← История

История · id 6628

البرق الشامي

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (324 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

لما يفترض من الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر واجراء أُمُور الرّعية على وفْق أَحْكَام الشَّرْع المطهر وَأَخذهم فِي مَعَايشهمْ ومعاملاتهم مَا يحظر عَلَيْهِم مُلَابسَة الْخطر وَيُقِيم الْوَزْن بِالْقِسْطِ للبدو مِنْهُم والحضر حَتَّى تدوم الْمعَاهد بِالْعَدْلِ آهلة والمحافل بِالْفَضْلِ حافلة والرعية فِي ملابس الرِّعَايَة رافلة وسيدان الأذايا وسراحينها عَن سراح أَمنهم جافلة نرى أَن نولي الاحتساب من يكرم محتده ويسمو سؤدده فيضح فِي النباهة بالفضائل والنزاهة عَن الرذائل جدده وَمن تقوى بالتقوى نَفسه ويشرق فِي افق دينه بالتوفيق رشده وتنبسط فِي الْحق بالأيد يَده ويخلص لله فِي الإستقامة عَن سنَن الْعدْل مقْصده وَمن يَسْتَقِيم فِي الدّيانَة مذْهبه وَيصِح فِيهَا معتقده وَيعرف بِالتَّوْحِيدِ توحده فَيتَحَقَّق لنهج سَبِيل الْهدى تجرده ويصفو من شبه الشوائب مصدره ومورده وَلما كَانَ فلَان أدام الله توفيقه جَارِيا فِي نزاهة النجار ونباهة الفخار على سنَن شرفه مُتبعا فِي كرم المحتد وَصِحَّة المعتقد سنَن سلفه شافعا متلده فِي الاحسان بِحسن مطرفه مغضيا عَن مطامح المطامع بِعَين عزوفة وَأَنْفه مهيبا لفضل وقاره مصيبا فِي إِيرَاده وإصداره مجيلا قداح النّظر فِي اخْتِيَاره مستطيلا على ذوى التَّقْصِير والاستطالة بانتصافه وانتصاره عَارِفًا بأحوال النَّاس فِي الْمُعَامَلَات والمعاش ثَابت الْقلب فِي مُلَابسَة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر رابط الجأش عولنا عَلَيْهِ فِي تولي الْحِسْبَة بحلب حرسها الله وفوضنا اليه أمرهَا ورفعنا بِهِ قدرهَا وقلدناه عَملهَا وحلينا بِهِ عطلها استنامة الى أَمَانَته وسكونا الى صيانته وديانته وَمَعْرِفَة بشرف نَفسه وعزوفها وصدود همته عَن كل مَا تأباه الْمُرُوءَة وصدوفها واعتمادا على امانته الَّتِي على التَّقْوَى اعتمادها واستنادا إِلَى حزامته الَّتِي إِلَى التَّوْفِيق استنادها وثقة بسريرته الَّتِي بتأييد الله ثقتها وَفِي مرضاة الله مقتها ومقها وعلما بسيرته الَّتِي لمح سنا محاسنها وموالاته للدولة الَّتِي أبهجت الانام أَيَّام أيامنها فليتول ذَلِك بنهضة تَامَّة وكفاية لشمل الْمصَالح ضامة وسياسة لشعب الشّعب الملئم لَامة وَفِي تَهْذِيب الْخَاصَّة والعامة خَاصَّة وَعَامة وَنظر

стр. 282

يذلل الجوامح ويروضها وَمِنْه تستقل بالامانة نهوضها وفطنه ينْكَشف بهَا من الخافيات غموضها وعدالة تُقَام بهَا من المعدلة سننها وفروضها وهداية تنفى الضَّلَالَة وتنسخها ودراية تحل عقد الشُّبُهَات وتفسخها وصرامة تلبى دَعْوَة المستصرخ وتصرخها وسيرة يثبتها كَاتب الْيَمين ويؤرخها وسطوة تدمر الغواية وتدمغها وشهامة تَنْتَهِي فِي حفظ الِاعْتِدَال الى الْغَايَة وتبلغها ورافة بالمتورعين فِي الْمُعَامَلَة توسع عَلَيْهِم الْمَعيشَة وتسوغها وعفة عَن المطاعم والمطامع تضفي عَلَيْهِ حلل الثَّنَاء وتسبغها ومحافظة على خلقه عِنْد الانكار يحفظه فِيمَا يحفظه ومراقبة لله فِي السِّرّ والجهر تبهضه بِمَا لَا يبهضه وتفكر فِي الْحَوَادِث يحدثه بِالْغَيْر ويعظه وخشية الله فِي سَائِر احواله تنذره بالمخاوف وتوقظه وليشرع فِي حفظ الْمُعَامَلَات على جدد الشَّرِيعَة ومنهاجها وليصن حدتها بتجديد دُعَاء النَّاس اليها من انهاجها وليعتمد فِي زجر الفجرة مَا يُؤذن باعجازها وازعاجها وَفِي الْبر بالبررة مَا يُفْضِي باغتباطها وابتهاجها وليعتبر اهل الاسواق فَمن ألفاه ألفا للسداد الفه وَمن عرفه جَاهِلا بالمشروع عَرَفَة وَمن وجده متجوزا فِي امانته أوجده وخوفه وَمن صادفه مائلا عَن مَنْهَج النَّصِيحَة صدفة وثقفه وليتبع بالمسكر باراقته وليقم الْحَد على شَاربه فِي حَال افاقته وَمن ذاق مِنْهُ من اهل التَّحْرِيم وَلَو جرعة فليجرعه من الْحَد مر مذاقته وَمن اسْتوْجبَ التَّعْزِير فَلَا يبلغن بِهِ حد الْحَد وَلَا يحملهُ من الْعقُوبَة فَوق طاقته وليردع مقترف الذَّنب وَلَا يخل بنصيحته وَلَا يتجسس على الْمُسَافِر فيفضي اشاعة الْفَاحِشَة مِنْهُ الى فضيحته وَمن الْتبس عَلَيْهِ أمره فليتوقف فِيهِ حَتَّى يسفر بالكشف عَنهُ ليل الارتياب عَن صبيحته وَمن تفرس فِيهِ حَالا فَلَا يقطع فِيهِ بهَا دون ظُهُور امارتها ووضوح بيناتها بفراسته وقريحته وَلينه عَن الْغِشّ فِي الْعرُوض والنقود وَعَن الرِّبَا فِي المقروض والمعقود وَعَن التطفيف فِي الْكَيْل وَالْوَزْن والذرع وَعَن التنكب فِي الْمَقَادِير والمعايير والمكاييل عَن الْعرف الْمُعْتَبر فِي الشَّرْع وليبحث عَن اهل الصناعات كل الْبَحْث وَعَن المصنوعات جديدها والرث وسمينها والغث فَمن شهد لَهُ أهل الْمعرفَة بالبراعة أقره على مَا يتعاطاه من الصِّنَاعَة وَمن رَآهُ مقصرا نَهَاهُ عَن التَّقْصِير أَو مغررا ردعه عَن التَّغْرِير بالتعزير أَو مفرطا عاقبه على التَّفْرِيط أَو مخلطا أدبه على التَّخْلِيط وَمن عرفه جَاهِلا بصنعته مَنعه وَمن أبصره غير بَصِير بحرفته قدعه وليمنع الطرقيين والمتعاطين للطب على التخمين وليصدهم عَن مداواة الامراض ومزاولة الاعراض ومعالجة الْعُيُون ومعالجة الأدواء بالظنون وَبيع الادوية المغشوشة والمجهولة

стр. 283

وَوضع اساميها على غير المقولة والمنقولة وليزع المتلبسين بالتنجيم والشعبذة وَالْكهَانَة وليهن الْقَائِلين بهَا والقاطعين بحكمها كل الاهانة وليصن الْمَسَاجِد وبيوت الْعِبَادَات من اتخاذها حوانيت لذوى الصناعات وحلفا لذوى الخرافات ومخازن ومساكن لذوى الصَّنَائِع والتجارات ولينكر غَايَة الانكار كشف العورات لَا سِيمَا فِي الحمامات وليكف صَوت المتحدثين فِي العقائد بِمَا يوتغها وَيقطع الالسن عَمَّا يطلقهَا فِي اعراض السّلف الصَّالح ويولغها وليلتزم كل مَا يتَعَيَّن على الْمُحْتَسب وَيلْزمهُ وليعمل بِمَا يعرفهُ من الصَّوَاب وَالصَّلَاح ويعلمه من اطايب المعايش وازالة الْفَوَاحِش واصلاح المكاسب وايضاح الْمذَاهب وتبطيل الملاهي وتعطيل المناهي وتحسين العوائد وتمكين الْفَوَائِد وايجاد المراشد واعدام الْمَفَاسِد وَحفظ الاسعار والقيم وصون الاموال والعصم وابعاد اهل الريب والتهم وإبعاد أهل الظنن وإخماد نَار الْفِتَن وَمن جملَة مَا يلْزمه عمَارَة الطّرق وتنظيفها وتشييد جوانبها وترصيفها فانه متولى أوقافها والناظر فِي مصالحها ومصارفها وَيجب أَن يتولاها ويحافظ فِيهَا على شُرُوط واقفها مشمولا من الدولة بأنص عوارفها مجتنيا من النِّعْمَة من أَغضّ مقاطعها مُحْتَبِيًا من الْحُرْمَة فِي أَعلَى مراتبها معتليا من الْكَرَامَة فِي أسمى مراقيها مقتنعا بِمَا قرر لَهُ عَن الْخدمَة من وظائف المبرة ورواتب النِّعْمَة وسبيل الْوُلَاة والأمراء والشحن والنواب معاونته على مَا وليناه ومساعدته وتقوية يَده على مَا هُوَ بصدده وَإِقَامَة جاهه ومنصبه وإنجاح مقْصده فِي إنالة إربه وتنفيذ احكامه وتمكينه من نقضه وابرامه وموافقته على حبس من يرَاهُ وإطلاقه وإرهاق حد من نبا عَن الْحق ليمضي فِيهِ وارهاقه وتلبية دَعوته وإجابتها وإنالته بغيته وإصابتها وتقليده فِي مهذب التَّهْذِيب والتفويض اليه فِي مناهج التَّقْوِيم والتأديب وَالْعَمَل فِي جَمِيع ذَلِك بالامر العالي وَمُقْتَضَاهُ والاعتماد على التوقيع فِيهِ ان شَاءَ الله منشور من انشائي لطبيب بحلب لما كَانَ الْحَكِيم فلَان حرسه الله متفردا بصناعة الطِّبّ متوحدا فِي علمه مُنْطَلقًا فِي تَدْبيره بدرايته وفهمه مجربا لمداواة الامراض ومداراتها وَاقِفًا على أدلتها فِي مبادئها وغاياتها عَارِفًا بإماراتها ماهرا فِي تشريح الاعضاء وحالاتها عَالما بالعناصر الاربعة واستقصاءاتها ومتفطنا على الامزجة على اختلافها فِي أَوْقَات انحرافها واعتدالها

стр. 284

متمرنا بِالْوُقُوفِ على مَا يجب وَيَنْبَغِي لَهَا فِي حفظ صِحَّتهَا وإماطة اعتلالها فارقا بَين الطبائع الغريزية والغريبة نَاظرا فِي القوى الْآتِيَة مِنْهَا والمجيبة متوسلا فِي تسقيم السقيم وتقسيم الادوية بِحَسب الْعَوَارِض على القانون الْمُسْتَقيم وحماية الناقه بانقائه بالحمية حَتَّى يعود بوفور حِصَّة الصِّحَّة حَالي الْبَهْجَة بهيج الْحِلْية ذَا دراية بالجواهر وأعراضها والاجسام وأمراضها صناعَة طبية اكتسبها بتجريبه وَمهر فِيهَا بِحسن تَدْبيره وترتيبه وأمرناه بِأَن يواظب على الْخدمَة بقلعة حلب المحروسة لمداواة أَهلهَا وحيازة مرضاة مرضاها ومعالجة كل حَالَة بمقتضاها ومداواة أهل الْبَلَد على حسب مَا يكون فِيهِ من الْجلد لمن لابد من ملازمته وَلمن تتوفر الرغبات على حفظ صِحَّته وَقد قرر لَهُ مَا يُعينهُ على استثمار صناعته ويغنيه عَن سواهُ بمواظبته فليتول هَذِه الْخدمَة متوفرا على حفظ الصِّحَّة حَاصِلَة واسترجاعها بِمَشِيئَة زائلة مُقَابلا كل مرض بوزانه من قُوَّة الدَّوَاء مُسْتقِلّا بِمَعْرِِفَة الادوية المركبة والمفردة على تغاير الادواء صائغا فِي تركيبها وَدفع ضَرَر بَعْضهَا بِبَعْض فارقا بَين السَّرِيع والمتواتر والمتخلف والمنتظم فِي النبض مشفقا على الْأَعْضَاء الرئيسة والاجزاء النفيسة بإمالة الْخَلْط عَنْهَا قبل استفراغه والاضافة الى الدَّوَاء مَا يعين على ايصاله وابلاغه وترجيح الْأَمر فِي الْعرض الهائج هَل يستفرغ أَو يُبدل مزاجه وَالْفرق بَين مَا يدارى فَلَا يُحَرك ساكنه وَبَين مَا يُبَادر فيعاجل علاجه وَمَعْرِفَة الدَّوَاء الذى تنْحَل قوته بالطبخ أَو الدق وَمَا يصلح كيفيته بالتصويل والسحق والاطلاع على مَا يسهل ويمسك أَو يُؤْخَذ أَو يتْرك وَالنَّظَر فِي زِيَادَة الْخَلْط على مِقْدَاره الَّذِي يَنْبَغِي بتنقص ضِدّه عَمَّا يَنْبَغِي بفطنته وذكائه وَالِاجْتِهَاد فِي ملاطفة أَخْلَاق الْمَرِيض فِي دوائه وغذائه مُؤديا لامانته فِي كِفَايَته موفيا بالمحافظة على القوانين الصَّحِيحَة حق صناعته واقتصرت على ذكر هَذِه المناشير الثَّلَاثَة لِئَلَّا يُفْضِي بطول الْكتاب وَفِي كل وَاحِد مِنْهَا فِي فنه مَا يتشوف اليه ذَوُو الالباب ذكر بشائر بوقعات نصر فِيهَا الاسلام وَنحن بحلب من ذَلِك وقْعَة بَريَّة بالفرنج على مَاء يعرف بالعسيلة ووقعة بحريّة فِي ظفر الاسطول وَذَلِكَ

стр. 285

فِي محرم سنة تسع وَسبعين وَشرح ذَلِك فِي كتاب من الانشاء العالي الْكَرِيم الفاضلي إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز يتَضَمَّن الوقعتين بعد ذكر فتح حلب ونسخته أدام الله ايام الدِّيوَان الْعَزِيز وَلَا زَالَت منَازِل ملكه منَازِل التَّقْدِيس والتطهير وموالاته وَسِيلَة التمحيص والتكفير ومواقف الاولياء بِبَابِهِ مَوَاطِن السُّجُود والتعفير وَالْولَايَة من قبله عَلامَة التَّمْلِيك والتأمير وَالْوُقُوف بأقصى المطارح من ترابه مُوجب التَّقْدِيم والتصدير وآيات نعم الله فِي وجوده وَاضِحَة تغني فِيهَا الالباب عَن التَّبْيِين وَالتَّفْسِير وَالْأمة مَجْمُوعَة الشمل بإمامته جمع السَّلامَة لَا جمع التكسير وَالْخَادِم يُنْهِي ان الذى يحملهُ على مَا يحملهُ الى الدِّيوَان الْعَزِيز من كتبه ويندبه من رسله ويجيب بِهِ دَاعِي طبعه فِي الْوَلَاء المسترسل على سجيته المنبعث فِيهِ على رسله أَمْرَانِ أَحدهمَا أَن الذى يفتتحه من الْبِلَاد ويتسلمه إِمَّا بِسُكُون التغمد اَوْ بحركة مَا فِي الاغماد إِنَّمَا يعده طَرِيقا إِلَى الاستنفار الى بِلَاد الْكفَّار واما يحسبه جنَاحا يُمكنهُ من المطار إِلَى مُلَابسَة الْكَفَرَة من الاقطار وَالثَّانِي إِعْلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ ان تقليداته وتقليد آبَائِهِ الطاهرين اذا صدرت عَنهُ وعنهم قُرِئت وَمَا عصيت ونفذت وَمَا نبذت فَيعلم ان لَهُ عبدا ممتثل امْرَهْ وَيلْزم النَّاس بامتثاله وخادما يُطِيع حكمه الْجَلِيل وَيحكم على غَيره بِطَاعَتِهِ واجلاله وَإِلَّا فَكَانَ من الْوَاجِب ان يذخر بريده الَّذِي يبرده ويلجم القَوْل الَّذِي يُورِدهُ ويدع الحَدِيث الَّذِي يصوغه سنّ الْقَلَم والنور الذى يقتدح مِمَّا يَقْتَضِيهِ المداد من الظُّلم لخَبر عَن الْكَافِر لَا تلغى شمس معجزته يدا فِي كَافِر وَلِحَدِيث عَن الْبَيْت الْمُقَدّس ينْتَظر النَّاظر بسفور صَاحبه السافر وَذَلِكَ بِمَشِيئَة الله غير بعيد من لطف الله بديع وَغير عَزِيز عِنْد قدرَة الله الْكَافِر بهَا غير عَزِيز وعَلى هَذِه التقدمة فَهُوَ يستفتح هَذِه الْخدمَة بِذكر ظفرين للاسلام بري وبحري شَامي ومصري أَحدهمَا وَهُوَ البحري عود أحد الاسطولين اللَّذين اغزاهما أَخُو السُّلْطَان

стр. 286

أَبُو بكر بِمصْر وَكَانَت مُدَّة غيبته من وَقت خُرُوجه الى وَقت عودته الى دمياط تِسْعَة أَيَّام لِأَنَّهُ غزا مِنْهَا فِي خَامِس عشر الْمحرم وقفل رَابِع عشرينه فظفر ببطسة مقلعة من الشَّام فِيهَا ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ علجا مِنْهُم خيالة ذَوُو شَوْكَة وازعة وتجار ذَوُو ثروة وَاسِعَة فَأَخذهُم الله بأيدى الاولياء برقابهم وَمكن الحطم والقصم من صلبهم واصلابهم ومسخ عزة إقدامهم بذلة إحجامهم وَسُيُوفهمْ الَّتِي فِي ايديهم سلاسل فِي أَقْدَامهم وملئت آمال الْمُجَاهدين أَمْوَالًا وأثقالا وانتقلوا بالقلوب خفافا وبالأيدي ثقالا وَبرد مغنمهم بعد مَا تقدمه من حر الْحَرْب وعادوا عَن الْبَحْر الْملح شاكرين لما أوردهم من الشّرْب العذب وَالظفر الثَّانِي وَهُوَ الْبري مَا طولع بِهِ من مصر من نهوض فرنج الداروم الى أَطْرَاف بعيدَة وَهَذِه الْعصبَة ملعونة مقبلة على الْقِتَال مذربة النصال مدربة على النضال لَا تزغ الأعنة وَلَا تنْزع الأسنة تسري فتسبق الصَّباح وتدلج فتستصبح الرماح فَنَذر بهم وَالِي الشرقية فَركب اللَّيْل فرسا كَمَا ركبوه جملا وسروا ثقيلا وسرى رملا فتوافى الْفَرِيقَانِ إِلَى مَاء يعرف بالعسيلة سبق الفرنج الى موردته وَالسَّابِق إِلَى المَاء محاصر الْمَسْبُوق ووردوا زرقه فتعصب لأزرقهم فَظن الْمُؤمن أَن الْكَافِر مَرْزُوق وَاشْتَدَّ بِالْمُسْلِمين الْعَطش وغل ايديهم الدهش فَأَنْشَأَ الله فِي ناجر الهواجر سَحَابَة مَاء صَيْفِي سقاهم بهَا ﴿من فَوْقهم وَمن تَحت أَرجُلهم﴾ وَأمْسك بِهِ ايديهم فاستمسكت على أنصلهم فآبوا إِلَى الفرنج بِقُوَّة انجاد

стр. 287

السَّمَاء بِالْمَاءِ وثاروا الى الملاعين الاعداء بالعزم الجري ذاكرين معْجزَة الْيَوْم البدري يَوْم من الله على أهلة بالتطهير والري فَلم ينج من الفرنج الا رجلَانِ احدهما الدَّلِيل وَالثَّانِي الذَّلِيل وانجلت الجلى بعد أَن صَارُوا معتفين وتساقوا كؤوس الْمَوْت تَحت ليل العجاج معتبقين فقطت شَوْكَة شَدِيدَة وفلت شكة كفر حَدِيدَة وَعَاد الْمُسلمُونَ برؤوس عدوهم فِي رُؤُوس القنا وَقد اجتنوا ثمراتها وأرواحهم فِي صُدُور الظبي وَقد أطفأوا بِمَائِهَا جمراتها فصل من كتاب من انشائي فِي معنى الظفرين وَردت إِلَيْنَا مُوَافقَة لفتح حلب فِي صفر بشارتان بِمَا تمّ فِي مصر للاسطول فِي الْبَحْر والعسكر فِي الْبر من الظفر فَأَما الاسطول الْمَنْصُور فانه نَهَضَ فِي الْبَحْر مغيرا فَعَاد بعد تِسْعَة أَيَّام بثلاثمائة وَخَمْسَة وَسبعين أَسِيرًا وتجهز الاسطول الثَّانِي فتواترت الاخبار بظفره وَعوده حامدا لأثره وَأما المعسكر الْمَنْصُور فان فرنج الداروم خصهم الله بالذمور كَانُوا قد نهضوا نَحْو فاران وَجمع الطّور فِي جمع محشود وحشد مَجْمُوع ومجر من الْخَيل وَالرجل رائع غير مروع فَاشْتَدَّ ضررهم واشتهر خبرهم وَتمكن من النُّفُوس حذرهم ولقح تِلْكَ الأرجاء شررهم فأنهض اخونا الْعَادِل نَصره الله وَرَاءَهُمْ من الْعَسْكَر رجَالًا منتخبين وابطالا للحق من الْبَاطِل منتخبين وَقدم عَلَيْهِم سعد الدّين كمشة وَعلم الدّين قَيْصر وسيرهم لأهل تِلْكَ النَّاحِيَة مصرخين فعارضوهم على صوب طَرِيق صدر وائلة وصادفوهم وَقد عَادوا على مَاء يعرف بالعسيلة فترجل الفرنج وآووا إِلَى جبل يعصمهم وَمَا عرفُوا ان الاسلام يَأْخُذهُمْ ويقذفهم وان الْكفْر لَا ينقذهم بل يسلمهم فَأتى عَلَيْهِم أَصْحَابنَا عَن آخِرهم قتلا وأسرا واستلموا من صَحَائِف الصفائح لاثبات ايات الْإِسْلَام وتبيين سور سيره نصرا وَالْحَمْد لله الَّذِي نصر التَّوْحِيد على التَّثْلِيث وميز الطّيب من الْخَبيث وألهانا عَن التحدث بنصره الْقَدِيم بحَديثه الحَدِيث وَلم يبْق لنا الان أرب إِلَّا فِي الْجِهَاد الَّذِي تعين فَرْضه وَلزِمَ فِي الذِّمَّة فَرْضه

стр. 288

وَوَجَب علينا حَقه وسهلت لدينا الى اقامة واجبه طرقه فَفتح الْمَسْجِد الاقصى أدنى الينا من كل فتح وَربح الْمُسلمين فِيهِ أوفر وأوفى من كل ربح وَلَيْلَة انْتِظَار فَتحه وان طَالَتْ فَلَا بُد من صبح ذكر الرحيل من حلب وَالْعود الى دمشق وقصده غزَاة بيسان مِنْهَا وَلما تمّ الْفَرَاغ من شغل حلب وأعمالها وتسديد إختلالها وردهَا بعد اعتلالها الى اعتدالها وَكَانَ صَاحب انطاكية قد راسل بِالصُّلْحِ مذعنا والى السّلم جانحا ولقياد الاستكانة مانحا وببرق التَّقَرُّب بالاستئمان والتقرب للاحسان سانحا فوطئ مهاد المهادنة وبذل بذل الاستخذاء الْأَخْذ بالامعان فِي المعاونة فشددنا حزم الحزم وعاودنا عز الْعَزْم وَخَرجْنَا من حلب وَقد حلبت لنا كل در وجلبت الينا كل بر وزودتنا بِكُل ود وأراحتنا من كل لد وشيعتنا من المنائح بِكُل شَيْء ووسعت لنا فِي المناجح كل سعي ودعت لنا إِذْ ودعتنا بِكُل صَالِحَة ولقيتنا بأوجه باسرة من هم فراقنا كالحة وأبدت تَقربهَا بالمرافقة وتكربها بالمفارقة وَعبر بِنَا أعيانها بعيون مستعبرة وأنفاس مستعرة ونفوس مستشعرة فشكرنا صدق الأصداق ووفاء الْمُوَافق ووقرنا مرافق الْمرَافِق وأصبنا مَوَدَّة الْمُودع وأجبنا مشْيَة المشيع فَمنهمْ من سوغ خُرُوجه لتسويغ خراجه وَمِنْهُم من جَاءَ برجائه وَوجد بِعَدَمِ ارجائه وضوح مناهجه وَآخر قدم اطلاق شكره لاطلاق حكره وَآخر أخر ذكر مطالبه لعلمه انها من السُّلْطَان على ذكره وأمل ادرار در أمله وعامل ضيَاع مَا ضَاعَ عمله ونائب رفْعَة رفعت نوائبه وطالب منحة منحت مطالبه وعافى جود جيد عفوا وصادي ورد رد كدر دره صفوا وبائع فضل ابتيع بافضال ومدعي قبُول دعِي باقبال وَسَائِل بوسائل اخْتِصَاص ودائل بدلائل اخلاص وباسط يَده للايادي المبسوطة وغابط صَاحبه على صحبتنا المغبوطة وناشد قصد بانشاد قصيدة وعاقد صداقة بِصدق عقيدة ومستنيل نيل ومستقيل أقيل ومستعد أعدي ومستجد أجدي ومستهد هدى وأهدي ومقتض بِحَق قضي حَقه ومسترزق أجر أجري رزقه وراغب فِي خدمَة استخدم برغبته ومبدع غَرِيبَة حظى

стр. 289

بحظوة بديعة غَرِيبَة ومظهر فَضِيلَة فضل بِظُهُور ومستعيد حباء عَاد بحبور ومستسعف أسعف ومسترهف أرهف ومقو من غنى أُغني وَقَوي وشاكي صدى أشكى وأروي وراج أنطي وراجل أمطي ومتألم كفت ملمته ومتظلم كشفت مظلمته وموال وجد مُوالَاة الوجد وجال صُورَة الود تال سُورَة الْحَمد وقضينا الْحَوَائِج وأقضينا الجوائح وذللنا الجوامح وعدلنا الجوانح وأقمنا المائل وأسمنا النائل وأزحنا الْعِلَل وَأَرِحْنَا الغلل ونهجنا السبل وأنهجنا النبل وأفضلنا بالجميل وَفصل الْجمل وعصينا العذل واطعنا الجذل ونشطنا الْعقل وبسطنا الامل واستقمنا على الطَّرِيق بالتأييد من الله والتوفيق واستصحبنا عَسَاكِر حلب والجزيرة واجتمعنا فِي جموع كثيفة كَثِيرَة وحضرناالحاضر بِقِنِّسْرِينَ بأسود اعتقلت العرين وتلونا السُّلْطَان بتل السُّلْطَان مخيمين وعَلى عزم الْغُزَاة مصممين فَمَا وصلنا جباب التركمان حَتَّى وصلت قبائل التركمان مترنمة قسيها الموترة لأوتارها بالارنان وَسَار الْجمع وأنار اللمع وثار النَّقْع وَتمّ لخرق السَّمَاء من الأَرْض الرقع وعرت المجاهل ووعورت الهواجل وعرت الناهل فتفرقت العساكر على الطّرق وَأخذت فِي الخبب والعنق وطرقت معاشر طَرِيق المعشرية وبرت عصائب الْبَريَّة حَتَّى ناطحتنا قُرُون حماه وصافحتنا سعود قرانها وقرت بِنَا عُيُون اعيانها ذكر الْوُصُول الى حماة وَوصف القَاضِي أبي الْقَاسِم فَأول من تلقانا بأقسام بره القَاضِي أَبُو الْقَاسِم قَاسم المكارم وحاتم الأكارم وحاكم الْمَغَانِم وَكَانَ هَذَا القَاضِي أَمِين الدّين بن حُبَيْش قد أرغدلأهل حماة بمنائحه الْعَيْش وَلم يزل ذَا سجية سخية وعيشة رخية ومبرة مبرة ومسرة بالوفود معلنة بالمحامد مَسَرَّة وَكُنَّا اذا وردنا حماه تتباشر بِنَا غلمانه ويتبادر الينا احسانه وتدر بالحفول لنا دَاره ويتدلى علينا بالاثمار بستانه وَكم قيدنَا بحبال حبائه المتينة وامتنانه واجتنينا جنى جنابه وجنانه وطنت بأوطارنا اوطانه وغنت مغانيه بغنانا ودعانا موقد قراه ودخانه فَكَأَنَّمَا ضيفانه اخوانه متنوعة لَهُم الوانه مسموط سماطه مَبْسُوط خوانه فاذا وصل الى حماه سُلْطَان أَو أَمِير أَو مَعْرُوف أَو كَبِير دَعَاهُ الى ربعه

стр. 290

وأجراه على كريم طبعه فَإِن لم يزره زارته تحاياه وقرته فِي مخيمه تحفه وهداياه وَله من الْقُلُوب اتم قبُول وَلكُل نَازل بِهِ من جَانِبه أهنأ نزل وَفِي جنابه أكْرم نزُول ولهذه الشَّرَائِع لم ترد لَهُ عِنْد السلاطين والاكابر شَفَاعَة وَلم يعن شَيْئا من حُقُوقه المصونة اضاعة وَجرى بمراده مدَار افلاكه وَزَاد الاملاك فِي املاكه وَلم يكن هَذَا القَاضِي مُتَوَلِّيًا لعمل وَلَا قَضَاء وَلَا حكم لَهُ فِي إِنْفَاذ وَلَا إِمْضَاء وَكَانَ قانعا بجدى ملكه وسدى سلكه ويستثمره بِفضل جاهه ويفوق المعروفين بتيقظه وانتباهه ذكر الْملك المظفر تَقِيّ الدّين وَكَانَ الْملك المظفر تَقِيّ الدّين بن أخي السُّلْطَان صَاحب حماه ومالكها وَقد تولى بِالْعَدْلِ والأمن ممالكها ومسالكها فأنار لنا من مطالع سعوده ضِيَاء ضيافته والفينا رزانة حصا حصافته واجتلينا انوار طلعته من منار قلعته وجلا لنا سنا جلالته وجلنا فِي مكر مكرمته وحضرنا فِي مقار مقاريه وحظرنا ذكر مبار مباريه ووشع ذراه ووسع قراه ورحب نديه وَحبر نداه وَأجلى جناه وَأَعْلَى سناه وَحسن الْحصن الذى بحماة حماه وسر ببشره ونشره سر من سَاءَهُ أساه وَمَا قصر نَظرنَا فِي قصره النَّاظر الذى بالقلعة اعتنى بِهِ وابتناه وَمَا ابهج وأبهى بهوه وبهاه وَأعظم ايوانه واكرم ايواءه فانه مَا أَوَى اليه الا من صانه وأعداه على زَمَانه واعانه ونظرنا كل نضير بِلَا نَظِير وعبرنا بِكُل مَا عبرنا فِيهِ عَن ريا عبير وَطن النادى وغنى الشادي وَتَروح الغادي وتروى الصادي وطاب الْوَقْت وَغَابَ المقت وانزاح الْبُؤْس وارتاحت النُّفُوس وراقت الاغاريد وشاقت الاناشيد وشملت الارواح وكملت الافراح واهتزت الاعطاف واعتزرت الاطراف واشتملت الدعْوَة على كل صَالِحَة وَصدر كل بصدر بِشَارَة سالكة وَبشَارَة شارحة وَمَا زلنا نصيب من النوال كل نصيب ونجيب حَتَّى أَصْبَحْنَا نعيب كل نعيب وتفرقنا بعد الِاجْتِمَاع وجد بِنَا زِمَام الازماع وشاقتنا عِنْد الاسفار مشاق الاسفار وألهانا الْجَوَاز بالاجواز عَن أوطان الأوطار واستن الْعَسْكَر سكر الرستن واستقاموا على الْمنْهَج الأبين وعبرنا نهر العاصى فِي طَاعَة الله بِقصد الْغُزَاة والجرد تَحت المرد والكمت تَحت الكماة وجالت العراب وسالت الشعاب فالبر بَحر من موج العرموم المجر وَالنَّقْع

стр. 291

رقع لخرق الْفجْر ورد وصل الصَّباح بظلامه إِلَى الهجر وللدودوى من صهلات الْخَيل وجهلات الزّجر ولإيناس رشد الحوافر فِي الْقَصْد كف الْحجر بفك الْحجر والسوابق فِي ميدان الاجراء سَابِقَة إِلَى مدى الاجر ومالت بِنَا أَعْنَاق الاعناق وقصرنا الى حمص اشواط الاشواق وخيمنا على عاصيها وَضَاقَتْ بجموعنا ادانيها واقاصيها وَجِئْنَا الى الزِّرَاعَة ثمَّ اللبوة وحدود العزائم بِتَوْفِيق الله مصونة من النُّبُوَّة ووصلنا إِلَى بعلبك بعد أَن قَطعنَا الهواجل وعبرنا المراحل وشافهنا الفدافد وشفهنا الْمَوَارِد وحمدنا العوائد وعاودنا المحامد ذَاك وصباح السرى مَحْمُود ونجاح المنى مَعْهُود وحوض الافضال مورود وَروض الاقبال مجود وريض الْمَقْصُود مقود وللمع البارق ومض ولجفن الغرار غمض وليد الدولة بسط وَقبض ولعيش الرّعية من رفع نصبها خفض ولعين الْحدثَان غض وللأيام بأيامنها على كل حَظّ حض وقربنا من دمشق وَخرج اهلها لتلقينا وترقوا بترقينا وَقُلْنَا وقاية الله خير من توقينا ودخلنا إِلَيْهَا وَهِي ببشرانا مستبشرة وَعَن صباح سفورنا مسفرة وعَلى الْوَلَاء الْخَالِص وَالدُّعَاء الصَّالح لنا متوفرة واستجلينا وُجُوهًا غرا وَالسّنة مديمة شكرا وَلم نطل بهَا الْمقَام وعجلنا الرحلة لشوقنا إِلَى أَن نعجل من أهل الْكفْر الانتقام واتممنا لله الاعتزاء وصممنا للْجِهَاد فِي سَبِيل الله الاعتزام واغتنمنا حُضُور العساكر المتضاعفة الْعدَد المتظاهرة الْعدَد المتضافرة المدد فخرجنا نَحْو الْعَدو متوجهين فِي رياض مراضي الله متنزهين وللقاء الكريهة محبين غير متكرهين ولسلب غمض الْأَعْدَاء بِتَقْدِيم جَيش الرعب إِلَيْهِم منتبهين والى غَايَة كشف عناية ذَوي الغواية فِي نهج النهى منتهين فِي جمع شَاك وجمر ذَاك ومجر لنسج النَّقْع حواك وغريد باعداد الأعادي فتاك وحديد برقاقة للرقاب الغلب الْغِلَاظ بتاك وباشراقة لستر القتام الداجي هتاك فِي صواهل طالما صدرت عَن أوراد الأوردة نواهل وجحافل قَلما احتفلت بالزحف واستكثرت للحتف الا أَبَت النَّصْر حوافل وأساد تحمل غاباتها وتبث وثباتها وضراغم تعتقل غيلها وتعتقد فِي ظلال السيوف مقيلها وقساور تسير فِي خيسها وتعرس من القنا العراض فِي عريسها ونار بيض تقد وتقد الْبيض وَمَاء زرق من النصال تغيض فِي عُيُون العدى الزرق فتغزر فِي

стр. 292

منتجع النجيع الْفَيْض وصحاف صفاح تَطوف بطلاء الطلى وثعالب اللهاذم تصيح وترتع فِي كلأ الكلى وذباب شفار تطن فِي لوح هجير الْهياج ونجوم حرصان تلوح فِي ابراجها من العجاج فَأول مَا وَقع الْبَأْس ببيسان فقد اخْتَلَط فِيهَا الْغُبَار وَالدُّخَان لما اطلقت للغزاة فِيهَا النيرَان وَجَاء الفرنج فرابطهم السُّلْطَان على عين الجالوت وأوقع باعداء الله اولياء الطاغوت وَقد وصفت غَزْوَة بيسان فِي فصل من كتاب انشأته عَن السُّلْطَان وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الاخرة سنة تسع وَسبعين واقرب غزواتنا عهدا للفرنج غَزْوَة كَانَ من حَدِيثهَا الْمُبْهِج أَنا سرنا بعساكرنا المنصورة وجحافلنا الموفورة فِي مجر مجر على المجرة ذيل عجاجه ويضيق على الْأُفق وَاسع فجاجه وقطعنا الاردن فِي اشرافنا عَلَيْهِ بقواطع المشرفية والردينية وعبرنا مخاضة الحسينية بخلوص الضَّمِير فِي سَبِيل الله وَحسن النِّيَّة وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة فَلَمَّا وصلنا إِلَى بيسان قد وجدنَا بأسنا قد سبق إِلَيْهَا بالبؤس وهتك فِيهَا ستر عصمتها المحروس وَقد أخلاها أَهلهَا وخلوها وأذالوها بعد الصون وأذلوها واستقالوا من الذى حل بهم وَعرفُوا الَّتِي يستوجبونها من عُقُوبَة النَّار فاستقلوها فعاجلها الْأَصْحَاب بِمَا أجل لأَهْلهَا الْكفَّار من النيرَان وعقدوا تَحت سَمَاء العجاج مِنْهَا سَمَاء الدُّخان وتقارنت بَينهمَا نُجُوم السرَار ونجوم الخرصان حَتَّى عفوا اثارها وأثاروا عفاها وَعَاد لَيْلهَا بالضرام ضحوة وَنهب الْعَسْكَر مِنْهَا من زَاد وقوت مَا زَاد بِهِ قُوَّة وَكَانَت بِهَذِهِ الْمُقدمَة نصرته مرجوة وألحقنا بِهِ مدنا معمورة وقلاعا حَصِينَة وديارا وأبراجا كَانَت على بِلَاد الْكفْر من الأسواء اسوارا فَلم نَتْرُك لشىء مِنْهَا أثرا وأضرمناها نَارا وَلم نذر بهَا من الْكَافرين ديارًا وَوَقعت مُقَدّمَة العساكر المنصورة فِي أول يَوْم على خيل وَرجل للفرنج عابرين من نابلس فأوقعت بهم وسدت عَلَيْهِم طَرِيق مهربهم وَقتلت راجلهم وأسرت جمَاعَة من الفرسان فبدوا فِي الأقياد وتوغل الْبَاقُونَ فِي الْجبَال

стр. 293

بحزازات الْقُلُوب وحرارات الاكباد وَكَانَ مقدمهم ابْن هنفرى ففر وَطلب طَرِيق الْخَلَاص قبل ان يعثر بذيل العثير فَمَا قر وَوصل الْخَبَر بَان الفرنج قد وافوا بِجَمْعِهِمْ المحشود الْمَجْمُوع مائحين بالسوابح السوابق فِي بحار السوابغ والدروع وَكَانُوا فِي الف وَخَمْسمِائة رمح وَمثله تركبلي وَخَمْسَة عشر الف راجل مَا بَين طَاعن وضارب وناشب ونابل وزحفوا كَأَنَّهُمْ أسود الشرى فِي آجامها وهضاب شرورى بعلامها فَبَعَثنَا اليهم الجاليشية فجالت أمامها وجاشت قدامها والهبت نصالها فِي مَاء الوريد ضرامها وعبينا الاطلاب للْمَوْت طلابا وللنصر بِلِسَان النصل خطابا وحلقت أَجْنِحَة الرَّايَات فاقترنت بهَا فِي الجو اجنحة امثالها من العقبان الكواسر وَنزلت عَسَاكِر الْمَلَائِكَة منجدة لما استصحبناه من العساكر وَكثر بِاللَّه الْمُؤمنِينَ فِي أعين الْكَافرين فعادوا بعد الْأنس نافرين فَلَمَّا رَأَوْا بأسنا أخلدوا إِلَى الأَرْض مهطعين ووقعوا عَلَيْهَا للهلاك متوقعين وخندقوا حَولهمْ واسندوا الى الْجَبَل بالذل لائذين وركزوا قنطارياتهم فِي مَرْكَز دَائِرَة الخذلان رَضوا بِمَا كَانُوا يأبونه وَهُوَ أَن عزوا بالهوان وطلبوا ربح سلامتهم من الخسران وَأَقَامُوا كَذَلِك خَمْسَة أَيَّام آخرهَا الْأَرْبَعَاء خَامِس عشر جُمَادَى الْآخِرَة فِي دَائِرَة السوء وَعَلَيْهِم ديم السِّهَام ماطرة النوء وَنحن كل يَوْم نتوقع مِنْهُم الحملة الَّتِي هِيَ عَادَتهم والمبادرة فِي اللِّقَاء الَّتِي هِيَ فِي الصدمة الاولى سورتهم فنكلوا عَن اللِّقَاء وَمَا هاجوا الى الهيجاء وعساكرنا المنصورة حَولهمْ حائمة وَفِي بحار السوابغ فِي بِلَاد السَّاحِل دونهم عائمة والملازمون المنازلون لَهُم يثخنون فيهم جراحا ويعاودونهم مسَاء وصباحا ويسمعونهم ركزا ويسمعون مِنْهُم صياحا

стр. 294

والفرنج قد يَبِسَتْ ايديهم على الأعنة وغلت فِي صُدُورهمْ وخزات الرعب على صُدُور الأسنة والمغيرون فِي بِلَادهمْ يسنون لَهَا الغرار ويشنون فِيهَا الغوار ويكثرون الْقَتْل والأسار ويحكمون بَين الغمد والزند وَالسيف وَالنَّار فَلَمَّا رأيناهم لَا يبرحون وَلَا يخرجُون على انهم يقتلُون أَو يجرحون رحلنا عَنْهُم يَوْم الْخَمِيس لخناقهم منفسين ولمستوحشهم عَن الحملة بِضَرْب المصاف مؤنسين ولجنانهم بأنواع العزائم مستخرجين ولناكليهم عَن الْحَرْب الى الْحَرْب والنكال مستدرجين فَمَا صدقُوا حَتَّى اجفلوا أجفال النعام وتوقلوا فِي الْجبَال وهم أضلّ من الْأَنْعَام وتصاعدوا فِي الْعقَاب ونكصوا على الأعقاب وَنحن قد بلغنَا النكاية فيهم غايتها وجلونا بسنا الْبيض والسمر غيابتها والغنائم والاسارى قد مَلَأت الايدى وثقلت الظُّهُور وَعجل الله للاسلام وَعَسْكَره النَّصْر والظهور وعدنا سَالِمين سالبين غَانِمِينَ غَالِبين ظَاهِرين ظافرين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقد شرعنا الْآن فِي غَزْوَة ثَانِيَة لغرب الْكفْر ثَانِيه والمسير بالعسكر الذى عدنا بِهِ إِلَى الكرك والالتقاء بالعسكر الْوَاصِل من مصر عَلَيْهَا فَإِن الفرنج قد بَان لنا هوانها وَهَذَا وَقت منيتها وأوانها فَمَا نزال بتأييد الله نتبع اليهم الْغَزَوَات ونوالى النهضات حَتَّى يَأْذَن الله من فتح الارض المقدسة ويطهرها من رجسهم بدمائهم النَّجِسَة فصل من كتاب آخر من انشائي فِي الْمَعْنى كتَابنَا هَذَا صادر بعد الْعود الحميد من الْغَزْو السعيد فانا دَخَلنَا بعساكرنا المنصورة الى بِلَاد الفرنج ثامن جُمَادَى الْآخِرَة وَخَرجْنَا مِنْهَا فِي تَاسِع عشرَة وَكَانَ قصدنا ان يخرجُوا الينا كَمَا جرت عَادَتهم فَنَضْرِب مَعَهم المصاف فَمَا اقدموا أحجموا وحصروا انفسهم فِي عين الجالوت فَمَا تَأَخَّرُوا وَلَا تقدمُوا وأحطنا بهم خَمْسَة أَيَّام وهم إِلَى الْجَبَل مسندون وَإِلَى الارض مخلدون وعساكرنا تَأْخُذ مِنْهُم يَمِينا وَشمَالًا وتوسعهم إدالة وإذلالا حَتَّى رحلنا عَنْهُم وَقُلْنَا لَعَلَّهُم يتبعوننا فنعود عَلَيْهِم دَرك الْعَائِد أَو يطمعون ويقعون فِي شرك المصائد فَرَجَعُوا على الحافرة وآبوا الى الناصرة وباءوا بالصفقة الخاسرة وَفِي خلال الْمدَّة خربنا بِلَادهمْ وعفينا آثارها وأحرقنا ديارها وعجلنا دمارها وأضرمنا لاحراقها نارها فكم أَسِير سير بِهِ وَقيد وقيذا وَكم مستعيذ من الْبلَاء بالبلاد لم يجد معيذا وَلما بلغنَا النكاية فيهم أسرا وقتلا وفتكا وَفِي دِيَارهمْ اخرابا واحراقا وهتكا واستكثرنا من الْأُسَارَى والغنائم وتصرمت الايام عَن حطم القنا فِي

стр. 295

الْأَعْدَاء وثلم الصوارم وعدنا ظَاهِرين وبالنجح ظافرين وشرعنا فِي غَزْوَة اخرى الى الكرك تقرن أمل الاسلام من الم الْكفْر بالدرك وَالله تَعَالَى كَفِيل بالنصر المنتظم السلك الْوَاضِح المسلك كتاب آخر من انشائي فِي شرح هَذِه الْغَزْوَة وَصفَة نكولهم عَن الْحَرْب وَإِنَّمَا كررت ذكر هَذِه الْكتب ليعرف مِنْهَا جلية الْحَال كناا فترضنا بعد فتح حلب ونجح الأرب أَدَاء شكر الله سُبْحَانَهُ على مَا حَقَّقَهُ من الرَّجَاء وأسبغه من النعماء فَلم نر عملا أجمع لأشتات الشُّكْر من الْغَزْو الى بِلَاد الْكفْر فَإِنَّهُ يجمع بذل النَّفس وَالْمَال وَلذَلِك كَانَ الْجِهَاد أفضل الْأَعْمَال فنهضنا بعساكرنا المنصورة المصرية الْحَاضِرَة والشامية وعساكر حلب وبلاد الجزيرة وسرنا فِي مجر مجر على المجرة ذيل نقعة المثار ويسدل عجاجه دون عروس الشَّمْس سترا على الأقطار وضوامر مَا أردن مَاء الاردن إِلَّا ليردن من أهل السَّاحِل بَحر الدَّم وبواتر بواتك كَأَنَّهَا فِي ايدى الدارعين بوارق السحب تتألق فِي جنباتها لفحات الضرم وعبرنا مخاضة الحسينية يَوْم الْخَمِيس تَاسِع جُمَادَى الاخرة فِي الْخَمِيس العرمرم وَكَانَ قصدنا لِقَاء الفرنج فِي مجتمعها وإخراجها إِلَى مصرعها وإلجائها إِلَى ضرب المصاف حَتَّى إِذا صَحَّ كسرهم بِإِذن الله تصرفنا فِي بِلَادهمْ فِي الاوساط والاطراف فَلَمَّا وصلنا الى بيسان وجدناها وَقد اخليت وخليت وعراها الْجَيْش فعريت وأمتار الْعَسْكَر مِنْهَا علوفة وأقواتا وفرقنا اجزاء مبانيها وَجَعَلنَا شملها أشتاتا وَكَذَلِكَ فعلنَا بِمَا حولهَا من قرى حَصِينَة وقلعة ومدينة وَكَانَت مُقَدّمَة الْعَسْكَر قد وَقعت على خيل الفرنج وَرجل فأوقعت بهَا ايقاع الآساد بالنقاد وَقتلُوا معظمهم وقادوا من عافه السَّيْف فِي الاقياد وَجَاء الفرنج وَقد جمعُوا من حد الداروم إِلَى حد الرّوم بِكُل فَارس وراجل ورامح ونابل وَحرب حق وحزب بَاطِل ورجفت الأَرْض لرجفهم وَفتحت السَّمَاء لحتفهم وأغرينا الجاليشية بهم فجالت شَيْئا وشوتهم بِنَار النصال شيا وعبينا ابطال الروع أطلابا للْمَوْت طلابا وَفِي كسر اصلاب عَبدة الصَّلِيب صلابا فَمَا جَاءُوا حَتَّى مَا جوا للقاء وهاجوا للهيجاء وَلما وَقت الْعين فِي الْعين عاينوا حِين الْحِين وأيقنوا بِالْمَوْتِ فِي الْإِقْدَام وأبوا إِسْلَام انفسهم إِلَى الاسلام فحامت عَلَيْهِم من السِّهَام المريشة حمام الْحمام وَأَشَارَ حجاهم عَلَيْهِم بالإحجام وَكثر الله الْمُؤمنِينَ فِي أَعينهم فَقَلُّوا وأعز الله عساكرنا المحيطة بهم فذلوا وَلما نازلناهم نزلُوا وَمن خوف الْحَرْب والنكال عَن الْحَرْب نكلوا وأخلدوا الى الارض وأسندوا إِلَى الْجَبَل وخندقوا حَولهمْ فِي ذَلِك الْمضيق فَضَاقَ عَلَيْهِم مجَال الْخَيل وَصَارَ الراجل لَهُم سورا

стр. 296

يحميهم بالطوارق من الطوارق ومطرتهم من رواعد المنايا الَّتِي هِيَ الحنايا بوارق البوائق فَأَقَمْنَا على مقابلتهم بالمقاتلة ومجاولتهم بالمصاولة ومباستطهم بِالْقَبْضِ ومراوضتهم للقسر بالرض ومرابطتهم بالربط والاسر ومصابرتهم للقهر والاسر وهم فِي مَرْكَز دَائِرَة الخذلان وسرحهم مذعور من السرحان وللجراحات فيهم اجتراحات وللقروح مِنْهُم اقتراحات ولطيور السِّهَام من حبات قُلُوبهم سِهَام ولأفواه الْكَلَام من السّنة الأسنة كَلَام وَكلهمْ ضَاقَ بالروع ذرعا وأساغ عَن كأس الْمنية جرعا وتجبب من القراع وتجبن يديم لباب النجَاة بل لسن النَّدَم قرعا وَحقّ لَهُم ان يتمثلوا لقومهم استنت الفصال حَتَّى القرعى فقد عرفُوا أَنهم إِذا برزوا وبارزوا صَارُوا على الْمُلْتَقى صرعى فَمَكَثُوا كَذَلِك خَمْسَة ايام بلياليهن مَحْصُورين محسورين تخالهم فِي ذَلِك الْمضيق مسجونين مأسورين ورجالنا من الْجَبَل ترومهم وترميهم وتديم عَلَيْهِم رش المريشات وتدميهم وخيلنا تغير يَمِينا وَشمَالًا وَتوسع فِي ساحات سواحلهم مجالا وَتَسْبِي عقائل وتعقل سَبَايَا وتجبي نقود آجالهم وَكَانَت نسايا وَتحصل على مرباع الْغَنَائِم والصفايا وتستخرج من زَوَايَا ذخائرهم الخبايا وهم فِي مقامهم الذى برح بهم لَا يبرحون ولقذى اليغالق فِي الحمالق مِنْهُم لَا يصرخون ورحلنا عَنْهُم يَوْم الْخَمِيس سادس عشر جُمَادَى الْآخِرَة لاستخراجهم من مكانهم واستدراجهم ليبرزوا الى أقرانهم فَمَا صدقُوا بتنفيس خناقهم وتخلص ارماقهم حَتَّى نكصوا على الاعقاب وتوقلوا فِي تِلْكَ الْعقَاب وراينا النكاية فيهم قد بلغت غايتها وجاوزت نهايتها وَالْأَيْدِي قد كلت والسمر وَالْبيض تحطمت وانفلت والأزواد قد تَعَذَّرَتْ وَقلت وَفِي الْغَنَائِم مَا أوجب ثقل الظُّهُور وَفِي عدد الاسرى مَا تعدى حد الوفور فعدنا بالنصر والحبور وَوجه الْإِسْلَام بَادِي السفور وَقد شرعنا فِي غَزْوَة أُخْرَى الى الكرك قبل دُخُول الشتوة وانطلاقها وَرُجُوع العساكر الى مواطنها وافتراقها ونأمل من الله أَن يجرينا من نَصره على أحسن العوايد ويوردنا من الظفر عذب الْمَوَارِد

стр. 297

ذكر الْغَزْوَة الى الكرك واستدعاء الْملك الْعَادِل من مصر لتولى حلب واستنابة الْملك المظفر تقى الدّين وَشرح السَّبَب فِي ذَلِك والبداية بِذكر الْملك الْعَادِل كَانَ الْملك الْعَادِل سيف الدّين أَبُو بكر اخو السُّلْطَان على عَادَته فِي تولي الديار المصرية مستمرا ولأمورها بِفضل سياسته وَحسن رعايته ممرا ولإحلاف رفعته بِرَفْع الْخلاف والمراء ومري أفاويق الْوِفَاق مستدرا وَهُوَ مُسْتَقل بِالْأَمر وَالنَّهْي والنجح فِي السَّعْي وابرام المعاقد واحكام الْقَوَاعِد وصونها من الوهن والوهي مستبد بِالْبرِّ والبري والجر والجري والرأي الْمَاضِي الْمُضِيّ الوري والرفو والفري وسداد الرَّمْي وامداد المري مستفيض النَّهْي فائض النَّهْي يولي ويعزل وَيعْلي وَينزل ويسمن ويهزل ويسمي ويحول ويصون ويبذل ويعين ويخذل ويعقد وَيحل ويوقذ وَيدل وَيكرم ويهين ويبهم وَيبين ويصل وَيقطع وَيَضَع وَيرْفَع فَكل أَمِير بتأميره وتأميله وكل أثير بتأثيره وتأثيله وكل جمر بتأريثه وكل جمع بتأثيثه وكل إلْف بتأليفه وكل صرف بتصريفه وكل شَمل بنظمه وكل شُمُول بضمه وكل شعب بلمه وكل شعث برمه وكل حَاكم بِحكمِهِ وكل راسم برسمه وكل خطير بخطره وكل نَاظر بنظره وكل اقليم بدور قلمه وكل ذِي علم يسير تَحت علمه وكل وَال بتوليته وكل عَال بتعليته وكل حَال بتحليته وكل حِسَاب فِي ديوانه وكل كتاب بعنوانه وكل منصب فِي إيوانه وكل نصيب لجنابه مَا نصب الا لجنانه وكل عقد بشده وكل شدّ بعقده وكل أَمر بأَمْره وكل جَار فِي نهره وكل روض لزهره وكل تمر لهجره وكل ثَمَر لشجره وكل دارة لقمره وكل دَار لدره وكل دارين لعطره لَا يَد على يَده وَلَا ينكب عَن جدده وَلَا ذهَاب عَن مذْهبه وَلَا شراب إِلَّا من مشربه وَلَا سنا إِلَّا لشمسه وَلَا جنى إِلَّا لغرسه وَلَا لقحات إِلَّا لأشجاره وَلَا لفحات الا لناره وَلَا إرتسام الا لمراسمه وَلَا اتسام الا بالتسامي فِي مواسمه وَهُوَ سُلْطَان الديار المصرية على الْحَقِيقَة ومرتب أمورها الجليلة والدقيقة وَالسُّلْطَان بِالشَّام فِي مهام الاسلام قد حمل بِمصْر عَنهُ أَخُوهُ وَقد اذعن لَهُ مُلُوك الارض وأملاك السَّمَاء مصرخوه وَهُوَ بأَخيه كثير وَبِحسن أَثَره اثير وَهُوَ يمده بِالْمَالِ وَالرِّجَال ذخرى الارزاق والاجال فَلَمَّا ملك حلب

стр. 298

كتب الْملك الْعَادِل لَهَا طَالبا وفيهَا وَفِي اعمالها وَمَا يجْرِي مَعهَا من الْبِلَاد والمعاقل رَاغِبًا فَكتب إِلَيْهِ لسؤله مصيبا ولسؤاله مجيبا وواعده الى الِاجْتِمَاع بِهِ على الكرك ليفوز من بغيته بالدرك واستصحب مَعَه الْملك المظفر تَقِيّ الدّين ابْن اخيه ليوليه فِي مصر ويستنيبه وَيقدم على أحسن الْأَحْوَال ترتيبه وكل ذَلِك بمشورة الْأَجَل الْفَاضِل وعنايته بالسائر والواصل فان السُّلْطَان لم يزل يبري ببريه ويفري بفريه وَيَأْخُذ باشارته وَيُعْطِي ويصيب ببركات ارائه فِي آرابه وَلَا يخطي ويستمع فِي كف الملمات قَوْله وينتجع فِي كِفَايَة الْمُهِمَّات طوله وَيتبع كلما يُشِير بِهِ أَن شكّ انه عَلَيْهِ أَوله فيسفر بِأَحْسَن الْوُجُوه عواقبه وتزهر فِي أفق التَّوْفِيق ثواقبه وَتَصِح مذاهبه وتضح مطالبه وياتيه الله فِي الوقائع الْآتِيَة من الْغَيْب بالنصر فيحضر غائبه وتنبو بنوب الدَّهْر نوائبه ذكر الِاجْتِمَاع على حِصَار الكرك فِي رَجَب سنة تسع وَسبعين فَلَمَّا آب السُّلْطَان من الْغَزْوَة فائزا من الْغَنِيمَة الحلوة بالحظوة جعل مآب الْجِهَاد الى جِهَة مآب من اقليم الشراة وَقد تلاقح بهَا من الفرنج شرار شَرّ الشراه ونزلنا بآدر أدر فأدرنا على منازلها النَّوَازِل وتركناها من ساكنيها الْكفَّار طلولا عواطل وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْنَا اهلها الْمُسلمُونَ فأذقناهم لحلية الايمان حلاوة الامان وأولينا السّكُون لأولئك السكان وساكنوا تِلْكَ الاعمال مُسلمُونَ فِي قديم الزَّمَان وتربى اولادهم فِي حكم الافرنج فألفوا مَا ألفوه وخافوا مِنْهُم على ظُهُور حبهم لنا فأخفوه ثمَّ خيمنا على الربة رانين رضَا الرب وَضَاقَتْ بعساكرنا أَوديَة ذَلِك الفضاء الرحب وَتَقَدَّمت الى الْعَدو قبل رعب جيوشنا جيوش الرعب ثمَّ حَضَرنَا الكرك وحصرناها وعَلى الاستطالة عَلَيْهَا بِقِتَال المنجنيق قصرناها فَكَانَت المجانيق تراوحها وتغاديها وتعاودها وتباديها وتجاوبها وتناديها وَتَأْخُذ مآخذها وتهتم بواحدها وتهجم منافذها وتقرع بِالْحِجَارَةِ حجارها وتصدع بالاسواء اسوارها وتناظرها بألسنة حبالها وتناضلها

стр. 299

بأسنة نصالها وتحول السُّلْطَان إِلَى الربض ملازما للغرض ومواظبا على الْجِهَاد المفترض واقام بدار الرئيس ليدنو من أَخذ أهل الْكفْر بِالْعَذَابِ البئيس وَيقرب من المنجنيقات المنصوبة ويشاهد مواقع النكاية فِي القلعة المحصورة المحصوبة ومطرها صوب الحجارات فناحت لَهَا الْمُصِيبَة فِي نَوَاحِيهَا وَقَامَت الْحَرْب من المنجنيق على سَاق واقمنا من نصر الله على أوكد مِيثَاق وَكَانَت سَبْعَة قد فتحت لأهل جَهَنَّم سَبْعَة ابوابها وفغرت افواهها وكشرت عَن انيابها وأذوت ذوى الْعَذَاب بعذابها وفصلت اوصال السُّور بِسوء خطبهَا وخطابها وَقد رتب السُّلْطَان نوب الرماء على رجال الْأُمَرَاء فِي الصَّباح والمساء وَلم يزل يرْجم الْحصن الزَّانِي وتهدم مِنْهُ المباني وَعَلِيهِ النوب متناوبة والعقوبات متعاقبة وحصاة الْحصار لَا تحصى والحماة الأدنون مِنْهُم من الشراريف تقصى فَمَا اخْرُج أحد رَأسه إِلَّا طَار راسه وَخرجت نَفسه وإنقطعت انفاسه وَالسُّلْطَان فِي اثناء ذَلِك مشتغل من جَانب بتعمير الْبِلَاد وترتيب الممالك وَمن جَانب بتدمير الْكفْر وَالتَّدْبِير فِي المهالك ثمَّ انْقَضى شهر رَجَب وَقد قَارب الْعَدو الشجى والشجب وحص الْحصار جنَاح المعقل لَكِن أرجاء الرجا نجاح المؤمل وَعلم باجتماع الفرنج فِي الْموضع الْمَعْرُوف الواله وَكلهمْ فِي طلب الثأر فِي طيش الواله قُلْنَا هَذَا حصر يطول ومسألته تعول وَقد أضعفنا الْحصن وهددنا مِنْهُ الرُّكْن ومكنا مِنْهُ الوهن وسبلبنا اعماله قواتها وأقواتها وَهَذِه نصْرَة قد احكمنا اسبابها وَلَا خوف من فَوَاتهَا وَمَا نزال بعون الله نعاوده بالاضعاف ونزوره ببواعث الاتلاف حَتَّى نفوز بالفتوح ونحوز ذخر الظفر الممنوح وَهَذَا جمع الفرنج ملتئم وجمرهم مضطرم وَلَا يفرق جموعهم الا جَمعنَا المنتظم وَلَا يغرق برهم وساحلهم الا بحرنا الملتطم وَقد اجْتَمعُوا فَنحْن نقصدهم ونلقاهم ونقدم عَلَيْهِم فَلَا نتوقاهم وَسَيَأْتِي ذكر عودنا فِي مَوْضِعه ذكر وُصُول أيلبه مَمْلُوك سيف الاسلام اخي السُّلْطَان واخباره بتوجهه إِلَى بِلَاد الْيمن من مصر فِي رَجَب من هَذِه السّنة قد سبق ذكر تعويل السُّلْطَان على أَخِيه سيف الاسلام بِالْيمن قبل خُرُوجه من مصر فِي سنة ثَمَان وَسبعين وَكَانَ قد سير مَمْلُوكه صارم الدّين خطلبة وَالِي مصر إِلَى

стр. 300

زبيد لضبط بلادها وربط اجنادها فَمضى واخرج مِنْهَا حطَّان بن منقذ وَقد حدث نَفسه بالاستقلال وتملك تِلْكَ الاعمال وأعانه الامير عز الدّين عُثْمَان الزنجارى وَالِي عدن فضبطا تِلْكَ السّنة الْيمن ثمَّ قضى خطلبه بزبيد نحبه وَترك بِغَيْر إمرة صَحبه فَعَاد الامير حطَّان فاستولى على زبيد وَفرق من بهَا من الاجناد عباديد فوصل رَسُول صَاحب عدن وَنحن على الكرك يذكر مَا يلْزمه فِي الْخدمَة من الدَّرك وانه قد استولى حطَّان وَرُبمَا اغواه الشَّيْطَان فتولد من تولي طَاعَته الْعِصْيَان فَأَجَابَهُ السُّلْطَان بِكُل مَا ارهف حَده واسعف جده وقوى امله وروى بِمَا ألجاه عمله وَقد كَانَ كتب إِلَى اخيه سيف الاسلام يحضه على حضه ويحثه على الْمسير الى ملكه بِالْيمن وَحفظه فَخرج من مصر فِي رَجَب مُتَوَجها ولاستدراك فارطه متنبها وأدركنا مَمْلُوكه حَتَّى قضى لَهُ اشغالا واخذ لَهُ بانشائي مِثَالا وَسَار حَتَّى اِدَّرَكَ موسم عَرَفَة وادى فَرِيضَة الْحَج ثمَّ استقام الى الْبِلَاد اليمنية على الْمنْهَج وَملك وأجرى بمراده الْفلك ذكر مسير الْملك المظفر تَقِيّ الدّين عمر ابْن شاهنشاه الى الديار المصرية للنيابة بهَا وَلما وصل الْملك الْعَادِل أظهر عَن حب مصر سلوة وَطلب من حلب واقطاعها لَهُ مرجوة فعول السُّلْطَان على تَقِيّ الدّين فِي تولي تِلْكَ الديار ورد الى حكمه الصارم تِلْكَ الامصار وزاده على اقطاعه بِالشَّام فِي مصر اقطاعا وَفرع بِهِ من المكانة والمنزلة يفاعا وسما بِهِ على الأضراب وأحله فَوق مَرَاتِب التُّرَاب وانعم عَلَيْهِ فِي مصر بالاعمال الفيومية وَسَائِر نَوَاحِيهَا بِجَمِيعِ جهاتها وجواليها وزاده القايات

стр. 301

وبوش وقاد بايالته هُنَاكَ الجيوش وابقى عَلَيْهِ بالبلاد الشامية مَدِينَة حماه وقلعتها وَجَمِيع اعمالها وحلى بِهِ عطل احوالها وجمله بِصُحْبَة سيدنَا الْأَجَل الْفَاضِل المتفرد بِأَجل الْفَضَائِل حَتَّى اذا وصل تَقِيّ الدّين الى مصر اقْتدى بِالتَّدْبِيرِ الفاضلي واهتدى بسنا رايه الْجَلِيل الْجَلِيّ وَكَانَ السُّلْطَان لَا يُؤثر مُفَارقَته وَلَا يحضرهُ انس اذا فَارق حَضرته ويستوحش اذا حذر غيبته فقد الف صُحْبَة السَّعَادَة بمساعدته فِي صحبته ومعاقدته على صِحَة مناصحته وَلم يزل يَسْتَأْذِنهُ وَلَا ياذن ويسأله التَّمْكِين من السّفر وَلَا يتَمَكَّن وَيخَاف على تشعث أَحْوَال مَمْلَكَته وَلَا يامن وَهُوَ برايه يرى وبوريه يرى وببريه وفريه يبري ويفري فَلَمَّا لم يجد من تَوْجِيه تَقِيّ الدّين إِلَى مصر بدا وانه يكون بِالْأَعْمَالِ مستبدا وَكَانَت فِي تَقِيّ الدّين حِدة لم تكن فِي الْعَادِل احْتَاجَ فِي تقويمه الى تَدْبِير الْأَجَل الْفَاضِل فَأذن لَهُ فِي السّفر بِشَرْط الْإِسْرَاع فِي العودة والمبادرة إِلَى الاجابة عِنْد تَحْقِيق الدعْوَة فسارا سارين وبمن فِي صحبتهما بارين وَعَاد السُّلْطَان بالعادل وكتبت لَهما منشورين فَأَما المنشور التَّقْوَى بِمصْر فنسخته وَقد كتب فِي شعْبَان سنة تسع وَسبعين الْحَمد لله المتعالي جَلَاله المتوالي افضاله الْقَدِيم كَمَاله العديم مِثَاله نحمده على احسانه الْعَظِيم نواله العميم افضاله ونساله أَن يُصَلِّي على سيدنَا نبيه مُحَمَّد الْمُصْطَفى الفصيح مقاله الفسيح فِي الشَّرْع مجاله الشَّفِيع المقبول فِي الْأمة سُؤَاله وعَلى اله وَصَحبه الَّذين هم نُجُوم الْهدى وأنصار الْحق وَرِجَاله أما بعد فَإنَّا مُنْذُ استودعنا الله ملك بِلَاده واسترعانا أَمر عباده وَمكن لنا فِي الارض وَبسط فِي البسيطة أيدى ايدينا بالبسط وَالْقَبْض واقدرنا فِي ممالكه على العقد والحل والابرام والنقض وملكنا زِمَام الزَّمَان بالامر وَالنَّهْي ونهج لنا وبنا سبل الرشاد وَعفى طرق الغي وناط الْهدى بتوفيقنا واماط الضَّلَالَة عَن ملكنا فَهُوَ للاحكام وَهِي للوهي واعز بنصرنا الاسلام واداله وأذل الْكفْر وأذاله وَثَبت الْحق ومكنه وَنفى الْبَاطِل وازاله نفترض اداء شكر نعْمَته وان كُنَّا معترفين بالقصور عَن ادائه وَنرعى لَهُ فِي بِلَاده وعباده حق مَا

стр. 302

خصنا بِهِ من عُمُوم استرعائه فَلَا يسترعبها من الْوُلَاة الا أولاهم برعاية الرّعية وأتبتهم حجَّة على سلوك الْحجَّة المرعية المرضية وَأَحْسَنهمْ طَريقَة فِي إجراءالأمور على الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة واكرمهم للتقوى الَّتِي تقوى بهَا المكارم وتوقى المكاره وحكمهم فِي الرَّأْي الَّذِي يَصح ويضح بِهِ فِي الْأُمُور الْمُحكم والمتشابه وأقومهم على سنتنا فِي إِقَامَة فروض الْعدْل وسننه وأعرفهم بِحَق إنعامنا فِي تقبل منحه وتقلد مننه وأطولهم فِي الطول باعا وأفضلهم اتساعا وأسماهم فِي يفاع العلى ارتفاعا وأولاهم لأبكار المحامد والمفاخر افراعا وأجلاهم فِي مَشَارِق السَّعَادَة طلوعا وأجلهم على واجباتها إطلاعا وأبذلهم فِي الْجِهَاد اجْتِهَاد وَأَكْثَرهم فِي سداد الثغور الإسلامية سدادا حَتَّى تعود الْولَايَة بايالته منتظمة الْعُقُود والمملكة ببهجته مبتسمة السُّعُود والسياسة بنصره نَضرة مورقة الْعود والمصالح بصوب صَوَابه مصوبة الْمعَاهد مصونة العهود ونصل النَّصْر بمضاء مضاربه مغمود فِي مفارق الاعداء مفارقا للغمود وتمحو حَسَنَات أيامنا الْبيض بتوليه اللَّيَالِي السود وَلما كَانَ ولدنَا الْأَجَل الْملك المظفر تَقِيّ الدّين أدام الله علوه وضاعف رفعته وسموه ذَا الْمجد الشامخ وَالْجد الباذخ والرأى الرَّاجِح الراسخ وَالْعدْل الْمُجيب المجير استصراخ الصَّارِخ والاصابة الَّتِي تقصر عَنْهَا خطى الخطوب الْخَاطِئَة الْقدر المواتية الَّتِي لَدَيْهَا العظائم ذَوَات الاقدار المتوطية والشيمة الزكية الذكية الَّتِي تضوع نشرها المتأرج وتوضح بشرها المتبلج وشيم عَارض كرمها المتبوج وزجى بَحر سماحها المتموج والمناقب الَّتِي اشرقت زواهرها فِي سَمَاء السمو وأنقت ازهارها فِي رياض النمو وتليت آيَات مدائحها بِلِسَان الْعَدو وجليت عرائس محاسنها فِي مطالع الْعُلُوّ والبسالة الَّتِي فرق جموع الاعداء بأسها الشَّديد وثلم حد الْكفْر حَدهَا الْحَدِيد وأعلا جد الْإِسْلَام جدها الْجَدِيد وهد ركن النكر ركن عرفهَا المشيد وَهُوَ مقتد بسنتنا العادلة فِي احياء سنة الْعَادِل وتقوية منَّة الْفضل وَرفع منار الشَّرْع الْمُنِير واعلاء معالم الْمجد الأثيل الْأَثِير وخفض جنَاح الرَّحْمَة للصَّغِير وَالْكَبِير وإسعاف الْعَافِي وإعانة العاني وإغاثة المستجير قلدناه ولَايَة الممالك والبلاد والثغور والديار المصرية وذقناها بكفايته وأوليناها النظام بولايته وحليناها بحلية أيالته وعولنا عَلَيْهِ فِي سياسة مملكتها وحماية حوزتها والذب عَن بيضتها وفوضنا اليه نظرة أمورها وجلون فِي آفَاق تدبيراته الْمُوَافقَة الموفقة نورها وأمرنا كَافَّة الامراء والنواب والعساكر المنصورة المصرية على اخْتِلَاف طبقاتهم وتفاوت درجاتهم بامتثال أمره

стр. 303

والانقياد لحكمه وَالتَّصَرُّف على رسمه والحضور اذا طَلَبهمْ والهبوب اذا ندبهم فَإنَّا قد عضدنا بِهِ سلطاننا وسددنا بِهِ مَكَاننَا وبسطنا بِهِ على الرّعية عدلنا وإحساننا وَجَعَلنَا يَده يدنا وَلسَانه لساننا وامضينا سَيْفه اذا اقتضته حُدُود الله فِي الْآجَال وأطلقنا قلمه فِي الارزاق الَّتِي يجريها الله تَعَالَى لكافة الاولياء وَالرِّجَال وفوضنا اليه هَذِه الْبِلَاد تفويضا ماضيه أَحْكَامه متسقا نظامه مَوْصُولَة بِمَشِيئَة الله أَيَّامه ووليناه إِيَّاه تَوْلِيَة من عرف قِيَامه بِحَق الْولَايَة وانتهاءه فِي مصَالح الاسلام الى الْغَايَة وانتظام خلاله الْكَرِيمَة بِشُرُوط الْكِفَايَة وَالْكَفَالَة واضاءته فِي فضاء الْفَضَائِل بالْحسنِ وَالْحُسْنَى من الْحِلْية وَالْحَالة وتوفره على الْجِهَاد فِي سَبِيل الله بحرا وَبرا بتجهيز أساطيله وكتائبه واعتماده كل مَا يدل مِنْهُ على مزِيد الشُّكْر فِي استمداد مزِيد مواهبه وقيامه بِتَوْفِيق الله الْمعد لَهُ بالمعدلة وكشفه بالرأى الثاقب مهمات الخطوب المشكلة وَبسط الْيَد وَالْقَوْل فِي العارفة والعاطفة للاولياء بالنيل واللين وانتضاء سَيْفه وَسَوْطه فِي السطو على الْأَعْدَاء لاقْتِضَاء دين الدّين حَتَّى تعلو كلمة الاسلام وَتثبت وَحَتَّى تبتت عروق الْكفْر من أَرض الله وَلَا تنْبت وَحَتَّى تكْتب المذلة على العداة فتكبت وَحَتَّى تَجْتَمِع الْقُلُوب والالسنة على محبته وشكره وتتفق الكافة على الائتمار لطاعته وَطَاعَة امْرَهْ وَنحن نسْأَل الله ان يوفقه ويسدده ويعضدنا بِهِ ويعضده ويؤيدنا بِحسن تَدْبيره وَيُؤَيِّدهُ والمستقر لَهُ من اقطاعاته مَا اثْبتْ فِي الدِّيوَان ذكره وَبَين فِي هَذَا المنشور قدره وَهُوَ مَا سبق ذكره فليتق نعْمَة الله بالشكر الذى يرتبطها وَبسط الْيَد الذى ينشرها عَلَيْهِ ويبسطها ونشاط الهمة الَّذِي يطلقهَا من عقال التَّوَقُّف وينشطها مستمسكا من التَّقْوَى بأوثق عُرْوَة عاقدا بهَا من حب بذل الحباء اصدق حبوة فائزا من النَّصْر والنجح فِي مغازيه ومساعيه بأوفق حظوة ساميا من الْعِزّ الْجَلالَة والمهابة على اسمق ذرْوَة مؤيدا من الله بالتسديد فِي صرف كل خطب وتصريف كل خطْوَة وَكَانَ رحيل سيدنَا الاجل الْفَاضِل من الكرك الى مصر فِي منتصف شعْبَان من السّنة وكتبت اليه عِنْد الرُّجُوع من وداعه رَجَعَ الْمَمْلُوك من الْوَدَاع وداعي الاسى يحفزه وعادي الاسف يزعجه فَعدم الشَّمْس الَّتِي تفيض عَلَيْهِ والظل الَّذِي يفِيء اليه لَا مُجيب لاستدعائه وَلَا مجير لاستعدائه وَلَا مقيل لعثراته وَلَا منفق لنقده وَلَا موثق لعقده وَلَا مروج

стр. 304

لرجائه وَلَا مورج لأرجائه وَلَا مرجي لإرجائه وَلَا مرجي لإنجازه وَأصْبح مَعَ عدم اللِّقَاء الصبيح لقيا للعدم وَصَارَ مذ ند من نَادِي الندى ندا للندم وظل كالضالة لَا ينشد وكالضال لَا يرشد وكالفقيد لَا يفتقد وكالزيف لَا ينْتَقد وكالرميم يرْمى وكالمرير لَا يمرى وكالمأيوس شفاؤه لَا يطب وكالمأنوس جفاؤه لَا يحب وَكَيف حَال من حَالَتْ كيفيته أيأسه يأسوه أم نِيَّته امنيته ياليت الْمولى قبله صاحبا لركابه وراكبا فِي صحابه وترابا لمواطىء قدمه وتربا لمواطن خدمه وماشيا فِي رَكبه ناشئا فِي صَحبه متلاشيا فِي أشعة آلائه متعايشا فِي شَائِع لألائه وضيعا مَعَ الشرفاء ثقيلا مَعَ الظرفاء سقيما مَعَ الأصحاء هجينا مَعَ الصرحاء وَالْعقد الثمين رُبمَا انتظمت فِيهِ لمصرف الْعين الخرزة وشدت بالسبحة ثلمتها المعوزة على انه اذا اقامه فِي كنف الرِّعَايَة مرعي الكنف مكفي الكلف منفي الكلف غبطه السائرون وتحاماه الضائرون وَلم يثر اليه الثائرون وَلَا غنى بالمملوك فِي كل وَقت لاستزاده مقه واستزاله مقت عَن تَجْدِيد جاهه وتوجيه جده واسعاد رجائه واجراء سعده فالمغارس تستثمر بالتربية غرسه والمؤسس يستعمر بالتقوية اسه وَلَا يضيع الْمَمْلُوك الذى ملك رقّه باحسان عشر سِنِين ﴿إِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ وَتَوَلَّى الْملك الْعَادِل سيف الدّين أَخُو السُّلْطَان حلب وقلعتها وَجَمِيع اعمالها ومعاقلها ومدينة منبج وَجَمِيع قلاعها واعمالها فَكتبت منشورا ايضا فِي شعْبَان سنة تسع وَسبعين ونسخته الْحَمد لله ذى السُّلْطَان القاهر والاحسان الظَّاهِر والامتنان الوافر والبرهان الباهر نحمده على انعامه المتضاعف المتضافر وإفضاله المتوافد المتوافر حمدا يُؤذن بالمزيد للشاكر ونسأله أَن يُصَلِّي على سيدنَا نبيه مُحَمَّد الْمُصْطَفى ذى الشَّرْع الظَّاهِر والنور الزَّاهِر وَآله الاكارم الاكابر ذوى المفاخر والمآثر وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا أما بعد فَإِن الله عندنَا نعما ان نعدها لَا نحصيها ومننا قد جمع الله لنا بشمولها الدَّائِم شَمل أعمها

стр. 305

وأخصها ومواهب وَاضِحَة الْمذَاهب فِي التواصل والتناصر ومنائح متظاهرة الغوادي والروائح فِي التوافد والتوافر وأيادي مَلَأت الْأَيْدِي والآمال نجاة ونجاحا وعوارف عمرت منا وَمن اوليائنا الصُّدُور والقلوب انشراحا وارتياحا وَلَقَد أَتَانَا من الْملك مَا قَامَت لنا بِالْحَقِّ حجَّته ووضحت فِي نهج السَّعَادَة بنجح الارادة محجته وأيدنا عَلَيْهِ بالنصر الْمَاضِي النصل والعز الْجَامِع الشمل حَتَّى أذلّ لنا رِقَاب الاعداء ومهد لنا وبنا أَسبَاب الْوَلَاء وملكنا قياد الْعباد وكف عَنَّا وبنا عنان ذَوي العناد وَجعل سُيُوفنَا واقلامنا للاقاليم أقاليد وَفرق جموع الْكفْر ببأسنا أشتاتا عباديد فالفتوح الْأَبْكَار بصوارمنا الذُّكُور افتضاضها واقتضاؤها والحتوف نَحْو الْكفَّار بعزائمنا الْمَاضِيَة الْمضَارب فِي ضرب الْهَام وَطعن النحور انتهاضها وانتهاؤها وثغور الاسلام عَن ثنايا الثَّنَاء عَلَيْهِ ضاحكة الثغور وأوامرنا فِي إعلاء أَعْلَام الدّين منتظمة الْأُمُور وَالْجهَاد من جَمِيع جِهَات ممالكنا برا متسق الجموع والتوحيد لقمع هَل التَّثْلِيث ثَابت الاصول نامي الْفُرُوع والحمدلله عودا بعد بداء على مَا ولاه من نعْمَة وأولاه وَأعَاد من منحه بعد مَا أبداه ﴿رب أوزعني أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ وعَلى وَالِدي وَأَن أعمل صَالحا ترضاه﴾ وَمن جملَة نعم الله وأجملها وقوعا وأجلاها فِي الْجَلالَة طلوعا وأجدرها منا بالاخلاص وَالْجد وأشرقها لنا فِي مطالع السعد وأوجبها لفرض الشُّكْر وأحراها بدوام الاشاعة والنشر أَنه شدّ أزرنا بأخينا الْملك الْعَادِل سيف الدّين نَاصِر الدّين أبي بكر أدام الله علوه ورفعته وسموه وَنعمته وتسديده وأيد بسطته ذِي الباع الطَّوِيل والطول الجزيل والصدر الرحيب والرأى الرَّاجِح الْمُصِيب وَالْجد المنيف الْمُنِير وَالْمجد الأثيل الْأَثِير وَالْقدر الْجَلِيل الْجَلِيّ والعزم الْمَاضِي الْمُضِيّ والحلم والأناة والحزم والثبات وَالْقَبُول الَّذِي وفر لَهُ فِي الْقُلُوب مواد المودات والجود الَّذِي ينهل جوده باسعاف العافين من سَمَاء السماح والمعاطفة الَّتِي تلحف الراجين جنَاح النجاح والعارفة الفارعة والمعرفة الصادعة والهمة الصادقة والمهابة الرائقة الرائعة والسياسة الجامعة الْمَانِعَة والبسالة الَّتِي زلزل الْكفْر باسها وتقوضت بهَا قَوَاعِد الْبِدْعَة وأساسها وَالتَّدْبِير الْمُوَافق فِي حفظ الممالك ونظم عقودها وَالنَّظَر الصائب الصَّادِق فِي تَرْتِيب الْمصَالح وصون حُقُوقهَا وحدودها وَالْعدْل الذى أوضح سنَنه وَأقَام بَين الرّعية بالرعاية فروضه وسننه والسيرة الَّتِي تحلي التواريخ بأيامن أَيَّامهَا ويسددها للدولة مرامي مرامها والاعتقاد الَّتِي أنارت آفاقه من التَّوْفِيق بأنوار الخلوص وتوفر حَظه من عُمُوم تأييد الله اياه على الْخُصُوص فالملك بإيالته مُحكم الْقَوَاعِد مبرم المعاقد مستهل العهاد

стр. 306

أهل الْمعَاهد والدولة بإدالته شَدِيدَة السواعد سديدة المساعد صَافِيَة الْمَوَارِد صَادِقَة المواعد وَالدّين بنصرته داني النَّصْر سامي الْقدر عالي الامر نامي النشر والاسلام مِنْهُ بناصره زاه وَالْكفْر من بأسه بقامعه واه وَالْقدر بِقَضَاء الله على مُوَافقَة أمره آمُر ناه وَالشَّرْع بمحافظته على احكامه وملاحظته أَسبَاب نظامه ومفاخره مُبَاهٍ فَهُوَ الشَّقِيق الشفيق الذى لايثارنا يُؤثر ولرضانا يقْصد وعَلى مرادنا يجْرِي وَهُوَ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى عَن مُوسَى ﵇ ﴿وَاجعَل لي وزيرا من أَهلِي هَارُون أخي اشْدُد بِهِ أزري وأشركه فِي أَمْرِي﴾ وَالْحَمْد لله الذى سعدنا بمساعدته وأسعدنا بمعاضدته وأظهرنا بنجدته وأنجدنا بظاهرته وأظفرنا بموافقته ووفقنا لمضافرته وَلما أنعم الله علينا هَذِه السّنة بالفتوح المستفاضة والممالك المستضافة وَحكم لنا فِي توسيع دَائِرَة المملكة بِالزِّيَادَةِ على الْمُلُوك والإناقة وفتك لنا الْبِلَاد وأنجح المُرَاد وَملك من كل مَا رمناه القياد جرينا على أحسن الشيم فِي إحْيَاء سنة الْكَرم فَمَا فتحنا معقلا الا ويدنا لَهُ مالكة واهبة والحازم من يكون ذَا هبة بالدنيا فانها ذَاهِبَة وَقد جعلنَا لأخينا الْملك الْعَادِل من الممالك الَّتِي تملكناها والبلاد الَّتِي فتحناها والمعاقل الَّتِي استضفناها أوفى نصيب واصبح النجح منا لداعي رجائه أسْرع مُجيب ورأيناه أَحَق بِحقِّهِ من كل بعيد وَقَرِيب وقلدناه أُمُور الْبِلَاد والمعاقل والثغور وفوضنا اليه فِيهَا جَمِيع الْأُمُور فبيده الْحل وَالْعقد والبسط وَالْقَبْض واليه الْولَايَة والعزل والابرام والنقض وَله القَوْل الثَّابِت والامر النَّافِذ والى فَضله يرجع الْعَائِد وبعدله يلوذ العائذ وَنحن نرغب الى الله أَن يوفقه وَيُؤَيِّدهُ ويسدده وسبيل الْوُلَاة والامراء والنواب والاعيان والرعية والاصحاب لانقياد لأَمره المطاع ومقابلة مراسمه بالامتثال والارتياع وَالرُّجُوع الى بَابه والجري على حكم نوابه والنهوض إِلَى الْغَزَوَات فِي خدمَة ركابه والوفود فِي حَالَة الضراء والسراء إِلَى المرتع المريع والمنبع المنيع من جنابه فانه فتح الاولياء بالآلاء وحتف الْأَعْدَاء بالاعداء ولديه كشف الغماء بالنعماء وَفِي مهاب المحاب مِنْهُ نضوع أرج الارجاء وَمن شيمته الِاقْتِدَاء بسنتنا فِي بسط الْعدْل والاحسان وَقبض أيدى الظُّلم والعدوان وإسداء الْمَعْرُوف وإعداء الملهوف وإعلاء معالم الْمَعَالِي وتكثير حَسَنَات أَيَّامه لتكفير سيئات اللَّيَالِي والمجاهدة فِي سَبِيل الله رابط الجأش لتأليف الآلاف من جيوش الرِّبَاط وَعمارَة الْبِلَاد بِحسن سيرته الَّتِي لم تزل مُسْتَقِيمَة على الجدد فِي الاقساط ومشايعة الشَّرِيعَة المطهرة فِي جَمِيع أَحْوَاله آخِذا بِالِاحْتِيَاطِ مؤيدا بالنصر من الله والتأييد والتمكين حَتَّى تنسي فِي

стр. 307

تِلْكَ الثغور غزوات سيف الدولة غزوات سيف الدّين ويحقق بِجَمِيعِ الْمُسلمين قمع الْمُشْركين وَيعْلي كلمة الاسلام بِمَا يوليه من النَّصْر الظَّاهِر وَالْفَتْح الْمُبين ان شَاءَ الله وَكتب لَهُ فِي اخر المنشور تَفْصِيل مَا أنعم عَلَيْهِ من حلب ومعاقلها ذكر الرحيل الى الشَّام وَلما رَأينَا أَمر الكرك يطول ودافعنا عَن حَقه الْقدر المطول وَأَن شهر الصّيام قد قرب وَأَن الْعَسْكَر قد تَعب وَأَنا مَا استصحبنا هَذِه النّوبَة مَعنا من آلَات الْحصار مَا يَكْفِي وَأَن أدواء الشّرك مَا يحسمها إِلَّا الدَّوَاء الَّذِي يشفي جهز السُّلْطَان الْعَسْكَر الْمصْرِيّ فِي الْخدمَة التقوية الَّتِي بالصحبة الْفَاضِلِيَّةِ تقويتها وَمن آرائها فِي كل مَا يُنَادى لَهُ تلبيتها وتربيتها وَانْصَرف بعسكر الشَّام عَائِدًا وَمن حمى الدّين بجده وجهده ذائدا وعدنا الى دمشق عود الحيا الهاطل الى الثرى الماحل وَقدمنَا قدوم الصَّباح على الساري والضيف على الْقَارِي والنجاح على الراجي والفلاح على اللاجي وألقينا بهَا الْعَصَا وأجرينا خيرات السّنة وَذكر من أطَاع وَعصى وعدنا من فرض الْجِهَاد الى فرض الصّيام وَوَقع الشُّرُوع فِي إراحة العساكر عِنْد اسْتِقْبَال الْعَام واستئناف الْجمع لنصرة الاسلام ذكر مسير الْملك الْعَادِل إِلَى حلب وتسلمها فِي شهر رَمَضَان سنة تسع وَسبعين وَسَار الْملك الْعَادِل سيف الدّين إِلَى حلب وتولاها بِمُقْتَضى المنشور وَنشر المطوي من أَعماله بِضَم المنشور واعاد سر الخفيات من الْمُعَامَلَات إِلَى الظُّهُور وترافدت حوافلها بالدرور ومحافلها بالحبور وابدت وُجُوه أعيانها بعنايته وُجُوه الْبشر وأسارير السرُور وتسلط بهَا سُلْطَانه وَتمكن فِيهَا مَكَانَهُ وتجلت ولاته وتولتها أَحْكَامه وشفيت بطبه أسقامه وأصفيت على حبه أقسامه وَنفذ بأوامره فِي أمورها نقضه وإبرامه وأصحب حمامها بِأَصْحَابِهِ بِأَصْحَابِهِ وانصرفت نوائبها بِتَصَرُّف نوابه وَدرت على مُرَاده أخلافها وَزَالَ بوضوح مذْهبه فِي الْوِفَاق خلَافهَا وأجنى اجنادها قطاف

стр. 308

إقطاعها وَرفع خصَاصَة خواصها بغنى ارتفاعها وقر قراره وسرت أسراره وَانْصَرف نواب السُّلْطَان الى دمشق فِي خدمَة وَلَده الْملك الظَّاهِر ظَاهِرين بصفو الْمَوَارِد والمصادر ذكر وُصُول صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ وَمَعَهُ شهَاب الدّين بشير فِي الرسَالَة الشَّرِيفَة الامامية من الدِّيوَان الْعَزِيز النبوى ووصول مُحي الدّين الشهرزوردى مَعَهُمَا رَسُولا من الْموصل وَلما اسْتَقر بِنَا فِي دمشق الْمقَام وَتمّ الصّيام وَأحمد الختام وَعم بالفتوح من أَوله الْعَام واتسق النظام واتسع المرام وَظهر بِظُهُور الدولة الاسلام ونام فِي مهاد الدعة الْأَنَام واستطاب الْكرَى بالامن فِي حرم الْكَرم الْكِرَام جَاءَ من وَافد نعم الله التَّمام ووصلت رسل أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵇ فعمت الْبُشْرَى وتمت الْيُسْرَى ونمت بِالْحُسْنَى وعلت الدُّنْيَا وَدنت الْعليا وَأمنت الْبلوى وضمنت الجدوى وعدمت الْعَدْوى وَوجدت من الدَّهْر العتبى ونقعت السقيا ونفعت البقيا وكرمت اللقيا واحمدت العقبى واستقبلنا الرُّسُل الْكِرَام بارسال كَرَامَة وارساء فخامة وابداء ترحيب وإبداع تَرْتِيب وسفور بشاشة ووفور هشاشة واحتفال واحتفاء واكتفال واكتفاء وَقبُول واقبال واعظام واجلال وتلق بتعظيم وترق الى تكريم وتوق من تَقْصِير وتقو بتوقير وَتَقْدِيم حمول بِغَيْر تَأْخِير وتحف بتحف وتكلف بكلف وتهد لهدايا وَتسن لسنايا وَتقدم ركُوب ببكور القادمين ماجدين بآلاء أُولَئِكَ الماجدين واجدين لكل أُمْنِية غير عادمين فوفيناهم فِي الِاسْتِقْبَال كل حق وفزنا من الاسراع الى الاستعاد بهم بِكُل سبق وَلَقي السُّلْطَان الرُّسُل فَنزل ونزلوا وَأَقْبل عَلَيْهِم وَأَقْبلُوا ثمَّ قدم لَهُم المراكب الَّتِي اعدت لَهُم فَرَكبُوا وسايرهم السُّلْطَان واصطحبوا وَنزل صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ بالرباط على المنيبع وَبَان بِهِ شرف الْموضع وَنزل القَاضِي مُحي

стр. 309

الدّين بن كَمَال الدّين الشهرزوري فِي جوسق بُسْتَان الخلخال حَالي الْحَال حَالا فِي منزلَة الْكَمَال وَنزل شهَاب الدّين بشير جوسق صَاحب بصرى على الميدان سامي الْمَكَان نامي الاحسان ذكر وَفَاة ولد شيخ الشُّيُوخ ثَانِي يَوْم وُصُوله كَانَت بيني وَبَين شيخ الشُّيُوخ قرَابَة قريبَة لدعواتنا فِي الْحَوَادِث والحوائج مستجيبة فانه اتَّصل الى ابْن عمي الصَّدْر الشَّهِيد عَزِيز الدّين أبي نصر أَحْمد بن حَامِد فقد كَانَت عقيلة بَيت السؤدد وكريمة شرف المحتد وَقد كَانَ من وزراء الزَّمَان وَعُظَمَاء دولة السُّلْطَان يخطبونها رَغْبَة فِي طيب النجار وطهارته ونزاهة العنصر ونضارته وَاتفقَ حضورهما بِالْكَعْبَةِ المعظمة فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وتكررت مِنْهُ الْخطْبَة وَصحت الرَّغْبَة فَأُجِيب لدينِهِ وَأَصله وتقواه وفضله وَبَارك الله مِنْهَا فِي ذُريَّته ونسله وَكَانَ لَهُ مِنْهَا اولاد نجباء اسْتَأْثر الله بهم فِي ريعان شبابهم ونقلهم الى التُّرَاب عَن اترابهم وَبَقِي الذى استصحبه فِي هَذِه الرسَالَة من انجابهم وَكَانَ منعوتا مكني مُسَمّى بِمَا كَانَ جده الْعَزِيز أبي نصر أَحْمد أعز وَأقرب وَأحمد فَمَرض عَلَيْهِ فِي الطَّرِيق فاستشعر من اقامته حذر الْوَالِد الشفيق واستصحبه مَعَه فِي محفة وَرَجا أَن يعتاض ثقلا بخفة فوصل وَنَفسه رهينة بِنَفس وناره ضنينه بقبس وحركته قد خضعت للسكون وامنيته قد اتضعت للمنون وذماؤه قد خفر مِنْهُ الذمام وحماه قد استباحه الْحمام وَقد جَاءَ الاجل وَذهب الأمل وانقضى الْعُمر وَقضي الْأَمر وضاق صدر الصَّدْر بمصاب وَلَده وانصدعت كبده للفجيعة بكبده وَجلسَ ثَانِي يَوْم وُصُوله للعزاء وَحضر عِنْده السُّلْطَان

стр. 310

وَجَمَاعَة الْأُمَرَاء وَصلى عَلَيْهِ وَدفن فِي الْمقْبرَة محاذية الرِّبَاط وَقطع هم الْوَلَد عَلَيْهِ طَرِيق النشاط وَبَردت حرارة الرسَالَة وحالت بهجتها لتِلْك الْحَالة وشغلت حادثته عَن محادثته وخطبه عَن مخاطبته ونقشه عَن مناقشته وَبث همه عَن الْهم بمباثثته حَتَّى انْقَضتْ ثَلَاثَة ايام موسم التَّعْزِيَة وَلم يقدر على غير التَّسْلِيم للقدر والتسلية ذكر السَّبَب الْمُقْتَضِي لهَذِهِ الرسَالَة فِي هَذِه السّنة لما عرف صَاحب الْموصل مَا تسنى لنا من فتح آمد وحلب وتيسر كل مَا اراده السُّلْطَان وَطلب خطر بِبَالِهِ خطر الْبلوى وعود الْعَدْوى واتساع خطب الخطوب اليه واتساق كرب الكروب عَلَيْهِ فكر فكره فِي خلاب الحلاب ومزج بِمَاء التودد طلاء الطلاب وَمَال الى الاستعطاء والاستعطاف وتنكب بالاستكانة نهج الاستنكاف وَشرع فِي استسعاء رسله للاستسعاف واستدعى من الدِّيوَان الْعَزِيز إرْسَال شيخ الشُّيُوخ للاستشفاع لعلمهم انا لَا نرى إِلَّا الائتمار بِالطَّاعَةِ لِلْأَمْرِ المطاع وَندب قَاضِي الْقُضَاة مُحي الدّين أَبَا حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْقَاسِم الشهرزورى للرسالة من جَانِبه وناط بسعيه ونجح مطالبه فجَاء فِي جاه أنيق ولسان ذليق وأبهة وبهاء وَرِوَايَة ورواء وتكفل وتكلف وتطرق وتظرف وترفع وتعرف وتقشع وتقشف وتأرج فِي مهاب المهابة وتبلج فِي صباح الاصابة وتلق لما ترفع من راية الْمجد بِيَمِين عرابة وترق فِي ذرْوَة الْخطاب بجلوته على مِنْبَر من بره الخطابة وَلَو تخلق بِخلق مرسله فِي الترفع بالتواضع وصلَة احكام التواصل بِقطع أَسبَاب التقاطع لكفي الْغَرَض وشفي الْمَرَض وَلم يكن فِي بَلَاغ بَلَاغ وَلم يحدث قلبه فِي المشغل شغل الْقلب وَهُوَ يرى أَنه مصح ونصع فرَاغ الى فرَاغ فانه لما وصل لزم ناموسه واطال فِي مَحل تسامية جُلُوسه وقطب ببشر وَجهه عِنْد تَوْجِيه غَرَضه قطوبه وعبوسه وَأظْهر كَأَنَّهُ الامين نزل بِالْوَحْي من السَّمَاء وَجَاء بعطارد فِي بَيته بالجوزاء وَلم يَأْخُذ فِي طَرِيق الاستخذاء وَظن أَن فِي ذَلِك لمخدومه نصيحة وخدمة صَرِيحَة وبغية صَحِيحَة ونيابة فِي كف نائبته كَافَّة مريحة على أَن السُّلْطَان قَابل شدته باللين وَأَعْطَاهُ يَمِينه على أَخذ الْيَمين فاشتط وَاشْترط وَكلما قاربناه شحط وَكلما أرضيناه سخط وَكلما قوينا رَجَاءَهُ قنط وَكلما توخينا

стр. 311

أمرا جَامعا للْمصَالح أَبى الا مُرَاده المارد وَلم توَافق مصادره الْمَوَارِد وَلَو انه تلطف واستعطف وترفق وَمَا عنف وَعرف وَمَا عزف وتألف وَمَا تأفف وَعَفا مَا عاف وَمَا تعنف لوضحت المحجة وَصحت الْحجَّة وَحصل المخطوب وَوصل الْمَطْلُوب وأجدى الْمَقْصُود وَوجد المنشود وبرح الخفاء وَرجح الرَّجَاء وجلا الجناء وَعلا السناء وتأيدت المنى فتشيدت البنى وتأكدت الْعُقُود وتمهدت العهود وَتمّ الصّلاح ونم الْفَلاح وحسم الدَّاء وسمح الدَّوَاء وَجزم الشِّفَاء وَلزِمَ الْوَفَاء وامنت عَادَة الْفِتْنَة وأمكنت سَعَادَة الْقَيْنَة لكنه لزم مَا لَا يلْزم وَجزم مَا لَا يجْزم وَعين شرطا لَهُ مَانع وَبَين قسطا فِيهِ مُنَازع وَكَانَ قد اسْتَعَانَ بِقوم من خَواص السُّلْطَان فِي تمشية الامر بِقدر الامكان فحسنوا ظَاهرا لَهُ بواطن وباديا لَهُ كوامن وحلفا يبْقى مَعَه الْخلف ورفقا لَا يَنْتَفِي بِهِ العنف ووفاقا كُله خلاف ووفاء كُله إخلاف وعقدا مَا فِيهِ خِيَار ونقدا مَا لَهُ عيار وعجماء جرحها جَبَّار وعشواء خبطها عثارا وشعواء خطبهَا غوار ومجازا تتعور بِهِ الْحَقَائِق ونجارا تتوعر بِهِ الطرائق ومبادئ تخفي عواقبها وَتظهر على مر الْأَيَّام عجائبها وغرائبها ذكر كشف الْحَال فِي ذَلِك كَانَت قد وصلت رسل صَاحب الجزيرة وَصَاحب إربل وصاحبي تكريت والحديثة يَشكونَ من صَاحب الْموصل وتكليفاته واثقاله الْكَبِيرَة الْكَثِيرَة فَأَما صَاحب الجزيرة فَهُوَ معز الدّين سنجر شاه بن غازى بن مودود بن زنكي وَهُوَ خَائِف من صَاحب الْموصل عَمه وَأَنه يلْزمه أَن يدْخل تَحت حكمه ويخشى أَن يكْشف ضِيَاء حَاله ظلمه ظلمه وَأما صَاحب اربل فَهُوَ زين الدّين يُوسُف بن عَليّ كوجك

стр. 312

وَهُوَ أَيْضا مُشفق من أمره محترق بجمره وَكَذَلِكَ صَاحب الحديثة وتكريت يرهبان وَفِي الاعتزاز بِنَا والاعتزاء الينا يرغبان وكل اخذ من السُّلْطَان عهدا أَن يحميه ويقيه ويسعده وَلَا يشقيه وإنصرف رسلهم على هَذَا الْقَرار وشفعت شفاعاتهم فِي امورهم بالامرار ثمَّ كَانَ وُصُول صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ ومحي الدّين الشهرزورى وَوَقع الشُّرُوع فِي حَدِيث حادثتهم وإجازة دواعيهم وَإجَابَة بواعثهم وَكَانَ القَاضِي مُحي الدّين الشهرزوري سالفا فِي الْمدرسَة النظامية رفيقي وآنفا فِي الايام النورية صديقي فصدفوه فِي هَذِه الْمرة عَن مشاورتي وصرفوه عَن محاورتي وَلَو استشارني لعرفته النهج ولقنته الْحجَّة اذا احْتج وسلكت بِهِ طَرِيقا للْمصَالح جَامِعَة وللعوائق رَافِعَة فصرت عَن سره بمعزل وَعَن رسمه بمعدل حَتَّى اسْتَقَرَّتْ قَاعِدَته واستمرت عائدته وَلم يبْق الا عقدَة للتأليف تحرر ونسخه للتحليف تقرر فاستدعاني السُّلْطَان ذَات يَوْم غدْوَة وَقَالَ اكْتُبْ شرطا يكون لنا فِي الْوِفَاق قدوة فَقلت لَهُ فَكيف تستثني باولئك الَّذين توثقوا بعهدك وَسَكنُوا الى وَعدك وَهَؤُلَاء لَا يرضون بِالِاسْتِثْنَاءِ وَلَا يأْتونَ إِلَّا بالاباء وَكَيف تنْسب الى ترك الْوَفَاء وَكَيف تشيع هَذَا بَين الْأَوْلِيَاء والأعداء فَقَالَ اكْتُبْ مَا تنزهني فِيهِ عَن الْخلف وتنبهني بِهِ على صدق الْحلف فَقلت تحلف لصَاحب الْموصل على موصله ونجح مؤمله وإصفاء منهله وَتجْعَل أَمر أَصْحَاب تِلْكَ الْبِلَاد الى اختيارهم وتجريهم على ايثارهم فَمن اختارنا تمّ لَهُ منا مناله وَمن اخْتَارَهُ فَلهُ عِنْده سؤله وسؤاله وَهُوَ يشرع فِي استرضائهم واسترغابهم واستدعائهم على وفْق آرائهم فاذا صَحَّ لنا فِي عودهم اليه امرهم بسط عذرنا وَقبض ذعرهم فَقَالَ لي امْضِ الْآن الى شيخ الشُّيُوخ وعرفه الْقَضِيَّة وارضه بِهَذِهِ الْحَالة المرضية وَمَا فِيهِ من الْمصلحَة المرعية للرعاة والرعية والمم أَيْضا بمحي الدّين وَأَنا قد أجبناه على هَذِه الشريطة إِلَى الْيَمين فَأَما شيخ الشُّيُوخ فانه عرف واعترف وأسعد بالمراد واسعف وَأما مُحي الدّين فانه أَبى الا الإباء وَأنكر الِاسْتِثْنَاء وَقَالَ لَا نقبل وَلَا نقِيل وَهَذَا مِمَّا يَسْتَحِيل فَلَا ينجح بِهِ التأميل وَلَا يَنْقَطِع بِهِ القال والقيل واولئك فِي بِلَادنَا نوابنا وَفِي ولاياتنا ولاتنا واصحابنا وَفِي خُرُوجهمْ علينا مَا لَا خَفَاء بِهِ من تَفْرِيق الْكَلم وتشتيت الشمل المنتظم وتبتيت الْحَبل الملتئم واذا عرفُوا انكم لَهُم توثقتم وَعَلَيْهِم

стр. 313

اشفقتم خرق اجماعهم وطرقت أطماعهم وزاغت عَنَّا أَبْصَارهم وأسماعهم فاتركونا واياهم وَلَا تدركوا بلواهم وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِم بِأَنا انما قبلناكم ايام السخط وقربناكم فِي أَوَان الشحط والآن فقد كمل الصُّلْح وَشَمل النجح فاجروا على الْعَادة وَلَا تخالفوافي الارادة فَقُلْنَا تَأْخُذ منا الان عهدا كَمَا شرعنا وشرطنا وحفظنا بِهِ الجوانب واحتطنا واشرعوا انتم فِي الاستمالة وتنكبوا طرق الاستحالة فَمَا قبل الرَّسُول وَلَا تمّ بقبوله السؤل ثمَّ اسْتَأْذنُوا فِي الِانْصِرَاف والاستئمار على مَا تقرر من الِاسْتِحْلَاف فَأكْرم الرُّسُل الْكِرَام وقضيت حُقُوقهم بِكُل تشريف وعطية وتحفة وهدية وَكَانَ صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ كَبِير الهمة أثيرا لَا يقبل قَلِيلا وَلَا كثيرا فاذا حمل لَهُ الطَّعَام فرقه على الاجناد الَّذين مَعَه من الدِّيوَان الامامي وعصم أَحْوَاله بالخلق العصامي فَمَا زلت بِهِ حَتَّى أجَاب كل يَوْم إِلَى رغيف وباجة متخذة من دجَاجَة فَلَمَّا خَرجُوا من دمشق عازمين على السّير وَعرف السُّلْطَان انهم قد خيموا بالقصير قَالَ السُّلْطَان قد استحييت من صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ وانه كلما ورد بِالْعُقُودِ صدر بالفسوخ وَقد عولت على أَن أركب لوداعه وَأقرب لاتباعه وأقابل مِثَاله بامتثاله وَأَقْبل مقاله لأَجله وَلَا جَلَاله وَنحن نشتار أرى رَأْيه وإشارته ونكتب نُسْخَة الْيَمين كَمَا يمليه بعبارته فسبقت اليهم بِأَمْر السُّلْطَان وعرفتهم بِسُرْعَة وُصُوله وشرعة قبُوله فَلَمَّا وصل نزل فِي خيمة الصَّدْر متضح الْبشر ثمَّ كشف لَهُ عَن القناعة بِمَا سَأَلَهُ القناع وَسَأَلَهُ بالرسول فِي عقد الاجماع الِاجْتِمَاع فَأرْسل اليه من يُعلمهُ بالامر ويقفه على السِّرّ ويضيق عَلَيْهِ سَعَة الْعذر وَلما رأى تواضع السُّلْطَان ترفع وَنسي مَا اقترح وَلم يذكر مَا اخترع وَقَالَ أَنا بعد مَا جرى من الْحَال لَا رَغْبَة لي فِي الاسترسال حَتَّى أنهِي الى من خصني بالارسال ولعلكم اعتقدتم انه لَيْسَ لنا مظَاهر وَلَا مظافر وَلَا مؤازر بل لنا من يسْأَل عَنَّا ويشتمل علينا ويعصمنا ويميل إِلَيْنَا وَنحن نكاتبه ونستشير بِهِ وَلَا نتوخى خلاف مذْهبه واشار الى سُلْطَان الْعَجم البهلوان فَأذن هَذَا القَوْل مِنْهُ بنفار السُّلْطَان وَترك مَا عزم عَلَيْهِ وودع وَركب وَبعد الامر الَّذِي كَانَ قرب وَكَانَ قد

стр. 314

ارسل للاطفاء فأسعر وللإستخذاء فتكبر وللإخماد فَأشْعلَ وللإرشاد فأذهل وللتقليل فَكثر وللإقالة فعثر وللإسترضاء فأغضب وللإنباع فانصب وللإستلانة فَاشْتَدَّ وللإستكانة فاحتد وللإستعطاف فشمخ وللإستعطاء فديخ وللأسو فعقر وللصفو فكدر وَكَانَ السُّلْطَان فاتر الْعَزْم فِي الْعود الى الْموصل فهاجه وحرف اليها مزاجه وسدد لَهَا منهاجه فَلَو تمسك مِنْهُ بِظَاهِر يَمِين لوضع يَده فِي يَد أَمِين وفاز لمرسله فِي مَكَانَهُ بتمكين ولوى وَلم يعرج وكوى وَلم ينضج وَزَاد وَلم يخرج وحاد وَلم يفرج وَكَأَنَّهُ ذكر بِمَا نسي واستعجل فِيمَا أنسي فَخَطب خطابه خطوبا وزرجوا بِهِ من الازورار جيوبا وَغير تغير قلبه قلوبا وجر ذَنْب تجرئه ذنوبا وَحدثت كوارث وكرثت حوادث كلهَا الى هَذِه الْحَالة مَنْسُوب وَمن هَذِه الْمُعَامَلَة مَحْسُوب وَسَيَأْتِي ذكر ذَلِك فِي مَكَانَهُ بشرحه وَبَيَانه ذكر وُصُول رَسُول عماد الدّين زنكي صَاحب سنجار أخي صَاحب الْموصل فِي معنى الْمُوَافقَة بَينه وَبَين أَخِيه وَهُوَ شمس الدّين بن الْكَافِي وزيره وَوصل رَسُول عماد الدّين صَاحب سنجار فَاتخذ توخي الْمصلحَة فِي الْمُصَالحَة وغار وَلكم سلك الاوعار ليسل الاوغار فَعرف مَا افضى اليه من الامر من التَّقْرِير والتقريب والتربيب وَالتَّرْتِيب وَمَا جرى عَلَيْهِ أَمر خلق رسل الْموصل من الإباء وَالْعود الى عَادَة الاعتداء وَإِنَّا فِي هَذِه السّنة الْمُقبلَة قد عزمنا على الْكر إِلَى الكرك وانا راغبون مِنْهُ فِي جِهَاد اهل الشّرك وَالثَّوَاب الْمُشْتَرك وقوبلت تحاياه وهداياه بأضعافها وبذل لَهُ من الابتهاج بمودته كلما يُؤذن ببهجة الدولة وهز اعطافها وَكتب مَعَ رَسُوله فِي جَوَابه كتاب من انشائي بتاريخ ثَلَاث خلون من ذِي الْحجَّة سنة تسع وَسبعين نسخته بعد الدُّعَاء ورد الْكتاب الْكَرِيم وَالْعرْف العميم سافرا وَجهه الوسيم شَامِلًا فَضله الجسيم ساميا فِي العلى نهجه القويم فَتَلقاهُ التبجيل والتعظيم والاجلال والتفخيم والفاه للكرم وللفخار حلفا وهز للنجح بموقعه الْأَثِير ومطلعه الأثيل عطفا وفضه عَن فيض دِيمَة ربعيه وَنشر لطيمة دارية وزهر نضارة روضية وشكر الله على مَا تضمنه من الانباء الأرجة والاحوال الْبَهْجَة والآلاء المبهجة وتأملت فصوله ونصوصه

стр. 315

وحكمت فِي استنباط شكره ظواهره ونصوصه وقوبل بالاخلاص فِي الْقبُول خلوصه وتؤمل فِي الدّلَالَة على إحكام أَحْكَام الْوُلَاة وإبرام معاقد الصَّفَا عُمُومه وخصوصه فَكل مَا ابان بِهِ مجده عَن سر المكارم واغرب فِي الود لَهُ عَن مضاء مضَارب العزائم فيد الِاعْتِدَاد باحسانه معتلقة وانوار الابتهاج بمكانته مشرقة وَرِوَايَة الاسناد الى صِحَّته بِالصّدقِ مستملاة وطلعة الِاغْتِبَاط بعارفته بسنا الشُّكْر مستجلاة ومواد التوفير على إحماده مستعذبة مستحلاه وَالله يديم سعادات الْمجْلس السَّامِي جَدِيدَة وجدوده سعيدة ودولته للدوام مستفيدة ومكرمته للشكر مستزيدة وَقد حضر شمس الدّين ايده الله وشافه بِكُل مَا شفى وَوصف مَا عذب من مورد المصافاة وَصفا وأتى بِكُل مَا تضمنه الْمَقْصُود ووفى وكفل ايراده البليغ بِكُل معنى مغن وامل للنجح مدن وَكفى وَأورد مَا ورد لَهُ بِأَحْسَن سفارة وافصح عبارَة وكمل الاعتضاد بِكُل مَا فاوض فِيهِ وأفاض فِي ذكر مَعَانِيه وَقد شَاهد الاحوال وَعرفهَا واستصلح اسرار الاستمساك بمودته وكشفها وشوفه فِي جَمِيع الْمعَانِي بِمَا يُورِدهُ على المسامع السامية ويذكره وفورض فِي جَمِيع مَا يولده ويقرره وَهُوَ يشْرَح كل دَقِيق وجليل ويوضح فِي مناهج الْمَوَدَّة الْخَالِصَة كل سَبِيل وَجُمْلَة مَا مَعَه من التحميلات وافية من بلاغته بالتفصيل والمؤثر من الْمجْلس السَّامِي الاتحاف بالمشرفات والتشريف بِمَا يسنح من المقترحات والرأي أسمى ان شَاءَ الله ذكر كَثْرَة الامطار فِي شتوة هَذِه السّنة والثلوج وَتعذر الْحَرَكَة وَالْخُرُوج فصل من كتاب انشأته الى الْأَجَل الْفَاضِل عَن السُّلْطَان فِي وصف ذَلِك وَعِيد الْفطر هَذِه سنة قد قدمت حسنتها وَفتحت عيونها فغسلت بِمَائِهَا أسناتها وسنتها وطولت بِطُولِهَا عوارض بوارقها ألسنتها وَوضعت حوامل السحب اجنتها وَقد آن تزخرف الارض جنتها فَلَقَد نزل الحيا فأغرق وأعرب وسحب السَّحَاب ذيل سيله فشرق وَغرب واكتست رُؤُوس الْجبَال شعار الثَّلج للمشيب فشعرها الجثل شائب والعارض بالبرق مَذْهَب وبالودق مفضض وَله فِي فض ختم الشعاب للاعشاب

стр. 316

مَذَاهِب والجداول قد صقلت من الجليد سيوف سيولها والثلوج فصلت للآكام أكمام ملابسها المروية فجرت على الوهاد فضول ذيولها وَالسَّمَاء قد غارت على غزالتها فسدلت سجف المزن دونهَا وصانتها فِي خدر الخفر فَلم تبدل مصونها والليالي جَادَتْ على رائب التُّرَاب بعقود اللآلي بل بامثال شهبها والافاق عقدت بالاقطار اوتاد القطار خوفًا من تسحب سحبها والبدر يحجب بالغيم فَكَأَنَّمَا استسر بالسرار وعارض الْعَارِض اشتعل شيبا فترامى بالشرار وفاضت الديم ودام فيضها وتروضت الربى وأربى روضها وأحست ظُهُور الارض بالبرد فَلبِست الحواصل وواصلها لحبى بالحيآ فَلم تمل الْوَاصِل وَمَا أصحت السَّمَاء إِلَى أَن أصحت شُهُود الْعِيد فسفرت بطوق هلالها حَالية الْجيد وانقضى الشَّهْر عَن تسع وَعشْرين وَلم يبلغ الى اتمام وعد الثَّلَاثِينَ فكملت نعمتا الدجن والصحو وزالت شبهتا الجدب وَالشَّكّ بالمحو وأعرب الزَّمَان للْأمة عَن بلاغة كل صبغ حسن مبالغا بالغاء اللُّغَة والنحو فالتصريف مَصْرُوف وَالْعرْف مَعْرُوف ولمجاني النعم قطوف وَفِي مسامع الرياض من الزهر شنوف وعَلى أَعْنَاق الافاق من الجليد سيوف وَدون حَاجِب الشَّمْس من السحب سجوف والآن ألان الله الشدائد وأنال الْمَقَاصِد وَأحلى المراشف وَأحل المراشد وقوى العزائم وروى الصرائم وَيسر مناهج الْفتُوح وَأظْهر مباهج النَّصْر الممنوح والعوائق زائلة والمرافق حَاصِلَة وَالْمَنَافِع شَامِلَة والصنائع كَامِلَة والعساكر مجمعة على الْإِجْمَاع ونداء الاستعداد للاستدعاء ظافر بتلبية الِاسْتِمَاع علما بِأَن الْعَام عَام الْخيرَات تَامّ البركات وَأَن السّنة مخصبة وَأَن أُمُور الْغُزَاة مرتبَة وان الْأسود الربض فِي عرين الاسلام على ذؤبان الْكفْر متوثبة وَالْفَتْح بِمَشِيئَة الله قريب والنصر لدعاء الْمُؤمنِينَ مُجيب وَمن ذَلِك فِي الْمَعْنى بإنشائي صدر مكَاتبه إِلَى تَقِيّ الدّين واستدعاء العساكر للْجِهَاد قد تقدّمت الْمُكَاتبَة إِلَى مجْلِس الْملك المظفر لَا زَالَت ايامه بِالْملكِ وَالظفر منعوتة وَصَلَاة صلَاته بِالْحَمْد وَالْإِخْلَاص موقوتة وولاة ولائه موموقة وعداة آلائه ممقوتة ومنايا مناوئية مكبوبة وشناة شَأْنه مكبوتة وعرفناه مَا شَمل من نعم الله وفاض واستنار من لألاء آلائه واستفاض وان الله عجل غياثه بغيوث رَحمته وبعوث نعْمَته حَتَّى سَالَتْ أَوديتهَا وسفكت دِمَاء المحول بسيوف البوارق فَلَا يُقَال قودها أَو دِيَتهَا

стр. 317

فدم الجدب مطلول وَروض الخصب مطلول وَسيف البارق مسلول ونطاق الْحيَاء محلول وَغرب الْمحل لضرب الوبل مغلول وَالشمَال مسحورة وَالسحر مشمول والآمال ظافرة وَالظفر مأمول وَأَن العزائم قد قويت والصرائم قد رويت وزناد الهمم ورت وآثار النَّصْر قد رويت وَهَذِه سنة قد هبت حسنتها من سنتها وأثنت فِيهَا عهادها على محَاسِن الرياض بألسنتها وَلَو عَادَتْ سَيِّئَة سنة الأسنات لإعتذرت إِلَى محسنتها فالعساكر تَجْتَمِع والمعاذر ترْتَفع والخيرات تتسع والآمال تنتجع والأعشاب تكْثر وتكنف والبركات تكمل وتكثف وَقد أنهض الله إِلَيْنَا أَمْدَاد آلائه وأقدمها لينهض بقوادمها إِلَى جِهَاد أعدائه فَلم يبْق لنا عذر فِي ترك الْجِهَاد يقبل وَلَا يُقَال بعد هَذَا من أَمر الْغَزْو مَا لَا يفعل وَقد كاتبنا أُمَرَاء الْأَطْرَاف باستعدادهم لإستدعائهم وَأَن يجزموا بِجمع العساكر أوامرهم لأمرائهم فَمَا مِنْهُم إِلَّا من يسابق إِلَى تَلْبِيَة النداء ويسارع إِلَى إِجَابَة الدُّعَاء ويعشق وَلَا عشق لِقَاء الْأَحِبَّة لِقَاء الْأَعْدَاء وهم الْآن ينتظرون شتات شَمل الشتَاء وَإِذا رأواآذار مُقبلا أَقبلُوا فَإِنَّهُم مذ شاهدوا ضرع الْعَارِض حافلا احتفلوا واجمعوا أَمرهم قبل الْإِجْمَاع بأمرنا فعلوا بِمَا فعلوا وَالله يمد الْإِسْلَام بفتوح تفوح أرجاؤها بأرج الْعِزّ ويسمي للمجاهدين فِي سَبيله مَا وعدهم بِهِ من درج الْفَوْز وَقد عزمنا مَعَ خُرُوج شباط الْمسير إِلَى حلب لِأَن هُنَاكَ العساكر يقرب إجتماعها والغنائم تتَحَقَّق إتساعها والمشاورات الصائبة يتدانى استماعها والهيبة فِي النُّفُوس تقحم والصيت فِي الْآفَاق يعظم والهمم الساكنة تتحرك وحساب كل راج بِمَا يَنَالهُ من عطائنا الْحساب يتفذلك وَقد جَاءَ الغيوث دائمة ديمها سابغة نعمها وأصحت السَّمَاء لَيْلَة الْعِيد فضاهت نعْمَة الإصحاء لأصحاء الدّين نعْمَة الدجون وعرج النُّور فِي السَّمَاء ليبين الْهلَال الَّذِي بدا كالعرجون فيا لله من قطر وَعِيد أنْجز للأولياء كل وعد وَأعد للأعداء كل وَعِيد وَالْحَمْد لله على مَا من بِهِ من إِحْسَان عتيد وإفضال طارف مَوْصُول تليد ذكر نبذ من أحوالي فِي الْغَيْبَة الْفَاضِلِيَّةِ واشتياقي إِلَى حَضرته الْعلية وَفصل مَا كتبته فِي الْمَعْنى وشكر مَا يسديه إِلَيّ من الْحسنى وَلما سَار المخدوم الْفَاضِل إِلَى مصر فِي هَذِه السّنة من غزَاة الكرك وَدخلت من إنفرادي بِالْخدمَةِ السُّلْطَانِيَّة والنيابة عَنهُ فِي الدَّرك وعدمت مَا كنت أَجِدهُ بِحُضُورِهِ من

стр. 318

الرفه والرفق وأظلم عَليّ من قوادح الصبابة ولوافح الكآبة مضىء الالفق وبهضني ثقل الاستبداد وانهضني كل الاستعداد وشغلني عَن مهامي بهم الشّغل وتكلفت التبرىء من الضجر والملل فِي الْأَمر المضجر الممل وشملتني بركَة همته الْعلية فِي تقويتي وتربيتي واجابني فِي مخطوب تلبيتي وَقمت بتسقيم المعتل وتقويم المختل وشمول النظام ونظم الشمل وواصلت تِلْكَ الحضرة بخدمات مطالعاتي وبرح صباباتي وَشرح مطالباتي وإذكاره من عدات مكرماته بعاداتي وانني اتمنى بيمن عودته عود ايام سعاداتي وَكنت قد كتبت اليه كتابا وشعته وَبَلغت فِيهِ الى مجَال البلاغة ووسعته فَقطعت طَرِيقه واتيح من الْقَضَاء تعويقه وَنَجَا بالقائه فِي الْبَحْر عِنْد لِقَاء الْعَدو نجابه وَكَاد يؤسر لما خانه صحابه فَلَمَّا عرفت مَا تمّ على الْكتاب عقدت لَهُ مأتم الاكتئاب وحبرت رِسَالَة فِي تعويقه وَقطع طَرِيقه بتاريخ محرم سنة ثَمَانِينَ وَهِي أدام الله أَيَّام مَوْلَانَا الصاحب الْعَالم الْأَجَل الْفَاضِل ظَاهِرَة المباهج مبهجة الظُّهُور منيرة الْمطَالع طالعة النُّور آمرة بالثبات ثَابِتَة الامور وافرة الْمَزِيد زَائِدَة الوفور سافرة بِالْحُسْنَى حَسَنَة السفور محبورة بالحبا حابية بالحبور سارة النعمى منعمة بالسرور قادرة على الاسعاف مساعفة بالمقدور مُؤثرَة للافضال فاضلة الْمَأْثُور شاهرة للميامن مَيْمُونَة الشُّهُور وخلد إنعامه وأنعم خلوده وَأحكم عهوده وأبرم عقوده وأسعد علاهُ وَأَعْلَى سعوده وأنجح مَقْصُوده وأنجز موعوده وَرفع ودوده وقمع حسوده وقيض عدله وفيض جوده وأجرى على إِيثَار أَيَّامه وآثار الْجَارِي من أقلامه بيض الدَّهْر وسوده وَلَا زَالَت اللَّيَالِي بلألائه مُقْمِرَة وَالْوُجُوه بآلائه مسفرة والقلوب بقبوله مقبلة واسود الممالك بأقلامه مشبلة والكتائب بكتائبه مكتبة والمذاهب بمواهبه مهذبة وَالْكَوَاكِب لمناقبه حاسدة والفضائل إِلَّا فِي سوق فواضله كاسدة والسحب من بنانه مستعيرة والشهب ببيانه مستنيرة والصباح من صباحته خجلا والسماح من سمائه هطلا وَالْحَد بحده مشفوعا وَالْمجد بحذائه مَرْفُوعا وَلَا فتىء بجود كَفه الْوَلِيّ محبورا مجبورا وبكف جوده الْعَدو مكسورا محسورا وبميسور شكمه الشُّكْر مأسورا وبمنشور أفضاله الْفضل منشورا وبتولية تصريفه الصّرْف

стр. 319

معزولا وبحد خطه الْخطب مغلولا وبأهل عهد ولائه معهد الموالين مأهولا وبمحمود اسعاف رفده لوفده حمد العافين اليه مَحْمُولا مَا وفى صَدُوق وَصدق وَفِي وَصفا كريم وكرم صفي وكفي هاد وَهدى كفي فصل مِنْهُ فِي وصف الرسَالَة الَّتِي قطعت طريقها وَكَانَ قَاطع الطَّرِيق يعرف بِأبي سنينة كلما بكر الْمَمْلُوك ببكر وجهز ببنت فكر وسيرها فِي محامد المحامد وضمنها مصادق الْمَقَاصِد وحلاها وأحلاها وغالى فِيهَا وأغلاها وشط عقيلتها ونشط عقلتها وقمع بنانها المخضب للْيَمِين وَرفع بَيَانهَا الْمُهَذّب للتأمين ونثر لُؤْلُؤ نرجسها على وردهَا ونظم من أقاحي بردهَا نَظِير عقدهَا وعود صبحها ودجا بسورتي اللَّيْل وَالضُّحَى وَأهْدى لَهَا نشوة من فطنته ونشأة من فطرته وَصَحَّ لَهَا وصحا وجذب خيزرانتها بحقف وعذق ختروانتها بِحرف وروى مخدمها وأظمأ موشحها وَأبْدى لمحها وَأعَاد ملحها وعلق قلبه بِقُرْطِهَا الْمُعَلق ووفق سَهْمه من سهمها المفوق وغاص لاستخراج در حليها الَّتِي صاغها وَورد بجمر ذكائه وجناتها وسلسل اصداغها ودب النَّمْل إِلَى عقاربها وَأنْبت الرُّمَّان فِي روض ترائبها وأبرزها فِي فضَّة قد مَسهَا ذهب وجلاها فِي مَاء مازجها لَهب وحاك لَهَا من خمر خاطره خمارا واشعل فِي خدها من جمر قريحته نَارا وَعقد من نطقه لَهَا نطاقا وَجعل من قَيده لَهَا اطلاقا عراها بغارته الغيران وعراها وفر خفيرها وأخفر ذمَّتهَا وفراها وبرىء من بحرها الْبر فبرأها وسرى اليها الْعَدو فَعدى على سراها وَجَهل قدرهَا فَلَو عرفهَا رَفعهَا وَلَو قَرَأَهَا قراها فيالها مَقْبُوضَة صد خَبَرهَا الْيَقِين عَن جُهَيْنَة معضوضة من كلاب الفرنج سين ابي سنينة مفضوضة وَهِي على عذرتها مهجورة وَهِي فِي طَرِيق هجرتهَا مأسورة من اسرتها مَأْخُوذَة من أسرتها مَا بالها نبا لَهَا فض ذَلِك الفض وَمَالهَا لَهَا عَنْهَا لَحْظَة الْحَظ قيل إِن حاملها دَفنهَا فَدلَّ طينها على موضعهاونورها على مطْلعهَا وفيضها على منبعها أما استحيى مستحييها وَمَا ضره لَو كَانَ يستبقيها لكنه لما شنأها شن عَلَيْهَا وَلَو ودها لما وأدها وتبا لَهُ حِين كلم روحها وَلَو أبْصر روح كلمتها لِعَبْدِهَا أما سَارَتْ عيسها السِّيرَة العيسوية أما مريمها بنفحة النفخة المريمية أما هابوا إهابها أما أَصَابُوا صوابها حَتَّى أخافوا سَبِيلهَا وأخفوا سلسبيلها وأراقوا مدامها وأداموا إرقاقها وحولوا شقتها وحاولوا شقاقها ونبذوها بالعراء وَهِي سقيمة وأقعدوها عَن الْمسير فَهِيَ مَعَ نبوة الْمحل بهَا مُقِيمَة وَمَا هِيَ بِأولى مودودة مؤوده ومحلاة عَن الْورْد مصدودة بل ثَلَاث بَنَات وئدن وَمَا أعدن

стр. 320

وَلما أبدين وجوههن وتوجهن الى البيد أبدن فَلهَذَا قريحته كالثكلى الوالهة قريحة الْقلب بحريق الكرب تعول على انها تعول وتتألم حِين تتأمل الْيَأْس مِمَّا تؤمل فان كبا زندها أَو خبا وقدها فَلِأَنَّهَا مَذْعُورَة معذورة مصدودة مصدورة فَهَل آيَة تعوذ با عانية غانية وماسورة تفل بهَا مأسورة وَقيل انهم لما دخلُوا بهَا السَّاحِل عرفهَا الْبَحْر فاستعادها ونشد ضَالَّتهَا حِين ألقيت فِي اليم فاستفادها وَفتحت لَهَا الاصداف أفواهها واستنجدت أمواجه الزواخر أمواهها وَحقّ لَهَا ان تَفْخَر فانها كَانَت بمعاني الْمَعَالِي المولوية مَمْلُوءَة وبحباء الْحبّ الفاضلي محبوءة وَلَقَد كَانَ يعْتَقد انها وصلت وصلت الى قبْلَة الإقبال وجدت وَوجدت كعبة الآمال وَردت فوردت مشرع الْفضل والافضال حَتَّى ورد الْمِثَال الْمَعَالِي عَنْهَا مسليا وَعَن اختها مسائلا آيسا من الغرام بهَا ولغرامتها آملا فَعلم أَن السبية قد سبيت وان البريئة بالبرية قد بريت وَأَن العقيلة قد عقلت وَأَن المتحلية قد عطلت وَأَن الرَّاحَة قد عيقت وَأَن الراح قد أريقت وَأَن الصفيحة قد كسرت وَأَن الفصيحة قد أسرت والحصيفة قد وَجَبت والصحيفة قد محيت وَأَن الْحَسَنَة قد حبست وَأَن المحجبة المحجوبة قد حجبت وَأَنَّهَا راحت فحارت فغارت وإغتاظت فَفَاضَتْ وَمَا فاظت لَو أَنَّهَا بِمَا فِيهَا فاضت وَلَقَد اقْسمْ الْقَلَم الَّذِي زبرها وأبرزها وأعلمها وطرزها وأحلها وحرمها وأجلها وَأَكْرمهَا ورضعها بمجاجة وارشفها من زجاجة وارشدها الى منهاجه ليجرن على أحديها كل مجر لدمائهم مجر وليجمعن بأساطيره وَكتبه لغزوهم الاساطيل والكتائب فِي كل بَحر وبر حَتَّى ينزل نَص النَّصْر على نصله وَيقطع سبل قَاطع سبله وَيجْرِي بحرا من دِمَاء اهل السَّاحِل ويديل الْحق بادراك ثَأْره من الْبَاطِل ويلقح الْحَرْب الْعوَان من ذكوره بِالْفَتْح الْبكر وَيذكر بِتَصْدِيق مَا وعد الله من النَّصْر وَالظفر أهل الذّكر أما عرفُوا ان اليراع الذى يُرَاعى ويروع لَا يراع وان الصواع الذى يضيء ويضوع لَا يضاع وان الْحرَّة الَّتِي تبوء وتبوع لَا تبَاع وان الْكَرِيمَة الَّتِي تضيف وَتفِيض لَا تجاع وَمِنْهَا فصل فِي صفة الْقَلَم فَلَا جرم ان الخطية الحظية تخْطب هدى الْفَتْح للهدى وَلَا تخطيء بالحتف فِي العدى وتستدعي وتيتدعي من الْجِهَات للْجِهَاد جموع الاجناد الانجاد للانجاد وَتجمع رَأسهَا رُؤُوس الْجمع ويقمع بنانها لبِنَاء القمع وتصيب وَهِي عامدة وتصوت وَهِي جامدة وتعسكر وَهِي وَاحِدَة وتزمجر وَهِي راعدة وتغرق وَهِي بارقة وَتحرق وَهِي صَاعِقَة وتقد وَهِي لافحة وتقذ وَهِي فادحة وتقود الاطلاب وتطلب الْقود وتحد
следующие страницы →