Полный текст (687 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
(أَبَا حسن ربيعَة من سليم ... سِنَان زَان عالية الرماح)
(وَإِنِّي عَائِذ بك من هناة ... تحش دعائمي تَحت القداح)
(فكر على ابْن عمك وانتشله ... فَلَيْسَ حمى ابْن عمك بالمباح)
(فَإِن الْجَار عنْدك بَين جَنْبي ... عِقَاب الدجن كاسرة الْجنَاح)
(نظنك طالعاً يَبْنِي سليم ... عَلَيْهَا عِنْد مفتضح الصَّباح)
(إِذا ساورت قرنك فِي مكر ... جعلت لَهُ ذراعك كالوشاح)
وَمن شعر ابْن أبي ودَاعَة
(زار الحبيب فمرحباً بالزائر ... أَهلا ببدر فَوق غُصْن ناضر)
(قبلت من فرحى تُرَاب طَرِيقه ... ومسحت أَسْفَل نَعله بمحاجري)
(وخشيت أَن ينْقد إخمص رجله ... من رقة فبسطت أسود ناظري)
стр. 282
١٠٦ - يعلى بن أَحْمد بن يعلى
كَانَ أَبوهُ من رُؤَسَاء الدولة الأموية وقوادها الجلة وَكَانَ يعلى هَذَا فِي دولة الْمَنْصُور أبي عَامر مُحَمَّد بن أبي عَامر وَمن شعره وَقد بعث إِلَيْهِ بورد مبكر
(بعثت من جنتي بورد ... غض لَهُ منظر بديع)
(قَالَ أنَاس رَأَوْهُ عِنْدِي ... أعجله عامنا المريع)
(قلت أَبُو عَامر الْمُعَلَّى ... أَيَّامه كلهَا ربيع)
وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلاثمائة وَله يرثى أَبَا عَليّ الْبَغْدَادِيّ من أَبْيَات
(أمات الْعلم موت أَبى على ... منار الْعلم وَالْفضل الرضى)
(سأبكى بعده سرا وجهراً ... كَمَا يبكى الولى على الولى)
(وَلَو لم أبكه حزنا ووجداً ... إِذا مَا كنت بِالرجلِ الوفى)
(إِذا قلب خلا من حب ميت ... فقلبي لَيْسَ عَنهُ بالخلى)
وَله
(إِنِّي هجرت الغانيات جَمِيعًا ... ونزعت عَن كلفي بِهن نزوعاً)
(ورفضت لذاتي فصرت لناصح ... بعد الإباية سَامِعًا ومطيعاً)
(وَنهى النَّهْي قلبِي فأقصر وارعوى ... واعتاض بعد الْكِبْرِيَاء خشوعاً)
стр. 283
(وَرَأَيْت رشدي وَاضحا بعد الْعَمى ... فنكصت عَن غي الضلال رُجُوعا)
(يَا حسرة ساعاتها مَا تَنْقَضِي ... كَيفَ النجَاة وَقد أَسَأْت صنيعاً)
وَمن مُلُوك إفريقية ورجالهم فِي هَذِه الْمِائَة
١٠٧ - مُحَمَّد الْقَائِم أَبُو الْقَاسِم بن الْمهْدي عبيد الله
قد تقدم الِاخْتِلَاف فِي نسب عبيد الله إِلَى الْحُسَيْن بن عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِ فَمن مُسلم مَا ادَّعَاهُ وَمن دَافع لَهُ فِيمَا حَكَاهُ وَهُوَ الْأَكْثَر وَهُوَ الْأَصَح وَالْأَظْهَر
وَاخْتلف أَيْضا فِي اسْم الْقَائِم هَذَا فَقيل عبد الرَّحْمَن وَقيل حسن وَقيل مُحَمَّد وَبِهَذَا الِاسْم كَانَ يذكر فِي الأمداح قَالَ عَليّ بن مُحَمَّد الْإِيَادِي التّونسِيّ
(أعجب بأسطول الإِمَام مُحَمَّد ... وبحسنه وزمانه المستغرب)
(لبست بِهِ الأمواج أحسن منظر ... يَبْدُو لعين النَّاظر المتعجب)
وَتقدم أَيْضا ذكر وُرُوده الْمغرب مَعَ أَبِيه وَمَا قيل فِي تبنيه وَهُوَ يَوْمئِذٍ
стр. 284
حدث ثمَّ بُويِعَ لَهُ بالخلافة بعد عبيد الله لِلنِّصْفِ من شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة وأخفى الْقَائِم مَوته سنة
وَكَانَ فِي حَيَاة أَبِيه على الْخلاف فِيهِ أظهر مِنْهُ على فِي خِلَافَته ومصير الْأَمر إِلَيْهِ غزا قبل ذَلِك الْإسْكَنْدَريَّة فِي عَسْكَر عَظِيم فملكها مغ الفيوم وَصَارَ فِي يَدَيْهِ أَكثر خراج مصر وضيق على أَهلهَا وحاربه مؤنس الْخَادِم بهَا وَكَانَ خُرُوجه من رقاده فِي سنة إِحْدَى وثلاثمائة وَلست بَقينَ من جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاثمِائَة وَصله جَيش حباسة بن يُوسُف صَاحب الْمهْدي فِي مِائَتي مركب فَنزل فسطاط مصر والإسكندرية وَقَوي على مؤنس بِالرِّجَالِ وَالْأَمْوَال وشخص لحربه فَكَانَت بَينهمَا وقْعَة قتل فِيهَا خلق من الْفَرِيقَيْنِ ثمَّ انْصَرف حباسة وَمن مَعَه الْإسْكَنْدَريَّة رَاجِعين إِلَى الْمغرب بعد هزيمَة وَقعت على المغاربة
стр. 285
ثمَّ غزا فِي حَيَاة أَبِيه ثَانِيَة وَعند وُصُوله إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثمائة خرج عَامل المقتدر عَنْهَا وَدخل الجيزة من أَرض مصر فِي خلق عَظِيم
وَكتب الْقَائِم إِلَى مَكَّة وَإِلَى من حولهَا يَدعُوهُم إِلَى طَاعَته ويعدهم الْجَمِيل وَقَالَ نَحن أهل بَيت الرَّسُول وَمن أَحَق بِهَذَا الْأَمر منا وَضمن الْكتاب أبياتاً يَقُول فِيهَا
(أيا أهل شَرق الله زَالَت حلومكم ... أم اصدعت من قلَّة الْفَهم وَالْأَدب)
(فويحاً لكم خالفتم الْحق وَالْهدى ... وَمن حاد عَن أم الْهِدَايَة لم يصب)
(فيا معرضًا عني وَلَيْسَ بمنصفي ... وَقد ظهر الْحق الْمُبين لمن رغب)
(ألم ترني بِعْت الرفاهة بالسرى ... وَقمت بِأَمْر الله حَقًا وَقد وَجب)
فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم الْكتاب بعثوا بِهِ إِلَى المقتدر فَأرْسل إِلَى أبي بكر الصولي بعد قِرَاءَته الرسَالَة وَالشعر فَدفع إِلَيْهِ الشّعْر وَقَالَ لَهُ جاوبه عَنهُ فَكتب إِلَيْهِ
(عجبت وَمَا يَخْلُو الزَّمَان من الْعجب ... لقَوْل امرىء قد جَاءَ بالمين وَالْكذب)
стр. 286
(وَجَاء بملحون من الشّعْر نَاقص ... فسحقاً لَهُ من مُدع أفضل النّسَب)
(فَمن أَنْت يَا مهْدي السفاهة والخنا ... فقد قُمْت بِالدّينِ الْخَبيث وبالريب)
فَلم يُجِيبُوهُ وَهِي قصيدة طَوِيلَة مِنْهَا فِي ذكر الْخُلَفَاء من بني الْعَبَّاس
(ومعتمد من بعده وموفق ... يردد من إِرْث الْخلَافَة مَا ذهب)
(نوازلهم فِي كل فضل وسؤدد ... وَإِن لم يكن فِي الْعد مِنْهُم لمن حسب)
أنشدهما أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن تَمِيم القيرواني الحصري فِي كتاب زهر الْآدَاب وثمر الْأَلْبَاب من تأليفه وَقد أجْرى ذكر الْمُوفق أَبى أَحْمد بن المتَوَكل ومدح ابْن المعتز لَهُ قَالَ ويلقب بالناصر وبالموفق كَانَت حَاله قد ترقت فِي أَيَّام الْمُعْتَمد إِلَى غَايَة لم يبلغهَا الْخَلِيفَة وَقد ذكره الصولي فِي قصيدته لصَاحب الْمغرب وَقد اقْتصّ خلفاء بني الْعَبَّاس من أَوَّلهمْ وَذكر الْبَيْتَيْنِ والموفق هَذَا هُوَ الَّذِي قتل صَاحب الزنج الْقَائِم بِالْبَصْرَةِ بعد مواقعات كَثِيرَة ومحاربات شَدِيدَة وَفِي ذَلِك يَقُول ابْن الرُّومِي فِي قصيدته الطَّوِيلَة الجليلة
(أَبَا أَحْمد أبليت أمة أَحْمد ... بلَاء سيرضاه ابْن عمك أَحْمد)
(حصرت عميد الزنج حَتَّى تخاذلت ... قواه واودى زَاده المتزود)
(فظل وَلم تقتله يلفظ نَفسه ... وظل وَلم تأسره وَهُوَ مُقَيّد)
(فَمَا رمته حَتَّى اسْتَقل بِرَأْسِهِ ... مَكَان قناة الظّهْر أسمر أجرد)
стр. 287
وَكَانَ صَاحب الزنج يدعى الانتماء إِلَى بَيت على ﵁ ومنحاه نحا العبيديون بعده وينال من بنى الْعَبَّاس نيل هَؤُلَاءِ مِنْهُم وَفِي ذَلِك يَقُول
(لهف نَفسِي على قُصُور بِبَغْدَاد ... وَمَا قد حوته من كل عَاص)
(وخمور هُنَاكَ تشرب جَهرا ... وَرِجَال على الْمعاصِي حراص)
(لست لِابْنِ الفواطم الغر إِن لم ... أجل الْخَيل بَين تِلْكَ العراص)
وقرأت فِي كتاب أبي الْحسن على بن بَحر بن أبي السرُور الروحي الإسكندري أَن الْمهْدي عبيد الله سير ولى عَهده أَبَا الْقَاسِم ابْنه إِلَى مصر دفعتين الأولى فِي سنة إِحْدَى وثلاثمائة قَالَ وَعَاد فِي سنة اثْنَتَيْنِ وثلاثمائة وَالثَّانيَِة سنة سِتّ وثلاثمائة وَحكى انه ملك الْإسْكَنْدَريَّة فيهمَا
وَقَالَ غَيره فِي أَيَّام عبيد الله بَطل الْحَج وَأخذ الْحجر الْأسود أَخذه القرامطة وَأقَام عِنْدهم اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة إِلَّا شهرا وَقتل المقتدر بِبَغْدَاد وَأظْهر عبيد الله عِنْدَمَا بلغه الْخَبَر أَن دعاته قَتَلُوهُ بأَمْره وَجلسَ لذَلِك مَجْلِسا
وَحكى الصولى أَن الَّذِي قَتله رجل من أهل الْمغرب بربرى يُقَال لَهُ عليون الصنهاجي رَمَاه بِحَرْبَة وَهُوَ على فرسه يصلح بَين الْجند فِي ظَهره فَخرجت من صَدره وَوَقع مَيتا
وَكَانَ الْقَائِم فِي حَيَاة عبيد الله الْقَائِم بالأمور والدولة فَلَمَّا أفضت
стр. 288
الْخلَافَة إِلَيْهِ ظهر أَبُو اليزيد الْخَارِجِي مخلد بن كيداد عَلَيْهِ فعجز عَن مقاومته وَلم يسْتَقلّ بمدافعته فتغلب على الْبِلَاد فِي جموع البربر الملتفة عَلَيْهِ إِلَى أَن حصره فِي المهدية وَأَبُو يزِيد من بني يفرن وَيُقَال إِن الَّذِي قتل فِي فتنته أَرْبَعمِائَة ألف وللإنذار بِهِ والتحدث بِخُرُوجِهِ بنى المهدية عبيد الله وَجعلهَا دَار ملكه وقرار سُلْطَانه وَقَالَ بعد تحصينها وَعند انْتِقَاله إِلَيْهَا الْيَوْم أمنت على الفواطم يُرِيد حرمه
وَكَانَ قيام أبي يزِيد فِي آخر خلَافَة الْقَائِم سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَتُوفِّي الْقَائِم يَوْم الْأَحَد لثلاث عشرَة خلت من شَوَّال سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة
وَكَانَ الْقَائِم ولى ابْنه إِسْمَاعِيل عَهده وفوض إِلَيْهِ أمره وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَأدْخل عَلَيْهِ جمَاعَة من وُجُوه كتامة وَرُؤَسَائِهِمْ فَقَالَ هَذَا مولاكم وَولى عهدي والخليفة من بعدِي وَهُوَ صَاحب هَذَا الْفَاسِق وقاتله يَعْنِي أَبَا يزِيد
وَقَالَ ابْن حَيَّان فِي تَارِيخه المقتبس من أنباء أهل الأندلس وَفِي الْعشْر الْأَوَاخِر من ذِي الْحجَّة مِنْهَا يَعْنِي سنة أَربع وثلاثمائة قدم مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن كُلَيْب من القيروان فَحكى أَن أَبَا الْقَاسِم بن عبيد الله الشيعي صَاحب المهدية
стр. 289
هلك فِيهَا وَهُوَ مَحْصُور من قبل أَبى يزِيد مخلد بن كيداد اليفرنى ب النكارى الْمَعْرُوف بِصَاحِب الْحمار الْقَائِم عَلَيْهِ فِي جموع البرابرة وَأَن شيعته قدمت إِسْمَاعِيل وَلَده وَأَنه فَارس شُجَاع أَبى النَّفس أقدم على أبي يزِيد وجموعه ولاقاه بِمَدِينَة سوسة فَانْهَزَمَ أَبُو يزِيد قدامه إِلَى القيروان ثمَّ إِلَى سبيبه زَاد غير ابْن حَيَّان وَمَا زَالَ يتبعهُ إِلَى أَن ظفر بِهِ حَيا وقيذاً بالجراح فَمَاتَ مِنْهَا وَهُوَ فِي أسره فَأمر بِهِ فسلخ وطيف بِهِ
وَإِسْمَاعِيل الْمَنْصُور هَذَا أَبُو الطَّاهِر وَابْنه أَبُو تَمِيم معد بن إِسْمَاعِيل الْمعز لدين الله كَانَا خطيبين مفوهين وَلم أَقف لَهما على شعر أكتبه فِي هَذَا الْمَجْمُوع وَسَيَأْتِي ذكرهمَا بعد إِن شَاءَ الله وَكَانَت خلَافَة الْقَائِم اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَسَبْعَة أشهر وَتُوفِّي وَهُوَ ابْن خمس وَخمسين سنة ومولده بسلمية
١٠٨ - تَمِيم بن معد بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن عبيد الله أَبُو عَليّ
شَاعِر أهل بَيت العبيديين غير مُنَازع وَلَا مدافع وَكَانَ فيهم كَابْن المعتز فِي بني الْعَبَّاس غزارة علم ومعانة أدب وَحسن تَشْبِيه وإبداع تخييل وَكَانَ يقتفي آثاره ويصوغ على مناحيه فِي شعره أشعاره ولاه أَبوهُ الْمعز لدين الله معد بن إِسْمَاعِيل الْمَنْصُور عَهده وَبِه كَانَ يكنى فَخلع بِرَأْي جَوْهَر الصّقليّ لِأَنَّهُ كَانَ عقيماً لَا يُولد لَهُ وَولى أَخُوهُ عبد الله فتوفى فِي حَيَاة أَبِيه ثمَّ ولى الْعَهْد أَخُوهُ أَبُو الْمَنْصُور نزار الْعَزِيز بِاللَّه وانتقلا من إفريقية إِلَى مصر بانتقال أَبِيهِمَا معد ابْن إِسْمَاعِيل فِي آخر سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وثلاثمائة
وَشعر تَمِيم مدون ومحاسنه كَثِيرَة وتصرفاته بديعة وَوَقع مِنْهُ فِي كتابي
стр. 290
الحصري زهر الْآدَاب وثمر الْأَلْبَاب وَنور الطّرف وَنور الظّرْف كل نَادِر غَرِيب
وَكَانَ تَمِيم لما اسْتَقر بِمصْر وَتُوفِّي أَبوهُ فِي شهر ربيع الآخر سنة خمس وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَولى أَخُوهُ نزار يمدحه ويداريه طلبا للسلامة مِنْهُ لِأَنَّهُ لم يكن يَأْمَن عاديته بِسَبَب انخلاعه عَن الْعَهْد وَكَذَلِكَ كَانَ ابْن المعتز يُدَارِي المعتضد والمكتفي ابْنه ويمدحهما ويمدح عَمه الْمُوفق رَغْبَة فِي التَّخَلُّص مِنْهُم لِأَنَّهُ كَانَ أَهلا للخلافة فعصمه الله بذلك من هَؤُلَاءِ وَقدر أَن طاح على يَدي المقتدر بعد أَن بُويِعَ لَهُ من اللَّيْلَة الَّتِي قبض عَلَيْهِ فِي صبيحتها ولقب بالراضي بِاللَّه وَقيل بالمنتصف بِاللَّه وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس لليلتين خلتا من شهر ربيع الآخر سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
وَمن شعر تَمِيم فِي أَخِيه نزار
(يَا ابْن الوصى المرتضى يَا ابْن الإِمَام ... الْمُجْتَبى يَا ابْن النَّبِي الْمُرْسل)
(مَا بَال مَالك لَيْسَ يرميه الندى ... إِلَّا يُوَافق مِنْهُ مَوضِع مقتل)
(أَنْت المحصل فِي زمَان أَصبَحت ... أملاكه كالقول غير مُحَصل)
(لَو لم تكن فِي جحفل لغدوت من ... عَزمَات رَأْيك وَحدهَا فِي جحفل)
(عجبا لأبصار تراك وَلَو درت ... مِقْدَار فضلك كن عَنْك بمعزل)
стр. 291
وَهِي قصيدة طَوِيلَة وَمِنْهَا فِي وصف فرس لَهُ يدعى السرُور
(نعم الْمعِين على الوغى فِي مأزق ... لبست بِهِ الْأَبْطَال نقع القسطل)
(فرس أَشمّ الْمَنْكِبَيْنِ مُقَابل ... يرْمى الجنادل من يَدَيْهِ بجندل)
(تنبيك عَن أنسابه أعضاؤه ... حسنا وَعَن أخراه عتق الأول)
(وكأنما مبيض أَعلَى وَجهه ... وجبينه ضوء الصَّباح الْمقبل)
(وَكَأن دفة سَرْجه ولجامه ... شدا على ظهر السماك الأعزل)
(ويسابق الْبَرْق المثار بخطوه ... وَيزِيد فِيهِ على الصِّبَا والشمأل)
(صافي الصهيل كَأَن فِي ترجيعه ... غرد يُغني فِي الثقيل الأول)
(ذُو قونس مَالَتْ نواحي عرفه ... مستشرف الْأَعْلَى رحيب الْأَسْفَل)
(وكأنما فلق الصَّباح بِوَجْهِهِ ... مَاء بدا مترفقاً فِي جدول)
стр. 292
وَله يمدح أَخَاهُ
(أَلسنا بنى بنت النَّبِي الَّذِي بِهِ ... تخلص من زيغ الْعَمى الثَّقَلَان)
(أَلَيْسَ أَبونَا خدنه ووصيه ... وفارسه فِي كل يَوْم طعان)
(فكفوا بنى الْعَبَّاس عَنَّا جماحكم ... فقد طالما خنتم بِكُل مَكَان)
(مَتى لم تَكُونُوا دُوننَا وتسابقوا ... بصالحنا فِي كل يَوْم رهان)
(بِمن نصر الْإِسْلَام فِي يَوْم خَيْبَر ... وَيَوْم حنين والقنا متدان)
(أَلَيْسَ على كَانَ كاشف غمها ... وَمَا كَانَ للْعَبَّاس ثمَّ يدان)
(وَمن فرج الغماء عَن وَجه أَحْمد ... بِمَكَّة لما ريع كل جنان)
(فَبَاتَ على ظهر الْفراش بديله ... يَقِيه ردى الْأَعْدَاء غير جبان)
(وَكم مثلهَا من مفخر وفضيلة ... حواها على وَهُوَ لَيْسَ بوان)
(وَإِن قُلْتُمْ إِنَّا جَمِيعًا لهاشم ... فَمَا تستوى فِي الجثة العضدان)
(فَلم تدفعون الْحق وَالْحق وَاضح ... دنا مِنْكُم مَا كَانَ لَيْسَ بدان)
(أُميَّة كَانَت قبلكُمْ فِي اغتصابها ... أَحَق فبادت وارتدت بهوان)
стр. 293
(أَخَذْتُم بِغَصب إرثنا وصعدتم ... مَنَابِر مَا كَانَت لكم بأماني)
(وجئتم بأسماء يروق استماعها ... وألفاظ حسن مَا لَهُنَّ معَان)
(رشيد وَلم يرشد وهاد وَمَا هدى ... لحق ومأمون بِغَيْر أَمَان)
(ومعتصم لم يعتصم بإلهه ... ومقتدر لم يقتدر بِبَيَان)
(ومعتضد بالإفك خَابَ اعتضاده ... ومنتصر بالبغي غير معَان)
(أصيخوا فقد قَامَ الْعَزِيز الَّذِي لَهُ ... تذل خطوب الدَّهْر بعد حران)
(كَأَن رواق الْعِزّ من نور وَجهه ... سَمَاء بدا فِي أفقها القمران)
(أغر كنصل السَّيْف يمْضِي اعتزامه ... بِكُل رَقِيق الشفرتين يمَان)
(كَأَن المنايا والعطايا نوافل ... يجود بهَا من منصل وبنان)
(حويت أَبَا الْمَنْصُور كل فَضِيلَة ... وأمسكتها دون الورى بعنان)
(كَأَنَّك فِي سيماك إِذْ قُمْت خاطباً ... وأعيننا طراً إِلَيْك روان)
(شَبيه نَبِي الله جدك أَحْمد ... وَيُشبه فرع البانة الغصنان)
(وَكم علوى فاطمي مفضل ... وَلَكنهُمْ مَا فيهم لَك ثَان)
(وَمن يدعى مِنْهُم مَكَانك فِي الْعلَا ... فقد جَاءَ بالبهتان والهذيان)
(إِذا مَا كَفاك الله مَا أَنْت متق ... شفاني مِمَّا اتَّقى وكفاني)
(وَإِنِّي لسهم من سهامك ماطر ... على كل من عاداك سم سِنَان)
(أَرَاك بِعَين النصح فِي كل حَالَة ... على كل مَا فِيهِ اعتقدت تراني)
стр. 294
(وَمن ذَا الَّذِي يرعاك رعياً توده ... على كل غيث أَو بِكُل عيان)
(أَخ وَولى مُشفق وَابْن وَالِد ... شفيق ومداح بِكُل لِسَان)
وَكَانَ الْعَزِيز يوالي إكرامه ويجزل عطاءه ويعامله بِمَا قَتله علما من صدق وده وإخلاصه فِي مدحه
ويحكى أَنه تنزه إِلَى بركَة الْحَبَش فَلَمَّا قرب من قُصُور أَخِيه تَمِيم سَأَلَ عَنهُ فأسرع إِلَيْهِ من عرفه فَخرج رَاجِلا حافياً حَتَّى لقِيه فَسلم عَلَيْهِ بالخلافة وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد وَجَبت على عَبدك الضِّيَافَة قَالَ نعم وَدخل إِلَى بستانه وَقد أَمر بجنيبة من الجنائب الَّتِي كَانَت بَين يَدَيْهِ وَأقسم على تَمِيم أَن يركبهَا ويسايره فَلَمَّا توَسط الْبُسْتَان نظر إِلَى ثَمَر يلوح الذَّهَب عَلَيْهِ فتعجب مِنْهُ واستطرفه ودنا من شَجَرَة فَأخذ مِنْهَا ليمونة وَاحِدَة فقرأها وَإِذا عَلَيْهَا مَكْتُوب بِالذَّهَب
(أَنا الليمون قد غذيت عروقي ... بِبرد المَاء فِي حرز حريز)
(حسنت فَلَيْسَ يحسن أَن يحيى ... بأمثالي سوى الْملك الْعَزِيز)
فَجَعلهَا فِي كمه وَقَالَ هَذِه ضيافتي عنْدك وَانْصَرف إِلَى قصره فَبعث إِلَى أبي جَعْفَر بن مهذب صَاحب بَيت المَال فَقَالَ لَهُ مَا عنْدك من الدَّنَانِير ضرب هَذِه السّنة وَكَانَ ذَلِك فِي أَولهَا فَقَالَ لَهُ مائَة ألف وَسِتُّونَ
стр. 295
ألفا فَأمره بحملها من سَاعَته إِلَى الْأَمِير تَمِيم مَعَ رَاشد العزيزي وَقَالَ لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول لَك اسْتَعِنْ بِهَذَا على مؤونتك فَقبل الأَرْض وَبعث إِلَيْهِ من الْغَد قصيدة حَسَنَة يمدحه فِيهَا ويشكره
وَكَانَت أَيَّام الْعَزِيز بِمصْر أعياداً رفاهية ودعة وتمهداً فَكَانَ تَمِيم إِذا جَاءَ اللَّيْل أَمر مِائَتي فَارس من عبيده بحراسة النَّاس الخارجين فِي أَيَّام النيروز والميلاد والمهرجان وَعِيد الشعانين وَغير ذَلِك من أَيَّام اللَّهْو الَّتِي كَانُوا ينحون فِيهَا على أَمْوَالهم رَغْبَة وَيخرجُونَ إِلَيّ بركَة الْحَبَش متنزهين فيضربون عَلَيْهَا الْمضَارب الجليلة والسرادقات والقباب وَمِنْهُم من يخرج بالقيان والمسمعات والمخدرات وخيل تَمِيم تحرسهم فِي كل لَيْلَة إِلَى أَن ينصرفوا ويركب تَمِيم فِي عشاري تتبعه أَرْبَعَة زوارق وَأكْثر مَمْلُوءَة فَاكِهَة وَطَعَامًا ومشروباً فَإِن كَانَت اللَّيَالِي مُقْمِرَة وَإِلَّا كَانَ مَعَه من الشمع مَا يعود بِهِ اللَّيْل نَهَارا فَإِذا مر على طَائِفَة وَاسْتحْسن من غنائهم صَوتا أَمرهم بإعادته وسألهم عَمَّا ينقصهم فيعطيهم وَرُبمَا رَغِبُوا إِلَيْهِ أَن يسمعهم من غنائه فيقف عَلَيْهِم وَيَأْمُر من يُغني لَهُم وينتقل عَنْهُم إِلَى غَيرهم فيفعل هَذَا عَامَّة ليله ثمَّ ينْصَرف إِلَى قصوره وبساتينه على هَذِه الْبركَة فَلَا يزَال على هَذِه الْحَال حَتَّى تنقضى هَذِه الْأَيَّام ويفترق النَّاس
ولتميم يفخر
стр. 296
(لَا تبطر السَّرَّاء لي خلقا وَلَا ... أغدو على ضرائها متخشعاً)
(لي فِي الْمَشَارِق والمغارب جَوْلَة ... يَغْدُو بهَا قلب الزَّمَان مصدعاً)
وَله
(لِيهن الْمَعَالِي أنني أَنا رَبهَا ... وَأَنِّي إِذا مارمت صعباً تيسرا)
(غذتني مذ كنت النُّبُوَّة وَالْهدى ... فحسبي أَن كَانَا هما لي عنصرا)
وَله
(وَإِنِّي لألقى كل خطب بمهجة ... يهون عَلَيْهِ مِنْهُ مَا يتصعب)
(وأستصحب الْأَهْوَال فِي كل موطن ... ويمزج لي السم الزعاف فأشرب)
(فَمَا الْحر إِلَّا من تدرع حزمه ... وَلم يَك إِلَّا بالقنا يتنكب)
(خليلي مَا فِي أكؤس الراح راحتي ... وَلَا فِي المثاني لذتي حِين تضرب)
(ولكنني للمدح أرتاح والعلا ... وللجود والإعطاء أصبو وأطرب)
(وَمن بَين جَنْبَيْهِ كنفسي وهمتي ... يُرْجَى لَهُ فَوق الْكَوَاكِب مركب)
وَله فِي التَّشْبِيه
(عللاني بهَا فقد أقبل اللَّيْل ... كلون الصدود من بعد وصل)
стр. 297
(وانجلى الْغَيْم بعد مَا أضْحك الرَّوْض ... بكاء السَّحَاب فِيهِ بوبل)
(عَن هِلَال كصولجان نضار ... فِي سَمَاء كَأَنَّهَا جَام ذبل)
وَله
(رب صفراء عللتني بصفراء ... وجنح الظلام مرخى الْإِزَار)
(وَكَأن الدجى غدائر شعر ... وَكَأن النُّجُوم فِيهَا مداري)
وَله
(وانجلى الْغَيْم عَن هِلَال تبدى ... فِي يَد الْأُفق مثل نصف سوار)
وَله
(كَأَن السَّحَاب الغر أصبحن أكؤسا ... لنا وَكَأن الراح فِيهَا سنا الْبَرْق)
(إِلَى أَن رَأَيْت النَّجْم وَهُوَ مغرب ... وَأَقْبل رايات الصَّباح من الشرق)
(كَأَن سَواد اللَّيْل وَالصُّبْح طالع ... بقايا مجَال الْكحل فِي الْأَعْين الزرق)
وَله
(مَا ترى اللَّيْل كَيفَ رق دجاه ... وبدا طيلسانه ينجاب)
стр. 298
(وَكَأن الصَّباح فِي الْأُفق باز ... والدجى بَين مخلبيه غراب)
وَله
(أَلا سقنيها قهوة ذهبية ... فقد ألبس الْآفَاق جنح الدجى دعجٌ)
(كَأَن الثريا والظلام يحفها ... فصوص لجين قد أحَاط بهَا سبج)
(كَأَن نُجُوم اللَّيْل تَحت سوَاده ... إِذا جن زنجى تَبَسم عَن فلج)
وَله
(كَأَن كؤوس الشّرْب وَهِي دوائر ... قطائع مَاء جامد تحمل اللهب)
(فبتنا نسقى الشَّمْس وَاللَّيْل راكد ... ونقرب من بدر السَّمَاء وَمَا قرب)
وَقد حجب الْغَيْم الْهلَال كَأَنَّهُ ... ستارة شرب خلفهَا وَجه من نحب)
(كَأَن الثريا تَحت حلكة لَيْلهَا ... مداهن بلور من الْأُفق تضطرب)
وَله
(خُذْهَا إِلَيْك ودع لومي مشعشعة ... من كف أحوى أسيل الخد مذْهبه)
(وَانْظُر إِلَى اللَّيْل كالزنجي مُنْهَزِمًا ... وَالصُّبْح فِي إثره يعدو بأشهبه)
(والبدر منتصف مَا بَين أنجمه ... كَأَنَّهُ ملك فِي صدر موكبه)
وَله
(أوفى فأشرقت الْبِلَاد لنوره ... حسنا وَأرْسل بالشفاء رَسُولا
стр. 299
(مَا كنت أَحسب أَن بَدْرًا قبلهَا ... نقل الخطى كرما وَعَاد عليلاً)
(يَا عِلّة زار الحبيب من أجلهما ... لله أَنْت لقد شفيت غليلا)
وَله وَهُوَ من مُخْتَار شعره فِي النسيب
(أأعذل قلبِي وَهُوَ لي غير عاذل ... وأعصى غرامي وَهُوَ مَا بَين أضلعي)
(وَمن لي بصبر أستزيل بِهِ الجوى ... وَلَا جلدي طوعى وَلَا كَبِدِي معي)
(نأوا والأسى عني بهم غير منتأ ... وودعتهم وَالْقلب غير مُودع)
وَله
(يَا معطشي من وصال كنت وارده ... هَل فِيك لي رَحْمَة إِن صحت واعطشى)
(أَنْت الْحَيَاة الَّتِي تحيا النُّفُوس بهَا ... حَقًا فَإِن فقدتك النَّفس لم تعش)
توفّي تَمِيم فِي خلَافَة أَخِيه الْعَزِيز سنة أَربع وَسبعين وَتُوفِّي الْعَزِيز سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة
стр. 300
١٠٩ - خَلِيل بن إِسْحَاق بن ورد أَبُو الْعَبَّاس
مولده بطرابلس وَهُوَ من أَبنَاء جندها وَكَانَ فِي أول أمره يطْلب الْعلم وَالْأَدب ويصحب الصُّوفِيَّة ويبيت فِي الْمَسَاجِد إِلَى أَن خَالف أهل طرابلس بَلَده سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ فَكَانَ هُوَ الْمُتَوَلِي لعذابهم وَأخذ أَمْوَالهم وَذَلِكَ فِي أول دولة عبيد الله الْمهْدي وَاتبع الْقَائِم أَبَا الْقَاسِم مُحَمَّد بن عبيد الله الْمهْدي فِي مسيره إِلَى محاربة أهل مصر وَهُوَ إِذْ ذَاك ولى عهد فَلحقه بالإسكندرية وَكَانَ المتولى لجباية الْأَمْوَال وَالنَّظَر فِيهَا وَانْصَرف إِلَى المهدية فَقدم على خيل إفريقية وَكَانَ أَمر جندها إِلَيْهِ مَعَ النّظر فِي الْبَحْر
وَخرج إِلَى صقلية والياً على أَهلهَا فأهلكهم جوعا وقتلا وهرب كثير مِنْهُم إِلَى بلد الرّوم وَكَانَ يَقُول بعد وُصُوله إِلَى إفريقية مفتخراً المكثر يَقُول إِنِّي قتلت وأهلكت ألف ألف والمقلل يَقُول سِتّمائَة ألف وَكَانَ خُرُوجه إِلَيْهَا فِي أول دولة الْقَائِم سنة خمس وَعشْرين وثلاثمائة
وَقد كَانَ الْمهْدي عبيد الله سخط عَلَيْهِ فِي آخر دولته فخاف وَلما توفّي أَمنه الْقَائِم وَاسْتَعْملهُ فجار أَشد الْجور ونعوذ بِاللَّه من الْحور بعد الكور
(ثمَّ إِن الْقَائِم صرفه عَن صقلية واستقدمه مِنْهَا وَقدمه لِحَرْب أَبى يزِيد الْخَارِجِي وَأخرجه إِلَى مَدِينَة القيروان فِي ألف فَارس من وُجُوه العبيد فأساء معاملتهم حَتَّى أضغنهم ودبروا عَلَيْهِ وقصده أَبُو زيد فَدخل القيروان وحصره بداره إِلَى أَن أَخذه وَأَصْحَابه فاعتقلهم ثمَّ قَتلهمْ جَمِيعًا بِبَاب أَبى الرّبيع وَأمر بهم فصلبوا
стр. 301
وَمن شعره يمدح الْمهْدي ويناقض مَرْوَان بن أَبى حَفْصَة
(قف بالمنازل واسألن أطلالها ... مَاذَا يَضرك إِن أردْت سؤالها)
(هَل أَنْت أول من بَكَى فِي دمنة ... درست وغيرت الْحَوَادِث حَالهَا)
(يَا دَار زَيْنَب هَل تردين البكا ... عَن مقلة سفحت عَلَيْك سجالها)
(بدلت بالإنس الخرائد كالدمى ... وَحش الفلاة ظباءها ورئالها)
(وَلَقَد عهِدت لآل زَيْنَب حبرَة ... فِيهَا وَدُنْيا أَقبلت إقبالها)
(بَيْضَاء ناعمة يجول وشاحها ... وتهز دقة خصرها أكفالها)
(وَلها قوام كالقضيب وفوقه ... جعد يُصَافح كَفه خلْخَالهَا)
(وَكَأن فِي فِيهَا بعيد رقادها ... عسلاً أصَاب من السَّمَاء زلالها)
(وَلَقَد عصيت عواذلي فِي حبها ... وَالنَّفس تعصى فِي الْهوى عذالها)
وَمِنْهَا
(صلى الْإِلَه على النَّبِي مُحَمَّد ... وعَلى الإِمَام وزاده أَمْثَالهَا)
(إِن الإِمَام أَقَامَ سنة جده ... للْمُسلمين كَمَا حذوت نعالها)
(أَحْيَا شرائعها وَقوم كتبهَا ... وفروضها وحرامها وحلالها)
(وَهدى بِهِ الله الْبَريَّة بَعْدَمَا ... طلب الغواة الظَّالِمُونَ ضلالها)
(إِن الْخلَافَة يَا ابْن بنت مُحَمَّد ... حطت إِلَيْك عَن النَّبِي رِحَالهَا)
وَله وَقد اقتصد الْقَائِم
(قل للطبيب الَّذِي أوصى ليقصده ... رفقا وَلَا زلت بالإسعاد ترتفق)
(كَيفَ اسْتَطَعْت ترى بِاللَّه طلعته ... وَمن سنا نوره مَا يشرق الْأُفق)
(أم كَيفَ تخرج من كف تقبلهَا ... دَمًا وَمِنْهَا بحار الْجُود تندفق)
стр. 302
(إِنِّي لأعجب من كف مسست بهَا ... خير الورى كَيفَ لم ينْبت بهَا الْوَرق)
وَله عِنْد توديع الْقَائِم فِي خُرُوجه إِلَى القيروان وَكتب بهَا إِلَيْهِ
(وَمَا ودعت خير النَّاس طرا ... وَلَا فارقته عَن طيب نفس)
(وَكَيف تطيب نَفسِي عَن حَياتِي ... أفارقها وَعَن قمري وشمسي)
(وَلَكِنِّي طلبت رِضَاهُ جهدي ... وعفو الله يَوْم حُلُول رمسى)
(فَعَاشَ مملكاً مَا لَاحَ شمس ... على الثقلَيْن من جن وإنس)
وَبعد وُرُوده القيروان كَانَ من قَتله وصلبه مَا كَانَ وَمَا أفظع مصرع من احتقب الْإِثْم والعدوان
١١٠ - جَعْفَر بن فلاح الكتامي أَبُو الْفضل
هَذَا من رجال الدولة العبيدية وَلم يَقع إِلَى من خبْرَة مَا أذكرهُ هَاهُنَا سوي امتداح أبي الْقَاسِم بن هانىء إِيَّاه وحسبه بذلك نباهة وَكَفاهُ وَذكر ابْنه إِبْرَاهِيم مَعَه فِي مدحه وَفِي بعض النّسخ الَّتِي وقفت عَلَيْهَا من شعر ابْن هانىء
стр. 303
أَن الممدوح إِبْرَاهِيم بن جَعْفَر لَا أَبوهُ جَعْفَر وَوجدت مَنْسُوبا إِلَيْهِ
(وَيَوْم كَأَن الْغَيْم تَحت سمائه ... حكى مقلتي سَحا وَلم يحكني ضنا)
(كَأَن الغوادي بالمثاني نضحنه ... وألبسنه ثوبا من الْخَزّ أدكنا)
١١١ - يحيى بن عَليّ بن حمدون الجذامي بن الأندلسي
وَله ولأبيه ولأخيه جَعْفَر بن عَليّ رئاسة مَعْرُوفَة ونباهة فِي أَيَّام العبيدية مَذْكُورَة وعَلى بن حمدون هُوَ الَّذِي بنى المسيلة من بِلَاد الزاب الْأَكْبَر وسكنها ابْنه جَعْفَر فَعظم شَأْنه
وَلأبي الْقَاسِم مُحَمَّد بن هانىء الأندلسي فِيهِ وَفِي أَخِيه يحيى مدائح شهيرة وَكَانَ لما خرج من الأندلس إِلَى بني على هَؤُلَاءِ وَقع وإليهم قصد إِلَى أَن أعلقوه بالمعز معد بن إِسْمَاعِيل فاستفرغ فِيهِ شعره وَقصر عَلَيْهِ مدحه
стр. 304
وهرب جَعْفَر إِلَى الأندلس بعد مقتل زيري بن مُنَاد الصنهاجي وَلحق بِهِ أَخُوهُ يحيى فأقاما مكرمين عِنْد الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه إِلَى أَن سعى بهما إِلَيْهِ فسخط عَلَيْهِمَا وَأمر بإزعاجهما وَمن مَعَهُمَا رجالة من مَنَازِلهمْ إِلَى المطبق بِمَدِينَة الزهراء والنداء عَلَيْهِم بِمَا كفرُوا من النِّعْمَة وَظهر من شهامة يحيى وتجلده فِي هَذِه المحنة مَا شهر فَكَانَ يُنَادي على نَفسه مُعَارضا للمنادى لَا بل جَزَاء من آثر بني مَرْوَان على ولد فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ ونميت فِي الْوَقْت إِلَى معد بن إِسْمَاعِيل وَهُوَ فِي القيروان فأرضته وعطفته على آل على بن الأندلسي
ثمَّ إِن الحكم عَفا عَنْهُمَا بسعى عبد الْملك بن القَاضِي مُنْذر بن سعيد البلوطي صَاحب خطة الرَّد وتلطفه فِي الاستشفاع بِهِشَام بن الحكم فيهمَا وَهُوَ إِذْ ذَاك طِفْل فأطلقا من معتقلهما وتراجعت حَالهمَا
وحظى جَعْفَر فِي أَيَّام هِشَام عِنْد الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر بعد وَفَاة الحكم وَخص بِهِ ثمَّ قتل فِي طَرِيقه إِلَى قصر الْعقَاب حَسْبَمَا يذكر فِي آخر هَذَا الْمَجْمُوع بحول الله فرجم النَّاس فِيهِ الظنون وَأظْهر ابْن أبي عَامر الْحزن عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُتَّهم بِهِ
стр. 305
ودعا يحيى بن عَليّ أَخَاهُ وألهاه إِلَى أَن قَالَ لِابْنِ أبي عَامر أول لقية لقِيه غب قتل أَخِيه قد علمنَا من قَتله وَهَذَا جَزَاء مثله وَلَا مقَام بأرضك بعده فَقَالَ لَهُ ابْن أبي عَامر لَوْلَا أَن صدق ظَنك فِي أَخِيك لألحقتك بِهِ فَاخْرُج إِلَى لعنة الله غير مكلوء وَلَا مصاحب ووكل بِهِ من أزعجه فَخرج إِلَى العدوة وَسبق الْإِخْبَار عَنهُ حذرا من بلقين بن زيرى بن مُنَاد فَصَارَ إِلَى سجلماسة ثمَّ ركب الصَّحرَاء إِلَى مصر فَقبله الْعَزِيز بِاللَّه أَبُو الْمَنْصُور نزار وَهُوَ يَوْمئِذٍ الْخَلِيفَة بهَا وَأدْخلهُ فِي يَوْم زِينَة ثمَّ جعل يعْتَرف بالزلة وَيسْأل الصفح وَالْإِقَالَة فَقَالَ لَهُ نزار كلمتك بالزهراء قد أَتَت على ذَلِك كُله
وَعلم بلقين واسْمه يُوسُف ويكنى أَبَا الْفتُوح نُفُوذ يحيى إِلَى مصر فَقَامَتْ عَلَيْهِ الْقِيَامَة وعثر على ابْن لَهُ عَامر تخلف عَنهُ بالمغرب فَقبض عَلَيْهِ
стр. 306
وَقَتله وَلم تطل بِهِ المسرة بعد قتل جَعْفَر حَتَّى فاجأته الْمنية فَهَلَك فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وثلاثمائة
وَمن شعر يحيى بن عَليّ وأنشده أَبُو عَامر السالمي فِي كتاب التشبيهات من تأليفه قَوْله يصف فرسا
(ومتمماً فِي خلقه لم يبخس ... عارى الْأَدِيم من الملاحة مكتس)
(صلت إِلَيْهِ الْخَيل فَهُوَ إمامها ... وَهُوَ الْمُقدم عِنْدهَا فِي الْأَنْفس)
(وَكَأن لون أديمه من سوسن ... وَكَأن لون لجامه من نرجس)
تمّ بعون الله الْجُزْء الأول من كتاب الْحلَّة السيراء
ويليه الْجُزْء الثَّانِي وأوله تَرْجَمَة
سُلَيْمَان بن الحكم بن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر المستعن بِاللَّه أبي أَيُّوب
стр. 307
الْمِائَة الْخَامِسَة
١١٢ - سُلَيْمَان بن الحكم بن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر المستعين بِاللَّه أَبُو أَيُّوب
قَدمته البرابرة عِنْد قتل عَمه هِشَام بن سُلَيْمَان بن النَّاصِر الْقَائِم على الْمهْدي مُحَمَّد بن هِشَام بن عبد الْجَبَّار بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر باعث الْفِتْنَة بالأندلس وموقد نارها الخامدة وشاهر سيفها المغمد
وَكَانَ الْمهْدي حاقداً على الْعَامِرِيين قَتلهمْ أَبَاهُ هشاماً فِي دولة المظفر عبد الْملك ابْن الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر لاتهامهم إِيَّاه بمبالأة الْوَزير عِيسَى بن سعيد القطّاع قَتِيل عبد الْملك فَقَامَ على هِشَام الْمُؤَيد فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة تسع وَتِسْعين
стр. 308
وثلاثمائة وخلعه وحبسه عِنْد وزيره الْحُسَيْن بن حَيّ وَقتل عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أبي عَامر وَهُوَ الملقب بالناصر وصلبه وَأدْركَ بِهِ ثَأْره
وَأقَام بقرطبة مدعوّاً لَهُ على منابرها وَسَائِر مَنَابِر الأندلس إِلَى أَن ثار عَلَيْهِ فِي آخر شَوَّال من السّنة هِشَام بن سُلَيْمَان الْمَذْكُور وحاربه فظفر بِهِ الْمهْدي وَعجل قَتله فهرب سُلَيْمَان المستعين بِاللَّه وَأهل بَيته خُفْيَة من الْمهْدي واضطربوا فِي نواحي قرطبة فالتف البربر على سُلَيْمَان هَذَا وقدموه خَليفَة وأصفقوا على بيعَته لانحرافهم عَن الْمهْدي وأضطغانهم عَلَيْهِ قتل عبد الرَّحْمَن بن أبي عَامر
وتعجل سُلَيْمَان بهم النهوض إِلَى الثغر مستجيشاً بالنصارى على محاربة الْمهْدي ثمَّ عَاد فَالْتَقوا جَمِيعًا بقنتيش فَكَانَت الْوَقْعَة الْمَشْهُورَة على أهل قرطبة قتل فِيهَا نَيف على عشْرين ألفا ذكر ذَلِك الْحميدِي وَغَيره
стр. 309
وَدخل سُلَيْمَان قصر قرطبة وبويع لَهُ بالخلافة لِلنِّصْفِ من شهر ربيع الأول سنة أَرْبَعمِائَة وَتسَمى حِينَئِذٍ ب الظافر بحول الله مُضَافا ذَلِك إِلَى لقب المستعين بِاللَّه واستتر المهديّ بعد انهزامه إِلَى أَن لحق بطليطلة والثغور بَاقِيَة على طَاعَته ودعوته من طرطوشة قاصية شَرق الأندلس إِلَى الأشبونة من غربها فاستجاش هُوَ أَيْضا النَّصَارَى وَأَقْبل بهم إِلَى قرطبة فَخرج إِلَيْهِ سُلَيْمَان فَهَزَمَهُ المهديّ بِموضع يعرف بعقبة الْبَقر وَدخل قرطبة كرة أُخْرَى والياً ومستولياً على الْخلَافَة فَلم يلبث أَن وثب عَلَيْهِ العبيد العامريون مَعَ وَاضح الصقلبي فَقَتَلُوهُ وصرفوا هشاماً الْمُؤَيد وَسليمَان المستعين أثْنَاء ذَلِك يجوس خلال الأندلس وَرِجَاله وَمن مَعَهم من البربر ينهبون وَيقْتلُونَ ويقفزون الْمَدَائِن والقرى بِالسَّيْفِ وينهبون كل مَا يَجدونَ من الْأَمْوَال إِلَى أَن دخلُوا مَعَه قرطبة عنْوَة فِي صدر شَوَّال سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة فاستباحوها وَقتلُوا أَهلهَا وغيّب سُلَيْمَان هشاماً الْمُؤَيد فَلم يره أحد بعد ذَلِك وَكَانَ لدته ولدا جَمِيعًا فِي لَيْلَة وَاحِدَة ثمَّ تقاربا فِي الْوَفَاة وَأقَام سُلَيْمَان والياً إِلَى أَن ثار عَلَيْهِ عليّ بن حمود الْعلوِي الإدريسي وَكَانَ فِي جملَة جنده فَقتله بِيَدِهِ يَوْم الْأَحَد لثمان بَقينَ من الْمحرم سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة وَقتل مَعَه أَبَاهُ حكم بن سُلَيْمَان وأخاه عبد الرَّحْمَن وَادّعى أَن هشاماً الْمُؤَيد عهد إِلَيْهِ بِالْأَمر من بعده
стр. 310
وَفِي ذَلِك الْيَوْم انقرض ملك بني مَرْوَان بالأندلس على رَأس مِائَتي سنة وثمان وَسِتِّينَ سنة وَثَلَاثَة وَأَرْبَعين يَوْمًا محصاة من يَوْم الْأَضْحَى الَّذِي تقدم فِيهِ عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة إِلَى مقتل سُلَيْمَان هَذَا ثمَّ عَاد بعد ذَلِك سِنِين يسيرَة وانقرض على الْأَثر فَلم يعد إِلَى الْيَوْم
وَكَانَ سُلَيْمَان المستعين من أهل الْعلم والفهم أديباً فصيحاً شَاعِرًا لَهُ رسائل وأشعار بديعة وَهُوَ الْقَائِل فِيمَا أَخْبرنِي بِهِ القَاضِي أَبُو الْخطاب أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن وَاجِب الْقَيْسِي مناولة ببلنسية عَن القَاضِي أبي بكر بن الْعَرَبِيّ إجَازَة عَن أبي بكر مُحَمَّد بن طرخان عَن أبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي نصر الْحميدِي وَأَخْبرنِي أَيْضا القَاضِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي جَمْرَة فِي كِتَابه من مرسية مرَّتَيْنِ عَن القاضيين أبي بكر بن الْعَرَبِيّ الْمَذْكُور وَأبي الْحسن شُرَيْح بن مُحَمَّد الرعيني وَأَخْبرنِي أَيْضا قَاضِي قُضَاة الْمغرب أَبُو الْقَاسِم أَحْمد بن يزِيد بن بَقِي فِي كِتَابه إليّ من قرطبة عَن أبي الْحسن شُرَيْح بن مُحَمَّد بن شُرَيْح كِلَاهُمَا عَن الْفَقِيه أبي مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد بن حزم قَالَ الْحميدِي مِنْهُمَا أَنْشدني أَبُو مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد قَالَ أَنْشدني فَتى من ولد إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق المنادى الشَّاعِر وَكَانَ يكْتب لأبي جَعْفَر أَحْمد بن سعيد الدب قَالَ أَنْشدني أَبُو جَعْفَر قَالَ أَنْشدني أَمِير الْمُؤمنِينَ سُلَيْمَان الظافر لنَفسِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد هُوَ ابْن حزم وأنشدنيها قَاسم بن مُحَمَّد المرواني قَالَ أنشدنيها وليد بن مُحَمَّد الْكَاتِب لِسُلَيْمَان الظافر
стр. 311
(عجبا يهاب اللَّيْث حدّ سناني ... وأهاب لحظ فواتر الأجفان)
(وأقارع الْأَهْوَال لَا متهيباً ... مِنْهَا سوى الْإِعْرَاض والهجران)
(وتملّكت نَفسِي ثَلَاث كالدّمى ... زهر الْوُجُوه نواعم الْأَبدَان)
(ككواكب الظلماء لحن لناظر ... من فَوق أَغْصَان على كُثْبَان)
(هذي الْهلَال وَتلك بنت الْمُشْتَرى ... حسنا وهذى أُخْت غُصْن البان)
(حاكمت فيهنّ السّلوّ إِلَى الْهوى ... فَقضى بسُلْطَان على سلطاني)
(فأبحن من قلبِي الْحمى وثنينى ... فِي عزّ ملكي كالأسير العاني)
(لَا تعذلوا ملكا تذلّل للهوى ... ذلّ الْهوى عز وَملك ثَان)
(مَا ضرّ أَنِّي عبدهن صبَابَة ... وَبَنُو الزَّمَان وهنّ من عبداني)
(إِن لم أطع فِيهِنَّ سُلْطَان الْهوى ... كلفاً بِهن فلست من مَرْوَان)
(وَإِذا الْكَرِيم أحبّ أمّن إلفه ... خطب القلى وحوادث السّلوان)
(وَإِذا تجارى فِي الْهوى أهل الْهوى ... عَاشَ الْهوى فِي غِبْطَة وأمان)
قَالَ الْحميدِي وَهَذِه الأبيات مُعَارضَة للأبيات الَّتِي تنْسب إِلَى هَارُون الرشيد أنشدنيها لَهُ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عُثْمَان بن مَرْوَان الْعمريّ وَهِي
(ملك الثَّلَاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبِي بِكُل مَكَان)
(مَالِي تطاوعني الْبَريَّة كلّها ... وأطيعهن وهنّ فِي عصياني)
(مَا ذَاك إِلَّا أنّ سُلْطَان الْهوى ... وَبِه قوين أعزّ من سلطاني)
قلت وَقد صرح الرشيد بأسماء هَؤُلَاءِ الْجَوَارِي الثَّلَاث فِي قَوْله
(إِن سحرًا وضياء وخنث ... هنّ سحر وضياء وخنث)
стр. 312
(أخذت سحر وَلَا ذَنْب لَهَا ... ثُلثي قلبِي وترباها الثُّلُث)
وَقَالَ أَبُو بكر أَحْمد بن سعيد بن أبي الفيّاض الْمَعْرُوف بِابْن الغشّاء فِي كتاب العبر من تأليفه وَذكر سُلَيْمَان هَذَا لَهُ قصائد طَوِيلَة فِي فنون كَثِيرَة مَعَ الْمعَانِي العجيبة والألفاظ الغريبة إِلَّا أَنه تقلد فِي قِيَامه بِالْملكِ عَظِيما وَحمل إِلَى عُنُقه من دِمَاء الْمُسلمين جسيماً وَكَانَ قبل الْخلَافَة رُبمَا امتدح من خدمَة السُّلْطَان المستخدمين أخْبرت عَن الْوَزير ابْن صاعد أَنه امتدحه أَيَّام ولَايَته على جيّان وَكَانَ يبرّه فِي ضَيْعَة لَهُ وَلَا يكلفه عَلَيْهَا عشوراً وَلَا حشداً قَالَ وَكَأَنِّي أرَاهُ قَائِما بَين يَدي ابْن عَمه المهديّ الْقَائِم على بني أبي عَامر والمهديّ جَالس على مقْعد الْخلَافَة وَهُوَ أَمَامه قد لبس ثوب خزّ وَعَلِيهِ طاق خَز ملون وأخروف وشي وَقد رمى بثيابه على عَاتِقه وَبِيَدِهِ
стр. 313
سيف وَهُوَ ينشد شعر طَويلا يهنيه فِيهِ بالخلافة ويمتّ إِلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ أَوله
(الْحَمد لله حمداً لَا نقلّله ... هَذَا السرُور الَّذِي كُنَّا نؤمله)
وَهِي قصيدة كَبِيرَة رائقة واختراعاته فِيهَا فائقة مَعَ الْمعَانِي الجزلة وَرفع إِلَيْهِ بعض خدمته معتذراً فوقّع لَهُ على ظهر كِتَابه
(قَرَأنَا مَا كتبت بِهِ إِلَيْنَا ... وعذرك وَاضح فِيمَا لدينا)
(وَمن يكن القريض لَهُ شَفِيعًا ... فَترك عتابه فرض علينا)
قَالَ ابْن أبي الفيّاض وَأَخْبرنِي أحد إخْوَانِي قَالَ كتب إِلَيْهِ الْوَزير يُوسُف بن أَحْمد الْبَاجِيّ يذكرهُ بِزَمَانِهِ مَعَه ويمتّ بخدمته لَهُ ويسأله تَجْدِيد العارفة لَدَيْهِ ونظم أبياتاً أَولهَا
(قل للْإِمَام المستعين ... وَرَسُول رب الْعَالمين)
فوقّع لَهُ سُلَيْمَان
(أَنْت المصدّق عندنَا ... بِصَرِيح ودّ مستبين)
(فاربع عَلَيْك فهّمنا ... توطيد أَمر الْمُسلمين)
(فَإِذا توطد واستقام ... وخاب ظن الحاسدين)
(أَصبَحت من دنياك فِي ... أَعلَى مَحل الآملين)
قَالَ وَكتب إِلَيْهِ القَاضِي أَبُو الْقَاسِم بن مِقْدَام يشكو إِلَيْهِ ضيق حَاله وَكَانَ مَعَه فِي تجوله مَعَ البربر بِشعر أَوله
(أهل ترْضى لعبدك أَن يذالا ... وَأَن يبْقى على الدُّنْيَا عيالا)
فَبعث إِلَيْهِ بصلَة وَكِسْوَة ووقّع لَهُ على ظهر كِتَابه
стр. 314
(معَاذ الله أَن تبقى عيالا ... وَأَن ترْضى لمثلك أَن يذالا)
(وَكَيف وَأَنت مُنْقَطع إِلَيْنَا ... وَقد علقت يداك بِنَا حِبَالًا)
(ودونك من نوافلنا يسير ... وَلَكنَّا انتقيناه حَلَالا)
وَلما نَهَضَ إِلَى قرطبة بعد تغلبه عَلَيْهَا وَأَخذه إِيَّاهَا عنْوَة بالفتكة الْأَخِيرَة الْقَاهِرَة خرج أَهلهَا إِلَيْهِ متلقين لَهُ ومسلمين عَلَيْهِ فَأَنْشد متمثلاً
(إِذا مَا رأوني طالعاً من ثنيّة ... يَقُولُونَ من هَذَا وَقد عرفوني)
(يَقُولُونَ لي أَهلا وسهلاً ومرحباً ... وَلَو ظفروا بِي سَاعَة قتلوني)
فَكَانَ بهما فِي هَذَا الموطن أَحَق من قَائِلهَا
١١٣ - عبد الرَّحْمَن بن هِشَام بن عبد الْجَبَّار ابْن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر أَبُو الْمطرف المستظهر بِاللَّه
أَخُو أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن هِشَام الْمهْدي بُويِعَ لَهُ بالخلافة بقرطبة فِي رَمَضَان سنة أَربع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة بعد ذهَاب دولة بني حمود وانقراضها من قرطبة وَهُوَ ابْن ثَلَاث أَو اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة
ثمَّ ثار عَلَيْهِ ابْن عَمه المستكفي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عبيد الله بن النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد فِي طَائِفَة من أراذل الْعَوام فَقتل المستظهر لثلاث بَقينَ من ذِي الْقعدَة من السّنة فَكَانَت خِلَافَته سَبْعَة وَأَرْبَعين يَوْمًا وَلم يعقّب
стр. 315
قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم الْفَقِيه كَانَ المستظهر فِي غَايَة الْأَدَب والبلاغة والفهم ورقة النَّفس وَقَالَ ابْن حيّان لم يكن فِي بَيته يَوْمئِذٍ أبرع مِنْهُ وَكَانَ قد نقّلته المخاوف وتقاذفت بِهِ الْأَسْفَار فتحنّك وتخرّج وتمرن وَكَاد يستولي على الْأَمر لَو أَن المنايا أنسأته وَقَالَ فِي مَوضِع آخر وَكَانَ فَتى أيّ فَتى لَو أخطأته المتالف
وَكَانَ قد أخرج رسله إِلَى جمَاعَة الرؤساء بالأندلس يلْتَمس الْبيعَة ويستنفر الكافة وَيَدْعُو إِلَى كرّة الدولة فأخفق مَا طلبه وعوجل وَلما تقتض الْأَجْوِبَة رسله واضمحل أمره والبقاء لله وَحده قَالَ وَكَانَت سنه يَوْم قتل ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَكَانَ على حُدُوث سنه يقظاً أديباً حسن الْكَلَام جيد القريحة مليح البلاغة يتَصَرَّف فِي مَا شَاءَ من الْخطاب بديهة وروية ويصوغ قطعا من الشّعْر مستجادة وَهُوَ الْقَائِل يُخَاطب شنف زوج سُلَيْمَان المستعين عِنْدَمَا خطب ابْنَتهَا مِنْهُ الْمُسَمَّاة حَبِيبَة وتكنّى أمّ الحكم فلوته وسوفته
стр. 316
(وجالية عذرا لتصرف رغبتي ... وتأبى الْمَعَالِي أَن تجيز لَهَا عذرا)
(يكلفها الأهلون ردي جَهَالَة ... وَهل حسن بالشمس أَن تمنع البدرا)
(وماذا على أم الحبيبة إِذْ رَأَتْ ... جلالة قدري أَن أكون لَهَا صهرا)
(ربيبة ملك ... حبه نكرا)
(جعلت لَهَا شرطا عليّ تعبّدي ... وسقت إِلَيْهَا فِي الْهوى مهجتي مهْرا)
(تعلّقتها من عبد شمس غريرة ... مخدرة من صيد آبائها غرّا)
(حمامة بَيت العبشميّين رفرفت ... فطرت إِلَيْهَا من سراتهم صقرا)
(تقلّ الثريا أَن تكون لَهَا يدا ... ويرجو الصَّباح أَن يكون لنا نحر)
(لقد طَال صَوْم الْحبّ عَنْك فَمَا الَّذِي ... يَضرك مِنْهُ أَن تَكُونِي لَهُ فطرا)
(وَإِنِّي لأستشفي لما بِي بداركم ... هدوءاً وأستسقي لساكنها القطرا)
(وألصق أحشائي بِبرد ترابها ... لأطفىء من نَار الأسى بكم جمرا)
(فَإِن تصرفيني يَا ابْنة الْعم تصرفي ... وعيشك كفوا مد رغبته سترا)
(وَإِنِّي لأرجو أَن أطوّق مفخري ... بملكي لَهَا وَهِي الَّتِي عظمت فخرا)
(وَإِنِّي لطعّان إِذا الْخَيل أَقبلت ... جرائدها حَتَّى ترى جونها شقرا)
(ومكرم ضَيْفِي حِين ينزل ساحتي ... وجاعل وفري عِنْد سائله وفرا)
(وَإِنِّي لأولى النَّاس من قَومهَا بهَا ... وأنبههم ذكرا وأرفعهم قدرا)
(وَعِنْدِي مَا يصبى الحليمة ثَيِّبًا ... وَيُنْسِي الفتاة الخود عذرتها البكرا)
(جمال وأداب وَخلق موطّأ ... وَلَفظ إِذا مَا شِئْت أسمعك السحرا)
стр. 317
وَله وَقد لمحها يَوْمًا وَأَوْمَأَ بِالسَّلَامِ فَلم ترد عَلَيْهِ خجلا
(سَلام على من لم يجد بِكَلَامِهِ ... وَلم يُربي أَهلا لردّ سَلَامه)
(سَلام على الظبى الَّذِي كلما رمى ... أصَاب فُؤَادِي عَامِدًا بسهامه)
(بنفسي حبيب لم يجد لمحبه ... بطيف خيال زائر فِي مَنَامه)
(ألم تعلمي يَا عذبة الإسم أنني ... فَتى فِيك مخلوع عذار لجامه)
(وَإِنِّي وفيّ حَافظ لأذمّتي ... إِذا لم يقل غَيْرِي بِحِفْظ ذمامه)
(يبشّر ذَاك الشّعر شعري أَنه ... سيوصل حبلي بعد طول انصرامه)
(وَمَا شكّ طرفِي أَن طرفك مسعدي ... ومنقذ قلبِي من خبال غرامه)
(عَلَيْك سَلام الله من ذِي تَحِيَّة ... وَإِن كَانَ هَذَا زَائِدا فِي اجترامه)
стр. 318
وَله أَيْضا فِيهَا
(تبسّم عَن درّ تنضّد فِي الورس ... وأسفر عَن وَجه يَنُوب عَن الشَّمْس)
(غزال براه الله من نور عَرْشه ... لتقطيع أنفاسي وَلَيْسَ من الْإِنْس)
(وهبت لَهُ روحي وملكي ومهجتي ... وَنَفْسِي وَلَا شَيْء أعز من النَّفس)
وَله
(طَال عمر اللَّيْل عِنْدِي ... مذ تولعت بصدي)
(يَا غزالا نقض الْعَهْد ... وَلم يوف بعهدي)
(أنسيت الْعَهْد إِذْ بتنا ... على مفرش ورد)
(واجتمعنا فِي وشاح ... وانتظمنا نظم عقد)
(وتعانقنا كغصنين ... وقدانا كقدّ)
(ونجوم اللَّيْل تحكي ... ذَهَبا فِي لازورد)
وَرفع إِلَيْهِ شَاعِر مِمَّن هنأه بالخلافة يَوْم بيعَته شعرًا فِي رقّ مبشور وَاعْتذر من ذَلِك بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
(الرّقّ مبشور وَفِيه بِشَارَة ... ببقا الإِمَام الْفَاضِل المستظهر)
стр. 319
(ملكا أعَاد الْعَيْش غضّاً شخصه ... وَكَذَا يكون بِهِ طوال الأدهر)
فأجزل صلته وَوَقع على ظهر رقعته بِهَذِهِ الأبيات
(قبلنَا الْعذر فِي بشر الْكتاب ... لما أحكمت من فصل الْخطاب)
(وجدنَا بالجزا مِمَّا لدينا ... على قدر الْوُجُود بِلَا حِسَاب)
(فَنحْن المنعمون إِذا قَدرنَا ... وَنحن الغافرون أَذَى الذناب)
(وَنحن المطلعون بِلَا امتراء ... شموس الْمجد من فلك التُّرَاب)
وَله يَوْم الْوُثُوب عَلَيْهِ
(يَا أَيهَا الْقَمَر الْمُنِير ... كن نَحْو شبهك لي سفير)
(بِتَحِيَّة أودعتها ... شوقاً بنيات الصُّدُور)
١١٤ - أَبُو الْحسن بن هَارُون
قَرَأت فِي تَارِيخ أبي بكر بن عِيسَى بن عِيسَى بن مزين أَن أَبَا جَعْفَر
стр. 320
أَحْمد بن سعيد الْمَعْرُوف بالدّب وَزِير سُلَيْمَان المستعين بِاللَّه وكاتبه الْخَاص بِهِ وَلما تحركت فتْنَة عَليّ بن حمود الْعلوِي بعث إِلَى شنتمريّة الغرب وَهِي مرسى أكشونبة مِمَّا يَلِي الْبَحْر الْمُحِيط الغربي ذَا الوزارتين أَبَا عُثْمَان سعيد بن هَارُون الماردي الدَّار وَكَانَت بَينهمَا مصاهرة قَالَ فَلم تطل الْمدَّة حَتَّى قتل الدّب ثمَّ قتل سُلَيْمَان فَملك ابْن هَارُون مَا بِيَدِهِ إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة أَربع أَو خمس وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة فورث حَاله ابْنه مُحَمَّد بن سعيد وَحكى أَنه سمى بالمعتصم إِلَى أَن أخرجه عباد بن مُحَمَّد يَعْنِي المعتضد فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين فَصَارَت فِي يَده ثمَّ فِي يَد ابْنه مُحَمَّد بن عباد
وَقَالَ ابْن بسام وَذكر أَبَا الْحسن بن هَارُون هَذَا وَلم ينْسبهُ وَهُوَ عليّ ابْن مُحَمَّد بن سعيد بن هَارُون جدّه لأمه أَبُو الْحسن بن الإستجّي فَأَما سلفه من قبل أَبِيه فقد انخدع لَهُم الزَّمَان بريهة وهينم بِأَسْمَائِهِمْ السُّلْطَان هنيهة بشنتمرية الغرب إِلَى أَن نبّه الدَّهْر الغافل على أَمرهم وأسكت عَن ذكرهم على يَدي المعتضد عباد بن مُحَمَّد مخلي الأوطان وملحق بالأقران
следующие страницы →