Полный текст (687 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
(بضروب الضَّرْب والإيقاع ... وَالْقَوْل الْأَصِيل)
(لَا تلمني واصفحن عَن ... م ي وَسَهل لي سبيلي)
(فِي خلاصي ... الْعذر الْجَمِيل)
٥٣ - تَمام بن عَامر الثَّقَفِيّ الْوَزير أَبُو غَالب
هُوَ تَمام بن عَامر بن أَحْمد بن غَالب بن تَمام بن عَلْقَمَة مولى عبد الرَّحْمَن ابْن أم الحكم الثَّقَفِيّ وَأم الحكم بنت أبي سُفْيَان بن حَرْب أُخْت مُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان عرف بهَا ابْنه لشرفها
وَدخل تَمام بن عَلْقَمَة أَبُو غَالب الأندلس فِي طالعة بلج وَهُوَ أحد النُّقَبَاء القائمين بدولة عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَولى لَهُ الحجابة والقيادة وَهُوَ افْتتح طليطلة عنْوَة مَعَ بدر مولى عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة ثمَّ ولى وشقة وطرطوشة وطرسونة وَعمر طَويلا وَتُوفِّي فِي آخر دولة الحكم الربضي
وَقد ولد تَمام بن عَامر هَذَا سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَكَانَ غَالب بن تَمام
стр. 142
والياً على طليطلة وَقَتله سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وصلبه وَمثل بِهِ فِي أنتزائه على أَخِيه هِشَام بن عبد الرَّحْمَن الْأَمِير بعد أَبِيهِمَا
لى تَمام بن عَامر خطة الوزارة للأمير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وولديه الْأَمِير بن الْمُنْذر وَعبد الله فأنتظمت وزارته لثَلَاثَة من الْخُلَفَاء وَعمر عمرا طَويلا زَائِدا على عمر جده الْأَكْبَر وَكَانَت وَفَاته فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَقد بلغ سِتا وَتِسْعين سنة وَله الأرجوزة الْمَشْهُورَة فِي ذكر افْتِتَاح الأندلس وَتَسْمِيَة ولاتها وَالْخُلَفَاء فِيهَا وَوصف حروبها من وَقت ذخول طَارق بن زِيَاد مفتتحها إِلَى آخر أَيَّام الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن الحكم
وَكَانَ عَالما أديباً ذكر ذَلِك ابْن حَيَّان وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ ولد عَامر ابْن أَحْمد تَمامًا ولى الوزارة وَالْخَيْل والقيادة وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ يَعْنِي وَمِائَتَيْنِ ومولده سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وَمن شعره
(يكلفنى العذال صبرا على الَّتِي ... أبي الصَّبْر عَنْهَا أَن يحل محلهَا)
(إِذا مَا قرعت النَّفس يَوْمًا فَأَبْصَرت ... سَبِيل الْهدى عَاد الْهوى فأضلها)
(وَكم من عَزِيز النَّفس لم يلق ذلة ... أقاد الْهوى من نَفسه فأذلها)
(عجبت لمعذول على حب نَفسه ... يكلفه عذاله أَن يملها)
стр. 143
٥٤ - مَنْصُور بن مُحَمَّد بن أبي البهلول
دخل الأندلس جده أَبُو البهلول وأسمه مَنْصُور بن صَدَقَة فِي أَيَّام الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة فأستعمله وَكَانَ يكنيه لسنه وفضله ثمَّ تصرف ابْنه مُحَمَّد للأمير الحكم فِي بعض أشغاله وحجب مَنْصُور هَذَا مسلمة بن عبد الرَّحْمَن بن الحكم فِي الكور المجندة دهراً ثمَّ ولى الْعرض للأميرين مُحَمَّد وَابْنه الْمُنْذر بن مُحَمَّد ذكره الرَّازِيّ قَالَ وَكَانَ فِيهِ تصرف وَرِوَايَة غزيرة وَشعر حسن يمدح بِهِ الْخُلَفَاء وَأنْشد لَهُ
(كَمَا أَن خير الْعَالمين مُحَمَّد ... براحته عين من الْجُود تنبع)
وَله
(بِمُحَمد حمد الزَّمَان كَمَا ... بفعاله قد أحسن الذّكر)
стр. 144
(أَيَّامه بيض مهذبة ... لَوْلَا مكارمه انْقَضى الدَّهْر)
وَله
(كم إِلَى كم أَتَسَلَّى ... لَيْسَ لي صَبر أجل لَا)
(بِأبي أَنْت وَأمي ... وَترى قَتْلَى حلا)
(حاش لله بِأَن أسلو ... عَن الْحبّ وكلا)
٥٥ - عبيد الله بن مُحَمَّد بن الْغمر بن أبي عَبدة الْوَزير أَبُو عُثْمَان
تصرف للأمير عبد الله بن مُحَمَّد فِي الكور وحجابة الْأَوْلَاد وَالْمَدينَة وَالْخَيْل والقيادة ثمَّ فِي الْكِتَابَة الْخَاصَّة والوزارة وَكَانَ مَعَ أفتنانه فِي الْأَدَب وأتصافه بالبلاغة ذَا بَأْس وغناء فِي الحروب وَكَانَت لَهُ فتوح جمة ومقاوم
стр. 145
مَحْمُود وَتُوفِّي خاملا بتحامل بدر الوصيف عَلَيْهِ بعد أَن أَسْتَأْذن لِلْحَجِّ فَأدى فَرْضه وكر إِلَى قرطبة فَلَزِمَ دَاره وَسَيَأْتِي ذكر هَذَا مَعَ نسبه مُسْتَوْفِي عِنْد ذكر ابنيه جهور الْوَزير وَمُحَمّد وَفِيه يَقُول الْعُتْبِي الشَّاعِر وَقد أعتل وَهُوَ يَلِي الْكِتَابَة
(لأينع العي مذ أَصبَحت مرتدياً ... ثوب السقام وجفت زهرَة الْكَلم)
(وأستوحش الطرس من أنس البديع إِذا ... نشبت فِيهِ وطالت عجمة الْقَلَم)
(وَمن شعر عُبَيْدَة الله
(صدود لَيْسَ يبلغهُ عِقَاب ... وعتب لَيْسَ يثنيه عتاب)
(وإبعاد بِلَا ذَنْب طَوِيل ... وإعراض وهجر وأجتناب)
(فَلَا سهر يطيب وَلَا رقاد ... وَلَا طعم يسوغ وَلَا شراب)
(فجسمي ناحل والجفن مني ... قريح والفؤاد لَهُ اضْطِرَاب)
(وَمَوْت عَاجل أحلى وأشهى ... إِلَى من أَن يطاولني الْعَذَاب)
٥٦ - سوار بن حمدون الْقَيْسِي الْمحَاربي
من محَارب بن خصفة بن قيس عيلان ثار بِنَاحِيَة البراجلة من كورة إلبيرة فِي سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَهِي السّنة الثَّانِيَة من ولَايَة الْأَمِير عبد الله
стр. 146
ابْن مُحَمَّد وأنضوت إِلَيْهِ بيوتات الْعَرَب من إلبيرة وجيان ورية وَغَيرهَا عِنْد مَا تميزت الْأَحْزَاب بالعصبية وشبوا نَار الْفِتْنَة وَكَانَ مُبْتَدأ رئاسة سوار هَذَا أَنه كَانَ صاحباً ليحيى بن صقالة أول الخارجين بالبراجلة بِهَذِهِ الدعْوَة عَن أستبصار شَدِيد وحمية فصب على المولدين والعجم مِنْهُ وَمن أَصْحَابه أعظم آفَة إِلَى أَن أَصَابُوا مِنْهُ غرَّة فثاروا بِهِ بَغْتَة وقتلوه فرأس أَصْحَابه بعده سواراً هَذَا فأشتد بِهِ أَمرهم وَقَامَ طَالبا بثأر صَاحبه وَكَانَ شجاعا محرباً فَكثر أَتْبَاعه وأشتدت شوكته وأعتز الْعَرَب بمكانه فلفف جموعها وَحمى ذمارها وسعى لإدراك ثارها وَقصد حصناً أجتمع فِيهِ من المولدين والنصاري نَحْو من سِتَّة أُلَّاف رجل فنازلهم بالعرب حَتَّى قهرهم وَأخرج نابلاً رئيسهم الْمُقِيم
стр. 147
فِيهِ عَنهُ وَملكه وَكَانَ نابل قد أنتزعه من يحيى بن صقالة فأسترده سوار إِلَى ملكه
ثمَّ افْتتح حصون المسالمة وَالنَّصَارَى حصناً حصناً وَقتل من ظفر بِهِ وغنم أَمْوَالهم ولقيه جعد بن عبد الغافر عَامل الْأَمِير عبد الله فَهَزَمَهُ سوار وَقتل من أَصْحَابه نَحْو من سَبْعَة أُلَّاف وَأسر جَعدًا فَمن عَلَيْهِ وَأطْلقهُ وأبلغه وأمنه
وَغلظ أمره فأستبق حِينَئِذٍ إِلَى حصن غرناطة بِالْقربِ من مَدِينَة إلبيرة وَصعد إِلَيْهِ فتبوأه دَارا أجتمعت إِلَيْهِ فِيهِ عرب كورة إلبيرة وكاتبته عرب النواحي إِلَى حُدُود قلعة رَبَاح وَغَيرهَا وَكَانَت دَار الداخلين إِلَى الأندلس من بكر ابْن وَائِل فصاروا إلبا مَعَه على المولدين وبجح سوار بماتهيأ لَهُ على أعدائه وعلت همته وأملته الْعَرَب وَعلا فِي النَّاس ذكره وَقَالَ الْأَشْعَار الجزلة وَأكْثر الفخار بِنَفسِهِ وَقَومه ذكر ذَلِك ابْن حَيَّان وَحكى أَنه أوقع بأصحاب ابْن حفصون ثَانِيَة وَيُقَال إِن قتلاهم كَانُوا فِيهَا اثنى عشر ألفا وتعرف
стр. 148
ب وقيعة الْمَدِينَة قَالَ وَقد ذكرهَا سعيد بن جودي السَّعْدِيّ صَاحب سوار والوالي رئاسة الْعَرَب بعده فِي شعر لَهُ مِنْهُ
(وَلما رأونا رَاجِعين إِلَيْهِم ... توَلّوا سرَاعًا خوف وَقع المناصل)
(فسرنا إِلَيْهِم والرماح تنوشهم ... كوقع الصَّيَاصِي تَحت رهج القساطل)
(فَلم يبْق مِنْهُم غير عان مصفد ... يُقَاد أَسِيرًا موثقًا فِي السلَاسِل)
(وَآخر مِنْهُم هارب قد تضايقت ... بِهِ الأَرْض يهفو من جوى وبلابل)
وَمِنْه
(لقد سل سوار عَلَيْكُم مهنداً ... يجذ بِهِ الهامات جذ المفاصل)
(بِهِ قتل الله الَّذين تحزبوا ... علينا وَكَانُوا أهل إفْك وباطل)
(سما لبنى الْحَمْرَاء إِذْ حَان حينهم ... بِجمع كَمثل الطود أرعن رافل)
(أدرتم رحى حَرْب فدارت عَلَيْكُم ... لحتف قد أفناكم بِهِ الله عَاجل)
(لَقِيتُم لنا ملمومة مستجيرة ... تجيد ضراب الْهَام تَحت العوامل)
(بهَا من بني عدنان فتيَان غَارة ... وَمن آل قحطان كَمثل الأجادل)
(يقودهم لَيْث هزبر ضبارم ... محش حروب ماجد غير خامل)
стр. 149
(أرومته من خير قيس سما بِهِ ... إِلَى الْمجد قدماً والعلا كل فَاضل)
(لَهُ سُورَة قيسية عَرَبِيَّة ... بهَا ذاد عَن دين الْهدى كل جَاهِل)
وَهِي طَوِيلَة وَقَالَ فِي ذَلِك
(فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَة ثمَّ غودروا ... كَمثل حصيد فَوق ظهر صَعِيد)
وَقَالَ أَيْضا قصيدة أُخْرَى ذكر فِيهَا أسر جعد بن عبد الغافر يُخَاطب المولدين
(لم تزالوا تَبْغُونَهَا عوجا حَتَّى ... وردتم للْمَوْت شَرّ وُرُود)
(فاصطلوا حرهَا وحر سيوف ... تتلظى عَلَيْكُم كالوقود)
(قد قتلناكم بِيَحْيَى وَمَا إِن ... كَانَ الحكم الْإِلَه بالمردود)
(هجتم يَا بني العبيد ليوثاً ... لم يَكُونُوا عَن ثارهم بقعود)
стр. 150
(جَاءَكُم ماجد يَقُود إِلَيْكُم ... فتية ذادة كَمثل الْأسود)
(يطْلب الثار ثار قوم كرام ... آزروا بالعهود بعد العهود)
(فأستباح الْحَمْرَاء لم يبْق مِنْهُم ... غير عان فِي قده مصفود)
(قد قتلنَا مِنْكُم ألوفا وَمَا يعدل ... قتل الْكَرِيم قتل العبيد)
(فلئن كَانَ قَتله غدرة مَا ... كَانَ بالنكس لَا وَلَا الرعديد)
يُرِيد يحيى بن صقالة أَمِير الْعَرَب الْقَائِم على المولدين وَقَالَ يحيى بن أخي
стр. 151
يحيى بن صقالة من قصيدة طَوِيلَة يمدح فيهاسوارا وَيذكر وقيعة إلبيرة ويناقض العبلى شَاعِر المولدين وَقيل إِنَّهَا لسَعِيد بن جودي
(لسوار على الْأَعْدَاء سيف ... أباد ذوى الغواية فأضمحلوا)
(سقاهم كأس حتف بعد حتف ... بهَا نهل العبيد مَعًا وعلوا)
(قتلت بِوَاحِد سوار ألفا ... وألفهم بواحدنا يقل)
(وَأكْثر قتلنَا لَهُم حَلَال ... بِمَا أرتكبوه ظلما وأستحلوا)
(فأوردنا رقابهم سيوفاً ... تشب النَّار مِنْهَا إِذْ تسل)
(ورثنا الْعِزّ عَن آبَاء صدق ... وإرثكم بني العبدان ذل)
وَأول شعر العبلي
(قد أنقصفت قناتهم وذلوا ... وضعضع ركن عزهم الْأَذَل)
стр. 152
(فَمَا طلت دِمَاؤُهُمْ لديهم ... وهاهم عندنَا فِي البير طل)
وَمن شعر سوار قَوْله من قصيدة طَوِيلَة
(صرم الغواني يَا هنيد مودتي ... إِذْ شَاب مفرق لمتي وقذالي)
(وصددن عني يَا هنيد وطالما ... علقت حبال وصالهن حبالي)
وَقتل فِي صدر سنة سبع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ فَكَانَ أمده فِي رئاسته نَحْو الْعَام
٥٧ - سعيد بن جودي السَّعْدِيّ أَبُو عُثْمَان
هُوَ سعيد بن سُلَيْمَان بن جودي بن أَسْبَاط بن إِدْرِيس السَّعْدِيّ هُوَ من هوَازن من جند قنسرين
стр. 153
ولى جده جودي بن أَسْبَاط الشرطة للأمير الحكم الربضى وَولى أَيْضا قَضَاء بَلَده إلبيرة وَقع ذكر ذَلِك فِي الْمقنع من تأليف ابْن بطال فِي الْأَحْكَام وَلما قتل سوار بن حمدون ذلت الْعَرَب بمقتله وكل حَدهَا بِمَا نزل فِيهِ وَكَانَ قد أُصِيب على يَدي بعض أَصْحَاب ابْن حفصون فَيُقَال إِن جثته مزقها ثكالى نسَاء المولدين قطعا وَأكله كثير مِنْهُنَّ حنقاً عَلَيْهِ لما نالهن بِهِ الْمرة بعد الْمرة من الثكل فِي بعولتهن وأهليهن فَنصبت الْعَرَب لإمارتها بعده سعيد بن سُلَيْمَان بن جودي صَاحبه وعلقت آمالها بِهِ فَلم يسد مَكَانَهُ وَلَا بلغ مداه فِي السياسة على أَنه كَانَ شجاعاً بطلا وفارساً محرباً قد تصرف مَعَ فروسيته فِي فنون الْعلم وَتحقّق بضروب الْأَدَب فاغتدى أديبا تحريرا وشاعراً محسناً تعد لَهُ عشر خِصَال تفرد بهَا فِي زَمَانه لَا يدْفع عَنْهَا الْجُود والشجاعة والفروسية وَالْجمال وَالشعر والخطابة والشدة والطعن وَالضَّرْب والرماية وهابه ابْن حفصون هَيْبَة لم يَهَبهَا أحدا مِمَّن مارسه إِذا لم يلقه قطّ إِلَّا علاهُ وهزمه
وَلَقَد دَعَاهُ فِي بعض أيمامهم إِلَى المبارزة فَلم يجبهُ ابْن حفصون إِلَيْهَا وحاد عَنهُ وواجهه يَوْمًا فَألْقى عَلَيْهِ ذراعه وأجتذبه إِلَى الأَرْض فَمَا نجاه مِنْهُ إِلَّا أَصْحَابه
стр. 154
الَّذين انقضوا على سعيد فتنقذوا عمر من يَده وَله زرقة بعيدَة المدى إِلَى بعض القناطر المعتلية مَشْهُورَة النِّسْبَة إِلَيْهِ لم يقدر أحد بعده مِمَّن يتعاطى الشدَّة يبلغ إِلَيْهَا ذكر ذَلِك أَبُو مَرْوَان بن حَيَّان فِي تَارِيخه
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر كَانَ مَعَ رئاسته وشجاعته شَاعِرًا مفلقا وخطيباً مصقعاً فصيح اللِّسَان ربيط الْجنان جميل الشارة حسن الْإِشَارَة ثَبت الْأَصَالَة وَاسع الْأَدَب والمعرفة يضْرب فِي صَنْعَة الشّعْر بسهمة وافرة ويتصرف من سبله بِكُل منيعة وَحكى أَن الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد أسجل لَهُ على كورة البيرة لما ظَهرت الْعَرَب على حاضرتها فاتصل قِيَامه بِأَمْر الْعَرَب إِلَى أَن قتل غيلَة بأيدي بعض أَصْحَابه فِي ذِي الْقعدَة من سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ
قَالَ وَزَعَمُوا أَن من أقوى الْأَسْبَاب فِي قَتله أبياتاً من الشّعْر قَالَهَا فِي غمص الْأَئِمَّة من بني مَرْوَان مِنْهَا قَالَ لعبد الله
(يَا بني مَرْوَان جدوا فِي الْهَرَب ... نجم الثائر من وَادي الْقصب)
(يَا بني مَرْوَان خلوا ملكنا ... إِنَّمَا الْملك لأبناء الْعَرَب)
ورثاه الْأَسدي شَاعِر الْعَرَب فِي ذَلِك الأوان وَقَالَ فِيهِ مقدم بن معافى يرثيه
(من ذَا الَّذِي يطعم أَو يكسو ... وَقد حوى حلف الندى رمس)
(لَا اخضرت الأَرْض وَلَا أَوْرَق الْعود ... وَلَا أشرقت الشَّمْس)
стр. 155
(بعد ابْن جودى الَّذِي لن ترى ... أكْرم مِنْهُ الْجِنّ وَالْإِنْس)
(دموع عَيْني فِي سَبِيل الأسى ... على سعيد أبدا حبس)
وَقَامَ بِأَمْر الْعَرَب بعده مُحَمَّد بن أضحى بن عبد اللَّطِيف الْهَمدَانِي صَاحب حصن الْحمة إِلَى أَن استنزله النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد ولسعيد بن جودى شعر كثير وَقد ذكرنَا مِنْهُ جملَة وَسمع يَوْمًا منشداً ينشد قَول أبي قيس بن الأسلت
(قد حصت الْبَيْضَة رَأْسِي فَمَا ... أطْعم نوماً غير تهجاع)
(أسعى على جلّ بني مَالك ... كل امري فِي شَأْنه ساع)
فَقَالَ مُعَارضا لَهُ على البديهة
(الدرْع قد صَارَت شعارى فَمَا ... أبسط حاشاها لتهجاع)
(وَالسيف إِن قصره صانع ... طوله يَوْم الوغى باعى)
(وَمَا كميتى لي بمستقصر ... إِذا دَعَاني للقا دَاع)
(هَذَا الَّذِي أسعى لَهُ جاهداً ... كل امْرِئ فِي شَأْنه ساع)
وَله فِي جَارِيَة سَمعهَا بقرطبة تغني للأمير عبد الله بن مُحَمَّد وَذَلِكَ فِي إِمَارَة أَبِيه الْأَمِير مُحَمَّد فهام بهَا وَاشْترى جَارِيَة سَمَّاهَا باسمها جيجان فَلم يَسلهُ ذَلِك عَنْهَا وهام بهَا دهراً
(سَمْعِي أبي أَن يكون الرّوح فِي بدني ... فاعتاض قلبِي مِنْهُ لوعة الْحزن)
(أَعْطَيْت جيجان روحي عَن تذكرها ... هَذَا وَلم أرها يَوْمًا وَلم ترني)
стр. 156
(كأنني وَاسْمهَا والدمع منسكب ... من مقلتي رَاهِب صلى إِلَى وثن)
وَله فِي جَارِيَة حملت إِلَيْهِ من قرطبة فَلَمَّا خلا بهَا أَعرَضت عَنهُ ورمت بطرفها إِلَى الأَرْض خجلا فَقَالَ
(أمائلة الألحاظ عني إِلَى الأَرْض ... أَهَذا الَّذِي تبدين وَيحك من بغضي)
(فَإِن كَانَ بغضاً لست وَالله أَهله ... ووجهي بِذَاكَ اللحظ أولى من الأَرْض)
وَله أَيْضا يهزل ويتغزل
(لَا شَيْء أَمْلَح من سَاق على عنق ... وَمن مناقلة كأساً على طبق)
(وَمن مُوَاصلَة من بعد معتبة ... وَمن مراسلة الأحباب بالحدق)
(جريت جرى جموح فِي الصِّبَا طلقاً ... وَمَا خرجت لصرف الدَّهْر عَن طَلِّقِي)
(وَلَا انثنيت لداعي الْمَوْت يَوْم وغى ... كَمَا انثنيت وحبل الْحبّ فِي عنقِي)
ومقاصده فِي غزله المشوب بشجاعته تشبه مَقَاصِد أَبى دلف الْقَاسِم بن عِيسَى الْعجلِيّ وَكَانَت لَهُ أَيْضا رئاسة وثورة
ولسعيد أَيْضا فِي جَارِيَة جميلَة عرضت لَهُ صباحاً فِي غلالة حَمْرَاء وَهُوَ خَارج إِلَى مَجْلِسه لتأْخذ عَلَيْهِ الطَّرِيق وَهِي تتثنى فِي حركتها فَقَالَ
(قضيب من الريحان فِي ورق حمر ... )
ثمَّ أعيته الْإِجَازَة طول نَهَاره وَقد شغل بهَا فكره حَتَّى دخل عَلَيْهِ حَاجِبه فَاسْتَأْذن لعبيديس الشَّاعِر الْكَاتِب وَكَانَ ينتابه هُوَ وَغَيره فساعة دخل عَلَيْهِ ناداه سعيد
(قضيب من الريحان فِي ورق حمر ... )
стр. 157
فَأَجَابَهُ من قبل أَن يجلس
(وعهدي بالريحان فِي ورق خضر ... )
فسر واجزل صلته
وَله يرثى
(أمستنصراً بِالصبرِ قد دفن الصَّبْر ... مَعَ الْحسن المأمول إِذْ ضمه الْقَبْر)
(فياعجبا للقبر مِنْهُ يضمه ... وَقد كَانَ سهل الأَرْض يخشاه والوعر)
(وَمَا مَاتَ ذَاك الْمَاجِد القرم وَحده ... بل الْجُود والإقدام والباس واالصبر)
(وَإِن يكن الشَّيْطَان زين حيرة ... لقاتله فِي الْكفْر بل دونه الْكفْر)
(فشمس الضُّحَى ترجو لفقدان نوره ... وَبدر الدجى يبكيه والأنجم الزهر)
وَله حِين أسره عمر بن حفصون رَأس الْفِتْنَة بالأندلس ومضرم نارها وركن العصبية للعجم والمولدين وَذَلِكَ قبل إِمَارَة سعيد ورئاسته للْعَرَب
(خليلي صبرا رَاحَة الْحر فِي الصَّبْر ... وَلَا شَيْء مثل الصَّبْر فِي الكرب للْحرّ)
(فكم من أَسِير كَانَ فِي الْقد موثقًا ... فَأَطْلقهُ الرَّحْمَن من حلق الْأسر)
(لَئِن كنت مأخوذاً أَسِيرًا وكنتما ... فَلَيْسَ على حَرْب وَلَكِن على غدر)
(وَلَو كنت أخْشَى بعض مَا قد أصابني ... حمتني أَطْرَاف الردينية السمر)
(فقد علم الفتيان أَنِّي كميها ... وفارسها الْمِقْدَام فِي سَاعَة الذعر)
стр. 158
وَمن هَذِه القصدة
(بهمك ألْقى خالقي يَوْم موقفي ... وكربك أقضى لي من الْقَتْل والأسر)
(وَإِن لم يكن قبر فَأحْسن موطئاً ... من الْقَبْر للفتيان حوصلة النسْر)
٥٨ - سُلَيْمَان بن وانسوس الْوَزير أَبُو أَيُّوب
هُوَ سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن أصبغ بن عبد الله وانسوس المكناسي مولى سُلَيْمَان ابْن عبد الْملك أَصله من البرابر وَله فيهم بَيت شرف بالأندلس وَكَانَ جده أصبغ رَئِيسا بماردة مُطَاعًا ثار فِيهَا على الْأَمِير الحكم بن هِشَام فملكها لنَفسِهِ واتصل خِلَافه فِيهَا سِنِين وَجَرت لَهُ خطوب كبار فِي حَالي الْمعْصِيَة وَالطَّاعَة
وتمهد ابْن ابْنه هَذَا مهاد الطَّاعَة من بعد نزوات سلفه وعلق حبال الْخدمَة فتصرف للسُّلْطَان فِي أَعمال كَثِيرَة إِلَى أَن ارْتقى الذرْوَة من خطة الوزارة للأمير عبد الله وَصَارَت لَهُ حظوة وَكَانَ أديباً مفتناً وشاعراً مطبوعاً حسن الْبَيَان بليغاً حصيفاً داهياً وَكَانَ فِي لحيته كوسجاً وَمن شعره يغرى
стр. 159
الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد بجهور بن عبد الْملك البختي وَكَانَ قد صرف عَن عمله بكورة البيرة لتظلم الرّعية
(جَاءَ الْحمار حمَار المرج محتشيا ... مِمَّا أَفَادَ من الْأَمْوَال والطرف)
(خلى لبيرة قد أودت ماسكنها ... بقبح سيرته والعنف والسرف)
(فاحمل على العير حملا يسْتَقلّ بِهِ ... واترك لَهُ سَببا للتبن والعلف)
فَلَمَّا قَرَأَ الْأَمِير عبد الله أبياته أَمر بإدخاله إِلَيْهِ فَضَحِك مِنْهُ وَقَالَ لَهُ يَا سُلَيْمَان لَو زدتنا فِي الأبيات لزدنا الْحمار فِي الْغرم وَأمر بإغرامه ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَقد تقدم لِسُلَيْمَان هَذَا خبر مَعَ الْأَمِير عبد الله يدل على شرف ذَاته وعلو همته
٥٩ - عَامر بن عَامر بن كُلَيْب بن ثَعْلَبَة بن عبيد الجذامى أَبُو مَرْوَان
ولي أَبُو عَامر طليطلة ثمَّ صرفه عَنْهَا عبد الرَّحْمَن بن الحكم بأَخيه عبد الله بن كُلَيْب وَكَانَ أحد وُجُوه أَصْحَاب السُّلْطَان واختص بِصُحْبَة هَاشم ابْن عبد الْعَزِيز وَكَانَت فِيهِ مَعَ أدبه وبلاغته حِدة ومعارضة للنَّاس وتحكك بالشعراء فَلم يسلم مِنْهُم وَهُوَ الْقَائِل فِي الِاعْتِذَار
(عظم الخطاء فَهَل تقيل ... يَا سَيِّدي أَو مَا تَقول)
(أَنْت الْعَزِيز بهفوتي ... وَأَنا بهَا العَبْد الذَّلِيل)
(وَالله لَو أَنِّي اسْتَطَعْت ... لما بَدَت مني فضول)
(وَلما رأى مني الصّديق ... سوى قوام لَا يمِيل)
стр. 160
(ولسان صدق لايزول ... من الصَّوَاب ولاا يحول)
(فَأَبت على الكاس إللا ... أَن يداخلني الذهول)
٦٠ - عبد الرَّحْمَن بن وليد بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الحميد ابْن غَانِم
كَانَ هُوَ وَأَخُوهُ مُحَمَّد وأبوهما وليد فِي بَيت أدب رائع وَكِتَابَة وجلالة وَولى وليد للأمير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن خطتي الوزارة وَالْمَدينَة وقاد جَيش الصائفة الَّذِي قدم عَلَيْهِ ابْنه عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وَكَانَ عدده عَظِيما وَولى أَيْضا مُحَمَّد ابْن وليد خطة الْمَدِينَة وَسَيَأْتِي ذكرهمَا وَعبد الرَّحْمَن هُوَ الْقَائِل وَسمع عبيد الله بن يحيى بن يحيى صَاحب مَالك وَقد سُئِلَ عَن النعامة فَفَسَّرَهَا بطير المَاء
(ذهب الزَّمَان بصفوة الْعلمَاء ... وَبقيت فِي ظلم وَفِي عمياء)
(وأتى طغام رقع من بعدهمْ ... لَا فرق بَينهم وَبَين الشَّاء)
(فَإِذا سَأَلت عَن النعام أسدهم ... علما يفسره بطير المَاء)
стр. 161
وهولاء شعراء بنى الْأَغْلَب مُلُوك إفريقية فِي هَذِه الْمِائَة وَفِي آخرهَا انقرض ملكهم حَسْبَمَا يذكر بعد
٦١ - زِيَادَة الله بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب أَبُو مُحَمَّد
ولى بعد أَخِيه أبي الْعَبَّاس عبد الله الْجَمِيل سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ أَبوهُ إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب إِذا قدم عَلَيْهِ أحد من الْأَعْرَاب وَالْعُلَمَاء بِالْعَرَبِيَّةِ وَالشعرَاء أصحبهم ابْنه زِيَادَة الله هَذَا وَأمرهمْ بملازمته فَكَانَ أفضل أهل بَيته وأفصحهم لِسَانا وَأَكْثَرهم بَيَانا وَكَانَ يعرب كَلَامه وَلَا يلحن دون تشادق وَلَا تقعر ويصوغ الشّعْر الْجيد وَلَا يعلم أحد قبله سمى زِيَادَة الله وَلَا هبة الله قبل ولد إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي
وَولد زِيَادَة الله قبل هبة الله هَذَا بِنَحْوِ من ثَلَاثِينَ سنة
وَهُوَ الَّذِي بنى جَامع القيروان بالصخر والآجر والرخام بعد أَن هَدمه وَبنى الْمِحْرَاب كُله بالرخام من أَسْفَله إِلَى أَعْلَاهُ وَهُوَ منقوش بِكِتَاب وَغَيره كتاب ويستدير بِهِ سوار حسان بَعْضهَا مجزعة بأسود ناصعة الْبيَاض شَدِيدَة السوَاد ويقابل الْمِحْرَاب عمودان أَحْمَرَانِ فيهمَا توشيه بحمرة صَافِيَة
стр. 162
دون حمرَة سائرهما يَقُول كل من رآهما من أهل الْمشرق وَالْمغْرب أَنه لم ير مثلهمَا وَقد بذل فيهمَا صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة وزنهما ذَهَبا فَلم يجبهُ النَّاظر لِلْإِسْلَامِ فِي ذَلِك
وَأول من بنى هَذَا الْجَامِع الْأَشْرَف عقبَة بن نَافِع الفِهري وَهُوَ الَّذِي اختط مَدِينَة القيروان فِي سنة ثَلَاث وَخمسين من الْهِجْرَة
فَلَمَّا ولى حسان بن النُّعْمَان الغساني إفريقية هَدمه حاشى الْمِحْرَاب وبناه بالطوب فَلَمَّا ولى يزِيد بن حَاتِم إفريقية سنة خمس وَخمسين وَمِائَة هَدمه وبناه فَلَمَّا ولى زِيَادَة الله هَذَا هَدمه وبناه مَعَ الْمِحْرَاب كَمَا وصف وَتمّ بُنْيَانه سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ
وَبعد ذَلِك بعام أَو نَحوه توفّي فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَعشْرين
ولأبى إِبْرَاهِيم أَحْمد بن مُحَمَّد وَالِد إِبْرَاهِيم بن أَحْمد السفاك زِيَادَة فِي هَذَا الْجَامِع كملت سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَهِي عَلَيْهَا إِلَى الْيَوْم
стр. 163
وَمن شعره زِيَادَة الله على أَنه كَانَ يصنعه ويكتمه مَا يرْوى أَن الْمَأْمُون كتب إِلَيْهِ أَن يَدْعُو على منابره لعبد الله بن طَاهِر بن الْحُسَيْن فَأَنف من ذَلِك وَأمر بِإِدْخَال الرَّسُول عَلَيْهِ بعد أَن تملأ من الشَّرَاب وَحل شعره ونار عَظِيمَة بَين يَدَيْهِ فِي كوانين وَقد احْمَرَّتْ عَيناهُ فهال الرَّسُول ذَلِك المنظر ثمَّ قَالَ قد علم أَمِير الْمُؤمنِينَ طَاعَتي لَهُ وَطَاعَة آبَائِي لِآبَائِهِ وَتقدم سلفى فِي دعوتهم ثمَّ يَأْمُرنِي الْآن بِالدُّعَاءِ لعبد خُزَاعَة هَذَا وَالله أَمر لَا يكون أبدا ثمَّ مد يَده إِلَى كيس إِلَى جَانِبه فِيهِ ألف دِينَار فَدفعهُ إِلَى الرَّسُول ليوصله إِلَى الْمَأْمُون وَكَانَت الدَّنَانِير مَضْرُوبَة باسم إِدْرِيس الْحسنى ليعلمه مَا هُوَ عَلَيْهِ من فتْنَة الْمغرب ومناضلة العلويين وَكتب جَوَاب الْكتاب وَهُوَ سَكرَان فِي آخِره أَبْيَات مِنْهَا
(أَنا النَّار فِي أحجارها مستكنة ... فَإِن كنت مِمَّن يقْدَح الزند فاقدح)
(أَنا اللَّيْث يحمى غيله بزئيره ... فَإِن كنت كَلْبا حَان موتك فانبح)
(أَنا الْبَحْر فِي أمواجه وعبابه ... فَإِن كنت مِمَّن يسبح الْبَحْر فاسبح)
فَلَمَّا صَحا بعث فِي طلب الرَّسُول ففاته وَكتب كتابا آخر يتلطف فِيهِ فوصل الْكتاب الأول وَالثَّانِي فأعرضوا عَن ذكر الأول وجاوبوه عَن الثَّانِي بِمَا أحب وَصدر الْبَيْت الأول من هَذِه الأبيات وَقع فِي ماا تمثل بِهِ الْمَأْمُون
стр. 164
إِذْ قتل لَيْلًا بالمطبق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن إِبْرَاهِيم الإِمَام بن مُحَمَّد ابْن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس الْمَعْرُوف بِابْن عَائِشَة وَأَصْحَابه فَقَالَ حِين فرغ من ذَلِك
(أَنا النَّار فِي أحجارها مستكنة ... مَتى مَا يهجها قَادِح تتضرم)
حَكَاهُ المَسْعُودِيّ
وَكَانَ زِيَادَة الله يَدْعُو لِلْمَأْمُونِ وَابْن شكْلَة وَهُوَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي بِبَغْدَاد قد ادّعى الْخلَافَة بعد قتل الْأمين إِلَى أَن قدم الْمَأْمُون بَغْدَاد فكاتبه وشكر لَهُ فعله
وَله يُخَاطب أمه جلاجل جَارِيَة اللَّيْث بن سعد وَقد استفحل أَمر الْجند فِي خلافهم عَلَيْهِ وستولوا على إفريقية كلهَا إِثْر وقْعَة على أَصْحَابه شَدِيدَة خَافَ مِنْهَا على ملكه وأيقن بِانْقِطَاع مدَّته وَبلغ ذَلِك مِنْهُ كل مبلغ فَدخلت عَلَيْهِ أمه تصبره وتسهل الْأَمر عَلَيْهِ ففكر سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه وَأنْشد أبياتاً مِنْهَا
(أمنت سبيبة كل قرم باسل ... وَمن العبيد جماجماً أبطالاً)
(فَإِذا ذكرت مصايباً بسبيبة ... فابكى جلاجل واندبي إعوالا)
стр. 165
(ياويح نَفسِي حِين أركب غادياً ... بالقيروان تخالني مختالاً)
(فِي فتية مثل النُّجُوم طوالع ... ويخالني بَين النُّجُوم هلالا)
(فاليوم أركب فِي الزعاع وَلَا أرى ... إِلَّا العبيد ومعشراً أنذالا)
وَله فِي النسيب
(بِاللَّه لَا تقطعن بالهجر أنفاسي ... فَأَنت تملك إنطاقي وإخراسي)
(صدود طرفك عَن طرفِي إِذا التقيا ... مجرعى كأس إرغام وإتعاس)
(لَو لم أبحك حمى قلبِي ترود بِهِ ... لم تستبح مهجتي يَا أَمْلَح النَّاس)
وَله أَيْضا فِي تفاحة
(ولابسه ثوب اصفرار بِلَا جسم ... تنم بِأَنْفَاسِ الحبيب لمشتم)
(تجمع معشوق لَدَيْهَا وعاشق ... فذو نظر يرنو إِلَيْهَا وَذُو شم)
(سأفنيك أَو أفنى عَلَيْك تذكراً ... لمن أَنْت عطر مِنْهُ فِي الرشف واللثم)
(فقد هجت فِي قلبِي لظى لتذكري ... وعنوانه فِي مقلتي دمعة تهمي)
(كَأَنِّي أدنى حِين أدنيك من بِهِ ... أثرت اشتياقي فِي عنَاق وَفِي ضم)
стр. 166
٦٢ - الْأَغْلَب بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب أَبُو عقال ويلقب بخزر
ولى إفريقية بعد إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب ثَلَاثَة من أبنائه لصلبه أَوَّلهمْ أَبُو الْعَبَّاس عبد الله ولى بِعَهْد أَبِيه وَكَانَ عِنْد وَفَاته بطرابلس فَقَامَ أَخُوهُ زِيَادَة الله بِالْأَمر فِي مغيبه وَأخذ لَهُ الْبيعَة على نَفسه وعَلى أهل بَيته وَسَائِر النَّاس فَكَانَ يتحامل عَلَيْهِ فِي ولَايَته ويتنقصه وَهُوَ يظْهر التجمل وَالِاحْتِمَال وعوجل فَلم تطل مدَّته وَلم يُوصف بأدب فنذكره وثانيهم أَبُو مُحَمَّد زِيَادَة الله الْمُتَقَدّم الذّكر وَهُوَ كَانَ أطولهم ولَايَة وأمتنهم بعد أَبِيهِم أدباً وثالثهم أَبُو عقال الْأَغْلَب هَذَا ولى بعد أَخِيه زِيَادَة الله وَهُوَ كَانَ أقصرهم ولَايَة أَقَامَ سنتَيْن وَتِسْعَة أشهر وأياماً غير أَن الْمُلُوك مِنْهُم من عقبه دون أَخَوَيْهِ وكل من ولى بعده من آل الْأَغْلَب إِلَى أَن انقرض ملكهم وَزَالَ سلطانهم من وَلَده وآثاره صَالِحَة أَمن الْجند وَأحسن إِلَيْهِم فَلم يكن فِي أَيَّامه على قصرهَا وتقلصها حروب وَغير مِمَّا أحدث الْعمَّال كثيرا وَقبض أَيْديهم عَن أَمْوَال الرّعية وَقطع النَّبِيذ من القيروان فحمدت سيرته وَظَهَرت فضيلته وانتشر عدله وَكَانَ لَهُ حَظّ من الْأَدَب يصوغ بِهِ مقطعات من الشّعْر فَمِنْهَا قَوْله
стр. 167
(لَهُ مقلة تكفيه حمل سلاحه ... محاربة ألحاظها من تسالمه)
(سقى صبه من خمرها فَبَدَا بهَا ... كَمَا تفعل الصَّهْبَاء مَا هُوَ كاتمه)
(وَقد سكرت أجفانه فَكَأَنَّمَا ... تسقيه من صهبائها وتنادمه)
٦٣ - ابْنه مُحَمَّد بن الْأَغْلَب بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب أَبُو الْعَبَّاس
ولى بعد أَبِيه أبي عقال فِي آخر شهر ربيع الآخر سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَتُوفِّي يَوْم الِاثْنَيْنِ لليلتين خلتا من الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْن سِتّ وَثَلَاثِينَ سنة فَكَانَت ولَايَته خمس عشرَة سنة وَثَمَانِية أشهر واثني عشر يَوْمًا
وَكَانَ كوسجاً كَانَ وَجهه وَجه خصي لَيْسَ فِيهِ إِلَّا شَعرَات بسيرة عقيماً لَا يُولد لَهُ مَوْصُوفا بحلم وجود وحاربه أَخُوهُ أَحْمد فظفر بِهِ وَأخرجه إِلَى الْمشرق وَكَانَت فِي أَيَّامه حروب كَثِيرَة نصر فِيهَا وَأما أَخُوهُ الثَّانِي وَيُسمى أَيْضا مُحَمَّدًا ويكنى أَبَا عبد الله فَكَانَ والياً على طرابلس من قبله وَمَات بهَا فِي أَيَّامه سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَمن وَلَده أُمَرَاء بني الْأَغْلَب الْوُلَاة بعد أبي الْعَبَّاس هَذَا
стр. 168
وَأَبُو الْعَبَّاس هُوَ الْقَائِل يفخر فِي مَا نسبه إِلَيْهِ بعض خاصته وَقيل إِنَّه لعبد الرَّحْمَن بن أبي مسلمة قَالَه على لِسَانه عِنْد ظفره بِخَارِج عَلَيْهِ
(أَلَيْسَ أَبى وجدي أوطآني ... وجد أَبى وعماي الرقابا)
(ورثت الْملك وَالسُّلْطَان عَنْهُم ... فصرت أعز من وطئ الترابا)
(وقدمني الخلائف واصطفوني ... فَمن مثلي قَدِيما وانتسابا)
(أَنا الْملك الَّذِي أسمو بنفسي ... فأبلغ بالسمو بهَا السحابا)
(إِذا نقبت عَن كرمي ومجدي ... وجدتني المصاصة واللبابا)
(أَنا الْملك الَّذِي أيدت ملكي ... بسيفي إِذْ كشفت بِهِ الضبابا)
(فَأمْضى إِن سردت الجفن عَنهُ ... فأغتصب النُّفُوس بِهِ اغتصابا)
(لقد فتح الْمُهَيْمِن لي بسيفي ... وإقدامي إِذا مَا الْجمع هابا)
(أتمت بِهِ ابْن حَمْزَة حِين دبت ... عقارب غدره وسعى فخابا)
стр. 169
(أسلت بِهِ دم الْأَوْدَاج مِنْهُ ... فَصَارَ لشيب لحيته خضابا)
(أظل عشيرتي بجناح عزى ... وأمنحها الْكَرَامَة والثوابا)
(وأصطنع الرِّجَال وأصطفيهم ... وأغفر للمسيء إِذا أنابا)
(وأسمو بالخميس إِلَى الأعادي ... فأكسر بالعقاب لَهَا العقابا)
(أَنا ابْن الْحَرْب ربتني وليداً ... إِلَى أَن صرت ممتلئاً شبَابًا)
) لعمر أَبِيك مَا أَن عبت قومِي ... وَمَا أخْشَى بقومي أَن أعابا)
(بنيت لَهُم مَكَارِم باقيات ... إِذا مَا صَارَت الدُّنْيَا خرابا)
٦٤ - إِبْرَاهِيم بن أبي إِبْرَاهِيم أَحْمد بن أبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي عقال الْأَغْلَب
وَهُوَ خزر الْمَذْكُور قبل ابْن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب أَبُو إِسْحَاق
ولي بعد أَخِيه أَبى عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الَّذِي يعرف بأبى الغرانيق لِكَثْرَة ولوعه بتصيدها وَكَانَ مُحَمَّد هَذَا قد عقد لِابْنِهِ أَبى عقال الْأَغْلَب ولَايَة عَهده واستحلف إِبْرَاهِيم هَذَا خمسين يَمِينا بِجَامِع مَدِينَة القيروان أَلا ينازعه وَذَلِكَ بِمحضر مشيخه الْأَغْلَب وقضاه القيروان وفقهائها فَلَمَّا هلك أَبُو الغرانيق
стр. 170
لست مضين من جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ خلع ابْنه أهل القيروان وَقدمُوا إِبْرَاهِيم بن أَحْمد فِي قصَّة طَوِيلَة فَابْتَلَاهُمْ الله بظلمه وامتحنهم بإسرافه حَتَّى سموهُ الْفَاسِق وَكَانَ أول أمره قد أحسن السِّيرَة فيهم نَحوا من سبع سِنِين ثمَّ ارْتكب من الْعدوان وَسَفك الدِّمَاء مالم يرتكبه أحد قبله وَأخذ فِي قتل أَصْحَابه وَكتابه وحجابه حَتَّى إِنَّه قتل ابْنه أَبَا عقال وَبنَاته وَالْأَخْبَار عَنهُ فِي ذَلِك فظيعة شنيعة وَكَانَ كثير المَال شَدِيد الْحَسَد على اتصافه بالحزم والعزم والضبط للأمور وَلم يكن يُوصف بِعلم بارع وَلَا أدب وَكَانَ رُبمَا صنع من الشّعْر شَيْئا ضَعِيفا فَمن ذَلِك قَوْله
(نَحن النُّجُوم بَنو النُّجُوم وجدنَا ... قمر السَّمَاء أَبُو النُّجُوم تَمِيم)
(وَالشَّمْس جدتنا فَمن ذَا مثلنَا ... متواصلان كَرِيمَة وكريم)
وَحذف هَذَا النّظم الغث أولى من إثْبَاته وليته بعقاب أهل بَيته عُوقِبَ على أبياته وَلم يل إفريقية قبله أطول عمرا مِنْهُ فِي سلطانها ملك تسعا وَعشْرين سنة إِلَّا خَمْسَة أشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا ليطول بِهِ الِابْتِلَاء وَالله يفعل مَا يَشَاء
(وَحكى أَبُو عبيد البكرى فِي كتاب الممالك والمسالك من تأليفه أَن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد هُوَ الَّذِي بنى مَدِينَة رقادة وتخذها وطنا وانتقل إِلَيْهَا من مَدِينَة الْقصر الْقَدِيم وَبنى بهَا قصوراً عَجِيبَة وجامعاً وَلم تزل بعد ذَلِك دَار ملك لبنى الْأَغْلَب إِلَى أَن هرب عَنْهَا زِيَادَة الله أَمَام أَبى عبد الله الشيعي وسكنها عبيد الله الْمهْدي إِلَى أَن انْتقل إِلَى المهدية فَدَخلَهَا الوهن وانتفل عَنْهَا ساكنوها وَلم تزل تخرب شَيْئا بعد شَيْء إِلَى أَن ولى معد بن إِسْمَاعِيل فخرب مَا بَقِي مِنْهُ وَعفى آثارها وَلم يبْق مِنْهَا غير بساتينها
قَالَ وَلَيْسَ بإفريقية أعدل هَوَاء وَلَا أرق نسيماً وَلَا أطيب تربة من مَدِينَة رقادة وَذكروا أَن أحد بنى الْأَغْلَب ارق وشرد عَنهُ النّوم أَيَّامًا فعالجه
стр. 171
إِسْحَاق يَعْنِي طبيبهم وَهُوَ الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ إطريفل إِسْحَاق فَلم ينم فَأمره بِالْخرُوجِ وَالْمَشْي فَلَمَّا وصل إِلَى مَوضِع رقاده نَام فسميت رقاده من يَوْمئِذٍ واتخذت دَارا ومسكناً وَمَوْضِع فُرْجَة للْملك قَالَ وَلما بناها إِبْرَاهِيم ابْن أَحْمد منع بيع النَّبِيذ بِمَدِينَة القيروان وأباحه بِمَدِينَة رقادة فَقَالَ بعض ظرفاء أهل القيروان
(يَا سيد النَّاس وَابْن سيدهم ... وَمن إِلَيْهِ الرّقاب منقاده)
(مَا حرم الشّرْب فِي مدينتنا ... وَهُوَ حَلَال بِأَرْض رقاده)
وَمَعَ بعد إِبْرَاهِيم فِي الملكة عَن الإسجاح فقد كَانَ لَا يخل بِنَصِيبِهِ من السماح حكى أَبُو إِسْحَاق الرَّقِيق أَن بكر بن حَمَّاد التاهرتي كَانَ ينتجع هَذَا الطاغية ويمدحه فغدا يَوْمًا بمديح لَهُ على بَلَاغ الْخَادِم فَقَالَ لَهُ الْأَمِير عَنَّا مَشْغُول فِي هَذَا الْيَوْم قَالَ فالطف بِي فِي إِيصَال رقْعَة إِلَيْهِ قَالَ إِنَّه مصطبح فِي الْجنان مَعَ الْجَوَارِي وَلَا يصل إِلَيْهِ أحد فَكتب بكر فِي رقْعَة واحتال بَلَاغ فِي توصيلها مساعدة لَهُ وفيهَا أَبْيَات مِنْهَا
стр. 172
(خُلِقْنَ الغواني للرِّجَال بلية ... فهن موالينا وَنحن عبيدها)
(إِذا مَا أردن الْورْد فِي غير حِينه ... أتتنا بِهِ فِي كل حِين خدودها)
وَكتب تَحت الأبيات
(فَإِن تكن الْوَسَائِل أعوزتني ... فَإِن وسائلي ورد الخدود)
فَلَمَّا قَرَأَهَا أنشدها الْجَوَارِي فأظهرن لَهُ سُرُورًا بهَا وشفعن إِلَيْهِ إِلَى أَن خرج بصرة مختومة فِيهَا مائَة دِينَار وَوصل مِنْهُ إِلَى بكر مَال عَظِيم
٦٥ - ابْنه عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد أَبُو الْعَبَّاس
ولى بعد أَبِيه إِبْرَاهِيم وَكَانَ شجاعاً بطلاً ذَا بصر بالحروب وَالتَّدْبِير عَاقِلا أديباً عَالما لَهُ نظر فِي الجدل وعناية باللغة والآداب وَكَانَ فِي أَيَّام أَبِيه على خوف شَدِيد مِنْهُ لسوء أخلاقه وقبح أَفعاله وجرأته على قتل من قرب مِنْهُ أَو بعد وَكَانَ يظْهر من طَاعَته والتذلل لَهُ أمرا عَظِيما وَكَانَ أَبوهُ يوجهه إِلَى محاربة كثير مِمَّن يُخَالف عَلَيْهِ ويفضله على سَائِر وَلَده ثمَّ ولاه عَهده وصير إِلَيْهِ خَاتمه ووزارته وَكتب بذلك كتابا تَارِيخه يَوْم الْجُمُعَة لثمان بَقينَ من شهر ربيع الأول سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ
وَفِي ذِي الْقعدَة مِنْهَا هلك أَبوهُ إِبْرَاهِيم بن أَحْمد وَمن ذَلِك الْوَقْت رمى
стр. 173
بالنجوم فَكَانَت تتناثر كالمطر يَمِينا وَشمَالًا وَكَانَت تؤرخ بِسنة النُّجُوم
وَملك عبد الله سنة وَاحِدَة واثنين وَخمسين يَوْمًا وَكَانَت أَيَّامه على قصر مدَّته أَيَّام عدل وَصَلَاح وَحسن سيرة إِلَى أَن قتل لَيْلَة الْأَرْبَعَاء آخر شعْبَان سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ تولى قَتله ثَلَاثَة من خدمه الصقالبة وَهُوَ نَائِم وَأتوا بِرَأْسِهِ ابْنه بِزِيَادَة الله بن عبد الله آخر مُلُوك الأغالبة وَهُوَ مَحْبُوس من قبل أَبِيه وَكَانَ قد صانعهم على ذَلِك فَقَتلهُمْ وصلبهم وَمن شعر عبد الله فِي دَوَاء شربه بصقلية
(شربت الدَّوَاء على غربَة ... بَعيدا من الْأَهْل والمنزل)
(وَكنت إِذا مَا شربت الدَّوَاء ... تطيبت بالمسك والمندل)
(فقد صَار شربي بحار الدِّمَاء ... ونقع الْعَجَاجَة والقسطل)
٦٦ - ابْنه زِيَادَة الله بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد أَبُو مُضر
خَاتِمَة مُلُوك الأغالبة عَلَيْهِ انقرض ملكهم وَزَالَ سلطانهم بعبيد الله الْمهْدي أول مُلُوك الشِّيعَة
وَلما هزم أَبُو عبد الله الشيعي دَاعِيَة عبيد الله عَسْكَر زِيَادَة الله هَذَا يَوْم السبت لست بَقينَ من جمادي الْآخِرَة سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
стр. 174
وَدخلت مَدِينَة الأربس بِالسَّيْفِ وَبلغ الْخَبَر زِيَادَة الله عِنْد صَلَاة الْعَصْر يَوْم الْأَحَد بعده فر على وَجهه وَأسلم الْبِلَاد وَلحق بإطرابلس ميمماً ديار مصر وَذَلِكَ فِي خلَافَة المقتدر بن جَعْفَر بن المعتضد فَكَانَت ولَايَته سِتّ سِنِين إِلَّا شَهْرَيْن وأياماً أتلف جلها فِي اللَّذَّات والبطالة حَتَّى انتقضت دولته وظفر بِهِ عدوه
وَكَانَ فراره من مدينه رقاده الَّتِي بناها جده إِبْرَاهِيم بن أَحْمد وأجرى إِلَيْهَا الْمِيَاه واغترس فِيهَا صنوف الثِّمَار الطّيبَة والرياحين وَبنى على الْقُصُور الَّتِي أحدث فِيهَا سوراً وَأحد هَذِه الْقُصُور يُسمى بَغْدَاد وَآخر مِنْهَا يُسمى الْمُخْتَار فَصَارَت أكبر من القيروان وَبَينهمَا سِتَّة أَمْيَال
فَلَمَّا ولى زِيَادَة الله هَذَا انْتقل إِلَيْهَا وحفر بهَا حفيراً بناه صهريجاً طوله خَمْسمِائَة ذِرَاع وَعرضه أَرْبَعمِائَة ذِرَاع وأجرى إِلَيْهَا ساقية وَسَماهُ الْبَحْر وَبنى فِيهِ قصراً وَسَماهُ الْعَرُوس على أَربع طَبَقَات أنْفق فِيهِ سوى خسر الْيَهُود والعجم مِائَتي ألف دِينَار واثنين وَثَلَاثِينَ ألف دِينَار
وَكَانَ عبيد الله يَقُول رَأَيْت ثَلَاثَة أَشْيَاء بإفريقية لم أر مثلهَا بالمشرق مِنْهَا هَذَا الْقصر فَبِهَذَا وَأَمْثَاله كَانَ اشْتِغَاله حَتَّى حَالَتْ لأوّل وهلة حَاله ليصدق مَا قَالَه أَبُو الْفَتْح البستي
(إِذا غَدا ملك باللهو مشتغلاً ... فاحكم على ملكه بِالْوَيْلِ وَالْحَرب)
وَحكى أَبُو إِسْحَاق الرَّقِيق أَنه سَأَلَ مؤنساً المغنى هَل يعلم صَوتا من أصواته لم يسمعهُ مِنْهُ فَقَالَ وَالله يَا مولَايَ مَا علمت غير بَيت وَقد أنسيت أَوله قَالَ هاته فغناه
стр. 175
فقد صرت بعد الْبَين أقنع بالهجر
ثمَّ وَجه فِي صَاحب الْبَرِيد عبد الله بن الصَّائِغ وَكَانَ شَاعِرًا مجيداً فَعرفهُ مَا جرى وَقَالَ لَهُ بحياتي إِلَّا زِدْت عَلَيْهِ شَيْئا فَقَالَ ابْن الصَّائِغ
(ولى كبد لَوْلَا الأسى لتصدعت ... وقلب أَبى أَن يستريح إِلَى الصَّبْر)
(وَقد كنت أخْشَى هجر هم قبل بَينهم ... فقد صرت بعد الْبَين أقنع بالهجر)
فأعجبه ذَلِك وَوَقع مِنْهُ أحسن موقع وغنى بِهِ مؤنس فطرب وَأمر لَهُ بخلع نفيسة وكيس فِيهِ ألف دِينَار وَفرس بسرج ولجام محليين وَهَذَا قد كَانَ يحسن مِنْهُ لَوْلَا أنهماكه فِي ملذاته الَّذِي كَانَ فِيهِ هَلَاكه
وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن مُحَمَّد الصولى فِي كتاب الْأَخْبَار المنثورة من تأليفه حَدثنِي أَبُو الْحسن على بن جَعْفَر الْكَاتِب حَدثنِي أبي قَالَ كَانَ لزِيَادَة الله ابْن عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد وَهُوَ زِيَادَة الله الْأَصْغَر وَكَانَ أَمِيرا بإفريقية غُلَام فَحل صبي يدعى خطابا وَهُوَ الَّذِي اسْمه فِي السكَك فسخط عَلَيْهِ وَقَيده بِقَيْد من ذهب فَدخل يَوْمًا من الْأَيَّام صَاحبه على الْبَرِيد وَهُوَ عبد الله بن الصَّائِغ فَلَمَّا رأى الْغُلَام مُقَيّدا تَأَخّر قَلِيلا وَعمل بَيْتَيْنِ وَكتب بهما إِلَى زِيَادَة الله وهما
(يأيها الْملك الميمون طَائِره ... رفقا فَإِن يَد المعشوق فَوق يدك)
(كم ذَا التجلد والأحشاء راجفة ... أعيذ قَلْبك أَن يَسْطُو على كبدك)
стр. 176
فَأطلق الْغُلَام ورضى عَنهُ وَوصل عبد الله الصَّائِغ بالقيد الذَّهَب
وَمن شعر زِيَادَة الله مَا حكى الصولى أَيْضا فِي كتاب الوزراء من تأليفه أَن الْعَبَّاس بن الْحسن لما استوزره المكتفى أَبُو مُحَمَّد على بن أَحْمد المعتضد أَرَادَ أَن يرِيه أَنه فَوق الْوَزير قبله الْقَاسِم بن عبيد الله بن سُلَيْمَان بن وهب فِي التَّدْبِير فاستأذنه فِي مُخَاطبَة بن الْأَغْلَب هَذَا فَفعل فَوجه ابْن الْأَغْلَب إِلَيْهِ برَسُول مَعَه هَدَايَا عَظِيمَة وَمِائَتَا خَادِم وخيل وبز كثير وَطيب وَمن اللبوذ المغربية ألف ومائتان وَعشرَة آلَاف دِرْهَم فِي كل دِرْهَم عشرَة دَرَاهِم وَألف دِينَار فِي كل دِينَار عشرَة دَنَانِير وَكتب على الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم فِي وَجه
(يَا سائراً نَحْو الْخَلِيفَة قل لَهُ ... أَن قد كَفاك الله أَمرك كُله)
(زِيَادَة الله بن عبد الله سيف ... الله من دون الْخَلِيفَة سَله)
وَفِي الْوَجْه الآخر
(مَا ينبرى لَك بالشقاق مُنَافِق ... إِلَّا استباح حريمه وأحله)
(من لَا يرى لَك طَاعَة فَالله قد ... أعماه عَن طرق الْهدى وأضله)
стр. 177
٦٧ - مُحَمَّد بن زِيَادَة الله بن مُحَمَّد بن الْأَغْلَب بن إِبْرَاهِيم ابْن الْأَغْلَب أَبُو الْعَبَّاس
ولى لِابْنِ عَمه إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن مُحَمَّد طرابلس فَكَانَ يشق عَلَيْهِ حسن سيرته وَيكرهُ ذَلِك وَكَانَ عَالما أديبا شَاعِرًا خَطِيبًا مَعَ عشرَة لإخوانه ولين
стр. 178
جَانب لأخذانه لَا ينادم إِلَّا أهل الْأَدَب وَكَانَ أَبوهُ زِيَادَة الله قد ولى إفريقية بعد أَخِيه أَبى إِبْرَاهِيم احْمَد بن مُحَمَّد وَكَانَ مَحْمُود السِّيرَة ذَا رأى ونجدة
يرْوى عَن سُلَيْمَان بن عمرَان القَاضِي أَنه قَالَ ماولى لبني الْأَغْلَب أَعقل من زِيَادَة الله الْأَصْغَر سَمَّاهُ الْأَصْغَر لِأَنَّهُ سمى باسم عَم أَبِيه زِيَادَة الله ابْن إِبْرَاهِيم الْمُتَقَدّم ذكره وبعدهما ولى زِيَادَة الله بن عبد الله ثالثهم وَهُوَ آخر ولاتهم
وَلم يزل إِبْرَاهِيم بن أَحْمد يحقد على مُحَمَّد هَذَا مَا يُؤثر عَنهُ من جميل إِلَى أَن قَتله وَكَانَ الَّذِي هاجه لذَلِك وَبَعثه عَلَيْهِ مَعَ قدم حسده لَهُ أَنه وَجه رَسُولا إِلَى بَغْدَاد فَكتب إِلَيْهِ يُخبرهُ أَن بعض من سَار إِلَى بَغْدَاد من أهل تونس شكوا إِلَى المعتضد صنع إِبْرَاهِيم فَقَالَ المعتضد عجبا من إِبْرَاهِيم مَا يبلغنَا عَنهُ إِلَّا سوء الثَّنَاء عَلَيْهِ وعامله على طرابلس يبلغنَا عَنهُ خلاف ذَلِك من رفق بِمن ولى عَلَيْهِ وإحسان فَمضى إِبْرَاهِيم قَاصِدا إِلَى طرابلس فَقتله وصلبه بغياً وحسداً وَقتل أَوْلَاده وعاث فِي أصاغرهم عيثه الْمَشْهُور حَتَّى إِنَّه شقّ جَوف بعض نِسَائِهِ عَن جَنِينهَا جرْأَة على الله تَعَالَى وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ
وقرأت فِي تَارِيخ أَبى إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم الْمَعْرُوف بالرقيق أَن المعتضد كتب إِلَى إِبْرَاهِيم من الْعرَاق إِن لم تتْرك أخلاقك فِي سفك الدِّمَاء فَأسلم الْبِلَاد إِلَى ابْن عمك مُحَمَّد بن زِيَادَة الله صَاحب طرابلس فَخرج إِبْرَاهِيم إِلَى طرابلس فِي خُفْيَة وَأظْهر أَنه يُرِيد الْخُرُوج إِلَى مصر حِيلَة مِنْهُ إِلَى أَن ظفر بِهِ فَقتله وصلبه وَكَانَ بَين خُرُوجه ورجوعه خَمْسَة عشر يَوْمًا
قَالَ وَكَانَ مُحَمَّد هَذَا أديباً ظريفاً ألف كتاب رَاحَة الْقلب وَكتاب الزهر وتاريخ بني الْأَغْلَب
стр. 179
وَمن شعره مَا أنْشدهُ لَهُ أَبُو عَليّ حُسَيْن بن أبي سعيد القيرواني صَاحب الْكتاب المعرب عَن الْمغرب
(وَمِمَّا شجا قلبِي بتوزر أنني ... تناءيت عَن دَار الْأَحِبَّة وَالْقصر)
(غَرِيبا فليت الله لم يخلق النَّوَى ... وَلم يجر بَين بَيْننَا آخر الدَّهْر)
وَمن بنى عمهم عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْأَغْلَب بن سَالم أَبُو الْعَبَّاس وَيعرف هُوَ وَأَبوهُ مُحَمَّد وَعَمه الْأَغْلَب بن عبد الله ببني عبد الله وجده عبد الله الَّذين يعْرفُونَ بِهِ هُوَ أَخُو أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب
وَكَانَ عَمه الْأَغْلَب مِمَّن أنهض لِحَرْب مَنْصُور بن نصر الطنبذى أَيَّام زِيَادَة الله ابْن إِبْرَاهِيم فجند لَهُ جنده وَانْهَزَمَ
وَولى مُحَمَّد بن عبد الله لزِيَادَة الله الْمَذْكُور صقلية سنة سبع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَفتح بهَا فتوحات وَقد كَانَ زِيَادَة الله أغزاه إِلَيْهَا سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ قبل فتحهَا على يَد أَسد بن الْفُرَات بِنَحْوِ من ثَمَانِي سِنِين فسبى مِنْهَا شَيْئا كثيرا وَانْصَرف
ثمَّ وَليهَا ابْنه عبد الله بن مُحَمَّد هَذَا لأبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن الْأَغْلَب بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب الْمَعْرُوف بأبى الغرانيق سنة تسع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ قد ولى قبل ذَلِك بِحِين أطرابلس ثمَّ وَليهَا مرّة أُخْرَى بعد ولَايَة صقيلة وَولى أَيْضا إِمَارَة القيروان وَكَانَ أديباً شَاعِرًا طَالبا للْحَدِيث وَالْفِقْه وَهُوَ الْقَائِل لما أَتَاهُ كتاب عَزله عَن طرابلس يُخَاطب أَبَا هَارُون مُوسَى بن مَرْزُوق صَاحب بريدها وَكَانَ لَهُ صديقا
(قد أَتَى فِي الْكتاب مَا قد علمنَا ... من تناء ورحلة وفراق)
(وعددنا الْأَيَّام فَهِيَ ثَمَان ... بعد خمس سريعة الإفتراق)
стр. 180
(فَعَلَيْك السَّلَام إِن فراقي ... قد دنا والفراق مر المذاق)
وَمن بني أخي الْأَغْلَب بن سَالم
٦٨ - يَعْقُوب بن المضاء بن سوَادَة بن سُفْيَان ابْن سَالم بن عقال التَّمِيمِي
كَانَ أَبوهُ من أُمَرَاء بني عَمه الأغالبة وَرغب يَعْقُوب عَن السُّلْطَان وولايته وَانْصَرف إِلَى النّسك وَنزع السوَاد وَأعْرض عَن الدُّنْيَا وَمَال إِلَى الْآخِرَة وَله بنُون يتسبون إِلَيْهِ فَيُقَال لَهُم اليعقوبية وَهُوَ الَّذِي توجه إِلَى الْعَبَّاس مُحَمَّد ابْن الْأَغْلَب الكوسج مَعَ ابْن عَمه خفاجة بن سُفْيَان بن سوَادَة فأصلحا بَينه وَبَين أَخِيه أَحْمد الْقَائِم عَلَيْهِ وأشارا بتأمينه وَقد تفاقم الْخطب بَينهمَا فَقبل ذَلِك مُحَمَّد فِي حَدِيث طَوِيل وَوصل إِلَيْهِ وعاتبه ثمَّ أمره بالتوجه إِلَى الْمشرق فَسَار إِلَى الْعرَاق وَبهَا مَاتَ وَيَعْقُوب هُوَ الْقَائِل
(فَإِن تَكُ لمتى كُسِيت بَيَاضًا ... وَبدل لي المشيب من الشَّبَاب)
(فقد عمرت ذَا فرع أثيث ... كَأَن سوَاده حنك الْغُرَاب)
(فَلَا تعجل رويدك عَن قريب ... كَأَنَّك بالمشيب وبالخضاب)
٦٩ - أَحْمد بن سُفْيَان بن سوَادَة بن سُفْيَان ابْن سَالم بن عقال
وعقال هُوَ ابْن خفاجة بن عبد الله بن عباد بن محرث بن سعد بن حزَام
следующие страницы →