَجعله نَائِبه على من وَرَاءه من الْمُسلمين فَرجع الْحَاج مُحَمَّد سكية إِلَى بِلَاده وَقد بنى أَمر رياسته على قَوَاعِد الشَّرِيعَة وَجرى على منهاج أهل السّنة وَلَقي بِمصْر أَيْضا الإِمَام شيخ الْإِسْلَام حَافظ الْحفاظ جلال الدّين السُّيُوطِيّ فَأخذ عَنهُ عقائده وَتعلم مِنْهُ الْحَلَال وَالْحرَام وَسمع عَلَيْهِ جملا من آدَاب الشَّرِيعَة وأحكامها وانتفع بوصاياه ومواعظه فَرجع إِلَى السودَان وَنصر السّنة وأحيى طَرِيق الْعدْل وَجرى على منهاج الْخَلِيفَة العباسي فِي مَقْعَده وملبسه وَسَائِر أُمُوره وَمَال إِلَى السِّيرَة الْعَرَبيَّة وَعدل عَن سيرة الْعَجم فصلحت الْأَحْوَال وَبرئ جَسَد الرشاد من الدَّاء العضال وَكَانَ الْحَاج مُحَمَّد الْمَذْكُور سهل الْحجاب رَقِيق الْقلب خافض الْجنَاح شَدِيد التَّعْظِيم لأئمة الدّين محبا للْعُلَمَاء مكرما لَهُم يفسح لَهُم فِي الْمجْلس ويوسع عَلَيْهِم فِي الْعَطاء وَلم يكن فِي أَيَّامه كلهَا بؤس وَلَا بَأْس بل كَانَت رَعيته فِي خفض عَيْش وَأمن سرب وَفرض عَلَيْهِم شَيْئا خَفِيفا من المغارم وظفه عَلَيْهِم وَزعم أَنه مَا فعل ذَلِك حَتَّى اسْتَشَارَ الإِمَام السُّيُوطِيّ شَيْخه وَلم يزل على سيرته الْمَذْكُورَة إِلَى أَن اخترمته الْمنية فَقَامَ بِالْأَمر بعده وَلَده دَاوُد بن مُحَمَّد فَأحْسن مَا شَاءَ وَتبع طَريقَة أَبِيه إِلَى أَن لحق بربه وَمضى لسبيله فَقَامَ بِالْأَمر بعده وَلَده إِسْحَاق بن دَاوُد فَعدل عَن بعض سيرة أَبِيه وَلم يكن فِي أمره بالذميم وَاسْتمرّ حَاله على الانتظام إِلَى أَن غزته جيوش الْمَنْصُور فنقضت ملكه وَنَثَرت سلكه وانقرض عَلَيْهِ أَمر آل سكية بعد أَن كَانَ تَحت طاعتهم مسيرَة سِتَّة أشهر من بِلَاد السودَان وَسَنذكر كَيْفيَّة ذَلِك
وَأما مملكة التكرور وكانم فَقَالَ ابْن خلكان مَا نَصه كانم بِكَسْر النُّون جنس من السودَان وهم بَنو عَم تكرور وكل وَاحِدَة من هَاتين القبيلتين لَا تنْسب إِلَى أَب وَلَا أم وَإِنَّمَا كانم اسْم بَلْدَة بنواحي غانة فَسُمي هَذَا الْجِنْس
стр. 963
باسم هَذِه الْبَلدة وتكرور اسْم للْأَرْض الَّتِي هم فِيهَا وَسمي جنسهم باسم أَرضهم اه
قلت وَكَانَ من كانم الأديب أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب الكانمي الْأسود الشَّاعِر وَهُوَ الَّذِي دخل على يَعْقُوب الْمَنْصُور الموحدي فأنشده
(أَزَال حجابه عني وعيني ... ترَاهُ من المهابة فِي حجاب)
(وقربني تفضله وَلَكِن ... بَعدت مهابة عِنْد اقترابي)
وَأهل كانم هم أهل مملكة برنو الْمُجَاورَة لإفريقية من جِهَة قبلتها كَمَا قُلْنَا وَكَانَت لَهُم مَعَ الدولة الحفصية فِي الْمِائَة السَّابِعَة وَمَا بعْدهَا مهاداة ومواصلة كَمَا كَانَ لأهل مَالِي مَعَ بني مرين
قلت وَمن أهل برنو الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبُو مُحَمَّد عبد الله البرنوي شيخ الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أبي فَارس عبد الْعَزِيز الدّباغ الْمَوْضُوع فِي مناقبه كتاب الذَّهَب الإبريز
واتصل أَمر أهل برنو على الانتظام إِلَى أَن كَانَ من أَمرهم مَعَ الْمَنْصُور مَا نذكرهُ وكل هَؤُلَاءِ الْأُمَم كَانُوا على دين الْإِسْلَام قَدِيما كَمَا رَأَيْت وَكَانَ فيهم الْعلمَاء والصلحاء والأدباء وَالشعرَاء كَمَا عَلمته آنِفا وتعلمه فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بَابا السوداني فِي تَقْيِيده الْمُسَمّى بمعراج الصعُود أَن أهل السودَان أَسْلمُوا طَوْعًا بِلَا اسْتِيلَاء أحد عَلَيْهِم كَأَهل كنوا وكنتي وبرنو وسغاي مَا سمعنَا قطّ أَن أحدا استولى عَلَيْهِم قبل إسْلَامهمْ وَمِنْهُم من هم قدماء الْإِسْلَام كَأَهل مَالِي أَسْلمُوا فِي الْقرن الْخَامِس أَو قربه وكأهل برنو وسغاي اه وَقد علمت أَن أهل غانة تقدم إسْلَامهمْ على هَذَا التَّارِيخ وَالله تَعَالَى أعلم ولنرجع إِلَى مَا كُنَّا بصدده من أَخْبَار الْمَنْصُور فَنَقُول
стр. 964
وُصُول هَدِيَّة صَاحب برنو إِلَى الْمَنْصُور بِحَضْرَة فاس وَمَا نَشأ عَن ذَلِك من بيعَته لَهُ والتزام طَاعَته
كَانَ الْمَنْصُور ﵀ مسعودا محظوظا كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ سَابِقًا وَكَانَ من سعادته مَا هيأ الله لَهُ من مهاداة صَاحب مملكة برنو ومخاطبته لَهُ حَتَّى كَانَ ذَلِك سَببا فِي مبايعته لَهُ وَالدُّخُول فِي طَاعَته وَكَانَ من خبر ذَلِك مَا حَكَاهُ فِي مناهل الصَّفَا قَالَ وَفِي سنة تسعين وَتِسْعمِائَة ورد على الْمَنْصُور الْخَبَر وَهُوَ بِمَدِينَة فاس بقدوم رَسُول صَاحب مملكة برنو من مُلُوك السودَان وجلب فِي هديته مَا جرت عَادَتهم أَن يجلبوه من فتيَان العبيد وَالْإِمَاء وَكسَاء السودَان وطرفه وَكَانَ من ذَلِك عدد كثير يناهز المئين فَوَافى الْمَنْصُور بعسكره على رَأس المَاء من ساحة فاس وَكَانَ يَوْم ملاقاته يَوْمًا مشهودا حسنا وأبهة وجلالة جلس نَصره الله تَعَالَى بالقبتين التوأمين المضروبتين أَمَام السياج الْمُحِيط بقبابه وَهُوَ آفراك واستوقف الموَالِي والمماليك سماطين من التوأمين إِلَى الْقبَّة الْعَرَبيَّة ثمَّ مِنْهَا إِلَى فسطاط الْجُلُوس الْمَعْلُوم بالديوان ثمَّ مِنْهُ إِلَى بَاب المعسكر القبلي وأتى بالرسول يخترق السماطين حَتَّى نزل بالديوان وَكَانَ الْمَلأ من أكَابِر الدولة وصدور المملكة جُلُوسًا وكرسي المملكة وسرير الْخلَافَة مَنْصُوبًا بِهِ والمهابة قد أخرست الألسن وأخشعت الْقُلُوب والأبصار فَجَلَسَ الرَّسُول هُنَالك مَلِيًّا ثمَّ توجه بِهِ على سَبِيل الترقي إِلَى الْقبَّة الْعَرَبيَّة فَجَلَسَ بهَا ثمَّ جَاءَ الْإِذْن الْكَرِيم بإيصاله إِلَى مقرّ أَمِير الْمُؤمنِينَ بالتوأمتين فَوقف بَين يَدَيْهِ وتشرف بِالنّظرِ إِلَى طلعته السعيدة فَأدى الرسَالَة وَقضى فرض التهنئة وَسنة الْهَدِيَّة وأعرب عَن مَقَاصِد مرسله واعترف للمملكة الْعَظِيمَة بِحَقِّهَا وَأظْهر من الخضوع والتملق والاستكانة والخدمة والطواعية مَا أوصاه بِهِ مرسله ثمَّ توجه بِهِ إِلَى معسكر ولي الْعَهْد وتاج الْإِسْلَام وكافل الْأمة بعد وَالِده الْمولى الْأَمِير أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ الْمَأْمُون بِاللَّه وَكَانَ لصق معسكر أَمِير الْمُؤمنِينَ بِرَأْس المَاء فَأَشْرَف الرَّسُول على دنيا أُخْرَى وأبهة مدهشة ومحلة هائلة فَوقف موقف الْحيرَة واستدرج إِلَى أَن وصل لقباب ولي الْعَهْد ومضاربه وَكَانَ قد قعد لَهُ
стр. 965
بفسطاط جُلُوسه أفخم قعُود وَلما استؤذن عَلَيْهِ ووقف بَين يَدَيْهِ هَنأ وحيى وفدى وَانْصَرف عَنهُ إِلَى مَحل نُزُوله بالقصبة من فاس وأدر عَلَيْهِ من الإنعام وَالْإِكْرَام مَا لم يكن لَهُ فِي حِسَاب
وَكَانَ من أغراض الرسَالَة الَّتِي أنفذه بهَا سُلْطَانه طلب المدد من أَمِير الْمُؤمنِينَ بالعساكر والأجناد وعدة البنادق ومدافع النَّار لمجاهدة من يليهم بقاصية السودَان من الْكفَّار وَكَانَ هَذَا الرَّسُول قد وَفد قبل على سُلْطَان التّرْك بالإصطنبول السُّلْطَان مُرَاد العثماني يطْلب مِنْهُ المدد لجهاز كفار السودَان فأخفق سَعْيه وَلم يحصل على طائل فوجهه فِي هَذِه النّوبَة إِلَى ملك الْمغرب يطْلب مِنْهُ المدد وَلما قرئَ كِتَابه على أَمِير الْمُؤمنِينَ اتّفق أَن وَقع بَينه وَبَين كَلَام الرَّسُول اخْتِلَاف بَين وتباين وَاضح فَكَانَ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْكتاب خلاف مَا دلّ عَلَيْهِ كَلَام الرَّسُول جر إِلَيْهِم ذَلِك توغلهم فِي الْجَهْل والغباوة وَعدم من يحسن الْإِعْرَاب عَن مقاصدهم من فرسَان الْإِنْشَاء وَالْكِتَابَة لطموس معالم الْعُلُوم عِنْدهم على الْجُمْلَة وقارن ذَلِك مَا كَانَ من تَوْجِيه أَمِير الْمُؤمنِينَ عساكره لتدويخ قطري توات وتيكورارين وأمل أَن يجعلهما ركابا لبلاد السودَان والاستيلاء على ممالكها الَّتِي وَجه إِلَيْهَا عساكره بعد ذَلِك فبلغت مملكة مَالِي عَظِيم السودَان إِلَى أَن وَردت من نيلها على مَائه مرحلة من ثغور الْمغرب فاغتنم الْمَنْصُور لذَلِك اخْتِلَاف الرَّسُول والرسالة وَبنى عَلَيْهِ مَا اعْتد بِهِ على صَاحب برنو وَرجع الرَّسُول إِلَى مرسله بعد مكافأته وتوجيه هَدِيَّة من عتاق الْخَيل وأشرافها بكسي من ملابس الْخلَافَة وَأَسْبَاب أخر وَلما بلغ الرَّسُول وَألقى المعذرة إِلَى سُلْطَانه اسْتَأْنف الْهَدِيَّة وأعرب إِذْ ذَاك عَن مُرَاده ورد الرَّسُول ثَانِيَة إِلَى بَاب أَمِير الْمُؤمنِينَ فوافاه بِحَضْرَتِهِ وَدَار خِلَافَته من مراكش فأزال اللّبْس وَبَين الْغَرَض وَصرح بِالْمَقْصُودِ فَلَمَّا تحقق الْمَنْصُور بِقَصْدِهِ صدع لَهُ بِالْحَقِّ وَالدُّعَاء إِلَى الَّتِي هِيَ أقوم وطالبهم بالبيعة لَهُ وَالدُّخُول فِي دَعوته النَّبَوِيَّة الَّتِي أوجب الله عَلَيْهِم وعَلى جَمِيع الْعباد فِي أقطار الْبِلَاد الانقياد إِلَيْهَا وَقرر لَهُم بِلِسَان السّنة النَّاطِق وَالْكتاب الْمنزل على جده الصَّادِق أَن الْجِهَاد الَّذِي ينتحلونه ويظهرون الْميل إِلَيْهِ وَالرَّغْبَة فِيهِ لَا يتم لَهُم
стр. 966
فَرْضه وَلَا يكْتب لَهُم علمه مَا لم يستندوا فِي أَمرهم إِلَى إِذن من إِمَام الْجَمَاعَة الَّذِي اخْتصَّ الله أَمِير الْمُؤمنِينَ بوصفه إِذْ هُوَ الكافل لهَذِهِ الْأمة ووارث تراث النُّبُوَّة وقيضه الله لحماية بَيْضَة الْإِسْلَام وَخَصه بالشرف الْقرشِي الَّذِي هُوَ شَرط فِي الْخلَافَة بِإِجْمَاع من عُلَمَاء الْإِسْلَام وأئمة السّنة الْأَعْلَام وألزمهم الْقيام فِي أقطارهم بدعوته ومجاهدة أعدائهم الْكفَّار بكلمته وعلق لَهُم أيده الله الْإِمْدَاد على الْبيعَة وَالْوَفَاء بِهَذَا الشَّرْط فَالْتَزمهُ بالرسول وَزعم أَيْضا عَن سُلْطَانه بِالْقبُولِ والإجابة وَطلب من السُّلْطَان نُسْخَة يتَوَجَّه بهَا من صُورَة الْبيعَة إِذْ لَيْسَ ببلدهم من يحسن الْإِنْشَاء ويوفي الْغَرَض لِئَلَّا يَخْلُو بِشَيْء من الشُّرُوط الَّتِي شارطتهم عَلَيْهَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فأنشأها كَاتب الدولة أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز الفشتالي وَنَصهَا الْحَمد الله الَّذِي أَعلَى لكلمة الْحق منارا يسامي فِي مطالعها النُّجُوم وأزاح بهَا عَن شمس الْهِدَايَة المنيرة غياهب الغباوة المدلهمة وسحائب الغواية المركوم وَحي على الْفَلاح بهَا دَاعِي التَّوْفِيق الَّذِي نشر للنجاح كِتَابه الموقوت واستنجز للسعادة أجلهَا الْمَعْلُوم وَشرف هَذَا الْمَوْجُود والعالم الْمَوْجُود بالخلافة النَّبَوِيَّة والإمامة الحسنية العلوية الَّتِي صرفت الْوُجُوه إِلَى قبلتها الْمَشْرُوعَة واستبان الْحق بتبلج الصَّباح فِي مبايعتها والانقياد لدعوتها المسموعة وَنسخ بدولتها الغراء دوَل الحيف الَّتِي هِيَ بِسيف النُّبُوَّة المصلت مقطوعه وبلسان السّنة مدفوعه وقوض بهَا مباني الادعاء الَّتِي هِيَ على غير أساس الشَّرْع الصَّحِيح مدفوعه وَفرق بكلمتها الْمَجْمُوعَة على التَّوْحِيد فرق التَّثْلِيث الَّتِي هِيَ على مشاقة الله وَرَسُوله تَابِعَة ومتبوعة وخلع بظهورها على أعطاف الحنيفية السمحة رِدَاء الْعِزّ الفضفاض واستل بتأييدها للدّين المحمدي سيف الأنفة والامتعاض وَأَشَارَ للأعادي من بأسها المروع بِلِسَان الْحَيَّة النضناض وفجر للْمُؤْمِنين ينبوع رحمتها الْجَارِي على حصا عدلها الرضراض ومهد بسيوفها المنتضاة الْآفَاق والأقطار تمهيدا أَزَال عَن حكمه الِاعْتِرَاض وجلا بأنوارها المتألقة سدف الْجَهَالَة الَّتِي ادلهم جوها وغيم وأسعد الْوُجُود بيمنها الَّذِي لبث فِي أكناف مجدها وخيم وَقضى لهاب بتراحم الأَرْض وَمن عَلَيْهَا إِن شَاءَ الله إِلَى عِيسَى ابْن مَرْيَم وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 967
الَّذِي تعاضدت الْبَرَاهِين القاطعة على صدق رسَالَته البارعة ونهج الدّين القويم طَريقَة الْحق المثلى ومادته الشارعة وسوغ لمن آمن بِهِ مناهل الْهدى النميرة الزلَال وموارده العذبة ومشارعه نَبِي الرَّحْمَة وشفيع الْأمة وعَلى آله وَأَصْحَابه الْكِرَام أَئِمَّة الْهدى ومصابيح الظلام وَالدُّعَاء لمولانا الإِمَام الْعلوِي الْهمام أَمِير الْمُؤمنِينَ ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ نجل سيد الْمُرْسلين وَخَاتم النَّبِيين وسليل الْوَصِيّ والسبطين وَبعد فَإِنَّهُ لما أذن الله فِي ليل الْجَهَالَة أَن ينجاب وَفِي شمس الْحق الوهاجة أَن يرْتَفع عَنْهَا الْحجاب وَفِي الْعِزّ الْخلق الجلباب أَن يعود إِلَى الشَّبَاب وَفِي النجاح والاستقامة أَن يفتح لَهما الْبَاب وَفِي الْإِمَارَة أَن تستند إِلَى السّنة وَالْكتاب وتتعلق من الشَّرْع بِأَسْبَاب تدارك الله سُبْحَانَهُ الْوُجُود وأعز الْعَالم الْمَوْجُود واستطارت الْأَنْوَار المضيئة للأغوار والنجود بِطُلُوع شمس الْخلَافَة النَّبَوِيَّة والإمامة الهاشمية العلوية فَفَاضَتْ على أَدِيم البسيطة أنوارها وارتفع إِلَى حَيْثُ السها والفرقدين منارها وتبلج بالأصباح نَهَارهَا ولاحت فِي سَمَاء الْمجد بدورها وأقمارها وكادت تنهب نُجُوم السَّمَاء أتباعها وأنصارها وانتشرت فِي الْآفَاق والأقطار على الْبعد والقرب آثارها وهزت عطف الزَّمَان انتشاء مناقبها وأخبارها وفاض ببركتها على أكناف الْمَعْمُور يمها الزاخر وتيارها خلَافَة ينتمي إِلَى النُّبُوَّة عنصرها وتستنبط من رِسَالَة الْوَحْي أسطرها ويناط بعروتها الوثقى خنصرها وإمامة عَليّ وَليهَا وَالله نصيرها والسبط بدرها الَّذِي حَيَّاهُ منبرها وسريرها وَالْحَمْد لله الَّذِي اصْطفى من هَذِه الدوحة النَّبَوِيَّة الشماء والشجرة الطّيبَة الهاشمية الَّتِي أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء إِمَامًا ألْقى الله لَهُ فِي الْقُلُوب حبا جميلا وَمولى جعله الله على مرضاته سُبْحَانَهُ عَلامَة ودليلا وَخَلِيفَة استرعاه فَكَانَ بِحسن الرَّعْي لخلقه وعباده كَفِيلا وانتضى من بأسه وبسالته لحماية حمى الشَّرِيعَة حساما صقيلا مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَخَلِيفَة الله فِي الْأَرْضين وسليل خَاتم النَّبِيين ووارث الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ المفترضة طَاعَته على الْخلق أَجْمَعِينَ والممنون بإمامته المقدسة على الْعَالمين بَحر الندى والباس وعصمة الله للنَّاس أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور بِاللَّه مَوْلَانَا أَبَا الْعَبَّاس ﷺ صلوَات الله عَلَيْهِ وعَلى آله الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَالْأَئِمَّة
стр. 968
الطيبين الطاهرين وَطيب بِأَنْفَاسِ الْمَغْفِرَة لحودهم أَجْمَعِينَ إِمَام تهتز لذكره أعطاف المنابر وتتقلد من شرِيف دَعوته أبهى من نَفِيس الْجَوَاهِر وتستضيء الْبِلَاد بإكليل شرفه الزَّاهِر وتسكن الْعباد تَحت ظلّ رَحمته الوارف الوافر أبقى الله أَيَّامه الغر بَقَاء يصحب النَّصْر دَوَامه وخلد لَهُ ولأعقابه هَذَا الْأَمر الْكَرِيم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَلما طلعت أيده الله على هَذِه الأصقاع الزنجية طلائع إِمَامَته النَّبَوِيَّة وخلافته ولاحت فِي سمائها شهب مناقبه المنيفة الدَّالَّة على فخامة شرفه وأنافته وتليت لمجده الْآيَات الْبَينَات الَّتِي تشهد لَهُ بتراث الرسَالَة وتقضي لَهُ على الْإِسْلَام وعَلى الْأَنَام بِحكم الْوَلَاء وَالْكَفَالَة وأوضح الله سُبْحَانَهُ للنَّاس من اعْتِقَاد وجوب طَاعَته والاقتداء بإمامته والانقياد لدعوته وتقليد بيعَته مَا جَاءَ بِهِ كِتَابه الْحَكِيم ووردت بِهِ سنة نبيه الْكَرِيم كَمَا قَالَ ﷺ (لَا تزَال الْخلَافَة فِي قُرَيْش مَا بَقِي مِنْهُم اثْنَان) وكما ورد فِي صَحِيح الْخَبَر (إِن الْخلَافَة فِي قُرَيْش وَالْقَضَاء فِي الْأَنْصَار وَفِي الْحَبَشَة الْأَذَان) وَيدل على هَذَا تعاضد الْخَبَر والعيان فَلَا ناكر أَن لَيْسَ فِي الْمَعْمُور على هَذَا الشَّرْط غَيره أيده الله من ثَان فَنَهَضَ بِدَلِيل الشَّرْع أَنه إِمَام الْجَمَاعَة حَقًا المستوفي شُرُوطهَا وَالْوَارِث للخلافة النَّبَوِيَّة والحريص على بَيْضَة الْإِسْلَام أَن يحوطها وَأَن الْقَائِم بِهَذَا الْأَمر على الْإِطْلَاق غَيره دعِي ومحاوله دون إِذْنه الْمَشْرُوع بدعي فَتعين لذَلِك أَن الرُّجُوع إِلَى الْحق فَرِيضَة واستبان بِمَا تقرر وَعلم أَن إِمَارَة لَا تلاقي فِي الشُّرُوع محلهَا الْمَشْرُوع منبوذة مرفوضة وعروتها لذَلِك مفصومة ومنقوضة فَانْتدبَ لهَذِهِ الْآثَار صَحِيح الْأَخْبَار وَصرف إِلَى رضى الله الْعِنَايَة ووقف من الشَّرَائِع الْمَشْرُوعَة حَيْثُ مَرْكَز الرَّايَة ومنتهى الغية الرئيس أَبُو الْعَلَاء إِدْرِيس أكْرمه الله انتداب من وقفت بِهِ مَطِيَّة التَّوْفِيق على حَضْرَة الْإِخْلَاص والتصديق وَأخذت بزمامه السَّعَادَة إِلَى حَيْثُ الْفَوْز بِرِضا الله ورضا رَسُوله حقيق والتأييد صَاحب ورفيق وَروض الآمال أنيق وَرَاح الرَّاحَة والاطمئنان عَتيق إِلَى تقلد إِمَام بيعَة الْجَمَاعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور بِاللَّه زَاده الله تقديسا وتشريفا الَّتِي تؤسس إِن شَاءَ الله على تقوى من الله ورضوان وَتشهد عقدهَا الْكَرِيم مَلَائِكَة الرَّحْمَن وآثر أسعده الله أَن يُؤَدِّي
стр. 969
فَرضهَا الْمَعْدُود من فروض الْأَعْيَان وَحكمهَا الَّذِي توجه بِهِ خطاب الشَّرْع الْعَام إِلَى القاصي والدان وينشر سنتها الْمَشْرُوعَة فِي صقعه وَمَا يَلِيهِ من الأصقاع وَالْبِقَاع بالسودان تقلدا يستضيء إِن شَاءَ الله بأنواره ويستشرف بِهِ للعز المكين على مناره ويخمد بِهِ للْجَهْل جذوة ناره وتنتظم بِهِ فِي اتِّبَاع الْحق زمر أنصاره ويجتلي بِهِ صُورَة إنسانه ويستوجب من الله عوارف صنعه وإحسانه ويرهف بِهِ لِلْعَدو على العزمات حد سَيْفه وسنانه ويقرع بِهِ لرضا الله بَاب الْقبُول ويتضاعف لَهُ ببركته الْعَمَل المقبول ويستنشق بمشهد عقده الْكَرِيم نواسم النُّبُوَّة وَيعود لَهُ بِهِ الزَّمَان للشباب والفتوة وَيرْفَع بِهِ منار الْإِمَارَة على قَوَاعِد الشَّرْع الْوَثِيقَة ويعدل بِهِ فِي كل الْأَحْوَال عَن الْمجَاز إِلَى الْحَقِيقَة وتتسنى لَهُ بِهِ وَهِي الْمَقْصد الْأَسْنَى والخاتمة الْحسنى الأسوة الْحَسَنَة بإمامي بني الْعَبَّاس السفاح والمنصور وَيحيى سنتهما الَّتِي نقلهَا ثِقَات الْأَعْلَام والصدور فِي مبايعتهما الإِمَام الْخَلِيفَة الْمهْدي الْأَكْبَر سليل سيد الْمُرْسلين وجد مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الَّذِي رأى إِمَام دَار الْهِجْرَة أَنه بتراث الْخلَافَة النَّبَوِيَّة أولى وأحق وَفِي منصب الْإِمَامَة على شَرطهَا أعرق وبسريرها ومنبرها أليق فتأكد للمنتدب أكْرمه الله بِهَذِهِ الْآثَار الشَّرِيفَة والمناقب المنيفة الْعَزْم وَالْقَصْد وأنجز لَهُ فِيمَا أَرَادَهُ صَادِق الْوَعْد وساعد نِيَّته الصَّالِحَة فِيهِ السعد فَبَايعهُ أَعلَى الله يَده على الْأَمْن وَالْأَمَانَة والعفاف والديانة وَالْعدْل الَّذِي يشيد للمجد أَرْكَانه مبايعة شايعه على عقدهَا الْكَرِيم أكْرمه الله أَتْبَاعه وجموعه وأشياعه بِحكم الْوِفَاق والاتفاق والمواثيق الشَّدِيدَة الوثاق وبجميع الْأَيْمَان الصادقة الْأَيْمَان أعْطوا بهَا صَفْقَة أَيْديهم وَرفع بهَا العقيرة مناديهم عارفين أَن يَد الله فِيهَا فَوق أَيْديهم وأمضوها على السّمع وَالطَّاعَة والانتظام فِي سلك الْجَمَاعَة إِمْضَاء يدينون بِهِ فِي السِّرّ والجهر واليسر والعسر والرخاء والشدة والأزمان المشتدة والتزموا شُرُوطهَا طَوْعًا واستوعبوها جِنْسا ونوعا بنيات مِنْهُم خَالِصَة صَادِقَة وعدة من الله لَهُم بِالْخَيرِ سَابِقَة وسعادة بِالْحُسْنَى لاحقة أبرموا عقدهَا وأحكموا وعدها وعهدها على حكم الْكتاب وَالسّنة وَالْجَمَاعَة وَالْأَخْذ بسنتها أعقابا من أعقاب وأحقابا أثر أحقاب إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
стр. 970
واقتراب السَّاعَة لَا يلْحق عقدهَا الْكَرِيم فسخ وَلَا يعقبه بحول الله نسخ وَلَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ نقض وَلَا نكث وَلَا يشوبه بشوائب الشُّبُهَات بحث وَأجْمع على هَذَا أسعده الله بالمواثيق المستفيضة والأيمان اللَّازِمَة الْمُغَلَّظَة هُوَ وَأَتْبَاعه إِجْمَاعًا شَرْعِيًّا وحتموه على أنفسهم حتما مقضيا واعتقده اعتقادا أبديا وعرضوا على الْتِزَامه بمشهد عقده الْمُبَارك أفرادا وأزواجا وحدانا وأفواجا وَأشْهدُوا على الْوَفَاء بِهِ بأيمانهم الصادقة البرور ومواثيقهم المثلجة للصدور قائلين بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْملك القدوس الْعَلِيم بالخفيات والخبير بالآجال والوفيات وبجميع الرُّسُل الْكِرَام والأنبياء وملائكة الرَّحْمَن فِي الأَرْض وَالسَّمَاء وعَلى أَنهم إِن حادوا عَن هَذَا السَّبِيل وانقادوا لدعاء دَاعِي التَّغْيِير والتبديل أَو انحرفوا عَن هَذَا الْمِنْهَاج وسنته فهم برَاء من حول الله وقوته وَمن دينه وعصمته ومستوجبون لعذابه وغضبه وَسخطه ونقمته وبعداء من رَحمته وَمن شَفَاعَة نبيه الْكَرِيم يَوْم الْقِيَامَة لأمته وَأَنَّهُمْ خالعون لربقة الْإِسْلَام وخارجون عَن سنة الرَّسُول ﷺ أعْلنُوا بِهَذَا إعلانا تعضده النَّجْوَى وأدوه بِشُرُوطِهِ الْجَارِيَة على مَذَاهِب الْفَتْوَى وَأَحْكَامه اللَّازِمَة لكلمة التَّقْوَى استرضاء لله وللخلافة النَّبَوِيَّة والإمامة العلوية ورياضة للنفوس على بيعتها الْمُبَارَكَة الميمونة النقيبة وَاسْتِيفَاء لشروطها وأقسامها الْوَاجِبَة والمستحبة والمندوبة مستسلمين إِلَى الله بالقلوب الخاشعة ومتضرعين إِلَى بَابه الْكَرِيم بالأدعية النافعة فِي أَن يعرفهُمْ خير هَذَا العقد الْكَرِيم والعهد الصميم بَدَأَ وختاما وَأَن يمنحهم بركته الَّتِي تصحبهم حَالا ودواما لَا رب غَيره وَلَا خير إِلَّا خَيره أشهد على نَفسه بِمَا فِيهِ وعَلى رَعيته الرئيس أَبُو الْعَلَاء إِدْرِيس أسعده الله وأكرمه وبتاريخ الْمحرم الْحَرَام من عَام تسعين وَتِسْعمِائَة من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة انْتهى
وَلما كتبت هَذِه الْبيعَة دفعت للرسول وَأكْرم وكافأه أَمِير الْمُؤمنِينَ على هَدِيَّة سُلْطَانه وَتوجه إِلَى بِلَاده بِجَوَاب مرسله وَلم يلبث أَن رجعه سُلْطَانه ثَالِثَة وَوجه مَعَه هَدِيَّة ورسالة وخاض القفر إِلَى دَار الْخلَافَة فوصل إِلَى بِلَاد تيكورارين وَهُنَاكَ اعترضته منيته فاعتل وَهلك فأشخص أولو الْأَمر
стр. 971
الَّذين بتيكورارين الْهَدِيَّة مَعَ رفقائه القادمين مَعَه من عِنْد سُلْطَانه فوصلوا بهَا إِلَى حَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ بمراكش وَقدمُوا إِلَيْهِ رسالتهم وهديتهم فتقبلها بِقبُول حسن وَتمّ السرُور وَعظم الحبور واستقامت للمنصور الْأُمُور
بعث الْمَنْصُور وَرَسُوله بالدعوة إِلَى آل سكية وَكَيْفِيَّة ذَلِك
لما أدّى الْوَفْد الواردون على الْمَنْصُور من السُّلْطَان أبي الْعَلَاء صَاحب مملكة برنو مَا قدمُوا لأَجله ردهم الْمَنْصُور إِلَى صَاحبهمْ مكرمين وانتخب رَسُولا عَارِفًا مجربا مِمَّن لَهُم بَصِيرَة بأحوال السودَان فَبَعثه مَعَهم عينا يَأْتِيهِ بأخبار الْبِلَاد حَتَّى كَأَنَّهُ يشاهدها وَبعث مَعَه رِسَالَة إِلَى السُّلْطَان إِسْحَاق بن دَاوُد من آل سكية صَاحب مملكة كاغو من أَرض السودَان يَأْمُرهُ فِيهَا أَن يرتب على مَعْدن الْملح الَّذِي بتغازي بَين الْمغرب والسودان وَمِنْه يحمل الْملح إِلَى أقطار السودَان وظيفا بِأَن يَجْعَل كل من يحمل مِنْهُ شَيْئا من الواردين عَلَيْهِ مِثْقَالا من الذَّهَب الْعين لكل حمل تستعين بذلك الْخراج عَسَاكِر الْمُسلمين على جِهَاد الْكفَّار لِأَن ذَلِك بَحر لَا سَاحل لَهُ
وَكَانَ الْمَنْصُور لم يكاتبه فِي ذَلِك حَتَّى أستفتى عُلَمَاء إيالته وأشياخ الْفتيا بهَا فأفتوه بِمَا هُوَ الْمَنْصُوص للْعُلَمَاء رضوَان الله عَلَيْهِم من أَن النّظر فِي الْمَعَادِن مُطلقًا إِنَّمَا هُوَ للْإِمَام لَا لغيره وَأَنه لَيْسَ لأحد أَن يتَصَرَّف فِي ذَلِك إِلَّا عَن إِذن السُّلْطَان أَو نَائِبه وَبعث إِلَيْهِ الْمَنْصُور بِتِلْكَ الْفَتَاوَى مَعَ الرسَالَة الموجه بهَا مَعَ الرَّسُول وَكَانَت من إنْشَاء الْعَلامَة الأديب مفتي الحضرة المراكشية الْمولى أبي مَالك عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الشريف السجلماسي لِأَن كَاتب الْإِنْشَاء أَبَا فَارس عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الفشتالي كَانَ مَرِيضا يَوْمئِذٍ وَلما فرغ الشريف الْمَذْكُور من إنشائها بَقِي عَلَيْهِ الصَّدْر فَلم يدر كَيفَ يَقُول فِي مُخَاطبَة إِسْحَاق سكية وَلَا كَيفَ يمدحه وَهل يتوغل فِي الْمَدْح أَو يتوسط فَكتب أَبُو مَالك حِين تحير فِي ذَلِك إِلَى الْمَنْصُور بِمَا نَصه أيدكم الله وَنصر
стр. 972
أعلامكم إِن مُخَاطبَة هَذَا الرجل الَّذِي هُوَ فِي مرتبَة مماليك الحضرة المولوية أَمر تلعثم فِيهِ لساني ووقف عَن خوض لجته بناني لِأَن النأي عَن هَذِه المحجة قد مد بيني وَبَينهَا حِجَابا وأغلق فِي وَجْهي بَابا فَلَا آمن من أَن أقتحم الْوُقُوع فِي تَفْرِيط أَو إفراط وَخير الْأُمُور لَو عَلمته الأوساط لَكِن لَا سَبِيل إِلَى مَعْرفَته إِلَّا بعد علم الطَّرفَيْنِ وَالْعَبْد مَحْجُوب عَن ذَلِك دون مين فَتركت أيدكم الله الصَّدْر لمن هُوَ بِهِ مني أقعد وتحاميت عقده لمن هُوَ لَهُ أعقد أبي فَارس عبد الْعَزِيز الَّذِي فاضت عَلَيْهِ أنواركم وأضاءت لَهُ سبل هَذَا الْمخبر أقماركم وَإِلَّا قرعت هواتف لِسَان الْحَال سَمْعِي بقول الْقَائِل
(يَا باري الْقوس بريا لَيْسَ يُحسنهُ ... لَا تظلم الْقوس أعْط الْقوس باريها)
وَلما بلغت رِسَالَة الْمَنْصُور إِلَى السُّلْطَان إِسْحَاق سكية واطلع عَلَيْهَا شقّ عَلَيْهِ ذَلِك وماطل فِي الْجَواب وَحَيْثُ أَبْطَأَ الرَّسُول فطن الْمَنْصُور لما انطوى عَلَيْهِ سكية من عدم إجَابَته لما طلب من الوظيف على الملاحة فَاشْتَدَّ غَضَبه وعزم على تَوْجِيه العساكر إِلَى السودَان فَهَذَا هُوَ الْحَامِل لَهُ على قصد تِلْكَ الْبِلَاد وتدويخها وَلما فتح تيكورارين وتوات قوي عزمه على ذَلِك وطمحت نَفسه للاستيلاء على مَا هُنَالك على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
مفاوضات الْمَنْصُور الْمَلأ من أَصْحَابه فِي غَزْو آل سكية وَمَا دَار بَينهم فِي ذَلِك
قَالَ الفشتالي ﵀ لما رجعت أرسال الْمَنْصُور إِلَيْهِ من عِنْد إِسْحَاق سكية وأعلموه بمقالته وامتناعه واحتجاجه بِأَنَّهُ أَمِير نَاحيَة والمنصور أَمِير نَاحيَة وَأَنه لَا تجب طَاعَته عَلَيْهِ شاور الْمَنْصُور أَصْحَابه وَجمع أَعْيَان دولته والتقى أهل الرَّأْي والمشورة فَاجْتمعُوا وَكَانَ يَوْم اجْتِمَاعهم يَوْمًا مشهودا فَقَالَ لَهُم الْمَنْصُور إِنِّي عزمت على منازلة أَمِير السودَان صَاحب كاغو
стр. 973
وَبعث الجيوش إِلَيْهِم لتجتمع كلمة الْمُسلمين وتتحد الرّعية وَلِأَن بِلَاد السودَان وافرة الْخراج كَثِيرَة المَال يتقوى بهَا جَيش الْإِسْلَام ويشتد ساعد كتيبته مَعَ أَن صَاحب أَمرهم وَالْمُتوَلِّيّ لسلطنتهم الْيَوْم مَعْزُول عَن الْإِمَارَة شرعا إِذْ لَيْسَ بقرشي وَلَا اجْتمعت شُرُوط السلطنة فِيهِ الْعُظْمَى فَلم نثل الْمَنْصُور مَا فِي كِنَانَته وَأبْدى مَا فِي خبيئته وَعرض مَا فِي عيبته سكت الْحَاضِرُونَ وَلم يراجعوا بِشَيْء فَقَالَ لَهُم أسكتم استصوابا لرأيي أَو ظهر لكم خلاف مَا ظهر لي فَأجَاب كلهم بِلِسَان وَاحِد ورأي مُتَّفق إِن ذَلِك رَأْي عَن الصَّوَاب منحرف وَأَنه بمهامه عَن الآراء السديدة وَلَا يخْطر ببال السوقة فَكيف بالملوك وَذَلِكَ لِأَن بَيْننَا وَبَين السودَان مهامه فيحا تقصر فِيهَا الخطا وتحار فِيهَا لقطا وَلَيْسَ فِيهَا مَاء وَلَا كلأ فَلَا يَتَأَتَّى السّفر فِيهَا وَلَا اعتساف شَيْء من طريقها مَعَ كَونهَا مخوفة مَمْلُوءَة الجوانب ذعرا وَأَيْضًا فَإِن دولة المرابطين على ضخامتها ودولة الْمُوَحِّدين على عظمها ودولة المرينيين على قوتها لم تطمح همة وَاحِد مِنْهُم لشَيْء من ذَلِك وَلَا تعرضوا لما هُنَالك وَمَا ذَاك إِلَّا لما رَأَوْا من صعوبة مسالكها وَتعذر مداركها وحسبنا أَن نقتفي أثر تِلْكَ الدول فَإِن الْمُتَأَخر لَا يكون أَعقل من الأول فَلَمَّا قضى أُولَئِكَ الأقوام كَلَامهم وأبدوا لَهُ رَأْيهمْ وملامهم قَالَ لَهُم الْمَنْصُور إِن كَانَ هَذَا غَايَة مَا استضعفتم بِهِ أَمْرِي وفيلتم بِهِ رَأْيِي فَلَيْسَ فِيهِ حجَّة وَلَا مَا يخدش فِيمَا عِنْدِي أما قَوْلكُم بَيْننَا وَبَينهَا صحار مخوفة ومفاوز مهلكة لجدوبتها وعطشها فَنحْن نرى التُّجَّار على ضعفهم وَقلة استعدادهم يشقون تِلْكَ الطّرق فِي كل وَقت ويخوضون فِي أحشائها مشَاة وركبانا وَجَمَاعَة ووحدانا وَلم تَنْقَطِع قطّ ركاب التُّجَّار عَنْهَا وَأَنا أقوى أهبة مِنْهُم وللجيش همة لَيست للقوافل وَأما قَوْلكُم إِن من كَانَ قبلنَا من الدول الطنانة لم تطمح أَبْصَارهم لذَلِك فاعلموا أَن المرابطين صرفُوا عنايتهم لغزو الأندلس ومقابلة الإفرنج وَمن بذلك السَّاحِل من الأروام والموحدون اقتفوا سبيلهم فِي ذَلِك وَزَادُوا بِحَرب ابْن غانية والمرينيون كَانَت غَالب وقائعهم مَعَ بني عبد الواد بتلمسان وَنحن الْيَوْم قد انسد عَنَّا بَاب الأندلس باستيلاء الْعَدو الْكَافِر عَلَيْهَا
стр. 974
جملَة وانقطعت عَنَّا حروب تلمسان باستيلاء التّرْك عَلَيْهَا ثمَّ إِن أهل تِلْكَ الدول لَو أَرَادوا مَا أردنَا لصعب عَلَيْهِم لِأَن جيوشهم كَانَت فُرْسَانًا رامحة ورماة ناشبة وَلم يكن عِنْدهم هَذَا البارود وعساكر النَّار المرهبة الصَّوَاعِق وَأهل السودَان لَيْسَ عِنْدهم الْآن إِلَّا الرماح وَالسُّيُوف وَهِي لَا تقاوم هَذِه المدافع المستحدثة فمقاتلتهم سهلة وحربهم أيسر من كل شَيْء وَأَيْضًا فَإِن بِلَاد السودَان أَنْفَع من إفريقية فالاشتغال بهَا أولى من منازلة التّرْك لِأَنَّهُ تَعب كثير فِي نفع قَلِيل فَهَذَا جَوَاب مَا عرض لكم وَلَا يحملنكم ترك الْمُلُوك الأول ذَلِك على استبعاد الْقَرِيب واستصعاب السهل فَإِنَّهُ كم ترك الأول للْآخر وَقد يفتح على الْمُتَأَخر بِمَا لم يفتح بِهِ على الْمُتَقَدّم فَلَمَّا فرغ الْمَنْصُور من خطابه وَأبْدى مَا فِي وطابه اسْتحْسنَ الْحَاضِرُونَ جَوَابه واستملحوا إِشَارَته واستجادوا رَأْيه وَقَالُوا لَهُ قد طبقت الْمفضل وألهمت الصَّوَاب وَلم تبْق لأحد مَا يَقُول وَصدق من قَالَ عقول الْمُلُوك مُلُوك الْعُقُول فانفصل الْجمع على الْبَعْث إِلَى السودَان ومناهضة أَهله ومتابعة الْمَنْصُور فِي رَأْيه عَلَيْهِ قلت وَفِي كَلَام الْمَنْصُور أَمْرَانِ يحتاجان إِلَى مزِيد بَيَان الأول مَا قَالَه من أَن الملثمين لم تكن لَهُم سلطنة على السودَان يَعْنِي بهم الَّذين أَقَامُوا بِأَرْض الْمغرب ودبروا أمره مثل يُوسُف بن تاشفين وبنيه فَلَا يرد عَلَيْهِ أَن الْأَمِير أَبَا بكر بن عمر غزا السودَان وَفتح مِنْهُ مسيرَة ثَلَاثَة أشهر لِأَن ذَلِك كَانَ بعد رُجُوعه إِلَى الصَّحرَاء واستقراره بهَا وإعراضه عَن ملك الْمغرب بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا مر الثَّانِي مَا قَالَه من أَن البارود لم يكن فِي تِلْكَ الدول الفارطة يَعْنِي بِهِ لم يكن مَوْجُودا فِيهَا بِكَثْرَة بِحَيْثُ يَسْتَغْنِي بِهِ الْجَيْش عَن غَيره سَاعَة الْقِتَال فَلَا يرد عَلَيْهِ أَن ظُهُوره كَانَ فِي أَوَائِل الْمِائَة السَّابِعَة لأوّل دولة بني مرين كَمَا مر إِذْ ظُهُوره فِي تِلْكَ الْمدَّة كلا ظُهُور وَالله تَعَالَى أعلم بحقائق الْأُمُور
стр. 975
استجازة الْمَنْصُور لعلماء مصر ﵃ وتلمذه لَهُم
قَالُوا وَمن اعتناء الْمَنْصُور ﵀ أَنه بعث إِلَى عُلَمَاء مصر يستجيزهم رَغْبَة فِي اتِّصَال حَبل السَّنَد واقتفاء لاحب ذَلِك الطَّرِيق الْأسد وَمِمَّنْ أجَازه الإِمَام الْعَارِف بِاللَّه أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن الشَّيْخ أبي الْحسن الْبكْرِيّ ﵁ وَمن بعض فُصُول إِجَازَته لَهُ قَوْله يمدح كتاب الْمَنْصُور إِلَيْهِ ويثني عَلَيْهِ بالفصاحة والبلاغة مَا نَصه وَلَقَد وصل إِلَى الْمثل العديم الْمِثَال المزري نظامه بعقود اللآل فَإِذا بِهِ السحر إِلَّا أَنه الْحَلَال وَلَو ادّعى أحد أَن من معجزات أَحْمد ﷺ أَن يمد الله كراما كاتبين فِي زمَان نجله أَمِير الْمُؤمنِينَ أَحْمد بِكِتَاب كريم على أسلوب قويم يُرْسِلهُ إِلَى محب قديم من النبعة والصميم لم تكذب دَعْوَاهُ فَمَا من خارق فِي الْأمة إِلَّا وَهُوَ من معجزاته ﷺ دَال على علاهُ وَأما مَا شرفني بِهِ من طلب الْإِجَازَة فالبيت والْحَدِيث لَهُ وَلَكِن رب أَب أرسل إِلَى ابْنه على يَد عَبده عَطاء فَقبله وَإِلَيْهِ بأَمْره حمله وَحَيْثُ وَقع الْأَمر فَأمر مَوْلَانَا حتم وطاعته غنم فمولانا مجَاز من هَذَا الْعَهْد من جَمِيع مَا يجوز لهَذَا العَبْد بِجَمِيعِ مَا يجوز لَهُ وَعند رِوَايَته بِشَرْطِهِ الْمُعْتَبر عِنْد أهل الْأَمر وَكَذَلِكَ مجَاز أهل الْعَصْر إجَازَة عَام بعام ليَكُون أَبنَاء الْوَقْت جَمِيعًا على مائدة فضل مَوْلَانَا وَتَحْت ظلال ذَلِك الإنعام فَإِنَّهُ هُوَ السَّبَب فِي تَحْصِيل ذَلِك المرام وَكتب تحريرا فِي رَابِع عشْرين ربيع الثَّانِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة مُحَمَّد بن أبي الْحسن الصديقي سبط آل الْحسن اه
وَمِمَّنْ استجازه الْمَنْصُور أَيْضا من عُلَمَاء مصر الإِمَام الْعَلامَة أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يحيى الْمصْرِيّ الشهير ببدر الدّين الْقَرَافِيّ صَاحب ذيل الديباج فَأَجَازَهُ إجَازَة عَامَّة بسط فِيهَا القَوْل ثمَّ خَتمهَا بقوله
(أجزت لمن تفضل واستجازا ... وبادر لاقتنا خير وحازا)
(وأبرز فِي سلوك الْعلم حَالا ... بِهِ من فضل مَوْلَانَا يجازى)
(إِمَام كَامِل غوث البرايا ... أَمِير الْمُؤمنِينَ حوى مجَازًا)
стр. 976
(وَذَلِكَ بعد تشريفي بِأَمْر ... وَقصد للإجازة فاستجازا)
(فبادرت امتثالا قدر وسعي ... ومقتفيا مناهج من أجازا)
(وَقد أبديت حَقًا لَا محالا ... بِمَا صَار الإِمَام بِهِ مجَازًا)
(بِفَاتِحَة وَسنة خير هدى ... وسلسلة لمن حَاز امتيازا)
(بدار الْهِجْرَة الْعليا إِمَام ... بِمَا أبداه من فضل مجَازًا)
(وَأَرْجُو مِنْهُ يهدي لي دُعَاء ... لما أرجوه من خير مجَازًا)
(بخاتمة تبلغني مراما ... بجنات أَرَاهَا لي مفازا)
(وأشياخي يبلغهم رِضَاء ... ويواصلهم إِلَى خير يجازا)
تَجْدِيد الْمَنْصُور ولَايَة الْعَهْد لِابْنِهِ الْمَأْمُون وَمَا وَقع فِي ذَلِك
قَالُوا وَفِي شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة جدد الْمَنْصُور الْبيعَة لوَلَده مُحَمَّد الشَّيْخ الملقب بالمأمون وَأَخذهَا لَهُ على إخْوَته خُصُوصا لأَنهم كَانُوا فِي الْبيعَة الأولى قبل الْبلُوغ فَأَرَادَ أَن يستوثق لَهُ مِنْهُم بعد الْبلُوغ حسما لمادة النزاع بَينهم فارتحل الْمَنْصُور من مراكش إِلَى تامسنا وَبعث الباشا عزوز بن سعيد الوزكيتي ليَأْتِيه بولِي عَهده الْمَذْكُور من فاس فتوافى القصدان بتامسنا وباشر الْمَنْصُور أَخذ الْبيعَة لَهُ بِنَفسِهِ وَحضر الْأَعْيَان وَأهل الْحل وَالْعقد وأحضر الْمُصحف الْكَرِيم الَّذِي هُوَ مصحف عقبَة بن نَافِع الفِهري ﵁ وَهُوَ من ذخائر الْخُلَفَاء وأحضر الصحيحان لِلشَّيْخَيْنِ وَقُرِئَ ظهير الْبيعَة فَتَوَلّى قِرَاءَته الْكَاتِب أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز الفشتالي وبجنبه القَاضِي أَبُو الْقَاسِم الشاطبي يُفَسر مَا أشكل من لفظ الظهير
وَلما أَخذ الْبيعَة أخر أَوْلَاده إِلَى غَد يَوْمهَا فَكَتَبُوا خطوطهم عَقبهَا بالموافقة على ذَلِك والالتزام لَهُ وَوَقع فِي رِسَالَة السُّلْطَان زَيْدَانَ لأبي زَكَرِيَّاء ابْن عبد الْمُنعم الإِمَام بِذكر هَذِه الْبيعَة فَقَالَ إِنِّي حضرت بيعَة مُحَمَّد الشَّيْخ صَاحب الْمغرب سامحه الله وَحضر أَوْلَاد السُّلْطَان فاستحلفهم لَهُ إِلَّا أَنا فَإِنَّهُ ﵁ قَالَ فلَان لَا يحلف لَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِيمَا نأمره بِهِ ونفعله وَعظم
стр. 977
ذَلِك على إخوتي وَظَهَرت فِي وُجُوههم لأَجله الْكَرَاهِيَة اه
وَلما فرغ الْمَنْصُور من تَجْدِيد الْبيعَة رأى أَن يرشح كلا من أَوْلَاده للإمارة وَيقسم بَينهم الْبِلَاد حَتَّى لَا تبقى فِي نُفُوسهم إحن وَلَا تنطوي قُلُوبهم على ضغائن فعقد لأبي فَارس شَقِيق الْمَأْمُون على السوس وَسَائِر عمائره وَعقد لأبي الْحسن على مكناسة وَمَا والاها وَعقد لزيدان على تادلا ثمَّ عكس ذَلِك لأمر اقْتَضَاهُ الْحَال فَنقل زَيْدَانَ إِلَى مكناسة وَنقل أَبَا الْحسن إِلَى تادلا وَلم يزَالُوا على ذَلِك إِلَى أَن كَانَ من أَمرهم مَا نذكرهُ فِي مَحَله إِن شَاءَ الله
ثورة الْحَاج قرقوش بِبِلَاد غمارة ومقتله
قَالُوا وَفِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة ثار رجل يُقَال لَهُ الْحَاج قرقوش بجبال غمارة وبلاد الهبط وَتسَمى بأمير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ فِي ابْتِدَاء أمره حائكا فتلبس بالزهد وَالصَّلَاح واعتقدته الْعَامَّة ثمَّ اسْتَحَالَ أمره إِلَى مَا ذكرنَا فَأخذ وَقتل وَحمل رَأسه إِلَى مراكش وانقطعت مَادَّة فَسَاده فَلم تبكه أَرض وَلَا سَمَاء
بِنَاء الْمَسْجِد الْجَامِع بِبَاب دكالة من حَضْرَة مراكش حرسها الله
كَانَت الْحرَّة مسعودة أم الْمَنْصُور وَهِي بنت الشَّيْخ الْأَجَل أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله الوزكيتي الورززاتي من الصَّالِحَات حريصة على اقتناء المفاخر راغبة فِي فعل الْخَيْر قَالَ فِي الْمُنْتَقى وَهِي الَّتِي أنشأت الْمَسْجِد الْجَامِع بحومة بَاب دكالة دَاخل مَدِينَة مراكش ووقفت عَلَيْهِ أوقافا عَظِيمَة وَكَانَ ذَلِك سنة خمس وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة قَالَ وَهِي الَّتِي بنت جسر وَادي أم الرّبيع وَغير ذَلِك اه
стр. 978
قلت المرقوم على رخامة قبرها أَنَّهَا بنت جسرين بِلَفْظ التَّثْنِيَة وتزعم الْعَامَّة أَنَّهَا بنت الْمَسْجِد الْمَذْكُور كَفَّارَة لما انتهكته من حُرْمَة رَمَضَان وَذَلِكَ أَنَّهَا دخلت بستانا من بساتين قُصُورهَا وَهِي فِي حَال الوحم فرأت بِهِ خوخا ورمانا فتناولتهما وأكلت مِنْهُمَا فِي نَهَار رَمَضَان ثمَّ نَدِمت على مَا صدر مِنْهَا وَفعلت أفعالا كَثِيرَة من بَاب الْبر رَجَاء أَن يتَجَاوَز الله عَنْهَا وَمِنْهَا الْجَامِع الْمَذْكُور وَلَا زَالَ النِّسَاء وَالصبيان يسجعون بقضيتها إِلَى الْآن فَيَقُولُونَ عودة أكلت رَمَضَان بالخوخ وَالرُّمَّان فِي أسجاع غير هَذِه وَلَفظ عودة مخفف من مسعودة على طَريقَة البربر فِي مثل هَذَا وَالله تَعَالَى أعلم
بعث الْمَنْصُور ببيلة الرخام إِلَى جَامع الْقرَوِيين من فاس حرسها الله
قَالَ ابْن القَاضِي فِي الْمُنْتَقى الْمَقْصُور إِن الْمَنْصُور ﵀ بعث الخصة الْعَظِيمَة سنة سِتّ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة إِلَى جَامع الْقرَوِيين من فاس مَعَ كرْسِي من المرمر تُوضَع عَلَيْهِ وزنهما مَعًا مائَة قِنْطَار قَالَ وَهِي الخصة الَّتِي تَحت منار الْجَامِع الْمَذْكُور وَقَالَ ابْن القَاضِي الْمَذْكُور فِيهَا نقش برقبتها
(إِمَام دَار الْهدى الْمَنْصُور شيدني ... بَحر المكارم من أَبنَاء عدنان)
(حزت المفاخر بالمنصور أجمعها ... وَمن علاهُ سَنَام الْمجد أرساني)
(من جَاءَ يشكو الظما يَوْمًا وقبلني ... أغناه مَا قد همى من صوب أجفاني)
(لَا تنكرن وجود الدمع من فَرح ... فالعين تَدْمَع من أفراط سلوان)
(واشرب هَنِيئًا من السلسال لَا حرج ... معِين دمع جرى من فيض خلجاني)
(فَخر السلاطين من أَبنَاء فَاطِمَة ... أشاع صيتي إِلَى أَطْرَاف عمان)
(وَقد جرت مقلتي تحكي سحائبها ... كف الْخَلِيفَة من أَبنَاء زَيْدَانَ)
(لَا زَالَ للدّين وَالدُّنْيَا يسوسهما ... مَا هيجت عَاشِقًا ورق بأفنان)
(إنشائي فِي زمن التَّارِيخ وَافقه ... للدّين وَالْأَجْر بَحر الْجُود سواني)
стр. 979
وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة سِتّ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فِي ذِي الْحجَّة مِنْهَا سَافر الْمَنْصُور إِلَى فاس وبينما هُوَ فِي الطَّرِيق وافته الْبُشْرَى بِالْفَتْكِ بنصارى سبتة وَأَن زعيم الفئة الجهادية وَهُوَ الْمُقدم أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد النقسيس التطواني كمن لَهُم مَعَ جمَاعَة من الفرسان فِي مَوضِع فَخرج النَّصَارَى بأولادهم وحشمهم فحال النقسيس بَينهم وَبَين سبتة وأوقع بهم وَكَاد يفتحها وسر الْمَنْصُور بِهَذَا الْخَبَر وأنشده فِي ذَلِك الْكَاتِب أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الفشتالي بَيْتَيْنِ زجر لَهُ مِنْهُمَا الفال باستيلائه عَلَيْهَا وهما
(هَذِه سبتة تزف عروسا ... نَحْو ناديك فِي شباب قشيب)
(وَهِي بشرى وَأَنت كفؤ اللواتي ... كافأت بَعْلهَا بِفَتْح قريب)
وَفِي سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فِي الْيَوْم الثَّانِي من ذِي الْقعدَة مِنْهَا أخلى النَّصَارَى مَدِينَة آصيلا حملهمْ الْخَوْف من كَتِيبَة الْمُسلمين المرابطة هُنَالك على الْفِرَار بِأَنْفسِهِم فتركوها يبابا وذهبوا وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو الْعَبَّاس ابْن القَاضِي
(يَا أَيهَا الْمَنْصُور أبشر بالعلا ... فَالله أبلغ فِي العدا المأمولا)
(أنضاكم سَيْفا لحتف عداته ... وبكم غَدا سيف الردى مفلولا)
(وهزمتم الشّرك المتين بعزمكم ... من غير سيف لم يرى مسلولا)
(وأذيتم كيد الْخَبيث بهمة ... وفتحتم دَار العدا آصيلا)
(أكْرم بِهِ من مَالك بل صَالح ... أضحى لبارود العداة خَلِيلًا)
(لَا زَالَ فِي أنف الْهدى شمما وَفِي ... عين الْعَلَاء يشاكل التكحيلا)
وَأَشَارَ بقوله لبارود العداة خَلِيلًا إِلَى مَا صنعه النَّصَارَى دمرهم الله حِين أَرَادوا الْخُرُوج من آصيلا فَإِنَّهُم حفروا تَحت قصبتها وملؤوا الحفرة بالبارود وأوقدوا فتيلا تبلغه ناره عِنْد دُخُول الْمُسلمين فيهلكون ففر نَصْرَانِيّ مِنْهُم وَأخْبر الْمُسلمين بذلك فنجاهم الله تَعَالَى من مكيدة الوبال وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال وَقَالَ فِي ذَلِك أَيْضا الْكَاتِب البارع أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز الفشتالي شعرًا ذكره صَاحب نشر المثاني فَانْظُرْهُ
وَكَانَ فِي زمن الْمَنْصُور رجال من بيوتات الْمغرب معروفون بالشجاعة
стр. 980
والنجدة فِي قتال الْعَدو وَمِنْهُم أَوْلَاد النقسيس التطوانيون وَمِنْهُم أَوْلَاد أبي الليف من أهل بِلَاد الهبط قَالَ فِي الْمرْآة لما كَانَ الْمُقدم الْمُجَاهِد الشَّهِيد أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحسن أَبُو الليف من الشهامة والصرامة على مَا كَانَ عَلَيْهِ وَمن شدَّة نكايته فِي الْعَدو الْكَافِر الطنجي وَبعد أَثَره فيهم جرت أُمُور بَينه وَبَين صَاحب عمل الْقصر فسعى بِهِ إِلَى الْمَنْصُور فَأمر برحيله إِلَى فاس هُوَ وعشيرته مغربين عَن وطنهم كَأَنَّهُمْ فِي سجن فأقاموا بفاس مُدَّة لَا أَدْرِي هَل هِيَ سنة أم أَكثر إِلَّا أَنِّي كنت أرَاهُ عِنْد الشَّيْخ سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَأَنا إِذْ ذَاك صَغِير وَيَعْنِي بالشيخ وَالِده أَبَا المحاسن ﵀ قَالَ فضاقت عَلَيْهِم أنفسهم من الاغتراب فَقَالَ يَوْمًا الْمُقدم عمر لِأَخِيهِ كبيره الْمُقدم مُحَمَّد لَو زرنا الشَّيْخ الْيَوْم وتبركنا بِهِ لَعَلَّ الله يفرج عَنَّا فَإِن النَّاس كثيرا مَا يقصدونه فِي الْمُهِمَّات فَقَالَ لَهُ لَا أتحرك فقد غلب الْيَأْس فَسَار الْمُقدم عمر وَحده فَلَمَّا وصل إِلَى الشَّيْخ قَالَ لَهُ قنطتم قَالَ نعم يَا سَيِّدي فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ غَدا يخلي سبيلكم إِن شَاءَ الله فَرجع إِلَى أَخِيه وَأخْبرهُ فَلَمَّا كَانَ من الْغَد بعث إِلَيْهِم القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد الْحميدِي فَلَمَّا أَتَوْهُ قَالَ لَهُم أَبْشِرُوا بالسراح وَالرُّجُوع إِلَى الوطن إِن شَاءَ الله فَإِنَّهُ قد قرئَ الْآن بَين يَدي السُّلْطَان بعض الْغَزَوَات الَّتِي ذكرهَا ابْن النّحاس وغناء أبطال الْمُسلمين فِيهَا فَقَالَ السُّلْطَان أَو غَيره ترى هَل بَقِي فِي هَذَا الزَّمَان من يماثلهم فَقَالُوا قد بَقِي من يفعل فعلهم وَهَا هم أَوْلَاد أبي الليف المغربون هُنَا يَفْعَلُونَ مثل ذَلِك فَقَالَ السُّلْطَان سرحوهم إِلَى بِلَادهمْ ليحموا ثغورهم ويجاهدوا فِي سَبِيل الله فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادهمْ وفعلوا الأفاعيل فِي عَدو الدّين إِلَى أَن اسْتشْهد الْمُقدم مُحَمَّد فِي ربيع الثَّانِي سنة اثْنَتَيْنِ وَألف اه
стр. 981
غَزْو السودَان وَفتح مَدِينَة كاغو ومقتل سلطانها إِسْحَاق سكية ﵀
قد تقدم لنا مَا كَانَ من مُفَاوَضَة الْمَنْصُور لحاشيته فِي غَزْو السودَان واستقرار رَأْيهمْ على ذَلِك فَبَقيَ الْمَنْصُور يقدم رجلا وَيُؤَخر أُخْرَى إِلَى أَن كَانَت سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فقوي عزمه واشتغل بتجهيز آلَة الْحَرْب وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْجَيْش من آلَة السّفر ومهماته وَأمر القواد أَن يقومُوا حصص الْقَبَائِل وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من إبل وخيل وبغال وَإِن من أَتَى بجمل ضَعِيف يُعَاقب واشتغل هُوَ بتقويم آلَة الْحَرْب من المدافع والعجلات الَّتِي تحملهَا والبارود والرصاص والكور وتقويم الْخشب واللوح وَالْحَدِيد للغلائط والسفن والفلك والمجاذيف والقلوع والبراميل والروايا لحمل المَاء وَألف النجارون ذَلِك فِي الْبر إِلَى أَن تألف ثمَّ خلعوه وشدوه أحمالا وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى أَن استوفى الْمَنْصُور أَمر الْغَزْو فِي ثَلَاث سِنِين ثمَّ أَمر بِإِخْرَاج الْمضَارب والمباني لوادي تانسيفت فَخرجت الْأَحْمَال والأثقال من مراكش فِي الْيَوْم السَّادِس عشر من ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَنزلت العساكر وَضربت أبنيتها خيلا ورجلا وجملتها عشرُون ألفا وَمَعَهُمْ من المعلمين البحرية والطبجية أَلفَانِ فالمجموع اثْنَان وَعِشْرُونَ ألفا وَعقد الْمَنْصُور على ذَلِك الْجَيْش لمَوْلَاهُ الباشا جؤذر وَشد أزره بِجَمَاعَة من أَعْيَان الدولة فَاخْتَارَ مِنْهُم من يعلم نجدته وَيعرف كِفَايَته وتخير من الْإِبِل كل بازل وكوماء وَمن الْخَيل كل عَتيق وجرداء ثمَّ نهضوا فِي زِيّ عَظِيم وهيئة لم ير مثلهَا وَذَلِكَ فِي محرم فاتح سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَكتب الْمَنْصُور إِلَى قَاضِي تنبكتو الْفَقِيه الْعَلامَة أبي حَفْص عمر ابْن الشَّيْخ مَحْمُود ابْن عمراء قيت الصنهاجي يَأْمُرهُ بحض النَّاس على الطَّاعَة وَلُزُوم الْجَمَاعَة
وَلما نهضوا من تانسيفت جعلُوا طريقهم على ثنية الكلاوي ثمَّ على درعة ودخلوا القفر والفيافي فقطعوها فِي مائَة مرحلة وَلم يضع لَهُم عقال بعير وَلَا نقص مِنْهُم أحد فنزلوا على مَدِينَة تنبكتو ثغر السودَان فأراحوا بهَا أَيَّامًا
стр. 982
ثمَّ صَارُوا قَاصِدين دَار إِسْحَاق سكية وَلما سمع بقدومهم احتشد أُمَم السودَان وقبائلها وقبائل الملثمين المهادنين لَهُم وَخرج من مَدِينَة كاغو يجر الشوك والمدر يُقَال إِنَّه جمع مائَة ألف مقَاتل وَأَرْبَعَة آلَاف مقَاتل
وَقَالَ الفشتالي وَلم يقنع بالجيوش الَّتِي جمع حَتَّى أضَاف إِلَيْهَا أَشْيَاخ السَّحَرَة وَأهل النفث فِي العقد وأرباب العزائم والسيمياء ظنا مِنْهُ أَن ذَلِك يُغْنِيه شَيْئا وهيهات وَيرْحَم الله أَبَا تَمام إِذْ قَالَ فِيمَا يقرب من هَذَا الْحَال
(السَّيْف أصدق إنباء من الْكتب ... فِي حَده الْحَد بَين الْجد واللعب)
(بيض الصفائح لَا سود الصحائف فِي ... متونهن جلاء الشَّك والريب)
(وَالْعلم فِي شهب الأرماح لامعة ... بَين الخميسين لَا فِي السَّبْعَة الشهب)
(أَيْن الرِّوَايَة بل أَيْن النُّجُوم وَمَا ... صاغوه من زخرف فِيهَا وَمن كذب)
(تخرصا وأحاديثا ملفقة ... لَيست بنبع إِذا عدت وَلَا غرب)
وَلما تقَارب الْجَمْعَانِ عبأ الباشا جؤذر عساكره وَتقدم للحرب فدارت بهم عَسَاكِر السودَان من كل جِهَة وعقلوا أَرجُلهم مَعَ الْإِبِل وصبروا مَعَ الضُّحَى إِلَى الْعَصْر وَكَانَت سِلَاحهمْ إِنَّمَا هِيَ الحرشان الصغار والرماح وَالسُّيُوف وَلم تكن عِنْدهم هَذِه المدافع فَلم تغن حرشانهم ورماحهم مَعَ البارود شَيْئا وَلما كَانَ آخر النَّهَار هبت ريح النَّصْر وَانْهَزَمَ السودَان فَوَلوا الأدبار وَحقّ عَلَيْهِم الْبَوَار وحكمت فِي رقابهم سيوف جؤذر وجنده حَتَّى كَانَ السودَان ينادون نَحن مُسلمُونَ نَحن إخْوَانكُمْ فِي الدّين وَالسُّيُوف عاملة فيهم وجند جؤذر يقتلُون ويسلبون فِي كل وَجه وفر إِسْحَاق فِي شرذمة من قومه وَلم يدْخل قلعة ملكه وَتقدم جؤذر فَدَخلَهَا واحتوى على مَا فِيهَا من الْأَمْوَال وَالْمَتَاع وَكَانَ ذَلِك منتصف جُمَادَى الأولى من سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَيُقَال إِن جؤذرا لم يدْخل مَدِينَة كاغو وَإِنَّمَا تحصن بهَا إِسْحَاق فحاصره جؤذر فِيهَا وَكتب إِلَى الْمَنْصُور بِخَبَر الْفَتْح وَبعث إِلَيْهِ بهدية فِيهَا عشرَة آلَاف مِثْقَال ذَهَبا ومائتان من خِيَار الرَّقِيق وَغير ذَلِك وامتدت العساكر المنصورة فِي بِلَاد آل سكية تعيث وتفسد وَتَسْبِي وتغنم إِلَى أَن راسل إِسْحَاق الباشا جؤذرا فِي تَقْرِير الصُّلْح على مَال معِين يَدْفَعهُ الْآن وضريبة يُؤَدِّيهَا كل سنة
стр. 983
فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك على مشورة الْمَنْصُور وإمضائه إِيَّاه ثمَّ كتب إِلَى الْمَنْصُور بذلك وَكَانَت العساكر قد أصابتها الْحمى ووخامة تِلْكَ الأَرْض فاتفق رَأْي الْأُمَرَاء على الرُّجُوع وَالْإِقَامَة بتنبكتو إِلَى أَن يَأْتِي جَوَاب الْمَنْصُور فَرَجَعُوا وَأخذ جؤذر فِي إنْشَاء الغلائط والسفن وتركيبها وَلما أكملها دَفعهَا فِي النّيل وَلما بلغ الْمَنْصُور خبر الصُّلْح قَامَ وَقعد وَقوم عسكرا خَفِيفا وَبعث بِهِ مَعَ مَمْلُوكه الآخر مَحْمُود باشا وَهُوَ أَخُو جؤذر وقلده أَمر العساكر كلهَا وعزل جؤذرا عَنْهَا وَأمر مَحْمُودًا أَن يبقيه مَعَه وَكتب إِلَى أُمَرَاء الْعَسْكَر يعاتبهم يوبخهم على مَا فَعَلُوهُ مَعَ إِسْحَاق من الصُّلْح ويؤكد عَلَيْهِم فِي الرُّجُوع إِلَى بِلَاده واتباعه حَيْثُمَا توجه وَلَو عبر النّيل إِلَى العدوة الْأُخْرَى وَخرج مَحْمُود باشا فِيمَن عين لَهُ من الْعَسْكَر فِي زمَان الْحر فِي وَقت لَا يقدر على الْحَرَكَة فِيهِ إِلَّا القطا الكدري وَقطع القفر فِي خمسين مرحلة أَمر لم يسمع بِمثلِهِ وَنزل بالعساكر على ظَاهر تنبكتو على رَأس سنة الْألف فأراح بهَا ثَلَاثًا ثمَّ شحن الغلائط والسفن والفلك بالرؤساء والملاحين ووجوه الْجند فَسَارُوا فِي النّيل وَسَار السوَاد الْأَعْظَم فِي الْبر إِلَى أَن نزلُوا على مَدِينَة كاغو قَاعِدَة ملك إِسْحَاق سكية وَكَانَ إِسْحَاق لما رجعت عَنهُ العساكر إِلَى تنبكتو احتشد أُمَم السودَان المجاورين لَهُ وتذامروا وأصفقوا مَعَه على الْمَوْت فَلَمَّا بلغه رُجُوع العساكر إِلَى كاغو قصدهم فِي جموعه وَلما التقى الْجَمْعَانِ لم يكن إِلَّا مِقْدَار فوَاق نَاقَة حَتَّى انهزم السودَان من سَماع رعد المدافع والمهاريس وارتفاع القنابل فِي الجو وهدير الطبول وتبعتهم العساكر يقتلُون وَيَأْسِرُونَ إِلَى أَن غشيهم ظلم اللَّيْل وَرَجَعُوا بالغنائم والسبي فاستراحوا ثَلَاثًا ثمَّ أَمر مَحْمُود أَخَاهُ جؤذرا أَن يُقيم بِمَدِينَة كاغو عَامِرًا لَهَا وَيتْرك مَعَه عددا من الْعَسْكَر يكون ردْءًا لَهُم وَسَار هُوَ فِي اتِّبَاع إِسْحَاق إِلَى أَن لحقه بِبَعْض الْجِهَات فأوقع بِهِ وقْعَة شنعاء وفر فِي فل من قومه فَعبر النّيل إِلَى العدوة الْأُخْرَى وَتَبعهُ مَحْمُود فَعبر النّيل بعساكره فِي السفن وَسَار خَلفه إِلَى أَن لحقه فأوقع بِهِ وقْعَة ثَالِثَة احتوى فِيهَا على مَا مَعَه من المَال والحريم وَدخل إِسْحَاق القفر فَهَلَك فِيهِ ثمَّ كَانَت لمحمود وقْعَة أُخْرَى مَعَ أَخِيه الَّذِي كَانَ ينازعه فِي
стр. 984
الْملك فَإِنَّهُ قَامَ بعد مهلك أَخِيه وَجمع الجموع وزحف إِلَى مَحْمُود باشا فَنَهَضَ إِلَيْهِ مَحْمُود فَهَزَمَهُ وَقَتله فِيمَن مَعَه من جنده وَأَتْبَاعه وتمهدت لَهُ الْبِلَاد وَاسْتولى عَلَيْهَا اسْتِيلَاء كليا وَكتب بِخَبَر الْفَتْح إِلَى الْمَنْصُور
وَلما بلغه هَذَا الْفَتْح وَصورته كَانَ عِنْده ذَلِك الْيَوْم عيدا من الأعياد أخرج فِيهِ الصَّدقَات وَأعْتق الرّقاب وَأقَام مهرجانا عَظِيما بِظَاهِر الحضرة خرج لَهُ عَامَّة النَّاس للفرجة والنزهة وزينت الْأَسْوَاق وأخرجت المدافع بالنفط وتسابقت الْخُيُول وَأطْعم الْمَنْصُور النَّاس عدَّة أَيَّام ونظم الشُّعَرَاء قصائدهم وَرفعُوا أمداحهم وَأَجَازَهُمْ بِمَا تحدث النَّاس بِهِ دهرا وَكتب بِخَبَر الْفَتْح وَصورته نسخ وجهت إِلَى جَمِيع الْآفَاق وَكَانَ مِمَّا قيل فِي ذَلِك من الشّعْر مَا أنْشدهُ الْكَاتِب أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز الفشتالي فَقَالَ
(جَيش الصَّباح على الدجا متدفق ... فبياض ذَا السوَاد ذَلِك يمحق)
(وَكَأَنَّهُ رايات عسكرك الَّتِي ... طلعت على السودَان بيضًا تخفق)
(لاحت وأفقهم لَيَال كُله ... كعمود صبح فِي الدجا يتألق)
(نشرت لتطوي مِنْهُ لَيْلًا دامسا ... أضحى بسيفك ذِي الفقار يمزق)
(أرسلتهن جوائحا وجوارحا ... فِي كل مخلبها غراب ينعق)
(وسرت فَكَانَ دليلهن إِلَيْهِم ... مشحوذ عزمك والسنان الْأَزْرَق)
(لهي اللَّيَالِي قد جلى أحلاكها ... نور النُّبُوَّة من جبينك يشرق)
(صعِقَتْ بِهن رعود نارك صعقة ... رجت لصيحتها الْعرَاق وجلق)
(سحقا لإسحاق الشقي وَحزبه ... فَلَقَد غَدا بِالسَّيْفِ وَهُوَ مطوق)
(رام النجَاة وَكَيف ذَاك وَخَلفه ... من جَيش جؤذرك الغضنفر فيلق)
(جَيش أواخره ببابك سيله ... عرم وأوله بكاغو محدق)
(لم يشعروا إِلَّا وأسوار الردى ... ضربت عَلَيْهِم من قناك وَخَنْدَق)
(كتب الْإِلَه على عداتك أَنهم ... قنص لسهمك غربوا أَو شرقوا)
(ضلت مُلُوك ساجلوك على الْعلَا ... سفها وشأوك فِي الْعلَا لَا يلْحق)
(أَن يشبهوك وَلَا شَبيه يرى لكم ... فِي الْخلق أَيْن من اللجين الزئبق)
(بشر مُلُوك الأَرْض أَنَّك فاتح ... بالمشرفي على الولا مَا غلقوا)
стр. 985
(وبقاصل لَك ذِي الفقار مفرق ... مَا جَمَعُوهُ وجامع مَا فرقوا)
(دَامَت طيور السعد وَهِي غوارد ... بالمشتهى لَك والمسرة تنطق)
(مَا دَامَ أصل علاك فِي صحف الثنا ... أصل الفخار وكل غَيْرك مُلْحق)
والمشتهى والمسرة بستانان للمنصور ورى بهما هَذَا الشَّاعِر وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِمَا وَكَانَ مَحْمُود باشا لما استوسق لَهُ الْأَمر هُنَالك بعث بِنصْف جَيْشه إِلَى الْمَنْصُور مَعَ هَدِيَّة عَظِيم فِيهَا من الذَّخَائِر مَا لَا يُحْصى من ذَلِك ألف ومائتان من متخير الرَّقِيق الْجَوَارِي والغلمان وَأَرْبَعُونَ حملا من التبر وَأَرْبَعَة سروج ذَهَبا خَالِصا وأحمال كَثِيرَة من اليانبور وقطوط الغالية وَغير ذَلِك وَلما وافت الْمَنْصُور سر بذلك سُرُورًا عَظِيما وَأمر بِعَمَل المفرحات فِي بِلَاد الْمغرب وبتزيين الْأَسْوَاق غدْوَة وَعَشِيَّة ثَلَاثَة أَيَّام ووفدت عَلَيْهِ الْوُفُود من كل نَاحيَة مهنئين لَهُ بِمَا منحه الله من الظفر والنصر وانتظمت الممالك السودانية فِي سلك طَاعَته مَا بَين الْبَحْر الْمُحِيط من أقْصَى الْمغرب إِلَى بِلَاد برنو المتاخمة لبلاد النّوبَة المتاخمة لصعيد مصر قَالَ الفشتالي فكلمة الْمَنْصُور نافدة فِيمَا بَين بِلَاد النّوبَة إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط من نَاحيَة الْمغرب وَهَذَا ملك ضخم وسلطان فخم لم يكن لمن قبله وَالله يُؤْتِي ملكه من يَشَاء وَلما فتح الله عَلَيْهِ ممالك الْبِلَاد السودانية حمل إِلَيْهِ من التبر مَا يعيى الحاسبين ويحير الناظرين حَتَّى كَانَ الْمَنْصُور لَا يُعْطي فِي الرَّوَاتِب إِلَّا النضار الصافي وَالدِّينَار الوافي وَكَانَ بِبَابِهِ كل يَوْم أَربع عشرَة مائَة مطرقة لضرب الدِّينَار الوافي دون مَا هُوَ معد لغير ذَلِك من صوغ الأقراط والحلى وَشبه ذَلِك وَلأَجل هَذَا لقب بالذهبي لفيضان الذَّهَب فِي أَيَّامه والأمور كلهَا بيد الله
следующие страницы →