← История

История · id 6630

الحلة السيراء

ابن الأبار

Полный текст (687 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(سقاني بِعَيْنيهِ الْهوى وبكفه ... سلافاً وحياني بهَا نَاقض الْعَهْد) وَله (طَال اشتياق إِلَى من كنت آلفه ... فالعين بالدمع مَا تنفك تذرفه) (اعتضت من قرب من أَهْوى زيارته ... من كنت أكرهه جهدي وأقذفه) (وَصَارَ من كنت أشناه وأبعده ... مَكَان من كنت أهواه وألطفه) (فَالنَّفْس فِي قلق وَالْعين فِي أرق ... وَالْقلب فِي حرق مِمَّا يخلفه) (من رام صرف محب عَن أحبته ... فَإِن قلبِي مِمَّا لست أصرفه) ٨٣ - الحكم بن أَحْمد ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن الحكم بن هِشَام كَانَ من نبهاء قومه المروانيين بقرطبة وَكَانَ لَهُ طبع معِين فِي قرض الشّعْر وَهُوَ الْقَائِل فِي ابْن مَاتَ لَهُ أنْشدهُ ابْن حَيَّان (عينى تجود بمسكوب ومهراق ... فَالْحَمْد لله مَا للْمَوْت من بَاقٍ) (وَكَيف أبقى بِلَا نور بِلَا بصر ... أم كَيفَ ينْبت لحم زَالَ عَن سَاق) (لَا يبعدنك بنى الله إِنَّك قد ... لاقيت مَا كل من فِي ظهرهَا لَاق)

стр. 212

٨٤ - عمر بن أَحْمد ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن أَخُو الحكم الْمَذْكُور كَانَ من أهل الْأَدَب وَالشعر وَهُوَ الْقَائِل يرثى أَبَاهُ وَتُوفِّي والناصر غَائِب فِي غزاته سنة خمس عشرَة وثلاثمائة (لفقدك تنهل الْعُيُون وتدمع ... وتنهد أَرْكَان الْمَعَالِي وتخشع) (ويعول من قد كَانَ بالْأَمْس ضَاحِكا ... لِغَفْلَتِه فِي ظلّ نعماك يرتع) (أَلا أَيهَا الْقَبْر الَّذِي ضم جِسْمه ... سقاك من الأنواء هتان ممرع) (ولقى كَرِيمًا فِيك روحاً وَرَحْمَة ... مليك إِذا مَا شَاءَ يعْطى وَيمْنَع) (وَكَانَت لَهُ كف يفِيض نوالها ... مدى الدَّهْر عَن تسكابها لَيْسَ تقلع) (وَكَانَت لَهُ جفن تجافى عَن الْكرَى ... وَنَفس تناجى الله وَالنَّاس هجع) (وَصَوْم وتسبيح وَذكر وخشية ... وَطول صَلَاة أجرهَا لَا يضيع) (بكيتك إشفاقاً عَلَيْك وحسرة ... لَعَلَّ البكا من شدَّة الوجد ينفع) (فلست لشَيْء بعد فقدك فارحاً ... وَلَا لمصاب بعد فقدك أجزع) (عَلَيْك سَلام الله من ذِي مُصِيبَة ... لَهُ مهجة نَحْو المنايا تطلع)

стр. 213

٨٥ - عبد الله بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز ابْن أُميَّة بن الحكم الربضى أَبُو بكر الملقب بِالْحجرِ وَيُقَال لَهُ البطر شكّ بالعجمية وَمَعْنَاهُ الْحجر الْيَابِس

стр. 214

أمره هِشَام الْمُؤَيد فِي بعض الْأَوْقَات وسد بِهِ الثغر وفوض إِلَيْهِ أَمر طليطلة وقلده إِيَّاهَا مَعَ خطة الوزارة فاستقل بمقاومة غَالب أَيَّام فتلته حَتَّى دَعَاهُ إِلَى الْقيام بالخلافة وَكَانَ على مُقَدّمَة الْمَنْصُور بن أبي عَامر فِي غزاته إِلَى جليقية بعد مُنْصَرفه من مقتل غَالب بالثغر فِي أول الْمحرم سنة إِحْدَى وَسبعين وثلاثمائة وَمَعَهُ خيل طليطلة وطبقات الأجناد وَجَمِيع الرجل وفيهَا حصر سمورة وامتنعت عَلَيْهِ قصبتها وَعم بالتدمير كثيرا من نَوَاحِيهَا وَمِنْهَا جِهَة دمر فِيهَا نَحْو ألف قَرْيَة مَعْرُوفَة الْأَسْمَاء كَثِيرَة البيع والديارات وَوصل قرطبة وَمَعَهُ أَرْبَعَة آلَاف سبية وَقد حز قَرِيبا مِنْهَا من رُؤُوس الْكَفَرَة

стр. 215

وَكَانَ عبد الله هَذَا أحد رجالات المروانية عقلا وشهامة وأدباً وغزارة علم وإمتاع حَدِيث وَطيب مجالسة وَمن شعره قَالَ الْحميدِي فِي تَارِيخه أَنْشدني عَنهُ أَبُو عبد الله بن الْمعلم الطليطلي قَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ (اجْعَل لنا مِنْك حظاً أَيهَا الْقَمَر ... فَإِنَّمَا حظنا من وَجهك النّظر) (رآك نَاس فَقَالُوا إِن ذَا قمر ... فَقلت كفوا فعندي مِنْهُمَا خبر) (الْبَدْر لَيْلَة نصف الشَّهْر بهجته ... حَتَّى الصَّباح وَهَذَا دهره قمر) (وَالله مَا طلعت شمس وَلَا غربت ... إِلَّا وَجَاءَت إِلَيْك الشَّمْس تعتذر) وَأنْشد لَهُ ابْن أبي الْفَيَّاض فِي تَارِيخه (وَمن لَا أُسَمِّيهِ مَخَافَة عتبَة ... على أَن قلبِي مستهام بحبه) (وَبَعض أُسَمِّهِ حاء وبا ... حُرُوف طواها) (عَلَيْهِ سَلام الله منى مردداً ... سَلام محب جاد فِيهِ بِقَلْبِه) وَله (يَا ظَالِما ظن قَتْلَى فِي الْهوى حسنا ... كن كَيفَ شِئْت فظنى فِيك قد حسنا) (طويت حبك حَتَّى ظلّ ينشره ... دمع جرى فغدا سرى بِهِ علنا) (أفديك من سَاكن فِي الْقلب مَسْكَنه ... وغائب لم تزل نَفسِي لَهُ وطنا) (يَا قُرَّة الْعين قد عذبتها سهراً ... ومنية النَّفس قد قطعتها شجنا)

стр. 216

(مَا بَال قَلْبك يشكو فرط قسوته ... قلب قاسي عَلَيْك البث والحزنا) (أما هَوَاك فَإِنِّي لست ساليه ... وَمن يمت كمداً فِيهِ فَذَاك أَنا) وَأنْشد لَهُ ابْن فرج فِي الحدائق (سقيا لَهُم من ظاعنين حسبتهم ... وسط الهوادج لؤلؤاً مكنونا) (لَو كنت أنصفهم عَشِيَّة ودعوا ... مَا عِشْت بعد نوى الْأَحِبَّة حبنا) (أَغْصَان بَان فَوق كُثْبَان النقا ... فَإِذا لحظنك خلتهن العينا) (أجْرى الزَّمَان ببينهن مدامعاً ... مَا كن من قبل الْهوى يجرينا) وَله مَعَ رِسَالَة حِين ظفر بِهِ الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر فِي شَوَّال سنة خمس وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَكَانَ قد هرب أَمَامه إِلَى بلد الرّوم فسجنه بالمطبق بعد أَن طيف بِهِ على جمل وَهُوَ مُقَيّد (فَرَرْت فَلم يغن الْفِرَار وَمن يكن ... مَعَ الله لَا يعجزه فِي الأَرْض هارب) (وَوَاللَّه مَا كَانَ الْفِرَار لحالة ... سوى حذر الْمَوْت الَّذِي أَنا رَاهِب) (وَلَو أنني ومقت للرشد لم يكن ... وَلَكِن أَمر الله لَا بُد غَالب) (وَقد قادني جراً إِلَيْك برمتي ... كَمَا اجتر مَيتا فِي رحى الْحَرْب سالب)

стр. 217

(وَأجْمع كل النَّاس أَنَّك قاتلي ... وربت ظن ربه فِيهِ كَاذِب) (وَمَا هُوَ إِلَّا الانتقام فتشتفى ... وتركك مِنْهُ وَاجِبا لَك وَاجِب) (وَإِلَّا فعفو يرتضى الله فعله ... ويجزيك مِنْهُ فَوق مَا أَنْت طَالب) (وَلَا نفس إِلَّا دون نَفسك فَلْيَكُن ... على قدرهَا قدر الَّذِي أَنْت واهب) (فَمَا خَابَ من جدواك مذ كنت سَائل ... وَلَا رد دون المبتغى عَنْك رَاغِب) (وَقد منحت كَفاك مَا يعجز الورى ... وعمت عُمُوم الْغَيْث مِنْك الْمَوَاهِب) (وَإِن حم تَأْخِير لنَفْسي فَلْيَكُن ... لمتلفها من حَاجِب الْملك حَاجِب) (فَمَا زَالَ سباقاً إِلَى كل خصْلَة ... يسير بهَا فِي الأَرْض ماش وراكب) (فَلَا أَنْفك لي مولى ألوذ بعزة ... فَيصْرف عني الْخطب والدهر عَاتب) وَله أَيْضا يستشفع بالمظفر عبد الْملك إِلَى أَبِيه الْمَنْصُور (أَلا أَيهَا الْحَاجِب المرتجى ... وَأكْرم من كَانَ أَو من يكون) (دعوتك دَعْوَة مستصرخ ... أحاطت بِهِ واثخنته الْمنون) (فَإِن لم تغثنى فَمن ذَا الَّذِي ... يلوذ بِهِ الْخَائِف المستكين) (جمعت التقى والعلى والذهى ... فَمَال مذال وَعرض مصون) (وتفريج غماء عَن حائن ... يعود بك الْحَيّ وَهُوَ الدفين) (فَقل لي لعا من عثار لَهُ ... أناديك وَالْمَوْت لي مستبين) (وَإِن جلّ ذَنبي فَأَنت الْجَلِيل ... وَهل لَك فِيمَن عَلَيْهَا قرين) وَمن خَبره أَنه أَقَامَ مسجوناً إِلَى أَن مَاتَ الْمَنْصُور وَولى ابْنه المظفر عبد الْملك حجابة هِشَام فَأَطْلقهُ واستحله لِأَبِيهِ وخلع عَلَيْهِ وولاه الوزارة وَخص

стр. 218

بِهِ فَلم تطل حَيَاته وَتُوفِّي غازياً مَعَ عبد الْملك غزاته الأولى سنة ثَلَاث وَتِسْعين بِمَدِينَة لاردة وقبره بمسجدها وَكَانَ جلدا فِي محنته كثير الدُّعَاء والضراعة قد رزق من النَّاس رَحْمَة وَلما أسلمه برمند ملك الجلالقة مُضْطَرّا إِلَى ثِقَات الْمَنْصُور وطيف بِهِ كَانَ قدامه من يُنَادي هَذَا عبد الله بن عبد الْعَزِيز المفارق لجَماعَة الْمُسلمين النازع إِلَى عدوهم الْمظَاهر لَهُ عَلَيْهِم فَكَانَ هُوَ يرد عَلَيْهِ وَيَقُول كذبت بل نفس خَافت ففرت تبغى الْأَمْن من غير شرك وَلَا ردة وَلم يعرض الْمَنْصُور لمنازله وضياعه أطلقها لِبَنِيهِ مُدَّة اعتقاله ٨٦ - مَرْوَان بن عبد الرَّحْمَن بن مَرْوَان بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر أَبُو عبد الْملك هُوَ الطليق وَقيل لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ سجن فِي أَيَّام الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ أطلق بعد ذَلِك فَسمى الطليق وَكَانَ فِيمَا قيل يهوى جَارِيَة رباها أَبوهُ مَعَه وَذكرهَا لَهُ ثمَّ إِنَّه اسْتَأْثر بهَا

стр. 219

فاشتدت غيرَة مَرْوَان لذَلِك وانتضى سَيْفا وانتهز فرْصَة فِي بعض خلوات أَبِيه مَعهَا فَقتله وعثر على الْقِصَّة فسجن وَهُوَ ابْن سِتّ عشرَة سنة وَمكث فِي السجْن سِتَّة عشرَة سنة وعاش بعد إِطْلَاقه سِتّ عشرَة سنة وَهَذَا من نَادِر الِاتِّفَاق وَمَات قَرِيبا من سنة أَرْبَعمِائَة وَكَانَ أديباً شَاعِرًا مكثراً وَأكْثر شعره فِي السجْن وَإِنَّمَا ذكرته وَلَيْسَ من شرطى فِي الْإِتْيَان بالأمراء والمتأمرين وَمن قرب إِلَيْهِم دون من بعد من الْبَنِينَ لقَوْل أَبى مُحَمَّد بن حزم أَبُو عبد الْملك هَذَا فِي بني أُميَّة كَابْن المعتز فِي بني الْعَبَّاس ملاحة شعر وَحسن تَشْبِيه فَحَذفهُ من هَذَا الْمَجْمُوع هُوَ الْمُعْتَرض عَلَيْهِ حَقِيقَة لَا إثْبَاته واجتلاب محاسنه وَالْخَطَأ مَعَ الِاجْتِهَاد مَعْفُو عَنهُ ولعلى قد أتيت فِي مَا أثبت بِمَا هُوَ قريب مِنْهُ وَمن شعر الطليق فِي معتقله (أَلا إِن دهراً هادماً كل مَا نَبْنِي ... سيبلى كَمَا يبْلى ويفنى كَمَا يفنى) (وَمَا الْفَوْز فِي الدُّنْيَا هُوَ الْفَوْز إِنَّمَا ... يفور الْفَتى بِالرِّبْحِ فِيهَا مَعَ الْغبن) (يجازى ببؤس عَن لذيذ نعيمها ... ويجنى الردى مِمَّا غَدَتْ كَفه تجنى) (وَلَا شكّ أَن الْحزن يجرى لغاية ... وَلَكِن نفس الْمَرْء سَيِّئَة الظَّن) وَله يصف السجْن (فِي منزل كالليل أسود فَاحم ... داجى النواحي مظلم الأثباج)

стр. 220

(يسود والزهراء تشرق حوله ... كالحبر أودع فِي دَوَاة العاج) وَله فِي النسيب (أَقُول ودمعي يستهل ويسفح ... وَقد هاج فِي الصَّدْر الغليل المبرح) (دَعونِي من الصَّبْر الْجَمِيل فإنني ... رَأَيْت جميل الصَّبْر فِي الْحبّ يقبح) (لقد هيج الْأَضْحَى لنَفْسي جوى أسى ... كريه المنايا مِنْهُ للنَّفس أروح) (كَأَن بعيني حلق كل ذَبِيحَة ... بِهِ وبصدري قَلبهَا حِين تذبح) (فيا لَيْت شعري هَل لمولاي عطفه ... يداوي بهَا مني فؤاد مجرح) (يحن إِلَى الْبَدْر الَّذِي فَوق خَدّه ... مَكَان سَواد الْبَدْر ورد مفتح) (تقنع بدر التم عِنْد طلوعه ... مَخَافَة أَن يسرى إِلَيْهِ فيفضح) (فَقلت لَهُ يَا بدر أَسْفر فقد غَدا ... عَلَيْهِ رَقِيب للعدا لَيْسَ يبرح) (لعمري لذاك الْبَدْر أجمل منْظرًا ... وَأحسن من بدر التَّمام وأملح) وَله من قصيدة فريدة أَولهَا (غُصْن يَهْتَز فِي دعص نقي ... يجتنى مِنْهُ فُؤَادِي حرقا) (باسم عَن عقد در خلته ... سلبته لثتاه العنقا) (سَالَ لَام الصدغ فِي صفحته ... سيلان التبر وافى الورقا) (فتناهى الْحسن فِيهِ إِنَّمَا ... يحسن الْغُصْن إِذا مَا أورقا) (رق مِنْهُ الخصر حَتَّى خلته ... من نحول شفه قد عشقا) (وَكَأن الردف قد تيمه ... فغدا فِيهِ معنى قلقاً) (ناحلا جاور مِنْهُ نَاعِمًا ... كحبيبي ظلّ لي معتنقاً) (عجبا إِذْ أشبهانا كَيفَ لم ... يحدثا هجراً وَلم يفترقا)

стр. 221

وَمِنْهَا يصف الْخمر (رب كأس قد كست جنح الدجى ... ثوب نور من سناها أشرقا) (بت أسقيها رشاً فِي طرفه ... سنة تورث عَيْني أرقا) (خفيت للعين حَتَّى خلتها ... تتقى من لحظه مَا يتقى) (أشرقت فِي ناصع من كَفه ... كشعاع الشَّمْس لَاقَى الفلقا) (وَكَأن الكأس فِي أنمله ... صفرَة النرجس تعلو الورقا) (أَصبَحت شمساً وفوه مغرباً ... وَيَد الساقي المحيي مشرقا) (فَإِذا مَا غربت فِي فَمه ... تركت فِي الخد مِنْهُ شفقا) وَمِنْهَا فِي أَوْصَاف شَتَّى (وغمام هطل شؤبوبه ... نادم الرَّوْض فغنى وَسَقَى) (فَكَأَن الأَرْض مِنْهُ مطبق ... وَكَأن النصب جَان أطبقا) (خلع الْبَرْق على أرجائه ... ثوب وشى مِنْهُ لما برقا) (وَكَأن الْعَارِض الجون بِهِ ... أدهم خلى عَلَيْهِ بلقا) (وَكَأن الرّيح إِذْ هبت لَهُ ... طيرت فِي الجو مِنْهُ عقعقا) (فِي ليل ضل سارى نجمها ... حائراً لَا يستبين الطرقا) (أوقد الْبَرْق لَهَا مصباحه ... فانثنى وَجه دجاها مشرقا) (وشدا لرعد حنيناً فجرت ... أكؤس المزن عَلَيْهِ عرقا) (وغدت تجذبه الشَّمْس وَقد ... ألحفته من سناها نمرقا) (فَكَأَن الشَّمْس تحيى نَفسه ... غرَّة المعشوق تحيى الشيقا)

стр. 222

(وَكَأن الْورْد يعلوه الندى ... وجنة المحبوب تندى عرقا) (يتَّفقَا عَن بهار فَاقِع ... خلته بالورد يطوى ومقا) (كالمحبين الوصولين غَدا ... خجلاً هَذَا وَهَذَا فرقا) (ورنت مِنْهُ إِلَى شمس الضُّحَى ... حدق للنور تصى الحدفا) (وَكَأن الْقطر لما جادها ... صَار فِي الأوراق مِنْهَا زئبقا) وَمِنْهَا فِي الْفَخر (من فَتى مثلي لبأس وندى ... ومقال وفعال وتقى) (شرفي نَفسِي وحليى أدبي ... وحسامي مقولي عِنْد اللقا) (ولساني عِنْد من يُخبرهُ ... أفعوان لَيْسَ يثنيه الرقى) (ويمينى يمن عاف مُعسر ... جمعت حمداً غَدا مفترقا) (جدى النَّاصِر للدّين الَّذِي ... فرقت كَفاهُ عَنهُ الفرقا) (أشرف الْأَشْرَاف نفسا وَأَبا ... حِين يعلوه وَأَعْلَى موتقى) (أَنا فَخر العبشميين وبى ... جد من فَخْرهمْ مَا أخلقا) (أَنا أكسو مَا عفى من مجدهم ... بحلى رونق شعري رونقا) وَله أَيْضا يصف السَّحَاب أنْشدهُ لَهُ أَبُو الْحسن على بن مُحَمَّد بن أبي الْحسن الْقُرْطُبِيّ فِي كتاب الفرائد فِي التَّشْبِيه من الْأَشْعَار الأندلسية من تأليفه (فَكَأَن الْغَمَام صب عميد ... أَن بالرعد حرقة واشتكاء) ((وَكَأن البروق نَار جواه ... والحيا دمعه يسيل بكاء)

стр. 223

وَله أَيْضا (كَأَنَّمَا إِنْسَان أجفانها ... للخمر من تحييرها مدمن) (وَلَيْسَ إنْسَانا وَلكنه ... هاروت فِي مقلتها يسكن) وَله فِي طول اللَّيْل (فَمَا بَال صبحي قد تقَارب خطوه ... فَأَبْطَأَ حَتَّى لَيْسَ يُرْجَى قدومه) (كَأَن نُجُوم اللَّيْل قيدها الدجى ... وأوقفها فِي مَوضِع لَا تريمه) وَله فِي الرسوم (ربع تربصت النُّجُوم لأَهله ... وَرَمَاهُمْ ريب الزَّمَان فقرطسا) (فَكَأَنَّهُ مِمَّا تقادم عَهده ... ربع امرىء الْقَيْس الْقَدِيم بعسعسا) وَله فِي مثل ذَلِك (فَبَقيت فِي العرصات وحدي بعدهمْ ... حيران بَين معاهد مَا تعهد) (فكأنهن ديار مي إِذْ خلت ... وكأنني غيلَان فِيهَا ينشد) وَله (وَكَأن الْمِيَاه فِيهَا ثعابين ... لجين تبعثت فِي السواقي) (وَكَأن الْحَصْبَاء فِي رونق المَاء ... سنا الدّرّ فِي بَيَاض التراقي)

стр. 224

وَمن أَبنَاء الأدارسة الحسنيين ٨٧ - إِبْرَاهِيم بن إِدْرِيس الْحسنى كَذَا قَالَ فِيهِ ابْن حَيَّان وَقَالَ الْحميدِي إِبْرَاهِيم بن إِدْرِيس الْعلوِي الحسني المنبوز بالمؤبل كَانَ أديبا شَاعِرًا وَكَانَ فِي أَيَّام الْمَنْصُور أَبى عَامر مُحَمَّد ابْن أبي عَامر وعاش إِلَى أَيَّام الْفِتْنَة أَصله من الْمغرب وَسكن قرطبة إِلَى أَن سيره ابْن أبي عَامر عَن الأندلس فِيمَن سير من أهل بَيته بعد مقتل حسن بن قنون كَبِيرهمْ وَهُوَ الْقَائِل يُخَاطب المروانية بقرطبة لما رأى غَلَبَة ابْن أبي عَامر على هِشَام الْمُؤَيد واستبداده بِالْأَمر دونه

стр. 225

(فِيمَا أرى عجب لمن يتعجب ... جلت مُصِيبَتنَا وضاق الْمَذْهَب) (إِنِّي لأكذب مقلتي فِيمَا أرى ... حَتَّى أَقُول غَلطت فِيمَا أَحسب) (أَيكُون حَيا من أُميَّة وَاحِد ... ويسوس هَذَا الْملك هَذَا الأحدب) (تمشى عساكرهم حوالي هودج ... أعواده فِيهِنَّ قرد أَشهب) (ابنى أُميَّة أَيْن أقمار الدجى ... مِنْكُم وَمَا لوجوهها تتغيب) هَذَا مَا أورد ابْن حَيَّان فِي أَخْبَار الدولة العامرية من شعره وَقَالَ الْحميدِي فِي كِتَابه رَأَيْت لَهُ قصيدة طَوِيلَة يمدح بهَا مؤيد الدولة هُذَيْل بن خلف بن رزين صَاحب القلاع ويهجو فِي درجها غَيره أَولهَا (للبين فِي تَعْذِيب نَفسِي مَذْهَب ... ولنائبات الدَّهْر عِنْدِي مطلب) (أما دُيُون الحادثات فَإِنَّهَا ... تَأتي لوقت صَادِق لَا تكذب) (والبين مغرى كَيده بِأولى النهى ... طبعا تطبع والطبيعة أغلب) وَمِنْهَا (أيقنت أَنِّي للرزايا مطعم ... ودمى لوافدة المكاره مشرب) (فَأَنا من الْآفَات عرض سَالم ... وجوانح تكوى وعقل يذهب)

стр. 226

وَلم يذكر مِنْهَا سوى هَذِه الأبيات فَيُشبه أَن يكون فِيهَا مَا أنْشد ابْن حَيَّان وَيُشبه أَن يكون قِطْعَة فِي الْمَنْصُور على انْفِرَاد وَالظَّاهِر أَن الْحميدِي تَركهَا وَلم ير إِثْبَاتهَا وَمن رجال المروانية فِي هَذِه الْمِائَة ٨٨ - أَحْمد بن مُحَمَّد بن أضحى الْهَمدَانِي هُوَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن أضحى بن عبد اللَّطِيف بن خَالِد بن يزِيد بن الشمر من هَمدَان وخَالِد يُقَال لَهُ الْغَرِيب وسمى بذلك لِأَنَّهُ أول مَوْلُود من الْعَرَب الشاميين بكورة إلبيرة كَانَ أَبوهُ مُحَمَّد بن أضحى صَاحب حصن الْحمة من أَعمال إليبرة زمن الْفِتْنَة وَقَامَ بِأَمْر الْعَرَب بعد قتل سعيد بن جودى

стр. 227

وَتمسك بموالاة الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد إِلَى آخر مدَّته وأورث عقبه نباهة ورياسة انسحبت عَلَيْهِم دهراً وثار مِنْهُم القَاضِي أَبُو الْحسن على بن عمر بن مُحَمَّد بن مشرف بن أَحْمد هَذَا بغرناطة فِي الْمِائَة السَّادِسَة وسأذكره هُنَالك إِن شَاءَ الله وَقدم أَحْمد بن مُحَمَّد مَعَ أَبِيه على النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد باخعين بِطَاعَتِهِ داخلين فِي جماعته وَكَانَ من أحسن النَّاس وَجها وأفصحهم لِسَانا وأشهمهم نفسا وأوسعهم أدباً فاجمل النَّاصِر لقاءهما وَأحسن قبولهما وَأَعْلَى منازلهما وأجزل عطاءهما وَقَامَ أَحْمد هَذَا يَوْمئِذٍ بَين يَدَيْهِ خَطِيبًا ثمَّ أنْشد فِي إِثْر خطبَته (أيا ملكا ترمى بِهِ قضب الْهِنْد ... إِذا لمعت فَوق المغافر والسرد) (وَمن بأسه فِي منهل الْمَوْت وَارِد ... إِذا أنفس الْأَبْطَال كفت عَن الْورْد) (وَمن ألبس الله الْخلَافَة نعْمَة ... بِهِ فَاتَت النعمى فَجلت عَن الْعد) (تجلى على الدُّنْيَا فَجلى ظلامها ... كَمَا انجلت الظلماء عَن قمر السعد) (إِمَام هدى زيدت بِهِ الأَرْض بهجة ... ملبسة نورا كموشية الْبرد) (كفاني لَدَيْهِ أَن جعلت وسيلتي ... ذماماً شامى الْهوى مخلص الود) وَأنْشد لَهُ صَاحب الحدائق (هوى كدر الواشون مِنْهُ الَّذِي صفا ... ونموا بأفعى الْإِفْك عني مزخرفاً) (وشوا وأصاخت أذن خلى فَمَا وفوا ... بتبليغه مَا لم أَقَله وَلَا وفى) (وهلا كَمَا أنصفته فِي محبتي ... ثناهم على الأعقاب مِنْهُم فأنصفا) (فَلَا كَانَ واش كَانَ دَاء ضَمِيره ... هوانا فَلَمَّا أَن رأى هجرنا اشتفى) (وَلَا يفزحوا أَن أوقدوا الهجر جاحماً ... فعما قريب ينطفى أَو قد انطفى)

стр. 228

٨٩ - لب بن عبيد الله بن أُميَّة الْمَعْرُوف بِابْن الشالية أَبُو عِيسَى كَانَ أَبوهُ من كبار الثوار فِي أَيَّام الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد سَمَّاهُ ابْن حَيَّان فِي أَعْلَام الْمُخَالفين عَلَيْهِ وَجعله ثَانِيًا لديسم بن إِسْحَاق صَاحب تدمير وَبعده ذكر إِبْرَاهِيم بن حجاج صَاحب إشبيلية وَكَانَ ملك جبل شمنتان وَمَا يَليهَا من كورة جيان وامتد إِلَى حصن قسطلونة وَغَيره وَانْطَلَقت يَده فتبنك النِّعْمَة وَبنى المباني الفخمة وَأظْهر الإذعان وقتا بعد وقيعة جرت عَلَيْهِ وَالْتزم حمل قطيع من المَال فورق عَلَيْهِ عَمَّا فِي يَده فَلَمَّا روخى عَاد إِلَى غيه فنكث ووالى عميد الْمُخَالفين عمر بن حفصون وواصله بالصهر من أَسْفَل فزوج ابْنَته من جَعْفَر ولد ابْن حفصون ونقلها إِلَيْهَا بببشتر وَوصل يَده بِيَدِهِ فاعتز جَانِبه وَكَانَ عبيديس بن مَحْمُود الشَّاعِر الأديب كَاتبا لِعبيد الله ومتصرفاً فِي خدمته مكثراً من مديحة واصفاً لمغازيه ومبانيه وأحواله أَوْصَاف الشُّعَرَاء لأكابر الْمُلُوك يستحسن ذَلِك مِنْهُ ويجزل عطيته عَلَيْهِ فشعره فِي ذَلِك مَشْهُور وَمِنْه قَوْله فِي وصف قصره (قصر الْأَمِير أَبى مَرْوَان منتسخ ... من جنَّة الْخلد بالسراء معمور) (فِيهِ مجَالِس قد شيدت على عمد ... بنيانها مرمر بالتبر مطرور) وَنَازع الْفَتْح بن مُوسَى بن ذِي النُّون عبيد الله حصنا أورثهما حَربًا فغلبه عَلَيْهِ عبيد الله وهزمه وَحَازَ الْحصن دونه وتيمن بِحُضُور ابْنه لب بن عبيد الله مَعَه فِي وَجهه هَذَا فَقَالَ عبيديس فِي ذَلِك شعرًا طَويلا مِنْهُ

стр. 229

(جَاءَ البشير بِمَا عَم السرُور بِهِ ... عَن الْأَمِير أَبى مَرْوَان فِي السّفر) (فَقلت حِين سألناه فَأخْبرنَا ... بِاللَّه قل وَأعد ياطيب الْخَبَر) (بيمن لب أَبى عِيسَى وغزوته ... فَازَ الْأَمِير على الْأَعْدَاء بالظفر) يَقُول فِيهِ (قاد الجيوش إِلَى الْأَعْدَاء مدرعا ... يصلى الوغى بالوغى فِي سنّ مثغر) (من تَحْتَهُ فرس فِي كَفه قبس ... يرْمى الشَّيَاطِين فِي الهيجاء بالشرر) وَعجز الْبَيْت الثَّانِي من هَذِه الأبيات مَنْقُول من قَول أَبى نواس (يَا ذَا الَّذِي عَن جنان ظلّ يخبرنا ... بِاللَّه قل وَأعد يَا طيب الْخَبَر) وَلما غزا النَّاصِر لدين الله عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد غزوته الأولى إِلَى جيان خرج إِلَيْهِ عبيد الله مقالصاً فِي طَاعَته إِيَّاه فَأمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَأرْسل إِلَى معاقله من ضَبطهَا وَحمل عِيَاله إِلَى قرطبة فَصَارَ فِي الدِّيوَان بهَا فِي أَعلَى الملاحق وَصَرفه النَّاصِر فِي ضروب من خدمته سكن مِنْهُ فِيهَا إِلَى نصاحة وثقة فَصَرفهُ من أجل ذَلِك إِلَى معاقله بشمنتان والياً من قبله لالتياث أحسه من أَهلهَا وَلَا رعية أَجْهَل مِنْهُم فأصلحها عبيد الله وَأقَام بهَا إِلَى أَن صرفه ثَانِيَة عَنْهَا وَأَعَادَهُ إِلَى مصافه وَكَانَ ابْنه لب بن عبيد الله أديباً شَاعِرًا حسن التَّصَرُّف وَهُوَ الْقَائِل

стр. 230

أنْشدهُ لَهُ أَبُو الْحسن بن أبي الْحُسَيْن الْقُرْطُبِيّ فِي كتاب الفرائد من تأليفه فِي التَّشْبِيه (صابحتها وَالرَّوْض يسطع مسكه ... فَكَأَنَّهُ بِاللَّيْلِ بَات مغلقا) (والورد يَبْدُو فِي الغصون كَأَنَّمَا ... أضحى يُقَارب من نِدَاء قرقفا) وَله فِي الخيرى (وكأنما الخيري إِن أبدى النرجس ... أسراره عَن نشر مسك أذفرا) (لص يرائي بِالنَّهَارِ زهادة ... خوفًا وَيقطع ليله متشطرا) وَله (وراهقة عَنْهَا السيوف كَأَنَّهَا ... عُيُون يروع اللَّيْث فِيهَا حسيرها) (إِذا غشيتها الْبيض تعشى بنورها ... كَأَن سناها من أذاها مجيرها) (كَأَن فُؤَادِي فَوق رَأْسِي صلابة ... فَكل حسام ينتحيها كسيرها) يصف بَيْضَة حَدِيد وَمن هَذِه القصيدة فِي وصف ترس (وممتثل قرص الغزالة فِي يَدي ... هجمت بِهِ وَالْخَيْل تدمي نحورها) (تقلب مِنْهُ الْكَفّ مغنطس القنا ... فَلَا آلَة إِلَّا إِلَيْهِ مصيرها) ٩٠ - مُوسَى بن مُحَمَّد بن سعيد بن مُوسَى مولى عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة الْحَاجِب الْوَزير أَبُو الْأَصْبَغ

стр. 231

كَانَ مَعَ رئاسته وجلالته ونباهة سلفه واستعمالهم فِي الكور وسنيات الخطط من أهل الْعلم وَالْأَدب وَالشعر وَأول مَا تصرف فِيهِ للأمير عبد الله خطة الْقطع ثمَّ ولى خطة الْمَدِينَة وعزل عَنْهَا وأعيد إِلَيْهَا وَلما أفضت الْخلَافَة إِلَى النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد أقره على الْمَدِينَة واستوزره يَوْم استخلافه ثمَّ استحجبه عِنْد وَفَاة بدر فِي سنة تسع وثلاثمائة فاضطلع وَاكْتفى وَكَانَ الْوَزير عبد الْملك بن جهور يَقُول مَا رَأَيْت مثل مُوسَى لم يجمعه أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَ أحد إِلَّا كَانَ المستحوذ على الْمجْلس فِي الْجد والهزل وَتُوفِّي لِلنِّصْفِ من صفر سنة عشْرين وثلاثمائة وَقيل فِي آخر سنة تسع عشرَة فَلم يستحجب النَّاصِر بعده أحدا وَكَانَ يَحْجُبهُ عِنْد قعوده لسلام الأجناد ولوفود الْأَطْرَاف ورسل الْأُمَم وَأَصْحَاب الْخَيل وَالْمَدينَة والشرطة الْعليا وَالْوُسْطَى على مرايتهم مَعَ سَائِر الْخدمَة وَمن شعره قَوْله يمدح عبد الرَّحْمَن النَّاصِر وَيذكر هيبته

стр. 232

(إِذا مَا فرجت خلل الستور ... ولاح وَقد تمكن فِي السرير) (ترى الْأَمْلَاك مائلة لَدَيْهِ ... بأعناق إِلَى الغبراء صور) (كَأَنَّهُمْ لهيبته قد أَوْفوا ... من الْمَوْت الزعاف على شَفير) وَله (أَبْطَأت بِالْإِذْنِ على عبدكا ... فعاذ بِالْمَعْرُوفِ من نجدكا) (قد جدت لي بالوعد يَا سَيِّدي ... وَلم تزل تصدق فِي وعدكا) (إِن لم يكن من خدمتي شَافِع ... فالخلف مَا يصلح من عندكا) وَله (مُعظم تحسر الألحاظ من رهب ... عَنهُ وتلحظه الآمال من رغب) (إِذا بدا تضحك الدُّنْيَا لطلعته ... وتتقى الْجِنّ مِنْهُ سُورَة الْغَضَب) (لما ارْتقى فِي سَمَاء الْجُود قاد بِهِ ... إِلَى التبذل فِينَا جَوْهَر الْأَدَب) وَله (كَانَ العزاء ولي الْعَهْد بعد أَمِين ... الله وَالْملك وقف بَين هذَيْن) (فصرت لما نأت عني وُجُوههمَا ... كالصقر أصبح مقصوص االجناحين) (أستودع الله من نَفسِي فداؤهما ... ومليا الْعُمر فِي الدُّنْيَا عزيزين) (تأميل هذَيْن نقد ناجز وَأرى ... تأميل غَيرهمَا كَالدّين بِالدّينِ) (أعد مَا حُزْته من حسن رأيهما ... ملكا أضاهى بِهِ ملك العراقين)

стр. 233

وَحكى ابْن حَيَّان أَن مُوسَى بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن حدير عَم الْحَاجِب مُوسَى هَذَا وَهُوَ الْمَعْرُوف بالزاهد كَانَ مِمَّن يكثر مجالسة الْأَمِير عبد الله ويصل مؤانسته وَكَانَ حَدثا ظريف الْمُشَاهدَة مليح الْعبارَة إخبارياً ممتعاً حفظَة لأخبار دولة موَالِيه بني أُميَّة مفتناً مفوهاً بليغاً يقْرض أبياتاً من الشّعْر حَسَنَة بديهة وروية قَالَ فَشهد مجْلِس مذاكرة الْأَمِير عبد الله يَوْمًا وَهُوَ حافل بِأَهْل الْأَدَب والمعرفة وَقد أفاضوا فِيمَا كَانُوا يفيضون فِيهِ من أَبْوَاب المذاكرة حَتَّى مر ذكر الشيب وذمه وَكَانَ الْأَمِير عبد الله شَدِيد التكره لَهُ فَقَالَ لجلسائه أَي شَيْء تروونه فِي ذمّ الشيب أبلغ فَلم يحضر أحدهم شَيْء إِلَّا مُوسَى بن مُحَمَّد هَذَا فَقَالَ أحسن مَا قيل فِيهِ عِنْدِي قَول الأول (أَقُول لضيف الشيب إِذْ حل مفرقي ... نصيبك منى جفوة وقطوب) (حرَام علينا أَن تنالك عندنَا ... كَرَامَة بر أَو يمسك طيب) فاستحسنهما الْأَمِير وَقَالَ لَهُ اكتبهما يَا مُوسَى وزد فيهمَا إِن كَانَت فيهمَا عنْدك زِيَادَة فَقَالَ لَا وَالله يَا سَيِّدي مَا عِنْدِي فيهمَا مزِيد وتبطأ الوصيف بإحضار الدرج والدواة لمُوسَى بن مُحَمَّد ومُوسَى مطرق أَن يَتَأَتَّى لَهُ القَوْل فِي الزِّيَادَة الَّتِي استمطرها مِنْهُ الْأَمِير فَقَالَ قد جَاءَنِي يَا سَيِّدي بسعدك بعض الَّذِي أردته واندفع فوصل الْبَيْتَيْنِ بقوله

стр. 234

(فياشر ضيف حل بِي وحلوله ... يُخْبِرنِي أَن الْمَمَات قريب) (وَأَن جديدي كل يَوْم إِلَى بلَى ... وَأَنِّي من ثوب الشَّبَاب سليب) (فَمَا طيب عَيْش الْمَرْء إِلَّا شبابه ... وَلَيْسَ إِذا مَا بَان عَنهُ يطيب) (سأقريك يَا ضيف المشيب قرى القلى ... فمالك عِنْدِي فِي سواهُ نصيب) (وأبكى على مَا قد مضى من شبيبتي ... بكاء محب قد جفاه حبيب) (مضى مُسلما لهفي عَلَيْهِ مدى المدى ... فَلَيْسَ إِلَى يَوْم التناد يؤوب) فسر الْأَمِير عبد الله بِمَا أَتَى بِهِ وَأثْنى على قريحته وَأنْشد لَهُ أَبُو عَامر السالمي فِي كتاب حلية اللِّسَان وبغية الْإِنْسَان فِي التشبيهات من تأليفه (لَيْت شعري كَيفَ يفرى لحظه ... من شغَاف الْقلب باللحظ الْأكل) (طرفه سَاج وَفِيه مرض ... كم صَحِيح قد رَمَاه فَقتل)

стр. 235

(من مجيري من رشاً ألحاظه ... إِنَّمَا تذكرني وَقع الأسل) وقرأت فِي تَارِيخ الْحميدِي أَن صُهَيْب بن منيع وَكَانَ قَاضِيا بإشبيلية كَانَ نقش خَاتمه (يَا عليماً كل عيب ... كن رَفِيقًا بصهيب) وَأَنه كَانَ يشرب النَّبِيذ لَعَلَّه كَانَ يذهب مَذْهَب أهل الْعرَاق فَشرب مرّة عِنْد الْحَاجِب مُوسَى بن حدير وَكَانَ من عُظَمَاء الدولة الأموية فَلَمَّا غفل أَمر باختلاس خَاتمه وأحضر نقاشاً فنقش تَحت الْبَيْت الْمَذْكُور (واستر الْعَيْب عَلَيْهِ ... إِن فِيهِ كل عيب) ورد الْخَاتم إِلَيْهِ وَختم القَاضِي بِهِ زَمَانا حَتَّى فطن لَهُ ٩١ - أَحْمد بن عبد الْملك بن شَهِيد الْوَزير أَبُو عمر هُوَ أَحْمد بن عبد الْملك بن عمر بن مُحَمَّد بن شَهِيد بن عِيسَى بن شَهِيد بن الوضاح الْأَشْجَعِيّ

стр. 236

وَقَالَ الرَّازِيّ إِن جدهم مولى مُعَاوِيَة بن مَرْوَان بن الحكم وَكَانَ الوضاح مَعَ الضَّحَّاك بن قيس يَوْم مرج راهط وشهيد بن عِيسَى هُوَ الدَّاخِل إِلَى الأندلس فِي أَيَّام عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَتصرف بنوه للخلفاء فِي الخطط السّنيَّة من الْإِمَارَة والحجابة والوزارة وَالْكِتَابَة إِلَى انْقِرَاض الدولة الأموية بالأندلس وَتصرف أَحْمد هَذَا للناصر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد فِي ولَايَة الكور والوزارة وقود الصوائف وغزا البشكنس وَهُوَ أول من سمى ب ذِي الوزارتين وَكَانَ من أهل الْأَدَب البارع حكى الْحميدِي عَن أبي مُحَمَّد بن حزم بِسَنَد ذكره أَن أَحْمد بن عبد الْملك هَذَا زار عبد الْملك بن جهور الْوَزير وَكَانَا جَمِيعًا يخدمان النَّاصِر عبد الرَّحْمَن فوافقه محجوباً وَلم يُمكنهُ الِاجْتِمَاع بِهِ فَكتب إِلَيْهِ (أَتَيْنَاك لَا عَن حَاجَة عرضت لنا ... إِلَيْك وَلَا قلب إِلَيْك مشوق) (ولكننا زرنا بِضعْف عقولنا ... حمارا تولى برنا بعقوق) فَأَجَابَهُ ابْن جهور بقوله (حجبناك لما زرتنا غير تائق ... بقلب عَدو فِي ثِيَاب صديق) (وَمَا كَانَ بيطار الشآم بِموضع ... يُبَاشر فِيهِ برنا بخليق) وَذكرت بقول ابْن شَهِيد قَول عبد الْملك بن سعيد الْمرَادِي الخازن (مَا حمدناك إِذْ وقفنا ببابك ... للَّذي كَانَ من طَوِيل حجابك) (بل ذممنا الزَّمَان فِيك وَقُلْنَا ... أبعد الله كل دهر أَتَى بك)

стр. 237

وَلأبي عمر بن شَهِيد (جريت مَعَ العشاق فِي حلبة الوجد ... ففاتهم وَصلى وَمَا عرفُوا جهدي) (وَمَا نهج العشاق فِي الْحبّ منهجا ... وَلَا سلكوا إِلَّا السَّبِيل الَّتِي أهْدى) (وَمَا اضمر العشاق فِي الوجد غَايَة ... من الشوق إِلَّا وَهِي من بعض مَا أبدى) (وَمَا ضعفوا عَن حمل ثقل ... اضطلعت بِهِ وحدي) (أَنا فاتح الْمِنْهَاج فِي سبل الْهوى ... كَمَا عَابِد الرَّحْمَن فاتحه الْمجد) (وخاتمه العشاق شرقاً ومغرباً ... كَمَا عَابِد الرَّحْمَن خَاتِمَة الرشد) ٩٢ - ابْنه عبد الْملك بن أَحْمد الْوَزير أَبُو مَرْوَان كَانَ على طليطلة لهشام بن الحكم الْمُؤَيد وَمِنْهَا خاطبه مهنئاً بمقتل غَالب الْقَائِد صَاحب مَدِينَة سَالم فِي خلَافَة وَمن شعره

стр. 238

(طلع الْبَدْر علينا ... فحسبناه لبيبا) (والتقينا فرأيناه ... بَعيدا وقريبا) وَله (قصرت عَن شأوى فعاديتني ... أقصر فَلَيْسَ الْجَهْل من شاني) (إِن كَانَ قد أَغْنَاك مَا تحتوي ... بخلا فَإِن الْجُود أغناني) ٩٣ - عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الْوَزير أَبُو وهب هُوَ عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن عبد الرءوف بن عبد السَّلَام بن إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن عبد الله بن جَابر بن عمر بن أَيُّوب مولى مَرْوَان بن الحكم

стр. 239

وَكَانَ عبد الله بن جَابر قَاضِيا لعمر بن عبد الْعَزِيز بِالشَّام وَدخل الأندلس من عقبَة عبد السَّلَام بن إِبْرَاهِيم وأخواه أَبُو المفوز وَعقبَة فتناسلوا بهَا وخدموا الْخُلَفَاء وتصرفوا فِي الولايات وَحكى أَبُو بكر الرَّازِيّ أَن عبد السَّلَام ولد اثنى عشر ولدا قَالَ وَكَانَ أَمينا للأمير عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بكورة إلبيرة ويكنى أَبَا الدلهاث وَولى ابْنه عبد الرءوف طليطلة وَمَا والاها للأمير عبد الرَّحْمَن بن الحكم سَبْعَة أَعْوَام وَتصرف فِي كثير من الكور ثمَّ استوزره فِي أخريات أَيَّامه واستوزره أَيْضا الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وَتُوفِّي وَهُوَ وَزِير وَولى عبد الْوَهَّاب بن عبد الرءوف الكور المجندة وَغَيرهَا أَيَّام الْأُمَرَاء مُحَمَّد وابنيه الْمُنْذر وَعبد الله وَتُوفِّي بإشبيلية وَهُوَ عَامل عَلَيْهَا وَولى مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب كورة جيان وَمَات بهَا وَتصرف عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد هَذَا لأمير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد فِي الولايات والأمانات ثمَّ استوزره وَذكره أَبُو بكر الزبيدِيّ فِي كتاب طَبَقَات النَّحْوِيين من تأليفة وَقَالَ كَانَ بَصيرًا بِالْعَرَبِيَّةِ طالع كتاب سِيبَوَيْهٍ وَنظر فِيهِ وَكَانَ ذَا كبر عَظِيم وبأو مفرط وَيظْهر مَعَ ذَلِك زهداً

стр. 240

وَولى الوزارة فَكَانَ لَا يزَال يُورد على أَصْحَابه من الوزراء مسَائِل من عويص النَّحْو حَتَّى برموا بِهِ واسعفوه من ذَلِك وَهُوَ الْقَائِل وَكَانَ سناطاً (لَيْسَ بِمن لَيست لَهُ لحية ... بَأْس إِذا حصلته ليسَا) (وَصَاحب اللِّحْيَة مستقبح ... يشبه فِي طلعته التيسا) (إِن هبت الرّيح تلاهت بِهِ ... وماست الرّيح بِهِ ميسا) وَله (قتلت عَيْنَاك عَبدك ... قبل أَن تقضي وَعدك) (حلت عَن عهد محب ... لم يزل يحفظ عَهْدك) (مَا لأفعالك ... لَا تشبه ندك) وَله (إِذا مَا بدا يعشى الْعُيُون بِسنة ... منافيه تغني عَن الشَّمْس والبدر) (وَوجه إِذا مَا الأنجم الزهر أَبْصرت ... محياه ظنته من الأنجم الزهر) وَله (أحوذى فِي مجده أوحدي ... لَيْسَ يحْكى سناؤه وسناه) (من رَآهُ فقد رأى الْغَيْث وَاللَّيْث ... جَمِيعًا فِي بأسه ونداه) (يستميل الْعُيُون مِنْهُ رواء ... ترتوى من حيائه وحياه)

стр. 241

(إِن بدا خلت أَنه قمر الأَرْض ... وصنواه حوله كوكباه) وَله (ليهنى النَّاس فِي ملكه ... أَن ابْنه التَّاسِع من بعده) (يقوم فِي الْملك مقاماته ... ويحتذى فِيهَا على قَصده) (أُوتى حكما فَاتَ فِيهِ الورى ... فكاد أَن ينْطق فِي مهده) (حمل أعباء العلى فَاكْتفى ... عفوا وَلم يبلغ إِلَى جهده) وَدخل يَوْمًا على عبد الْملك بن جهور الْوَزير فأقعده إِلَى جنبه وَمَال إِلَيْهِ بحَديثه ثمَّ دخل الخروبي فأقعده فَوْقه فَخرج أَبُو وهب مغضباً وَكتب إِلَيْهِ (بلوتك أَسْنَى الْعَالمين وأفضلا ... وأهذب فِي التَّحْصِيل رَأيا وأكملا) (فَقل لي مَا الْأَمر الَّذِي صَار مخملي ... لديك فأضحى مسْقطًا لي مخملا)

стр. 242

(تقدم من أضحى تقدم لومه ... لقد ضل هَذَا من فعالك مُشكلا) (وَمَا كنت أرْضى يعلم الله أنني ... أساويه فِي الفردوس دَارا ومنزلا) (فَإِن كنت قد قصرت بِي عَن محلتي ... صبرت وَمَا زَالَ التصبر أجملا) (ورحت على الدَّهْر المليم ألومه ... فقد هيض أَعْلَاهُ وغودر أسفلا) (وَكنت جَدِيرًا فِي كمالك أَن ترى ... لمثلي نَصِيبا من ودادك أجزلا) فَأَجَابَهُ عبد الْملك بِأَبْيَات مِنْهَا (غدرتك إِلَّا أَن فرط محبتي ... وإخلاص ودي سهلاً لي التدللا) (ظلمتك فِيمَا كَانَ مني مُجملا ... على غير تَحْصِيل وعاتبت مُجملا) (تقربت من قلبِي وَإِن كنت آخرا ... وَأخر عَن قلبِي وَإِن كَانَ أَولا) (وَمَا أَجْهَل الْقدر الَّذِي أَنْت أَهله ... وَلَا شرفاً أضحى عَلَيْك مظللا) (فَإِن عَن تَقْصِير بِغَيْر تعمد ... فغط عَلَيْهِ منعماً متطولا) ٩٤ - أَخُوهُ غَالب بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب أَبُو عبد السَّلَام ولى خطة الْعرض وَكتب للْحكم وَهُوَ ولي عهد فِي حَيَاة أَبِيه النَّاصِر ذكر ذَلِك الرَّازِيّ وَأنْشد لَهُ صَاحب الحدائق

стр. 243

(جفون هَمت مذغاب عَنْهَا حبيبها ... وَنَفس بهَا للشوق نَار تذيبها) (تيقنت إِذْ ودعتها أَن مهجتي ... سيقضي عَلَيْهَا شوقها ونحيبها) (شققت جيوبي يَوْم بَانَتْ وطالما ... أَطَالَ عَذَابي مَا طوته جيوبها) (وللحب حالات تمر خطوبها ... إِذا قرنت بالبين تحلو خطوبها) (معذبتي لَا تأسفي فلعلها ... تعود ليالينا الْقصار وطيبها) (أَلا لَيْت نَفسِي تَسْتَطِيع فداءها ... وياليتها من كل خير نصِيبهَا) (يعيبونها عمدا لأسلو ذكرهَا ... وَمَا عَابَ إِلَّا نَفسه من يعيبها) ٩٥ - جهور بن عبيد الله بن أبي عَبدة الْوَزير أَبُو الحزم قَالَ أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى الرَّازِيّ فِي تأليفه فِي الْأَنْسَاب الْمُسَمّى ب الِاسْتِيعَاب الْوَزير جهور بن عبيد الله هُوَ جهور بن عبيد الله بن مُحَمَّد بن الْغمر بن يحيى بن عبد الغافر بن حسان بن مَالك بن عبد الله بن جَابر

стр. 244

وَكَانَ عبد الله مَمْلُوكا لمروان الحكم أبلى يَوْم وقيعة مرج راهط بلَاء حسنا فَأعْتقهُ والداخل من أجداد هَذَا الْوَزير حسان بن مَالك وَهُوَ أَبُو عَبدة وَكَانَ دُخُوله سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَة قبل دُخُول عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بِخمْس وَعشْرين سنة وَولد حسان بالمشرق أَوْلَادًا قتلوا إِلَّا عبد الغافر لصغره فَنَشَأَ مَعَ عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وتأدب مَعَه بالمشرق وَلما قدم بدر مولى عبد الرَّحْمَن بِخَبَرِهِ إِلَى موَالِيه الشاميين استراح بِهِ إِلَى أبي عَبدة فَوجه ابْنه عبد الغافر إِلَيْهِ فَلَمَّا توطد عبد الرَّحْمَن استوزر أَبَا عَبدة واستقوده ثمَّ اسْتَعْملهُ على إشبيلية قائدا بهَا ومضيقا على أهل باجة وَغَيرهَا فَملك الغرب أجمع خَمْسَة أَعْوَام إِلَى أَن توفّي بإشبيلية وقبره بهَا

стр. 245

وَتصرف عبد الغافر فِي الوزارة للْإِمَام عبد الرَّحْمَن وَبرئ إِلَيْهِ بِخَاتمِهِ إِلَى أَن مَاتَ قَالَ وَأما عبيد الله بن مُحَمَّد بن الْغمر فَإِنَّهُ تصرف فِي الكور وحجابة الْأَوْلَاد وَالْمَدينَة وَالْخَيْل وَالْكِتَابَة والقيادة وَقد تقدم ذكر ذَلِك قَالَ وَتصرف جهور بن عبيد الله فِي الكور والأمانات والقيادة وَالْمَدينَة والوزارة للناصر وَقَالَ غَيره كَانَ عبيد الله وَالِد أبي الحزم هَذَا مَعَ تحَققه بالمعرفة وَالْأَدب والبلاغة ذَا بَأْس وشجاعة وغناء فِي الحروب وَله فتوح جمة ومقاوم حميدة وَاسْتَأْذَنَ الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد فِي آخر دولته لقَضَاء فَرِيضَة الْحَج فَأذن لَهُ وَحج ثمَّ انْصَرف إِلَى قرطبة فانقبض عَن السُّلْطَان وأخلد إِلَى الخمول وَأقَام على حَاله تِلْكَ فِي دَاره إِلَى أَن توفّي سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ آخر أَيَّام الْأَمِير عبد الله وَتصرف ابْنه جهور بعده فِيمَا ذكره الرَّازِيّ وَكَانَ شَاعِرًا مكثراً فَمن شعره قَوْله من أَبْيَات فِي تَفْضِيل الْورْد وَكَأَنَّهُ يرد بهَا على ابْن الرُّومِي

стр. 246

(خضعت نواوير الرياض لحسنه ... فتذللت تنقاد وَهِي شوارد) (وَإِذا تبدى الْورْد فِي أغصانه ... ذلت فذاميت وَهَذَا حَاسِد) (وَإِذا أَتَى وَفد الرّبيع مبشراً ... بِطُلُوع صفحته فَنعم الْوَافِد) (لَيْسَ المبشر كالمبشر باسمه ... خبر عَلَيْهِ من النُّبُوَّة شَاهد) (وَإِذا تعرى الْورْد من أوراقه ... بقيت عوارفه فهن خوالد) وَله (يَا عاتبا لي بالصدو ... دألا ذكرت قَبِيح غدرك) (أخليت من قلبِي مَكَانا ... كَانَ معمورا بذكرك) (وَأَنا أحبك لَو وثقت ... وأستديم بَقَاء عمرك) وَله (يَا لائماً وَالظُّلم مِنْهُ ... ظَاهر لي والفظاعه) (كم قد ضرعت وَقد سَمِعت ... فَمَا لويت إِلَى الضراعه) (فلئن رجعت كَمَا علمت ... لأقطعن فِيك الْجَمَاعَة) (وَمَتى لججت على الْأَذَى ... جازيت فعلك فِي صاعه) وَله (أَسَأْت لعمري إِذْ أَسَأْت بِي الظنا ... وألزمتني ذَنبا شغلت بِهِ الذهنا) (تجنيت فِي عذلي كأبى مذنب ... رويدك إِن العذل قد يُوجب الشحنا) (فَلَا تتجن الذَّنب من غير عِلّة ... فَرب تجن يُورث الحقد والضغنا)

стр. 247

(وَإِنِّي امْرُؤ مَحْض الْمَوَدَّة مخلص ... أصافي خليلي بِالَّذِي هُوَ بِي أَسْنَى) (وَإِن زل يَوْمًا فِي ودادي أقلته ... وقارضته فِي ذَاك بالصحبة الحسنا) (وَهل لي فدتك النَّفس دُونك رَاحَة ... وَأَنت شَقِيق النَّفس وَالْأَقْرَب الْأَدْنَى) (فثق بِي وَلَا تعجل على فإنني ... أدين بِمَا ترْضى وأعني بِمَا تَعْنِي) (وَلَا ذَنْب لي فِيمَا علمت وَلم أكن ... لأصغى إِلَى الواشين فِي قيلهم أذنا) وَله (انْظُر إِلَى محن الزَّمَان ... تزدك فِي الدُّنْيَا اعْتِبَارا) (واسمع لنعي الذاهبين ... وَكن كواحدهم حذارا) (واعمل بجد الْخَائِفِينَ ... وَلَا تنم إِلَّا غرارا) (وَاعْلَم بأنك لَاحق ... من قد كرهت لَهُ جوارا) (إِن اللَّيَالِي مَا فتئن ... تكدر الْعَيْش المعارا) (وتفرق الشمل الْجَمِيع ... وتجلب الْأَمر الضرارا) (فحوادث فِيهَا استلبن ... أَخا دعون بِهِ فسارا) (رزء إِلَى جنب اغتراب ... أرثا فِي الْقلب نَارا) (وفجيعة سلفت وَكَانَت ... محنة لي واختبارا) (بِأَخ شَقِيق مَا أُطِيق ... على رزيته اصطبارا)

стр. 248

وَمِنْهَا (اصبر فلست ترى على ... أحد حماه الصَّبْر عارا) (فالصبر أَنْفَع دخرة ... لَو كنت آتيه اخْتِيَارا) أنْشد أَبُو نصر الْفَتْح بن عبيد الله الإشبيلي فِي كتاب مطمح الْأَنْفس ومسرح التأنس فِي محَاسِن أهل الْمغرب والأندلس من تأليفه أَكثر هَذِه الأبيات وَالَّتِي قبلهَا ونسبها لأبي الحزم جهور بن مُحَمَّد بن جهور رَئِيس قرطبة الْمُتَأَخر غَلطا مِنْهُ ووهماً لاخفاء بِهِ وَإِنَّمَا هِيَ لجده جهور بن عبيد الله هَذَا الْمَذْكُور هُنَا ثمَّ أعقب غلطه بغلط آخر أفحش مِنْهُ فأورد ابياتاً لِابْنِ فرج فِيهِ يرثيه وأتى بعد ذَلِك برثاء ابْن زيدون فأفرط وخلط وَألْحق بِالْبَاطِلِ الْحق أما ابْن زيدون فرثاؤه لأبي الحزم الْأَخير صَحِيح غير معترض وَأما ابْن فرج فموته من مولده مقتربان عمرك الله كَيفَ يَلْتَقِيَانِ ولد جهور بن مُحَمَّد سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلاثمائة فِي الْمحرم وَتُوفِّي ابْن فرج إِثْر وَفَاة الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه فِي صفر سنة سِتّ بعْدهَا وللفتح أَيْضا غلط ينضاف إِلَى مَا تقدم فِي نِسْبَة بَيْتَيْنِ لأبي الحزم هَذَا وأنشدهما الْحميدِي لجهور بن مُحَمَّد التجِيبِي أَبى مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الفلو وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ ذكر أَنه شَاهده بالمرية وكتبهما من شعره وهما (قلت يَوْمًا لدار قوم تفانوا ... أَيْن سكانك الْكِرَام علينا) (فأجابت هُنَا أقامواقليلا ... ثمَّ سَارُوا وَلست أعلم أَيّنَا)

стр. 249

وَلم يلق الْحميدِي أَبَا الحزم فِيمَا علمت وَإِن كَانَ عاصره وَلَعَلَّ الْفَتْح من كِتَابه اسْتَفَادَ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ واشتباه الْأَسْمَاء جر هَذَا الْخلَل وَعدم المبالاة بضبط الموالد والوفيات كثيرا مَا يُوجد الزلل وَسَيَأْتِي ذكر أَبى الحزم الأندلسي الْأَخير فِي الْمِائَة الْخَامِسَة مُسْتَوفى إِن شَاءَ الله عز وَجل

стр. 250

٩٦ - أَخُوهُ مُحَمَّد بن عبيد الله هُوَ أسن من أَخِيه جهور وجهور أشهر مِنْهُ وَتصرف مُحَمَّد هَذَا فِي الكور والقيادة قَالَه الرَّازِيّ وَأنْشد لَهُ الْحميدِي يُخَاطب أَبَا عمر ابْن عبد ربه (أعدهَا فِي تصابيها خداعا ... فقد فضت خواتهما نزاعا) (قُلُوب يستخف بهَا التصابي ... إِذا أسكنتها طارت شعاعا) فَأَجَابَهُ (حقيق أَن يصاخ لَك استماعا ... وَأَن يعْصى العذول وَأَن تطاعا) (مَتى تكشف قناعك للتصابي ... فقد ناديت من كشف القناعا) (مَتى يمش الصّديق إِلَى فترا ... مشيت إِلَيْهِ من كرم ذِرَاعا) (فجدد عهد لهوك حِين يبْلى ... وَلَا تذْهب بشاشته ضيَاعًا) ٩٧ - عبد الرَّحْمَن بن بدر بن أَحْمد كَانَ بدر وصيفاً للأمير عبد الله فَأعْتقهُ وَصَرفه فِي الخطط الشَّرِيفَة
следующие страницы →