← История

История · id 6630

الحلة السيراء

ابن الأبار

Полный текст (687 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَوَجهه إِلَى الرشيد فِي القواد المتوثبين على الْوُلَاة بالقيروان وَلَده ولد إِبْرَاهِيم يتولون لَهُم إِلَى قيادة إِلَى عمالة حَتَّى أنفرضت دولة بني الْأَغْلَب وَمن شعره فِي إِيقَاعه بالمذكورين فِيهِ (سَائل بأبرانس عَنَّا ووقعتنا ... لما صببنا القنا نَحْو ابْن مرداس) (ولي وخلى سعيداً رهن نَافِذَة ... من طعن أروع للأرواح خلاس) (فَإِن يتوبوا فقد ذاقوا وقائعنا ... وَإِن يعودوا نعد أُخْرَى من الراس) وَله فِي حَرْب خريش الْخَارِج على ابْن الْأَغْلَب (إِن غَابَ إِبْرَاهِيم عَنَّا أَو حضر ... فإنني أنصره فِيمَن نصر) (وَالله لَا أرجع إِلَّا بظفر ... لَيْسَ يَمُوت الْمَرْء إِلَّا بِقدر) (وكل من خَالَفنَا فقد كفر ... ) فَجعل مَا يشد على نَاحيَة إِلَّا هدها وبرز فَارس من عَسْكَر تَمام بن تَمِيم فِي خِلَافه وَهُوَ يَقُول (إِن ظَفرت كفي بإبراهيم ... هددت رَأس الْعِزّ من تَمِيم)

стр. 107

فَلَمَّا سَمعه إِبْرَاهِيم نَادَى حَمْزَة يَا حَمْزَة أخرج إِلَى هَذَا الْكَلْب فَخرج إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُول (أَحْلف بالركن وبالحطيم ... مَا فِيكُم كفو لإِبْرَاهِيم) (ليصبحن الْيَوْم كالصريم ... ) ثمَّ شدّ عَلَيْهِ فَقتله ٣٨ - إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الشيعي من أَبنَاء أهل خُرَاسَان ووجوه أَصْحَاب إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب وَكَانَ أقرب النَّاس إِلَيْهِ فِي الداعية أهل خُرَاسَان ثمَّ أهل الشَّام ثمَّ أهل الْبَلَد وأنفذه رَسُولا إِلَى الرشيد وَبعث صحبته برسل بهْلُول بن عبد الْوَاحِد المدغري فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِي الْيَوْم الثَّالِث من قدومهم بَغْدَاد وأستأذن الشيعي هَذَا فِي الْكَلَام بعد أَن قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رَسُول سَيْفك دولتك إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب فَأذن لَهُ على إِثْر هَذَا فَخَطب وَكَانَ

стр. 108

بليغاً مدْركا وَهُوَ الْقَائِل فِي مجْلِس ابْن الْأَغْلَب بالقيروان وبدار الْإِمَارَة مِنْهَا عِنْد قدومه لمحاربة تَمام بن تَمِيم بعد محاورة حَسَنَة (لَوْلَا ابْن الْأَغْلَب أضحى الغرب لَيْسَ بِهِ ... عدل وَلَا لبنى الْعَبَّاس سُلْطَان) (عَم الْخلاف قُلُوب الْقَوْم فأبتدعوا ... إِلَّا خَصَائِص أدتها خُرَاسَان) (جلا ابْن أغلب عَنَّا كل مظْلمَة ... فِيمَا الْمُطِيع بسكر الْخَوْف حيران) (كَادَت شياطين تَمام تردن بِنَا ... بَحر الضَّلَالَة والتمام شَيْطَان) ٣٩ - عَمْرو بن مُعَاوِيَة الْقَيْسِي هُوَ من ولد عُمَيْر بن الْحباب السلمى أحد فرسَان قيس وساداتها الْأَرْبَعَة فِي الْإِسْلَام وهم عبد الله بن حَازِم والجحاف بن حَكِيم وَعُمَيْر بن الْحباب الْمَذْكُور وَزفر بن الْحَرْث وَكَانَ عَمْرو بن مُعَاوِيَة يتَوَلَّى نَاحيَة القصرين من إفريقية وَخرج على إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب مَعَ عمرَان بن مجَالد وَكَانَ وزيره الْغَالِب عَلَيْهِ فِي أُمُوره ثمَّ خرج ثَانِيَة على وَلَده زِيَادَة الله بن إِبْرَاهِيم وَكَانَ قد ولاه القصرين وَمَا إِلَيْهِمَا فتغلب على تِلْكَ النَّاحِيَة وَأظْهر الْخلاف فَلَمَّا ظفر بِهِ زِيَادَة الله قَتله وولديه الْحباب وسكتان ودعا أهل بَيته فَشرب مَعَهم ورؤوسهم بَين يَدَيْهِ فَغَضب لَهُم مَنْصُور بن نصر الْجُشَمِي الْمَعْرُوف بالطنبذي وَكَانَ عَاملا على طرابلس وَتَابعه الْجند فأضطربت إفريقية

стр. 109

على زِيَادَة الله وَحصر فِي قصره وَلم يبْق فِي يَده إِلَّا السَّاحِل وَقَابِس إِلَى أَن قتل مَنْصُور وأستأنس إِلَى زِيَادَة الله وصفت لَهُ إفريقية وأستقامت بعد حروب طَوِيلَة وخطوب جليلة وَمن شعر عَمْرو بن مُعَاوِيَة مَا حكى أَن بعض أَصْحَاب تَمام بن تَمِيم يَوْم التقى هُوَ وَإِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب عِنْد خُرُوج تَمام على ابْن العكى برز من الصَّفّ وَهُوَ يَقُول (الْيَوْم نسقيكم سوى المدام ... بالبيض يهوى حَدهَا بالهام) (حَتَّى تخلوا الغرب للتمام ... ) وبرز إِلَيْهِ عَمْرو وَهُوَ يَقُول (من مبلغ قولي إِلَى التَّمام ... حلفا بِرَبّ الْحل وَالْحرَام) (إِنَّك مَحْمُول على الصمصام ... وَقد تلاقت حلق الحزام) ثمَّ شدّ عَلَيْهِ فأرداه عَن فرسه ٤٠ - بهْلُول بن عبد الْوَاحِد المدغري كَانَ رَئِيسا فِي قومه وَهُوَ قَامَ بِأَمْر إِدْرِيس بن إِدْرِيس الْحسنى صَاحب الْمغرب ثمَّ تغير عَلَيْهِ وفارقه وَرجع إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب عِنْد ظُهُوره على إفريقية وَذَلِكَ بتلطف إِبْرَاهِيم فِي إِفْسَاد مَا بَينه وَبَين إِدْرِيس فجرت بَينهمَا مكاتبات كَانَ فِي بَعْضهَا مِمَّا كتبه البهلول إِلَى إِبْرَاهِيم

стр. 110

(لَئِن كنت تَدعُونِي إِلَى الْحق ناصحاً ... لتكشف عَن قلبِي ضمير خلاف) (لقدماً أَتَانَا عَنْك أَنَّك نَاصح ... لمن قَالَ بِالصُّلْحِ الْخلَافَة كَاف) (وَأَنَّك مَحْمُود النقائب عِنْدهم ... تزين مَا تَأتي لَهُم بعفاف) (فَعجل على رد رَأْيِي فإنني ... أرد الْهوى للحق حِين يوافي) فجاوبه إِبْرَاهِيم بقوله (عرضت على البهلول مَا إِن أَصَابَهُ ... تعوض مِنْهُ طَاعَة بِخِلَاف) (ليركب نهج الْحق وَالْحق وَاضح ... ونهج الْعَمى وعر المسالك عاف) (فَلَا تتركن رشد الْهدى لضلالة ... كمستبدل رنق الشَّرَاب بطاف) (وَبَايع لهارون الإِمَام بِطَاعَة ... تَجدهُ على الْإِسْلَام خير مكاف)

стр. 111

الْمِائَة الثَّالِثَة ٤١ - عبد الرَّحْمَن بن الحكم بن هِشَام الرِّضَا بن عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان أَبُو الْمطرف وَهُوَ عبد الرَّحْمَن الْأَوْسَط وَالرَّابِع من خلفاء بني أُميَّة بالأندلس بُويِعَ لَهُ يَوْم وَفَاة أَبِيه الحكم الْمَعْرُوف بالربضى يَوْم الْخَمِيس لثلاث وَقيل لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَت خِلَافَته إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام وَكَانَ فصيحاً مفوهاً شَاعِرًا مَعَ سَعَة الْعلم والحلم وَقلة الْقبُول للبغى والسعايات وَهُوَ الَّذِي أستكمل فخامة الْملك بالأندلس وكسا الْخلَافَة أبهة الْجَلالَة وَظهر فِي أَيَّامه

стр. 112

الوزراء والقواد وَأهل الكور وشيد الْقُصُور وجلب الْمِيَاه من الْجَبَل وَبنى الرصيف على الْوَادي وَهُوَ الْقَائِل متشوقاً ومفتخراً (فقدت الْهوى مذ فقدي الحبيبا ... فَمَا أقطع اللَّيْل إِلَّا نحيباً) (وَإِمَّا بَدَت لي شمس النَّهَار ... طالعة ذَكرتني طروباً)

стр. 113

(فيا طول شوقي إِلَى وَجههَا ... وَيَا كبداً أورثتها ندوباً) (وَيَا أحسن الْخلق فِي مقلتي ... وأوفرهم فِي فُؤَادِي نَصِيبا) (لَئِن حَال دُونك بعد المزار ... من بعد أَن كنت مني قَرِيبا) (لقد أورث الشوق جسمي الضنى ... وأضرم فِي الْقلب مني لهيبا) (عداني عَنْك مَزَار العدا ... وقودي إِلَيْهِم لهاماً لهيبا) (كأين تخطيت من سبسب ... وجاوزت بعد دروب دروبا) (أُلَاقِي بوجهي حر الهجير ... إِذا كَاد مِنْهُ الْحَصَى أَن يذوبا) (وأدرع النَّقْع حَتَّى لبست ... من بعد نَضرة وَجْهي شحوبا) (أُرِيد بِذَاكَ ثَوَاب الْإِلَه ... وَمن غَيره أبتغيه مثيبا) (أَنا ابْن الهشامين من غَالب ... أشب حروباً وأطفي حروبا) (بِي أدارك الله دين الْهدى ... فأحييته وأصطلمت الصليبا) (سموت إِلَى الشّرك فِي جحفل ... مَلَأت الحزون بِهِ والسهوبا) وَذكر سكن بن إِبْرَاهِيم الْكَاتِب وَغَيره أَنه أَمر

стр. 114

لجارية من حظاياه بِعقد جَوْهَر كَانَت قِيمَته عشرَة أُلَّاف دِينَار فَجعل بعض من حَضَره من وزرائه وخاصته يعظم ذَلِك عَلَيْهِ وَيَقُول إِن هَذَا من الأعلاق المضنون بهَا المدخرة للنائبة فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن وَيحك إِن لابس العقد أنفس خطراً وَأَرْفَع قدرا وَأكْرم جوهراً وَلَئِن راق من هَذِه الْحَصْبَاء منظرها ولطف إفرندها لقد برأَ الله من خلقه البشري جوهراً تعشى مِنْهُ الْأَبْصَار وتتيه الْأَلْبَاب وَهل على الأَرْض من شرِيف جوهرها وسنى زبرجها ومستلذ نعيمها وفاتن بهجتها أقرّ لعين أَو أجمع لزين من وَجه أكمل الله حسنه وَألقى عَلَيْهِ الْجمال بهجته ثمَّ دَعَا بِعَبْد الله بن الاشمر شاعره وجليسه فَذكر لَهُ مَا كَانَ بَينه وَبَين وزيره فِي شَأْن العقد وَقَالَ هَل يحضرك

стр. 115

شَيْء فِي تَأْكِيد مَا أحتججنا بِهِ قَالَ نعم وأطرق بريهة ثمَّ أنشأ يَقُول (أتقرن حَصْبَاء اليواقيت والشذر ... إِلَى من تَعَالَى عَن سنا الشَّمْس والبدر) (إِلَى من برت قدماً يَد الله خلقه ... وَلم يَك شَيْئا غَيره أحد يبرى) (فَأكْرم بِهِ من صِيغَة الله جوهراً ... تضاءل عَنهُ جَوْهَر الْبر وَالْبَحْر) (لَهُ خلق الرَّحْمَن مَا فِي سمائه ... وَمَا فَوق أرضيه وَمكن فِي الْأَمر) فأعجب الْأَمِير عبد الرَّحْمَن ببديهته وتحرك طبعه لِلْقَوْلِ وَأَنْشَأَ يَقُول مناغياً على رويه (قريضك يَا ابْن الشمر عفى على الشّعْر ... وأشرق بالإيضاح فِي الْوَهم والفكر) (إِذا جال فِي سمع يُؤدى بسحره ... إِلَى الْقلب إبداعاً يجل عَن السحر) (وَهل برأَ الرَّحْمَن فِي كل مَا برا ... أقرّ لعين من منعمة بكر) (ترى الْورْد فَوق الياسمين بخدها ... كَمَا فَوق الرَّوْض الْمنور بالزهر) (فَلَو أنني ملكت قلبِي وناظري ... نظمتهما مِنْهَا على الْجيد والنحر) فَقَالَ لَهُ ابْن الشمر يَا ابْن الخلائف شعرك وَالله أَجود من شعري

стр. 116

وثناؤك عَلَيْهِ أفضل من صلتي وَمَا منحتك لي إِلَّا تطولاً مِنْك بِغَيْر إستحقاق مني فأضعف جائزته وَأكْثر الثَّنَاء عَلَيْهِ وَله أَيْضا فِي النسيب (قتلتني بهواكا ... وَمَا أحب سواكا) (من لي بِسحر جفون ... تدبره عيناكا) (وَحُمرَة فِي بَيَاض ... تُكْسَى بِهِ وجنتاكا) (أعطف على قَلِيلا ... وأحيني برضاكا) (فقد قنعت وحسبي ... بِأَن أرى من رآكا) وَحكى ابْن فرج صَاحب كتاب الحدائق أَنه فرق فِي يَوْم فصد لَهُ بَدْرًا على من حَضَره وَعبيد الله بن قرلمان أحد خواصه ومواليه غَائِب فِي باديته فابتدر فَوجدَ أمرا قد نفذ فَكتب إِلَيْهِ بِأَبْيَات مِنْهَا (يَا ملكا حل ذرى الْمجد ... وَعم بالإنعام والرفد) (طُوبَى لمن أسمعته دَعْوَة ... فِي يَوْمك المأنوس بالفصد) (فظل ذَاك الْيَوْم من قصفه ... مستوطناً فِي جنَّة الْخلد) (وَقد عداني أَن أرى حَاضرا ... جد مَتى يحظى الورى يكد) (فأمنن بتنويلي جدا لم يزل ... يعي أهل الْقرب والبعد)

стр. 117

فَوَقع فِي أَسْفَل كِتَابه من آثر التضجع فليرض بحطه من النّوم فجاوبه ابْن قرلمان بِأَبْيَات أَولهَا (لَا نمت إِن كنت يَا مولَايَ محروماً ... ) فَأمر لَهُ بالصلة ورد فِي جَوَابه (لَا غرو أَن كنت مَمْنُوعًا ومحروماً ... إِذْ غبت عَنَّا وَكَانَ الْعرف مقسوماً) (فَلَنْ ينَال امْرُؤ من حَظه أملاً ... حَتَّى يشد على الإجهاد حيزوماً) (فهاك من سيبنا مَا كنت تَأمله ... إِذْ حمت فَوق رَجَاء الْورْد تحويماً) ٤٢ - ابْنه الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الحكم أَبُو عبد الله بُويِعَ لَهُ فِي صَبِيحَة اللَّيْلَة الَّتِي توفّي فِيهَا أَبوهُ وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس غرَّة شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْن ثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ أَيمن الْخُلَفَاء بالأندلس ملكا وأسراهم نفسا وَأكْرمهمْ تثبتاً وأناة وَكَانَ السعى عِنْده سَاقِطا يجمع إِلَى هَذِه الْخلال الشَّرِيفَة البلاغة وَالْأَدب وَتُوفِّي يَوْم الْخَمِيس منسلخ صفر وَقيل لليلة بقيت مِنْهُ سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْن خمس وَسِتِّينَ سنة فَكَانَت خِلَافَته أَرْبعا وَثَلَاثِينَ سنة وَأحد عشر شهرا وَهُوَ الْقَائِل فِي مُنْصَرفه من بعض غَزَوَاته (قفلت فأغمدت السيوف عَن الْحَرْب ... وَمَا أغمدت عني السيوف من الْحبّ) (صدرت وَبِي للبعد مَا بِي فزادني ... إِلَى الشوق أشواقاً رجائي فِي الْقرب) (أحل شدادي فِي السرادق نازلاً ... وللشوق عقد لَيْسَ ينْحل عَن قلبِي) (أقرطبة هَل لي إِلَيْك وفادة ... تقر بعيني أَو تمهد من جَنْبي)

стр. 118

(سقى الْقصر غيث بالرصافة مثله ... وجادت عزاليه كجودي فِي الجدب) (عداني عَدو عَن حبيب فزرته ... بِجَيْش تضيق الأَرْض عَن عرضه الرحب) (إِذا أسود من ليل الدروع تبلجت ... أسنته فِيهِ عَن الأنجم الشهب) (على أنني حصن لجيشي إِذا الْتَقَوْا ... وعزمي بهم أدنى السيوف إِلَى الضَّرْب) وَله (ذكر الصبوح فظل مصطبحا ... يسْتَعْمل الإبريق والقدحا) (مَا زَالَ حَيا وَهُوَ يشْربهَا ... حَتَّى أَمَانَته الكؤوس ضحى) ٤٣ - ابْنه الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد ولي بعد أَخِيه أبي الحكم الْمُنْذر بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن فِي صفر سنة خمس وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَتُوفِّي سنة ثَلَاثمِائَة وَهُوَ ابْن أثنتين وَسبعين سنة فَكَانَت خِلَافَته خمْسا وَعشْرين سنة وَكَانَ أديباً شَاعِرًا بليغاً بَصيرًا باللغة والغريب وَأَيَّام الْعَرَب وَفِي أَيَّامه أضطرمت نَار الْفِتْنَة بالأندلس فتنغص عَلَيْهِ ملكه وَمن مَشْهُور شعره مَا وَقع بِهِ إِلَى الوزراء فِي قصَّة مُوسَى بن حدير وَعِيسَى ابْن أَحْمد بن أبي عَبده إِذا أَرَادَ كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يكون مَجْلِسه فَوق الآخر

стр. 119

فسخا لما كَانَ قد رتبه وَالِده الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن من رفع الموَالِي الشاميين على البلديين (موَالِي قُرَيْش من قُرَيْش فقدموا ... موَالِي قُرَيْش لَا موَالِي معتب) (إِذا كَانَ مَوْلَانَا يساوم عندنَا ... سواهُ فمولانا كآخر أَجْنَبِي) (حول اسْم مغيث إِلَى معتب إغماضاً وأنقياداً للقافية وَله فِي النسيب (يَا كبد المشتاق مَا أوجعك ... وَيَا أَسِير الْحبّ مَا أخضعك) (وَيَا رَسُول الْعين من لحظها ... بِالرَّدِّ والتليغ مَا أسرعك) (تذْهب بالسر وَتَأْتِي بِهِ ... فِي مجْلِس يخفى على من مَعَك) (كم حَاجَة أنجزت موعدها ... تبَارك الرَّحْمَن مَا أطوعك) وَله فِي ذَلِك (ويحى على شادن كحيل ... فِي مثله يخلع العذار) (كَأَنَّمَا وجنتاه ورد ... خالطه النُّور والبهار) قضيب بَان إِذا تثنى ... يُدِير طرفا بِهِ أحورار) (وقف عَلَيْهِ صفاء ودى ... مَا أختلف اللَّيْل وَالنَّهَار)

стр. 120

وَله فِي الزّهْد (يَا من يراوغه الْأَجَل ... حتام يُلْهِيك الأمل) (حتام لَا تخشى الردى ... وَكَأَنَّهُ بك قد نزل) (أغفلت عَن طلب النجَاة ... وَلَا نجاة لمن غفل) (هَيْهَات يشغلك الرَّجَاء ... وَلَا يَدُوم لَك الشّغل) وَله فِي مثله (أرى الدُّنْيَا تصير إِلَى فنَاء ... وَمَا فِيهَا لشَيْء من بَقَاء) (فبادر بالإنابة غير لاو ... على شَيْء يصير إِلَى فنَاء) (كَأَنَّك قد حملت على سَرِير ... وَصَارَ جَدِيد حسنك للبلاء) (فنفسك فابكها أَو نح عَلَيْهَا ... فربتما رحمت على الْبكاء) وَكَانَ بِفضل أدبه رُبمَا أسترسل فَقَالَ بِحَسب ذَلِك أَو تمثل ثمَّ لَا يَدعه كرم الْأَوَائِل وَشرف الشَّمَائِل حَتَّى يدنى من أقصاه ويبدي لمن أَعتب رِضَاهُ قَالَ فِي النَّضر بن سَلمَة الْكلابِي (أَنْت يَا نضر آبده ... لست ترجى لفائده) (إِنَّمَا أَنْت عدَّة ... لكنيف ومائده)

стр. 121

وعَلى ذَلِك استقضاه مرَّتَيْنِ ثمَّ استوزره وأستقضى أَيْضا أَخَاهُ مُحَمَّد بن سَلمَة تقيلا للأخلاق الْحكمِيَّة وجرياعلى الأعراق العبشمية وقرأت فِي تَارِيخ الْحميدِي أَن الْوَزير سُلَيْمَان بن وانسوس وَكَانَ من رُؤَسَاء البربر دخل عَلَيْهِ يَوْمًا وَكَانَ عَظِيم اللِّحْيَة فَلَمَّا رَآهُ مُقبلا جعل الْأَمِير عبد الله ينشد (هلوفة كَأَنَّهَا جوالق ... نكراء لَا بَارك فِيهَا الْخَالِق) (للقمل فِي حافاتها نفائق ... فِيهَا لباغي المتكا مرافق) (وَفِي احتدام الصَّيف ظلّ رائق ... إِن الَّذِي يحملهَا لمائق) ثمَّ قَالَ لَهُ أَجْلِس يَا بربرى فَجَلَسَ وَقد غضب فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير إِنَّمَا كَانَ النَّاس يرغبون فِي هَذِه الْمنزلَة ليدفعوا عَن أنفسهم الضيم وَأما إِذْ صَارَت جالبة للذل فغنينا عَنْكُم فَإِن حلتم بَيْننَا وَبَينهَا فلنا دور تسعنا لَا تقدرون على أَن تحولوا بَيْننَا وَبَينهَا ثمَّ وضع يَدَيْهِ فِي الأَرْض وَقَامَ من غير أَن يسلم

стр. 122

ونهض إِلَى منزله فَغَضب الْأَمِير وَأمر بعزله وَرفع دسته الَّذِي كَانَ يجلس عَلَيْهِ وَبَقِي كَذَلِك مُدَّة ثمَّ إِن الْأَمِير عبد الله وجد فَقده لغنائه وأمانته ونصيحته وَفضل رَأْيه فَقَالَ للوزراء لقد وجدت لفقد سُلَيْمَان تَأْثِيرا وَإِن أردْت أسترجاعه ابْتِدَاء منا كَانَ ذَلِك غَضَاضَة علينا ولوددت أَن يبتدئنا بالرغبة فَقَالَ لَهُ الْوَزير مُحَمَّد بن الْوَلِيد بن غَانِم إِن أَذِنت لي فِي الْمسير إِلَيْهِ استنهضته إِلَى هَذَا فَأذن لَهُ فَنَهَضَ ابْن غَانِم إِلَى دَار ابْن وانسوس فَأَسْتَأْذِن وَكَانَت رُتْبَة الوزارة بالأندلس أَيَّام بنى أُميَّة أَلا يقوم الْوَزير إِلَّا لوزير مثله فَإِنَّهُ كَانَ يتلقاه وينزله مَعَه على مرتبته وَلَا يَحْجُبهُ أَولا لَحْظَة فَأَبْطَأَ الْإِذْن على ابْن غَانِم حينا ثمَّ أذن لَهُ فَدخل عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ قَاعِدا فَلم يتزحزح لَهُ وَلَا قَامَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ ابْن غَانِم مَا هَذَا الْكبر عهدي بك وَأَنت وَزِير السُّلْطَان وَفِي أبهة رِضَاهُ تتلقاني على قدم وتتزحزح لي عَن صدر مجلسك وَأَنت الْآن فِي موجدته بضد ذَلِك فَقَالَ لَهُ نعم لِأَنِّي كنت حِينَئِذٍ عبدا مثلك وَأَنا الْيَوْم حر فيئس ابْن غَانِم مِنْهُ وَخرج وَلم يكلمهُ وَرجع إِلَى الْأَمِير فَأخْبرهُ فابتدأ الْأَمِير بِالْإِرْسَال إِلَيْهِ ورده إِلَى أفضل مَا كَانَ عَلَيْهِ ٤٤ - يَعْقُوب ابْن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن الحكم بن هِشَام ويكنى أَبَا قصى كَانَ أديباً شَاعِرًا مطبوعاً كلفاً بالعلوم جواداً لَا يَلِيق

стр. 123

شَيْئا وَهُوَ الْقَائِل فِي ابْن أَخِيه أبي أُميَّة العَاصِي ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن من قصيدة (تنادى ماجداً من عبد شمس ... زكى الْفَرْع مفضال الْيَدَيْنِ) (سما للمكرمات فقد حواها ... بهندى وخطار رديني) (وغيثاً حِين يسْكب لَا الثريا ... بِهِ جَادَتْ وَلَا نوءالبطين) مَا أحسن قَول أبي مَرْوَان بن حَيَّان وَذكر ثَنَاء مُعَاوِيَة بن هِشَام الشبينسى على أبي قصي هَذَا أَقُول وَصفه بالطبع فِي الشّعْر ثمَّ لم ينشد لَهُ مَا يصدق وَصفه بل أنْشد لَهُ ثَلَاثَة أَبْيَات من قصيدة مدح بهَا ابْن أَخِيه العَاصِي ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن لَيست بطائل وَله مِمَّا قَرَأت فِي كتاب الحدائق لِابْنِ فرج (يَا ابْن الخلائف من بني فهر ... الزهر) (يَا أكْرم الْأَمْلَاك كلهم ... مُضْطَر) (إِن الصّيام قد أنقضى وَمضى ... يندى يَديك الْبشر)

стр. 124

٤٥ - أَخُوهُ بشر ابْن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن ذكر أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي كتاب جمهرة الْأَنْسَاب أَنه كَانَ شَاعِرًا وَأنْشد لَهُ أَبُو عمر بن فرج صَاحب كتاب الحدائق (عجابك لي عَن الدُّنْيَا حجاب ... وَيَوْم لَا أَرَاك بِهِ عَذَاب) (وَقد كَانَت تضيق الأَرْض عِنْدِي ... إِذا واراك ستر أَو نقاب) (فَكيف أعيش إِذْ واراك عني ... قُصُور دونهَا بَاب فباب) وليعقوب وَبشر هذَيْن إخْوَة جلة مِنْهُم هِشَام وَكَانَ من أهل الْعلم وَالْفضل وَالْبَصَر بِالْعَرَبِيَّةِ وَأكْثر من الرِّوَايَة عَن يحيى بن يحيى وَكَانَ أَبوهُ الْأَمِير عبد الرَّحْمَن الحكم قد نَصبه فِي خِلَافَته للصَّلَاة على جنائز أهل قصره وأكابر رِجَاله كَمَا نصب عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة ابْنه هشاماً وَمِنْهُم أبان وَعُثْمَان على أختلاف فِيهِ وهما ابْنا عبد الرَّحْمَن بن الحكم وَكَانَا أديبين شاعرين وَسَيَأْتِي ذكرهمَا فِي آخر التَّأْلِيف إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 125

٤٦ - الْقَاسِم ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن الحكم أَبُو مُحَمَّد كَانَ من الأدباء الشُّعَرَاء إِلَّا أَنه مقل وَكَانَ أحد الْجَبَابِرَة الموصوفين شَدِيد البأوتياهاً وَقبض عَلَيْهِ أَخُوهُ الْأَمِير عبد الله فَمَاتَ فِي حَبسه مسموماً وَمن شعره وبديهته السائرة فِي النَّاس وَقد دخل دَار أَخِيه عُثْمَان بن مُحَمَّد فأستسقى مَاء فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ غُلَامه لَعَلَّه لم يقبلهَا وَأَنْشَأَ يَقُول (المَاء فِي دَار عُثْمَان لَهُ ثمن ... وَالْخَبَر فِيهَا لَهُ شان من الشان) (فأسلح على كل عُثْمَان مَرَرْت بِهِ ... إِلَّا الْخَلِيفَة عُثْمَان بن عَفَّان) كَذَا قَالَ ابْن حياان وَهُوَ غلط لأخفاء بِهِ وَإِنَّمَا البيتان من قِطْعَة لعبد الْملك بن عبد الرَّحِيم الْحَارِثِيّ أنشدهما أَبُو عمر بن عبد الْبر النمري فِي كتاب بهجة الْمجَالِس من تأليفه وَهِي (يَا أُخْت كِنْدَة جافي شرب عُثْمَان ... وأزمعي لبنى أود بهجران) (يَا أُخْت كِنْدَة سيري سير ساخطة ... كي تنتوى منتوى غَضَبي وغضبان) (المَاء فِي دَار عُثْمَان لَهُ ثمن ... وَالْخبْز فِيهِ لَهُ شَأْن من الشان) (عُثْمَان يعلم أَن الْحَمد ذُو ثمن ... لكنه يَشْتَهِي حمدا بمجان) (وَالنَّاس أَكيس من أَن يحْمَدُوا رجلا ... حَتَّى يرَوا عِنْده آثَار إِحْسَان) (أغسل يَديك بأشنان وأنقهما ... غسل الْجَنَابَة من مَعْرُوف عُثْمَان) (واسلح على كل عُثْمَان مَرَرْت بِهِ ... إِلَّا الْخَلِيفَة عُثْمَان بن عَفَّان)

стр. 126

وَأنْشد لَهُ الْحميدِي وَقَالَ فِيهِ الْقَاسِم غلط مِنْهُ (سكنت من قلبِي الْهوى مَا أمكنا ... وَلَقَد أرَاهُ للصبابة معدناً) (هَذَا هِلَال قد بدا ومدامة ... تجرى براحته وعيش قد هُنَا) وَله أَبْيَات كتب بهَا إِلَى مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْعُتْبِي الأديب لم يجد رصفها فَرَأَيْت حذفهَا ٤٧ - الْمطرف ابْن الْأَمِير مُحَمَّد أَبُو الْقَاسِم (شَقِيق الْقَاسِم الْمَذْكُور آنِفا برع فِي الشّعْر وَهُوَ ابْن عشْرين سنة وَتُوفِّي معتبطاً فِي حَيَاة أَبِيه وَهُوَ ابْن أَربع وَعشْرين وَكَانَ آدب ولد الْأَمِير مُحَمَّد وأشعرهم ذكر ذَلِك ابْن حَيَّان وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي كتاب جمهرة الْأَنْسَاب من تأليفه وَذكر الْمطرف هَذَا كَانَ شَاعِرًا مفلقاً عَالما بِالْغنَاءِ وَكَانَ لَهُ عقب قد أنقرض وَأنْشد لَهُ صَاحب الحدائق يرثى أَخَاهُ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد (أَخ كَانَ إِن لم يمرع النَّاس أَصبَحت ... مواهبه للنَّاس وَهِي مرابع) (كثير عَلَيْك الْحزن من كل جَانب ... كَمَا كثرت من راحتيك الصَّنَائِع) (عَلَيْك سَلام الله إِن الندى لَهُ ... زَوَال وَإِن السَّعْي بعْدك ضائع) وَله فِيهِ (يَا عَابِد الرَّحْمَن مَا ... أوضح فِينَا سبلك)

стр. 127

(أيقظت شعري أبدا ... فَالْقَوْل لي وَالْفِعْل لَك) (مَا الثكل وَالْحَسْرَة ... ) (يَا موت أعجلت فَتى ... فِي الروع قدماً أعجلك) وَله أَيْضا (أشهى من الكاس حَامِل الكاس ... أرعاه مَا طَاف حول جلاسي) (يثقل من أَجله الجليس وَلَو ... كَانَ من النّسك آمن النَّاس) وَكتب إِلَى أَخِيه الْمُنْذر بن مُحَمَّد وَكَانَ مائلا إِلَيْهِ (هَل أتكى مشرفاً على نهري ... أرمي بطرفي إِلَيْهِ من قصري) (عِنْد أَخ لَو دهته حَادِثَة ... أَعْطيته مَا أحب من عمري) (نشرب نحلية فضيلتها ... أتحفت الْخمر ذلة الْخمر) فوعده الْكَوْن عِنْده فَكتب إِلَيْهِ يستنجزه (ولوع النَّفس بالوعد الوفى ... وإنجاز الْمقَال على الْوَلِيّ) (فَإِن أرضاك أَن نغدو ضحاء ... وَإِلَّا كَانَ ذَاك مَعَ العشى) (نَكُون ثَلَاثَة أَنْت المبدى ... وَنحن إِلَيْك ثمَّ أَبُو عَليّ)

стр. 128

وَله فِي الشيب (إِن شيباً وصبوة لمحال ... قد أَنى أَن يكون عَنْهَا زَوَال) (ركب الشيب لمتي خلل الشّعْر ... لوقت حَالَتْ بِهِ الأحواال) (فدع النَّفس عَن مزاح وَلَهو ... تِلْكَ حَال مَضَت وَجَاءَت حَال) ولمحمد بن عبد الْعَزِيز الْعُتْبِي فِيهِ يفضل شعره على أشعار إخْوَته وأقربائه (يُغني مسامعنا لَدَيْهِ حواليا ... بلآلئ من لَفظه وَزَبَرْجَد) (وَالشعر يسْجد نَحْو قبْلَة شعره ... ولغير قبْلَة شعره لم يسْجد) ٤٨ - إِبْرَاهِيم ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن أخوهما أنْشد لَهُ ابْن فرج فِي كتاب الحدائق (دنوك مني فِي منزلي ... هُوَ الْملك يسره الله لي) (فيكنفنا جَانب وَاحِد ... ويجمعنا الشّرْب من منهل) (وَإِن حَال دُونك بَابا حَدِيد ... وَقصر مشيد من الجندل) هَؤُلَاءِ المروانيون فِي هَذِه الْمِائَة وَمن الحسنيين فِيهَا

стр. 129

٤٩ - الْقَاسِم بن إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عبد الله ابْن حسن بن حسن بن عَليّ ولي الْبَصْرَة وطنجة وَمَا يليهما لِأَخِيهِ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الْقَائِم بعد أَبِيه سُلْطَان الْمغرب وَكَانَ إِدْرِيس قد ولد مُحَمَّدًا هَذَا وَالقَاسِم وَأحمد وَعبد الله وَعِيسَى وَإِدْرِيس وجعفراً وَيحيى وَحَمْزَة وَعبيد الله وَدَاوُد وَبِه كَانَ يكنى وَعمر وَبَنَات وَلما توفّي إِدْرِيس مسموماً فِي حَبَّة عِنَب سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ كَمَا تقدم ذكره أجتمعت البربر على مُحَمَّد فَبَايع لَهُ إخْوَته جَمِيعًا وأتخذ مَدِينَة فاس قراراً وَفرق بِلَاد الغرب عَلَيْهِم فنكث أَخُوهُ عِيسَى

стр. 130

ابْن إِدْرِيس وَخرج عَلَيْهِ فَكتب مُحَمَّد إِلَى الْقَاسِم يَأْمُرهُ بمحاربته إِذا كَانَ يحاديه فِي ولَايَته فَأبى الْقَاسِم وَكتب إِلَيْهِ معتذراً من توقفه عَمَّا أمره بِهِ (سأترك للراغب الغرب نهباً ... وَإِن كنت فِي الغرب قيلا وندبا) (وأسمو إِلَى الشرق فِي همة ... يعز بهَا رتباً من أحبا) (وأترك عِيسَى على رَأْيه ... يعالج فِي الغرب هما وكرباً)

стр. 131

(وَلَو كَانَ قلبِي عَن قلبه ... لَكُنْت لَهُ فِي الْقَرَابَة قلبا) (وَإِن أحدث الدَّهْر من ريبه ... شقاقاً علينا وأحدث حَربًا) (فَإِنِّي أرى الْبعد سترا لنا ... يجدد شوقاً لدينا وحباً) (وَلم نجن قطعا لأرحامنا ... نلاقي بِهِ آخر الدَّهْر عتباً) (وَتبقى الْعَدَاوَة فِي عقبنا ... وَأكْرم بِهِ حِين نعقب عقباً) (وأوفق من ذَاك جوب الفلاة ... وَقطع المخارم نقباً فنقباً) فَكتب مُحَمَّد إِلَى أَخِيه عمر وَكَانَ على صنهاجة وغمارة يَأْمُرهُ بمحاربة عِيسَى فَأَجَابَهُ وسارع وَخرج يُرِيد عِيسَى بعسكره فَلَمَّا قرب من أحوز فاس كتب إِلَى مُحَمَّد يستمده فَبعث إِلَيْهِ من كَانَ مَعَه وَنفذ فِي أَصْحَابه قبل لحاق المدد فأوقع بِعِيسَى ونفاه عَن عمله وأستولى عَلَيْهِ فَأمره مُحَمَّد بِالْإِقَامَةِ فِيهِ ثمَّ أمره بمحاربة الْقَاسِم فحاربه وتغلب على مَا كَانَ بِيَدِهِ فتخلى الْقَاسِم عَن ذَلِك لمُحَمد وَعمر وتزهد وَبنى مَسْجِدا على سَاحل الْبَحْر بأصيلا وَلَزِمَه فَلَمَّا عاين البربر ذَلِك نهضوا إِلَيْهِ وَهُوَ بمرابطه فصرفوه إِلَى عمله وَرجع إِلَيْهِ كل من صدر إِلَى أَخَوَيْهِ مُحَمَّد وَعمر وَقَالَ الرَّازِيّ وَذكر أَوْلَاد إِدْرِيس بن إِدْرِيس فَأَما مُحَمَّد بن إِدْرِيس فولى مَدِينَة فاس بعد أَبِيه وَقسم عمل أَبِيه على إخْوَته وأخرجهم عمالاً ثمَّ أخلد إِلَى اللَّهْو وأشتهر بالشرب وَالْخلْوَة بِالنسَاء فخلعه إخْوَته وَملك كل وَاحِد مِنْهُم مَا تَحت يَده ثمَّ لم يلبث مُحَمَّد أَن هلك وَلم يعقب فولى أَمر فاس

стр. 132

بعده الْقَاسِم أَخُوهُ وملكها ملك سيادة وَتجمع النَّاس إِلَيْهِ من كل نَاحيَة وَلحق المنفيون عَن ربض قرطبة بهَا وتمدنت وَكثر أَهلهَا

стр. 133

وَمن رجال المروانية ٥٠ - عبد الْكَرِيم بن عبد الْوَاحِد بن مغيث الْحَاجِب أَبُو حَفْص أستحجبه الحكم الربضى وَكَانَ أَبوهُ عبد الْوَاحِد حاجباً لهشام الرِّضَا وَالِد الحكم وَعَن ابْن حَيَّان أَن هشاماً ولى عبد الْكَرِيم هَذَا كورة جيان وَأَنه أغزاه ألبة والقلاع وأغزى أَيْضا أَخَاهُ عبد الْملك وولاه سرقسطة

стр. 134

وَكَانَ عبد الْكَرِيم بليغاً مفوهاً شَاعِرًا وَولى الْكتاب للْحكم إِثْر مُحَمَّد بن أُميَّة وقاد الصوائف وَجَرت على يَدَيْهِ فتوح جسام وعَلى يَدَيْهِ أستأمن أهل الربض وَله رسائل عَن الحكم فِي الهيج ذكر ذَلِك عِيسَى بن أَحْمد الرَّازِيّ قَالَ وَأخرجه الحكم إِلَى عمروس وَكَانَ قد خلع بسرقسطة فأستماله وَقدم بِهِ قرطبة فوصله الحكم وخلع عَلَيْهِ وسجل لَهُ على سرقسطة وتطيلة ووشقه وَصَرفه إِلَى الثغر فَمَاتَ هُنَاكَ وَأنْشد ابْن حَيَّان لعبد الْكَرِيم هَذَا فِي رثاء الحكم بن هِشَام وتهنئة وَلَده الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن الحكم بالخلافة (كَانَ الزَّمَان مرزأ بخليفة ... أودى فكاد نهارنا أَن يظلما) (حَتَّى إِذا قعد الإِمَام لبيعة ... كالغيث شح بوبله ثمَّ أنهمى) (لله أَيَّة بيعَة مَا أعظما ... وَأجل فخراً فِي الْأَنَام وأفخما) أَعْطَتْ قُرَيْش بيعَة مرضية ... لإمامها الْملك الْكَرِيم المنتمي) (وبدا كَمثل الْبَدْر ينصدع الدجى ... عَنهُ ويكشف نوره مَا أبهما) (لله أَنْت أَبُو الْمطرف فِي الوغى ... ولخائف ولمعتف قد أعدما)

стр. 135

٥١ - هَاشم بن عبد الْعَزِيز الْوَزير أَبُو خَالِد هُوَ أَخُو القَاضِي أسلم بن عبد الْعَزِيز وكبيره وَوَلَاء سلفهما لعُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَكَانَ هَاشم خَاصّا بالأمير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن يؤثره بالوزارة ويرشحه مَعَ بنيه ومفردا للقيادة والإمارة وولاه كورة جبان فعلى يَده بنيت أبدة وَأكْثر معاقلها المنيعة وَهُوَ أحد رجالات الموَالِي المروانية بالأندلس أجتمعت فِيهِ خِصَال لم تَجْتَمِع فِي سواهُ من أهل زَمَانه إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْبَأْس والجود والفروسية وَالْكِتَابَة وَالْبَيَان والبلاغة وقرض الْأَشْعَار البديعة إِلَى مَاله من الْقَدِيم وَالْبَيْت والسابقة فَلَو لم يعنه سلفه لنهضت بِهِ أدواته هَذِه الرفيعة ونكبه الْمُنْذر بن مُحَمَّد لأشهر من خِلَافَته بعد أَن ولاه الحجابة وَأظْهر عَنهُ الرِّضَا وَذَلِكَ لِأَشْيَاء حقدها عَلَيْهِ فِي خلَافَة أَبِيه مُحَمَّد إِذْ كَانَ يُخرجهُ مَعَه قائداً للجيش وَبعد ذَلِك

стр. 136

وَحكى عِيسَى بن أَحْمد بن مُحَمَّد الرَّازِيّ فِي كتاب الْحجاب للخلفاء بالأندلس من تأليفه أَن الْمُنْذر بن مُحَمَّد أستخلف يَوْم الْأَحَد لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ بعد وَفَاة أَبِيه بِأَرْبَع لَيَال إِذْ كَانَ غازياً بِنَاحِيَة رية فأغذ السّير وَدخل الْقصر يَوْم الْأَحَد وَصلى على أَبِيه وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْخَمِيس لليلة بقيت من صفر وَدفن وبويع للمنذر بَقِيَّة الْأَحَد وَيَوْم الأثنين بعده وأستحجب هَاشم بن عبد الْعَزِيز إِلَى أَن قَتله قَالَ وَلما قدم الْمُنْذر نزل فِي السَّطْح وَقعد لِلْبيعَةِ فِي ثِيَاب سَفَره وَرُبمَا اتكأ على فرَاشه لما كَانَ أَخذه من النصب وألم السّفر لطيه المراحل فَلَمَّا دخل النَّاس قَامَ هَاشم وَبِيَدِهِ كتاب الْبيعَة فأفتتح قِرَاءَته فَلَمَّا بلغ إِلَى ذكر الإِمَام مُحَمَّد خنقته الْعبْرَة فَلم يبن كَلَامه ثمَّ أستدرك أمره وَرجع من أول الْكتاب حَتَّى إِذا انْتهى إِلَى الْموضع الَّذِي انْتهى إِلَيْهِ أَولا أَخذه أَيْضا الْحصْر فلحظه الْمُنْذر لَحْظَة مُنكرَة وَرَآهَا مِنْهُ هَاشم فَمضى فِي قِرَاءَة الْكتاب حَتَّى أكمله فَلم يشك كل من رأى تِلْكَ اللحظة أَنه قَاتله قَالَ وَلما وضع نعش الإِمَام مُحَمَّد على قَبره ألْقى هَاشم رِدَاءَهُ وقلنسوته وَدخل الْقَبْر وَبكى بكاء شَدِيدا ثمَّ قَالَ متمثلا وَهُوَ يقبر (أعزى يَا مُحَمَّد عَنْك نَفسِي ... معَاذ الله والمنن الجسام) (فَهَلا مَاتَ قوم لم يموتوا ... ودوفع عَنْك لي كاس الْحمام) فَكَانَ ذَلِك مِمَّا أوقد عَلَيْهِ موجدة الْمُنْذر والبيتان لأبي نواس الْحسن ابْن هَانِئ يقولهما فِي مُحَمَّد الْأمين حِين قتل قَالَ الرَّازِيّ وَذكر أَن مُحَمَّد بن جهود وَعبد الْملك بن أُميَّة كَانَا يرفعان عَلَيْهِ ويغريان بِهِ وَأَنه خرج توقيع بِخَط يَد الإِمَام الْمُنْذر فِيهِ وهم فتنفس هَاشم

стр. 137

فَرفع عَنهُ قَالَ وَحدث من كَانَ حَاضرا عِنْد هَاشم يعْنى يَوْم الْقَبْض عَلَيْهِ إِذْ أقبل صَاحب الرسائل مستحثاً لَهُ فَخرج هَاشم وَمَعَهُ عمر ابْنه فَقبض مِنْهُ كتبا كَانَت بِيَدِهِ وَكَانَ فِي رحبة دَاره قوم من أهل لبلة قد أَتَوا لشكر ابْن أَخِيه وَكَانَ عاملهم فَلَمَّا خرج هَاشم انْدَفَعُوا مستهلين بالشكر فأنتهرهم الْفَتى الَّذِي أَتَى فِيهِ وَخرج عَلَيْهِم وَأَغْلظ لَهُم وَقَالَ لَهُم يَا كذبة قَالَ فَرَأَيْت هاشماً قد أَرْبَد وَجهه غير أَنه لم يقارضه بِكَلِمَة وَمضى وَكَانَ تَحْتَهُ فرس رائع أشقر فَلَمَّا أَتَى عِنْد بَاب الْجنان كبا الْفرس بهاشم فأستقل بِهِ ووقف وَقد امتقع لَونه سَاعَة ثمَّ تقدم وَدخل قَالَ فَلم ينفض أهل موكبه حَتَّى خرج رَاجِلا مكبلا فوَاللَّه مَا رَأَيْت يَوْمًا أَكثر باكياً من ذَلِك الْيَوْم وَلَو قلت إِنَّه لم تخل دَار بقرطبة من بكاء على هَاشم يَوْم حبس لما أبعدت ولصدقت فَإِنَّهُ كَانَ رَحْمَة مبسوطة للعامة والخاصة قَالَ وَأمر الْمُنْذر بِحَبْس أكَابِر أَوْلَاده غير فَإِنَّهُ كَانَ عينا

стр. 138

للمنذر عَلَيْهِ يخاطبه بأسراره وَجَمِيع أخباره وَلم يزل عبد الْملك بن أُميَّة يغرى بِهِ وَيرْفَع عَلَيْهِ ويستعين بالسيدة أُخْت الْمُنْذر فِي مُطَالبَته حَتَّى كَانَ من ضربه وَهدم دَاره وإخراجه مِنْهَا وَقَتله مَا كَانَ قَالَ وَأخرج هَاشم صَبِيحَة اللَّيْلَة الَّتِي قتل فِيهَا لَيْلَة الْأَحَد لأَرْبَع بَقينَ من شَوَّال سنة ثَلَاث وَسبعين غطيت جثته وَرَأسه بِثَوْب وَبعث بِهِ إِلَى أَهله وَكَانَ موالده فِي أَيَّام الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن الحكم وَمن شعره وَكتب بِهِ من محبسه إِلَى جَارِيَته عاج (وَإِنِّي عداني أَن أزورك مطبق ... وَبَاب منيع بالحديد مضبب) (فَإِن تعجبي يَا عاج مِمَّا أصابني ... فَفِي ريب هَذَا الدَّهْر مَا يتعجب) (وَفِي النَّفس أشيا أَبيت بغمها ... كَأَنِّي على جمر الغضى أتقلب) (تركت رشاد الْأَمر إِذْ كنت قَادِرًا ... عَلَيْهِ فلاقيت الَّذِي كنت أرهب)

стр. 139

(وَكم قَائِل قَالَ أَنْج وَيحك سالما ... فَفِي الأَرْض عَنْهُم مستراد وَمذهب) (فَقلت لَهُ إِن الْفِرَار مذلة ... وَنَفْسِي على الأسواء أحلى وَأطيب) (سأرضى بِحكم الله فِيمَا ينوبني ... وَمَا من قَضَاء الله للمرء مهرب) (فَمن يَك مَسْرُورا بحالي فَإِنَّهُ ... سينهل فِي كاسي وشيكاً وَيشْرب) وَله وَكتب بِهِ إِلَى وليد بن غَانِم الْوَزير فِي أسره أثْنَاء مُخَاطبَة (فكم غُصَّة بالدمع نهنهت خوف أَن ... يسر بِمَا أبديه شنآن كاشح) (تحاملت عَنهُ ثمَّ نادمت فِي الدجى ... نُجُوم الثريا والدموع سوافح) وَله مِمَّا قَالَه بديهاً وَوَقع بذلك على ظهر رقْعَة لأحد أبنائه خاطبه فِيهَا بِشعر ضَعِيف (لَا تقل إِن عزمت إِلَّا قريضا ... رائقا لَفظه ثقيفا رصينا)

стр. 140

أَو دع الشّعْر فَهُوَ خير من الغث إِذا لم تَجِد مقَالا سميناً وَمَا أحسن قَول عبد الْجَبَّار بن حمديس الصقلى فِي هَذَا الْمَعْنى (حرر لمعناك لفظا كي تزان بِهِ ... وَقل من الشّعْر سحرًا أَو فَلَا تقل) (فالكحل لَا يفتن الْأَبْصَار منظره ... حَتَّى يصير حَشْو الْأَعْين النجل) ولهاشم فِي إلبيرة يذم وُرُوده عَلَيْهَا وَهِي مَكَان أوليته (إِذا نَحن رحنا عَنْك ياشر بَلْدَة ... فَلَا سقيت رباك صوب الرواعد) (وَلَا زَالَ سَوط من عَذَاب منزل ... على قَائِم من ساكنيك وقاعد) فَأَجَابَهُ فَتى من أَهلهَا المتأدبين يعرف بِابْن وجيه (لقد حرم التَّوْفِيق من ذمّ بَلْدَة ... يروح بهَا فِي نعْمَة وفوائد) (وَمن يتَمَنَّى سَوط خزى منزل ... على قَائِم من ساكنيها وقاعد) (فَإِن كُنْتُم لم تحمدوا مَا أختبرتم ... فَكل لكل لائم غير حَامِد) ٥٢ - ابْنه عمر بن هَاشم سجنه الْأَمِير الْمُنْذر بن مُحَمَّد مَعَ إخْوَته لما نكب أباهم ثمَّ أَمر بصلبهم فِي الْغُزَاة الَّتِي توفّي فِيهَا وَولى أَخُوهُ الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد فَعجل الْكتاب بإطلاقهم ثمَّ قدم وَولى عمر هَذَا كورة جيان وأخاه أَحْمد بن هَاشم الوزارة والقيادة وَمن شعر عمر (يَا خَلِيلًا فَضله باد ... على كل خَلِيل) (والمجيد الشّعْر فِي كل ... بسيط وطويل)

стр. 141

(بضروب الضَّرْب والإيقاع ... وَالْقَوْل الْأَصِيل) (لَا تلمني واصفحن عَن ... م ي وَسَهل لي سبيلي) (فِي خلاصي ... الْعذر الْجَمِيل) ٥٣ - تَمام بن عَامر الثَّقَفِيّ الْوَزير أَبُو غَالب هُوَ تَمام بن عَامر بن أَحْمد بن غَالب بن تَمام بن عَلْقَمَة مولى عبد الرَّحْمَن ابْن أم الحكم الثَّقَفِيّ وَأم الحكم بنت أبي سُفْيَان بن حَرْب أُخْت مُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان عرف بهَا ابْنه لشرفها وَدخل تَمام بن عَلْقَمَة أَبُو غَالب الأندلس فِي طالعة بلج وَهُوَ أحد النُّقَبَاء القائمين بدولة عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَولى لَهُ الحجابة والقيادة وَهُوَ افْتتح طليطلة عنْوَة مَعَ بدر مولى عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة ثمَّ ولى وشقة وطرطوشة وطرسونة وَعمر طَويلا وَتُوفِّي فِي آخر دولة الحكم الربضي وَقد ولد تَمام بن عَامر هَذَا سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَكَانَ غَالب بن تَمام

стр. 142

والياً على طليطلة وَقَتله سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وصلبه وَمثل بِهِ فِي أنتزائه على أَخِيه هِشَام بن عبد الرَّحْمَن الْأَمِير بعد أَبِيهِمَا لى تَمام بن عَامر خطة الوزارة للأمير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وولديه الْأَمِير بن الْمُنْذر وَعبد الله فأنتظمت وزارته لثَلَاثَة من الْخُلَفَاء وَعمر عمرا طَويلا زَائِدا على عمر جده الْأَكْبَر وَكَانَت وَفَاته فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَقد بلغ سِتا وَتِسْعين سنة وَله الأرجوزة الْمَشْهُورَة فِي ذكر افْتِتَاح الأندلس وَتَسْمِيَة ولاتها وَالْخُلَفَاء فِيهَا وَوصف حروبها من وَقت ذخول طَارق بن زِيَاد مفتتحها إِلَى آخر أَيَّام الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن الحكم وَكَانَ عَالما أديباً ذكر ذَلِك ابْن حَيَّان وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ ولد عَامر ابْن أَحْمد تَمامًا ولى الوزارة وَالْخَيْل والقيادة وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ يَعْنِي وَمِائَتَيْنِ ومولده سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وَمن شعره (يكلفنى العذال صبرا على الَّتِي ... أبي الصَّبْر عَنْهَا أَن يحل محلهَا) (إِذا مَا قرعت النَّفس يَوْمًا فَأَبْصَرت ... سَبِيل الْهدى عَاد الْهوى فأضلها) (وَكم من عَزِيز النَّفس لم يلق ذلة ... أقاد الْهوى من نَفسه فأذلها) (عجبت لمعذول على حب نَفسه ... يكلفه عذاله أَن يملها)

стр. 143

٥٤ - مَنْصُور بن مُحَمَّد بن أبي البهلول دخل الأندلس جده أَبُو البهلول وأسمه مَنْصُور بن صَدَقَة فِي أَيَّام الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة فأستعمله وَكَانَ يكنيه لسنه وفضله ثمَّ تصرف ابْنه مُحَمَّد للأمير الحكم فِي بعض أشغاله وحجب مَنْصُور هَذَا مسلمة بن عبد الرَّحْمَن بن الحكم فِي الكور المجندة دهراً ثمَّ ولى الْعرض للأميرين مُحَمَّد وَابْنه الْمُنْذر بن مُحَمَّد ذكره الرَّازِيّ قَالَ وَكَانَ فِيهِ تصرف وَرِوَايَة غزيرة وَشعر حسن يمدح بِهِ الْخُلَفَاء وَأنْشد لَهُ (كَمَا أَن خير الْعَالمين مُحَمَّد ... براحته عين من الْجُود تنبع) وَله (بِمُحَمد حمد الزَّمَان كَمَا ... بفعاله قد أحسن الذّكر)

стр. 144

(أَيَّامه بيض مهذبة ... لَوْلَا مكارمه انْقَضى الدَّهْر) وَله (كم إِلَى كم أَتَسَلَّى ... لَيْسَ لي صَبر أجل لَا) (بِأبي أَنْت وَأمي ... وَترى قَتْلَى حلا) (حاش لله بِأَن أسلو ... عَن الْحبّ وكلا) ٥٥ - عبيد الله بن مُحَمَّد بن الْغمر بن أبي عَبدة الْوَزير أَبُو عُثْمَان تصرف للأمير عبد الله بن مُحَمَّد فِي الكور وحجابة الْأَوْلَاد وَالْمَدينَة وَالْخَيْل والقيادة ثمَّ فِي الْكِتَابَة الْخَاصَّة والوزارة وَكَانَ مَعَ أفتنانه فِي الْأَدَب وأتصافه بالبلاغة ذَا بَأْس وغناء فِي الحروب وَكَانَت لَهُ فتوح جمة ومقاوم

стр. 145

مَحْمُود وَتُوفِّي خاملا بتحامل بدر الوصيف عَلَيْهِ بعد أَن أَسْتَأْذن لِلْحَجِّ فَأدى فَرْضه وكر إِلَى قرطبة فَلَزِمَ دَاره وَسَيَأْتِي ذكر هَذَا مَعَ نسبه مُسْتَوْفِي عِنْد ذكر ابنيه جهور الْوَزير وَمُحَمّد وَفِيه يَقُول الْعُتْبِي الشَّاعِر وَقد أعتل وَهُوَ يَلِي الْكِتَابَة (لأينع العي مذ أَصبَحت مرتدياً ... ثوب السقام وجفت زهرَة الْكَلم) (وأستوحش الطرس من أنس البديع إِذا ... نشبت فِيهِ وطالت عجمة الْقَلَم) (وَمن شعر عُبَيْدَة الله (صدود لَيْسَ يبلغهُ عِقَاب ... وعتب لَيْسَ يثنيه عتاب) (وإبعاد بِلَا ذَنْب طَوِيل ... وإعراض وهجر وأجتناب) (فَلَا سهر يطيب وَلَا رقاد ... وَلَا طعم يسوغ وَلَا شراب) (فجسمي ناحل والجفن مني ... قريح والفؤاد لَهُ اضْطِرَاب) (وَمَوْت عَاجل أحلى وأشهى ... إِلَى من أَن يطاولني الْعَذَاب) ٥٦ - سوار بن حمدون الْقَيْسِي الْمحَاربي من محَارب بن خصفة بن قيس عيلان ثار بِنَاحِيَة البراجلة من كورة إلبيرة فِي سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَهِي السّنة الثَّانِيَة من ولَايَة الْأَمِير عبد الله
следующие страницы →