← История

История · id 6630

الحلة السيراء

ابن الأبار

Полный текст (687 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

(خضعت نواوير الرياض لحسنه ... فتذللت تنقاد وَهِي شوارد) (وَإِذا تبدى الْورْد فِي أغصانه ... ذلت فذاميت وَهَذَا حَاسِد) (وَإِذا أَتَى وَفد الرّبيع مبشراً ... بِطُلُوع صفحته فَنعم الْوَافِد) (لَيْسَ المبشر كالمبشر باسمه ... خبر عَلَيْهِ من النُّبُوَّة شَاهد) (وَإِذا تعرى الْورْد من أوراقه ... بقيت عوارفه فهن خوالد) وَله (يَا عاتبا لي بالصدو ... دألا ذكرت قَبِيح غدرك) (أخليت من قلبِي مَكَانا ... كَانَ معمورا بذكرك) (وَأَنا أحبك لَو وثقت ... وأستديم بَقَاء عمرك) وَله (يَا لائماً وَالظُّلم مِنْهُ ... ظَاهر لي والفظاعه) (كم قد ضرعت وَقد سَمِعت ... فَمَا لويت إِلَى الضراعه) (فلئن رجعت كَمَا علمت ... لأقطعن فِيك الْجَمَاعَة) (وَمَتى لججت على الْأَذَى ... جازيت فعلك فِي صاعه) وَله (أَسَأْت لعمري إِذْ أَسَأْت بِي الظنا ... وألزمتني ذَنبا شغلت بِهِ الذهنا) (تجنيت فِي عذلي كأبى مذنب ... رويدك إِن العذل قد يُوجب الشحنا) (فَلَا تتجن الذَّنب من غير عِلّة ... فَرب تجن يُورث الحقد والضغنا)

стр. 247

(وَإِنِّي امْرُؤ مَحْض الْمَوَدَّة مخلص ... أصافي خليلي بِالَّذِي هُوَ بِي أَسْنَى) (وَإِن زل يَوْمًا فِي ودادي أقلته ... وقارضته فِي ذَاك بالصحبة الحسنا) (وَهل لي فدتك النَّفس دُونك رَاحَة ... وَأَنت شَقِيق النَّفس وَالْأَقْرَب الْأَدْنَى) (فثق بِي وَلَا تعجل على فإنني ... أدين بِمَا ترْضى وأعني بِمَا تَعْنِي) (وَلَا ذَنْب لي فِيمَا علمت وَلم أكن ... لأصغى إِلَى الواشين فِي قيلهم أذنا) وَله (انْظُر إِلَى محن الزَّمَان ... تزدك فِي الدُّنْيَا اعْتِبَارا) (واسمع لنعي الذاهبين ... وَكن كواحدهم حذارا) (واعمل بجد الْخَائِفِينَ ... وَلَا تنم إِلَّا غرارا) (وَاعْلَم بأنك لَاحق ... من قد كرهت لَهُ جوارا) (إِن اللَّيَالِي مَا فتئن ... تكدر الْعَيْش المعارا) (وتفرق الشمل الْجَمِيع ... وتجلب الْأَمر الضرارا) (فحوادث فِيهَا استلبن ... أَخا دعون بِهِ فسارا) (رزء إِلَى جنب اغتراب ... أرثا فِي الْقلب نَارا) (وفجيعة سلفت وَكَانَت ... محنة لي واختبارا) (بِأَخ شَقِيق مَا أُطِيق ... على رزيته اصطبارا)

стр. 248

وَمِنْهَا (اصبر فلست ترى على ... أحد حماه الصَّبْر عارا) (فالصبر أَنْفَع دخرة ... لَو كنت آتيه اخْتِيَارا) أنْشد أَبُو نصر الْفَتْح بن عبيد الله الإشبيلي فِي كتاب مطمح الْأَنْفس ومسرح التأنس فِي محَاسِن أهل الْمغرب والأندلس من تأليفه أَكثر هَذِه الأبيات وَالَّتِي قبلهَا ونسبها لأبي الحزم جهور بن مُحَمَّد بن جهور رَئِيس قرطبة الْمُتَأَخر غَلطا مِنْهُ ووهماً لاخفاء بِهِ وَإِنَّمَا هِيَ لجده جهور بن عبيد الله هَذَا الْمَذْكُور هُنَا ثمَّ أعقب غلطه بغلط آخر أفحش مِنْهُ فأورد ابياتاً لِابْنِ فرج فِيهِ يرثيه وأتى بعد ذَلِك برثاء ابْن زيدون فأفرط وخلط وَألْحق بِالْبَاطِلِ الْحق أما ابْن زيدون فرثاؤه لأبي الحزم الْأَخير صَحِيح غير معترض وَأما ابْن فرج فموته من مولده مقتربان عمرك الله كَيفَ يَلْتَقِيَانِ ولد جهور بن مُحَمَّد سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلاثمائة فِي الْمحرم وَتُوفِّي ابْن فرج إِثْر وَفَاة الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه فِي صفر سنة سِتّ بعْدهَا وللفتح أَيْضا غلط ينضاف إِلَى مَا تقدم فِي نِسْبَة بَيْتَيْنِ لأبي الحزم هَذَا وأنشدهما الْحميدِي لجهور بن مُحَمَّد التجِيبِي أَبى مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الفلو وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ ذكر أَنه شَاهده بالمرية وكتبهما من شعره وهما (قلت يَوْمًا لدار قوم تفانوا ... أَيْن سكانك الْكِرَام علينا) (فأجابت هُنَا أقامواقليلا ... ثمَّ سَارُوا وَلست أعلم أَيّنَا)

стр. 249

وَلم يلق الْحميدِي أَبَا الحزم فِيمَا علمت وَإِن كَانَ عاصره وَلَعَلَّ الْفَتْح من كِتَابه اسْتَفَادَ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ واشتباه الْأَسْمَاء جر هَذَا الْخلَل وَعدم المبالاة بضبط الموالد والوفيات كثيرا مَا يُوجد الزلل وَسَيَأْتِي ذكر أَبى الحزم الأندلسي الْأَخير فِي الْمِائَة الْخَامِسَة مُسْتَوفى إِن شَاءَ الله عز وَجل

стр. 250

٩٦ - أَخُوهُ مُحَمَّد بن عبيد الله هُوَ أسن من أَخِيه جهور وجهور أشهر مِنْهُ وَتصرف مُحَمَّد هَذَا فِي الكور والقيادة قَالَه الرَّازِيّ وَأنْشد لَهُ الْحميدِي يُخَاطب أَبَا عمر ابْن عبد ربه (أعدهَا فِي تصابيها خداعا ... فقد فضت خواتهما نزاعا) (قُلُوب يستخف بهَا التصابي ... إِذا أسكنتها طارت شعاعا) فَأَجَابَهُ (حقيق أَن يصاخ لَك استماعا ... وَأَن يعْصى العذول وَأَن تطاعا) (مَتى تكشف قناعك للتصابي ... فقد ناديت من كشف القناعا) (مَتى يمش الصّديق إِلَى فترا ... مشيت إِلَيْهِ من كرم ذِرَاعا) (فجدد عهد لهوك حِين يبْلى ... وَلَا تذْهب بشاشته ضيَاعًا) ٩٧ - عبد الرَّحْمَن بن بدر بن أَحْمد كَانَ بدر وصيفاً للأمير عبد الله فَأعْتقهُ وَصَرفه فِي الخطط الشَّرِيفَة

стр. 251

ثمَّ وُلَاة النَّاصِر الوزارة والحجابة والقيادة وَالْخَيْل وَالْبرد وَكَانَ ينْفَرد بالولايات فتكنب السجلات فِي دَاره ثمَّ يبعثها للطبع فتطبع وَتخرج إِلَيْهِ فيبعث فِي الْعمَّال وينفذون على يَدَيْهِ وَولى عبد الرَّحْمَن هَذَا الْكِتَابَة والوزارة وَالْعرض والخزانة للناصر وَصَرفه فِي عمَارَة كورة إشبيلية وَمن شعره (لساني كَانَ من أَعدَاء قلبِي ... إِذْ الزمه الذُّنُوب بِغَيْر ذَنْب) (إِلَى من اشْتَكَى عدوي اعتذار ... أَمر مذاقتي طعمي وشربي) (وأسهر مقلتي وأسال دمعي ... لفرط الوجد سكبا بعد سكب) وَله (يَا وردة وسط رَوْضَة سفرت ... لَو رمتها باللحاظ لَا نتثرت) (ودرة فِي الْجمال مفرغة ... لَوْلَا حجاب يكنها بهرت) (دع كَبِدِي فِي الضلوع آمِنَة ... وَخذ جفوني فَإِنَّهَا نظرت)

стр. 252

٩٨ - إِسْمَاعِيل بن بدر بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد أَبُو بكر كَانَ مولى نعْمَة لبني أُميَّة وَولى إشبيلية للناصر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وَكَانَ أثيراً لَدَيْهِ ومنادماً لَهُ وعاش إِلَى أول دوله ابْنه الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وَقد حمل عَنهُ الحَدِيث لسماعه من بَقِي بن مخلد والخشنى وَمُحَمّد بن وضاح وطبقتهم فَاحْتَاجَ إِلَيْهِ النَّاس ذكره ابْن الفرضى فِي تَارِيخه وَذكر أَن صناعَة الشّعْر غلبت عَلَيْهِ وَهُوَ أحد المكثرين أنْشد لَهُ ابْن فرج فِي كتاب الحدائق من تأليفه (وَذي لجب كالبحر عب عبابه ... فَضَاقَ بِهِ رحب الفلا والتنائف) (قريب الخطى نائى المدى مالئ الملا ... بِجمع ترَاهُ وَاقعا غير وَاقِف) (تركنَا بِهِ أَرض الْعَدو كَأَنَّهَا ... مجاهل للمرتاد غير معارف) (غَدَتْ بعد سحب الْبيض فِيهَا ذيولها ... مجر ذيول الطامسات العواصف) وَله فِي النَّاصِر (لَو كَانَ يعبد دون الله من أحد ... مَا كَانَ غَيْرك فِي الدُّنْيَا بمعبود) (قد فَاتَ قدرك وصف الواصفين فَمَا ... ذكراك إِلَّا بتحميد وتمجيد) (لما ذكرتك يَوْمًا قلت من جذل ... يَا نعْمَة الله فِي أَيَّامه زيدي)

стр. 253

وَله فِي بيعَة الْمُسْتَنْصر بعد وَفَاة أَبِيه النَّاصِر (لَئِن غربت شمس لقد طلعت شمس ... فَمَا فِي صَلَاح الأَرْض ريب وَلَا لبس) (بمستنصر بِاللَّه دَان لملكه ... وأيامه الميمونة الْجِنّ وَالْإِنْس) (تولى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَصْبحُوا ... وَمَا بَينهم نجوى بعدوى وَلَا هَمس) (فَلَا سقيت أَرض بِغَيْر سحابه ... بِلَالًا وَلَا سرت لساكنها نفس) (وَإِن شدّ حلْس لَا يكون ثِيَابه ... فلاا نهضت يَوْمًا بِمن شده عنس) وَأنْشد لَهُ الْحميدِي عَن أبي مُحَمَّد بن حزم (أُنَاجِي حسن رَأْيك بالأماني ... وأشكو بالتوهم مَا شجاني) (ولي ب عَسى وَلَو وَلَعَلَّ روح ... ينفس عَن كئيب الْقلب عان) (ومحض هوى بِظهْر الْغَيْب صَاف ... ترى عَيْني بِهِ من لَا يراني) (على ذَاك الزَّمَان وَإِن نقضي ... سَلام لَا يبيد على الزَّمَان) (كفاني يَا مدى أمْلى بعاد ... تمنيت الْمَمَات لَهُ كفاني) وَله يرثي ابْنه (غرست قَضِيبًا زعزعته يَد الردى ... فَخلوا دموع الْعين تبك على غرسي) (وَهَذَا حمام الأيك يبكى هديله ... فَمَا لهديلي لَا تذوب لَهُ نَفسِي) وَله فِيهِ (مَا حزن يَعْقُوب على يُوسُف ... أَشد من حزني على أَحْمد) (أَحْمد ملحود فَهَل نستوى ... وَذَاكَ لم يقبر وَلم يلْحد) (وَكَانَ يرجوه وَهل أرتجى ... هَذَا وَقد غمضته بِالْيَدِ)

стр. 254

وَله فِي توت أهداه (تفاءلت بالتوت التأتي لزورة ... وَذَلِكَ قَالَ مَا علمت صَدُوق) (فأهديته غضا حكى حذق المها ... لَهُ منظر بالْحسنِ مِنْهُ يروق) (وَبَعض حكى الْيَاقُوت مِنْهُ احمراره ... وَمَا مجه للذائقين رحيق) (فَذا سبج فِيمَا يرى لَا سوداده ... وَذَا لَا حمرار اللَّوْن مِنْهُ عقبق) ٩٩ - عبيد الله بن أَحْمد بن يعلى بن وهب ولاه النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد مَا كَانَ بيد أَبِيه أَحْمد بن يعلى قائده الْجَلِيل الْمِقْدَار الحميد الْآثَار من قيادة الْجوف بطليوس وأعمالها حِين نوه بِأَحْمَد الْمَذْكُور وولاه طليطلة وأعمالها من الثغر الْأَدْنَى وَرفع رزقه إِلَى أرزاق الوزراء مَعَ مقَامه على خطته فِي الشرطة الْعليا وسمى قَائِد الأعنة وَذَلِكَ فِي صفر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وثلاثمائة فأغنى عبيد الله فِي قتال الرّوم غناء أَبِيه وتوالت لَهُ فيهم فتوح وَكَانَ أديباً شَاعِرًا وَهُوَ الْقَائِل من قصيدة (ترى الأَرْض فِينَا لَا يقر قَرَارهَا ... إِذا لم يسسها من أُميَّة سائس) (ذَوُو الهضبات الشم والأبحر الَّتِي ... تفيض ملاء والملوك الأشاوس) (هم ذَهَبُوا بالمكرمات وَلم يزل ... لَهُم جبل الْعِزّ الْقَدِيم القوامس) (وهم نزلُوا من خَنْدَق حَيْثُ تلتقى ... رُؤُوس قصى فِي الذرى والمغاطس)

стр. 255

(وهم غمسوا فِي جَفْنَة الطّيب قبل أَن ... يرى أحد من قَومهمْ وَهُوَ غامس) (وهم أوقدوا حَرْب الْفجار حفيظة ... فَقَامَتْ بهَا أعياصهم والعنابس) (بهاليل من إِن يستضيف إِلَيْهِم ... بِمَا شيدوا إِلَّا الْخِصَال النفائس) (إِذا سوجلوا لم يَحْتَمِلهُمْ مساجل ... وَإِن قويسوا لم يستطعهم مقابس) (تطيف بهم ساحات مَكَّة فِي الْعلَا ... وتكنفهم مِنْهَا البطاح الأمالس) وَكَانَ أَخُوهُ يعلى بن أَحْمد أديباً أَيْضا وَسَيَأْتِي ذكره ١٠٠ - جَعْفَر بن عُثْمَان المصحفي الْحَاجِب الْوَزير أَبُو الْحسن هُوَ جَعْفَر بن عُثْمَان بن نصر بن قوى بن عبد الله بن كسيلة من برابر بلنسية ينتمي إِلَى قيس بالمخالفة وَذكر ابْن الفرضى فِي تَارِيخه أَبَاهُ عُثْمَان وَقَالَ فِي نسبه بعد نصر ابْن عبد الله بن حميد بن سَلمَة بن عباد بن يُونُس القيسى وَكَانَ قد أدب الحكم وَذَلِكَ أزلف جعفراً عِنْده وَأَدْنَاهُ مِنْهُ فاستخدمه بِالْكِتَابَةِ فِي إمارته وَولى جَزِيرَة ميورقة فِي أَيَّام النَّاصِر ثمَّ تقلد الحكم

стр. 256

الْخلَافَة فاستوزره وأمضاه مَعَ ذَلِك على كِتَابَته الْخَاصَّة وَضم إِلَيْهِ بعد مُدَّة ولَايَة الشرطة وأخدمه ابْنه هشاماً وَأقَام على ذَلِك إِلَى وَفَاة الحكم واستخلاف هِشَام ابْنه فحجبه يَوْم قعوده لِلْبيعَةِ وَذَلِكَ يَوْم الأثنين لخمس خلون من صفر سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَعَن يَمِينه ويساره الفتيان جؤذر وفائق ثمَّ أهل الخطط على مَنَازِلهمْ وَكَانَ الْقَائِد مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي عَامر وَهُوَ إِذْ ذَاك يتَوَلَّى الشرطة الْوُسْطَى وَالسِّكَّة والمواريث وَالْوكَالَة يشرف على عقد الشَّهَادَات فِي نسخ الْبيعَة بَين يَدَيْهِ بعد مَا كَانَ القَاضِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن السَّلِيم يَأْخُذهَا على طَبَقَات من شَهِدَهَا من الْأَعْمَام وَأَبْنَائِهِمْ والوزراء وضروب أهل الْخدمَة ورجالات قُرَيْش وأعلام قرطبة حكى ذَلِك عِيسَى بن أَحْمد الرَّازِيّ قَالَ ثمَّ لما كَانَ يَوْم السبت لعشر خلون من صفر المؤرخ قلد هِشَام حجابته جَعْفَر بن عُثْمَان لقدم صحبته لِأَبِيهِ الْمُسْتَنْصر وَكَانَ الْمُسْتَنْصر قد شرفه لتأديب أَبِيه عُثْمَان بن نصر لَهُ وَصَرفه فِي الْأَعْمَال وَقدمه إِلَى الكور ثمَّ اسْتَكْتَبَهُ وَهُوَ ولى عهد وَذكر نَحوا مِمَّا تقدم من خَبره قَالَ ثمَّ قدم هِشَام الْمُؤَيد ابْن أَخِيه هِشَام بن مُحَمَّد بن عُثْمَان إِلَى خطة الْخَيل ثمَّ إِلَى الوزارة وَولى بنيه مُحَمَّدًا وَعُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن وأخاه سعيداً وَابْن أَخِيه مُحَمَّدًا الشرطة الْعليا وَالْوُسْطَى فَلم ينْهض بعبء مَا قَلّدهُ وَخلف على الْمَدِينَة ابْنه مُحَمَّدًا

стр. 257

فأساء السِّيرَة وزكا على الْمحبَّة أَبُو عَامر مُحَمَّد بن أبي عَامر فَبسط الْمُؤَيد يَده وَقبض يَد جَعْفَر بن عُثْمَان فأداله وَابْن أَخِيه وَقَالَ ابْن حَيَّان استطال عَلَيْهِ مُحَمَّد بن أبي عَامر بكفايته ودفاعه الْعَدو المتكالب لأوّل ولَايَة هِشَام ووفاة الحكم وَاسْتظْهر على ذَلِك بمصاهرة غَالب القائدة مولى النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وَقد كَانَ غَالب فِيمَا حكى الرَّازِيّ شَارك جَعْفَر بن عُثْمَان فِي الحجابة وصير فرَاشه فِي الصَّدْر وَعَن يَمِينه جعفروعن يسَاره أَبُو عَامر للوزارتين قَالَ ابْن حَيَّان فَأدى ذَلِك إِلَى الْقَبْض على جَعْفَر وعَلى وَلَده وأسبابه وعَلى أَخِيه هِشَام وَسَائِر أَقَاربه وطولبوا بالأموال وَكَانَ ابْن أبي عَامر يحمل جعفراً مَعَه فِي الْغَزَوَات تعنيتاً وانتقاماً مِنْهُ فَلَمَّا بَان عَجزه وَضعف أقرّ بالمطبق إِلَى أَن هلك فِيهِ سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وثلاثمائة فَأسلم إِلَى أَهله فِي أقبح صُورَة وَقيل قتل خنقاً وَكَانَ مقدما فِي صناعَة الْكِتَابَة مفضلا على طبقته بالبلاغة وَله شعر كثير مدون يدل على تمكنه من الإجادة وتصرفه فِي أفانين الْبَيَان وَهُوَ الْقَائِل (سَأَلت نُجُوم اللَّيْل هِيَ يَنْقَضِي الدجى ... فخطت جَوَابا بِالثُّرَيَّا كخط لَا) (وَكنت أرى أَنِّي بآخر لَيْلَة ... فَأَطْرَقَ حَتَّى خلته عَاد أَولا) (وَمَا عَن هوى سامرتها غير أنني ... أنافسها المجرى إِلَى رتب الْعلَا)

стр. 258

وَله (أما والهوى مَا كنت أعرف مَا الْهوى ... وَلَا مَا دواعي الشوق حَتَّى تكلما) (دَعَاني بِلَفْظ لَو دَعَا يذبلاً بِهِ ... للباه مشتاقاً ووافاه مغرما) وَله ويروى لغيره (كَلَّمتنِي فَقلت در سقيط ... فتأملت عقدهَا هَل تناثر) (وازدهاها تَبَسم فأرتنا ... عقد در من التبسم آخر) وَله (إِن فَاه أشربت الضلوع هوى ... حَتَّى كَأَن جَمِيعهَا أذن) (لَا تنكروا كلف الضلوع بِهِ ... فَحَدِيثه لوجيبها سكن) وقرأت فِي كتاب الفرائد فِي التَّشْبِيه لِابْنِ أبي الْحسن الْقُرْطُبِيّ مَنْسُوبا إِلَيْهِ (بَادر فَإِن نَذِير الْغَيْث قد نذرا ... مجدداً لسرور كَانَ قد دثرا) (أرخت عزاليه واصطرت بعنصره ... ريح الصِّبَا واستدرت دمعه فَجرى) (أوفى فبرد من حر الْقُلُوب كَمَا ... أوفى علينا حبيب طالما هجرا) (فلاقه بكؤوس الراح مترعة ... شكرا لَهُ فكريم الْقَوْم من شكرا)

стр. 259

وَله فِي سوسنة (يَا رب سوسنة قد بت ألثمها ... وَمَالهَا غير طعم الْمسك من ريق) (مصفرة الْوسط مبيض جوانبها ... كَأَنَّهَا عاشق فِي حجر معشوق) وَله فِي الخيال (لَئِن سلبوني شخصه ووصاله ... لما قدرُوا أَن يسلبوني خياله) (إِذا حجبت عني الْحَوَادِث وَجهه ... أَقَامَ الْهوى لي حَيْثُ كنت مِثَاله) وَله (وَكم مهمه لَا يُوجد الركب مشرعاً ... قطعت وبحر شامخ الموج أسفعا) (خضم إِذا استعلت بِهِ الشَّمْس لَا يزل ... يطاولها حَتَّى تمل فتخضعا) (تغيب وتبدو فِيهِ حَتَّى كَأَنَّمَا ... غَدا مغربا تجرى إِلَيْهِ ومطلعا) (إِذا مَا ارتمت أمواجه خلت أَنَّهَا ... ذرى الشم أمتنَا من الْبر نزعا) (تقاذف فِي رحب الْجمال بسيطها ... يرد وقود الرّيح حسرى وظلعا) وَله فِي تفاحة (لعمري لَئِن أهديت نَفسِي وَمَا حوت ... فَأَنت بهَا منى أَحَق وأملك) (ولكنني أهْدى الَّتِي لَا تردها ... يَمِين وَلَا فِيهَا لذِي اللحظ مترك) (تناولتها من غصنها وَكَأَنَّهَا ... من الْحسن ذَاك الناجم المتفلك) وَله فِي سفرجلة (ومصفرة تختال فِي ثوب نرجس ... وتعبق عَن مسك ذكى التنفس) (لَهَا ريح مَحْبُوب وقسوة قلبه ... ولون محب حلَّة السقم مكتس)

стр. 260

(فصفرتها من صفرتي مستعارة ... وأنفاسها فِي الطّيب أنفاس مؤنسى) (فَلَمَّا استتمت فِي الْقَضِيب شبابها ... وحاكت لَهَا الأنواء أبراد سندس) (مددت يَدي باللطف أبغى اقتطافها ... لأجعلها ريحانتي وسط مجلسي) (وَكَانَ لَهَا ثوب من الزغب أغبر ... يرف على جسم من التبر أملس) (فَلَمَّا تعرت فِي يَدي من لباسها ... وَلم تبْق إِلَّا فِي غلالة نرجس) (ذكرت بهَا من لَا أبوح بِذكرِهِ ... فأذبلها فِي الْكَفّ حر تنفسي) وَله وَقد أهديت إِلَيْهِ رامشنة ورد فِي زمن الْبرد فاستغربها وَكتب إِلَى مهديها (لعمرك مَا فِي فطْرَة الرَّوْض قدرَة ... يحِيل بهَا مجْرى الزَّمَان عَن الْقَصْد) (وَلكنهَا أخلاقك الغر نبهت ... بربعك فِي كانون نَائِمَة الْورْد)

стр. 261

وَله فِي الْخمر وَقد أنْشد ذَلِك أَبُو مَنْصُور الثعالبي فِي الْيَتِيمَة (صفراء تطرق فِي الزّجاج فَإِن سرت ... فِي الْجِسْم دبت مثل صل لادغ) (خفيت على شرابها فَكَأَنَّمَا ... يَجدونَ ريا فِي إِنَاء فارغ) (عَبث الزَّمَان بجسمها فتسترت ... عَن عينهَا فِي ثوب نور سابغ) وَله (كم لَيْلَة بت أطويها وأنشرها ... وَلَا أرى فِي الَّذِي أقضى بهَا حرجاً) (فِي فتية نجب صَارُوا بمعترك ... يجرى النَّعيم على الصرعى بهَا خلجا) (والجو ملتحف ... والنجم مكحولة ألحاظه دعجا) (لفوا دجى ليلهم فِي نور كاسهم ... ونفسوا من خناق الزق فانبلجا) وَله (لعينيك فِي قلبِي على عُيُون ... وَبَين ضلوعي للشجون فنون) (لَئِن كَانَ جسمي مخلقاً فِي يَد الْهوى ... فحبك غض فِي الْفُؤَاد مصون) (نَصِيبي من الدُّنْيَا هَوَاك وَإنَّهُ ... عَذَابي وَلَكِنِّي عَلَيْهِ ضنين) وَله (يَا ذَا الَّذِي لم يدع لي حبه رمقاً ... هَذَا محبك يشكو البث والأرقا) (لَو كنت تعلم مَا شوقي إِلَيْك إِذا ... أيقنت أَن جَمِيع الشوق لي خلقا) (لم يبصر الْحسن مجموعاً على أحد ... من لَيْسَ يبصر ذَاك الخد والعنقا) وَله فِي وَفَاة النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وبيعة ابْنه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه الحكم ابْن عبد الرَّحْمَن

стр. 262

(أَلا إِن أَيَّام هفت بإمامها ... لجائرة مشتطة باحتكامها) (تَأمل فَهَل من طالع غير آفل ... بِهن وَهل من قَاعد لقيامها) (وعاين فَهَل من عائش برضاعها ... من النَّاس إِلَّا ميت بفطامها) (كَأَن نفوس النَّاس كَانَت بِنَفسِهِ ... فَلَمَّا توارى أيقنت بحمامها) (فطار بهَا يأس الأسى وتقاصرت ... يَد الصَّبْر عَن إعوالها والتدامها) وَمِنْهَا لَهُ (إِمَام تَلَقَّتْهُ الْخلَافَة صبة ... إِلَى نسم مَحْمُولَة عَن إمامها) (فَصَارَت إِلَيْهِ فِي حُدُود تَمَامه ... وَصَارَ إِلَيْهَا فِي حُدُود تَمامهَا) (فَلم ينْتَقل بِالنَّاسِ يَوْم انتقالها ... إِلَيْهِ سَبِيل عَن مَحل قوامها) (أَتَوْهُ فَأَعْطوهُ المواثق عَن هوى ... تمكن فِي أبشارها وعظامها) (وناولهم كفا يطول الْهدى بهَا ... رضَا الله فِي تقبيلها واستلامها) (أناف على الدُّنْيَا بِعَين مُحِيطَة ... وَقَالَ ادخُلُوا فِي أمنها وسلامها) وَله (يطالعنا فِي كل يَوْم بغرة ... بَنو الدّين وَالدُّنْيَا مَعًا يأملونها) (إِذا مَا تراءته الْعُيُون تواضعت ... لإجلاله عَن أَن تقل شؤونها) (عَلَيْهَا من الرَّحْمَن نور جلالة ... يقصر بالألحاظ أَن تستبينها) وَله مِمَّا قَالَه بديهاً بَين يَدي الحكم عِنْدَمَا بشر بِوِلَادَة ابْنه هِشَام (اطلع الْبَدْر من حجابه ... واطرد السَّيْف من قرَابه) (وجاءنا وَارِث الْمَعَالِي ... ليثبت الْملك فِي نصابه)

стр. 263

(بشرنا سيد البرايا ... بِنِعْمَة الله فِي كِتَابه) (لَو كنت أعْطى البشير عمري ... لم أقض حَقًا لما أَتَى بِهِ) وَله فِي نكبته (تَأَمَّلت صرف الحادثات فَلم أزل ... أَرَاهَا توافي عِنْد مقصدها الحرا) (فَللَّه أَيَّام مَضَت لسبيلها ... فَإِنِّي لَا أنسى لَهَا أبدا ذكرا) (تجافت بهَا عَنَّا الْحَوَادِث بُرْهَة ... وأبدت لنا مِنْهَا الطلاقة والبشرا) (ليَالِي لم يدر الزَّمَان مَكَاننَا ... وَلَا نظرت منا حوادثه شزرا) (وماا هَذِه الْأَيَّام إِلَّا سحائب ... على كل حَال تمطر الْخَيْر والشرا) وَله (أجارى الزَّمَان على حَاله ... مجاراة نَفسِي لأنفاسها) (إِذا نفس صاعد شفها ... تَوَارَتْ بِهِ بَين جلاسها) (وَإِن عكفت نكبة للزمان ... عكفت بصدري على رَأسهَا) وَله يستعطف الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر وَكتب إِلَيْهِ بهَا من محبسه (هبني أَسَأْت فَأَيْنَ العفور وَالْكَرم ... إِذْ قادني نَحْوك الإذعان والندم) (يَا خير من مدت الْأَيْدِي إِلَيْهِ أما ... ترثى لشيخ نعاه عنْدك الْقَلَم) (بالغت فِي السخط فاصفح صفح مقتدر ... إِن الْمُلُوك إِذا مَا استرحموا رحموا) هَذِه الأبيات متنازعة ينسبها إِلَى المصحفي جمَاعَة وَقد وَجدتهَا منسوبة إِلَى أبي عمر بن دراج القسطلي وَذكر أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم الرَّقِيق فِي

стр. 264

تَارِيخه أَنَّهَا لكاتب إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن الْأَغْلَب وَكِلَاهُمَا أَسَاءَ الرَّد على من قالهاوتمثل بهَا أما إِبْرَاهِيم فَقَالَ لجهله وفظاظته وَقلة رَحمته إِن الْمُلُوك إِذا مَا استرحموا قتلوا وَبعث إِلَيْهِ من قَتله وقرأت فِي كتاب الافتخار لأبي بكر عَتيق بن خلف القيرواني أَن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد لما قَرَأَ رِسَالَة كَاتبه إِلَيْهِ من محبسه قَالَ يكْتب إِلَى هبني أَسَأْت وَهُوَ قد أَسَاءَ وَالله لَو كتب إِلَى بقول الأول (وَنحن الكاتبون وَقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا) لعفوت عَنهُ ثمَّ أَمر بِهِ فَجعل فِي تَابُوت وأحرق بالنَّار وَهُوَ حَيّ وَأما ابْن أبي عَامر فَأمر عبد الْملك بن إِدْرِيس أَن يجاوبه عَن هَذِه الأبيات فَقَالَ

стр. 265

(الْآن يَا جَاهِلا زلت بك الْقدَم ... تبغى التكرم لما فاتك الْكَرم) (أغريت بِي ملكا لَوْلَا تثبته ... مَا جَازَ لي عِنْده نطق وَلَا كلم) (فايأس من الْعَيْش إِذْ قد صرت فِي طبق ... إِن الْمُلُوك إِذا مَا ستنقموا نقموا) (نَفسِي إِذا سخطت لَيست براضية ... وَلَو تشفع فِيك الْعَرَب والعجم) وَيُقَال إِن الأبيات لِابْنِ أبي عَامر وكلتا الفعلتين من أَفعَال الْجَبَابِرَة الَّذين أطغتهم النِّعْمَة ونزعت من قُلُوبهم الرَّحْمَة وللمصحفي لما يئس من الْمَنْصُور وصفحه (لَا تأمنن من الزَّمَان تقلباً ... إِن الزَّمَان بأَهْله يتقلب) (وَلَقَد أَرَانِي والليوث تخافني ... فأخافني من بعد ذَاك الثَّعْلَب) (حسب الْكَرِيم مذلة ونقيصة ... أَلا يزَال إِلَى لئيم يطْلب) (وَإِذا أَتَت أعجوبة فاصبر لَهَا ... فالدهر يَأْتِي بعد مَا هُوَ أعجب) وَله (لي مُدَّة لَا بُد أبلغهَا ... فَإِذا انْقَضتْ أَيَّامهَا مت) (لَو قابلتني الْأسد ضارية ... وَالْمَوْت لم يقدر لما خفت) (فَانْظُر إِلَى وَكن على حذر ... فبمثل حالك أمس قد كنت)

стр. 266

١٠١ - مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي عَامر الْحَاجِب الْمَنْصُور أَبُو عَامر هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَامر بن أبي عَامر بن الْوَلِيد ابْن يزِيد بن عبد الْملك المعافرى أَمِير الأندلس فِي دولة الْمُؤَيد بِاللَّه هِشَام بن الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وَالْغَالِب عَلَيْهِ أَصله من الجزيرة الخضراء ولسلفه بهَا قدر ونباهة وَقدم قرطبة شَابًّا فَطلب بهَا الْعلم وَالْأَدب وَسمع الحَدِيث وَكَانَ أَبوهُ أَبُو حَفْص عبد الله قد سمع الحَدِيث أَيْضا وَصَحب أَبَا مُحَمَّد الْبَاجِيّ الراوية فِي الْأَخْذ عَن الشُّيُوخ بقرطبة وَقد ذكرته فِي كتابي الموسوم ب التكملة لكتاب الصِّلَة لِابْنِ بشكوال وَكَانَت للمنصور همة ترمى بِهِ المرامى وَيحدث نَفسه بِإِدْرَاك معالي الْأُمُور وَيزِيد فِي ذَلِك حَتَّى كَانَ يحدث من يخْتَص بِهِ بِمَا يَقع لَهُ من ذَلِك فتم لَهُ مُرَاده وَكَانَ أحد أَعَاجِيب الدُّنْيَا فِي ترقيه وَالظفر بتمنيه تصرف أول أمره فِي الْوكَالَة لصبح أم هِشَام وَالنَّظَر فِي أموالها وضياعها وَالْجد ينْهض بِهِ والأقدار تساعده إِلَى أَن توفّي الحكم وقلد هِشَام الْخلَافَة وَهُوَ صَغِير وَلما انْتقض الْعَدو على إِثْر ذَلِك وَخيف الِاضْطِرَاب وَلم يكن عِنْد المصحفي

стр. 267

غناء وَلَا دفاع ضمن مُحَمَّد بن أبي عَامر لصبح أم هِشَام سُكُون الْحَال وَزَوَال الْخَوْف واستقرار الْملك لابنها على أَن يمد بالأموال وَيجْعَل إِلَيْهِ قَود الجيوش إِلَى مَا كَانَ بِيَدِهِ من الخطط السّنيَّة وَهُوَ بِقُوَّة نَفسه وسعادة جده يعد النَّصْر وَلَا يمترى فِي الظُّهُور ويستعجل الْأَسْبَاب الْمعينَة على الْفَتْح حَتَّى أسعف ولقى الْعَدو فَهَزَمَهُ ووالى غَزْو بِلَاد الرّوم عالي الْقدَم مَنْصُور الْعلم لَا يخْفق لَهُ مسعى وَلَا يؤوب دون مغنم كرة بعد أُخْرَى إِلَى أَن صَار صَاحب التَّدْبِير والمتغلب على جَمِيع الْأُمُور فدانت لَهُ أقطار الأندلس كلهَا وَأمنت بِهِ وَلم يضطرب عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْء أَيَّام حَيَاته لحسن سياسته وَعظم هيبته وَكَانَ رُبمَا أنذر خاصته بِمَا يكون وَرَاءه من الْفِتَن حَتَّى ليكدر عَلَيْهِم مجَالِس أنسه بِمَا يلقى من ذَلِك إِلَيْهِم فَوَقع الْأَمر على مَا توقع وَجرى الْقدر بِمَا قدر على ذَلِك فَمَا زَالَ يبطش بأعدائه وَيسْقط من فَوْقه بقهره واستيلائه إِلَى أَن صَار الْخَلِيفَة حِينَئِذٍ هِشَام بن الحكم لَيْسَ لَهُ من الْأَمر غير الِاسْم خَاصَّة فَمَا ظَنك بِرِجَالِهِ ومواليه الَّذين مِنْهُم كَانَ يرهب وبهم كَانَ يتمرس هَذَا ونصرته على النَّصَارَى مُتَوَالِيَة وغزواته فِي كل صائفة مُتَّصِلَة أَزِيد من خمسين عدهَا ابْن حَيَّان فِي كِتَابه الْمَوْضُوع فِي أَخْبَار الدولة العامرية وَجعله لمن شَاءَ خزله عَن تَارِيخه الْكَبِير أَو ضمه إِلَيْهِ حَتَّى أذعن لَهُ مُلُوك الرّوم وَرَغبُوا فِي مصاهرته تنَاول ذَلِك كُله بتأييد إلهي مُدَّة طَوِيلَة وأورثه بنيه وقتا قَصِيرا فَأَما أَبُو مَرْوَان عبد الْملك المظفر مِنْهُم فَقَامَ بالدولة مقَام أَبِيه وأغنى فِي غَزْو

стр. 268

الْعَدو إِلَّا أَن مدَّته لم تطل وَبَلغت الأندلس فِي أَيَّامه نِهَايَة الْكَمَال وَكَانَ على أَهلهَا أسعد مَوْلُود حكى ابْن حَيَّان عَن زعيم المنجمين على عهد الحكم أَنه نظر فِي مولد عبد الْملك هَذَا وَهُوَ طِفْل فَأَشَارَ من بعد سعادته إِلَى أَمر كَبِير لم يدْرك هُوَ آخِره فَعجب من شَاهده من جودة إِصَابَته وَذَلِكَ أَنه قَالَ لم يُولد قطّ بالأندلس مَوْلُود أسعد مِنْهُ على أَبِيه وعَلى نَفسه وعَلى حَاشِيَته نعم وعَلى أهل الأندلس طراً وعَلى أرْضهَا طراً فضلا عَن ناسها وَإِنَّهَا لَا تزَال كَذَلِك حَال حَيَاته وَإِذا هلك فَمَا أَرَاهَا إِلَّا بالضد فَكَانَ كَذَلِك وَأما أَبُو الْمطرف عبد الرَّحْمَن النَّاصِر أَخُو عبد الْملك فَإِنَّهُ ولى الحجابة بعده فَلم يقم إِلَّا يَسِيرا حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ الْمهْدي مُحَمَّد بن هِشَام بن عبد الْجَبَّار بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر فَقتل وصلب وانبعثت الْفِتَن على الْأَثر فَمَا خمدت نارها إِلَّا فِي النَّادِر إِلَى وقتنا هَذَا وَهُوَ سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَقد استولى الرّوم فِيهِ على الأندلس بأسرها مَعَ الجزائر الشرقية المضافة إِلَيْهَا بَين صلح وعنوة وشؤم عبد الرَّحْمَن النَّاصِر هُوَ الَّذِي جر افْتِرَاق الْجَمَاعَة وجرأ على خلعان الطَّاعَة وعَلى رجله كَانَ الْفساد الْعَام لما استشرف إِلَى الْخلَافَة واستقل خطة الحجابة وَلم يرض إِلَّا بِالْإِمَامَةِ فداخل هشاماً المضعوف وطالبه بِأَن يَجعله ولى عَهده ويلقى إِلَيْهِ بِجَمِيعِ أمره فاستفتى فِي ذَلِك فُقَهَاء قرطبة وعلماءها

стр. 269

حِينَئِذٍ فسوغوا لَهُ مَا طلب وَاحْتَجُّوا بقوله ﷺ لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يخرج رجل من قحطان يَسُوق النَّاس بعصاه وَكَانَ ابْن أبي عَامر معافريا قحطانيا فَقَالُوا عَسى أَن يكون الَّذِي وعد بِهِ رَسُول الله ﷺ وجد فِي ذَلِك السعى الْخَبيث أَبُو الْعَبَّاس بن ذكْوَان القَاضِي وَأَبُو حَفْص ابْن برد الْكَاتِب حَتَّى قَالَ فيهمَا ابْن أبي يزِيد الْمصْرِيّ

стр. 270

(إِن ابْن ذكْوَان وَابْن برد ... قد ناقضاً الدّين بعد عمد) (وعاندا الْحق إِذْ أَقَامَا ... حفيد شنجه ولى عهد) وَلم يقم كَذَلِك إِلَّا أَرْبَعَة أشهر فِي مَا ذكر الْحميدِي وَغَيره واختل أمره وأسلمته الجيوش فَكَانَ من خَبره مَا تقدم ذكره وَكَانَ مولد الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر سنة سبع وَعشْرين وثلاثمائة وفيهَا كَانَت الْهَزِيمَة الْعَظِيمَة بالخندق على عبد الرَّحْمَن النَّاصِر فاخذ الله بثأر

стр. 271

الْإِسْلَام على يَدي الْمَنْصُور وَكَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وثلاثمائة خرج غازياً وَقد وَقع فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ فاقتحم جليقية من تِلْقَاء مَدِينَة طليطلة ومرضه يخف وقتا ويثقل أوقاتاً وقويت عَلَيْهِ الْعلَّة بِأَرْض قشتيلة فَاتخذ لَهُ سَرِير من خشب يحمل على أَعْنَاق الرِّجَال قطع بذلك أَرْبَعَة عشر يَوْمًا حَتَّى وصل إِلَى مَدِينَة سَالم فَوجه ابْنه عبد الْملك ليخبر هشاماً بِمَا ترك عَلَيْهِ أَبَاهُ وَتُوفِّي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ لثلاث بَقينَ من شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة قيل وَدفن بِمَدِينَة سَالم وقبره بهَا وَكَانَ عَلَيْهِ مَكْتُوبًا (آثاره تنبيك عَن أخباره ... حَتَّى كَأَنَّك بالعيان ترَاهُ) (تالله لَا يَأْتِي الزَّمَان بِمثلِهِ ... أبدا وَلَا يحمى الثغور سواهُ) وعَلى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الهيبة والرهبة فقد كَانَ لَهُ حلم وَاحْتِمَال مَعَ محبَّة للْعلم وإيثار للأدب وإكرام لمن ينتسب إِلَيْهِمَا يحْكى أَن أَبَا مُحَمَّد الْبَاجِيّ الراوية دخل عَلَيْهِ وَقَالَ أصلحك الله يَا حَاجِب وحفظك ووفقك وَأحسن عونك فَرد عَلَيْهِ ابْن أبي عَامر أجمل رد وبجله ووقره وَأدنى مَكَانَهُ حَتَّى أقعده إِلَى جَانِبه وَقَالَ لَهُ كَيفَ أَنْت الْيَوْم وحالك فَقَالَ لَهُ بِخَير مَا كنت بِهِ ثمَّ قَالَ لَهُ الْبَاجِيّ أَي وَالِد كَانَ لَك رَحْمَة الله عَلَيْهِ كَانَ وَالله

стр. 272

مَا علمت من أهل الْخَيْر والعافية وَالصَّلَاح والعفة والحرص على الطّلب والمعرفة اخْتلف معي إِلَى مُحَمَّد بن عمر بن لبَابَة وَإِلَى أَحْمد بن خَالِد وَإِلَى مُحَمَّد بن فطيس اللبيرى وَغَيرهم وَكَانَ لي خير صديق وَصَاحب أنتفع بِهِ وَينْتَفع بِي وأقابل مَعَه كتبه وكتبي وَلم يكن فضولياً الْبَتَّةَ وَأما أَنْت فَلم تمتثله وأدخلت يدك فِي الدُّنْيَا فانغمست فِي لجها وَطلبت الفضول فَعلمت أَخْبَارًا كَثِيرَة وأوبقت نَفسك وَالله يَا مغرور وَعز على انتشابك فَقَالَ لَهُ ابْن أبي عَامر يَا فَقِيه هَكَذَا صَاحب الدُّنْيَا لَا بُد أَن يخلط خيرا بشر وَيَأْتِي مَعْرُوفا ومنكراً وَالله يَتُوب على من يَشَاء برحمته وَسَأَلَهُ الْبَاجِيّ إِثْر هَذَا رفع الغرامة عَن مَاله بإشبيلية فَأمر بإسقاطها وَوَصله ببدرة دَرَاهِم كَامِلَة ومنديل كسْوَة تشاكله فِيهَا خلعة تَامَّة وَمن شعره يفخر (رميت بنفسي هول كل عَظِيمَة ... وخاطرت وَالْحر الْكَرِيم مخاطر) (وَمَا صَاحِبي إِلَّا جنان مشيع ... وأسمر خطي وأبيض باتر) (وَمن شيمي أبي على كل طَالب ... أَجود بِمَال لَا تقيه المعاذر) (وَإِنِّي لزجاء الجيوش إِلَى الوغى ... أسود تلاقيها أسود خوادر) (لسدت بنفسي أهل كل سيادة ... وكاثرت حَتَّى لم أجد من أكاثر)

стр. 273

(وَمَا شدت بنياناً وَلَكِن زِيَادَة ... على مَا بنى عبد المليك وعامر) (رفعنَا الْمَعَالِي بالعوالي حَدِيثه ... وأورثناها فِي الْقَدِيم معافر) قَالَ ابْن حَيَّان هَذَا لِأَنَّهُ مُحَمَّد بن عبد الله وَنسبه كَمَا تقدم قَالَ وَعبد الْملك جده هَذَا هُوَ الدَّاخِل إِلَى الأندلس مَعَ طَارق بن زِيَاد مولى مُوسَى ابْن نصير فِي أول الداخلين من الْمغرب وَهُوَ فِي قومه وسيط وَقَالَ الْحميدِي قَالَ لي أَبُو مُحَمَّد على بن أَحْمد يَعْنِي ابْن حزم الْفَقِيه كَانَ الْمَنْصُور أَبُو عَامر مُحَمَّد بن أبي عَامر معافري النّسَب من حمير وَأمه تميمية وَهِي بريهة بنت يحيى بن زَكَرِيَّاء التَّمِيمِي الْمَعْرُوف بِابْن برطال وَلذَلِك قَالَ فِيهِ احْمَد بن دراج هُوَ أَبُو عمر القسطلي من قصيدة لَهُ فِيهِ (تلاقت عَلَيْهِ من تَمِيم ويعرب ... شموس تلالا فِي الْعلَا وبدور) (من الحميرين الَّذِي أكفهم ... سحائب تهمى بالندى وبحور) وللمنصور لما اشْتَدَّ سُلْطَانه وتوالى ظفره وَكتب بِهِ إِلَى صَاحب مصر يتوعده (منع الْعين أَن تذوق المناما ... حبها أَن ترى الصَّفَا والمقاما) (لي دُيُون بالشرق عِنْد أنَاس ... قد أحلُّوا بالمشعرين الحراما) (إِن قضوها نالوا الْأَمَانِي وَإِلَّا ... جعلُوا وَزنهَا رقاباً وهاما) (عَن قريب ترى خُيُول هِشَام ... يبلغ النّيل خطوها وَال) وَله (ألم ترني بِعْت الْإِقَامَة بالسرى ... ولين الحشايا بالخيول الضوامر)

стр. 274

(تبدلت بعد الزَّعْفَرَان وطيبه ... صدا الدرْع من مستحكمات المسامر) (أروني فَتى يحمى حماى وموقفي ... إِذا اشتجر الأقران بَين العساكر) (أَنا الْحَاجِب الْمَنْصُور من آل عَامر ... بسيفي أقد الْهَام تَحت المغافر) (تلاد أَمِير الْمُؤمنِينَ وَعَبده ... وناصحه الْمَشْهُود يَوْم المفاخر) (فَلَا تحسبوا أَنِّي شغلت بغيركم ... وَلَكِن عهِدت الله فِي قتل كَافِر) وَأهْدى الْمَنْصُور إِلَى أَبى مَرْوَان عبد الْملك بن أَحْمد بن شَهِيد الْوَزير عقيلة من عقائل الرّوم يكنفها ثَلَاث جوَار وَقد سَأَلَهُ ذَلِك عِنْد صَدره من بعض غَزَوَاته وَكتب إِلَيْهِ مَعَهُنَّ يداعبه (قد بعثنَا بهَا كشمس النَّهَار ... فِي ثَلَاث من المها أبكار) (فاجتهد واتئد فَإنَّك شيخ ... خفى اللَّيْل عَن بَيَاض النَّهَار) (صانك الله عَن كلالك فِيهَا ... فَمن الْعَار كُله المسمار) فافتضهن أجمع فِي ليلته وَكتب إِلَيْهِ (قد فضضنا ختام ذَاك السوار ... واصطبغنا من النجيع الجارى)

стр. 275

(ونعمنا فِي ظلّ أنعم ليل ... ولهونا بالدر أَو بالدراري) (وَقضى الشَّيْخ مَا قضى بحسام ... ذِي مضاء عضب الظبي بتار) (فاصطنعه فَلَيْسَ يجْزِيك كفرا ... واتخذه سيفاعلى الْكفَّار) قَالَ ابْن حَيَّان وَكَانَت حجابة الْمَنْصُور خمْسا وَعشْرين سنة وعمره خمْسا أَو سِتا وَسِتِّينَ سنة ١٠٢ - عبد الله بن عَمْرو بن أبي عَامر أَبُو حَفْص كَانَ أَبوهُ عَمْرو وَهُوَ الملقب ب عسكلاجة صَاحب المدينتين فِي أَيَّام هِشَام الْمُؤَيد بِتَقْدِيم ابْن عَمه الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر ثمَّ ولى بِلَاد الْمغرب بعد ذَلِك فَاشْتَدَّ سُلْطَانه هُنَالك واستنزل حسن بن الْقَاسِم العلوى الإدريسي وانفذه إِلَى الأندلس وَكَانَ صَارِمًا مهيباً جباراً قاسيا وَقَتله ابْن عَمه الْمَنْصُور بتنقصه إِيَّاه وغضه مِنْهُ وتسخيه عَلَيْهِ احتجانه الْأَمْوَال دونه

стр. 276

بعد أَن استقدمه من الْمغرب وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَسبعين وثلاثمائة وَمن شعر أبي حَفْص هَذَا يذم المظفر عبد الْملك لما زوج حَبِيبَة بنت ابْن عَمه عبد الله بن يحيى بن عبيد الله بن أبي عَامر وَهِي بنت أُخْته بريهة من عبد الْملك بن قند مَوْلَاهُم (عَرَبِيّ مزوج ... عَبده بنت أُخْته) (قبح الله فعل ذَا ... ورماه بمقته) وَقد قيل إنَّهُمَا لعبد الْملك بن يحيى أخي عبد الله بن يحيى الْمَذْكُور ١٠٣ - زِيَاد بن أَفْلح مولى النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد كَانَ من وزراء الدولة العامرية وكبار رجالها وَتُوفِّي فِي أَولهَا سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثلاثمائة ذكر ذَلِك ابْن حَيَّان فِي تَارِيخه الْكَبِير وَذكر فِي الدولة العامرية أَنه كَانَ على الْمَدِينَة وَأَن جؤذراً الْفَتى الحكمى تحين ركُوب

стр. 277

زِيَاد هَذَا إِلَى دَاره بِطرف الْمَدِينَة حِين توصل إِلَى هِشَام الْمُؤَيد عَازِمًا على الفتك بِهِ عِنْد مداخلته الْجَمَاعَة الَّذين اجْتَمعُوا على خلعة بتدبير عبد الْملك ابْن القَاضِي مُنْذر بن سعيد صَاحب خطة الرَّد فبطش بجؤذر وَقبض عَلَيْهِ بمبادرة

стр. 278

أَحْمد بن مُحَمَّد بن عروس إِلَى تلافي الْأَمر قَالَ ووافى زِيَاد على إِثْر ذَلِك فوبخه ابْن عروس فَأخذ فِي الِاعْتِذَار وتعاونا على النَّازِلَة وَمَا سلم زِيَاد من التُّهْمَة وَحكى أَن عبد الْملك بن مُنْذر فِي هَذِه الْقِصَّة لما أفتى عَلَيْهِ بِآيَة الْحِرَابَة ورد إِلَى الْخَلِيفَة الْأَمر فِيمَا يخْتَار لَهُ من الْعقُوبَة أَشَارَ صَاحب الْمَدِينَة زِيَاد بن أَفْلح هَذَا بِأَن يصلب استبلاغاً فِي الْمثلَة يَبْغِي بذلك التَّقَرُّب إِلَى ابْن أبي عَامر وَنفى التُّهْمَة عَنهُ فَعمل بِرَأْيهِ وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَزِيَاد هُوَ الْقَائِل (وأصبحت الدُّنْيَا بأوبتك الرِّضَا ... لَدَى وصل صافع لقفا الصد) (وَلم لَا ودهري كُله بك مونق ... أرق إِذا مَا شِئْت من طرف برد) ١٠٤ - فَرِحُونَ بن عبد الله يعرف بِابْن الوبلة وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْوَاحِد ويشهر بفرحون كَانَ والياً على شنترين بغرب الأندلس فِي أَيَّام الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَو ابْنه هِشَام الْمُؤَيد بِاللَّه وَقدم عَلَيْهِ أَبُو عَمْرو يُوسُف بن هَارُون الرَّمَادِي منتجعاً فَأمر بإنزاله فقصر بِهِ متولى ذَلِك فَكتب إِلَيْهِ الرمادى (أَيهَا الْعَارِض وَالْمهْدِي ... لمستسقيه وَبلا) (حِين لَا يهدى إِذا مَا أستسقى ... الْعَارِض طلا)

стр. 279

(قائدا أفنت مغازيه ... العدا سبيا وقتلا) (إِن ضيفا قَاصِدا قلت لَهُ ... أَهلا وسهلا) (قد توسعت لَهُ فِيمَا ... يسر الضَّيْف نزلا) (مَا لَهُ فرش على الأَرْض ... سوى وَجه مصلى) (فَأَنا لَوْلَا اصطبار ... رد مِنْهُ الوعر سهلا) (لم تَجِد عَيْني لنوم ... بمبيت السوء كحلا) فوردت الأبيات على فَرِحُونَ وَهُوَ خَارج إِلَى الْغَزْو فَخَجِلَ من ذَلِك وَأمر لَهُ بِمَا طلب وَقرن ذَلِك بِجَارِيَة وَكتب إِلَيْهِ معتذراً من التَّقْصِير (أَيهَا السَّيِّد أَهلا ... بِالَّذِي أهديت أَهلا) (مَا يناويك مناو ... إِن وصلت القَوْل وصلا) (شَاعِرًا ندبا نبيلاً ... محسناً جدا وهزلا) (مَا تولى الشّعْر إِلَّا ... رد مِنْهُ الوعر سهلا) (شعره سح ووبل ... إِذْ يكون الشّعْر طلا) (مُحكم غض بديع ... لَا يكَاد الدَّهْر يبْلى) (فَلهُ مَا قلت أَهلا ... ثمَّ رحباً ثمَّ سهلا) (أَيهَا السَّيِّد مهلا ... بأخيك الْمَحْض مهلا) (إِن شكواك إِلَيْنَا ... ولدت فِي النَّفس خبلا) (ونفت نومي فَلَمَّا ... تكتحل عَيْنَايَ كحلا)

стр. 280

(مَا على عمد ولكنما ... جهلنا الْأَمر جهلا) (وظننا بالعكازى ... إِنَّه أكْرم بذلا) (فابسطن عُذْري وَإِن لم ... أك للأعذار أَهلا) (يَا أخي أَنْت وَمولى ... وَقَلِيل لَك مولى) (قد بعثنَا بفراش ... فاهجرن وَجه الْمصلى) (ووصلناه بغيداء ... كبدر يتجلى) (فتفضل بِقبُول ... لَا عدمت الدَّهْر فضلا) (وورا ذَلِك منى ... سترى فضلا وفضلا) وَله أَيْضا (يَا رَسُولي أبلغ إِلَيْهَا شكاتي ... واستنلها وَلَو بَقَاء حَياتِي) (قل لَهَا قد قضى هَوَاك عَلَيْهِ ... فَهُوَ ميت أَو مُؤذن بالممات) (فالحظية ترى إِذا شِئْت مَيتا ... كَانَ يحيا بأيسر اللحظات) (واعجبي أَن تكون لَحْظَة عين ... مِنْك تهدى الْحَيَاة للأموات) ١٠٥ - على بن ودَاعَة بن عبد الْوَدُود السلمى أَبُو الْحسن قَالَ فِيهِ الْحميدِي أَمِير كَانَ قَرِيبا من الأربعمائة وَقَالَ ابْن بسام وَذكر صاعداً اللّغَوِيّ انْتَهَت بِهِ الْحَال إِلَى أَن أغرم فاستغاث على بن ودَاعَة أحد الفرسان الْأَبْطَال ونبهاء الدولة كَانَ فِي ذَلِك الأوان قَالَ وَمن شعره فِيهِ

стр. 281

(أَبَا حسن ربيعَة من سليم ... سِنَان زَان عالية الرماح) (وَإِنِّي عَائِذ بك من هناة ... تحش دعائمي تَحت القداح) (فكر على ابْن عمك وانتشله ... فَلَيْسَ حمى ابْن عمك بالمباح) (فَإِن الْجَار عنْدك بَين جَنْبي ... عِقَاب الدجن كاسرة الْجنَاح) (نظنك طالعاً يَبْنِي سليم ... عَلَيْهَا عِنْد مفتضح الصَّباح) (إِذا ساورت قرنك فِي مكر ... جعلت لَهُ ذراعك كالوشاح) وَمن شعر ابْن أبي ودَاعَة (زار الحبيب فمرحباً بالزائر ... أَهلا ببدر فَوق غُصْن ناضر) (قبلت من فرحى تُرَاب طَرِيقه ... ومسحت أَسْفَل نَعله بمحاجري) (وخشيت أَن ينْقد إخمص رجله ... من رقة فبسطت أسود ناظري)

стр. 282

١٠٦ - يعلى بن أَحْمد بن يعلى كَانَ أَبوهُ من رُؤَسَاء الدولة الأموية وقوادها الجلة وَكَانَ يعلى هَذَا فِي دولة الْمَنْصُور أبي عَامر مُحَمَّد بن أبي عَامر وَمن شعره وَقد بعث إِلَيْهِ بورد مبكر (بعثت من جنتي بورد ... غض لَهُ منظر بديع) (قَالَ أنَاس رَأَوْهُ عِنْدِي ... أعجله عامنا المريع) (قلت أَبُو عَامر الْمُعَلَّى ... أَيَّامه كلهَا ربيع) وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلاثمائة وَله يرثى أَبَا عَليّ الْبَغْدَادِيّ من أَبْيَات (أمات الْعلم موت أَبى على ... منار الْعلم وَالْفضل الرضى) (سأبكى بعده سرا وجهراً ... كَمَا يبكى الولى على الولى) (وَلَو لم أبكه حزنا ووجداً ... إِذا مَا كنت بِالرجلِ الوفى) (إِذا قلب خلا من حب ميت ... فقلبي لَيْسَ عَنهُ بالخلى) وَله (إِنِّي هجرت الغانيات جَمِيعًا ... ونزعت عَن كلفي بِهن نزوعاً) (ورفضت لذاتي فصرت لناصح ... بعد الإباية سَامِعًا ومطيعاً) (وَنهى النَّهْي قلبِي فأقصر وارعوى ... واعتاض بعد الْكِبْرِيَاء خشوعاً)

стр. 283

(وَرَأَيْت رشدي وَاضحا بعد الْعَمى ... فنكصت عَن غي الضلال رُجُوعا) (يَا حسرة ساعاتها مَا تَنْقَضِي ... كَيفَ النجَاة وَقد أَسَأْت صنيعاً) وَمن مُلُوك إفريقية ورجالهم فِي هَذِه الْمِائَة ١٠٧ - مُحَمَّد الْقَائِم أَبُو الْقَاسِم بن الْمهْدي عبيد الله قد تقدم الِاخْتِلَاف فِي نسب عبيد الله إِلَى الْحُسَيْن بن عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِ فَمن مُسلم مَا ادَّعَاهُ وَمن دَافع لَهُ فِيمَا حَكَاهُ وَهُوَ الْأَكْثَر وَهُوَ الْأَصَح وَالْأَظْهَر وَاخْتلف أَيْضا فِي اسْم الْقَائِم هَذَا فَقيل عبد الرَّحْمَن وَقيل حسن وَقيل مُحَمَّد وَبِهَذَا الِاسْم كَانَ يذكر فِي الأمداح قَالَ عَليّ بن مُحَمَّد الْإِيَادِي التّونسِيّ (أعجب بأسطول الإِمَام مُحَمَّد ... وبحسنه وزمانه المستغرب) (لبست بِهِ الأمواج أحسن منظر ... يَبْدُو لعين النَّاظر المتعجب) وَتقدم أَيْضا ذكر وُرُوده الْمغرب مَعَ أَبِيه وَمَا قيل فِي تبنيه وَهُوَ يَوْمئِذٍ

стр. 284

حدث ثمَّ بُويِعَ لَهُ بالخلافة بعد عبيد الله لِلنِّصْفِ من شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة وأخفى الْقَائِم مَوته سنة وَكَانَ فِي حَيَاة أَبِيه على الْخلاف فِيهِ أظهر مِنْهُ على فِي خِلَافَته ومصير الْأَمر إِلَيْهِ غزا قبل ذَلِك الْإسْكَنْدَريَّة فِي عَسْكَر عَظِيم فملكها مغ الفيوم وَصَارَ فِي يَدَيْهِ أَكثر خراج مصر وضيق على أَهلهَا وحاربه مؤنس الْخَادِم بهَا وَكَانَ خُرُوجه من رقاده فِي سنة إِحْدَى وثلاثمائة وَلست بَقينَ من جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاثمِائَة وَصله جَيش حباسة بن يُوسُف صَاحب الْمهْدي فِي مِائَتي مركب فَنزل فسطاط مصر والإسكندرية وَقَوي على مؤنس بِالرِّجَالِ وَالْأَمْوَال وشخص لحربه فَكَانَت بَينهمَا وقْعَة قتل فِيهَا خلق من الْفَرِيقَيْنِ ثمَّ انْصَرف حباسة وَمن مَعَه الْإسْكَنْدَريَّة رَاجِعين إِلَى الْمغرب بعد هزيمَة وَقعت على المغاربة

стр. 285

ثمَّ غزا فِي حَيَاة أَبِيه ثَانِيَة وَعند وُصُوله إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثمائة خرج عَامل المقتدر عَنْهَا وَدخل الجيزة من أَرض مصر فِي خلق عَظِيم وَكتب الْقَائِم إِلَى مَكَّة وَإِلَى من حولهَا يَدعُوهُم إِلَى طَاعَته ويعدهم الْجَمِيل وَقَالَ نَحن أهل بَيت الرَّسُول وَمن أَحَق بِهَذَا الْأَمر منا وَضمن الْكتاب أبياتاً يَقُول فِيهَا (أيا أهل شَرق الله زَالَت حلومكم ... أم اصدعت من قلَّة الْفَهم وَالْأَدب) (فويحاً لكم خالفتم الْحق وَالْهدى ... وَمن حاد عَن أم الْهِدَايَة لم يصب) (فيا معرضًا عني وَلَيْسَ بمنصفي ... وَقد ظهر الْحق الْمُبين لمن رغب) (ألم ترني بِعْت الرفاهة بالسرى ... وَقمت بِأَمْر الله حَقًا وَقد وَجب) فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم الْكتاب بعثوا بِهِ إِلَى المقتدر فَأرْسل إِلَى أبي بكر الصولي بعد قِرَاءَته الرسَالَة وَالشعر فَدفع إِلَيْهِ الشّعْر وَقَالَ لَهُ جاوبه عَنهُ فَكتب إِلَيْهِ (عجبت وَمَا يَخْلُو الزَّمَان من الْعجب ... لقَوْل امرىء قد جَاءَ بالمين وَالْكذب)
следующие страницы →