← История

История · id 6630

الحلة السيراء

ابن الأبار

Полный текст (687 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فَأطلق الْغُلَام ورضى عَنهُ وَوصل عبد الله الصَّائِغ بالقيد الذَّهَب وَمن شعر زِيَادَة الله مَا حكى الصولى أَيْضا فِي كتاب الوزراء من تأليفه أَن الْعَبَّاس بن الْحسن لما استوزره المكتفى أَبُو مُحَمَّد على بن أَحْمد المعتضد أَرَادَ أَن يرِيه أَنه فَوق الْوَزير قبله الْقَاسِم بن عبيد الله بن سُلَيْمَان بن وهب فِي التَّدْبِير فاستأذنه فِي مُخَاطبَة بن الْأَغْلَب هَذَا فَفعل فَوجه ابْن الْأَغْلَب إِلَيْهِ برَسُول مَعَه هَدَايَا عَظِيمَة وَمِائَتَا خَادِم وخيل وبز كثير وَطيب وَمن اللبوذ المغربية ألف ومائتان وَعشرَة آلَاف دِرْهَم فِي كل دِرْهَم عشرَة دَرَاهِم وَألف دِينَار فِي كل دِينَار عشرَة دَنَانِير وَكتب على الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم فِي وَجه (يَا سائراً نَحْو الْخَلِيفَة قل لَهُ ... أَن قد كَفاك الله أَمرك كُله) (زِيَادَة الله بن عبد الله سيف ... الله من دون الْخَلِيفَة سَله) وَفِي الْوَجْه الآخر (مَا ينبرى لَك بالشقاق مُنَافِق ... إِلَّا استباح حريمه وأحله) (من لَا يرى لَك طَاعَة فَالله قد ... أعماه عَن طرق الْهدى وأضله)

стр. 177

٦٧ - مُحَمَّد بن زِيَادَة الله بن مُحَمَّد بن الْأَغْلَب بن إِبْرَاهِيم ابْن الْأَغْلَب أَبُو الْعَبَّاس ولى لِابْنِ عَمه إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن مُحَمَّد طرابلس فَكَانَ يشق عَلَيْهِ حسن سيرته وَيكرهُ ذَلِك وَكَانَ عَالما أديبا شَاعِرًا خَطِيبًا مَعَ عشرَة لإخوانه ولين

стр. 178

جَانب لأخذانه لَا ينادم إِلَّا أهل الْأَدَب وَكَانَ أَبوهُ زِيَادَة الله قد ولى إفريقية بعد أَخِيه أَبى إِبْرَاهِيم احْمَد بن مُحَمَّد وَكَانَ مَحْمُود السِّيرَة ذَا رأى ونجدة يرْوى عَن سُلَيْمَان بن عمرَان القَاضِي أَنه قَالَ ماولى لبني الْأَغْلَب أَعقل من زِيَادَة الله الْأَصْغَر سَمَّاهُ الْأَصْغَر لِأَنَّهُ سمى باسم عَم أَبِيه زِيَادَة الله ابْن إِبْرَاهِيم الْمُتَقَدّم ذكره وبعدهما ولى زِيَادَة الله بن عبد الله ثالثهم وَهُوَ آخر ولاتهم وَلم يزل إِبْرَاهِيم بن أَحْمد يحقد على مُحَمَّد هَذَا مَا يُؤثر عَنهُ من جميل إِلَى أَن قَتله وَكَانَ الَّذِي هاجه لذَلِك وَبَعثه عَلَيْهِ مَعَ قدم حسده لَهُ أَنه وَجه رَسُولا إِلَى بَغْدَاد فَكتب إِلَيْهِ يُخبرهُ أَن بعض من سَار إِلَى بَغْدَاد من أهل تونس شكوا إِلَى المعتضد صنع إِبْرَاهِيم فَقَالَ المعتضد عجبا من إِبْرَاهِيم مَا يبلغنَا عَنهُ إِلَّا سوء الثَّنَاء عَلَيْهِ وعامله على طرابلس يبلغنَا عَنهُ خلاف ذَلِك من رفق بِمن ولى عَلَيْهِ وإحسان فَمضى إِبْرَاهِيم قَاصِدا إِلَى طرابلس فَقتله وصلبه بغياً وحسداً وَقتل أَوْلَاده وعاث فِي أصاغرهم عيثه الْمَشْهُور حَتَّى إِنَّه شقّ جَوف بعض نِسَائِهِ عَن جَنِينهَا جرْأَة على الله تَعَالَى وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وقرأت فِي تَارِيخ أَبى إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم الْمَعْرُوف بالرقيق أَن المعتضد كتب إِلَى إِبْرَاهِيم من الْعرَاق إِن لم تتْرك أخلاقك فِي سفك الدِّمَاء فَأسلم الْبِلَاد إِلَى ابْن عمك مُحَمَّد بن زِيَادَة الله صَاحب طرابلس فَخرج إِبْرَاهِيم إِلَى طرابلس فِي خُفْيَة وَأظْهر أَنه يُرِيد الْخُرُوج إِلَى مصر حِيلَة مِنْهُ إِلَى أَن ظفر بِهِ فَقتله وصلبه وَكَانَ بَين خُرُوجه ورجوعه خَمْسَة عشر يَوْمًا قَالَ وَكَانَ مُحَمَّد هَذَا أديباً ظريفاً ألف كتاب رَاحَة الْقلب وَكتاب الزهر وتاريخ بني الْأَغْلَب

стр. 179

وَمن شعره مَا أنْشدهُ لَهُ أَبُو عَليّ حُسَيْن بن أبي سعيد القيرواني صَاحب الْكتاب المعرب عَن الْمغرب (وَمِمَّا شجا قلبِي بتوزر أنني ... تناءيت عَن دَار الْأَحِبَّة وَالْقصر) (غَرِيبا فليت الله لم يخلق النَّوَى ... وَلم يجر بَين بَيْننَا آخر الدَّهْر) وَمن بنى عمهم عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْأَغْلَب بن سَالم أَبُو الْعَبَّاس وَيعرف هُوَ وَأَبوهُ مُحَمَّد وَعَمه الْأَغْلَب بن عبد الله ببني عبد الله وجده عبد الله الَّذين يعْرفُونَ بِهِ هُوَ أَخُو أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب وَكَانَ عَمه الْأَغْلَب مِمَّن أنهض لِحَرْب مَنْصُور بن نصر الطنبذى أَيَّام زِيَادَة الله ابْن إِبْرَاهِيم فجند لَهُ جنده وَانْهَزَمَ وَولى مُحَمَّد بن عبد الله لزِيَادَة الله الْمَذْكُور صقلية سنة سبع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَفتح بهَا فتوحات وَقد كَانَ زِيَادَة الله أغزاه إِلَيْهَا سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ قبل فتحهَا على يَد أَسد بن الْفُرَات بِنَحْوِ من ثَمَانِي سِنِين فسبى مِنْهَا شَيْئا كثيرا وَانْصَرف ثمَّ وَليهَا ابْنه عبد الله بن مُحَمَّد هَذَا لأبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن الْأَغْلَب بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب الْمَعْرُوف بأبى الغرانيق سنة تسع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ قد ولى قبل ذَلِك بِحِين أطرابلس ثمَّ وَليهَا مرّة أُخْرَى بعد ولَايَة صقيلة وَولى أَيْضا إِمَارَة القيروان وَكَانَ أديباً شَاعِرًا طَالبا للْحَدِيث وَالْفِقْه وَهُوَ الْقَائِل لما أَتَاهُ كتاب عَزله عَن طرابلس يُخَاطب أَبَا هَارُون مُوسَى بن مَرْزُوق صَاحب بريدها وَكَانَ لَهُ صديقا (قد أَتَى فِي الْكتاب مَا قد علمنَا ... من تناء ورحلة وفراق) (وعددنا الْأَيَّام فَهِيَ ثَمَان ... بعد خمس سريعة الإفتراق)

стр. 180

(فَعَلَيْك السَّلَام إِن فراقي ... قد دنا والفراق مر المذاق) وَمن بني أخي الْأَغْلَب بن سَالم ٦٨ - يَعْقُوب بن المضاء بن سوَادَة بن سُفْيَان ابْن سَالم بن عقال التَّمِيمِي كَانَ أَبوهُ من أُمَرَاء بني عَمه الأغالبة وَرغب يَعْقُوب عَن السُّلْطَان وولايته وَانْصَرف إِلَى النّسك وَنزع السوَاد وَأعْرض عَن الدُّنْيَا وَمَال إِلَى الْآخِرَة وَله بنُون يتسبون إِلَيْهِ فَيُقَال لَهُم اليعقوبية وَهُوَ الَّذِي توجه إِلَى الْعَبَّاس مُحَمَّد ابْن الْأَغْلَب الكوسج مَعَ ابْن عَمه خفاجة بن سُفْيَان بن سوَادَة فأصلحا بَينه وَبَين أَخِيه أَحْمد الْقَائِم عَلَيْهِ وأشارا بتأمينه وَقد تفاقم الْخطب بَينهمَا فَقبل ذَلِك مُحَمَّد فِي حَدِيث طَوِيل وَوصل إِلَيْهِ وعاتبه ثمَّ أمره بالتوجه إِلَى الْمشرق فَسَار إِلَى الْعرَاق وَبهَا مَاتَ وَيَعْقُوب هُوَ الْقَائِل (فَإِن تَكُ لمتى كُسِيت بَيَاضًا ... وَبدل لي المشيب من الشَّبَاب) (فقد عمرت ذَا فرع أثيث ... كَأَن سوَاده حنك الْغُرَاب) (فَلَا تعجل رويدك عَن قريب ... كَأَنَّك بالمشيب وبالخضاب) ٦٩ - أَحْمد بن سُفْيَان بن سوَادَة بن سُفْيَان ابْن سَالم بن عقال وعقال هُوَ ابْن خفاجة بن عبد الله بن عباد بن محرث بن سعد بن حزَام

стр. 181

ابْن سعد بن مَالك بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَسَالم بن عقال هُوَ جد الأغالبة وَهُوَ جد هَؤُلَاءِ ولى أَحْمد هَذَا الزاب ثمَّ ولى طرابلس وأعمالها سِنِين كَثِيرَة وَله بهَا أَخْبَار وآثار ووقائع مَشْهُورَة وَكَانَ من الْجنُود بمَكَان رفيع وَهُوَ أَيْضا مِمَّن قَامَ بنصرة أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن الْأَغْلَب على أَخِيه أَحْمد مَعَ أَخِيه خفاجة بن سُفْيَان وَابْن عَمهمَا يَعْقُوب بن المضاء حَتَّى ظفر بِهِ أَبُو الْعَبَّاس وانحفظ سُلْطَانه وَكَذَلِكَ قَامَ أَبوهُ سُفْيَان بن سوَادَة بِأَمْر زِيَادَة الله بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب فِي حروبه وَكَانَ سَبَب ثبات ملكه وَفِي أَحْمد بن سُفْيَان هَذَا يَقُول بكر بن حَمَّاد التاهرتي من قصيدة لَهُ (وقائلة زار الْمُلُوك فَلم يفد ... فياليته زار ابْن سُفْيَان أحمدا) (فَتى يسْخط المَال الَّذِي هُوَ ربه ... ويرضى العوالي والحسام المهندا) وَكَانَ خفاجة بن سُفْيَان أَخُو أَحْمد هَذَا من رجالات بنى عَمه الأغالبة وَهُوَ أكبر سنامنه وَأجل حَالا وَولى صقلية فَأَقَامَ بهَا مُدَّة وَنصر على الرّوم فَلهُ فيهم فتوحات شهيرة وَمن شعره أَحْمد (قربوا الأبلق إِنِّي ... أعرف الْخَيل العتاقا) (وَعَلَيْهَا أصرع الْأَبْطَال ... طَعنا واعتناقا) (أخبط الْأَرْوَاح والأنفس ... بِالرُّمْحِ صَدَاقا) (وأروى من نجيع الْهَام ... أسيافا رقاقا) (تنقع الْأَعْدَاء فِي النَّقْع ... حميما وغساقا) (فَإِذا مَا دارت السّلم ... بِمَا نبغي وفَاقا)

стр. 182

(وأزحنا كل مَا كَانَ ... شقاقاً ونفاقا) (اصطبحناها سلافاً ... وشربناها اغتباقا) (وأدرنا الكاس بِالرَّاحِ ... على الشّرْب دهاقا) وَله أَيْضا من قصيدة أُخْرَى (إِنَّمَا الأبلق حصنى ... ثمَّ رمحى وحسامي) (فِيهِ عز لعشيري ... وَبِه عَنْهُم أحامي) (وَبِه أشفي من الْأَعْدَاء صَدْرِي بانتقام) (أَنا من سر نزار ... وَابْن سَادَات كرام) (أَنا من سعد تَمِيم ... لست من سعد حذام) (أَنا من قد جال ذكرى ... وَجرى بَين الْأَنَام) (باحتمالي كل ثقل ... فِي الملمات الْعِظَام) (وسدادى كل ثغر ... ثمَّ حزمي وقيامي) (أنجبتني السَّادة الصَّيْد ... همام لهمام) (سَالم قد كَانَ جدى ... ثمَّ سُفْيَان المحامي) (أركب الهول بكراتي ... على الْجَيْش اللهام) (أخطف الْأَرْوَاح كالصقر ... لأرواح الْحمام) (تعرف الأنسر بأسى ... فَهِيَ من فَوقِي حوام)

стр. 183

(ميزت فِي الْحَرْب راياتي ... وأرماحي الدوامى) (فَهِيَ حَولي عاكفات ... وَهِي خَلْفي وأمامي) (ترقب الطّعْم الَّذِي عوم ... دتها يَوْم صدامي) (أبدا تعرف مني ... هَكَذَا فِي كل عَام) (فَإِذا مَا آلت السّلم ... وصرنا للمدام) (أَبْصرت عَيْنَاك منا ... أنجماً تَحت الظلام) (يتلاقى ونبدى ... بتحيات السَّلَام) (وننيل الزائر الْمَعْرُوف ... من قبل الْكَلَام) وَمن رجال الأغالبة ٧٠ - مجبر بن إِبْرَاهِيم بن سُفْيَان كَانَ من أهل الشّرف والثروة وولاه إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الأربس وَغَيرهَا وَكَانَ ينادمه لحذقه الْغناء ثمَّ أخرجه إِلَى صقلية وولاه الْعَسْكَر الَّذِي بمسيني وَأَرْض قلورية بعد وقْعَة ميلاص فَخرج فِي شينى يُرِيد قلورية فأسرته الرّوم وَحمل إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَمَاتَ بهَا وَهُوَ الْقَائِل فِي أسره من قصيدة طَوِيلَة بعث بهَا من محبسه عِنْد الرّوم وَرَوَاهَا فِي أَيَّام بنى الْأَغْلَب أَكثر النَّاس

стр. 184

(ألاليت شعري مَا الَّذِي فعل الدَّهْر ... بإخواننا يَا قيروان ياقصر) (وَنحن فَإنَّا طخطختنا رحى النَّوَى ... فَلم يجْتَمع شَمل لنا لَا وَلَا وفر) (رَأينَا وُجُوه الدَّهْر وَهِي عوابس ... بأعين خطب فِي ملاحظها شزر) وَآخر هَذِه القصيدة (لَعَلَّ الَّذِي نجى من الْجب يوسفاً ... وَفرج عَن أَيُّوب إِذْ مَسّه الضّر) (وخلص إِبْرَاهِيم من نَار قومه ... وَأَعْلَى عَصا مُوسَى فذل لَهُ السحر) (يصبر أهل الْأسر فِي طول أسرهم ... على معضلات الْأسر لَا سلم الْأسر) ٧١ - أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمْزَة بن السبال بِالْبَاء بِوَاحِدَة وَاللَّام وَيعرف حَمْزَة بالحرون وَقد تقدم ذكره وَابْنه مُحَمَّد بن حَمْزَة هُوَ الَّذِي وَجهه زِيَادَة الله بن إِبْرَاهِيم للقبض على مَنْصُور الطنبذي بقصره بالمحمدية فكاده وَقتل مُحَمَّد هَذَا فِي وقْعَة سبيبة أَيَّام خلاف مَنْصُور والجند على زِيَادَة الله

стр. 185

وَكَانَ أَحْمد بن مُحَمَّد حاجباً لإِبْرَاهِيم بن أَحْمد ومقدماً عِنْده قد فوض إِلَيْهِ أُمُوره وَولى ابْن عَمه القيروان وَهُوَ من بَيت رئاسة وقيادة مَعَ علم وَاسع وأدب بارع وَمن شعره (لَيْسَ كل الَّذِي يدار علينا ... من أُمُور يُوَافق المقدورا) (قد قضى الله مَا لنا وعلينا ... قبل أَن يبرم الْعَدو الأمورا) ٧٢ - الْحسن بن مَنْصُور بن نَافِع بن عبد الرَّحْمَن بن عَامر ابْن نَافِع بن محمية المسلى الْمذْحِجِي أَبُو عَليّ من بَيت قيادة وإمارة وَكَانَ جد أَبِيه عبد الرَّحْمَن بن عَامر وَابْن عَمه عَامر ابْن إِسْمَاعِيل بن عَامر بن نَافِع مِمَّن قدم مَعَ مُحَمَّد بن الْأَشْعَث الْخُزَاعِيّ من قواد العباسية وَخرج عَمه عَامر بن نَافِع على زِيَادَة الله بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب وَسَيَأْتِي ذكره وعامر بن إِسْمَاعِيل هُوَ الَّذِي قتل مَرْوَان الْجَعْدِي وَكَانَ مقدما عِنْد أبي الْعَبَّاس السفاح وَمن بعده لأجل ذَلِك وَكَانَ الْحسن بن مَنْصُور هَذَا يجمع إِلَى شرف آبَائِهِ وَأهل بَيته علما وَاسِعًا وأدباً كَامِلا وَأَقل مَا تصرف فِيهِ الشّعْر وَكَانَ بَصيرًا باللغة نَافِذا فِي النَّحْو عَالما بأيام الْعَرَب وأخبارها ووقائعها وَأَشْعَارهَا وَهُوَ الْقَائِل يرثى ابْن عَم لَهُ يكنى أَبَا الْفضل من قصيدة طَوِيلَة أَولهَا (حل أَمر لم يغن فِيهِ احتيال ... يقصر الْوَصْف دونه والمقال) (كَانَ من قبله الْبكاء حَرَامًا ... وَهُوَ من بعد للعيون حَلَال)

стр. 186

وَمِنْهَا (يَا أَبَا الْفضل حَملتنِي المنايا ... مِنْك مَالا تقوى عَلَيْهِ الْجمال) (وَكَأَنِّي لما تضمنك اللَّحْد ... يَمِين قد فارقتها الشمَال) وَله (يَا قاتلي ظلما ألم تخش مَا ... جَاءَ بِهِ التَّنْزِيل والآي) (وأيت بالوعد فَمَا ضركم ... لَو صدق الميعاد والواى) (نأيت عني فتبدلتني ... كَذَا لعمري يفعل الناي) (فَإِن يكن هجري من رَأْيكُمْ ... فَلَيْسَ لي فِي هجركم رأى) وَله يُخَاطب ابْن عَمه أَبَا الْعَرَب بن عَامر بن نَافِع (يَا من سما للمكرمات فحازها ... وغذا وَأصْبح للسماح مليكا) (إِن الْإِلَه بمنه وبفضله ... جمع المكارم والمفاخر فيكا) (أشبهت آبَاء كراماً سادة ... بيض الْوُجُوه معظمين ملوكاً) (وَجه إِلَيْنَا بالمسبح إِنَّنِي ... تفديك نَفسِي قد ضمنت الديكا) ولهذه الأبيات قصَّة ذكرهَا صَاحب الْكتاب المعرب عَن أَبنَاء الْمغرب

стр. 187

٧٣ - عبد الله بن الصَّائِغ الْمَعْرُوف بِصَاحِب الْبَرِيد أحد وُلَاة زِيَادَة الله بن عبد الله آخر مُلُوك بنى الْأَغْلَب وَأَصْحَابه المخصوصين بلطف الْمنزلَة عِنْده وَتغَير عَلَيْهِ آخرا فَقتله بطرابلس عِنْد انْتِقَاض دولته وهربه إِلَى مصر أَمَام الشيعي فِي سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَقد تقدم من خَبره وَمن شعره مَا أغْنى عَن إِعَادَته وَهُوَ االقائل أَيْضا (رَأَيْت دجناً فَقلت الراح أشبه بِي ... فَقُمْ بِنَا أَيهَا المخمور نصطبح) (فَقَامَ يمسح وَجها كُله قمر ... وَقمت ألثمه من شدَّة الْفَرح) وَله (طالعتني طوالع الشوق لما ... أَن بدا الْبَدْر فِي مِثَال طلوعك) (يَا غزالاً أقسى من الصخر قلباً ... لَيْت قلبِي يبيت بَين ضلوعك) (أَنا أرْضى أَن أقبل نعليك ... على قبح مَا بدا من صنيعك) وَله (إِذا قلت زرني قَالَ قَالُوا وشنعوا ... ترى هَكَذَا من كَانَ فِينَا يصدق) (فيا كَبِدِي رقى على الكبد الَّتِي ... أَقَامَت على عهد الْهوى وَهِي تحرق) (كَأَنِّي إِذا مَا اللَّيْل أرْخى سدوله ... بقلبي إِلَى بعض النُّجُوم مُعَلّق)

стр. 188

أول مُلُوك الشِّيعَة االناجمين فِي آخر هَذِه الْمِائَة ٧٤ - عبيد الله الملقب بالمهدي أَبُو مُحَمَّد قَالَ الرَّازِيّ اخْتلف النَّاس فِي نسب عبيد الله فَقَالَ قوم هُوَ عبيد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْبَصْرِيّ من مَدِينَة سلمية وَزعم هُوَ أَنه عبيد الله ابْن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ وَأخْبرنَا الثِّقَة عَن أبي الْقَاسِم أَحْمد بن إِسْمَاعِيل الرسى الحسني انه قَالَ بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مَا عبيد الله منا وَلَا أَقُول هَذَا لما فعل فقد فعل من لَا يشك فِي نسبه أَكثر من فعله وأشنع وَقَالَ أَبُو بكر بن الطّيب الباقلاني وَذكر عبيد الله وبنيه هم أدعياء إِذْ هم بَنو عبيد الله بن مَيْمُون القداح ادعوا إِلَى عَليّ بن أبي طَالب وَذكر لَهُم قصَّة طَوِيلَة وَأهل مصر يصححون نسبهم وَذكر ابْن أبي الطَّاهِر فِي أَخْبَار بَغْدَاد أَن اسْم الْخَارِج بالقيروان عبيد

стр. 189

الله بن عبد الله بن سَالم مولى مكرم بن سندان الْبَاهِلِيّ صَاحب شَرط زِيَاد الْمَنْسُوب إِلَيْهِ عَسْكَر مكرم فانتقل عبد الله بن سَالم إِلَى سلمية وَكَانَ وَكيلا للتجار وَقيل كَانَ يَبِيع الصفر ويتشيع فَلَمَّا خرج القرمطي بِالشَّام أضرّ بِهِ وطالبة فهرب إِلَى مصر ثمَّ إِلَى الْمغرب وَكَانَ يعرف بِابْن الْبَصْرِيّ قَالَ الرَّازِيّ وَدخل مَعَه يَعْنِي القيروان ابْنه مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِأبي الْقَاسِم وَاخْتلفُوا فِي اسْمه وَنسبه فطائفة قَالَت عبد الرَّحْمَن ابْنه وَطَائِفَة قَالَت مُحَمَّد ربيبه وَيُقَال إِن عبيد الله من بني حسن بن عَليّ وَأَن أَبَا الْقَاسِم الْقَائِم بعده من بني الْحُسَيْن بن عَليّ إسماعيلي تزوج عبيد الله أمه وَهِي رُومِية تسمى لعب وَقيل فِي اسْم أبي الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد كَمَا تقدم وَقيل حسن ويكنى أَبَا جَعْفَر خرج بِهِ عبيد الله من الشَّام يتَصَدَّى للسُّلْطَان ويخاطر فِي طلب الْملك قَاصِدا الْمغرب وَعبيد الله إِذْ ذَاك شَاب عِنْد كَمَاله وَخرج مَعَه خاصته وثقات رِجَاله وَلما انْتهى إِلَى مصر أمل أَن يقْصد الْيمن ثمَّ كره ذَلِك فَخرج من مصر فِي زِيّ التُّجَّار وخلص من يَد عاملها فِي قصَّة طَوِيلَة وانْتهى إِلَى سجلماسة فدان لَهُ الْمغرب وَاجْتمعت عَلَيْهِ البربر وزحف داعيته أَبُو عبد الله الشيعي بهم إِلَى زِيَادَة الله الأغلبي فَكسر جَيْشه فِي سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ حَسْبَمَا ذكر قبل فهرب زِيَادَة الله إِلَى مصر وبويع لِعبيد الله بر قادة يَوْم الْجُمُعَة لتسْع بَقينَ من شهر ربيع الآخر سنة سبع وَتِسْعين وَكَانَ وُصُوله إِلَيْهَا يَوْم الْخَمِيس قبله ودعى لَهُ بِالْإِمَامَةِ وَفِي هَذِه السّنة انقرض ملك بني الْأَغْلَب بعد مائَة سنة واثنتي عشرَة سنة

стр. 190

وَملك بنى مدرار بسجلماسة بعد مائَة سنة وَسِتِّينَ سنة وَملك بني رستم بتاهرت عَن مائَة وَثَلَاثِينَ سنة وَكَثُرت السعايات بِأبي عبد الله الشيعي وَهُوَ الَّذِي مهد لملك عبيد الله وَشد سُلْطَانه مجالداً ومجادلاً فَقتله وأخاه أَبَا الْعَبَّاس يَوْم الثُّلَاثَاء مستهل ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَتِسْعين وَأمر بدفنهما فِي بُسْتَان الْقصر ثمَّ ابْتَدَأَ بِنَاء المهدية يَوْم السبت لخمس خلون من ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وثلثمائة وارتاد موَاضعهَا وَقصد التحصين بهَا على أهل بَيته لما كَانُوا يتحدثون بِهِ من ظُهُور أَبى يزِيد الْخَارِج عَلَيْهِم وعيثه فِي ملكهم فَكَانَ ذَلِك وَفِي بنائها يَقُول بعض شعراء إفريقية (خطت بأرجاء المغارب دَار ... دَانَتْ لَهَا الْأَمْصَار والأقطار) (لانت بِبرد المَاء لما أيقنت ... أَن الْقُلُوب على الْحُسَيْن حرار) وَكَانَ انْتِقَال عبيد الله إِلَيْهَا فِي شَوَّال سنة ثَمَان وثلاثمائة بعد أَن ملك إفريقية وأعمال الْمغرب وطرابلس وبرقة وصقلية وسير ولى عَهده أَبَا الْقَاسِم إِلَى مصر دفعتين الأولى فِي سنة إِحْدَى وثلاثمائة فَملك الْإسْكَنْدَريَّة والفيوم وجبى خراجهما وخراج بعض أَعمال الصَّعِيد وَعَاد إِلَى الْمغرب فِي سنة اثْنَتَيْنِ وثلاثمائة وَالثَّانيَِة سنة سِتّ وثلاثمائة فَملك الْإسْكَنْدَريَّة أَيْضا وَلم يزل سُلْطَانه يتمهد وظهوره يتزيد إِلَى أَن توفّي منتصف شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة فَكَانَت ولَايَته مُنْذُ وصل إِلَى رقادة وبويع بهَا إِلَى يَوْم وَفَاته أَرْبعا وَعشْرين سنة وشهراً وَعشْرين يَوْمًا وَقيل كَانَت خِلَافَته من يَوْم ظُهُوره بسجلماسة فِي أول ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَتِسْعين

стр. 191

وَمِائَتَيْنِ وفيهَا سلم عَلَيْهِ بالخلافة إِلَى يَوْم وَفَاته بالمهدية خمْسا وَعشْرين سنة وَثَلَاثَة أشهر وَثَلَاثَة أَيَّام وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سنة مولده سلمية وَقيل بِبَغْدَاد سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ ومولد أبي الْقَاسِم ابْنه سنة تسع وَسبعين وَقيل سنة ثَمَانِينَ وَكَانَ مَعَ نجدته وشهامته مفوها فصيحا عَالما أدبيا قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ لما تغلب عبيد الله الشبعي كتب إِلَى أهل الْمغرب يَدعُوهُم إِلَى الدُّخُول فِي طَاعَته والتدبر بإمامته وَكتب بِمثل ذَلِك إِلَى سعيد بن صَالح وَكَانَ والياً على نكور وَمَا إِلَيْهَا من أَعمال الْمغرب لبنى مَرْوَان وَكتب فِي أَسْفَل كِتَابه أبياتا كَثِيرَة مِنْهَا

стр. 192

(فَإِن تستقيموا أستقم لصلاحكم ... وَإِن تعدلوا عني أرى قتلكم عدلا) (وأعلو بسيفي قاهراً لسيوفكم ... وأدخلها عفوا وأملؤها عدلا) قَالَ فَأَجَابَهُ رجل من شعراء الأندلس من أهل طليطلة يعرف بالأخمش أمره سعيد بن صَالح بذلك (كذبت وَبَيت الله لَا تحسن العدلا ... وَلَا علم الرَّحْمَن من قَوْلك الفصلا) (وَمَا أَنْت إِلَّا جَاهِل ومنافق ... تمثل للجهال فِي السّنة المثلى) (وهمتنا الْعليا لدين مُحَمَّد ... وَقد جعل الرَّحْمَن همتك السُّفْلى) وَكَانَ عبيد الله إِذا رأى ابْنه أَبَا الْقَاسِم وَنظر إِلَيْهِ فسربه يَقُول (مبارك الطلعة ميمونها ... يصلح للدنيا وللدين) ٧٥ - أَبُو عبد الله الشيعي دَاعِيَة عبيد الله الْمهْدي كَانَ مَعَ قوده الجيوش وخوضه الحروب عَالما أديباً شَاعِرًا وَهُوَ الَّذِي حَارب جَيش زِيَادَة الله بن الْأَغْلَب وهزمه نَائِبا عَن عبيد الله وناصراً لمذهبه وداعياً إِلَى دَعوته وزحف إِلَى القيروان ونازلها ونها جُمْهُور أجناد إفريقية فَدَخلَهَا وَاسْتولى على رقادة دَار ملك الأغالبة حِينَئِذٍ وعَلى أَعمال إفريقية

стр. 193

وَقدم عبيد الله بعد ذَلِك من سجلماسة فبويع لَهُ وقوى أمره وَاشْتَدَّ سُلْطَانه وَلم يلبث أَن قَتله وأخاه أَبَا الْعَبَّاس وَكَانَ أكبر مِنْهُ كَمَا تقدم وصف ذَلِك تولى قَتلهمَا عرُوبَة الكتامي ثمَّ قتل عرُوبَة هَذَا منافقاً واستؤصل أهل بَيته فِي أَيَّام عبيد الله وَأَبُو عبد الله الشيعي هُوَ الْقَائِل بعد إِيقَاعه بِجَيْش بنى الْأَغْلَب (من كَانَ مغتبطاً بلين حشية ... فحشيتي وأريكتي سرجى) (من كَانَ يُعجبهُ ويبهجه ... نفر الدفوف وَرَنَّة الصنج) (فَإنَّا الَّذِي لَا شَيْء يُعجبنِي ... إِلَّا اقتحامي لجة الرهج) (سل عَن خميسي إِذْ طلعت بِهِ ... يَوْم الْخَمِيس ضحى على الْفَج) الْبَيْت الأول من هَذِه الْقطعَة كَقَوْل امرىء الْقَيْس (يَا رب غانيه صدمت حبالها ... ومشيت متئداً على رُسُلِي) وأبيات القصيدة كلهَا على خلاف ذَلِك وكقول الآخر وَيسْتَشْهد بِهِ العروضيون

стр. 194

(لمن الديار برامتين فعاقل ... درست وَغير آيها الْقطر) وَهِي من الضَّرْب الأمذ الْمُضمر من ضروب الْعرُوض الأول من أعاريض الْكَامِل وَعَكسه وَهُوَ من الشاذ (ولنعم حَشْو الدرْع أَنْت إِذا ... نهلت من العلق الرماح وعلت)

стр. 195

الْمِائَة الرَّابِعَة ٧٦ - عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد النَّاصِر لدين الله أَبُو الْمطرف هُوَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الحكم بن هِشَام بن عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان أعظم بني أُميَّة بالمغرب سُلْطَانا وأفخمهم فِي الْقَدِيم والْحَدِيث شانا وأطولهم فِي الْخلَافَة بل أطول مُلُوك الْإِسْلَام قبله مُدَّة وزماناً ولى بقرطبة يَوْم الْخَمِيس مستهل شهر ربيع الأول سنة ثَلَاثمِائَة عِنْد وَفَاة جده الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد وَتُوفِّي فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لليلتين خلتا من شهر رَمَضَان سنة خمسين وثلاثمائة فَكَانَت خِلَافَته خمسين سنة وَسِتَّة أشهر وَثَلَاثَة أَيَّام لم يبلغهَا خَليفَة قبله وقارب أَن يلْحق فِيهَا شأوه الْقَادِر بِاللَّه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن إِسْحَاق بن المقتدر الْمُجْتَمع عَلَيْهِ بالمشرق فِي آخر هَذِه الْمِائَة الرَّابِعَة فَإِنَّهُ بلغ فِي الْخلَافَة ثَلَاثًا وَأَرْبَعين سنة وَقيل أقل ثمَّ ابْنه الْقَائِم بِاللَّه أَبُو جَعْفَر عبد الله بن أَحْمد الْقَادِر بلغ فِي ولَايَته أَرْبعا وَأَرْبَعين سنة وَثَمَانِية أشهر وأياماً وَمن هَؤُلَاءِ العباسيين الْمُتَأَخِّرين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد النَّاصِر لدين الله بن المستضىء

стр. 196

بِاللَّه أَبى مُحَمَّد الْحسن بلغ فِي ولَايَته سبعا وَأَرْبَعين سنة وبويع لَهُ فِي ذِي الْقعدَة سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة وقرأت فِي كتاب أبي الْحُسَيْن بن أبي السرُور الروحي الإسكندري فِي أَخْبَار مُلُوك العبيدية أَن الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبَا تَمِيم سعد بن عَليّ بن الظَّاهِر بن الْحَاكِم بلغ فِي ولَايَته بِمصْر سِتِّينَ سنة وأشهراً فأربى على هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاء وَتسَمى النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بأمير الْمُؤمنِينَ بعد سِنِين من خِلَافَته لما ضعف سُلْطَان العباسية بالمشرق وغلبت عَلَيْهِم الأتراك وَادعت الشِّيعَة مَا شَاءَت بإفريقية وساعدتهم عَلَيْهِ قبائل الْبر بر وَأصْبح النَّاس فِي الْآفَاق فوضى وَكَانَ من قبله من آبَائِهِ يدعونَ بالأمراء وَظهر لأوّل ولَايَته من يمن طَائِره وسعادة جده واتساع ملكه وَقُوَّة سُلْطَانه وإقبال دولته وخمود نَار الْفِتْنَة على اضطرامها بِكُل جِهَة

стр. 197

وانقياد العصاة لطاعته مَا تعجز عَن تصَوره الأوهام وتكل فِي تحبيره الأقلام وقيض لَهُ من ابْنه وَولى عَهده الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه الْمَدْعُو بأمير الْمُؤمنِينَ بعده من زَان ملكه وَزَاد فِي أبهته وَقَامَ بأَمْره أحسن قيام فكمل جَلَاله وَجل كَمَاله وَكَانَ النَّاصِر على عَلَاء جَانِبه واستيلاء هيبته يرتاح للشعر وينبسط إِلَى أَهله وَيُرَاجع من خاطبه بِهِ من خاصته قَالَ أَبُو عمر أَحْمد بن مُحَمَّد بن فرج صَاحب كتاب الحدائق حَدثنِي أَبُو بكر إِسْمَاعِيل بن بدر أَنه خَاطب أَمِير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر لدين الله عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد ﵀ فِي غزَاة كَانَ آلى أَلا يأنس فِيهَا بمنادمة أحد حَتَّى يفْتَتح معقلاً فَافْتتحَ معقلاً بعد آخر وَتَمَادَى على عزمه فِي العزوف عَن المنادمة فَذكر أَنه كتب إِلَيْهِ (لقد حلت حميا الراح عِنْدِي ... وَطَابَتْ بعد فتحك معقلين) (وآذن كل هم بانفراج ... وَأَن يقْضِي غَرِيم كل دين) قَالَ فَلم يحركه مَا خاطبته بِهِ فعاودته بالمخاطبة فَقلت (يَا ملكا رَأْيه ضِيَاء ... فِي كل خطب ألم داج) (من لي بِيَوْم بِهِ فرَاغ ... لَيْسَ أَخُو حربه بناج)

стр. 198

(بِكُل بَيْضَاء من رَآهَا ... يحسبها شعلة السراج) (لَا تنس مَوْلَاك فِي وغاه ... واذكره فِي حومة الْهياج) فَذكر أَنه جاوبه بقوله (كَيفَ وأنى لمن يناجى ... من لوعة الْهم مَا أناجى) (يطْمع أَن يستريح وقتا ... أَو يقتل الراح بالمزاج) (لَو حمل الصخر بعض شجوى ... عَاد إِلَى رقة الزّجاج) (كنت لما قد علمت الهول ... إِذْ أَنا مِمَّا شَكَوْت نَاجٍ) (فصرت للبين فِي علاج ... طم وأربى على العلاج) (الْورْد مِمَّا يهيج حزنى ... وَيبْعَث السوسن اهتياجي) (أرى ليَالِي بعد حسن ... أقبح من أوجه سماج) (لَا ترج مِمَّا أردْت شَيْئا ... أَو يُؤذن الْهم بانفراج) ٧٧ - ابْنه الحكم بن عبد الرَّحْمَن الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبُو العَاصِي ولى بعده الْخلَافَة وَهُوَ ابْن سبع وَأَرْبَعين سنة وَقيل ابْن ثَمَان وَأَرْبَعين سنة وشهرين ويومين وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس لثلاث خلون من رَمَضَان سنة خمسين وثلاثمائة وَتُوفِّي لليلتين خلتا من صفر سنة سِتّ وَسِتِّينَ فَكَانَت خِلَافَته خمس عشرَة سنة وَخَمْسَة أشهر وَثَلَاثَة أَيَّام استغرقت خلَافَة أَبِيه الطَّوِيلَة عمره حَتَّى كَانَ يَقُول لَهُ فِيمَا يحْكى عَنهُ لقد طولنا عَلَيْك يَا أَبَا العاصى وَكَانَ حسن السِّيرَة فَاضلا عادلاً مشغوفاً بالعلوم حَرِيصًا على اقتناء دواوينها يبْعَث فِيهَا إِلَى الأقطار والبلدان ويبذل فِي أعلاقها ودفاترها أنفس

стр. 199

الْأَثْمَان ونفق ذَلِك لَدَيْهِ فَحملت من كل جِهَة إِلَيْهِ وَالْملك سوق مَا نفق فِيهَا جلب إِلَيْهَا حَتَّى غصت بهَا بيونه وَضَاقَتْ عَنْهَا خزائنه قَالَ ابْن حَيَّان عِنْد ذكر الحكم كَانَ من أهل الدّين وَالْعلم رَاغِبًا فِي جمع الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة من الْفِقْه والْحَدِيث وفنون الْعلم باحثاً عَن الْأَنْسَاب حَرِيصًا على تأليف قبائل الْعَرَب وإلحاق من درس نسبه أَو جَهله بقبيلته الَّتِي هُوَ مِنْهَا مستجلباً للْعُلَمَاء ورواة الحَدِيث من جَمِيع الْآفَاق يُشَاهد مجَالِس الْعلمَاء وَيسمع مِنْهُم ويروى عَنْهُم وَكَانَ أَخُوهُ عبد الله الْمَعْرُوف بِالْوَلَدِ على مثل هَذِه الْحَالة من الْمحبَّة فِي الْعلم وَالْعُلَمَاء وَالرِّوَايَة وَتُوفِّي فِي حَيَاة أَبِيه مقتولاً فتصيرت كتبه إِلَى أَخِيه الحكم وَلم يسمع فِي الْإِسْلَام بخليفة بلغ مبلغ الحكم فِي اقتناء الْكتب والدواوين وإيثارها والتهمم بهَا أَفَاء على الْعلم ونوه بأَهْله وَرغب النَّاس فِي طلبه ووصلت عطاياه وَصلَاته إِلَى فُقَهَاء الْأَمْصَار النائية عَنهُ وَمِنْهُم أَبُو إِسْحَاق مُحَمَّد ابْن الْقَاسِم بن شعْبَان بِمصْر وَأَبُو عمر مُحَمَّد بن يُوسُف بن يَعْقُوب الكندى وَغَيرهمَا جرى ذكر هَذَا فِي كتب تواريخهم وَبعث إِلَى أَبى الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ الْقرشِي المرواني ألف دِينَار عينا ذَهَبا وخاطبه يلْتَمس مِنْهُ نُسْخَة من كِتَابه الَّذِي أَلفه فِي الأغاني وَمَا لأحد مثله

стр. 200

وَوصل بذلك المَال رَحمَه إِذْ كَانَ قسيمه فِي المروانية وَمن ولد مَرْوَان بن مُحَمَّد آخر الْخُلَفَاء الأمويين بالمشرق فَأرْسل إِلَيْهِ مِنْهُ نُسْخَة حَسَنَة منقحة قبل أَن يظْهر الْكتاب لأهل الْعرَاق أَو ينسخه أحد مِنْهُم وَألف لَهُ أَيْضا أَنْسَاب قومه بني أُميَّة موشحة بمناقبهم وَأَسْمَاء رِجَالهمْ فَأحْسن فِيهِ جدا وخلد لَهُم مجداً وَأرْسل بِهِ إِلَى قرطبة وأنفذ مَعَه قصيدة حَسَنَة من شعره وَكَانَ محسناً يمدحه بهَا وَيذكر مجد قومه بني أُميَّة وفخرهم على سَائِر قُرَيْش فجدد لَهُ عَلَيْهِ الصِّلَة الجزيلة وَكَانَ لَهُ وراقون بأقطار الْبِلَاد ينتخبون لَهُ غرائب التواليف وَرِجَال يوجههم إِلَى الْآفَاق عَنْهَا وَمن وراقيه بِبَغْدَاد مُحَمَّد بن طرخان وَمن أهل الْمشرق والأندلس جمَاعَة وَكَانَ مَعَ هَذَا كثير التهمم بكتبه والتصحيح لَهَا والمطالعة لفوائدها وقلما تَجِد لَهُ كتابا كَانَ فِي خزانته إِلَّا وَله فِيهِ قِرَاءَة وَنظر من أَي فن كَانَ من فنون الْعلم يَقْرَؤُهُ وَيكْتب فِيهِ بِخَطِّهِ إِمَّا فِي أَوله أَو آخِره أَو فِي تضاعيفه نسب الْمُؤلف ومولده ووفاته والتعريف بِهِ وَيذكر أَنْسَاب الروَاة لَهُ وَيَأْتِي من ذَلِك بِغَرَائِب لَا تكَاد تُوجد إِلَّا عِنْده لِكَثْرَة مطالعته وعنايته بِهَذَا الْفَنّ وَكَانَ موثوقاً بِهِ مَأْمُونا عَلَيْهِ صَار كل مَا كتبه حجَّة عِنْد شيونج الأندلسيين وأئمتهم ينقلونه من خطه ويحاضرون بِهِ قلت وَقد اجْتمع لي من ذَلِك جُزْء مُفِيد مِمَّا وجد بِخَطِّهِ وَوجدت أَنه يشْتَمل على فَوَائِد جمة فِي أَنْوَاع شَتَّى قَالَ وَكَانَ قد قيد كثيرا من أَنْسَاب أهل بَلَده وكلف أهل كور الأندلس أَن يلْحقُوا كل عَرَبِيّ أخمل ذكره قبل ولَايَته وَأَن يصحح

стр. 201

نسبهم أهل الْمعرفَة بذلك ويؤلف من الْكتب وَيرد كل ذِي نسب إِلَى نسبه وَفرج ذَلِك بِالْعلمِ فتم لَهُ من ذَلِك مَا أَرَادَ ونفع الله بكرم قَصده الْبِلَاد والعباد وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي كتاب جمهرة الْأَنْسَاب من تأليفه وَذكر الحكم اتَّصَلت ولَايَته خَمْسَة عشر عَاما فِي هدوء وعلو وَكَانَ رَفِيقًا بالرعية محباً فِي الْعلم مَلأ الأندلس بِجَمِيعِ كتب الْعُلُوم وَأَخْبرنِي تليد الْفَتى وَكَانَ على خزانَة الْعُلُوم بقصر بني مَرْوَان بالأندلس أَن عدد الفهارس الَّتِي كَانَت فِيهَا تَسْمِيَة الْكتب أَربع وَأَرْبَعُونَ فهرسة فِي كل فهرسة خَمْسُونَ ورقة لَيْسَ فِيهَا إِلَّا ذكر أَسمَاء الدَّوَاوِين فَقَط قَالَ وَلم يعقب إِلَّا هشاماً الْوَالِي بعده وَقد انقرض وَلَا عقب لَهُ وَلَا لِأَبِيهِ وَذكر الْحميدِي فِي تَارِيخه أَن الحكم رام قطع الْخمر من الأندلس فَأمر بإراقتها وتشدد فِي ذَلِك وشاور فِي استئصال شَجَرَة الْعِنَب من جَمِيع أَعماله فَقيل إِنَّهُم يعملونها من التِّين وَغَيره فتوقف عَن ذَلِك وَمن شعره (عجبت وَقد ودعتها كَيفَ لم أمت ... وَكَيف انْثَنَتْ عِنْد الْفِرَاق يَدي معي) (فيا مقلتي العبري عَلَيْهَا اسكبي دَمًا ... وَيَا كَبِدِي الحرى عَلَيْهَا تقطعي)

стр. 202

قَالَ ابْن حَيَّان وعَلى إطباق أهل وقته فِي نزارة جنى أدبه فقد أَنْشدني الْفَقِيه أَبُو عَليّ الْحسن بن أَيُّوب الْحداد لَهُ بَيْتِي شعر ارتجلهما يَوْم ودعته حظيته أم هِشَام لما خرج لغزوته الفذة الْمَعْرُوفَة بشنت اشتبين فَأَكْثَرت من التَّعَلُّق بِهِ والوله لفراقه وَكَانَ شَدِيد الكلف بهَا وَذكر الْبَيْتَيْنِ قلت وَقد قَرَأت فِي مَا يرْوى لمهيار الديلمى (وَمن عجب أَنِّي أحن إِلَيْهِم ... وأسأل شوقاً عَنْهُم وهم معي) (وتبكى دَمًا عَيْني وهم فِي سوادها ... ويشكو الْهوى قلبِي وهم بَين أضلعي) (فيا مقلتي العبرى أفيضي عَلَيْهِم ... وَيَا كَبِدِي الحرى عَلَيْهِم تقطعي) فَلَا أَدْرِي أوافق الحكم فِي بَيته الْأَخير أم سَرقه وَغَيره كَمَا ترى وَقَالَ أَبُو الطَّاهِر مُحَمَّد بن يُوسُف التَّمِيمِي الْمَعْرُوف بالاشتركوني صَاحب

стр. 203

المقامات اللزومية فِي مَا جمع من شعر أبي بكر بن عمار وَزِير بني عباد وَمِمَّا ينْسب إِلَيْهِ وَذكر الْبَيْتَيْنِ (وَمن عجبني أَنِّي أحن إِلَيْهِم ... ) وَالَّذِي بعده لم يزدْ عَلَيْهِمَا وقرأت فِي كتاب الحدائق لِابْنِ فرج قَوْله بعد إِيرَاده جملَة من أشعار الْخُلَفَاء االأموية وهم يجلون عَن الشّعْر أقدارهم كَمَا يرتفعون عَن أَن يرْوى عَنْهُم أَو يُؤْخَذ من أَقْوَالهم وَإِنَّمَا ينبسطون بِهِ فِي سرائرهم فَلَيْسَ يظْهر عَلَيْهِم مِنْهُ إِلَّا الشاذ الْقَلِيل وَلَعَلَّ مَا سقط عَنَّا أفضل مِمَّا سقط إِلَيْنَا فَأَما أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَطَالَ الله بَقَاءَهُ فَهُوَ فرق أَن يعلن بِهِ أَو ينشر اسْمه عَلَيْهِ وَلَعَلَّ لَهُ مِنْهُ مَا لَا نعرفه فَأَما الأدوات الَّتِي يُقَال بهَا بل الَّتِي يحْتَاج كل علم إِلَيْهَا فَهِيَ مَعَه بأزيد مِمَّا كَانَت لأحد قبله أَو تكون لأحد بعده وَهَذَا الَّذِي قَالَ غير مُسلم لَهُ وَلَا مَقْبُول مِنْهُ بل إكثار الْمُلُوك من الشّعْر دَال على قُوَّة عارضتهم وسعة ذرعهم وحاكم بمعانة مادتهم وَتمكن تصرفهم وَلَوْلَا ذَلِك لما فضل ابْن المعتز أهل بَيته بالإبداع فِي أَنْوَاع القريض وَكَذَلِكَ تَمِيم بن الْمعز المتقيل أَثَره فِي الْإِكْثَار والإتيان بِمَا قيد وخلد من بَدَائِع الْأَشْعَار وَلَا أبلغ من الِاحْتِجَاج وأقطع للخصم المتناهى اللجاج مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ مَوْلَانَا من تحبير الغرائب وتسيير الْكَلم الغر أثْنَاء الْمَشَارِق والمغارب وهوالبرهان على رحب المجال وَتَحْصِيل أَسبَاب الْفضل وأشتات الْكَمَال لَا زَالَ سلطنه يبخع لَهُ بِالطَّاعَةِ ويدان وزمانه يشرق بمحاسنه الباهرة ويزدان

стр. 204

٧٨ - عبد الله بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر أَبُو مُحَمَّد قَتله أَبوهُ عبد الرَّحْمَن لمنافسته أَخَاهُ الحكم ولى عَهده وَكَانَ من نجباء أَوْلَاد الْخُلَفَاء محبا فِي الْعلم وَالْعُلَمَاء سمع من جملَة مِنْهُم وَحدث فِي اللف عَنْهُم وَله تواليف تدل على علمه وفهمه وَتشهد بشرف ذَاته وَكَمَال أدواته مِنْهَا كتاب العليل والقتيل فِي أَخْبَار ولد الْعَبَّاس انْتهى بِهِ إِلَى خلَافَة الراضي ابْن المقتدر وَمِنْهَا المسكتة فِي فَضَائِل بقى بن مخلد قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم كَانَ فَقِيها شافعياً شَاعِرًا أخبارياً متنسكاً وَمن شعره (أما فُؤَادِي فكاتم ألمه ... لَو لم يبح ناظري بِمَا كتمه) (مَا أوضح السقم فِي ملاحظ من ... يهوى وَإِن كَانَ كَاتِما سقمه) (ظللت أبكى وظل يعذلني ... من لم يُقَاس الْهوى وَلَا علمه) (إِلَيْك عَن عاشق بَكَى أسفا ... حَبِيبه فِي الْهوى وَإِن ظلمه) (ظلت جيوش الأسى تُقَاتِلهُ ... مذ نذرت أعين الملاح دَمه) وَحكى أَبُو عمر بن عفيف فِي تَارِيخه الَّذِي هذبه ابْن حَيَّان وانتخبه قَالَ وَكَانَ الْأَمِير الحكم بن النَّاصِر لدين الله ولى عهد الْمُسلمين وَأَخُوهُ عبد الله هَذَا يتباريان فِي طلب الْعلم ويتناغيان فِي جمعه ويتبادران إِلَى اصطناع أَهله واختصاص رِجَاله وإدناء مَنَازِلهمْ وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم فَكَانَ ابْن عبد الْبر

стр. 205

يَعْنِي أَحْمد بن مُحَمَّد صَاحب التَّارِيخ مِمَّن تميز فِي حزب عبد الله واختص بِهِ حَتَّى لَا يكَاد يُفَارِقهُ فسعي إِلَى ب الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله بِابْنِهِ عبد الله هَذَا وَرفع عَلَيْهِ أَنه يُرِيد خلعة وَيَدْعُو إِلَى الْقيام مَعَه وَأَن جماعات من طَبَقَات النَّاس دخلُوا فِي ذَلِك مَعَه وَأَنَّهُمْ على أَن يثوروا بِهِ فِي يَوْم عبد قد اقْترب إِلَيْهِ فَأرْسل النَّاصِر فِي اللَّيْل بِمن قبض على وَلَده عبد الله وحبسه فَألْقى عِنْده فِي تِلْكَ اللَّيْلَة هَذَا الْفَقِيه أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْبر وفقيهاً آخر من أَصْحَابه يعرف بِصَاحِب الوردة وَهُوَ أَحْمد بن عبد الله بن الْعَطَّار كَانَا بائنين عِنْده فأخذا وحملا إِلَى الزهراء حَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر بِأَسْفَل قرطبة فَأمر بسجنهما وَعرف الوزراء بِخَبَر وَلَده عبد الله وكشف لَهُم عَظِيم مَا أَرَادَ أَن يحدثه عَلَيْهِ وعَلى الْمُسلمين فِيهِ وتبرأ مِنْهُ وأعلمهم بمسارعته إِلَى الْقَبْض عَلَيْهِ ووجدان رسله هذَيْن الفقيهين النطفين بائتين عِنْده وَقَالَ لَهُم مَا أعجب إِلَّا من مَكَان ابْن الْعَطَّار عِنْده مَا الَّذِي أدخلهُ فِي هَذَا مَعَ غباوته وَقلة شَره وَأما ابْن عبد الْبر فَأَنا أعلم أَنه

стр. 206

الَّذِي زين لهَذَا الْعَاق ذَلِك ليَكُون قَاضِي الْجَمَاعَة ويأبى الله ذَلِك فهنأوه بالسلامة ودعوا الله لَهُ وعزم النَّاصِر على أَن يُعَاقب ابْن عبد الْبر يَوْم الْعِيد عيد الْأَضْحَى الَّذِي كَانَ التَّدْبِير عَلَيْهِ فِيهِ فَأصْبح ابْن عبد الْبر يَوْم الْعِيد نَفسه مَيتا فِي السجْن وَأسلم إِلَى أَهله فَدفن بمقبرة الربض وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة ٧٩ - عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر أَبُو الْأَصْبَغ كَانَ أديباً شَاعِرًا ظَهرت مِنْهُ نجابة فِي صغره وَحكى أَن أول لوح كتبه عِنْد دُخُوله الْكتاب بعث بِهِ إِلَى أَخِيه الحكم الْمُسْتَنْصر وَكتب إِلَيْهِ من شعره (هاك يَا مولَايَ خطا ... مطه فِي اللَّوْح مطا) (ابْن سبع فِي سنيه ... لم يطق للوح ضبطا) (دمت يَا مولَايَ حَتَّى ... يُولد ابْن ابْنك سبطا) ٨٠ - مُحَمَّد بن عبد الْملك بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر هُوَ وَالِد الخليفتين فِي الْفِتْنَة أَبى الْمطرف عبد الرَّحْمَن الملقب بالمرتضى

стр. 207

وأبى بكر هِشَام الملقب بالمعتد آخر خلفاء بني أُميَّة بالأندلس على رحيله انقرضوا فَلم يعد ملكهم إِلَى الْيَوْم ولى فِي شهر ربيع الأول سنة ثَمَان عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ أسن من أَخِيه المرتضى بأَرْبعَة أَعْوَام مولده فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَأقَام فِي خِلَافَته متردداً بالثغور ثَلَاثَة أَعْوَام إِلَّا شَهْرَيْن وَدخل قرطبة يَوْم منى ثامن ذِي الْحجَّة سنة عشْرين لم يبْق إِلَّا يَسِيرا حَتَّى قَامَت عَلَيْهِ فرقة من الْجند فَخلع وانقطعت الدعْوَة الأموية من يَوْمئِذٍ وَاسْتولى على قرطبة أَبُو الحزم جهور بن مُحَمَّد بن جهور الْوَزير ثمَّ ابْنه أَبُو الْوَلِيد مُحَمَّد بن جهور وَمن شعر مُحَمَّد بن عبد الْملك قَوْله يفتخر (أَلسنا بنى مَرْوَان كَيفَ تبدلت ... بِنَا الْحَال أَو دارت علينا الدَّوَائِر) (إِذا ولد الْمَوْلُود منا تهللت ... لَهُ الأَرْض واهتزت إِلَيْهِ المنائر) وَقد أنْشد أَبُو مَنْصُور الثعالبي فِي الْيَتِيمَة من تأليفه هَذَا الشّعْر وَنسبه إِلَى الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وَزعم أَن ذَلِك من قصيدة كتب بهَا إِلَى صَاحب مصر

стр. 208

يفتخر وَهَذَا من أغلاط أبي مَنْصُور وأوهامه الْفَاحِشَة حكى لبعد مَكَانَهُ مَا لم يُحَقّق وروى عَمَّن لَا علم لَهُ بِشَأْنِهِ مَا لم يضْبط وَمثل هَذَا النّظم الْفَائِق لم يكن ليغيب عَن ابْن فرج صَاحب كتاب الحدائق وَلم يكن ليغيب أَيْضا عَن أبي مَرْوَان بن حَيَّان جُهَيْنَة أَخْبَار المروانية ومؤرخ آثارها السُّلْطَانِيَّة فَكيف يَصح ذَلِك وَالْأول مِنْهُمَا كَمَا تقدم ينفى عَنهُ الشّعْر وَالْآخر يثبت لَهُ مِنْهُ النزر على أَن مُحَمَّدًا هَذَا الْمَنْسُوب إِلَيْهِ لَيْسَ فِي أدباء أهل بَيته بِمَشْهُور وعَلى كل حَال فَلَا معنى للفظ أَبى مَنْصُور ٨١ - عبد الْعَزِيز بن الْمُنْذر بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر وَيعرف بِابْن القرشية كَانَ من ذَوي الْقعدَة فِي بنى مَرْوَان وَأَبوهُ أَبُو الحكم الْمُنْذر هُوَ الَّذِي اشتهرت مَعْرفَته ب ابْن القرشية لِأَن أمه فَاطِمَة بنت الْأَمِير أَبى الحكم الْمُنْذر بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن حظيت بِنِكَاح النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وَولدت لَهُ ابْنه الْمُنْذر فَسَمتْهُ باسم أَبِيهَا فولد عبد الْعَزِيز هَذَا وَكَانَ لَهُ حَظّ وافر من الْأَدَب وَحسن الشّعْر ذكره أَبُو الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بحبيب العامري فِي كِتَابه البديع فِي فصل الرّبيع وَأنْشد لَهُ فِي البهار قَالَ وَهُوَ من التشبيهات العقم

стр. 209

(كَأَن الثرى ستر تمد خلاله ... بأكؤس رَاح راحهن الكواعب) (يسترن من فرط الْحيَاء معاصماً ... بأكمامهن الْخضر عَمَّن يراقب) وَأنْشد لأبي عمر يُوسُف بن هَارُون الرمادى من قصيدة أمأى فِيهَا يمدح ابْن القرشية هَذَا ويصف أزهار الرّبيع (تَأمل بإثر الْغَيْم من زهرَة الثرى ... حَيَاة عُيُون متن قبل التنعم) (كَأَن الرّبيع الطلق أقبل مهدياً ... بطلعة معشوق إِلَى عين مغرم) (تعجبت من غوص الحيا فِي حَشا الثرى ... فأفشى الَّذِي فِيهِ وَلم يتَكَلَّم) (كَأَن الَّذِي يسقى الثرى صرف قهوة ... تنم عَلَيْهِ بالضمير المكتم) (أرى حسنا فِي صفحة قد تَغَيَّرت ... كبشر بدا فِي الْوَجْه بعد التجهم) (أَلا يَا سَمَاء الأَرْض أَعْطَيْت بهجة ... تطالعنا مِنْهَا بِوَجْه مقسم)

стр. 210

(وَإِن قَالَت الأَرْض الْمُنعم روضها ... لي الْفضل فِي فخرى عَلَيْك فسلمى) (فخضرة مَا فِيهَا تفوقك خضرَة ... ونوارها فِيهَا ثواقب أنجم) (وَإِن جِئْتهَا بالشمس والبدر والحيا ... مفاخرة جَاءَت بأسنى وَأكْرم) (بِعَبْد الْعَزِيز ابْن الخلائف وَالَّذِي ... جَمِيع الْمَعَالِي تنتمي حَيْثُ ينتمى) ٨٢ - مُحَمَّد بن الْأَمِير الْمُنْذر بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن الحكم بن هِشَام أَبُو عبد الله كَانَ من أكمل رجال الْبَيْت الأموى خلقا وعقلاً وأدباً تَاما وحظاً من الشّعْر الْجيد وَكَانَت أُخْته لِأَبِيهِ فَاطِمَة عِنْد النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد فحظى بمصاهرته واعتبط فِي خلَافَة النَّاصِر فتوفى لِلنِّصْفِ من ذِي الْقعدَة سنة سِتّ عشرَة وثلاثمائة وَهُوَ الْقَائِل (بنفسي وَأَهلي من بذلت لَهُ ودي ... وملكته رقى على الْقرب والبعد) (وأبغضت فِيهِ كل خذن مناجخ ... وأبديت للعذال فِي عشقه صدى) (وَلم أنصرف فِيهِ إِلَى قَول كاشح ... وأصررت فِي حبيه إِصْرَار ذِي الحقد)

стр. 211

(سقاني بِعَيْنيهِ الْهوى وبكفه ... سلافاً وحياني بهَا نَاقض الْعَهْد) وَله (طَال اشتياق إِلَى من كنت آلفه ... فالعين بالدمع مَا تنفك تذرفه) (اعتضت من قرب من أَهْوى زيارته ... من كنت أكرهه جهدي وأقذفه) (وَصَارَ من كنت أشناه وأبعده ... مَكَان من كنت أهواه وألطفه) (فَالنَّفْس فِي قلق وَالْعين فِي أرق ... وَالْقلب فِي حرق مِمَّا يخلفه) (من رام صرف محب عَن أحبته ... فَإِن قلبِي مِمَّا لست أصرفه) ٨٣ - الحكم بن أَحْمد ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن الحكم بن هِشَام كَانَ من نبهاء قومه المروانيين بقرطبة وَكَانَ لَهُ طبع معِين فِي قرض الشّعْر وَهُوَ الْقَائِل فِي ابْن مَاتَ لَهُ أنْشدهُ ابْن حَيَّان (عينى تجود بمسكوب ومهراق ... فَالْحَمْد لله مَا للْمَوْت من بَاقٍ) (وَكَيف أبقى بِلَا نور بِلَا بصر ... أم كَيفَ ينْبت لحم زَالَ عَن سَاق) (لَا يبعدنك بنى الله إِنَّك قد ... لاقيت مَا كل من فِي ظهرهَا لَاق)

стр. 212

٨٤ - عمر بن أَحْمد ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن أَخُو الحكم الْمَذْكُور كَانَ من أهل الْأَدَب وَالشعر وَهُوَ الْقَائِل يرثى أَبَاهُ وَتُوفِّي والناصر غَائِب فِي غزاته سنة خمس عشرَة وثلاثمائة (لفقدك تنهل الْعُيُون وتدمع ... وتنهد أَرْكَان الْمَعَالِي وتخشع) (ويعول من قد كَانَ بالْأَمْس ضَاحِكا ... لِغَفْلَتِه فِي ظلّ نعماك يرتع) (أَلا أَيهَا الْقَبْر الَّذِي ضم جِسْمه ... سقاك من الأنواء هتان ممرع) (ولقى كَرِيمًا فِيك روحاً وَرَحْمَة ... مليك إِذا مَا شَاءَ يعْطى وَيمْنَع) (وَكَانَت لَهُ كف يفِيض نوالها ... مدى الدَّهْر عَن تسكابها لَيْسَ تقلع) (وَكَانَت لَهُ جفن تجافى عَن الْكرَى ... وَنَفس تناجى الله وَالنَّاس هجع) (وَصَوْم وتسبيح وَذكر وخشية ... وَطول صَلَاة أجرهَا لَا يضيع) (بكيتك إشفاقاً عَلَيْك وحسرة ... لَعَلَّ البكا من شدَّة الوجد ينفع) (فلست لشَيْء بعد فقدك فارحاً ... وَلَا لمصاب بعد فقدك أجزع) (عَلَيْك سَلام الله من ذِي مُصِيبَة ... لَهُ مهجة نَحْو المنايا تطلع)

стр. 213

٨٥ - عبد الله بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز ابْن أُميَّة بن الحكم الربضى أَبُو بكر الملقب بِالْحجرِ وَيُقَال لَهُ البطر شكّ بالعجمية وَمَعْنَاهُ الْحجر الْيَابِس

стр. 214

أمره هِشَام الْمُؤَيد فِي بعض الْأَوْقَات وسد بِهِ الثغر وفوض إِلَيْهِ أَمر طليطلة وقلده إِيَّاهَا مَعَ خطة الوزارة فاستقل بمقاومة غَالب أَيَّام فتلته حَتَّى دَعَاهُ إِلَى الْقيام بالخلافة وَكَانَ على مُقَدّمَة الْمَنْصُور بن أبي عَامر فِي غزاته إِلَى جليقية بعد مُنْصَرفه من مقتل غَالب بالثغر فِي أول الْمحرم سنة إِحْدَى وَسبعين وثلاثمائة وَمَعَهُ خيل طليطلة وطبقات الأجناد وَجَمِيع الرجل وفيهَا حصر سمورة وامتنعت عَلَيْهِ قصبتها وَعم بالتدمير كثيرا من نَوَاحِيهَا وَمِنْهَا جِهَة دمر فِيهَا نَحْو ألف قَرْيَة مَعْرُوفَة الْأَسْمَاء كَثِيرَة البيع والديارات وَوصل قرطبة وَمَعَهُ أَرْبَعَة آلَاف سبية وَقد حز قَرِيبا مِنْهَا من رُؤُوس الْكَفَرَة

стр. 215

وَكَانَ عبد الله هَذَا أحد رجالات المروانية عقلا وشهامة وأدباً وغزارة علم وإمتاع حَدِيث وَطيب مجالسة وَمن شعره قَالَ الْحميدِي فِي تَارِيخه أَنْشدني عَنهُ أَبُو عبد الله بن الْمعلم الطليطلي قَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ (اجْعَل لنا مِنْك حظاً أَيهَا الْقَمَر ... فَإِنَّمَا حظنا من وَجهك النّظر) (رآك نَاس فَقَالُوا إِن ذَا قمر ... فَقلت كفوا فعندي مِنْهُمَا خبر) (الْبَدْر لَيْلَة نصف الشَّهْر بهجته ... حَتَّى الصَّباح وَهَذَا دهره قمر) (وَالله مَا طلعت شمس وَلَا غربت ... إِلَّا وَجَاءَت إِلَيْك الشَّمْس تعتذر) وَأنْشد لَهُ ابْن أبي الْفَيَّاض فِي تَارِيخه (وَمن لَا أُسَمِّيهِ مَخَافَة عتبَة ... على أَن قلبِي مستهام بحبه) (وَبَعض أُسَمِّهِ حاء وبا ... حُرُوف طواها) (عَلَيْهِ سَلام الله منى مردداً ... سَلام محب جاد فِيهِ بِقَلْبِه) وَله (يَا ظَالِما ظن قَتْلَى فِي الْهوى حسنا ... كن كَيفَ شِئْت فظنى فِيك قد حسنا) (طويت حبك حَتَّى ظلّ ينشره ... دمع جرى فغدا سرى بِهِ علنا) (أفديك من سَاكن فِي الْقلب مَسْكَنه ... وغائب لم تزل نَفسِي لَهُ وطنا) (يَا قُرَّة الْعين قد عذبتها سهراً ... ومنية النَّفس قد قطعتها شجنا)
следующие страницы →